إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان (3)

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان .

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان .

(3 من 4)

فى مشروع إنقاذ منظومة الهيروين :

صراع بين حرس التهريب القدماء بقيادة حكمتيار، وبين والمغامرين الجدد بقيادة أتمر

 

– سياف يفاوض الأسرائيليين فى نيودلهى حول دوره القادم ، ويحرض الهندوس ضد حركة طالبان.

– حكمتيار من أعمدة الحقبة اليهودية القادمة ، و(بلاك داعش) أهم أسلحته . ودوره أساسى فى مشروع الهيروين الجديد.

– باكستان قاعدة لإدارة المشروع الجديد ، وجلال أباد ركيزته الأفغانية ، وقوس الأفيون الجديد مرشح للوصول إلى حدود الصين وطاجيكستان ومنابع نهر جيحون !!.

– “بلاك داعش” أهم أوراق القوة فى يد حكمتيار . والطلب المتزايد على خدماته جعلته يفتح باب التجنيد لإستيعاب 10.000 عنصر جديد ، ليصبحوا أكثر عددا من القوات الأمريكية فى أفغانستان ، ولا ينافسهم فى ذلك سوى بلاك ووتر التى تديرها إسرائيل وينفق عليها بن زايد.

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

المنظومة الأمريكية لإنتاج الهيروين فى أفغانستان أصيبت بأضرار بالغة نتيجة ضربات مجاهدى طالبان ـ أخطر نتائج ذلك كان تصدع منظومة غسيل الأموال وما بنى عليها من شبكة دولية عملاقة من المشاريع قيد الإنشاء المعتمدة على تدفق الأموال المغسولة حديثا .

 

أهم أسباب تصدع مشروع الهيروين الأمريكى :

1 ـ  خروج زراعة الأفيون من تحت سيطره جيش الإحتلال . وحسب تقديراتهم فإن 85% من إنتاج الأفيون يأتى من أرض تحت سيطرة “التمرد” أى طالبان .

2 ـ  قاعدة بجرام الجوية شمال كابول ، أصبحت غير آمنة وتعرضت لهجمات صاروخية طالت أهدافا حساسه داخل القاعدة . فاضطر العدو إلى توزيع جزء هام من قواته على قواعد جوية آخرى . وأنتقل معهم جزء من نشاط إنتاج الهيروين وتوزيعه جوا حول العالم .

ظهر أن القوات الأمريكية الموجودة غير كافية للدفاع عن القواعد الجوية الأساسية ولا حتى الدفاع عن نفسها . وقد خسرت سابقا السيطرة على أراضى زراعة الخشخاش وإنتاج الأفيون الذى هو الهدف الأول للحرب ، بما يعنى عمليا خسارة الحرب نفسها .

3 ـ وسائل نقل الأفيون الخام من مناطق زراعته إلى حيث مصانع الهيروين فى قاعدة بجرام الجوية لم تعد آمنة ، سواء بالمروحيات ، أو طرق البر ، نتيجة كمائن طالبان وإستهدافهم لتجار الأفيون المتعاملين مع العدو .

خسارة أهداف الحرب تعنى خسارة الحرب نفسها . وسقوط مشروع الهيروين يعنى فشل الجيش الأمريكى فى تحقيق أهدافه ، فلم يعد هناك معنى لخوضه حربا لا نهاية لها وقد حُسِمَت نتيجتها بالفعل .

وبعيدا عن التلاعب بالأرقام الذى تتقنه المؤسسات الأمريكية ، فإن معظم زراعة الأفيون هى تحت التأثير المباشر أو غير المباشر لحركة طالبان . وحركة نقل الأفيون إلى بجرام تطالها ضربات طالبان سواء كانت فى الجو أو على الأرض ـ وبجرام نفسها باتت مهددة بشدة . وحتى القواعد الجوية التى هربت إليها القوات الأمريكية لتمارس جزء من نشاطات بجرام الأفيونية باتت هى الأخرى تحت المطاردة والضغط .. فماذا تبقى لهم من أهداف الحرب؟؟ .

 

الخطة البديلة لإنقاذ الهيروين :

تبقَّى لهم تنفيذ الخطة البديلة ، لإنشاء مشروع هيروين أقل طموجاً ولكنه يشكل خطورة على مستقبل أفغانستان .

يعاد توزيع زراعة الخشخاش ليرتكز ثقلها على مدينة جلال آباد عاصمة ولاية ننجرهار فى شرق أفغانستان . وتمتد مناطق الأفيون الجديدة شمالا حتى بدخشان على حدود الصين وطاجكيستان . والأهم وجود منابع نهر جيحون ضمن ذلك المجال . وتلك لمسة إسرائيلية لأن أطماعها ستظل معلقة بمياه آسيا الوسطى فى نهرى سيحون وجيحون . تلك الولايات التى يعبرها قوس الأفيون الجديد ستكون بديلا للتوزيع الحالى الذى تحطم بأيدى طالبان فى معظمه  ويشمل الولايات السبع فى الجنوب والغرب .

تلك الخرائط الأفيونية ، القديم منها والمتوقع ، يفسر كثيرا من توزيع المعارك الحاليه ، سواء فى ننجرهار (العاصمة المستقبلية للأفيون) أو المعارك فى مناطق الجنوب والغرب ، وتأخذ حاليا شكل الحرب الأكثر حدة فى ولاية فراه المحاذية لحدود إيران حيث تدور منذ أشهر ملاحم كبرى تجرى كالعاده بعيدا عن أنظار العالم رغم أنها ترسم مستقبله بشكل أو بآخر .

باكستان بعد أن كانت مهمشة فى مشروع الهيروين الحالى تعود لتأخذ وضعا رئيسيا فى المشروع القادم . فقيادة المشروع الجديد سيكون مستقرها باكستان وليس أفغانستان . قواعد الجيش الأمريكى الجوية والبحرية فى باكستان ستكون الذراع القوية وأساس التوزيع الدولى للمخدرات . ومن هنا نفهم رؤية الجيش الأمريكى بدمج إستراتيجية الهيروين فى الإستراتيجية العسكرية لجنوب آسيا . واقعيا ستكون الإستراتيجية العسكرية الأمريكية فى خدمة مشروعها الدولى للهيروين .

عملية إصطفاف واسعة وتغييرات عميقة تجرى فى كافة المجالات لتلبية مطالب المشروع الجديد(البديل). فالعديد من القوى الفاعلة والقيادات المؤثرة تعيد تموضعها فى أفغانستان وباكستان على السواء. وحتى على مستوى العالم هناك تجاوب لا يقل جدية لما يحدث من تعديلات أمريكية فى الإقتصاد العالمى عبر مشروعها للهيروين فى باكستان وأفغانستان.

 

“إعطاء البيعة ” لليهود :

ويبدو زمام الأمور إستقر للموساد أكثر منه فى أيدى CIA رغم عملهم ضمن تعاون حميم فى مشروع واحد . لكن تفاوت وجهات النظر والخلافات أحيانا لها مجال للظهور والتأثير .

تعدد الجنسيات داخل الموساد ظهرت فوائده . والجذور اليهودية لعدد من القاده الجهاديين الحزبيين المشهورين فى أفغانستان جعلت إنتقالهم إلى السفينة الإسرائيلية سهلاً وسريعا . وأطماع القادة الآخرين وجشعهم المالى وتعطشهم للسلطة رمى بهم إلى تلك السفينة .

– عبد الرسول سياف زعيم الإخوان المسلمين الأفغان ــ وقائد إتحاد أحزاب المجاهدين وقت الجهاد ضد السوفييت ــ تمارض وطار إلى نيودلهى ، بعيدا عن الأعين والآذان ، ليتفاوض مع الإسرائيليين حول طبيعة دوره الجديد  فى خدمتهم ، بعد أدواره السابقة ــ فى المرحلة السوفييتة ثم المرحلة الأمريكية ــ وأخيرا المرحلة الإسرائيلية .

سياف يباشر فى الهند دورا تحريضيا بين الساسه الهندوس محذرا إياهم من وصول طالبان إلى الحكم وأنهم سيقلبون عليهم مسلمى الهند وكشمير.

حكمتيار(إخوان مسلمين)، رجل باكستان فى كل العصور وجميع الأحوال ، عاد مرة أخرى ليباشر نشاطاته المعهودة المنبثقة من مقر عملياته ومركز قواته الداعشية فى معسكر شمشتو قرب بيشاور. حكمتيار سيكون له دور بارز للغاية فى (الخطة البديلة لإنقاذ مشروع الهيرويين).

 

ومن ضمن مهام حكمتيار فى المرحلة المقبلة :

1 ـ الإشراف المباشر على نشاطات داعش فى أفغانستان ( أو بلاك داعش) . وأهم واجباتها هو تأمين جلال آباد كمركز رئيسى لنشاط مشروع الهيروين مدعومين بالحكومة الباكستانية وبمرتزقة شركة (بلاك ووتر) المملوكة لإبن زايد والإسرائيليين .

2 ـ برنامج التفجيرات والإغتيالات المعتادة حسب مطالب الموساد وتوأمه CIA .

3 ـ المساهمة فى تأمين خطوط النقل ومراكز التصنيع فى المشروع الجديد. وللمشروع حدود طويلة جدا مع باكستان التى ستؤمن لهم الدعم المطلوب . لهذا يجند حكمتيار عدة آلاف من القتلة المأجورين لتقوية(بلاك داعش) وتغطية المساحات الكبيرة المطلوبة منه تخريبها.

4 ـ حكمتيار وجماعته لهم خبرات قديمة منذ الحقبة السوفيتية فى تهريب الأفيون من أفغانستان إلى باكستان ، لتصنيعه فى المناطق القبلية وتحويله إلى هيروين، ثم نقله إلى كراتشى حيث تتلقاه سفن الأسطول الأمريكى التى تجلب الأسلحة والذخائر التى كان معظمها من نصيب حكمتيار وعصابته العاملة تحت راية وإسم(حزب إسلامى) . وكان يعتبر أقوى وأخطر الأحزاب وقتها، ليس على العدو بل على مجاهدى الداخل والجهاد واستقلالية مسيرته الإسلامية الصحيحة .

ـ حكمتيار بدأ يواجه مؤخرا متاعب تنافسية مع حنيف أتمر مستشار الأمن القومى السابق . وقد تعاونا معا فى السابق لتأسيس مشروع داعش فى أفغانستان ، بالتعاون مع المخابرات العسكرية الباكستانية وتحت إشراف CIA ـ والموساد بالطبع ـ

إستقال حنيف أتمر من وظيفة المستشار ويقال أنه قد يرشح نفسه رئيسا للجمهورية فى إنتخابات مفترضة فى سبتمبر 2019 .

فى شمال أفغانستان ظهرت ميليشيا مسلحة من الطاجيك ، أعداء حكمتيار وأعوان عدوه السابق العتيد أحمد شاه مسعود، ويعتقد أنها تابعة لحنيف أتمر. ويبدو أن فى الأمر مشروع لإحياء لفتنة طائفية كانت قد خمدت بين الطاجيك والبشتون ــ وابحث عن الموساد ــ

وإغتيل عدد من أعوان حكمتيار فى بيشاور ، فتوجهت أصابع الإتهام إلى حنيف أتمر .

 إذاً لن يكون حكمتيار منفردا فى خريطة الأفيون الجديدة ، بل هناك منافس آخر هو حنيف أتمر . ويبدو أن أتمر يريد بناء حزام أفيونى شمالى ، على حدود الجارة طاجيكستان ، يتكامل مع حزام الشرق(حكمتيار) ، وقد بدأ الصراع الدامى بين الزعيمين مبكراً . وذلك فى مصلحة الموساد و CIA وأسهل لهما فى إدارة اللعبة الشيطانية .

فى أى صراع ستكون كفة حكمتيار أرجح لأنه يحظى بدعم باكستان التى أصبح لها دورا مركزيا فى الخطة الأفيونية الجديدة فى بعديها المحلى والدولى . فمطارات باكستان سوف تأخذ دور مطارات أفغانستان (بجرام ، جلال آباد ، شندند ، قندهار، هلمند). وموانئ باكستان (كراتشى ، جوادر) ستكون هامة جدا فى النقل البحرى للهيروين عبر محيطات العالم.

–  شخصيات هامة جدا تحفر لنفسها خنادق فى الخريطة الجديدة ، هناك مثلا الرئيس السابق “حميد كرزاى” كبير مؤسسى عملية الغزو الأمريكى لأفغانستان والذى كانت الموساد تتكفل بأمنه الشخصى، مثله فى ذلك مثل حكام السعودية والإمارات. وهناك الرئيس الحالى “أشرف غنى” والسيدة حرمه ، وثيقا الصلة بالموساد .

وهناك عبد الله عبدالله (الرئيس التنفيذى !!) والذى يحج إلى نيودلهى بشكل شبه متواصل . وهناك عديدون من حجاج نيودلهى فى طابور طويل يبدأ من سياف وعبد الله و آخرون أقل شهرة ولا يقلون عنهما خطراً، منهم جنرالات هامون من الحقبة السوفيتية .

– باكستان لا تطيق سياف ( رجل السعودية ) منذ أيام السوفييت . وإصطدمت عدة مرات مع حنيف أتمر أثناء توليه الأمن القومى فى كابل. وذلك يرجح أوراق حكمتيار فى تنافسه مع أثنين من أهم أعدائه .

داعش تعتبر ورقة القوة الرئيسية فى يد حكمتيار ، وهى ورقة هامة تحتاجها الموساد فى برنامجها الأفغانى . ومعظم القوة البشرية لدواعش أفغانستان مستوردة من مغارة شمشتو فى بيشاور باكستان ، مقر عصابات حكتيار . يعمل حكمتيار على تلبيته إحتياجات الموساد وCIA من الدواعش لتنفيذ مهام حيوية تتعلق ببرنامج المخدرات الجديدة ، وزعزعة الأمن الداخلى فى أفغانستان ، وضرب طالبان فى خطوطهم الخلفية قرب حدود باكستان مع أفغانستان ، خاصة فى بيشاور ، كويتا، سوات ، خيبر . لذا تقول مصادر مقربة من حكمتيار أنه بصدد تجنيد حوالى 10.000عنصر لتلبية الطلب المتزايد على خدمات (بلاك داعش) فى المرحلة القادمة .

 وفى مجهود إستخبارى مشترك ساهم فيه الأتراك، نُقِل الدواعش من سوريا والعراق إلى مطار جلال آباد الذى يعتبر قاعدة مهمة لتدريبهم العسكرى .

وبهذا يمكن إعتبار حكمتيار مديرا لأحد أهم شركات المرتزقة الكبرى والفاعلة فى أخطر مناطق العالم (أفغانستان ـ باكستان ـ وسط آسيا ـ إيران )، إنها “بلاك داعش” المرتبطة بمشروع الهيرويين الدولى التى تشرف عليه الموساد وCIA .

وعدد مرتزقته من الدواعش ـ الذين تمولهم أمريكا وإسرائيل ـ يضاهون عن عدد القوات الأمريكية والحليفة ، ولا يتفوق عليهم عدديا سوى(بلاك ووتر) التابعة لإسرائيل وبن زايد . أو بالأحرى تديرها وتقودها إسرائيل ويمولها بن زايد من ميزانية إمارته المستنزفة حتى النخاع. وحتى الآن لم تتصادم (بلاك ووتر) الإسرائيلية مع (بلاك داعش) ــ الحكمتيارية ــ التى يقودها ويديرها حكمتيار. بل يعملان بتعاون جيد فى جلال أباد تحديدا التى يجرى إعدادها كعاصمة جديدة لمشروع الهيروين الدولى . وهناك تعاون بينهما فى العديد من المناطق الحيوية للمشروع الجديد ، ومنها ولاية كونار الحدودية مع باكستان . حيث يوفر (طالبان باكستان) خلفية صديقة وداعمة للدواعش الحكمتيارية .

 

تنزيل المجموعة الكاملة من مقالات (إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان ) : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان 3

 




الجهاد بدون توثيق، مصيبة تهدر الاستفادة مِن كثير مِن الانجازات والتجارب

الجهاد بدون توثيق، مصيبة تهدر الاستفادة مِن كثير مِن الانجازات والتجارب

الحمد لله القائل: ” فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ“، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين

وبعد

الجهاد بدون توثيق، مصيبة تهدر الاستفادة مِن كثير مِن الانجازات والتجارب

توطئة

منذ انطلاق الثورات الفلسطينية وعلى مدار تاريخها كانت ولازالت تعاني من قلة وجود الثائر الكاتب، فلو تتبعنا كل ما تم كتابته وتوثيقه سنلاحظ أن جله قد كُتب من خلال أكاديميين ومحللين ومتابعين لا مقاومين عسكريين ميدانيين، وهذا خلل كبير لأن أحداث الثورات وتطوراتها يجب أن يكتبها من يعايشها ميدانيًا و يصنع الأحداث ويسطر التاريخ  بتضحياته ودمائه و أوقاته.

ولذلك نلاحظ بُعد كثيرٍ من التحاليل والمقالات والمكتوبات عن حقيقة الأحداث ومجرياتها وتطوراتها، وما هذا إلّا لأن الكاتب والمحلل يكتب بناء على المعلومة التي يصل إليها أو تصل إليه، والتي غالبًا تكون معلومة تم ترويجها للخداع والمراوغة أو للكذب على الناس للتغطية على إخفاقات أو تنازلات أو تراجعات ميدانية، ولذا فإن كتاباتهم تبقى ضعيفة قلما تحاكي حقيقة الواقع ومخرجاته.

 أما المجاهد الميداني، خصوصًا الميداني النشيط الصادق فإن توثيقاته توزن بماء الذهب بل أغلى من ذلك لمن أراد الحق والصواب والإصلاح، لأنه-الميداني- مطلع على كثير من تفاصيل الأمور عن قرب ويعيش المتغيرات الميدانية لحظة بلحظة، ومهما حاول القائد السياسي خداع الشعب عمومًا وأبناء حركته خصوصًا فإنه لن يتمكن من خداع الميداني النشيط والفعّال، ولذا فإن كتابات هذا الميداني الفعّال تصيب كبد الحقيقة والتي يتم فهم الواقع منها، ومن ثم يستطيع القارئ الساعي للإصلاح من تمييز الصواب والنجاح من الخطأ والإخفاق على الوجه الحقيقي، وهذا يساعده على فهم سير الأمور بطريقتها الصحيحة والتي تساعده على التفاعل الميداني الصحيح، التفاعل الذي يعزز الصواب والنجاح ويعالج الخطأ والإخفاق، وهذا يجعل المجتمع يعيش حقيقة قضيته ومجريات أمورها، وهذا يساعده على طرح الإصلاحات والحلول المناسبة، كل بحسب اجتهاده واختصاصه. والله الموفق.

بين يدي الموضوع

لذلك نحن بحاجة للثائر الذي يكتب تفاصيل ما يدور معه حين الإعداد للمعارك وأثناء حدوثها ونتائج ذلك وذكر الأخطاء والصواب التي نتجت عن قراراتهم وتخطيطاتهم التي أقاموا العمل على أسسها، كتابة يضع القارئ  فيها في حقيقة الحدث وواقعه بشرط ألا يخل بأمن المقاومة وإعدادها وهذا مقدور عليه وسهل.

كثير من الأحداث مرّت دون أن يستفيد منها أحد وما ذاك إلا لأنهم كانوا يفهمونها على غير حقيقتها وذلك بسبب أن أحد عشاق الكتابة أو محبي التحاليل أو الكتاب الاضطراريين الذين يكتبون لصحف معينة بحكم أنهم يعملون بها وأنه مطلوب منهم كتابة مقال ما في هذا الموضوع أو ذاك.. إلخ، كل ذلك يُصَدِّر الأحداث على غير حقيقتها الكاملة، ولذا نرى أن الأجيال قد وقعت في نفس الأخطاء مرارًا.

توثيق الأحداث في القرآن والسنة وأقوال الصحابة

لقد ذكر الله تعالى لنا كثيرًا من الأحداث ووثقها بطريقة سهلة يسيرة يفهمها العامي والعالم وأمرنا بقراءتها والتمعن فيها للاستفادة منها والاتعاظ  بها، وهذا دليل على أهمية كتابة التاريخ بطريقة واضحة بيّنة حتى يستفيد منها العاملون والأجيال التي تعقبهم، فلا قيمة ولا فائدة لتجارب لا يخطها أصحابها ويوثقونها للأجيال التي ستأتي بعدهم.

ولذلك نجد الكثير من القصص قصها الله علينا وسرد أحداثها بطريقة يسهل على المسلم تتبعها والاستفادة منها، حتى أن الله تعالى جعل ثلث القرآن قصص وما ذاك إلّا لأهمية التاريخ وتوثيقه بصدق وبطرق صحيحة، قال الله تعالى: “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ“، ولقد أرشدنا الله تعالى إلى ذلك بل وأمرنا به حتى لا يضطر العاملون في سبيل الله للاعتماد على مصادر الكافرين أو البحث عن تجاربهم المسطرة والموثقة بطريقتهم والتي غالبها تُكتب وتُوثق بما يخدمهم وبرامجهم العلمية والسياسية والعسكرية.

ففي يوم ادعى اليهود وأشاعوا في كتاب أن النبي عليه صلى الله عليه وسلم أسقط الجزية عن يهود خيبر، وزعموا في الكتاب أن سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وغيرهم شهدوا على ذلك، ولكن عند التحقيق والتدقيق والمراجعة التاريخية تبيَّن أن سعدًا توفي يوم بني قريظة أي قبل خيبر بعامين وأن معاوية أسلم عام الفتح أي بعد خيبر، كما أن هذا الكتاب-كتاب اليهود- لم يذكره أو يوثقه أحد من علماء المسلمين المهتمين بتوثيق أخبار السير والمغازي، وبهذا عُلِم يقينًا أن اليهود هم الذين وضعوا الكتاب وكذبوا فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن كلامهم كذب وأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُسقط الجزية عنهم.

فكان هذا من فوائد كتابة التاريخ وتوثيقه واهتمام المسلمين به.

وهذا يؤكد ضرورة توثيق التاريخ والأحداث والتجارب من خلال المجاهدين الذين عايشوها وصنعوها. والله الموفق.

كتابة التاريخ والتجارب والأحداث وتوثيقها يجب أن يقوم عليها من صنعوها لا غيرهم

فلا يصح أن يبقى المسلمون في حيرة من أمرهم في أمر ما بسبب أن المجاهد يعمل ولا يكتب ويوثق، فإن عزوف المجاهدين عن الكتابة والتوثيق فَتَحَ المجال أمام المتاجرين والانتهازيين للكتابة والتحليل ورسم التاريخ بطريقة تخدمهم ماديًا أو نفوذيًا أو شهرة، والذين يعتمدون الأسلوب وأثره أكثر من المعلومة وصحتها، كما أنهم يكتبون وفي مقدمة ما يسعون إلى تحصيله هو إنجاز الكتاب وإتمامه بطريقة لا تُغضب المتنفذين ماديًا أو ميدانيًا، ولذا ضاعت كثير من الحقائق وتم تزوير الكثير منها كذلك بطريقة تخدم من يملكون النفوذ والقرار والدولار، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.

لذا فالواجب على الصادقين الذين يصنعون التاريخ الجهادي والإصلاحي أن يقوموا هم بكتابة التاريخ والتجارب لئلا يتركوا ثغرة يدخل منها المنتفعون أو الانتهازيون والمتاجرون أو الثوار المُزَيَّفون، أو حتى الأعداء الخبيثون. فالله تعالى أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقص القصص على الناس حتى يكون هو صاحب المعلومة الأولى والأساس وهو المَصْدَر والمُصَدِّر للأحداث والتاريخ الذي سيعتمد عليه المسلمون في فهمهم للواقع والأحداث ومجرياتها، قال تعالى: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“.

ومن المؤسف أنني وجدتُ كثيرًا من الأفاضل يقولون: لا نحب أن نكتب عن أعمالنا شيئًا حتى لا يضيع أجرنا عند الله وحتى لا يدخل الرياء إلى العمل فيحبطه، وهذا والله خطأ عظيم فإن المنهي عنه هو ذكر الأعمال من باب التعالي والرياء والافتخار بها على الآخرين، أما إن كانت الكتابة بصدق وحق وكانت النية سليمة والمقصود بها ترك التجارب والحقائق كما هي للعاملين في سبيل الله والأجيال القادمة فإن هذا أمر محمود وأجره عظيم عند الله تعالى، حتى وإن كان ذكر ذلك التاريخ وتلك الأعمال يعود على الكاتب بشيء من الإجلال والتقدير من الآخرين فإن هذا أمر محمود وليس مذموم، ويبقى الصدق في ذلك من عدمه بين المجاهد وربه حسب النية والتي لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى.

 فهذا رسول الله قدوة المتواضعين وسيد الأكرمين وأفضل الخلق أجمعين، يذكر فضله على الناس لما احتاج الأمر ذلك، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: “أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَآخُذُ بِحَلْقَتِهَا فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا، فَأَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ، فَيَفْتَحُونَ لِي فَأَجِدُ الْجَبَّارَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُسْتَقْبِلِي فَأَسْجُدُ لَهُ فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقُلْ نَسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ“.

أخي المجاهد، أكتب فربما جملة تكتبها تنفع بها أمة

بل إن كثيرًا من الأحداث لو تم كتابتها لفتحت بابًا مهمًا للتحريض على الجهاد في سبيل الله تعالى والدعوة والعمل الجاد نصرة للإسلام والمسلمين، فرب جملة أو كلمة بتوفيق الله ينتفع بها خلق كثير. فليكتب المجاهدون وليكن شعارهم: “إنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ“.

إذن فالأصل في المجاهد أن يكتب تاريخه وتجاربه والأصل فيمن يريدون الجهاد أن يعودوا لتلك التجارب حتى يستفيدوا من نجاحها ويتعلموا من خطئها، لكي لا تتكرر الأخطاء التي وقع فيها مَنْ سَبق، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ“.

يقولو ابن خلدون في كتابه، العبر وديوان المبتدأ والخبر:

فإن فنّ التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتُشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السُّوقة والأغفال وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال وتُضرَبُ فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال.

وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعدّ في علومها وخليق. انتهى.

وفي الختام:

أسأل الله تعالى أن يوفق إخواني المجاهدين في العالم عمومًا وفلسطين خصوصًا وأن ييسر أمورهم، و أن يرزقهم العزيمة التي تعينهم على كتابة تجاربهم وتوثيقها حتى يستفيد منها المسلمون، المعاصرون منهم واللاحقون. والله ولي التوفيق

هذا، والله من وراء القصد

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطين – غزة

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




إطلالات على طريق تحرير خيبر

إطلالات على طريق تحرير خيبر

إطلالات على طريق تحرير خيبر

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، المبعوث رحمة للعالمين

وبعد

إطلالات على طريق تحرير خيبر

توطئة

من علامات رضى الله عن العبد وقبوله لطاعاته توفيقه بعد كل طاعة لطاعة أخرى، قال الله تعالى: “ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ“، و من أعظم ما يوفق الله إليه عبده في الإسلام هو استخدامه في الدفاع عن دينه وحرماته وتثبيته في النوازل وساحات القتال وذلك هو رأس الأمر أي الإسلام، ففي

الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: “.. أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ “، قَالَ: «أَمَّا رَأْسَ الْأَمْرِ فَالْإِسْلَامُ، وَأَمَّا عَمُودُهُ فَالصَّلَاةُ، وَأَمَّا ذُرْوَتُهُ فَالْجِهَادُ».. “؛ أي رأس رسالة النبي عليه الصلاة والسلام هو الإسلام والذي مداره على كلمة التوحيد، وهذا ما قاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رواية موضحة للرواية السابقة: «إِنَّ رَأْسَ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.. »، و الصلاة هي عموده وقوامه الذي يقوم عليه، أما الجهاد فهو ذروة سنامه وأعلاه ومعلوم أن سنام الإبل هي أعلى جزء فيه ولا يستطيع أن يصل إليه إلّا القوي و أن الضعيف لا يستطيع الوصول إليه إلّا بمساعدة غيره، فالصلاة سهلة الوصول ويستطيع القيام بها كل أحد قوي الإيمان وضعيفه، أما الجهاد فلا يستطيع القيام به إلّا قوي الإيمان الواثق بوعد الله والذي ملخصه إما النصر وسعة الدنيا وعزها وسيادتها وإما الشهادة حيث المغفرة من أول قطرة دم تراق منه ثم العلى من الجنة في منازل لا يصل إليها إلّا الخلص من عباد الله الصالحين.

مسير النبي عليه الصلاة والسلام إلى خيبر

في شهر المحرم من السنة السابعة للهجرة توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر والتي كانت معقلًا لرؤوس الخبث والمكر والكيد ضد المسلمين والتي لم تتوقف عن التحريض على المسلمين واستغلال الفرص للنيل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، وكانت منطقة محصنة وفيها كل ما يلزم من مأكل ومشرب لضمان صمودها طويلًا في حال تعرضت لأي حصار .

وصل النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ليلًا ولما خرج أهل خيبر في الصباح لمزارعهم رأوا جيش المسلمين فعادوا مسرعين وهم يصيحون: محمد والخميس ” أي الجيش”، فاستنفر أهل الحصن وأغلقوه على أنفسهم وأحكموا سد منافذه، في هذه الأثناء حدثت بعض المبارزات والمناورات والتي كانت لصالح المسلمين ولكن الله لم يفتح الحصن لهم بعد . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأعطينّ الراية رجلًا يفتح الله على يديه.. إلخ،

عليٌّ والفتح المبين

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ يَوْمَ خَيْبَر: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ» قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، قَالَ فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا، قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَقَالَ: «امْشِ، وَلَا تَلْتَفِتْ، حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ» قَالَ فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» .

وقفات مع الحديث

قول النبي عليه الصلاة والسلام: لأعطينّ هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله .

فيه إخبار وتأكيد من النبي عليه الصلاة والسلام أن عليًا رضي الله عنه يحب الله ورسوله وفيه شهادة لعلي بصدق إيمانه وإخلاص فعاله لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام.

وقوله: يفتح الله على يديه.

فيه بشارة للمسلمين بأن الله سيفتح عليهم وفيه مكرمة لعلي رضي الله عنه أن الله سيجعل هذا الفتح الرباني على يديه.

قوله: قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أُدعى لها.

 فتساورت لها أي؛ وقفت على أناملي وتطاولت ورفعت عنقي ليتذكرني النبي عليه الصلاة والسلام رجاء أن يعطيني إياها.

 لم يكن هذا من عمر طمعًا في الأمارة أو الدنيا وزخرفها ولكنه أحب أن يكون ذاك الرجل الذي سيختاره النبي عليه الصلاة والسلام لقيادة هذا الفتح حبًا بشهادة النبي عليه الصلاة والسلام ورغبة واستبشارًا بأن يفتح الله على يديه . وما أدراك ما عمر هذا الصحابي الجليل الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: « لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ »، وقال فيه علي بن أبي طالب: «إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيِّ هَلَا بِعُمَرَ، مَا كُنَّا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ».

وقوله: فدعا النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها .

وهذا من فن القيادة واتخاذ القرار المبكر بعد التأني والدراسة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا علي رضي الله عنه ليعطيه الراية ولكن الصحابة رضي الله عنه قالوا: “يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ . قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ» فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ“، فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل عن علي بالرغم من أنه قد تغيب عن الحضور لمتابعة هذا الحدث التاريخي المشوق والمشرف، ومن المؤكد أن تغيبه هذا كان لعذر قاهر منعه من الحضور، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام والذي كان قد أخذ القرار مبكرًا وبكل روية لم يلتفت لتشوق الصحابة لنيل شرف أخذ الراية يومها، فالأمر عنده محسوم؛ إنها معركة فيصلية ولها ما بعدها والنصر ضروري وتقليل الخسائر في صفوف المسلمين وحسم المعركة بأسرع وقت مهمة يجب أن يتم إنجازها على أحسن وجه . ولذا فإن القرار المبكر الذي أخذه النبي عليه الصلاة والسلام بإعطاء الراية لعلي رضي الله عنه لم يكن ليتغير بمجرد تغيب علي بل لابد من معرفة سبب التغيب والعمل على تذليل العقبات، ولذا لما سأل النبي عن علي وقال له الصحابة: يشتكي عينيه . طلبه ولما جاء به الصحابة -لأنه لم يكن قادرًا أن يأتي بنفسه ولوحده من شدة الألم في عينيه- بصق النبي عليه الصلاة والسلام في عينيه ودعا له فشُفِيَ بإذن الله وأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام الراية .

وقوله: امش، ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك .

هذا دليل على أن جيش المسلمين كان جاهزًا للانطلاق ولذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام ولا تلتفت ومعلوم أن الالتفات والحديث أثناء استراحة الجيش لا شيء فيها، وكذلك هذا يفيد بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان حازمًا في أمره مصرًّا على غزو خيبر بأسرع وقت ممكن ليستغل حماسة جيش المسلمين وارتباك صفوف الكافرين الذين تفاجأوا بقدوم المسلمين لغزوهم، كما أن في المبادرة والسرعة فائدة مهمة جدًا وهي الوصول إلى حصون خيبر وهي في أضعف حالاتها، لأن اليهود كانوا يملكون من أسباب الصمود الشيء الكثير من الطعام والشراب داخل الحصون وهذا يعني عدم استسلامهم بسهولة أو بسرعة وفي هذه الحالة فلن تأت الغزوة ثمارها المرجوة، كذلك فإن سرعة مداهمة حصون الكفار مهمة جدًا لأنه كلما زادت مدة الحصار وطال اقتحام الحصون كلما تمكن اليهود من الزيادة في التحصين والاستعداد خصوصًا أنهم في أشد حالات الخوف والرعب وهذا سيدفعهم لأن يتحركوا جميعًا ويكونوا على قلب رجل واحد؛ ولذا كان الخيار الأمثل هو الاقتحام عليهم مباشرة . ولذا بمجرد أن أعطى النبي عليه الصلاة والسلام الراية لعلي قال له: امش، ولا تلتفت؛ المقصود هنا بالالتفات والله أعلم هو الالتفات إلى الخلف والذي يؤدي إلى تعثر حركة الجيش أما الالتفات يمينًا وشمالًا أثناء سير الجيش فهذا أمر يقدر عليه كل فارس دون أن يتوقف، أما الالتفات إلى الخلف فإنه يلزم منه أن يتوقف القائد وهذا سيؤدي حتمًا لتوقف الجيش ومعلوم أنه في حال توقف الفرد لوحده وعاود المسير فإن هذا لن يعيقه كثيرًا بخلاف أن يتوقف قائد الجيش ليلتفت خلفه لأن هذا سيجعل كل الجيش يتوقف وهنا ستحدث مشكلتان: الأولى هي ارتباك صفوف الجيش حيث ستبدأ التساؤلات والتأويلات تتغلغل في صفوفهم عن سبب التوقف والالتفات، فهذا يقول ربما التف علينا العدو وآخر يقول ربما أرسل إلينا النبي عليه السلام قوة إضافية.. إلخ،  والمشكلة الثانية أنه وفي حال عاود القائد لإكمال المسير فسيأخذ وقتًا حتى يفهم الجميع أنه لا جديد وأن الأمور على ما يرام مع ترتيب الصفوف والتي يتزعزع بعضها ميدانيًا وبعضها الآخر يتزعزع معنويًا، كما أن التفات القائد قد يوحي للبعض بأنه يريد الانسحاب خصوصًا مع الاقتراب من العدو ولهذا أثر سلبي كبير على الجيش.

أما القول بأن المقصود بـ “ولا تلتفت”، هو لا تفر من المعركة فهذا قول بعيد لأن من قرأ سيرة علي بن طالب وإيمانه وشجاعته وبطولاته يعلم يقينًا بأنه لن يفر وسيبقى في الميدان حتى النصر لأن هذا ما وعدهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: حتى يفتح الله عليك . وهذا يفيد بأن الفتح والنصر للمسلمين حاصل لا محالة فكيف سينسحب علي رضي الله عنه من معركة سلمه فيها النبي عليه السلام الراية وقال له: لا تلتفت حتى يفتح الله عليه !؟ ولذا كان المتوقع من علي في هذا الموقف ألّا يلتفت أبدًا حتى يفتح الله عليه . أما الالتفات الذي تحتاجه المعركة فلا أظن بأن أمر النبي عليه الصلاة والسلام يشمله لأن هذا واجب من ضروريات الحركة والتنقل في الميدان ولكن المقصود هو الالتفات أثناء التقدم والاقتراب من الحصون.

قوله: فسار عليٌّ شيئًا .

بعد أن تلقى علي رضي الله عنه الأوامر من النبي صلى الله عليه وسلم بادر مباشرة بالسير للتنفيذ ولكنه استدرك أمرًا هامًا وهو تحديد الشق الآخر من أهداف الغزوة.

 فالهدف الأول: ردعهم وهزيمتهم لقطع دابرهم لأنها-خيبر- كانت وكرًا للمفسدين والمجرمين للمكر بالمسلمين والتآمر عليهم والتحرش بهم، فهم الذين حرّضوا العرب على المسلمين وهم الذين وحَّدُوا الأحزاب للهجوم على المدينة معقل المسلمين وهم الذين حرّضوا بني قريظة وأقنعوهم بنقض عهدهم مع المسلمين والغدر بهم وطعنهم في ظهرهم، وكان يشارك فيما سبق بنو النضير والذين كانت نفوسهم مليئة بالحقد والغل على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام لأنهم أجلوهم عن ديارهم وذلك بعد أن نقضوا عهدهم مع المسلمين وتآمروا عليهم من داخل المدينة ودبروا مكيدة للغدر بالنبي عليه الصلاة والسلام لاغتياله، وبما أنه قد اجتمع كل ما سبق ذكره من أحوال المجرمين المتمركزين في خيبر فكان لزامًا إخضاعهم لعدالة الإسلام ثم ليتمكن أهل الخير والصلاح من إيصال دعوة الإسلام حيث التسامح والعدالة لعموم أهل الحصن، إلّا أن وقوفهم جميعًا خلف هذه الثلة الكافرة المجرمة وعدم مساعدة النبي عليه الصلاة والسلام في التخلص منهم ولأنهم جميعًا استعصوا على فتح الحصون لجيش المسلمين ولأنهم وقفوا وقفة رجل واحد فكان لا خيار أمام المسلمين إلّا اقتحامها ليتم إخضاعهم لحكم السماء بقوة السلاح وهذا ما تم فعلًا . فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي رضي الله عنه حين سأله يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» . وهذا هو الهدف الثاني.

الهدف الثاني: وهو الدعوة إلى الإسلام .

مع العلم أن هذا الهدف هو أول الأهداف حسب ترتيب الشريعة الإسلامية في الغزو ولكن بسبب التراكمات الميدانية التي طرأت فأثّرت على مجريات الأحداث وبسبب تمترس كبار المكر والخديعة في خيبر أصبح كسر شوكتهم أولًا ضرورة ميدانية حتى يتمكن المسلمون من رؤوس الكفر المحارِبين ومن أصرّ على انتهاج طريقتهم في التحدي للإسلام وعدالته .

قوله: ثم وقف ولم يلتفتْ، فصرخ: يا رسولَ الله، على ماذا أُقاتل الناس؟

بعد أن سار علي رضي الله عنه قليلًا وأراد أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام؛ توقف ولم يلتفت، وهذا من عظم طاعته للنبي عليه الصلاة والسلام ولذا كان هذا الجيل هو الصدر الذي اختاره الله لنصرة دينه ومؤازرة نبيه، مع أن النهي عن الالتفات كان المقصود منه أثناء المسير اللاحق ولكنهم الصحابة وعلو همتهم ومكانة نبيهم في قلوبهم، ولذا صرخ ليسمعه النبي دون الالتفات إليه، فكانوا خير القادة وخير الجند الذين فتح الله بهم البلاد وحرر العباد ونشر الإسلام والعدل على أيديهم .

قوله: قَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» .

وهذا هو الأصل في دعوة الإسلام دعوة الرحمة والعدل هو الإسلام والاستسلام لله تعالى وحده لا شريك له، وليس الهدف منه القتل والدمار ونهب الأموال وإذلال الناس وترويعهم كما يروج له أعداؤه في مشارق الأرض ومغاربها .

 

الخاتمة

هذه كلمات مختصرة طفتُ بها سريعًا بما استحضرته لتوه حول عظمة النبي عليه الصلاة والسلام وحب صحابته له وعظم تعظيمهم لأوامره، سائلًا المولى عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها الإسلام وأهله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله من وراء القصد

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطين – غزة

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




فارياب: إصابة جندي عميل وتدمير دراجة نارية في خيبر

امارة افغانستان الاسلامية
في الساعة الثالثة ظهر يوم أمس انفجر لغم في دراجة نارية لعناصر الميليشيات العميلة في منطقة “قزلرقلعه” بمديرية خيبر بولاية فارياب.
مما أسفر عن تدمير الدراجة بشكل كامل، وإصابة جندي بجرح خطيرة.