عودة إلى الحوارات (2) : المفاوضات : متى تكون حلالا أو حراما

عودة إلى الحوارات (2) : المفاوضات : متى تكون حلالا أو حراما

عودة إلى الحوارات  (2)

– المفاوضات : متى تكون حلالا أو حراما .

– حدود العنصرية عند الإشادة بالأفغان .

– الكلام عن السعودية .. منطقة خطر .

 

أسئلة الجولة الثانية من الحوارات  :

أولا – هل المفاوضات حرام؟؟ :

هل هجومك علي المفاوضات الطالبانية الامريكية في الدوحة يعكس الوضع الداخلي ؟ .
و لماذا تهاجم المفاوضات و القيادة موافقة ؟ و هل المفاوضات بين طالبان و أمريكا حرام و حلال علي الدول الاخري ؟. و كيف الوفد الأسير يسافر الصين و روسيا و ايران و باكستان بحرية كاملة؟.

 

ثانيا : (حكمة الجهاد) :

يا شيخ أبو الوليد الرجاء انصح ولا تهاجم اخوانك .

الجهاد امتحان وابتلاء .

يوجد بيننا الصادقين المخلصين و بيننا ايضا المخطئ و الخائن .  الجهاد برئ من القيادات المنافقة مثل الجولاني و حكمتيار و سياف سابقا ..

لا  تساعد الاعداء علي تفرقة المجاهدين و تستعين بالعنصرية في كتاباتك ( لو أننا كنا أفغانا  .. لما ضاعت فلسطين) .

قالَ رسولُ اللهِ، صـلى اللهُ عليهِ و سلـم :{ لا فرق بين عربي و لا أعجمي و لا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى } .

 

 

ثالثا – رسالة من مجهول :

أنت لست عربيا ولا سعوديا .. فما شأنك بما يحدث في السعودية يا ايراني؟.

 

ابو الوليد المصري (الإجابة الأولى) : 

لا إعتراض على المفاوضات من حيث المبدأ ، ولا توجد حرب إلا واقترنت بالتفاوض الذى هو معركة خطيرة تحتاج إلى يقظة وخبرة .

وكما أن الحرب لا تحسم فى جولة قتال واحدة فإن التفاوض لا يحسم بجولة تفاوض واحدة . وفى التفاوض كما فى القتال: مناورات هجوم ودفاع كما يحتوى على إستطلاع وتجسس ، وأيضا خيانات ، وأخطاء .

– والنتيجة النهائية للتفاوض ترسم أحداث مستقبلية تكون تأثيراتها طويلة المدى. وقد يحافظ المفاوض على نجاحات جيشه وربما تمكن من زيادتها . وأيضا ربما أضاع مكاسب الجيش وتضحيات المقاتلين. لذا قال البعض أن الخطأ فى عملية التفاوض أخطر بكثير من الخطأ فى ميدان الحرب .

لا يقاس التفاوض بأنه حلال أو حرام بالمطلق .. ولكن هو حلال طالما يحقق مطالبنا ويناسب ظروفنا،  وهو”حرام” إن كان عكس ذلك .

– يجب أن يكون التفاوض مناسب من نواحى:

التوقيت ، المكان ، طبيعة وتركيبة الوفود المتفاوضة ، والمناخ السياسى والعسكرى المحيط بالتفاوض . فلا تفاوض فى وقت الضعف أو الهزيمة ، أو عند الوقوع تحت ضغط عسكرى أو إقتصادى  أو سياسى زائد عن الحد. حتى لا نحصل على نتائج ضعيفه وكأنها إستسلام .

وهناك دلالات لإختيار مكان المفاوضات وتوقيتها : كونها إشارات قد تدل على مضمون وروح الإتفاقات المنشودة .

(مثل دلالات توقيع إتفاق مع الأمريكيين فى كامب ديفد ، المرتبط بمفاوضات خائنة تنازل فيها العرب عن حقوقهم لإسرائيل . ومعنى توقيع إتفاق سلام فى نفس المكان إشارة إلى موافقة ضمنية على مسار المفاوضات العربية /الإسرائيلية، خاصة من ناحية الإعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها) . وكذلك هناك دلالة على عقد إتفاق أو مؤتمر مع حلول ذكرى مشهورة لإنتصار أحد الطرفين أو هزيمة الآخر . ومكان توقيع الإتفاق هام جدا . فالطرف المنتصر يوقع الإتفاق فوق أراضيه أو فوق الأراضى التى إحتلها أو فى مكان مهين للطرف الآخر (مثل بارجة عسكرية للمنتصر ، أو مجرد عربة قطار مهجور فى البلد المنتصر . والطرف المنهزم يوقع على وثيقة الإستسلام حسب مايمليه عليه المنتصر . والحل الوسط الذى يحفظ ماء وجه الطرفين هو التوقيع فى أرض محايدة . لذا فالأنسب لنا هو توقيع الإتفاق فى قندهار أو كابل بعد إنسحاب المحتلين منهما . وعلى كل الأحوال لا يجوز أن يستدعى الرئيس الأمريكى وفدنا المفاوض إلى بلاده حتى يوقع معهم وثيقة إتفاق (خاصة وأنها وثيقة مجهولة المحتوى) . فى ذلك إهانة لا تليق بكرامة الشعب الأفغانى وكرامة دماء شهدائه. وبالمثل لا يجوز توقيع إتفاق فى قطر ، لأنها عمليا قاعدة جوية أمريكية ، والأفغان لا يوقعون وثيقة إستسلام للأمريكيين حتى يوقعوها فى قاعدة أمريكية، أو أحد سفن الأسطول الأمريكى ، كما فعلت اليايابان بنهاية الحرب العالمية الثانية .

– التنبيه إلى الأخطاء ليس تشهيرا بأحد ، وليست هجوما على مبدأ التفاوض . ولكن السكوت عن الخطأ جريمة قد تؤثر على مصير شعب وتطيح بنتائج تضحيات جسام ودماء غالية . ومحاولة ( شخصنة ) النصيحة خطأ . كما أن محاولة إسكات صوت النصيحة تعنى دعما متعمداً لمسيرة خاطئة .

وفى كل الأحوال فإن الصمت جريمة ، وللنصيحة وقتها الذى إذا تأخرت عنه فقدت قيمتها . وفى حالتنا التفاوضية : النصيحة فى مسألة عامة لابد من الإعلان عنها لأنها تمس مصالح أعداد كبيرة جدا من الناس . بعكس النصيحة الشخصية التى تمس سلوكا لفرد ، فإن الإعلان عنها غير محبب وقد يكون بها وتشهير يضر بسمعته .

ولكن الشخص المنحرف الذى يتسبب فى أضرار عامة لجمهور الناس ، لا بد من نصيحته علناً ، بل والحذير من تصرفاته مع شرح خطورتها .

وفد التفاوض لا يقوم بوظيفة خاصة به بل هو مكلف من (الإمارة الإسلامية) بوظيفة عامة تمس الشعب الأفغانى خاصة والشعب الإسلامى عامة ، لذا من حق أى مسلم إبداء وجهة نظره فى أى شئ يتعلق بالمفاوضات إذا تأكد لديه أهمية ما يقول بالنسبة لمسار التفاوض والجهاد عموما .

وللإمارة ان تقبل أو ترفض ما تشاء . ولم يحدث أن إعترضت الإمارة على حرية قول الآخرين، حتى ولو عارضت وجهات نظرها الرسمية . وذلك يعكس متانة موقفها السياسى والأخلاقى .

قيادة الإمارة موافقة على مبدأ التفاوض، لكنها تعترض وتوقف أى خلل فى عملية التفاوض قد لا يناسب مصالح شعبها وجهاده المستمر .

– أما عن أداء وفد التفاوض فى الدوحة ، فلنا عليها العديد من الإعتراضات :

أولا قطر ليست بالمكان المحايد، بل إنها على صغر حجمها الشديد ، إلا أنها تحتوى على أكبر قاعدة أمريكية فى الشرق الأوسط وفيها مقر القيادة المركزية للقوات الأمريكية .

فكيف تقبل الإمارة بإجراء التفاوض فى مكان مثل ذلك ، إلا أن تكون هذه المفاوضات غير جدية ، أو أنها لشغل الوقت الزائد .

ودلت مسيرة التفاوض منذ بدايتها على أن الجانب الأمريكى أنما جاء لتمرير أهدافه التى عجز من تمريرها فى ساحة القتال .

وفجأه ظهر مشروع إتفاق غامض لم يُعْلَن عن محتواه ، حتى أن القيادة العليا لم تحاط به علما بشكل واضح وشفاف. وكان من المفترض توقيع ذلك الإتفاق فى إجتماع “سرى” مع الرئيس الأمريكى فى (كامب ديفد) ضمن لقاء كان مفترضا بين ترامب ومفاوضين أفغان من وفد الدوحة . بدون الإعلان عن محتويات الإتفاق ، أو حتى أخذ موافقه القيادة عليه !! .

وقد أعتبر مراقبون ذلك عملاً حكومياً قطرياً ، لا دخل للإمارة به . وحتى لو ظهر مستقبلا أن أحد من أعضاء وفد الإمارة قد شارك فى تلك الخطوة الخطيرة، فإن ذلك يعتبر إنحرافا عن المهام الرسمية المكلف بها . وربما رأت الإمارة عدم تصعيد شوشرة لا جدوى منها حول ذلك التجاوز ، خاصة وأن المفاوضات منذ البداية لا ينظر إليها نظرة جدية من جانب الأمريكان الذين أوصدوا فى وجه الإمارة أى فرصة لإختيار مكان محايد للتفاوض . وإختاروا الدوحة لتكون مقرا للتفاوض فى نفس مقر الإقامة الجبرية للقادة المفرج عنهم من معتقل جوانتانامو ، والموضوعين تحت حراسة قطرية بإشراف أمريكى .

أى أن المفاوضات بدأت من (مَحْبَس) للإقامة الجبرية فهل هذا معقول ؟؟ .

التفسير الوحيد أنها مفاوضات نتائجها محسومة سلفاً، وأن لا حل إلا فى ميدان القتال . أو بنقل التفاوض فى مكان أقرب إلى الحياد. وقد تكون ماليزيا هى الأنسب عمليا خاصة بعد “مؤتمر القمة الإسلامى” الذى عقد هناك رغم التحفظات علية ــ إلا أنه يشير إلى إتجاه لتصحيح مسار مؤتمرات القمة تلك ، التى هيمن علها أمراء وملوك النفط المنحرفون .

بالنسبة لسفر وفد التفاوض إلى دول أخرى غير قطر ، مثل الصين وروسيا وإيران وباكستان، فهى فرصة جيدة لأعضائه لإكتشاف شئ من الأجواء السياسية المحيطة بقضية أفغانستان .

ولكن غير متاح للوفد أن يختار مقار أخرى للتفاوض غير الدوحة . ولا يمكنه أن يسافر طليقا حيث يشاء ، بغير رقابة أو وصاية من المضفين الرقباء فى قطر . أو أن يسافر  على غير وسيله النقل المحدده له، وإلى البلد غير الذى توافق عليه أمريكا وتأخذه إليه قطر. وأعضاء الوفد لا يمتلكون وثائق سفر تصلح للتنقل الحر إلى حيث يختارون ويريدون .

أظن أنه من علامات جدية المفاوضات أن تتم فى مكان آخر غير قطر ، توافق عليه الإمارة بدون قيود السفر التى تفرضها أمريكا على قيادات طالبان ، وتعرضهم الدائم للإعتقال أو إعادة الإعتقال .

– ثم أن عملية التفاوض مبنية على خدعة كبرى تتجاهل أن طبيعة الحرب فى أفغانستان قد تغيرت، بحيث أن الجيش الأمريكى أصبح قوة صغيرة وغير قتالية (فى حدود 3 آلاف جندى) وأن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية تديران حربا قوتها الضاربة هم المرتزقة (بلاك ووتر ـــــ بن زايد/برنس) وداعش والميليشيات المحلية والجيش الوطنى !! .

فالإنسحاب الأمريكى هو هدف مخادع لمفاوضات عمادها الخداع . وبالتالى أمريكا تدير مفاوضات وهمية، بينما توجه ضربات حقيقية فى ميدان الحرب .

 

ابو الوليد المصري (الإجابة الثانية) : 

حكمة الجهاد :

(الجهاد يخطط له العباقرة ـ ويخوض غماره الإستشهاديون ـ وتفوز بثماره قطر). تلك هى الكلمة التى نشرناها فى هذا الموقع تحت إسم (حكمة الجهاد). فهل يعتبر ذلك تفرقة بين المجاهدين؟. وما هى علاقة قطر بالجهاد والمجاهدين؟. فمن الخطأ أن تجرى عملية التفاوض بين المجاهدين والإحتلال الأمريكى على مقربة من أكبر قاعدة جوية أمريكية فى الشرق الأوسط ، تنطلق منها الطائرات لقصف الشعب الأفغانى !! . إن فى ذلك مفارقة غريبة ، لابد أن نشير إليها مادمنا غير مطلعين على خفايا قرار التمركز التفاوضى فى الدوحة .

ولتلافى التفرقة وسوء الفهم فإن الوفد التفاوضى للإمارة مُطالب بالشفافية فى إجراءاته ، وتفسير التناقضات التى تحيط بمهمته .

إن الدفاع عن الخطأ ، والتستر عليه ، وإرهاب أى محاولة للإستفسار أو النقاش فى أمر عام من أمور المسلمين ، هو عمل ضار بالإسلام والمسلمين .

– ومن ضروب الإرهاب الفكرى ، ومحاولة التستر على الإنحراف ، الإدعاء بأنه من العنصرية القول : (لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين ) .

ثم إستخراج نصوص شرعية وإستخدامها فى غير موقعها وفى غير المقصود منها .

مثل الحديث الشريف(لا فرق بين عربى وعجمى ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى ) .

فهناك أحاديث أخرى مشهورة عن فضل بعض البلاد والشعوب والقبائل. مثل الأحاديث عن فضل اليمن وأهلها، والشام، ومصر . وفضل جيوش خراسان واليمن فى أحداث آخر الزمان .

– ولاننسى موقف خالد بن الوليد فى أحد الغزوات عندما دعا قوات الجيش إلى التمايز حسب الإنتماء القبلى ، حتى يعلم الناس من أين تأتى الهزيمة . وكان الجيش قد إنكشف عدة مرات . ولكن بعد التمايز إستماتت القبائل فى الثبات خوفا من الفضيحة ، حتى أبيدت بعض القبائل عن آخرها . فهل كان سيف الله المسلول عنصريا؟؟.

وفى مقال (لو أننا كنا أفغانا ..) دعوة للعرب لأن يقتدوا بمناقب إخوانهم المجاهدين الأفغان فى الشجاعة والغيرة والتضحية والكرم والصبر على المكاره .. إلى آخر صفات مكنتهم دوما من دحر غزوات الكفار  و هزيمتهم .

وعكس ذلك ، وبكل أسف نجده عند عرب اليوم ، وقد كانوا فى السابق من خير الأمم . تلك دعوة إلى النهوض وليس للتفرقة العرقية . وأقول أيضا :

{ لو كان الفخر بالأفغان عنصرية .. فليشهد الثقلان أنى عنصرى} .

وذلك على منوال قول الإمام الشافعى رضى الله عنه :

 { لو كان رفضاً حبَ آلِ محمدٍ … فليشهد الثقلان أنى رافضي }.

وقوله رضى الله عنه : { أحبُ الصالحين ولستُ منهم ..}.

 

ابو الوليد المصري (الإجابة الثالثة) : 

ردا على من قال لى :

{  أنت لست عربيا ولا سعوديا .. فما شأنك بما يحدث في السعودية يا إيراني؟}.

 

له أقول :

إننى عربى من سلالة قوم هم عرب منذ الأزل . وتلك حقيقة أقِرُ بها، وأحمدُ الله عليها . كما أننى بفضل الله لست سعوديا.  وأدعو لأهلنا العرب الأصلاء فى جزيرة العرب والخليج أن يطهرهم الله من رجس تلك العائلة الشيطانية – اليهودية – وأمثالها . وأن تَطْهُر جزيرة العرب من المشركين والمنافقين لتعود نقية كما أرادها الله ورسوله .

أما قولك بأننى إيرانى، فأستعير قول أحدهم فى موقف مشابه :

 ( هذا شرف لا أدعيه .. تهمة لا أنفيها ).

– وما شأنك أنت بقوم يدركون الإيمان ولو كان فى الثريا ، كما قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

19/01/2020

 

المفاوضات : متى تكون حلالا أو حراما

 




حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 14 }

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 14

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 164 ) | صفر 1441 هـ / أكتوبر 2019 م .                     

16/10/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(14)

طائرة تصيب حقاني بقذيفة نابالم أمام مغارات جاور، فيسقط وسط النيران، لينقذه حارسه الشاب (علي جان).

– لولا اختراق حقاني للحصار والوقوف إلى جانب رجاله لسقطت جاور بسهولة.

– عندما أوشك أبوعبيدة البنشيري ( نائب بن لادن فيما بعد) أن يستسلم للقوات السوفيتية بسبب ضابط باكستاني.

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

 

شتاء 1985 ــ 1986 :

مازال الثلج يكسو جبال باكتيا. وجارديز الأكثر ارتفاعًا والأقسى برودة تعرضت لهجوم صاروخي مفاجىء على المطار وقاعدة عسكرية أخرى فتم تدمير أربعة طائرات هيلوكبتر ومقتل عشرات من العسكريين. كانت مفاجأة كاملة لم تحدث قبلًا في مثل هذه الظروف  الجوية فالثلج عدو تقليدي للمجاهدين كما إنه صديق تقليدي للسوفييت.( كان الشهيد إسماعيل شقيق حقاني هو المسؤول عن قطاع جرديز في ذلك الوقت. وقد نجح إسماعيل فى إبقاء جبهته نشطة وصامدة. فلم ينجح السوفييت في اختراق جبال ستي كندو وعبورها إلى خوست من خلال طريق زدران).

بعد المعارك التي انتهت في سبتمبرالماضي بدت باكتيا كما لو أنها في حالة ركود مؤقت أو تحضير لجولة جديدة. وهو ما حدث بداية شهر إبريل أي بفارق ستة أشهر فقط عن الحملة الكبرى السابقة فبدأت حملة أشد وأعنف ولكنها أكثر تركيزًا… ليس الهدف الآن هو عموم الولاية أو فتح طرقها الرئيسية والسيطرة عليها أو فك حصار خوست.. الهدف من حملة هذا العام (جاور)  و”جاور” فقط… لماذا ؟… كانت حملة السوفييت ضد جاور توصف وقتها بأنها أعنف حملات السوفييت منذ احتلالهم أفغانستان. وعقيد الاستخبارات محمد يوسف ذكر في كتابه فخ الدب بأنها كانت واحدة من أشرس معارك الحرب.  كما ذكر محمد يوسف في كتابه فإن (جاجي) كانت تعتبرأكثر أهمية باعتبارأن 40% من إمدادات المجاهدين كانت تمر منها. فلماذا لم يخصص السوفييت ضد جاجي حملة مماثلة ؟.. وحتى حملتهم في العام التالي (87) ضد جاجي لايمكن مقارنتها بحملة (جاور).  فحملة جاجي في عام 1987 كانت حملة سوفيتية ضد العرب هناك الذين تجمعوا حول أبو عبد الله (أسامة بن لادن ) في أول بداياته للعمل العسكري في أفغانستان.

الأهمية غير العادية التي اكتسبتها (جاور) ليس كونها قاعدة تحمي منفذاً للعبور، كما هو وضع (جاجي) ولكن الأهمية الحقيقية تكمن في كونها (قاعدة) فعلية لعمليات نشطة للغاية ومؤثرة في كل منطقة خوست.( كانت نموذجا مثاليا للقاعدة الخلفية في حروب العصابات).

وقد أكسبها حقاني بحيويته وخبرتة العسكرية ومكانتة الدينية خطورة مضاعفة، خاصة وأنها مقر قيادتة الرئيسية لكل نشاطاتة في باكتيا. وكانت نشاطاتة تمتد شمالاً إلى جارديزعاصمة الولاية وله بالقرب منها قاعدة (سيرانا)، التي تعتمد في إمداداتها على جاور في خوست. ويمتد نشاط حقاني شرقاً إلى (جاجي ميدان) بالقرب من منفذ جاجي كما يمتد غرباً إلى مدينة (الأورجون) عاصمة باكتيكا.

وأخطر الاحتمالات وراء نشاطات حقاني هو تهديده لمدينة خوست ذات الأهمية الاستراتيجية والسياسية. فالرجل هو المُنفِّذ والمُحرِّض الأول لعملية الحصار ثم عمليات (القضم) لأطراف خوست، وتهديد طرق التهريب إليها. أما الطريق الواصل إلى (خوست) من (جارديز) عاصمة الولاية، فهو الوحيد من الطرق الحيوية في الدولة الذي لم تطأه قدم جندي سوفييتي، (كان ذلك في ظني أحد الدوافع الرئيسية لحملة شتاء 87/88 لفتح ذلك الطريق ودخول السوفييت برياً إلي خوست).

وأعتقد الآن بعد إنقضاء هذة الأحداث بسنوات، أن هدف السوفييت الرئيسي كان القضاء على دور حقاني وقاعدته ذات النشاط الحيوي في  كل ولاية باكتيا فائقة الأهمية، وتهديده لمدينة خوست، التي يعتبر أمنها جزءً لايتجزأ من أمن النظام الحاكم. أما الاستيلاء على قاعدة جاور بشكل دائم فهو أمر لا أظنة خطر على بال السوفييت، لأن البقاء فيها والدفاع عنها وعن طرق إمداداتهم إليها بريًا او حتى جويًا سوف يكون أمرًا عسيرًا بل مستحيلاً.

ولكن الشيء الذي ورد على أذهانهم  وحاولوا تحقيقة هو الاستفادة السياسية من ذلك الانتصار التكتيكي المؤقت ورفع معنويات الشيوعيين الأفغان، ثم تحقيق موقف تفاوضي أفضل في مفاوضات جنيف المقررة في مايو 86.

شيءٌ آخر أراه الآن في معركة (جاور) ولم يكن واضحًا لديّ وقتها وهو الاحتمال الكبير لتواطؤ باكستاني، بأوامر أمريكية بالطبع، لترك السوفييت يحصلون على بعض  المكاسب الدعائية والسياسية تقوي مركز جورباتشوف عند اتخاذه لقرارت تراجع كبيرة في أفغانستان وربما في مناطق عالمية أخرى. صحيح أن للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو قد أقرت في ديسمبر الماضي مبدأ الانسحاب من أفغانستان، ولكن كرامة الجنرالات السوفييت تحتاج إلى الكثير من المداهنة. فالجيش هو العمود الفقري للنظام هناك. والمساس بكرامة الجيش في أفغانستان وعدم تمكينه أن يتخلص (بشرف) من ورطته هناك قد تؤدي إلى انقلاب في الكرملين وظهور خط متشدد يدعم جنرالات الجيش الأحمر وهو ما تعرض له جورباتشوف فعلاً في أغسطس 1990.

 

 

ومن الدلائل التي قد تكون دليلًا على التواطؤ ما يلي :

1ـ أن الجيش الباكستاني لم يدافع عن أجواء بلاده وأراضيها رغم أنه أثناء معركة جاور، وقبلها بقليل دفع نحو الحدود بقوات إضافية ووضع بطاريات صواريخ (كروتال) مضادة للطائرات قريبًا من الحدود بشكل ظاهر للمارة. ومع ذلك اخترقت الطائرات السوفييتية الأجواء الباكستانية في المنطقة مئات المرات، بل كان خط هجومها الأكثر استخدامًا ضد جاور يأتي من داخل أراضي باكستان نفسها. وهي الجهة الصديقة التي لا يتوقع المجاهدون هجمات جوية من طرفها. كما أن أسلحتهم المضادة للطيران في مواقعها الثابتة على قمم الجبال لم تكن مهيأة للتعامل مع هذا الاتجاه. بعض هذه الطائرات السوفييتية قصفت في عمق الأراضي الباكستانية ولكن لم تصدر أية بيانات رسمية من باكستان، وتكتموا الأمر.

اضطرت باكستان فيما بعد المعركة لتغطية تواطؤها على كرامة جيشها، بأن تمنح حق الدفاع عن النفس لوحداتها العسكرية. فأسقط الجيش الباكستاني فى ذلك العام عدة طائرات سوفييتية. وبعض المصادر أفادتني وقتها أن الطيارين الباكستانيين الذين تصدوا للطائرات الأفغانية والسوفييتية فعلوا ذلك بدون أوامر وجرت معاقبتهم. وهذا مؤكد على الأقل في حادث واحد أسقط فيه طيار باكستاني يقود طائرة (اف16) طائرة سوخوي أفغانية. ومُنِعَ ذلك الطيار بعد ذلك من التحليق في منطقة الحدود ضمن عقوبات أخرى، منها إبعاده إلى محافظة السند.

2ـ  كان الطيران السوفييتي هو السلاح الرئيسي لدى الغزاة في حملة جاور. وكما ادعى (محمد يوسف) في كتابه فإنه كان يعتبر (جاور) و (جاجي) نقاط دفاع أمامية عن حدود باكستان في مواجهة أي محاولة اختراق سوفييتي. ومع ذلك لم تعزز باكستان الدفاع الجوي عن جاور رغم الغارات الجوية التي لم يسبق لها مثيل في حرب أفغانستان والتي استمرت قرابة ثلاثة أسابيع متواصلة بلا انقطاع. يقول محمد يوسف:( لو كانت الولايات المتحدة وباكستان لم تترددا لسنوات طويلة “بتزويدنا” بسلاح فعال مضاد للطائرات لكان من المؤكد “أننا” سنصد الهجوم بسهولة نسبية إن المجاهدين لو كانوا محصنين جيدًا في جاور ومعهم صواريخ ستينجر، لم يكونوا ليهزموا أبدًا ، ليس عندي أي شك في ذلك).

وأقول لو أن محمد يوسف فتح مخازنه وأخرج عدة عشرات من صواريخ (سام7( ووزعها على المجاهدين فوق قمم الجبال لحصل على نتائج لا بأس بها. بدلاً من العمل المضحك الذي قام به ليحفظ كرامته في أعين المجاهدين. فهو يعتبر نفسه القائد الفعلي والميداني للجهاد في أفغانستان. فاضطر كي يغطي تواطؤ حكومته أن يرسل عدداً من ضباطه فوق جبال جاور كي يطلقوا 13 صاروخاً من صواريخ (بلوبايب) البريطانية المضادة للطائرات، التي لم تصب شيئاً ولكن أُصيب الضابط الباكستاني الذي أطلقها، وكوفيء بوسام قلده له ضياء الحق تقديراً لشجاعته. أما عشرات الأرواح التي أُزهِقَتْ في جاور فلم تنل منه سوى تعزية باردة.

3ـ طبقاً لخطة أشرفت عليها الاستخبارات الباكستانية وزعت المهام على باقي مجموعات المجاهدين للدفاع عن (جاور). فبينما حقاني يدافع عن القاعدة ومحيطها القريب، تقوم مجموعات بحماية الطرق الجبلية المؤدية إلى جاور من الشمال (مجموعة يقودها نائب مطيع الله) ومجموعة أخرى تحمي طرق التقدم من الشمال الشرقي وهي من حزب حكمتيار. كل واحدة من تلك المجموعات تمتلك جهازاً لاسلكياً قوياً تحتفظ به في مركزها الخلفي. وهناك جهاز ثالث من نفس النوع موجود في جاور نفسها.

والذي حدث أن كلا المجموعتين قد انسحبتا فجأة من مواقعها بلا أدنى سبب وتركت الطرق إلى جاور مفتوحة. والأدهى من ذلك أن القوات الحكومية والسوفييتية كانت واقفة مترددة عن التقدم لكونها تتوقع مقاومة ضارية من المجاهدين على محاور التقدم الجبلية المناسبة تماماً للكمائن. فإذا بها (أي القوات الحكومية) تتلقى اتصالاً لاسلكياً مجهولاً يحثها على التقدم ويقول( لماذا تقفون هكذا.. إن جاور خالية والطريق مفتوح أمامكم). يقول حقاني الذي أبلغني بالحادث بعد شهر من المعركة بأن هذا الاتصال اللاسلكي قد تم من أحد الأجهزة الثلاثة، ولم يكن بالقطع جهاز جاور. وإذا قارنّا ذلك الحادث الخائن. بعملية سحب قوات المجاهدين من حول طريق (خوست) (جارديز) في الحملة السوفييتية شتاء العام التالي )1977( وبأوامر من المخابرات الباكستانية) كما أخبرنا بذلك صراحة بعض قادة المجاهدين(!!. إذا قارنّا الحادثين نرى التشابه قائماً.. وأن باكستان باعت حقاني في الحالتين لاعتبارات خاصة بالسياسة الدولية.

في النصف الثاني من مارس علمت من حقاني بوجود جسر جوي كثيف ينقل قوات سوفييتية وحكومية إلى خوست. وأن غارات جوية عنيفة ضد(جاور) ومواقع أخرى للمجاهدين قد أوقعت بعض الخسائر. كان وصول الجنود السوفييت يعني حتمية وقوع معارك في المنطقة.

فكتبت إلى صحيفة الاتحاد بأن معارك شديدة على وشك أن تُستأنف مرة أخرى في منطقة خوست. ولكنهم تجاهلوا الخبر، كما تجاهلوا معظم ما أرسلته من أخبار وتقارير مصورة عن حملة جاور. ومع بداية أبريل أصبحت الأنباء أكثر خطورة. حشد العدو قوات كبيرة من بينها كمية لم يسبق لها مثيل من قوات الكوماندوز السوفييتية.

بات واضحاً أن (جاور) وليس أي شيء آخر هي هدف الحملة. ولمع إسم جبل”رغبلي” و هو إسم غير مشهور. فقد دارت معارك دامية بين المجاهدين وقوات الكوماندوز السوفييتية، حيث تناوب الطرفان احتلال الجبل عدة مرات ولأول مرة يحدث قتال قريب بهذا الشكل مع الكوماندوزالسوفييت.غَنِمَ المجاهدون من جماعة حقاني بعض أسلحة الكوماندوز واستولوا على بطاقاتهم العسكرية،وأثار ذلك موجة من الغبطة والحماس في صفوف المجاهدين.ولكن السوفييت إستطاعوا في النهاية السيطرة على (رغبلي) وإحاطة أنفسهم بسياج كثيف من الألغام.

ويعود ذلك النجاح إلى قوة الإسناد المدفعي المستمر الذي لم يترك لحظة للمجاهدين كي يستقروا فوق بوصة واحدة من قمة رغبلي. كان اختيار رغبلي خطوة موفقة للقوات المهاجمة فهو ينتصب شامخًا على استقامة وادي جاور من جهة الشمال على مسافة خمسة كيلو مترات منها تقريباً، وبحيث يكشف معظم التحركات داخل (جاور). وبسقوط (رغبلي) في أيدي السوفييت وقعت جاور في أسوأ ورطة شاهدتها طوال الحرب.

فقد قُهِرَت (جاور) من (رغبلي). وهناك وضع السوفييت عدة قطع مدفعية للرماية على جاور.  وأقاموا نقاط ترصد وتوجيه لنيران المدفعية والطائرات.تولت المدفعية والطيران تحطيم مقاومة جاور وعزلها عن خط إمدادها القادم من باكستان عبر نقطة(صدقي) الحدودية التي تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن جاور. وتم هذا العزل منذ الحادي عشر من أبريل. هذا العزل لم يكن محكماً ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا قامت قوات أرضية بقطع الطريق.

وكان ذلك هدف عمليات (الإبرار الجوي) الذي قام به السوفييت. ولكنهم استخدموا فيه قوات الكوماندوز الأفغانية لعلمهم مدى خطورة العملية، فتلك القوات سوف تكون في وضع يشبه الحصار حتى تلتحم بها القوة الرئيسية الزاحفة صوب جاور من محورين. من الشمال من منفذ ليجاه الذي يصلح لمرور المركبات وهو طريق هيأه حقاني لقواته. ثم منفذ آخر في الشمال الشرقي على بعد حوالي ثلاث كيلومترات شرق ليجاه ويصلح للمشاة فقط.ويمر من بين الجبال ليلتقي بطريق جاور الخلفي وعلى مسافة كيلومترين فقط من حدود باكستان. وهنا تكمن خطورة وضع قوات الكوماندوز المحمولة جواً لأن هناك أعداد كبيرة من المهاجرين الأفغان المسلحين ـ من أبناء المنطقة على استعداد للقتال ضدهم.

والأرجح أنهم سيتمكنون من إبادتهم ما لم تدركهم قوات المشاة الرئيسية بسرعة وبكثافة. وعلى كل حال لقد وقعت قوات الكوماندوز في الفخ وأُبيدت أو أُسرت. وأثبت ذلك (بُعد نظر) السوفييت في توفير رجالهم للعمليات المضمونة!!. أُنْزِلَتْ قوات الكوماندوز (الأفغانية) خلف قاعدة جاور يوم الخميس (3/4/86)، وكان حقاني متواجداً وقتها في بشاور. وعندما سمع بالنبأ توجه (يوم الجمعة4/4/86) إلى قاعدة (جاور) بدون المكوث طويلاً في ميرانشاة. وكان المجاهدون قد أفشلوا يوم الخميس عملية الكوماندوز، بتدمير عدد من طائرات الهيلوكبتر التي حملتهم ، وقتلوا عدداً من ضباطهم وجنودهم في كمين أعدوه مسبقاً في مكان الإنزال.

ولكن عدداً كبيراً من جنود الكوماندوز مع ضباطهم صعدوا عدداً من التلال واستحكموا فيها وخافوا من الاستسلام للمجاهدين وشرعوا في مقاومة يائسة عنيفة. وقد واصل بعضهم التقدم وسط الجبال حتى نزل في قرية جنوب جاور تدعى (خاروق) تفصلهاعن جاور سلسلة جبلية. وقد تمكنت تلك القوات المبعثرة من تهديد طريق جاور القادم من حدود باكستان.لم يكن المجاهدون في جاور على علم بهذه القوات التي قطعت عليهم الطريق من الخلف؛ لعدم وجود أجهزة اتصال لاسلكية تربط مجموعات المجاهدين. ولكن أثناء عبور أحد سيارات التموين القادمة من ميرانشاه، فوجىء السائق بجنود الكوماندوز واقفون على الطريق ويشيرون إليه بالتوقف.

ظنهم في البداية من المجاهدين ولم يصدق نفسه بأنهم من القوات الشيوعية إلا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة، وبعد أن كان قد أبطأ بسيارته قريباً منهم أسرع فجأة بأقصى سرعة بسيارته، بينما تلاحقه طلقات الجنود. وعندما وصل إلى جاور أنذرهم بالكارثة التي حلت بالطريق. فاتصلوا لاسلكياً مع ميرانشاه فاستنفر المجاهدون قواتهم مع متطوعين من المهاجرين وتوجهوا بالسيارات حتى نقطة الحدود في (صدقي) ثم ترجلوا هناك وتقدموا على حذرٍ، حتى وصلوا منطقة الكوماندوز ثم حدث الاشتباك الذي سقط فيه عدد من المجاهدين،ومنهم قائد أول مجموعة  تقدمت منهم وكان يُدعى (أنور) وهو شقيق مولوي عبدالرحمن (إبن عم حقاني) وتمكن المجاهدون من تطهير الطريق وواصلوا حصار ومطاردة الكوماندوز المتبقين في بقاع عشوائية متفرقة. وأثناء ذلك كانت المجموعة الرئيسية الأولى التي حطمت الطائرات كانت ما تزال مشتبكة ومحاصِرة لباقي القوات المعتصمة بتلال المنطقة. وقد اخترق حقاني الحصار وعبر إلى جاور “يوم الجمعة 4/4/1986” وقد ساعد وصوله كثيراً في تماسك المدافعين؛ لأنه كثيراً ما يؤدي الشعور بالحصار إلى حالة من الذعر والفرار الجماعي غير المنظم. كانت جاور وقتها ما زالت تحت قصف جوي ومدفعي نادر المثال، وتماسك الرجال تحت ذلك القصف وفي مواجهة كوماندوز سوفييتي فوق جبل رغبلي (5 كيلومترات) شمال جاور , ثم عملية إنزال وتطويق بقوات كوماندوز أفغانية “على بعد7 كيلومترات جنوب القاعدة” فى ظروف كهذه يكون التماسك مسألة خارقة ما أظنها كانت ممكنة بغير وجود حقاني بنفسه في وسط رجاله في ذلك الوضع المأسوي العسير. ولكن حقاني أُصيب في نفس يوم وصوله كما سنرى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

مصائب بالجملة :

يوم السبت 6\4\86 م,وبعد فشل عملية الكوماندوز, وقعت أشهر مأساة خلال القتال حين انهارت مغارة مخصصة لاستقبال الضيوف إثر إصابتها مباشرة بقذيفتي طائرة. وكانت المغارة محفورة بشكل غير مناسب في جزء منفصل وضعيف من الجبل.

وقُتِلَ في المغارة حوالي ثلاثة عشر رجلاً من بينهم قائد القاعدة الضابط نقيب الله وعدد من قادة المجموعات البارزين و المجاهدين القدماء.ثم تلاه سقوط مغارة أخرى بعد قليل ونجا منها شخصان من بينهما أبوالحسن المدني(وائل جليدان) مدير الهلال الأحمر السعودي آنذاك ثم مدير فرع رابطة العالم الإسلامي فيما بعد.

وظلت معظم الجثث بين الأنقاض حتى بعد إنتهاء المعركة وإنسحاب السوفييت من جاور. وقُتل في المغارة ابن عم لحقاني (زير بادشاه) وهو من أقدم وأشجع مجاهدي الولاية. وبينما إبنه الأكبر إسماعيل يبحث عنه بين الأنقاض إستشهد هو الآخر بقذيفة مدفع. كل ذلك حدث فى يوم وصول حقانى إلى جاور، كانت قذائف المدافع المنهمرة فوق جاور لا تتوقف إلا في فترات الإغارة الجوية.

كان حقاني واقفاً إلى جوار المغارة المهدمة وهو يلاحظ عمليات الحفر بحثاً عن جثث القتلى، وإذا بالطيران يفاجيء الجميع بغارة أخرى ويقصف نفس المكان بقنابل النابالم. إنفجرت إحداها على مسافة قريبة. ونتيجة لموجة الإنفجار فقد حقاني الوعي وسقط وسط ساحة من النيران.

لكن حارسه الشخصي (علي جان) وهو شاب في العشيرنات.. تقدم وسط النيران وجذب حقاني بعيدًا. وكانت النيران قد أمسكت بكلاهما. وتمالك الشاب نفسه بصعوبة حتى لا يسقط هو الآخر مغشيًا عليه كما أخبرني بذلك. تم إطفاء النيران الممسكة بحقاني الذى نقلوه إلى مستشفى ميرانشاه مغشيًا عليه.

وبسرعة انتشرت إشاعة بأنه قُتِلَ. ولكن الإشاعة لم تستمر طويلًا.. فقد أفاق حقاني وتم تضميد جروحه. ولكنه لازم الفراش حتى نهاية المعركة. مولوي (نظام الدين حقاني) نائب جلال الدين تولى إدارة المعركة تحت إرشادات حقاني.

وتحول بيت حقاني في ميرانشاه إلى خلية نحل تستقبل قادة ميدانيين، ورجال قبائل ومهاجرين وقادة أحزاب من بشاور.. ومحمد يوسف ورجاله من الاستخبارات الباكستانية. وكان العقيد يوسف كما يظهر في كتاباته يَعتقد أنه المحرك الأول للأحداث في أفغانستان والباقي ليسوا سوى عرائس خشبية. على كل حال.. وصل العقيد يوسف إلى ميرانشاه في نفس يوم سقوط جاور في أيدي الشيوعيين كما ذكر هو في كتابه..  ( أما فريق الألعاب الباكستانية”البلوبايب” فقد قام بعمله وأُصيب في  يوم الجمعة18/4/86).

قبل سقوط جاور بعدة أيام كنت قد وصلت إلى ميرانشاه عازمًا دخول (جاور) وتغطية المعركة صحفيًا.. والمشاركة ميدانيًا بما يمكن عمله.كان يصحبني عبدالرحمن المصرى الذي كان قد تزوج منذ أشهر قليلة من فتاة أفغانية نشأت في كابول لعائلة أصلها من (جارديز).

أبوحفص المصري وصل أيضاً وبهذا اكتملت (الفرقة الرابعة مطارات) . وبالطبع قفز إلى خواطرنا فكرة ضرب المطار وعرقلة الجسر الجوي الكثيف الذي أقامه العدو في المطار ويستخدمه بلا مضايقات. في البداية زرنا حقاني في بيته وكان قد مضى على إصابته يومين أو ثلاثة وكان منهكًا ويتألم بشدة من حروق أصابت رقبته وصدره وبطنه، كان لا يستقبل سوى أهم الضيوف نظرًا لحالته، لذا لم نثقل عليه، وأخبرناه أننا في الطريق إلى جاور. فأوصانا بالمرور عليه عند العودة كي ننقل له صورة الحال ونناقش معه الوضع.

عند نقطة العبور في (صدقي) لم تقابلنا المشاكل المعتادة من ميليشيات صدقي القبلية المشهورة بسوء الخلق. حتى أن أحدهم لم ينهض ليرى محتويات السيارة، كان الخوف واليأس مسيطرًا عليهم.. فقد تحولوا فجأة إلى نقطة مواجهة مع الجيش السوفييتي!! بعد أن كانوا مجرد نقطة ابتزاز للمساكين من المهاجرين ونقطة إتاوات على المهربين.

مجرى السيل إلى جاور طوله عشرة كيلو مترات تقريبا يتسع في نقطة واحدة حتى يصل الى مئتين متر ويضق في عدة أماكن حتى لايتعدى مترين حيث تشرف عليه كتل صخرية صلدة، إلى الشرق من مجرى السيل توجد عدة مدقات للمشاة يمكن عبورها والوصول الى وادي خوست عبر الجبال أما جاور نفسها فتأتي في نهاية مغلقة لمجرى السيل، ويمكن متابعة السير منها عبر قمم صعبة إلى وادي خوست الذي يبعد عشرة كيلو مترات أخرى ولكنها أكثر مشقة، في هذة الحالة سوف يمر المسافر على جبل رغبلي قبل أن يهبط الى الوادي ويقع رغبلي إلى الشرق لمسافة مئتى متر عن مدق المشاة.

إلى شرق جاور هضبة ترابية ارتفاعها عشرة أمتار تقريبًا وسطحها الأعلى شبه منبسط  طول هذه الهضبة حوالي كيلومتر واحد وعرضها من عشرين إلى خمسين مترًا.في تلك الهضبة حفر حقاني مغاراته.

ويمكن أن نقول أن هذه كانت المسافة الفعالة في القاعدة.. ومنها انبعثت كل نشاطاتها وبالتالي انصبت على رأسها كل تلك المصائب. على الجانب الغربي من الوادي الجاف يوجد جبل صخري مكسو بالشجيرات ويتدرج الجبل في الارتفاع بشكل سريع حتى يبلغ أقصى مداه في قمة ارتفاعها (1850متر فوق سطح البحر) وحولها قمم أقل ارتفاعًا فوق هذا الجبل ركز حقاني عددًا من أسلحتة المضادة للطائرات وإلى جوار كل مدفع حفرة صغيرة مسقوفة تستخدم للمبيت. مع بعض السواتر البسيطة حول المدفع.

إلى الشرق من جاور توجد عدة قمم أقل ارتفاعًا تركزت عليها عدة قطع مدفعية أخرى، منها مدفع مضاد، سويسري الصنع من طراز أرلكان ( 20مليمتر) وهو أحدث وأقوى ما لدى المجاهدين آنذاك ..اشترى المحسنون العرب عشرة مدافع من هذا الطراز(حسب قول أسامة بن لادن).

كان نصيب جاور مدفع واحد وفي جاجي عند سياف ثلاثة أخرى وإثنان لحكمتيار في مواقعه قرب جاجي واستأثرت باكستان بالباقي وهي خمسة مدافع أي نصف الكمية!!.. كانت المدافع المضادة للطائرات تشكل قوسين حول جاور من الشرق والغرب.. في الطرف المسدود للقاعدة توجد أهم أجزائها. حيث مغارة للضيوف، وهي التي أصيبت.

وتقع في الواجهة طرف الشرق. ثم حفرتان للإذاعة، وأخرى للدبابة، واثنتان أو ثلاثة للمهمات. أما إلى الغرب فهناك المطبخ والمخبز، والمسجد القديم الذي استبدل بمسجد آخرعبارة عن حفرة طويلة مفروشة بأفضل ما يمكن الحصول عليه، وعلى واجهتها مئذنة مكونة من تروس متدرجة الأقطار بارتفاع متر تقريباً، مأخوذة من مخلفات المعدات السوفيتية المحطمة .

– وصلنا إلى جاور وشبح المأساة يخيم عليها.. فالقصف الجوي والمدفعي لا يمكن وصفه أو وقفه.. لا يوجد شبر على سفوح الجبال أو الوادي لا يحتوي أثر انفجار القنابل والشظايا الحديدية القاتلة.

لقد استقر العدوّ تمامًا على قمة رغبلي ومدافعه في وادي خوست خلف رغبلي لا يمكن أن تطالها أسلحة المجاهدين، وأسراب الطائرات التي لا تنقطع تبدو كأنها محصنة ضد طلقات مدافع المجاهدين، التي تم تدمير بعضها تمامًا، ويحاول المجاهدون استبدالها بأخرى، ولكن لا جدوى… ولأول مرة أشاهد طائرات (السوخوي 25) وهي تقدم عروضًا جوية في غاية المهارة وكأنها تقدم استعراضًا في(الأكروبات). لقد كان رماة المدافع المضادة للطائرات في وضع لا يحسدون عليه، وكلما أصيب مدفع زاد العبء على الآخرين. والمدفع الواحد تهاجمه ثلاث طائرات مرة واحدة وأحيانا خمسة طائرات. فإذا اشتبك مع إحداها فإنه في ظرف ثوان يكون قد يكون قد تلقى سيلًا من الصواريخ من عدة جهات مختلفة. لقد قتل كثيرون من رماة تلك المدافع الذين قاتلوا ببسالة ليس لها نظيرفي معركة منعدمة التكافؤ.

لم يكن أحدهم يستطيع النوم على الإطلاق، ما لم يهبط من موقعه إلى أسفل الوادي كي ينال قسطاً قصيراً من النوم داخل إحدى المغارات في شبه إغماء، لأنه لولا ذلك الإرهاق الزائد ما کان ليمكنه النوم.

وهذا ما حدث معنا. لم نكن نعبأ بقذائف المدفعية، فهي لن تنفذ إلينا من سقف المغارة على أى حال.. لذلك كنا ننام في فترة القصف المدفعي الذي لا يلبث أن ينقطع لثوان لتأتي نوبة الطيران.. عندها نستيقظ ونمسك قلوبنا بأيدينا حتى لا تنخلع.. فالسقف فوقنا ليس قوياً لدرجة تمكنه من المقاومة، والمغارات ذات أبواب متسعة وتمتد في الجبل مستقيمة ومتعامدة تماماً على الوادي، معنى ذلك أن لها قابلية كبيرة لاستقبال الشظايا القاتلة .

أما إذا سقطت قذيفة على المدخل فإن ضغط الهواء مع الشظايا كفيل بتحويل الجميع إلى كتل من اللحم المفروم والمشوي. القنابل العنقودية التي ترميها الطائرات كنَّا نراها لأول مرة وأُلقيت على أطراف جاور، وفوق جاور نفسها هطلت القذائف الثقيلة حتى ألف رطل وأخرى متشظية، وقنابل تهبط بالمظلات وتلقيها الطائرات من ارتفاع منخفض ضماناً لدقة الإصابة، حتى أن جبال جاور أصبحت مكسوة بحلة بيضاء من تلك المظلات الحريرية الأنيقة.

وصواريخ جو أرض استخدمت بكثرة ضد مواضع المدفعية المضادة للطائرات. عند وصولنا كانت أعمال البحث عن الجثث تحت حطام المغارة ما زالت مستمرة. والكثير من أقارب الضحايا حضروا للبحث عن جثث ذويهم لنقلها كي تُدفَن في ميرانشاه.هؤلاء أيضاً سقط العديد منهم ضحايا في جاور نفسها أو في الطريق إليها بواسطة قصف الطائرات والمدافع.

في أحد مغارات جاور وكانت تستخدم كسجن مؤقت للأسرى وجدنا مجموعة من ضباط الاستخبارات الباكستانية، كانت أشكالهم وهيئتهم مميزة تمامًا عن المجاهدين، وكانوا محاطين بهالة من المجاهدين للترحيب والحماية. كنّا نحاول دومًا ألا نتواجد معهم في مكان واحد..

وكانوا يتعرفون على جنسياتنا كعرب من هذه المعاملة الجافة، إلى جانب ملاحظات أخرى خاصة بالملابس، أما ملامح معظمنا فكانت قريبة من الأفغان. وعندما رأيت صورة محمد يوسف على مقدمة كتابه (فخ الدب) فإنني أظن أنه كان واحد من هؤلاء. ولكنه ذكر في كتابه عن معركة جاور أنه لم يكن هناك وقتها إنما وصل إلى ميرانشاه في يوم سقوط جاور، وأظنه كاذباً في ذلك. وبعد زيارتهم تلك بيوم أو يومين بدأت مغامرتهم الفاشلة مع (بلوبايب).

بلغت شدة القصف على القاعدة إلى درجة أنها جعلت التحرك فيها حتى على الأقدام، عملاً محفوفاً بالمخاطر. أما السيارات القادمة من ميرانشاه فبعضها قد دمرته الطائرات، أربعة سيارات اصطادتها الطائرات في الطريق. لم تكن السيارات قادرة إذا عبرت الطريق أن تدخل جاور  إلا لدقيقتين أو ثلاث عند الضرورة القصوى مثل نقل جريح مثلاً. وعادة كانت تدخل أحد الثنيات الجبلية الضيقة ويترجل ركابها ويسيرون على الأقدام حتى جاور. من نتائج ذلك أن الطعام أصبح قليلاً في القاعدة. وأن عملية طهية كانت صعبة جداً.

فكان يؤكل على حالته التي جيء بها من ميرانشاه سواء كان مطبوخًا أو غير ذلك. الأسوأ من ذلك أن قمم الجبال عُزِلَتْ تقريبًا عن القاعدة في الوادي وأطقم المدفعية في الأعلى أصبح لا يصلهم الطعام إلا نادراً ولا يستطيعون الصعود أو الهبوط إلا بصعوبة. وهي رحلة أصبحت خطرة للغاية قد تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة تشهد خلالها من غارتين إلى خمس غارات للطيران.. سوى قصف المدافع المستمر. قام أبوحفص وأبوعبيدة البنشيرى بتلك الرحلة وعادا كي نجلس في أحد المغارات، نتباحث فيما ينبغي عمله، وكان معنا عبدالرحمن أيضاً. قال أبوحفص وأبوعبيدة أن وضع طاقم المدفع على القمة هو وضع أكثر من مأسوي. فقد استشهد طاقم أو إثنان على نفس المدفع. ومساعد الرامي الحالي استشهد والرامي نفسه جريح وجائع ومنهك.. ناهيك عن كونه الهدف الأول للطائرات التي تهاجمه جماعات من إثنين إلى خمسة طائرات في الدفعة الواحدة. وقد حضر أبوحفص وأبوعبيدة عدة غارات من ذلك النوع أثناء زيارتهما القصيرة وقالا إن المجاهدين يرفضون الصعود إلى الأعلى من شدة الخوف.

وصاحب المدفع لا يستطيع النزول لأنه ليس هناك من يحل محله. وقد صعد إليه إمام مسجد جاور وعدد من طلاب العلوم الدينية كي يشدوا أزره ويقوموا بالدعاء له وطمأنته.. ولكن للأسف ليس منهم من يستطيع استخدام ذلك المدفع. رغم ثباتهم العظيم وشجاعتهم. ولكن لا يستطيعون أكثر من تقديم مساعدات بسيطة مثل إعداد مخازن الذخيرة للمدفع، ومحاولة جلب الطعام والماء للرامي. لقد قام أبوحفص وأبوعبيدة باستخدام المدفع نيابة عن الرامي أثناء مدة زيارتهما القصيرة، ( وصلا إلی جاور فی 11/4/86م )، واشتبكا مع الطيران عدة مرات.

وكان رأيهما أن المدفع أصبح عديم الفائدة أمام هذه الأسراب المهاجمة من الطائرات. وأن القذائف تسقط على بعد أقدام قليلة من المدفع وأن عملية تدميره ليست سوى مسألة وقت وأن بقاءه إلى الآن معجزة حقيقية.

خسر المجاهدون 15 مدفعا مضادا للطائرات في كل المعركة. في ذلك الوقت كان ذلك المدفع يعمل منفرداً فقد أُصيبت جميع المدافع الأخرى. وهناك محاولة لاستبدال أحدهم أو إصلاحه. كما كان هناك مدفع يعمل أحياناً ويحتاج إلى الإصلاح. ولكن أين هي الطواقم؟.. لقد استشهد رجال الطواقم الأصلية، وتم استبدالهم عدة مرات والجميع يُصاب أو يُقتل والمدافع تدمر أو تعطب.. وهكذا.. وفي الأخير يرفض المجاهدون تكرار المحاولة أكثر من ذلك. فما الحل؟.. اقترح الإثنان أن يصعدا معاً لتشغيل ذلك المدفع الذي يعمل حالياً.. واقترحا أن أقوم مع عبدالرحمن وبمساعدة حقاني بتشغيل مدفع آخر أو أكثر.. وأنه مع أصدقائنا من العرب المتعاونين مع مجموعتنا يمكننا تشغيل مدفعين أو ثلاثة.

 

 

اعترضت على اقتراحهما جملة و تفصيلًا.. وشرحت الأسباب، وهي كالتالي :

(1) إن جاور قد فقدت قيمتها ودورها في الظرف الراهن. وليس هناك أي معنى أو مبرر لإبقاء المجاهدين داخل المغارات أو خلف المدافع المضادة للطائرات. فبهذه الطريقة يتلقون فقط القنابل فوق رؤوسهم بدون القدرة على فعل شيء. إضافة أن خسائرنا في الأرواح مستمرة يومياً بلا هدف ولا إنجاز. بينما نخسر أفضل وأشجع العناصر.

(2) لا معنى إطلاقاً للدفاع حتى آخر رجل عن مجموعة قمم وهضاب ليس لها قيمة. والأجدى أن نقاتل بطريقة توقع أعلى خسائر في الخصم، وأن نتحول من الثبات إلى الحركة. ففي حالة الثبات سوف يبيدنا العدو تماماً بدون حتى أن نقتل منه أحد, كما يحدث في الوضع الراهن, بينما إذا تحركنا في مجموعات صغيرة، فإن مدفعيات العدو وطيرانه ونقاط ترصده فوق جبل رغبلي سوف تفقد الكثير جداً من فاعليتها.

(3) ما دام العدو مصراً على الوصول إلى جاور فأمامنا فرصاً ذهبية عديدة. فهدف العدو معلوم وهذه ميزة كبيرة، وطرق التقدم التي سوف يسلكها إلى جاور معلومة لنا تماماً، فليس علينا سوى مقاومته بالكمائن الصغيرة المتحركة وإيقاع أكبر الخسائر بين صفوف المشاة. أما عن المدرعات والدبابات، التي لا يستطيع مشاة العدو العمل بدونها  فلها طريق واحد لا غير هو طريق ليجاة الذي أعده المجاهدون وهو طريق  من السهل جداً إغلاقه بالألغام والكمائن.وفوق ذلك كله يمكننا أن نمنع قوة العدو، إن وصلت إلى جاور، من الانسحاب مرة أخرى، أي نغلق خلفها الباب ونحاصرها.. وإذا تمكن بعض المشاة من الإفلات عبر الجبال وبدون استخدام المدقات الطبيعية للمشاة والتي ستكون تحت ملاحظة كمائن المجاهدين، فإن الآليات لن تستطيع ذلك حتما ويمكن أسرها أو تدميرها.

(4) لقد استدْرَجَنا العدو إلى حرب مواجهة تناسبه تماماً.. ونحن نجلب التعزيزات وندفعها إلى (حفرة) جاور لتموت بلا ثمن . بينما  خوست كلها وما حولها من خطوط دفاع آمنة تماما تتابع بانبهار ذلك العرض الشيق من النيران في سماء جاور. ولو أن المجاهدين وجهوا ضربة قوية إلى خوست وما حولها والعدو منصرف بكليته نحو (جاور) لاستطاعوا اختراق دفاعاته وتهديد تواجده في خوست نفسها. وتلك أفضل طريقة لتخفيف الضغط عن جاور على أقل تقدير، هذا إذا لم تفشل الحملة  كلها، إذا أجبرناها على تغيير هدفها الأصلي من  الهجوم للاستيلاء على جاور كي يصبح هدفها دفاعياً عن خوست ومواقعها الهامة.

(5) حتى مطار المدينة لم يحاول أحد جدياً عرقلة الجسر الجوي المرتكز عليه. وهجمات المجاهدين على المطار بالصواريخ ضعيفة ولا تؤدي الهدف منها. وحتى لو كانت هناك طائرات على المدرج فإن تكتيكات المجاهدين لا تمكنهم سوى من عملية واحدة خلال فترة طويلة تمتد لأيام أو أسابيع وقد يفقدون بعض الرجال، وليس هناك أية غنائم ترتجى من هذا العمل. لذا فنادرًا أن يقبل القيام به أحد. وشرحت لهم أن هذا بالضبط هو دورنا الآن في الظرف الراهن، فطريقتنا في العمل، والمعدات التي وفرناها الآن تتيح لنا عدة هجمات على المطار في اليوم الواحد. ويمكن أن نستمر كذلك لشهر أو أكثر إذا توفرت الذخائر وتوافرت حماية للمنطقة مكونة من مجموعة واحدة قوية من المجاهدين.

وكما يحدث غالباً، لم نتفق، وأصر الشباب على الصعود إلى الجبل والصمود خلف المدفع مهما كانت النتائج  وحتى نرتب نحن موضوع المطار. رددت عليهم بأن (جاور) ليست المكان المناسب لنا، وعلينا أن نساعد بالطريقة والمكان الذي يؤدي خدمات أكثر للمجاهدين ونكون فيه أكثر فائدة. ولكن فشلت في إقناعهم وتكرر معنا نفس الموقف عدة مرات خلال السنوات القادمة.

وفي كل مرة كانت المشكلة حول كيف ومتى وأين نقاتل إلى جانب إخواننا المجاهدين الأفغان؟ ورغم أننا تحولنا مع الزمن إلى أصدقاء قريبين – ومع ذلك- لم نتفق!!.

ـ صعد إخواننا إلى الجبل ورجعت إلى ميرانشاه لمناقشة حقاني وكان معي عبدالرحمن الذي أيدني تماماً فيما قلت، كنّا نفكر سوياً بنفس الطريقة في معظم الأحوال. في منزل حقاني وجدنا صعوبة في مقابلته نتيجة الزحام من شخصيات كلها هامة، وشعرنا بالحرج لإلحاحنا على مقابلته رغم معاناته من الحروق والإرهاق الزائد من المناقشات مع الضيوف. شرحت له ما وجدناه مع وجهة نظري في الموقف. وطالبته بإخلاء جاور تماماً من الرجال والمعدات، وأيضاً من الدبابة والمصفحة حتى لا يستولي عليها العدو إذا دخل إلى جاور.

خاصة وأنها لم تعد تستخدم الآن، وكان نائبه نظام الدين قد استخدم الدبابة ضد جبل رغبلي وكان ذلك مفيداً في البداية.. وبعد ذلك أصبح ذلك مستحيلاً تحت مظلة الطيران الرهيبة التي تغطي جاور بشكل دائم تقريباً. رد حقاني قائلاً أنه بخصوص الكمائن المتقدمة للدفاع عن جاور فهي موجودة فعلاً ومكونة من رجال حزب إسلامي حكمتيار وحزب إسلامي (يونس خالص) من أتباع مطيع الله. وأن مهمة حقاني حسب الخطة العامة هو الدفاع عن جاور نفسها.  أما عن سحب رجاله من داخل جاور فهو يخشى أن يشيع ذلك مناخ الهزيمة فإذا شعر باقي المجاهدين بذلك فسوف ينسحبون  أيضاً عائدين إلى بيوتهم في ميرانشاه القريبة. ولأجل ذلك عارض مولوي يونس خالص فكرة تفريغ جاور من المعدات أو سحب الدبابة والمصفحة منها، فسألته عن موضع المطار في الخطة، فرد أنه لا يدري إذا كان هناك من يعمل ضد المطار من بين المجاهدين هناك، وهم مجموعات تابعة (لجيلاني) و (محمدي).

ـ شغلت باقي اليوم في الاتصال بمكتب صحيفة الاتحاد في إسلام آباد كي أمليهم تلفونياً أخبار المعركة. وكانوا يرسلونها في نفس اليوم إلى أبوظبي. أما عبدالرحمن فأخذ يجهز لعملية سريعة ضد المطار اتفقنا على أن نقوم بها سوياً مع بعض أصدقائنا العرب مثل أبوعبيدة العراقي الذي وصل ميرانشاه، وأبوصهيب وهو شاب مصري أبدى رغبته، وهو صديق لعدد من أفراد مجموعتنا ولكنه وثيق الصلة بسياف ومن المبايعين له. وكنّا لا نرى بأساً في أن يعمل معنا وهو على هذه الدرجة من القرب من سياف. ولم يكن ذلك عملاً صائباً تماماً. في الصباح التالي لم تتم تجهيزاتنا للعمل ضد المطار، في الغد يمكننا أن نتحرك، ولكن مع من؟… لا أحد هنا من قادة المنطقة المعنية كنّا نبحث عن (سميرجول) أو (عبدالمنان).. ولكن لا أحد منهما أو من مجموعتهما في ميرانشاه، من العسير جداً أن نعثر على أحد. مرافقنا الخاص الشيخ محمد طالب استشهد في معارك حملة العام الماضي وترك فراغاً كبيراً في العمل.. فهو عضو ارتباط ممتاز مع مجموعات خوست.. وكنا نشعر بالحزن لفقده خاصة أنه رزق بمولود بعد استشهاده بعدة أيام, وكان ذلك هو مولوده الأول.

 

أبو عبيدة يهدد بالاستسلام للروس !!

فجأة داهمنا خبر سيء آخر لقد أصيب أبوحفص وأبوعبيدة في موقع (الزيكوياك) المضاد للطائرات. ومعهما عدد من الضباط الباكستانيين (فريق البلوبايب) وعدد من الأفغان كانوا في الموقع. كما أن الموقع نفسه قد دُمَر تماماً. وأصبحت جاور الأن بلا دفاع جوي. فی البداية أصيب ابوعبيده (يوم الخميس 17/4) ولكن لحسن الحظ أن إصابته كانت خفيفة، ولم يفقد روحه المعنوية المرتفعة, وربما يعود السبب في ذلك إلى خفة ظل أبوعبيدة. فقد وصل إلى المستشفى وهو يضج بالضحك لما حدث ويحدث. لقد حمل المجاهدون كل هؤلاء الذين أصيبوا عند المدفع وأنزلوهم إلى الوادي حيث كدسوا الجميع في سيارة (بيك آب).

وكان صديقنا قد نزل بمساعدة من أبوحفص . وكانت معاناته داخل السيارة أشد من معاناته من الجروح ـ بل ومن القصف الجوي ـ فكل شخص داخل السيارة يحمل فوق رأسه وأرجله وبدنه أجزاء من الآخرين ودماء مختلطة من الجميع أما مطبات الطريق فحدث ولا حرج ، ناهيك عن خطر قذائف مدفعية العدو أو صواريخ الطائرات التي تترصد أي تحرك لسيارات المجاهدين .. بعد كل ذلك هل من مزيد؟..  نعم هناك المزيد.. يقول أبوعبيدة.. أنه فوق كل تلك المصائب فإن أحد الضباط الباكستانيين أطلق من بطنه ريحاً كريهةً زكمت الأنوف وخنقت الأنفاس.. فصاح أبوعبيدة بأعلى صوته ( لأ مش كده.. أنا أنزل أسلم نفسي للروس أحسن ) … وانفجر أبوعبيدة ضاحكاً خاصة وأن الضابط الباكستاني لم يرضخ للتهديدات  وواصل إطلاق الغازات الخانقة!!. وربما من أجل ذلك قلده ضياء الحق وسام الشجاعة رغم أنه لم يسقط أي طائرة سوفيتية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد

 




العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 13

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 163 ) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2019 م .                   

20/09/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(13)

(( حلقة خاصة من حياة حقانى ))

عودة إلى أجواء فتح كابول عام  1992 ،

لمقارنتها مع أجواء الفتح عام 2019 .

تعيش كابل الآن ، في عام 2019م، مناخًا مشابهًا لأجواء الفتح في عام 1992م، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بالفروقات بين مرحلتين: مرحلة الفتح في ظل الأحزاب الفاسدة، وبين الفتح في ظل القوة الإسلامية الموحدة تحت راية الإمارة الإسلامية. لندرك مزايا الوحدة الجهادية التى وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان”. حيث تكاملت القيادة السياسية الكفؤة مع القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة. فلا مجال للفتن، ولا سيادة لاحتلال، ولا شريعة لغير الإسلام.. وذلك هو الفتح الحقيقي.

– حقاني بعد الفتح يتوسط لإطفاء الفتن المتنقلة في كابول، فيتعرض لمحاولة اغتيال يُتَهَم فيها مجددي مع حزب وحدت.

– مولوي نظام الدين: سوف نحظر الأحزاب، ولن نقيم علاقات مع دول الغرب ، وسنرتبط بنظام شورى ومناصحة مع الدول الإسلامية.

– في عام 1992م أفغانستان تنتقل من الجهاد إلى الفتنة العرقية والطائفية، على يد زعماء سياسيين خائنين.

– وزير الداخلية الشيوعي (الجنرال رفيع) يرتب مؤامرة مع حكمتيار لتسليمه العاصمة. والجنرالات ينقسمون طبقا للانتماء العرقي.

– نصحتُ مولوي حقانى بمنع حكومة مجددي من دخول كابل، وإلقاء القبض على قادة الأحزاب جميعا ــ وإلا فسوف تدفعون/ وتدفع أفغانستان/ ثمنا غاليا في المستقبل ــ

– تدمير الكوادر والخبرات البشرية كانت أكبر خسائر الأفغان والعرب.

..  وصية حقاني لتكوين جيش إسلامى في أفغانستان:

( وأضاف حقاني .. أن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعامًا أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش).

– العرب أكبر الخاسرين، وأسئلة عربية حارقة على طريق العودة: لماذا نفشل؟؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟ لماذا يخدعنا العدو بنفس الطريقة دوما ؟؟ ولماذا لا يفيدنا فشل تجربة لصناعة النجاح في تجربة تالية؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

مقدمة:

كان من المفترض في هذه الحلقة أن تكون عن الحملة الثانية على قاعدة جاور عام 1986 ـ وكانت حملة عنيفة ودامية، أوشك مولوى جلال الدين حقاني أن يكون أحد شهدائها ـ ويكفي أن عدد شهداء المجاهدين في جاورخلال تلك المعركة الدفاعية عن مساحة قليلة من الأرض يساوى تقريبا عدد شهدائهم عند فتح مدينة خوست عام 1991م في أكبر عملية هجومية للمجاهدين، يقودهم حقاني، فوق مساحات واسعة من الجبال والوديان والأراضي الزراعية.

ومن النتائج غير المباشرة لحملة (جاور1986م) كانت الدروس التي تعلمها المجاهدون العرب، فكانت سببًا مباشرًا لفوزهم في معركة جاجي في العام التالي 1987م بقيادة أسامة بن لادن. ذلك النجاح أدى إلى تشكيل تنظيم القاعدة الذي أثر كثيرا على مستقبل أفغانستان ومستقبل المجاهدين العرب في أفغانستان، أو العرب الأفغان كما أسماهم الإعلام المعادي لهم.

– أرجو أن نتمكن من العودة مرة أخرى إلى جاور وحملتها الملحمية عام1986م . ونقفز في حلقتنا هذه فوق كل تلك السنوات لنتكلم عن بدايات فتح كابول عام 1992م وتحول الأحزاب الجهادية إلى حكومة “إسلامية”، في خضم صراعات شخصية وحزبية وتدخلات خارجية. وهي مرحلة كشفت حقيقة تلك الأحزاب، وكشفت الأقنعة عن الوجوه الحقيقية لزعامات الأحزاب الجهادية، فإذا هم مجرد أدوات للقوى الخارجية وخطر على مصالح الشعب الأفغاني الذي ضحى بالدم والمال لأجل انتصار لم يطاله من ثماره شيء.

تعيش كابل الآن (2019) مناخا مشابها، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بمرحلة فتح العاصمة عام 1992م، لندرك مزايا الوحدة الجهادية التي وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان” . فتوفرت بالإمارة الإسلامية، وحدة القيادة السياسية الكفؤة مع وحدة القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة.

–  وزعماء أحزاب الجهاد ضد السوفييت، ظهر أن جهادهم كان لاستبدال الاحتلال السوفييتي بالاحتلال الأمريكي. إذ ظلوا زعماء في خدمة الاحتلال الأمريكي من خلال مناصب عالية في النظام الحاكم. واستمر الشعب الأفغاني في دفع الثمن الباهظ من دمائه وأمواله للنجاة من الاستعمار الجديد، دفاعًا عن دينه واستقلاله ومستقبل أبنائه.

–  في سباقهم نحو السلطة سقط منهم ماكانوا يتظاهرون به من مبادئ إسلامية وجهادية، ومدوا أيديهم لدول خارجية حتى تساعدهم في الوصول إلى الحكم.

وبعضهم أشعل حربًا أهلية في كابول وعلى مداخلها، طاعة لسادته الخارجيين. وحكومة المجاهدين الأولى تأسست بطلب حكومات أجنبية وبجوائز مالية دفعتها دول أخرى.

والحرب الأهلية بين المجاهدين، خطط لها ودفع ثمنها من مال وسلاح دول وصل ضباط مخابراتها إلى أطراف كابول، لإحراق العاصمة وتدمير العلاقات الأخوية بين فئات الشعب الواحد.

–  الملفت جدا للنظر أن القادة الميدانيين والمجاهدين واصلوا الفتوحات حتى أعتاب كابول، منتظرين وصول حكومتهم الجديده من بيشاور!! ، حيث تشكلها ـ نيابة عنهم ـ دول خارجية. لقد تعود المجاهدون وقتها على اعتزال العمل السياسي الخارجي، وكانوا يرون الجهاد هو قتال العدوّ في جبهات القتال فقط، وليس الجهاد في الساحات السياسية من أجل تحديد مستقبل بلادهم بأنفسهم واختيار حكومتهم الجديدة من المجاهدين الحقيقيين وليس عملاء الدول الخارجية.

والنتيجة أن ، حكومات ما بعد الفتح، كانت حكومات من العملاء، وخضعت لمطالب أمريكية بعدم استفراد المجاهدين بالحكم، وتشكيل حكم مشترك بين الشيوعيين وأحزاب المجاهدين، وإدارة حرب أهلية داخلية على أسس عرقية.

ولم تنته الفوضى والفتن إلا بوصول حركة طالبان إلى الحكم وإعلانها نظام “الإمارة الإسلامية”. فقررت أمريكا احتلال أفغانستان لتمرير مشاريعها الإستعمارية لنهب أفغانستان وتحويلها إلى تابع ذليل وليس دولة ذات سيادة، وشعب عزيز صاحب ثروات هائلة وأمجاد عظيمة يحفظها التاريخ.

–  القادة الميدانيون والمجاهدون أبطال الفتح تعاملوا مع حكومة العملاء القادمة من بيشاور على أنها قدر لا دافع له. والنتيجة حروب داخلية متصلة، وصولا إلى إحتلال أمريكي مباشر، كان قادة الأحزاب في طليعته ومن أركانه الأساسية.

والآن مع يوميات كنت قد كتبتها بعد فتح جرديز، ووصول المجاهدين إلى أعتاب العاصمة في انتظار تشكيل الوضع السياسي القادم، الذي كانت صناعته تتم بعيدًا عنهم، في باكستان على أيدي اللاعبين الكبار، أمريكا وحلفائها، خاصة السعودية وباكستان.

السباق نحو كابول: أكاذيب/ قتال/ تآمر :

أبريل 1992 :

أخبرني الجنرال صافي أنه تم اختيار مجددي رئيسًا للدولة وحكمتيار نائبا له. وفي المساء تتابعت أخبار الإذاعات عن تشكيل حكومة من أحزاب بشاور.

السبت 25 إبريل 1992 :

أشعر بحزن شديد من التشكيل الحكومي الجديد فى بيشاور، والتي أسميتها حكومة بطرس غالي الموجود وقتها في إسلام آباد { وهو مصري كان يشغل منصب سكرتير عام الأمم المتحدة وقتها} . أخبار بأن رئيس وزراء باكستان نواز شريف بذل مجهودًا كبيرًا في تشكيل تلك الحكومة. المفارقة هي أن المجاهدين قد وصلوا إلى أطراف كابول بينما تركوا أمر حكومتهم كي تشكلها لهم عناصر غربية في بيشاور !!.

هناك اشتباكات بين مسعود وحكمتيار. الأول يستخدم الطائرات في القصف وحكمتيار يتبع أسلوبًا غريبًا كانت نتائجه عليه سيئة جدا. كان يذيع على أجهزة اللاسلكي بيانات للإعلام بأنواعه عن معلومات مختلقة تمامًا، عن تقدم على الأرض، وإنجازات ومعارك لا أصل لها في الواقع. كان ذلك ديدنه طوال حياته الجهادية، ولكن ليس إلى هذه الدرجة التي نشاهدها الآن خاصة أنه يتكلم عن العاصمة وما حولها وليس عن مناطق نائية لا يصلها أحد. لذا  فسرعان ما تبين زيف إدعاءاته، وبسرعة انهارت هيبته ومصداقيته داخليا وخارجيا.

اليوم أخبار اللاسلكي من طرف حكمتيار تتكلم عن تقدم للحزب في أهم منشآت كابول مثل وزارة الدفاع ودار الأمان. وتكلم أيضا عن اشتباكات عنيفة مع قوات مسعود التي تساندها الطائرات. حكمتيار هدد بقصف المطارات حتى يمنع الغارات ضد قواته، وأيضًا لمنع حكومة مجددي من الوصول إلى كابول عن طريق الجو.

راديو لندن شكك في جدية تلك التهديدات لعدم قدرة حكمتيار على تنفيذها.

أخبار بيشاور تقول أن حكومة مجددي مكونة من خمسة عشر وزيرًا وأن مدة رئاسته للدولة هي شهر واحد (!!) يعقبه بعدها برهان الدين رباني لمدة أربعة أشهر، ثم تأتي انتخابات لاختيار مجلس شورى .. إلخ .

استسلمت كابول تمامًا هذه الليلة، علمنا ذلك في صباح الغد، وبهذا يكون تسلسل تساقط المدن الرئيسية قد تم كالتالي: استسلمت جرديز، وبعدها بثلاثة أيام استسلمت جلال آباد، وبعد ذلك بيومين استسلمت كابول .

الأحد 26 إبريل 1992 : 

في الثامنة والنصف صباحًا جلسنا مع حقاني في غرفته في مركز الدبابات (غرب جارديز من طرف منطقة زورمات).

قال حقانى يصف ما حدث في كابول:

استسلمت معظم كابول بالاختيار لأحمد شاه مسعود، فدخل المدينة واستولى على الأماكن الهامة بما فيها البنك المركزي ووزارة الخارجية ودار الأمان، والفرق العسكرية ومقار الميليشيات.

ــ أما عن حكمتيار فإنه كان قد رتب مؤامرة مع وزارة الداخلية {علمنا فيما بعد أنها كانت مع الجنرال رفيع وزير الداخلية الذي جاءه في طائرة هيلوكبتر وقابله في لوجر ورتبا معا برنامجا مشتركا للاستيلاء على كابول لصالح “البشتون” قبل أن يستولي عليها “الفرسوان” !!} .

{{ هكذا كان يفكر شيوعيو كابول وهكذا كان يفكر الأصولي الأكبر في تنظيمات بشاور الجهادية “حكمتيار” والقائد الميداني الأشهر مسعود . كانت المؤامرة تقضي بتسريب حكمتيار لأعداد كبيرة من رجاله إلى كابول بدون سلاح، وهناك تزودهم وزارة الداخلية بأسلحة خفيفة وأعلام الحزب لتعليقها فوق المقار الرسمية والعسكرية والإعلان عن استسلام كابول لحزب الإسلامي حكمتيار}}

وقد تم ذلك بالفعل ولكن لم يكن عسيرًا على أحمد شاه مسعود التخلص بسرعة من هؤلاء المهرجين.

وعندما أذاع الحزب عن سقوط المواقع الحيوية في العاصمة بين يديه كان قد تم بالفعل طرده من كل مكان. فأخذ الحزب يذيع بيانات كاذبة عن تقدمات وهمية لقواته في كابول وأخذت أجهزة اللاسلكي توجه أوامر حكمتيار لقواته في كابول بالتقدم الوهمي من مكان إلى آخر، في حين لم يكن له قوات على الأرض في تلك الأماكن حسب ما أفاد القادة الميدانيون حول كابول.

في اجتماع حقاني مع قيادات لوجر اتفقوا على البقاء على الحياد مع تحذير الطرفين حكمتيار ومسعود بأن القادة الميدانيين سوف يتدخلون ضد من يبدأ بالقتال ويفتح حمام الدم بين المسلمين ويجعلهم ألعوبة في يد الدول الخارجية.

يبدو أن مسعود قد أحكم قبضته على العاصمة إلى حد كبير. وبهذا تكون آمال حكمتيار قد تبخرت تقريبا، خاصة إذا تكرس الوضع القائم اليوم في كابول. حكمتيار يزداد عزلة برفضه حكومة بيشاور وإصراره الهستيري والفاشي على رفع “الرايات الخضراء” على كل كابول. برهان الدين رباني أصدر اليوم بيانا بأن مسعود أحكم قبضته على كابول وأن أي تحرك معاكس سوف يجابه بالقوة.

أمس أعلنت جماعة حكمتيار سيطرتها على مدينة جرديز(!!) وأشاعوا أنهم اعتقلوا عبد الرشيد دوستم. إنها سلسلة أخرى من الأكاذيب التي تبثها جماعات حكمتيار.

 صراع قادة الأحزاب على الكراسي :

الثلاثاء 28 إبريل 1992:

تحركنا صباحا من جرديز متوجهين إلى “لوجر” في رحلة أصبحت روتينا يوميا. الهدف هو متابعة الأحداث المتلاحقة في كابول. ومواقف الأطراف المختلفة منها، خاصة حقاني ومن حوله من قيادات في لوجر.

قابلنا هناك الجنرال صافي الذي قدم لنا موجزًا بآخر التطورات  جاء فيه:

(( بعد نصف ساعة من الحديث اللاسلكي بين مسعود وحقاني، قال مسعود:

ـ أوافق على وقف إطلاق النار ولكن حكمتيار يحشد قواته فهل إذا خرق الهدنة تقفون إلى جانبي؟.

فأجابه حقاني: نحن لا نقف مع أحد قبل أن تجلس مع حكمتيار وتوقعان اتفاقا مكتوبًا نشهد عليه جميعا، ومن خرج عنه سيقف كل العلماء والقادة ضده. قال مسعود: سأتصل مع الأستاذ رباني وأتشاور معه وأحدد معكم موعداً ومكانا للمقابلة ولكن لا أستطيع الاتصال به حاليا)).

( تعليق : كان واضحًا أن مسعود يماطل. فهو لا يشاور أحد في قرارته الحيوية، لا رباني رئيس التنظيم الذي يتبعه شكليا، ولا حتى مجلس الشورى، الذي كعادة مجالس الشورى “الإسلامية” يفعل ما يقرره الزعيم مع إبداء ملاحظات تجميلية).

= حكمتيار موجود في لوجر على مقربة من مكان شورى القادة الميانيين وقد أعلن لهم رفضه لحكومة مجددي، ولصلاحيات مسعود في كابول، ولكنه يوافق على وقف إطلاق النار.

( تعليق : وافق فقط على ما فيه مصلحته بصفته المهزوم في معارك كابول).

القادة الميدانيون قرب كابول يقولون: إن ضحايا القتال في كابول يفوق الحصر والمهاجرون جيوش جرارة.

ــ  مجددي في بيان إذاعي يعلن إعطاء الأمان لحكمتيار عند وصوله كابول.

(تعليق : لم يكن لمجددي أي قدرة على إصدار أي أمر. ومازال هو شخصيًا في بيشاور بينما كابول يسيطر عليها مسعود ودوستم وقوات الدفاع عن كابول التابعة للجيش).

 مولوي نظام الدين .. صوت الدين: 

ذهبنا نستطلع آراء مولوي نظام الدين فيما يجري من أحداث، وهو الذي يجهر دومًا بوجهات نظر لا يجرؤ غيره على قولها علنا. معبرًا عن بعض آرائه تلك قال نظام الدين:

ــ مسعود وحكمتيار كشفا عن معدنهما الحقيقي الذي كنا نعلمه سابقًا، ولكن الحقيقة الآن واضحة للناس جميعا.

ــ الزعماء السبعة “قادة الأحزاب ” مرفوضون ولن نضعهم في مناصب. فهم خانوا الأمانة في المال والسلاح والاتصال مع الدول الأجنبية، وسوف نلغي الأحزاب لأنها مدخل للأجانب وسبب لانقسام المسلمين.

ــ سوف نحل النّزاع القائم في كابول بالطرق الإسلامية، وعلى كل طرف أن يستبعد الشيوعيين من صفوفه.

ــ اشتباكات كابول بين مسعود وحكمتيار كانت لأجل الكرسي والجاه وليس لأجل الإسلام.

ــ تلك الاشتباكات أظهرت للجميع الضعف العسكري لحكمتيار على عكس ما كان يدعي.

ــ لن ندخل الغربيين إلى بلادنا ولن نبادلهم فتح السفارات.

ــ سنقيم مجلسا للمشاورة والمناصحة مع الدول الإسلامية.

ـ لست الآن واليا على خوست، بل لدينا مجلس شورى ولا نستطيع إقامة حكومة، فليس لدينا أموال للموظفين، ومن يعمل معنا حاليا يكون متبرعاً لفترة محدودة، وهذا يعرقل عملنا.

ــ سنعمل على إلغاء الأحزاب في الولايات الجنوبية الخمس أولا.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

 وصول حكومة الفتنة إلى كابل : 

قبل الظهر وصل مجددي إلى بولي شرخي “شرق كابول”. وكان الجنرال أعظمي في استقباله. يرافق مجددي قافلة هائلة من السيارات حركتها باكستان معه وتضم حرسه الخاص ويتراوح بين مئة إلى مئتي شخص، ثم هناك مئات السيارات تحمل آلاف الأشخاص باهتمامات متنوعة، منهم المخبرين الباكستانين ومنهم صحفيون، وأتباع جماعات إسلامية خاصة الجماعة الإسلامية التي اعتبرت نفسها من المنتصرين في تلك الحرب. وكان هناك القليل من العرب المتحمسين جاءوا بدافع الفضول.

– وكنت قد نصحت حقاني بأن يتكاتف القادة الميدانيون في منع مجددي وأفراد حكومته من دخول كابول. وقلت له أنه من المفروض الآن إلقاء القبض على مجددي وقادة الأحزاب كلهم.

فضحك حقاني :  أنت تريدنا أن نقتلهم.

فقلت بحنق :  أقل شيء أن تضعوهم في السجن. وإلا فإن أفغانستان وأنتم ستدفعون الثمن غاليا.

ضحك حقاني ولم يعلق.

مجددي: عفو عن الشيوعيين، وتشكرات بالجملة للغرب.

وحكمتيار يوافق على حكم مشترك مع الشيوعيين.

الأربعاء 29 إبريل 1992 :

صبغة الله مجددي الرئيس الجديد لدولة أفغانستان التي عادت (إسلامية!!) يعلن فى إذاعة كابول العفو الشامل عن أركان الحكم الشيوعي السابق(!!) ويدعو الضباط والموظفين العودة لممارسة أعمالهم كالمعتاد. كما وجه الشكر إلى أمريكا والسعودية وباكستان وصدر الدين آغا خان (!!) ـ زعيم الطائفة الإسماعيلية ـ وبطرس غالى السكرتير العام للأمم المتحدة لمساعدتهم “للجهاد!!” الأفغاني.

[ تعليق : قد نفهم مغزى تقديم مجددي شكره لأمريكا والسعودية وباكستان ولكن لماذا تقديم الشكر لصدر الدين أغاخان، أو بطرس غالي؟؟ أليس في ذلك إسرافا في تقديم التشكرات ؟ ].

باكستان تعلن اعترافها بالحكومة الجديدة ـ وإيران ترسل معونات غذائية إلى مزار شريف.   ( لماذا ليس إلى كابول؟؟).

جلست مع مجموعتنا العربية نتبادل الأحاديث الغاضبة حول مجددي وحكومته. تحدثنا عن ضرورة الجهاد ضد ذلك الأحمق الذي تولى الحكم. وفضح نفسه من بيانه الأول، لم يكن عندي شك أن القتال سوف ينشب لفتح كابول مرة أخرى.

( بالفعل فتحها طالبان في أكتوبر 1996 حتى أغلقها الأمريكان مرة أخرى في حرب2001م)

قابلنا حقاني بعد أن أجرى اتصالاته على المخابرة. فقال تعليقا على ما يجري:

((  لقد أقام مجددي حكمًا مشتركا مع الشيوعيين في كابول. وقد وافق حكمتيار على ما يجري بلا قيد أوشرط. وأعلن ذلك ممثله في كابول ورئيس اللجنة السياسية للحزب الإسلامي في بيشاور.

لقد سألتهم في الحزب الإسلامي: لماذا قاتلتم في كابول وقتلتم الآلاف هناك؟، لقد صَعَّدْنا الموقف مع مسعود من أجل استبعاد الميليشيات والشيوعيين، فقال مسعود لنا أن تلك هي مطالب حكمتيار، فرددنا عليه أنها مطالب الشرع ومطالب الجميع هنا. وبعد ذلك توافقون أنتم فجأة بلا قيد أو شرط أو مشورة معنا.

أما سياف فهو موافق على ما يحدث وأعلن ذلك بلا مواربة.

منصب رئيس الوزراء تم إعطاؤه لحزب إسلامي حكمتيار الذي اختار من بين مساعديه “الاستاذ فريد ” كي يتولى المنصب.

راديو لندن سأل قادة من الحزب الإسلامي عن العلاقة التي ستكون بين الأستاذ فريد كرئيس للوزراء من الحزب الإسلامي، وبين أحمد شاه مسعود الرجل الأقوى في كابول وهو من الجمعية الإسلامية، والقتال كان دائرًا بينهم حتى وقت قريب. فكان الرد: إن الرجلان هما من قومية الطاجيك وسوف لن يختلفا(!!) ..)).

( تعليق : نلاحظ الآن ــ بعدفتح كابول ــ الأحزاب الجهادية وقادتها الكبار يسارعون في التحالف مع الشيوعيين، وتصنيف الناس حسب عرقياتهم ـ وكل ذلك كان من أشد المحرمات التي كانوا يجرمونها في سنوات الجهاد).

في بداية اللقاء سألت حقاني: متى تبدؤون الجهاد؟؟ فقد توافرت شرائطه، فحكومة مجددي منافقة ويجب قتالها.

لكنه لم يتحمس للكلام في الموضوع وسحبني من يدي بعيدا عن المجلس. كانت معنوياته منخفضة كأكثر ما رأيت. قال لي بأن مجلس الشورى الجديد في كابول والمكون من خمسين شخصا، هو واحد منهم ولكنه لم يذهب. ولكنه قد يذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ثم غادرني متوجها إلى جهاز المخابرة لمحادثة قطب الدين هلال، من حزب إسلامي حكمتيار.

وَهْمْ الإصلاح من الداخل :

في أحد المباني الحكومية في مدينة “بولى علم”ـ لوجرـ قابلت الجنرال صافي. وكان يجلس وحيدا في انتظار تطورات كابول، والاتصالات اللاسلكية الدائرة بين جميع الأطراف. أخذ الجنرال يحدثني عن مسيرته السياسية.

قال: إنه عمل مع “السيد أحد جيلاني” لمدة أحد عشر عامًا مديرًا للأمن، ثم ثمان سنوات في مجال التدريب العسكري. وقال إنه ترك العمل معه احتجاجًا على تصرفاته، مثل اجتماعه في لندن عام 1990 مع السفير السوفييتي، حيث اشتكى للسفير ضيق ذات اليد، وتدخل أمريكا وباكستان ضده. فأعطاه السفير أموالا كثيرة. وفي عام 1991 اجتمع الجيلاني سرًّا مع نجيب الله في أحد الدول الأوربية. قال صافي: إنه لم يستطع تحمل ذلك فاستقال من عمله وانضم إلى حقاني.

كان لدى الجنرال تصورًا فريدًا للتعامل مع الوضع الجديد في كابول، فقال:

– إن أفضل طريقة هي الدخول سلميًا إلى كابول وتشكيل ضغط معنوي من داخلها، وتحويل الشيوعيين إلى أقلية، ثم العمل على اغتيالهم من خلال أجهزة وزارة الداخلية (التي يتولاها رجال سياف)، ومن خلال عمليات أخرى من خارجها. أما اقتحام العاصمة عسكريًا فسوف يكون فشلا داخليا وعالميا، والأفضل هو حصارها من الخارج.

{ ماحدث هو أن العاصمة افترست أخلاقيا الكثير ممن دخلها من “المجاهدين”. كما اغتال مسعود، المسيطر على القوى الأمنية والعسكرية، العديد ممن يركضون خلف وهم “الإصلاح من الداخل” ومن بينهم زملاء له في نفس التنظيم. واستوعب النظام الجديد على فساده وهشاشته، عمالقة الجهاد من علماء وقادة ميدانيين، وانزوى الصالحون منهم داخل بيوتهم في منافي باكستان. والموقف الشجاع الذي تردد هؤلاء العمالقة في اتخاذه لمواجهة الفساد في بدايته، حتى نمى واستفحل، وأحال البلد إلى ساحة رعب وخراب، تصدى له الشباب من طلاب العلوم الإسلامية “طالبان”.  الذين اقتلعوا بالقوة المسلحة وبمعاونة شعبية واسعة، نظام الفساد الذي فرضته على الشعب الأفغاني أمريكا ومنظومتها من القوى الإقليمية، من عملاء دائمين أو عاملين بالقطعة. لقد عاملت حركة طالبان بجفاء وشدة أحيانا، وبتوجس دائم تلك الطبقة من القادة الميدانيين القدماء بل والمجاهدين القدماء أحيانا، فيما عدا هؤلاء الذين ساندوا الحركة في بدايتها. كان لتصرف طالبان هذا ما يبرره، ولكنه تجاوز الإنصاف في حالات كثيرة وحرم الحركة من قوة مقاتلة مؤثرة وخبيرة كانوا في أشد الحاجة إليها. ودفعوا لأجل ذلك الخطأ أثمانا فادحة، سهلت على إعدائهم الخلاص منهم}.

بعد صلاة الظهر كلمت حقاني وهو مازال على سجادة الصلاة، أن يحترس عند ذهابه إلى كابول، لأن المجموعة الحاكمة هناك قد تعمد إلى اغتيال القادة الميدانيين المعارضين لها.

( تعرض حقانى بالفعل لمحولة اغتيال في كابول، أثناء مساعيه للصلح ووقف القتال بين سياف وحزب وحدت الشيعي. قتل أحد مساعدي حقاني في المحاولة التي نفذها حزب وحدت الذي سمح لموكب حقاني بالعبور إلى مناطق سياف ثم أطلق النار على الموكب عند عودته. أخبرني بعض رجال حقاني أن مجددي كان طرفا في المؤامرة).

 

العصبية بدل الأيدلوجية:

عند الباب قابلت الصديق القديم “رفيق أفغان”، وهو صحفي باكستاني على صلة وثيقة بالجهاد والمجاهدين منذ وقت مبكر. وهومتحمس نشط لحكمتيار وحزبه، شأن الإسلامين الباكستانيين المنتمين إلى الجماعة الإسلامية الباكستانية، أو القريبين منها. قام “رفيق” بتجربة مثيرة حقا، كنت مشدوها وأنا أستمع إليها.

قال رفيق: إنه كان مع حكمتيار في مقره في لوجار، عندما جاءت طائرة هيلوكبتر من كابول يستقلها الجنرال محمد رفيع وزير الداخلية، الذي اجتمع مع حكمتيار لترتيب برنامج مشترك في كابول خاصًا بقومية البشتون، لمواجهة برنامج آخر للطاجيك “الفرسوان”، يقوده مسعود مع جنرالات في الجيش والاستخبارات.

عند تهيؤ للجنرال رفيع للانصراف، خطر لرفيق أن يرافقه إلى كابول. عرض الفكرة على حكمتيار فوافق عليها، وكذلك وافق الجنرال رفيع.

قضى رفيق يومين يتجول في كابول ويسأل الناس في الشوارع عن رأيهم فيما يجري في بلدهم، ومن يفضلون أن يكون رئيسًا عليهم. فوجد أن المشاعر العرقية في أوجها، وأن البشتوني سواء كان شيوعيًا أو إسلاميًا، فإنه يختار حكمتيار. أما الطاجيكي مهما كان توجهه فإنه يختار مسعود.

عند عودته من كابول أوصله رجال الداخلية إلى آخر خطوط الدفاع عن المدينة. وعلى الجانب الآخر كان في انتظاره رجال حكمتيار، بعد تنسيق باللاسلكي بين وزارة الداخلية الشيوعية في كابول ومقر قيادة الزعيم الإسلامي الأصولي في لوجر!!.

لقد حل التعصب العرقي محل التعصب الأيدولوجي. إنها السياسة حيث يستبدل الناس عقائدهم بأسرع مما يستبدلون ثيابهم.

– لكن صورة العصبية القومية الكريهة استكملها الجنرال صافي، الذي ظهر أنه بشتوني متعصب أكثر من كل من رأيت. الجنرال وبلهجة الخبير ببواطن الأمور حدثني قائلا:

{ إن أمريكا وإيران لا يريدان حكمتيار. إيران تلعب لعبتها مع الطاجيك، وباكستان ارتكبت جناية برفع الطاجيك فوق البشتون. وفي لقاءات لي مع حميد جول وجنجوعة (من قيادات المخابرات الباكستانية) حذرتهما من مغبة تلك السياسة، وقلت لهما إننا نحن البشتون مرتبطون عاطفيا وثقافيا مع باكستان وليس الهند أو إيران }.

–  الطبيب الباكستاني الشاب “إحسان الله” ، كان مندهشًا من كل ما يجري. ومن رحلة صديقه القديم رفيق أفغان إلى كابول برفقة الجنرال رفيع، ومن كلام الجنرال صافي، ومن موافقة حكمتيار غير المشروطة على حكومة مجددي بعد أن خاض معارك قتل فيها المئات بحجة عدم قبولها.

قادة إسلاميون عرب :

– من أخبار بيشاور أن الوفد الإسلامي هناك والذي يضم محمد قطب والشيخ الصواف وآخرون اتصلوا بحكمتيار يطالبونه بوقف إطلاق النار.

عرب حكمتيار أشاعوا أن الشيخ الصواف اقتنع بموقف حكمتيار وأيّد استمراره في القتال. لم يكن ذلك معقولا حيث أن أمثال تلك الوفود، ذات الوزن الديني والأدبي، التي تستجلبها الحكومة السعودية عند كل أزمة، تعمل كفريق تدخل سريع لترويج مشروع سعودي محدد لايمكن لأحد في الوفد تجاوزه، إلا إذا جازف بقبول عواقب وخيمة في علاقاته مع “المملكة”.

النص التالي هو جزء مما كتبته في مذكرتى في ذاك اليوم:

(( عدنا إلى مقرنا في جرديز وبدأت في إعادة تقييم ما يحدث منذ سقوط مزار شريف وحتى مأساة كابول ومهزلة مجددي، والخيط الذي يربط ذلك كله. هل هي تطورات عفوية أم مسلسل ضمن خطة محكمة؟؟….. خلاصة القول: إن مرحلة الأحلام الوردية التي أعقبت فتح جرديز وحصار كابول ثم سقوطها قد تبخرت. وإذا سارت الأمور على هذا النحو ـ وهي غالبا ستفعل ـ فلن تكون أفغانستان قاعدة بالشكل المطلوب، ولا حتى مستقرا مثاليا. والنكسة المعنوية فيما يتعلق بالجهاد والدولة الإسلامية هي احتمال وارد ومن الصعب تفاديه)) .

–  لأول مرة، بعض المحلات بدأت العمل في جرديز. ولأول مرة، يفتح محل جزارة أبوابه، فأبتهج الشباب بالخبر السعيد.

– رئيس وزراء نوازشريف، مع وزير الاستخبارات السعودي، تركي الفيصل، وصلا إلى كابول. وأنباء عن توقف القتال هناك. يشاع في جرديز أن الطاجيك في كابول نهبوا أموال البشتون هناك.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

تدمير الخبرة القتالية للأفغان والعرب : 

الخميس 30 إبريل 1992 :

في لوجر عقدنا جلسة مطولة مع حقاني لمعرفة آخر التطورات في كابول.

قال حقاني:

إن مجددي تراجع عن التصريح الذي أدلى به حول العفو عن الشيوعيين ودعوتهم لممارسة وظائفهم المدنية والعسكرية. وقال لمن سألوه إن ما قصده هو أن يمارس هؤلاء أعمالهم الاعتيادية حتى يصل أعضاء الشورى من بيشاور لاستلام المؤسسات والوظائف حتى لايهجم الناس عليها ويسرقونها كغنيمة.

ثم وصف حقاني مجددي بأنه شجاع لأنه تقدم إلى كابول منفردًا لاستلام السلطة بدون قوة مسلحة تسانده. وقال حقاني إن الجيش والميليشيات في كابول مازالت بكامل قوتها، بسبب عدم تقدم أحد لاستلام المواقع والأسلحة.

وأن القادة الميدانيين اتفقوا مع مسعود على أن يدخل المجاهدين إلى المدينة بدون قتال، ولكن حكمتيار أصر على القتال حتى يدخل العاصمة فاتحًا ويستأثر بالسلطة، فردت عليه الميليشيات والجيش دفاعًا من النفس. وكانت النتيجة أن توقفت جماعات المجاهدين عن دخول كابول خوفا من القتال الدائر.

وقال حقاني: إنه يتصل بجميع قادة الأحزاب في بيشاور من أجل أن يدخلوا جميعًا إلى كابول، وبصحبة كل زعيم ألف أو ألفي مجاهد لحفظ الأمنيات في العاصمة، واستلام ثكنات الجيش وإخراج الضباط والميليشيات من المدينة، وأن يعمل هؤلاء المجاهدون تحت إمرة مسعود كقوة مسلحة لحماية الأمن، ثم يتحولون بالتدريج إلى جيش نظامي. ويمكن لمسعود كوزير دفاع أن يستعين في تنظيم الجيش بجنرالات مجاهدين مثل صافي”!!”.

وأضاف حقاني: إن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعاما أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش.

عن تشكيل حكومة مجددي قال حقانيي إنه كان من عمل سياف منفردًا وليس بإملاء خارجي. وأن باكستان كان لها مشروع آخر يركز على مولوى محمد نبي محمدي “حركة إنقلاب إسلامي”. لكن سياف بسرعة استدعى الزعماء أو من ينوب عنهم، وطرح مشروعه القاضي بتعيين مجددي رئيسا لمدة شهرين، مع مجلس شورى من المنظمات وقياداتهم. أما الوزراء فيكونون من أعضاء المنظمات وليس من  قادة المنظمات السبع. وتم توزيع المناصب على المنظمات كالتالي:

رئاسة الوزراء لحزب إسلامي حكمتيار، والتعليم لحزب إسلامى يونس خالص، والخارجية لحزب “محاز ملي” للسيد أحمد جيلاني، والدفاع لحزب الجمعية الإسلامية “برهان الدين رباني”، والداخلية لحزب الاتحاد الإسلامي “سياف”.

وبعد مجددي يتولى رباني الرئاسة، المؤقتة أيضا، لمدة أربعة أشهر، إلى حين تشكيل مجلس شورى موسع يشمل قادة ميدانيين وعلماء ورؤساء قبائل موالون للجهاد . هذا المجلس يختار أميرا مدة ولايته عام ونصف، وخلال هذه الفترة يقوم الأمير بإعادة إرتباط الأقاليم بالعاصمة، وإعادة المهاجرين ، ثم تشكيل مجلس شورى يمثل كل البلاد وعدد أعضائه من 250 إلى300 عضو. وهذا المجلس يختار أميرًا دائما للبلاد.

وسبب الانتظار كل هذه المدة الطويلة هو تجميع الشعب وربط أجزاء البلد حتى يشارك الجميع في عملية اختيار الأمير فلا تحدث اعتراضات ومشاكل.

تعليق:  كل ما هو براق أو متفائل أو منطقي في هذا الحديث الطويل، لم يتم تنفيذه. وكأن المطلوب دومًا هو تنفيذ الأسوأ وفعل الأقبح.

أهم ما قاله حقاني كان ما يتعلق بالجيش والاحتفاظ بالعناصر الخبيرة التي أفرزها الجهاد وتكوين الجيش الوطنى منها، وذلك بكل أسف لم يحدث وكان ذلك أسوأ هدر “متعمد” يستحيل تعويضه.

( بشكل موازي جرى تدمير الخبرة القتالية العربية التي تكونت فى أفغانستان بواسطة عمليات مطاردات أمنية واعتقالات متصلة، توجتها في النهايه الحرب الأمريكية على أفغانستان تحت ذريعة الحرب على الإرهاب).

أما الأسلحة والمقار العسكرية وغيرها، فقد تمت تصفية البنية التحتية العسكرية الأفغانية بشكل منهجي وكانت من أضخم البنى العسكرية في المنطقة، حتى قيل أن مخزون الذخائر الذي تركه السوفييت وراءهم في أفغانستان كان أضخم من مثيله في الهند. هذا الدمار تكفلت به الحرب الأهلية المفروضة على الشعب الأفغاني لتدمير بنيته العسكرية والصناعية التي بناها السوفييت في مستعمراتهم السابقة . أدوات الدمار كانت الأحزاب الأفغانية العميلة.

( نفس الأسلوب الذي استخدمته أمريكا لتدمير القوة الإيرانية التي خلفها نظام الشاه الموالي لها ووقعت تلك القوة في قبضة ثورة إسلامية معادية. وأداة التدمير كانت النظام العراقي العميل. نفس الأسلوب اتبعوه في تدمير قوة السودان بواسطة الحروب الأهلية في الجنوب والشرق والغرب بواسطة ميليشيات تمولها أمريكا وتوابعها الكنسية والنفطية ) .

صحيح أن كابول لم يتم نهبها بنفس الأسلوب البدائي الفج الذي تم في خوست وجرديز وباقي المدن، لكنها إما دُمِّرت بالقتال أو النهب المنظم الذي مارسه سادة كابول الجدد الذي لم يترك إمكانية بناء قوة الآن أو في الستقبل.

على سبيل المثال، معظم سلاح الطيران تقاسمه مسعود ودوستم، ملكية خاصة. احتفظوا ببعضه في أفغانستان، وجزء آخر عند حلفائهم في دول الجوار، أي طاجيكستان بالنسبة لمسعود، وأوزبكستان بالنسبة لدوستم. والصواريخ الثقيلة كلها نقلت إلى مخازن مسعود في جبال بنشير، وكذلك جزء كبير من الذخائر وقطع غيار الدبابات والآليات العسكرية الأخرى، إضافة لما نهبه من كابول. واحتفظ دوستم بما كان يملكه من ترسانة عسكرية ضخمة بصفته أهم قائد ميليشيات في البلاد تعمل بطريقة المقاولة لتنفيذ المهام الصعبة أو المستحيلة لصالح حكومة كابول .

(وربما أن الولايات المتحدة اقتبست ذلك النظام في التعامل مع الشركات العسكرية للمرتزقة في حروبها الأخيرة في أفغانستان والعراق).

– هذا بالنسبة للجيش الذي جرى تفكيكه ونهب معداته. وما حدث للبنوك كان لايقل بشاعة، إذ نقل مسعود إلى بنشير احتياط الذهب من البنك المركزي، وجميع الوثائق الرسمية للدولة، وجميع وثائق الاستخبارات نقلها مسعود إلى مكان ما، قد يكون بنشير أو دولة خارجية صديقة له.

– متحف الدولة لم يكن استثناء، فقد تم نهبه من الكبار والصغار، حتى أن قطع أثرية نادرة بيعت بأبخس الأسعار على أرصفة كابول.

– ما قاله حقاني عن أن تشكيل الحكومة كان من صناعة سياف وليست إملاء خارجيا، كان صحيحا ولكنه نصف الحقيقة فقط .

فالرجل تلقى ملايين الدولارات كأتعاب لتشكيل حكومة من الأحزاب السبعة يكون متفق عليها بينهم. وليس هناك أفضل من سياف رجل السعودية الأول ورجل الإخوان الأول، كي يصنع أفضل توليفة ترضى السعودية من ركام الفساد فى أحزاب بشاور وترضى هؤلاء السبعة الفاسدون المتنافسون .

أما توزيع الحقائب الوزارية على هذا أو ذاك فذلك تفصيل لا يهم السعودية أو أمريكا ـ المهم أن تتولى الأحزاب السبعة أمور الحكم في كابول قبل أن يقفز العلماء والقادة الميدانيون على العاصمة ويفرضوا واقعهم الخاص الذي سيكون للمخلصين دور كبير فيه، كما أنه سيتم في كابول، أي بعيدًا عن الأيدي الخارجية باكستانية كانت أم سعودية. وعندها قد يقع المحظور وتأتي حكومة إسلامية بعد جهاد ثلاث عشر عاماً. فتكون مشكلة عويصة تربك ولا شك خطط أمريكا في آسيا كلها، وفي وسط آسيا بشكل خاص. ( أي حل وطني حقيقي سوف يشكل تهديدًا للأطماع الأمريكية ويستلزم علاجه مجهودًا كبيرًا وقد كانت حركة طالبان حلا أفغانيا خالصا استدعى علاجه تدخل القوات الأمريكية وهو علاج باهظ التكاليف شديد الخطورة على أصحابه ) .

في مركزنا في جرديز سمعنا عبر الإذاعات أن حقاني ذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ولا ندري حقيقة الأمر، فحسب قوله أنه لن يذهب إلى كابول إلا مع قوة كبيرة وضمن برنامج موسع يضم الجميع لإستلام كابول .

( كما علمت بعد ذلك فإن حقاني تمركز بجزء من قواته في داخل كابول على طرفها الجنوبي في منطقة تدعى”تشهل ستون” ومعظم مجهوده كانت لإطفاء نار الاشتباكات الداخلية الدائرة بين جيع الأطراف، ضمن تحالفات تتبدل كل فترة بحيث أن الجميع تحالف مع الجميع ضد الجميع. وشارك فيها الجميع: مجاهدون وشيوعيون ، سنة وشيعة ، طاجيك وبشتون . لم يكن أحد مصراً على نقاء إنتمائه العقائدي أو السياسي أو العرقي. ولكن الجميع مصرون على استمرار القتال الداخلي متحالفا لأجل ذلك مع أي طرف ضد أي طرف. وحلفاء اليوم هم أعداء الغد وهم أصدقاء بعد غد .. وهكذا.

العرب أكبر التعساء :

– أتعس الأطراف وأجدرها بالرثاء كان الطرف العربي الذي استمر يقاتل إلى جانب حكمتيار من أجل إقامة دولة إسلامية عاصمتها كابول. فقاتل بهم حكمتيار حتى الرمق الأخير، وإستشهد معه أفضل الكوادر العربية ، بما فيهم العملاق ” أبومعاذ الخوستى” ـ الفلسطينى الأردني ـ الذي فوض أمره كاملا إلى حكمتيار قائلا ما معناه :

( أنا لست عالم دين، ولا أحب السياسة ولا أفهمها، ولكني أثق فيك وأسير خلفك وأضع المسئولية في رقبتك يوم القيامة ) .

فطمأنه حكمتيار ووعده خيرا !! .

وهناك عرب من شمال أفريقيا. قاتلوا إلى جانب سياف قتالا “سلفياعقائديا” ضد الشيعة فى كابول. وأبدعوا فى قتل الأطفال والنساء بالأسلحة الثقيلة أثناء محاولتهم التزود بماء الشرب في ظل حصار مضروب على منطقتهم. وعربنا يشاهدون سقوط القتلى ويضحكون قائلين لمن إستنكر عملهم : أن ذلك إعداد للجهاد في سبيل الله.

سياف لم يمنعهم أو ينكر عليهم، بل زودهم بكل ما يلزم من أدوات القتل، من هاونات ثقيلة ودبابات !! . هؤلاء العقائديون لم يتوقفوا عن القتل إلا بعد أن وجدوا صباح ذات يوم أن سياف قد تحالف مع هؤلاء الشيعة الذين كان يأمر بقتلهم بالأمس، فتركوه وغادروا أفغانستان كلها.

أما جماعة أبومعاذ الخوستي فقد استمروا في القتال متغافلين عن أن الميليشيا الشيوعية القندهارية التي أسسها القائد جبار والتى قاتلت/ضدهم تحديدا/ في جرديز، والآن تقاتل معهم جنبا إلى جنب وفي نفس الخنادق ، لصالح حكمتيار. كان ذلك غريبا حقا ، ولكن عربنا جادلوا المعترضين عليهم قائلين أن ميليشيا جبار تابت إلى الله وتبين لها الحق فانضمت إلى حكمتيار!!.

ولكن بعد استشهاد أبو معاذ وإنضمام دوستم وميليشياته إلى حكمتيار بعد إنتقالهم من معسكر مسعود ، تنبه هؤلاء العرب أنهم قد خدعوا فتركوا أفغانستان كلها وذهبوا.

أسئلة حارقة .. لماذا نفشل؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟.

الجمعة أول مايو1992:

اليوم نغادر جرديز في طريقنا إلى ميرانشاه . لقد انتهى دورنا هنا وطويت صفحة الجهاد في أفغانستان . كنت أشعر بحزن شديد وشريط الأحداث يمر برأسي من بدايته إلى نهايته. كنا نسير فوق طريق زدران ما بين خوست وجرديز. كل شبر في هذا الطريق لنا فيه ذكريات وأصدقاء .. شهداء ومعارك.. ماذا سيتبقى من كل ذلك؟؟ .. أين نحن الآن؟؟..إلى أين نسير؟؟… لماذا يبدو المستقبل ملبدا بالغيوم منذرا بالشر المستطير؟؟ .. وبأي شكل سوف نستأنف حياتنا ؟

ماذا عن الأسرة والأولاد .. والوطن ؟؟ .. هل نعود إليه أم نبقى في الجبال؟؟ .. لماذا نُعاقب؟؟…وبأي جريمة؟؟… لماذا قادتنا دائما فاسدون، وطنيون كانوا أم إسلاميون، قاعدون كانوا أم مجاهدون؟؟… لماذا الفاسدون دائما طافون على السطح والصالحون مترسبون في القاع ، أو في السجون، ولا يصعدون عاليا إلا على أعواد المشانق ؟؟… أين الخلل ؟؟ .. لماذا تجاربنا كلها فاشلة ؟؟… لماذا لا يفيدنا الفشل في تجربة كي نصنع نجاحا في تجربة تالية ؟؟ .. لماذا نكرر أنفسنا دوما ؟؟ .. ويستغفلنا عدونا بنفس الأساليب دائما ؟؟… هل نحن حمقى إلى هذا الحد ؟؟ .. أين العلماء، هل ماتوا أم إندثروا ؟؟… أم أن الموجودين هم أشباح العلماء وليس حقيقتهم ؟؟.. لماذا فقدوا الاحترام والتقدير والتأثير وأصبحوا مجرد أبواق لساسة فاسدين تافهين ؟؟… ما معنى تحرك إسلامي بلا علماء ؟؟ .. هل يمكن أن ينجح جهاد بدأ متفرقا وبلا قيادة واحدة ؟؟ .. هل ينجح جهاد بتمويل غير إسلامي؟؟… هل القادة يختارهم الناس، أم الإعلام الدولي، أم التمويل الخارجي؟

كنت أحتضن الطريق بناظري وكلي خشية أن لا أراه مرة أخرى .

– نزل أبو الحارث من سيارتنا وذهب إلى مركزه في الخطوط الأولى تحت أقدام “ستى كندو”. هو الآخر لا يرغب في ترك المكان، ولا يدري ماذا سيحدث ولا كيف سيستأنف حياته. لقد عزله مجلس الشورى رسميا عن قيادة المجموعة قبل إستسلام جرديز وتولى أبو معاذ الخوستى القيادة. ولم يمارس أبو الحارث أي دور في المجموعة بعد ذلك. كان ذلك الإجراء طيا لصفحة أفضل مجموعة عربية في جهاد أفغانستان الذي طويت صفحته رسميا بدخول حكومة مجددي إلى كابول في 28/ 4 /1992، أي بعد 14 عاما بالتمام والكمال على الإنقلاب الشيوعي في 27/4/ 1978.

لقد تم إهدار أثمن ثروات العرب المكتسبة من أفغانستان، وهي كوادرهم العسكرية، سواء في جماعة أبو الحارث أو القاعدة أو العرب غير المتحزبين. كنت أتمنى بشدة أن تبقى تلك القوة متجمعة في أفغانستان وأن نبني حولها تجمعا مدنيا. فنحمى بذلك ثروتنا البشرية التي يتربص أعداء الإسلام كى يفتكوا بها. ثم نقوم بعد ذلك بدور يناسب إمكاناتنا وإمكانات الوسط الأفغانى الذي نحيا فيه. ولكن للأسف فقدنا مستودع الخبرات الذي بنيناه بالدماء الغالية التى بذلت بسخاء في المعارك.

كان ذلك مشابها تماما لموقف حقانى في مطالبته الإبقاء على الكوادر الجهادية الأفغانية وبناء جيش أفغاني حولها. ولكن كان هناك إصرار أفغاني وإقليمي ودولي على حرق تلك الثروة البشرية في حرب أهلية، أو تهجيرهم بحثا عن الرزق في دول الجوار والخليج . لقد خسر المسلمون أهم ثرواتهم وخبراتهم في أفغانستان، وكان ذلك أفدح الخسائر.

قبل أن يغادرني متوجها إلى مركزه القديم، سألني أبو الحارث إن كنت سأذهب لزيارة كابول، فأجبته أنني سأترك كابول لأهلها.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 13 }




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 162 ) | ذوالحجة 1440 هـ / أغسطس 2019 م .                 

26/08/2019

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(12)

أسرار الحملة الكبرى على خوست وقاعدة جاور عام 1985
” من التقرير المكتوب وقتها لجريدة الاتحاد الإماراتية”.

 

– وزيرالداخلية الأفغاني يتحدى رئيس الأركان:  

(أتنازل لك عن زوجتي إن استطعت احتلال جاور).

ــ رئيس الأركان يتولى قيادة عملية الاستيلاء على جاور ويطلب من وزير الداخلية الاستيلاء على مناطق ( زدران) .

ــ  فقد الجنرال السيطرة على قواته وانتابه هياج عصبي حاد. ــ خلال الاجتماع الجنائزي في خوست طهر حقاني مناطق (ليجاة) و( باري) وأعاد الموقف إلى ما كان عليه قبل الهجوم.  

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

حقاني يفقد أركان حربه :

حققت دبابة حقاني المفاجأة للمرة الثانية باستخدام الطرق الجبلية التي شقها المجاهدون. المرة الأولى حققت مفاجأة هجومية والمرة الثانية مفاجأة دفاعية وفي الحالتين كسب المجاهدون الجولة. وإن كانت القوات الحكومية استطاعت بعد ذلك إعادة احتلال جبال  ليجاه  والتقدم إلى نفس المسافة السابقة عن قاعدة  جاور،  وهي خمسة كيلومترات، وذلك نتيجة لاستشهاد القائد مولوى فتح الله حقاني  في ليجاه أيضاً، فتكرر ما حدث عند استشهاد  مولوى  أحمد جول. وكان فقدان القائدين أشد خسارة تكبدها المجاهدون في باكتيا منذ بداية الجهاد في الولاية في صيف عام 1978.

وفي معركة واحدة خسر جلال الدين حقاني اثنين من كبار أركان حربه. ولم تتزحزح القوات الحكومية عن مواقعها حتى وقعت مجزرة  الجنرالات  التي فقد فيها الجيش الأفغاني مجموعة من أفضل جنرالاته . بعدها اقتلع حقاني القوات الحكومية بواسطة هجوم مضاد كاسح ردهم إلى خوست.

 

الوزير يراهن على زوجته :

(حذفت صحيفة الاتحاد ما يتعلق بالرهان رغم دلالته على الحالة الأخلاقية والنفسية السائدة فى الجيش الأفغانى الأحمر) .

قررت حكومة كابول تعيين (شاه نواز تاناى) رئيس الأركان قائداً عاماً للعمليات في باكتيا وأعطته صلاحيات تامة ودعم غير محدود.

وظل شاه نواز ينتقل بشكل يومي تقريباً بين خوست وكابول بواسطة هيلوكبتر عسكرية. وفي كل زيارة كان يحصل على مزيد من القوات والأسلحة. وفي اجتماع استثنائي شمل قادة القوات المسلحة والوزراء تقرر إرسال جسر جوي من كابول إلى خوست بمقدار حمولة أربعمائة وخمسون طائرة، ذخائر ومهمات وجنود. ومعلوم أن خوست محاصرة منذ عدة سنوات وتحصل على إمداداتها عن طريق الجو. باستثناء مرات قليلة استطاعت القوات الحكومية التحرك من (جرديز) شرقاً على طريق (جاجي) ثم الانحراف جنوباً نحو خوست.

وهذا ما فعلته القوات الحكومية هذه المرة أيضاً بعد أن أصبح هذا المحور هو (البطن الرخو) لهذه المنطقة الصلبة. وذلك لأسباب نشرحها فيما بعد (أسباب تتعلق بفساد أحزاب بيشاور).

في اجتماع قيادي في كابول برئاسة شاة نواز رئيس الأركان و(جولاب زاي) وزير الداخلية وهو من قبائل زدران التي ينتمي إليها جلال الدين حقاني.

(وأسلم وطنجار) وهو بطل الانقلاب الشيوعي في أفغانستان وهو من منطقة (زورمات) في باكتيا ، (وسليمان لايق) وزير شئون القبائل وهو من باكتيا.

وحضر هذا الاجتماع  عدد من المستشارين السوفييت. تعرض رئيس الأركان (شاه نواز) لانتقادات حاده من زملائه في تلك اللجنة وركز الأعضاء هجومهم على ضخامة القوات المحتشدة في باكتيا وكميات الأسلحة التي لم تحشد لأي معركة من قبل. وكان جميع أفراد الجانب الأفغاني ينتمون إلى ولاية باكتيا. وسألوا رئيس الأركان عن سبب تأخره في شن الهجوم حتى ذلك الوقت رغم القوة الهائلة  التي حشدها. فرد عليهم (شاه نواز) بهجوم معاكس من جانبه وطالبهم أن يحضروا هم أيضا إلى خوست ويتولى كل منهم مسئولية جانب من العمليات وقال (شاه نواز) إنه سيتولى شخصيا جانب الهجوم على قاعدة (جاور) الحصينة والاستيلاء عليها وطلب من وزير الداخلية “جولاب زاى” أن يقود قوة للاستيلاء على منطقة (زدران) التي أقام فيها جلال الدين حقاني عدة  قواعد جبلية. ولما كانت مهمة الاستيلاء على جبال منطقته (زدران) من المهمات العسيرة  فقبائل(زدران) أشد قبائل باكتيا مراسا وخبرة في القتال، ومناطقها الجبلية شديدة الوعورة.

شعر (جولاب زاى) بالتحدي … فواجه رئيس الأركان  قائلا:  أراهنك على زوجتي فهي هدية لك إن استطعت الاستيلاء على مركز (جاور). وإن لم تستطع دخول (جاور) فاعطني زوجتك هدية لي، وسوف أستولى أنا على جبال (زدران) وأدمر قواعد جلال الدين هناك. وتكهرب جو اللقاء واضطر السوفييت إلى التدخل وحسم الموقف.

وقرروا أن يتولى)شاه نواز) قيادة العمليات ويرأس مجلس عسكري من عدة جنرالات أفغان. على أن يرافقهم عدة جنرالات سوفييت (كمستشارين) !! . أما الوزراء(سليمان لايق) و(جولاب زاي) و(أسلم وطن جار) فسوف يتناوبون علي زيارة خوست من وقت إلى آخر لمساعدة (شاه نواز) والارتباط من جانبه مع كابول. وبدأ تنفيذ القرار السوفيتي على الفور.

 

تأمين مطار خوست :

نجح (شاه نواز) في تطهير المناطق المحيطة بمطار مدينة خوست الذي وضعه رجال جلال الدين وباقي الجماعات المتعاونة معه في التنظيمات الأخرى تحت رحمة هجماتهم بمختلف أنواع الأسلحة.

ثم تقدمت القوات لتوسع الطوق الدفاعي حول المطار حتى أصبح في غير مقدور أسلحة المجاهدين الوصول إلى مدرج المطار وتهديد الحركة عليه. كذلك حطموا أكثر مراكز المجاهدين في تلك المنطقة إن لم يكن جميعها. وكان الهجوم الحكومي من الكثافة والتركيز بحيث انكمشت فعاليات المجاهدين حتى باتت غير محسوسة. وانسابت موجات بشرية من قوات المشاة تطهر المواقع الجبلية تحت حماية عشرات من طائرات الهيلوكبتر والطائرات القاذفة والمقاتلة. بالإضافة إلى قوة نيران أرضية تنطلق من نفس مدينة خوست، شهد جميع المجاهدين أنهم لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل من حيث الغزارة ودقة التوجيه. وكانت هذه النيران تُدارمن قبل ضباط سوفييت. ثم هدأت المعارك قليلاً.

 

هجوم مباغت:

وبواسطة هجوم كاسح باغت شاه نواز قوات المجاهدين في الرابع من أيام عيد الأضحى حيث لم يتوقع أحد من المجاهدين أن تهاجم قوات الحكومة في ذلك الوقت. لأن تلك القوات تهاجم عادة في أيام الأعياد لعلمها أن أكثر المجاهدين يفضلون قضاء الأعياد في عائلاتهم في معسكرات المهاجرين في باكستان.وفي هذا العام لم يغادر المجاهدون مواقعهم طيلة أيام العيد الثلاثة خوفاً من هجوم الجيش على مواقعهم وفي نهاية اليوم الثالث بدأ كثير منهم في مغادرة مواقعهم لزيارة عائلاتهم في المعسكرات. ولكن في ظهر اليوم الرابع  ضرب (شاه نواز) ضربته واقتلع المجاهدين من(ليجاة) وتقدمت قواته عبر الجبال حتى أصبحت على بعد خمسة كيلومترات فقط من (جاور). وتقدمت الآليات عبر منطقة (باري) في محاولة لاستخدام الطرق التي صنعها المجاهدون ومباغتة (جاور) من جانبها (الشرقي). وبعد أن قطعت الآليات عدة كيلومترات على هذا الطريق قامت مجموعة القائد (منان) وهو قائد يعمل مع حقاني ويقود رجاله من البدو الذين يعيشون في تلك المناطق. قام (منان) بضرب هذه القوة وتدميرها وفرالجنود تاركين الآليات خلفهم واستطاع رجال منان قيادة مدرعة واحدة وثلاث شاحنات وأحرقوا باقي الآليات حتى لا يعود الجيش ويستولي عليها من جديد.

وانتشرت عدة مجموعات في كمائن قوية على طول هذا الطريق فتخلى (شاه نواز) مؤقتاً عن فكرة إستخدامه. وركز مجهوده في التقدم عبر الجبال إلى (جاور) من جهة الشمال. تمكن (أحمد جول) من رد القوة الحكومية إلى الخلف وأعاد إحتلال (ليجاة) ثم استشهد يوم الجمعة (10/9/85). وكان فتح الله حقاني قد عاد من أداء فريضة الحج وكان قد فقد الإبصار في إحدى عينيه أثناء عمله في تمديد بعض الطرق الجبلية بواسطة المتفجرات وذلك قبل المعركة بشهرين تقريباً.

وتمكن فتح الله باستخدام إحدى الدبابات أن يحطم القوة فوق جبال (ليجاه) وأعاد احتلال المنطقة مرة أخرى. ثم استشهد بواسطة قذيفة مدفع ميدان في يوم الجمعة (17/9/85). أي بعد أسبوع واحد من استشهاد (أحمد جول). وعلمت الحكومة بالخبر فأمرت بالهجوم مرة أخرى فتمكنت القوات الحكومية من العودة إلى ليجاة والاقتراب من (جاور)على نفس البعد السابق وأصبح الموقف في غاية الخطورة بالنسبة للمجاهدين.عاد جلال الدين حقاني من الحج بعد أن استشهد أركان حربه الأساسيين(أحمد جول) و (فتح الله) وكان جلال الدين قد قرر السفر فجأة لأداء الحج كمحاولة لطلب العون المادي من المسلمين في ذلك الموسم فقد اقتربت ديونه من رقم السبعة ملايين روبية باكستانية، وهي الحد الأقصى من التسهيلات التي يمكن أن يحصل عليها من تجار المنطقة الحدودية في شراءالطعام والوقود والذخائر. وبدأت تتوقف التسهيلات والقروض في أحرج أوقات المعركة.على أي حال عاد جلال الدين من موسم الحج بدون أن تنجح مهمته ووجد بدلاً من ذلك رفيقي جهاده وأركان حربه قد استشهدا وكانت تلك أقسى ضربة تلقاها منذ بداية الجهاد . كما وجد “شاه نواز” قد أطل برأسه على”جاور”وأصبح على مرمى حجر منها .

 

إيجابيات المعركة :

تحولت (جاور) إلى رمز للمقاومة الأفغانية. حشد حقاني قواته للدفاع عن جاور بعد أن عززها بتلك القوات التي انسحبت من ليجاة. وتدفق آلاف من معسکرات المهاجرين يحملون السلاح ويكونون فصائل تضع نفسها تحت إمرة جلال الدين.وإمتلأت الجبال والشعاب بمئات الكمائن وضرب حول (جاور) نطاق كثيف من الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات. وجاء إلى جاور (حكمتيار) وبالتعاون مع جلال الدين أنشأ قوة للدفاع عن ميمنة (جاور) وزودها بعدد كبير من الأسلحة الثقيلة، وكانت تلك بادرة لم تحدث منذ بداية الجهاد.

وإلى جاور وصل (مولوي يونس خالص) رئيس حزب إسلامي، وسلم جلال الدين كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة. كما أرسل سياف رئيس حزب (الاتحاد الاسلامي لتحرير أفغانستان) معونات مالية وأسلحة إلى حقاني للدفاع عن (جاور) وكانت تظاهرة تضامن حقيقية لم يشهد مثلها الجهاد الأفغاني من قبل. (علمنا فيما بعد دور المخابرات الباكستانية في إجبار وتهديد زعماء الأحزاب للتعاون في معركة خوست خشية أن يتمكن السوفييت من إغلاق منافذها الحدودية).

 

لحوم الأضاحي .. تصل الجبهة :

كان موقف المهاجرين في تلك المعركة ظاهرة لم تحدث قبلاً.. فقد انتفض المئات من حالة السلبية في المعسكرات وتحولوا إلى مقاتلين يتقدون حماساً. حتى زادهم القليل من الطعام حولوه إلى الجبهة واستأجروا سيارات على نفقتهم تحمل الخبز ولحوم الأضاحي التي تبرع بها حجاج بيت الله إلى المهاجرين. حولوها إلى الجبهات ولم يطعموها أبناءهم الذين نسوا اسم اللحم وليس طعمه فقط. وقد اضطر القادة إلى رجاء المهاجرين بأن يوقفوا إرسال الطعام لأن الكميات التي تصل أكبر بكثير من احتياجات المجاهدين ومن القدرة على النقل إلى  مراكز القتال فكان أكثر الأطعمة يتلف.

كما طلب قادة المواقع من كثير من المجاهدين العودة إلى أماكن قريبة من الحدود لحين الاحتياج إليهم .لأن كثافة المقاتلين أصبحت أكثر من المطلوب وقد يؤدي ذلك إلى ارتباك في الحركة وازدياد نسبة الإصابة من جراء الطيران الذي لا يكاد يهدأ طول اليوم ، والمدفعية السوفييتية التي تعمل على مدار اليوم بأكمله. وعلى وجه العموم كانت الإيجابيات التي أفرزتها المعركة أبعد أثراً من تلك السلبيات التي انكشفت. وكان يمكن تطويرها لكي تصبح مرتكزاً جديداً لإصلاح مسيرة الجهاد في أفغانستان.

 

كذبة تحولت إلى كارثة :

نعود إلى (شاه نواز) الذي وجد نفسه للمرة الثالثة في أقل من عشرة أيام يقترب من هدفه المنشود وتصبح (جاور) على بعد خمسة كيلومترات فقط. وفقد المجاهدون في أسبوع واحد إثنين من أفضل قادتهم الذين طالما تمنت كابول منذ سنوات أن تتخلص منهم بشتى السبل ولكن بلا جدوى. وها هو (شاه نواز) يتخلص من الرجلين في أسبوع واحد. وتصبح (جاور) على قاب قوسين أو أدنى. ما أن سمع (شاه نواز) باستشهاد فتح الله حقاني بعد أن استشهد (أحمد جول)، وعلم أن قواته تقدمت إلى هذا المدى، حتى أرسل برقية عاجلة إلى كابول يعلن سقوط قاعدة (جاور) وذهب إلى إذاعة خوست ليزف الخبر بنفسه ويعلن انتصاره على الملأ.

استلمت كابول إشارة (شاه نواز) واستمع سكان العاصمة إلى صوته يدوي من راديو خوست يعلن سقوط (جاور). كان ذلك في السابع عشر من سبتمبر  (1985). وطار على الفور فريق عسكري من المكلفين بقيادة عمليات خوست تحت إشراف (شاه نواز).

تكون الوفد من الجنرال (غلام رسول) والجنرال (حميد الله) وأحد كبار المستشارين السوفييت المسئولين عن العملية. استقل الوفد طائرة هيلوكبتر مقاتلة وتوجه إلى (جاور) على الفور.

طارت الهيلوكبتر فوق (ليجاة) وشاهدت الاستحكامات الحكومية والجنود بثيابهم العسكرية يملأون قمم الجبال، وواصلت الهيلوكبتر تقدمها نحو (جاور) وهي تتوقع أن تشاهد نفس المنظر ولكنها فوجئت بالسماء وقد تحولت إلى جحيم ومئات من طلقات الرشاشات الثقيلة تصطدم بجسم الطائرة، وأدرك ركاب الطائرة على الفور أن جاور لم تسقط واستدارت الطائرة نحو خوست في محاولة للفرار.. ولكنها انفجرت في الجو وتساقط حطامها.. ليجد المجاهدون في الحطام جثث الركاب.. وتعرفوا من بينها على جثتي الجنرالين الأفغانيين والمستشار الروسي.

وكان يعتقد في بادئ الأمر أن (شاه نواز) كان بداخل الطائرة. ولكن صوته جاء لينبعث مرة أخرى من إذاعة خوست ليعلن مصرع الجنرالين ويعلن أيضاً أن (جاور) لم تسقط بعد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

الطائرات تلقي منشورات إسلامية :

لم يفلح رئيس الأركان في دفع جنوده لإقتحام الكيلومترات القليلة الباقية للوصول إلى قاعدة (جاور).فقد أصبح الطوق الدفاعي حول القاعدة رهيباً. وكان على القوات المهاجمة أن تدفع ثمناً باهظاً في الأرواح مقابل كل بوصة تستولي عليها.

ولم تفلح غارات الطائرات في تكسير الطوق الدفاعي للمجاهدين رغم استخدامها للنابالم والقنابل العنقودية. وجوبهت بنيران كثيفة من الأسلحة المضادة للطائرات لدى المجاهدين. قرر (شاه نواز) بسرعة أن يغير تكتيكه في الهجوم. بدأ خطتة الجديدة بمحاولة لإضعاف معنويات المجاهدين. فأخذت طائرات الهيلوكبتر تلقى أطناناً من المنشورات تشيد بحكومة الرئيس “كارمل” وتدعي أنها حكومة إسلامية وتعمل لصالح الإسلام.

وتشيد بالسوفييت والجيش السوفييتي كصديق جاء يدافع عن الشعب الأفغاني.. وتهاجم المجاهدين وتدعي ضدهم شتى الإدعاءات. ووقف المجاهدون موقفاً عملياً من منشورات (شاه نواز) فكانوا يجمعونها ويستخدمونها كوقود يطبخون عليه طعامهم ويصنعون عليه الشاي الأخضر. أخذ (شاه نواز) يعيد توزيع قواته وركز قوات جديدة على ميمنة وميسرة (جاور) ليصبح الهجوم من ثلاث شعب بدلاً من شعبة واحدة. شعبة تنطلق من (باري) الواقعة على يمين جاور، وشعبة أخرى من دارجي الواقعة على يسارها،  بجانب الهجوم من المحور الأول من (ليجاة) في اتجاه (جاور)

 

انهيار الجنرال :

كانت معنويات الجنود في تدهور مستمر نظرا لطول فترة الاشتباكات و لعدم قدرتهم الاحتفاظ بمواقعهم الحساسة أمام الهجمات المضادة للمجاهدين. وفقد (شاه نواز) بريقه في أعين الجنود وصاروا يتثاقلون في تنفيذ الأوامر. بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى رفض أوامر التقدم  واحتلال قمم الجبال. حتى الضباط بدأ ينتشر بينهم التذمر. وسجل المجاهدون محادثات لاسلكية بين الضباط وقياداتهم  في خوست.

 وبين العسكريين في خوست والقيادات في (كابول) تبادل فيها الجميع  أفحش السباب واتهامات الجبن والعمالة. في المقابل فقد رئيس الأركان ثقته بالضباط وصار يتنقل بواسطة سيارة مدرعة ليشرف بنفسه على  تنفيذ الأوامر من موقع إلى آخر.

وصار يقضي معظم ساعات الليل والنهار في الحركة الدائبة ليشرف على الأمورجميعها بنفسه. وصار الجنرال المشهور أكثر عصبية وانتابته حالة من الهياج الشديد. وأخذ يوزع السباب واللكمات على الضباط والجنود، وأدرك الجميع أن “شاه نواز” الشهير قد فقد الثقة بنفسه أيضاً، وبدأ ينهار.

 

نهاية شاه نواز:

في صباح العشرين من سبتمبر ركب (شاه نواز) سيارة مصفحة وبرفقته اثنين من المستشارين السوفييت الذين أصبح لا يثق إلا بهم بعد أن تقاعس ضباط الجيش وفترت همتهم. ركب في المدرعة أيضاً أربعة من الجنود لحراسة الجنرال والمستشارين وأمر (شاه نواز) سائق المصفحة أن يتحرك بهم من (دراجي) إلى (البتلون) جنوبي خوست. أسرع السائق يلبي الأمر، وسلك الطرق الفرعية الوعرة متفادياً الطريق الرئيسي .  فنهره الجنرال  وأمره باستخدام الطريق الرئيسي، ولكن السائق ارتبك وحاول أن يشرح للقائد أن الطريق قد يكون مزروعاً بالألغام.

فثارت ثائرة الجنرال وجن جنونه ورماه بالجبن وأسمعه سيلاً من الشتائم العسكرية البذيئة. انحرف السائق جهة اليسار ليستخدم الطريق الرئيسي وقد امتقع لونه هلعاً من الجنرال وخوفاً من احتمالات الموت المتربص تحت تراب الطريق. وبعد أمتار قليلة حدث ما كان يخشاه السائق وانفجر لغم مضاد للدبابات تحت السيارة المصفحة فقُتل الجنرال والمستشارين على الفور. وكذلك الحراس الأربعة بينما جُرح السائق جراحاً خطيرة.

 

كذبة واحدة أضاعت الهجوم:

لم يعلم المجاهدون بمصرع (شاه نواز) إلا من إذاعة خوست. وأُذيع النبأ من  إذاعة خوست ثلاث مرات ثم عادت لتنكره مرة أخرى. وفي اليوم التالي تأكد النبأ من راديو كابول كما أكده أيضاً العديد من الضباط والجنود الأفغان بل من بعض ضباط الإستخبارات الأفغانية الذين فروا أو سلموا أنفسهم للمجاهدين. كان الفارق بين حادثة سقوط الهيلوكبتر ومصرع ( شاه نواز) أربعة أيام فقط. وبسبب كذبة (شاه نواز) التي ادعى فيها سقوط (جاور) لقي إثنين من كبار الجنرالات الأفغان مصرعهم في الهيلوكبتر التي جاءت لتشهد سقوط جاور. وبعدها فقد الجنرال أعصابه وأمر سائق سيارته أن يسير في طريق ملغوم. فقتل هو أيضاً. وبهذا كانت كذبة الجنرال السبب الرئيسي في فشل كل البرنامج العسكري الضخم الذي أعده السوفييت وحكومة كابول من أجل إخضاع محافظة باكتيا.

 

اجتماع جنائزي:

هبطت في خوست طائرات هيلوكبتر تحمل كبار رجال الجيش والحكومة لبحث الكارثة التي حلت بأكبر عملية عسكرية شهدتها أفغانستان منذ الاحتلال الروسي للبلاد. حضر سليمان لايق وزير شئون القبائل وجولاب زاي وزير الداخلية الذي راهن على زوجته بأن (شاه نواز) لن يستطيع دخول قاعدة  (جاور).ولا شك أنه شعر بالسرور لأن زوجته قد خرجت سالمة من هذا الرهان الحرج. حضر أيضاً الجنرال (أسلم وطنجار) البطل القومي للشيوعيين في أفغانستان. وبعد مباحثات استمرت عدة  أيام قرر الجميع أنه لا فائدة من متابعة الهجوم.

 

حقاني يستعيد ليجاة:

لم يكد المجتمعون في خوست ينفضون حتى كان جلال الدين حقاني على رأس رجاله قد طهروا تماماً قمم الجبال في ليجاة. ودفع جنود الحكومة بلا هوادة حتى أدخلهم مرة أخرى إلى وادي خوست ورفع رجاله آلاف الألغام المضادة للأفراد كان الجيش الأفغاني زرعها فوق الجبال وفي الوديان. وأعادوا زراعتها في الطرق التي يمكن  أن يستخدمها جنود الجيش. اندفعت مجموعات كثيرة لتطهر المناطق الشرقية من جاورفي (باري)، والغربية في (دارجي) وفي غضون أيام قلائل عاد الوضع العسكري حول خوست لما كان عليه قبل بداية الحملة العسكرية. باستثناء أن جلال الدين لم يرسل رجاله إلى وسط، الوادي في (لاغوراي) نظراً لكثافة الألغام التي وضعتها الحكومة حول المنطقة.

 

 

مدرسة الحرب:

يقول حقاني: إن القوات الحكومية فقدت سبعة جنرالات في معارك خوست وهذه أكبرخسارة تقع بالجيش الأفغاني منذ بداية الجهاد. ونحن أيضاً خسرنا اثنين من أفضل قوادنا باستشهاد مولوي (أحمد جول) ومولوي فتح الله حقاني بالإضافة إلى استشهاد القائد الشجاع (داد مير) الذي استشهد في الأيام الأخيرة للمعركة وظل المجاهدون يقاتلون لمدة أربعة أيام لكي يستعيدوا جثته من منطقة تسيطر عليها القوات الحكومية. إن خسائر مثل هؤلاء القادة الكبار أمر محزن لجميع المجاهدين. ولكن الدروس التكتيكية التي استفدنا منها فى هذه المعركة لا تقدر بثمن وسوف تساهم في تطوير تنظيمنا القتالي بدرجة كبيرة.

 

تعليقات على المقال:

(1) .. حملة السوفييت هذه على باكتيا فازت بهذا اللقب، أشرس حملة عسكرية منذ التدخل السوفييتي. وفازت بنفس اللقب حملة عام 1986 ضد جاور. وقد كانت فعلاً أشرس من حملة 1985. ثم جاءت حملة شتاء (88/87) لتصبح أكبر حملة فازت بتغطية إعلامية دولية وسوفيتية رغم كونها مجرد تمثيلية ومؤامرة لتغطية السوفييت وحفظ شرفهم العسكري قبل الانسحاب. وحملة العرب في جاجي (بقيادة أسامة بن لادن) كانت أخطر وأهم عمل للعرب في أفغانستان وبداية مولدهم الجهادي. ومعركة خوست التي انتهت بفتح المدينة في مارس 1991، كانت الضربة القاصمة للنظام وأدت إلى إسقاطه. وهكذا كانت باكتيا في تاريخ تلك الحرب، هي الحلقة المحورية التي شكلت نهايتها المنتصرة.

(2) .. نجاحات حقاني العسكرية، وزيادة توافد العرب إلى جبهاته إلى حدٍ ما. زاد من قيمة التسهيلات الاقتصادية التي يحصل عليها من تجار منطقة القبائل. وقد كَبَّدَهُ فتح خوست وحدها ديوناً بلغت أكثر من خمسين مليون روبية باكستانية لم يستطع حقاني تسديدها فى وقتها نظراً لتوقف التبرعات الخارجية .

(3) .. ظل الاعتقاد سائداً لعدة أشهر أن شاه نواز قد قُتل فعلاً في ذلك الحادث. ولكنه أُصيب إصابات بليغة وفقد الوعي في الحادث حتى ظنوه في البداية قتيلاً خاصة وهوغائص في بحار من الدماء وسط أشلاء من جثث مرافقيه. وقد نُقل الجنرال إلى كابول واختفت أخباره لفترة طويلة، ثم عاد مرة أخرى على قمة الجهاز العسكري الأفغاني. وكانت مفاجأة غير سارة للمجاهدين في مارس 1990 حين قام بعملية انقلاب فاشلة وفرَّ من كابول إلى باكستان ليعلن تحالفه مع حكمتيار من أجل إقامة حكومة (ثورية إسلامية).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 12




إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان .

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان (3)

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان .

(3 من 4)

فى مشروع إنقاذ منظومة الهيروين :

صراع بين حرس التهريب القدماء بقيادة حكمتيار، وبين والمغامرين الجدد بقيادة أتمر

 

– سياف يفاوض الأسرائيليين فى نيودلهى حول دوره القادم ، ويحرض الهندوس ضد حركة طالبان.

– حكمتيار من أعمدة الحقبة اليهودية القادمة ، و(بلاك داعش) أهم أسلحته . ودوره أساسى فى مشروع الهيروين الجديد.

– باكستان قاعدة لإدارة المشروع الجديد ، وجلال أباد ركيزته الأفغانية ، وقوس الأفيون الجديد مرشح للوصول إلى حدود الصين وطاجيكستان ومنابع نهر جيحون !!.

– “بلاك داعش” أهم أوراق القوة فى يد حكمتيار . والطلب المتزايد على خدماته جعلته يفتح باب التجنيد لإستيعاب 10.000 عنصر جديد ، ليصبحوا أكثر عددا من القوات الأمريكية فى أفغانستان ، ولا ينافسهم فى ذلك سوى بلاك ووتر التى تديرها إسرائيل وينفق عليها بن زايد.

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

المنظومة الأمريكية لإنتاج الهيروين فى أفغانستان أصيبت بأضرار بالغة نتيجة ضربات مجاهدى طالبان ـ أخطر نتائج ذلك كان تصدع منظومة غسيل الأموال وما بنى عليها من شبكة دولية عملاقة من المشاريع قيد الإنشاء المعتمدة على تدفق الأموال المغسولة حديثا .

 

أهم أسباب تصدع مشروع الهيروين الأمريكى :

1 ـ  خروج زراعة الأفيون من تحت سيطره جيش الإحتلال . وحسب تقديراتهم فإن 85% من إنتاج الأفيون يأتى من أرض تحت سيطرة “التمرد” أى طالبان .

2 ـ  قاعدة بجرام الجوية شمال كابول ، أصبحت غير آمنة وتعرضت لهجمات صاروخية طالت أهدافا حساسه داخل القاعدة . فاضطر العدو إلى توزيع جزء هام من قواته على قواعد جوية آخرى . وأنتقل معهم جزء من نشاط إنتاج الهيروين وتوزيعه جوا حول العالم .

ظهر أن القوات الأمريكية الموجودة غير كافية للدفاع عن القواعد الجوية الأساسية ولا حتى الدفاع عن نفسها . وقد خسرت سابقا السيطرة على أراضى زراعة الخشخاش وإنتاج الأفيون الذى هو الهدف الأول للحرب ، بما يعنى عمليا خسارة الحرب نفسها .

3 ـ وسائل نقل الأفيون الخام من مناطق زراعته إلى حيث مصانع الهيروين فى قاعدة بجرام الجوية لم تعد آمنة ، سواء بالمروحيات ، أو طرق البر ، نتيجة كمائن طالبان وإستهدافهم لتجار الأفيون المتعاملين مع العدو .

خسارة أهداف الحرب تعنى خسارة الحرب نفسها . وسقوط مشروع الهيروين يعنى فشل الجيش الأمريكى فى تحقيق أهدافه ، فلم يعد هناك معنى لخوضه حربا لا نهاية لها وقد حُسِمَت نتيجتها بالفعل .

وبعيدا عن التلاعب بالأرقام الذى تتقنه المؤسسات الأمريكية ، فإن معظم زراعة الأفيون هى تحت التأثير المباشر أو غير المباشر لحركة طالبان . وحركة نقل الأفيون إلى بجرام تطالها ضربات طالبان سواء كانت فى الجو أو على الأرض ـ وبجرام نفسها باتت مهددة بشدة . وحتى القواعد الجوية التى هربت إليها القوات الأمريكية لتمارس جزء من نشاطات بجرام الأفيونية باتت هى الأخرى تحت المطاردة والضغط .. فماذا تبقى لهم من أهداف الحرب؟؟ .

 

الخطة البديلة لإنقاذ الهيروين :

تبقَّى لهم تنفيذ الخطة البديلة ، لإنشاء مشروع هيروين أقل طموجاً ولكنه يشكل خطورة على مستقبل أفغانستان .

يعاد توزيع زراعة الخشخاش ليرتكز ثقلها على مدينة جلال آباد عاصمة ولاية ننجرهار فى شرق أفغانستان . وتمتد مناطق الأفيون الجديدة شمالا حتى بدخشان على حدود الصين وطاجكيستان . والأهم وجود منابع نهر جيحون ضمن ذلك المجال . وتلك لمسة إسرائيلية لأن أطماعها ستظل معلقة بمياه آسيا الوسطى فى نهرى سيحون وجيحون . تلك الولايات التى يعبرها قوس الأفيون الجديد ستكون بديلا للتوزيع الحالى الذى تحطم بأيدى طالبان فى معظمه  ويشمل الولايات السبع فى الجنوب والغرب .

تلك الخرائط الأفيونية ، القديم منها والمتوقع ، يفسر كثيرا من توزيع المعارك الحاليه ، سواء فى ننجرهار (العاصمة المستقبلية للأفيون) أو المعارك فى مناطق الجنوب والغرب ، وتأخذ حاليا شكل الحرب الأكثر حدة فى ولاية فراه المحاذية لحدود إيران حيث تدور منذ أشهر ملاحم كبرى تجرى كالعاده بعيدا عن أنظار العالم رغم أنها ترسم مستقبله بشكل أو بآخر .

باكستان بعد أن كانت مهمشة فى مشروع الهيروين الحالى تعود لتأخذ وضعا رئيسيا فى المشروع القادم . فقيادة المشروع الجديد سيكون مستقرها باكستان وليس أفغانستان . قواعد الجيش الأمريكى الجوية والبحرية فى باكستان ستكون الذراع القوية وأساس التوزيع الدولى للمخدرات . ومن هنا نفهم رؤية الجيش الأمريكى بدمج إستراتيجية الهيروين فى الإستراتيجية العسكرية لجنوب آسيا . واقعيا ستكون الإستراتيجية العسكرية الأمريكية فى خدمة مشروعها الدولى للهيروين .

عملية إصطفاف واسعة وتغييرات عميقة تجرى فى كافة المجالات لتلبية مطالب المشروع الجديد(البديل). فالعديد من القوى الفاعلة والقيادات المؤثرة تعيد تموضعها فى أفغانستان وباكستان على السواء. وحتى على مستوى العالم هناك تجاوب لا يقل جدية لما يحدث من تعديلات أمريكية فى الإقتصاد العالمى عبر مشروعها للهيروين فى باكستان وأفغانستان.

 

“إعطاء البيعة ” لليهود :

ويبدو زمام الأمور إستقر للموساد أكثر منه فى أيدى CIA رغم عملهم ضمن تعاون حميم فى مشروع واحد . لكن تفاوت وجهات النظر والخلافات أحيانا لها مجال للظهور والتأثير .

تعدد الجنسيات داخل الموساد ظهرت فوائده . والجذور اليهودية لعدد من القاده الجهاديين الحزبيين المشهورين فى أفغانستان جعلت إنتقالهم إلى السفينة الإسرائيلية سهلاً وسريعا . وأطماع القادة الآخرين وجشعهم المالى وتعطشهم للسلطة رمى بهم إلى تلك السفينة .

– عبد الرسول سياف زعيم الإخوان المسلمين الأفغان ــ وقائد إتحاد أحزاب المجاهدين وقت الجهاد ضد السوفييت ــ تمارض وطار إلى نيودلهى ، بعيدا عن الأعين والآذان ، ليتفاوض مع الإسرائيليين حول طبيعة دوره الجديد  فى خدمتهم ، بعد أدواره السابقة ــ فى المرحلة السوفييتة ثم المرحلة الأمريكية ــ وأخيرا المرحلة الإسرائيلية .

سياف يباشر فى الهند دورا تحريضيا بين الساسه الهندوس محذرا إياهم من وصول طالبان إلى الحكم وأنهم سيقلبون عليهم مسلمى الهند وكشمير.

حكمتيار(إخوان مسلمين)، رجل باكستان فى كل العصور وجميع الأحوال ، عاد مرة أخرى ليباشر نشاطاته المعهودة المنبثقة من مقر عملياته ومركز قواته الداعشية فى معسكر شمشتو قرب بيشاور. حكمتيار سيكون له دور بارز للغاية فى (الخطة البديلة لإنقاذ مشروع الهيرويين).

 

ومن ضمن مهام حكمتيار فى المرحلة المقبلة :

1 ـ الإشراف المباشر على نشاطات داعش فى أفغانستان ( أو بلاك داعش) . وأهم واجباتها هو تأمين جلال آباد كمركز رئيسى لنشاط مشروع الهيروين مدعومين بالحكومة الباكستانية وبمرتزقة شركة (بلاك ووتر) المملوكة لإبن زايد والإسرائيليين .

2 ـ برنامج التفجيرات والإغتيالات المعتادة حسب مطالب الموساد وتوأمه CIA .

3 ـ المساهمة فى تأمين خطوط النقل ومراكز التصنيع فى المشروع الجديد. وللمشروع حدود طويلة جدا مع باكستان التى ستؤمن لهم الدعم المطلوب . لهذا يجند حكمتيار عدة آلاف من القتلة المأجورين لتقوية(بلاك داعش) وتغطية المساحات الكبيرة المطلوبة منه تخريبها.

4 ـ حكمتيار وجماعته لهم خبرات قديمة منذ الحقبة السوفيتية فى تهريب الأفيون من أفغانستان إلى باكستان ، لتصنيعه فى المناطق القبلية وتحويله إلى هيروين، ثم نقله إلى كراتشى حيث تتلقاه سفن الأسطول الأمريكى التى تجلب الأسلحة والذخائر التى كان معظمها من نصيب حكمتيار وعصابته العاملة تحت راية وإسم(حزب إسلامى) . وكان يعتبر أقوى وأخطر الأحزاب وقتها، ليس على العدو بل على مجاهدى الداخل والجهاد واستقلالية مسيرته الإسلامية الصحيحة .

ـ حكمتيار بدأ يواجه مؤخرا متاعب تنافسية مع حنيف أتمر مستشار الأمن القومى السابق . وقد تعاونا معا فى السابق لتأسيس مشروع داعش فى أفغانستان ، بالتعاون مع المخابرات العسكرية الباكستانية وتحت إشراف CIA ـ والموساد بالطبع ـ

إستقال حنيف أتمر من وظيفة المستشار ويقال أنه قد يرشح نفسه رئيسا للجمهورية فى إنتخابات مفترضة فى سبتمبر 2019 .

فى شمال أفغانستان ظهرت ميليشيا مسلحة من الطاجيك ، أعداء حكمتيار وأعوان عدوه السابق العتيد أحمد شاه مسعود، ويعتقد أنها تابعة لحنيف أتمر. ويبدو أن فى الأمر مشروع لإحياء لفتنة طائفية كانت قد خمدت بين الطاجيك والبشتون ــ وابحث عن الموساد ــ

وإغتيل عدد من أعوان حكمتيار فى بيشاور ، فتوجهت أصابع الإتهام إلى حنيف أتمر .

 إذاً لن يكون حكمتيار منفردا فى خريطة الأفيون الجديدة ، بل هناك منافس آخر هو حنيف أتمر . ويبدو أن أتمر يريد بناء حزام أفيونى شمالى ، على حدود الجارة طاجيكستان ، يتكامل مع حزام الشرق(حكمتيار) ، وقد بدأ الصراع الدامى بين الزعيمين مبكراً . وذلك فى مصلحة الموساد و CIA وأسهل لهما فى إدارة اللعبة الشيطانية .

فى أى صراع ستكون كفة حكمتيار أرجح لأنه يحظى بدعم باكستان التى أصبح لها دورا مركزيا فى الخطة الأفيونية الجديدة فى بعديها المحلى والدولى . فمطارات باكستان سوف تأخذ دور مطارات أفغانستان (بجرام ، جلال آباد ، شندند ، قندهار، هلمند). وموانئ باكستان (كراتشى ، جوادر) ستكون هامة جدا فى النقل البحرى للهيروين عبر محيطات العالم.

–  شخصيات هامة جدا تحفر لنفسها خنادق فى الخريطة الجديدة ، هناك مثلا الرئيس السابق “حميد كرزاى” كبير مؤسسى عملية الغزو الأمريكى لأفغانستان والذى كانت الموساد تتكفل بأمنه الشخصى، مثله فى ذلك مثل حكام السعودية والإمارات. وهناك الرئيس الحالى “أشرف غنى” والسيدة حرمه ، وثيقا الصلة بالموساد .

وهناك عبد الله عبدالله (الرئيس التنفيذى !!) والذى يحج إلى نيودلهى بشكل شبه متواصل . وهناك عديدون من حجاج نيودلهى فى طابور طويل يبدأ من سياف وعبد الله و آخرون أقل شهرة ولا يقلون عنهما خطراً، منهم جنرالات هامون من الحقبة السوفيتية .

– باكستان لا تطيق سياف ( رجل السعودية ) منذ أيام السوفييت . وإصطدمت عدة مرات مع حنيف أتمر أثناء توليه الأمن القومى فى كابل. وذلك يرجح أوراق حكمتيار فى تنافسه مع أثنين من أهم أعدائه .

داعش تعتبر ورقة القوة الرئيسية فى يد حكمتيار ، وهى ورقة هامة تحتاجها الموساد فى برنامجها الأفغانى . ومعظم القوة البشرية لدواعش أفغانستان مستوردة من مغارة شمشتو فى بيشاور باكستان ، مقر عصابات حكتيار . يعمل حكمتيار على تلبيته إحتياجات الموساد وCIA من الدواعش لتنفيذ مهام حيوية تتعلق ببرنامج المخدرات الجديدة ، وزعزعة الأمن الداخلى فى أفغانستان ، وضرب طالبان فى خطوطهم الخلفية قرب حدود باكستان مع أفغانستان ، خاصة فى بيشاور ، كويتا، سوات ، خيبر . لذا تقول مصادر مقربة من حكمتيار أنه بصدد تجنيد حوالى 10.000عنصر لتلبية الطلب المتزايد على خدمات (بلاك داعش) فى المرحلة القادمة .

 وفى مجهود إستخبارى مشترك ساهم فيه الأتراك، نُقِل الدواعش من سوريا والعراق إلى مطار جلال آباد الذى يعتبر قاعدة مهمة لتدريبهم العسكرى .

وبهذا يمكن إعتبار حكمتيار مديرا لأحد أهم شركات المرتزقة الكبرى والفاعلة فى أخطر مناطق العالم (أفغانستان ـ باكستان ـ وسط آسيا ـ إيران )، إنها “بلاك داعش” المرتبطة بمشروع الهيرويين الدولى التى تشرف عليه الموساد وCIA .

وعدد مرتزقته من الدواعش ـ الذين تمولهم أمريكا وإسرائيل ـ يضاهون عن عدد القوات الأمريكية والحليفة ، ولا يتفوق عليهم عدديا سوى(بلاك ووتر) التابعة لإسرائيل وبن زايد . أو بالأحرى تديرها وتقودها إسرائيل ويمولها بن زايد من ميزانية إمارته المستنزفة حتى النخاع. وحتى الآن لم تتصادم (بلاك ووتر) الإسرائيلية مع (بلاك داعش) ــ الحكمتيارية ــ التى يقودها ويديرها حكمتيار. بل يعملان بتعاون جيد فى جلال أباد تحديدا التى يجرى إعدادها كعاصمة جديدة لمشروع الهيروين الدولى . وهناك تعاون بينهما فى العديد من المناطق الحيوية للمشروع الجديد ، ومنها ولاية كونار الحدودية مع باكستان . حيث يوفر (طالبان باكستان) خلفية صديقة وداعمة للدواعش الحكمتيارية .

 

تنزيل المجموعة الكاملة من مقالات (إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان ) : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان 3

 




جلال الدين حقاني

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 11

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 161) | ذو القعدة 1440 هـ / يوليو 2019 م .                  

19/07/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 11 )

في تقرير عن معركة خوست .. نشر  في صحيفة الاتحاد الإماراتية ( 1985 ) :       

– كيف بدأت الحملة العسكرية ضد باكتيا.. وكيف إنتهت؟ – تفاصيل وأسرار أضخم حملة يقوم بها السوفييت في أفغانستان؟ – قاعدة جاور الهدف الأول للحملة السوفييتية على خوست.

-الجنرال الدموي يعلن: سأشرب الشاي في (جاور) .

وحقاني يرد عليه : مكانين لن يدخلهما الشيوعيون (الجنة) و (جاور) .

– الشهيد فتح الله حقاني يقهر الجيش الأفغاني بواسطة دبابة صعد بها إلى  جبل(جاور) .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

عدو التكنولوجيا:

الجمعة 12 يوليو 1985:

وصلت أمس إلى ميرانشاه مع عبدالرحمن وأبوحفص.. استطعنا توفيرثلاث قطع مخابرات لاسلكية صغيرة من نوع عتيق جداً. وجهاز تفجير عن بعد جرى تصنيعه محلياً في بشاور… وسنكون أول من يجربه ميدانياً. علمنا أن الوضع متوتر في خوست. وجرت معارك عديدة بين المجاهدين والقوات الشيوعية. ركبنا أحد السيارات التابعة لحقاني ومعنا الشيخ (محمد طالب) وآخرون في طريقنا إلى (ليجاه) لمقابلة حقاني والاتفاق معه على برنامج عملنا، الذي من المفروض أن يستمر كما كان. عند أول نقطة تفتيش على الطريق نحو الحدود، كان يقف شخص في حجم الديناصور من المخابرات الباكستانية، ومعه عدد من الزبانية من جواسيس منطقة القبائل.. كان في  انتظار شيء معين… أوقف سيارتنا.. تحدث معنا فاكتشف أننا لسنا من البشتون أو الفرسوان (متكلمي الفارسية). والمشكلة الرئيسية كانت معي شخصياً بصفتي أشدهم جهلاً بتلك اللغات الحية.

أحد الزبانية نظر إلى السيارة فعرفني، وتذكرت وجهه.. أظنه كان مع المجاهدين في ليجاه منذ  ثلاث سنوات. صاح عندما رأى وجهي (قسم بخدا دا عربيان دى)…  أي أقسم بالله أن هذا عربي. سحبونا بعدها إلى مركز سري للاستخبارات داخل ميرانشاه فبقينا هناك لأكثر من ساعه وأصر مرافقونا الأفغان بأنني (تركماني) لا أعرف أي لغة في المنطقة هنا.. وأخيراً أطلقوا سراحي وواصلنا السير إلى ليجاه.. هناك كان حقاني مع بعثة تلفزيونية من كندا.

القوات الحكومية كانت محتشدة على أطراف الوادي . حقاني اشتبك معهم منذ يومين واستولى على أحد مراكزهم وأخذ منها أسيرا حكوميا. وفقد عشرشهداء وعشرين جريحاً.

اتفقنا معه على استئناف برنامجنا على المطار.

 

السبت 13 يوليو 1985:

نزلنا من ليجاه إلى جاور ثم إلى ميرانشاه وهناك كانت مفاجأة في انتظارنا.. طائرتان هيلوكبتر (مي/24) فرتا من خوست وهبطتا في مطار ميرانشاه. وكان يمكن رؤيتهما من الشارع المقابل لبيت حقاني حيث ينزل ضيوفه، وكانتا مغطتان بشباك تمويه وأغصان أشجار خوفاً من أن تأتي الطائرات الأفغانية لقصفها.

كنا في سرور لكون “عربات البطاطا” قد استسلمت أخيرا  كما كنا نتنبأ لها. سمعنا أن حكمتيار ادعى أن الطيارين كانوا على ارتباط بجماعته، وبالتالي يطالب باستلام الطائرات وأطقمها. حضر حقاني من ليجاه ورفض ما قاله حكمتيار وطالب باستلام الطائرتين لكن حكومة باكستان نقلت الطائرات وأطقمها إلى إسلام آباد، كي تجري المخابرات الأمريكية فحوصاتها وتستجوب الطيارين!!.

سمعنا أن الدكتورعبدالله عزام كان قد احتجز في أحد نقاط التفتيش وهو قادم من بشاورأمس ومعه عشرة من العرب وقضوا ليلة في الحجز.. ولكن حقاني أرسل مندوبيه للإفراج عنهم…

وصل الدكتورعبدالله ومعه عالم من اليمن لا أذكر اسمه ، وفي الليل جلسنا خارج بيت حقاني هرباً من الحرارة.. ودارت بعض الأحاديث الممتعة، أهمها معضله ( هل يمكن للكافر أن يكون شجاعاً؟ ). كانت إجابة الدكتور عبد الله: نعم، والعالم اليمنى:لا. استمر الجدال فترة حتى حسمه حقانى بنظرية (شجاعة الحمار) التي كانت حلاُ وسطاً مقبولاً.

الخميس – يوليوـ 1985 :

وهذه ملاحظات كتبتها في ذلك اليوم:

– قام العدوّ بعمل جسرجوي فوق العادة خلال ثلاثة أيام (20-21-23يوليو) وبمتوسط 15 طائرة نقل كبيرة كل يوم.

– يقوم العدو بعملية استطلاع جوي لمدة سبع ساعات يوميا من الثامنة صباجاً وحتى الثالثة عصراً.

الاستنتاج:

يجري الآن الإعداد لبرنامج موسع ضد المجاهدين في خوست بعد تحديد مواقعهم وأسلحتهم بواسطة الاستطلاع الجوي، وغارات جس نبض بواسطة طائرات الهيلوكبتر والنفاثات (الجت) وسيزداد المجهود الجوي للعدو في الفترة القادمة بغرض تحطيم مراكز المجاهدين وتأمين المطار.

القوات التي وصلت حديثاً وكذلك الأسلحة، سوف تستخدم في هجمات معاكسة على المجاهدين في عدة مناطق خاصة حول المطار لتوسيع نطاق الأمن. وأيضاً ضد المجاهدين في الوادي (رجال حقاني لا يزالون في منطقة لاغوري).

السبت 20 يوليو 85 :

تحركنا لمباشرة عملنا..هالنا ما شاهدناه من صواريخ الهيلوكبتر المغروزة في الجبال و في الأرض. كنت مع عبدالرحمن في الساحة خلف جبل منان حين داهمتنا طائرة هيلوكبتر.. قفزنا في إحدى الحفر ويظهر أنها لم ترنا..ولكنها أفرغت حمولتها من الصواريخ في تلك الساحة  بصلية واحدة.. ثم غادرت صوب المطار.. هل أصبحت منطقتنا مشبوهة إلى تلك الدرجة ؟؟.. أظنه كان  إجراءاً احتياطياً، فلم يكرروا هذا العمل عندنا مرة أخرى.. بلا شك أن السوفييت سوف يفلسون إذا ظلوا يعملون على هذا المنوال. كنت مغرماً بقراءة تاريخ إنتاج قذائف العدو ومن شظايا صواريخ الهيلوكبترعرفت أن بعضها من صناعة نفس العام  1985 أسعدني ذلك لأنه يعني أن المخزون السوفيتي من تلك الذخائرقد انتهى، وأن الانتاج يخرج من المصانع إلى الجبهة مباشرة!!. إنهم سوف يفلسون بلا شك.. ولكن هل نجد يوماً إحصاءاً منشوراً عن عدد أطنان المتفجرات التي فجّرها السوفييت في بلاد الأفغان.. الأمل في ذلك ضعيف.. وأظن أنها أرقام مذهلة وغير مسبوقة في أي حرب مضت.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

الأربعاء أول أغسطس 1985 :

كنت فى الإمارات بينما جلال الدين حقانى و فتح الله حقاني كلاهما  في الحج  ولم أكن أعلم بذلك في وقتها،حتى تناقلت الوكالات أنباء الحمله السوفيتيه الواسعة على محافظة (باكتيا)  ثم قرأت نبأ استشهاد مولوى أحمد جول في برقيات وكالات الأنباء. وكنت وقتها فى زياره لجريدة الفجر . حاولت الاتصال بجلال الدين حقانى من خلال مندوبه في أبو ظبي مولوي غازي مرجان. وكنا في حيرة هل هو في الحج أم في المعركة ؟ ولم يلبث أن وصلنا نبأ استشهاد مولوي فتح الله حقاني الذي التبس علينا اسمه مع إسم جلال الدين .  فانتابنا هَمٌ شديد حتى كاد صديقى المنياوي أن ينهار من الحزن.

عدت بسرعة إلى إسلام آباد والمعركه تلملم أذيالها .. وتقابلت مع حقاني بعد انتهائها ثم زرت المنطقه وحصلت على التفاصيل ثم  كتبت لجريدة الاتحاد التقرير التالي عن المعركة.

خوست/ مقبرة الجنرالات

الاتحاد أول صحيفة في العالم تحصل على تفاصيل أضخم حملة عسكرية في تاريخ أفغانستان

رسالة أفغانستان: تحقيق، وتصوير:   مصطفى حامد

جلال الدين حقاني | معركة جاور 1985 م

كانت أغرب حملة عسكرية في تاريخ الحرب الأفغانية..كما أنها كانت الأضخم بشهادة الجميع إنها حملة خوست التي كان من المفروض أن تنتهي بسيطرة القوات السوفييتية على ولاية باكتيا ومنافذها الحدودية، ومسالكها الجبلية التي تمر فيها أكثر من80%  من إمدادات القتال في أفغانستان. والآن انتهت الحملة.. ولم تحقق شيء.. فكيف؟؟.. فما هي أسرار هذه الحملة التي وصفتها جميع مصادر المراقبين بأنها أشرس حملة قتال في تاريخ أفغانستان؟

لقد انفردت الاتحاد بنشر الخطوات الأولى التي مهدت لهذا الصدام.. وغطت جانباً من التطورات الأولية التي رسمت مسيرة هذا القتال.. ولكن جاء وقت لكي تكشف فيه بعض الأسرار التي لم يكن من المناسب أن تنشر في ذاك الوقت.. والآن توصلت (الاتحاد) إلى أدق تفاصيل وأسرار هذه الحملة. ونبدأ في نشر جانب من هذه الأسرار بقدر ما تسمح به ظروف المواجهة التي ما زالت قائمة رغم إنتهاء تلك الحملة التي بدأت في منتصف مايو وانتهت بنهاية شهر سبتمبر الماضي 1985 .

عام الحسم:

كان من المفروض أن يكون عام1984م,هو عام الحسم العسكري في أفغانستان. هكذا أعلن السوفييت بقوة على لسان الرئيس الأفغانى )بابراك كارمل(. وبدأ السوفييت يدفعون بفرقهم العسكرية  لكي تأخذ على عاتقها تدمير مراكز تجمع المقاتلين الأفغان وقواعدهم.  فقد السوفييت ثقتهم في الجيش الأفغاني رغم أن تعداده الذي تدنى إلى ثلاثين ألف جندي قد عاد وارتفع إلى ستين ألف. وتم تجديد الأسلحة القديمة واستبدالها بمعدات أحدث. ولكن الروح القتالية لدى الجنود كانت في تدهور مستمر. وحتى تنجح حملة واسعة كالتي يخطط لها السوفييت كان لا بد لهم من الاعتماد على قواتهم التي اكتفت منذ دخولها أفغانستان بحماية العاصمة كابول التي يخصص لها ثلث القوات السوفييتية تقريباً، وحماية طريق الإمدادات من الأراضي السوفييتية حتى كابول عبر ممر سالانج وهو طريق الإمداد الرئيسي لقواتهم. ثم حماية القواعد الرئيسية مثل قاعدة باجرام الجوية شمال كابول وقاعدة (شيندند) القريبة من هيرات، وغيرها. أما المشاركة في العمليات فقد احتفظ السوفييت لنفسهم بدور المستشارين العسكريين في كافة المستويات القيادية من قيادة الجيش إلى قيادة الفصائل الميدانية. هذا إلى جانب احتفاظهم بالدور الأساسي في السلاح الجوي العامل، مع اشتراك وحدات الكوماندوز السوفييتية في عمليات لها أهمية خاصة وعلى المناطق المجاورة للحدود السوفييتية.

 

حقاني في باكتيا :

في باكتيا تعيش عدد من أكثر القبائل الأفغانية شجاعة وبسالة في القتال ولكنها قبائل ترفض أي نوع من السيطرة غير القبلية، لهذا كانت وما تزال عملية تنظيمهاعسكرياً عملية شاقة. ولكن ظهور شخصية قائد عسكري فذ مثل جلال الدين حقاني هو في نفس الوقت من علماء الدين البارزين استحوذ على إعجاب تلك القبائل. فأصبح حقاني قادراً على تجميع معظم هذه القبائل في عمل عسكري واحد وعلى درجة من التنظيم لم تعهدها باكتيا من قبل. ولم تشهد باكتيا الصراعات الحزبية الدامية كما شهدتها مناطق أفغانية أخرى. لهذا توقف الإفساد الحزبي عند حده الأدنى في باكتيا. وبرز حول حقاني مجموعة من القادة العسكريين العلماء من خيرة قادة العمليات في البلاد من أمثال أحمد جول وفتح الله حقاني وبختر جان ومحمد حسن وغيرهم وقد استشهد أحمد جول وفتح الله في العمليات الأخيرة. كل هذا جعل الثقل المتجمع حول حقاني هو العقبة الرئيسية في إخضاع باكتيا ويضمن بقاء هذا الشريان مفتوحاً أمام قوافل المجاهدين. ولكن حقاني مثله كباقي القيادات الميدانية البارزة لم ينج من محاولات التحجيم أو (الإزاحة) من جانب زعامات(المهجر) في بشاور. لقد تعرض مسعود لعمليات قطع طرق الإمداد ليس فقط بواسطة القوات السوفييتية بل أيضاً بواسطة قوات حزبية مدعومة من بشاور. أما ذبيح الله ــ في مزارشريف فكانت طرق إمداده تمر عبر باكتيا بضمان جلال الدين حقاني الذي أنشأ مخازن تموينية خاصة بقوافل القائد (ذبيح الله) في مزار شريف. وكان الرجلان على معرفة وثيقة عبر تبادل الرسائل ولكنهما لم يتقابلا أبداً..  حتى اغتيل (ذبيح الله) على أيدي قوات حزبية.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

حصار اقتصادي:

لم يكن ممكناً لكي يتم تحجيم حقاني بأن تقطع خطوط إمداده بواسطة قوات حزبية. لأن حقاني هو الذي يمسك بين يديه بعصب الإمدادات لمعظم أنحاء البلاد. كما أن أي مغامرة لإزاحة حقاني بالطريقة التي أُزيح بها (ذبيح الله) ستهيج قبائل باكتيا ضد المعتدي ولن تجعله يطأ أرض أفغانستان مرة أخرى. لهذا كانت محاولات تحجيم حقاني تعتمد على سلاح الاقتصاد أو الحصار الاقتصادي.

فكانت تحبس عنه المساعدات بشتى السبل وكانت المساعدات القادمة من الخارج إلى بشاور لا تعرف طريقها إلى حقاني. فكان يلجأ لتمويل عملياته وإطعام رجاله إلى الاستدانة من تجار القبائل. ولكن إذا وصلت ديونه إلى رقم السبعة ملايين كانت تتوقف تلك التسهيلات (البنكية)، وبالتالي تخففت نشاطات حقاني تدريجياً إلى حدها الأدنى. وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة أمام الحزبيين لتحجيم حقاني. وجاءت الحملة الأخيرة لتقلب ضمن أشياء كثيرة معادلة الحصار الاقتصادي، بل وضِعَتْ أحزاب بيشاور في دائرة الاتهام، وأصبح التخلص من تأثيراتها السلبية على الجهاد مطلباً دينياً وقومياً لدى المقاتلين الأفغان. ولا يكاد برنامج إصلاحي لتعديل الانحرافات الحادثة إلا ويحتوي على محاولات لتخطي الصيغة الحزبية الكريهة. ** القواعد والطرق إنجازين هامين لجلال الدين حقاني أكسبت المجاهدين في باكتيا مزايا استراتيجية على العدو..

وكان تدمير تلك الإنجازات على رأس أولويات الحملة الأخيرة، كما أفاد بذلك عضوين من كبار ضباط (خاد) جهاز الاستخبارات الأفغانية. وقعا أسيرين في عمليات المجاهدين على مدينة خوست.وأكد ذلك أيضاً ضباط عاملين في الجيش الأفغاني انضموا إلى المجاهدين أثناء تلك العمليات أيضاً. أول تلك القواعد المستهدفة كانت قاعدة (جاور) . وهي القاعدة التي زارتها صحيفة الاتحاد وتحدثت عنها في تاريخ (8/8/85) وبدون ذكر اسم القاعدة. ولم يقتصر الأمر على ضباط الاستخبارات أو  ضباط الجيش بل أن رئيس الأركان الجنرال(شاه نواز تاناني) أثناء تواجده في خوست لقيادة العمليات أعلن بنفسه من إذاعة المدينة أنه سيشرب الشاي في قاعدة (جاور). وكان للجنرال سمعة عسكرية عالية فهو يحمل أوسمة التقدير من حكومة كابول وله خبرة واسعة في العمليات الكبيرة في هيرات وبانشير وكونار . وهي أهم الحملات في الحرب الأفغانية وكان للجنرال باع طويل فيها كرجل كفؤ وشجاع  ودموي أيضاً. والغريب أنه من مواليد ولاية باكتيا التي جاء لكي يقهرها ويخضعها للسوفييت.

جاور و (الجنة) :

كان لتصريح (شاه نواز) في الإذاعة وقع سيء على نفوس القبائل وأدرك جلال الدين خطورة الحرب النفسية التي يشنها السوفييت والحكومة عبر إذاعتي خوست وكابول. لجلال الدين محطة إذاعة في (جاور) فأطلق رده المشهورعلى تصريحات رئيس الأركان. قال جلال الدين للمجاهدين إن الشيوعيين لن يدخلوا مكانين هما (جاور) و (الجنة)!!. أحبطت كلمات العالم البارز والقائد العسكري المشهور الحرب النفسية للجنرال شاه نواز وحكومة كابول. وذلك قبل أن تُحْسَم المعركة فوق جبال خوست. ولقاعدة (جاور) عدة نماذج نشرها حقاني في بكتيا واختيرت مواقعها بعناية , بحيث يصعب التأثيرعليها بالقصف الجوي حيث أنها عبارة عن كهوف ضخمة في الجبال.كذلك فإن اقتحامها عملية تستدعي قوات أرضية كثيفة ومعارك طويلة باهظة التكلفة في الأرواح والمعدات بالنسبة للمهاجمين.

وفي نفس الوقت فإن إغضاء الطرف عنها يكلف القوات الحكومية والسوفييتية الكثير. فهذه القواعد تختزن كميات كبيرة من المؤن والذخائر إلى جانب الخدمات الأساسية للمجاهدين مثل الخدمات الطبية والتدريب والتعليم والخدمات الإدارية. ويتفرع عن القاعدة نشاط عسكري يغطي مساحات واسعة حولها. وأحياناً تقدم خدماتها إلى محافظات مجاورة مثل لوجار وغازني وباكتيكا. إذن من غير المعقول أن تخضع باكتيا قبل تدمير هذه القواعد واحتلالها. وفي مقدمة هذه القواعد كانت قاعدة (جاور) القريبة من الحدود الباكستانية جنوب خوست وأيضاً لأنها تحتوي على محطة إذاعة  يصل مداها إلى عمق أفغانستان.

الطرق .. والمفاجأة :

الطرق التي شقها المجاهدون كان لها تأثير جذري على سير المعارك. فقد ركز حقاني طوال سنوات ليس فقط على إنشاء القواعد الجبلية بل أيضاً في مد طرق جديدة بين الشعاب وبين القمم الجبلية بحيث تصلح لمرور الآليات. وبهذا أصبح في إمكان المجاهدين استخدام السيارات لنقل المؤن والعتاد حتى خطوط القتال القريبة من العدو وحتى قمم جبلية لم يكن يصلها في السابق غير البغال وبشق الأنفس. بل استطاع جلال الدين أن يفاجيء قوات الحكومة في موقع (ليجا) بأن تقدم بالدبابات لتظهر فجأة على يمين القوة في الوادي وتفتح نيرانها عليها فسبب ذلك إرباكاً ضخماً وتجمعت أكثر القوات المخصصة للدفاع عن خوست لتدافع عن (ليجاة) فإلتف رجال الدين برجاله من يمين القوات المتمركزة أمامه ليحتل مواقع في منتصف وادي خوست عند (لاغوراى) وخلف القوات المتمركزة ودمر عدة تجمعات للميليشيا وجنود الحكومة. وظلت القوات الحكومية في  خوست تعاني من هذه الضربة حيث تمكن جلال الدين من عزل المراكز والحصون الحكومية في الطرف الغربي من الوادي وأصبح يضرب كل محاولة لتموينها. وظل الوضع هكذا حتى تقدمت القوات الحكومية من (جارديز) لتفك الحصار حول (خوست) التي وصلها أكثر من عشرة آلاف جندي إضافي فاضطر جلال الدين إلى سحب قواته مرة أخرى إلى المرتفعات حتى لا يتعرض للحصار والإبادة في الوادي المكشوف. { الانسحاب من الوادي المكشوف والعودة إلى الجبل تفاديًا للحصار مناورة عسكرية استخدها حقاني مرة أخرى أثناء هجومة على مدينة جرديز في عام 1991ـ كما سنرى ذلك فيما بعد}. وكان طول فترة بقائه في الوادي قد تحصن داخل مجاري السيل الجافة. والتي كان عمق بعضها يبلغ مترين أو أكثر وحولها بسرعة إلى تحصينات طبيعية وحَفَرَ في جدرانها المغارات وحولها المجاهدون إلى كمائن حصينة لم تؤثر فيها غارات الطيران أو القصف الصاروخي الشديد الذي انصب عليها.

دبابة فوق الجبل:

لقد ساهمت تلك الطرق في تحقيق مفاجأة تكتيكية أخرى كانت حاسمة في الدفاع عن قاعدة جاور. فقد اهتزت صفوف المجاهدين بعد استشهاد القائد المشهور مولوي أحمد جول بقذيفة هاون أثناء دفاعه عن جبال منطقة ليجاه التي حاولت الحكومة احتلالها والتقدم عبرها إلى حصن جاور. وكان زخم الهجوم السوفييتي والحكومي على أشده في ذلك الوقت. واعتمد السوفييت على كثافة نيران هائلة تصبها المدفعية من خوست فوق قمم الجبال. وبعد إسكات مصادر نيران المجاهدين تتقدم موجات كثيفة من المشاة لتحتل قمم الجبال وتظل هكذا تدريجياً حتى تصل إلى الهدف المنشود وهو قاعدة جاور في هذه الحالة. وبعد استشهاد مولوى  أحمد جول، وهو من كبار مساعدي جلال الدين حقانى ومن أبرز قواده ، انهارت خطوط الدفاع عن ليجاه وتقهقر المجاهدون حتى قرب  جاوربينما تقدم المشاة فوق قمم الجبال حتى صارت قوات الحكومة على بعد خمسة كيلومترات فقط من  جاور .

عندها بادر  فتح الله حقاني  المساعد الأول لجلال الدين حقاني فأمر أحد الدبابات الموجودة في قاعدة  جاور فصعدت فوق أحد القمم العالية حول القاعدة عبر طريق كان قد مهده المجاهدون. وفاجأت الدبابة القوات الحكومية بوابل من القذائف ففر الجنود الحكوميين تاركين قمم الجبال ولم يتوقف انسحابهم حتى وصلوا إلى قواعدهم في الوادي. وأسرع فتح الله حقاني ليطهر الجبال من الألغام التي بثتها الحكومة ويعيد تركيز رجاله وأسلحته عليها.

{ سوف نرى فيما يلي كيف سارت المعركة إلى نهايتها المحتومة}.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 11




تنظيم القاعدة .. لا مرحباً بكم فى أفغانستان (3)

القاعدة عدو عاقل أم صديق مجنون؟

تنظيم القاعدة .. لا مرحباً بكم فى أفغانستان 

(3 ــ الأخيرة)

– قبل الحرب .. تيار معادى لأسامة بن لادن داخل حركة طالبان ، يقوده وزير خارجية ، يتشكك فى “القاعدة” والتواجد العربى المرافق لها.

– ظهرت شكوك داخل الحركة بأن أمريكا أرسلت بن لادن إلى أفغانستان لإيجاد ذريعة لضرب حركة طالبان.

– بن لادن فى جلساته الخاصة :

(الإخوة الطالبان جزاهم الله خيراً لا يدركون أبعاد الواقع ولا مصالح المسلمين خارج أفغانستان، ونحن أقدر منهم على ذلك) ــ ( لأدخلنهم حرباً هى خير لهم من الدنيا وما فيها ).

– إغتصب بن لادن صلاحيات أمير المؤمنين ، والقاعدة إحتلت موقع شعب أفغانستان.

– داعش والقاعدة يوَّجِّهان الطعنات للإمارة الإسلامية فى أدق مراحل الجهاد .

– قد تواجه القاعدة إتهاماً بالخيانة العظمى إذا عُرِضَتْ قضيتها أمام المحكمة الشرعية فى قندهار .

 

 

شكوك صقور طالبان :

الجناح المعارض داخل صفوف طالبان كان على رأسه وأهم رموزه “ملا محمد حسن” وهو عضو قوى فى مجلس شورى حركة طالبان، تولى وزارة الخارجية لفترة، وكان يرى بأن بن لادن أصبح هو الذى يحدد السياسة الخارجية للإمارة، فتواجده فى البلاد ونشاطه الإعلامى قد أثار ردود أفعال أمريكية وباكستانية وسعودية. ثم بالتأثير الأمريكي تحركت أوروبا والأمم المتحدة. حتى لم يعد فى إمكان “الإمارة” أو وزارة الخارجية ضبط إيقاع العلاقات الخارجية خارج الدوامة التى أثارها ذلك الرجل.

فى رأى ذلك الجناح من الصقور أن بن لادن يجب أن يعاقب (أو أن يطرد) لرفضه مراراً طاعة توجيهات”أمير المؤمنين” بالإمتناع عن إجراء المقابلات الإعلامية.

الملا محمد حسن كان الأكثر جرأة فى تيار الصقور حين عبر صراحة فى مجالسه بأن هؤلاء العرب “الوهابيون” لا داعى لهم، فهم خصوم (لنا) فى الأساس، فهناك خصومة مذهبية لاحل لها بين الوهابية والصوفية، ثم أن هؤلاء كانوا يدعمون سياف وحكمتيار وقت الجهاد، فهم من الإخوان المسلمين أعداء طالبان ، والعرب قاتلوا مع حكمتيار ضد حركة طالبان، وقتلوا منهم الكثيرين، ثم يتساءل عن السبب فى تحمل (مصائبهم).

ومن هنا ظهرت إتهامات تشكك فى بن لادن وأنه (مبعوث من أمريكا) لإيجاد ذريعة لضرب حركة طالبان (!!). كانت تلك نظرية تآمرية موجودة بالفعل بين صفوف طالبان لتفسير ظاهرة بن لادن التى داهمت حركتهم على غير إنتظار فحددت مصيرها.

فى صفوف العرب كان للمعاضة أسباب أخرى، فقال الصقور أن بيان بن لادن ( إعلان الجهاد على الأمريكيين) جاء قبل سيطرة حركة طالبان على العاصمة كابول والذى جعلها حكومة شرعية للبلاد، الأمر الذى يستدعى إدخال تعديلات جوهرية. فهناك الآن حكومة شرعية لابد من الخضوع لسلطانها وأوامرها . وبرامج مثل (إعلان الجهاد) لابد أن يتم بالمشاورة مع حاكم البلاد (أمير المؤمنين) وطبقاً لتصوراته، أو بالأحرى قدرته على الإحتمال.

وإذا لم يتم هذا التنسيق فسيحدث الصدام عاجلاً أو آجلاً بين “بن لادن” والعرب معه وبين (الإمارة). بينما العرب مجرد ضيوف وهم الطرف الأضعف. فإما أنهم سيُرغمون على مغادرة البلاد أو أن يصمت بن لادن، وتوقفت جميع نشاطاته الأخرى (خاصة معسكرات التدريب).

حدث إجماع عربى فى آخر عامين لهم فى أفغانستان بأن عليهم، وعلى ابن لادن بشكل خاص، الإنتباه إلى أن أفغانستان هى آخر جزء على وجه الأرض يقبل بإقامتهم بشكل طبيعى وبدون أن يكونوا مهددين خارجياً أو داخلياً.

ولم يكن ثمة خلاف بينهم على أن تقدير أمور الدوله وإدارتها هو من صلاحيات ومسئوليات الملا “محمد عمر” أمير المؤمنين ، وأنه ليس من حق بن لادن الخروج على هذه السلطة أو عصيانها أو تكوين (دولة موازية) داخل أفغانستان.

 

كان بن لادن يوافق ظاهريا على ذلك. ولكنه برْهَنَ على أنه الشخص الوحيد فى أفغانستان الذى يرى لنفسه الحق وأن عنده القدرة على أن يفعل ما يريد. فتمكن بذلك من قيادة الركب الإسلامى فى أفغانستان .. إلى الهاوية .

بن لادن فى جلساته الخاصة كان يقول : (الإخوة الطالبان جزاهم الله خيراً لا يدركون أبعاد الواقع ولا مصالح المسلمين خارج أفغانستان.. ونحن أقدر منهم على ذلك) ــ وقال أيضا: (لأدخلنهم حرباً هى خير لهم من الدنيا وما فيها).

تصريحاته تلك فى جلساته المحدودة كانت ترجمتها السياسية أن الرجل وضع يده على القرارات السيادية فى أفغانستان ، خاصة ما يتعلق بأهم محورين: الأول هو العلاقات الخارجية للإمارة الإسلامية ، والثانى هو قرار الحرب التى يرى فيها أفقاً خلاقاً هو الأفيد للإمارة الإسلامية ولشعب أفغانستان ( وخير لهم من الدنيا وما فيها).

 

– الملا محمد عمر كَبَحَ المَوْجَة المعادية لابن لادن وللقاعدة فى أفغانستان ، والمعادية للعرب بسبب تجييشهم العداء الوهابى ضد الصوفية التى يتبعها معظم سكان أفغانستان من الأحناف .

الإهتمام العالمى بتنظيم القاعدة وزعيمه (بن لادن) أصبح هيستيرياً ، خاصة بعد ضرباتهم الثلاث ضد أهداف أمريكية ، بدءاً بعمليتى أفريقيا ضد سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام ثم ضرب المدمرة الأمريكية (إس إس كول) فى ميناء عدن ، وصولا إلى قمة الإثارة فى(غزوة منهاتن) وإسقاط بُرْجَي التجارة هناك .

 فى باكستان وبلاد العرب عموما إكتسب بن لادن وتنظيمه شعبية كبرى . إنتقل جزء كبير منها إلى أفغانستان . ولكن ظل قطاعاً مهما من قيادات كوادر طالبان متشككين فى تلك القصة كلها ، وشعروا أن أفغانستان قد أُختُطِفَت من بين أيديهم ، وإنتقلت إلى “بن لادن” وليس الملا عمر ، وإلى تنظيم القاعدة وليس حركة طالبان . وأن الأحداث أصبحت خارج سيطرة الإمارة وأنها تسير بسرعة نحو كارثة كما حذر كثيرون .

 فى أحد خطاباته الشهيرة  قَسَّمَ بن لادن العالم إلى فسطاطين ـ أحدهما إيمان لا كفر فيه والآخر كفر لا إيمان فيه . كلام حماسى جميل ، ولكن مكتب الملا عمر، أمير المؤمنين فى هذه البلاد كان على بعد دقائق ، ومع ذلك لم يذهب إليه لإستشارته ، فى موضوع تصنيف العالم بهذا الشكل الذى يمهد لحرب عالمية مركزها أفغانستان .

عمليا .. إغتصب بن لادن صلاحيات أمير المؤمنين ـ وإحتلت القاعدة مكانة شعب أفغانستان .

وفى المشهد الأخير من المسرحية نشبت حرب أحرقت أفغانستان وأسقطت نظام الإمارة الإسلامية. وإنتقل بن لادن إلى(أبوت آباد)، المدينة العسكرية فى باكستان، ورحلت القاعدة خارج أفغانستان لتُعَمِمْ تجاربها فى تصنيع الحروب والكوارث ، وفرض الإنتكاس على الشعوب ومحاولاتها الناجحة أو السائرة فى طريق النجاح.

بدأت المسيرة الجديدة فى العراق على يد قائد القاعدة الميدانى (أبو مصعب الزرقاوى). ثم إنتقال مأساوى آخر صوب سوريا على يد عشرات القادة الجهاديين ، لدفع الشعبين فى العراق وسوريا إلى ما وقع فيه شعب أفغانستان من “حرب هى خير لهم من الدنيا وما فيها”. ثم ذلك التطور العبقرى بتحويل القاعدة إلى توأم ملتصق بداعش . وكان عهد الزرقاوى فى العراق هو الخطوة الأولى الكبري نحو ظهور الداعشية التى صارت أهم منتجات الجهاد القاعدى الوهابى ، وأكثرها تأثيرا فى السياسة العالمية. ونادرا ما تظهر القاعدة فى ميدان إلا وتظهر معها داعش ، والعكس صحيح. فيما يبدو أنه توزيع أدوار ضمن برنامج واحد فى أى بلد منكوب.  ورغم تكامل الأدوار، إلا أن التنافس موجود ضمن التحالف الواحد.

فتحول قطاع من منتسبى القاعدة إلى “داعش” ، الأكثر حيوية ودموية ومعاداة للشعوب.

 

وفى كل مكان ذهبت إليه القاعدة كان قادتها يرون أنهم الأفضل إدراكا لمصالح المسلمين .

كانت القاعدة/ ومازالت/ فى اليمن وليبيا والصومال وأماكن عديدة فى أفريقيا وبلاد العرب . وظل الفشل والتدهور من نصيب كل تلك التجارب ، وكان للقاعدة وقيادتها نصيب أوفر من المسئولية عن معارك هى “أفضل للمسلمين فى الدنيا والآخرة” .

فى الدنيا يريحهم الموت وفى الآخرة لهم الجنة . وتلك هى بإيجاز مصالح المسلمين التى لا تدركها غير القاعدة وشقيقتها داعش وأمثالهما من مكونات الشركة الدولية لإبن دحلان وكفيله بن زايد ، أفرع (شركة بلاك ووتر الجهادية) التى تشغل مكانا مرموقا فى إستراتيجية مشتركة بين إسرائيل وأمريكا .

 

 

القاعدة وداعش ..تحرك مشترك فى أفغانستان :

– إذا كان الشك يلف دور القاعدة فى مخطط دولى ضد أفغانستان وحركة طالبان ، فى إشعال حرب عالمية (ضمت 48 دولة) ضد أفغانستان فى عام 2001 . فإن تلك الشكوك بدأت تنبعث من جديد ، بعد نشاطات للقاعدة خلال السنوات التى أعقبت سقوط الإمارة ، وإحتلال أمريكا لأفغانستان . ولأن للقاعدة ماضٍ قديم نسبيا مع حركة طالبان ـ بدأ منذ عام 1996 وعودة بن لادن وطلائع القاعدة مطرودين من السودان ، فإن تعاملهم مع حركة طالبان كان أكثر سلاسة ، مرتكزين على أصدقاء قدماء ومواقف قديمة محسوبة لصالح القاعدة خاصة فى القتال حول كابول.

عملت القاعدة وداعش على مسارين مختلفين يقودان الى هدف واحد هو إسقاط جهاد شعب أفغانستان . تحت نفس الذرائع القديمة {معرفة أفضل للواقع ــ وحرب هى أفضل للشعوب من أى حياة} .

– بدأت الحرب الأمريكية على أفغانستان فى العاشر من أكتوبر 2001 ، وبعد شهرين إستكمل الأمريكيون مع حلفائهم الأجانب والمحليين السيطرة على أفغانستان وإسقاط حكم الإمارة الإسلامية . ويمكن تسميتها بالفترة الأولى . ومن ضمنها تأتى الأيام الأخيرة قبل سقوط قندهار فى يد الغزاه الأمريكيين والميليشيات المحلية . وأداء القاعدة العسكرى فى تلك الفترة جدير بالملاحظة والنقاش. وتضم تلك الفترة تجربة جبال “تورابورا” المثيرة والتى كانت أمل بن لادن فى هزيمة الأمريكيين.

– الفترة الثانية : إستخدام القاعدة لعناصر على دراية جيدة بالوسط الجهادى الأفغانى. واستمرت تلك الفترة عدة أشهر إلى أن إستشهد أو أعتقل معظم هؤلاء الكوادر، بعد قيامهم بمجهود كبير فى دعم مقاومة جديدة ضد الأمريكيين.

– مهما كانت تفاصيل نشاط القاعدة القتالى فى هاتين الفترتين فإنه بالإجمال يندرج / فى أفضل حالاته / تحت باب صَدَقَة يبذلها القاتل على روح القتيل ، حيث كان الأجدى عدم القيام بجريمة القتل فى الأساس.

– الفترة الثالثة محاولة القاعدة بناء تنظيم قتالى خاص بها فى أفغانستان بعيدا عن قيادة الإمارة الإسلامية ، وعلى عكس أوامرها المشددة.

– وتلك كانت أخطر الفترات ، إذ أحْيَتْ الشكوك القديمة فى دوافع وجود “القاعدة” .

وكان تنظيم داعش ينشط فى نفس الاتجاه ، برعاية من جيش الإحتلال الأمريكى ومن أعلى المستويات الأمنية فى حكومة كابول ومن سلطات الأمن الباكستانية . العملية كانت ممتدة إلى أن تسارعت وتيرتها مؤخرا بسبب الأزمة التى وصلت إليها المفاوضات بين الأمريكيين والإمارة الإسلامية .

وظهر للعيان إرتباط أهداف القاعدة مع برنامج داعش فى أفغانستان تحت رعاية الإحتلال الأمريكى . وملخص الخطة الأمريكية هو أظهار ضرورة إستمرارية الإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، بذريعة حماية شعبها ، وحماية دول المنطقة من المنظمات الإرهابية التى تنشط فى أفغانستان ، وفى مقدمتها داعش والقاعدة .

– وتلك كانت خطة بديلة بعد أن تمكنت الإمارة الإسلامية من إفشال المحاولة الأمريكية بجعل هدف المفاوضات هو إرساء السلام فى أفغانستان بين حركة طالبان وحكومة كابول العميلة .

 إذ أصرت حركة طالبان على أن إنسحاب القوات المحتلة هو الطريق الوحيد للسلام . وأن الحكومة العميلة هى مشكلة محلية سيكون حلها سهلا بزوال الإحتلال . كما شاع نبأ عن تسوية المئات من أعمدة النظام الحاكم لأوضاعهم مع الإمارة الإسلامية ، لضمان سلامتهم بعد إنسحاب القوات المحتلة . وتعاون هؤلاء مع الإمارة فى العمل ضد الإحتلال لم يعد سراً، كونه الوسيلة الوحيدة لإثبات حسن نيتهم بعد سنوات قضوها فى خدمة الإحتلال .

– بمساعدة الإحتلال الأمريكى جاء آلاف الدواعش من تركيا إلى أفغانستان بعد أن إنتهت مهمتهم فى سوريا .

– القاعدة من جهتها ، ومنذ سنوات، تسرب عبر إعلامها مفهوم إنها حليف لحركة طالبان ومشارك لها فى جهادها.

تغاضت الإمارة الإسلامية عن إدعاءات القاعدة بإعتبارها دعايات حزبية معتادة تستخدم الأكاذيب لتقوية وضع التنظيم . ولكن القاعدة تمادت فى الفترة الأخيرة ، تماشيا مع إنهيار الموقف الأمريكى فى التفاوض . وتعلقه بورقة مكافحة الإرهاب بحجة تواجد القاعدة وداعش فى أفغانستان كتبرير لتواصل إحتلاله لأفغانستان. وهى الذريعه التى تعلق بها فى سوريا والعراق بعد فشل مشاريعه المباشرة للإحتلال كوسيلة للسيطرة على الثروات النفطية للبلدين .

بدون مناسبة رفعت القاعدة مستوى إعلانها عن تحالف وهمى مزعوم مع حركة طالبان. وعبر مؤسسة “السحاب” الإعلامية بثت شريط فيديو أغضب الإمارة الإسلامية التى شككت فى دوافعه وتوقيته . خاصة وأن الشريط المذكور ركز على مسألة التحالف ، ثم أن “السحاب” أرسلت الفيلم مباشرة إلى مجلة أمريكية هى(لونج وور جورنال) ولم ترسله فى البداية إلى الإمارة أو المواقع العربية . “السحاب” نشرت الشريط مع بداية الجولة السادسة من المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة . وقد تداول الإعلام الغربى بكثافة ذلك الشريط المشبوه ، مُرَكِزاً فى تعليقاته على أكذوبة “التحالف” بين القاعدة وطالبان.

إحتوى الشريط على مقاطع قديمة لعمليات عسكرية ناجحة لحركة طالبان ، إدعى الشريط أنها عمليات مشتركة بين طالبان والقاعدة . وكان ذلك كذباً إستفزازيا لأن “السحاب” حذفت التعليقات الأصلية من الشريط وكانت بلغة الباشتو ، ووضعت تعليقات بلغة الأوردو مكانها .

هذا  النوع من التلاعب هو من الأعمال الروتينية فى أوساط المنظمات الطفولية ، وكان يمكن مواصلة التغاضى عنه لولا توقيت المفاوضات ، ولولا التركيز الإستفزازى حول أكذوبة “التحالف” الذى إستفاد منه العدو وروجه إلى أقصى مدى ممكن .

 

 

تفكيك النشاط التنظيمى للقاعدة فى أفغانستان :

تمكنت الإمارة الإسلامية فى تفكيك النشاط التنظيمى للقاعدة فى أفغانستان . وكان ذلك سهل(نسبيا) ولم تستخدم فيه القوة . والسبب هو أن عدد أفراد التشكيل العسكرى للقاعدة كان محدودا، وجميع عناصره هم من أفغان . وقائدهم الميدانى”جول”، كان مجاهدا على خلق كريم وشجاعة أفغانية . إذ فشلت القاعدة فى إيجاد شخصيات دموية كالتى جندتهم فى العراق وسوريا على رأس فروعها هناك . فتمكنت الإمارة من إقناع(جول) بتفكيك مجموعتين تابعتين للقاعدة كانتا تحت قيادته ، وتسليم جميع الأسلحة إلى الإمارة .

ــ جَرَتْ محاولات أقل أهمية لبدء عمل تنظيمى للقاعدة بواسطة عرب”متطوعين” لتجنيد عناصر من حركة طالبان سراً ، وإحداث إنشقاق فى الحركة، ولكن الإمارة عالجتها بسرعة.

ــ الوضع مع داعش كان مختلفاً لأن أكثر عناصر داعش لم يكونوا أفغاناً بل كانوا من الدول المجاورة لأفغانستان . كما أن سفك دماء المسلمين ، والسعى إلى الإنشقاق ورفع السلاح فى وجه المسلمين هو ثقافة داعشية ثابتة . وفى ظروف معينة تمكنوا من تجنيد بعض القيادات الميدانية التى لها خلافات تنظيمية مع الإمارة ،وشنوا دعايات تكفيرية ضد الإمارة وضد معظم الشعب الأفغانى . فكان لابد من إستخدام القوة ضدهم ، وقتالهم فى أى مكان يظهرون فيه ، نظرا لخطورتهم على سلامة السكان ، وأمن مجموعات المجاهدين.

 

سيكون على قيادات القاعدة عند مثولهم أمام المحكمة الشرعية فى قندهار بعد التحرير :

– الإجابة عن الكثيرمن الأسئلة حول إشعال الحرب مع الأمريكيين عام 2001 بدون إذن أو تشاور أو حتى إخطار الإمارة . وتحميل القاعدة كافة المسئوليات عن ذلك.

– تفسير عملية ترتيب إنشقاقات داخل حركة طالبان، وشق صفوف المجاهدين وإضعافها بتعدد التنظيمات المسلحة أثناء إحتدام القتال ضد جيوش الإحتلال. بما يجعل من ذلك جريمة ترتقى إلى درجة الخيانة العظمى .

– بث دعايات كاذبة / بإدعاء وجود تحالف بين القاعدة وحركة طالبان/ لإحداث شبهات تخدم المحتلين وتضر بالموقف التفاوضى للإمارة وموقفها السياسى الداخلى والخارجى . حيث أن نسبة معتبرة من الشعب الأفغانى تعتبر تنظيم القاعدة مسئولا عن إشعال الحرب ، وعن سؤ إستخدام للأرض الأفغانية وشروط الضيافة وآدابها ، ناهيك عن تبعات الإخلال بالبيعة الشرعية الى قدمتها القاعدة للإمارة .

بالمحاكمة الشرعية سيتضح ما إذا كان تنظيم القاعدة عدوا عاقلا يعى تماما ما يفعله ، أو أنه صديق أحمق يجب الحجر عليه وتجنبه.

 

بقلم  :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

القاعدة عدو عاقل أم صديق مجنون؟ 3




جلال الدين حقانى 9

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 9

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 159 ) | رمضان 1440 هـ / مايو 2019 م .                   

18/05/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 9 )

– سياف أفشل المشروع  الطموح لتصنيع الذخائر .

– حقانى يتجنب منزلق قرية (بابى)، التى تبتلع القادة والعلماء بعيدا عن ساحات الجهاد .

 – مهرجان النيران فى (جاجى) يهدر أموال العرب ويبعدهم عن جبهات الجهاد الحقيقية .

–  مجموعتنا الخاصة تتجه إلى جاور .. فى زيارة خطيرة لم تَخلُ من المرح .

–  بسعادة غامرة إحتفل المجاهدون بوصول أول أطفال العرب إلى جبهة القتال .

–  حقانى يحذر أحزاب بيشاور من أن العدو قد يحاول فى عملية واحدة إغلاق منفذى “جاور” و “جاجى” ، ليفتح الطرق البرية إلى مدينة خوست .. ولم يهتم أحد .

– حقانى يقول لنا: لماذا لا تغلقون أنتم المطار؟؟، وكان الأمر أكبر كثيراً مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

من نافلة القول أن نذكر فشل مشروعنا الطموح بتصنيع الذخائر الأساسية. وهو المشروع الذى تحمس له حقانى وعدد من ضباط الإتحاد التابعين لسياف . وفشل المشروع عائد لسياف شخصيا الذى يخشى كثيرا من أى مشاريع جهادية جادة قد تكشف زيفه ، وتكشف حقيقةتوجهاته المرتبطة بأعداء أفغانستان ، الذين يعمل حاليا تحت رايتهم فى كابل عاملا على تثبيت أركان الإحتلال الأمريكى.

منزلق بابى :

لعل من أهم معالم عام 1983م في مسيرة الجهاد في أفغانستان هو ظهور إسم (بابي) في قاموس الجهاد.

تكلمت مع حقاني في بيشاور عن رغبتي في إحضار عائلتي إلى باكستان كي أتفرغ للعمل مع المجاهدين . ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي نثير فيها هذا الموضوع . فأخبرني أن الحكومة الباكستانية وزعت على قادة الأحزاب وقادة الجبهات المشهورين قطعا من الأرض في منطقة خارج بيشاور تدعى بابي على بعد حوالي 20 كيلومترا في الطريق إلى إسلام آباد .

ثم عرض حقانى أن آخذ قطعة الأرض الخاصة به لأنه لا يحب أن يستقر في بيشاورلأن ذلك سوف يغرقه في مشاكلها  ، وقد تُوْكَل إليه مهام إدارية في الإتحاد تجعله بعيدا عن الجبهات.  وأخبرني أن مولوي أرسلان له قطعة أرض مجاورة له وأنه شرع في بنائها .

أجبته أنني سوف أكون مسرورا بأن أكون جارا لمولوي أرسلان ولكنني مشغول بالنسبة     لدراسة الأولاد ، فأولادي عددهم كبير ومعظمهم في سن الدراسة . لذا سوف أبحث إمكانية    الإقامة في إسلام آباد عندما أتأكد من وضع المدارس العربية فيها .

علمت بعد ذلك أن بعض(فاعلي الخير) من السعودية قد إشتروا من حكومة باكستان مساحة واسعة في منطقة بابي ووهبوها لسياف كي يقيم عليها قرية جهادية يستوعب فيها رجاله وموظفيه وقادته، ومشاريعه الجهادية!! ومدارس ومستوصفات علاجية ، وحتي جامعات .

وهكذا مع الوقت إبتلعت بابي ليس فقط أموال العرب التي أغدقوها بغير حساب للتنمية و للتعمير، ولكنها إبتلعت عشرات من قادة الجبهات المقتدرين والعلماء الذين دخلوها ولم يخرجوا منها إلاإلى المقابر أو إلى أفغانستان لتولي بعض المناصب في(الحكومة الإسلامية)  بعد الفتح وهي الحكومة التي أدارت الحرب الأهلية بين المسلمين حتى أزاحتها حركة طالبان .

كنت أرى في بابي مجرد(سيرك) يديره مهرجي الجهاد لمجرد سلب أموال العرب وإبعادهم عن المساهمة الجادة في الجهاد ، وكانوا يحيطونها بجو كاذب مضلل . ويضخون في أسماعهم يوميا عشرات الأكاذيب والإفتراءات ، ويرفعون لديهم أقواما ويضعون آخرين .

حتى صارت الصورة التي يتم بثها من بيشاور ـ بواسطة سياف بصفته الجديدة المهيبة ـ وكبار المسئولين حوله، هذه الصورة لا تَمُتْ بصِلَة لصورة الجهاد الحقيقية ولا تساعد بأية حال على معرفة القضية الحقيقية في أفغانستان .

كان سياف وغيره من القادة لا يرغبون إطلاقا في أن يتعمق العرب في صلاتهم الميدانية بأفغانستان والجهاد هناك ، لأن ذلك سوف يفضحهم ويوضح أوجه الزيف في العملية كلها .

كان المطلوب هو أن يحضر العرب إلى بيشاور كي يستمعوا إلى الأكاذيب ويشاهد تمثيليات محبوكة يديرها القادة ومساعديهم ، مع مزيد من الهياج العاطفي المحموم التي تثيره الأشرطة والمجلات الإسلامية التي ضخمت الحديث حول مواضيع فرعية ، أهمها (الكرامات) التي كثراللغط حولها في أحاديث قليل منها صحيح وأكثرها كاذب.

الكتاب الإسلاميين فى حديثهم عن هؤلاء القادة من الأفغان “الذين يذكرونهم بالصحابة” تمادوا في هذا الإتجاه المدمر، ليس فقط للجهاد في أفغانستان بل لتاريخنا الإسلامي ورموزنا الإسلامية الكبيرة.حتى قال أحدهم عن سياف إنه عُمَر الثالث  في زهده وتواضعه!!. إلى هذه الدرجة وصل التضليل والعمى.

والويل كل الويل لمن يعترض أو حتى يتحفظ . فهو إما(عدو للجهاد)،وقد نلت هذه التهمة  مرارا، أو هو زنديق ينكر الكرامات ، أو هو يطعن في نزاهة رواة تلك الكرامات وهم من هذه الفئة التي إن قابل أمثالهم البخاري لأخذ عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 وأن من يرد هذه فقد رد تلك !!.

سمعت هذا التهريج وأمثاله بأذني من شخصيات إسلامية كبيرة وعلى قرائنا المستقبليين أن يتخيلوا درجة الإنحطاط الفكرى التي كنا فيها، وانخرطنا بها، في أعاصيرالجهاد على

أرض أفغانستان. كانت “بابي” هي بوتقة كل ذلك الغثاء ، والهوس الجماعي باسم الجهاد . كانت(حملة إسلامية) لتضليل الأمة الإسلامية  ولمنعها من الرؤية السليمة وبالتالي منعها من ردة الفعل الصحيحة .

حملة أوقدها أعداء الأمة وإنساق فيها بعفوية وصدق وإخلاص عدد من كبار رموز الأمة التي دفعتهم الساحة الأفغانية إلى مقدمة الصفوف من بين أوساط الإسلاميين .

 جاجى .. مهرجان بالنيران :

ولا تذكر(بابي) إلا وذكرت معها شقيقتها (جاجي) ذلك الموقع الحدودي الذي مارس فيها سياف تضليلا عسكريا على جهلاء العرب المتحمسين حتى الموت والمتحرقين للشهادة في سبيل الله، وأكثرهم لم يسمع في حياته صوت طلقة أو يلمس بيده بندقية . كانت ضغوطات العرب على سياف كي يذهبوا إلى الجبهات آخذة في التصاعد مع تزايد أعداد العرب الوافدين إلى أفغانستان .

تعمد سياف في البداية إرسال المتحمسين العرب إلي جبهات (مضمونة سياسيا) أي تقودها شخصيات غير طموحة سياسيا ومرتبطة بالإتحاد. فكان الإتجاه الأساسي نحو   جبهات جلال الدين حقاني . ولكنه كان يخشى من قوة حقانى وشعبيته لذا تفتق ذهن سياف عن جبهة أخرى قريبة من كابل هي جبهة (شكردرة) التي يقودها الشاب الذكي الطموح “محمد صديق شكري”الذي كان في طور التلميذ على يد أستاذه وقائده سياف.

ولم يلبث القلق أن إنتاب سياف من نباهة “شكرى” الذي أتقن العربية بسرعة وبدأ يتكلمها بطريقة سياف ويحاكيه في إلقائه وكأنه صورة طبق الأصل، فحاز إعجاب زواره من الشباب العرب ، وعقد صداقة متينة مع الدكتورعبد الله عزام وروى له عدة “كرامات” لا أصل لها، ولكنها حازت إعجاب الشيخ، فأوردها فى كتابه عن الكرامات، والمسمى “آيات الرحمن فى جهاد الأفغان”بعد أن أقسم “شكرى” على صحتها !! .

كما زادت زياراته له في بيته في إسلام آباد وفي تجمعات العرب، خصوصا المركز الإسلامي في بيشاور، فزادت شعبية شكري كثيرا.

وبدأت التبرعات تنهال على جبهته مباشرة على شكل هِبَات عينية تسلم إليه  شخصيا. شعر سياف بالخطر فكان لا بد له من أن يتواجد بنفسه فى سيرك جديد للألعاب النارية يرضى نزوات الشباب العرب.فتفتقت عقليته المتوقدة عن(جاجي) كأول سيرك جهادى للألعاب الجهادية،مخصص للسياح العرب.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 فى عام1984ــ الإنحراف يتأصل :

جاجي كانت نجم عام 1984 بلا منازع بالنسبة للشباب العربي وجماهير المسلمين المتحمسة .

 لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لي وبالنسبة لقلة نادرة من العرب ، ولا بالنسبة لأكثيرية الأفغان سواء القادة أو (الكومندانات) أو حتى الأفراد العاديين . كنت أراها تهريجا وتضليلا وإستنزافا لأموال العرب والإحتيال عليهم .

طريقة سياف في قيادة الإتحاد جعلتني أتشكك في إمكانياته لأن يكون قائدا حقيقيا للجهاد وللشعب الأفغاني . لم يكن أكثر من (قائد آخر) مثل هؤلاء الذين سبقوه.

نفس المنهج ونفس العقلية ، إلا أنه أكثرهم قدرة  على الخداع والمراوغة ففازعلى الجميع. وأمسك بسيف الشرعية وإستولى على الأموال المتدفقة على الإتحاد بصفته رئيسا لذلك الإتحاد الوهمى. ولكنها تحولت إلى أموال شخصية ساعدته في تقوية مركزه وزيادة عدد أتباعه. ولم يُصَبْ منها شيء إلى داخل الجهاد في الجبهات لأن الإنفاق على الجهاد تمويلا وتسليحا كان قد أصبح مهمة أمريكية.

وسياف ـ أو غيره من قادة الأحزاب ـ غير مستعد بالمرة أن يضحي بغنائمه من أموال العرب كي ينفقها على الجهاد نيابة عن الولايات المتحدة.

في ذلك الوقت كانت المخابرات العسكرية الباكستانية تشدد قبضتها يوما بعد يوم على  أمور القتال داخل أفغانستان ، وكانت حتى ذلك الوقت تستخدم(الأحزاب الجهادية) في بيشاور كقناة رئيسية للدخول إلى أفغانستان والتعامل مع(القومندانات)المحليين .

وسوف نرى أن هذه القناة تم الإستغناء عنها تقريبا في وقت لاحق وتحول الباكستانيون إلى الإتصال المباشرمع كل(قومندان)علي حدة، فتهمشت الأحزاب وتحول الزعماء إلى مجرد بيادق على رقعة اللعبة السياسية.

في بيشاور لم يكن الدور الأمريكي قد إتضحت لنا أبعاده الحقيقية حتى ذلك الوقت. وكنا نظنه هامشيا ، وكذلك دور باكستان والسعودية .

قبل أن يتوجه سياف إلى جاجي في زيارته الأولى لها،كنت في مَكْتَبِهِ مع الصديق المنياوي كي نطلعه على آخر تطورات البحث حول مشروع التصنيع العسكري . وكنا نعتزم قضاء بعض الوقت في الجبهات ـ عند مولوي جلال الدين حقاني ـ صديقنا الدائم .

كانت مفاجأة لنا عندما علمنا أن سياف قد أسس مركزا عسكريا في جاجي وأنه ينوي نقل مقر إقامته إلى هناك .

كان ذلك أملنا منذ البداية . ولاحظت أن سياف كان متحفظا قليلا وهو يزف إلينا البشرى رغم علمه بإلحاحنا عليه منذ سنوات كي يتخذ تلك الخطوة . وقال بأنه لن ينقل مقر إدارة الإتحاد إلى جاجي ـ كما طلبناـ إلا بعد أن يتأكد من صلاحية الموقع ومناعته . ودعانا إلى مرافقته إلى هناك فوعدناه باللحاق به فيما بعد .

دارت رأسي ولا أكاد أصدق … هل يفعلها سياف أخيرا …. تلك هي فرصته الأخيرة كي يصبح قائدا حقيقيا للجهاد … وأن يصبح الإتحاد إتحادا حقيقيا للمجاهدين وليس إتحادا ورقيا بين الساسة . ولكن لماذا يتحرك منفردا؟ … تساءلنا في إنزعاج ، لكونه يدخل إلى باكتيا ـ تلك المنطقة الحساسة ـ بدون قادتها الكبار ، وعلى رأسهم حقاني وأصحابه الآخرين مولوي أحمد جول ومولوي أرسلان وعشرات آخرين ؟؟ .

جزئية أخرى من الصورة في بيشاور آنذاك رأيناها عند العصر. لقد وصلتنا دعوة من بعض الأصدقاء لحضور إجتماع في (بيت باكتيا) وهو منزل إتخذه مولوي خالص كاستراحة لقادة محافظة باكتيا ومجاهديها عند زيارتهم لبيشاور . ذهبت مع المنياوي إلى هناك بصحبة مولوي(عبد الرحيم أخونزانده)الذي صار وزيرا للعدل بعد فتح كابل. فوجدنا البيت مزدحما بشكل غيرعادي . كان هناك ما بين خمسين إلى سبعين من قادة الداخل ليس فقط من باكتيا وباكتيكا ولكن أيضا من غزني ولوجر وغيرها من المحافظات .

كانت الوجوه عابسة والكلام يدور بنبرات غاضبة مع تلويح عنيف بالأيدي والقبضات . كان الجو ملبدا وينذر بالخطر . فسألنا مولوي عبد الرحيم عن موضوع الإجتماع وسبب هذا التوتر ، فأخبرنا بأن فتنة على وشك أن تقع .

هؤلاء هم من قادة الجبهات من حزب خالص”حزب إسلامي” وجميعهم جاء يشكو ويتوعد ، فالضغط العسكري السوفييتي الواقع عليهم يتصاعد بينما ما يصلهم من إمكانات لا يكاد يفى بالحد الأدنى من المطالب . و يسمعون عن الملايين التي يصبها العرب في بيشاور على سياف. وهذا الأخير لا يهتم إلا بحزبه الخاص ، ولا يعير إهتماما لباقي المجاهدين . وحزب خالص أفلس تقريبا ـ أو يكاد ـ بسبب إرتهانه الكامل (للإتحاد)من الناحية المالية . وهكذا صارحهم  خالص أنه لا يملك أكثر مما أعطاهم، وطالبهم بالذهاب إلى سياف .

والأخير أهملهم بل ترك بيشاور من جراء ضغطهم وضغط مجموعات مماثلة قدمت من الداخل تطالب بالدعم في مواجهة موسم قتالي هو الأشد والأسوأ من نوعه منذ دخول السوفييت (وقد  تأكد لي صحة هذا التقييم من مصادر مستقلة متعددة). إذن جاجي كانت لسياف مهربا من ضغوط الداخل ،لا تَوَّجُهاً إلى الداخل ، أى أنها هروب إلى الأمام كما يقولون .

كما أنها توَّجُه نحو مزيد من الإنفصالية الحزبية وليست خطوة إتحادية . وهاهم قواد باكتيا وما حولها يهددون وينذرون ، وكانت أهم البنود العملية المطروحة على جدول أعمالهم هي إقتراح بمهاجمة قوافل (جماعة سياف) ،أي الإتحاد، أينما وُجِدَتْ !!.

لقد إقتربت الفتنة وشمرت عن ساعديها ، فما العمل ؟ .

كان الوضع سيئا في الداخل ، وإستخدم الروس بتوسع أسلوب مهاجمة قوافل إمداد المجاهدين بواسطة الطيران وقوات الكوماندوز . وإستطاعوا تدمير عدد لا يستهان به من تلك القوافل ، بل وعطلوا مسيرها في بعض الطرق ، أي أن المجاهدين بدأوا يخسرون طرق إمدادهم وهذا من مؤشرات خسارة الحرب.  ولم يقف الأمر عند ذلك بل أن نشاط الكوماندوز السوفييتي  (سباتزناز) قد توسع واشتمل على أسلوب الهجمات المباغتة على مراكز المجاهدين في العمق وتدميرها وقتل من فيها حيث أنه يضرب في أماكن وتوقيتات غير متوقعة وبعد الحصول على  معلومات تفصيلية عن الأهداف المقصودة .

وذلك بفضل نمو نشاط جهاز الإستخبارات الأفغاني”خاد” ونجاحه الواسع في إختراق الجبهات القتالية ، فضلا عن بيشاور المهلهلة. تدفقت علينا أخبار تلك العمليات مثل الصواعق أو السيل المنهمر حتى تخيلنا أن النهاية تقترب.

فمركز مطيع الله قرب الأورجون تم تدميره وقتل من فيه بواسطة قوات الكوماندوز السوفييتية المحمولة بطائرات الهيلوكبتر .

وعدة معسكرات قريبة من الحدود على الجانب الأفغاني تم تدميرها بنفس الطريقة. وإستخدم الكوماندوز السوفييتي الأراضي الباكستانية نفسها في الهجوم على بعض تلك المعسكرات،خاصة في محافظة كونر،  فكانت المفاجأة تامة بأن كان الهجوم قادما من الجهة غير المتوقعة.وقد تواطأ بعض قادة المعسكرات في قليل من تلك  الهجمات أي أن بعضهم كان عميلا(للخاد)وباع المعسكر ومن فيه .

وبعضهم كرر نفس الخيانة أكثر من مرة قبل أن يتم إكتشافه،وبعضهم إستمر في مواقع أخرى ولم تتم معاقبته على الإطلاق .

كانت قوافل الإمداد إلي المحافظات الشمالية ضخمة للغاية وتتكون من عشرات البغال والخيل والإبل، وقد دمر الروس الكثير مها بواسطة كمائن مذهلة. وكانت تلك القوافل تكتشف بواسطة الجواسيس المنبثين على طرق الإمداد خاصة في المطاعم العامة “السماوات”،أو بواسطة طائرات الإستكشاف، وأحيانا أخرى يتم رصدها من بيشاور وينتقل معها جاسوس محترف ضمن أفراد القافلة نفسها التي تضم إلى جانب أفرادها الأصليين المخصصين للحماية أفرادا عاديين من عابري السبيل أو المسافرين إلى نفس المناطق التي تقصدها القافلة .

لم يكن ذلك كل شيء، فقد ظهرت الإشتباكات  بين المجاهدين.وبعد أن كانت محصورة تقريبا في شمال أفغانستان بدأت تزحف حتى وصلت كابل . وإنتقل الصراع السياسي بين أعداء بيشاور إلى كابل فإشتبك رجال حكمتيار (حزب إسلامي) مع رجال برهان الدين رباني (الجمعية الإسلامية) ، ودخل رجال سياف لأول مرة رغم حداثة تشكيلهم السياسي فقاتلوا ضد رجال حكمتيار.

كما علمنا أن أفرادا من الإستخبارات الأفغانية (خاد) قد دخلت في صفوف المجاهدين حول كابل، ويصبون الزيت علي النار، وبينهم أفراد كانوا ضباطا سابقين في الدولة إنضموا حديثا إلى المجاهدين وتولوا مهام قيادية حول كابل، ثم بدأت لعبتهم الكبرى في إشعال الفتنة الداخلية.

والغريب أن الزعماء في بيشاور كانوا يدافعون بإستماتة عن هؤلاء المندسين  ويشهدون لهم بالإيمان والإستقامة وبأنهم يعملون معهم منذ زمن طويل وأنهم إنضموا إليهم علانية عندما إكتشفت الدولة أمرهم . فاختلطت الحقائق وتداخلت الصفوف وأصبح صعبا معرفة  الحقيقة أو ومعرفة من يعمل مع من؟.

كانت كابل تحظى بأكبر حشد من الرجال والأسلحة بناء على طلب باكستان من الأحزاب الأفغانية . فهكذا تقضي الإستراتيجية التي وضعها الجنرال أختر عبد الرحمن مدير المخابرات العسكرية وأقوى رجل في الدولة بعد ضياء الحق . وحسب أقوال الزعماء في ذلك الوقت فإن  عدد رجالهم تراوح  ما بين 20 إلی30 ألف مجاهد للحزب الواحد .

سياف رغم حداثته إستطاع حشد ثلاثين ألفا حول كابل، حسب تصريحاته الشخصية . وبالطبع تم ذلك على حساب الآخرين فكان من المنطقي أن تحدث الإشتباكات .

في كتابه (فخ الدب) ذكر الرائد (محمد يوسف) رئيس فرع أفغانستان في الإستخبارات العسكرية أن سياف طلب منه أن يتولى بمفرده مهمة الدفاع عن المنفذ الحدود في (جاجي).

وكان يرغب ألا يشاركه حزب آخر في تلك المهمة . ويبدو أن الإستخبارات الباكستانية أوكلت إليه المهمة الرئيسية وتركت للآخرين دورا ثانويا.

كانت المنطقة هامة جدا كمنفذ حدودي تعبر منه الإمدادات من باكستان إلى عدد كبير من الولايات الأفغانية ، وذكر(محمد يوسف)أن جاجي كان يعبر منها ما نسبته 40% من الإمدادات. لقد إندفع سياف إلى مقدمة الصفوف بذهابه إلى جاجي.فهو يدافع عن منفذ هام ومنطقة استراتيجية في إعتبارات باكستان ،وكان قبلها قد حجز لنفسه مكانا بارزا في كابل، تطبيقا لنفس الإستراتيجية الباكستانية، وإن أدى ذلك إلى قتال داخلي حول كابل . وفوق ذلك كله حققت له جاجي مركزا متفوقا لدى العرب فأصبح زعيمهم الأكبر ومثلهم الأعلى ومهوى الأفئدة والأموال. ومن هنا فإن العلاقات الداخلية بين الدول (الحليفة) أمريكا / باكستان / السعودية كلما تعرضت إلى(مشاكل عائلية)فإنها تنعكس في  موقف كل دولة من حليف الدولة الأخرى .

فعندما غضب ضياء الحق من السعودية قال  لسياف في أحد  المواقف : (إن الأموال لا تصنع الزعماء ، فإن لم تفعل ما أقول فسوف أعيدك من حيث أتيت).

ولا يمنع هذا من أنه أضطر أحيانا إلى تأديب فتاه المدلل حكمتيار عندما رفض الأخير مقابلة الرئيس الأمريكي فقال له ضياء الحق : ( نحن الذين صنعناك ويمكن أن ندمرك في  ثوان) وأبلغه ذلك عن طريق مدير المخابرات .

وقد عانى حكمتيار من فترات التوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية،حيث وجه إليه الأمريكان حملات إعلامية شديدة وتصريحات عنيفة من مسؤوليهم .

كانت المنافسة الباكستانية مع حلفائها تدور في الخلف ولكنها كانت عنيفة في بعض الأحيان إلى درجة سالت فيها بعض الدماء.

 فى زيارة خطيرة لم تَخْلُ من المرح ــــ  مجموعتنا الخاصه تتحرك إلى خوست :

/ بحلول عام 1985 / إستقر الوضع في بشاور طبقاً للتخطيط الأمريكي الجديد. ولم يؤثر ذلك بأي شكل على (الأنصار العرب) في بشاور أو بلاد العرب.

كما لم تظهر لنا أي دلالة على أن الدكتور عبدالله سوف يغير قليلاً أو كثيراًمن أسلوب  عمله السابق. فى شهر مايو تحركت نحو ميرانشاه مع عدد من أفراد لجنتنا)شبه السرية)في طريقنا إلى خوست حتى نرى طبيعة الوضع هناك.

ونقرر ماذا نستطيع عمله من مشاركة مباشرة في القتال. وطبقاً لظروفنا )التعيسة(وعددنا التافه. غادرت مع (أبو حفص) و (عبد الرحمن المصرى) وكلاهما من مصر ومعنا أبو عبيدة العراقي ولم يكن عضواً في (اللجنة) بل صديقاً حميماً لعبدالرحمن “وحذره مراراً من العمل معي طبقا لما يسمعه عنى فى بيشاور”. ولما لم يستجب له قرر أن يصاحبنا كي يراقب الأمورعن كثب. ولم أر بأساً في ذلك، ثم أصبحنا أصدقاء فيما بعد. إصطحبت معي أبنائي خالد وعبدالرحمن.

الأول كان في الحادية عشر تقريباً والآخر في السادسة. وأظنهما أول أطفال العرب دخولاً إلى أفغانستان. وكانت فرحة المجاهدين بهما عظيمة عندما وصلا إلى جاور. وأصبحت لهما شهرة كبيرة في المنطقة، وسرقا الأضواء مِنّا نحن الأربعة الكبار. نزلنا في إحدى مغارات جاور. وإستقبلنا فيها شهر رمضان.

{ وعلى بعد خطوات من ذلك المكان، وبعد  ثلاث سنوات تقريباً قُتل إبني خالد مع إثني عشر شابا عربيا بقنبلة طائرة روسية . وقبل ذلك بثلاثة أشهر كان قد إستشهد صديقى عبد الرحمن المصرى فوق جبل تورغار بواسطة لغم روسى . وفى عم 2011 استشهد أبو حفص المصرى بصاروخ طائرة أمريكية}.

كان حقاني في ليجاة في ذروة النشاط، يحاول التجهيز لاستقبال هجوم سوفييتي كبير كان يعتقد أنه قريب. وأرسل تحذيرات شفوية وكتابية إلى قادة الأحزاب في بشاور، يحذرهم من الهجوم المرتقب ويعرب عن خشيته من أن يحاول السوفييت إغلاق منافذ (جاجي) و (جاور) في هجوم واحد يفِكّون من خلاله الحصار المضروب حول مدينة (خوست( ويفتحون الطريقين المؤديين إليها طريق (زدران) وطريق (منجل).

لكن لم يستجب له أحد بطبيعة الحال، فلم يكن ذلك من سياسة الأحزاب ولا سياسة الحكومة الباكستانية. فقط عندما تقع الكارثة تسحب باكستان قادة الأحزاب وترغمهم على فعل شيء ما وإخراج ما لديهم من أسلحة وأموال، وأن يطلبوا من أعوانهم التنسيق فيما بينهم.

كان ذلك فقط إجراءاً إستثنائياً في حالة وقوع الكوارث. أما قبل ذلك فلا.. لم تكن مصالح باكستان أو قيادات الأحزاب تتفق مع وجود قيادة قوية متحدة للمجاهدين في الجبهات، فباكستان ستفقد معها القدرة على السيطرة والتحكم وفق سياسة فرق تسد التي ورثوها عن أسيادهم البريطانيين.  أما قادة الأحزاب فمكانهم الطبيعي تحت أقدام سادتهم في العاصمة الباكستانية يتلقون منهم المال والسلاح.. والأوامر، ولا مكان لهم في ميادين الحرب. وأي إتحاد بين قيادات الداخل، وحتى أي تنسيق طويل المدى كانوا ينظرون إليه على أنه مؤامرة موجهة  ضدهم مباشرة. وهكذا إتهمنا سياف بالتآمر عام 84 عندما إقترحنا العمل عسكرياً في كل ولاية باكتيا، تحت زعامته وبجميع القادة المخلصين في الداخل بصرف النظر عن الإنتماءات الحزبية. ولكنه في حملة1985 ضد جاجى،  هرب وترك مواقعه، ولم تتحرك باقي المنظمات

إلاعندما أصبح أمن باكستان مهدداً بالخطر، وإقتربت القوات السوفييتية إلى بعد مئات الأمتار من جاجي وخمسة كيلومترات من (جاور(. فهمنا وقتها ــ وللأسف لم يوافقنا سوى قليلون جداً – أن الأحزاب الأفغانية تخدم باكستان  قبل أن تخدم الجهاد، بل أنها تضر بالجهاد من أجل سياسة باكستان.

كان عبدالرحمن المصرى وأبوحفص كلاهما قد شارك في معارك الشتاء الماضي في (شريناو) إلى الجنوب من (جاجي)،تحت قيادة مولوي (فتح الله حقاني) وكانت معركة قاسية، بسبب ثلوج الشتاء وقلة التجهيزات، وشدة الهجوم الحكومي.

تعلم الإثنان طريقة تشغيل وإستخدام صواريخ )الكاتيوشا 107مليمتر( من فوق الصخور وبدون جهاز إطلاق.

وكان الإثنان قد خدما سابقاً في الجيش المصري، أبوحفص كضابط إحتياط، وعبد الرحمن المصرى كلاعب كرة قدم غير حريص على واجباته العسكرية.

وإشتهر الإثنان  بالإمتياز في لعب كرة القدم، حتى نالا شهرة بين عرب بشاور،وبالتالى تمتعا بلياقة بدنية عالية جداً، ثم فطرة شجاعة إلى درجة الجنون. وقد لاحظ الأفغان ذلك في معركة (شريناو) حتى أطلقوا عليهما لقب (العرب المجانين).

صالون حلاقة بالإكراه فى مغارات جاور :

كان الجو حاراً فاقترح عبدالرحمن المصرى ، وكان أكثر المجموعة حيوية ومرحاً مهما كانت المواقف لذلك كان أقرب الإخوة إلى قلبي، إقترح وقتها أن نحلق رؤوسنا بالموس، بدعوى أنه فعل ذلك العام الماضي وشعر بتحسن كبير.

وفعلاً حلقنا جميعاً حتى الأطفال، وكنّا نحن الستة في مغارة واحدة. وبعد إتمام العمل جاء أحد المجاهدين، وعندما  رآنا جميعاً برؤوس لامعة فقع من الضحك وذهب ينادي زملاءه حتى يشاهدوا منظرنا العجيب، ستة من المخلوقات الغريبة حليقة الرؤوس داخل مغارة معتمة، ياله من منظر رهيب.

نصحه عبدالرحمن ألا يفعل ولا ينادي أحداً، لكنه أصر، فقام إليه مع أبي حفص وأبي عبيدة وشدوا وثاقه إلى أحد الكراسي وصبوا الماء البارد على رأسه.. ثم حلقوا شعره بالموس، ولم يفده الصراخ حتى صار رأسه لامعاً مثلنا.. ففضل أن يمكث معنا في المغارة.

سبب الطفلان إزعاجاً لي، كانا كثيرا الشجار ليلاً ونهاراً، عبدالرحمن عصبي، وخالد خبير في إثارة المشاكل لأخيه. في تمرينات الرماية تفوق خالد بسرعة مدهشة، عبدالرحمن ما زال يغمض عينيه عند الضغط على الزناد إضافة إلى حاجته إلى شخص يسنده من الخلف حتى لا يسقط أرضاً أو أن يؤذيه إرتداد الكلاشنكوف. بالطبع لا يصيب الهدف ولكنه يتعارك دائماً مع الذي يسنده من الخلف لأنه هو الذي إهتز وأضاع منه الهدف. إنتقلنا جميعاً إلى (ليجاه( لمقابلة مولوي جلال الدين هناك حتى نعلم منه ما هو الموقف الآن في المنطقة وماذا ينوي أن يفعل. وصلنا هناك وبدأت مشكلة الأولاد مرة أخرى، ليس بسبب أخطار الحرب ولكن لرغبتهما في المشاركة فى الجهاد!!. وتوَّقَد حماسهما عندما وصلنا قمة جبل مرتفع حيث مدفع (زيكوياك) مضاد للطائرات مع طاقمه. خالد مُصِرّ على أن يطلق عدة طلقات وأن يتعلم على المدفع.

وبالفعل سمحوا له بذلك لفرط فرحتهم بوصول الأطفا إليهم  فى ذلك المكان الخطير. عبدالرحمن أطلق هو الآخر من نفس المدفع، فلم يكن ليسمح أن يتفوق عليه أخاه الأكبر. تحركنا فوق الجبل ووقف أحد المجاهدين يشير لنا على مواقع العدو القريبة من حافة الوادي. طالبته بالإحتراس في حركته ولكنه ضحك وأشار بيده مستهيناً بالعدو وإستمر في الشرح حتى وصلت قذيفة دبابة قريباً منّا. فإختطفت عبدالرحمن وأسرعت بالإنحدار إلى الجانب الآخر من الجبل.

إستمر القصف ونحن نتناوب حمل الغلام حتى وصلنا ونحن نعاني من خدوش فى الأرجل، ولكن .. وذلك هو العجيب ، كان عبدالرحمن فى غاية السعادة لتلك المغامرة التي مازال يذكرها حتى اليوم. ولم يكن أخوه خالد أقل سعادة وهو الذي يطير فرحاً إذا حدث أي شيء غير عادي، إنزعج منه الآخرون.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

حقانى يقول: لماذا لا تغلقون أنتم المطار ؟؟.

فوق جبال ليجاه  وقت الضحى، جلسنا مع الشيخ جلال الدين فوق قمة أحد الجبال المشرفة على الوادي. كان شهر رمضان في أيامه الأولى.وحقاني في إجتماع مع  قادته.

تركناه حتى يفرغ  من محادثة رجاله وجلسنا نتناوب النظر إلى وادي خوست بمنظار مقرب كنت أمتلكه وكان فريداً من نوعه وقتها.

فالمناظير المقربة وأجهزة الإتصال اللاسلكي الصغيرة كانت قليلة جداً وسيئة النوعية. أحد المتبرعين أرسل منظاراً فلكياً !! وجدناه فوق الجبل، حاولنا إستخدامه فوجدناه لا يصلح لشيء ، أوْصَيْتُ بإرجاعه إلى الإمارات من حيث أتى. حلقت طائرة ضخمة تطير على إرتفاع منخفض فوق الوادي كي تهبط في مطار المدينة الذي لا نراه من موقعنا.و لم تلبث أن جاءت طائرة أخرى وهبطت، أصابتني الدهشة، كيف تستطيع الطائرات أن تهبط هكذا بحرية في المطار؟. سألت الشيخ حقاني هذا السؤال بعد ذلك بدقائق.

فقال بأن القوات الحكومية قد سيطرت على جبل تورغار منذ شتاء العام الماضي بهدف تأمين المطار من هاونات المجاهدين. فذكرت له أن الصواريخ الجديدة مداها كبير (9كيلومتر) ويمكنها إصابة المطار حتى لو كان تورغار مع الحكومة، وتساءلت لماذا إذن لا تغلقون المطار؟.

وبمهارة فائقة رد الشيخ بجدية : ولماذا لا تغلقونه أنتم؟. لقد أثرت تلك الكلمة إلى حدٍ كبير في (مستقبلي العسكري!!) فى أفغانستان، ولم أدرك ساعتها عمق ذلك التأثير، فقط قبل نهاية الحرب فهمت إلى أي درجة كانت تلك الكلمة حساسة، وأن الأمر كان أكبر كثيرا مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 9

 

 




حركة طالبان أمام تحدي تطوير " قواعد الاشتباك "

لمقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا : حركة طالبان أمام تحدي تطوير ” قواعد الاشتباك “

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 158 ) | شعبان 1440 هـ / أبريل 2019 م .                  

19/04/2019

لمقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا:

حركة طالبان أمام تحدي تطوير “قواعد الاشتباك”

– لن يتحمل الشعب الأفغاني أن يكون وحيدًا في تحمل سياسة الإبادة الجماعية.

– حركة طالبان واقعة تحت ضغط شعبي للدفاع عسكريًا عن أرواح السكان وممتلكاتهم، أو الذهاب إلى التفاوض بحثًا عن حل. لهذا يماطل الأمريكيون للحصول على تنازلات  جوهرية في المفاوضات.

– مطلوب قواعد جديدة للاشتباك تسمح بردع العدوّ، وإظهار عجزه عن حماية النظام العميل والرموز السياسية للاحتلال.

– التنازل في المفاوضات هو طريق للهزيمة المؤكدة، والحل يكمن في تطوير قواعد الاشتباك، واستلهام تجربة جروزني، وإعلان كابل منطقة حرب مفتوحة ضد الاحتلال.

دروس من معركة جروزني في الشيشان، لتجديد قواعد الاشتباك في أفغانستان:

1- الهجوم على العاصمة يؤدي إلى تخفيف الضغط الوحشي للعدوّ على الأطراف.

2- هجوم مجاهدي الشيشان على العاصمة جروزني أوقف المجازر ضد المدنيين، وأدى إلى فتح العاصمة وهزيمة العدو.

– لن يحصل عملاء الاحتلال في كابل على ما حصل عليه زملاؤهم في سايجون بالهروب جوًّا من فوق سطح السفارة الأمريكية أثناء سقوط العاصمة في أيدى الثوار. وهذه هي الأسباب.

– حدثت طفرة في الوضع السياسي لحركة طالبان في وسطها الأسيوي، مع قبول لحقيقة أنها مستقبل أفغانستان القادم. وينبغي أن تسعى الحركة إلى طفرة تسليحية طبقا لمعادلة (الصديق وقت الضيق). وهناك أرضية واقعية للتعاون الاستراتيجي مع الجميع.

 – سيهرب جيش الاحتلال بدون أن ينقذ سوى عدد محدود من كبار العملاء، على رأسهم حكمتيار .. لماذا ؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 

سياسة الاحتلال الأمريكي في إبادة المدنيين الأفغان وتدمير مصادر رزقهم وهدم بيوتهم وقتلهم جماعيا بدم بارد، هي درجة من الوحشية لم يصل إليها الاحتلال السوفييتي في أوج جبروته. فالقصف المدفعي يترافق مع الغارات الجوية في وقت واحد، لإزالة قرى كاملة بسكانها من فوق سطح الأرض. والمداهمات الليلية بالقوات  الخاصة المحمولة جوًّا (فرق الموت) تمارس تفجير البيوت وقتل السكان بدم بارد، وخطف العديد منهم على اختلاف أعمارهم ومهنهم، والطيران بهم إلى المجهول، حيث يختفون إلى الأبد، ونادرًا ما يظهر منهم أحد مرة أخرى إما نتيجة للتعذيب حتى الموت، أو لاستخدامهم كقطع غيار في تجارة الأعضاء البشرية.

وتدمير المدارس الدينية يحظى بأولوية خاصة، سواء بالاغتيال الفردي للطلاب والمدرسين والعلماء أو بالقصف الجوي لحفلات التخرّج التي يحضرها وجهاء القوم وأولياء أمور الطلاب، فيسقط المئات ما بين قتيل وجريح. وهناك استهداف زائد لمواد الرزق سواء بنهب وإحراق الدكاكين التجارية أو قتل المزارعين في حقولهم بواسطة طائرات “الدرون”. أمّا تجمعات السكان في الأعراس والمآتم فهي هدف ثابت للطيران الأمريكى منذ اليوم الأول للعدوان. ونفس الشيء يقال عن استهداف الطائرات لسيارات المسافرين على الطرقات العامة بشكل عشوائي ومستهتر، وكأنه ممارسة لنوع من الرياضة أو التسلية التي لا تتاح لهم في بلادهم.

 

 

الهيئات الدولية والإبادة الجماعية للأفغان:

تواطؤ الهيئات الدولية مع الاحتلال الأمريكي هو أمر مشهور ومعروف للجميع. لذا لا يمكن التعويل على تلك الهيئات لإنقاذ مسلمي أفغانستان، أو أي مسلم صاحب حق في أي مكان. وتلك الهيئات مهنتها في أفغانستان التغطية على جرائم الاحتلال ، واتّهام المجاهدين بقتل شعبهم. وفي أفضل الحالات تقدم تلك الهيئات احتجاجا باهتا على جرائم كبرى ارتكبها الاحتلال ويصعب التستر عليها.

لا يمكن أيضًا التعويل على دعم ” إنساني” أوروبي حيث أن حلفهم العسكري “الناتو” هو شريك أصيل في جرائم الاحتلال. ولا داعي للحديث عن دعم إسلامي حكومي أوحتى شعبي، فالكل مشغول بصراعات مع نفسه ومع غيره، صراعات لا تنتهي ولا أصل لمعظمها.

 

هزيمة الروس في جروزني وقواعد الاشتباك الجديدة في أفغانستان

في بداية حرب الشيشان الأولى (1994 ـ 1996) تمكن الروس من طرد المجاهدين الشيشان من العاصمة جروزني ثم ملاحقتهم حتى أطراف الشيشان والتنكيل العنيف بالسكان لقطع تعاونهم مع المقاومة. وبالفعل خرج الكثير من المجاهدين والسكان من الشيشان ولم يتمكنوا من البقاء فيها، إلى أن عثروا على الحل، وهو التجمّع في هجوم على العاصمة، التي كانت القوات الروسية فيها غير جاهزة معنويًا لصد هجوم. فنجح المجاهدون في الاستيلاء على العاصمة جروزني بعد قتال شرس، وانتهت الحرب الأولى بانتصارهم على الروس.

 

 

من دروس معركة جروزني :

– إذا نشط العدوّ في الانتقام من الأطراف لإرهاب السكان وطرد المقاومة فإن الحل هو الهجوم على العاصمة، ليضطرّ العدوّ إلى وقف نشاطه في الأطراف أو تقليله إلى أقصى حد.

– لا يستطيع العدوّ تحمّل تهديد خطير على العاصمة، ولكن يمكنه تحمل تهديد أو حتى سقوط أي مدينة أخرى. لذا يركز كل تفكيره وقوته للدفاع عن العاصمة ومنع سقوطها.

– الهجوم على العاصمة كما أنه تطوير لقواعد الاشتباك، فإنّ مداه الطبيعي هو الاستيلاء على العاصمة وإعلان الانتصار النهائي في الحرب.

– الهجوم العنيد على العاصمة يصيب النظام بالرعب وفقدان الثقة في النفس وفي الحكومة المحلية العميلة، فتزداد النزاعات والإنشقاقات في كافة الاتجاهات. وكثيرون من رؤوس النظام يفكرون في حلول خاصة بهم، إما بالفرار إلى خارج البلاد أو بمحاولة الالتحاق بالنظام القادم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 كابل هي الحل :

– إعلان كابل منطقة قتال مفتوح مع الاحتلال، هو المدخل الصحيح لوضع قواعد جديدة للاشتباك، تتيح للمجاهدين الخروج من المعضلة الحالية، ومن مأزق العجز عن توفير الحماية لجميع المدنيين في ثلاثة أرباع البلد حيث السيادة لحركة طالبان، ناهيك عن تعرض المدنيين في الأراضي الخاضعة لسلطة الاحتلال وعملائه لنفس المعضلة، وليس أمامهم سوى الاستنجاد برحمة الخالق وبنجدة حركة طالبان. هذا بينما العدوّ يفاقم تلك المشكلة حتى يرغم طالبان على أمرين أحلاهما مُرّ: فإما تقديم تنازل جوهري عن أهداف جهادهم، أو أن تنهار العلاقة بينهم وبين الشعب الذي يعاني القتل والخراب  بشكل متواصل.

– في الوضع الجهادي الحالي في أفغانستان فإن الضغط على كابل سيريح سكان الأطراف كثيرًا ويرفع عنهم معظم الضغط. وتلك ميزة ليست متوفرة لأي مدينة أخرى. فقد هاجم المجاهدون مدينة غزني واستولوا عليها لعدة أيام، وأثناء احتدام معاركها شنت “عصابات الموت” المنقولة جوًّا غارات في عدة مناطق خاصة في ولاية فراه، حيث ارتكبوا مجزرة هناك للضغط على المجاهدين في غزني وإجبارهم على التراجع.

– كابل الآن تحت حصار فعلي باعتراف جنرالات الاحتلال الذين يرون استحالة تحقيق نصر عسكري على حركة طالبان. وخوفًا من هجمات طالبان لا يجرؤ جيش الاحتلال على نقل جنوده على طرقات العاصمة ويعتمد في تنقلاته على الطائرات. ويرى مسئول رفيع في كابل أن الحكومة تعجز عن عقد أيّ اجتماع خارج القصور كثيفة الحماية.

– يمتلك طالبان أرضية عمليات قوية للغاية داخل كابل، وتواجد متنوع ما بين عسكري ومدني ولوجستي. مع نفوذ عميق داخل دوائر النّظام الحاكم وأجهزته العسكرية والأمنية والإدارية، وذلك في كافة المستويات العليا والدنيا والمتوسطة. والبنية التحتية للمجاهدين في كابل إضافة إلى قوتها الذاتية، فإنها مستندة إلى دعم مجموعات جهادية قوية في الولايات المحيطة بالعاصمة.

 

الضغط المتدرج على العاصمة:

1ـ الخطوة الأولى هي الإعلان بأنّ العاصمة أصبحت ميدانًا لحرب مفتوحة بين المجاهدين وبين الاحتلال ومعه الحكومة العميلة.

2ـ الخطوة الثانية: المطالبة بإخلاء الأحياء الهامّة في العاصمة من النّشاط الدبلوماسي والمالي والتجاري ومن السكان، خلال مهلة محددة قد تكون شهرًا واحدًا.

مع ضمان حرية التنقل صوب المدن الأخرى لمن أراد مواصلة أعماله أو إقامته. وكل من يتخلف عن الرحيل خلال المهلة المذكورة يتحمّل هو نفسه مسئولية أي مخاطر يتعرض لها.

3 ـ العمليات العسكرية في العاصمة تكون طبق خطة متدرجة مُحَضَّرَة سلفاً وتتصاعد طبقا للتطورات العسكرية والسياسية. مع عدم استبعاد إمكانية الاجتياح الشامل للعاصمة عند ترنح النظام العميل، وحماته الأمريكيين. وكلما اشتدّ الضغط على العدوّ في العاصمة تراخت هجماته على المدنيين في الأطراف.

4 ـ مطالبة جميع المنتسبين للحكومة العميلة وفي أجهزتها المختلفة (عسكرية ـ أمنية ـ ادارية ـ اقتصادية) بالالتحاق بالإمارة الإسلامية، وتسجيل أسمائهم ومكان إقامتهم في أقرب تجمّع لطالبان، لتوفير الأمن لهم ولعائلاتهم، والتمتّع بإمكانية العفو العامّ طبقًا لقوانين الشريعة. ومن يصر على البقاء حتى فتح المدينة فسوف يتعرض للعقوبات الشرعية  الخاصة بالخونة والقتلة المتعاونين مع العدوّ. ولن يستطيع شيء إنقاذهم من ذلك المصير، كما حدث قبلًا لأعوان النظام الشيوعي عند فتح كابل على يد طالبان. ومن المشكوك فيه أن تتمكن مروحيات العدوّ من إنقاذهم من فوق سطح السفارة الأمريكية في كابل. أولا لأن السفارة نفسها قد لا تكون قائمة في ذلك الوقت، كما أنّ البحر ليس قريبًا من كابل كما كان قريبًا من سايجون، حيث تواجد الأسطول الأمريكي، ليلتقط أفواج العملاء الهاربين جوًا والسابحين بحرًا. أما من يقرر منهم البقاء في كابل واختيار طريقة الرئيس الماركسي نجيب الله، فإن أعمدة الإنارة في كابل كثيرة وتكفي لتعليق الجميع. فقط على كل منهم / وبكل ديموقراطية / أن يختار العمود الذي يناسب مقامه ومركزه في النظام العميل .

 

طفرة في الوضع السياسي لطالبان :

استضافت موسكو مؤتمر لمناقشة الوضع في أفغانستان بحضور حركة طالبان. وكانت خطوة كبيرة من موسكو نحو الاقتراب من الحركة. ولكن مازال الطريق طويلًا نحو تطبيع كامل للعلاقات وعبور حفرة النيران التي تركتها الحرب السوفيتية في العلاقات الروسية الأفغانية.

بكين بدورها اعترفت بحركة طالبان كطرف سياسي فاعل في أفغانستان. وهذه خطوة كبرى في مسيرة الألف ميل لتطبع العلاقات بين بكين وكابل.

إيران بدورها استقبلت وفد طالبان وتفاوضت مباشرة معه في خطوة غير مسبوقة، ويمكن اعتبارها مجرد بداية لعصر جديد من العلاقات الإيجابية بين طهران وكابل.

الهند لم تحسم موقفها بعد، وربما هي في شك في استجابة طالبان لفتح صفحة جديدة في علاقات لم تكن مزدهرة، بل كانت أقرب للعداء الهندي النشط تجاه لتلك الحركة. عبور أزمة الثقة ممكن من بوابة طهران التي اندمجت مع نيودلهي في مشاريع استراتيجية لربط الهند بوسط آسيا عبر أفغانستان بواسطة ميناء تشابهار وشبكة خطوط سكة حديد طموحة تمر عبر أفغانستان من أجل تبادل تجاري نشط بين الهند وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى وأفغانستان.

وذلك كان دافعا لبكين أن تقترب أكثر من حركة طالبان حتى لا تنفرد الهند بمشاريع طموحة شبيهة بالحلم الصين المسمى (الحزام والطريق) أي طريق الحرير سابقًا.

** إذن أسهم حركة طالبان هي العليا عسكريا وسياسيا، وينبغي السهر على دفعها قدمًا وتحديدًا في وسط نادي عمالقة آسيا الأربعة ( الصين روسيا إيران الهند)، خاصة مع إسناد مهمة السياسة الخارجية في الإمارة الإسلامية إلى الملا عبد الغني برادر البطل العسكري المغوار وفارس العمل السياسي للإمارة حاليا. وتلك مهمّة كبرى للجهاز السياسي في الحركة في طوره الفعال الجديد. وحيث أن غاية السياسة والحرب واحدة. فإن ذلك الانطلاق السياسي الضخم يجب تحويله إلى مكاسب تسليحية كعربون لصداقة حقيقية تتخطى المجاملات الدبلوماسية، تطبيقا لقاعدة (الصديق وقت الضيق) .

وليس هناك أفضل من الشعب الأفغاني في العرفان بالجميل والوفاء للأصدقاء الحقيقيين.

ومعلوم بأن الطفرة السياسية في وضع حركة طالبان، مع الإمكانات التسليحية التي يمكن أن تنتج عنها، هي ظروف مواتية لعملية (تجديد قواعد الاشتباك) التي نتحدث عنها.

فالمناخ السياسي مناسب للغاية، وإمكانية تطوير القوة التسليحية متوافرة، وذلك عنصر مساعد. كما أن فتح كابول وفرار الاحتلال، سيفتح المجال على مصراعيه أمام أفغانستان لاحتلال مكانه (جيوسياسية) نادرة المثال في العالم المعاصر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

أسئلة هامة:

لماذا لن ينقذ الاحتلال جميع عملائه؟ 

ومن هم الأوفر حظًا في البقاء ؟؟.

ولماذا حكمتيار على رأس هؤلاء المحظوظين ؟؟.

يخطئ من يظن أن الولايات المتحدة سوف تترك أفغانستان وشأنها، أو أن تلك الدولة الشيطانية ستترك أحدًا مستريحًا على ظهر هذا الكوكب طالما أن فيها عرق ينبض.

وعروق أمريكا وقلبها النابض هو البنوك اليهودية الكبرى. ومعظم الدماء التي يشتغل عليها قلب ذلك الشيطان هو المال المعتصر من دماء فقراء ومظاليم هذا العالم. وفي المقدمة شعب أفغانستان الذي يزود تلك الآلة الشيطانية بترليون دولار سنويا أو يزيد، هي عائدات بيع الهيروين حول العالم، والذي يستخرجه الجيش الأمريكي من أفيون أفغانستان، مقابل عدة ملايين من الدولارات يذهب معظمها لتجار وسماسرة ومرابون محليون ، وتبقى الديون تتزايد على رأس المزارع الأفغاني الذي لا يجد مخرجاً من جحيم زراعة الأفيون.

– لم تتكلم الولايات المتحدة عن مغادرة أفغانستان إلا بعد أن استكملت بالفعل الأدوات التنفيذية لخطتها البديلة من أجل ضمان مصالحها، وعلى رأسها الأفيون .

ــ الجيش الأمريكي (15000 جندي) سوف ينسحب، ولكن ماذا عن جيش المخابرات المركزية الأمريكية وروافدها المحلية، وشركات المرتزقة الدوليون من بلاك ووتر وأخواتها.

ــ وماذا عن الدواعش الذين اندمجوا ـ حرفيا ـ في جيش المخابرات الأمريكية تدريباً وتسليحاَ وعملياتياً؟؟. فالقوات الخاصة الأمريكية وقوات المخابرات الأمريكية المرافقة لها يشنون الغارات لتحرير الدواعش من سجون طالبان، أو لإنقاذهم من الحصار. بينما يقوم الطيران الأمريكي والعميل بدكّ السجون المحتجز بها جنود الجيش والشرطة لدى حركة طالبان، كما حدث في موسى قلعة، رغم أن الحركة تفرج عن معظمهم وتسلمهم إلى عائلاتهم وقبائلهم بعد أخذ التعهدات عليهم بعدم القتال ضد المجاهدين مرة أخرى. فلماذا تخشى الحكومة من سياسة طالبان الإفراج عن الجنود الأسرى؟.

ــ للدواعش دور هام في السياسة الجديدة للتدخل الأمريكي في شئون أفغانستان، ونزح ثرواتها وعلى رأسها الأفيون ومعادن أخرى نادرة. وما دمنا نتحدث عن دواعش أفغانستان فإننا نتكلم بالضرورة عن عراب الدواعش الأفغان وأبيهم الروحي “حكمتيار”، خاصة وأن معظمهم قادمون من معسكرات المهاجرين التابعين له في باكستان.

 ــ لذا فإننا نتكلم بالضرورة عن باكستان كقاعدة خلفية لدواعش أفغانستان ـ وحتى للحركة الداعشية الدولية ـ التي وضعت باكستان لبناتها الأولى من تدريب وتجميع وتلقين المذهبي في مناطق الحدود الباكستانية قبل سنوات من ظهور دواعش العراق ومن تلاهم، وحتى قبل سنوات من بدء كارثة الربيع العربي.

ــ ونتكلم بالضرورة عن (حنيف أتمر) مستشار الأمن القومي للرئيس الأفغاني. وهو/ كمندوب عن الاحتلال /  مهندس مشروع داعش الأفغاني. وكان لابد له أن يدفع ثمنا في مقابل تعاون باكستان مع مشروع داعش الذي هو أحد أساسيات الوضع القادم في أفغانستان برعاية المخابرات الأمريكية.

لذا أهدى حنيف أتمر لباكستان جميع المناطق القبلية التي استولى عليها الاحتلال البريطاني لفترة مئة عام إنتهت عام 1993. قال حنيف إنه وقع مع باكستان اعترافا بخط “ديوراند” كفاصل للحدود الدولية بين البلدين. وكان من الفترض أن تعود مساحات شاسعة من الأرض المسروقة  إلى الوطن الأفغاني الأم . ولكن من لا يملك (حنيف أتمر) أهدى أرض أفغانستان لمن لا يستحق (نظام عمران خان). الذي بدأ مشروعا عملاقا لتسوير الحدود بين البلدين بالأسلاك الشائكة ومخافر الميليشيات، لتثبيت أمر واقع جائر وغير قانوني، وجعله أبديا.

دور باكستان القادم في مرحلة التدخّل التخريبي لأمريكا في أفغانستان هو دور محوري للغاية، يشمل حكمتيار وداعش، كما يشمل الترتيبات الجديدة لتجارة الهيروين الدولية، بداية من مراكز التصنيع الجديدة في أفغانستان، وصولا إلى طائرات النقل العسكري التابعة للقوات الأمريكية في باكستان، وأسطولها في كراتشي.

ــ يدير حكمتيار في أفغانستان عمليات نسف وتدمير واغتيالات بواسطة أبنائه الدواعش.     لقد ضمن ـ تقريبًا ـ نصيبًا بارزًا في برنامج أمريكا الجديد لتخريب أفغانستان ونهب ثرواتها بعد انسحاب الجيش الأمريكي وتولي الإمارة الإسلامية زمام الحكم، لتجد نفسها في مواجهة مرحلة تخربية تديرها الولايات المتحدة بمخابراتها وعملائها. وبالتالي فإن مخاطر حكمتيار بعد الانسحاب الأمريكي مرشحة للتزايد وليس التناقص. وذلك قد يضعه في مرتبة متقدمة من بين أعداء الشعب الخطرين. لهذا سيكون حكمتيار على رأس قائمة المحظوظين الذين سيحافظ عليهم الاحتلال لإعادة استخدامهم في المرحلة القادمة. وهناك قلائل من رجال النظام الحالي يتمتعون بهذا القدر من “الحظ السعيد”!!. فأكثرهم قد انتهت أدوارهم وسيكونون عبئا في المرحلة القادمة التي تحتاج إلى مهارات وإمكانات لا يتمتعون بها. لهذا سيتركهم الاحتلال خلف ظهره، أو سيرميهم بنفسه إلى سلة القمامة مع من سبقهم من عملاء انتهى عمرهم الافتراضي.

 ومع كل هذا القدر من “الحظ السعيد” والحظوة لدى الاحتلال ومخابراته، فإنّ الزعيم المتحول (حكمتيار) ، لن يكون أصعب منالا ممن سبقوه من العتاة ، من أمثال “عزيز كاروان” أو”جبار قهرمان” أو الجنرال “عبد الرازق” وغيرهم كثيرون، سقطوا من علياء سلطانهم وجبروتهم إلى الطين ، مُضَرَّجين بدماء الخيانة والعار .

 ولكلِ أجلٍ كتاب .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

المقاومة سياسة الاحتلال في إبادة السكان جماعيا : حركة طالبان أمام تحدي تطوير " قواعد الاشتباك "

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 8

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 8

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 158 ) | شعبان 1440 هـ / أبريل 2019 م .                  

19/04/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 8 )

– ضابط سوفيتى :{ لايمكن هزيمة ” المتمردين” بواسطة جيش يفر من المعركة ، وجنود ميليشيا لا يؤدون واجباتهم}.

– الوفود الإسلامية تجاهلت جبهات القتال وركزت على دعم سياف زعيما لأحزاب بيشاور .

– يونس خالص : الإخوان العرب أفسدوا كل شئ ، وبعد كل زيارة لهم تظهر لدينا مشاكل لم تكن موجودة قبلا. واللجنة العسكرية للإتحاد تحولت إلى لجنة لدفع أجرة نقل الأسلحة بالخيل والبغال .

– حقانى رفض منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية لأنها تحولت إلى لجنة لدفع نفقات نقل الأسلحة إلى الداخل ، ويتوجه لبدء معركة فى الأورجون رغم معارضة سياف .

– قائد حكمتيار فى أورجون يصر على منصب قيادة العمليات، ويفتح الطريق أمام النجدات السوفيتية.

– المباحثات بين مسعود والسوفييت إنتهت بعقد هدنة وصفها قائد ميدانى بأنها طعنة فى الظهر .

– إستعداد باكستانى وعالمى لقبول حكومة مشتركة “شيوعية/ إسلامية” بقيادة حكمتيار، والشيوعى بابراك كارمل  ،لفرض السلام على الجميع ووقف “الحرب الأهلية”.

– نقاش مع ضباط الإتحاد حول تصنيع الذخائر ، وحقانى يصف المشروع بأنه” الأهم فى الوقت الراهن”.

– دروس فى النقد الذاتى مع برهان الدين ربانى فى مدينة “وانا” جنوب وزيرستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 

أحداث عام 1982م زودتنا بالعديد من الإشارات الهامة على المستوي الأفغاني والمستوي العربي. فمن تجربتنا  المباشرة في أطراف خوست إستنتجنا أن خوست يمكن فتحها بل أن السوفييت يمكن دحرهم من أفغانستان كلها.

وهكذا فإن الإنتصارات ـ حتى الصغير منها ـ تعطي دفعات معنوية هائلة.  وفي المقابل كانت القوات الشيوعية تنهار معنوياتها بنفس المقدار. وفي تصريح نادر قال أحد الضباط السوفييت للصحافة ):

لا يمكننا هزيمة هؤلاء المتمردين بواسطة جيش يفر من المعركة وجنود ميليشيا لا يؤدون واجبهم على الوجه الأكمل).وهو تصريح يصلح لأن يقوله ضابط أمريكى الآن فى عام 2019 وفي ليجاه أيضا قصفت طائرات الهليكوبتر مراكز المجاهدن بنحو 3600 صاروخ في المعركة الأخيرة فقط !! . وأسقط المجاهدون إحدى هذه الطائرات ـ وربما أكثر من واحدة ـ ووجدوا جثث  متفحمة لنساء في واحدة منها .

لا ندري حتى الآن السر في وجود هؤلاء النساء في الهليكوبتر،  ولكن الحادث نفسه إستفز مشاعر المجاهدين وسكان المنطقة .

 

ثورة فى الأورجون

مع بداية عام 1983م كان المجهود الإسلامي الشعبي منحصراً في جمع التبرعات العينية للمجاهدين الأفغان. ومقولة أن الأفغان ليسوا في حاجة إلي الرجال كانت هي السائدة ويروج لها الإخوان المسلمين وباقي العاملين على الساحة الإسلامية الشعبية .

وصلت إلي بيشاور في ربيع ذلك العام لأجد الضجيج واللغط أعلى من أي عام سبق . والوفود الإسلامية الوافدة في قمة نشاطها . لقد جمعت السعودية أبرز الشخصيات الإخوانية مع بعض السلفيين وعدد  من أبرز ضباط إستخباراتها وكونت (لوبي) إسلامي شعبي ، يضغط من أجل تثبيت زعامة سياف للجهاد في أفغانستان، وأيضا للضغط إعلاميا وشعبيا على ضياء الحق حتى يتوقف عن مساعدة الأحزاب الأخرى.

رغم أن ضياء الحق كانت له حساباته المختلفة ،ويعتبر حكمتيار هو الورقة الباكستانية الثابتة والأكيدة على الساحة الأفغانية.

ومع هذا نجحت الضغوط السعودية بإستخدام الأموال لتسكين خواطر قادة الأحزاب الأفغانية وبإستخدام القيمة الدينية للكعبة المشرفة، فجذبت السعودية ووفدها الإسلامي زعماء الأفغان إلي داخل الكعبة كي يقسم الجميع على البقاء في الإتحاد وعدم الخروج عليه وعلى طاعة زعيمه سياف والقسم على حل المنظمات التابعة لهم والإندماج كليا في الإتحاد .

وقد وقع القادة على بيانات تفيد بذلك ، وقامت السعودية والإعلام الإخواني بنشر تلك البيانات علي أوسع نطاق ممكن .

بالطبع لم يكن ضياء الحق راضيا عما حدث ، والقادة الأفغان كانوا في غاية الإمتعاض. وما أن حصلوا على الأموال التي وزعها عليهم الوفد الإسلامي ومسؤولي السعودية لقاء التوقيع على أوراق الإتحاد ، حتى توجه الزعماء جميعا ـ ما عدا سياف طبعا ـ إلى ضياء الحق كي يخبروه بأن ما حدث ليس إلا مجاملات دبلوماسية للوفود العربية، فلا يأخذ مثل ذلك التهريج السعودي مأخذ الجد.

ولكن الصراع الداخلي بين المنظمات صار أكثر حدة ، ليس فقط في مجال الحرب النفسية وحرب الشائعات في بيشاور والخارج ، بل أن الصدامات المسلحة شهدت منذ ذلك الوقت إتساعا ونموا كبيرا وألقت المنظمات الرئيسية معظم جهدها الداخلي في تنمية الصراع والقتال الداخلي.

لم يكن الإخوان أو السعوديين أو الوفود الإسلامية التي بدأ عددها يتزايد وكمية الأموال التي تحملها لسياف تتعاظم ، لم يكن يخطر ببالهم ـ أو أنهم تجاهلوا عمدا ـ مسألة الإتصال المباشر بالجبهات وكأن ذلك في إعتبارهم من الموبقات .

حتي سياف نفسه كان بعيدا جدا عن الجبهات أو العناية بشأنها . كان غارقا حتى أذنيه في الصراع مع زملائه قادة الأحزاب وكل همه منصب على تجفيف مواردهم المالية الخارجية ، أي الإستحواذ منفردا على نهر الأموال المتدفق من جزيرة العرب. كان ذلك يمكن فهمه لو أن سياف توجه بتلك الأموال ـ التي أكسبته قوة سياسية ومؤيدين وجذبت رائحتها عشرات القادة في الداخل، فبايعوه وأعينهم بالطبع على خزينته الممتلئة ـ لو أنة توجه بتلك القوة المالية والسياسية نحو جبهة  القتال لكان ما يفعله معقولا ومبررا.

 

منعطف فى معركة الأورجون

مع وصولي إلى بيشاور وجدت الشيخ يونس خالص متبرما ويضج بالشكوى من سياف والقاد والعرب. وأفاض معي بالشكوى قائلا :

إن “الإخوان العرب” أفسدوا كل شيء وأصبح الجهاد مهددا بالفشل من جراء تدخلهم . هم يأتون ويذهبون وفي كل مرة يخلقون ورائهم جبالا من المشاكل لم تكن موجودة أصلا . إنهم يحاولون شراءنا بالمال . قبل أن يعقدوا بيننا الإتحاد الأخير وزعوا علينا الشيكات وكأنها رشوة حتى نقبل بسياف . ولما جلسنا معهم وبدأت أنتقد سياسة  سياف تدخل أحدهم لمنعي من الكلام ، وأخرجت الشيك من جيبي ورميته إليه قائلا :”إذا كان هذا الشيك سيمنعني من الكلام فأنا لا أريده” . لقد جعلونا نقسم داخل الكعبة على الإتحاد وقبل أن نخرج من باب الحرم المكي بدأت الخلافات بيننا. ليس بيننا إتحاد وكل زعيم يعمل لمصلحته ولحزبه الخاص.

أنا رئيس اللجنة المالية وليس من صلاحيتي إستلام أموال التبرعات، وليس من صلاحيتي طلب كشوفات الصرف من رؤساء اللجان

 ـ الذين هم رؤساءالأحزاب ـ لقد أخذ كل منهم المال لنفسه ولحزبه ،تقسمت بينهم الأموال

 ولم يصل شيء للمجاهدين .

مثلا : اللجنة العسكرية التي يرأسها رباني صرفنا لها أكبر مبلغ من الميزانية وهو 260 مليون روبية باكستانية وإتفقنا مع رباني أن يدفع للمجاهدين أجرة إنتقال السلاح إلى داخل أفغاسنتان.

ولكنه دفع فقط لهؤلاء التابعين لحزبه (الجمعية الإسلامية) وعندما جاء له مجاهدو الأحزاب

الأخرى قال لهم أن الميزانية قد نفذت .والنتيجة أن قوافل المجاهدين التي تنقل السلاح جلست على الحدود ترفض التحرك إلي الداخل بدعوى أنها لا تملك أجرة النقل} .

قابلت الصديق القديم مولوي جلال الدين حقاني . كان أيضا في بيشاور وقد كلفه سياف أن يكون نائبا لرباني في اللجنة العسكرية . كان حقاني غير راض عن اللجنة العسكرية التي لاهم لها إلا دفع أجرة نقل الأسلحة بالبغال والخيل . فهي لجنة  نقليات وليست لجنة عسكرية .

إضطر حقاني لمغادرة بيشاور رغم عدم موافقة سياف . فقد كان لدى حقاني برنامج للعمليات ضد مدينة أورجون في ولاية باكتكا الواقعة إلى جنوب ولاية باكتيا( وتربطهما نفس السلاسل

الجبلية والوديان بل ونفس القبائل) .

تمكن حقاني من الحصول على نصف مليون روبية باكستانية من سياف لتمويل العمليات في الأورجون . وكنت برفقة حقاني وهو يغادر بيشاور كى أحضر تلك العمليات .

على بعد حوالي 40كم من بيشاور تقع قرية (دارا آدم خيل) التي تديرها القبائل الباكستانية وتتخذها مركزا لتصنيع وبيع الأسلحة ، ثم المخدرات والبضائع المهربة .

كان لحقاني أصدقاء أقوياء من تجار(دارا) كانوا على إستعداد لإقراضه معدات وذخائر بالملايين، على أن يؤجل الدفع إلى حين ميسرة . لم يخرج حقاني من (دارا) إلا وقد فرغ جيبه تماما ، إشترى مدفع واحد مضاد للطائرات(14.5مم) وذخائر للمدفع المذكور ولمدفع الدوشكا الموجود بالجبهة . إضافة إلى ذخائر خفيفة  ومنظاراً لمدفع ميدان . وخرج مديونا آخر النهار ، ولكنه كان سعيداً بتلك الإضافات الجديدة .

كان معنا في الرحلة ثلاثة شخصيات عسكرية ممتازة . الأول الرائد (جولزراك) المدرس السابق في الكلية الحربية والشاعر والمؤلف الأديب . والثاني الضابط محمد أختر الذي طرد من الجيش وسجن عدة سنوات مع سياف بسبب إنتمائه الإسلامي . والثالث ضابط المدفعية سراج الدين ، وقد كان قوي البنية متجهم الوجه ولا أذكر أنني رأيته مبتسما. وإنضم إلينا رابع هو الضابط معافي خان ، كان هو أيضا قوي الجسم ولكنه خجول لطيف المعشر ودود مع كل الزملاء .

والأخير إستمرت معرفتي به حتى نهاية الحرب حيث أصبح قائدا بارزا من قادة حقاني . أما الثلاثة الآخرون فقد كانت تلك بداية عملهم مع (الإتحاد) وتحت قيادة سياف . كان سراج الدين ومعافي خان كلاهما من رجال المدفعية وكانت مهمتهما تشغيل أحد المدافع لمساندة المجاهدين . أما جولزراك ومحمد أختر فكلاهما كانت مهمته إستشارية وأيضا لجعل هذه المعركة بإسم الإتحاد الإسلامي لمجاهدين أفغانستان . وأظنها كانت المرة الأولى ـ وربما الأخيرة ـ التي يحاول سياف أن يدعم معركة عسكرية ليست نابعة من تنظيمه ، ولكنه حتى ذلك الوقت كان يعتبر حقاني أقرب حلفائه . ويكفي أنه السبب المباشر في إنتخابه رئيسا للإتحاد عام 1980م كما أنه من أكبر الدعاة إلى الإتحاد بين فصائل المجاهدين .

مع الضباط الثلاثة أجريت نقاشات كثيرة ممتعة أفادتني كثيرا في التعرف على أحوال الجيش قبل الإنقلاب الشيوعي وتصرفات الضباط المعادين للشيوعية في الجيش وكيف دبروا عدة محاولات إنقلابية فشلت جميعها  بسبب الإرتجال وسوء التنظيم . كما رتبوا الكثير من عمليات الفرار مع جنودهم وعتادهم وإنضموا للمجاهدين وتأثرت كثيرا بقصص التطهيرالدموي داخل الجيش الأفغاني . وللحقيقة فإن السوفييت إستطاعوا تكوين كوادر عالية التأهيل داخل قطاعات الجيش والمخابرات والحزب أو الأحزاب الشيوعية .

وكان الإنقلاب الشيوعي عام 1978م خاتمة سلسلة أعمال دؤوبة ومنظمة ينفذها الشيوعيون الأفغان تحت توجيه مباشر من مسؤوليهم في السفارة السوفييتية في كابل . وكان للمسلمين بعض المجهود التنظيمي داخل الجيش، خاصة من طرف حكمتيار، ولكنها كانت سيئة وبدائية لذا كشفت بسهولة وقمعها الشيوعيون بوحشية بالغة.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 عرقلة الفتح :

كان من المفروض أن ينهي الوفد العسكري الإتحادي بالتعاون مع حقاني مباحثات مع قادة المنطقة من الأحزاب المختلفة بهدف شن هجوم موحد على مدينة أورجون . طالت المباحثات كثيرا رغم إتفاق معظم القيادات على العمل بشكل مشترك تحت قيادة حقاني . ولكن قائد حزب إسلامي حكمتيار رفض هذا الإتفاق وأصر أن يكون هو القائد العام . كان ذلك القائد حديث السن والتجربة ولم يكن موضع ترحيب من الآخرين لأسباب متعددة ولكنه أصر . هذا القائد ويدعى(خالد فاروقي) وافق في نهاية الأمر أن يمنع النجدات العسكرية الشيوعية من دخول المنطقة حيث أن موقعه على التلال والجبال المشرفة على الطريق تمكنه من ذلك ،ورغماً عن سهولة العملية لكون الطريق قد تم تلغيمه بكثافة . فقد ضاعت عدة أشهر في تلك المباحثات  حتى بدأت المعارك مع دخول الشتاء. إنضمت دبابتان إلى المجاهدين ، في إحدهما ضابط كبير يدعى “نظر محمد” من قبيلة زدران وعلي درجة من القرابة مع الضابط الإتحادي جولزراك. ( فيما بعد إنضم نظر محمد إلى حزب سياف وعميلا مزدوجا للقوات الحكومية. فكان من الأسباب الرئيسية فى سقوط جبال ستى كاندو وعبور الجيش السوفيتى إلى خوست لأول وأخر مرة ـ  فى تلك الحرب وذلك فى شتاء عام( 87 ــ 1988 ).

إستخدم المجاهدون الدبابتين في فتح الحصن  الذي كنا نشتبك معه . ثم هاجم المجاهدون المدينة نفسها وإقتحموا نصفها، وتهيأ النصف الآخر للإستسلام لولا أن حدثت مفاجأة.

جاء الخبر أن القوات الروسية قد عبرت المناطق الملغومة وهي في طريقها إلي المدينة. أصدر حقاني أوامره إلي المجاهدين بالإنسحاب فورا من الوادي والصعود إلى قمم الجبال . لقد بدأت القوات الروسية حملة مطارة شرسة للمجاهدين ، وكانت الثلوج قد غمرت المنطقة وجعلت حياة المجاهدين لا تطاق . فليس لديهم مراكز إيواء فالطيران يطاردهم في كل مكان والهيلوكبتر توجه نيران الصواريخ والمدفعية . وتسرب المجاهدون إلي خارج المنطقة ، ولم يتبق إلا حقاني وعدد محدود جدا من المجاهدين . وإنتشرت إشاعة بأن الروس سوف يقومون بعمليات إنزال خلف المجاهدين لقطع طريق إتصالهم مع باكستان . لقد كانت تجربة عسيرة بالنسبة لحقاني ، ولكنها لم تكن الوحيدة في حياته من هذا النوع .

كان سبب هذا الإنقلاب أن خالد فاروقي ترك مراكزه فوق الجبال وغادر المنطقة بسبب  البرد والثلج وبدون أن يخطر حقاني بذلك . فأوقع بذلك هزيمة مؤلمة بالمجاهدين وأضاع عليهم نصرا لا شك فيه .

مثل هذه الحوادث تكررت بشكل لا يترك لدينا شك في أنها كانت مرتبطة بالصراعات الحزبية والأحقاد الشخصية وأحيانا بأوامر من باكستان  كما سنرى تفصيلا في مناسبات لاحقة سوف نتناولها.  إن رفض فاروقي للإتفاق أخر المعركة عن موعدها المقرر عدة أشهر حتى بدأت في موسم الثلوج الذي لا يناسب المجاهدين بأي شكل ولكنه يناسب العدو بشكل مثالي .

 

التصنيع العسكرى:

كان الضباط الثلاثة أذكياء ومثقفين على غير عادة ضباط الجيش . وبقدر ما كانت أحاديثي معهم مفيدة ومفعمة بالأمل إلا أنها إنتهت بالدخول إلي أبواب مشاريع عملية أدت إلي تبديل مساري مع سياف والإتحاد، بل أثرت إلى درجة بالغة على تواجدي في أفغانستان وحتى نهاية الحرب ، وربما إلي وقتنا الحالي . ولنبدأ القصة من أولها .

بينما نحن في الجبهة والمناوشات مع العدو على أشدها وكان نجم الموقف هو مدفع الدشكا وراميه العجيب الذي صار مضرب الأمثال في الصبر والصمود والدهاء ، فقد كان مشتبكا بمفرده مع حصن رئيسي للعدو ، ومع الهيلوكبتر الذي يداهمه من آن لآخر ثم مع المدفعية التي تباغته علي فترات متقطعة .

صار الرجل مضرب الأمثال في موقعه المنعزل ، ولا يطيق أحد من المجاهدين أن يصبر معه يوما واحدا أو يومين . بينما هو راسخ كالجبل يشتبك بمفرده مع جيش كامل ، فأثار حماس الجميع وكانت تذهب إليه وفود المجاهدين للتهنئة وتقدم له الدعم من بعيد خاصة ضد مشاة العدو إذا حاولوا التقدم للقضاء عليه. وفجأة توفقت الدشكا وتقهقر الرامي إلى الخطوط الخلفية. فقد نفذت الذخائر. عم الحزن صفوف المجاهدين لتوقف هذه الإشتباكات الرائعة والمثيرة ، وبدأ الطيران بأنواعه يكنس المنطقة موقعا موقعا . إستغرق الأمر حوالي أسبوع حتى

إستطاع مولوي (محمد حسن)، قائد الموقع أن يجد عدة صناديق ذخيرة . هنا تساءلت على إستحياء لشعوري أنني أتطرق إلى أسرار عسكرية فسألت الرائد جولزراك ـ وقد كان أقرب أفراد المجموعة إلى نفسي ـ سألته : (ألا يصنع الإتحاد ذخائر للأسلحة الأساسية؟). وفي الحقيقة كنت أتوقع أن سياف قد بدأ منذ مدة في شيء مثل هذا .

ولكنني فوجئت بتأكيد جولزراك أن مثل هذا الشيء غير موجود بل أنه ـ على خطورته ـ لم يطرح للبحث ولو لمرة واحدة !!.

وهنا تدخل باقي الضباط وإتسعت المناقشة لتشمل الوضع السياسي للقضية الأفغانية إضافة إلى وضعها الداخلي سياسيا وعسكريا ، وكانت حقا مناقشة مستفيضة ، بل ممتعة ومفيدة والأهم أننا خرجنا في نهايتها بقرار ومسودة مشروع لتصنيع الذخائر على أن أتولى بشخصي مفاتحة سياف وإقناعه وبدء العمل معه في المشروع .

وذلك لما يعرفونه من قوة علاقتي به ولكوني عربي ـ وهذه هي المفاجأة ـ فسوف أستطيع تحريك الموضوع أكثر من أي واحد منهم رغم أنهم من الطاقم العسكري للإتحاد!! . وذلك للمكانة  الخاصة  التي يحظى بها العرب لدى سياف !!.

كانت مبررات العجلة في ذلك الأمر راجعة إلى الموقف السياسي العالمي من قضية أفغانستان ، إضافة إلي تطورات داخلية خطيرة .

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

الأمم المتحدة وباكستان ، لحل القضية :

ففي 22 أبريل 1983م إستطاع المبعوث الخاص للأمم المتحدة لدى أفغانستان أن يتوصل إلى إتفاق بين حكومتي كابل وإسلام آباد. يقضي الإتفاق بالسعي عبر مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين وبواسطة الأمم المتحدة إلى إقرار تسوية سياسية لمشكلة أفغانستان من أجل وضع

أساس دائم لحسن الجوار بين البلدين .

كانت ضربة سياسية غير متوقعة إهتز لها وضع الجهاد وبدأت تظهر أولى معالم التآمر الدولي على المجاهدين ، وبواسطة باكستان المحضن الأساسي للأحزاب والمجاهدين . وكان التوقيت في حد ذاته دعما سياسيا لنظام كابل الذي يحتفل سنويا بيوم الثامن والعشرين من أبريل لذكرى الإنقلاب الشيوعي .

فظهر الأمر كأنه هدية أعياد الميلاد تهديها الأمم المتحدة للنظام الشيوعى . وكانت أول إشارة عن حالة العداء المكتوم الذي تكنه المنظمة الدولية للأفغان وقضيتهم الجهادية. طبعا حاول أرباب الجهاد أن يردوا بطريقتهم التهريجية على ذلك التحدي الدولي فجاء الأعلان عن الإتحاد السباعي الذي تحدثنا عنه منذ قليل والذي نظمته الإستخبارات السعودية والإخوان المسلمون وأفراد آخرون لا ينقصهم الإخلاص ولا الأموال ، ولا السذاجة أيضا .

وكان الإعلان عن قيام الإتحاد(الورقي) في 22 مايو 1983م . (الموافق التاسع من شعبان 1403هـ) .

ولا شك أن الإتحاد المزعوم كان تفاقما للأزمة السياسية التي يعيشها الجهاد منذ نشأته . وجاءت الخطوة الدولية ببدء المفاوضات لتزيد الأزمة سوءا وتفتح مزاد البيع والشراء في قضية الشعب الأفغاني بل قضية الجهاد الإسلامي نفسه .

داخليا كانت هناك كارثة لا تقل سوءا. فبعد  حملات بانشير التي يقال أنها وصلت إلى سبع حملات عنيفة قام بها السوفييت لتدمير قواعد مسعود في بانشير .

هذه الحملات أسفرت مؤخرا عن مباحثات ثنائية بين مسعود والجنرالات السوفييت إنتهت بإعلان هدنة بين الطرفين . وكانت قنبلة أحدثت دويا عنيفا في أوساط المجاهدين في الداخل، ولغطا في بيشاور التي لا ينقصها  اللغط .

بعض القادة المخلصين في الجبهات أخبرني وقتها بأن هدنة مسعود إنما هي طعنة في  الظهر وبداية النهاية للجهاد ، وفي الداخل كانت تعليقات المجاهدين تدور حول هذا المعنى .

تحدثت مع ضباط الإتحاد … وكان تقييمنا أننا أمام مؤامرة دولية وإنهيار داخلي عند مسعود قد يكون مؤامرة داخلية كما يعتقد البعض. إذن عاجلا أو آجلا فسوف تقطع المساعدات الخارجية القادمة عبر باكستان ، بل أنها قد تغلق الحدود في وجه المجاهدين في محاولة لفرض تسوية سياسية لقضيتهم لا توافق أهدافهم الإسلامية .

وزاد الطين بلة تسريبات روجتها الصحافة العالمية عن إستعداد باكستاني لقبول حكومة شيوعية  إسلامية مشتركة ، يكون فيها بابراك كارمل الزعيم الشيوعي الأفغاني رئيسا للبلاد ، ويكون حكمتيار الزعيم الأصولي المتشدد رئيسا للوزراء .

وبهذا يكون الرجلان القويان قادران على فرض السلام على جميع الأطراف ووقف (الحرب الأهلية في البلاد!!) .

كانت تلك أول إشارة ، ولم يصدقها أحد خاصة نحن من السذج المتحمسين، فمهما كانت تحفظاتنا على قادة الأحزاب فلن يقبل أيا منهم بالمشاركة في السلطة مع الشيوعيين ، وكم أثبتت السنوات التالية مقدارغبائنا .

المهم كان إستنتاجنا الأساسي أنه لا بد من السعي نحو الإكتفاء ذاتيا من الذخائر المهمة وتصنيعها داخل المناطق المحررة من أفغانستان تحسبا لاحتمال إغلاق الحدود مستقبلا عند إقرار تسوية سياسية . وقلنا أنه حتى في حالة فشل مثل تلك التسوية أو تأخيرها ، فإن إمتلاك المجاهدين تلك القدرة التصنيعية والإكتفاء الذاتي في الأساسيات سوف يقوي موقفهم إزاء باكستان وأي طرف خارجي يحاول الضغط عليهم أو التأثير على قرارهم . كانت إستنتاجاتنا منطقية ومعقولة وتحمس الجميع لها لدرجة أنهم تعجلوا ذهابي إلى بيشاور لبحث الأمر مع سياف والبدء فيه فورا .

كما أن الجبهة هي أفضل مكان لقضاء شهر رمضان ، كذلك فإن أمتع أيام العيد تكون هناك. خاصة إذا لم يهاجم العدو .قضينا يومين من المرح ومسابقات الرماية . وبما أنني كنت  صاحب الفكرة فقد إضطررت إلى تمويل برامج الجوائز . إستطعنا الحصول على بعض البيض  والحلوى المخزونة منذ العهد الملكي.

ولكن، نسيت أن أقول أيضا أن الجبهة هي أفضل مكان  تكتشف فيه أن حتى أبشع المأكولات التي ترفضها في حياتك العادية تجدها أشهى من  طعام الملوك . ودعت الجميع … مودعا ذلك الجو القدسي … مقبلا بكل أسى نحو بيشاور ثم بلاد العرب .

كان عليّ  أن أقابل حقاني في مدينة ميرانشاه . وأتى معي أيضا مولوي محمد حسن لتعزية حقاني الذي توفيت أخته في شهر رمضان … وقد ترك الجبهة فجأة عندما علم بحالتها و حضر وفاتها … وما أكثر الحالات التي تلقى فيها حقاني التعازي .

 

مع رباني فی ( وانا )  :

ربانى والنقد الذاتى

(وانا) مدينة جبلية وهي عاصمة الجزء الجنوبي لمنطقة وزيرستان الحدودية ، كما أن ميرانشاه هي عاصمة الجزء الشمالي . والمسافة بينهما تقطعها السيارة العادية في ثمان ساعات .

قضينا الليلة هناك في بيت ريفي ضخم يملكه أحد الأفغان ويستضيف فيه المجاهدين أثناء عبورهم رغم أن أكثر الأحزاب إفتتحت لها بيوتا خاصة في المدينة . جلسنا في غرفة الضيافة وما هي إلا ساعة حتى سمعنا طلقات غزيرة تملأ السماء نورا والأرض ضجيجا.

(لقد وصل الأستاذ رباني)هكذا أخبرنا مضيفنا. وما هي إلا دقائق حتى وجدت الرجل يجلس إلى يساري هادئا وقورا خفيض الصوت . رحبت به بالعربية ففرح كثيرا لكوني عربي فلم يكن هذا وارداً في ذلك الوقت ، أي وجود العرب في تلك الأماكن وإندهش أكثر عندماعلم أنني قادم من الأورجون . وبدأ بيننا حديث طويل .

وبما أننا نجلس على الأرض في بيت طيني وفي منطقة قبلية نائية تهب عليها نسمات الجهاد من أفغانستان فقد تخيلت أنه حديث من القلب خاصة أن الرجل فاجأني بكمية من الصراحة و (النقد الذاتي) لم أتوقعها أو أطلبها منه . إنتقد رباني العرب وتدخلهم غير المدروس في شؤون الأفغان وأنهم يسببون من الأضرار أكثر مما يقدمون من الفوائد. وأن الإتحاد غير قائم عمليا وأن المشاكل بين المنظمات تتفاقم بسبب

محاولات العرب فرض سياف زعيما للإتحاد، وقال:

{ نحن فاشلون ولا نستطيع أن ندير مكتبا في بيشاور … فكيف ندير دولة في أفغانستان ؟؟}. ما زالت جملته تلك تدور في ذهني وأنا أشاهد ما يفعله الآن في كابل كرئيس للدولة هناك ، وكيف أنه إستبقى كل الشيوعيين المتبقين من حطام النظام السابق ، وإستخدمهم في نفس مواقعهم في قيادة الجيش والدولة . وكيف أنه يتحالف بشكل كامل مع بقايا جناح (بارشام الشيوعي)بينما يتحالف غريمه ورئيس وزرائه حكمتيار مع جناح (خلق الشيوعي).

في نفس ليلة وصولنا إلى ميرانشاه قابلنا حقاني الذي تحدث معنا بطريقته المعهودة عندما تداهمه الأحداث الشديدة.

لا يبتسم مطلقا ، يتكلم بهدوء وتركيز شديد . كنت أغبطه على تلك  القدرة .

كان يضع جدرا من الصلب البارد بين عقله وبين عواطفه . قدمنا له التعازي أولا، ثم الشكل النهائي للعرض الذي سوف أقدمه لسياف. فقلت له :

أولا إن المشروع إتحادي في الأساس فهذه فرصة لتقوية الإتحاد … وجعله إتحادا جديا يتولى مشاريعا جهادية حقيقية .

ثانيا أن تتولى شخصية إسلامية معروفة ومقبولة ومحترمة وجهادية الإشراف المالي والإداري على المشروع.

هذه الشخصية تتولى الدعوة إلى المشروع وجمع التبرعات له والإتفاق مع الكفاءات الفنية والإدارية في العالم الإسلامي كي تقدم خدماتها للمشروع … ولا أجد من تتوفر فيه تلك الصفات غير الدكتور عبد الله عزام . ثالثا وجود مثل هذه الشخصية يضمن (إسلامية) المشروع وينجو به من الحزبية.

فهو سيضمن مشاركة الكفاءات الأفغانية في المشروع أيا كان إنتمائها الحزبي. كذلك يضمن توزيع إنتاج المشروع وفوائده علي المجاهدين مهما كانت أحزابهم أو مناطقهم.

وافقني حقاني على كل ما قلت ، بل أنه تحمس بشدة وقال: هذا أهم مشروع في مرحلتنا الراهنة، وقد كنت على وشك التحرك نحو الأورجون ولكن سوف أرجئ ذلك حتى تتصل مع سياف وتخبرني تلفونيا بالنتيجة.

زادني كلامه حماسا حتى طار من عيني النوم في تلك الليلة وتحركت مع أول ضوء نحو بيشاور.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 8