حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 21

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 171 ) | رمضان 1441هـ / مايو 2020م .

04-05-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (21)

في مباحثات “راولبندي” مواجهة حادة بين حكمتيار وحقاني، حول الشورى وصلاحيات العلماء والمجاهدين في اختيار الأمير ورسم السياسات.

العناوين :

– السياسيون أم العلماء وقادة المجاهدين: من هم أصحاب الحلّ والعقد؟ ومن لهم الحق في تشكيل الحكومة؟ وتعيين الأمير؟ وتحديد سياسات الدولة؟

– حكمتيار هدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، قائلا: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) .

– حقاني يرد: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة.. فمن يكون؟ بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدين هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميرًا شرعيًا للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) .

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

مقدمة:

(نحن الآن في شهر فبراير من عام 1989)

كانت معركة طريق زدران هي بوابة لانسحاب السوفييت من أفغانستان انسحابًا “مشرفًا ” بعد تحقيق نصر متوهم بعبور الجيش الأحمر لذلك الطريق الاستراتيجي، الذي لم يتمكن خلال سنوات من الاحتلال من مجرد السير عليه.

كانت المعركة مؤامرة دولية، شاركت فيها أحزاب بيشاور ولكن المتضرر الأكبر كان مولوي حقاني الذي فقد أكثر من مئة مجاهد، وكاد أن يستشهد في تلك المعركة. وقبيلة زدران نفسها ـ التي ينتمي إليها ـ هاجرت بشكل واسع جدًا لأول مرة في تلك الحرب.

بدأ انسحاب السوفييت بعد إشهر قليلة من المعركة، وأتموا الانسحاب في فبراير 1989.

وبعد الانسحاب بحوالي شهر بدأت معركة جلال آباد التي كانت مؤامرة دولية أخرى شاركت فيها أحزاب بيشاور كما هي العادة. والهدف كان فرض هزيمة عسكرية كبرى على المجاهدين ، تكون مبرراً لقيادات بيشاور كي ينخرطوا في حل سياسي ينتهي بتشكيل حكومة مشتركة لا ينفرد فيها المجاهدون بحكم أفغانستان، ويبقي الشيوعيون في الحكم ومعهم عناصر موالية للولايات المتحدة.

في بداية عام 1989 بدأت في باكستان ـ مدينة راولبندي ـ مشاورات لتشكيل حكومة مؤقتة لأحزاب المجاهدين تكون طرفًا في الحل السياسي القادم. الذي تصوره المجاهدون الحقيقيون مواصلة للجهاد حتى إسقاط الحكومة الشيوعية في كابول. وكان مولوي حقاني علي رأس ذلك التيار. أما التيار الآخر والذي يمثله قادة أحزاب بيشاور فكان جاهزاً لأي حل دولي تتفق عليه أمريكا مع السوفييت.

مشاورات تشكيل تلك الحكومة لم يحضرها الإعلام الدولي وكانت مشحونة بالتدخلات الخارجية ـ خاصة من السعودية وباكستان ـ كي تأتي حكومة موافقة لمتطلبات أمريكا والحل السياسي الذي اتفقت عليه مع السوفييت.

كنت علي اتصال يومي مع مولوي حقاني لمعرفة مجريات مباحثات راولبندي ـ وكانت صحف باكستان زاخرة بتفاصيل كانت مفيدة لاستكمال صورة ما يحدث في تلك المباحثات الباعثة علي اليأس.

مولوي حقاني ضغط بشدة علي زعماء الأحزاب، يسانده عدد كبير من القادة الميدانيين المخلصين الأعضاء في شوري المؤتمر، يحدوهم الأمل بتوحيد جهود الأحزاب في عمل عسكري كبير يستكمل فتح أفغانستان ـ ولكن أسفرت اجتماعات راولبندي عن تشكيل حكومة يرأسها سيّاف رئيسًا للوزراء ـ ويشغل فيها مجددي رئاسة الدولة. أول أعمال الحكومة كانت إشعال حماسة كبري، بدعم من الإعلام الدولي، لمعركة في جلال آباد. المعركة شهدت أكبر خسائر بشرية في معركة واحدة خلال الحرب كلها. وكاد يتوقف الجهاد في كل أفغانستان كما توقعت الجهات الدولية التي ضغطت لتشكيل حكومة بهذا الشكل الهزيل. لكن حقاني واصل عملياته العسكرية المذهلة ـ ولولا فضل الله علي المجاهدين، وفتح مدينة خوست لظل الشيوعيون مكوناً رئيسيًا في حكم أفغانستان إلي اليوم.

– أهم حوارت مؤتمر راولبندي هو ما دار بين قادة الأحزاب السبعة بقيادة حكمتيار، وبين أعضاء الشوري في المجلس من علماء وقادة ميدانيين ويقودهم مولوي حقاني. لقد تبارزا بحدة حول عدد من أهم التحديات الفكرية والحركية التي مازلت تواجه العمل الإسلامي، ألا وهي:

1ـ من هم أصحاب الحل والعقد؟

2ــ من الذي يختار رئيس الدولة؟

3 ــ من يرسم سياسات الدولة؟

4 ـ أزمة الثقة واختلاف الرؤي بين السياسيين المحترفين وبين العلماء والمجاهدين.

 

الحكومة المؤقتة الثانية (حكومة راولبندي) :

– أصيب الجهاد الأفغاني بلعنة (الاحزاب السبعة) ، ورغم الانقسامات العديدة ومحاولات التوحيد الكثيرة… لم يزد العدد أويقل عن سبعة، البعض يتفاءلون بهذا الرقم، لا ندري من هو المتفاءل، هل هي الحكومة الأمريكية أو باكستان والسعودية، أم القادة السبعة أنفسهم. الحكومة المؤقتة الأولي، حكومة أحمد شاه، لم تنجح في توحيدهم، بل ولدت ميتة وعاشت الأحزاب السبعة لا هي حرة ولا هي مستقلة. يطلقون عليها اسم حزب أو تنظيم، ولكنه اسم علي غير مسمي، تماماً كاسم حكومة التي أطلقوه علي حكومة أحمد شاه ثم مجددي من بعده. الفرد هنا هو الأساس، وحوله عدد من الأقارب والأصدقاء والمتملقين يسميهم مجلس شوري.

وهو أيضاً اسم علي غير مسمي، والأفضل تسميته مجلس (الثرثرة) ، أما القرار فهو لزعيم الحزب. وحتى هذا الزعيم الأوحد له مستوى متدني للغاية في قراراته، أما مستوى القرارات الخاصة (بالسيادة) فهي لأصحاب السيادة، أي المخابرات الباكستانية التي ترسم الإطار العام وأكثر ملامح العمل التنفيذي، ومن فوقها تأتي المخابرات الأمريكية التي تتحكم في دولة باكستان بالضغط الاقتصادي (والإملاء) السياسي والتهديد الأمني، حتى لأمن رئيس الدولة.

فقرار تنصيب رئيس دولة باكستان، أو عزله، وربما قتله، هو قرار أمريكي من صميم اختصاصات السيادة الأمريكية والأمن القومي الأمريكي. فقد قتل ضياء الحق نسفًا، كما عينت (بي نظير بوتو) انتخابًا، بقرار أمريكي. وأمريكا أرادت حكومة (جهادية) جديدة أكثر حيوية من حكومة أحمد شاه المتوفاة. ولكن لا تريدها حكومة حقيقية، بل تريد حكومة لا تترك المجال خاليًا أمام حكومة كابل التابعة لمنافسها وغريمها القديم، الاتحاد السوفيتي. تريدها حكومة تكون ستاراً أفغانيًا للنفوذ الأمريكي، ومشجبًا لتعليق الهزيمة والخسائر والضعف حتى ينسب كل ذلك للجهاد وللشعب الأفغاني وحلفائه من المسلمين المجاهدين. كانت أمريكا تنادي بحكومة (ذات قاعدة عريضة) لا لشيء إلا لتمييع الطابع الإسلامي للمجتمع والدولة، ولاستعباد المجاهدين والرموز الإسلامية النشطة. كانت تريد حكومة من عملاء أمريكا والسوفييت، ومن أصحاب العقائد المعادية للإسلام أو المنكرة له. ومن اللطيف أن نذكر ذلك المأزق الذي وقعت فيه أمريكا بسبب ذلك الشعار الذي بمقتضاه لابد أن يشارك الشيعة في الحكومة، خاصة وأن لهم ثمان منظمات جهادية مستقرة في إيران، وهم معتبرون كقوة جهادية مسلحة، مع اختلاف في وزنهم العسكري وفعاليتهم، ولكنهم بلا جدال أفضل بكثير من قوي أفغانية هاجرت إلي الغرب وحملت جنسياته وجوزات سفره، أو هؤلاء الذين سوف يأتون من كابل لتمثيل (الشيوعيين الطيبين) ، أي الذين لم يشاركوا في قتل المسلمين وقد قررت منح هؤلاء “الطيبين” 19 مقعداً في مجلس الشوري الذي سوف يختار الحكومة المؤقته الجديدة. ولكن الخلاف حدث بالنسبة لتمثيل المنظمات الشيعية، وكانت أول أزمة كبيرة تواجه تشكيل الحكومة الجديدة، التي تقرر أن تعقد الجلسات من أجل تشكيلها في مدينة الحجاج الواقعة على الطرف الشمالي لمدينة راولبندي. كانت الخطة الأمريكية للخروج من ذلك المأزق تعتمد على تكتيك بسيط وفعال، وهو أسلوب “التطفيش”، أي إثارة أعصاب الخصم فيضطر إلى ترك الساحة غاضباً، وعندها يمكن تحميله ذنب ما حدث وأنه هو الذي رفض وترك. وذلك ما حدث فعلاً. لكن بما أن هناك أطرافاً أفغانية هي التي ستقوم بواجب التطفيش، وأن ذلك يستدعي دفع أتعاب معينة. فكان لابد أن تكون الخزينة الأمريكية بالنيابة “أي السعوديه”، جاهزة وقريبة جداً.

وقامت السفارة السعودية في إسلام آباد بالواجب المطلوب منها. فتابعت ما يحدث عن كثب ووزعت الأموال على كثيرين كي تحصل علي النتائج المطلوبة. وكان أهم مطلب هو استبعاد الشيعة الذين ينظر إليهم سياسياً كقوة موالية لطهران، وذلك سيشكل عقبة كبيرة لحكومة المجاهدين المحسوبة واقعياً ضمن النفوذ الأمريكي، وبالتالي السعودي والباكستاني. الخطوة الأولى: استدعاء الخصم “الشيعة” ،والخطوة الثانية: إثارة أعصابه لإجباره على ترك الساحة، الخطوة الثالثة: تحميله مسئوليه ما حدث. من أجل استدعاء الشيعة تم عرض مشاركتهم في تشكيل الحكومة وعرض عليهم مئة مقعد مجلس الشوري الذي سيشكل الحكومة. كان لكل حزب في بشاور 60 مقعد في مجلس الشورى، وبعد مساومات طويله ومباحثات بين باكستان وإيران، شارك فيها وزيرا الخارجية في البلدين نجحت الجهود ووافق قادة أحزاب بيشاور على منح الأحزب الشيعية الثمانية مئة مقعد في المجلس.

صبغة الله مجددي رئيس اتحاد المجاهدين في بشاور، الذي يتناوب الزعماء رئاسته في دورة مدتها ثلاثة أشهر لكل زعيم ذهب إلى طهران حاملاً النبأ السعيد إلى المنظمات الثمانية هناك وتم الاتفاق على حضورهم جلسات مدينة الحجاج في بندي لتشكيل الحكومة الجديدة. وما أن وصل المئة مندوب من طهران حتى بدأ فوراً تكتيك “التطفيش”. فقد استنكر زعماء بشاور ما حدث وادعوا أنهم لم يوافقوا عليه وأن مجددي تصرف من تلقاء نفسه، وأن الشيعة لايجوز أن يشغلوا كل تلك المقاعد. فكانت أول أزمة كبيرة واستعدّ الوفد الشيعي بقيادة “خليل الله خليلي” لمغادرة المؤتمر عائدًا إلى طهران. مجددي غضب بشدة من خيانة زملائه الذين وافقوا ثم أنكروا، مع أن ذلك كثيرًا ما حدث من أجل توريط بعضهم بعضًا، فيتفقون مع قائدهم سرًّا ثم يخذلونه علنًا مدعين أنهم لم يوافقوا.

حدث ذلك عندما قرّروا حل اتحادهم في بشاور وبناءً على طلب أمريكي أيضًا، وعندما ذهب ربّاني ثم خالص لمقابلة ريجان، وعندما…. الخ. بعض القادة الآخرين وأعضاء الشورى الذين لم تطالهم أموال السعودية احتجوا على نقض العهد بهذه الصورة المفضوحة. وكان لابد من تخطي تلك الأزمة وإقناع الوفد الشيعي بالبقاء، ثم تطفيشه في وقت لاحق، خاصة وأن الصحف الباكستانية انتقدت موقف أحزاب بشاور، ولمحت إلى النفوذ السعودي والأمريكي وراء ذلك التصرف. تشكلت هيئة “إطفائية” لمجلس الشوري لأن الأزمات توالت. وأن كانت البداية مع الشيعة، ولكن النّيران امتدّت إلى داخل مجلس الشورى، وبين أعضاء الشورى والزعماء السبعة. قاد هيئة الإطفائية جلال الدين حقاني، عضو مجلس الشورى ضمن وفد تنظيم يونس خالص.

وبعد مجهود كان حل المشكلة هو أن يأخذ الشيعة سبعين مقعدًا، ستون مقعدًا علنية حسب ما طالب به، وأصرّ عليه بعض زعماء أحزاب بشاور، ثم عشرة مقاعد ـ سرية ـ خمسه ضمن وفد مجددي في الشورى، وخمسة تبرعت بها منظمات أخرى، ومرت الأزمة الأولى. ولكن محورالمعتدلين (مجددي/ جيلاني/ محمدي) شعر بالخطر من التدخل السعودي وشعر أنه سيكون الضحية، فالأموال السعودية سوف تقلب موازين الشورى التي كانت في صالح المعتدلين.

وساعد على ذلك أن مجددي أثناء فترة رئاسته للاتّحاد، وكانت آخر فترة قبل مؤتمر راولبندي، كان قد ضمن أصوات الأحزاب الشيعية، لكونه هو الذي حمل إليهم النبأ السعيد بتخصيص مئة مقعد في الشورى مع وعد بسبعة حقائب وزارية. والجناح المعتدل لايعادي الشيعة بعنف مبالغ فيه كما يفعل الجناح الأصولي وبالتالي فإن تصويت الشيعة سوف يكون في صالح المعتدلين. كذلك فإن مجددي في فترة رئاسته منح 19مقعدًا في الشورى، “للشيوعين الطيبين في كابل”، وبموافقة جميع الزعماء الكبار، ولكن أحدًا لم يعترض كما حدث مع الشيعة، حتى أن كل الناس تقريبًا لم تشعر بأن حكومة كابول كان لها ممثليها، غير الرسميين، في مؤتمر راولبندي.

كذلك فإن كتلة ” المهاجرين الأفغان في الدول الغربية” وهي كتله تهتم بها أمريكا كثيرًا، وتراهن على أن تمسك في المستقبل (المتوسط) القيادة المطلقة لدولة أفغانستان، تلك الفئة حضرت المؤتمر وشاركت في المناصب الحكومية الهامة، فيما دون منصب الوزير. تم ذلك بدون ضجة أو إعلان، حتى أن العمل العسكري لتلك الحكومة رغم هزاله كان في يد واحد من هؤلاء يحمل الجنسية الاسترالية. {تلك الفئة من (الأفغان الغربيين) تولوا حكم أفغانستان بعد احتلال أمريكا لها عام2001 ويرأسهم حامد كرزاي، معظم الوزراء يحملون جنسيات أمريكية وغربية. وكثير منهم تنصر سرًا واحتفظ باسمه القديم كما هو}.

كتله صغيرة أخرى كانت ستقف إلى جانب المعتدلين وهم كتلة المستقلين، والتي تضم مولوي نصر الله منصور، وقاضي محمد أمين وقاد ورفيع الله مؤذن، ولهم جميعاً عشرون مقعداً فقط.

وكان توازن القوى في المجلس، قبل التدخل السعودي هو كالتالي:

عدد الأعضاء المعتدلين:

(محمدي) 60 عضواً + (جيلاني) 60 عضوا + (مجددي) 60عضوا + (الشيعة) 70عضوا (الطيبون) 19 عضوا = 289 عضوا.

الأصوليون:

(سياف) 60 عضوا + (حكمتيار) 60 عضوا + (رباني) 60عضوا + (خالص) 60عضوا =240 عضواً.

وقبل التصويت نجحت الأموال السعودية في تطفيش الشيعة، كما نجحت أيضاً في سحب “محمد نبي محمدي” ومندوبوه في الشوري إلى جانب (المتشددين) . وبعملية حسابية بسيطة نجد أن توازن الأصوات داخل المجلس أصبح كالتالي:

المعتدلون 159 عضواً.

المتشددون 300 عضواً.

بهذا الشكل ضمنت السعودية أن يكون مجلس الشورى رهن مشيئتها وأن تشكل هي الحكومة التي تريد. (وقد فعلت ذلك عندما فتحت كابل ولم يكن للمنظمات حكومة يدخلون بها العاصمة كقيادة شرعية. فتولى مدير المخابرات السعودية تركي الفيصل تشكيل تلك الحكومة التي كلفته 150 مليون دولار فقط توزعت بين سياف ومجددي “مئة لسياف، خمسين لمجددي”.

وقد كلف تركي الزعيم سياف بتشكيل الحكومة، فاختار مجددي رئيساً مؤقتاً للدولة ووزع المناصب على الزعماء الكبار أو من ينوب عنهم كما هي العادة في كل مرة) .

لكن حادثان عرقلا نسبياً ذلك التخطيط، الأول كان سوء تفاهم خطير بين مجلس الشورى والزعماء السبعة هدد بانهيار المسرح على رؤوس من فيه من الممثلين في مدينه الحجاج. الثاني هو نظام توزيع المناصب الوزارية ونظام التصويت والذي ابتكره جلال الدين حقاني (رئيس فريق الإطفائية) والذي أنقذ العملية برمتها من الانهيار عدة مرات حتى خرجت بنتيجتها النهائية، وذلك خير من انهيار المؤتمر وفشله في مهمته المعلنة.

وذلك إذا حدث سيعتبر فضيحة كبيرة.

جرف الحماس أعضاء مجلس الشورى في بداية جلساتهم. فقد طرح في البداية اقتراح بتجديد المدة لحكومة أحمد شاه، الذي قدم تطويرًا هامًا لحكومته تمثل في استحداث وزارة لشئون المرأة (!!) وبالطبع كان من المفروض أن تشغله امرأة، أثار ذلك استهجان أعضاء مجلس الشورى وأسقطوا حكومة أحمد شاه، من الجولة الأولى وبالضربه القاضية. وفتح ذلك شهية الأعضاء كي يمارسوا مهامهم بجدية فأثار ذلك ذعر القادة السبعة.

فمجلس الشورى يريد أن يحاسب الزعماء وأن يكون شريكاً حقيقياً في اتّخاذ القرار بشأن مستقبل البلاد بما في ذلك الحكومة الجديدة. إذًا فقواعد اللعبة على وشك أن تتغير، وهناك من يناقش أولياء الأمر ويحاسبهم، ويريد أن يشارك في صنع القرار.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

كان لابد للقادة أن يدافعوا عن كيانهم ضد “تعديات” الشورى، التي اختاروا رجالها، فتقدم حكمتيار وهدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، فقال لهم: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) . وهكذا اتحد المعتدلون والمتشددون في جهة واحدة من سبعة أشخاص، ضد (نواب الشعب!!)

الذين اختارهم القادة السبعة أنفسهم. وكانت لحظة مليئة بالمعاني العميقة ليس للأفغان فقط بل للمسلمين عامة والحركة الإسلامية خاصة. لحظات عبّرت عن نظرية الذات، أو الذوات المقدسة لأولياء الأمور حكامًا كانوا أم زعماء لمنظمات جهادية أو دعوية أو.. والخلاف الأبدي حول أصحاب الحل والعقد من هم ومن يختارهم وما هي صلاحيتهم ؟ ومن يحميهم من ولي الأمر من أن يقتلهم أو يسجنهم أو يشتريهم بالذهب والفضة والمناصب اللامعة؟.

لقد هاج المجلس وماج، وتصدى كثيرون للرد على وقاحات حكمتيار الذي يتكلم ذلك الكلام الجارح أمام مجلس فيه نسبه لا بأس بها من العلماء والمجاهدين ذوي الاحترام والهيبة. الوقت المخصص لكل عضو للتعبير عن رأيه هو خمس دقائق فقط. لذا لم يتمكن أحدهم من الاستفاضة أو إكمال التعبير عن وجهة نظره، حتى يجد أن الميكروفن قد أغلق، وأن هناك عددًا من الأصحاء من حراس المجلس يدفعونه بلطف وإصرار بعيدًا عن المنصة.

لكن حقاني كان الوحيد الذي استطاع في الوقت المحدد أن يرسل برقية حادة حملت كل نذر الخطر والجدية. قال حقاني: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة فمن يكون؟. بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدون هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه، هؤلاء الذين ضحوا في الجهاد هم أصحاب الحل والعقد بحكم الشرع وبأي حكم آخر. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميراً شرعياً للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) . كان التهديد أكثر من خطير، وساد الصمت أرجاء القاعة، ولم يزد القادة سوى أن طأطأوا رؤوسهم وتمتموا:” نعم… نعم”. ثم تحول المسار.

لقد أتقن الزعماء السبعة فن اللعبة وكم امتصوا مثل تلك الأزمة التي أثارها أمثال حقاني. إن حقاني يهدد بثورة هو محركها وقد يصبح قائدها.. وليس أفضل لامتصاص الثورة أو قتلها من تشكيل لجنة. فليكن حقاني زعيم لجنة لا زعيم الثورة، وليكن أفراد اللجنة من أخلص أتباع القادة.

كل زعيم يرسل عشرة من أتباعة المخلصين فتتشكل لجنة من سبعين عضواً يرأسها حقاني تكون مهمتها اقتراح الحلول الملزمة للخروج بشيء من ذلك المؤتمر الذي طالت أيام انعقاده في جلسات سرية أقصيت عنها الصحافه عمداً… والكل ينتظر ولادة متعثرة داخل مدينة الحجاج.

حقاني هو الآخر يعرف هؤلاء الزعماء جيداً وأنهم أسرع من ينقض العهد وينكر ماتعهد به، لذا طالبهم بتفويض مكتوب فوقعوا تعهداً يقول: { لإقرار الأمن والنظام في أفغانستان وإقامة حكم إسلامي فيها فقد فوضنا هذه اللجنه يتشكل الحكومة وأن هؤلاء السبعين يعتبرون “الشورى القيادية” وأن يقيموا حكومة انتقالية. وإذا أصدر هؤلاء السبعون أي قرار فإننا نقبلها ونحن مكلفون بالتنفيذ، وأن يباشر هؤلاء السبعون عملهم هذا ويتابعوا تنفيذة}.

التوقـيع: “رباني، سياف، حكمتيار، خالص، مجددي، محمدي، جيلاني”.

“وكان ذلك يوم الاثنين 20 فبراير1989 أي بعد 16 يوم من بدء العمل. لم يكن ممكناً فعل الكثير بمثل تلك اللجنة التي هي ملكية أكثر من الملك”.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)




حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 20

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)                     

معركة طريق زدران كما يرويها حقاني

 

العناوين: 

– رد حقاني قائلاً:  لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن.

  انهار الوضع بطريقة مأساوية لأن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

– خسر الروس 300 قتيل والجيش الأفغاني 200 قتيل، وعدد شهدائنا كان 100.

– استخدم العدوّ المساجين كدروع بشرية لفتح ثغرات في حقول الألغام.

– أحضر الروس قوات من سيبيريا للقتال في مناطقنا الثلجية. قوات العدو كانت غزيرة جدًّا وتملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة.

نصحني حقاني بعدم الكتابة عن تفاصيل موقف الأحزاب من المعركة .. لماذا ؟؟

– ادّعى السوفييت أنها أول حملة يشاركون فيها، والتلفزيون السوفيتي يتابعها لأول مرة.

– الإذاعة البريطانية تدعي وجود 50 خبيرًا أمريكيًا مع المجاهدين، من بينهم صديقنا عثمان الصعيدي.

 

  تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجمعة 8/يناير/88 :

عاد إلى ميرانشاه الدكتور “محمد حسن” الذي كان يعمل في نقطة الإسعاف العربية في “نكا” وأخبرنا بأنه قابل في الطريق كل من أبوخالد وأبوحفص وأبوجهاد والآخرين. بعد صلاة العشاء ذهبت مع عبدالرحمن وآخرين لمقابلة حقاني، وكان هناك تميم العدنانى الذي يحرص على ملازمة الشيخ، ومساعدته في مقابلة العرب وجمع التبرعات له. وأخيرًا وصل الشيخ حقاني والضمادات تحيط بركبته ولكنه يستطيع المسير بصعوبة نسبية، كتبت فى مفكرتي عن حقاني في ذلك اللقاء : 

سلمنا عليه، كان مرهقًا… ويبدو محطمًا بشكل لم أشاهده من قبل… لكنه كان نشط الذهن متجلدًا…بدأنا في حديث مطول حول ما دار في تلك المعركة، أخذت أسجل كتابيا ما يقول حقاني، بينما اعتنى عبدالرحمن بتسجيل الحديث في شريط كاسيت مازلت أحتفظ به إلى الآن. يقول حقاني عن تلك المعركة: جمع الشيوعيون قوات ضخمة روسية وأفغانية بهدف فك الحصار المضروب حول خوست منذ ثمانية سنوات ونصف السنة، ومنذ ثمانية أشهر قبل الحملة الأخيرة، كان مطار خوست يقصف بواسطة المدفعية والصواريخ فاشتد الحصار على المدينة. بدأت المعركة في جبال “ستي كندو”، ولكن القصف الجوي والمدفعي طال كل قرى المنطقة، والتي كانت آمنة من القصف منذ مدة طويلة، فقتل عدد كبير من النساء والأطفال، وانشغل المجاهدون بنقل عائلاتهم إلى خارج المنطقة في ظل ظروف الشتاء القاسية والثلوج المتراكمة.

وكان أمرًا صعبًا أدّى إلى نقص كبير في عدد المدافعين عن المنطقة. ويواصل حقاني: لقد وصلت إلى أرض المعركة بعدما كانت القوات الشيوعية قد صعدت جبل “ستي كندو” ورغم كثافة تلك القوات وضعف المجاهدين إلا أن العدو لم  يستطع التقدم لمسافة تذكر، وبات مصير الحملة مهددًا، إلى أن قام العدو باستعمال طريق فرعي داخل الجبال يبدأ من منطقة سيد كرم في جرديز وينتهي في منطقة تدعى” ميرجان دكان” على الطريق الرئيسي خلف منطقة سرانا. وبهذا تخطى العدو نقاط مقاومتنا القوية وأصبحنا نحن مطوقين أو مهددين من جهتين، وبدأ موقفنا يضعف وهاجمنا العدو أرضيا من جهتين وضغط علينا إلى داخل سرانا وأبعدنا عن الطريق الرئيسي فاستطاع أن يستخدمه. وأثناء مروره من الطريق الفرعي المذكور دفع أمامه مجموعات من المساجين السابقين الذين اسخدمهم دروعًا بشرية تمر أمامه في الطريق خوفًا من الألغام أو كمائن المجاهدين، ذلك بالرغم أن الطائرات قد قصفت المنطقة بكثافة كبيرة حتى أن السكان هجروها بالكامل. وكان هناك عدد من الجواسيس وعملاء العدو سهلوا له العملية كلها، وأرشدوه الى الطريق وأعلموا الروس بعدم تواجد قوات للمجاهدين يمكنها تهديد القوات المتقدمة. بالنسبة لخسائر العدو في تلك المعارك فهي ليست معلومة لنا بدقة حتى الآن، فالجنود الأسرى لايعلمون سوى بخسائر وحداتهم، بينما ساحة المعركة واسعة جدًا ومدة المعركة كانت طويلة. أكثر الخسائر البشرية، كما شاهدنا، كانت في الجنود الروس لأنهم جاهلين بالمنطقة، ولم يتعرفوا على تكتيكات المجاهدين في القتال ومواقع حقول الألغام التي زرعناها. ونحن في انتظار أخبار تأتينا من كابول حول خسائر العدو من المتعاونين معنا هناك، والآن يمكنني تخمين أن الروس خسروا 300 قتيلًا والجيش الأفغاني خسر 200 قتيلًا. وكنا قد حصلنا على قائمة بحوزة ضابط روسي قتيل تحتوي على أسماء من قتلوا من وحدته وكانوا 85 شخصًا.أما عدد الشهداء عندنا فلا يزيد عن مئة شخص.

– لقد أسقطنا للسوفييت خمسة طائرات من بينها 3طائرات ميج، وطائرة هيلوكبتر واحدة، وطائرة نقل واحدة ، كما دمرنا لهم مابين 70 / 75 آلية مابين سيارة ودبابة، وحطمنا له مابين 25 /30 مدفعاً نتيجة هجمتين لنا على معسكر المدفعية في جارديز (قرب قرية غلجاى). عن القوات الشيوعية التي شاركت في الحملة، قال حقاني:

إنّ الفكرة عنها ليست كاملة ولكن ماهو معروف أن القوة تشكلت من فرق أفغانية مختلفة، مع قوات روسية كانت هي الأغلبية من قوات الحملة. وقد شاركت قوات روسية قدمت خصيصاً من منطقة “سيبريا” حتى تكون قادرة على العمل في منطقتنا الباردة والجليدية في ذلك الفصل الشتوي.

أما الفرق الأفغانية التي شاركت بعض قطاعاتها في الحملة فهي:

فرقة غزني”فرقة 14″، فرقة جرديز”فرقة12، “و الفرقة السابعة، و فرقة قارغاه “فرقة 8” ، مع قوات روسية من كابول وغزني وجرديز. ويمكن القول بأن القوات كانت كثيفة جدًا بشكل غير عادي وكانت تملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة. بالنسبة للموقف الآن فإن المجاهدين من أهل المنطقة مازالوا يواصلون عملياتهم ونأمل أن يتمكنوا من تنظيم صفوفهم، والعدو لم ينشئ مواضع دفاعية “بوسطات” على الطريق ولكن فقط نقاط حراسة. ولا ندري المدى التي ينوون الاحتفاظ فيه بالطريق لأنه مشكلة كبيرة عليهم، ويكفي أن تعلم أنهم خلال 37 يومًا من القتال لم يستطيعوا أن يخترقوا الطريق. ولكنهم عندما هاجموا مراكزنا “سرانا” شغلونا وفتحوا نصف الطريق في يومين.

وللأسف فإن مجاهدي المنظمات الأخرى قد هربوا وتركوا المنطقة خالية وهذا هو السبب الرئيسي لفتح الطريق.

عن كمية الإمدادات التي وصلت إلى خوست فهي غير معلومة لأن العدو يسير بها ليلاً  في قوافل من السيارات  مطفأة الأنوار حتى لا نعلم حجمها. وتوقع حقاني أن يكون من أهداف القوة الشيوعية طرد المجاهدين من مراكزهم حول خوست لتأمين المدينة، ثم الوصول إلى القواعد الرئيسية خاصة جاور كما يمكنهم قصف ميرانشاه للضغط على باكستان حتى تتدخل لتقييد نشاط المجاهدين كما يحدث في منطقة “طورخم” الحدودية على طريق بشاورـ جلال آباد. قلت لحقاني أنه في الظروف الحالية يبدو أنه غير ممكن عمل شيء كثير ضد القوة بسبب الشتاء، واضطراب المجاهدين وبالتالي فإن القتال الرئيسي سوف يكون في الربيع والصيف، فما هي فكرته حول المعارك القادمة؟

رد حقاني قائلاً:” لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن، لأنهم مازلوا يجهلون المنطقة بينما نعرفها نحن وإذا تركناهم فسوف يتعرفون على المنطقة جيداً وعلى حقيقة أوضاع المجاهدين، وسوف يقيمون نقاطًا منيعة لحماية الطريق، بينما حراساتهم على الطريق الآن مازالت ضعيفة“.

وفي الأمس ضرب مجاهدونا قوافل العدو على الطريق، وقد ظل العدو يقصفهم بالمدفعية طوال الليل. وسألت حقاني:” لكن لماذا لم يحاول المجاهدون مهاجمة خوست والاستيلاء عليها قبل تلك الحملة ؟”. أجاب قائلاً: “كانت دفاعاتها ما تزال قوية، وبها قوات روسية وأفغانية وأرضها منبسطة لا تناسبنا في ضعفنا الراهن”.

– ثم سألت حقاني:  هل لهذه المعركة صلة بالوضع السياسي لأفغانستان؟ فأجاب قائلا:

بالطبع لقد اهتمّ السوفييت بهذه الحملة أكثر من أي حملة أخرى في حرب أفغانستان حتى أن وزير خارجيتهم كان  يدلي بتصريحات حولها. وكانت أول معركة يتابعها التلفزيون السوفيتي بالصورة والخبر. وأدعوا أن هذه أول معركة يشاركون فيها!

 وأعلن السوفييت أن خمسين مستشارًا أجنبيًا كانوا يقاتلون إلى جانب المجاهدين. ويبدو أنهم نقلوا ذلك عن الإذاعة البريطانية التي ذكرت أن خمسين خبيرًا أمريكيًا كانوا مع المجاهدين، وأن واحد من هؤلاء المستشارين قد أسر، ويدعى عثمان، واثنان آخران قد قتلا. “ملحوظة”: (عثمان المذكور هو صديقنا عثمان الصعيدي وقد تعرفت عليه بعد المعركة بعدة أشهر، والذي حدث هو أنه كان ضمن مجموعة من العرب في سرانا، وقد ضل طريقه مع اثنين آخرين من العرب. وأبلغ المجاهدون بالمخابرة أن الثلاثة قد فقدوا وأنهم عثروا على جثة اثنين منهما وأن عثمان ربما يكون قد أسر.

ولكن صديقنا عثمان، الشاب الصعيدي الظريف لم يأسر أو يقتل قط طوال حرب أفغانستان. كما أنه ليس أمريكيًا ولم يشاهد أمريكا طوال حياته، وكان يفخر دائمًا بقوله بأنه مسلم من “صعيد ستان”. وكان أول من اخترع ذلك الإصطلاح. أما مراسل الإذاعة البريطانية في ميرانشاه، وهو أفغاني، وكان على صلة ممتازة بعمال أجهزة اللاسلكي لدى مكاتب المجاهدين، وكانوا أهم مصادرة الخبرية، وذلك مقابل مبالغ نقدية جيدة، المراسل النشيط سمع بالخبر فأضاف إليه التوابل المناسبة مثل وجود خمسين مستشارًا أمريكيًا وربما كان يقصد العرب في منطقه “ساتي كندو” و”سرانا”.

وقال أيضًا بأنّ عثمان كان يدرب المجاهدين على استخدام صواريخ “ستنجر”، وهذا غير صحيح قطعًا لأن صديقنا عثمان لم يلمس في حياته ذلك الصاروخ ناهيك عن استخدامه).

 

– عن ملاحظاته حول الأسلحة التي استخدمتها القوات الشيوعية في حملتها تلك قال حقاني:

” لقد استخدم السوفيت حوالي ألف قطعة مدفعية وقد استخدموا في بعضها ذخائر انشطارية، وكذلك قنابل طائرات عنقودية، بعض أنواع المدافع كان جديدًا ويستخدم لأول مرة ومن عيارات كبيرة طويلة المدى مثل عيارات 150مليمتر، 170 مليمتر”. فسألته: ولكن لماذا انهار الوضع بهذه الطريقة غير المتوقعة؟ فأجابني قائلاً: السبب الأساسي في ظني هو أن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

في اليوم التالي وضعت نفسي داخل أحد الباصات العامة في طريقي إلى إسلام آباد. كنت في حالة نفسية كمن وجد نفسه في غياهب “بحر الظلمات”. سحبت أوراقًا من جيبى كتبت فيها الملاحظتين التاليتين تعبيرًا عن مشاعري وقتها. قلت في الملاحظة الأولى:

– “أكثر الرجال نبلاً وشجاعة هم هؤلاء الذين يجدون في أنفسهم القدرة على خوض حرب

عادلة تمامًا، ولكنها يائسة”. أما في الملاحظه الثانيه فقد جاء فيها :  “أجد نفسي في موقف يشبه موقف جلال الدين حقاني، مع الفارق، فكلانا هزمه أصحابه”.

 

الانسحاب المفاجئ :

فجأة انسحبت القوات الشيوعية، وتركوا حتى مرتفعات “ستي كندو” الاستراتيجية وتم ذلك الانسحاب في 24 يناير 1988. أتعجب من حماقة هؤلاء الروس، يقدمون أثماناً باهظة وخسائر جسيمة فى مقابل مكاسب تافهة هاهم الآن قاتلوا “37” يوماً في مقابل استخدام الطريق لمدة 24 يوما فقط، أي أنهم قاتلوا يومًا ونصف في مقابل كل يوم استخدموا فيه الطريق!!. وفي معركة “جاور” عام 86 قاتلوا لمدة شهر تقريبًا كي يمكثوا في القاعدة يومًا ونصف أي أنهم قاتلوا عشرين ساعة في مقابل كل ساعة مكثوها في جاور! لماذا ؟؟ كم أهدروا في هذه المعارك وأمثالها من أرواح الجنود وآلاف الأطنان من العتاد والمهمات في مقابل لاشيء تقريباً. لاعجب إذن أنهم خسروا الحرب . فالحرب لايكسبها من يفكر بحذائه بدلاً من عقله. ولننظر إلى الرابح الحقيقي في تلك الحرب، وهم “أصدقاؤنا” الأمريكان. لقد كسبوا الحرب ولكنها لم تكلفهم سنتاً واحداً.

لأن “المملكة” دفعت كل الفواتير. كما لم يريقوا فيها قطرة دم واحدة، لأن الأفغان و”المتطرفون” العرب أراقوا ما يكفي وزيادة.

بينما ربح الأمريكان الأذكياء ليس حرب أفغانستان فقط ولكن نفط الخليج، واحتلوا جزيرة العرب، مهبط الوحي، ومن ثم سيطروا على العالم أجمع كقوة قاهرة فوق كل الخلائق!!. لقد خسر الروس لأنهم فكروا بأحذيتهم بينما نحن سحقتنا تلك الحرب لأننا لم نفكر أصلاً. فكما  قال بعض إخواننا من حكماء الحركة الإسلامية “إن التفكير يناقض الإيمان!!”. ولله في خلقه شؤون، فلا عجب فيما يحدث لنا الآن.

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

31 يناير 1988 : 

في الثامنة والنصف صباحًا في اليوم الأخير من يناير قابلت حقاني في غرفته المخصصة لاستقبال ضيوفه المرتبطين معه بأعمال. قال حقاني: إن سلسلة من الاجتماعات تبدأ اليوم بين قادة المجاهدين في خوست، وبين قادة الأحزاب أيضًا ، وذلك لمدة يومين. والموضوع الرئيسي فى الاجتماعات المنتظرة هو تشديد الحصار حول خوست. أما بالنسبة “لجرديز” فإن الثلوج تمنع حاليًا تصعيد العمليات حولها. المفاجأة التي لم أتوقعها هو ما قاله حقاني من أن أوضاع خوست سيئة، فلم يتم تعزيز القوة المدافعة عنها بأفراد أو معدات جديدة!!. أما كمية الإمدادات التي وصلت فهي غير معلومة، ولكن المعنويات هناك منخفضة وتوترت العلاقه بين العسكريين وبين المدنين. فالأهالي بدأوا يهاجرون بعد أن سخطوا على الحكومة التي لم تطهر نطاق المدينة الخارجي من مجموعات المجاهدين التي مازالت تقصفهم بالقنابل. وقد كانوا يتوقعون من القوة التي وصلت أن تحل تلك المشكله نهائيًا ولكنها جاءت وغادرت فجأة بدون أن تفعل شيئاً.

كان واضحاً أن الروس يريدون فقط تسجيل أنهم إستطاعوا الوصول إلى خوست، والاستفادة من ذلك سياسياً، ولكنهم لم ينفذوا أي برنامج عسكري لتحسين أوضاعهم في المنطقة. فلم يطهروا ماحول خوست من مراكز للمجاهدين، وقواعد قوية مثل جاور، كما لم يحاولوا إغلاق المنافذ الحدودية التي هى قريبة نسبياً مثل “صدقي” و”غلام خان”.

– من المفجآت الجديدة التي أوردها حقاني، وصول أنواع جديدة من الأسلحة للمجاهدين،  سوف يتم “تجربتها”ضد خوست، حيث أن الطريق المؤدية إلى داخل أفغانستان مغطاة بالثلوج. ومن الأسلحة الجديدة التي وصلت كانت مدافع ميدان صينية من عيار 85 مليمتر.

وذخائركثيرة لمدافع الميدان الروسية التي بحوزة المجاهدين، من عيار 122 مليمتر. كذلك صواريخ من نفس العيار ذات مدى 20كيلومتر، 30كيلومتر. وهي صواريخ كان لها دور كبير وبارز منذ ذلك الوقت حتى نهاية الحرب. واضح من الأسلحة الجديدة أنها تجهيزات لحصار المدن، وقصفها من خارج نطاقها الدفاعي الذي يصل في بعض الحالات إلى 30 كيلومتر كما هو الحال في كابل. والصواريخ الجديدة هو صواريخ “صقر” مصرية الصنع. مع أعداد محدودة من قواذف رباعية لتلك الصواريخ من صناعة الصين. وكما ذكرنا فقد كان سلاحاً فعالاً اعتمد عليه المجاهدون كثيراً لدرجة طمست عندهم الرغبة في اقتحام المدن.

ناهيك عن أوامر الاستخبارات الباكستانية، التي لا يمكن تجاوزها، والتي تقضي بعدم محاولة الاقتحام، مع الضغط على المدن بالقصف الصاروخي والمدفعي، طبقاً لبرنامج تحدده الاستخبارات الباكستانية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية وحالة الضغط المتبادلة بين واشنطن وموسكو. – وقد وصل إلى المجاهدين أيضاً كميات محدودة من صواريخ ميلان الفرنسية المضادة للدبابات. – كما وصلتهم “الأفعى المتفجرة” لفتح ثغرات في حقول الألغام، ولكن بعدد محدود جداً كما أنها لم تكن عملية. عن الوضع المالي المترتب على المعركة قال حقاني بأنه مازال مديناً. فقد كلفته المعركة كثيراً خاصة النقليات، فالمسافات بعيدة، والبرد والثلوج تضاعف المشاكل أما خطورة القصف وأحوال الحرب فقد جعلت أصحاب السيارات يبالغون كثيراً في أسعار النقل. فعلى سبيل المثال كان إيجار سيارة بيك آب من نقطة الحدود عند “بغر” وحتى “نكا” تكلف أربعة آلاف روبية باكستانية.

هذا لنقل الأشخاص، أما نقل الذخائر، فإن  صاروخ كاتيوشا واحد كان يكلف نقله من بغر إلى نكا ألفي روبية باكستانية. (كان سعر الصاروخ وقتها في سوق السلاح خمسمائة روبية فقط! أما بعد نهاية الحرب فقد كان التجار يجمعونه من” المجاهدين” بسعر خمسين روبية!! وهو سعر الحديد الذي يحويه الصاروخ!! ولاعجب!!).

قال حقاني إن مساعدات وصلته من رابطة العالم الإسلامي والهلال الأحمر السعودي، وكذلك تميم العدناني الذي بذل جهداً كبيراً في جمع التبرعات من الداخل والخارج، أما أبوعبدالله (اسامة بن لادن) فلم يقدم مساعدات له.

– أخبرني حقاني أيضًا أنه فور وصوله إلى ميرانشاه، بعد إصابته طلب الرئيس ضياء الحق مقابلته. فقال لهم حقاني إنه سيفعل لو أن فترة بقائه في باكستان زادت عن أسبوعين، لأنه ينوي العودة إلى زدران مرة أخرى، ولما ظهر له الآن أن فترة بقائه سوف تطول فقد طلب منهم تحديد موعد المقابلة.

– في نهاية الحديث أخبرت حقاني عن استعدادي للعمل في مجلته المنشودة على أن تكون صوتًا للمجاهدين في مواجهة الكاذبين في بشاور، أسعده ذلك. ولكني قلت له إنني لن أكتب في المجلة لأن كتاباتي سوف تسبب لكم المشاكل، فضحك من ذلك. ثم استشرت حقاني حول كتابة ونشر قصة وتفاصيل المعركة الأخيرة، وموقف الأحزاب منها، فقال إن الضرر الذي سينتج من ذلك العمل هو أضعاف الفوائد الناتجة عنه، لعدة أسباب: أولاً: إنّ العدو سوف يستفيد من ذلك كثيرًا لأنه يعرف أنك تكتب من داخلنا. والسبب الثاني: هو أن زعماء الأحزاب سوف ينسون معركتهم مع الروس وسوف يتوجهون بالحرب ضدك مباشرة لأنك فضحتهم وسوف يصورون المسألة للناس على أنك عميل للروس، وقد جئت إلى هنا كي تكذب على قادة الجهاد وتوقع بينهم. وافقته على ماذهب إليه، فقد كان رصيد تجاربي السابقة يؤيد ما يقول.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)

 




الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي

الصراع في أفغانستان بين CIA و الجيش الأمريكي

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

الصراع في أفغانستان بين CIA  والجيش الأمريكي

 

العناوين: 

– CIA  والجيش الأمريكي يتبادلان الضربات تحت الحزام في أفغانستان.. وطالبان تستفيد.

– الجنود ليسوا ضمن اهتمام المفاوض الأمريكي بل الخريطة الجديدة لصناعة الهيرويين. فعدد الجنود قليل ولا يبرر الاهتمام بهم، والمرتزقة بحكم القانون ليسوا جنودا أمريكيين .

{ العائدون من أفغانستان } في نسختهم الأمريكية :

2000  جندي أمريكي، بلادهم ليست جادة في التفاوض على انسحابهم .

ويشكلون خطرًا اجتماعيًا وأمنيًا في حال عودتهم .

– الوضع في أفغانستان خرج عن السيطرة الأمريكية فظهرت دعوات لتوريط الهند وتركيا.

المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية .

– الفشل العسكري في أفغانستان والشرق الأوسط جعل السلاح الأمريكي بائرًا ولا يوزع إلا بالتهديد والعقوبات .

– تراجع دور الجيش في هرم السلطة الأمريكية، وبفعل السياسة أصبح عاجزًا عن تحقيق انتصارات، فتحوّل إلى قنبلة محتملة في حرب أهلية متوقعة داخل الولايات المتحدة .

– الجيش يهين ترامب في العيد الوطني، وترامب يرد بسرقة  مليارات من ميزانية الجيش ليبني جدارًا عازلا على حدود المكسيك !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

تتشابه كثيرا الظروف التي يواجهها شعب أفغانستان الآن مع نظيرتها عندما أوشك الحكم الشيوعي في كابل على الانهيار في أبريل 1992 .

كان النظام يتداعى ويتحلل داخليا بينما الإسناد الخارجي له قد بلغ ذروته . وفي الوقت الذي اقترب  فيه المجاهدون من الانتصار الكامل كانت الحملة الدولية ضدهم على أشدها. وكان لتلك الحملة أصداء قوية داخل أفغانستان، وأثرت نفسيًا على الشعب، بل استجابت “الأحزاب الجهادية” للحملة وروجت لأهدافها، وأهمها الدخول في مفاوضات مع النظام الشيوعي لتشكيل حكومة مشتركة، بحيث يمتنع قيام حكم إسلامي في أفغانستان.

حتى أقرب “الأصدقاء” في الخارج كانوا ينادون بإيقاف الجهاد والتفاوض مع نظام كابول.

وجاءت الدعوة إلى ترك الجهاد ومشاركة الشيوعيين في الحكم، من شخصيات عربية محسوبة على العلماء وطلاب العلم. فطلبوا من المتطوعين العرب العودة إلى بلادهم لأن الجهاد قد انتهى، وأن القتال الدائر في أفغانستان أصبح “فتنة “!! .

حتى أن”صبغة الله مجددي”، رئيس الحكومة المؤقتة لأحزاب المجاهدين كان يهاجم حقاني بسبب حملاته العسكرية على الجيش الشيوعي في خوست وجرديز ومناطق أخرى من غزني وبكتيكا. وإمعانًا في محاولة إفشال الجهاد، تحولت الأحزاب “الجهادية ” إلى القتال على أساس عرقي بين البشتون من جهة وبين الطاجيك وحلفائهم من الأوزبك والهزارة .

وتصدر ذلك السباق المنحرف (حزب إسلامي) بقيادة حكمتيار ممثلا للبشتون، للقتال ضد (الجمعية الإسلامية) بقيادة رباني ممثلا عن الطاجيك . فكانا فرسا رهان في حرب الفتنة العرقية، التي سريعًا ما طغت على ساحة أفغانستان، وضعف في المقابل الجهاد ضد النظام الشيوعي وقواته العسكرية وميليشياته .

وكان الجيش السوفيتي قد انسحب من أفغانستان، وتبقى منه عدة آلاف من الخبراء يديرون بطاريات صواريخ سكود والطائرات الحديثة. وقد أفادت تقارير من جلال آباد باعتراض اتصالات لاسلكية تفيد بوجود طيارين هنود

– وعندما أوشك مولوي جلال الدين حقاني على إتمام تجهيزاته لغزو مدينة خوست ، وصله تحذير من “دولة صديقة”، بأن السوفييت أبلغوهم تهديدا بضربة نووية للمدينة إن استولى عليها المجاهدون. { وهذا قريب جدا لما يفعله المحتلون الأمريكيون الآن بتمرير تهديدات بتدمير كابول إن استولى عليها مجاهدو طالبان. كما كرر ترامب تهديدات بارتكاب إبادة جماعية فى أفغانستان يقتل فيها مئات الألوف ، قائلا : ” إنه لا يرغب في ذلك”.. بما يعني التهديد أكثر من النفي } .

 

دعوات لاجتذاب تركيا والهند إلى المستنقع :

وتجري محاولات لاجتذاب الهند إلى الغرق في المستنقع الأفغاني. وبتوجيه من المحتل الأمريكي تبذل حكومة كابول جهدا في هذا الصدد، وتبذل جهودا  مماثلة مع تركيا أيضا.

فبعد زيارة أشرف غني لتركيا قيل في كابل أن تركيا وعدت بإبقاء قواتها فى أفغانستان، بدون توضيح زمن محدد للتورط التركي. حيث لهم الآن 500 جندي في أفغانستان، وكانوا قد شاركوا في بداية الغزو بعشرة آلاف جندي. يقول نظام كابل أيضا أنه يجتذب تدخلا هنديا عسكريا إلى أفغانستان. وليس هناك ما يؤكد نجاح تلك المساعي، إذ لا يمكن تخيل مدى الكارثة الاستراتيجية التي قد تحل بالهند من جراء مثل ذلك التورط. ويُسْتَبْعَد أن تكون الهند غافلة عن ذلك .

– وتشير معلومات لدى مجاهدي طالبان إلى عمليات انسحاب لقوات أمريكية، وإخلاء بعض المواقع. فأجواء الفشل والانهيار تحيط (بالتواجد الأمريكي) العسكري منه والسياسي، حتى خرج الوضع في البلد عن قدرة الاحتلال على السيطرة. وبدأ يعاني من نفس الأمراض التي جاء لعلاجها، خاصة الفساد المستشري، والانهيار الاخلاقي، وتفكك الإدارة وانتشار التكتلات المصلحية بداخلها، ووقوف الأفيون خلف كل المظاهر السلبية التي فكّكت بنيان الاحتلال كما بنيان النظام المتهافت في كابول، الذي أصبح مجرد إئتلاف بين عصابات إجرامية تتقاتل وتتصارع أكثر مما تحكم. والبلد يسيطر عليها مجاهدو طالبان الذين تواجدوا في كل المدن الكبرى. وحسب قول مجاهدين: { لا ينقصنا في كابول إلا أن نرفع أعلام الإمارة الإسلامية  } .

إنه تواجد جهادي ــ قتالي واستخباري ــ داخل المعسكرات والقواعد العسكرية والوزارات الحكومية، والمؤسسات الخدمية، في تداخل لا يتيح للعدو أن يستخدام الأسلحة الثقيلة ناهيك عن سلاح الطيران. فالاشتباكات القادمة قد يدور معظمها بالسلاح الأبيض والأسلحة الخفيفة، وبعض المتفجرات .

هذا الوضع أرعب الاحتلال وأفقد ترامب ما تبقّى لديه من قليل عقل. فأخذ يهذي بتهديدات كبرى، لا يقدر عن تنفيذها أو تحمل تبعاتها الميدانية والدولية.

 

لماذا نحن هنا ؟ :

سؤال يؤرق الجيش الأمريكي في أفغانستان، من أدنى المراتب إلى أعلاها . فأسباب وأهداف الغزو اتضح أنها كاذبة، و مستحيلة التنفيذ. فالقضاء على تنظيم القاعدة ظهر أنه شعار زائف لأن أفغانستان لم يعد بها “قاعدة” أو أي تنظيم عربي آخر. وقد كان من المفترض أن يكون اغتيال بن لادن عام 2011 نهاية رسمية لهدف القضاء على تنظيم القاعدة .

أما طالبان فقد اتضح أنهم (كل شعب أفغانستان)، وأنهم منحوتون من صخور الجبال، منسابون بين رمال الصحاري، حارقون مثل صواعق السماء .

لم يكن ممكناً أن يوضح البيت الأبيض حقيقة أهداف غزو أفغانستان، وأنها في الأساس للسيطرة على محصول الأفيون ــ الذي كان قبل أن توقف زراعته الإمارة الإسلامية ــ الأكبر من نوعه في العالم . الهدف التالي كان تمرير خطوط نقل الطاقة (نفط وغاز) من آسيا الوسطى إلى الهند، وللتصدير من ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب. وبعد ذلك تأتى ثروات معدنية هائلة كامنة في أرض أفغانستان تبلغ قيمتها المعلنة ترليوني دولار، وقيمتها الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، ناهيك عن القيمة الإستراتيجية للعديد من معادنها النادرة التي تتحكم في الصناعات الحديثة .

ولما كانت حرب أفغانستان صعبة وقاسية، ولا يمكن للقيادة الأمريكية في البيت الأبيض أن تشرح لجيشها الأهداف الحقيقية لتلك الحرب. فلم يكن الجيش الأمريكي قادر على الاستمرار في مثل ذلك الوضع الشاذ بدون أن تتعرض معنوياته للانهيار.

وفى هذه الحالة قد يصبح الجيش مصدرًا للمتاعب داخل الدولة الأمريكية نفسها، ورافدًا هامًا لحرب أهلية بات كثيرون حتى الرئيس الأمريكي ترامب يتوقعها، بل ويهدد بوقوعها إن أزاحه أحد عن كرسي الرئاسة “!!”. يحدث ذلك في أكبر ديموقراطية في العالم، وليس في أحد مزابل العالم الثالث .

فكان قرار البيت الأبيض ــ الذي تكتم عليه أوباما وأفصح عنه ترامب ــ هو تجنيب الجيش الأمريكي تلك الحرب، وتولية قيادتها للمخابرات المركزية الأمريكية. وللجيش مهام محدودة داخل ذلك الإطار، ولكنه ليس من يدير الحرب أو يتولى معاركها الهامة .

إنه قوة إسناد، وأحيانًا قوة طوارئ. الخطوة الكبرى والمتهورة اتخذها ترامب بأن أعطى توكيل الحرب كصفقة أعمال لشركات المرتزقة، خاصة شركة(بلاك ووتر) المملوكة لصديقه (إريك برنس)، الذي نقل  مقر إدارة شركته إلى أبوظبي لتوافر التمويل.

وتتحمل الشركة معظم المهام القتالية وتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان . وحسب قيادات جهادية في أفغانستان فإن للشركة ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل مرتزق من جنسيات مختلفة، بما فيهم إسرائيليون وأمريكيون . بينما انخفض تعداد جنود الجيش الأمريكي إلى حوالى ألفي مقاتل فقط . وتدعي القيادة الأمريكية كذباً أن لها 14 ألف مقاتل ، للتهويل على الإمارة الإسلامية وابتزاز تنازلات جوهرية ضمن تسوية سياسية تؤدي إلى إفشال الجهاد وإحباط أهدافه. وتشير جولات التفاوض إلى عدم وجود نية أمريكية حقيقية لسحب جنودها القلائل المنسيون هناك.

الجيش الأمريكى شاهد زور ، وصاحب دور ثانوي في حرب هي تجديد أو استمرارية لحروب الأفيون في القرن التاسع عشر التي استهدفت الصين وحولت الهند إلى مزرعة عظمى للأفيون تديرها (شركة الهند الشرقية البريطانية). أي مستعمرة قطاع خاص وحرب أفيون عظمى كانت أهم ما يدور في قارة آسيا من أحداث. وبالمثل هي حرب أفغانستان الحالية، تجديد لحرب قطاع خاص، محورها الهيروين ( وليس الأفيون الخام مثل السابق ).

والجيش الأمريكي لا يجد له دورًا عسكريًا يدعو إلى الشرف أو الفخر، فانخرط الجنرالات في لعبة الهيروين لحسابهم الخاص. وفعل الجنود ما يمكنهم فعله ضمن هذا الإطار، فتعاملوا مع الهيروين، ومع تجارة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، بيعاً وتأجيراً .

ومع صناعة وتهريب الهيروين تنبت تلقائيا صناعة تبيض الأموال وتهريبها . فتداخلت مجالات أعمال الجيش الأمريكي مع مجالات المخابرات المركزية. فاشتعل صراع خفي بلغ أحيانا درجة الخطورة . خاصة عندما تعمد كل طرف أن يخرب ما يفعله الطرف الآخر ، فيكشف أعماله للعدو (طالبان) ، أو يطلق أعوانه المحليين لضرب أعوان الطرف الآخر وتقطيع خطوطهم، وكشف أسرارهم على الملاً. وتلك أعمال يحرقها الضوء ، ولا تنمو وتنجح إلا في الظلام التام .

بعض شرارات تلك الحرب الخفية ـ تنخرط فيها بالضرورة حكومة كابول ، خاصة الجيش والاستخبارات، كل منها خلف كفيله أو نظيره الأمريكي. مثل واقعة الحكم بسجن مدير مكافحة المخدرات في شرطة كابول، ويدعى (ميا أحمد)، لمدة 17 عاما عقاباً على “تواطؤه ” مع مهربي المخدرات. وأحكام أخرى على موظفين كبار في شرطة كابول بتهم مماثلة. متحدث باسم خارجية كابول قال أن “ميا أحمد” كان أحد كبار مهربي كابول، و يأخذ الإتاوات من تجار المخدرات. وتلك مجرد شرارة سطعت من حريق كبير يلتهب تحت الأرض. ويمكن اعتبارها ضربة غير مباشرة موجهة إلى المخابرات الأمريكية CIA قادمة من جنرالات جيش الاحتلال الأمريكي. وكلاهما يدرك أن انتصارهم في أفغانستان هو المستحيل ذاته. وأن البحث عن المصالح الشخصية هو الخيار الأمثل .

– وبينما يفتقر الجيش إلى برنامج يرتبط بخدمة الوطن الأمريكي، فإن CIA يمكنها الادعاء بامتلاك مثل ذلك الدليل الوطني ـ إلى جانب واجب خدمة الأهداف الشخصية لكبار المسئولين .

هدف CIA متطابق مع رؤية البيت الأبيض، وهو الانتقال إلى الخطة البديلة لحرب الهيروين بعد أن خسروا حرب أفغانستان ومعها الخطة الأساسية لحرب الهيرويين الذي تمثل تجارته أعظم دخل مالى للاقتصاد الأمريكي، والبنوك العظمى لغسيل الأموال .

الجيش الأمريكي تحول إلى عبء وعنصر معرقل لاندفاعة المخابرات الأمريكية في أفغانستان. وحكومة كابول العاجزة رغم جيشها الذي كلف الخزينة الأمريكية حوالي 68 مليار دولار، وأشرف الجيش الأمريكي على تدريبه وتسليحة ، ومع هذا لا يمكنه حتى الدفاع عن نفسه، بشهادة جنرالات وخبراء أمريكا.

الميليشيات المحلية بأنواعها المسلحة والممولة من ميزانية الجيش الأمريكي، تعمل لمصالحها الخاصة كعصابات إجرامية، ولا تحمل أي نظرة سياسية لقتالها.

– صحيفة التايمز البريطانية (في يوليو 2009) قالت ما يلي : تعداد القوات الأجنبية في أفغانستان 80 ألفاً . وإذا تمكنت في السيطرة على بعض المناطق التي تحت يد المجاهدين فإن قوات حكومة كابول لا تستطيع المحافظة عليها والبقاء فيها، لذا فإن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان لا فائدة فيه } .

وبدلا عن ذلك زادت الولايات المتحدة تعداد قواتها من 80ألف إلى 120 ألف جندي .

وفي نفس العام قال الجنرال ماكريستال ـ قائد القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان:

{ إن طالبان تمتلك اليد الطولى في أفغانستان حاليا وهو ما اضطر واشنطن إلى تغيير استراتيجيتها هناك عبر زيادة عدد قواتها !!}.

– بريطانيا ــ أقرب حلفاء أمريكا إليها في أفغانستان حتى ذلك الوقت ــ كان لنواب البرلمان هناك رأيا آخر ، لذا قالوا (في عام 2009 أيضا ) :

{ إن المهمة العسكرية الدولية في أفغانستان لم تحقق النتائج المرجوة بسبب انعدام الاستراتيجية المبنية على الحقائق التاريخية لهذا البلد، وأن المجهود الدولي في أفغانستان منذ 2001 أعطى نتائج أقل مما كان مأمولا فيه، وقد ضعف تأثيره كثيرًا نظراً لانعدام الرؤية والاستراتيجية المتماسكتين المبنيتين على حقائق التاريخ والسياسة والثقافة في أفغانستان }  .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجيش الأمريكي ضحية البيت الأبيض :

الجيش الأمريكي يكرر في أفغانستان المأساة التي تعرض لها الجيش الأحمر الذي تحمل وزر قرار القياده السياسية العليا بإرساله إلى أفغانستان في حرب قال عنها العسكريون قبل غيرهم أنه يستحيل الانتصار فيها .{ وكرر الأمريكيون خطأ السوفييت في حدوث صراع مرير بين الجيش والاستخبارات} .

وعندما وقعت الهزيمة وانسحب الجيش الأحمر تخلى عنه السياسيون . ولم يستقبله أحد منهم عند دخوله الحدود السوفيتيه عائدًا من أفغانستان. قائد “الجيش السوفيتي الأربعين” المنسحب تحدث بمرارة عن تلك التجربة وعن تقصير القيادة السياسية في حق الجيش الذي تحمل تبعات فشلها .

عمليا يبتعد البيت الأبيض ورئيسه ترامب عن الجيش تلافيا للفضيحة العسكرية في أفغانستان . فتقرب ترامب أكثر إلى جهاز الإستخبارات CIA ـ ووضع وزارة الخارجية تحت سلطة المخابرات باختياره مديرها (بومبيو) وزيرا للخارجية .

فتحولت CIA إلى أداة في يد البيت الأبيض لحكم الشعب الأمريكي، وشعوب الأرض جميعا عبر وزارة الخارجية التي يمتلكها الجهاز الذي صار يحدد طريقة التعامل مع دول العالم و أسلوب سيطرة أمريكا على شعوب الأرض .

– جاء تهميش الجيش الأمريكي، وتراجع مرتبته في سلم السلطة، وتحميله مسئوليات الخطأ التاريخي للقيادة السياسية في البيت الأبيض بغزو أفغانستان، مع الفساد الذي نخر عظامه هناك، ليتحول الجيش إلى قنبلة موقوتة داخل الدولة الأمريكية، محتضنا مشروع انقلاب على النظام، أو أن يتحول أفراده العائدون من الخدمة إلى قنابل أمنية في مجالات الإجرام والانخراط في الميليشيات المسلحة التي تنتشر بالمئات في الولايات المتحدة. وآخرون سيعملون لصالح مجموعات الإجرام المحلية، أو لأنفسهم في عمليات المخدرات والسطو.

 

ترامب يسرق من ميزانية الجيش :

الصراع بين ترامب وجيش الولايات المتحدة يشبه جبل من الجليد الغاطس في مياه المحيط، وأول ما ظهر للعلن كان الصدام المكتوم بين الطرفين في احتفالات عيد الإستقلال في الرابع من يوليو 2019 . وهو إحتفال تقليدي ذو طابع مدني، ولكن ترامب ولأجل النفخ في شعبيته أراد إضفاء طابع عسكري إمبراطوري على الاحتفال، الأمر الذي أغضب قيادات الجيش فقاطع معظمهم الاحتفال . ومن بين خمسة آلاف موظف في البنتاجون استلموا بطاقات دعوة، حضر منهم 800 فقط ، في خطوة أعتُبِرَت “إزدراءً ” بالرئيس . وصرح قادة عسكريين أن ترامب يحاول تسييس الجيش لصالح أهدافه الإنتخابية .

أحد ردود ترامب على الإهانة كان سَطْوِه على 3,38 مليار دولار من ميزانية الجيش للإنفاق على بناء سور عازل بين بلاده والمكسيك . ترامب أراد في البداية أن يكون بناء السور على نفقة المكسيك نفسها ، وذلك مطلب مهين ومستحيل التنفيذ . ولم يكن ممكناً تمويل بناء السور من الميزانية الأمريكية في وقت تعانى فيه من أزمات وضغوط كثيرة ومعارضة عنيفة في الكونجرس خاصة وأن المبلغ المطلوب هو 18 مليار دولار . ترامب بطبيعته الفاشية فكر في إعلان (حالة الطوارئ) للحصول على تمويل رغما عن الجميع . لكن المعارضة الداخلية كانت أعنف مما توقع .. فتراجع عن “مشروع الإنقلاب” .

ثم وجد الحل العبقري الذي يحقق له بناء الجدار العازل، مع تحقير الجيش وإلزامه بالحدود المتدنية التي رسمها له ، كمجرد فزاعة وقوة إحتياط لحروب المخابرات المركزية حول العالم.

فالجدار العازل مع المكسيك هو مشروع له ارتباط قوى مع المخابرات المركزية، ليس لحماية الحدود من عمليات تسلل المهاجرين غير الشرعيين كما تدعى الحكومة ، ولكن لعرقلة تهريب المخدرات من المكسيك إلى الولايات في تجارة تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وذلك يمثل إخلالا بمسئوليات المخابرات المركزية فى السيطرة على سوق المخدرات داخل الولايات المتحدة، وهو السوق الأكبر من نوعه فى العالم، فذلك يعنى خسارة مالية كبيرة . لكن الأهم هو ما يحدثه من خلل في خطط المخابرات المركزية لتوزيع المخدرات داخل الولايات المتحدة طبقا لاعتبارات اجتماعية مرتبطة بالسياسة الداخلية ، والنظرة العرقية والدينية والطبقية للمجموعة الحاكمة في الولايات المتحدة، وهي قلة معدودة تمتلك معظم الثروة وكل القرار السياسي في الداخل الأمريكي .

حل مشكلة تمويل الجدار جاء على حساب الجيش الأمريكي، وخصمًا من التمويل المخصص للبنتاجون (وزراعة الدفاع) . فاعترض الكونجرس الأمريكي على القرارــ سواء الجمهوريين أو الديموقراطيين ــ بإعتباره خطوة غير دستورية ، وإن ترامب”يسرق أموال الجيش” المخصصة للتسليح والتطوير ، لتحقيق وعود إنتخابية سابقة .

الجيش الأمريكي يتلقى إهانات متواصلة من البيت الأبيض المتحالف مع CIA ولكنه يبدى ردات فعل ملحوظة في المجال الأفغاني ومرشحة للاتساع في ميادين أخرى، لإحراج التحالف (السياسي/ الاستخباري) داخل البيت الأبيض، الذي يهين الجيش محملا إياه أخطاء هو غير مسئول عنها ، رغم أنها أخطاء تظهر في سورة فشل عسكري في العديد من الميادين ، وعلى شكل هزيمة كاملة فى الميدان الأفغانى تحديدا.

 

تجارة السلاح ضحية للفشل العسكري :

الفشل العسكري ـ أيا كانت الجهة المسئولة عنه ـ أثر سلباً على طلبيات شراء السلاح الأمريكي. ولولا أسلوب الإبتزاز والسيطرة على حكومات ثرية، لأصبح السلاح الأمريكي بائراً نظراً لعدم قدرته على “الإنتصار” فى ميادين يدور فيها صراع عسكري مرير، في أفغانستان والشرق الأوسط . لقد مرت سنوات كثيرة بدون انتصار أمريكي، وبهزيمة واضحة في (أفغانستان ) وهزيمة مستترة في المشرق العربي (العراق ـ سوريا ـ اليمن).

فاضطرت الحكومة الأمريكية إلى تهديد الحلفاء بفرض عقوبات اقتصادية عليهم إن هم تحولوا إلى شراء السلاح الروسي المنافس. مثل تعرض تركيا ــ العضو في حلف الناتوــ إلى ضغوط شديدة وتهديدات حتى توقف صفقة صواريخ 400S مع روسيا.

نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي هدد المكسيك بفرض عقوبات اقتصادية عليها إن هي اشترت مروحيات عسكرية من روسيا ، وقال أن العقاب قد يتم وفقا لقانون “مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات “.

وهكذا .. فإن شعار(أمريكا أولا) يعني تمزيق القانون الدولي والدوس على كرامة الدول وحقوق الإنسان . فشعار (أمريكا أولا) يعنى ضمناً (الإستخبارات الأمريكية أولا) . بينما أقوى جيش في العالم يعيش مهاناً مهيض الجناح أمام التحالف السياسي/ الاستخباري، الذي يحكم أمريكا والعالم من داخل البيت الأبيض .

 

الجيش الأمريكي يواجه الإحباط بالانتحار :

من مظاهر الانكسار التي يعيشها الجيش الأمريكي، حالات الانتحار المتزايدة في صفوف العسكريين. وفي أرقام نشرت بشكل غير رسمي يتضح أن حالات الانتحار في سلاح الجو الأمريكي في عام2019 قد بلغت مستوى قياسيًا هو الأعلى منذ ثلاثة عقود. الأرقام المسربة من سلاح الجو تشير إلى 84 حالة انتحار في عام (2019). بينما البيانات السابقة التي نشرها البنتاجون تشير إلى أن حالات الانتحار في سلاح الجو عام2015 قد بلغت 64 حالة، وصفت وقتها بأنها الأعلى في سلاح الجو خلال هذا القرن !! .

ولكن بيان رسمى صدر منذ حوالي 11 عاما، وتحديدًا في شهر أغسطس عام 2009 ، قال أن معدلات الانتحار بين الجنود كان هو الأعلى خلال30عامًا . صدر البيان في أعقاب فشل أكبر حملة عسكرية للجيش الأمريكي بعد الحرب الفيتنامية شنها على أقليم هلمند شارك فيها4000 جندي أمريكى عدا الحلفاء والجيش المحلي. فهل تصلح تلك الحملة كتبريرلارتفاع نسبة (الانتحار) في ذلك العام؟.

أرقام أخرى صدرت في نفس العام (2009) تقول بأن 300,000 جندي أمريكي ممن خدموا في أفغانستان والعراق يعانون من نوبات قلق ومشاكل ما بعد الصدمة. وأن 120,000 جندي ممّن حاربوا في أفغانستان والعراق يعانون من (أمراض عقلية) .

(يلاحظ أن 110 من الجنود الأمريكيين أصيبوا “بارتجاج في الدماغ !!” نتيجة للقصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد في العراق ـ في يناير 2020 ) .

إذن الدماغ الأمريكي سريع الإرتجاج ـ والجندي الأمريكي مريض عقليا ـ والانتحار في كل عام هو الأعلى من كل ما سبق.. إنها مؤسسة عسكرية محبطة ويائسة بفعل التعدي السياسي.  يقول جنرال في سلاح الجو الأمريكي يعمل في القوى العاملة والخدمات، أن الانتحار “مشكلة وطنية صعبة ودون حلول يمكن تحديدها بسهولة ” . وتلك مراوغة للتغطية على خطأ جسيم يرتكبه رؤساء أمريكا ــ تدعمهم الاستخبارات ــ بتوريط الجيش فى مهام غير محددة تتطور إلى حروب فاشلة وطويلة ، تنتهي بهزيمة تعود أسبابها إلى السياسة أكثر من تقصير القوة العسكرية .

– وفي أفغانستان تناور القيادة السياسية الأمريكية لأجل حل يضمن مصالحها المالية العظمى في تجارة الهيروين الدولية . غير مبالية بالجنود الأمريكيين الذين تبقى منهم حوالى ألفان فقط تخلت عنهم أمريكا لضآلة عددهم ، وهامشية دورهم، الضار أحيانًا بالمصالح الأمريكية .

– بينما المرتزقة ليسوا قوة أمريكية من وجهة نظر القانون الأمريكي، لذا لا تفاوض أمريكا على انسحابهم. والعدد الضئيل من جنود الجيش الأمريكي المهمشين قد يذوبون في مجتمع العاصمة كابول كباحثين عن عمل، أو متسولين لأجرة العودة إلى الوطن. ليصبحوا داخل بلادهم نسخة أمريكية من (العائدون من أفغانستان) .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي




حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد. (19)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 19

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 169 ) | رجب 1441 هـ / مارس 2020 م . 

12/03/2020

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 19 )

خيوط المؤامرة تتكشف على طريق زدران

 

 

– كان حقاني قد جرح منذ عدة أيام بقذيفة دبابة قتلت مرافقه .

– سياف يقول للمتطوعين العرب { لقد نصرتم حقاني أكثر من اللازم}.

ويقول للمتطوعين الأفغان { لقد انتهت المعركة .. ارجعوا}.

– لم يتأثر التجمّع العربي بدروس المعركة وظل يعمل بنفس الأساليب.

– تنظيم الجهاد المصري: لا يجوز شرعا القتال في أفغانستان لأنه لن يؤدي إلى قيام دولة إسلامية.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

 

ولكن أتيحت لى الفرصة كاملة للتعبيرعن مشاعري وآرائي عندما وصل ضابطي الإستخبارات. أمدني بالشجاعة شعوري بالإحباط الناتج عن موقفي الخاص والموقف العام، فبينما يوقفني هؤلاء “الأوباش” أثناء عودتي من الجبهة، يتقدم السوفييت إلى خوست وقد تصبح ميرانشاه هدفا تالياً.

وإن لم تُحْتَل فإنها قد تتعرض للتدمير بالقصف المدفعي والجوي.ألقى ضابط الاستخبارات نظرة على محتويات الصندوق، وفهموا ماذا تعني، فسألوني عن اسمي وعملي وكيف حصلت على هذه الأشياء ولماذا ؟.. إلخ.

قدمت نفسي باسم “عزالدين حميد” صحفي مصري.. قادم من باري من أحد مراكز حقاني وهو مركز “عيد جول”ــ كانوا يعلمون أسماء الجميع في باري وغيرها ـ وأن هذا الصندوق لهم أوصوني بإيصاله إلى مكتبهم في ميرانشاه.

ثم تحول الحديث إلى الأحداث الدائرة في خوست فوضعتهم تحت نيران النقد العنيف والاتهام المباشر.قلت لهما في البداية أنى رأيتهما في جاور أثناء معركة1986 .

فقال أكبرهما أنه كان هناك فعلاً، وعندما سألني عن محل إقامتي، فظهر أنه يسكن في شارع مجاور لبيتي في إسلام آباد، وأن أخوه يمتلك مطعماً هناك باسم  “المطعم الباكستاني الأفغاني”.. ثم سألني عن الأوضاع في خوست وباري وتحديداً في المطار، هل هبطت طائرات هناك، وهل صعدت قوات روسية فوق جبل تورغار؟.أخبرته بما أعلم ثم سألته بشيء من الحدة، لماذا تركتم السوفييت يدخلون خوست؟

فأجاب: لم نتركهم يدخلون، ولكن المجاهدين لم يستطيعوا منعهم.

فقلت له بل أنتم تركتموهم يدخلون، ولو أردتم منعهم لكانت هناك إجراءات أخرى.

فأجاب: لا يمكننا القتال بدلا عن الأفغان، فهذه هي حربهم.

فقلت له، إن وصول السوفييت إلى خوست يجعل مكاننا هذا وميرانشاه كلها في مرمى مدافعهم وصواريخهم، وهكذا تجد نفسك معنياً بالأمر!!. كان يمكنكم منع السوفييت من عبور ذلك الطريق فأنا أعرفه جيداً.. مئة أو مئتي مجاهد مدرب يمكنهم ان  يمنعوا أي جيش في العالم  من استخدام الطريق، إن حماية هذا الطريق مسأله تمس أمن بلادكم، حتى لو لم يرغب الأفغان في القتال دفاعاً عن أرضهم  وذلك شيء مستحيل  فكان من الممكن إرسال عدة مئات من رجال قبائل البشتون في باكستان للقتال هناك، ولايمكن للسوفييت تمييزهم عن البشتون الأفغان فهم من نفس القبائل التي تعيش وتتنقل على جانبي الحدود.

ولكن تركتم بدلاً من ذلك قادة شيوعيون من أمثال “نظر محمد” الذي يعمل مع سياف  كي يضع فى يد قواته المفتاح الاستراتيجي للطريق فوق جبال”ساتي كندو”ـ وقد سلمها فوراً إلى السوفييت مع كامل الأسلحة والذخائر التي بحوزته.

ظهر الاهتمام على وجه الضابط وسألني بحدة: أين “نظر محمد” الآن؟

ولم أدرِ سبب هذا الاهتمام، وهل هو حقيقي أم مصطنع، وهل هو حقا لايعلم أم أنه فوجئ بمعرفتي بأمر داخلي لايعرفه “الأجانب” عادة ؟

فأجبته قائلاً: كيف لي أن أعرف أين هو الآن؟ ربما عاد إلى كابل كي يحصل على أوسمة جديدة، وربما كان في ميرانشاه أو بشاور أو إسلام آباد¬ أو في “بابي” عند زعيمه سياف، ولكن ذلك لن يغير الأمر الواقع في شيء، فالجيش الأحمر في خوست الآن، ولابد أنه سيحاول إغلاق المنافذ الحدودية على الأقل، هذا إذا لم يفكر في اختراقها بقواته أو قصف مناطقكم الحدودية الآهلة بالسكان.

قال الضابط بهدوء وثقة صدمتي، وألقت على رأسي الملتهب “سطلاً” من الماء البارد:

لاتقلق من وجود السوفييت في داخل خوست، هذا أمر عادي وطبيعي. لن يغلقوا منافذ الحدود أو يقصفوا مناطقنا الحدودية، فقط سوف يعملون على تموين المدينة وتقوية دفاعاتها ثم يغادرونها، إنهم يفعلون ذلك دائماً.

أذهلني أنه لايتكلم كأنه يتوقع مجريات الحدث ولكن يخبرني عن شيء يعرفه بالتأكيد. وقفز إلى ذهني على الفور ماذكره لي “أبوأنيس” عما سمعه في السعودية عن هدف الحملة، وهو ما ينطبق تماماً مع مايذكره لي ضابط الاستخبارات الآن!!.

جزمت وقتها بصحة معلومة أبوأنس، وفهمت سر هدوء ذلك الضابط وثقته في نفسه في ظل ذلك الخطر الداهم على بلاده والرابض على مسافة قريبة من الحدود. إن مايجري الآن هو عمل عسكري في ظل صفقة سياسية كبرى، أو هو هزيمة مفروضة على المجاهدين، ونصر مصطنع للسوفييت. شعرت بقسوة وسفالة تلك الصفقات، والتي تهدر فيها أرواح المئات أو الآلاف، لا لشيء إلا لأنهم يعارضونها أو لايفهمونها. لقد باعتنا باكستان للسوفييت، وبأوامر من أمريكا، وسوف تنقلب علينا، نحن العرب بعد نهاية الحرب بأوامر من أمريكا أيضاً، فأين إدعاءات ضياء الحق والساسة في باكستان عن الجهاد في سبيل الله، والأخوَّة بين المسلمين؟؟.

لقد ركن المجاهدون إلى طواغيت السياسة، فذاقوا وبال أمرهم.

تهيأ الضابط للانصراف وهو يقول: لقد انتهت المعركة بدخول السوفييت إلى خوست، وأن على حقاني أن يعود إلى جاور للدفاع عنها تحسباً للأمر.

شعرت بالغيظ من عنجهيته في تقرير مصير المعارك ومحاولة إلقاء الأوامر بهذا الاستهتار إلى قادة كبار من وزن حقاني.

فأجبته بحنق محاولاً التشفي منه: أنت لاتعرف من هو حقاني، إنه سوف يستمر في القتال على الطريق وحول مركزه في سرانا حتى يدفع السوفييت إلى الخلف أو أن يُقتل هناك. لن يترك حقاني مكانه في المعركة طالما هو واقف على قدميه. إنه مثل فارس الجبال الذي يرفض الهزيمة ويقاتل حتى النفس الأخير مهما كانت المعركة تسير في غير صالحه.

توجه الضابطان إلى سيارتهما، بدون أن يتكلما عن موضوع احتجازي، فعلمت أن أمري لا يهمّهما في شيء، وربما ضاقا صدراً بما أقول، وأن قرار احتجازي هو من مسؤولية جهات حكومية أخرى في ميرانشاه.

بعد حوالى ساعة وصلت سيارة فخمة وضخمة في حراسة سيارتين من الحرس نزل منها ضابط ذو رتبة كبيرة من حرس الحدود، علمت أنه حاكم ميرانشاه.

تبادل حديث قصير مع جنود الميليشيا وأمر بوضع الصندوق في أحد السيارات التابعة له، ثم حدثني بالإنجليزية طالبا مني الركوب في أحد السيارات ثم توجهنا إلى قلعة ميرانشاه. وهي مقر الحكومة وفيها السجن الرئيسي. لم يضعوني في السجن لحسن الحظ ولكن أجلسوني على كرسى خشبى وسط الحديقة، وجلس القائد الكبير على كرسي آخر وألقى عدداً من الأسئلة ثم تركني ومضى، وجاء شخص بملابس مدنية ذو جسم سمين، عرفني بنفسه أنه ضابط بالجيش. وبدأ يسألني في أشياء كثيرة ولما علم بأني صحفي أزور أفغانستان من وقت إلى آخر سألنى بتعجب وسذاجة شعرت أنها طبيعية: وهل تستطيع المشي في الجبال؟

وزنه الضخم جعل السؤال طبيعيا ولا يدعو إلى الدهشة. تركني هو الآخر وبقيت وسط الحديقة الخضراء منزرعاً فيها فوق كرسي خشبي. حاولت أن أتسلى بجمال الأشجار والخضرة، ولكني لم أشعر بغير التقزز من المكان وكل من فيه، من بشر وشجر، وتمنيت أن أغادره في أقرب فرصة.

فى الواحدة والنصف جاء الفرج مجسداً في شخصين الأول” حاجى دين محمد “صديقي القديم والمحرك الحقيقي”لحزب إسلامي” التابع لمولوي خالص، وبرفقته صديقي “عبدالله خان” الذي استأجرنا بيته لجماعة أبوعبدالله (اسامة بن لادن)، وكان شاباً مهذباً رقيقاً مجاملا مضيافاً.لكنه مليء بالألغاز أيضاً، على الأقل بالنسبة لي.

لم يتعرف ” حاجي دين محمد” عليّ، فكلانا قد تغير وزاد الشعرالأبيض الذى يتلألأ فوق وجهه ورأسه، فلما عرفني زال تحفظه، وانطلق في سجيته المرحة، يلقى بالنكات والتعليقات الساخرة، فقال لي ضاحكاً: أنا لم أعرفك، لقد تغيرت كثيراً وزاد الشيب في لحيتك ورأسك!! هل تحب أن نتركك هنا في سجن القلعة ؟!! أنت لا تعرف سوى حقاني فقط ؟؟ هل نسيت أصدقاءك القدماء ؟

كان عتاباً ضاحكاً لا يخلو من تقريع، وقبل أن يغرقني الخجل تحول دين محمد بنيرانه الساخرة على قائد المنطقة نفسه.

وأدهشني تلك الصداقة التي بينهما والتي لا تستدعي شيئاً من التكلف حتى أن دين محمد قال للضابط : إن قبيلتكم “أفريدي”، مشهورة بسرقة الأسلحة والمتاجرة بها. ورد الضابط الكبير:إن أحزابكم تختلس الأسلحة وتبيعها، وبعضكم يلعب في تجارة المخدرات لم يكن حاجى دين محمد في حاجة لأن يقول للضابط الكبير غير:” هذا الأخ صديق قديم هل تريدون منه شيء ؟ “.

ضحك الضابط قائلاً: يمكنك أن تأخذه معك، وأيضاً الصندوق. والتقطت للضابط صورة فوتوغرافية شرط ألا أبتزه بها في المستقبل كما قال لي ضاحكاً. إنتهت إذن المشكلة، وبدون أية مشكلة !!.

ولا داعي للتذكير بما تعنيه” أمانات الصندوق الخشبي” وأنها كانت كفيلة الآن بأن تجعلني أشهر مشنوق بأمر محاكم أمن الدولة في بلدان كثيرة.

ظل كلام ضابط الاستخبارات العسكرية يطن في رأسي مثل خليه من النحل. فإذا صح ذلك الكلام، وهو غالباً صحيح حسب ما أصبحت أعتقد وقتها¬ فمعنى ذلك أنه لا معركة لنا في “باري”، وأننا يجب أن نعيد حساباتنا، وأن ننظر مع من نتعامل؟ فمن هو المجاهد؟ ومن هو عميل أجهزة المخابرات على أنواعها؟ وما هو موقعنا¬ كمتطوعين عرب في وسط هذه الأمواج والتطورات العنيفة التي لا تعرف الرحمة ؟ هل يطردوننا؟ أم يقتلوننا؟ أم يضعوننا في السجون؟ هل نتعرض نحن أيضاً إلى “إيلول أسود” من نوع إسلامي؟

هل امتطتنا القوى الدولية إلى غايتها القصوى بينما عجزنا نحن عن تحقيق شيء لإسلامنا؟! هل نحن بشر تعقل أم دواب تمشي بلا عقل وحتى بلا أعين؟

لأول مرة أرى خيانات هائلة الحجم مثل هذه، فإلى أي مدى تصل تلك الموجه؟ هل تطوى القضية الأفغانية كلها وتطوينا معها أيضاً؟

في بيت أبوعبدالله الجديد ـ مقر قيادته ومقر ضيافة جماعته، أخذت الصورة تكتمل بالتدريج. وعندما اتّضحت لم نصل جميعاً إلى نفس النتائج بدليل أن التجمع العربي لم يتأثر كثيراً في فكرة وحركته بدروس تلك المعركة الرهيبة، وظل كما هو تقريباً يتحرك بنفس الأساليب السابقة.

لقد عادت المجموعة التي أرسلها أبو عبدالله إلى منطقة ” دومندو ” التي تضم المضيق الاستراتيجي الممتد عدة كيلومترات والذي يدخل منه طريق ” زدران ” إلى وادي خوست الفسيح . في تلك المنطقة عدد من المراكز القوية.. للمجاهدين، وكان يمكنها فعل الكثير تجاه قوة عسكرية تسير أمامها في طريق ضيق متعرج بين الجبال، ولكن ماحدث كان شيئاً آخر. وصل الشباب إلى هناك، حيث كان متواجداً في نفس المنطقة “مطيع الله” القائد الشهير لدى جماعة خالص ، فطلبوا مقابلته ولكنه رفض!! ويمكن تفسير ذلك الرفض بتبريرات مختلفة، ولكن الشباب طلبوا مقابلة قائد آخر هو “خان سردار” وذهبوا إليه في بيته .. ولكنه لم يقابلهم بل أرسل لهم رسالة يشكرهم فيها على الحضور، ويخبرهم بأن أهل المنطقة قد باعوها للحكومة ولايسمحون للمجاهدين للعمل فيها!! وفي نهاية رسالته إليهم قال:” أرجو أن تكون هذه هي آخر ليلة لكم هنا”.

وبالفعل قضى شباب العرب ليلتهم في بيت “خان سردار” فلم يكن لديهم بديل آخر في ليالي الصقيع الشتوي. وغادروا صباحاً ليشاهدوا آثار الهزيمة أو الخيانة في الطريق، فالمجاهدون ينسحبون إلى الخلف نحو منطقة قبيلة “تاناى” ساحبين معهم أربعة راجمات صواريخ “B.M.12” لم يطلقوا منها طلقة واحدة.

فمن باع منطقة “دوامندو” الاستراتيجية؟ هل هم الأهالي؟ أم مجموعات المجاهدين؟. لاشك عندي أن “خان سردار” كان كاذباً.وأنه كان ينسحب طبقاً لأوامر قيادته الحقيقية أي المخابرات الباكستانية. وذلك لايمنع أن أهالي المنطقة أو من تبقى منهم قد تلقوا بعض الهدايا من القوات الغازية كما تفعل عادة فى مثل تلك الحالات، التي يلتزم فيها الأهالي بقواعد السلوك الحسن.

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

 

إصابة حقاني:

الذين عادوا من عند جلال الدين حقاني قالوا أنه قد جرح منذ خمسة أيام تقريباً، بينما كان يستطلع القوة المتقدمة مع أحد مرافقيه، فاجأتهما قذيفة دبابة قتلت المرافق وجرحت حقاني. قالوا أيضاً أن حقاني ينوي التوجهه إلى النقطة الحدودية “بغر” من أجل العلاج، وأن القوة السوفيتية تطارده في العمق بعد سرانا وعلى بُعد سبع  ساعات من الطريق العام.لم يكن ذلك صحيحا فلم تتعمق القوة السوفيتية أبعد من سرانا لعدم جدوى  ذلك وخطورته، وربما أيضاً لأنه خارج برنامج الخيانة المتفق عليه، فهناك أماكن لاتبعد كثيراً عن “سرانا” مثل منطقه “نكا” التي كانت مكتظة بالسكان والمجاهدين والإمدادات وهيئات الأغاثة بشكل غير عادي ولكنها لم تُقصَف بالطيران وكان ذلك مثيراً للدهشه والتساؤل!

ثم نقلوا عن حقاني رسالة إلى المتطوعين العرب تقول لهم بعدم ضرورة حضورهم نتيجة لبدء تهاطل الثلوج، ولعدم معرفتهم بمسالك المنطقة وعدم توافر الطعام والمأوى. ثم طلب منهم الدفاع عن جاور فقد يحاول العدو الوصول إليها، مستفيداً من عدم تواجد حقاني، مع حالة الانهيار والإحباط السائد بين المجاهدين مع ارتفاع معنويات العدوّ وقوات خوست والميليشيات الشيوعية بها.

– عقدنا ليلاً اجتماع في بيت أبو عبدالله، عَرَضَت فيه كل مجموعه تقارير عن منطقتها، وكان القرار في النهاية اتخاذ إجراءات للدفاع عن جاور على أن تبدأ تلك الإجراءات من جبل رغبلي الشهير والذي كان ركيزة الحملة الشيوعية الماضية، وقررنا إرسال دورية لدراسة المنطقة هناك لوضع خطة عمل.

– قبل المغرب وصل أبوحفص وأبوجهاد مع أبوخالد، والجميع أصبحوا الآن في تنظيم الجهاد المصري، وكان أبو حفص يحمل لي رسالة من الأهل في إسلام آباد، أخبروني فيها أنهم استلموا بعض الأموال من أصدقاء في أبوظبي.

أما أبو الحسن المدني فقد أفاد أن هناك ضغوطاً كبيرة على القادة السبعة الأفغان، قادة المنظمات كي يلقوا بثقلهم في المعركة، وأن أحدهم سوف يتم تعيينه قائداً عاماً لها.

ولاداعي للقول بأن شيئا من ذلك لم يحدث، وأنه ربما كان جزءاً من خطة تعمية على حقيقة مايحدث ودور باكستان وقادة الأحزاب الأفغانية فيه.

قال أبو الحسن أيضاً أن شباب كثيرون في طريقهم إلى هنا قادمون من السعودية من أجل المشاركة في المعركة!!.

– أخبار أخرى عن سياف في اجتماعه مع العرب في بشاور، وشبه مناوشة بين الطرفين إذ صرخ العرب في سياف، أمير الجهاد في أفغانستان كما يعتقدون، بأن يتحرك لنجدة حقاني فصاح فيهم كالعادة، أنتم نصرتم حقاني أكثر من اللازم وأعطيتموه أكثر من حجمه!!.

تأثر العرب وكان بعضهم قد زار حقاني وشاهده وهو جريح فقالوا له: لا وقت لمثل هذا الكلام، فحقاني يقاتل وحيداً وهو جريح وليس حوله أحد.

لم يتأثر سياف بتلك الصورة المؤثرة التي نقلوها، وفي اليوم التالي شاهد مجموعة من الأفغان المهاجرين في منطقته”بابي”وكانوا متوجهين نحو المعركة ولكنه أعادهم قائلاً: انتهت المعركة، لقد دخلت القوة إلى خوست … ارجعوا..

 

 

الثلاثاء 5/يناير/88 :

في الثامنة والنصف صباحاً عقد اجتماع آخر مع أبو عبدالله حضره من تنظيم الجهاد كل من أبوخالد وأبو حفص، لأبداء المشورة حول الموضوع.

كانت هذه أول مرة يزورنا فيها أبوحفص وأبوجهاد وهما من أفراد مجموعتنا القديمة، ولكنهم هذه المرة تحت إمرة أبوخالد وضمن تنظيم الجهاد، وقد أحاطا نفسيهما بغلاف سميك من السرية والغموض أثناء حديثهم معنا. ورغم أنهما أخذا بوجهه نظر”تنظيم الجهاد” في أحداث أفغانستان، وهي وجهة نظر كنت أراها غبية وقاصرة، وهى تقول بأن أفغانستان قد أنتهت، وأن القيادات قد باعت القضية، وأن هذا الجهاد لن ينجح، وأنه حتى لونجح فلن يؤدى إلى قيام دولة إسلامية ، وبالتالي لايجوز شرعاً القتال في أفغانستان، والأولى هو استغلال الفرصة في التدريب للقتال في مصر حيث القيادة الإسلامية الصحيحة التي تفهم الإسلام، وأن دولة الإسلام لن تقوم في” بلاد العجم” الذين ينقصهم فهم الإسلام، وتنتشر فيهم الصوفية والعقائد المنحرفة..

لقد إلتزم ذلك التنظيم بوجهة نظرة تلك بإستثناء أنه رمى بثقله العسكري في جلال آباد”1989م

بدعوى شرعية المعركة، وتناسوا أو غيروا وجهة نظر سمعتها منهم سابقاً بعدم شرعيتها لعدم جدواها وانحراف عقائد الأفغان وقياداتهم. وسبب هذا التغير في ظني هو أن أبوعبدالله قد رمى ثقله كاملا في معركة جلال آباد، فقفز خلفه كثيرون، وماكان تنظيم الجهاد ليتخلف عن القافلة! اعتقدت يومها أن الثقل المالي يسحب خلفه الثقل الأيدولوجي والبشري.

– تحركت مع قافله عربية يقودها أبو عبدالله إلى”جهاد وال”،  المركز الرئيسي لجماعة حكمتيار، وهو قريب من منفذ صدقي الحدودي وإلى الخلف من جاور بعدة كيلومترات. صعدنا إلى أحد جبال المنطقة ننظر إلى خوست بالمناظير المقربة، لم نشاهد شيئاً يذكر فكل شيء هادئ تماماً، باستثناء دبابات ثلاث تتحرك قريباً من حصن “جنداد”.

في خيمة تحت الجبل عقد أبوعبدالله إجتماعاً مع المجموعة التي أرسلها إلى جبل “مانى كاندو”، وهى على بعد ساعة ونصف من جاور.نقلت المجموعة إلى أبوعبدالله النقاط التالية:

1ـ جماعة حكمتيار في “مانى كاندو” صرحوا بأن الحكومة الباكستانية قد طلبت منهم إخلاء طريق “جرديز-خوست” بلا قتال، طبقاً لإتفاقية سياسية بين باكستان وحكومة كابل!.

2ـ طلبت باكستان أيضاً عدم إزعاج القوة وتركها في حالها طالما أنها  لم تتعرض لهم.

3ـ طلبت منهم باكستان عمل استحكامات على الشريط الحدودي للدفاع إذا تجاوزت القوة حدودها. لقد تم تنفيذ النقطتين الأولى والثانية حرفياً كما أمرت باكستان. انسحب المجاهدون من مواقعهم المتحكمة في الطريق بلا قتال، تاركين حقاني “يأكلها منفرداً” وأيضاً لم يتعرضوا للقوة بأي شكل في أي وقت. ولكن البند الثالث لم يتحقق وهو عمل استحكامات على الشريط الحدودي.

 

 

الخميس 7/يناير/88 :

اجتماع في العاشرة صباحاً مع أبوعبدالله وآخرين. طرحوا فكرة تواجد عربي صغير في باري، طلبوا مني المشاركة، فقلت بأني أريد رؤية حقاني أولاً ويمكنهم الاعتماد على عبدالرحمن في المساعدة. ذهبنا إلى غرفة المخابرة التابعة لمكتب حقاني كي نسأل عن أخباره فقالوا بأنه قد غادر “بغر” إلى جهة غير معلومة قد تكون أفغانستان وقد تكون باكستان. بعد العصر وصل أبو أسامة المصري”عبدالعزيز علي”، وكان موضوعه الرئيسي الذي وصل لأجله هو بحث إنشاء معسكر تدريب للشباب العربي القادم إلى الجهاد في أفغانستان. وكان أبوعبدالله بالتنسيق مع الدكتور عزام، قد استدعياه لذلك الغرض. وقبل أن يدخل في بحث موضوعه الأساسي مع أبوعبدالله أخبرنا بما يدور في بشاور وأصداء معركة الطريق هناك.

فقال بأن الشيخ الصواف قد اجتمع مع سياف يستحدثه على مساعدة جلال الدين في محنته الصعبة، فرد سياف بكذبة كبيرة حين قال، بأنه عرض على حقاني ـ باللاسلكي ـ أن يرسل له قوة كبيرة لمساعدته، ولكن حقاني رفض ذلك مشترطاً أن تكون القوة من أبناء المنطقة. ومن سوء حظ سياف أن تميم العدنانى الذي عاد لتوه من عند حقاني كان جالساً ، ورغم هيامه الشديد بسياف إلا أنه لم يطق صبراً على ما يسمع من أكاذيب، فانفجر قائلاً:

” أنا كنت عند جلال الدين ولم يصله شيء منك أو من أي أحد آخر، وقد أوصانى باستنفار العرب والعجم لنجدته”.

– علمنا أن الشيخ حقاني قد وصل إلى بيته في ميرانشاه، ذهبنا إلى هناك بعد العشاء، وتركنا له رسالة بأننا نرغب في جلسة مطولة معه في مساء الغد.

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

….

في الحلقة القادمة: حقاني يروي ما حدث في معركة طريق زدران.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد. (19)

 

 




حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد(18)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 18

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 168 ) | جماىي الآخيرة 1441 هـ / فبراير 2020 م  . 

03/02/2020

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 18 )

حقاني في منطقة فخري، تمهيدًا لمعركة قادمة مع الجيش الأحمر .

 

 

– أطفال يتعلمون القرآن رغم قصف الطائرات.. إنهم “طالبان” حكّام المستقبل .

– مجموعة قتالية من أبناء الشهداء فكرة أيدها حقاني.. وعجزنا عن تنفيذها .

– جولة حقاني بين قبائل زدران: تجديدا للبيعة على الجهاد، وإظهارًا للقوة أمام السوفييت وحكومة كابول .

– سياف والمخابرات الباكستانية يمهدون لفتح طريق زدران أمام السوفييت .

– حقاني يصاب على جبال زدران.. وتعرضت للاعتقال على الحدود مع صندوق من الأدوات الخطرة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

ينتمي ( نجيب ) الرئيس الجديد لمنطقة(سيد كرم ) جنوب جرديز، على مسافة ليست كبيرة من جبال ستي كندو، العقبة الجغرافية الكبرى أمام أي زحف عسكري صوب مدينة خوست .

كان اختيار السوفييت لنجيب رئيسًا، عملًا ذكيًا من نواحي عديدة: فهو شخصية قوية، عامرة بالمعلومات، ومرهوب الجانب، ومتشعب الصلات مع قبائل الحدود. كل ذلك بحكم منصبه كمدير لجهاز المخابرات الأفغانية خاد، وكانت جهازًا كفؤا كامتداد للمخابرات السوفيتية .

– من وقتها ومعركة (طريق زدران) الواصل من جرديز إلى خوست اتخذت طابعًا شخصيًا بين الرئيس الجديد نجيب، وبين مولوي جلال الدين حقاني الذي يقف في وجه أي غزو سوفيتي (عسكري أو سياسي) لذلك الطريق أو لولاية باكتيا عموما، أو لقبيلة زدران التي ينتمي إليها .

– أرسل نجيب رسائل ترغيب وترهيب لقبيلة زدران، يؤكد لهم عزم السوفييت على عبور (طريق زدران) وتموين خوست عن طريق البر. وأن السوفييت لن يرحلوا من أفغانستان قبل فتح ذلك الطريق، كونه الوحيد الذي لم تستطع قواتهم عبوره رغم أهميته الاستراتيجية . وأكد عزمه وعزم السوفييت على تدمير قرى زدران إذا أبدت أي مقاومة .

وأصدر نجيب قرارًا بالإعدام غيابيا بحق مولوي حقاني وعدد آخر من القادة الميدانيين. ولم يكن لذلك أي تأثير عملي سوى التعبير عن اليأس والحقد .

– بعد معركة جاور في شهر يونيو، وما أن تحسنت صحة حقاني وتماسكت الحروق التي أصيب بها من قنبلة النابالم في جاور حتى هيّأ نفسه ورجاله بسرعة للتحرك إلى مركزه في قرية (سرانا) الواقعة في قلب مناطق زدران، حيث مقر قيادته التاريخي في بدايات الجهاد.

الضابط عمرـ ذلك الشاب الحيوي ــ كان مشرفًا على أمنيات حقاني ومهّد له الرحلة المزمعة إلى مناطق زدران. حقاني أمر شقيقه خليل بإحضار ثلاث راجمات صواريخ من ولاية باكتيكا المجاورة لتعزيز قوة النيران الموجهة إلى جرديز، التي ينوي توحيد ضربات إليها حتى لا يظن العدو أن المجاهدين قد ضعفوا نتيجة معارك جاور .

كنا خمسة من العرب قرّرنا مصاحبة مولوي حقاني في رحلته، والمشاركة في أي برنامج قتالي حول جرديز .كان بيننا كل من أبوعبيدة البنشيري ـ وأبو حفص المصري، وكلاهما أصيبا في معركة جاور الأخيرة. الأول كانت إصابته خفيفة نسبيا ولكنه راسخ البنيان ـ ومن أبطال المصارعة في مصر ـ فلم يكن لتؤثر فيه إلا قنبلة ثقيلة من طائرة ـ وهو مالم يحدث لحسن الحظ .

أما أبو حفص فقد استقرت شظية من قنبلة الطائرة بالقرب من الحبل الشوكي في عموده الفقري. وامتنع الأطباء عن إزالتها خوفًا من إصابته بالشلل، فتعايش معها وتسببت له في آخر أيامه آلاما مبرحة حتى طرحته أرضًا، وكان يعمل من خلال سكرتير من تلامذته حتى استشهد فى غارة جوية أمريكية على مكان إقامته في قندهار .

أبوعبيدة ـ وأبو حفص ـ ثنائي نادرا ما يفترقان وقد أسسا معا ومعهما أسامه بن لادن تنظيم القاعدة في أواخر 1987 بعد معركة جاجي العظيمة التي كان الثلاثة من نجومها المبهرة . في ذلك الوقت كانا قد انضما إلى تنظيم الجهاد المصري، وكذلك الزميل الخامس الذي انضم إلى رحلتنا صوب(سرانا) .

– في الطريق تناقشنا مطولا حول معركة جاور الأخيرة ـ وحول احتمالات القتال على طريق زدران وماذا يمكننا أن نفعله فيها .

وبالطبع ناقشنا دور العرب في حرب أفغانستان . كنا نتفق أحيانًا ونختلف في معظم الحالات . كنت مع عبد الرحمن في نفس الطرف دائمًا، وفي خلاف مع الباقين غالبًا .

كنّا في مركز سرانا نحن الخمسة، وقد أنهكنا النقاش .

 

 

يوم الاثنين (28/7/86):

وجدتها فرصة لتخفيف التوتر داخل المجموعة أن أصطحب عبدالرحمن ونذهب لرؤية الشيخ جلال الدين الذي يزور مناطق زدران. وهو الآن في منطقة فخري. أخذنا دليلا إلى هناك، فوجدناها قرية خضراء رائعة عامرة بالحياة .تخترق واديها الضيق الساحر قوافل كثيفة متوجهة إلى الشمال ومكونة من عشرات الدواب تحمل أسلحة وذخائر، قادمة من باكستان.

كانت فرصة طيبة بالنسبة لنا أن نحضر عددا من لقاءات حقاني من عشائر قبيلته. كانت أشبه بعملية إعادة بيعة وإزالة الآثار السلبية لدخول القوات الشيوعية إلى جاور، وإعلان التصميم على إبقاء طريق جرديز  خوست مغلقا في وجه القوات الحكومية، التي مابرحت تهدد وتتوعد، وتعرض الأموال والسلاح في مقابل إعادة فتح الطريق .  لقد وصلت إلى زدران تهديدات ومساومات شتى، خاصة من أبناء زدران أنفسهم من كبارالضباط وأعضاء الحزب الشيوعي.

نجيب الله الرئيس الجديد الذي لم يكمل شهرين في السلطة وهو من أبناء جرديز ضاحية سيد كرم، كتب لهم يقول أن حكومة كابول قد تكلفت أموالا طائلة في نقل الإمدادات جوا إلى خوست، وهي لا تستطيع الاستمرار في ذلك، لذا فهي مصمة علي فتح طريق زدران بالاتفاق أو بالحرب .

في تلك الجولة التي استمرت عدة أيام حضرنا مع حقاني عدة ولائم فاخرة كأنها مباريات في تكريم الرجل ولكنها أفادتني كثيرًا، فقد بدأت أسترد عافيتى. ورغم كميات اللحم الكثيرة التي عرضت على تلك الموائد  فقد أغرمت وعبدالرحمن بالزبد والبصل الأخضر. وكان بصل فخري بالنسبة لنا أحد العجائب، وفي كل وليمة كنا ندس كميات كبيرة منه في جيوبنا  كي نتناولها فيما بعد تحت الأشجار أثناء فترات الراحة. نسينا تمامًا أجواء الحرب رغم خشيتي المستمرة من حدوث غارات جوية مفاجئة على تلك القرى السعيدة التي أنستنا, تقريبًا, المآسي الدائرة حولنا في كل مكان.  لم ينغص علينا الحياة سوى براغيث فخري التي لم نشهد مثيلا لوحشيتها، حتى أننا وضعنا فيها بعض الأشعار. وهي ليست أشعارًا بالمعنى الصحيح ولكنها أغنيات شهيرة حوَّرْناها لتناسب تلك المأساة, فكنا نتضاحك بتلك الأشعار الغنائية بين موجات الهرش الأليمة .

 

 

طالبان المستقبل :

أطفال يتعلمون القرآن تحت قصف الطائرات .

 

– علمنا أن هناك عدد من مدارس الأطفال في المنطقة مازالت تعمل ، فقمت مع عبدالرحمن بجولة على تلك المدارس استغرقت عدة أيام وكانت مؤثرة للغاية. أطفال يتعلمون القرآن تحت تهديد دائم بالقصف الجوي إلي جانب كل مدرسة هناك حفرة في جبل، يهرع إليها الأطفال عند سماع صوت الطائرات ، وقد حضرنا تجربة كهذه.

كانت محزنة حقا، رغم أنها لم تسفر عن ضحايا إلا أن أجواء الرعب نفسها والبساطة التي يتعامل بها الأطفال مع الخطر .. تؤثر كثيرًا في النفس. لقد تبارى الأطفال في تلاة القران أمامنا. وتزاحموا لمصافحتنا.

فمن كان يتصور أن هؤلاء سيحكمون أفغانستان مستقبلا؟؟

في أول زيارة ماكدت أدخل الغرفة الوحيدة في المدرسة حتى رأيت حوالي عشرين يدا صغيرة جدا ممتده نحوي للمصافحة, فجمعت الأيدي كلها وصافحتهم مرة واحدة

فأغرقوا في الضحك. أردت أن أصورهم فتسابقوا يحملون المصاحف وطلبوا منا بنادقنا حتى يضموها إلى صدورهم عند التصوير. التقطت لهم عدة صور كانت أفضل ما صورت خلال حرب أفغانستان كلها. ثم طبعتها فيما بعد بحجم كبيرا جدا ووزعتها على عدد من الأصدقاء في أبو ظبي وظلت واحدة منها معلقة في جريدة الاتحاد .

كان بعض الأطفال من الأيتام, وما أكثرهم في أفغانستان.  الصغير(محمد خان )فقد أمه وهو لم يدرك بعد  سنته الرابعة. كان بصحبة أبيه الذي يأخذه معه  في كل مكان  لأن باقي الأهل مهاجرون. حملته على كتفي ففرح كثيرًا ورفض أن يرجع إلى أبيه وطلب البقاء معي . وكم تمنيت ذلك وأحزنني فراقه. من تلك الزيارة جاءت إلينا فكرة تكوين مجوعة مقاتلة من الشباب دارسي العلوم الدينية ومن أبناءالشهداء ندرب هذه المجموعة ونقاتل بها، ونحضر لهم مدرسين من العلماءالأفغان، أي تكون مدرسة دينية قتالية . تداولت الفكرة مع عبدالرحمن وراقتنا كثيرا ثم عرضناها على الشيخ حقاني فرحب بها وقال بأنه مستعد لتسليح هؤلاء الشباب بالأسلحة المتوفرة لديه .

لقد وجدنا إذن مشروعنا القادم  إنه الحل لأزمتنا القتالية وفشلنا مع إخواننا العرب.

كان حقاني هو الآخر قد وضع قدميه, ربما بدون أن يشعر هو أو نشعر نحن، على أول أعتاب معركته الكبرى القادمة التي حدثت بعد ذلك بعام ونصف تقريبًا (ديسمبر87) تلك الحملة السوفيتية الضخمة التي انطلقت من جرديز لتفتح طريق زدران نحو خوست عنوة.

كان حقاني في رحلته تلك يهدف إلى تمهيد المنطقة سياسيا لقبول معركة كبيرة ضد حكومة كابول الشيوعية أذا حاولت اقتحام الطريق.  بلا شك كان هناك من ضعفت عزيمته نتيجة ما تخيلوه هزيمة جاور، ولطول مدة المعاناة والقتال ، والخسائر في الأرواح والأموال إلى جانب المغريات الهائلة التي تعرضها عليهم حكومة كابول وأبنائهم, أبناء باكيتا, بل وأبناء زدران نفسها, من كبار مسئولي الدولة. وهو ينوي أن يضع جارديز نفسها تحت ضغط عسكري ويبادر بالعمليات حتى يحتفظ بمعنويات رجاله مرتفعة ويرهب عدوه مظهراً له القوة، ويحشره مسبقًا في موقف الدفاع.  لذا فقد أرسل رجاله بقيادة أخيه إبراهيم إلى منطقة الأرجون لإحضار ثلاثة راجمات صواريخ متعددة الفوهات (بي ام 12) حتى يقصف مواقع الشيوعين في جارديز. وقد صادفه التوفيق في ذلك القصف الذي أدى إلي مصرع محافظ جارديز. وقد وصلته رسالة بذلك في6/8/86 .

وأفادت الرسالة أيضًا وهي من أحد المتعاونين معه هناك ـ أفادت بأن الوزيران أسلم وطنجار وجولاب زاي قد يصلان قريبا إلى جرديز للاجتماع برؤساء القبائل لطلب معاونتهم في فتح الطريق  وكلا الرجلين من باكتيا. طلب منا الشيخ أثناء تجوالنا معه أن نشارك المجاهدين في قصف المدينة, خاصة وأن المهمة يقودها صديقي القديم عبدالرحمن إبن عمه وأول كومندان عملت معه في أفغانستان.

رحبت بالفكرة رغم قراري المسبق بالرحيل : فقد كان يسرني أن أعمل مرة أخرى مع عبدالرحمن الذي أعتبره النقيض الكامل  للكومندان غنمكة. وهكذا بدأ حقاني هجومه المعاكس بعد معركة جاور. بدأه سياسيًا في وسط قبائل زدران وعسكريا على جارديز نفسها .

تخريب في ستي كندو:  ولكن الخيانة كانت أسرع فقد بدأت العمل في المنطقة قبل عشرة أشهر من وصول حقاني في رحلته تلك. وتحديدا بدأت في سبتمبر 1985 في أعقاب الحملة الأولي على جاور.

وبدأت المؤامره فوق جبال ( ساتي كندو) التي تمثل المفتاح الجنوبي ( لجرديز) كما تمثل المدخل الطبيعي لطريق زدران (جرديز/ خوست). مصدر المؤامرة كالعادة هو بشاور وتحديدًا سياف. وبالطبع فإن العبث فى مسائل استراتيجية على هذا المستوى الرفيع لا تترك لأمثال هؤلاء لكنها تأتي بأوامر واضحة صريحة من الجنرال أختر عبدالرحمن مدير الاستخبارات الباكستانية. وهذا الجنرال الخطير يمثل سياسة الدولة الباكستانية وينفذ صفقاتها مع أمريكا.

أهم مرتكزات اتفاق جورباتشوف مع ريجان هو عدم السماح بانتصار إسلامي في أفغانستان أو قيام نظام إسلامي فيها. وبالتالي عدم السماح للمقاومة الأفغانية بدخول مرحلة الحسم العسكري الذي يتمثل في إسقاط المدن والاستيلاء عليها. وخوست كما يدرك هؤلاء، أضعف الحلقات في المدن الأفغانية الأساسية نتيجة حصارها

المزمن الذي يجعلها قابله للاقتحام من طرف المجاهدين على ماهم فيه من ضعف وتمزق.

لذا كانت لخوست تحديداً أهمية خاصه على المستوى الدولي لأنها تتحكم في مصير قضية دولية من الدرجة الأولى. تلك كانت بديهية لم يدركها العرب المجاهدون، وحتى أكثر الأفغان. لكن الخطوات قد اتخذت منذ عام 1985 لمنع سقوط خوست . وكانت الخطوة الأولى فوق جبال ستى كندو.

فماذا حدث هناك؟ لقد قرر سياف إقامة جبهة عسكرية لحزبه فوق قمم (ساتى كندو) وهذا إجراء منطقي في ظل الفوضى العارمة في صفوف المقاومة الأفغانية سواء سياسياً أو عسكرياً . ولكن ذلك الإجراء كان استثنائياً في أهميته نتيجةعاملين:

(الأول) الأهمية الاستراتيجية الفائقة لجبال (ساتي كندو).  (الثاني) خطورة الشخصية التي عينها سياف لتتولى ذلك العمل الحساس وهي شخصية الكولونيل(حاظر محمد) الشيوعي القديم.

فمن هو الكولونيل (حاظر محمد )؟ يقول الضابط عمر مسئول الاستخبارات عند حقاني في ذلك الوقت وزميل الدراسه لحاظر: كان ذلك الضابط عضوا قياديا في (حزب خلق) الشيوعي لمدة اثنتى عشر عامًا متتالية، لذا فقد حصل على ترقيات عسكرية سريعة. تلك الترقيات كان لها مبررات عمليه إلى الجانب الانتماء السياسي، فالقسوة وارتكاب المجازر ضد المدنيين أحد المؤهلات المعتبرة جدًا للحصول على ترقيات عسكرية سريعة.وقد شهد أحد الضباط الأسرى في معركة (شهرناو) في

باكتيا عام 1984 أنه شارك في معركة تحت قيادة (حاظر محمد) في مدينه باغمان غرب كابول، وأن حاظر محمد أمر سكان القرية بالخروج من بيوتهم والإحتشاد أمام أحد الجدران الطينية ثم فتح عليهم النيران المدفع الرشاش الثقيل من مدرعه القيادة التي كان يستقلها.

وقد قتل25 شخصًا في ذلك الحادث وجرح كثيرين. حاظر محمد من قبيلة زدران , وهنا خطورة أخرى لدورة القادم, وهو أيضاً ابن عم الرائد (جولزراك) المستشار العسكري القديم لحقاني, والقائد العسكري الحالي لسياف .

الأخ الأصغر لحاظر محمد وهو ضابط ويدعى (حادي محمد) هرب من الخدمه العسكرية عام 1982, أي قبل أن يهرب حاظر نفسه بعام والتحق بمكتب حزب يونس خالص في بشاور حيث تم تعيينه مديراً لمخزن الذخائر المركزي في الحزب.

و قضى هناك خمس أشهر كاملة, وهو بحكم منصبه يستطيع الإطلاع على أسرار عسكرية خطيرة مثل كميات الأسلحة والذخائر وعدد مراكز المجاهدين وأماكن توزيعها وعدد أفرادهم وتسليحهم الحالي، ماتسلموه من  أسلحة ومهمات.

خمسة أشهر كانت كافية لهذا الضابط النجيب كي يعرف كل ما يريد أن يعرفه هو وقادته, قبل أن يفر مرة أخرى إلى كابل, كى يتم تعيينه قائداً لكتيبة دبابات شاركت بنشاط في سحق قواعد كثيرة للمجاهدين خاصة في منطقة أورجون. يقول الضابط عمر أثناء حديثه معي وقتها:

منذ أسبوعين استدعى حاظر محمد صديقه الحميم الرائد (أنذر جول) وكان قائداً في منطقة غزني، فحضر إلى (ساتي كندو) لزيارة صديقه (حاظر) الذي أرسله إلى باكستان كي يعيش في بيت خاص قرب مدينه (منسرة) في منطقة تدعى (قلندرآباد) .

وقد قام الضابط عمر، حسب قوله  بإبلاغ السلطات الباكستانية وتحذيرها من ذلك المهاجر الشيوعي. ولكن كانت المفاجأة غير سارة لعمر، فبدلاً من أن يشكروه على ذلك فإذا بهم يزجرونه ويردوه رداً غير طيب !!. (انتهى كلام الضابط عمر). لقد فهمت من ذلك أن هناك عملاً للحكومة الباكستانية أو مؤامرة بمعنى أصح . مع هؤلاء الضباط الشيوعيين (حاظر محمد) و(أنذر جول) وربما غيرهم أيضاً. وأن تلك المؤامرة مرتبطة بطريق زداران وإنقاذ خوست من أيدي المجاهدين.وكما علمنا في

موضع سابق من الكتاب أثناء سرد أحداث عام 1983 أن (حاظر محمد) قد فر من الجيش أثناء معارك الأورجون والتحق بالمجاهدين بناءً على اتصالات بينه وبين جولزراك الذي كان يعمل مع حقاني يومها. وحتى وقت التحاقه بالمجاهدين في الأورجون كان حاظر محمد قد حصل على ميدليات ذهبيه لقتاله إلى جانب السوفييت في معارك هامة في بانشير وكونار وباغمان، من بين تلك الميداليات وسام لينين، ذو المكانه العالية، وهو من أعلى الأوسمة.

وأثناء دراسته سابقاً في موسكو حصل على عدة شهادات تقديرية. ولايحتاج الإستنتاج بأن وصول(حاظر محمد) إلى(ستى كاندو) كان مقدمه لتسليم هذه المرتفعات الاستراتيجية للقوات السوفيتية.  إن مجرد وجود (حاظر محمد) مع مجموعة قوية ومسلحة من قبيله زدران خطوة مهمة بلا شك للإجتياح القادم.

ولكن ذلك لابد أن يصاحبه خطوة أخرى لاتقل أهمية وهي إضعاف حقاني

عسكرياً وسياسياً إلى أقصى حد, هذا إذا لم يتيسر التخلص منه نهائيًا بواسطة الاغتيال.

إضعاف حقاني يمكن إتمامه بسحب تأييد قبائل زدران له بالأموال والسيارات. لذا زود سياف قائده الكولونيل (حاظر) بكميات وفيرة من تلك المواد لجذب قادة وزعماء زدران إلى الجبهة العسكرية الجديدة بعيداً عن حقانى. سارت الخطة في بدايتها بنجاح لولا أخطاء إرتكبها الكولونيل نتيجة عجزة عن تمويه حقيقته السياسية والأخلاقية. فعلى المستوى السياسي اكتشف أهالي زدران أن هناك ارتباطات شبه علنيه بين الكولونيل وبين قيادات (جرديز) الشيوعية وفاحت الرائحة حتى زكمت الأنوف.

وزادها قبحًا سلوكيات الكولينيل والتي فشل في سترها فهو لا يصلي مع المجاهدين

في أوقات الصلاة ولا في غيرها. مع اتهامات أخلاقية مسيئة .

بدأ العلماء  بالهجوم الدعائي ضده في أوساط القبائل وحذروا الناس منه أو الانضمام

إلى جماعته. وقد أثر ذلك كثيرًا على مركزه الأدبي وعلى مخططه المنشود ولكنه لم يقض عليه تمامًا. وأراد حقاني التخلص منه فأمر رجاله بإلقاء القبض عليه وإحضاره لمحاكمته. ولكن أصحاب الرأي من حوله حذروه من مغبة ذلك العمل، فإن فخذ قبيلة زدران الذي ينتمي إليه سوف يثور لأجل الدفاع عنه من منطق الحمية القبلية، وقد يقع قتال داخلى في قبيلة زدران مابين مؤيد ومعارض , وبهذا تتفتت تلك الوحدة  التى إستطاعت أن تحافظ عليها زدران ومكنتها من صد حملات الشيوعيين وهزيمتهم على الدوام، وبفضل ذلك أصبح حقاني نفسه زعيماً مرهوب الجانب معدوداً في أهم رجالات الجهاد في أفغانستان، إن لم يكن أهمهم ميدانياً.

اقتنع حقاني بوجهه نظرهم، واكتفى بناء على مشورتهم بأن يرسل رسالتين واحدة لسياف والأخرى للرائد جولزراك يطلب منهما عزل الكولينيل حاظر محمد نهائياً  أو إبعاده عن جبل ساتي كندو على أقل تقدير. يقول الرسول الذي حمل الرسالة أنهما ما أن فرغا منها حتى مزقاها وتجاهلا الأمر!!..

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

عام 1988 : نكبات كثيرة في عام واحد

الجمعة “الأول من يناير 1988 ” :

في ورشتنا الصغيرة التي تشغل غرفة واسعة في بيتنا فى ميرانشاه، بدأنا منذ الصباح الباكر في فحص أجهزة التحكم من بعد ” الريموت” أو الكراكير حسب تسميتنا لها. فثبت لنا صلاحيتها، فهي آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا العربية في بيشاور.

وصلنا أيضا من هناك زوج من أجهزة اللاسلكى الصغيرة المتحركة صناعة اليابان.

كان العمل كثيفاً والجميع مشغولون والاحتمالات مفتوحة على مصراعيها بحيث لايستطيع أحد الجزم بما يمكن أن يحدث بعد قليل.

كل معداتنا أصبحت جاهزة. أرسلنا أحد المجاهدين للحصول على تصريح لمرور سيارتنا بالأسلحة والذخائر من سلطات ميرانشاة ، كما هي القوانين السائدة، وكان ذلك غير ممكن في يوم الجمعة لذا لابد من الإنتظار إلى الغد .

أخبار القوات الشيوعية مضطربة حتى بتنا نظن أنها لم تدخل خوست ، وأن ما رآه مجددي وآخرون لم يكن إلا انسحابًا جزئيًا للقوات الشيوعية من مضيق “دوامندو” لإيهام المجاهدين بأن القوات السوفييتية قد وصلت .{ فى يوم سابق أخبرنا الشيخ صبغة الله مجددي ونحن في منطقة باري أن القوات السوفيتية  تخطت مضيق “دوا مندو” ودخلت وادى خوست ووصلت إلى المدينة} وصلتنا أيضاً إشاعات أخرى بأن حقاني مازال في “سرانا”. واستنتجنا أنه ربما تمكن من تطهير ماحولها.

لم تكن كل تلك الإشاعات صحيحة وأن كانت قد رفعت روحنا المعنوية مؤقتاً.

قررنا الإستمرار في عملية” تورغار” وبما أنها تحتاج إلى تجهيز طويل، لذا فقد قررنا البدء بالمطار أولاً، فور وصولنا إلى منطقة بارى.{ أردنا وقتها أن ننسق مع مجموعات المجاهدين في منطقة باري هجوما على جبل تورغار وجزء من خط الدفاع الجبلي، بغرض الاستيلاء على ذلك الجبل الاستراتيجي}.

السبت 2/1/1988 :

اجتمعنا مع خمسة من شباب أبو عبد الله” أسامه بن لادن ”  وكوادره العسكرية وشرحنا لهم عملية “جبل تورغار” وأهميتها ودورنا فيها والإحتياجات المطلوبة.

وتكفل الوفد بإعداد القوة العربية وتجهيزها. وأرسلنا سيارة محملة بالمعدات والأفراد من ميرانشاه إلى مركز مالى خان فى بارى. واستأجرنا سيارة أخرى لتنقلنا إلى نفس المركز، ولكن السائق ما أن دخل إلى ” شارع الصحافة” (وادى ضيق مكدس بمغارات المجاهدين) حتى راعته وعورته ورفض المسير فرجعنا إلى مركز ” عيد جول”. وقضينا ليلتنا هناك وكنا أربعة أشخاص من العرب.

 

 

الأحد 3/يناير/1988 :

بعد تناول شاي الصباح توجهنا إلى مركز منان الواقع على مسافة قريبة كى نزور صديقنا شفيق الذي يترأس سبعة من جماعة أبو عبدالله كمجموعة إستطلاع ورماية بالهاون.

أسعدنا تواجد منان معنا في المركز، خاصة في تلك الظروف، ولكنه حمل إلينا هذه المرة ثلاثة أخبار سيئة دفعة واحدة.

الأول: أن القوات الشيوعية قد عبرت الطريق إلى خوست.

الثانى: أن تلك القوات قد دخلت “سرانا” مركز قيادة حقاني قرب “جارديز”.

الثالث: أن جلال الدين حقاني قد جرح في المعارك الأخيرة.

وقد أذيع الخبر الأول في الإذاعات أما الخبرين الآخرين فمصدرهما مكالمة لاسلكية من عند حقاني.

حسمت أخبار منان حالة التشويش التي خيمت على الجميع منذ مقابلة مجددِي.

لقد اتضحت الأمور الآن بجلاء.  لقد حققت القوة أذن معظم مهماتها الرئيسية وكنت أتصور أن خطوتهم التالية هي إغلاق المنافذ الحدودية، خاصة مدخلي” صدقي” و “غلام خان”، وبالتالي كنت أتصور أن المعركة التالية سوف تكون بين جبال بارى لمنع وصول القوة إلى” غلام خان”. ترافقها معركة أخرى فى “ليجاه” وحول جاور  لمنع وصول القوة إلى “صدقي” .

كنت أتصور أيضاً أن المواقع الخلفية الرئيسية لن يكون لها دور يذكر لأنها معلومة بدقة لدى العدو وسوف تقع تحت ضغط هائل من الطيران والمدافعية وأن الأهمية الأكبر ينبغي أن تكون للمجموعات الخفيفة المتحركة. لذا قررنا فوراً ترحيل كل أفرادنا غير المدربين أو الجاهلين بالمنطقة حتى لايسببوا لنا إرتباكاً وخسائر غير ضرورية، كذلك ترحيل كل الذخائر والمعدات التي لا تلائم العمليات المتوقعة،

أو إخفائها فى أماكن سرية يمكن وصولنا إليها عند الضرورة.

تحركنا لرؤية جماعتنا في مركز مالي خان وكانوا فى معظمهم من جماعة ” تورياليه” وكان ابني وليد معهم محتفظًا بمعنويات طفولية عالية. زرنا مركز جماعة محمدي وكان يحتوي على مغارتين ضخمتين جداً داخل الجبال العالية، داهمتنا إثنتاعشر طائرة ودارت فوق رؤسنا فلجأنا إلى المغارات وبقي قليلون يتابعون حركتها .” ثلاثة رشاشات ثقيلة ” زيكوياك 14.5 مليمتر . أطلقت نيرانها على الطائرات لكن الطائرات كانت مرتفعه وخارج مدى مدافع المجاهدين. دارت الطائرات وقصفت المنطقة حول مركز منان، ولم تحدث خسائر.

علمنا ذلك عند عودتنا إلى مركز منان الذى أخبرنا عندما سألناه عن أخبار المطار بأن الطائرات لم تستخدمه منذ ثلاثة أيام ، أي منذ أخبرنا مجددي عن دخول القوة إلى خوست .

يؤكد ذلك أن أهمية المطار قد تراجعت كثيراً بعد فتح الطريق البرى، وهو أمر منطقي ومتوقع بل أنه من الأهداف الرئيسية للحملة، أى إستبدال الجسر الجوى باهظ التكلفة بطريق برى أرخص وذو قدرة أكبر على نقل معدات ثقيلة وكميات أكبر من الأمدادات.

 

 

الإثنين 4 /يناير/1988 :

في الصباح تناقشت مع عبدالرحمن في المواقع الواجب على العرب التمركز فيها تمهيداً للمهمة القادمة التى نتوقعها للقوات الشيوعية، وهي إغلاق منفذي الحدود في “صدقي” و”غلام خان”. مرة أخرى وجدنا كمية لابأس بها من المعدات الكهربائية والألكترونية لاحاجة لنا بها، وكانت ملء صندوق كامل، ولابد من إعادتها إلى ميرانشاه.

لقد تغير شكل العمليات المتوقعة بشكل حاد، وبدلا من مهاجمة المطار ، وبالأحرى مهاجمة الطائرات وهي جاثمة على المدرج، وبدلا من مهاجمة “تورغار” الرهيب، فالمتوقع الآن معارك في ساحة واسعة من الجبال ذات الشجيرات والمياه الوفيرة، في منطقة باري التي نعرفها جيدًا ، بل ونعشقها كأنها مسقط رأسنا. كنا نتصور دوماً أن قتالا بهذا الشكل في منطقة كهذه ممكن أن يكسر عظام السوفييت.

نقطه حيوية في تلك المعارك هو معرفة الأرض بشكل جيد، وعلى هذا فإن معظم العرب، لا يصلحون لها، ماعدا أفراد قلائل عرفوا شيئا قليلاً عن المنطقة، فيمكنهم العمل بشيء من المجازفة والخطورة.

السلبية الكبرى هو عدم تعود المجموعات الأفغانية على تلك الحرب فهم يفضلون القتال من ثبات عند خط التماس الأول، فإذا حدث تراجع فإنه عند معظمهم لا يتوقف إلا عند حدود بيته في المهجر، أي في باكستان.

كنا نتصور أيضاً أن مجموعة منان هي أنسب المجموعات للعمل معنا فى مثل ذلك البرنامج، وفي الحقيقة كنا نفضلهم في كل عمل عسكري كشريك كامل.

– من المنطقي أن يكون تسليح المقاتلين خفيفاً أي أنه يشمل البنادق بأنواعها والقاذف

الصاروخي “آر/بي/جي” كتسلح رئيسى للجماعة المقاتلة، وأيضاً الرشاشات الخفيفة من طراز “ستكا” أو”بيكا” السوفييتية، ولكن الذي قد لايتصوره كثيرون هو أن هاون من عيار “82مليمتر” يمكن إستخدامه في أمثال تلك المعارك خاصة فى المناطق ذات التضاريس الوعرة، وضد قوات كثيفة مسنودة جوياً، ومدفعياً بكثافة، ولهذا السلاح إمكانية مناورة أيضاً وإن لم تكن كبيرة، ولكنها كافية ، بل ومرعبة للعدو خاصة إذا إستخدمه طاقم جيد يتمتع بترصد مناسب، ويعرف جيداً مسالك المنطقة التي يعمل بها.

قد حدث ذلك بشكل واضح فى معركة جاجى 87 مع بعض هاونات العرب والتس عمل على بعضها أفغان ذو كفاءة  مثل” معلم عبدالله” الذي ساهم على الهاون بأسهامات بارزة في تلك المعركة خاصة ضد تحشدات الكوماندوز السوفييت منذ أول شوال 1407هـ .

أيضاً المدفع عديم الإرتداد “من عيار82” أثبت كفاءة ومرونه كبيرة وقد إستخدمه الأفغان في أحوال كثيرة كبديل عن القاذف الصاروخى “آر/بى/جى” وتفوق عليه في أوقات كثيرة، خاصة فى حالات القتال من حالة الحركة بإستخدامه من فوق الكتف.

أيضاً صاروخ كاتيوشا “عيار107 مليمتر” يعتبر سلاحاً مناسباً أيضاً لتلك المعارك عند إطلاقه بدون قاذف أي من فوق الأحجار.

تلك الأسلحة الثقيلة لايشترط حملها والتحرك بها طول الوقت، بل تستخدم من موقع معين ثم يتم إخفائها في موقع آخر ليعاد إستخدامها فيما بعد من موقع جديد، وبذلك نتخفف من أحمال كثيرة ونظل متمتعين بمرونة كبيرة في الحركة، مع قوة نيران لايستهان بها.

وهكذا نرى أن المعرفة الجيدة بالأرض، لاتعني قدرٍة أكبر على المناورة فقط ، بل تعني أيضاً قوة نيران أكبر، بإستخدام أسلحة أثقل ، مع إخفائها وتحريك مواقعها باستمرار.

أما الألغام والمتفجرات والشراك الخداعية فهي بلاشك أفضل مايمكن إستخدامة إذا توافرت الخبرة المناسبة فنياً، مع الإستخدام التكتيكي الذكيّ مع الانتباه إلى السيطرة الجيدة والتفاهم بين المجموعات حتى لا تقع مجموعاتنا المقاتلة في مكائد فريق المتفجرات.

 

 

اعتقال على الحدود :

– استأجرنا سيارة من باري للإنتقال بها إلى ميرانشاه ونقل أدواتنا التى وضعناها في صندوق خشبي متوسط الحجم من صناديق الذخيرة.

ركبت السيارة ومعي أبو أنس وشفيق، وفي الطريق ركب أفغان كثيرون، ومررنا بسلام من نقطة غلام خان، ولكن في نقطة ثانية تدعى “حسدار” لمح رجال الميليشيا الصندوق وأصروا على تفتيشه، ويبدو أنهم ظنوها ذخيرة قادمة من داخل أفغانستان، و كان ذلك ممنوعاً رسمياً، ولكنه ممكن كأي شيء آخر إذا استخدمت الرشوة.

تعقدت المشكلة فجأة عندما أكتشف جنود الميليشيا أنني “أجنبي” وطلبت من الزملاء مواصلة الرحلة إلى ميرانشاه وإستدعاء نجدة من مكتب حقاني. وكنت أدرك أن مثل تلك المواقف لا تشكل خطورة ويجرى حلها باتصالات عادية أو بعض الرشاوى.

فلم نكن، كعرب مطلوبين، بل كنا موضع ترحيب، وتوقيفنا يتم برفق إذا إستدعت الضرورة ذلك، مثل ضغوط مفاجئة من السعودية ( عند خشيتها من أن يتورط شبابها في تدريبات عسكرية معينة ، أو إختلاطهم  بالتيارت الفكرية لفئات مشبوهة).

صرفت الميليشيا جميع الركاب واحتجزوني مع السيارة وسائقها.

ولكن هذا الأخير تمكن بوسائله الخاصة من أقناعهم بأنه لادخل له بهذه “الجريمة”، فسمحوا بالانصراف، وبقيت أنا والصندوق في قبضة رجال الميليشيا الذين تجمعوا بأعداد كبيرة ¬ لا أدري من أين جاؤوا، ليشاهدوا هذا الصيد العجيب. ثم توجه أحدهم إلى داخل مبناهم الكبير القريب من الطريق كى يجري اتصالات لاسلكية مع مسؤولين كبار، كما فهمت من حديثهم.

بدأت عملية تفتيش الصندوق وقام بها إثنان من الجنود وجلس ثالث يدون فى كشف خاص نوع وكمية المضبوطات، وأدركت أنهم لايفهمون شيئاً مما في أيديهم من محتويات الصندوق فبدأوا يسألوننى عن أسمائها حتى يستطيعوا كتابتها في الكشف.

فتحول الموقف إلى شيء من الكوميديا. ومالبثنا أن بدأنا التحدث بشيء من الود، وإلتقطت لهم عدة صور بالكاميرا التي أحملها معي غالباً .فسبب لهم ذلك سروراً مفاجئاً.

فأجلسوني على كرسي خشبي حتى يحضر المسؤولون لإستلامي. بعد حوالي ساعة، حضرت سيارة فخمة من طراز، “رانج روفر” من ذلك النوع الذي يركبه قادة الأحزاب الأفغانية، ولكن بداخلها رجلان فهمت من ملامحهما أنهم من ضباط

الإستخبارات العسكرية.

كنت أشعر بالحنق تجاه جنود الميليشيا الحمقى وهم يقلبون في محتويات الصندوق بانهماك كامل، بينما القوات السوفيتية قد دخلت خوست، وأصبحت ميرانشاه على مرمى حجر.

لم أتمكن من التعبير عن مشاعري لسببين، الأول: هو عدم وجود لغة مشتركة.

والثاني: هو أنهم حمقى لايدركون في الدنيا شيئا سوى السلب والنهب تحت حماية ملابسهم الرسمية نهارًا، وتحت حماية الظلام ليلًا.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد(18)




جلال الدين حقاني 17

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 17

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 167 ) | جماد الأولي 1441 هـ / يناير 2020 م . 

11/01/2020

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 17 )

(1986) -أفغانستان تحت النظام الجديد،دولة يمتلكها جهاز إستخبارات .

 

حقاني يقول في مواجهة مؤامرة دولية لفرض تسوية ظالمة على  شعب أفغانستان:

{ إن أفضل طريقة لإفشال التسوية السياسية هي تصعيد عملياتنا ضد القوات السوفيتية والحكومية. فالسوفييت يشترطون على باكستان أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أفغانستان أثناء فترة انسحاب القوات الروسية. وليس في مقدور أحد أن يوقف جهادنا حتي تتحقق الشروط الإسلامية في حكم أفغانستان.التسوية المطروحة ليست مقبولة لدينا. وبقاء الشيوعيين على كراسي الحكم بعد انسحاب الجيش الأحمر مستحيل. فالشعب الأفغاني سيقتلهمم فردًا فردًا، والجيش الأفغاني سينضم للمجاهدين لأن السوفييت هم الذين يكرهونه على قتالنا. وجهادنا مستمر حتى لو أغلقت الحدود، فاعتمادنا أولًا وأخيرًا على الله. ولعلنا في المرحلة القادمة نتخلص مما علق بحركة الجهاد من شوائب في المرحلة السابقة }.

حقاني العقبة الرئيسية أمام التسوية الدولية، والعدو الأول لنظام كابل ورئيس الدولة الجديد.

فيما يلي رؤيتي للموقف السياسي آنذاك (في يونيو 1986 بعد انتهاء الحملة الثانية على جاور وتنحية بابرك كارمل عن رئاسة الدولة في كابل وتعيين نجيب الله رئيسًا جديدًا بدلًا عنه)، كما جاءت في مقال نشرفي صحيفة الاتحادالإماراتية تحت عنوان (دولة للجواسيس).. ونبدأ بملاحظات مسبقة حول ذلك المقال:

1ـ كان من المفروض أن تكون معركة جاور الثانية، محورًا لمرحلة جديدة في القضية الأفغانية، لحلها سياسيًا باتفاق بين السوفييت والولايات المتحدة. بما يضمن مصالحهما معًا في أفغانستان، والتي تلتقي في نقطة رئيسية واحدة هي استبعاد المجاهدين (الحقيقيين) من الوصول إلى حكم ذلك البلد.

2ـ كان من المفروض أن تبقى القوات السوفيتية والحكومية في قاعدة جاور/على أقل تقدير/ إلى حين انتهاء جولة المفاوضات بين حكومتي باكستان وأفغانستان والمقررة فى 5 /5/1986  حتى تكون ورقة ضاغطة لتمرير المطالب السوفيتية من موضع قوة .

ولكن معركة جاور أخذت مسارًا مختلفا. لقد تصور السوفييت أنها ستكون ضربة خاطفة بقوة أرضية وجوية لا قِبَلْ لا أحد بها (من 30 إلى 50ألف جندي، مع غطاء جوي يضم أحدث الطائرات السوفيتية).

لكن حقاني قاد المعركة ضدهم بحيث استغرقت 21 يومًا ولم تتمكن قوات الجيش الأحمر من البقاء أكثر من (8ـ 18 ساعة ) ثم غادروها مسرعين تاركين مهمات كثيرة خلفهم وكأنهم كانوا متلهفين على الفرار. ولولا أصابة حقاني بضربة نابالم لانتهت الحملة السوفيتية بعبارة (لم ينج أحد) فقد كان سهلا عليه حصارهم وإبادتهم في جاور.

3 ـ نظام كابول كان في حاجة إلى بقاء جاور تحت الاحتلال إلى حين الاحتفالات بعيد الانقلاب الشيوعي في 27 أبريل ولكن القوات المهاجمة فرت في 20 أبريل فضاعت فرصة دعائية كان النظام الشيوعي في أشد الحاجة إليها.

4 ـ القيادة السوفيتية كانت في حاجة إلى مدة احتلال أطول لقاعدة جاور إلى حين الفراغ من مشاورات داخلية في الحزب الشيوعي لاتخاذ قرار نهائي بانسحاب (مُشَرِّف) من أفغانستان.

5 ـ نجاح حقاني في إفشال المخطط السوفيتي في جاور، جعل الحلّ السياسي الدولي مهدّدًا بالفشل التام، إلا إذا استطاعت القوّتين الدوليتين من القيام بحملة أخرى ضد حقاني وفتح الطريق البري إلى خوست لتوفير غطاء أدبي للقيادة السوفيتية، وللحفاظ شكليا على كرامة الجيش الأحمر المنهزم والذي أهين بشدة في قاعدة جاور ومدينة خوست. فكانت هي المدينة الوحيدة التي لم يتمكن الجيش الأحمر من الدخول إليها عن طريق البر. لهذا فإن المعركة القادمة كان عنوانها (طريق زدران) الواصل بين جرديز (عاصمة باكتيا) وبين خوست التي يحاصرها حقاني، بحيث أن الجيش الأحمر بكل جبروته فشل في الوصول إليها لعدة سنوات.

6 ـ معركة جاور الثانية (1986) كانت أكبر معركة فعلية يخوضها الجيش الأحمر حتى انسحابه من أفغانستان. لأن معركة (طريق زدران)التالية، وسوف نمر عليها لاحقا، كانت مؤامرة دولية لحفظ ماء وجه السوفييت وتمكنيهم من الانسحاب (بكرامة).

7 ـ استعد السوفييت لمرحلة انسحابهم من أفغانستان والمرحلة التالية، باختيار رئيس جديد للدولة هو نجيب الله رئيس جهاز الاستخبارات(خاد) الذي هو الفرع الأفغاني للمخابرات السوفيتية (كي جي بي) أي أنهم سيتركون أفغانستان رهينة لتواجد استخباري سوفيتي، يمثل احتلالا غير مرئي ولكنه قاسٍ وفعال.

وهذا ما ينادي به حاليا الرئيس الأمريكي(ترامب) الذي قال بأنه سينسحب من أفغانستان تاركاً خلفه تواجدا قويا للمخابرات الأمريكية CIA. إنها نفس الخطة السوفيتية مع تعديلات تتوافق مع ظروف مستجدة ومع طبيعة استئصاليه خبيثة للإحتلال الأمريكي.

اصطلاح تواجد استخبارى لا يعني فقط شبكات تجسس، بل يشمل أيضا تشكيلات مسلحة تتبع الاستخبارات بشكل رسمي، مع تشكيلات أخرى غير رسمية تمارس الأعمال الأشد وحشية ضد المدنيين بدون أن تتحمل الاستخبارات أو الحكومة تبعات تلك الأعمال. وهذا هو المعمول به حاليا في أفغانستان.

8 ـ أصيب المجاهدون بضربة معنوية بدخول القوات الشيوعية إلى(جاور) التي هي بالنسبة لهم أكبر من مجرد قاعدة عسكرية وإدارية، بل هي رمز اعتزاز وقوة. وقد استشهد في المعركة ما يقارب 130 شهيدًا وعدة مئات من الجرحى والمعوقين (و ذلك أكبر قليلا من خسائر المجاهدين عند فتح مدينة خوست في عام 1991، الذي هو الإنجاز العسكري الأكبر في حرب أفغانستان ضد الشيوعية).

– في الأيام الأخيرة من شهر إبريل 1986 وقع حادث انفجار مفاعل شيرنوبل النووي في أوكرانيا ـ الاتحاد السوفيتي ـ فاعتبرها الأفغان انتقامًا إلهيًا من المعتدين السوفييت. فبدأوا مع حقاني في التجهيز النشط لمرحلة القتال التالية والتي توقعها حقاني في جبال ستي كندوـ عند بداية الطريق البري إلى خوست والقادم من كابول . وهي معركة طريق زدران التي وقعت بعد حوالي عام ونصف في شتاء(1987 ـ 1988) وكانت موضوع لكتاب أسميته (خيانة على الطريق). وهي الخيانة التي تعرض لها حقاني ورجاله.

9 ـ في جولة مفاوضات جنيف(5/5/1986) شروط التسوية المعروضة للبحث رفع منها مطلبًا كان يدعوه بأن تكون  أفغانستان بعد التحرير ” دولة إسلامية محايدة” . ووضع بدلا عنه بنداً آخر يقول (توفير ضمانات دولية لتنفيذ اتفاقية التسوية فى أفغانستان ) .

ويتطابق ذلك مع ما يطالب به الاحتلال الأمريكي حاليا من استبعاد نظام الإمارة الإسلامية بدعوى أنه غير مقبول دوليا. ويترافق ذلك مع مطلب بتشكيل حكومة مشتركة بين حركة طالبان (بعد فك ارتباطها بالإمارة الإسلامية) وبين نظام كابول العميل.

وهكذا تتوارث إمبراطوريات الاحتلال عدائها للإسلام في أفغانستان، والعمل على استبعاده من الحكم بل ومن الحياة والثقافية الشعبية الأفغانية.

وذلك هو الجوهر “الحضارى” للصراع الدائر في أفغانستان بين الإسلام والحضارة الهمجية للغرب المتوحش.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

دوله للجواسيس

(1968) أفغانستان تحت النظام الجديد ـ دولة يمتلكها جهاز استخبارات

– دكتور نجيب الرجل الأقوى في أفغانستان ورئيس جهاز الإستخبارات (خاد) يصبح رئيساً للدولة.

– ركاكة التنظيمات الشيوعية في أفغانستان يجعل الإنسحاب السوفيتي مغامرة غير مضمونة. * التسوية السياسية مبادرة من باكستان أم صفقة دولية؟.

– المنظمات الأفغانية في حالة ترقب والمجاهدون لن يوقفوا القتال.

 

(رسالة أفغانسان ــ مصطفى حامد ــ في 10/5/ 1986 )

أزاح السوفييت (بابراك كارمل) عن رئاسة الجمهورية في أفغانستان لإفساح الطريق للتسوية السياسية, وفتح صفحة جديدة لنظام شيوعي جديد في كابول ولكن بتنقيحات أكثر.

فبابراك كارمل لم يكن مقبولاً داخل أو خارج أفغانستان بصفته الحاكم الذي جاء محمولاً فوق الدبابات السوفيتية في الإنقلاب, أو الغزو الذي حدث في السابع والعشرين من ديسمبر 1979 و الذي قتل فيه حفيظ الله أمين الذي كان يسعى إلى خط ماركسى مستقل عن موسكو.

كما أن تغيير كارمل قبل أيام من إنعقاد دورة المحادثات السابعة في جنيف بين ممثلي دولتي أفغانستان وباكستان قد زاد من إمكانية تحويل هذه المباحثات إلى مباحثات مباشرة، وسهل عملية إعتراف باكستان بالنظام القائم في كابول. ويبقى تسهيل آخر لا بد أن تقوم به موسكو وهو تقديم جدول زمني للإنسحاب يكون مقبولاً من حكومة إسلام آباد التي تطالب بفترة انسحاب مقدارها ستة أشهر بينما تطالب موسكو بفترة قد تمتد إلى عامين.

ولا يبدو من الصعب التوصل إلى حل وسط بهذا الخصوص. ولا شك أن اعتراف باكستان بالحكم الشيوعي في كابول سوف يفتح صفحة جديدة في القضية الأفغانية لن تكون بأي حال أقل تعقيداً من المرحلة الماضية .

 

رئيس الجواسيس :

في كابول تربع الدكتور نجيب على كرسي الرئاسة  كونه سكرتيراً لحزب (بارشام), إلى جانب رئاسته لجهاز الاستخبارات الأفغانية (خاد) وهذا هو الجانب الأهم. فالدكتور نجيب الذي ولد في محافظة باكتيا عام 1947 وتخرج من كلية الطب بجامعة كابول إنخرط في تيار الحركة الشيوعية في أفغانستان. وبعد إنقسام الحزب الشيوعي المسمى الشعب الديموقراطي إلى جناحيه (خلق) و(بارشام) كان الدكتورنجيب في جناح (بارشام) الذي يترأسه (كارمل) ولكن الروس ضغطوا على (نور محمد طراقي) رئيس حزب خلق ورئيس أفغانستان بعد الإنقلاب الشيوعي في إبريل 1978 وأرغموه على قبول دكتور نجيب في الحكومة وفي اللجنة المركزية للحزب. ولكنه اتهم فيما بعد بخيانة الحزب وأطلقت عليه النار فأصيب بجروح وغادر أفغانستان حتى الغزو السوفيتي الذي عين (كارمل) وحزب بارشام متسلطين على الحكم في البلاد. وتولى دكتور نجيب تشكيل جهاز المخابرات الأفغاني (خاد) عام 1981 ونجح في مهمته نجاحاً ملمواساً نتيجة لتعاونه التام مع جهاز الإستخبارات السوفيتي (كي جي بي)حتى عرف نجيب بأنه الرجل الأول للإستخبارات السوفيتية في أفغانستان، وبالتالي أصبح نجيب الرجل الأقوى في الدولة حتى في ظل حكم كارمل. وفي إمكان نجيب تدمير أي شخصية في الدولة من حيث أنه يمتلك مفاتيح الأسرار الخاصة لجميع المسئولين. والتي يمكن إستخدامها في الوقت المناسب لحرق أوراق أياً منهم. ومن المعروف في كابول منذ تولى نجيب إنشاء( خاد) وإدارتها أنه ليس في وسع مسئول حكومي كبير الإستمرار في منصبه بدون تقديم الرشاوي لرجال الاستخبارات السوفيتية وللدكتور نجيب، رجلهم الأول في أفغانستان.

 

دولــة خـــاد:

وفي تعيين نجيب رئيس جهاز الإستخبارات خاد، رئيساً للدولة إشارة كافية إلى الأهمية التي يعلقها السوفييت على هذا الجهاز في مستقبل أفغانستان.فالدور الأول لإخضاع البلاد للنظام الماركسي سيكون منوطاً بجهاز الإستخبارات وليس القوات المسلحة، التي سيكون دورها في المستقبل وكما هو الآن حالياً، يتمثل في تأمين الحدود مع باكستان وإيران.

أما العمليات العسكرية ضد جيوب المقاومة فستكون بإرشاد وإدارة خاد ستقوم بالتمهيد لهذه العمليات بواسطة عمليات للتجسس وإختراق منظمات المجاهدين وشراء الأعوان والجواسيس والتعامل مع قبائل الباتان والبلوش على الجانب الباكستاني والعمل على شرائهم لصالح مخططات موسكو. لا شك أن النظام الأفغاني القادم سيعتمد أساساً على هذا الجهاز. ومن المرجح أن يعمل بالنيابة عن الجهاز الأم (كي جي بي) في دول الشرق الأوسط والدول الإسلامية الأخرى. وتولية نجيب رئيس جهاز الإستخبارات رئيساً للدولة يعني ببساطة أن أفغانستان ستصبح دولة يمتلكها جهاز مخابرات، وليست دولة تمتلك جهازاً للمخابرات. وهذا يقترب كثيراً من الصورة في المعسكر الشرقي بوجه عام.

 

صراع الرفاق:

ولكن هل يعني تولية رجل قوي مثل نجيب زمام السلطة في كابول نهاية للصراع الداخلي بين (بارشام) وخلق؟.  من المشكوك كثيراً أن يحدث ذلك. فالتقارير الواردة من كابول تفيد بأن مواجهات مسلحة قد حدثت بين الفريقين.وقد تتسع هذه المصادمات بعد إنسحاب الجيش الأحمر الذى يمسك بيده الموازين. بل أن المعارك العنيفة التي حدثت في  خوست (جاور) مؤخراً فى شهر أبريل الماضي شهدت صداماً مسلحاً بين وحدات عسكرية موزعة الولاء بين ضباط خلق وضباط بارشام.ولا شك أن توسيع رقعة الصدام بين الأجنحة الماركسية سيهدد النظام بأسره خاصة وأن الحرب الأهلية في أفغانستان لن تتوقف بالتسوية، فقطاعات قوية ومؤثرة من الشعب مصرة على إستمرار الجهاد ضد الحكم الشيوعي وإستبداله بحكم إسلامي مهما كان الثمن.

كما أن حزب بارشام الحاكم مقسم إلى ثلاث مجموعات يرأس إحداها رئيس الوزراء سلطان علي كشمند، وكان  من المرشحين لتولي منصب الرئاسة بعد تنحية كارمل. وحزب خلق الذي يعتبر أكثر شعبية من البارشام يعاني هو الآخر من عدة إنقسامات داخلية. وهكذا تصبح الكتلة الشيوعية في البلاد في حالة من الركاكة بحيث قد تدفع السوفييت إما إلى إلغاء برنامج التسوية السلمية من أساسه أو المغامرة بالإنسحاب على أمل أن يتمكن نجيب من السيطرة علي الوضع. على أمل آخر هو أن ينهار وضع المجاهدين بسرعة بعد تخلي باكستان عنهم وكذلك دول الخليج وباقي الأصدقاء.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

خيوط نجيب:

 الرهان على (نجيب) له ما يبرره من جانب السوفييت فخيوط القوه التي يمسكها بيده، بالإستعانة بجهازه لا تدانيها قوة أخرى حزبية أو عسكرية. وجميعها خيوط مؤثرة في ظروف أفغانستان الحالية. * فقد عمل نجيب فترة من الزمن في وزارة شئون القبائل وخلالها أقام علاقات جيدة مع كثيرمن الرؤوس القبلية وتجمعت لديه دراية كافية عن شئون القبائل الأفغانية ، وهي القوة الرئيسية المعارضه للنظام الماركسي والمؤيدة للمجاهدين.

– كما أن نجيب على علاقة جيدة مع عدد من القبائل على الجانب الباكستاني وضمن ولاءها له، كما تربطه علاقة قوية بالحزب (القومي الديموقراطي الباكستاني) النشط في مناطق الحدود والذي يرأسه (خان عبد الوالي خان) وهو حزب ذو علاقات تاريخية بموسكو ونيودلهي وكابول.

– إستطاع نجيب خلال رئاسته (لخاد) من إختراق تنظيمات المقاومة الأفغانية في بشاور, بدرجات مختلفة، ولكن إلى درجة تسمح له بممارسة دور ملموس داخل بعض من هذه المنظمات. ومع هذا فإن حالة الضياع السياسي التي تعيشه هذه المنظمات لا يتحمل دكتور نجيب وجهازه السري غير جانب صغير منه أما المسئولية الكبرى فيتحملها أصدقاء المقاومة الأفغانية وتدخلاتهم العميقة في شئون هذه المنظمات.

 

صفقة أم مبادرة؟

تقول إحدى النظريات التي تفسر عملية التسوية السياسية في أفغانستان. أن تلك التسوية هي من ضمن صفقة كونية بين السادة العظام. وأن موافقة السوفييت على إطلاق يد أمريكا في دول الشرق الأوسط مما يلي الحدود السوفيتية وحتى شواطيء الأطلنطي قد قوبل بموافقة أمريكية على جعل أفغانستان دولة شيوعية خاضعة لموسكو والسماح للجيش الأحمربالخروج من ورطته هناك. والنظرية الأخرى تقول بأن المبادرة كلها إتخذتها الحكومة الباكستانية منفردة وعلى غيرموافقة أمريكا نتيجة لرؤية خاصة ترى أن مصالحها القومية تتحقق من خلال هذه التسوية. وأن المرحلة التي إستفادت منها باكستان من هذه الحرب قد إنتهت وأصبح إستمرارهذه الحرب وتواجد الجيش الأحمر في أفغانستان يشكل مخاطر صرفة على باكستان. وأن زمن الإستفادة قد ولى وحان وقت المغرم. أصحاب الرأي الأخير يعززونه بالقول بأن التوازنات السياسية داخلياً أملت على الحكومة الحالية في باكستان هذا الموقف. وأنها بذلك قد إنتزعت بمهارة آخر سهم في جعبة أحزاب المعارضة. فالسهم الأول كان الأحكام العرفية التي كانت المعارضة تتجمع حول شعارمقاومتها. فأقامت لذلك تحالفاً فيما بينها أسمته (حركة استعادة الديموقراطية) ولكن بعد رفع الأحكام العرفية وعودة الأحزاب لم يعد هناك مجالاً لعمل هذه الحركة. وكان آخر سهم لتجمع هذه الأحزاب الذي يقودها حزب الشعب اليساري هو القضية الأفغايية والمناداة بحلها سلمياً حتى لا تتعرض باكستان لخطر البطش السوفيتي وتدخلات المهاجرين الأفغان في السياسة الباكستانية . الآن وبعد التسوية لم يعد أمام المعارضة أي قضية جوهرية للحديث عنها,حيث أن القضايا الأساسية المتبقية لا يكاد تظهر فيها فروقاً بين وجهات نظر الحكومة والمعارضة وهذه القضايا مثل الصداقة للولايات المتحدة وإستمرار توازنات القوى الإقتصادية والإجتماعية في الداخل بدون تغير إلى جانب الإعتراف بالدور الأبوي للمؤسسة العسكرية.

 

تشاؤم وتفاؤل:

 المعارضون في باكستان لمبدأ التسوية لديهم تخوفات قوية لها ما يبررها منها أن السوفييت يمارسون نفس التكتيك القيصري القديم في إبتلاع المناطق الإسلامية وذلك بحصارها وقطع خيوطها عما خلفها من ممالك إسلامية عن طريق إرهاب هذه الممالك وتخويفها حتى توقع مع الروس معاهدة تعترف بالأمر الواقع وتنشد السلامة والصداقة مع الروس.

ولكن هذه المعاهدات وفي كل مرة تنتهي حالما يفرغ الروس من هضم الجزء الإسلامي الذي إبتلعوه ثم يهاجمون الذي يليه ويحتلونه وهكذا…هؤلاء المتشائمون يرون أن هدف الروس من إبتلاع الأراضي الإسلامية هو توسيع الرقعة والإستيلاء على المواد الخام والقوة البشرية ولكن الهدف النهائي والأهم هو الوصول بأطراف الإمبراطورية إلى المياه الدافئة.

 

يقول هؤلاء أيضا:

أنه لم يتبق في هذا المخطط بعد أفغانستان إلا ضربة واحدة في باكستان وبعدها يطل الروس على المحيط الهندي من بلوشستان. يقول هؤلاء : إن الضربة التالية والأخيرة ستكون علينا وأن توقيع معاهدة التسوية في جنيف

إنما هو توقيع صك على نهاية باكستان وتسليمها إلى الروس. وهم يرون أن اليسار الباكستاني سيكمل المهمة ويمهد لدخول الروس كما فعل اليسار الأفغاني قبلاً وكان المخلب الذي أسال دماء الأفغان لصالح الروس. وأن الشيوعيين سيقومون بدور حصان طرواده للجيوش الروسية في طريقها إلى المياه الدافئة. وقال أحدهم بيأس معلقا على مفاوضات جنيف أنها فى أحسن صورها كامب ديفد أخرى ولكن في جنيف. أما المتفائلون فيدافعون عن قبول الحكومة الباكستانية للتسوية السلمية قائلين بأن الشيوعيين الأفغان ليس لديهم القدرة على الصمود في وجه الشعب الأفغاني المسلم الذي لن يقبل بهم.

وهم لن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم بدون حماية الجيش الأحمر حتى أن الجيش الأفغاني  رصيداً للجهاد وسوف ينضم بأفراده ومعداته للمجاهدين وهذا سيعوض لهم إمدادات السلاح التي ستقطع عنهم بإغلاق الحدود الباكستانية.

 

إسلامية محايدة:

بدأ الحديث عن تسوية سياسية في أفغانستان يأخذ طابعاً جدياً عام 1983 ومنذ ذلك الوقت طرحت الحكومة الباكستانية أربعة شروط لهذه التسوية وهي :

1- إنسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان.

2-عودة المهاجرين الأفغان إلى ديارهم.

3-عودة أفغانستان دولة محايدة إسلامية.

4-وقف التدخلات الخارجية في شئون أفغانستان الداخلية.

ولكن منذ بداية الأزمة وحتى تولي جورباتشيف زمام السلطة في الكرملين لم يبدي السوفييت أي تهاون فيما يتعلق بإلغاء البند الثالث. فقد أصروا على أن تكون أفغانستان خاضعة لحكم شيوعي موالي لموسكو. فهذا الموضوع غير خاضع للتفاوض بأي شكل. وما سوى ذلك يمكن التفاهم حوله. وفي قائمة شروط التسوية التي طرحت على مؤتمر جنيف الأخير حول أفغانستان لم يعد لهذا البند وجود واستبدل بشرط آخر يقول بتوفير ضمانات دولية لتنفيذ إتفاقية التسوية في أفغانستان الإتفاق على تسوية سلمية بدون ضمان نظام الحكم القادم بأنه (محايد وإسلامي) يعتبر تخلياَ تاماً عن المقاومة الأفغانية والشعارات الإسلامية التي طرحتها. أو كما قال أحد المجاهديين :

إنهم قد باعونا في جنيف. فالشعب الأفغاني لم يقدم مليوني شهيد وخمسة ملايين مهاجر في جهاده ضد السوفييت والنظام الذي أقاموه في كابول لكي يقبل بعد سبعة سنوات من القتال بنفس النظام الذي رفع في وجهه السلاح منذ البداية.

 

عودة للبداية: 

ليس هناك أدنى شك في أن الشعب الأفغاني يرفض تسوية من هذا النوع . وإجماع المجاهدين داخل أفغانستان هو إستمرار القتال ضد الشيوعية المحلية المتملثة في حزبي خلق وبارشام. يقول أحد قادة المجاهدين في الداخل:  (إن إغلاق الحدود مع باكستان سيخلق لنا مشاكل جمة. وعلى أي حال نحن لا يمكننا القبول بهذه التسوية وسنعود إلى القتال بواسائلنا الأولى بدون الإعتماد على أحد). ويتخوف قادة المجاهدين في الداخل من عودة المهاجرين في ظل حكومة ماركسية في كابول لأن هؤلاء الناس تحت ضغط الحاجة سيعتمدون على الحكومة ويخضعون لسلطانها. وأن حكومة كابول سوف تجند هؤلاء العائدين في صفوف الجيش الذي ستستخدمه في التنكيل بالمسلمين. كما أنها ستأخذ منهم أبناءهم وترسلهم إلى روسيا لكي يتحولوا إلى الشيوعية هناك ويعودون إلى أفغانستان خداماً لموسكو وحرباً على شعبهم. وهذه هي السياسة التي إتبعها

الروس أيضاً في المناطق الإسلامية المحتلة في آسيا الوسطى.

 

السمان والعجاف:

ومهما يكن فإن إختلاف زعماء المنظمات الأفغانية المتمركزة في بشاور وعدم أتفاقهم حتى على الحد الأدنى من البرامج المشتركة قد أضاع على الجهاد الأفغاني فرصة تحقيق تفوق وسيطرة داخل أفغانستان بحيث يتمكن المجاهدون من بسط نفوذهم على البلاد، أو حتى إستئناف مقاومة منظمة ضد النظام الشيوعي الجديد. لقد إنقضت سبع سنوات على بداية المقاومة الأفغانية وحتى الآن ،كانت بحق سبع سنوات سمان من حيث الإمكانات المادية الكبيرة التي توفرت لدى المنظمات. ولكنها جميعاً تبخرت بدون ترسيخ جذورمقاومة منظمة في الداخل وعلى إتساع البلاد.. وبعد التسوية تبدأ السنوات العجاف بالنسبة للمقاومة الأفغانية بدون أن تجد رصيداً يعتد به من السنوات السمان. فلا يمكن للمنظمات الأفغانية مجتمعة أو منفردة الإدعاء بأنها قد إستعدت للمرحلة القادمة أو حتى أنها تمتلك تصوراً لما يمكن أن تكون عليه المقاومة. وتكتفي المنظمات في بشاور بإعلان الإحتجاج اللفظي على التسوية الجارية في جنيف بينما  دلائل العجز لا تخفى على العيان. ولا شك أن المواقف الفعلية لهذه المنظمات ستنجلي بعد إتضاح مصير مفاوضات جنيف فمازال يحدو الجميع أمل بأن يحدث شئ ما وتفشل هذه المفاوضات. بلا شك أن ذلك سيرضي عامة الشعب الأفغاني والمجاهدين، ولكن بعض المنظمات الأفغانية في بشاور على إستعداد للقبول بالتسوية  عند ضمان نجاحها بل إن البعض لديه الإستعداد للمشاركة فيها إذا وجهت إليه الدعوة بطريقة مناسبة.

 

تصعيد العمليات:

يقول جلال الدين حقاني: الذي مازال يعاني من حروق أصيب بها في معارك خوست الأخيرة:

(إن أفضل طريقة لإفشال التسوية السياسية هي تصعيد عملياتنا ضد القوات السوفيتية والحكومية.فالسوفييت يشترطون على باكستان أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أفغانستان أثناء فترة إنسحاب القوات الروسية. وليس في مقدور أحد أن يوقف جهادنا حتي تتحقق الشروط الإسلامية في حكم أفغانستان .التسوية المطروحة ليست مقبولة لدينا. وبقاء الشيوعيين على كراسي الحكم بعد إنسحاب الجيش الأحمر مستحيل. فالشعب الأفغاني سيقتلهمم فرداً فرداً والجيش الأفغاني سينضم للمجاهدين لأن السوفييت هم الذين يكرهونه على قتالنا. وجهادنا مستمر حتى لو أغلقت الحدود فإعتمادنا أولاً وأخيراً على الله. ولعلنا في المرحلة القادمة نتخلص مما علق بحركة الجهاد من شوائب في المرحلة السابقة).

ليست المنظمات الأفغانية في بشاور وحدها في حالة ترقب لما يحدث في أفغانستان. بل إن الشعوب الإسلامية بأسرها  تنظر وتترقب موقف هذا الشعب المسلم في أفغانستان ، الذي على خلاف ما عداه- لم يخضع لبطش الإحتلال أو تخديرات التسويات السياسية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 17

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 15

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 15

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 165 ) | ربيع الأول 1441 هـ / نوفمبر 2019 م .  

08/11/2019

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(15)

 

– ملحمة حقاني في جاور عام (1986) قدمت للعرب أهم دروسهم القتالية في أفغانستان،

 فكانت سببًا في انتصارهم مع بن لادن في معركة جاجي (1987).

– نكسة السوفييت في عملية الكوماندوز كادت أن تفشل برنامجهم كله، لولا كارثتان أصابتا المجاهدين وهما: انهيار مغارات في جاور، وإصابة حقاني بقنبلة نابالم.

– أبوحفص المصري: أحصيت 84 طائرة سوخوي هاجمتنا في جاور خلال فترة وجيزة، ولم أشهد مثل ذلك القصف الجوي في أفغانستان من حيث القوة والدقة.

– تصورها السوفييت معركة خاطفة، ولكنهم احتاجوا إلى أكثر من 20 يوما للوصول إلى جاور، وبقوا فيها لساعات.

– فاصل من الفكاهة الجهادية: وجاءت المقاومة الشعبية من عرب بيشاور لتحرير جاور!!.

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

 

جاور مدرسة قتالية :

لم تكن مساهمة أبوحفص وأبوعبيدة مفيدة كما لم تكن من وجهة نظري حكيمة. ولكنها أفادت كثيراً في تشكيل فكرهما العسكري. فقد كانت (جاور) هي مدرستهما العسكرية الرئيسية، وما استفاداه من دروس حقاني في ملحمة جاور كان عدتهما الرئيسية في معركة (جاجي) التي دارت بعد ذلك بعام تقرياً، لتكون أول وأشهر معارك العرب في أفغانستان. ومنعطفاً في تاريخ التواجد الجهادي للعرب  في تلك القضية. وكلاهما كان فارس ميدان تلك المعركة وقائداها الحقيقيان. لقد استغرقنا وقتاً طويلاً بعد ذلك في بحث ونقاش حول معركة جاور وأفادنا كثيراً التمعن في أحداثها. وقارنا بين ما أحدثه كمين واحد في المعركة أدى إلى تدمير كتيبة كوماندوز تقريباً.

وبين دفاع ثابت عن جاور أدى إلى إصابة قائد المعركة واستشهاد عدد من كبار قادة المجموعات في حادث المغارة، وعدد من أشجع أطقم المدفعية المضادة للطيران.

وكنا مقتنعين تماماً بأن ملحمة المدفعية المضادة لم يكن لها ما يبررها وأن خسائرها أكبر كثيراً من فوائدها.. وأن أسلوب الكمائن المتنقلة هو خير أسلوب في تلك الحالات. وكان ذلك الدرس هو مفتاح النجاح لهما في معركة جاجي.

انتصارات المجاهدين ضد الكوماندوز السوفييت في جاور 1986، أفادت العرب في انتصارهم على الكوماندز في جاجي 1987.

وكأن تلك النقاشات كانت تضع تصوراً مفيداً للغاية لمعارك (جاجي) التي قادها أبوحفص و أبوعبيدة وكان أروع ما فيها ذلك الكمين الذي أوقعوا فيه قوة للكوماندوزالسوفييت فأبادوها فوق إحدى القمم.(مستفيدين أيضا من تجربة كمين ناجح نفذه طلاب الشريعة في جاور).

كان الجيش الأحمر قادراً على الوصول إلى أي نقطة يريدها في البلاد، وهكذا أراد أن يثبت في معركة جاور ثم معركة فتح الطريق إلى خوست عبر مناطق قبائل زدران، وقد ساعدتهم أمريكا عبر باكستان، على إشباع حاجتهم إلى حفظ كرامتهم العسكرية. في مثل هذه الأوضاع ليس من الحكمة تبني شعار الدفاع عن كل شبر من الأرض أو الثبات حتى آخر رجل.

بل يجب أن نتبني شعاراً يقضي بإيقاع أقصى خسائر للعدو، حتى يصبح نصره نصرا  زائفا وشكليا، لأن فداحة خسائره أفقدت النصر معناه، ومع ذلك فقد حدث ذلك جزئياً في جاور وكانت خسائر العدو في الأفراد والمعدات أكثر من أن تكون مقبولة، وبشكل خاص أنه لم يمكث  في جاور إلا أقل من عشرين ساعة  فلم يتمكن من استثمار انتصاره.

باعتبار أن جاور كانت المنفذ لحوالي 20% من إمدادات المجاهدين”حسب أقوال محمد يوسف” كما أن تأثيراتها على القبائل على جانبي الحدود هي تأثيرات عظيمة لسهولة الاتصال بهم وتهريب الأسلحة والأموال وبالتالي نقل ولائهم من باكستان إلى (كابول) أو تحييد نشاطهم المعادي على أقل تقدير.

 

نكسة الكوماندوز : 

نعود إلى عملية الكوماندوز مرة أخرى  لنجد أنها تمت في الثالث من إبريل وكانت معارك جبل رغبلي ما زالت على أشدها، وشهدت قتالاً متلاحماً على القمة عدة مرات.

ولكن المجاهدين كانوا في قمة الحماس والنشاط. وخطوط إمدادهم سليمة ومتصلة فلم يكن القصف الجوي الذي بدأ منذ نهاية مارس قد أثر على سلامة تلك الخطوط أو سلامة الروح المعنوية. لهذا فإن عملية الكوماندوز (جنوب جاور) كانت مبكرة عن موعدها المناسب وكان ينبغي الانتظار أكثر حتى يظهر تأثير القصف الجوي على معنويات المجاهدين وخطوط إمدادهم.

والاحتمال الوارد لهذا الاستعجال إما أن يكون محاولة تخفيف الضغط على الكوماندوز السوفيتي فوق جبل رغبلي أو الاستعجال في إنهاء المعركة بطريقة خاطفة، ولم يكن مرّ عليها سوى عدة أيام وهذا ينطوي على استخفاف كبير بقدرات المجاهدين وغرور زائد بالقوة السوفيتية البرية التي تشارك بهذه الكثافة لأول مرة في باكتيا، وتحت حماية لم يسبق لها مثيل من سلاح الطيران السوفيتي. نكسة الكوماندوز زلزلت البرنامج السوفيتي. وكان يمكن أن ينهار البرنامج كله على إثر ذلك لولا الكارثتان اللتان لحقتا بالمجاهدين. الأولى حادثة انهيار المغارة ومقتل عدد من القياديين بداخلها، ثم أعقب ذلك إصابة حقاني والأثرالسيء لتلك الإصابة على معنويات المجاهدين، خاصة أن إذاعات العدو والمنشورات التي أسقطتها الطائرات عملت على تضخيم آثار حادثي المغارة وإصابة حقاني. وبلا شك فإن غياب حقاني ترك فجوة كبيرة في السيطرة والقيادة.

عملية الكوماندوز كانت دليلاً على أن السوفييت تصوروا معركة خاطفة تنتهي سريعاً. ولكنها استغرقت أكثر من عشرين يوماً حتى استطاعوا الوصول إلى جاور. ومن المستبعد أن يخطط السوفييت لحرب خاطفة على جاور القريبة من باكستان بدون أن يتلقوا ضوءً أخضر يضمن مساندة باكستانية. وهذا ما تثبته  شواهد عديدة.

رغم ادّعاءات (محمد يوسف) في كتابه بأنه هو صاحب فكرة تحويل جاور وجاجي إلى مراكز قوية للدفاع عن أمن باكستان من إختراق سوفيتي. والحقيقة هي أن جاور تحولت إلى (قلعة) صعبة الاختراق بسبب طبيعة (حقاني) كقائد عنيد صلب المراس، من الصعب جداً دفعه إلى الخلف، خاصة في مناطق ارتبطت به شخصياً.

لهذا قاتلت جاور بصلابة أمام  أعتى حملتين سوفيتيتين على باكتيا خلال نصف عام فقط. بينما جاجي كانت تستسلم حتى قبل أن تصل إليها قوات العدو ويقوم مقاتلوها بسلب القاعدة ونهب محتوياتها والفرار إلى باكستان. ولذلك أسباب أهمها ضعف عنصر القيادة المتمثل في سياف الذي كان رجاله يصفونه بأنه (مداري) أي ممثل أو نصاب!!. ولم تتحول جاجي إلى قلعة إلا عندما قاتل فيها العرب معركتهم عام 1987 (بقيادة بن لادن( فكانت هي المرة الوحيدة في الحرب الذي تظهر فيه منطقة جاجي كقلعة حصينة أمام العدو. .. وذكرنا أن باكستان تركت مجالها الجوي مفتوحاً أمام الطيران السوفيتي كي يقصف مواقع المجاهدين في جاور لأكثر من ثلاثة أسابيع متصلة ليلاً ونهاراً بدون اعتراض عملي أو حتى شفوي.

كما قصف الطيران مراكز للمهاجرين الأفغان داخل الحدود الباكستانية ومناطق أخرى في العمق يعتقد أنها مراكز مهاجرين. أما دفاعات جاور الجوية، فقد زودها (محمد يوسف) بمدفع أرلكان واحد من عيار(20 مليمتر) وليس ثلاثة مدافع كما فعل في جاجي إضافة إلى أربعة رشاشات زيكوياك عيار 14.5 مليمتر ومدفعي دوشيكا عيار 12.7 مليمتر . وهذا الأخير ليس له أي قيمة في مواجهة الطيران فيما عدا الهليكوبتر القريب.

والغريب أيضاً أن الدفاعات الأمامية قد تدخل (يوسف) لأخذ زمامها في يده. وكان يحدث ذلك كمقدمة ضرورية لكل كارثه تحل بالمجاهدين حين تتولى المخابرات الباكستانية العمل الحيوي في معركة عسكرية. فالمجموعات الأمامية لم يزودها (يوسف) بأي جهاز اتصال لاسلكي صغير لتسهيل الاتصال بين المجموعات المتناثرة.

لأجل ذلك كان على تلك المجموعات أن تعمل بإحدى طريقتين:

إما أن تتوزع في كمائن كما هو مفروض ولكنها في هذه الحالة سوف تفقد الاتصال فيما

بينها لعدم وجود أجهزة اتصال. وبذلك تنعدم السيطرة على القوات أو أنها تتجمع وتتكدس كلها في مكان واحد فيضعف تأثيرها على العدو وتتزايد نسبة خسائرها في الأفراد.

فالعدو ما أن يحدد مكان ذلك الجيش الصغيرحتى يصب عليه حمم المدفعية والصواريخ وفي ظرف دقائق  تكون الطائرات فوق رؤوسهم فتذيقهم الأمرين. وقد  أشار يوسف في كتابه إشارة غامضة إلى تلك المأساة حين قال بأن: (حقاني كان يتولى قيادة القوات كلها نظرياً أما عملياً فإن كل قائد سوف يخوض معركتة مستقلاً). إن المساحة الفعالة في جاور لاتتجاوز كيلومتراً مربعاً. ولنا نتخيل تأثير هذا القصف الجوي الذي لم يسبق له مثال على تلك الرقعة الضيقة من الأرض ولمدة ثلاثة أسابيع متصلة.

 

صمتت جاور .. والروس لايتقدمون !!.

الإسراف المبالغ فيه في استخدام القوة هو جزء من العقيدة القتالية للسوفييت (الروس). لقد سكتت أخيراً مدفعية جاور وأصبحت القاعدة شبه خالية ولكن السوفييت لا يتقدمون؟.. لأنهم يعلمون أن عملية التقدم في الممرات الجبلية الضيقة نحو جاور هو النقطة القاتلة في العملية كلها.

وكان من المفروض أن تكون خسائرهم الرئيسية هي خلال تنفيذ تلك الجزئية. وبدلاً عن ذلك إذ مجموعات المقدمة والأجناب التي يديرها جواسيس باكستان من رجال الاستخبارات تنسحب.. ولكن السوفييت أيضاً لا يتقدمون!! فيقوم مجهول.. بتوجيه الدعوة لهم بالتقدم عبر جهاز اللاسلكي فيتقدم الجيش الأحمر نحو القاعدة.. فيستولي على ما تبقى بها من حطام..

ويدمر ما يدمر من مغارات. ويبث الألغام على عجل هنا وهناك. ثم ينسحب فجأة قبل أن يكمل يوماً في القاعدة… وهنا أيضا لا يلاحقه أحد، ولا يبث الألغام في طريقه أحد، وكان من السهل قفل الباب خلفه وإفناء تلك القوة التي احتلت جاور.. ولو تحقق ذلك لخرج السوفييت من أفغانستان بهزيمة، بل بفضيحة عسكرية.

وهو ما بذلت أمريكا وعملائها قصارى جهدها لمنع حدوثه، حفاظاً على كرامة السوفييت حتى لا يتصرفوا بعصبية زائدة فتضطر أمريكا للتورط معهم في مواجهة لا يستطيعون عليها بغير الأسلحة النووية، أمام قوة برية متماسكة وقوية مثل الجيش الأحمر. كما أن أمريكا ساعدت السوفييت خوفاً من انبعاث مارد إسلامي من القمقم الأفغاني، ومايعنيه ذلك من انتهاء السيطرة “الصليبية اليهودية” على العالم.

ـ لقد كانت معركة (جاور) أول خيانة باكستانية (أمريكية) للمجاهدين استطعتُ أن أرصدها في أفغانستان وإن كنت لم أفهمها بوضوح كامل إلا في وقت متأخر. أما الخيانة الأخرى بعد ذلك بعشرين شهراً عندما فتحت باكستان الطريق إلى خوست خلال مناطق (زدران)الجبلية فكانت الخيانة واضحة تماما حتى أن بعض المتورطين فيها قالوها لنا صراحة (هذه أوامر باكستان).

فكانت صدمة لنا أن نعرف أن (أوامر باكستان) تقضي بتدمير المجاهدين بهذه الصراحة الوقحة.

– وأخيراً دخلت القوات الشيوعية إلى جاور مساء السبت(19/4/86). كانت صدمة قاسية على الجميع، خاصة حقاني الراقد فوق فراشه بحروق النابالم . والذي يأتي إليه طبيب عربي من مستشفى ميرانشاه كي يضمد له جراحه فی غرفة ضيقة مثل خلية النحل لا تخلو معظم النهار من الوفود.

في صباح الأحد تأكد الخبر لدى الجميع. (دخلت الحكومة إلى جاور) هكذا تناقل الناس الخبر في (بازار) المدينة، وهم بين مبتئس مصدوم أو شامت يخفي مشاعره بصعوبة. ذهبنا لزيارة حقاني لمعرفة الوضع الحالي وكان قد أخبرني قبل سقوط جاور بيوم واحد أن (الوضع سيء) فما عساه أن يقول الآن؟. أنهى حقاني اجتماعه مع حوالي عشرين من رجاله الأقوياء وقادة مجموعاته وكأنه كان يجهز للعمليات القادمة لما بعد سقوط جاور. بعد ساعة من الانتظار جلست معه على انفراد كان متماسكاً وصريحاً كعادته، قال لي مباشرة: (لقد دخل الروس إلى جاور.. إنها هزيمة)..لم أوافقه على ما قال، وقلت له بتأكيد:

( بل هم هزموا لأن خسائرهم كانت كبيرة جدا وأكبر بكثير من خسائر المجاهدين.  كما أن في استطاعتنا حصارهم وإبادتهم في جاور،هذا المكان سيكون بمثابة مصيدة الموت.. لن يستطيعوا إمداد قواتهم في جاور عن طريق الجبال، فالمجاهدون أقدر على القتال في تلك المناطق وإبادة أي قوة تتحرك فيها.. والإمداد بطائرات الهيلوكبتر يمكن منعه لأن الجبال عالية ويمكن ضرب الهيلوكبتر عند انخفاضها ومحاولتها الهبوط في جاور. إن حصار جاور و إبادتهم فيها أمر ممكن جداً، لقد أخذوا جاور بثمن باهظ جداً وهذا يكفينا كقوات عصابات تواجه جيش عسكري. ومعروف لدى الجميع أن من المستحيل لنا الاحتفاظ بمواقع إذا صمم الجيش على دخولها ولكن المطلوب من المجاهدين في هذه الحالة إيقاع أكبر خسائر في صفوف الجيش  المتقدم وقد فعلوا ذلك. أما بقاء العدو في جاور فسوف يكون كمن حفر قبره بيديه، فيمكننا إبادتهم هناك..)

واقترحت على حقاني كتابة بيان بهذا المعنى لطمأنة المسلمين حتى لاينتابهم اليأس مما حدث. فوافق حقاني واتفقنا أن أقوم بصياغة البيان وأن أعرضه عليه عصراً لمناقشته النهائية، وإقرار صياغته قبل أن أقوم بتوزيعه على الصحف وإرساله إلى صحيفة الاتحاد التي أعمل بها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

عرب يبشاور في الطريق إلى جاور :

لم يتصل بي حقاني في الوقت المتفق عليه وكان السبب هو وصول الدكتور عبد الله عزام وبصحبته 35 شاباً عربياً قدموا من بشاور لتحرير جاور!! .لقد شبهتهم وقتها بالمقاومة الشعبية التي نعرفها في مصر. وهي ذلك النوع من (القوات) التي تشكله الحكومة عندنا في مواكبة كل هزيمة في حروبها مع إسرائيل. وقوات المقاومة الشعبية تلك يتمثل أقصى مساهماتها في المجهود الحربي للدولة بتلك الصيحات المدوية والتي يطلقونها ليلاً في عبارة شهيرة تقول (طفي النور)!!.

كان الشباب العربي الذين قدموا، لا يعرفون المنطقة ومعظمهم لم يتدرب كلياً أو جزئياً، وليس لديهم أية فكرة عما يحدث هنا سوى أن جاور سقطت وأن الدكتورعبد الله عزام  قد استنفرهم للقتال وأحضرهم إلى هنا.

ولا أنكر أن تلك الطريقة في العمل كانت تفقدني رشدي . كنت أعتبرها (مظاهرات لتوريد القتلى وزيادة عدد الشهداء والمصابين). لذلك لم أذهب إليهم ولم أقابل الدكتور عبدالله بل ذهب إليه أبوعبيدة العراقي وأبوصهيب المصري الذي وصل مؤخرا .

وعرضوا على الدكتور عبد الله تكوين مجموعة لمهاجمة المطار بالصواريخ، وطالبوا بسيارة

(بيك آب) يضعون عليها راجمة، ولكن مساعدو الدكتور عبد الله طالبوا (بمعلومات وافية) عن ( مجموعة خوست)، وهو اللقب الذي أطلقوه على مجموعتنا- لكنهما رفضا ذلك الشرط.

وقررنا العمل منفردين وبطريقتنا الخاصة.  وفي يوم الاثنين ( 21/4/86 ) طلب الدكتور عبدالله أن يأخذ أفراد مجموعتنا ويتوجه بهم إلى جاورعلى أن يكون عبدالرحمن المصري وأبوعبيدة العراقي أمراء على مجموعتين للشباب العرب. عقدنا اجتماعاً لمجموعتنا في بيت للضيافة خصصه حقاني للعرب في ذلك الوقت. وخصصناه فقط للمجموعة العاملة في خوست. ناقشنا هناك ضرورة أن يكون عملنا ضد المطار فقط. أما الهجوم على جاور فإن هناك عشرات أو مئات من المجاهدين قادرون على أداء المهمة خير منا.. بينما المطار لا يتوجه إليه أحد رغم خطورته على سير العمليات.

كنا جاهزين للحركة ولكن لم نستطع العثور على سيارة كي تنقلنا إلى منطقة (باري) حيث مركزنا الرئيسي للعمل ضد المطار.عند العصر سمعنا انفجارا ضخما من مسافة بعيدة. صعدنا إلى سطح البيت فشاهدنا سحابة ضخمة من الدخان تتصاعد إلى السماء من اتجاه جاور.

تحيرنا في تفسير ما حدث وخمنت وقتها أن العدو قام بتدمير ذخائر عثر عليها في  جاور.. ولكن لماذا لم يسحبها خارج القاعدة؟.. أو يستخدمها للدفاع عن جاور إذا كان ينوي الاحتفاظ بها؟.. وشككت وقتها في أن العدو قد لا يمكث في جاور طويلاً. أسعدتني الفكرة ولكن أزعجني أن يفلت العدو، فقد كنت على قناعة تامة بأنها مصيدة الموت، وأن القوات الشيوعية في جاور ينبغي ألا تخرج سالمة.شاعت بين الناس أنباء متضاربة حول جاور. بعضهم قال أن المجاهدين ما زالوا هناك  وآخرون قالوا بأن العدو تركها.

في صباح الثلاثاء (22/4/86) أرسل الشيخ حقاني دورية استطلاع من خمسين رجلاً ومعهم جهاز لاسلكي كي يأتوا بالخبر من (جاور). اتصلت المجموعة وقالوا أنهم وصلوا إلى(جاور) وأن القوات الشيوعية قد انسحبت من هناك. وأن أفراد المجموعة خائفون من الألغام. فأمرهم حقاني باحتلال رؤوس الجبال وألا يدخلوا القاعدة حتى يتم تطهيرها من الألغام بواسطة مجموعة خاصة سوف يرسلها فيما بعد. وعلى الفور أصدر حزب إسلامي حكمتيار بياناً وزعه على وكالات الأنباء أنهم قد طردوا الجيش السوفيتي من قاعدة جاور وقاموا بتسليمها لحقاني!!. أثار الخبر حنق حقاني وثار رجاله لأن الخبر كاذب ويطعن في رجولتهم.. ولكن الأزمة مرت بسلام ولكنها أضافت نقطة سوداء أخرى لصحيفة العلاقات بين الطرفين التي بالكاد توجد فيها نقاط بيضاء.

 

 

صفحات من سجل العرب في جاور :

ـ ننقل الهوامش الثلاث التالية عن كتاب (صفحات من سجل الأنصار العرب في أفغانستان) الجزء الأول الإصدار الثاني، للأخ الزميل باسل محمد، وهو الكتاب الوحيد حسب علمي الذي حاول أن يضع تأريخاً للتواجد العربي المصاحب للجهاد الأفغاني. والكتاب طبعته لجنة البر الإسلامية السعودية عام 1991م ــ 1412هـ . وهذا بعض ما کتبه عن معرکة جاور:

(1) يقول أبو الحسن المدني ـ وائل جليدان ـ : كنت أول من شهد تلك المعركة من الإخوة العرب.. فبعد أن سمعت بالهجوم ذهبت إلى هناك فوجدت الأخوين أبا حنفي وأباعبيدة اللحام المصري في ميرانشاه فاصطحبتهما معي إلى هناك ومعنا د.عبدالقدوس الأفغاني على أمل أن ننقل الجرحى من المعركة إلى  المستشفيات. لحظة وصولنا وجدنا ثلاثة كهوف دمرت على من فيها من المجاهدين وكانت الساعة الخامسة عصراً، حاولنا حفر منفذ للمحاصرين تحت الركام… مضت نصف ساعة وإذا بأحد المجاهدين يصيح من أعلى الجبل .

جاءت الطائرات فسألنا: أين نذهب؟ قالوا ادخلوا هذا الكهف. فدخلنا . وكان الرابع الذي يلي الثلاثة المتهدمة، ومن هناك رأينا سلسلة طويلة متصلة على مد النظر من طائرات سوخوي25 .. كانت الطائرة التي ترمي حمولتها لا ترجع.. تأتي ثانية غيرها.. وهكذا… وبعد القذيفة الثالثة دُمّر نفس الكهف الذي دخلناه.. كانت الساعة الخامسة والنصف، وكنا داخل الكهف سبعة‌ ـ أنا وأبوعبيدة اللحام ود.عبدالقدوس الأفغاني والممرض سلطان الأفغاني، وثلاثة إخوة آخرين من المجاهدين الأفغان. كنا مع كل قذيفة ندفن تحت الأرض أكثر.

ولم أعرف معنى الظلام الدامس في حياتي إلا في هذا المكان. في الساعة السادسة وعشر دقائق، أي بعد أربعين دقيقة من الاحتجاز جاءت آخر طائرة وآخر قذيفة، لتفتح لنا في بوابة الكهف كوة.

فكانت لنا طريقاً إلى النور من جديد. ( ويتابع أبو الحسن ) كان أول ما فكرنا فيه بعد خروجنا هو الشيخ جلال الدين فقد كان معنا في الكهف الذي يلينا، ولكنه قبل القذيفة الثالثة التي دفنتنا، ذهب خلف جبل حجري صغير واحتمى هناك.. ذهبنا نبحث عنه فوجدناه محروقاً… والإخوة الذين معه محروقين أيضاَ. والضابط الذي معهم مصاب إصابة بليغة جداً، ظلوا أول نصف ساعة بعيداً جميعاً عن القصف. ولكن إحدى القنابل نزلت خلف هذا الجبل الصغير بالقرب منهم، فدفعت الشيخ جلال بقوتها دفعة عالية ليسقط وسط النيران، وسرعان ما رمى أحد المجاهدين نفسه داخل النار ليخرج الشيخ جلال بينما استشهد الضابط الذي كان معه.

 

صدمة السوخوى !!

(2) ويتابع أبو حفص المصرى (النائب الثاني لأسامة بن لادن فيما بعد ) :

.. في بداية المعركة كان القصف يستمر طوال اليوم ولكنه أصبح بعد ذلك طوال النهار وطوال الليل.. فإذا توقفت الطائرات تبدأ المدفعية. وكانوا راصدين المواقع كلها رصداً دقيقاً جداً جداً.. وكانت طائرات السوخوي والقنابل الباراشوتية تستخدم لأول مرة.. وكانت الحكومة مصممة على الوصول إلى جاور بشكل عجيب.. وفي بداية المعركة أصيب الشيخ جلال.. وردم الكهف على أبوالحسن فنزل فيما أظن إلى ميرانشاه. ونحن أتينا بعده بخمسة أيام. وأثناء المعركة جاء أسامة وشفيق رحمة الله.

– { أسامه ازمراى اختطفته امريكا من دولة أسيوية و اتهمته بالاشتراك فى عملية تفجير مبنى التجارة العالمي في عام 1993م ـ وهو سعودي الجنسية من أصل اوزبکي ـ شارك في معرکة جاجي 1987 و معرکة جلال آباد 1989.

شفيق المدني، سعودي من أصل باکستاني، استشهد في معارك جلال آباد ضمن مجموعة اسامه بن لادن}.

كان بعض الإخوة الأفغان على موقع (دوشيكا) فحصل عليهم قصف شديد تركوا المدفع بسببه. فطلع أسامة وشفيق واستلموه واشتبكوا مع الطيران.

لكن بقية الإخوة العرب الذين وجدوا لم تكن لهم مشاركة وظلوا داخل الأنفاق ومنهم أبوحنفي الونش والأخ عامر.. وكان الأفغان قد منعوا أحداً من الدخول لأن المعارك شديدة جداً.

ودمرت كل مواقع الأسلحة المضادة للطائرات تقريباً. وأصيب أبوعبيدة بعد عدة أيام من القتال إصابة لم تكن خطيرة.. فوقتها كان لدينا شبه خندق مفتوح الجانبين نختبئ فيه من الطيران والقصف.. وفي تلك المعركة كان الجيش الباكستاني يشارك مشاركة فعلية.. فأتى عقيد باكستاني ومعه نقيب مظلات وأربعة ضباط صف يريدون أن يجربوا صواريخ (بلوبايب) البريطانية لأول مرة.. فاختاروا موقعنا نفسه وجلسوا فيه.. وكانت أسوأ تجربة..ضربوا تسعة صواريخ تقريباً فما أصابوا أي طائرة, لكن الموقع قصف بسبب ذلك قصفاً مركزاً.. أصيب أبوعبيدة على إثره، فحملته وأنزلته إلى المستشفى بالأسفل، ثم صعدت مرة أخرى،  واشتد القصف.. وحقيقة أنا لم أشاهد في كل أفغانستان قصف طائرات مثل ما شهدته في جاور في الدقة والكثافة. ففي يوم من الأيام جلست أحصي الطائرات فبلغت في فترة وجيزة 84 طائرة كانت تأتي وراء بعضها.. تقصف وتعود. وكانت المشكلة التي تقابلنا في طائرات السوخوي التي كانت دقيقة جداً في الرمي وقادرة على الانخفاض إلى مسافة قريبة جداً دون أن تتأثر بالمضادات.. حتى أصيب المجاهدون بحالة من اليأس.. وعلى هذه الحال حتى قبل دخول القوات إلى جاور بيوم أو يومين، ولم يصب موقعنا طوال ذلك من فضل الله إلا في هذا اليوم. حينما كان النقيب الباكستاني يصور طائرات السوخوي وهي تتحرك فوقنا.. وفجأة سقطت قذيفة في وسطنا تماماً، كنت أقرب واحد منها فدخلت في الموجة الانفجارية، ولكنني كنت مرتفع قليلاً عنها، وأحسست كأن خناجر دخلت في ظهري حتى ظننت أنني قتلت حتماً.. ولكن وجدت نفسي بعد ذلك لا أزال أتنفس.. فتحاملت ونهضت وكان القصف لا يزال مستمراً، ذهبت أبحث عن أحد يحملني… دخلت الغرفة التي نحتمي فيها فوجدت كل من فيها قد أصيبوا إصابات أشد مني. واحداً قُطِعَتْ رجله وآخر مصاب في رقبته.. وكلهم في حالة إغماء.

الأفغان والباكستانيين الأربعة الرقباء، والنقيب الباكستاني أصيب أيضاً وطار مع بداية الانفجار في الهواء.. ولم يكن غيري من يستطيع أن يتحرك ولا كان أحد يستطيع الصعود إلينا أصلاً.. مشيت إلى  الخلف حيث كان لنا بغل نحمل عليه الذخائر فوجدته مقصوماً نصفين هو أيضاً.. فقلت لنفسي؟ أتوكل على الله وأعتمد على قوتي الجسمانية.. وكنت وقتها قد أصبت بحالة شديدة جداً من اللامبالاة.. فأثناء نزولي أتت بعض الطائرات وقصفت… وكنا قد أصبحنا نتيجة الخبرة في المعارك نستطيع أن نعرف مكان سقوط القذائف وهي في الجو.

فلما رأيت الطائرة تقصف أحسست أن القذائف ستأتي على نفس مكاني، وسبحان الله كانوا 6 قذائف.. فقلت لا داعي لأن أنبطح أو أتوارى فالموضوع انتهى خلاص. لكن القذيفتين اللتين نزلتا أمامي مباشرة لم تنفجرا، والأربعة الأخرى التي نزلت أعلى مني انفجرت كلها، ولكني لم أصب بأي شيء.. وتابعت النزول.. وكانت المشكلة أن تأتي سيارة لتأخذني، لكن أخاً أفغانياً لما علم أنني أصبت وكان من أعز أصدقائنا جازف بنفسه ودخل (جاور) بسيارته تحت هذا القصف ونقلني إلى مستشفى ميرانشاه..( إ هـ ) ص 176 من نفس المصدر السابق..

 (3) … وفي مقر الحزب الإسلامي في ميرانشاه بايع الجميع (العرب المستنفرون) الشيخ

 عبدالله عزام على القتال، فسمَّانا وقتذاك (كتيبة الغرباء…) … كانت معنويات الذين نفروا طيبة جداً، وكان الإخوة في شوق لدخول الجبهات، لكن الشيخ جلال لم يسمح لنا بذلك وكان يقول(الخطب جلل، لا تستطيعون تصور الحكاية..) هكذا يفتتح أبو هاجر أمير مكتب الخدمات وقتذاك سجل ذكرياته المرهفة عن هاتيك الأيام فيقول:

أبقونا ثلاثة أيام جالسين هناك استفدنا منها بتنظيم دروس للإخوة حتى نمتص انتظارهم. وفي ذلك اليوم سمانا الشيخ عبدالله (كتيبة الغرباء)، وقال: سميناكم كذلك لأنكم غرباء، وهذه أول مرة نخرج فيها بهذه الكثافة، وأول مرة يأتي العرب دفعة واحدة لمناصرة الأفغان. فكان للكلمة وقع في نفوس الإخوة، وأعطوا الشيخ عبدالله بيعة على الجهاد، ولكن بعض الناس فهمها على أنها بيعة على الموت فقلنا لهم:

(لا يا إخوة بيعة الموت معناها الاّ ترجعوا أبداً فإما أن يظهركم الله على عدوكم أو أن تقتلوا في سبيله…). وأخيراً قرابة العاشرة ليلاً وصلنا (جهاد وال) { معسكر تابع لجماعة حكمتيار ويقع خلف جاور على مسافة عدة كيلومترات} وابتدأ الليل فيها، وفي الصباح وصل حكمتيار وقال بأن القوات انسحبت من المنطقة وتراجعت إلى الخلف، وأن وجودكم هنا لم يعد له داع.. ( وجزاكم الله خيراً وأحسن إليكم.. فارجعوا).وبالفعل قرر الشيخ عبد الله عزام أن يرجع بنا وأعلن ذلك، لكننا تضايقنا، وتضايق أبوعبدالله (أسامة بن لادن) وأبو البراء وكل الشباب وقالوا:

المفروض حتى لو انسحبوا أن نطاردهم على الأقل أو أن نتقدم قليلاً..لكن الشيخ عبدالله قال لهم ( إن شاء الله تكونوا مأجورين..وقفلة كغزوة.. ثم نصب لنا علامات وقال لنا ارموا عليها.. فجعل كل منّا يتدرب على الرمي .. عدنا بعد ذلك تنفيذاً للأوامر، ووصلنا إلى ميرانشاه.. وانحلت كتيبة الغرباء.

 

فوضى في كتيبة الحُمُّصْ :

وهنا لا يفوت الأخ أبا هاجر أن يسجل بعضاً من مشاهداته المتميزة أيضا .. فيقول: بعد إصرار العرب على المشاركة تقسمت المجاميع، وحمل كل واحد ما يشتهي من الأسلحة.. وملأ الإخوة جيوبهم بالزبيب والحمص على أساس أننا مقبلون على معركة.. لكن الإخوة أكلوا ما في جيوبهم خلال الطريق حتى انتهى أكثره قبل أن نصل إلى العدو. فسماها البعض كتيبة الحمص. ولما صدر الأمر بالعودة، وما أن رجع الإخوة إلى ميرانشاه حتى انتهى الجهاد كفرض عين..وسارع كل منهم نحو أقرب فلاينكوتش (باص متوسط الحجم) متجه إلى بشاور بعد أن رمى سلاحه كيفما اتفق في مضافة الشيخ حقاني، الأمر الذي ضايق الأفغان جداً.

هل هذا السلاح للاتحاد أم للحزب أم للشيخ حقاني؟ تداخلت جميعاً، وضاعت بعض قطع منها، فاضطر حكمتيار إلى كتابة كتاب يتحمل فيه ما فُقِدْ ويعفينا من المسئولية!.

ويضيف أبوهاجر.. وهكذا، وللأفعال الظريفة التي فعلها إخواننا في تجربتهم الجماعية الأولى هذه سميناها بكتيبة الظرفاء!!..”إ هـ” نفس المصدر ( كتاب سجل الانصار العرب ) .

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 

حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 15 }

 




حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 14 }

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 14

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 164 ) | صفر 1441 هـ / أكتوبر 2019 م .                     

16/10/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(14)

طائرة تصيب حقاني بقذيفة نابالم أمام مغارات جاور، فيسقط وسط النيران، لينقذه حارسه الشاب (علي جان).

– لولا اختراق حقاني للحصار والوقوف إلى جانب رجاله لسقطت جاور بسهولة.

– عندما أوشك أبوعبيدة البنشيري ( نائب بن لادن فيما بعد) أن يستسلم للقوات السوفيتية بسبب ضابط باكستاني.

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

 

شتاء 1985 ــ 1986 :

مازال الثلج يكسو جبال باكتيا. وجارديز الأكثر ارتفاعًا والأقسى برودة تعرضت لهجوم صاروخي مفاجىء على المطار وقاعدة عسكرية أخرى فتم تدمير أربعة طائرات هيلوكبتر ومقتل عشرات من العسكريين. كانت مفاجأة كاملة لم تحدث قبلًا في مثل هذه الظروف  الجوية فالثلج عدو تقليدي للمجاهدين كما إنه صديق تقليدي للسوفييت.( كان الشهيد إسماعيل شقيق حقاني هو المسؤول عن قطاع جرديز في ذلك الوقت. وقد نجح إسماعيل فى إبقاء جبهته نشطة وصامدة. فلم ينجح السوفييت في اختراق جبال ستي كندو وعبورها إلى خوست من خلال طريق زدران).

بعد المعارك التي انتهت في سبتمبرالماضي بدت باكتيا كما لو أنها في حالة ركود مؤقت أو تحضير لجولة جديدة. وهو ما حدث بداية شهر إبريل أي بفارق ستة أشهر فقط عن الحملة الكبرى السابقة فبدأت حملة أشد وأعنف ولكنها أكثر تركيزًا… ليس الهدف الآن هو عموم الولاية أو فتح طرقها الرئيسية والسيطرة عليها أو فك حصار خوست.. الهدف من حملة هذا العام (جاور)  و”جاور” فقط… لماذا ؟… كانت حملة السوفييت ضد جاور توصف وقتها بأنها أعنف حملات السوفييت منذ احتلالهم أفغانستان. وعقيد الاستخبارات محمد يوسف ذكر في كتابه فخ الدب بأنها كانت واحدة من أشرس معارك الحرب.  كما ذكر محمد يوسف في كتابه فإن (جاجي) كانت تعتبرأكثر أهمية باعتبارأن 40% من إمدادات المجاهدين كانت تمر منها. فلماذا لم يخصص السوفييت ضد جاجي حملة مماثلة ؟.. وحتى حملتهم في العام التالي (87) ضد جاجي لايمكن مقارنتها بحملة (جاور).  فحملة جاجي في عام 1987 كانت حملة سوفيتية ضد العرب هناك الذين تجمعوا حول أبو عبد الله (أسامة بن لادن ) في أول بداياته للعمل العسكري في أفغانستان.

الأهمية غير العادية التي اكتسبتها (جاور) ليس كونها قاعدة تحمي منفذاً للعبور، كما هو وضع (جاجي) ولكن الأهمية الحقيقية تكمن في كونها (قاعدة) فعلية لعمليات نشطة للغاية ومؤثرة في كل منطقة خوست.( كانت نموذجا مثاليا للقاعدة الخلفية في حروب العصابات).

وقد أكسبها حقاني بحيويته وخبرتة العسكرية ومكانتة الدينية خطورة مضاعفة، خاصة وأنها مقر قيادتة الرئيسية لكل نشاطاتة في باكتيا. وكانت نشاطاتة تمتد شمالاً إلى جارديزعاصمة الولاية وله بالقرب منها قاعدة (سيرانا)، التي تعتمد في إمداداتها على جاور في خوست. ويمتد نشاط حقاني شرقاً إلى (جاجي ميدان) بالقرب من منفذ جاجي كما يمتد غرباً إلى مدينة (الأورجون) عاصمة باكتيكا.

وأخطر الاحتمالات وراء نشاطات حقاني هو تهديده لمدينة خوست ذات الأهمية الاستراتيجية والسياسية. فالرجل هو المُنفِّذ والمُحرِّض الأول لعملية الحصار ثم عمليات (القضم) لأطراف خوست، وتهديد طرق التهريب إليها. أما الطريق الواصل إلى (خوست) من (جارديز) عاصمة الولاية، فهو الوحيد من الطرق الحيوية في الدولة الذي لم تطأه قدم جندي سوفييتي، (كان ذلك في ظني أحد الدوافع الرئيسية لحملة شتاء 87/88 لفتح ذلك الطريق ودخول السوفييت برياً إلي خوست).

وأعتقد الآن بعد إنقضاء هذة الأحداث بسنوات، أن هدف السوفييت الرئيسي كان القضاء على دور حقاني وقاعدته ذات النشاط الحيوي في  كل ولاية باكتيا فائقة الأهمية، وتهديده لمدينة خوست، التي يعتبر أمنها جزءً لايتجزأ من أمن النظام الحاكم. أما الاستيلاء على قاعدة جاور بشكل دائم فهو أمر لا أظنة خطر على بال السوفييت، لأن البقاء فيها والدفاع عنها وعن طرق إمداداتهم إليها بريًا او حتى جويًا سوف يكون أمرًا عسيرًا بل مستحيلاً.

ولكن الشيء الذي ورد على أذهانهم  وحاولوا تحقيقة هو الاستفادة السياسية من ذلك الانتصار التكتيكي المؤقت ورفع معنويات الشيوعيين الأفغان، ثم تحقيق موقف تفاوضي أفضل في مفاوضات جنيف المقررة في مايو 86.

شيءٌ آخر أراه الآن في معركة (جاور) ولم يكن واضحًا لديّ وقتها وهو الاحتمال الكبير لتواطؤ باكستاني، بأوامر أمريكية بالطبع، لترك السوفييت يحصلون على بعض  المكاسب الدعائية والسياسية تقوي مركز جورباتشوف عند اتخاذه لقرارت تراجع كبيرة في أفغانستان وربما في مناطق عالمية أخرى. صحيح أن للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو قد أقرت في ديسمبر الماضي مبدأ الانسحاب من أفغانستان، ولكن كرامة الجنرالات السوفييت تحتاج إلى الكثير من المداهنة. فالجيش هو العمود الفقري للنظام هناك. والمساس بكرامة الجيش في أفغانستان وعدم تمكينه أن يتخلص (بشرف) من ورطته هناك قد تؤدي إلى انقلاب في الكرملين وظهور خط متشدد يدعم جنرالات الجيش الأحمر وهو ما تعرض له جورباتشوف فعلاً في أغسطس 1990.

 

 

ومن الدلائل التي قد تكون دليلًا على التواطؤ ما يلي :

1ـ أن الجيش الباكستاني لم يدافع عن أجواء بلاده وأراضيها رغم أنه أثناء معركة جاور، وقبلها بقليل دفع نحو الحدود بقوات إضافية ووضع بطاريات صواريخ (كروتال) مضادة للطائرات قريبًا من الحدود بشكل ظاهر للمارة. ومع ذلك اخترقت الطائرات السوفييتية الأجواء الباكستانية في المنطقة مئات المرات، بل كان خط هجومها الأكثر استخدامًا ضد جاور يأتي من داخل أراضي باكستان نفسها. وهي الجهة الصديقة التي لا يتوقع المجاهدون هجمات جوية من طرفها. كما أن أسلحتهم المضادة للطيران في مواقعها الثابتة على قمم الجبال لم تكن مهيأة للتعامل مع هذا الاتجاه. بعض هذه الطائرات السوفييتية قصفت في عمق الأراضي الباكستانية ولكن لم تصدر أية بيانات رسمية من باكستان، وتكتموا الأمر.

اضطرت باكستان فيما بعد المعركة لتغطية تواطؤها على كرامة جيشها، بأن تمنح حق الدفاع عن النفس لوحداتها العسكرية. فأسقط الجيش الباكستاني فى ذلك العام عدة طائرات سوفييتية. وبعض المصادر أفادتني وقتها أن الطيارين الباكستانيين الذين تصدوا للطائرات الأفغانية والسوفييتية فعلوا ذلك بدون أوامر وجرت معاقبتهم. وهذا مؤكد على الأقل في حادث واحد أسقط فيه طيار باكستاني يقود طائرة (اف16) طائرة سوخوي أفغانية. ومُنِعَ ذلك الطيار بعد ذلك من التحليق في منطقة الحدود ضمن عقوبات أخرى، منها إبعاده إلى محافظة السند.

2ـ  كان الطيران السوفييتي هو السلاح الرئيسي لدى الغزاة في حملة جاور. وكما ادعى (محمد يوسف) في كتابه فإنه كان يعتبر (جاور) و (جاجي) نقاط دفاع أمامية عن حدود باكستان في مواجهة أي محاولة اختراق سوفييتي. ومع ذلك لم تعزز باكستان الدفاع الجوي عن جاور رغم الغارات الجوية التي لم يسبق لها مثيل في حرب أفغانستان والتي استمرت قرابة ثلاثة أسابيع متواصلة بلا انقطاع. يقول محمد يوسف:( لو كانت الولايات المتحدة وباكستان لم تترددا لسنوات طويلة “بتزويدنا” بسلاح فعال مضاد للطائرات لكان من المؤكد “أننا” سنصد الهجوم بسهولة نسبية إن المجاهدين لو كانوا محصنين جيدًا في جاور ومعهم صواريخ ستينجر، لم يكونوا ليهزموا أبدًا ، ليس عندي أي شك في ذلك).

وأقول لو أن محمد يوسف فتح مخازنه وأخرج عدة عشرات من صواريخ (سام7( ووزعها على المجاهدين فوق قمم الجبال لحصل على نتائج لا بأس بها. بدلاً من العمل المضحك الذي قام به ليحفظ كرامته في أعين المجاهدين. فهو يعتبر نفسه القائد الفعلي والميداني للجهاد في أفغانستان. فاضطر كي يغطي تواطؤ حكومته أن يرسل عدداً من ضباطه فوق جبال جاور كي يطلقوا 13 صاروخاً من صواريخ (بلوبايب) البريطانية المضادة للطائرات، التي لم تصب شيئاً ولكن أُصيب الضابط الباكستاني الذي أطلقها، وكوفيء بوسام قلده له ضياء الحق تقديراً لشجاعته. أما عشرات الأرواح التي أُزهِقَتْ في جاور فلم تنل منه سوى تعزية باردة.

3ـ طبقاً لخطة أشرفت عليها الاستخبارات الباكستانية وزعت المهام على باقي مجموعات المجاهدين للدفاع عن (جاور). فبينما حقاني يدافع عن القاعدة ومحيطها القريب، تقوم مجموعات بحماية الطرق الجبلية المؤدية إلى جاور من الشمال (مجموعة يقودها نائب مطيع الله) ومجموعة أخرى تحمي طرق التقدم من الشمال الشرقي وهي من حزب حكمتيار. كل واحدة من تلك المجموعات تمتلك جهازاً لاسلكياً قوياً تحتفظ به في مركزها الخلفي. وهناك جهاز ثالث من نفس النوع موجود في جاور نفسها.

والذي حدث أن كلا المجموعتين قد انسحبتا فجأة من مواقعها بلا أدنى سبب وتركت الطرق إلى جاور مفتوحة. والأدهى من ذلك أن القوات الحكومية والسوفييتية كانت واقفة مترددة عن التقدم لكونها تتوقع مقاومة ضارية من المجاهدين على محاور التقدم الجبلية المناسبة تماماً للكمائن. فإذا بها (أي القوات الحكومية) تتلقى اتصالاً لاسلكياً مجهولاً يحثها على التقدم ويقول( لماذا تقفون هكذا.. إن جاور خالية والطريق مفتوح أمامكم). يقول حقاني الذي أبلغني بالحادث بعد شهر من المعركة بأن هذا الاتصال اللاسلكي قد تم من أحد الأجهزة الثلاثة، ولم يكن بالقطع جهاز جاور. وإذا قارنّا ذلك الحادث الخائن. بعملية سحب قوات المجاهدين من حول طريق (خوست) (جارديز) في الحملة السوفييتية شتاء العام التالي )1977( وبأوامر من المخابرات الباكستانية) كما أخبرنا بذلك صراحة بعض قادة المجاهدين(!!. إذا قارنّا الحادثين نرى التشابه قائماً.. وأن باكستان باعت حقاني في الحالتين لاعتبارات خاصة بالسياسة الدولية.

في النصف الثاني من مارس علمت من حقاني بوجود جسر جوي كثيف ينقل قوات سوفييتية وحكومية إلى خوست. وأن غارات جوية عنيفة ضد(جاور) ومواقع أخرى للمجاهدين قد أوقعت بعض الخسائر. كان وصول الجنود السوفييت يعني حتمية وقوع معارك في المنطقة.

فكتبت إلى صحيفة الاتحاد بأن معارك شديدة على وشك أن تُستأنف مرة أخرى في منطقة خوست. ولكنهم تجاهلوا الخبر، كما تجاهلوا معظم ما أرسلته من أخبار وتقارير مصورة عن حملة جاور. ومع بداية أبريل أصبحت الأنباء أكثر خطورة. حشد العدو قوات كبيرة من بينها كمية لم يسبق لها مثيل من قوات الكوماندوز السوفييتية.

بات واضحاً أن (جاور) وليس أي شيء آخر هي هدف الحملة. ولمع إسم جبل”رغبلي” و هو إسم غير مشهور. فقد دارت معارك دامية بين المجاهدين وقوات الكوماندوز السوفييتية، حيث تناوب الطرفان احتلال الجبل عدة مرات ولأول مرة يحدث قتال قريب بهذا الشكل مع الكوماندوزالسوفييت.غَنِمَ المجاهدون من جماعة حقاني بعض أسلحة الكوماندوز واستولوا على بطاقاتهم العسكرية،وأثار ذلك موجة من الغبطة والحماس في صفوف المجاهدين.ولكن السوفييت إستطاعوا في النهاية السيطرة على (رغبلي) وإحاطة أنفسهم بسياج كثيف من الألغام.

ويعود ذلك النجاح إلى قوة الإسناد المدفعي المستمر الذي لم يترك لحظة للمجاهدين كي يستقروا فوق بوصة واحدة من قمة رغبلي. كان اختيار رغبلي خطوة موفقة للقوات المهاجمة فهو ينتصب شامخًا على استقامة وادي جاور من جهة الشمال على مسافة خمسة كيلو مترات منها تقريباً، وبحيث يكشف معظم التحركات داخل (جاور). وبسقوط (رغبلي) في أيدي السوفييت وقعت جاور في أسوأ ورطة شاهدتها طوال الحرب.

فقد قُهِرَت (جاور) من (رغبلي). وهناك وضع السوفييت عدة قطع مدفعية للرماية على جاور.  وأقاموا نقاط ترصد وتوجيه لنيران المدفعية والطائرات.تولت المدفعية والطيران تحطيم مقاومة جاور وعزلها عن خط إمدادها القادم من باكستان عبر نقطة(صدقي) الحدودية التي تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن جاور. وتم هذا العزل منذ الحادي عشر من أبريل. هذا العزل لم يكن محكماً ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا قامت قوات أرضية بقطع الطريق.

وكان ذلك هدف عمليات (الإبرار الجوي) الذي قام به السوفييت. ولكنهم استخدموا فيه قوات الكوماندوز الأفغانية لعلمهم مدى خطورة العملية، فتلك القوات سوف تكون في وضع يشبه الحصار حتى تلتحم بها القوة الرئيسية الزاحفة صوب جاور من محورين. من الشمال من منفذ ليجاه الذي يصلح لمرور المركبات وهو طريق هيأه حقاني لقواته. ثم منفذ آخر في الشمال الشرقي على بعد حوالي ثلاث كيلومترات شرق ليجاه ويصلح للمشاة فقط.ويمر من بين الجبال ليلتقي بطريق جاور الخلفي وعلى مسافة كيلومترين فقط من حدود باكستان. وهنا تكمن خطورة وضع قوات الكوماندوز المحمولة جواً لأن هناك أعداد كبيرة من المهاجرين الأفغان المسلحين ـ من أبناء المنطقة على استعداد للقتال ضدهم.

والأرجح أنهم سيتمكنون من إبادتهم ما لم تدركهم قوات المشاة الرئيسية بسرعة وبكثافة. وعلى كل حال لقد وقعت قوات الكوماندوز في الفخ وأُبيدت أو أُسرت. وأثبت ذلك (بُعد نظر) السوفييت في توفير رجالهم للعمليات المضمونة!!. أُنْزِلَتْ قوات الكوماندوز (الأفغانية) خلف قاعدة جاور يوم الخميس (3/4/86)، وكان حقاني متواجداً وقتها في بشاور. وعندما سمع بالنبأ توجه (يوم الجمعة4/4/86) إلى قاعدة (جاور) بدون المكوث طويلاً في ميرانشاة. وكان المجاهدون قد أفشلوا يوم الخميس عملية الكوماندوز، بتدمير عدد من طائرات الهيلوكبتر التي حملتهم ، وقتلوا عدداً من ضباطهم وجنودهم في كمين أعدوه مسبقاً في مكان الإنزال.

ولكن عدداً كبيراً من جنود الكوماندوز مع ضباطهم صعدوا عدداً من التلال واستحكموا فيها وخافوا من الاستسلام للمجاهدين وشرعوا في مقاومة يائسة عنيفة. وقد واصل بعضهم التقدم وسط الجبال حتى نزل في قرية جنوب جاور تدعى (خاروق) تفصلهاعن جاور سلسلة جبلية. وقد تمكنت تلك القوات المبعثرة من تهديد طريق جاور القادم من حدود باكستان.لم يكن المجاهدون في جاور على علم بهذه القوات التي قطعت عليهم الطريق من الخلف؛ لعدم وجود أجهزة اتصال لاسلكية تربط مجموعات المجاهدين. ولكن أثناء عبور أحد سيارات التموين القادمة من ميرانشاه، فوجىء السائق بجنود الكوماندوز واقفون على الطريق ويشيرون إليه بالتوقف.

ظنهم في البداية من المجاهدين ولم يصدق نفسه بأنهم من القوات الشيوعية إلا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة، وبعد أن كان قد أبطأ بسيارته قريباً منهم أسرع فجأة بأقصى سرعة بسيارته، بينما تلاحقه طلقات الجنود. وعندما وصل إلى جاور أنذرهم بالكارثة التي حلت بالطريق. فاتصلوا لاسلكياً مع ميرانشاه فاستنفر المجاهدون قواتهم مع متطوعين من المهاجرين وتوجهوا بالسيارات حتى نقطة الحدود في (صدقي) ثم ترجلوا هناك وتقدموا على حذرٍ، حتى وصلوا منطقة الكوماندوز ثم حدث الاشتباك الذي سقط فيه عدد من المجاهدين،ومنهم قائد أول مجموعة  تقدمت منهم وكان يُدعى (أنور) وهو شقيق مولوي عبدالرحمن (إبن عم حقاني) وتمكن المجاهدون من تطهير الطريق وواصلوا حصار ومطاردة الكوماندوز المتبقين في بقاع عشوائية متفرقة. وأثناء ذلك كانت المجموعة الرئيسية الأولى التي حطمت الطائرات كانت ما تزال مشتبكة ومحاصِرة لباقي القوات المعتصمة بتلال المنطقة. وقد اخترق حقاني الحصار وعبر إلى جاور “يوم الجمعة 4/4/1986” وقد ساعد وصوله كثيراً في تماسك المدافعين؛ لأنه كثيراً ما يؤدي الشعور بالحصار إلى حالة من الذعر والفرار الجماعي غير المنظم. كانت جاور وقتها ما زالت تحت قصف جوي ومدفعي نادر المثال، وتماسك الرجال تحت ذلك القصف وفي مواجهة كوماندوز سوفييتي فوق جبل رغبلي (5 كيلومترات) شمال جاور , ثم عملية إنزال وتطويق بقوات كوماندوز أفغانية “على بعد7 كيلومترات جنوب القاعدة” فى ظروف كهذه يكون التماسك مسألة خارقة ما أظنها كانت ممكنة بغير وجود حقاني بنفسه في وسط رجاله في ذلك الوضع المأسوي العسير. ولكن حقاني أُصيب في نفس يوم وصوله كما سنرى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

مصائب بالجملة :

يوم السبت 6\4\86 م,وبعد فشل عملية الكوماندوز, وقعت أشهر مأساة خلال القتال حين انهارت مغارة مخصصة لاستقبال الضيوف إثر إصابتها مباشرة بقذيفتي طائرة. وكانت المغارة محفورة بشكل غير مناسب في جزء منفصل وضعيف من الجبل.

وقُتِلَ في المغارة حوالي ثلاثة عشر رجلاً من بينهم قائد القاعدة الضابط نقيب الله وعدد من قادة المجموعات البارزين و المجاهدين القدماء.ثم تلاه سقوط مغارة أخرى بعد قليل ونجا منها شخصان من بينهما أبوالحسن المدني(وائل جليدان) مدير الهلال الأحمر السعودي آنذاك ثم مدير فرع رابطة العالم الإسلامي فيما بعد.

وظلت معظم الجثث بين الأنقاض حتى بعد إنتهاء المعركة وإنسحاب السوفييت من جاور. وقُتل في المغارة ابن عم لحقاني (زير بادشاه) وهو من أقدم وأشجع مجاهدي الولاية. وبينما إبنه الأكبر إسماعيل يبحث عنه بين الأنقاض إستشهد هو الآخر بقذيفة مدفع. كل ذلك حدث فى يوم وصول حقانى إلى جاور، كانت قذائف المدافع المنهمرة فوق جاور لا تتوقف إلا في فترات الإغارة الجوية.

كان حقاني واقفاً إلى جوار المغارة المهدمة وهو يلاحظ عمليات الحفر بحثاً عن جثث القتلى، وإذا بالطيران يفاجيء الجميع بغارة أخرى ويقصف نفس المكان بقنابل النابالم. إنفجرت إحداها على مسافة قريبة. ونتيجة لموجة الإنفجار فقد حقاني الوعي وسقط وسط ساحة من النيران.

لكن حارسه الشخصي (علي جان) وهو شاب في العشيرنات.. تقدم وسط النيران وجذب حقاني بعيدًا. وكانت النيران قد أمسكت بكلاهما. وتمالك الشاب نفسه بصعوبة حتى لا يسقط هو الآخر مغشيًا عليه كما أخبرني بذلك. تم إطفاء النيران الممسكة بحقاني الذى نقلوه إلى مستشفى ميرانشاه مغشيًا عليه.

وبسرعة انتشرت إشاعة بأنه قُتِلَ. ولكن الإشاعة لم تستمر طويلًا.. فقد أفاق حقاني وتم تضميد جروحه. ولكنه لازم الفراش حتى نهاية المعركة. مولوي (نظام الدين حقاني) نائب جلال الدين تولى إدارة المعركة تحت إرشادات حقاني.

وتحول بيت حقاني في ميرانشاه إلى خلية نحل تستقبل قادة ميدانيين، ورجال قبائل ومهاجرين وقادة أحزاب من بشاور.. ومحمد يوسف ورجاله من الاستخبارات الباكستانية. وكان العقيد يوسف كما يظهر في كتاباته يَعتقد أنه المحرك الأول للأحداث في أفغانستان والباقي ليسوا سوى عرائس خشبية. على كل حال.. وصل العقيد يوسف إلى ميرانشاه في نفس يوم سقوط جاور في أيدي الشيوعيين كما ذكر هو في كتابه..  ( أما فريق الألعاب الباكستانية”البلوبايب” فقد قام بعمله وأُصيب في  يوم الجمعة18/4/86).

قبل سقوط جاور بعدة أيام كنت قد وصلت إلى ميرانشاه عازمًا دخول (جاور) وتغطية المعركة صحفيًا.. والمشاركة ميدانيًا بما يمكن عمله.كان يصحبني عبدالرحمن المصرى الذي كان قد تزوج منذ أشهر قليلة من فتاة أفغانية نشأت في كابول لعائلة أصلها من (جارديز).

أبوحفص المصري وصل أيضاً وبهذا اكتملت (الفرقة الرابعة مطارات) . وبالطبع قفز إلى خواطرنا فكرة ضرب المطار وعرقلة الجسر الجوي الكثيف الذي أقامه العدو في المطار ويستخدمه بلا مضايقات. في البداية زرنا حقاني في بيته وكان قد مضى على إصابته يومين أو ثلاثة وكان منهكًا ويتألم بشدة من حروق أصابت رقبته وصدره وبطنه، كان لا يستقبل سوى أهم الضيوف نظرًا لحالته، لذا لم نثقل عليه، وأخبرناه أننا في الطريق إلى جاور. فأوصانا بالمرور عليه عند العودة كي ننقل له صورة الحال ونناقش معه الوضع.

عند نقطة العبور في (صدقي) لم تقابلنا المشاكل المعتادة من ميليشيات صدقي القبلية المشهورة بسوء الخلق. حتى أن أحدهم لم ينهض ليرى محتويات السيارة، كان الخوف واليأس مسيطرًا عليهم.. فقد تحولوا فجأة إلى نقطة مواجهة مع الجيش السوفييتي!! بعد أن كانوا مجرد نقطة ابتزاز للمساكين من المهاجرين ونقطة إتاوات على المهربين.

مجرى السيل إلى جاور طوله عشرة كيلو مترات تقريبا يتسع في نقطة واحدة حتى يصل الى مئتين متر ويضق في عدة أماكن حتى لايتعدى مترين حيث تشرف عليه كتل صخرية صلدة، إلى الشرق من مجرى السيل توجد عدة مدقات للمشاة يمكن عبورها والوصول الى وادي خوست عبر الجبال أما جاور نفسها فتأتي في نهاية مغلقة لمجرى السيل، ويمكن متابعة السير منها عبر قمم صعبة إلى وادي خوست الذي يبعد عشرة كيلو مترات أخرى ولكنها أكثر مشقة، في هذة الحالة سوف يمر المسافر على جبل رغبلي قبل أن يهبط الى الوادي ويقع رغبلي إلى الشرق لمسافة مئتى متر عن مدق المشاة.

إلى شرق جاور هضبة ترابية ارتفاعها عشرة أمتار تقريبًا وسطحها الأعلى شبه منبسط  طول هذه الهضبة حوالي كيلومتر واحد وعرضها من عشرين إلى خمسين مترًا.في تلك الهضبة حفر حقاني مغاراته.

ويمكن أن نقول أن هذه كانت المسافة الفعالة في القاعدة.. ومنها انبعثت كل نشاطاتها وبالتالي انصبت على رأسها كل تلك المصائب. على الجانب الغربي من الوادي الجاف يوجد جبل صخري مكسو بالشجيرات ويتدرج الجبل في الارتفاع بشكل سريع حتى يبلغ أقصى مداه في قمة ارتفاعها (1850متر فوق سطح البحر) وحولها قمم أقل ارتفاعًا فوق هذا الجبل ركز حقاني عددًا من أسلحتة المضادة للطائرات وإلى جوار كل مدفع حفرة صغيرة مسقوفة تستخدم للمبيت. مع بعض السواتر البسيطة حول المدفع.

إلى الشرق من جاور توجد عدة قمم أقل ارتفاعًا تركزت عليها عدة قطع مدفعية أخرى، منها مدفع مضاد، سويسري الصنع من طراز أرلكان ( 20مليمتر) وهو أحدث وأقوى ما لدى المجاهدين آنذاك ..اشترى المحسنون العرب عشرة مدافع من هذا الطراز(حسب قول أسامة بن لادن).

كان نصيب جاور مدفع واحد وفي جاجي عند سياف ثلاثة أخرى وإثنان لحكمتيار في مواقعه قرب جاجي واستأثرت باكستان بالباقي وهي خمسة مدافع أي نصف الكمية!!.. كانت المدافع المضادة للطائرات تشكل قوسين حول جاور من الشرق والغرب.. في الطرف المسدود للقاعدة توجد أهم أجزائها. حيث مغارة للضيوف، وهي التي أصيبت.

وتقع في الواجهة طرف الشرق. ثم حفرتان للإذاعة، وأخرى للدبابة، واثنتان أو ثلاثة للمهمات. أما إلى الغرب فهناك المطبخ والمخبز، والمسجد القديم الذي استبدل بمسجد آخرعبارة عن حفرة طويلة مفروشة بأفضل ما يمكن الحصول عليه، وعلى واجهتها مئذنة مكونة من تروس متدرجة الأقطار بارتفاع متر تقريباً، مأخوذة من مخلفات المعدات السوفيتية المحطمة .

– وصلنا إلى جاور وشبح المأساة يخيم عليها.. فالقصف الجوي والمدفعي لا يمكن وصفه أو وقفه.. لا يوجد شبر على سفوح الجبال أو الوادي لا يحتوي أثر انفجار القنابل والشظايا الحديدية القاتلة.

لقد استقر العدوّ تمامًا على قمة رغبلي ومدافعه في وادي خوست خلف رغبلي لا يمكن أن تطالها أسلحة المجاهدين، وأسراب الطائرات التي لا تنقطع تبدو كأنها محصنة ضد طلقات مدافع المجاهدين، التي تم تدمير بعضها تمامًا، ويحاول المجاهدون استبدالها بأخرى، ولكن لا جدوى… ولأول مرة أشاهد طائرات (السوخوي 25) وهي تقدم عروضًا جوية في غاية المهارة وكأنها تقدم استعراضًا في(الأكروبات). لقد كان رماة المدافع المضادة للطائرات في وضع لا يحسدون عليه، وكلما أصيب مدفع زاد العبء على الآخرين. والمدفع الواحد تهاجمه ثلاث طائرات مرة واحدة وأحيانا خمسة طائرات. فإذا اشتبك مع إحداها فإنه في ظرف ثوان يكون قد يكون قد تلقى سيلًا من الصواريخ من عدة جهات مختلفة. لقد قتل كثيرون من رماة تلك المدافع الذين قاتلوا ببسالة ليس لها نظيرفي معركة منعدمة التكافؤ.

لم يكن أحدهم يستطيع النوم على الإطلاق، ما لم يهبط من موقعه إلى أسفل الوادي كي ينال قسطاً قصيراً من النوم داخل إحدى المغارات في شبه إغماء، لأنه لولا ذلك الإرهاق الزائد ما کان ليمكنه النوم.

وهذا ما حدث معنا. لم نكن نعبأ بقذائف المدفعية، فهي لن تنفذ إلينا من سقف المغارة على أى حال.. لذلك كنا ننام في فترة القصف المدفعي الذي لا يلبث أن ينقطع لثوان لتأتي نوبة الطيران.. عندها نستيقظ ونمسك قلوبنا بأيدينا حتى لا تنخلع.. فالسقف فوقنا ليس قوياً لدرجة تمكنه من المقاومة، والمغارات ذات أبواب متسعة وتمتد في الجبل مستقيمة ومتعامدة تماماً على الوادي، معنى ذلك أن لها قابلية كبيرة لاستقبال الشظايا القاتلة .

أما إذا سقطت قذيفة على المدخل فإن ضغط الهواء مع الشظايا كفيل بتحويل الجميع إلى كتل من اللحم المفروم والمشوي. القنابل العنقودية التي ترميها الطائرات كنَّا نراها لأول مرة وأُلقيت على أطراف جاور، وفوق جاور نفسها هطلت القذائف الثقيلة حتى ألف رطل وأخرى متشظية، وقنابل تهبط بالمظلات وتلقيها الطائرات من ارتفاع منخفض ضماناً لدقة الإصابة، حتى أن جبال جاور أصبحت مكسوة بحلة بيضاء من تلك المظلات الحريرية الأنيقة.

وصواريخ جو أرض استخدمت بكثرة ضد مواضع المدفعية المضادة للطائرات. عند وصولنا كانت أعمال البحث عن الجثث تحت حطام المغارة ما زالت مستمرة. والكثير من أقارب الضحايا حضروا للبحث عن جثث ذويهم لنقلها كي تُدفَن في ميرانشاه.هؤلاء أيضاً سقط العديد منهم ضحايا في جاور نفسها أو في الطريق إليها بواسطة قصف الطائرات والمدافع.

في أحد مغارات جاور وكانت تستخدم كسجن مؤقت للأسرى وجدنا مجموعة من ضباط الاستخبارات الباكستانية، كانت أشكالهم وهيئتهم مميزة تمامًا عن المجاهدين، وكانوا محاطين بهالة من المجاهدين للترحيب والحماية. كنّا نحاول دومًا ألا نتواجد معهم في مكان واحد..

وكانوا يتعرفون على جنسياتنا كعرب من هذه المعاملة الجافة، إلى جانب ملاحظات أخرى خاصة بالملابس، أما ملامح معظمنا فكانت قريبة من الأفغان. وعندما رأيت صورة محمد يوسف على مقدمة كتابه (فخ الدب) فإنني أظن أنه كان واحد من هؤلاء. ولكنه ذكر في كتابه عن معركة جاور أنه لم يكن هناك وقتها إنما وصل إلى ميرانشاه في يوم سقوط جاور، وأظنه كاذباً في ذلك. وبعد زيارتهم تلك بيوم أو يومين بدأت مغامرتهم الفاشلة مع (بلوبايب).

بلغت شدة القصف على القاعدة إلى درجة أنها جعلت التحرك فيها حتى على الأقدام، عملاً محفوفاً بالمخاطر. أما السيارات القادمة من ميرانشاه فبعضها قد دمرته الطائرات، أربعة سيارات اصطادتها الطائرات في الطريق. لم تكن السيارات قادرة إذا عبرت الطريق أن تدخل جاور  إلا لدقيقتين أو ثلاث عند الضرورة القصوى مثل نقل جريح مثلاً. وعادة كانت تدخل أحد الثنيات الجبلية الضيقة ويترجل ركابها ويسيرون على الأقدام حتى جاور. من نتائج ذلك أن الطعام أصبح قليلاً في القاعدة. وأن عملية طهية كانت صعبة جداً.

فكان يؤكل على حالته التي جيء بها من ميرانشاه سواء كان مطبوخًا أو غير ذلك. الأسوأ من ذلك أن قمم الجبال عُزِلَتْ تقريبًا عن القاعدة في الوادي وأطقم المدفعية في الأعلى أصبح لا يصلهم الطعام إلا نادراً ولا يستطيعون الصعود أو الهبوط إلا بصعوبة. وهي رحلة أصبحت خطرة للغاية قد تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة تشهد خلالها من غارتين إلى خمس غارات للطيران.. سوى قصف المدافع المستمر. قام أبوحفص وأبوعبيدة البنشيرى بتلك الرحلة وعادا كي نجلس في أحد المغارات، نتباحث فيما ينبغي عمله، وكان معنا عبدالرحمن أيضاً. قال أبوحفص وأبوعبيدة أن وضع طاقم المدفع على القمة هو وضع أكثر من مأسوي. فقد استشهد طاقم أو إثنان على نفس المدفع. ومساعد الرامي الحالي استشهد والرامي نفسه جريح وجائع ومنهك.. ناهيك عن كونه الهدف الأول للطائرات التي تهاجمه جماعات من إثنين إلى خمسة طائرات في الدفعة الواحدة. وقد حضر أبوحفص وأبوعبيدة عدة غارات من ذلك النوع أثناء زيارتهما القصيرة وقالا إن المجاهدين يرفضون الصعود إلى الأعلى من شدة الخوف.

وصاحب المدفع لا يستطيع النزول لأنه ليس هناك من يحل محله. وقد صعد إليه إمام مسجد جاور وعدد من طلاب العلوم الدينية كي يشدوا أزره ويقوموا بالدعاء له وطمأنته.. ولكن للأسف ليس منهم من يستطيع استخدام ذلك المدفع. رغم ثباتهم العظيم وشجاعتهم. ولكن لا يستطيعون أكثر من تقديم مساعدات بسيطة مثل إعداد مخازن الذخيرة للمدفع، ومحاولة جلب الطعام والماء للرامي. لقد قام أبوحفص وأبوعبيدة باستخدام المدفع نيابة عن الرامي أثناء مدة زيارتهما القصيرة، ( وصلا إلی جاور فی 11/4/86م )، واشتبكا مع الطيران عدة مرات.

وكان رأيهما أن المدفع أصبح عديم الفائدة أمام هذه الأسراب المهاجمة من الطائرات. وأن القذائف تسقط على بعد أقدام قليلة من المدفع وأن عملية تدميره ليست سوى مسألة وقت وأن بقاءه إلى الآن معجزة حقيقية.

خسر المجاهدون 15 مدفعا مضادا للطائرات في كل المعركة. في ذلك الوقت كان ذلك المدفع يعمل منفرداً فقد أُصيبت جميع المدافع الأخرى. وهناك محاولة لاستبدال أحدهم أو إصلاحه. كما كان هناك مدفع يعمل أحياناً ويحتاج إلى الإصلاح. ولكن أين هي الطواقم؟.. لقد استشهد رجال الطواقم الأصلية، وتم استبدالهم عدة مرات والجميع يُصاب أو يُقتل والمدافع تدمر أو تعطب.. وهكذا.. وفي الأخير يرفض المجاهدون تكرار المحاولة أكثر من ذلك. فما الحل؟.. اقترح الإثنان أن يصعدا معاً لتشغيل ذلك المدفع الذي يعمل حالياً.. واقترحا أن أقوم مع عبدالرحمن وبمساعدة حقاني بتشغيل مدفع آخر أو أكثر.. وأنه مع أصدقائنا من العرب المتعاونين مع مجموعتنا يمكننا تشغيل مدفعين أو ثلاثة.

 

 

اعترضت على اقتراحهما جملة و تفصيلًا.. وشرحت الأسباب، وهي كالتالي :

(1) إن جاور قد فقدت قيمتها ودورها في الظرف الراهن. وليس هناك أي معنى أو مبرر لإبقاء المجاهدين داخل المغارات أو خلف المدافع المضادة للطائرات. فبهذه الطريقة يتلقون فقط القنابل فوق رؤوسهم بدون القدرة على فعل شيء. إضافة أن خسائرنا في الأرواح مستمرة يومياً بلا هدف ولا إنجاز. بينما نخسر أفضل وأشجع العناصر.

(2) لا معنى إطلاقاً للدفاع حتى آخر رجل عن مجموعة قمم وهضاب ليس لها قيمة. والأجدى أن نقاتل بطريقة توقع أعلى خسائر في الخصم، وأن نتحول من الثبات إلى الحركة. ففي حالة الثبات سوف يبيدنا العدو تماماً بدون حتى أن نقتل منه أحد, كما يحدث في الوضع الراهن, بينما إذا تحركنا في مجموعات صغيرة، فإن مدفعيات العدو وطيرانه ونقاط ترصده فوق جبل رغبلي سوف تفقد الكثير جداً من فاعليتها.

(3) ما دام العدو مصراً على الوصول إلى جاور فأمامنا فرصاً ذهبية عديدة. فهدف العدو معلوم وهذه ميزة كبيرة، وطرق التقدم التي سوف يسلكها إلى جاور معلومة لنا تماماً، فليس علينا سوى مقاومته بالكمائن الصغيرة المتحركة وإيقاع أكبر الخسائر بين صفوف المشاة. أما عن المدرعات والدبابات، التي لا يستطيع مشاة العدو العمل بدونها  فلها طريق واحد لا غير هو طريق ليجاة الذي أعده المجاهدون وهو طريق  من السهل جداً إغلاقه بالألغام والكمائن.وفوق ذلك كله يمكننا أن نمنع قوة العدو، إن وصلت إلى جاور، من الانسحاب مرة أخرى، أي نغلق خلفها الباب ونحاصرها.. وإذا تمكن بعض المشاة من الإفلات عبر الجبال وبدون استخدام المدقات الطبيعية للمشاة والتي ستكون تحت ملاحظة كمائن المجاهدين، فإن الآليات لن تستطيع ذلك حتما ويمكن أسرها أو تدميرها.

(4) لقد استدْرَجَنا العدو إلى حرب مواجهة تناسبه تماماً.. ونحن نجلب التعزيزات وندفعها إلى (حفرة) جاور لتموت بلا ثمن . بينما  خوست كلها وما حولها من خطوط دفاع آمنة تماما تتابع بانبهار ذلك العرض الشيق من النيران في سماء جاور. ولو أن المجاهدين وجهوا ضربة قوية إلى خوست وما حولها والعدو منصرف بكليته نحو (جاور) لاستطاعوا اختراق دفاعاته وتهديد تواجده في خوست نفسها. وتلك أفضل طريقة لتخفيف الضغط عن جاور على أقل تقدير، هذا إذا لم تفشل الحملة  كلها، إذا أجبرناها على تغيير هدفها الأصلي من  الهجوم للاستيلاء على جاور كي يصبح هدفها دفاعياً عن خوست ومواقعها الهامة.

(5) حتى مطار المدينة لم يحاول أحد جدياً عرقلة الجسر الجوي المرتكز عليه. وهجمات المجاهدين على المطار بالصواريخ ضعيفة ولا تؤدي الهدف منها. وحتى لو كانت هناك طائرات على المدرج فإن تكتيكات المجاهدين لا تمكنهم سوى من عملية واحدة خلال فترة طويلة تمتد لأيام أو أسابيع وقد يفقدون بعض الرجال، وليس هناك أية غنائم ترتجى من هذا العمل. لذا فنادرًا أن يقبل القيام به أحد. وشرحت لهم أن هذا بالضبط هو دورنا الآن في الظرف الراهن، فطريقتنا في العمل، والمعدات التي وفرناها الآن تتيح لنا عدة هجمات على المطار في اليوم الواحد. ويمكن أن نستمر كذلك لشهر أو أكثر إذا توفرت الذخائر وتوافرت حماية للمنطقة مكونة من مجموعة واحدة قوية من المجاهدين.

وكما يحدث غالباً، لم نتفق، وأصر الشباب على الصعود إلى الجبل والصمود خلف المدفع مهما كانت النتائج  وحتى نرتب نحن موضوع المطار. رددت عليهم بأن (جاور) ليست المكان المناسب لنا، وعلينا أن نساعد بالطريقة والمكان الذي يؤدي خدمات أكثر للمجاهدين ونكون فيه أكثر فائدة. ولكن فشلت في إقناعهم وتكرر معنا نفس الموقف عدة مرات خلال السنوات القادمة.

وفي كل مرة كانت المشكلة حول كيف ومتى وأين نقاتل إلى جانب إخواننا المجاهدين الأفغان؟ ورغم أننا تحولنا مع الزمن إلى أصدقاء قريبين – ومع ذلك- لم نتفق!!.

ـ صعد إخواننا إلى الجبل ورجعت إلى ميرانشاه لمناقشة حقاني وكان معي عبدالرحمن الذي أيدني تماماً فيما قلت، كنّا نفكر سوياً بنفس الطريقة في معظم الأحوال. في منزل حقاني وجدنا صعوبة في مقابلته نتيجة الزحام من شخصيات كلها هامة، وشعرنا بالحرج لإلحاحنا على مقابلته رغم معاناته من الحروق والإرهاق الزائد من المناقشات مع الضيوف. شرحت له ما وجدناه مع وجهة نظري في الموقف. وطالبته بإخلاء جاور تماماً من الرجال والمعدات، وأيضاً من الدبابة والمصفحة حتى لا يستولي عليها العدو إذا دخل إلى جاور.

خاصة وأنها لم تعد تستخدم الآن، وكان نائبه نظام الدين قد استخدم الدبابة ضد جبل رغبلي وكان ذلك مفيداً في البداية.. وبعد ذلك أصبح ذلك مستحيلاً تحت مظلة الطيران الرهيبة التي تغطي جاور بشكل دائم تقريباً. رد حقاني قائلاً أنه بخصوص الكمائن المتقدمة للدفاع عن جاور فهي موجودة فعلاً ومكونة من رجال حزب إسلامي حكمتيار وحزب إسلامي (يونس خالص) من أتباع مطيع الله. وأن مهمة حقاني حسب الخطة العامة هو الدفاع عن جاور نفسها.  أما عن سحب رجاله من داخل جاور فهو يخشى أن يشيع ذلك مناخ الهزيمة فإذا شعر باقي المجاهدين بذلك فسوف ينسحبون  أيضاً عائدين إلى بيوتهم في ميرانشاه القريبة. ولأجل ذلك عارض مولوي يونس خالص فكرة تفريغ جاور من المعدات أو سحب الدبابة والمصفحة منها، فسألته عن موضع المطار في الخطة، فرد أنه لا يدري إذا كان هناك من يعمل ضد المطار من بين المجاهدين هناك، وهم مجموعات تابعة (لجيلاني) و (محمدي).

ـ شغلت باقي اليوم في الاتصال بمكتب صحيفة الاتحاد في إسلام آباد كي أمليهم تلفونياً أخبار المعركة. وكانوا يرسلونها في نفس اليوم إلى أبوظبي. أما عبدالرحمن فأخذ يجهز لعملية سريعة ضد المطار اتفقنا على أن نقوم بها سوياً مع بعض أصدقائنا العرب مثل أبوعبيدة العراقي الذي وصل ميرانشاه، وأبوصهيب وهو شاب مصري أبدى رغبته، وهو صديق لعدد من أفراد مجموعتنا ولكنه وثيق الصلة بسياف ومن المبايعين له. وكنّا لا نرى بأساً في أن يعمل معنا وهو على هذه الدرجة من القرب من سياف. ولم يكن ذلك عملاً صائباً تماماً. في الصباح التالي لم تتم تجهيزاتنا للعمل ضد المطار، في الغد يمكننا أن نتحرك، ولكن مع من؟… لا أحد هنا من قادة المنطقة المعنية كنّا نبحث عن (سميرجول) أو (عبدالمنان).. ولكن لا أحد منهما أو من مجموعتهما في ميرانشاه، من العسير جداً أن نعثر على أحد. مرافقنا الخاص الشيخ محمد طالب استشهد في معارك حملة العام الماضي وترك فراغاً كبيراً في العمل.. فهو عضو ارتباط ممتاز مع مجموعات خوست.. وكنا نشعر بالحزن لفقده خاصة أنه رزق بمولود بعد استشهاده بعدة أيام, وكان ذلك هو مولوده الأول.

 

أبو عبيدة يهدد بالاستسلام للروس !!

فجأة داهمنا خبر سيء آخر لقد أصيب أبوحفص وأبوعبيدة في موقع (الزيكوياك) المضاد للطائرات. ومعهما عدد من الضباط الباكستانيين (فريق البلوبايب) وعدد من الأفغان كانوا في الموقع. كما أن الموقع نفسه قد دُمَر تماماً. وأصبحت جاور الأن بلا دفاع جوي. فی البداية أصيب ابوعبيده (يوم الخميس 17/4) ولكن لحسن الحظ أن إصابته كانت خفيفة، ولم يفقد روحه المعنوية المرتفعة, وربما يعود السبب في ذلك إلى خفة ظل أبوعبيدة. فقد وصل إلى المستشفى وهو يضج بالضحك لما حدث ويحدث. لقد حمل المجاهدون كل هؤلاء الذين أصيبوا عند المدفع وأنزلوهم إلى الوادي حيث كدسوا الجميع في سيارة (بيك آب).

وكان صديقنا قد نزل بمساعدة من أبوحفص . وكانت معاناته داخل السيارة أشد من معاناته من الجروح ـ بل ومن القصف الجوي ـ فكل شخص داخل السيارة يحمل فوق رأسه وأرجله وبدنه أجزاء من الآخرين ودماء مختلطة من الجميع أما مطبات الطريق فحدث ولا حرج ، ناهيك عن خطر قذائف مدفعية العدو أو صواريخ الطائرات التي تترصد أي تحرك لسيارات المجاهدين .. بعد كل ذلك هل من مزيد؟..  نعم هناك المزيد.. يقول أبوعبيدة.. أنه فوق كل تلك المصائب فإن أحد الضباط الباكستانيين أطلق من بطنه ريحاً كريهةً زكمت الأنوف وخنقت الأنفاس.. فصاح أبوعبيدة بأعلى صوته ( لأ مش كده.. أنا أنزل أسلم نفسي للروس أحسن ) … وانفجر أبوعبيدة ضاحكاً خاصة وأن الضابط الباكستاني لم يرضخ للتهديدات  وواصل إطلاق الغازات الخانقة!!. وربما من أجل ذلك قلده ضياء الحق وسام الشجاعة رغم أنه لم يسقط أي طائرة سوفيتية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد

 




العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 13

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 163 ) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2019 م .                   

20/09/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(13)

(( حلقة خاصة من حياة حقانى ))

عودة إلى أجواء فتح كابول عام  1992 ،

لمقارنتها مع أجواء الفتح عام 2019 .

تعيش كابل الآن ، في عام 2019م، مناخًا مشابهًا لأجواء الفتح في عام 1992م، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بالفروقات بين مرحلتين: مرحلة الفتح في ظل الأحزاب الفاسدة، وبين الفتح في ظل القوة الإسلامية الموحدة تحت راية الإمارة الإسلامية. لندرك مزايا الوحدة الجهادية التى وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان”. حيث تكاملت القيادة السياسية الكفؤة مع القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة. فلا مجال للفتن، ولا سيادة لاحتلال، ولا شريعة لغير الإسلام.. وذلك هو الفتح الحقيقي.

– حقاني بعد الفتح يتوسط لإطفاء الفتن المتنقلة في كابول، فيتعرض لمحاولة اغتيال يُتَهَم فيها مجددي مع حزب وحدت.

– مولوي نظام الدين: سوف نحظر الأحزاب، ولن نقيم علاقات مع دول الغرب ، وسنرتبط بنظام شورى ومناصحة مع الدول الإسلامية.

– في عام 1992م أفغانستان تنتقل من الجهاد إلى الفتنة العرقية والطائفية، على يد زعماء سياسيين خائنين.

– وزير الداخلية الشيوعي (الجنرال رفيع) يرتب مؤامرة مع حكمتيار لتسليمه العاصمة. والجنرالات ينقسمون طبقا للانتماء العرقي.

– نصحتُ مولوي حقانى بمنع حكومة مجددي من دخول كابل، وإلقاء القبض على قادة الأحزاب جميعا ــ وإلا فسوف تدفعون/ وتدفع أفغانستان/ ثمنا غاليا في المستقبل ــ

– تدمير الكوادر والخبرات البشرية كانت أكبر خسائر الأفغان والعرب.

..  وصية حقاني لتكوين جيش إسلامى في أفغانستان:

( وأضاف حقاني .. أن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعامًا أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش).

– العرب أكبر الخاسرين، وأسئلة عربية حارقة على طريق العودة: لماذا نفشل؟؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟ لماذا يخدعنا العدو بنفس الطريقة دوما ؟؟ ولماذا لا يفيدنا فشل تجربة لصناعة النجاح في تجربة تالية؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

مقدمة:

كان من المفترض في هذه الحلقة أن تكون عن الحملة الثانية على قاعدة جاور عام 1986 ـ وكانت حملة عنيفة ودامية، أوشك مولوى جلال الدين حقاني أن يكون أحد شهدائها ـ ويكفي أن عدد شهداء المجاهدين في جاورخلال تلك المعركة الدفاعية عن مساحة قليلة من الأرض يساوى تقريبا عدد شهدائهم عند فتح مدينة خوست عام 1991م في أكبر عملية هجومية للمجاهدين، يقودهم حقاني، فوق مساحات واسعة من الجبال والوديان والأراضي الزراعية.

ومن النتائج غير المباشرة لحملة (جاور1986م) كانت الدروس التي تعلمها المجاهدون العرب، فكانت سببًا مباشرًا لفوزهم في معركة جاجي في العام التالي 1987م بقيادة أسامة بن لادن. ذلك النجاح أدى إلى تشكيل تنظيم القاعدة الذي أثر كثيرا على مستقبل أفغانستان ومستقبل المجاهدين العرب في أفغانستان، أو العرب الأفغان كما أسماهم الإعلام المعادي لهم.

– أرجو أن نتمكن من العودة مرة أخرى إلى جاور وحملتها الملحمية عام1986م . ونقفز في حلقتنا هذه فوق كل تلك السنوات لنتكلم عن بدايات فتح كابول عام 1992م وتحول الأحزاب الجهادية إلى حكومة “إسلامية”، في خضم صراعات شخصية وحزبية وتدخلات خارجية. وهي مرحلة كشفت حقيقة تلك الأحزاب، وكشفت الأقنعة عن الوجوه الحقيقية لزعامات الأحزاب الجهادية، فإذا هم مجرد أدوات للقوى الخارجية وخطر على مصالح الشعب الأفغاني الذي ضحى بالدم والمال لأجل انتصار لم يطاله من ثماره شيء.

تعيش كابل الآن (2019) مناخا مشابها، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بمرحلة فتح العاصمة عام 1992م، لندرك مزايا الوحدة الجهادية التي وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان” . فتوفرت بالإمارة الإسلامية، وحدة القيادة السياسية الكفؤة مع وحدة القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة.

–  وزعماء أحزاب الجهاد ضد السوفييت، ظهر أن جهادهم كان لاستبدال الاحتلال السوفييتي بالاحتلال الأمريكي. إذ ظلوا زعماء في خدمة الاحتلال الأمريكي من خلال مناصب عالية في النظام الحاكم. واستمر الشعب الأفغاني في دفع الثمن الباهظ من دمائه وأمواله للنجاة من الاستعمار الجديد، دفاعًا عن دينه واستقلاله ومستقبل أبنائه.

–  في سباقهم نحو السلطة سقط منهم ماكانوا يتظاهرون به من مبادئ إسلامية وجهادية، ومدوا أيديهم لدول خارجية حتى تساعدهم في الوصول إلى الحكم.

وبعضهم أشعل حربًا أهلية في كابول وعلى مداخلها، طاعة لسادته الخارجيين. وحكومة المجاهدين الأولى تأسست بطلب حكومات أجنبية وبجوائز مالية دفعتها دول أخرى.

والحرب الأهلية بين المجاهدين، خطط لها ودفع ثمنها من مال وسلاح دول وصل ضباط مخابراتها إلى أطراف كابول، لإحراق العاصمة وتدمير العلاقات الأخوية بين فئات الشعب الواحد.

–  الملفت جدا للنظر أن القادة الميدانيين والمجاهدين واصلوا الفتوحات حتى أعتاب كابول، منتظرين وصول حكومتهم الجديده من بيشاور!! ، حيث تشكلها ـ نيابة عنهم ـ دول خارجية. لقد تعود المجاهدون وقتها على اعتزال العمل السياسي الخارجي، وكانوا يرون الجهاد هو قتال العدوّ في جبهات القتال فقط، وليس الجهاد في الساحات السياسية من أجل تحديد مستقبل بلادهم بأنفسهم واختيار حكومتهم الجديدة من المجاهدين الحقيقيين وليس عملاء الدول الخارجية.

والنتيجة أن ، حكومات ما بعد الفتح، كانت حكومات من العملاء، وخضعت لمطالب أمريكية بعدم استفراد المجاهدين بالحكم، وتشكيل حكم مشترك بين الشيوعيين وأحزاب المجاهدين، وإدارة حرب أهلية داخلية على أسس عرقية.

ولم تنته الفوضى والفتن إلا بوصول حركة طالبان إلى الحكم وإعلانها نظام “الإمارة الإسلامية”. فقررت أمريكا احتلال أفغانستان لتمرير مشاريعها الإستعمارية لنهب أفغانستان وتحويلها إلى تابع ذليل وليس دولة ذات سيادة، وشعب عزيز صاحب ثروات هائلة وأمجاد عظيمة يحفظها التاريخ.

–  القادة الميدانيون والمجاهدون أبطال الفتح تعاملوا مع حكومة العملاء القادمة من بيشاور على أنها قدر لا دافع له. والنتيجة حروب داخلية متصلة، وصولا إلى إحتلال أمريكي مباشر، كان قادة الأحزاب في طليعته ومن أركانه الأساسية.

والآن مع يوميات كنت قد كتبتها بعد فتح جرديز، ووصول المجاهدين إلى أعتاب العاصمة في انتظار تشكيل الوضع السياسي القادم، الذي كانت صناعته تتم بعيدًا عنهم، في باكستان على أيدي اللاعبين الكبار، أمريكا وحلفائها، خاصة السعودية وباكستان.

السباق نحو كابول: أكاذيب/ قتال/ تآمر :

أبريل 1992 :

أخبرني الجنرال صافي أنه تم اختيار مجددي رئيسًا للدولة وحكمتيار نائبا له. وفي المساء تتابعت أخبار الإذاعات عن تشكيل حكومة من أحزاب بشاور.

السبت 25 إبريل 1992 :

أشعر بحزن شديد من التشكيل الحكومي الجديد فى بيشاور، والتي أسميتها حكومة بطرس غالي الموجود وقتها في إسلام آباد { وهو مصري كان يشغل منصب سكرتير عام الأمم المتحدة وقتها} . أخبار بأن رئيس وزراء باكستان نواز شريف بذل مجهودًا كبيرًا في تشكيل تلك الحكومة. المفارقة هي أن المجاهدين قد وصلوا إلى أطراف كابول بينما تركوا أمر حكومتهم كي تشكلها لهم عناصر غربية في بيشاور !!.

هناك اشتباكات بين مسعود وحكمتيار. الأول يستخدم الطائرات في القصف وحكمتيار يتبع أسلوبًا غريبًا كانت نتائجه عليه سيئة جدا. كان يذيع على أجهزة اللاسلكي بيانات للإعلام بأنواعه عن معلومات مختلقة تمامًا، عن تقدم على الأرض، وإنجازات ومعارك لا أصل لها في الواقع. كان ذلك ديدنه طوال حياته الجهادية، ولكن ليس إلى هذه الدرجة التي نشاهدها الآن خاصة أنه يتكلم عن العاصمة وما حولها وليس عن مناطق نائية لا يصلها أحد. لذا  فسرعان ما تبين زيف إدعاءاته، وبسرعة انهارت هيبته ومصداقيته داخليا وخارجيا.

اليوم أخبار اللاسلكي من طرف حكمتيار تتكلم عن تقدم للحزب في أهم منشآت كابول مثل وزارة الدفاع ودار الأمان. وتكلم أيضا عن اشتباكات عنيفة مع قوات مسعود التي تساندها الطائرات. حكمتيار هدد بقصف المطارات حتى يمنع الغارات ضد قواته، وأيضًا لمنع حكومة مجددي من الوصول إلى كابول عن طريق الجو.

راديو لندن شكك في جدية تلك التهديدات لعدم قدرة حكمتيار على تنفيذها.

أخبار بيشاور تقول أن حكومة مجددي مكونة من خمسة عشر وزيرًا وأن مدة رئاسته للدولة هي شهر واحد (!!) يعقبه بعدها برهان الدين رباني لمدة أربعة أشهر، ثم تأتي انتخابات لاختيار مجلس شورى .. إلخ .

استسلمت كابول تمامًا هذه الليلة، علمنا ذلك في صباح الغد، وبهذا يكون تسلسل تساقط المدن الرئيسية قد تم كالتالي: استسلمت جرديز، وبعدها بثلاثة أيام استسلمت جلال آباد، وبعد ذلك بيومين استسلمت كابول .

الأحد 26 إبريل 1992 : 

في الثامنة والنصف صباحًا جلسنا مع حقاني في غرفته في مركز الدبابات (غرب جارديز من طرف منطقة زورمات).

قال حقانى يصف ما حدث في كابول:

استسلمت معظم كابول بالاختيار لأحمد شاه مسعود، فدخل المدينة واستولى على الأماكن الهامة بما فيها البنك المركزي ووزارة الخارجية ودار الأمان، والفرق العسكرية ومقار الميليشيات.

ــ أما عن حكمتيار فإنه كان قد رتب مؤامرة مع وزارة الداخلية {علمنا فيما بعد أنها كانت مع الجنرال رفيع وزير الداخلية الذي جاءه في طائرة هيلوكبتر وقابله في لوجر ورتبا معا برنامجا مشتركا للاستيلاء على كابول لصالح “البشتون” قبل أن يستولي عليها “الفرسوان” !!} .

{{ هكذا كان يفكر شيوعيو كابول وهكذا كان يفكر الأصولي الأكبر في تنظيمات بشاور الجهادية “حكمتيار” والقائد الميداني الأشهر مسعود . كانت المؤامرة تقضي بتسريب حكمتيار لأعداد كبيرة من رجاله إلى كابول بدون سلاح، وهناك تزودهم وزارة الداخلية بأسلحة خفيفة وأعلام الحزب لتعليقها فوق المقار الرسمية والعسكرية والإعلان عن استسلام كابول لحزب الإسلامي حكمتيار}}

وقد تم ذلك بالفعل ولكن لم يكن عسيرًا على أحمد شاه مسعود التخلص بسرعة من هؤلاء المهرجين.

وعندما أذاع الحزب عن سقوط المواقع الحيوية في العاصمة بين يديه كان قد تم بالفعل طرده من كل مكان. فأخذ الحزب يذيع بيانات كاذبة عن تقدمات وهمية لقواته في كابول وأخذت أجهزة اللاسلكي توجه أوامر حكمتيار لقواته في كابول بالتقدم الوهمي من مكان إلى آخر، في حين لم يكن له قوات على الأرض في تلك الأماكن حسب ما أفاد القادة الميدانيون حول كابول.

في اجتماع حقاني مع قيادات لوجر اتفقوا على البقاء على الحياد مع تحذير الطرفين حكمتيار ومسعود بأن القادة الميدانيين سوف يتدخلون ضد من يبدأ بالقتال ويفتح حمام الدم بين المسلمين ويجعلهم ألعوبة في يد الدول الخارجية.

يبدو أن مسعود قد أحكم قبضته على العاصمة إلى حد كبير. وبهذا تكون آمال حكمتيار قد تبخرت تقريبا، خاصة إذا تكرس الوضع القائم اليوم في كابول. حكمتيار يزداد عزلة برفضه حكومة بيشاور وإصراره الهستيري والفاشي على رفع “الرايات الخضراء” على كل كابول. برهان الدين رباني أصدر اليوم بيانا بأن مسعود أحكم قبضته على كابول وأن أي تحرك معاكس سوف يجابه بالقوة.

أمس أعلنت جماعة حكمتيار سيطرتها على مدينة جرديز(!!) وأشاعوا أنهم اعتقلوا عبد الرشيد دوستم. إنها سلسلة أخرى من الأكاذيب التي تبثها جماعات حكمتيار.

 صراع قادة الأحزاب على الكراسي :

الثلاثاء 28 إبريل 1992:

تحركنا صباحا من جرديز متوجهين إلى “لوجر” في رحلة أصبحت روتينا يوميا. الهدف هو متابعة الأحداث المتلاحقة في كابول. ومواقف الأطراف المختلفة منها، خاصة حقاني ومن حوله من قيادات في لوجر.

قابلنا هناك الجنرال صافي الذي قدم لنا موجزًا بآخر التطورات  جاء فيه:

(( بعد نصف ساعة من الحديث اللاسلكي بين مسعود وحقاني، قال مسعود:

ـ أوافق على وقف إطلاق النار ولكن حكمتيار يحشد قواته فهل إذا خرق الهدنة تقفون إلى جانبي؟.

فأجابه حقاني: نحن لا نقف مع أحد قبل أن تجلس مع حكمتيار وتوقعان اتفاقا مكتوبًا نشهد عليه جميعا، ومن خرج عنه سيقف كل العلماء والقادة ضده. قال مسعود: سأتصل مع الأستاذ رباني وأتشاور معه وأحدد معكم موعداً ومكانا للمقابلة ولكن لا أستطيع الاتصال به حاليا)).

( تعليق : كان واضحًا أن مسعود يماطل. فهو لا يشاور أحد في قرارته الحيوية، لا رباني رئيس التنظيم الذي يتبعه شكليا، ولا حتى مجلس الشورى، الذي كعادة مجالس الشورى “الإسلامية” يفعل ما يقرره الزعيم مع إبداء ملاحظات تجميلية).

= حكمتيار موجود في لوجر على مقربة من مكان شورى القادة الميانيين وقد أعلن لهم رفضه لحكومة مجددي، ولصلاحيات مسعود في كابول، ولكنه يوافق على وقف إطلاق النار.

( تعليق : وافق فقط على ما فيه مصلحته بصفته المهزوم في معارك كابول).

القادة الميدانيون قرب كابول يقولون: إن ضحايا القتال في كابول يفوق الحصر والمهاجرون جيوش جرارة.

ــ  مجددي في بيان إذاعي يعلن إعطاء الأمان لحكمتيار عند وصوله كابول.

(تعليق : لم يكن لمجددي أي قدرة على إصدار أي أمر. ومازال هو شخصيًا في بيشاور بينما كابول يسيطر عليها مسعود ودوستم وقوات الدفاع عن كابول التابعة للجيش).

 مولوي نظام الدين .. صوت الدين: 

ذهبنا نستطلع آراء مولوي نظام الدين فيما يجري من أحداث، وهو الذي يجهر دومًا بوجهات نظر لا يجرؤ غيره على قولها علنا. معبرًا عن بعض آرائه تلك قال نظام الدين:

ــ مسعود وحكمتيار كشفا عن معدنهما الحقيقي الذي كنا نعلمه سابقًا، ولكن الحقيقة الآن واضحة للناس جميعا.

ــ الزعماء السبعة “قادة الأحزاب ” مرفوضون ولن نضعهم في مناصب. فهم خانوا الأمانة في المال والسلاح والاتصال مع الدول الأجنبية، وسوف نلغي الأحزاب لأنها مدخل للأجانب وسبب لانقسام المسلمين.

ــ سوف نحل النّزاع القائم في كابول بالطرق الإسلامية، وعلى كل طرف أن يستبعد الشيوعيين من صفوفه.

ــ اشتباكات كابول بين مسعود وحكمتيار كانت لأجل الكرسي والجاه وليس لأجل الإسلام.

ــ تلك الاشتباكات أظهرت للجميع الضعف العسكري لحكمتيار على عكس ما كان يدعي.

ــ لن ندخل الغربيين إلى بلادنا ولن نبادلهم فتح السفارات.

ــ سنقيم مجلسا للمشاورة والمناصحة مع الدول الإسلامية.

ـ لست الآن واليا على خوست، بل لدينا مجلس شورى ولا نستطيع إقامة حكومة، فليس لدينا أموال للموظفين، ومن يعمل معنا حاليا يكون متبرعاً لفترة محدودة، وهذا يعرقل عملنا.

ــ سنعمل على إلغاء الأحزاب في الولايات الجنوبية الخمس أولا.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

 وصول حكومة الفتنة إلى كابل : 

قبل الظهر وصل مجددي إلى بولي شرخي “شرق كابول”. وكان الجنرال أعظمي في استقباله. يرافق مجددي قافلة هائلة من السيارات حركتها باكستان معه وتضم حرسه الخاص ويتراوح بين مئة إلى مئتي شخص، ثم هناك مئات السيارات تحمل آلاف الأشخاص باهتمامات متنوعة، منهم المخبرين الباكستانين ومنهم صحفيون، وأتباع جماعات إسلامية خاصة الجماعة الإسلامية التي اعتبرت نفسها من المنتصرين في تلك الحرب. وكان هناك القليل من العرب المتحمسين جاءوا بدافع الفضول.

– وكنت قد نصحت حقاني بأن يتكاتف القادة الميدانيون في منع مجددي وأفراد حكومته من دخول كابول. وقلت له أنه من المفروض الآن إلقاء القبض على مجددي وقادة الأحزاب كلهم.

فضحك حقاني :  أنت تريدنا أن نقتلهم.

فقلت بحنق :  أقل شيء أن تضعوهم في السجن. وإلا فإن أفغانستان وأنتم ستدفعون الثمن غاليا.

ضحك حقاني ولم يعلق.

مجددي: عفو عن الشيوعيين، وتشكرات بالجملة للغرب.

وحكمتيار يوافق على حكم مشترك مع الشيوعيين.

الأربعاء 29 إبريل 1992 :

صبغة الله مجددي الرئيس الجديد لدولة أفغانستان التي عادت (إسلامية!!) يعلن فى إذاعة كابول العفو الشامل عن أركان الحكم الشيوعي السابق(!!) ويدعو الضباط والموظفين العودة لممارسة أعمالهم كالمعتاد. كما وجه الشكر إلى أمريكا والسعودية وباكستان وصدر الدين آغا خان (!!) ـ زعيم الطائفة الإسماعيلية ـ وبطرس غالى السكرتير العام للأمم المتحدة لمساعدتهم “للجهاد!!” الأفغاني.

[ تعليق : قد نفهم مغزى تقديم مجددي شكره لأمريكا والسعودية وباكستان ولكن لماذا تقديم الشكر لصدر الدين أغاخان، أو بطرس غالي؟؟ أليس في ذلك إسرافا في تقديم التشكرات ؟ ].

باكستان تعلن اعترافها بالحكومة الجديدة ـ وإيران ترسل معونات غذائية إلى مزار شريف.   ( لماذا ليس إلى كابول؟؟).

جلست مع مجموعتنا العربية نتبادل الأحاديث الغاضبة حول مجددي وحكومته. تحدثنا عن ضرورة الجهاد ضد ذلك الأحمق الذي تولى الحكم. وفضح نفسه من بيانه الأول، لم يكن عندي شك أن القتال سوف ينشب لفتح كابول مرة أخرى.

( بالفعل فتحها طالبان في أكتوبر 1996 حتى أغلقها الأمريكان مرة أخرى في حرب2001م)

قابلنا حقاني بعد أن أجرى اتصالاته على المخابرة. فقال تعليقا على ما يجري:

((  لقد أقام مجددي حكمًا مشتركا مع الشيوعيين في كابول. وقد وافق حكمتيار على ما يجري بلا قيد أوشرط. وأعلن ذلك ممثله في كابول ورئيس اللجنة السياسية للحزب الإسلامي في بيشاور.

لقد سألتهم في الحزب الإسلامي: لماذا قاتلتم في كابول وقتلتم الآلاف هناك؟، لقد صَعَّدْنا الموقف مع مسعود من أجل استبعاد الميليشيات والشيوعيين، فقال مسعود لنا أن تلك هي مطالب حكمتيار، فرددنا عليه أنها مطالب الشرع ومطالب الجميع هنا. وبعد ذلك توافقون أنتم فجأة بلا قيد أو شرط أو مشورة معنا.

أما سياف فهو موافق على ما يحدث وأعلن ذلك بلا مواربة.

منصب رئيس الوزراء تم إعطاؤه لحزب إسلامي حكمتيار الذي اختار من بين مساعديه “الاستاذ فريد ” كي يتولى المنصب.

راديو لندن سأل قادة من الحزب الإسلامي عن العلاقة التي ستكون بين الأستاذ فريد كرئيس للوزراء من الحزب الإسلامي، وبين أحمد شاه مسعود الرجل الأقوى في كابول وهو من الجمعية الإسلامية، والقتال كان دائرًا بينهم حتى وقت قريب. فكان الرد: إن الرجلان هما من قومية الطاجيك وسوف لن يختلفا(!!) ..)).

( تعليق : نلاحظ الآن ــ بعدفتح كابول ــ الأحزاب الجهادية وقادتها الكبار يسارعون في التحالف مع الشيوعيين، وتصنيف الناس حسب عرقياتهم ـ وكل ذلك كان من أشد المحرمات التي كانوا يجرمونها في سنوات الجهاد).

في بداية اللقاء سألت حقاني: متى تبدؤون الجهاد؟؟ فقد توافرت شرائطه، فحكومة مجددي منافقة ويجب قتالها.

لكنه لم يتحمس للكلام في الموضوع وسحبني من يدي بعيدا عن المجلس. كانت معنوياته منخفضة كأكثر ما رأيت. قال لي بأن مجلس الشورى الجديد في كابول والمكون من خمسين شخصا، هو واحد منهم ولكنه لم يذهب. ولكنه قد يذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ثم غادرني متوجها إلى جهاز المخابرة لمحادثة قطب الدين هلال، من حزب إسلامي حكمتيار.

وَهْمْ الإصلاح من الداخل :

في أحد المباني الحكومية في مدينة “بولى علم”ـ لوجرـ قابلت الجنرال صافي. وكان يجلس وحيدا في انتظار تطورات كابول، والاتصالات اللاسلكية الدائرة بين جميع الأطراف. أخذ الجنرال يحدثني عن مسيرته السياسية.

قال: إنه عمل مع “السيد أحد جيلاني” لمدة أحد عشر عامًا مديرًا للأمن، ثم ثمان سنوات في مجال التدريب العسكري. وقال إنه ترك العمل معه احتجاجًا على تصرفاته، مثل اجتماعه في لندن عام 1990 مع السفير السوفييتي، حيث اشتكى للسفير ضيق ذات اليد، وتدخل أمريكا وباكستان ضده. فأعطاه السفير أموالا كثيرة. وفي عام 1991 اجتمع الجيلاني سرًّا مع نجيب الله في أحد الدول الأوربية. قال صافي: إنه لم يستطع تحمل ذلك فاستقال من عمله وانضم إلى حقاني.

كان لدى الجنرال تصورًا فريدًا للتعامل مع الوضع الجديد في كابول، فقال:

– إن أفضل طريقة هي الدخول سلميًا إلى كابول وتشكيل ضغط معنوي من داخلها، وتحويل الشيوعيين إلى أقلية، ثم العمل على اغتيالهم من خلال أجهزة وزارة الداخلية (التي يتولاها رجال سياف)، ومن خلال عمليات أخرى من خارجها. أما اقتحام العاصمة عسكريًا فسوف يكون فشلا داخليا وعالميا، والأفضل هو حصارها من الخارج.

{ ماحدث هو أن العاصمة افترست أخلاقيا الكثير ممن دخلها من “المجاهدين”. كما اغتال مسعود، المسيطر على القوى الأمنية والعسكرية، العديد ممن يركضون خلف وهم “الإصلاح من الداخل” ومن بينهم زملاء له في نفس التنظيم. واستوعب النظام الجديد على فساده وهشاشته، عمالقة الجهاد من علماء وقادة ميدانيين، وانزوى الصالحون منهم داخل بيوتهم في منافي باكستان. والموقف الشجاع الذي تردد هؤلاء العمالقة في اتخاذه لمواجهة الفساد في بدايته، حتى نمى واستفحل، وأحال البلد إلى ساحة رعب وخراب، تصدى له الشباب من طلاب العلوم الإسلامية “طالبان”.  الذين اقتلعوا بالقوة المسلحة وبمعاونة شعبية واسعة، نظام الفساد الذي فرضته على الشعب الأفغاني أمريكا ومنظومتها من القوى الإقليمية، من عملاء دائمين أو عاملين بالقطعة. لقد عاملت حركة طالبان بجفاء وشدة أحيانا، وبتوجس دائم تلك الطبقة من القادة الميدانيين القدماء بل والمجاهدين القدماء أحيانا، فيما عدا هؤلاء الذين ساندوا الحركة في بدايتها. كان لتصرف طالبان هذا ما يبرره، ولكنه تجاوز الإنصاف في حالات كثيرة وحرم الحركة من قوة مقاتلة مؤثرة وخبيرة كانوا في أشد الحاجة إليها. ودفعوا لأجل ذلك الخطأ أثمانا فادحة، سهلت على إعدائهم الخلاص منهم}.

بعد صلاة الظهر كلمت حقاني وهو مازال على سجادة الصلاة، أن يحترس عند ذهابه إلى كابول، لأن المجموعة الحاكمة هناك قد تعمد إلى اغتيال القادة الميدانيين المعارضين لها.

( تعرض حقانى بالفعل لمحولة اغتيال في كابول، أثناء مساعيه للصلح ووقف القتال بين سياف وحزب وحدت الشيعي. قتل أحد مساعدي حقاني في المحاولة التي نفذها حزب وحدت الذي سمح لموكب حقاني بالعبور إلى مناطق سياف ثم أطلق النار على الموكب عند عودته. أخبرني بعض رجال حقاني أن مجددي كان طرفا في المؤامرة).

 

العصبية بدل الأيدلوجية:

عند الباب قابلت الصديق القديم “رفيق أفغان”، وهو صحفي باكستاني على صلة وثيقة بالجهاد والمجاهدين منذ وقت مبكر. وهومتحمس نشط لحكمتيار وحزبه، شأن الإسلامين الباكستانيين المنتمين إلى الجماعة الإسلامية الباكستانية، أو القريبين منها. قام “رفيق” بتجربة مثيرة حقا، كنت مشدوها وأنا أستمع إليها.

قال رفيق: إنه كان مع حكمتيار في مقره في لوجار، عندما جاءت طائرة هيلوكبتر من كابول يستقلها الجنرال محمد رفيع وزير الداخلية، الذي اجتمع مع حكمتيار لترتيب برنامج مشترك في كابول خاصًا بقومية البشتون، لمواجهة برنامج آخر للطاجيك “الفرسوان”، يقوده مسعود مع جنرالات في الجيش والاستخبارات.

عند تهيؤ للجنرال رفيع للانصراف، خطر لرفيق أن يرافقه إلى كابول. عرض الفكرة على حكمتيار فوافق عليها، وكذلك وافق الجنرال رفيع.

قضى رفيق يومين يتجول في كابول ويسأل الناس في الشوارع عن رأيهم فيما يجري في بلدهم، ومن يفضلون أن يكون رئيسًا عليهم. فوجد أن المشاعر العرقية في أوجها، وأن البشتوني سواء كان شيوعيًا أو إسلاميًا، فإنه يختار حكمتيار. أما الطاجيكي مهما كان توجهه فإنه يختار مسعود.

عند عودته من كابول أوصله رجال الداخلية إلى آخر خطوط الدفاع عن المدينة. وعلى الجانب الآخر كان في انتظاره رجال حكمتيار، بعد تنسيق باللاسلكي بين وزارة الداخلية الشيوعية في كابول ومقر قيادة الزعيم الإسلامي الأصولي في لوجر!!.

لقد حل التعصب العرقي محل التعصب الأيدولوجي. إنها السياسة حيث يستبدل الناس عقائدهم بأسرع مما يستبدلون ثيابهم.

– لكن صورة العصبية القومية الكريهة استكملها الجنرال صافي، الذي ظهر أنه بشتوني متعصب أكثر من كل من رأيت. الجنرال وبلهجة الخبير ببواطن الأمور حدثني قائلا:

{ إن أمريكا وإيران لا يريدان حكمتيار. إيران تلعب لعبتها مع الطاجيك، وباكستان ارتكبت جناية برفع الطاجيك فوق البشتون. وفي لقاءات لي مع حميد جول وجنجوعة (من قيادات المخابرات الباكستانية) حذرتهما من مغبة تلك السياسة، وقلت لهما إننا نحن البشتون مرتبطون عاطفيا وثقافيا مع باكستان وليس الهند أو إيران }.

–  الطبيب الباكستاني الشاب “إحسان الله” ، كان مندهشًا من كل ما يجري. ومن رحلة صديقه القديم رفيق أفغان إلى كابول برفقة الجنرال رفيع، ومن كلام الجنرال صافي، ومن موافقة حكمتيار غير المشروطة على حكومة مجددي بعد أن خاض معارك قتل فيها المئات بحجة عدم قبولها.

قادة إسلاميون عرب :

– من أخبار بيشاور أن الوفد الإسلامي هناك والذي يضم محمد قطب والشيخ الصواف وآخرون اتصلوا بحكمتيار يطالبونه بوقف إطلاق النار.

عرب حكمتيار أشاعوا أن الشيخ الصواف اقتنع بموقف حكمتيار وأيّد استمراره في القتال. لم يكن ذلك معقولا حيث أن أمثال تلك الوفود، ذات الوزن الديني والأدبي، التي تستجلبها الحكومة السعودية عند كل أزمة، تعمل كفريق تدخل سريع لترويج مشروع سعودي محدد لايمكن لأحد في الوفد تجاوزه، إلا إذا جازف بقبول عواقب وخيمة في علاقاته مع “المملكة”.

النص التالي هو جزء مما كتبته في مذكرتى في ذاك اليوم:

(( عدنا إلى مقرنا في جرديز وبدأت في إعادة تقييم ما يحدث منذ سقوط مزار شريف وحتى مأساة كابول ومهزلة مجددي، والخيط الذي يربط ذلك كله. هل هي تطورات عفوية أم مسلسل ضمن خطة محكمة؟؟….. خلاصة القول: إن مرحلة الأحلام الوردية التي أعقبت فتح جرديز وحصار كابول ثم سقوطها قد تبخرت. وإذا سارت الأمور على هذا النحو ـ وهي غالبا ستفعل ـ فلن تكون أفغانستان قاعدة بالشكل المطلوب، ولا حتى مستقرا مثاليا. والنكسة المعنوية فيما يتعلق بالجهاد والدولة الإسلامية هي احتمال وارد ومن الصعب تفاديه)) .

–  لأول مرة، بعض المحلات بدأت العمل في جرديز. ولأول مرة، يفتح محل جزارة أبوابه، فأبتهج الشباب بالخبر السعيد.

– رئيس وزراء نوازشريف، مع وزير الاستخبارات السعودي، تركي الفيصل، وصلا إلى كابول. وأنباء عن توقف القتال هناك. يشاع في جرديز أن الطاجيك في كابول نهبوا أموال البشتون هناك.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

تدمير الخبرة القتالية للأفغان والعرب : 

الخميس 30 إبريل 1992 :

في لوجر عقدنا جلسة مطولة مع حقاني لمعرفة آخر التطورات في كابول.

قال حقاني:

إن مجددي تراجع عن التصريح الذي أدلى به حول العفو عن الشيوعيين ودعوتهم لممارسة وظائفهم المدنية والعسكرية. وقال لمن سألوه إن ما قصده هو أن يمارس هؤلاء أعمالهم الاعتيادية حتى يصل أعضاء الشورى من بيشاور لاستلام المؤسسات والوظائف حتى لايهجم الناس عليها ويسرقونها كغنيمة.

ثم وصف حقاني مجددي بأنه شجاع لأنه تقدم إلى كابول منفردًا لاستلام السلطة بدون قوة مسلحة تسانده. وقال حقاني إن الجيش والميليشيات في كابول مازالت بكامل قوتها، بسبب عدم تقدم أحد لاستلام المواقع والأسلحة.

وأن القادة الميدانيين اتفقوا مع مسعود على أن يدخل المجاهدين إلى المدينة بدون قتال، ولكن حكمتيار أصر على القتال حتى يدخل العاصمة فاتحًا ويستأثر بالسلطة، فردت عليه الميليشيات والجيش دفاعًا من النفس. وكانت النتيجة أن توقفت جماعات المجاهدين عن دخول كابول خوفا من القتال الدائر.

وقال حقاني: إنه يتصل بجميع قادة الأحزاب في بيشاور من أجل أن يدخلوا جميعًا إلى كابول، وبصحبة كل زعيم ألف أو ألفي مجاهد لحفظ الأمنيات في العاصمة، واستلام ثكنات الجيش وإخراج الضباط والميليشيات من المدينة، وأن يعمل هؤلاء المجاهدون تحت إمرة مسعود كقوة مسلحة لحماية الأمن، ثم يتحولون بالتدريج إلى جيش نظامي. ويمكن لمسعود كوزير دفاع أن يستعين في تنظيم الجيش بجنرالات مجاهدين مثل صافي”!!”.

وأضاف حقاني: إن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعاما أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش.

عن تشكيل حكومة مجددي قال حقانيي إنه كان من عمل سياف منفردًا وليس بإملاء خارجي. وأن باكستان كان لها مشروع آخر يركز على مولوى محمد نبي محمدي “حركة إنقلاب إسلامي”. لكن سياف بسرعة استدعى الزعماء أو من ينوب عنهم، وطرح مشروعه القاضي بتعيين مجددي رئيسا لمدة شهرين، مع مجلس شورى من المنظمات وقياداتهم. أما الوزراء فيكونون من أعضاء المنظمات وليس من  قادة المنظمات السبع. وتم توزيع المناصب على المنظمات كالتالي:

رئاسة الوزراء لحزب إسلامي حكمتيار، والتعليم لحزب إسلامى يونس خالص، والخارجية لحزب “محاز ملي” للسيد أحمد جيلاني، والدفاع لحزب الجمعية الإسلامية “برهان الدين رباني”، والداخلية لحزب الاتحاد الإسلامي “سياف”.

وبعد مجددي يتولى رباني الرئاسة، المؤقتة أيضا، لمدة أربعة أشهر، إلى حين تشكيل مجلس شورى موسع يشمل قادة ميدانيين وعلماء ورؤساء قبائل موالون للجهاد . هذا المجلس يختار أميرا مدة ولايته عام ونصف، وخلال هذه الفترة يقوم الأمير بإعادة إرتباط الأقاليم بالعاصمة، وإعادة المهاجرين ، ثم تشكيل مجلس شورى يمثل كل البلاد وعدد أعضائه من 250 إلى300 عضو. وهذا المجلس يختار أميرًا دائما للبلاد.

وسبب الانتظار كل هذه المدة الطويلة هو تجميع الشعب وربط أجزاء البلد حتى يشارك الجميع في عملية اختيار الأمير فلا تحدث اعتراضات ومشاكل.

تعليق:  كل ما هو براق أو متفائل أو منطقي في هذا الحديث الطويل، لم يتم تنفيذه. وكأن المطلوب دومًا هو تنفيذ الأسوأ وفعل الأقبح.

أهم ما قاله حقاني كان ما يتعلق بالجيش والاحتفاظ بالعناصر الخبيرة التي أفرزها الجهاد وتكوين الجيش الوطنى منها، وذلك بكل أسف لم يحدث وكان ذلك أسوأ هدر “متعمد” يستحيل تعويضه.

( بشكل موازي جرى تدمير الخبرة القتالية العربية التي تكونت فى أفغانستان بواسطة عمليات مطاردات أمنية واعتقالات متصلة، توجتها في النهايه الحرب الأمريكية على أفغانستان تحت ذريعة الحرب على الإرهاب).

أما الأسلحة والمقار العسكرية وغيرها، فقد تمت تصفية البنية التحتية العسكرية الأفغانية بشكل منهجي وكانت من أضخم البنى العسكرية في المنطقة، حتى قيل أن مخزون الذخائر الذي تركه السوفييت وراءهم في أفغانستان كان أضخم من مثيله في الهند. هذا الدمار تكفلت به الحرب الأهلية المفروضة على الشعب الأفغاني لتدمير بنيته العسكرية والصناعية التي بناها السوفييت في مستعمراتهم السابقة . أدوات الدمار كانت الأحزاب الأفغانية العميلة.

( نفس الأسلوب الذي استخدمته أمريكا لتدمير القوة الإيرانية التي خلفها نظام الشاه الموالي لها ووقعت تلك القوة في قبضة ثورة إسلامية معادية. وأداة التدمير كانت النظام العراقي العميل. نفس الأسلوب اتبعوه في تدمير قوة السودان بواسطة الحروب الأهلية في الجنوب والشرق والغرب بواسطة ميليشيات تمولها أمريكا وتوابعها الكنسية والنفطية ) .

صحيح أن كابول لم يتم نهبها بنفس الأسلوب البدائي الفج الذي تم في خوست وجرديز وباقي المدن، لكنها إما دُمِّرت بالقتال أو النهب المنظم الذي مارسه سادة كابول الجدد الذي لم يترك إمكانية بناء قوة الآن أو في الستقبل.

على سبيل المثال، معظم سلاح الطيران تقاسمه مسعود ودوستم، ملكية خاصة. احتفظوا ببعضه في أفغانستان، وجزء آخر عند حلفائهم في دول الجوار، أي طاجيكستان بالنسبة لمسعود، وأوزبكستان بالنسبة لدوستم. والصواريخ الثقيلة كلها نقلت إلى مخازن مسعود في جبال بنشير، وكذلك جزء كبير من الذخائر وقطع غيار الدبابات والآليات العسكرية الأخرى، إضافة لما نهبه من كابول. واحتفظ دوستم بما كان يملكه من ترسانة عسكرية ضخمة بصفته أهم قائد ميليشيات في البلاد تعمل بطريقة المقاولة لتنفيذ المهام الصعبة أو المستحيلة لصالح حكومة كابول .

(وربما أن الولايات المتحدة اقتبست ذلك النظام في التعامل مع الشركات العسكرية للمرتزقة في حروبها الأخيرة في أفغانستان والعراق).

– هذا بالنسبة للجيش الذي جرى تفكيكه ونهب معداته. وما حدث للبنوك كان لايقل بشاعة، إذ نقل مسعود إلى بنشير احتياط الذهب من البنك المركزي، وجميع الوثائق الرسمية للدولة، وجميع وثائق الاستخبارات نقلها مسعود إلى مكان ما، قد يكون بنشير أو دولة خارجية صديقة له.

– متحف الدولة لم يكن استثناء، فقد تم نهبه من الكبار والصغار، حتى أن قطع أثرية نادرة بيعت بأبخس الأسعار على أرصفة كابول.

– ما قاله حقاني عن أن تشكيل الحكومة كان من صناعة سياف وليست إملاء خارجيا، كان صحيحا ولكنه نصف الحقيقة فقط .

فالرجل تلقى ملايين الدولارات كأتعاب لتشكيل حكومة من الأحزاب السبعة يكون متفق عليها بينهم. وليس هناك أفضل من سياف رجل السعودية الأول ورجل الإخوان الأول، كي يصنع أفضل توليفة ترضى السعودية من ركام الفساد فى أحزاب بشاور وترضى هؤلاء السبعة الفاسدون المتنافسون .

أما توزيع الحقائب الوزارية على هذا أو ذاك فذلك تفصيل لا يهم السعودية أو أمريكا ـ المهم أن تتولى الأحزاب السبعة أمور الحكم في كابول قبل أن يقفز العلماء والقادة الميدانيون على العاصمة ويفرضوا واقعهم الخاص الذي سيكون للمخلصين دور كبير فيه، كما أنه سيتم في كابول، أي بعيدًا عن الأيدي الخارجية باكستانية كانت أم سعودية. وعندها قد يقع المحظور وتأتي حكومة إسلامية بعد جهاد ثلاث عشر عاماً. فتكون مشكلة عويصة تربك ولا شك خطط أمريكا في آسيا كلها، وفي وسط آسيا بشكل خاص. ( أي حل وطني حقيقي سوف يشكل تهديدًا للأطماع الأمريكية ويستلزم علاجه مجهودًا كبيرًا وقد كانت حركة طالبان حلا أفغانيا خالصا استدعى علاجه تدخل القوات الأمريكية وهو علاج باهظ التكاليف شديد الخطورة على أصحابه ) .

في مركزنا في جرديز سمعنا عبر الإذاعات أن حقاني ذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ولا ندري حقيقة الأمر، فحسب قوله أنه لن يذهب إلى كابول إلا مع قوة كبيرة وضمن برنامج موسع يضم الجميع لإستلام كابول .

( كما علمت بعد ذلك فإن حقاني تمركز بجزء من قواته في داخل كابول على طرفها الجنوبي في منطقة تدعى”تشهل ستون” ومعظم مجهوده كانت لإطفاء نار الاشتباكات الداخلية الدائرة بين جيع الأطراف، ضمن تحالفات تتبدل كل فترة بحيث أن الجميع تحالف مع الجميع ضد الجميع. وشارك فيها الجميع: مجاهدون وشيوعيون ، سنة وشيعة ، طاجيك وبشتون . لم يكن أحد مصراً على نقاء إنتمائه العقائدي أو السياسي أو العرقي. ولكن الجميع مصرون على استمرار القتال الداخلي متحالفا لأجل ذلك مع أي طرف ضد أي طرف. وحلفاء اليوم هم أعداء الغد وهم أصدقاء بعد غد .. وهكذا.

العرب أكبر التعساء :

– أتعس الأطراف وأجدرها بالرثاء كان الطرف العربي الذي استمر يقاتل إلى جانب حكمتيار من أجل إقامة دولة إسلامية عاصمتها كابول. فقاتل بهم حكمتيار حتى الرمق الأخير، وإستشهد معه أفضل الكوادر العربية ، بما فيهم العملاق ” أبومعاذ الخوستى” ـ الفلسطينى الأردني ـ الذي فوض أمره كاملا إلى حكمتيار قائلا ما معناه :

( أنا لست عالم دين، ولا أحب السياسة ولا أفهمها، ولكني أثق فيك وأسير خلفك وأضع المسئولية في رقبتك يوم القيامة ) .

فطمأنه حكمتيار ووعده خيرا !! .

وهناك عرب من شمال أفريقيا. قاتلوا إلى جانب سياف قتالا “سلفياعقائديا” ضد الشيعة فى كابول. وأبدعوا فى قتل الأطفال والنساء بالأسلحة الثقيلة أثناء محاولتهم التزود بماء الشرب في ظل حصار مضروب على منطقتهم. وعربنا يشاهدون سقوط القتلى ويضحكون قائلين لمن إستنكر عملهم : أن ذلك إعداد للجهاد في سبيل الله.

سياف لم يمنعهم أو ينكر عليهم، بل زودهم بكل ما يلزم من أدوات القتل، من هاونات ثقيلة ودبابات !! . هؤلاء العقائديون لم يتوقفوا عن القتل إلا بعد أن وجدوا صباح ذات يوم أن سياف قد تحالف مع هؤلاء الشيعة الذين كان يأمر بقتلهم بالأمس، فتركوه وغادروا أفغانستان كلها.

أما جماعة أبومعاذ الخوستي فقد استمروا في القتال متغافلين عن أن الميليشيا الشيوعية القندهارية التي أسسها القائد جبار والتى قاتلت/ضدهم تحديدا/ في جرديز، والآن تقاتل معهم جنبا إلى جنب وفي نفس الخنادق ، لصالح حكمتيار. كان ذلك غريبا حقا ، ولكن عربنا جادلوا المعترضين عليهم قائلين أن ميليشيا جبار تابت إلى الله وتبين لها الحق فانضمت إلى حكمتيار!!.

ولكن بعد استشهاد أبو معاذ وإنضمام دوستم وميليشياته إلى حكمتيار بعد إنتقالهم من معسكر مسعود ، تنبه هؤلاء العرب أنهم قد خدعوا فتركوا أفغانستان كلها وذهبوا.

أسئلة حارقة .. لماذا نفشل؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟.

الجمعة أول مايو1992:

اليوم نغادر جرديز في طريقنا إلى ميرانشاه . لقد انتهى دورنا هنا وطويت صفحة الجهاد في أفغانستان . كنت أشعر بحزن شديد وشريط الأحداث يمر برأسي من بدايته إلى نهايته. كنا نسير فوق طريق زدران ما بين خوست وجرديز. كل شبر في هذا الطريق لنا فيه ذكريات وأصدقاء .. شهداء ومعارك.. ماذا سيتبقى من كل ذلك؟؟ .. أين نحن الآن؟؟..إلى أين نسير؟؟… لماذا يبدو المستقبل ملبدا بالغيوم منذرا بالشر المستطير؟؟ .. وبأي شكل سوف نستأنف حياتنا ؟

ماذا عن الأسرة والأولاد .. والوطن ؟؟ .. هل نعود إليه أم نبقى في الجبال؟؟ .. لماذا نُعاقب؟؟…وبأي جريمة؟؟… لماذا قادتنا دائما فاسدون، وطنيون كانوا أم إسلاميون، قاعدون كانوا أم مجاهدون؟؟… لماذا الفاسدون دائما طافون على السطح والصالحون مترسبون في القاع ، أو في السجون، ولا يصعدون عاليا إلا على أعواد المشانق ؟؟… أين الخلل ؟؟ .. لماذا تجاربنا كلها فاشلة ؟؟… لماذا لا يفيدنا الفشل في تجربة كي نصنع نجاحا في تجربة تالية ؟؟ .. لماذا نكرر أنفسنا دوما ؟؟ .. ويستغفلنا عدونا بنفس الأساليب دائما ؟؟… هل نحن حمقى إلى هذا الحد ؟؟ .. أين العلماء، هل ماتوا أم إندثروا ؟؟… أم أن الموجودين هم أشباح العلماء وليس حقيقتهم ؟؟.. لماذا فقدوا الاحترام والتقدير والتأثير وأصبحوا مجرد أبواق لساسة فاسدين تافهين ؟؟… ما معنى تحرك إسلامي بلا علماء ؟؟ .. هل يمكن أن ينجح جهاد بدأ متفرقا وبلا قيادة واحدة ؟؟ .. هل ينجح جهاد بتمويل غير إسلامي؟؟… هل القادة يختارهم الناس، أم الإعلام الدولي، أم التمويل الخارجي؟

كنت أحتضن الطريق بناظري وكلي خشية أن لا أراه مرة أخرى .

– نزل أبو الحارث من سيارتنا وذهب إلى مركزه في الخطوط الأولى تحت أقدام “ستى كندو”. هو الآخر لا يرغب في ترك المكان، ولا يدري ماذا سيحدث ولا كيف سيستأنف حياته. لقد عزله مجلس الشورى رسميا عن قيادة المجموعة قبل إستسلام جرديز وتولى أبو معاذ الخوستى القيادة. ولم يمارس أبو الحارث أي دور في المجموعة بعد ذلك. كان ذلك الإجراء طيا لصفحة أفضل مجموعة عربية في جهاد أفغانستان الذي طويت صفحته رسميا بدخول حكومة مجددي إلى كابول في 28/ 4 /1992، أي بعد 14 عاما بالتمام والكمال على الإنقلاب الشيوعي في 27/4/ 1978.

لقد تم إهدار أثمن ثروات العرب المكتسبة من أفغانستان، وهي كوادرهم العسكرية، سواء في جماعة أبو الحارث أو القاعدة أو العرب غير المتحزبين. كنت أتمنى بشدة أن تبقى تلك القوة متجمعة في أفغانستان وأن نبني حولها تجمعا مدنيا. فنحمى بذلك ثروتنا البشرية التي يتربص أعداء الإسلام كى يفتكوا بها. ثم نقوم بعد ذلك بدور يناسب إمكاناتنا وإمكانات الوسط الأفغانى الذي نحيا فيه. ولكن للأسف فقدنا مستودع الخبرات الذي بنيناه بالدماء الغالية التى بذلت بسخاء في المعارك.

كان ذلك مشابها تماما لموقف حقانى في مطالبته الإبقاء على الكوادر الجهادية الأفغانية وبناء جيش أفغاني حولها. ولكن كان هناك إصرار أفغاني وإقليمي ودولي على حرق تلك الثروة البشرية في حرب أهلية، أو تهجيرهم بحثا عن الرزق في دول الجوار والخليج . لقد خسر المسلمون أهم ثرواتهم وخبراتهم في أفغانستان، وكان ذلك أفدح الخسائر.

قبل أن يغادرني متوجها إلى مركزه القديم، سألني أبو الحارث إن كنت سأذهب لزيارة كابول، فأجبته أنني سأترك كابول لأهلها.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 13 }




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 162 ) | ذوالحجة 1440 هـ / أغسطس 2019 م .                 

26/08/2019

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(12)

أسرار الحملة الكبرى على خوست وقاعدة جاور عام 1985
” من التقرير المكتوب وقتها لجريدة الاتحاد الإماراتية”.

 

– وزيرالداخلية الأفغاني يتحدى رئيس الأركان:  

(أتنازل لك عن زوجتي إن استطعت احتلال جاور).

ــ رئيس الأركان يتولى قيادة عملية الاستيلاء على جاور ويطلب من وزير الداخلية الاستيلاء على مناطق ( زدران) .

ــ  فقد الجنرال السيطرة على قواته وانتابه هياج عصبي حاد. ــ خلال الاجتماع الجنائزي في خوست طهر حقاني مناطق (ليجاة) و( باري) وأعاد الموقف إلى ما كان عليه قبل الهجوم.  

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

حقاني يفقد أركان حربه :

حققت دبابة حقاني المفاجأة للمرة الثانية باستخدام الطرق الجبلية التي شقها المجاهدون. المرة الأولى حققت مفاجأة هجومية والمرة الثانية مفاجأة دفاعية وفي الحالتين كسب المجاهدون الجولة. وإن كانت القوات الحكومية استطاعت بعد ذلك إعادة احتلال جبال  ليجاه  والتقدم إلى نفس المسافة السابقة عن قاعدة  جاور،  وهي خمسة كيلومترات، وذلك نتيجة لاستشهاد القائد مولوى فتح الله حقاني  في ليجاه أيضاً، فتكرر ما حدث عند استشهاد  مولوى  أحمد جول. وكان فقدان القائدين أشد خسارة تكبدها المجاهدون في باكتيا منذ بداية الجهاد في الولاية في صيف عام 1978.

وفي معركة واحدة خسر جلال الدين حقاني اثنين من كبار أركان حربه. ولم تتزحزح القوات الحكومية عن مواقعها حتى وقعت مجزرة  الجنرالات  التي فقد فيها الجيش الأفغاني مجموعة من أفضل جنرالاته . بعدها اقتلع حقاني القوات الحكومية بواسطة هجوم مضاد كاسح ردهم إلى خوست.

 

الوزير يراهن على زوجته :

(حذفت صحيفة الاتحاد ما يتعلق بالرهان رغم دلالته على الحالة الأخلاقية والنفسية السائدة فى الجيش الأفغانى الأحمر) .

قررت حكومة كابول تعيين (شاه نواز تاناى) رئيس الأركان قائداً عاماً للعمليات في باكتيا وأعطته صلاحيات تامة ودعم غير محدود.

وظل شاه نواز ينتقل بشكل يومي تقريباً بين خوست وكابول بواسطة هيلوكبتر عسكرية. وفي كل زيارة كان يحصل على مزيد من القوات والأسلحة. وفي اجتماع استثنائي شمل قادة القوات المسلحة والوزراء تقرر إرسال جسر جوي من كابول إلى خوست بمقدار حمولة أربعمائة وخمسون طائرة، ذخائر ومهمات وجنود. ومعلوم أن خوست محاصرة منذ عدة سنوات وتحصل على إمداداتها عن طريق الجو. باستثناء مرات قليلة استطاعت القوات الحكومية التحرك من (جرديز) شرقاً على طريق (جاجي) ثم الانحراف جنوباً نحو خوست.

وهذا ما فعلته القوات الحكومية هذه المرة أيضاً بعد أن أصبح هذا المحور هو (البطن الرخو) لهذه المنطقة الصلبة. وذلك لأسباب نشرحها فيما بعد (أسباب تتعلق بفساد أحزاب بيشاور).

في اجتماع قيادي في كابول برئاسة شاة نواز رئيس الأركان و(جولاب زاي) وزير الداخلية وهو من قبائل زدران التي ينتمي إليها جلال الدين حقاني.

(وأسلم وطنجار) وهو بطل الانقلاب الشيوعي في أفغانستان وهو من منطقة (زورمات) في باكتيا ، (وسليمان لايق) وزير شئون القبائل وهو من باكتيا.

وحضر هذا الاجتماع  عدد من المستشارين السوفييت. تعرض رئيس الأركان (شاه نواز) لانتقادات حاده من زملائه في تلك اللجنة وركز الأعضاء هجومهم على ضخامة القوات المحتشدة في باكتيا وكميات الأسلحة التي لم تحشد لأي معركة من قبل. وكان جميع أفراد الجانب الأفغاني ينتمون إلى ولاية باكتيا. وسألوا رئيس الأركان عن سبب تأخره في شن الهجوم حتى ذلك الوقت رغم القوة الهائلة  التي حشدها. فرد عليهم (شاه نواز) بهجوم معاكس من جانبه وطالبهم أن يحضروا هم أيضا إلى خوست ويتولى كل منهم مسئولية جانب من العمليات وقال (شاه نواز) إنه سيتولى شخصيا جانب الهجوم على قاعدة (جاور) الحصينة والاستيلاء عليها وطلب من وزير الداخلية “جولاب زاى” أن يقود قوة للاستيلاء على منطقة (زدران) التي أقام فيها جلال الدين حقاني عدة  قواعد جبلية. ولما كانت مهمة الاستيلاء على جبال منطقته (زدران) من المهمات العسيرة  فقبائل(زدران) أشد قبائل باكتيا مراسا وخبرة في القتال، ومناطقها الجبلية شديدة الوعورة.

شعر (جولاب زاى) بالتحدي … فواجه رئيس الأركان  قائلا:  أراهنك على زوجتي فهي هدية لك إن استطعت الاستيلاء على مركز (جاور). وإن لم تستطع دخول (جاور) فاعطني زوجتك هدية لي، وسوف أستولى أنا على جبال (زدران) وأدمر قواعد جلال الدين هناك. وتكهرب جو اللقاء واضطر السوفييت إلى التدخل وحسم الموقف.

وقرروا أن يتولى)شاه نواز) قيادة العمليات ويرأس مجلس عسكري من عدة جنرالات أفغان. على أن يرافقهم عدة جنرالات سوفييت (كمستشارين) !! . أما الوزراء(سليمان لايق) و(جولاب زاي) و(أسلم وطن جار) فسوف يتناوبون علي زيارة خوست من وقت إلى آخر لمساعدة (شاه نواز) والارتباط من جانبه مع كابول. وبدأ تنفيذ القرار السوفيتي على الفور.

 

تأمين مطار خوست :

نجح (شاه نواز) في تطهير المناطق المحيطة بمطار مدينة خوست الذي وضعه رجال جلال الدين وباقي الجماعات المتعاونة معه في التنظيمات الأخرى تحت رحمة هجماتهم بمختلف أنواع الأسلحة.

ثم تقدمت القوات لتوسع الطوق الدفاعي حول المطار حتى أصبح في غير مقدور أسلحة المجاهدين الوصول إلى مدرج المطار وتهديد الحركة عليه. كذلك حطموا أكثر مراكز المجاهدين في تلك المنطقة إن لم يكن جميعها. وكان الهجوم الحكومي من الكثافة والتركيز بحيث انكمشت فعاليات المجاهدين حتى باتت غير محسوسة. وانسابت موجات بشرية من قوات المشاة تطهر المواقع الجبلية تحت حماية عشرات من طائرات الهيلوكبتر والطائرات القاذفة والمقاتلة. بالإضافة إلى قوة نيران أرضية تنطلق من نفس مدينة خوست، شهد جميع المجاهدين أنهم لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل من حيث الغزارة ودقة التوجيه. وكانت هذه النيران تُدارمن قبل ضباط سوفييت. ثم هدأت المعارك قليلاً.

 

هجوم مباغت:

وبواسطة هجوم كاسح باغت شاه نواز قوات المجاهدين في الرابع من أيام عيد الأضحى حيث لم يتوقع أحد من المجاهدين أن تهاجم قوات الحكومة في ذلك الوقت. لأن تلك القوات تهاجم عادة في أيام الأعياد لعلمها أن أكثر المجاهدين يفضلون قضاء الأعياد في عائلاتهم في معسكرات المهاجرين في باكستان.وفي هذا العام لم يغادر المجاهدون مواقعهم طيلة أيام العيد الثلاثة خوفاً من هجوم الجيش على مواقعهم وفي نهاية اليوم الثالث بدأ كثير منهم في مغادرة مواقعهم لزيارة عائلاتهم في المعسكرات. ولكن في ظهر اليوم الرابع  ضرب (شاه نواز) ضربته واقتلع المجاهدين من(ليجاة) وتقدمت قواته عبر الجبال حتى أصبحت على بعد خمسة كيلومترات فقط من (جاور). وتقدمت الآليات عبر منطقة (باري) في محاولة لاستخدام الطرق التي صنعها المجاهدون ومباغتة (جاور) من جانبها (الشرقي). وبعد أن قطعت الآليات عدة كيلومترات على هذا الطريق قامت مجموعة القائد (منان) وهو قائد يعمل مع حقاني ويقود رجاله من البدو الذين يعيشون في تلك المناطق. قام (منان) بضرب هذه القوة وتدميرها وفرالجنود تاركين الآليات خلفهم واستطاع رجال منان قيادة مدرعة واحدة وثلاث شاحنات وأحرقوا باقي الآليات حتى لا يعود الجيش ويستولي عليها من جديد.

وانتشرت عدة مجموعات في كمائن قوية على طول هذا الطريق فتخلى (شاه نواز) مؤقتاً عن فكرة إستخدامه. وركز مجهوده في التقدم عبر الجبال إلى (جاور) من جهة الشمال. تمكن (أحمد جول) من رد القوة الحكومية إلى الخلف وأعاد إحتلال (ليجاة) ثم استشهد يوم الجمعة (10/9/85). وكان فتح الله حقاني قد عاد من أداء فريضة الحج وكان قد فقد الإبصار في إحدى عينيه أثناء عمله في تمديد بعض الطرق الجبلية بواسطة المتفجرات وذلك قبل المعركة بشهرين تقريباً.

وتمكن فتح الله باستخدام إحدى الدبابات أن يحطم القوة فوق جبال (ليجاه) وأعاد احتلال المنطقة مرة أخرى. ثم استشهد بواسطة قذيفة مدفع ميدان في يوم الجمعة (17/9/85). أي بعد أسبوع واحد من استشهاد (أحمد جول). وعلمت الحكومة بالخبر فأمرت بالهجوم مرة أخرى فتمكنت القوات الحكومية من العودة إلى ليجاة والاقتراب من (جاور)على نفس البعد السابق وأصبح الموقف في غاية الخطورة بالنسبة للمجاهدين.عاد جلال الدين حقاني من الحج بعد أن استشهد أركان حربه الأساسيين(أحمد جول) و (فتح الله) وكان جلال الدين قد قرر السفر فجأة لأداء الحج كمحاولة لطلب العون المادي من المسلمين في ذلك الموسم فقد اقتربت ديونه من رقم السبعة ملايين روبية باكستانية، وهي الحد الأقصى من التسهيلات التي يمكن أن يحصل عليها من تجار المنطقة الحدودية في شراءالطعام والوقود والذخائر. وبدأت تتوقف التسهيلات والقروض في أحرج أوقات المعركة.على أي حال عاد جلال الدين من موسم الحج بدون أن تنجح مهمته ووجد بدلاً من ذلك رفيقي جهاده وأركان حربه قد استشهدا وكانت تلك أقسى ضربة تلقاها منذ بداية الجهاد . كما وجد “شاه نواز” قد أطل برأسه على”جاور”وأصبح على مرمى حجر منها .

 

إيجابيات المعركة :

تحولت (جاور) إلى رمز للمقاومة الأفغانية. حشد حقاني قواته للدفاع عن جاور بعد أن عززها بتلك القوات التي انسحبت من ليجاة. وتدفق آلاف من معسکرات المهاجرين يحملون السلاح ويكونون فصائل تضع نفسها تحت إمرة جلال الدين.وإمتلأت الجبال والشعاب بمئات الكمائن وضرب حول (جاور) نطاق كثيف من الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات. وجاء إلى جاور (حكمتيار) وبالتعاون مع جلال الدين أنشأ قوة للدفاع عن ميمنة (جاور) وزودها بعدد كبير من الأسلحة الثقيلة، وكانت تلك بادرة لم تحدث منذ بداية الجهاد.

وإلى جاور وصل (مولوي يونس خالص) رئيس حزب إسلامي، وسلم جلال الدين كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة. كما أرسل سياف رئيس حزب (الاتحاد الاسلامي لتحرير أفغانستان) معونات مالية وأسلحة إلى حقاني للدفاع عن (جاور) وكانت تظاهرة تضامن حقيقية لم يشهد مثلها الجهاد الأفغاني من قبل. (علمنا فيما بعد دور المخابرات الباكستانية في إجبار وتهديد زعماء الأحزاب للتعاون في معركة خوست خشية أن يتمكن السوفييت من إغلاق منافذها الحدودية).

 

لحوم الأضاحي .. تصل الجبهة :

كان موقف المهاجرين في تلك المعركة ظاهرة لم تحدث قبلاً.. فقد انتفض المئات من حالة السلبية في المعسكرات وتحولوا إلى مقاتلين يتقدون حماساً. حتى زادهم القليل من الطعام حولوه إلى الجبهة واستأجروا سيارات على نفقتهم تحمل الخبز ولحوم الأضاحي التي تبرع بها حجاج بيت الله إلى المهاجرين. حولوها إلى الجبهات ولم يطعموها أبناءهم الذين نسوا اسم اللحم وليس طعمه فقط. وقد اضطر القادة إلى رجاء المهاجرين بأن يوقفوا إرسال الطعام لأن الكميات التي تصل أكبر بكثير من احتياجات المجاهدين ومن القدرة على النقل إلى  مراكز القتال فكان أكثر الأطعمة يتلف.

كما طلب قادة المواقع من كثير من المجاهدين العودة إلى أماكن قريبة من الحدود لحين الاحتياج إليهم .لأن كثافة المقاتلين أصبحت أكثر من المطلوب وقد يؤدي ذلك إلى ارتباك في الحركة وازدياد نسبة الإصابة من جراء الطيران الذي لا يكاد يهدأ طول اليوم ، والمدفعية السوفييتية التي تعمل على مدار اليوم بأكمله. وعلى وجه العموم كانت الإيجابيات التي أفرزتها المعركة أبعد أثراً من تلك السلبيات التي انكشفت. وكان يمكن تطويرها لكي تصبح مرتكزاً جديداً لإصلاح مسيرة الجهاد في أفغانستان.

 

كذبة تحولت إلى كارثة :

نعود إلى (شاه نواز) الذي وجد نفسه للمرة الثالثة في أقل من عشرة أيام يقترب من هدفه المنشود وتصبح (جاور) على بعد خمسة كيلومترات فقط. وفقد المجاهدون في أسبوع واحد إثنين من أفضل قادتهم الذين طالما تمنت كابول منذ سنوات أن تتخلص منهم بشتى السبل ولكن بلا جدوى. وها هو (شاه نواز) يتخلص من الرجلين في أسبوع واحد. وتصبح (جاور) على قاب قوسين أو أدنى. ما أن سمع (شاه نواز) باستشهاد فتح الله حقاني بعد أن استشهد (أحمد جول)، وعلم أن قواته تقدمت إلى هذا المدى، حتى أرسل برقية عاجلة إلى كابول يعلن سقوط قاعدة (جاور) وذهب إلى إذاعة خوست ليزف الخبر بنفسه ويعلن انتصاره على الملأ.

استلمت كابول إشارة (شاه نواز) واستمع سكان العاصمة إلى صوته يدوي من راديو خوست يعلن سقوط (جاور). كان ذلك في السابع عشر من سبتمبر  (1985). وطار على الفور فريق عسكري من المكلفين بقيادة عمليات خوست تحت إشراف (شاه نواز).

تكون الوفد من الجنرال (غلام رسول) والجنرال (حميد الله) وأحد كبار المستشارين السوفييت المسئولين عن العملية. استقل الوفد طائرة هيلوكبتر مقاتلة وتوجه إلى (جاور) على الفور.

طارت الهيلوكبتر فوق (ليجاة) وشاهدت الاستحكامات الحكومية والجنود بثيابهم العسكرية يملأون قمم الجبال، وواصلت الهيلوكبتر تقدمها نحو (جاور) وهي تتوقع أن تشاهد نفس المنظر ولكنها فوجئت بالسماء وقد تحولت إلى جحيم ومئات من طلقات الرشاشات الثقيلة تصطدم بجسم الطائرة، وأدرك ركاب الطائرة على الفور أن جاور لم تسقط واستدارت الطائرة نحو خوست في محاولة للفرار.. ولكنها انفجرت في الجو وتساقط حطامها.. ليجد المجاهدون في الحطام جثث الركاب.. وتعرفوا من بينها على جثتي الجنرالين الأفغانيين والمستشار الروسي.

وكان يعتقد في بادئ الأمر أن (شاه نواز) كان بداخل الطائرة. ولكن صوته جاء لينبعث مرة أخرى من إذاعة خوست ليعلن مصرع الجنرالين ويعلن أيضاً أن (جاور) لم تسقط بعد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

الطائرات تلقي منشورات إسلامية :

لم يفلح رئيس الأركان في دفع جنوده لإقتحام الكيلومترات القليلة الباقية للوصول إلى قاعدة (جاور).فقد أصبح الطوق الدفاعي حول القاعدة رهيباً. وكان على القوات المهاجمة أن تدفع ثمناً باهظاً في الأرواح مقابل كل بوصة تستولي عليها.

ولم تفلح غارات الطائرات في تكسير الطوق الدفاعي للمجاهدين رغم استخدامها للنابالم والقنابل العنقودية. وجوبهت بنيران كثيفة من الأسلحة المضادة للطائرات لدى المجاهدين. قرر (شاه نواز) بسرعة أن يغير تكتيكه في الهجوم. بدأ خطتة الجديدة بمحاولة لإضعاف معنويات المجاهدين. فأخذت طائرات الهيلوكبتر تلقى أطناناً من المنشورات تشيد بحكومة الرئيس “كارمل” وتدعي أنها حكومة إسلامية وتعمل لصالح الإسلام.

وتشيد بالسوفييت والجيش السوفييتي كصديق جاء يدافع عن الشعب الأفغاني.. وتهاجم المجاهدين وتدعي ضدهم شتى الإدعاءات. ووقف المجاهدون موقفاً عملياً من منشورات (شاه نواز) فكانوا يجمعونها ويستخدمونها كوقود يطبخون عليه طعامهم ويصنعون عليه الشاي الأخضر. أخذ (شاه نواز) يعيد توزيع قواته وركز قوات جديدة على ميمنة وميسرة (جاور) ليصبح الهجوم من ثلاث شعب بدلاً من شعبة واحدة. شعبة تنطلق من (باري) الواقعة على يمين جاور، وشعبة أخرى من دارجي الواقعة على يسارها،  بجانب الهجوم من المحور الأول من (ليجاة) في اتجاه (جاور)

 

انهيار الجنرال :

كانت معنويات الجنود في تدهور مستمر نظرا لطول فترة الاشتباكات و لعدم قدرتهم الاحتفاظ بمواقعهم الحساسة أمام الهجمات المضادة للمجاهدين. وفقد (شاه نواز) بريقه في أعين الجنود وصاروا يتثاقلون في تنفيذ الأوامر. بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى رفض أوامر التقدم  واحتلال قمم الجبال. حتى الضباط بدأ ينتشر بينهم التذمر. وسجل المجاهدون محادثات لاسلكية بين الضباط وقياداتهم  في خوست.

 وبين العسكريين في خوست والقيادات في (كابول) تبادل فيها الجميع  أفحش السباب واتهامات الجبن والعمالة. في المقابل فقد رئيس الأركان ثقته بالضباط وصار يتنقل بواسطة سيارة مدرعة ليشرف بنفسه على  تنفيذ الأوامر من موقع إلى آخر.

وصار يقضي معظم ساعات الليل والنهار في الحركة الدائبة ليشرف على الأمورجميعها بنفسه. وصار الجنرال المشهور أكثر عصبية وانتابته حالة من الهياج الشديد. وأخذ يوزع السباب واللكمات على الضباط والجنود، وأدرك الجميع أن “شاه نواز” الشهير قد فقد الثقة بنفسه أيضاً، وبدأ ينهار.

 

نهاية شاه نواز:

في صباح العشرين من سبتمبر ركب (شاه نواز) سيارة مصفحة وبرفقته اثنين من المستشارين السوفييت الذين أصبح لا يثق إلا بهم بعد أن تقاعس ضباط الجيش وفترت همتهم. ركب في المدرعة أيضاً أربعة من الجنود لحراسة الجنرال والمستشارين وأمر (شاه نواز) سائق المصفحة أن يتحرك بهم من (دراجي) إلى (البتلون) جنوبي خوست. أسرع السائق يلبي الأمر، وسلك الطرق الفرعية الوعرة متفادياً الطريق الرئيسي .  فنهره الجنرال  وأمره باستخدام الطريق الرئيسي، ولكن السائق ارتبك وحاول أن يشرح للقائد أن الطريق قد يكون مزروعاً بالألغام.

فثارت ثائرة الجنرال وجن جنونه ورماه بالجبن وأسمعه سيلاً من الشتائم العسكرية البذيئة. انحرف السائق جهة اليسار ليستخدم الطريق الرئيسي وقد امتقع لونه هلعاً من الجنرال وخوفاً من احتمالات الموت المتربص تحت تراب الطريق. وبعد أمتار قليلة حدث ما كان يخشاه السائق وانفجر لغم مضاد للدبابات تحت السيارة المصفحة فقُتل الجنرال والمستشارين على الفور. وكذلك الحراس الأربعة بينما جُرح السائق جراحاً خطيرة.

 

كذبة واحدة أضاعت الهجوم:

لم يعلم المجاهدون بمصرع (شاه نواز) إلا من إذاعة خوست. وأُذيع النبأ من  إذاعة خوست ثلاث مرات ثم عادت لتنكره مرة أخرى. وفي اليوم التالي تأكد النبأ من راديو كابول كما أكده أيضاً العديد من الضباط والجنود الأفغان بل من بعض ضباط الإستخبارات الأفغانية الذين فروا أو سلموا أنفسهم للمجاهدين. كان الفارق بين حادثة سقوط الهيلوكبتر ومصرع ( شاه نواز) أربعة أيام فقط. وبسبب كذبة (شاه نواز) التي ادعى فيها سقوط (جاور) لقي إثنين من كبار الجنرالات الأفغان مصرعهم في الهيلوكبتر التي جاءت لتشهد سقوط جاور. وبعدها فقد الجنرال أعصابه وأمر سائق سيارته أن يسير في طريق ملغوم. فقتل هو أيضاً. وبهذا كانت كذبة الجنرال السبب الرئيسي في فشل كل البرنامج العسكري الضخم الذي أعده السوفييت وحكومة كابول من أجل إخضاع محافظة باكتيا.

 

اجتماع جنائزي:

هبطت في خوست طائرات هيلوكبتر تحمل كبار رجال الجيش والحكومة لبحث الكارثة التي حلت بأكبر عملية عسكرية شهدتها أفغانستان منذ الاحتلال الروسي للبلاد. حضر سليمان لايق وزير شئون القبائل وجولاب زاي وزير الداخلية الذي راهن على زوجته بأن (شاه نواز) لن يستطيع دخول قاعدة  (جاور).ولا شك أنه شعر بالسرور لأن زوجته قد خرجت سالمة من هذا الرهان الحرج. حضر أيضاً الجنرال (أسلم وطنجار) البطل القومي للشيوعيين في أفغانستان. وبعد مباحثات استمرت عدة  أيام قرر الجميع أنه لا فائدة من متابعة الهجوم.

 

حقاني يستعيد ليجاة:

لم يكد المجتمعون في خوست ينفضون حتى كان جلال الدين حقاني على رأس رجاله قد طهروا تماماً قمم الجبال في ليجاة. ودفع جنود الحكومة بلا هوادة حتى أدخلهم مرة أخرى إلى وادي خوست ورفع رجاله آلاف الألغام المضادة للأفراد كان الجيش الأفغاني زرعها فوق الجبال وفي الوديان. وأعادوا زراعتها في الطرق التي يمكن  أن يستخدمها جنود الجيش. اندفعت مجموعات كثيرة لتطهر المناطق الشرقية من جاورفي (باري)، والغربية في (دارجي) وفي غضون أيام قلائل عاد الوضع العسكري حول خوست لما كان عليه قبل بداية الحملة العسكرية. باستثناء أن جلال الدين لم يرسل رجاله إلى وسط، الوادي في (لاغوراي) نظراً لكثافة الألغام التي وضعتها الحكومة حول المنطقة.

 

 

مدرسة الحرب:

يقول حقاني: إن القوات الحكومية فقدت سبعة جنرالات في معارك خوست وهذه أكبرخسارة تقع بالجيش الأفغاني منذ بداية الجهاد. ونحن أيضاً خسرنا اثنين من أفضل قوادنا باستشهاد مولوي (أحمد جول) ومولوي فتح الله حقاني بالإضافة إلى استشهاد القائد الشجاع (داد مير) الذي استشهد في الأيام الأخيرة للمعركة وظل المجاهدون يقاتلون لمدة أربعة أيام لكي يستعيدوا جثته من منطقة تسيطر عليها القوات الحكومية. إن خسائر مثل هؤلاء القادة الكبار أمر محزن لجميع المجاهدين. ولكن الدروس التكتيكية التي استفدنا منها فى هذه المعركة لا تقدر بثمن وسوف تساهم في تطوير تنظيمنا القتالي بدرجة كبيرة.

 

تعليقات على المقال:

(1) .. حملة السوفييت هذه على باكتيا فازت بهذا اللقب، أشرس حملة عسكرية منذ التدخل السوفييتي. وفازت بنفس اللقب حملة عام 1986 ضد جاور. وقد كانت فعلاً أشرس من حملة 1985. ثم جاءت حملة شتاء (88/87) لتصبح أكبر حملة فازت بتغطية إعلامية دولية وسوفيتية رغم كونها مجرد تمثيلية ومؤامرة لتغطية السوفييت وحفظ شرفهم العسكري قبل الانسحاب. وحملة العرب في جاجي (بقيادة أسامة بن لادن) كانت أخطر وأهم عمل للعرب في أفغانستان وبداية مولدهم الجهادي. ومعركة خوست التي انتهت بفتح المدينة في مارس 1991، كانت الضربة القاصمة للنظام وأدت إلى إسقاطه. وهكذا كانت باكتيا في تاريخ تلك الحرب، هي الحلقة المحورية التي شكلت نهايتها المنتصرة.

(2) .. نجاحات حقاني العسكرية، وزيادة توافد العرب إلى جبهاته إلى حدٍ ما. زاد من قيمة التسهيلات الاقتصادية التي يحصل عليها من تجار منطقة القبائل. وقد كَبَّدَهُ فتح خوست وحدها ديوناً بلغت أكثر من خمسين مليون روبية باكستانية لم يستطع حقاني تسديدها فى وقتها نظراً لتوقف التبرعات الخارجية .

(3) .. ظل الاعتقاد سائداً لعدة أشهر أن شاه نواز قد قُتل فعلاً في ذلك الحادث. ولكنه أُصيب إصابات بليغة وفقد الوعي في الحادث حتى ظنوه في البداية قتيلاً خاصة وهوغائص في بحار من الدماء وسط أشلاء من جثث مرافقيه. وقد نُقل الجنرال إلى كابول واختفت أخباره لفترة طويلة، ثم عاد مرة أخرى على قمة الجهاز العسكري الأفغاني. وكانت مفاجأة غير سارة للمجاهدين في مارس 1990 حين قام بعملية انقلاب فاشلة وفرَّ من كابول إلى باكستان ليعلن تحالفه مع حكمتيار من أجل إقامة حكومة (ثورية إسلامية).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 12