جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 30

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد ١٨١ | رجب ١٤٤٢ ھ – فبراير ٢٠٢١م . 

02-03-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)

حقاني يقول: الخونة من الأحزاب لم يشاركوا في معركة الليل وفي الصباح اعتذروا.

سياف / حكمتيار / الجنرال تاناي، وراء الخيانة الجديدة وإفشال الهجوم على”شيخ أمير”

 

– فشلت مفاوضات (حكمتيار/ شاه نواز)، ورفضت إدارة خوست الاستسلام. وحقاني رفض وقف القتال أثناء المفاوضات حتى لا تماطل الحكومة.

– بدأ حقاني يصلي صلاة الحاجة ثم صلاة العصر، ثم غاب في دعاء طويل، فتأكدتُ أن الهجوم سيكون الليلة.

– جماعة حكمتيار وجماعة سياف رفضتا التقدم لمتابعة الهجوم، وحقاني يرجوهم المتابعة ويقسم لهم بأن دباباته قد دخلت شيخ أمير، ومجاهديه متمسكون بمواقعهم التي احتلوها.

–  في الصباح قال لي حقاني: أخبار الأمس غير جيدة فهؤلاء الخائنين من الأحزاب لم يشاركوا في معركة الأمس.. واليوم صباحاً اعتذروا.

–  انقضت ليلة (حكمتيار وشاه نواز) بمأساة دامية وانتكاسة للعمل العسكري في خوست.

–  الجنرال عجب مزاري للمجاهدين:  إنني مسلم مثلكم فلماذا تقتلونني؟.

   أنا مسلم.. ولكنني أشرب الخمر.. إذا وجدته.. أما الزنا.. فهو ديدني!!.”

– لم نستطع النوم من شدة البرد، فكان لكل ثلاثة أو أربعة بطانية واحدة ، وبدأت الغارات الجوية في منتصف الليل .

– القيادة السياسية المتخاذلة أو الخائنة تتآمر على العمل العسكري الناجح لتحطيمة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

الخميس 8 مارس 90 :

بدأت الغارات الجوية مع أول ضوء وبكثافة، كأن الحرب قد نشبت. كانت ضربة وقائية، فحكومة كابل تعلم ما يدور في خوست، وبأن المشاورات جارية بين شاه نواز وقيادة المدينة من أجل التسليم.

ومهمة تلك الغارات إظهار القوة، وتثبيت قيادة الحامية في خوست وتهديدهم في نفس الوقت إن هم استسلموا، فالعقاب الجوي سوف يكون سريعاً ورادعاً ليس فقط بالطائرات بل أيضاً بصواريخ سكود.

جلسنا أمام المغارة نحتس أكواب الشاي، وجلس إلى جانبي الشيخ نظام الدين، ثم جاء حقاني وآخرون. وكانت فرصة للحديث قبل أن يستأنف برنامج المقابلات “الجماهيرية”مع أصحاب السيارات التي مازالت محتشدة، ومن المتوقع أن تتزايد هذا اليوم فقد ذهب بعضهم لاستجلاب المزيد من “النهابين”.

بدأت الحديث الذي قطعناه عدة مرات بسبب الغارات الجوية القريبة للغاية من مركزنا، ومع ذلك لم يفكر أحد من “المشايخ” أن يترك موضعه ليأوي إلى المغارة القريبة، وكنت مرغماً على مسايرتهم، خاصة وأن حقاني موجود .

قال حقاني إن أحد أعوان” شاه نواز” سيذهب لمقابلة قيادة خوست كي يطلب منهم التسليم، وقد اتصل بنا “نظر محمد” قائد جماعة جلب الدين في خوست، وطلب منا إيقاف المعارك إلى حين انتهاء المفاوضات.

فقلنا لهم: إن العمليات دائرة فعلاً وإيقافها فيه ضرر شديد ونحن غير مستعدين لإيقاف العمليات إلا لفتره محدودة جداً. فطلبوا مهلة حتى غروب الشمس، فوافقناهم على ذلك وشرحنا لهم أن ذلك أفيد لهم في المفاوضات حتى لا تعمد حكومة خوست إلى المماطلة.

فذكرت له ما كتبته صحف باكستان على لسان مولوي عبيد الله مندوبه في بشاور أول أمس وأنه صرح لهم بأن المجاهدين قد حفروا خندقاً للتقرب من المواقع الحكومية في شيخ أمير وأن العمل في ذلك الخندق قد اكتمل الآن وأن الهجوم سيبدأ بعد يوم أو أكثر. فاندهش حقاني وقال ضاحكاً: كيف يقول ذلك؟ إن كل ذلك صحيح لقد كشف أسرارنا.

فرددت قائلاً: ربما لأجل ما قاله مولوي عبيد الله، فإن شاه نواز تعجل في القيام بالانقلاب. فضج الجالسون بالضحك.

في الساعة الخامسه قابلت الضابط عمر الذي أخبرني بأن طلبة الكلية العسكرية التابعة لحقاني قد حضروا حتى يقوموا بدور حفظ الأمن في حال استلام المدينة، وكان الطلبة في كامل زينتهم العسكرية وزيهم العسكري الموحد.

وقد استقرت مجموعة منهم في أحد المغارات على طرف معسكر خليل قرب مركز المدفعية التابع للكوتشي.

ثم أنباء متداولة تقول: إن المجاهدين قد أسقطوا طائرة نفاثة صباح اليوم بواسطة مدفع الشلكا وبعضهم يقول طائرتين.

قضينا ليله باردة في المسجد، الأغطية غير كافية، كان لكل ثلاثة أو أربعة بطانية واحدة. أكثرنا لم يستطيع النوم لأجل البرد . بدأت الغارات الجوية منذ منتصف الليل.

 

 

الجمعة 9 مارس 90 :

على منطقتنا بدأت غارات الطيران قبل السابعة صباحاً، معظم القذائف المستخدمة كانت عنقودية. قبل التاسعة كنا فوق مركز الترصد لمتابعة عمليات اليوم بعد أن انتهت المهلة المحددة لوقف العمليات، فقد فشلت مفاوضات “شاه نواز حكمتيار”، ورفض قادة المدينة الاستسلام لوزير الدفاع.

فوق الجبل أحضروا منظار روسي ضخم لم أشاهد مثله قبلاً، وهو مخصص للتوجيه المدفعي كما يظهر من كثرة التدريجات الدقيقة لتحديد الزوايا.

لقد جهزوا للمنظار الجديد موقعاً تحت أجمة من الأشجار الشوكية على الجانب المواجه للعدو ولكنها قريبة من خط القمة، كان من الخطر جداً التحرك في ذلك المكان، خاصة وأن حقاني سيكون خلف المنظار لمتابعة العمليات وإعطاء التعليمات.

شعرت بالقلق لمعرفتي أن ضبط الحركة في المكان سوف يكون صعباً جداً. وقد تنشأ عن ذلك عواقب قد تكون غاية الخطورة.

نبهت عبد العزيز، وهو رابض خلف الصخور السوداء القريبه من الأشجار، فقال: إنه أصدر تعليماته وسوف يبذل جهده مع المجاهدين وحرس حقاني لضبط حركتهم فوق القمة وحول الأشجار التي فيها المنظار وسيجلس فيها حقاني نفسه.

أول الأخبار كان غير سار، فطائرات النقل العسكرية تهبط في المطار بحرية، السبب أن مدفع المجاهدين معطل، والشلكا فوق تورغار لاتصل إلى الطائرات.

ليس هناك تركيز في العمل ضد المطار، وكأن المسألة موسمية، كنت أتوقع أن يكون وقف الملاحة الجوية في المطار مسألة حتمية بعد سقوط تورغار ولكن اتضح أن الأمر ليس كذلك، فليس أمام الحكومة حل آخر سوى استخدام المطار وتحمل أي خسائر تنجم عن ذلك. أما المجاهدون فليس لديهم قدرة على التركيز لفترة طويلة على عمل ما، والمدفعيه دائماً مشتتة بين مهام متنوعة مع العمليات على أرض الجبهة  وليس للمطار نصيب خاص، كنت أتصوّر تخصيص عدد من قطع المدفعية للمطار فقط لمنع استخدامه .

ومنيت نفسي أن عمليات اليوم قد تسفر عن تقديم جديد على الأرض يؤدي إلى إغلاق المطار نهائياً. الساعة 3 عصراً: (سقط صاروخي سكود في وقت واحد تقريباً، أحدهم في منطقه باري قرب المدخل من طرف خوست، والآخر عند وادي ليجاه من نفس الطرف).

كان التكدس رهيباً في تلك المراكز، فقد ازدحمت إلى جانب المجاهدين بعدة مئات من حاملي البنادق المنتظرين سقوط المدينة واستسلامها.

ومئات أخرى خاصموا الجبهات عدة سنوات ثم عادوا فجأة بأسلحة ثقيلة وخفيفة. تساءلت هل لفتح المدينة أم للصراع على النهب؟ لم يتوقف الطيران طول اليوم عن قصف كل مكان تقريباً. ولم أدر لحظة سقوط صارخ سكود في باري بأنني فقدت اثنين من أصدقائي القدماء، أحدهما عبد الرحمن طالب العلم في قبيلة جُرْبُز، وزميله محمد أمين وكانا يعملان مع مجموعتهما على راجمة صواريخ. وكانت الإصابة مباشرة قضت على المجموعة كلها وعددهم ثمانية.

وأدت غارات الطائرات إلى سقوط إحدى المغارات على مجموعة من طلبة الكلية العسكرية فقتل منهم أربعة ، رغم أن القنابل لم تصب المغارة بشكل مباشر، لكن الارتجاجات الناجمة على الانفجار أدت إلى سقوط كتل صخرية من سقف المغارة.

من مفاجئات هذا اليوم العجيب هو ظهور الجنرال عجب مزاري على جهاز المخابرة في اتصال مباشر مع المجاهدين حيث دارت ملاسنات شديدة وتهديدات متبادلة لا تخلو من الطرافة. ولأول مرة ألمس عن هكذا قرب حاله ذلك الجنرال الرهيب، الذي لاأشك في شجاعته ولكن أشك تماماً في توازنه العقلي والنفسي.

وهذه صورة للحوار مع ذلك الجنرال المخبول ، كما كتبتها في جزء من مقال لمجلة منبع الجهاد تحت عنوان “وعاد عجب”.

( اختفى الجنرال عجب عن مسرح الأحداث عدة أشهر حتى سرت إشاعة بأنه قتل، حتى جاء يوم الجمعة التاسع من مارس، ليلتقط المجاهدون مخابرة لاسلكية بين “عجب مزاري” في خوست وقيادة كابول كان تداخل المجاهدين في سياق المخابرة وأصبح الحديث مباشراً بينهم وبين “الجنرال عجب” فدعوه إلى التسليم للمجاهدين قبل أن يمسكوه أسيراً أو أن يقتلوه وهو في صفوف الشيوعيين .

فأجاب عجب بعصبية:

“أنتم تحلمون، لن نستسلم، سنقاتل وننتصر عليكم. سأستولي على تورغار قريباً، فلا تغتروا بما حققتموه، انظروا ماذا حدث لكم في “جلال آباد” ثم إنني مسلم مثلكم فلماذا تقتلونني؟.

أنا مسلم.. ولكنني أشرب الخمر.. إذا وجدته.. أما الزنا.. فهو ديدني!!.”

ظل عجب يرغي ويزبد في سياق غير مترابط كمريض عقلي أصابته هستريا. قطع المجاهدون حوارهم مع الجنرال المخبول ولكنهم تابعوا التصنت على اتصالاته اللاسلكية مع كابل التي كانت هي الأخرى هستيرية مخبولة، طوال اليوم وهو يصرخ على جهاز اللاسلكي: هالو… هالو… سأعطيكم الأحداثيات إني أراهم من هنا، كل الجبال تعج بالأشرار.. أين صواريخ سكود؟ أرسلوا الطيران فوراً… أقول فوراً … هناك هجوم وشيك.

وجاء رد كابل: لانستطيع أن نلبي طلباتك بالنسبة لصواريخ سكود، فهذا الأمر ليس بيدنا(!!). فرد عليهم الجنرال عجب: أنتم تجلسون خلف مكاتبكم وبين نسائكم وأنا هنا في الخط الأول وسط الجحيم… قلت أطلقوا سكود… أريد الطيران فوراً.

فردت كابل: سنحاول… سنحاول.

وفي المساء سقط صاروخاً سكود فوق الجبال كترضية للجنرال الهائج.. أما الطيران فلم يكد يتوقف عن العمل. ولكن حركة المجاهدين فوق الجبل وفي عمق الوادي لم تتوقف هي أيضاً مما يزيد الجنرال هياجاً ويجعله يصرخ أكثر وأكثر على جهازاللاسلكي وهو يلعن قادته في كابل ويصبح كالمجنون:

ــ إنهم في كل مكان… فوق كل الجبال… أريد سكود… اضرب سكود وفقاً للأحداثيات التي أعطيتها لك…

ارسل الطيران فوراً… أكرر… فورا.

ومازال الجنرال يصرخ… وكابل تحاول تهدئته وهي متيقنة أن زمام الموقف قد أفلت من يدها ـ إهـ

ولكن عندما علم حقاني أن عجب مزاري في الخط الأول توقع هجوماً مفاجئاً لذا أرسل محذراً جميع الوحدات من هذا الاحتمال. ثم أخبرني بأن هدف العمليات القادمة هو تحقيق اتصال على الأرض بين المجاهدين في شرق وغرب تورغار وذلك سيؤدي إلى وقف استخدام المطار ولكن ذلك لم يتحقق إلا بعد عام تقريباً عندما فتحت المدينة. ومضى يوم الجمعة بدون هجمات أرضية للمجاهدين.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

 

السبت 10 مارس 90 (13 شعبان 1410) :

استمر المطر طوال الليل .. ريح شديدة عند صلاة الفجر من  جهة الغرب، القمر مكتمل ويوشك على الغروب.

في السابعة صباحا تكومنا في غرفتنا الضيقة نحتسي الشاي بالحليب مع بعض التمر السعودي.

انقشعت الغيوم أمام الرياح الباردة.  بدأت الغارات الجوية الساخنة في السابعة والنصف وكانت “نادر شاه كوت” أول الضحايا.

مازال عجب مزاري يواصل نداءاته الهستيرية من الخط الأول الذي يكسبه مناعة في وقاحته مع رؤسائه في كابل. مازال يطلب صواريخ سكود التي يظهر أن الموافقة عليها هي في أيدي “الخبراء السوفييت” الذين مازال عدة آلاف منهم يعملون مع النظام.

في التاسعة والنصف أخبرني زميلي حاجي إبراهيم أنه علم من المجاهدين أن اليوم ستكون عملية كبيرة ضد المدينة بهدف فتحها، كنت أستبعد ذلك وأتوقع فقط أهداف مرحلية محدودة كما هي عادة حقاني، وكما أخبرني بالأمس عن فكرة خط دفاعي للمجاهدين أمام تورغار من الشرق الي الغرب.

وقال إبراهيم أيضاً حكومة خوست على علم بأن موعد العملية هو اليوم، ليس ذلك أيضاً بالشيء الغريب، فقط عليهم الاستماع إلى الموجة رقم 4444 حيث إذاعة الكوتشي التي لاتكذب أبداً.

الساعة 10.37 : سقط سكود فيما بين شيخ أمير وباري، أعقبه غارة بالطائرات النفاثة على نفس الموقع، وبعد دقائق غارة على وادي ليجاه. إنهم يقصفون كل مراكز الخطر المتوقع. في الثانية عشر ظهراً وصلت إلى مركزنا قرب القمة سيارة “رانج روفر” ذات ألوان فاقعة أحمر وأبيض كانت تحمل الطعام للمركز، طلبنا من السائق أن يغطيها بشيء حتى لا تجذب الطائرات إلى الموقع، ولكنه تكاسل وقال إنه سيعود في الحال.

فقمت مع حاجي إبراهيم بتغطيتها ببعض الأقمشة، وبعد حوالي ساعة عاد السائق بعد أن أنهى جلسته مع رجال الموقع، فعاتبته مع إبراهيم وأوضحنا له خطورة المكان لكونه مقر للقيادة، فقدم لنا تبريره القاطع قائلاً: لكن العدو حدد هذا الموقع بالأمس وطلب ضربه بصواريخ سكود!!.  ثم أخذ سيارته وانصرف بها.

آخر إحصائيات ضحايا الأمس 16 شهيداً… بدون أي عمليات… والسبب شدة الزحام في المواقع والفوضى التي ضربت أطنابها في كل مكان نتيجة لذلك.

ومن مظاهر الفوضى كان عدم الاهتمام بالمطار فهبطت فيه ليلة أمس أربعة طائرات نقل عسكرية !!.

الساعة 4.30: وصل حقاني إلى موقعنا ومعه الضابط عمر وضابط” كبير خان”وهما من رجاله القدماء، بدأ حقاني بأداء صلاة الحاجة، ثم صلاة العصر التي أعقبتها بدعاء طويل، أكد لي ذلك أن اليوم هو يوم العمل وأن المعركة ستكون هذا المساء وربما ليلاً لكون القمر بدراً.

الساعة 5.13:   ضربات الطيران تؤكد ما أخبرني به حاجي إبراهيم من أن العدو يعرف بأن الهجوم موعده اليوم، فالطائرات تقصف منطقة باري بقنابل النابالم، ثم ضربت دبابة خليل مرتين بالقذائف العنقودية ثم قصفت منطقة”ديرملك” بقذائف الألف رطل ثم ضربتان بالعنقودي على منطقة باري، كل ذلك خلال دقائق معدودة.

الساعة 6.00 : طائرات الهيلوكبتر تقصف بالصواريخ مواقع المجاهدين القريبة من قرية شيخ أمير.

الساعة 6.11:   بدأت الشمس تميل خلف الجبل وانحسر الضوء عن غرب الوادي. وآخر أشعة تودع المدينة، الأنتينوف تقصف مكاناً ما، ودخان يتصاعد من جبل “جاني خيل” اليوم لا يبدوا حاسماً ولابد من التأجيل إلى الغد. ( أتوقع سكود ليلاً… وحالة الطقس غداً لها تأثير كبير، أرجو أن يكون الجو غائماً بالغد)  هكذا كتبت في مذكرتي في ذلك الوقت.

الليلة هي ليلة الرابع عشر من شهر شعبان. في التاسعة ليلاً قرروا فجأة المضي في العملية، التي ظننت أول الليل أنها قد تأجلت إلى الغد.

وفي خلال سبعين دقيقة فتح المجاهدون موقع الشلكا، إلى الشرق من دبابة خليل، ثم اقتحموا شيخ أمير وسيطروا على حوالي خمسة مواقع للعدو هناك.

الساعة 10.20: في الليل فقط يمكن مشاهدة ذلك المنظر، خيط من النيران الحمراء تظهر من جهة الشمال صاعدة إلى أعلى .. وتستمر عدة ثواني ثم تختفي.

إنها صواريخ سكود انطلقت من كابل في طريقها إلينا، واحد… ثم الثاني… ثم الثالث… ثم الرابع..وصاح حقاني محذراً رجاله “ستر وإخفاء… سكود قادم” وبعد ثوان طويلة جداً سقطوا الواحد تلو الأخر… وكنت أتوقع واحدا علينا، حسب معلومة سائق السيارة الحمراء التي زارتنا اليوم… لكن الله سلم… سقطت الصواريخ بين شيخ أمير وباري حيث لا أحد هناك.

أما الصاروخ الخامس والأخير فقد سقط قرب منتصف الليل. لقد استجابت كابل لتوسلات الجنرال عجب… ولكن هذا كله لم يفد بشيء، بينما جنت القوات الحكومية مكاسب لم تكن لتحلم بها لولا الفوضى العارمة التي ضربت المنطقة. وإلا فإن خوست كان يمكن أن تسقط خلال شهر على الأكثر، ولننظر ماذا حدث.

الجو بارد جداً بسبب ريح نشطة. استمر حقاني إلى ما بعد الثالثة صباحاً محاولاً دفع المهاجمين لاستكمال مهمتهم. لقد توقفت جماعة حكمتيار بقيادة “فايز محمد” وجماعة سياف بقيادة “بير محمد” ورفضا التقدم والمشاركه في الهجوم. وظل حقاني يرجوهما التقدم ويقسم لهما أن الدبابات قد دخلت “شيخ أمير” وأن جماعته بقيادة “شيرين جمال” مازلوا متمسكين بالمواقع التي احتلوها لكن هؤلاء رفضوا كل أمر وخيبوا كل رجاء وتوسل قدمه حقاني إليهما، وقد اضطر شيرين جمال إلى ترك مواقعه صباحاً بسبب الإرهاق وشدة قصف العدو وعدم تقدم المجموعات الأخرى لاستلام ما تحت يده من مواقع فاسترد العدو شيخ أمير في الصباح الباكر. أما في موقع الشلكا فقد اجتاحه مجاهدو حقاني تدعمهم الدبابات وما كادوا يدخلون الموقع حتى لحق بهم مئات من صيادي الغنائم وفرق النهب المسلح التي جاءت من ميرانشاه وراحوا ينهبون كل شيء وتبعثروا في المنطقة، ولما تقدمت جماعة حقاني لمتابعة الهجوم لتحقيق اتصال مع مجاهدي شرق تورغار، سبقتهم جماعات النهب المسلح ظانين أنهم في الطريق إلى المدينة التي قد استسلمت وراحوا يتسابقون نحوها بجنون، وهنا راح العدو يحصدهم بكل أنواع الأسلحة، وفي ضوء القمر تساقط قتلى وجرحى وآخرون بترت أقدامهم بالألغام. وحتى الصباح كان هَمْ الجميع هو نقل الجثث والجرحى والبحث عن المفقودين ما أن طلع الصباح حتى كان الجميع قد عادوا من حيث انطلقوا مساء الأمس، ولم يتبق في يدهم شبر واحد من مكاسب الأمس، ولا شيء، من الغنائم المنهوبة.

وهكذا انقضت ليلة “شاه نواز حكمتيار” بمأساة دامية وانتكاسة كبيرة للعمل العسكري للمجاهدين في خوست ظلوا يعانون من نتائجها السلبية لعدة أشهر بعد ذلك.

بعد انتصاف الليل أصابني الإرهاق الشديد وكنت قريباً من موقع حقاني الذي يواصل الاتصال مع مجموعاته التي تعاني من أشد المآزق. ذهبت إلى غرفة عبد العزيز الضيقة فوجدتها أكثر من مزدحمة، وقد ارتمى المجاهدون فيها كيفما اتفق وقد أشعلوا بخاري للتدفئة وراحوا في نوم عميق وهم ملقون أحدهم فوق الآخرين وكأنهم في مقبرة جماعية. بصعوبة شديدة وجدت لي موقعاً في تلك المقبرة، وقد وضعت قدماي فوق بعض الرؤوس والصدور وتقبلت مرغماً عدة أقدام في صدري ورأسي وأحذية فوق البطن والفم… ومع ذلك غطست في الشخيرضمن السيفونية الجماعية التي صاحبتها أصوات الغازات المنطلقة من بطون النائمين نتيجة الطعام السيء في المراكز.

شعرت بفرحة كبيرة وأنا أسمع أذان الفجر. وأيقظ النائمون بعضهم البعض، فكل شخص لابد أن يوقظ خمسة أو ستة آخرين بينما هو يرفع قدم هذا من فوق رأسه ويد ذاك من فمه، ويجر قدميه ويديه من تحت وفوق الآخرين أو أكداس الذخيرة وصناديق الطعام العفن.

 

الأحد 11 مارس 90:

ضباب كثيف بين الجبال في الصباح الباكر، ومع ذلك بدأ الطيران في قصف بوري خيل قبل السابعة بعشرين دقيقة.سألت حقاني عن أخبار الأمس، وكان غاضباً فقال:

“أظن أنها غير جيدة… فهؤلاء الخائنين من الأحزاب لم يشاركوا أمس في المعركة… واليوم صباحاً اعتذروا” .

ثم غادر حقاني الموقع… فذهبنا إلى عبد العزيز عند المخابرة حتى نعرف منه الموقف الأخير. فقال بأن المجاهدين مازالوا في مواقعهم التي دخلوها بالأمس في شيخ أمير ، ولكن بعضهم ينسحب الآن بسبب الإرهاق وشدة القصف عليهم.

الساعة 7.55:   كان الضباب الكثيف يلف كل شيء، وتوقعت أن يساعد ذلك المجاهدين في تعزيز مواقعهم بالأمس وعدم الأنسحاب منها لكن ذلك لم يحدث.

فقد أخبرني حاجي إبراهيم أن شيرين جمال بدأ يخلي مواقعه في “شيخ أمير” وهو آخر من يغادرها الآن وليس معه إلا عدد قليل من المجاهدين.

كانت دبابة دخلت في العمق والسائق لا يدري أين هو بسبب الظلام… وعندما عاد قال لقد عرفت أنني أخطأت الطريق عندما وجدت أكثر من أثني عشر RPG يقذفون دبابتي فاستدرت بسرعة وعدت إلى شيخ أمير، وكان خلف دبابتي عدد من المجاهدين يحتمون بها في تقدمهم.

وحتى تكتمل المصائب فإن طائرات النقل العسكرية إستخدمت المطار أمس بكثرة، فليس أقل من سبع طائرات هبطت وأقلعت بدون أن يضايقها أحد.

 

 

كتابات في الضباب

كان صباح ذلك اليوم (الأحد 11 مارس 90)  ضبابياً بارداً، وليلة الأمس شهدت نكسة كبيرة لعمل كان متقدماً بشكل مذهل، وتلك النكسة قدمت من بشاور بفعل مؤامرة حقيرة.. حقيرة في ذاتها، حقيرة بمن فيها من السفلة… وإن كان أحدههما زعيم حزب جهادي كبير…والآخر كان زعيم جيش شيوعي كبير… ولكن كلاهما التقى وتحالف مع الآخر من أجل تخريب الجهاد في أفغانستان… وكانت البداية لهما في خوست، فدبت الفوضى، بين المجاهدين، وظهر ما خفي من فتن. فهؤلاء قادة حكمتيار وسياف يتركان زملائهم وسط نيران العدو ـ وقد انتصروا وسيطروا ـ على شيخ أمير، ولكنهم يرفضان التقدم للقيام بالمشاركة المتفق عليها.

ولا أذكر أن خوست شهدت مثل هذه الخيانات المكشوفة من رجال الأحزاب منذ عامين ، أي منذ خيانة الأحزاب الذين أمروا رجالهم بترك الطريق مفتوحاً أمام القوات الروسية المتقدمة على طريق زدران نحو خوست، بينما حقاني يقاتل في مقدمة الطريق عند جبال”ساتي كندو”. وقد تركوا قبل ذلك ، في عام 86، القوات الشيوعية تلتف حول قواته المدافعة عن جاور وفتحوا لها الطريق بلا قتال أيضاً.

أقول: في ذلك الجو الضبابي كتبت ملاحظتين متعلقتين بأحداث الأمس ، الأولى عن الهجوم المضاد ـ والثانية عن القيادة جاء فيهما:

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

أولاً ـ الهجوم المضاد :

يقول العسكريون: إن أنسب وقت للهجوم المعاكس هو عندما يفقد هجوم العدو زخمه، وهذا صحيح تماماً. فهي مرحلة حرجة للغاية تكون القوات فيها منهكة. تماسكها وانضباطها فيأضعف حالاته، ولم تستحكم في الأرض بعد، ويضاعف من حالتهم المذرية مقدار صلابة الدفاع الذي جابهته لمنع تقدمها.

وعلينا أن نلاحظ أن الهجوم المعاكس الذي يشنه المُدافع في تلك اللحظة لابد أن يراعي البدء بالهجوم وإنهائه قبل وصول قوات احتياط العدو، التي لا تعاني من السلبيات السابق ذكرها لكونها لم تخض المعركه بعد.

نذكر هذه الملاحظه تعليقاً على معركة الأمس . فخلال ساعة احتل المجاهدون الأهداف التي حددوها، ونتيجة الإرهاق والبرد والرماية المعاكسة  ترك معظمهم أو كلهم مكتسبات ليلة الأمس بدون حتى أن يشن العدو هجوماً برياً مضاداً.

وذلك يبين حالة المهاجم حتى ولو كان منتصراً، فهو مرهق وقابل غالباً، للكسر إذا جوبه بهجوم مضاد ذو قوة مناسبة. ونضيف سبباً أخر وهو أن عدم وصول التعزيزات إلى المهاجمين في الوقت المناسب، أضعف كثيراً قدرتهم على الصمود، لقد خانهم زملاؤهم.

 

 

ثانياً ـ القيادة:

مرة أخرى، وكل مرة، القيادة هي أول عناصر الإعداد المادي أهمية، ويركز العدو أن يبدأ بالسيطرة عليها فيسهل عليه توجيه العمل كله وقطف ثماره.

فالعمل العسكري لا يمكن أن يؤتي ثماره كاملة إذا كان لدينا قائد عسكري جيد وجنود شجعان ولكن لدينا قيادة سياسية متخاذلة أو خائنة، وهذا ما تثبته خوست الآن. القيادة السياسية المتخاذلة أو الخائنة تتآمر على العمل العسكري الناجح لتحطيمه، حتى تسير القضية في مسار التخاذل أو الخيانة.

وانقسام القيادة السياسية يتبعه تشرذم العمل العسكري وتفشي الصراعات فيه، وفي حالة كهذه فإن أقصي ما يمكن أن تفعله قيادة عسكرية مخلصة وذات كفاءة هو تجميع الشراذم العسكرية في برنامج مشترك لتحقيق الحد الأدنى من الأهداف.

ومع ذلك يتعرض البرنامج المذكور إلى فشل متكرربفعل تحريضات القيادات السياسية في المنفى، وراء الحدود، والتي تحرص على إضعاف الشعب سياسياً حرصها على إفشال العمل العسكري وإبقائه تحت الحد الأدنى بما يكفل لها حرية العمل في اتجاه مضاد لرغبات شعبها بحجة أن الحلول العسكرية غير ممكنة.

هذا المجهود المدمر الذي تقوم به تلك القيادات يتم تحت إشراف القوى الممولة لها، الدول الكبرى، ثم إشراف الدولة المضيفة التي تعمل بالتزام تام بأوامر الدول الكبرى، ولكنها تطمح في قيام نظام سياسي ضعيف وتابع لها في دولة الجوار التي تدور الحرب على أرضها.

 

 

ملاحظة : الانتصار ممكن.

الانتصار في خوست ممكن رغم عدم تحول المجاهدين إلى نمط الحرب النظامية . لقد أثبتوا شيئاً جديداً، وهو إمكان قوة مقاتلة في حرب العصابات في المرحله الثانية من تطورها، حيث تمزج بين أساليب حرب العصابات وأساليب الحرب النظامية، أن تنتصر على جيش حكومي متحصن في المدن، معتمدة على عوامل هي:

فارق المعنويات ـ الشجاعة الفردية ـ الابتكار التكتيكي ـ وفوق ذلك كله إحكام الحصار حول المدينة.

ونلاحظ أن عمليات التخريب الداخلي في المدينة يمكن أن يكون مؤثرة بشدة، وقد استخدمه المجاهدون في خوست إلى حد ما.

توقفت في ذلك اليوم عند تلك الخواطر الضبابية وكنا في العاشرة والنصف صباحاً ومازال من غير الممكن مشاهدة الجبال التي حولنا ـ ضباب في ضباب ـ فكانت النفسيات منقبضة، ولكن تمكن المنسحبون من العودة بسلام بدون الوقوع تحت مطاردة العدو فكان ذلك نعمة عظمى. غادرنا حقاني وغاب وسط الضباب بدون تعليق.

أخبار أخرى عن إلغاءالبرامج، لتؤكد أن حالة الإضراب والتشويش مازلت قائمة، بينما العدو يواصل ضرباته الجوية والصاروخية، كان نصيبنا منها غارة بالقنابل العنقوديه جاءت في مقدمة الجبل جهة المدينة، أما بوري خيل حيث قاعدة كتيبة سلمان الفارسي فقد ضربت بصواريخ سكود في الرابعة والنصف عصراً ثم قذائف ثقيلة في نفس المنطقه رمتها الطائرات لكنها انفجرت  بصوت مكتوم وخرج منها غاز أبيض كثيف. قدرت وقتها أنها قنابل غازات سامة أو جرثومية، وقد رموا بعضها في مدخل وادي ليجاه، لقد تكرر استخدام تلك القنابل بشكل ملحوظ في هذه الأيام.

موجة الإحباط هذه ساهم فيها تورغار الرهيب، أو الذي كان رهيباً وقت أن كان مع القوات الحكومية، أما عندما أصبح معنا فإنه أصبح حملاً أسوداً وديعاً. هكذا كنت أفكر بغيظ من هذا الخمول والسلبية التي أصبحت تلف هذا الجبل فكتبت الملاحظة التالية، فما أكثر الملاحظات الضبابية التي سطرتها اليوم.وهذه ملاحظة عن تورغار كتبتها ساعة الأصيل علي صوت صاروخ سكود المدوي، والأصوات المشبوهة للقنابل المكتومة ذات السحب البيضاء.

 

ملاحظات حول تورغار:

هذا الجبل مع المجاهدين منذ شهر الآن، ومع ذلك لايؤدي دوره فقد كانت الحكومة تستخدمه بفاعليه أكثر. وهو يحتاج إلى:

1ـ طريق دائري يصل قمة الجبل مع توده شني شرقاً وبوري خيل غرباً.

2ـ إصلاح الدبابات التي غنمها المجاهدون فوق الجبل واستخدامها في المساندة النيرانية لبرامج الهجوم التي يقوم بها المجاهدون  مثل برامج الأمس. كما يمكنها من أعلى تدمير أي هدف في المدينة، خاصة مناطق المدفعية والمخازن.

3ـ لابد أن يلعب الجبل دوراً بارزاً في إغلاق المطار، حتى بدون الانتظار لفتح المناطق أمام الجبل أوعلى الشريط المقابل له.

4ــ لابد من تسليم تورغار لهيئة عمليات تجعله جاهزاً لتحقيق هذه الأهداف. لقد حاولت بعد ذلك أن تقوم جماعة أبو الحارث بهذا الدور النشط فوق تورغار. ثم حاولت أن تقوم جماعة القاعدة بهذا الدور، ولكن فشلت تلك المحاولات. وقبل فتح خوست بفترة وجيزة هيأنا الجبل لاستخدام الدبابة من فوقه بشكل نشط، وتمت التجهيزات لكن العمل نفسه، أي استخدام الدبابة ، لم يتم بسبب انشغال جميع الدبابات في أعمال أخرى، ولم يخصص حقاني أولوية لتلك الفقرة. أما استخدام تورغار في إغلاق المطار فقد استخدمناه نحن في تلك المهمة ولكن بشكل غير مباشر كما سيتضح في حينه .

استخدم العدو هذا اليوم قذائف موجهة تطلقها الطائرات، أطلقوا منها خمسة قذائف ضد المجاهدين حول شيخ أمير وقد إلتقطت جماعة عبد العزيز أحاديث الطيارين مع بعضهم البعض ومع القيادة العسكرية في المدينة بخصوص استخدام هذا النوع المتطورمن القذائف.

وقد صاح جنرالات المدينة فرحاً في أجهزه اللاسلكي. وجاءنا تقرير المجاهدين الذين استخدمت ضدهم هذه القذائف بأن أحوالهم “خير خيريت” لاجرحى عندهم ولا شهداء. هكذا تضيع أموال موسكوا هباءً ، وتتبخرت هيبة التكنولوجيا العسكرية في أفغانستان. فلا صواريخ سكود ـ ولا القنابل العنقودية ـ ولا القذائف الكيماوية ـ ولا تلك الموجهة والذكية، حققت اليوم أية خسائر في صفوف المجاهدين. بينما حققت فوضى الأمس في” يوم الفوضى العالمي” حققت أعلى نسبة خسائر تشهدها المنطقة منذ فترة طويلة، سته عشر قتيلا في ليلة واحدة بدون تحقيق أي إنجاز . بينما تم فتح تورغار الرهيب بخسارة شهيد واحد وثلاثة جرحى .

فهل يمكن إذن أن نستنتج بأن الفوضى وعدم الإنضباط هي أشد فتكاً بالمجاهدين من أي تكنولوجيا عسكرية متطورة ؟ أظن أن هذا جائز جداً، وعليه تبرهن أحداث عديدة.

صديقنا الجديد سيد جمال مستخدماً قاذفه الصاروخي الرباعي عدل كفه الميزان ليلاً عندما أحرق طائره نقل عسكرية في المطار كانت محملة بالذخائر. وقد تفجرت الطائرة( رقم 2131)  وكانت طائرة أخرى في الطريق إلى المطار، فشاهد الطيار عرض النيران المخيف هذا فوق المدرج، فسأل قيادة التوجيه الأرضي: ما هذا؟ ماذا يحدث في المطار؟. فأجابته القيادة:( لا تسأل عن ذلك). فاستدار الطيار وعاد إلى كابل.

 

 

الاثنين 14 مارس 90 :

بعض السحب الثقيلة في سماء المنطقة ولكنها لم تمنع الطائرات من أن تبدأ في السابعة والنصف بعدد من القذائف المكتومة ذات السحب البيضاء والرمادية ، وقذائف موجهة من الطائرات حسب ما جاء في أحاديث الطيارين.

كان في زيارة موقعنا اليوم طبيب باكستاني متدين ودمث الخلق فذكرت له شكوكي من تلك القذائف المكتومة الصوت ذات الدخان الكثيف. وطلبت منه أن يلاحظ الحالات المرضية التي تعرض عليه هذه الأيام من بين المجاهدين، فربما كنا نتعرض لحرب بيولوجية أو كيماوية، فذكر بأن تخصصه الطبي لا يساعده في تتبع ذلك الموضوع.

ولم أقابل ذلك الدكتور بعد ذلك، وأيضاً لم أسمع بأي إصابة مرضية غير عادية بين المجاهدين، ولكني مازلت أعتقد أن تلك القنابل كانت غير عادية، ولكن رعاية الله للمجاهدين كانت هي الأخرى غير عادية . وقد شاهدنا بعد ذلك الكثير من الضربات الكيماوي بغاز الخردل، ولكن ذلك لم يسفر عن أية أعراض غير عادية بين المجاهدين.

وجد العدو جثة لأحد المجاهدين أثناء إعادة احتلاله للمناطق التي فقدها في الحملة الأخيرة، ولم يكن أحد من المجاهدين قد انتبه لفقدان ذلك الشهيد .

ـ دبابة خليل أصابتها عدة شظايا وقد سحبت إلى الخلف لإعادة إصلاحها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 26

مجلة الصمود الاسلامية السنة الخامسة عشر – العدد ( 177 ) | ربيع الأول 1442 هـ / نوفمبر ٢٠٢٠م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 177 ) | ربيع الأول 1442 هـ / نوفمبر ٢٠٢٠م .  

03-11-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (26)

جبل تورغار .. معركة الفتح

 

– بعد صلاة الظهر، نظَرْتُ إلى حقانى المستغرق فى الدعاء فإذا به أصبح رمادياً وقد غمرته الظلال . ولم يكد حقانى يتوجه إلى جهاز اللاسلكى حتي أصبحنا كأننا فى وقت الغروب.   

– تجمد المجاهدون أمام حقل الألغام وتساقطت عليهم القنابل اليدوية مثل المطر. أوشك الهجوم أن يفشل لولا ذلك البدوى العجوز قليل الكلام، الذى إندفع إلى خندق الشيوعيين فقتل قائدهم. فاشتعل حماس الشباب، فمرقوا مثل الشهب وسيطروا على الخندق ثم على الجبل كله.

– البَدَوِيَّان بَطَلا ذلك الإنتصار الكبير : “أكبر محمد” .. و”طالب جولاب ” الشهيد الوحيد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

الجمعة 16 فبراير90 :

كانت الشمس قد إرتفعت فى الشروق، وتهيأت السيارة كى تنقلنا إلى جبل الترصد. سأتحرك مع الصحفى البريطانى، ولكن حقانى سوف يتأخر لمتابعة بعض التفاصيل فى هجوم اليوم.

فأخبرنى بأنهم جاهزون لعملية اليوم ضد تورغار، ولكن المجموعة التى سوف تهاجم من الطرف الشرقى ليست كبيرة، أما فى الجنوب ، وهى الواجهة الطويلة من الجبل من جهة المجاهدين ، فلم ينجح المجاهدون فى فتح ثغرة في الألغام هناك، فقد أصيب أحدهم بإنفجار لغم فتوقف العمل . تحركت بنا السيارة صوب الجبل، ولم يكن ما سمعته من حقانى مشجعاً، وأيضاً فإن هذا الجو المشرق والسماء الزرقاء الصافية أصابتنى بالهم والغم، فالطيران سوف يكون قوياً، ورمايات العدو أكثر دقة، والمؤكد أن الخسائر فى الأرواح ستكون عالية .

والإضافة الوحيدة عند المجاهدين اليوم هى الهجوم من طرف الحافة الشرقية بمجموعة

صغيرة، فهل سيجدى ذلك كثيراً ؟.

كنت غارقاً فى هواجسى وما أن صعدنا فوق الجبل، ووضعنا إمتعتنا فى الغرفة الصغيرة، حتى بدأ الصحفى (تيم) يسأل عن معارك الفترة الماضية ويطالع المواقع بالمنظار من خلف الصخور فوق القمة، وتوليت توضيح الموقف العام له. ثم عدنا إلى الغرفة مرة أخرى فى إنتظار وصول حقانى وكنت أعلم أن العمليات لن تبدأ ألا بعد وصوله لمتابعتها من فوق هذه القمة.

بدأنا الحديث فى الوضع السياسى فى أفغانستان، فكلمته بصراحة عن دور أمريكا ودول الغرب فى الإضرار بالشعب الأفغانى، وأنهم كتموا عن العالم حقيقة أن الأفغان هم الذين حرروا شعوب شرق أوروبا بعد قضائهم على الإمبراطورية السوفيتية في أفغانستان، وأن شعوب روسيا وغرب أوروبا قد إستفادت من إنتصار الأفغان. فقال بأنهم في أوروبا يرون أن إنتصار الأفغان كان عاملاً مساعداً على إنهيار الإتحاد السوفيتى. فأجبته قائلاً: بل كان العامل الحاسم وإلا فإن النظام السوفيتى إذا كان قد تمكن من إخضاع الأفغان، لإستمر على قيد الحياه قرناً آخر ، وإلا فالسبعون عاماً التى قضاها ليست بالعمر الطويل فى حياة الدول.

من الثامنه صباحاً بدأ الطيران يعمل بنشاط، فى جو رائع وشمس مشرقة ورؤية غاية فى الصفاء. القاذفات المروحية الثقيلة رمت أطناناً من القنابل على المواقع المشتبه بأنها قد تساند هجوماً أو قد ينطلق منها هجوم، وركزت علي ليجاه وبارى، وإستمرت تؤدى دكها بإنتظام حتى الساعة الحادية عشر. فظهرت الطائرات النفاثة وباشرت هى المهمة وإستراحت الإنتينوف.

أخيراً وصل الشيخ حقانى وخلفه سيارتان للحرس، وبرفقته إثنان من الضيوف أظنهما من السعودية، أحدهما كأنه صحفى، والآخر ضخم الجثة قوى مثل المصارعين، ومن حديثه ظهر كأنه واعظ فى أحد المساجد مع إلتزامه بالسمت السلفى أكثر من زميله.

إثنان من المجاهدين من حرس حقانى ما أن شاهدانى أخرج من خندقى المفضل وعلى كتفى المنظار المقرب الخاص بى، حتى إستعاراه وجلسا فى مكانى ولم أتمكن من إسترداده إلا بصعوبة بعد أكثر من ساعة.

الساعة 11.38 :ظهر أول دخان فوق قمة تورغار نتيجة قصف المجاهدين، بدأ السحاب يتكاثر ببطء، ولكنه لم يصل إلى شئ مما كان عليه فى العملية السابقة إلا أنه قد يعرقل نسبياً عمل الطيران.

قال الشيخ أنه سيجعل وقت بدء المعركة مع وقت صلاة الجمعة حتى يستفيد المجاهدون من

دعوات المسلمين لهم. ثم صلى بنا الظهر فى ساحة صخرية صغيرة أعدها المجاهدون كمسجد للموقع وأحاطوه ببعض الصخور الصغيرة وجعلوا لها  تقوساً فى محل المحراب.

نظرت إلى السماء قبل البدء فى الصلاة، كانت شذرات السحب قليلة وربما إنقشعت فى أى وقت، فوقنا بقعة صغيرة من السحاب الأبيض ،الذى تبعثر هنا وهناك فى كتل باهته لا معنى لها.

قلت فى نفسى : (ياله من يوم صعب . كم من الرجال الذين يتحركون بحيوية فى مواقعهم سوف يسقطون شهداء اليوم. وكم من الذين أعرفهم سوف لا أراهم مرة ثانية؟ وماذا لو فاجأتنا الطائرات النفاثة وقصفتنا ونحن متجمعون من صلاة الظهر وإمامنا هو حقاني قائد عملية اليوم، والخطر الأكبر على النظام فى كابل؟ ألم تقصفنا تلك الطائرات فى نفس هذا المكان من قبل؟).

بعد إنتهاء الصلاة بدأ حقانى فى دعاء طويل ونحن نؤمن خلفه سأل الله النصر وألح فى الدعاء، وبكى أكثر الداعين، ثم قام وإتجه إلى جهاز اللاسلكى وخاطب الجميع، وطالبهم بالتوكل الله والإعتماد عليه وحده، ثم لقنهم هذا الدعاء وطالبهم أن يستمروا فى ترديده( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لايبصرون ) وتذكرت أنه لقننى هذا الدعاء منذ ما يقارب عشرة أعوام، ومازلت أذكر أنه لقنني يومها درساً فى الشجاعة والثبات تحت قصف الطائرة، وأن أطلق عليها نيران البندقية بدلاً من الإختباء فى حفرة، فأنا عربى ولا يليق بى ذلك. لقد أخجلنى يومها، لكنه لم يقنعنى بجدوى إطلاق البندقية على طائرة نفاثة.الآن إدرك أنه على حق فلا جدوى من الإختباء من الطائرة فذلك نوع من العبث يطمئن به الإنسان نفسه فلا عاصم من تلك المصائب التى تتساقط فوق الرؤوس سوى الله سبحانه وتعالى. لكن الذى لفت نظرى حقيقة هو أنه أثناء الدعاء الجماعى بعد الصلاة كانت السماء تتلبد فوقنا بسرعة، كان الجميع وقت الدعاء مطأطأى الرؤوس ينظرون إلى أكفهم المنبسطة أمام وجوههم، وكنت الوحيد وربما شاركنى إثنان من حرس حقانى ننظر إلى السماء.

كنت أراقب السحب التى تتجمع بسرعة، ثم نظرت إلى حقانى المستغرق فى الدعاء فإذا به أصبح رمادياً وقد غمرته الظلال، بل الجميع أصبحوا كذلك، ولم يكد حقانى يتوجه إلى جهاز اللاسلكى حتي أصبحنا كأننا فى وقت الغروب.

إنشرح صدرى لتلك (الكرامة)، وتمنيت أن يكون ذلك بشرى بالنصر وبداية المدد الإلهى للمجاهدين عامة، والمهاجمين فوق الجبل خاصة.

الساعة 1.59: بعد الدعاء وجه الشيخ أمراً إلى (مارشال) ببدء القصف، ظننت أن الإسم هو شيفرة لمجموعة مدفعية لكن حاجى إبراهيم قال: (بل هو أسم شهرة لأحد المجاهدين).

بدأت دبابة خليل فى القصف، وأصابت مواقع العدو فوق القمة وحققت أول أصابة مباشرة. فتصاعد عمود من الدخان الأسود من الحصن الواقع على الحافة الغربية . رد العدو بقصف شديد على الجانب الغربى من الجبل حيث تسلل المجاهدون فى محاولاتهم السابقة . والظاهر أنهم لا يتوقعون تقدماً من جانب الحافة الشرقية للجبل، وهو مالم يفعله المجاهدون قبلاً. بعد خمسة دقائق لعلعت رشاشات العدو الثقيلة فوق الجبل.

الساعة 2.35: مدفعية المجاهدين تقصف مدفعيات العدو الخلفية، (بوستان) و(باتشا دينا)

 على المدفعية يعملان بشكل جيد ودقة ملحوظة.

دبابة خليل تتلقى قذائف كثيرة من مدفعيات العدو ، مجموعات الهجوم فوق الجبل بخير ولكنها لم تبدأ بعد فى التقدم.

الساعة 3: أشرقت الشمس لفترة قصيرة ثم أطبق السحاب كثيفاً مرة أخرى ، أجهزه اللاسلكى مزدحمة بالصيحات، ودعوة للمهاجمين بالعمل مع تشجيعهم .

التدخل اللاسلكى شديد، وحرب نفسية على أشدها على الأثير مليئة بالتهديد وأحياناً بالسباب بين المجاهدين والعدو.

حقانى يصيح مشجعاً المهاجمين وينقل إليهم أخبارالإصابات التى وقعت فى صفوف العدو نتيجة القصف ثم يهتف صائحاً(الله أكبر زنده باد إسلام) فيردد المجاهدون خلفه نفس الهتاف الساعة الثالثة والنصف: سقط سكود إلى الشرق من تورغار وبعد خمسة دقائق سقط صاروخ آخر فى نفس المنطقة.

الساعة 4.10 : قوات العدو فوق تورغار تفقد واحد من قادتها، إلتقط عبد العزيز الخبر، أما المجاهدون المهاجمون من جهة الشرق ، جماعة جولاب الكوتشى شقيق الشهيد منان ، فقـد أفادوا بأنهم يواصلون نزع الألغام من المسافة المتبقية ومقدارها (متران) ، على حسب تقديرهم ، وقالوا بأن العدو لم يطلق النار عليهم حتى الآن.

طائرات الهيلوكبتر تطلق نيرانها من بعيد على حواف الجبل لكن بلا تركيز ثم هبطت خلف الجبل من جهة المدينة ربما لحمل جَرْحى وقتلى أو لنقل بعض الذخائر إلى المدافعين رغم أن عندهم ما يكفى.

طائرات الأنتينوف القاذفة تحلق فوق السحب السوداء بدون أى أمل لها بالمشاركة وهى عمياء فى ظلام السحب، ولكنها ظلت فى السماء طوال الوقت ، ربما لبث الطمأنينة فى نفـــوس المدافعين ، إذا شعروا أن الطائرات قريبة منهم.

الساعة 4.42:  إجتاز المهاجمون من الحافة الشرقية حاجز الألغام، وتبادلوا مع خط الخنادق الأول للعدو الرماية بالقنابل اليدوية.

وبينما يقوم (جولاب) بإبلاغ حقانى الرسالة، إذ أحد المجاهدين يصيح فرحاً (تورغار ختم تورغار ختم) فنهره حقاني بشدة وقال إن ذلك غير صحيح، فقد رأى أن إذاعة خبر بسقوط تورغار والمعركة فى نقطتها الحرجة قد يسبب إضراباً فى سير العمل، فقد يطلق كثيرون النار فى الهواء إبتهاجاً، بينما العدو فى خنادقه صامداً، والدبابات قد تتوقف عن قصف المواقع الدفاعية والإدارية للعدو فوق الجبل ظناً منها أن المجاهدون قد وصلوا.

وسنعود مرة اخرى إلى قصة الجانب الشرقى ، وراوية المهاجمين لما حدث فى تلك اللحظة الحرجة، لحظة الهجوم على الخط الدفاعى الأول من خنادق العدو ، والذى قام به جماعة البدو (الكوتشى) بقيادة جولاب، صخرة الدفاع وسيف الهجوم.

الساعة 5.50:  ضغط الهجوم كله من جهة جولاب بينما جهة الغرب حيث الدكتور نصرت الله خامدة لدرجة كبيرة، وكان يساعد نصرت الله مجموعة من طلاب العلم في قندهار يقودهم القائد الشجاع (ملا شاه زاد) الشهير بإسم ملا قندهارى.  واضح أنه بعد تجربة الهجمات السابقه والتى كانت كلها ، على مر السنين ، تتم من الجناح الغربى أن العدو قد ركز معظم قواته على هذا الجناح. لذا يمكن توصيف ما حدث هذه المرة أن المهاجمين من جهة الغرب قد جمدوا معظم قوات العدو، حتى تمكنت قوة جولاب الأصغر حجماً من إقتحام دفاعات العدو الشرقية والتقدم فوق الجبل مثلما يفعل السكين فى قالب الزبد، حتى تضيف جماعة الكوتشى الشهيرة ، جماعة الشهيد منان ، أضافة أخرى إلى سجل لا يضاهى من الأمجاد القتالية .

أفاد رجال الكوتشى الذين إقتحموا الجانب الشرقى من تورغار أن هجومهم كاد أن يفشل، لأنهم عند إقترابهم من خط الألغام الذى يلى خنادق العدو مباشرة، وكانوا قد نزعوا معظم  ألغامه ليلاً ولكن ليس كلها، وعند تقدمهم للإقتحام الأخير كشفهم العدو وهم على حافة حقل الألغام فأصلاهم ناراً حامية من البنادق الآلية والرشاشات الخفيفة، ثم رمى قنابل يدوية بكثافة غير معهودة ، ولاحظ رجال الكوتشى أن القنابل إما أن تسقط في الوادى العميق أو تسقط إلى جانبهم ولكنها ترتد مثل كرة المطاط لتعود مرة أخرى إلى خنادق العدو لتنفجر هناك.

ومع ذلك ظلوا جامدين خلف الصخور، إلى أن قام منهم رجل عجوز أبيض الشعر واللحية، مشهوربينهم بالبساطة الشديدة وقلة الكلام، قام ذلك الرجل وضرب خنادق العدو بقذيفة RBG فقتل ضابط الموقع ويدعي(عبد الله خان)من قبيلة تاناي فهرب باقي العسكر. ثم عبر حزام الألغام بسلام وقفز داخل خنادق العدو، فإشتعل حماس الشباب ومرقوا خلفه مثل الشهب فى سماء مظلمة وقفزوا إلى الخنادق، وقتلوا من فيها، وتابعوا من هرب من الجنود، وكانوا 30 جندياً وواصلوا التقدم صوب باقى المواقع حتى تم فتح الجبل كله.

وفى نهاية المعركة سألوا الرجل العجوز عن السبب وراء إندفاعه العجيب المفاجئ، فقال لهم ببساطة: لما رأيت القنابل اليدوية تتساقط علينا مثل المطر، ولكنها ترتد على العدو مرة أخرى وتتفجر عنده أدركت أن الله قد أنزل الملائكة لنصرتنا فإندفعت نحو العدو وأنا موقن أنهــم مهزومين وأن شيئاً لن يضرنا، يدعي ذلك البدوي العجوز”أكبر محمد”.

الساعة 5.11: الطرف الشرقي من الجبل فى قبضة المجاهدين تماماً، ومن هناك يقصف المهاجمين بالرشاشات الثقيلة قصفاً عنيفاً للغاية على باقى المواقع المعادية فوق الجبل متجهين صوب الغرب.

الساعة 5.15:  تقرير لحقانى من المجموعات المهاجمة فوق الجبل ، كلها ، بأن مقاومة العدو فوق الجبل أصبحت ضعيفة جداً. بدأت عملية تطهير المواقع ممن تبقى بها ، وأكثر الأحياء لاذوا بالفرار إلى الشقيق التوأم لجبل تورغار والواقع إلى الشمال والمرتبط به بحبل سُرِّى ، أو ما يطلق عليه “سَرْج” ، وهذا التوأم الأصغر يدعى(ورا تورغار) أى تورغار الخلفى.

الساعة 5.50:  تقابل المهاجمون المتقدمون من الشرق مع المهاجمين من الغرب فوق ظَهْر الجبل، لقد وقع تورغار أخيراً فى أيدى المجاهدين بعد سنوات طويلة ومريرة منذ فقدوه آخرمرة.

لقد فتحوا تورغار ، وأصبحت المدينة نفسها قاب قوسين أو أدنى من الفتح، ولكن ذلك لم يحدث بالسرعة التى كنت أتوقعها.

سألنى الصحفى البريطانى (تيم) عما حدث، فقلت له: لقد إستولى المجاهدين على تورغار ، وإجتهدت أن أبحث فى وجهه عن أى إنفعال فلم أعثر على شئ فشعرت بالغيظ، ولكننى تماسكت أمام ذلك اللوح الجليدى القادم من بريطانيا العظمي ، التى ذاقت فى أوائل هذا القرن ما يذوقه السوفييت والشيوعيين فى أواخره على أيدى نفس هذا الشعب الخارق.

ثم سألنى ببرود: تقول أن تورغار هو مفتاح مدينة خوست فمتى تتوقع أن يتم إستيلاء المجاهدين على المدينة. فرددت عليه: من المفروض ألا يزيد ذلك عن شهر.

لقد أخطأت فى تحديد ذلك الموعد، لأن المدينة فتحت بعد ذلك بحوالى ثلاث عشر شهرا ونصف.

وقد قابلنى تيم بعد ذلك بعدة أشهر فى بشاور، وكان يتذكر بدقة ما قلته له من أن المدينة يمكن أن تفتح خلال شهر، وسألنى بشماتة لا تخفى: لقد قلت أن المدينة سوف تفتح بعد شهر، فماذا أخّر الفتح حتى الآن ؟.

فرددت عليه قائلاً: إن تدخل أمريكا وباكستان هو السبب. ثم ذكرت له بعض مجهوداتــهم لإفساد فتح خوست.

التقرير الأول عن خسائر المهاجمين هو شهيد واحد ولا جرحى، وبعد ساعة جاء تقرير آخر متضارب يقول الخسائر ثلاثة جرحى ولا شهداء . فى اليوم التالى كان التقرير النهائى هو شهيد واحد وثلاثة جرحى .وسبب التضارب هو أن التقرير الأول  كان لأحدى المجموعتين وهو شهيد واحد بلا جرحى والتقرير الثانى للمجموعة الثانية كان ثلاثة جرحى بدون قتلى.

كانت تلك الخسائر المتدنية مفاجأة كبرى ومدهشة إلى أقصى حد، أن يتم تحقيق هذا الإنجاز الفائق بهذا القدر الذى لا يكاد يذكر فى الخسائر.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن دقة الإعداد وتوفير الوسائل اللازمة للعمل وإكتساب الخـبرة الكافية فى إدائه هى من أعظم أسباب النصر ، وقبل كل ذلك هو ذلك التأييد الإلهى الذى لا يمكن تصويره بالقلم أو اللسان . فحالة الطقس مثلاً، من غيوم تحجب الرؤية فتمنع الطيران والمدافع المعادية، ثم تعود فتنكشف قليلاً فتساعد المهاجمين علي تبين الألغام وأسلاك الإعثار المنبثه فيما حولهم.

حتى فشلهم فى السنوات الماضية فى الهجوم من طرف واحد هو المنحدر الغربى، قد إستدرج العدو إلي الإطمئنان التام هذه المرة أن الهجوم قادم لامحالة من نفس الطريق فركز دفاعات كلها ، أو معظمها ، فى ذلك الإتجاه، فتمكن جولاب من شق طريق من جهة الشرق بسهولة لم تكن متوقعة، رغم أن الجميع كان يتوقع أن الشرق هو محور ثانوى للهجوم فجاء العكس.

الساعة 6.07:  طائرة أنتينوف تحلق وتقصف بعيداً. السماء إنقشعت وظهر ضوء النجوم واضحاً، كان ذلك عظيم النفع للمجاهدين فوق الجبل ومكنهم من معرفة طريقهم فوق الجبل وفى غابة الخنادق حوله وفى (الدُشَم) المحصنة والمسلحة خاصة من الطرف الغربى، ثم المخازن الإدارية فى الطرف الشمالى، وبها غرف مليئة بالطعام والذخائر، والأهم من ذلك مراقبة العدو الذى قد يحاول شن هجوم معاكس فى نفس الليلة قبل أن يستحكم المجاهدون فوق الجبل.

الساعة 7.00:  سقطت ثلاث صواريخ سكود متتالية حول جبل تورغار. ثم صاروخين آخرين فى تودة شنى ،جنوب تورغار.

خمسة صواريخ سكود دفعة واحدة، كانت حفلة إبتهاج بفتح تورغار ولكن إطلاق النار التقليدى فى مثل تلك المناسبات، قامت به الحكومة وليس المجاهدين . ولم تقع أية خسائر من جراء ذلك القصف.

ملاحظه: ثمن صاروخ سكود فى ذلك الوقت هو مليون دولار أمريكى، وقد أطلق العدو فى تلك المعركة سبعة صواريخ سكود ، بينما أطلق صاروخين فقط فى محاولة يناير الماضى التى لم تنجح.

– أخيراً غادرنا حقانى متجها إلى مركز خليل فإلى هناك سوف تأتى وفود العائدين من المعركة، مع الأسرى والغنائم، ثم مشاورات عن الخطوة التالية حيث من المفروض ، حسب قول حقانى ، الإستيلاء على(ورا تورغار)، فقد قال لى : لا فائدة فى تورغار إذا لم نمسك (ورا تورغار) ، لم أكن أدرك تلك الأهمية قبل ذلك وأن كانت منطقية تماماً، فالجبلان فى الحقيقة جسد واحد متصل.

وأى قوات قادمة من المدينة لشن هجوم مضاد لابد لها من الإرتكاز على (ورا تورغار)، إذن المعركه لم تنته بعد !!.

لم أغادر مع حقانى لأننى توقعت معركة فوق الجبل فى هذه الليلة. وفى الليل إتصل بنا حقانى تلفونياً وقال أنه منتظر وصول الأسرى للتحقيق معهم والبحث عن الشيوعيين من بينهـم. وأضاف إنه سيكون عندنا غداً ففهمت أن المعركة سوف تستأنف فى الغد. لم أستطع النوم إلا فى ساعة متأخرة، فرحاً بما حدث، هائماً مع التوقعات.

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

السبت 17 فبراير 90 :

لم أكد أستغرق فى النوم حتى صحوت فزعاً على صوت إطلاق نار كثيف وقذائف. كنت متأكداً أن مصدرها(تورغار)فقد كنت أتوقع هجوماً ليلياً من جانب قوات الحكومة، فتحركهم بالنهار نحو الجبل سيكون إنتحاراً، وليس أمامهم إلا الليل، بل هذه الليلة تحديداً قبل أن يستحكم المجاهدون فى خنادق الجبل ويحفرون مواضع جديدة فى مقابل المدينة. كانت الساعة الرابعة صباحاً.

إنقطعت الرمايات فجأة، وطمأنت نفسى بأنه لاشئ مهم، وأن عبد العزيز نائم الآن فلا أحد عنده خبر بما حدث، فنمت مرة أخرى.

فى الصباح سألت عبد العزيز عما حدث فى الليل فقال :(خير خيرت)، فأكدت عليه بالسؤال عن أحوال المجاهدين فوق الجبل فأجابنى بنفس الجملة.

فى السابعة سمعنا طلقتى RPG فوق الجبل (تورغار) ثم قصف مدفعى شديد من الوادى ضد الجبل وما حوله ثم زخات من الرشاشات الثقيلة والخفيفة، طائرات الهيلوكوبتر أطلقت الصواريخ بغزارة ضد (تورغار) فطمأننى ذلك لأن معناه أن المجاهدين متمسكون بقوة بالجبل.

الجو غائم، وتعليقات المجاهدين على أجهزة اللاسلكى مليئة بالمرح والسعادة. وفى الثامنة والنصف صباحاً إتصل بنا حقانى تلفونياً فقال بأن العدو حاول صباح اليوم الهجوم على تورغار وإستعادته، ولكن المجاهدين كانوا فى أتم الإستعداد، وكانت الذخائر والأطعمة  والمياه متوفرة لديهم وأن العدو جوبه بنيران قوية من الجانبين أدت الى سقوط الكثير من القتلى والجرحى(بالمئات حسب قوله) وفر كثيرون منهم نحو المدينة، وإعتصم بعضهم فى جبل تورغار الخلفى(ورا تورغار) وأن المجاهدين سوف يتقدمو للإستيلاء عليه.

الساعة 8.35: رغم الغيم الكثيف فإن طائرة انتيوف ألقت قنابلها من إرتفاع عال حول جبل تورغار ، ولكن بلا أي تأثير.

تزايد الغيم، والمطر خفيف وريح باردة جداً، عدد المتواجدين معنا على ظهر الجبل قل كثيراً.واضح أان اليوم لا يمكن شن هجوم جديد ضد (تورغار الصغير).

الساعة 10.10: هبطت فجأة فى المطار طائرة نقل عسكرية . كانت مفاجأة مذهلة فى وقت وظروف غير متوقعة، (باتشادينا) مشتبك فى رماية متبادلة مع راجمة صواريخ كبيرة من طراز BM-41 هبطت الطائرة من الطرف الغربى ثم مكثت فى النهاية الشرقية للمدرج أقل من دقيقة ثم إستدارت وأقلعت ، وكتبت فى مذكرتى وقتها: لا أدرى ما هى المهمة التى يمكن إنجازها فى هذا الوقت القليل؟.

الساعة 10.36:  كانت الدهشة أشد فى المرة التالية، إذ هبطت طائرة كالعادة من جهة الغرب وما أن وصلت إلى الطرف الشرقى حتى إستدارت وأقلعت، لم يستطع أحد أن يخبر جماعة المدفعية، سألت نفسى : ماذا يحدث ؟؟

ولابد هنا ، للحقيقة ، أن أشيد ببطولة وفدائية الطيارين الأفغان، وسيمر معنا مثل ذلك في معارك قادمة .ولقد رأيت بعض هؤلاء الطيارين بعد نهاية الحرب، ولا أظن أن هناك من هم أكثر إستهتاراً بالموت منهم، وهى سمة عامة فى معظم الشعب الأفغانى.

فيما بعد قال حقانى أنه يظن أن تلك الطائرات قد أحضرت شخصيات هامة من كابول ، وربما كان ظنه صحيحاً لأنه بعد قليل سيظهر على ساحة الأحداث فى خوست، الجنرال عجب مزارى الرجل الشرير والقائد السابق لجبل تورغار.

– لكن نسمة منعشة هبت علينا هذا الصباح حيث شاهدنا عددا من الأطفال يصعدون الجبل إلينا، كانت ملابسهم خفيفة وممزقة أو مرقعة أحياناً. وقفت مع حاجى إبراهيم نتأملهم ونتسائل كيف وصلوا إلى هنا، فلم تكن سيارات المجاهدين تتحرك هذا الصباح خاصة بالقرب منا.

وصلوا إلينا وصافحونا، وقالوا إنهم طلبة فى مدرسة العلوم الشرعية”منبع العلوم” فى ميرانشاه، وقد سمعوا بالأمس أن المجاهدين قد فتحوا جبل تورغار فجاءوا سيراً علي الأقدام (حوالى 30 كيلو متر) كي يتأكدوا من الخبر ويشاهدوا المواقع التى فتحها المجاهدون.

تأثرنا بما فعله هؤلاء الأطفال، ورحبت بهم وكذلك فعل إبراهيم وعبد العزيز وعدد آخر من رجال الموقع، وسمحوا لهم بإستخدام المناظير وشرحوا لهم المواقع التي يشاهدونها، وذكروا لهم أحداث الأمس فوق تورغار، ثم قدموا لهم الشاى والخبز.

جاء الصحفى (تيم) هو الآخر يستطلع أخبار هؤلاء الأطفال، فشرحت له قصتهم، وسألته عن دلالة أن يسير أطفال صغار فى هذا السن كل تلك المسافة وسط الجبال فى جو ممطر بارد، فقط من أجل الإطمئنان على أخبار المجاهدين، وفرحة بإنتصاراتهم؟.

لم تصدر منه كلمة أعجاب أو مجرد بسمة للأطفال ، أنه محايد جداً بلا شك ، محايد لدرجة جعلتنى أتمنى قذيفة عنقودية تريحنا منه ومن كل صحافة بريطانياً التى كانت ، ولن تعود ، عظمى.

الساعة 11.30: وصل الشيخ حقانى إلى مركزنا فوق الجبل، وإتصل بالمخابرة مع أخيه خليل قائد الدبابة الشهيرة ، وصاحب الدور البارز فى تحطيم مقاومة تورغار ، وأفاد خليل أن أوضاعهم ممتازة، وأوصى بالإهتمام بالإمدادات خاصة للمجاهدين فوق الجبل.

جلست أتحدث مع حقانى بالنسبة لمشكلة الإمدادات، فقلت له أن العدو لن يسلم بسهولة بضياع تورغار، لأن معنى ذلك أن المدينة قد أفلتت من بين يديه إن عاجلاً أو آجلاً، وأن معركة تورغار قد يكون الفيصل فيها هو القدرة على إمداد الجبل بالمقاتلين والذخائر والطعام والمياة، وأن العدو مازال أقدر علي ذلك لأنه خلال السنوات الماضية قد مهد طريقاً للإمداد من خلف الجبل، بينما نحن لانمتلك سوي مدق ضيق وخطير يمر وسط ألغام كثيفة جداً، بحيث أن خطوة واحده خارج المدق قد تعنى الموت، أو بتر القدم على الأقل. وقلت له أن أهم ما يجب عمله الآن هو شق طريق للسيارة حتى قمة تورغار، وأن يبدأ الطريق من الطرف الغربى ويهبط من الجانب الشرقى، وبهذا يمكن لنا إمداد الجبل من قاعدتين قويتين للمجاهدين وهما بورى خيل ، إلى الغرب وتودة شنى ، إلى الشرق.

لم يكن حقانى فى حاجة لمن يذكره بأهمية الطرق فى الجبهات، وخاصه بالنسبة لهدف مثل تورغار. وبالفعل بدأ بعد أيام فى دفع كل قواة نحو شق طريق إلى القمه فى تورغار ، وتحت أقصى الظروف من الغارات الجوية التى لا تكاد تتوقف. وقد ساعده عدد من الفدائيين الحقيقيين من سائقى البلدوزرات، وعمال الحفر والتفجير. وخسر عدد من السيارات والجرحى ولكنه نجح فى النهاية فى شق طريق ممتاز، ولكنه لم يستطيع أن ينزل به إلى جهة الشرق لأن تضاريس الجبل لا تسمح بذلك بغير أن يتعرض الطرق لنيران العدو فى الوادى إذ لا بد أن يمر الطريق من خط الأفق فوق الجبل وليس فى السفح الجنوبى المخفى عن العدو.كان نجاحاً هندسياً وعسكرياً باهراً أكد سيطرة المجاهدين علي تورغار وما حوله.

الساعة 2.17:  بعد أن صلينا الظهر قرب قمة الجبل، جاء الخبر من ميرانشاه يقول بأن الأحزاب شاركت حقانى فى فتح الجبل، ولكنه دفع لهم مبلغ ثلاثة ملايين روبية حتى يتركوا له الجبل كى ينفرد هو إعلامياً بالإنتصار. كانت الكذبة واضحة لمن هو داخل الجبهة، أما فى الخارج فلا أحد يستطيع أن يجزم بما حدث. كانت طعنة خبيثة من أحزاب بشاور التى لا تقصر فى سكب أطنان من الدهان الأسود، فوق حقانى وجميع أعماله، حتى إنتصاراته الباهرة التى تستحق الإشادة والتمجيد.

كان التنسيق داخل جبهات باكتيا عامة وخوست خاصة يسير علي أفضل شكل ممكن فى مثل تلك الظروف ، وبأقل قدر من الإحتكاك حتى أنه لم يحدث صدام مسلح واحد طوال مدة الجهادعلي أساس حزبى. ولكن التنسيق فى المعارك كان يتم خارج نطاق الأحزاب وبتفاهم مباشربين المجاهدين فتسمى بعدئذ بالعمليات المشتركة ، بينما الأحزاب وقيادتها فى بشاور لم تكد تسمع قبلاً بوجود مثل ذلك التنسيق ،ولو علمت فالفشل قادم لا محالة إذ تبدأ الضغوط والرشاوى ومؤامرات توريط الأخرين خاصه قادة الميدان البارزين ، وبالذات حقاني وزملائه.

سألت حقانى عن عدم إشتراك أحد من الأحزاب الأخرى في معركة (تورغار) فرد قائلاً :

إن أحداً لا يتحمل معركة بهذا الطول، لقد إستمر الحصار ثلاثه أشهر متوالية. ومن جهتى يمكن أن أضيف أسباب أخرى منها: أن تجارب الهجوم على تورغار منذ عام 1984 قد فشلت، وأسفرت فقط عن قتلي وجرحى، مع إهدار المال والذخائر، ثم إتهامات متبادلة وخصومات بين المجموعات المشتركة في العملية .

السبب الثانى: أن تورغار إكتسب نتيجة لذلك هيبة فى النفوس وكان إسمه كفيلاً ببعـث القشعريرة فى أبدان المجاهدين.

السببب الثالث: هو أن الإستخبارات الباكستانية تجد الباب واسعاً للتدخل فى العمليات المشتركة وهى عادة عمليات كبيرة. وقد كانت هى السبب فى إفشال عدد من الهجمات على تورغار لأن إستيلاء المجاهدين عليه يعنى وضع رقبة المدينة فى قبضتهم، وهو ما يتعارض مع سياسة سادة باكستان، أى الولايات المتحدة.

كانت الخطوة التالية والضرورية لإسقاط خوست هو إغلاق مطارها بشكل نهائى مستفيدين من موقع تورغار وما يوفره من مزايا لهذا العمل ، ولكن سنرى كيف أن المخابرات الباكستانية بذلت جهدها لمنع ذلك.

كانت ما تريده باكستان هو عض أصابع نظام كابل فى خوست حتى تصل معه إلى شروط  تساومية أفضل.بينما كانت مصلحة المجاهدين هى ، إبتلاع خوست ، لينهار نظام كابــل فيفرض المجاهدون نظامهم الخاص.

وسوف يمر علينا لاحقاً كيف بذلت المخابرات الباكستانية كل وسعها لمنع إغلاق المطار ثم بذلت جهوداً جبارة لمنع فتح المدينة.

أخبرنى حقانى أنه قد إحتاط كثيراً فى إظهار الفرحة والإبتهاج بفتح تورغار، فقد قال عند

إعلان النبأ: لقد إستولينا على تورغار الكبير والمعركة مستمره علي تورغار الصغير. لقد أعجبنى كثيراً تصرفه هذا، فهو يدل على التواضع من جهة، وعلى الواقعية من جهة أخرى فمهما كانت معرفته بضعف العدو فى خوست، فإن خطورة ما حدث تجعل من المجازفة إفتراض أن العدو سيسلم بالأمر الواقع بسهولة. على الأقل يمكن توقع أن يحدث مثلما حدث فى دراجى منذ عدة أشهر بأن يتم تداول الموقع بين الجيش الحكومى والمجاهدين حتى يستقر الوضع لصالح المجاهدين فى نهاية الأمر.

قال حقانى: نحن مستعدون للهجوم بعد وقت قصير.لقد ناوش المجاهدون تورغار الصغير ودمروا بعض مواقعه الدفاعية ،” البوسطات” ، فطلب المدافعون إرسال دبابة إليهم لدعمهم.

ونحن بدورنا سنرسل دبابة إلي توده شني لندعم بها مجموعة جولاب كى تهاجم تورغار الصغير ، كذلك طالبنا مئتى مجاهد من كتيبتى سلمان الفارسى، والعمرى ولن نستخدم قواتنا فوق تورغار للهجوم حتى تبقى دفاعاتنا قوية فوقه تحسباً للطوارئ. كان حقانى يسير بحذر ولم يستخفه الإنتصار الكبير. قرب العصر حذرنا عبد العزيز من أن الطائرات النفاثة قادمة للقصف لكنه لا يعلم أين .

كان يتتبع محادثات خوست مع كابل. بعد دقائق ظهر صوت طائرة نفاثة، وعبد العزيز يتابع حديث الطيار مع القيادة الأرضية في خوست، قالت له القيادة: أنت الآن فوق الهدف، أرمى حمولتك. فرد الطيار فى براءة ، ولم تكن الحكومة قد إذاعت خبر فقدها لتورغار : ولكننى فوق جبل تورغار !!. فردت عليه القيادة: لم يعد هناك تورغار.. إقصف.

فإستفسر الطيار بعصبية: ماذا تعنى بقولك ؟ ، هل إنتهى تورغار؟؟ ، ثم أصابته نوبة من الهياج وأخذ يهذى ويصرخ: لقد بعتموه لهم..أنتم بعتم تورغار ضاعت خوست..ضاع كل شئ. ثم دار بطائرته دورة واسعة ثم عاد في إتجاه تورغار وأفرغ شحنة ضخمة من القنابل العنقودية، ولكن بعيداً عن أى هدف، ثم إختفى بطائرته وسط السحب الداكنة.

أثار الحادث الإبتهاج والفرحة بين صفوف المجاهدين، فالعدو يعيش أزمة عنيفة تطال ما تبقى لديه من روح معنوية.

ولكن لم نلبث أن أصبنا بصدمة وعمنا الحزن والوجوم حين وصلنا نبأ إستشهاد(بوستان) الكوتشى، الذى كان يعمل على مدفعه فى مبارزة مدفعية مع العدو، حين سقطت قذيفة على هضبة قريبة منه فأصابته شظية فى رأسه فقضى نحبه علي الفور، لقد عم الحزن جميع المراكز حتى نسى المجاهدون إنتصار تورغار ، ولو إلى حين.

ثم وصلنا إسم شهيد تورغار الوحيد يوم الفتح ، أنه الكوتشى(طالب جولاب)،فهل يهتم أحد من سكان الأرض بهذا الإسم؟  ولكن يكفيه أن الله أعلم به وبما فعل.

أسقطت الطائرة على المدينة بعض الإمدادات بالمظلات، وكان أهمها براميل البترول ، وقد أخذ الهواء عدد من تلك المظلات إلى مواقع المجاهدين، فأخذوها غنيمة إلى جانب غنائم جبل تورغار التي وصلنا إحصاء عنها كالتالى:

عدد 2 مدفع مضاد للطائرات (شلكا) عيار 23 مليمتر.

عدد 3 قاذف قنابل يدوية ( نارنجاك).

عدد 3 دبابة منها واحده فقط يمكن إصلاحها.

عدد 13 قاذف RPG .

عدد 3 رشاش ثقيل (جبلى) عيار 14.5 مليمتر(زيكوياك).

عدد 14 هاون من عيارات مختلفة.

عدد 60 بندقيه كلاشنكوف.

عدد 1 مدفع جبلى عيار 76 مليمتر  .

عدد 1 جرينوف 7.62 مليمتر.

عدد 1 قاذفة صواريخ سلكية مضادة للدروع.

عدد 2 رشاش خفيف.

عدد 1 رشاش وسط (دشكا).

– تحدثنا عن فتح جبل تورغار الذى هو مفتاح مدينة خوست، فلنتذكر بالدعاء وطلب الرحمة لأهم أبطال تلك المعجزة . وهما البدوى ـ العجوز الغامض ـ “أكبر محمد” ، الذى إقتحم منفردا خط دفاع العدو بعد أن أوشك المهاجمون على التراجع. ثم ذلك الشهيد الوحيد فى تلك الملحمة الكبرى التى شارك فيها الآلاف من الطرفين  وعدد لايحصى من الطائرات وصواريخ سكود الثقيلة . ذلك الشهيد ، البدوى الذى لا يكاد يعرفه أحد، “طالب جولاب”… رحمهما الله .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقانى : العالم الفقيه والمجاهد المجدد. ( 26 )

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 24

حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (24)

معارك جبل تورغار
– تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة. لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر  مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية.

– ساد الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك جهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

– انفجر الصاروخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول حقاني إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد .

– هل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم

 منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الأحد : 14 يناير 1990 ــ  16 جماد الثاني 1410هـ .

في رحلتنا إلى باري رافقنا الصديق عثمان الصعيدي، وهو شاب شهم فارع الطــول قضى سنوات عديدة في جهاد أفغانستان.

كان مركز القيادة مزدحماً، فقد توجهنا إلى (جبل الترصد) وهو جبل مرتفع على الحافة الجنوبيه الغربية لوادي خوست، يتخذه حقاني كموقع للقيادة في بعض الأوقات . وأقام فيه  مركزاً ثابتاً للاتصالات اللاسلكية، ومنه يتم التصنت على مكالمات العدو اللاسلكية في المدينة، وعلى مكالمات الطيارين أيضاً. وكان ذلك عملاً عظيم النفع، استفدنا منه في عمليتنا ضــد المطار بعد ذلك بعدة أشهر. ومن ناحية صحفية أيضاً كان ذلك المركز مصدراً فريـداً  للمعلومات خاصة التفاصيل الدقيقة لمحادثات صانعي القرار. وكان مسئولا اللاسلكي في الموقع هما “عبد العزيز” وهو ضابط سابق قوي البنية، هادئ  ولامع الذكاء. والآخر “فضل” وهو شاب من المجاهدين يتمتع بنفس مزايا صاحبه فيما عدا قوته الجسمانية، ولكنه يعوض ذلك بسعة الحيلة والدهاء.

كلاهما قدم خدمات جليلة للمجاهدين ثم لنا أيضاً أثناء عملية المطار. وفي الواقع فإن زياراتي للجبهة واحتكاكي القريب بالعمل هناك خلال الأشهر السبعة الأولى  من هذا العام أفادني بشكل كبير جداً في فهم أسلوب عمل المجاهدين وتفكير قياداتهم، خاصة حقاني، والإمكانات المتوفره لديهم. وأن أفهم بشكل أدق أسلوب وإمكانات العدو.

وقد مكني ذلك من كتابة عدد من الدراسات العسكرية حول تلك الموضوعات، كما أفادني في ترتيب وقيادة عمليتنا الأولى ضد المطار، ثم عمليتنا التالية أثناء فتح المدينــة في العام التالي (1991).

قص علينا عبد العزيز أحداث جيدة حدثت ليلة الأمس (بعد نكسات تورغار وإسماعيل خيل). قصف أحد مدافع المجاهدين مدرج المطار فأصاب طائرة كانت قد هبطت للتو فاشتعلت بـها النيران. وكان في الجو طائرتي نقل تحاولان الهبوط وشاهدتا الحدث، فطلبت منهما القيـادة الأرضية في المدينة الهبوط لنقل طاقم الطائرة المحترقة إلى كابل. فرد أحد الطيارين بأنه لا يمتلك أوامر بالهبوط كما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بلا حماية كافية. ولكن الطيار الآخــر هبط بطائرته ولم يكد يفعل حتى أصابته قذيفة هو الآخر، فاستنجدت القيادة الأرضية بالطيـارالثالث أن يهبط، فرد قائلاً: آسف لن أهبط . وكان آخر ما التقطه عبد العزيز هو قول القيادة الأرضية: سنحاول إصلاح الطائرة. في الرابعة عصراً جاءني حاجي إبراهيم راكضاً وهو يقول بلهفة إحضر فوراً هناك طائـرة سوف تهبط في المطار، كنت جالساً مع عثمان نراقب المدينة بالمنظار، ونتحدث في أمورشتي.

جرينا صوب عبد العزيز الذي كان يتابع المحادثات اللاسلكية بين الطيار والمدينة، بينما إبراهيم يترجم لنا. كانت طائرة عسكرية قد أصابها عطب وطلب الطيار إذناً بأن يقفز منـها بالمظلة، ولكن قيادة المدينة طلبت منه الهبوط في المطار. ويبدو أن تردد الطيار كان راجعاً إلي خوفه من مدفعية المجاهدين، ولكنه هبط أخيراً مستعيناً بمظلة خلفية لتهدئة سرعة الطائرة فوق المدرج. أخذ عبد العزيز يستنجد برامي المدفع “محمد بوستان الكوتشي” الذي أصاب طائرتين بالأمس فوق المدرج.ولكن ذلك استغرق وقتاً، وكم كان مثيراً عندما أخذت عده أجهزة لاسلكي تصيح بالرامي (بوستان) كي يقصف الطائرة الواقفة في منتصف المدرج تماماً.كانت شامخة قوية بعكس  طائرات النقل، التي تعود المجاهدين ضربها في المطار.كانت قاصفة مقاتلة مـن طراز(سوخوي ـ 7) وهو طراز قديم. بعد فترة انتظار مثيرة، وكان بوستان قد أغلق مخابرته فذهب إليه بعض المجاهدين لتنبيهه إلى ما يحدث على مدرج المطار، فبدأ العمل بينما عبد العزيز يصحح له الرمايات. وقد سقطـت عدة قذائف على مسافة غير بعيدة ولكن الطيار تحرك إلى أقصى الطرف الشرقي من المدرج ثم اتجه قليلاً إلى الشمال حتى صار آمناً من قذائف (بوستان). بعد ذلك سرت إشاعة بأن سبب إتلاف الطائرة هو يعود إلى صاروخان “ستنجر” أطلقا عليـها دفعة واحدة فأصابها أحدهما. ولكن آخرون نفوا ذلك وعزوا ما حدث للطائرة بأنه عطـل فني، وذلك ما تأكدت منه بعد أكثر من عام بعد فتح المدينة وقد شاهدت الطائرة بنفسي وتفحصـتها وركبت في مقعد السائق، وكان جسم الطائرة مصاب ببعض الشظايا الصغيرة ، في الغالب من نتائج رمايات بوستان التي سقطت قريبة منها.

– وبعد الفتح تسببت تلك الطائرة في مصرع واحد من مجاهدي الكوتشي (البدو)، فقد انحشر إثنان منهما في قمرة القيادة وأخذا يعبثان في كل ما تصل اليه أيديهم من أشياء وفجأة انطلق مقعد السائق عالياً في السماء ومعه المجاهدان الفضوليان، وعند ارتطامهما بالأرض مـرة أخرى قتل أحدهما فوراً وأصيب الآخر إصابات بليغة. أما صاحبنا الكوتشي البطل (محمد بوستان) فقد أجريت معه حديثاً لمجلتنــا “منبع الجهاد” واكتشفت أنه من جماعة صديقنا القديم، الشهيد عبد المنان، وكان بوستان شاباً ، برغم شاربه الكث، غاية في الحياء والتواضع بعكس ما يوحي به مظهره من خشونة وقوة بأس. وقد استشهد رحمه الله بعد ذلك بعدة أشهر نتيجة رمايات مدفعية العدو، وذلك قرب مدخــل (بوري خيل).

ومازلت مندهشاً لتلك البراعة الكبيرة من جانب البدو الأفغان في اتقان العمل على المدفعيـة وصواريخ ستنجر رغم عدم تلقيهم لأي تعليم كان.  أثناء الليل أيقظنا الحرس من غرفتنا فوق الجبل كي يسوقون لنا البشري بأن طائرة نقل للعدو حاولت الهبوط في المطار فأصيبت بنيران المدفعية واحترقت وقتل من فيها. وبذا يكون عدد الطائرات المصابة خلال 24 ساعة هو أربع طائرات منها واحدة سوخوي. وفي تلك الليالي المقمرة والصافية يكثف العدو محاولاته لإنزال طائرات النقل في المطار، وفي الواقع إنه لا يواجه نفس المقاومة العنيفة دائماً لذا فعنده احتمال للربح مع المجازفة. وقد ربح أحياناً كثيرة عندما كان يختار الوقت المناسب على حين غرة من المجاهدين وكان ذلك غالباً في الوقـت الواقع ما بين العاشرة ليلاً والصباح الباكر، وقد أفادتني تلك الملاحظات كثيراً فيما بعد.

 

 

الإثنين 15 يناير 1990 ـ17 جمادي الثاني 1410 هـ : 

وصل إلى معسكر القيادة في باري، والمسمى مركز خليل، وصل عدد من الجنود الفارين.

أحدهم كان فوق جبل تورغار، وأفاد بأن نتيجة قصف المجاهدين للجبل أمس قتل 9 أشخاص من بينهم 5 من الميليشيات وثلاثة من الضباط كما جرح تسعة آخرون. وهناك 6 جثث متناثرة على سفح الجبل لجنود الحكومة منهم فرد من الميليشيا ثيابه بيضاء لم تتمكن الحكومة من سحبهم.

– والذين يرتدون الثياب البيضاء من الميليشيات هم من سكان خوست والقبائل المحيطة بها ممن لهم عائلات بالمدنية. والثياب البيضاء تعني المباهاة والشجاعة والاستقرار في المنطقة، بعكس حالة الجندي الغريب القذر الخائف. ومن أخبار الأمس التي وصلتنا اليوم هو استشهاد أربعة مجاهدين في منطقة باري نتيجة لقنبلة طائرة سقطت فوق مغارتهم فانهارت عليهم.

– وقد مررت على تلك المغارة فيما بعد ولم تكن سوى حفرة واسعة في جرف ترابي غــير متماسك وقد سقطت القنبلة على سقفها مباشرة، وكان يمكن أن تنهار حتى بدون ذلك. و كنت مهتماً بالمغارات التي يحفرها المجاهدون من الناحية الهندسية ومن الناحية العسكرية، وقد  كان للمغارات دور رئيسي في عمليتنا ضد المطار، كما سنرى لاحقاً. وكما وفرت المغارات دفاعاً هاماً للغاية ضد غارات الطيران والقصف الصاروخي، فإن شبكة الطرق التي بناها المجاهدون في الجبال أكسبتهم مرونة كبيرة في الحركة ويسرت كثـيراًعمليات الإمداد والتموين لمقاتليهم.

في الصباح استطعنا الجلوس مع الشيخ حقاني، فقال إن المعارك قد بدأت منذ شهر ونصف (أي من ديسمبر الماضي) ولكنها اشتدت كثيراً في الأسبوع الأخير، وأنه من الأفضل لي أن أبقى حتى تنتهي المعارك. أما عن المجلة فسوف نطبعها في لاهور. ثم أخبرني أن اليوم سوف تبدأ معارك بهدف قطع الطريق بين خوست وجاجي ميدان في نقطتين لمنع عمليات التهريب القادم من باكستان. عدنا إلى نقطة الترصد، فشاهدنا نيراناً تنبعث من جبال جهة الشمال في مقابلنا، أخبرنــا عبد العزيز أن المجاهدين قد استولوا على عدة مراكز عسكرية “بوسـطات” في (ماشـغور) وأن الطيران تلقي أوامر بقصفها ولكنه اعتذر بأن هناك أمطار والرؤية غير واضحة. وأن الطيران تلقي أمراً بقصف الطريق بين لوجار وجرديز لتمهيد الطريـق لقوة عسكرية كي تمـر إلى جرديز. في الساعة الثانية والنصف ظهراً سقط إثنان من صواريخ سكود، واحدة خلف جبل تورغـار”حيث تتوقع الحكومة وجود تحشدات للمجاهدين هناك”، والأخرى طرف نـادر شـاه كوت، الأتربة والدخان المتصاعد من انفجار تلك الصواريخ يكون مهيباً ويرتفع في الجو مئات الأمتار في شكل عش الغراب كما يحدث في الانفجار النووي، كما أن فرقعات انفجارها هي الأضخم بين باقي القنابل والصواريخ. * أخبار أخرى من ماشغور، فالقتال الذي بدأ في السابعة صباحاً انتهى ظهراً بالاستيلاء على ثلاثة بوسطات، ومديرية (مركز إداري لمنطقة قروية) وأخذوا غنائم كثيرة جـداً من بينـها دبابتين، وقد أسروا جميع الجنود الذين فر منهم أربعة فقط. الحكومة قالت أنها خسرت كل الأسلحة التي في المواقع، وأنها استردت المواقع مرة أخـرى فيما بعد عدا المديرية، ولكن المجاهدين قالوا أنهم في كل المواقع التي أخذوها.

كانت قمة ماشغور هي الأعلى جهة الشمال كما هو جبل تورغار في الجنوب والمسافة بينهما من 30 إلى 35 كيلومتر في خط مستقيم يمر بمركز المدينة وسقوطه مع سقوط تورغار يعني كماشـة ضخمة من فكين في الشمال والجنوب، وهو مالم يحدت على أية حال حتى سقوط المدينة. وكتبت في مذكرتي وقتها إنه بسقوط ماشغور، وعند نجاح عمليات اليوم لقطع طريق التهريب من جاجي ميدان، وإذا سقُط تورغار يكون 70% من مهام فتح المدينة قد تم إنجازه .

لم أكن أعلم أن هناك عملية قريبة ضد تورغار بهدف الاستيلاء عليه، وكنا من وقت لآخـر نسمع صوت إطلاق نار كثيفة فوق تورغار وكنت أفسره بأنه نتيجة خوف الجنود وتوترهم، لكن الأغلب أنهم شاهدوا تحركات مريبة قريباً منهم فقد كان المجاهدون قبل كل هجوم يعملون خفية في نزع الألغام التي زرعتها قوات الحكومة وفتح طريق لهجماتهم القادمة. اليوم أيضاً التقط عبدالعزيز مخابرة من توغار إلى قيادة المدينة يهدّدهم فيها بالتسليم إذا لم تصله الإمدادات، فالأعصاب إذن متوترة، والإمدادات قليلة والإداريات مرتبكة، فهل حانـت ساعة السقوط؟. في الخامسة والنصف (عند الغروب) حدث اشتباك من مسافة قريبة فوق تورغار استخدمت فيه البنادق الآلية والرشاشات الثقيلة وصواريخ RBG هل هو هجوم حقيقي، أم عملية جس نبض يقوم بها المجاهدون؟ أم هو تحرك سريع من جانبهم بعد أن التقطوا رسالة تورغار إلى المدينة ويهدد فيها بالتسليم؟ وقبل أن أحصل على الإجابة سقط صاروخ سكود فيما بين جبل تورغار وجبل زرمانكي الواقع إلى غربه، وهو منطقة تجمع فعلية للمجاهدين، وتكثر فيها المغارات، وهناك مركز صديقنا”أبو الحارث”. واستخدام الحكومة لصواريخ سكود يعني أنها تواجه أزمة حقيقية. ولكن الخوف وتوتر الأعصاب يجعل بعض الأحداث العادية تظهر كأنها خطر حقيقي. لذا كان بعض استخدامهم لتلك الصواريخ  حمقاً وسفهاً. ولكن في أحيان أخرى كانت دقــة تصويبهم تثير الإعجاب. فعلى سبيل المثال فقد أصابوا مركز خليل في مدخل الشعب الضيق المؤدي إليه ثلاث مرات على الأقل بفارق أمتار قليلة في كل مرة ، تصادف في معظمها أن كان حقاني قد دخل لتوه إلى المعسكر !! فوجدت في العسير أن أفترض أنها مصادفة، ومن العسير أيضاً التشكيك في قدرتهم على الإصابه الدقيقة للغاية بتلك الصواريخ.

وما زالت أشك في أنهم  استخدموا ، أحياناً ، صواريخ موجهة مثل صواريخ كروز الأمريكية  وأن الأقمار الصناعية قامت بدور ما في الرصد والتوجيه.

 

الثلاثاء 16 يناير 1990 :

الاستيقاظ لصلاة الفجر في هذا الشتاء البارد وفوق هذا الجبل المرتفع تجربة صعبة، ولكنها لاتخلوا من جمال، خاصة إذا كان الجو غائماً والسحاب منخفض بحيث يضع الجبل ومن فيـه وسط غلالة رقيقة ساحرة الجمال من الأبخره الباردة المبللة. وتزداد النشوة بإمكانية التحرك الحر فوق الجبل فالعدو لن يرانا وبالتالي لاقصف ولا يحزنون. كنا في غرفة ضيقة مزدحمة بالفرش والأشخاص مع بخاري متهالك للتدفئة. الغرفة كلها تقريباً غائصة في بطن الجبل قريباً من خط الأفق. قطع الخشب المخصصة للبخاري تشغل حيزاً ملموساً من الغرفة، وبينه وبين السقف تعيش مجموعة من الفئران الصغيرة المـرحة، التي تقضي معظم ليلها في كر وفر بين النائمين بالغرفة. الزملاء في الغرفة تفرقوا مبكراً، وبقيت مع حاجي إبراهيم وعثمان الصعيدي لتناول إفطارالصباح المكون من الشاي الأخضر والخبز اليابس، وابتسم لنا الحظ بأن وجدنا بعض السكر عند عبد العزيز فتم لنا الاستمتاع بشاي الصباح الساخن في جو الصباح المتجمد.

صعدت مع عثمان لنلقي نظرة على المطار، كانت الطائرة السوخوي بلونها الفضي تقف قرب الأشجار في الطرف الشرقي في المطار، أما في الطرف الغربي فقد أحصيت سبعة طائرات مصابة ومحطمة، جميعها من طراز(AN-32) ذات المروحتين وبألوان عسكرية مبرقشه.

كتبت في مذكرتي بعدها: (بحيرة بجع بائس هذا هو مطار خوست بطائراته المحطمة). الجو مشرق أحياناً، والرمايات المدفعية متقطعة، حتى الحادية عشر صباحاً لم يظهر طيران العدو.

إذاعة كابول أذاعت اليوم بأن الإصلاح جاري في الطائرة السوخوي المعطلة في مطار خوست، وأنها مصابه بحوالي 23 شظية واحده منها في خزان الوقود. أبلغ عبد العزيز النبأ للمجاهد (محمد بوستان) الكوتشي الذي شرع في القصف مرة أخرى محاولاً إصابة الطائرة السوخوي. في نفس الوقت ظهر عمود من الدخان الأسود الكثيف تصاعد إلى الأعلى لمسافة كبيرة جداً، وكان ذلك من جهة الشرق، ربما بسبب عمليات إغلاق طريق جاجي ميدان. مرة أخرى تبادل إطلاق نار فوق ظهر تورغار في الساعة الثانية والنصف ظهراً ثم نقل إلينا عبد العزيز الخبر التالي: في الساعة الثالثة من صباح اليوم هاجم مجاهدي المنطقة الشمالية جبال ماشغور واستولوا على ثمان مواقع عسكرية ومواقع إدارية ومقر عسكري في ( باتشا زاده ) وأسروا عددا  كبيرا من الجنود وخمسة من أفراد الميليشيات، وتفاصيل الغنائم كثيرة جداً. وفقد المجاهدون سته شهداء واثني عشر جريحاً .وصلتنا صحيفة باكستانية، التي نقلت عن مصادر حكومية في كابل قولها :

{ أن رئيس الدائرة السياسية في وزارة الداخلية، الميجر جنرال أسد الله بيام يقوم بزيارة لمدينة خوست التي هي أسخن نقطه في البلاد الآن، وأنها تتعرض للهجوم الثاني عليها، فالهجوم الذي بدأ الخميس الماضي قد استؤنف يوم الإثنين وأن المجاهدين قد تكبدوا في تلك الهجمات 585 قتيلاً وجريحاً !! } .

ولم يتطرق المسئول الشيوعي إلى ذكر إصابة الطائرة السوخوي.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

الأربعاء 17 يناير 1990م :

الجو غائم ممطر طول الليل، وهكذا استقبلنا الصباح، إضافة إلى مفاجأة أخرى وهي أن السيارة التي تحمل الطعام إلى المركز لن تحضر لكونها معطلة. وهكذا لن نفطر وربما لن نتناول طعام الغداء أيضاً. لم يمنعنا ذلك من الاستمتاع بهذا الصباح المنعش، وبمتعة التجول فوق الجبل بدون الخشية من أن يكتشفنا العدو فنحن وهم لانكاد نرى لأبعد من أمتار قليلة، نتيجة السحب التي تلف المنطقة كلها. وكأن الجبال هي التي أصبحت تمر بين السحاب المثقل بقطرات الماء.

ونحن مازلنا أمام البخاري طلباً للتدفئة جاءنا حاجي إبراهيم بخبر غريب لكنه سار ومجهول المصدر، يقول الخبر أن الحداد أعلن في خوست لمدة ثلاثة أيام لمصرع ميجر جنرال عجب خان مزاري قائد (لواء سرحدي) والذي ظل يقاتل في المنطقة منذ ست سنوات، وأن 15 شخصاً آخر قد قتلوا معه والتفاصيل غير معلومة. لقد أدهشني ليس خبر مقتل عجب مزاري بل أدهشني أنه مازال حياً ويعمل في خوست أيضاً، لقد كان قائداً للحامية الحكومية فوق تورغار في وقت أن كنا نعمل في باري في أيامنا القديمة وحتى إستشهاد عبد الرحمن.

 

 

تورغار.. المحاولة الثانية

الخميس 18 يناير 1990 م :

بدأ الصباح بارداً كثيف السحب، وهذه بدورها تثاقلت حتى صارت تجر نفسها جراً فوق الجبال فضعفت الرؤية كثيراً.  المطر يتساقط ضعيفاً منعشاً لكنه كاف لتكوين أوحال تعرقل الحركة في الأماكن الترابية، ولكن الأسوأ هو أن ترتوي الملابس من ذلك المطر وفي مثل ذلك الطقس البارد مع شيء من الهواء يمكن أن يسقط المرء صريع الرجفة. ليس ذلك لمن يجلس مثلنا في هذا الصباح داخل الغرفة إلى جوار البخاري الذي احمرت أوداجه بالأخشاب المشتعلة داخله، ولكن بالنسبة للرجال الذين يتحركون الآن في ذلك الصباح المبكر من أجل الاستيلاء على أهم موقع عسكري في معركة خوست كلها: جبل تورغار.

همس لنا عبد العزيز أن اليوم يبدأ الهجوم على تورغار، استبشرت بالخبر واعتبرت أن طقس اليوم مناسباً تماماً لذلك العمل.  فطائرات العدو الأكثر إزعاجاً لن نسمع اليوم صوتها القبيح، والمجاهدون يمكنهم التقرب إلى بعد أمتار قليلة من خطوط العدو فوق الجبل قبل أن يكتشف تواجدهم. في الثامنة صباحاً بدأ المجاهدون قصفهم المدفعي ضد تورغار، ومدفعيات العدو في الوادي تقصف مواقع المجاهدين على غير هدى. الساعة الثامنة والنصف صعد الشيخ حقاني إلينا في نقطة الترصد وأخذ موقعه إلى جانب عبد العزيز ومساعده فضل وقد نصبوا عدداً من أجهزة اللاسلكي الكبيرة، وقد غطوها وغطوا أنفسهم بأغطية بلاستيكية، فرذاذ المطر ينهمر باستمرار.  حقاني وعدد من مساعديه يستخدمون عدداً من أجهزة اللاسلكي الصغيرة للاتصـال بالوحدات المختلفة. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة . لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية. وكانت ضد القلعة الحكومية في مدخل وادي ليجاه.

تسلحيه الشخصي يومها كان عبارة عن كلاكوف، وكان سلاحاً لا يحمله إلا الروس فقط ، وقد غنمه أثناء المعارك، وكان يحمل دوماً قاذف RBG، لمقاومة طائرات الهيلوكبتر.

ومازلت أذكره يوم دب الزعر والفوضى في معسكرنا بين شعاب ليجاه نتيجة ركوب الهيلوكبتر لموقعنا فقد صعد فوق الجبل القريب يتبعه حارسه الشخصي (علي جان) كي يطلق صواريخ RBG على الطائرات. كان الثبات تحت هجمات الهيلوكبتر أمراً عسير المنال وقتها، فقد كان لها تأثيراً كبيراً ورهبة، فلم يكن الناس قد تعودوا التعامل معها أو نجحوا في مقاومتها رغم وجود صواريخ (سام) بأعداد قليلة وقتها. لذا كان همّ حقاني وقتهــا بث الشجاعة والثبات في الرجال وتحطيم هيبة الهيلوكبتر ومقارعتها بالصواريخ  وقد نجح في ذلك إلى حد كبير.

في ذلك الوقت في ليجاه لم يكن في الموقع كله أي جهاز لاسلكي صغيراً كان أم كبيراً. وأيضاً معركة جاور كانت أحد أوجه ضعف المجاهدين فيها عدم وجود اتصالات لاسلكية بين المجموعات المختلفة.

ما أراها الآن شبكة اتصالات رائعة لها قدرة على ربط جميع الوحدات ببعضها وبالقيادة، وأيضاً القدرة على التصنت على اتصالات العدو الأرضية والجوية. كان الزحام شديداً في نقطه الترصد  والقيادة . فبالإضافة إلى الحرس الشخصي للشيخ حقاني ، هناك مجموعة أخرى مع سيارة خاصة لتنفيذ بعض المهام التي قد يكلفون بتنفيذها مثل متابعة أمر هام مفاجئ، أو إيصال بعض الأوامر بشكل مباشر بدون نشرها على الملأ في أجهزة المخابرة.

وزاد الزحام تطفل مجموعتنا (الصحفية) التي رافقني فيها عثمان الصعيدي وحاجي إبراهيم، وقد أخذنا نسجل معظم الاتصالات اللاسلكية. وكذلك فعلنا في عدد من المعارك التالية، ومازلت أحتفظ بتلك التسجيلات التي ربما صارت (تاريخية).

في فترة هدوء نسبي قال لي الشيخ: الرؤية غير جيدة بالنسبة للأسلحة الثقيلة والدبابات، ولكن الجو الممطر والضباب مفيد للمهاجمين فوق الجبل. كانت الملاحظة في محلها تماماً بل أن استمرار هذا الطقس قد حرم المهاجمين على الجبل من مساعدة الأسلحة الثقيلة، فكان عليهم أن يتعاملوا بمفردهم مع تحصينات قوية جداً لعدو مسلح حتى أذنيه، ومتفوق عددياً على المهاجمين، وتلك كانت مأساة ذلك اليوم الذي تمنيت أن يكون يوم الفتح.

الساعة 9.30 صباحاً الضباب يزداد كثافة والمطر مستمر، فهدأت الرمايات القليلة فوجدت فرصة لاستئناف الحديث مع حقاني، فسألته عن تأثير الاستيلاء على تورغار في مجرى معارك خوست فرد قائلاً:

هذا الجبل بالنسبة لهم مثل العين، يرصد تحركاتنا، ويوجه المدافع والطائرات ويضرب مواقعنا، فإذا أخذناه زال كل ذلك فيمكننا تقديم مدافعنا إلى الأمام وتحديد مواقعهم حول المطار وضربها، كما أن الرعب سوف يصبهم إذا استولينا على تورغار، فمن كثرة دعايتهم حوله وتبجحهم بإمكان صد المجاهدين عنه، جعل الناس عندهم من عسكريين ومدنيين يشعرون أن تواجدهم وحياتهم معلقة بهذا الجبل. ثم سألته عن سبب فشل عملية إسماعيل خيل الأسبوع الماضي  فذكر ثلاثة أسباب هي:

1ـ  عدم قيام الأحزاب المشاركة في العملية بالمهمام الموكلة لها.

2 ـ استشهاد وجرح قادة المجموعات الأربع التي تقوم بالهجوم. 

3 ـ انسحاب الدبابات (وكان عددها ثمانية) بدون أوامر، إثر إصابة قادة الهجوم.

وقال حقاني: إن الطائرات قد استخدمت مؤخراً قنابل ثقيلة جداً سقطت إحداها قرب دبابة فغطتها النيران.

وعن مصير عجب مزاري قال إن الأخبار غير مؤكدة ولكن مصادرنا في خوست تؤكد أنه قتل ولكن الحكومة تتكتم الأمر، كما أن مواقع ماشغور مازالت في أيدي المجاهدين.

قال حقاني بأن المجاهدين يتقدمون الآن في الطرف الغربي بجبل تورغار، بينما تقوم دبابة خليل في الوادي بقصف تحصينات العدو على تلك الحافة، ولكن العدو استفاد هو أيضاً من الظروف الجوية، ودفع بتعزيزات جديدة نحو الجبل، رغم كمائننا المتقدمة التي التفت  إلى خلف الجبل من جانبه الغربي وتقدمت إلى مسافة معينة، فلم تستطع تلك الكمائن أن تشاهد تعزيزات العدو أو تتصدى لها.

في الساعة العاشرة والخمسين دقيقه سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بعد عشر دقائق قرب جبل تورغار، ولكن لا إصابات، ولكن تكهرب الجو وساد التوتر عنـدما انقطعــت الاتصالات مع خليل (أخو حقاني) ودبابته في عمق الوادي الذي يقصـف بهـا من الخلف تحصينات تورغار، لذا كانت دبابة خليل تحت نيران كثيفة قاتلة.

الساعة 12.45: في غرفة عبد العزيز الضيقة شبه المظلمة جلسنا مع حقاني لتناول طعام الغداء، وكان قلقاً للغاية على أخيه خليل، لذا قطع تناول الطعام كي يتابع محاولة الاتصال.

الساعة 12.45 بدأت معركة بالرشاشات فوق سفح الجبل، الرمايات كثيـفة جـداً نسمعـها بوضوح. يقع مركزنا على بعد 4 كيلومتر غرب تورغار وإلى الجنوب قليلاً منه. للمجاهدين دبابه أخرى الآن تقصف، تحصينات الحافة الغربية بجبل تورغار ولكن من موقع على جبل زورمانكي الواقع غرب تورغار ومن إحدى هضابه منخفضة الارتفاع.

أثناء صعود المجاهدين نحو القمة يكون جزء من الطريق مكشوفاً لمدفعية العدو في الوادي، وقد ركز العدو رمايته على ذلك الجزء ولكن المجاهدين كانوا قد تجاوزوه والعدو غير منتبه نتيجة الغيوم والضباب الذي يلف الجبل وما حوله.

الزاحفون نحو القمة يشكون من رماية رشاش ثقيل لدى العدو ( زيكوياك) وأنه أوقف زحفهم ويطالبون من (فيروز) التدخل وإسكاته.

فأجابهم خليل بصوته، لقد بذلت غاية جهدي ورميت عليه كثيراً، فتقدموا أنتم وأسكتوه. كان المتكلم من فوق الجبل هو الدكتور نصرت الله قائد كتيبة سلمان الفارسي وهو يتحرك بساق واحدة منذ سنوات بعدما فقد الأخرى في أحد المعارك.

كان نصرت الله قد وصل إلى نقطة الذروة، فالباقي هو قفزة واحدة وأخيرة يكون بعدها مع  رجاله في خنادق الخط الأول للعدو والتي تحيط بقمة الجبل مثل السوار المحكم، وفي طرف الجبل تلك القمة المحصنة الرهيبة الشبيهة بغرفة ضخمة تخرج منها فوهات قاتلة لرشاشات ثقيلة، وقاذفات قنابل يدوية من النوع الشهير باسم (نارينجاك)، وهو سلاح غاية الفعالية في مثل تلك المواقف التي نشاهدها الآن، وكان ينقص المهاجمين امتلاك سلاح رائع من ذلك النوع.

تواصل الحوار لفترة بين نصرت الله (وفيروز) حتى بدأت رماية الرشاشات فوق الجبل تخفت فعمت الجميع مسحة من الحزن والألم. لقد وصل المهاجمون فوق الجبل إلى نهاية مغلق ولا يتسطيعون أداء قفزتهم الأخيرة التي لا تتعدى أمتار قليلة لا تزيد عن عشرة أمتار ولكنها تفصل بين النجاح والفشل، بين النصر والهزيمة ، بين فتح خوست في نهاية الأمر، أو البقاء في حلقة مفرغة قد تؤدي إلى هاوية لمسيرة جهاد استمر لأكثر من اثني عشر عاماً.

ساد نوع من الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك بجهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

وتكلم الشيخ بنبرة هادئة قوية فذكرهم بالله والاعتماد عليه وحده وعدم التعلق بالأسباب لأن النصر هو من عند الله وليس بالأسباب الظاهرية، وطالبهم بالإطمئنان إلى وعد الله والتوكل عليه.

وقال إنه لا بد من الاستمرار وإنهاء العمل هذا اليوم الذي قد لا نجد مثله فيما بعد فلا طائرات ولا مدافع تعمل ضدنا، ثم طلب من أفراد جميع المواقع أن يصلوا ركعتين لله ثم يدعــوه أن ينصر المجاهدين.

أنهى حقاني كلمته وتوجه إلى الصلاة وكذلك فعل كل من في الموقع ثم انهمـك الجميـع في الدعاء وأحياناً في البكاء.

الساعة 3.12 المجاهدون فوق الجبل يبدأون إطلاقاً شديداً للنيران الرشاشة مع قذائف مضادة للدروع . رشاش (زيكوياك) لدى العدو يصمت فجأة وأيضاً ينقطع الأتصال اللاسلكي مع المهاجمين تصورت وقتها أن الاقتحام قد تم وأنها الآن دقائق عصيبة فوق الجبل حيث لا وقت لأن يتحدث أحد مع أحد بغير زخات الرصاص.

المجاهدون يقصفون مراكز العدو في شيخ أمير لمنعه من التفكير في مهاجمة دبابة خليل من الخلف، وهو ما كان يخشاه حقاني ولأجل ذلك بث كمائن متقدمة للدفاع. حدث انفجار ضخم في مواقع العدو في شيخ أمير وحقاني يصيح مشجعاً المجاهدين ويبشرهم بالنصر.

عاد الاتصال اللاسلكي مع المهاجمين فوق الجبل وقالوا بأن عشرة من جنود العدو قد فروا إلى جانب المجاهدين فأمر حقاني بإرسالهم إلى الخلف. و فجأة تظهر طائرات الهيلوكبتر وتقصف وابلاً من الصواريخ على الحافة الغربيــة لجبـل تورغار حيث تتوقع وجود المجاهدين، فالرؤية مازلت متعذرة بسبب السحب والضبــاب ، هيلوكبتر آخر تأتي على ارتفاع منخفض من فوق مراكز العدو في شيخ أمير في أتجاه دبابة خليل، وتبدو أنها محاولة لتدمير الدبابة، لكن كمائن المجاهدين المتقدمة واجهتها بقذائف RPG فولت الطائرة بسرعة كبيرة وعلى ارتفاع منخفض للغاية، وهكذا تفعل طائرات الهيلوكبتر لتفادي الصواريخ المضادة للطائرات ولكنها بذلك تعرض نفسها لنيران الرشاشات والقذائف المضاده للدروع فيمكن إسقاطها إذا كان هناك أفراد يقظون وعلى استعداد للاشتباك. راجمات الصواريخ المعادية من طراز BM-41 تقصف مواقع المجاهدين حول تورغار.

– الساعة 3.56 رشاشات العدو الثقيلة والخفيفة فوق الجبل ترمي بلا انقطاع وجعلني ذلك متشككاً في أن الاقتحام لم يتم أو أنه فشل. كان الموقف غير واضح بالنسبة لي، فسألت الشيخ حقاني عن الموقف فوق الجبل فأخبرني بأن مقاومة العدو شديدة جداً.

سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بفاصل ثوانِي قليلة، وعادت الهيلوكبتر تقصف الحافة الغربية لتورغار بوحشية بالغة.

– الساعة 4.45: صاروخ سكود آخر تلته غارة عنيفة بالهيلوكبتر، كأنها تستغل حالة الاضطراب التي تعقب إنفجار صاروخ سكود كي تنفذ مهمتها بأمان أكثر. الرشاشات الثقيلة فوق الجبل مازالت تعمل باتصال، وكذلك بنادق الكلاشنكوف.

– الساعة 5: الهيلوكبتر تواصل غاراتها، وربما تهبط خلف الجبل من جهـة المدينـة كي تنـقل الجرحى والقتلى. أصبح الجو مظلماً وجاء الخبر بأن الهجوم قد توقف، وأن هناك شهداء لم يذكر عددهم.

– الساعة 5.25: فوق تورغار إطلاق نار متواصل بجميع الأسلحة في حفل ابتهاج بفشل الهجوم عليهم، ونجاحهم مرة أخرى في الصمود أمام هجمات المجاهدين. لاشك أن ذلك يرفع معنويات العدو في خوست وكابل ويؤكد لهم قدرة النظام على الإمساك بالمــدن الهامة، وبالتالي يدعم الطرح الدولي بإقامة حكومة (شيوعية إسلامية) في كابل كي تخدم السوفييت وأمريكا معاً.

كتبت في مذكرتي تلك الكلمات: (يبدو أن العملية تحتاج إلى يوم آخر على الأقل ) مع إجراء بعض التعديلات مثل إعادة توزيع الدبابات لقصف مراكز العدو المتحصنة فوق الجبل، والطقس عامل هام، واستمراره ليوم آخر، بنفس الحال، سيكون معجزة لصالح المجاهدين. سألت حقاني عن استئناف الهجوم في الغد فأجاب قائلاً:( لاأعلم هل نستأنف الهجوم غداً أم بعد أيام ولابد أن نغير في الطريقة ونهجم من أكثر من طريق بعد أن نرفع الألغام، وأن نستخدم هاونات عيار120مليمتر لضرب مرابض الرشاشات الثقيلة، سوف نعيد النظر في البرنامج ).

بعد الغروب جلس الشيخ حقاني معنا في غرفة عبد العزيز لبعض الوقت وطلب مني النزول إلى مركز خليل لأن الجو هنا بارد. وبالفعل تجمعنا هناك في مغارة الضيافة وكانت دافئة،  وبعد العشاء بدأ أفراد وقادة ممن شاركوا في الهجوم يتوافدون لمقابلة حقاني وتقديم التقارير إليه. كان منهم من أصحابنا القدماء مولوي (أليف جول) والكومندان (شيرين جمال) الذي ظهر عليه الإرهاق وقد علته الأتربة حتى تغيرت ملامحه وقد أحضر معه جثث الشهداء وعددهم ثلاثة، مع أربعة من الجرحى منهم عربي واحد.

قال شيرين جمال بأن بعض أفراد العدو ظلوا يطلقون على المجاهدين نيران الرشاشات والقنابل اليدوية وقذائف RPG، فلم يستطع المجاهدين إتمام الاقتحام.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الجمعة 9 يناير 1990 م :

قضينا الليلة في غرفة أسفل الجبل، وفي الصباح صلينا الفجر خلف الشيخ نظام الدين. وجود البخاري في المسجد لم يفد في جعله دافئاً فالهواء المثلج يتسلل من الشقوق الواسعة في النوافذ التي أغلقت بكل ما تيسر من أقمشة وقطع بالاستيكية وأحجار.

ولإظهار نوع من الفخامة صنعت أرضية المسجد من الأسمنت، ولكنها في شتاء مثل هذا تصبح بارده مثل الجليد، حتي أن أكثرنا قد خلع رداءه (البتو) من فوق كتفيه ووضعه على الأرض تحت قدميه أثناء الصلاة حتى لا تتجمد أصابعه.

مصطفى اليمني وعدد من أفراد مجموعته التقوا بالشيخ حقاني صباحاً. ملامح البرنامج الجديد ذكرها لي حقاني عند لقائي معه فقال:

1ـ سنفتح طريق جديد للتقدم على تورغار وننظفها من الألغام.

2ـ ننوي مواصلة الضغط وعدم إعطاء العدو فرصة لالتقاط الأنفاس.

3ـ سنبدأ عمليات هجومية في ظروف يومين أو ثلاثه.

 قبل الظهر مرت طائرة فوق المركز ورمته بصاروخ جاء إلى الخلف قليلاً، ثم وصل (خليل الرحمن) ومعه أربعة أسرى من جنود الحكومة فجلست معهم وأخذت منهم بعض المعلومات عن أوضاع المدينة، سأذكر بعض ما ورد فيها بعد قليل.

جاء أبو الحارث وبعض الشباب من مجموعته فجلست معه حتى صلاة العصر نتحدث في معركة الأمس والبرامج المقبلة.

ثم صعدت على الجبل الذي يعلو المغارات ومشيت عليه منفرداً، أتذكر العالم القديم لأيامنا الذهبيه في تلك المنطقة. كان مركز خليل الذي هو الآن قلب المنطقة النابض، مجرد شعب مجهول ومهمل وقد تستخدمه إحدى المجموعات لأيام قليلة ثم تزهد فيه. وعلى بعد كيلومتر واحد جنوباً يوجد مركز منان الذي كان فيما مضى هو مركز الحيوية والقوة في كل جنوب خوست وجبالها. وعلى بعد عدة أمتار شمالاً كانت تقف فيما مضى إحدى الدبابات التي حطمها منان ورجاله في هجوم 1985 الذي وصلت فيه القوات الحكومية إلى مركز منان لأول وآخر مرة في طول مدة الحرب. وهذه الحفر البيضاء في سفح الجبـــل المواجه لنا شمالاً هي قنابل  مازلت أذكر متى ولماذا ضربتنا بها الطائرات عام 1987.

نظرت جهة مركز منان لأطالع الطريق المار بقربه قادماً من غلام خان، وأتذكر المشاهد الماضية وكنت غارقاً في تلك الذكريات الجميلة، ولا أعي كثيراً مما حولي. في تلك اللحظة، ظهرت أمام عيني كرة ضخمة من النيران الصفراء والحمراء، ثم دخان أسود يحيط بكرة اللهب، ثم يصعد ذلك كله بسرعة هائلة إلى الأعلى، بينما يتسع إلى الجانبين أيضاً بشكل كبير، كل ذلك وأنا لا أكاد أعي ماذا يحدث أمامي، وفجأة وصلني صوت انفجار رهيب ترددت أصداؤه بين الجبال والوديان، تحركت غريزياً وبلا وعي فجلست بسرعة خلف صخرة قريبة.

أفقت من تخيلاتي ومن دهشتي، وعادت حواسي إلى العمل، لقد كان ما رأيته هو صاروخ سكود لحظة ارتطامه بالأرض، وكان الصاروخ نزل على الطريق الذي تسلكه سيارات المجاهدين أو قريباً منه جداً.

وتذكرت أنني سمعت(علي جان) يتحدث على المخابرة وهو واقف إلى جانب سيارة حقاني المتأهب للرحيل ويخبر من على الطرف الآخر بأنهم على وشك الحركة، وأن شخصاً جاء راكضاً وتكلم عدة دقائق مع حقاني الجالس داخل سيارته، ثم انطلقت السيارة نحو ميرانشاه، وداخلني ما يشبه اليقين بأن تلك الدقائق كانت الفاصل بين الحياة والموت وأن حقاني كان هو المقصود بذلك الصارخ، إنه حادث طبق الأصل لما حدث في يوم الأحد 1/10/89 وقد سجلته في مذكرتي ورجعت إليه الآن وكان التطابق مدهشاً. إذن هما حادثان من نفس النوع وبنفس الطريقة، وهناك حادث ثالث عندما انفجر صاروخ سكود أيضاً في لحظة دخول حقاني إلى معسكر خليل عندما دخلت خلفه كرة من النيران والأحجار والدخان والأتربه لقد انفجر الصاوخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول الرجل إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث ، أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد أو متشابه.

وطرحت على نفسي عدة أسئلة محيرة ليس لها إلا إجابات لاتقل عجباً عن الحدث نفسه. فمثلاً:

كيف تتم مراقبه حقاني؟ هل يتم ذلك بمراقبة جهاز اللاسلكي الخاص به؟ أم هناك مركز تجسس في المنطقة يتابع حركة سيارته، أم هناك شخصاً في المجموعة القريبة منه يرســل معلومات مباشرة وفورية عن حركته؟..إلخ.

وأسئلة أخرى عن دقة إصابة صاروخ سكود. والمشهور عنه أنه غير دقيق ويستخدم فقط ضد الأهداف الكبيرة الثابتة. ولكن عدداً لا بأس به من الرمايات كانت في دقة غير عادية، وتم ذلك مرات متكررة بما ينفي عنصر المصادفة.

فهل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات، بل شاهدنا منذ وقت قريب قصفاً جوياً على موقع المجاهدين قرب (شيخ أمير) قال الطيار أنه إستخدم فيه صواريخ موجهة، وقد التقــط عبد العزيز المخابرة.

ومن الثابت أن السوفييت بعد انسحابهم أبقوا على نوع من المشاركة النوعية في الحـرب، بعضها من داخل أفغانستان نفسها بواسطة عدة آلاف من الخبراء خاصة في شئون الصواريخ والطيران. وأشركوا طائرات من أحدث الأنواع التي مازالت في طور التجربة. وقد أعلنوا عن ذلك عند عرض طائراتهم الحديثه في أحد معارض الطيران في دبي في التسعينات.

وأظن أن بعض الغارات بالقنابل العنقودية، والتي شاهدتها في وادي خوست عامي 1990،1991 عند فتح المدينة قامت بها قاذفات استراتيجية روسية نظراً للحمولة غير العادية التي رمتهـا تـلك الطائرات بحيث غطت الغارة الواحده أكثر من 15 كيلومتر متواصلة من القنابل العنقودية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (23)

حقاني يروي أسرارًا و تفاصيل

عن معارك غرب وادي خوست

 

– هاجم المجاهدون (قلعة نادرشاه كوت ) بدبابتين. وضربوا الباب والبرج بالقذائف، فخرج الجنود مستسلمين.

– جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل “دوامندو” وافقوا على الاستسلام ، وعلى أن ينْزِلوا كافة الأسلحة والذخائر من فوق الجبل الشاهق .

– أصبح لدى المجاهدىن 6 دبابات، هاجموا بها موقع “دراجي” وسيطروا عليه بسهولة، فبدأ تساقط مجنون لصواريخ سكود، وغارات طيران بالقنابل العنقودية.

– إبراهيم ـ شقيق حقاني ـ على رأس قوة من 34 مجاهد، يقعون في كمين . وخليل يصاب بعشر طلقات فشعر أن عظامه تحطمت، ولكنها لم تخترق جسمه !!.

 – أخبار سربها حقاني تسببت في إلغاء العدو لفكرة هجوم معاكس كبير .

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

مقدمــــــة

بدأ مولوي جلال الدين حقاني في تنشيط العمليات العسكرية غربي وادي خوست، وحقق نجاحات كبيرة جدا أسفرت عن تحرير مساحات واسعة من الأرض بحيث اتصلت مناطق المجاهدين فزادت قوة، وقلت المسافات اللازمة لنقل وتموين المجموعات، والأهم أن الاتصال بين مجاهدي خوست ومجاهدي جرديز صار سهلا للغاية عبر الطريق الأسفلتي الذي دارت عليه أعنف معارك الحرب، وأخذت سيارات المجاهدين تعبره من الاتجاهين بسهولة، بدلاً عن أيام كانوا يقضونها سيراً في الجبال للانتقال من مكان إلى آخر.

معارك جلال آباد التي بدأت في مارس 1989 مع ضجة إعلامية عالمية ضخمة ، أسفرت عن خسائر فادحة للمجاهدين. وتقدموا أكثر في صحارى واسعة جعلتهم مكشوفين للطيران وضربات صواريخ سكود. وبحلول خريف نفس عام ساد اليأس بين عموم مجاهدي أفغانستان بعد شحن إعلامي دولي بأنهم سيصلون كابول بعد معركة سريعة في جلال آباد.

لهذا فإن انتصارات حقاني في خوست في خريف عام1989 كان تأثيرها المعنوي كبيرا، بانتصاراتها وغنائمها وبطولاتها، وكان ذلك مدعاة لاستمرار الجهاد ليس في خوست فقط بل ومناطق أخرى كثيرة. وغطى ذلك على نكسة جلال آباد.

الدول الغربية والإعلام الدولي سحبوا تأييدهم للمجاهدين الأفغان وبدأوا يبشرون بوقف القتال، وإحلال السلام، وحكومة مشتركة في كابول، وقتال عرقي بين البشتون والطاجيك، بدلا من الجهاد ضد الحكم الشيوعي.

فبعد معارك غرب الوادي بأشهر قليلة سيطر حقاني على جبل تورغار الاستراتيجي جنوب خوست. صحفي أوروبي كان في خوست وقتها سألني متعجبًا لقد هدأت أفغانستان .. فلماذا يقاتل حقاني إلى الآن؟

قلت له: إنّ النظام الشيوعي مازال قائمًا، وأن حقاني لن يتوقف إلا بعد إسقاط ذلك النظام، ووصول المجاهدين إلى السلطة في كابول.

 

تمرد وفرار من حصن نادر شاه كوت :

بعد سنوات أضاف لي حقاني المعلومات التالية: كانت مجموعه قد خانوا المجاهدين وتعاونوا مع الروس في حملة فتح الطريق إلى خوست عبر مناطق زدران، في شتاء (87 ـ 1988م).

وكان الروس وحكومة كابول قد وعدوا هؤلاء بأن يجعلوهم (ملوكاً)على المنطقة. وكان العدو أعجز من أن يحقق لهم أحلامهم، بل إنه عجز حتى عن سيطرة الطريق أو تأمين المدينة.

وبقي هؤلاء وعائلاتهم يعيشون في خوف وقلق في الطرف الغربي من الوادي قريباً من حصن دوامندو. وأرادوا أن يُكّفِروا عن ذنبهم ويحسنوا علاقاتهم مع حقاني، فسارعـوا إلى ربــط علاقات بينه وبين الضابط المسئول عن حامية (نادر شاه كوت). وهو ضابط ذو ميول إسلامية ومن قبائل وزير التي يعيش معظمها في باكستان. لم يكن من المستطاع أن يتقابل حقاني مباشرة مع ذلك الضابط، الذي أرسل رسائله عن طريق هؤلاء المنفيين من قبيلة زدران، الذين لم يحوزوا على ثقة حقاني. وربما لأجل ذلك أهمل رسائل ذلك الضابط الذي طالب حقاني مراراً بأن يهاجم (حصن دوامندوا) وأنه سوف ينسحب مع قواته من الحصن وينضم إلى المجاهدين تحت غطاء ذلك الهجوم.

حقاني لم يأخذ الأمر بجدية حتى اضطر ذلك الضابط في النهايه إلى القيام بتمرد، عاونه فيه (40) من الجنود المخلصين معه وقتل عدداً من الضباط الشيوعيين، وأحرق المخازن التابعة له في المنطقه ثم فرّ مع جنوده إلى أقرب مراكز المجاهدين إليه وهو مركز مولوي حنيف شاه. كان ذلك في شهر مارس من عام 1989م.

أي قبل سته أشهر تقريباً من الهجوم الكبير النهائي على حصن (نادرشاه كوت). واصلت جماعة زدران في المنطقه نقل التطورات إلى حقاني وتحريضه على الهجوم على المنطقه، وأخبروه  أن عدد الجنود في الحصن لا يزيد عن 30 جندياً وأن باقي القوة قد توزعت على طول الشريط الجنوبي المهدّد بدءً من دراجي وحتى ماليزي في الشرق. هذا عن خلفية الهجوم.

 

هجوم كاسح متعدد الاتجاهات :

وفي يوم الهجوم هاجمت دبابتان للمجاهدين الحصن وضربت الباب الرئيسي والبرج القائم إلى جانبه بقذيفتين، فخرج الجنود مستسلمين رافعين أيديهم في الهواء.  جبل (توراغري) إلى الغرب من الحصن، على بعد حوالي كيلومتر والأكثر ارتفاعًا من جبل تورغار العتيد ويمتاز بأشجار الصنوبر الكثيفة التي تتوج قمته وتمتد تلك الغابات الصنوبرية إلى عمق مناطق زدران إلى أن تطل على وادي جرديز إلى الشمال. هذا الجبل الهائل ظل يقاوم حتى الغروب، وكان مضيق دوامندوا قد سقط قبل الظهر، فلما أدرك المقاومون ذلك استسلموا أيضًا بدون معارك شديدة لأن المجاهدين لم يروا ضرورة لهجمات حادة على جبل منعزل تمامًا. غنم المجاهدون دبابة صالحة للعمل من حصن نادرشاه كوت، فتوجهوا بقيادة مطيع الله صوب المضيق الغربي لوادي خوست عند دوامندو متحركين على الطريق الأسفلتي القادم من المدينة.

يقول حقاني: إن أحد دبابات المجاهدين ضربت الحصن الرئيسي للقوة الواقع على يسار الطريق فإخترقت القذيفة المبنى من الطرفين. فخرجت القوة التي بداخله رافعين أيديهم في الهواء كما حدث في الحصن في نادرشاه كوت، وكان إلى جانب حصن دوامندو دبابة لم تشارك في الدفاع لكونها قد أصيبت سابقاً بعد غارة للمجاهدين على الحصن.

دارت مفاوضات من أجل التسليم بين المجاهدين أسفل جبل دوامندو وبين جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل، ولكن محاصرة إلى درجة اليأس، أسفرت عن موافقة الجنود على عدم المقاومة والنزول من فوق الجبل. واشترط عليهم المجاهدون أن يحضروا معهم كافة الأسلحه والذخائر التي في مواقعهم، وافق الجنود، مع أن ذلك ليس بالأمر الهيّن إذا استدعى صعودًا وهبوطًا متكررًا ومرهقًا للغاية. وقد وصف حقاني حالتهم بأنهم عملوا كالحمير في ذلك العمل الشاق.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

تسريب متعمد للمعلومات:

وبعد أن نجح المجاهدون في فتح دراجي فكرت الحكومة في استعاده توازنها في ذلك القطاع الغربي الذي أثر بخطورة على التوازن الاستراتيجي في كل منطقة خوست. فعزمت قيادة الجيش على إعاده احتلال المواقع الضائعة بواسطه عملية إبرار جوي أي بقوات تحملها طائرات الهيلوكبتر يكون هدفها الأول القمم الشامخة في دوامندوا على المضيق الغربي ثم توراغري إلى الغرب من حصن نادر شاه كوت وحتى الحصن نفسه كان ضمن البرنامج. وصلت الخطة إلى حقاني فأمر المجاهدين بتخريب المواقع الحكومية فوق تلك الجبال وتفجير الخنادق ومرابض الأسلحة، وقد شاهدت القوات في خوست تلك التفجيرات فوق الجبال وتعمد حقاني تسريب خبر استعداداته إلى العدو، فتراجع عن برنامجه.  وعن استشهاد مطيع الله يقول حقاني: إن مطيع الله خرج بسيارته لإنقاذ مجموعة من الرجال انفجر لغم في سيارتهم، وبينما مطيع الله ورجاله منهمكون في ربط السيارة المعطوبة بسيارتهم لجرها بعيدًا، داس أحد الرجال، ويدعى وزيرجول، على لغم مضاد للأفراد كان متصل بلغم آخر مضاد للدبابات فانفجر اللغمان.

فاستشهد وزيرجول ومطيع الله وثلاثة أو أربعة آخرين من رجاله، كما جرح في الانفجار القائد حكيم خان (الذي استشهد بعد ذلك بعدة أشهر في معارك منطقة إسماعيل خيل ).

 

حقاني يروي عن  معركة دراجي:  ( شهر صفر 1409هـ ــ سبتمبر 1989م )

يقول حقاني قائد تلك المعركة: إن السيطرة على دراجي تمت في محاولتين. المحاوله الأولى: بدأت قبل طلوع الفجر. حين تقرب المجاهدون إلى خطوط العدو ليلاً وعند الفجر هاجموا “البوسطات” “المواقع العسكرية” مع أول ضوء وكانت تدعمهم ثلاث دبابات اثنتان في الهجوم والثالثة تضرب من الخلف لحماية مؤخرة الهجوم من أي محاوله التفاف من العدو  في نفس الوقت كان المجاهدون يهاجمون موقعين هامين في نظام الدفاع عن درجي وهما موقع (سيدجي) و( موسى خان) ومع المجاهدين ثلاث دبابات أيضاً.

ولكن ذلك الهجوم لم ينجح واستطاع العدوّ أن يدمّر إحدى الدبابات المهاجمة واستشهد وجرح من فيها، فتراجع المجاهدون عن الموقعين، فانكشفت بذلك مجنبات المجاهدين المشتبكين في (دراجي) وزاد ذلك من سوء موقفهم الذي كان غاية الصعوبة. فبعد نجاح أوّلي ضد دفاعات الخط الأول للعدو، حيث عبرت الدبابات فوق ثلاث خنادق للعدو في الخط الأول وسحقت من فيها من الجنود بواسطة (الجنازير).

وبمشقة كبيرة سيطر المجاهدون على (مدينة) دراجي، وكان للعدو مواقع قريبة منها ظلت تطلق على المجاهدين نيران حامية وكذلك مواقع العدو في( سيدجي) و (موسى خان)، إضافة إلى المدفعيات من عمق دفاعات العدو كانت أقسى الأوقات هي ساعة الشروق عندما اكتشف  المجاهدون تحت أشعة الشمس أنهم مكشوفون تماماً لنيران تأتي من ثلاث جهات في أرض شبه مكشوفة وقد تحطمت كل الأبنية، ودمرت المواقع ولاشيء يحميهم من رمايات العدو، وفي ساعة واحدة سقط منهم بفعل نيران العدو 25 شهيداً وثمانون جريحاً .. وقرب نهاية اليوم وصل عدد الجرحى إلى 130 جريحاً.

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

 

نكسة مؤلمة بعد انتصار كبير :

يقول حقاني: لقد كانت نكسة مؤلمة لنا بعد انتصار نادرشاه كوت. تمكن أكثر المجاهدين من الانسجاب من دراجي قبل الغروب ساحبين معهم جثث الشهداء وحاملين معهم الجرحى. بينما ظل في القرية 30مجاهداً فقط والدبابتان، وكان يقود إحداها خليل الرحمن (شقيق حقاني)، والأخرى يقودها إسماعيل التركستاني. تشاور القائدان في الموقف الصعب الذي يكابدانه، كانت الدبابتان في خطر جسيم من رمايات العدو التي لم تكد تهدأ طول اليوم. بينما كل القوة التي بجوزتهما لا تتجاوز30مجاهداً فقط أصبحوا في غاية الإرهاق وكادت ذخائرهم أن تنفذ، كانت ضخامة الخسائر التي دفعها المجاهدون حتى يستولوا على دراجي عائقاً يمنعهم من التفكير في الانسحاب ولكن لم يكن هناك أي حل آخر سوى الإبادة. فرضخوا للأمر وقرروا الانسحاب وبدون أن يتحدثوا بذلك على المخابرة حتى لاينشط العدو في شن هجوم معاكس عليهم قد لاينجو منه أحد. فحادثوا حقاني والآخرين أنهم باقون في دراجي وأن موقفهم جيد، فخدعوا بذلك العدو بل خدعوا حقاني نفسه الذي لم يكتشف حقيقة الانسحاب إلا في ضحى الغد، عندما شاهد بمنظاره المقرب جنود الحكومة يتجولون في أنحاء دراجي المدمرة.

 فاتصل مع إبراهيم وإسماعيل يستوضح الأمر فأخبراه أنهما انسحبا تحت جنح الظلام وأنهم الآن في ليجاه. وكان إسماعيل أول من غادر الموقع في دبابته قبل أن يكتمل ظلام المكان عند الغروب. كانت خسائر الطرفين عالية، فالعدوّ فقد الكثير من جنوده ليس فقط بضربات المجاهدين بل أيضاً لدخولهم حقول الألغام أثناء فرارهم. أعلنت إذاعه كابول استعادة (دراجي) وتوقف الطيران عن قصفها، وارتفعت معنويات العدو كثيراً. بينما قضى المجاهدون ثلاثه أيام عصيبة  تبادلوا فيها الاتهامات بالتقصير. وتلاوم رجال التنظيمات كل منهم يتهم الآخرين ويدفع عن نفسه تهمة التقصير. فقرر حقاني معاودة الهجوم قبل أن يتمكن العدو من إعاده بناء استحكاماته مرة أخرى.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

المحاوله الثانية:

هاجمنا هذه المرة بدباتين يقود إسماعيل التركستاني واحدة، ويقود خليل الرحمن الدبابة الثانية. وكان إبراهيم “شقيق حقاني” على رأس هجوم المشاة. كالمرة السابقة كانت دبابة تحمي المؤخرة، ودبابتان في الهجوم على “سيد جي” “وموسى خان”.

وصل إسماعيل وخليل بالدبابتين إلى مواقعهم المحددة تحت جنح الظلام. أما إبراهيم مع 34من المجاهدين فقد وصل إلى موضعه المحدد مع طلوع الفجر ثم شرع في التقدم مع ازدياد الضوء صوب خط الدفاع الأول للعدو، ولكنه فوجئ بنيران رشاشات العدو تنهمر عليه هو ورجاله فيسقط منهم 4 شهداء على الفور، ويصاب هو بحوالي عشر طلقات في جسده شعر بأنها حطمت عظامه تحطيماً.. ولكنها لم تخترق الجسد. اكتشف إبراهيم أنه وقع في كمين متقدم للعدو وأن أحد المرابض الجديدة قد أوقعه تحت جحيم من النيران جعله لايستطيع الحركة في أي اتجاه، فاتّصل بأخيه جلال الدين حقاني بالمخابرة قائلاً: لقد وقعت في حصار. فسأله شقيقه ـ أين أنت؟.. وماذا نستطيع أن نفعل لك؟ فأجاب إبراهيم وأصوات الرشاشات تلعلع من حوله: أنا في مقابل بوسطات العدو أسفل من “دراجي” أرسل لي خليل وإسماعيل بالدبابات، فبدونها لا يمكن أن نخرج من هنا. وبالفعل تحركت إليه الدبابات بسرعة ودمرت كمين العدو بنيرانها فتقدم إبراهيم ومعه 30 مجاهداً وعبروا خط الدفاع الأول ووصلوا إلى القرية وسيطروا عليها بسهولة لم يكونوا يتوقعونها. ولم تقع بهم خسائر غير تلك التي حدثت في الكمين الأول. كان المجاهدون في نفس الوقت تقريباً قد نجحوا في اقتحام موقعي (سيدجي) و(موسى خان) والذي قاد المجاهدين فيه مولوي حنيف شاه، ومعه شقيق الشهيد مطيع الله، فغنموا دبابة للعدو ضموها إلى قوة الدبابات التي ترافقهم واستخدموها جميعها ضد قوات العدو في دراجي وحولها، فبلغ عدد الدبابات مع المجاهدين 6دبابات حتى استقرت المنطقة نهائياً في يد المجاهدين. وبدأ تهاطل مجنون لصواريخ سكود، وغارات الطيران بالقنابل العنقودية. ولم يؤثر ذلك بشيء على المجاهدين.

 

 

أزمة في المستشفى .. ومجلة على خط الجبهة:

يوم الجمعة 12يناير1990  / 14 جمادى الثانية 1410هـ .

ركبت في الصندوق الخلفي لسيارة إسعاف متوجهة نحو ميرانشاه، مع عدد من الأطباء الأفغان التابعين للحكومة المؤقتة “حكومة مجددي” كي يديروا مستشفى ميرانشاه الذي بقي معطلاً بعد أن تركه الهلال الأحمر الكويتي إثر خلافات حادة مع المجاهدين.

وكانت الخلافات مبعثها التشدد الســلفي لأطباء تلك الهيئة وتعاملهم المتعالي مع الأفغان. صاحبني في الرحلة الضابط الشاب(أعلي داد) وهو ضابط اتصالات يعمل مع حقاني ومن نفس قبيلته.

عندما وصلنا إلى بداية المنطقة القبلية في نهاية مدينة “بنون” وجدنا سيارة بيــك آب مليئـة بالحرس قد أرسلهم حقاني لاصطحاب الأطباء إلى مدينة ميرانشاه، على بعد ساعة من بنون.  أمطرت السماء بشدة فانتقل الحراس إلى الركوب معنا داخل سيارة الإسعاف التي صارت مثل علبة السردين المسلحة بأشواك من بنادق الكلاشنكوف.

توقفت السيارة أمام المستشفى وكان البرد والمطر قد فرض حظراً للتجول في الساحة المقابلة والطرق المحيطة، فلم أتبيّن، كما هي العادة، شدة المعارك من حجم ازدحام الناس والسيارات أمام بوابة المستشفى.

توجهت بسرعة إلى بيت العرب، وهي مضافة من طابقين تحتوي الكثير من الغرف، سألتهم بلهفة عما لديهم من أخبار الجبهة، فأكدوا لي فشل الهجوم على تورغار وأن تفاصيل بــاقي المعارك مازالت مشوشة.

توجهت بعدها إلى”المكتب الثقافي” وهو غير بعيد عن بيت العرب ويفصل بينهما ساحة متسعة نسبياً وحولها أكداس من البيوت المتراكمة في قبح معماري نادر المثال. وقد ملئت الطرقـات بالأوحال وبرك من مياه الأمطار، وهو ما يجعل السير في الطرقات الضيقة، والمسقوفة أحيانا، عملية عسيرة. ولكن الميزة الوحيدة لتلك الأوحال والبرك أنها تخفي الصفوف الممتدة على مجنبات تلك الطرق مع ما يحط عليها من أسراب الذباب السـمين والكسول، الذي لا يتحرك إلا تحت وطأة التهديد الجدي.

من المفروض أن تكون لمجلتنا الجديدة غرفة خاصة في الطابق الأرضي من ذلك البيت الواسع والذي تشاركنا فيه الإذاعة ومكاتبها، وغرفة ضيافة واسعة في الطابق الأعلى تحتوي على”متحف” من مخلفات معركة جاور فيه قطع من معدات وملابس وأوراق رسمـــية لجنود سوفييت وكوماندوز أفغان قتلوا في تلك الحملة.

إضافة إلى خريطة كبيرة مجسمة للقطــاع الجنوبي من الجبهة يظهر فيه جبل تورغار. لم يكن أحد من أفراد طاقم المجلة موجـوداً في المبنى، بل إنّ أكثر الناس كانوا فعلاً داخل الجبهات. نمت وحيداً في إحدى الغرف البـاردة، ولكنها كانت مليئة بالأغطية، فوضعت فوقي كومة منها، وما أن شعرت بالدفء حتى رحت في نوم عميق.

 

 

حقاني يودع الشهداء في مقبرة ميرانشاه:

(السبت 13 يناير 1990 / 15 جماد الثانية 1410)

منذ الصباح الباكر بدأت في تحري أخبار الجبهات فعلمت أن الهجوم على تورغار قد فشـل، وأيضاً الهجوم على إسماعيل خيل الذي جرح فيه 65 من المجاهدين. ومن قادة الهجوم جرح حنيف شاه، صديقي القديم، واستشهد زميله حكم خان. كانت الأخبار سيئة والوجوه متجهمة. ومازالت تفاصيل ما حدث مجهولة، أخذت في تجهيز حقيبتي للتحرك إلى الجبهة، عندما يصل حاجي إبراهيم مساعدي في العمل  بالمجلة. وهو طالب علوم شرعية، وكومندان سابق، من منطقة “زورمات” في قرية “شاهي كوت”. وعمله الرسمي معي في المجلة مترجماً، وكان شاباً دمث الخلق ذكياً وشجاعاً محبوباً من جميع الأفغان، لذا فقد ساعدني كثيراً سواء في شؤون المجلة أو في العمليات التي اشتركنا فيها معاً، كما سنرى.

حضر حاجي إبراهيم صباحاً، وكان كل منا سعيداً بلقاء الآخر بعد فترة من الغياب. لم أجد لديه خبراً جديداً عما حدث في المعارك الأخيرة سوى نفس الوجوم والكدر الذي غمر الجمــيع.  فخرجنا سوياً إلى السوق لنشتري بعض احتياجاتنا في سفرتنا القادمة إلى الجبهة.

اشتريــت عشرة أفلام ملوّنة من أجل التصوير، وكنت أحمل في جيبي دوماً كاميرا صغيرة من طراز حديث، وفي أمتعتي كاميرا أكبر مع عدسة مقربة إضافية، وهي أيضاً من نوع حديث ولكنها كانت أمانة عندي من صديق.

عند عودتنا إلى المكتب علمنا أن الشيخ حقاني سوف يحضر مراسم دفن الشهداء في المقبرة المواجهة للمستشفى، فأجلنا سفرنا حتى نلقاه. كان الزحام شديداً حول المقبرة، التي ازدانت مقابرها بالأعلام الملونة الدالة على أن أصحابها من شهداء المعارك، وكان عدداً منهم من أفضل أصدقائي القدماء منهم الشهيد عبد الرحمن المصري، ومولوي أحمد جول ومولوي فتح الله ومولوي شاكرين وغيرهم كثير. أما ابني خالد فقد دفن في مقبرة أخرى في منطقة “ماتشز” حيث يسكن صديقي حاجي إبراهيم.

حضر مولوي حقاني وألقى كلمة مطولة في جموع المحتشدين حول المقبرة، تناول فيها مواضيع دينية عن الإسلام والجهاد والشهادة، وحث الناس متابعة الجهاد والصبر على مشاقة. وكانت تلك الفرص مناسبة تماماً لتعبئة الناس نفسياً، ورفع معنوياتهم بعد فقد الأعزاء من المجاهدين الذين تعلقت بهم النفوس.

كان المحتشدون من المسلحين ذوي الأجسام النحيلة الصلبة والوجوه الملتحية العابسة بصرامة، وكل منهم يحمل فوق كاهله من الآلام مالا تتحمله الجبال الرواسي. قليل منهم يبكي أثناء تلك المناسبات وأكثرهم تترقرق عيونه بالدموع، وعن نفسي كنت أفضل ألا أحضر تلك المناسبات متعمداً، بل أفضل أن أراقبها وحيداً من على بعد حتى أدع عواطفي تنساب على سجيتها بدون اعتبار لتواجد الآخرين، فمن المخجل للرجل أن يراه أحد حين يبكي.

ذهبت مع إبراهيم قبل العصر إلى مضافة حقاني الملاصقة لمنزله، وكانت عبارة عن صالــة

كبيره للضيوف، أحد أطرافها يمكن فصله بواسطة ستارة سمكية فيصبح غرفة صغيرة منعزلة تحف جدرانها المقاعد وتتوسطها طاولة صغيرة عليها تلفزيون وفيديو، فهي إذن صـالــة عرض الأفلام التي التقطها عدد من المصورين التابعين لحقاني أثناء المعارك. في الطرف الآخر من البهو المتسع هناك باب يفضي إلى غرفة صغيرة بها سريرين وعدد من المقاعد وهي مخصصة لكبار الزوار ومرفق بها حمام خاص.

وللمضافة حديقة متوسطة الحجم، معتني بها، ومحاطة بحاجز من الأسلاك لحمايتها من أطفال  العائلة، الذين يتسللون إليها دوماً فيتعرضون إلى زجر الحراس والأقارب، ولكن زهور الحديقة تدفع الثمن غالياً بوصول هؤلاء الأطفال إلى المضافة.

قابلنا الشيخ في المضافة الكبيرة الخاصة بالضيوف، وكان برفقته أخواه إسماعيل، وخليــل الرحمن الذي كان مصاباً في كفه على أثر المعارك الأخيرة. لم أتمكن من الحديث مع حقاني الذي تجهز للتحرك إلى “باري” وطلب مني أن ألقاه هناك.

غادر حقاني المضافة وكذلك معظم الحاضرين، وبقيت مع إبراهيم لاستكمال الحديث مع بعض من حضروا المعارك الأخيرة. وكان منهم مصطفى اليمني الذي كان مع مجموعته اليمنية في طرف إسماعيل خيل، وكان منهم أبو محمد السوري أحد أفراد المجموعة القيادية في جماعة أبوالحارث. ( وكان في مركز أبو الحارث في الطرف الغربي لسلسة جبل تورغار).

ذلك المركز عبارة عن عدد من المغارات ضيقة المدخل وبعضها متصل من الدخل بقنوات ارتباط، وفتحات المغارات مواجهة للغرب، وذكر أبو محمد أن صاروخ من راجمة BM41 قد أصاب موقعهم فقتل رامي الهاون وزميله.

أما مصطفى اليمني وكان يقود مجموعة مدعومة من بعض شيوخ اليمن من بينهم الشيخ عبدالمجيد الزنداني، فقال بأنه ومجموعته قد شاركوا في الهجوم الذي بدأ في السادسة صباحاً على قرية إسماعيل خيل وبدون تمهيد مدفعي حتى تتحقق المفاجأة للعدو.

وقال بأنه مع ارتفاع الشمس كان المجاهدون قد حوصروا بالميليشيات، وفي البداية هرب الرجال من القرية، وبقيت النساء تدافعن بشراسة حتى أن بعضهن كنّ يستخدمن مدافع الهاون من داخل أسوار البيوت.

كما أن طائرات الهيلوكبتر هاجمت المجاهدين بشجاعة كبيرة، وقال إن مدفعيات المجاهدين تدخلت وقصفت المراكز الخلفية لمدفعية العدوّ. وذكر أيضاً أن عدد الشهداء كان خمسة فقط والجرحى كانوا 75 جريحاً. ولم يكن لديه تفاصيل أكثر من ذلك.

ولكن جريدة “المسلم” الباكستانية ذكرت في عددها اليوم أن هجوماً للمجاهدين بهدف الاستيلاء على مدينة خوست قد فشل، وأن جرحاهم في ذلك الهجوم الفاشل كان156 شخصاً، أي ضعف العدد الأصلي تقريباً. في الواقع لقد انحسر كثيرًا تأييد الإعلام الباكستاني للمجاهدين، وبعض الصحف أظهرت عداءً صريحاً. لقد كانت رئيسة الوزراء “بي نظير بوتو” تكشر عن أنيابها ناصعة البياض المتلألئة خلف شفاه مصبوغة بلون الدم، وربما كان دم عبدالله عزام. من بين شهداء الأمس سائق دبابة كان يعمل مع خليل في قصف جبل تورغار من الخلف (جهة الوادي) وأثناء خروجه من الدبابة سقطت قذيفه هاون “120 مليمتر” فوق البرج فقتل السائق في الحال وأصيب خليل الرحمن في كف يده.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 23

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 22

جلال الدين حقانى-22

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 172 ) | شوال 1441هـ / يونيو 2020م .

05-06-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (22)

– “أبو الدرداء” الشهيد الغريب .. من الحجاز إلى جبل تورغار.

– حقاني يرتب مع مطيع الله، أكبر تقدّم عسكري يشهده وادي خوست حتى ذلك الوقت.

–  خسائر المجاهدين كانت عالية لكنهم صرّحوا بمقتل ستة مجاهدين من بينهم عربي واحد، كما جرح45 شخصاً من بينهم مولوي عبد الحــليم، من وزيرستان.

 –  حكومة مجددي لم تحدث فارقاً، لا انتقال إلى الداخل ولا مباشرة أي أعمال، اللهم إلا مزيد من التخبط.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

مقدمة :

أوشك مؤتمر بندي على الفشل، وأن تتوقف محاولة تشكيل حكومة انتقالية تمثل جميع الأحزاب بعد انسحاب الجيش الأحمر السوفيتي.

صدام كبير وقع بين مولوي حقاني وبين حكمتيار الذي حاول سحب أي صلاحية من العلماء والقادة الميدانين في اتخاذ أي قرار مصيري يمس أفغانستان، مدعياً أن قادة الأحزاب السبعة هم فقط أصحاب الحل والعقد، وأن مجلس الشورى عليه تنفيذ أوامرهم.

حقاني هدّد بأن يتولى المجاهدين أمرهم بأنفسهم، وأن يشكلوا حكومتهم داخل أفغانستان، بل ويقاتلوا قادة الأحزاب إن هم حاولوا إحداث فتنة داخل أفغانستان.

الحل جاء بتشكيل لجنة أسموها “الشورى القيادية” مكونة من 70عضوا / من بين مجالس شورى الأحزاب / مهمتها تشكيل حكومة، وتعهد الزعماء بتنفيذ قرارات تلك اللجنة.

اختيرت اللجنة برئاسة مولوي حقاني رغم أنه لم ينتظر منها الكثير. اتفقت اللجنة على منح المناصب الوزارية العليا لقادة الأحزاب السبعة حسب نتائج التصويت، حتى لا يحدث نزاع.

 

التصويت وتوزيع الحقائب الوزارية :

كانت هناك مشكلتان أمام اللجنة، الأولى هي كيفية الإدلاء بالأصوات لأن كل مجموعة سوف تصوت لزعيمها، وكان الحل هو أن يكون لكل عضو صوتان الأول لقائد حزبه والثاني لأي قائد آخر. والمشكلة الثانية هي توزيع المناصب بين المنظمات، فتم الاتفاق على تقسيم الحقائب الوزارية إلى سبعة “أكوام” متدرجة الأهمية. وتوزيع الأكوام حسب الأصوات التي فاز بها كل زعيم.

فالفائز الأول يأخذ الكوم رقم واحد الذي يشمل رئاسة الدولة مع حقيبة وزاره الصحة. والفائز الثاني يأخذ الكوم الثاني الذى يحتوي على رئاسة الوزراء مع حقيبة وزارة المواصلات… وهكذا إلى الكوم السابع. وهكذا حافظت اللجنة على ما أكد عليه حكمتيار بأن يكون الزعماء السبعة هم محور العمل كله فكانوا هم زعماء المنظمات وهم أهم الوزراء في الحكومه. وقد عين بعضهم من ينوب عنه في المنصب الهام الذي فاز به. وقد فعل ذلك حكمتيار وجيلاني. ولكن حكمتيار عاد وتولى منصب وزير الخارجية بنفسه. وقد أدى جيلاني دوراً استشهادياً لصالح محور المعتدلين عندما أعلن أنه لن يرشح نفسه لرئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء، أي أن أعضاء كتلته سوف يصوّتون لواحد من المعتدلين الآخرين الذي كان هو مجددي، لأن جماعة جيلاني قد سربوا أخباراً عن رشوة ضخمة دفعتها السعودية “لمحمدي” حتى ينضم إلى تيار المتشددين وقالوا إن هذه الرشوة تقدربملغ 200 مليون روبية باكستانية .

( وإن كنت شخصياً أرى أن المبلغ كبير والأنسب أن يكون20 مليون ). وتسعير الرشاوي كانت كالتالي حسب مصادر جيلاني :

للفرد العادي عضو الشورى (مليون روبية) للقائد الميداني وعضو الشورى ( 4 مليون روبية)، أحد قيادات الحزب البارزين وعضو في الشورى (10 مليون روبية). وأخيراً تم التصويت وأعلنت الحكومة” يوم الجمعة 24  فبراير89″ وفاز مجددي بالمنصب الأول (174 صوتاً)، ثم سياف بالمنصب الثاني (173صوتاً) أي بفارق صوت واحد، وبذلك فشلت الأموال السعودية في تنصيب سياف رئيساً للدولة كما كان هدفها آنذاك. وكان ترتيب الفائزين كالتالي: محمدي ـ حكمتيار ـ خالص ـ رباني ـ جيلاني .

أي أن الترتب سار هكذا: معتدل ـ متشدد ـ معتدل ـ متشدد … إلخ. وهذا يعكس قوة التيار المعتدل الذي حقق تلك المزاحمة الشديدة رغم الرشاوي الواسعة والكريمة من السفارة السعودية ورغم تطفيش الشيعة، وحتى بعض الغائبين عن التصويت كانوا محسوبين على الجناح المعتدل في المجلس، أو بالأحرى المضاد للأحزاب الأصولية في بشاور.

وقد كان أكثر من فوجئ بتلك النتيجة… هو مجددي نفسه، وكما هو متوقع أطلق مجددي تصريحات رنانة ومجاملات دبلوماسية، ووعد بأن تنتقل حكومته إلى داخل أفغانستان خلال شهر و أن تباشر عملها من الآن .

وبالطبع لم يحدث شيء من ذلك، لا انتقال إلى الداخل ولا مباشرة أي أعمال،اللهم إلا مزيداً من التخبط. ولم يكن واضحاً بشكل مؤكد برنامج هذه الحكومة، ولا مدة بقائها. وما صّرح به مجددي بعد الانتخابات كان مخالفاً لما أتفق عليه. أو العكس كأن يكون قد صرح بما اتفق عليه ثم كذبه باقي الزعماء. فقد قال بأن مدة حكومته عام واحد… فتصدى له حكمتيارعلى صفحات الجرائد قائلا : ( بل ستة أشهر فقط ). وفي داخل المؤتمر في مدينة الحجاج كان مفهوماً أن من مهام تلك الحكومة التجهيز لوضع سياسي دائم قائم على مجلس شورى وحكومة منتخبة. ولم يكن معروفاً كيف سيتم اختيار أعضاء الشورى والوزراء، وهل هي انتخابات عامة شاملة على نظام صوت لكل مواطن، وهو ما أيده البعض ومنهم حكمتيار، أم على أساس جركا قبلية “مجلس من زعماء القبائل”، وهو ما يؤيده أنصار الملكية الذين يعرفون أن زعماء القبائل يريدون الملك الذي ضاع نفوذهم بعد ضياع ملكه.

أم أن حرية الاختيار سوف تقصر على المجاهدين والعلماء وأنصار الجهاد مع استبعاد المعسكر المضاد بأكمله. لم يستقر الرأي على شيء من ذلك. وبذلك لم يتقدم الموقف السياسي للمجاهدين خطوة واحدة مع تشكيل تلك الحكومة، بينما الأحداث تتسارع بحدة، والنتيجة هي تقهقر شامل سريع ينذر بأوخم العواقب، ولم تلبث أن بدأت معارك جلال آباد في 6 مارس 1989، كي تؤكد أن حكومة مجددي قد ولدت ميتة كما ولدت حكومة أحمد شاه من قبل.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

بداية متوترة :

كانت اللحظة تاريخية، وأجواء الترقب تثير الأعصاب. والجميع يتوقع انهيارا سريعا للنظام في كابل، والآن جاء قادة المنظمات الجهادية لتشكيل حكومتهم التي ستتولى قيادة البلاد في تلك الظروف. الإعلام الدولي كان يتحدث بلهجة مثيرة عن تلك الموضوعات ويؤكد على سقوط قريب لكابل، وتجاهل كل الإشارات والدلائل على أن ذلك ليس صحيحاً، والأغلب أنه تعمد ذلك. لذا توافد على مدينة الحجاج في روالبندي حوالي50 صحفيا أجنبيا لتغطية أحداث المؤتمر.

في يوم الافتتاح… تأخرت الجلسة الأولى عدة ساعات بسبب الخلافات، والضغط الزائد على منظمي الحفل وأعصاب الحضور. كان الإشراف الكامل على كل ذلك هو للمخابرات الباكستانية ISI التي تكفلت بالأمن والإدارة السياسية للمؤتمر وتوجيه الأحداث داخله. افتتحت الجلسة وبدأت كالعادة بتلاوة من القرآن الكريم ثم سمح للمراسلين الأجانب بالبقاء عشر دقائق فقط لتبدأ بعدها جلسة سرية، وقد تم إخراجهم بغلظة. فغضبوا وقرروا مقاطعة المؤتمر.

– كانت الأجواء متوترة أكثر من اللزوم، وليس أدل على ذلك مما حدث لأحمد شاه رئيس الوزراء (في الحكومة المؤقتة السابقة). لقد وصل أحمد شاه في سيارته الفخمة من طراز “رانج روفر” وأراد أن يصل بها إلى البوابة الرئيسيه لقاعة المؤتمر ، على عادة الكبار . ولكن رئيس الحرس الأفغاني أوقفه، وطلب منه ترك سيارته في الموقف العام والقدوم مشياً حتى الباب الرئيسي. لكن أحمد شاه استنكر ذلك وصاح به: ألا تعرفني؟ … أنا أحمد شاه رئيس الحكومة. {حكومة مؤقتة سابقة تشكلت قبل الانسحاب السوفيتي}. فأجابه رئيس الحرس بغلظة: بل أنت فرد عادي، إنما عقد هذا المؤتمرلاختيار رئيس حكومة. فأجابه أحمد شاه بالسباب، فأجابه رئيس الحرس بتجهيز بندقيته للإطلاق وهو يطلق الشتائم السريعة . فتدخل الناس وفضوا الاشتباك قبل أن تسيل الدماء. وخضع أحمد شاه للقانون. لكن دماءً أخرى  سالت على أعتاب قاعة المؤتمر ففي أحد الأيام فوجئ الناس بطلقات سريعة في الساحة وجثة تسقط ودماء تسيل، وارتباك وفوضى وحالة طوارئ وذعر يسود الجميع. في اليوم التالى أعلنت حكومة باكستان في بيان مقتضب أن جندياً  قَتَلَ ضابطاً من الحرس وأن الدافع كان ثأراً عائلياً، ولم يهتم أحد  بالحادث وتوقفت الصحف عن المتابعة.

” ولأن حقاني كان يدرك عقم كل مايحدث في بندي، وأن لا حكومة قادمة، بل شكل جديد من تلاعب أحزاب بيشاور بمصير أفغانستان وشعبها. قبل عدة أيام من إعلان تشكيل الحكومة أعطى حقاني أوامره باستئناف العمليات في خوست حسب البرنامج المقرر سلفا ” .

 

 

“أبو الدرداء” الشهيد الغريب ..

من الحجاز إلى جبل تورغار .

في يوم الثلاثاء21 فبراير كنت في زيارة لبيت جماعة حقاني في روالبندي وهو لا يبعد كثيراً عن مدينة الحجاج،  حيث جاءتنا أخبار أشاعت فينا البهجة والسرور، فقد هاجم المجاهدون جبل تورغار في خوست واستولوا عليه. ولكن في اليوم التالي ضاعت الفرحة حين وصلت أخبار أن الحكومة استردت  الجبل.

شعرت  أن خسائر المجاهدين كانت عالية لكنهم صرحوا بمقتل ستة مجاهدين من بينهم عربي واحد، كما جرح 45 شخصاً من بينهم صديقي القديــم مولوى عبد الحليم، من وزيرستان، وقالوا إن ساقه قد بترت بانفجار لغم وأنه يعالج الآن في بيشاور. وقالوا أيضاً إن قتالا داخلياً بين جماعة حكمتيار قد حدث في باري. بعد ذلك بأشهر علمت أن محاولة الاستيلاء على تورغار قد فشلت في وقتها، ودبّت الفوضى في صفوف المهاجمين، وكان بعضهم قد صعد إلى قرب مواقع العدو فوق سطح الجبل. ثم صدرت إليهم أوامر بالعودة، وكانت تلك الجماعة تحت قيادة مولوي عبد الحليم، ومعهم عربي من السعودية يدعى أبو الدرداء، رفض أن ينسحب قبل أن يطلق على العدو قذيفة آر بي جي، ولكى يتمكن من ذلك كان عليه أن يخطوه إلى اليمين قليلاً خارج المدق الصغير جداً الذي استخدمه في الصعود. وما كاد  يفعل حتى انفجر لغم تحت قدمه أطار ساقه وقذفه بعيداً وسط منطقـة ملغومــة ومكشوفة للعدو، وكان الوقت قريباً من المغرب، فتقدم مولوى عبد الحليم كي يحمله ويعود به فانفجر به هوالآخر لغم أطار ساقه. قتل أبو الدرداء بعد قليل، وكان معه بعض زملائه من العرب فدفنوه على موقع ليس ببعيد من تورغار في اتجاه الطريق الضيّق الواصل إلى بوري خيل. ومازال قبر أبو الدرداء واضحـاًعلى جانب مائل من الطريق الذي شقته بعد ذلك البولدزرات بعد فتح تورغار “بعد عام تقريباً”.

وقد ركز المجاهدون العديد من الأعواد الخشبية وعليها رايات بيض فوق القبر للتعريف بأن مجاهداً قد دفن هناك، في منطقة لم يدفن بها أحد من المجاهدين قبل أو بعد ذلك.  قبر ذلك الشباب يطبع في النفس الحزن والوحشة، وسط تلك الجبال والوديان ذات الأشجار البرية وحقول الألغام المجهولة. وقد تناثرت الآن عدد من البيوت حول مجرى الماء الصغير في المنطقة، وربما وصل بعض الأطفال أو الرعـاة إلى قرب القبر، الذي تمر إلى جانبه سيارات تنقل القرويين وخلفها ساحبات كثيفة من الأتربة الناعمة تنثرها فوق القبـــر وراياته المشرعة، لكن أحداً منهم لم ير أبو الدرداء أو سمع عنه. وكان هو العربي الثاني والأخير الذى يقتل بواسطة لغم فوق جبل تورغار. بعد عام تقريباً من استشهاد صديقي عبد الرحمن فوق نفس الجبل بواسطه لغم أيضاً.

 

 

عام  (1989):

تقدم في قطاع خوست الغربي

أولاً/ مسيرة حذرة تسلطت الأضواء دوماً على المكان الخاطئ، والأشخاص الخاطئين. تلك كانت (ميزة) آثمه للإعلام الذي رافق المسيرة الأفغانية خاصة الإعلام العربي، الذي لم يكن هو الآخر بعيداً عن التأثيرات الحزبية، والنزعات الشخصية وروح الإقليمية… إلخ. كانت خوست في الظل أو شبه الظل، لذا انصرف عنها العرب الأقوياء وبقي فيها ضعـفاء العرب أو منبوذيهم،  لكن بقيت فيها معسكرات تدريب تابعة للأقوياء خاصة جماعة أسامة بن لادن (القاعدة). وجماعة عربية ناشئة ظهرت هناك، ونمت بالتدريج واكتسبت أهمية بمرور الوقت، وهي جماعة (أبو الحارث الأردني)، التي كان لها دور هام في العمليات الأخيرة والحاسمة خاصة فتح جبل تورغار ثم فتح مدينة خوست. جماعة يمنية تمركزت في ليجاه (مجموعة مصطفى اليمني)، تواجدهم لم يكن ثابتاً ولكنهم ساهموا بقوة في عـدة معارك دارت قريباً من ليجاه.لذا كان دورهم محدوداً في المعارك النهائية التي دارت إلى الشرق من مواقعهم.

وكانت تلك الجماعة تابعة للشيخ الزنداني في صنعاء. كان المجاهدون يتلمسون طريقهم بحذر وهم يتقدمون في الوادي بعيداً عن جبالهم الحصينة، فتقدّموا من باري، منطقتهم الأساسية من الآن فصاعداً، واتّجهوا نحو حصون (جنـداد) و(مالانج) وفشلوا في ذلك عدة مرات، فاستولوا على الحصون ثم تركـوها تحـت ضغط الهجمات المعاكسة. وكان آخر محاولاتهم التي بدأت ناجحة ثم فشلت بعد ذلك، هو هجوم يوم الإثنين 23/5/89 الذي وصفه مراسل مجلة الجهاد بأنه كان مباغتاً، وفي الحقيقة أنني كنت أول من باغته الهجوم لأنني بعد أن قضيت فترة في انتظار للمشاركة في ذلك الهجوم، ثم تركت المنطقة في صباح ذلك اليوم بعد أن تأكدت أن معظم قادة المنطقة قد صرفوا النظر عنه، بل سربوا أخبار خطط الهجوم وموعده لحكومة كابل التي نشرته في إذاعاتها، فكانت مهزلة مهينة. لذا لم تتوقع تلك الحكومة أن يقوم أحد بمثل ذلك الهجوم، وكان ذلك هو استنتاجي أيضاً. لكن إخوة جلال الدين حقاني (إبراهيم وخليل) بالاتفاق مع قيادات ميدانية من التابعين لسياف وحكمتيار قاموا بهجوم جاء وصفه في مجلة (الجهاد) كما يلي:

[خوست ، من مراسلنا أبي معاذ المغربي:  شنّ المجاهدون صباح يوم الإثنين 23/5/89 هجوماً مشتركاً على مواقع ومراكز العدو في المنطقة المحيطة بخوست مباغتين العدو في ساعة لم يكن يتوقعها، مما أسفر عن سقوط بعض هذه المراكز وهي، مالانج، جنداد، باتالون، الواقعة جنوب خوست، وحاجى جول، ومركزين آخرين شمال غرب المدينة، ومركز “واليم” جنوب مدينة خوست.

وقد قام المجاهدون فجراً بالتوجه إلى هضبه تطل على السهول المنبسطة للمدنية، وقامت مجموعات أخرى بالتحرّك يمينا بموازاة جبل تورغار، وبدأ المجاهدون قصفاً مدفعياً مركزاً مباغتين العدو حيث لم يتركوا له فرصة  للرد على هجومهـم مما أثـر على معنويات العدو حيث بقي المجاهدون يقصفون مراكزه مدة ساعتين متواصلتين، أو يزيد، وبعد 4 ساعات من المعارك تم فتح مركز مالانج وبعده مركزجنداد كما قام المجاهدون بقصف مواقع العدو داخل المدينة مما حدا بطائرات العدو إلى القيام بقصف لمواقع المجاهدين فأطلقت عليهم ما يزيد عن 40 قذيفة، وقد أطلق العدو 10 صواريخ سكود في محاولة منه لإيقاف المجاهدين نحو المدينة. وقد استشهد في هذه المعارك ثمانية عشر مجاهداً وجرح سبع عشر آخرين. وفي حوار مع القائد الميداني خليل (شقيق جلال الدين حقاني) قال إنّ مراكز المجاهدين تستقبل يومياً أعداداً من الجنود والميليشيا الحكومية الذين يستسلمون للمجاهدين. وقدر أعداد الشيوعيين اثني عشر ألف في مدينة خوست وأضاف إن معارك جلال آباد تستنزف كمية هائله من الذخيرة.

وأثناء لقاءنا حاولت طائرات النظام إسقاط بعض المؤن والذخيرة داخل مدينة خوست للقوات الحكومية المحاصرة. وقال لنا القائد خليل إن الطائرات نادراً ما تحط في مطار خوست لأنه يقع تحت رماية المجاهدين(العدد 56، يونيو 89)] .

ومن مكتب حقاني في بشاور علمت أن العدو استطاع استعادة حصن مالانج بعد أن مكث تحت سيطرة المجاهدين لمدة يوم كامل وقد عزّز العدوّ قوات الحصن بدبابتين. وقد سقط على منطقة ليجاه صاروخين من طراز سكود ولكن أحداً لم يصيب منها. ولكن شاب يمني استشهد. وقالوا أيضاً بأن هناك نقصاً شديداً في ذخائر الهاونات.

ثانياً ـ تقدم في القطاع الغربي:

يوم وقفة عيد الأضحى من ذلك العام، كان يوم حافلاً، فبينما العرب مستغرقون في معارك باسلة حول جبل سمر خيل في جلال آباد التي تسلطت عليها أضواء العالم كله، شهدت خوست واحدة من أجمل العمليات العسكرية للمجاهدين في مدة الحرب كلها. كانت الفكرة مبتكرة، والتنفيذ دقيق ومتقن، وتوافرت المفاجأة عدة مرات في المعركة لصالح المجاهدين، ومع ضخامة الانتصار فقد كانت المعركة سريعة جداً، بحيث لم يكن لدى العدو خيار آخر  غير التسليم بالأمر الواقع، الذي هو ضياع حصن نادر شاه كوت التاريخي، ومواقع جبال (دوامندو) الحصينة والتي كان اقتحامها في هجوم جبهوي عملاً جنونياً وغير ممكن التنفيذ. الخطة في شكلها المكتمل تتمثل في فقرتين منفصلتين:

 

الفقرة الأولى:

أـ الاستيلاء على حصن نادر شاه كوت (وهي قلعة بناها الملك نادر شاة “929ـ1933″ والد الملك ظاهر شاه”1933ـ1973”).

ب ـ مهاجمة حصن دوامندو من الخلف.

أي من طرف الطريق الرئيسى القادم إليه من مدينة خوست.

 

الفقرة الثانية:

مهاجمة حصن دراجي والاستيلاء عليه بشكل دائم.

وهذا الحصن هو القاعدة العسكرية الرئيسية للطرف الغربي من الوادي. ودراجي هي قرية شهيرة في المنطقة ومسقط رأس وزير الدفاع شاه نواز تاناي.  والفقرتان معاً كان من نتيجتهما فقدان القوات الحكومية جزء واسع جداً من غرب الوادى بما في ذلك المضيق الإستراتيجى عند (دوامندو) الذي ينتهي عنده طريق زدران) خوست، جرديز، كابل ( ليبدأ وادي خوست الذي يخترقه من طرفه الشمالي الغربي الطريق إلى مركز المدينة. لقد أصبحت مواصلات المجاهدين إلى جارديز أقصر وأسهل، كذلك إمكانية تموين مراكزهم في المواقع في الجبال شمال خوست في منطقة منجل أي أن طوق الحصار صار أضيـق وأقوى. كان البرنامج كله من ترتيب جلال الدين حقاني والقائد مطيع الله (من باكتيكا) والأخير هو صاحب الفكرة المبدعة في الهجوم على نادر شاه كوت وتطويره في هجوم آخر سريع على (دوامندو)، واحتوى البرنامج على استقدام دبابتين من الأورجون بشكل سري، مع تمهيد طريق لها في الجبال ثم استخدامها في هجوم مباغت على الحصن الضخم في (نادر شاه كوت)، وقطعت الدبابة مسافة تستغرق أكثر من يوم في حالة اكتمال الطريق. وبغير هذه الطريقة كان من المستحيل وصول أية دبابات للمجاهدين إلى ذلك الحصن، كما أن ظهور الدبابات المهاجمة دمّر معنويات المدافعين، وكان مفاجأة مذهلة وبالمثل كانت فكرة مهاجمة ( دوامندو) من اتجاه خط الإمدادات القادم إليها من خوست وهو أمر مستحيل أن يتوقعه أحد حتى من المجاهدين أنفسهم وكان ذلك أحد المفاجأت المذهلة للقائد الفذ مطيع الله. أما توقيت الهجوم فى وقت وقفة عيد الأضحى وبعد الإعلان الواسع عن سفر جلال الدين حقاني إلى الحج فقد كان مفاجأة أخرى. فلا هجوم يحدث عادة من طرف المجاهدين في وقت الأعياد، كما أن سفر حقاني، وهوالمحرّك الأساسي للعمليات الكبيرة في المنطقة، أشاع جواً من الراحة والأمن في صفوف القيادات العسكرية في خوست. في وقفه عيد الأضحى يوم الجمعة 12يوليو 1989، أكمل مطيع الله الجزء الخاص به من العمل على أكمل وجه، منجزاً واحدة من أفضل اللوحات الفنية في التكتيك العسكري في تلك المنطقه. ومن المؤسف أنه قتل بعد أسبوع واحد بانفجار لغم في سيارته على مسافة ليست بعيدة من الحصن الذي شهد أفضل إبداعاته العسكرية.

 

الفقرة الثالثة :

كانت من نصيب حقاني الذي عاد من الحج مسرعاً ليجد صديقه وشريكه في البرنامج قد استشهد. وكانت تلك الفقرة متناسبة تماماً مع طبيعـة الإسلوب العسكري لجلال الدين. فهي تحتاج إلى الشجاعة والثبات والتصميم. ولما كانت طبيعتها أقرب إلى اشتباك في حرب تقليدية فكانت تقتضي درجة عالية من النظم والسيطرة على القوات. ولابد لذلك من قائد قوي ذو هيبة.

لأن المطلوب ليس مجرد غارة على موقع قوي جداً ذو خطوط إمداد قصيرة وآمنة، بل المطلوب الثبات فيه، بينما طبيعته المفتوحة لاتوفر غطاءً ضد قصف الطيران والمدفعية وصواريخ سكود ناهيك عن الجنود النظاميين، والأدهى هم أفراد الميليشيا من أهل المنطقة، الموالية تقليدياً للحكومة الشيوعية في خوست. فالمنطقة واقعة في أرض قبيلة تاناي المنتمي إليها وزير الدفاع شاه نواز تاناي. قبل الاستيلاء على دراجي كان لابد من الاستيلاء على عدد من المواقع المتقدمة التي تحميه، ثم التقدم بالمشاة والدبابات في أرض مفتوحة في أول مجابهة من نوعهـا بهذا الشـكل في خوست أو باكتيا كلها. وكانت جلال آباد ومآسيها ماثلة في أذهان المجاهدين وفي ذهن حقاني الذي بات يفهم جيداً معنى أن يقاتل المجاهدون في أرض مفتوحة، وسماء مفتوحة لطيران قوي للغاية وصواريخ سكود المدمرة. لقد نجحت المحاولة الأولى في الاستيلاء على الحصن (24/8/89) ولكن الهجوم المعاكس للعدو خلعهم منه بقسوة(28/8/89)، ولكن حقاني أعاد الكرة مرة أخرى (5/9/89) واستولى على دراجي للمرة الثانية والأخيرة، حيث فقدها العدو إلى الأبد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

 

معركة ناىر شاه كوت

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجددّ (22)