سياسة الأرض المحروقة

سياسة الأرض المحروقة و إبادة المدن

سياسة الأرض المحروقة و إبادة المدن

 

سؤال من سوريا الي ابوالوليد المصري:

– إغيثونا ما هو الحل لسياسة الأرض المحروقة ، و إبادة المدن بالكامل ؟؟.

 

الجواب :

– سياسة الأرض المحروقة ، هى حرمان العدو  من الإستفادة من إمكانات أرض يحتلها ــــــ أومن الممكن أن يحتلها ـــــ سواء فى توفير الطعام أو المسكن أو حتى القوة البشرية .

فيجد العدو أرضا خالية لا تفيده كثيرا ، بل تحتاج منه إلى مجهود كبير لإعادة إحيائها للإستفادة منها . وذلك أمر صعب جدا وقت الحرب .

إتبع الروس تلك السياسة ضد غزو نابليون ثم هتلر ، ونجحوا فى الحالتين نجاحاً كبيرا ، غير من مسار الحرب فى روسيا و أوروبا و العالم .

فى حروب العصابات من مصلحة العدو أن يتبع نفس السياسة لحرمان رجال المقاومة من الإسناد الشعبى ، فيعمد إلى تهجير السكان قصرا بالقتل والقصف والتهديد . حتى فى الأماكن التى تسيطر عليها المقاومة فى عمق الجبال ، يستهدف طيران العدو  تدمير القرى الجبلية الصغيرة . و مضارب البدو وقطعان الماشية ـ حدث ذلك فى أفغانستان أيام السوفييت. فعند حدوث عملية كان العدو يقصف جوا نطاقا عميقا حول مكان العملية ، فتطال قرى فى الجبال حتى أن الكثير منها أصبح خاليا تماما .

فى المدن يعتمد المجاهدون على العمليات النوعية ـ صغيرة وكبيرة ـ ويعتمد العدو على المجهود الإستخبارى والمجموعات الضاربة المدربة وقوات الشرطة العادية .

فللمدن وضع حساس جدا عند الطرفين فى حرب العصابات وحتى فى الحرب التقليدية. ولكن الحسابات فى حروب العصابات تختلف . فقوة الإحتلال تبدأ من المدن زحفا صوب مناطق المجاهدين فى الأماكن الوعرة (الجبال ـ المستنقعات ـ الصحارى ..) والعكس تماما عند المجاهدين فهم يبدأون من المناطق الوعرة وتنتهى حربهم بالنصر عند المدن (الصغيرة فالكبيرة ) وصولا إلى العاصمة التى عندها يصبح نصرهم تاما ـ ليبدأوا مرحلة جديدة مختلفة وأكثر صعوبة هى مرحلة إعادة بناء الدولة و إنشاء نظامهم الجديد

يبدأ المجاهدون فى إقتحام المدن بعد أن تكتمل سيطرتهم على الأرياف أو الجزء الأكبر منها ، ومن قبلها تحرير الجبال ، ثم يبدأون فى قص أجنحة المدن من الأطواق الخارجية ، وقطع الطرق المؤدية إليها ، وكذلك وسائل النقل الجوى بإستهداف المطارات . ثم بناء مجموعات سرية داخل المدن تحت السيطرة ، بحيث تنشط عند طلب المجاهدين وحسب توجيهات محددة بنوع العمليات وربما توقيتها أيضا . فالعمل فى المدن يتميز بالإنضباط الصارم ، أكثر بكثير من الحال فى قتال الجبال والأرياف .

عند وصول المجاهدين إلى مرحلة الهجوم على المدن ، يكون الجيش الحكومى قد وصل إلى درجة من الإنهاك بحيث تقل عملياته الهجومية ، ويلجأ إلى الدفاع الثابت فى معظم الأحوال ، وتصبح حملاته الكبرى نادرة وفاشلة ومعنويات الجيش منخفضة للغاية .

حتى سلاح الطيران الذى تزيد أعباءه إلى درجة كبيرة نتيجة لإعتماد القوات الحكومية عليه بشكل متزايد لحمايتها حتى فى مواقعها الثابتة التى تتعرض لهجمات ، يصبح ذلك السلاح متعبا وأقل نشاطا وأضعف تركيزا .

– عند فتح مدينة خوست فى 1991 كان الطيران نشطا بجنون لمدة 3 أسابيع هى مدة المعركة . وبعد إقتحام المجاهدين للمدينة لم يظهر نشاطا يذكر . ولم يقصف المدينة مكتفيا بغارات قليلة جدا على أطرافها ـ وعموما كانت المدينة شبه خالية من السكان .

وليس بها إلا المجاهدون الموزعون فى مساحة كبيرة داخلها مع حراسات وطوق أمنى واسع جدا وتحت السيطرة منذ زمن طويل ، لأن المدينة كانت محاصرة بريا منذ سنوات .

بسقوط خوست سقطت (النظرية الأمنية للنظام ) وهى فى الواقع نظرية أمن كل مستعمر يعتبر المدن ورقته الأساسية فى البقاء وفى مساومة المجاهدين عند مفاوضات النهاية . حتى أن الرئيس الأفغانى وقتها (نجيب الله) قال قبل المعركة متحديا : ” إذا سقطت خوست فسوف أستقيل وأترك منصبى” ولكنه لم يفعل . فلا أحد من حكامنا يترك منصبه طوعا إلا  وهو جثه هامدة . وهكذا بقى نجيب حتى بعد سقوط كابل ، محتميا بالأمم المتحدة ، إلى أن إستولت حركة طالبان على الحكم ، وعلقته على أحد أعمدة الإضاءة فى العاصمة كابل .

–  أى محاولة لإقتحام المدن قبل بلوغ العدو مرحلة الإنهاك ، تكون محكومة بالفشل الدامى . وحدث ذلك فى أفغانستان وقت السوفييت .

–  وجهاد أفغانستان حاليا ملىئ بالدروس فى جميع النواحى ، حتى أن النظريات التقليدية لحرب العصابات نالتها تغييرات هامة .

فلم يسبق فى التاريخ مثل تلك المواجهة فى ظل تقدم خيالى فى إمكانات التسليح لدى العدو ، مع وجود الحركة الجهادية فى حصار شبه تام من الجوار ومن العالم ، وعدم مبالاه إسلامية . وتخلف هائل فى التسليح مقارنة بما لدى العدو  من قدرات .

حرب المدن حاليا فى أفغانستان جديرة بالدراسة . وقد خاضوا عدة عمليات إقتحام لم تنجح ، ليس بسبب قوة جيش العدو( فهى لا شئ أمام معنويات المجاهدين . وحتى قوات المستعمر البرية كذلك) . ولكن طيران العدو له قدرات خيالية ، خاصة وأنه غير محدود العدد  و قواعده كثيرة داخل أفغانستان وحولها ، خاصة فى الخليج (العربى!!) من قطر والسعودية والإمارات .

فما هو الحل ؟؟ .. ذلك هو السؤال المعضل . ولكن يبدو وكأن حلاً  ظهر فى أفغانستان لمشكلة إقتحام المدن وتحريرها . وتجربة غزنى الدائرة منذ العاشرة من شهر أغسطس الحالى . وحتى لحظتنا الحالية (15 أغسطس) ، لم يهاجم الطيران بنفس الوحشية التى تعودها فى أفغانستان . وكما فعل مثلا عند تحرير مدينة قندز فى الشمال . ومدينة فراه فى الغرب ، و مدينة لشكر جاه عاصمة هلمند .

السؤال الذى هو موضع التخمين هو .. لماذا ؟؟ . على أى حال ما حدث فى غزنى حتى الآن ملئ بالدروس الهامة . لقد إقتحمتها حركة طالبان فى غضون يومين فقط (!!) وما تبقى من أيام كان لتطهير مناطق محاصرة داخل المدينة ولجمع الغنائم والأسرى . وهذا وقت قياسى ومذهل بالنسبة لمدينة كبيرة وهامة وأساسية مثل غزنى ، بما يدل على حالة ضعف غير عادية فى جيش النظام وفى قوات الإحتلال الأمريكى .

والطيران إكتفى حتى اللحظة بقصف منطقة تتجمع فيها دكاكين متواضعة الحال فأحرقها تماما . فكان رد حركة طالبان أن سمحت للتجار بتعويض خسائرهم من ممتلكات الحكومة فى المدينة . فانطلقوا لتحصيل حقوقهم بأيديهم ، ليكون التجار وسكان المدينة فى صف المجاهدين قلبا وقالباً .

ويبقى السؤال : لماذا لم يدمر الطيران الأمريكى المدينة حتى الآن ، وكما جرت عادته فى أفغانستان ؟؟ .

 لا جواب قاطع حتى الآن سوى الإفتراض بوجود عناصر هامة جدا ، أمريكية أو إسرائيلية ضمن المحاصرين فى المدينة ، جارى البحث عنهم ، أو تم بالفعل القبض عليهم والتحفظ عليهم سرا ، مع  البحث عن أسباب أخرى تجيب على هذا السؤال .. لماذا ؟؟ .

تسأل عن إبادة المدن بالكامل .

بالنسبة لأوضاع حروب العصابات ، فإن ما سبق يكفى للإجابة . ولكن أظنك تعنى ما حدث فى سوريا . وهذا أيضا سبق الحديث عنه فى نقاشات على هذا الموقع . ونكرر  مرة أخرى أن المجموعات التى قاتلت فى سوريا ، لم تتخذ بنفسها قرار الحرب . كما أنها لم ترسم استراتيجية الحرب . ولكن القرار والاستراتيجية جاءت من دول الخليج ، مع سيل الإفتاءات التحريضية والتعبئة الإعلامية المضللة التى جذبت الشباب وحمستهم .

المال توفر بغزارة ( وهذا واحد من أسباب الإنحراف)   وكذلك الأسلحة الحديثة والوفيرة (مسبب آخر للإنحراف ) .

–  الاستراتيجية العسكرية فى سوريا كانت الإستيلاء على المدن من الداخل .كانت وصفة خراب لسوريا الوطن ، ودمار لسوريا الشعب ، وإلغاء لدور سوريا المستقبلى فى شئون المنطقة بعد تحويلها إلى مجموعة دول طائفية ( منها دول لأهل السنة والجماعة !!) .

وتتسيد إسرائيل على جميع سوريا المجزأة ، وأيضا العراق العليل بالطائفية والفساد والإحتلال والتقسيم . وهكذا كل ميدان تزوره سلفيتنا الجهادية التى فقدت زمام السيطرة على نفسها وعلى قرارها ، ولا تمتلك من زمام المعارك سوى الحماس والدم . ولكن لا تخطيط ، ولا معرفة ، ولا دراية بشئون العالم .

–  الإستيلاء على المدن من الداخل ، تستدعى كرد فعل تلقائى من أى نظام حكم متماسك قليلا ، أن يقصف المدن برا  وجوا وحتى بحرا إن أمكن .

فمن الخطأ أن نتوقع رد فعل غير ذلك من أى نظام حكم أيا كان نوعه . لأن أهم واجبات نظام الحكم هى الحفاظ على الأمن والإستقرار الداخلى ، واستتاب الأمور للنظام القائم .

فإذا إستولينا على المدن فى بداية الحرب، والنطام مازال بكامل قوته أو فى معظم قوته . وجيشه يعمل بكفاءة ولم يتم إستنزافه بعد ، فليس لنا أن نبكى ونشهر بالنظام لأنه حول المدن إلى مقابر جماعية .

اللوم الأساسى على من وضع مثل هذه الاستراتيجيه الغبية للحرب .  لا أحد له مصلحة فى دمار سوريا بهذا الشكل إلا إسرائيل . لذا فهى المخطط الأول للحرب علىى سوريا بهذا الشكل الذى تم بالفعل ـ

من المعيب للتيار الجهادى السلفى أن يواصل الإستمرار فى حرب غبية ومجدبة إلى هذه الدرجة . فإذا كان الشروع فى تلك الحرب وبتلك المواصفات جريمة كبرى ، فإن الإستمرار فيها حتى النهاية هو خيانة عظمى .

التيار الجهادى العربى يجب أن يحرر نفسه أولا من الأيدلوجية الوهابية وما تفرضه من جهالة فى كل ما يتعلق بالجهاد من معارف ونشاطات .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




المدنيون وحرب المدن

المدنيون وحرب المدن / طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (2من2)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد 145 | رجب 1439 هـ / مارس 2018 م .

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (2من2)   

دراسة فى أنواع الثورات وتحدياتها :

المدنيون وحرب المدن

–  أساليب تزييف الثورات الشعبية والإنتفاضات المسلحة .

– مخاطر التحول من الثورة السلمية إلى المسار العسكرى .. وبالعكس .

– حركة طالبان حركة إسلامية شاملة ، ليست طائفية ولا شعوبية . نجحت فى حشر الولايات المتحدة فى مأزق تاريخى لم يسبق لها المرور بمثله .

– إذا حصلت حركة طالبان على صواريخ مضادة للطائرات ، فكم يوما سيبقى الأمريكيون فى أفغانستان ؟؟.

–  فى تجديد غير مسبوق فى حروب العصابات: عند تدخل طيران دولة عظمى فى الصراع المباشر .. حركة طالبان تعثر على الحل البديل للإستيلاء على المدن.

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

تزييف الثورات :

معلوم أن وسائل التغيير الجذرى فى أوضاع المجتمع لها سبيلان أساسيان هما :

1 ــ الثورة الشعبية .

2 ــ حرب العصابات .

( ونحن فى غنى عن تكرار القول بأن الإنقلاب العسكرى ليس سوى تجديد لصياغة الحكم المستبد الفاسد . فالجش هو الركيزة الأولى للأنظمة المستبدة العميلة للأجنبى . ولتغيير تلك الطبيعة القاتلة يجب تغيير الجيش نفسه وإنشاء جيش جديد موال للشعب وأهداف ثورته. ونفس الشئ يقال عن أجهزة الأمن والإستخبارات ).

كُتِبَ الكثيرعن هذين النوعين من التغيير الجذرى/ من اقع التجارب الكبرى الناجحة/ فى محاولة لإستنتاج القوانين الخاصة بكل منهما .

– ونلاحظ أن المعسكر الدولى الإمبريالى عالج مشكلة التغيير الجذرى فى البلاد المتخلفة والساعية نحو التحرر من سيطرته ، فابتكر نسخة مزورة من وسائل التغيير الجذرى تلك ، بحيث لا تصل إلى غايتها المنشودة بإحداث التغيير السياسى والإقتصادى والإجتماعى فى الدول الثائرة . بل ينتج عنها عكس ما كان متوقعا منها ، أى مزيد من المعاناة والتمزق والإنتكاس إلى حالة أشد بؤساً . والوقوع فى براثن أنظمة أشد قسوة وخضوعا للغرب الإمبريالى . مع أوضاع إقتصادية أسوأ ، بشركات عابرة للقارات تحكم قبضتها القوية على جميع مصادر الثروات الأساسية وتغرق الشعب فى ديون يستحيل سدادها إلى الأبد .

تلك النسخ المزورة ــ والمدمرة ــ مأخوذة من الوسيلتان التقليديتان أى (الثورة الشعبية ـ وحرب العصابات ) .

– فتحولت الثورة الشعبية فى نسختها المزورة إلى ثورة ملونة . (جورجيا ـ أوكرانيا ).

– وتحولت حرب العصابات إلى حرب بالوكالة (الحرب ضد السوفييت خاصة على مستوى الأحزاب الأفغانية ـ الحرب الأهلية الأسبانية 1936 ـ حروب عديدة فى أمريكا الجنوبية ) .

– ثم الثورة الهجين ـ وهى الأشد فتكا ـ فعندما تفشل الثورة الملونة تتحول إلى حرب بالوكالة ، أى تمرد مسلح فوضوى ، يتبع بعض تكتيكات حرب العصابات بدعم خارجى فتكون خسائر الشعب ومعاناته مضاعفة. ( سوريا ـ ليبيا ـ الجزائر فى التسعينات).

أساسيات التغيير الشامل :

رغم المسارات المختلفة لكل من الثورة الشعبية وحرب العصابات فإن لهما أساسيات واحدة :

1 ــ عقيدة إيمانية راسخة ، وثقة فى الإنتصار .

2 ــ وجود نظرية للتغيير الشامل والجذرى فى المجتمع ، من النواحى الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية.

3 ــ القائد الذى يجسد نظرية التغيير ويمكنه المواءمة بين مقتضياتها وبين الظروف المتغيرة فى مراحل الثورة .

4 ـ التنظيم الثورى الذى يربط ما بين القائد والشعب ، ويقود الثورة فى مختلف الميادين، ويتحمل معظم تضحياتها . مؤمنا بعقائده ، واثقا فى قيادته .

5 ــ حاضنة شعبية مستعدة للتضحية ، مؤمنة ، واثقة فى التغيير ، واثقة فى القيادة الثورية ، محبة لكوادر الثورة العاملين فى خلايا المجتمع .

إستحالة التحول من صورة إلى أخرى :

طبيعة الثورة الشعبية تختلف جذريا عن طبيعة حرب العصابات . لذا فإن طبيعة الإعداد لأى منهما يختلف ، سواء عند إعداد الكوادر أو شحن وتنظيم القواعد الشعية ، أو التجهيزات المسبقة للحركة . كما أن تركيبة التنظيم الثورى تختلف جذريا فى الحالتين . لهذا يكون من المستحيل التحول من صورة إلى أخرى ، بإستخدام نفس الآليات التنظيمية والتعبئة الشعبية .

ــ وفى حالة فشل إحدى الطريقتين ، وإتخاذ قرار بالتحول إلى الصورة الأخرى (من الثورة الشعبية إلى حرب العصابات ) يلزم مرور زمن كاف لبناء كل شئ من جديد، قبل البدء بالصيغة الأخرى (من الثورة الشعبية إلى حرب العصابات .. أو العكس) .

ــ مع العلم أن حرب العصابات يمكنها تدبير إنتفاضات ثورية محدودة جدا فى المدن لإضعاف النظام وتشتيت قواه ، وإثارة الحماس الشعبى . بدون التخلى عن أسلوب حرب العصابات كمسار رئيسى . مع مراعاة رد الفعل العسكرى على تلك المظاهرات الشعبية (تجربة هيرات فى أفغانستان عام 1979 والرد العنيف الذى أدى إلى إستشهاد 30,000 مواطن أفغانى).

 وبالمثل ، فالثورة الشعبية قد تستعين بضربات مسلحة محدودة فى المناطق النائية ، أو حتى فى المدن . وغالبا ما تكون عمليات إغتيال مدروسة أو عمليات تخريب ذات دلالة سياسية.

بداية مختلفة ، ومسار جغرافى متعاكس :

تبدأ الثورة الشعبية من المدن الكبرى وخاصة العاصمة ، ثم تمتد بالتدريج إلى الأرياف والمناطق البعيدة . بينما حرب العصابات تأخذ مسارا معاكسا : إذ تبدأ فى أشد المناطق وعورة من الجبال والغابات والصحارى ومناطق المستنقعات ، وأثناء تقدمها تتجه نحو الريف ثم المدن الصغيرة ، ثم العاصمة فى نهاية المطاف . ونلاحظ أن المسار متضاد فى الحالتين :

فشعار الثورة الشعبية هو : { من المدينة إلى الريف والجبل } .

وشعار حرب العصابات هو : { من الجبال إلى الريف والمدينة } .

 الإختلاف فى إستراتيجية الإنتصار :

  الثورة الشعبية تهدف إلى إحداث شلل فى أجهزه النظام بحيث يعجز عن إدارة البلاد. فتستولى الثورة على الحكم . وتبادر( كما هو الحال أيضا عند إنتصار حرب العصابات) بعملية تطهير آثار النظام السابق من سياسات وعناصر ، وبناء أجهزتها الجديدة وفق مبادئ ثورتها ، خاصة الأجهزة المسلحة من جيش وشرطة وإستخبارات ، وإعلام وتعليم ، مع ضرورة تغيير بنية الإقتصاد بما يتناسب مع رؤية الثورة ونظامها الإجتماعى الجديد .

بالطبع يتغير المسار السياسى للبلد ، بما يحقق الإستقلال وسلامة أراضى الوطن واسترداد حقوقه ، والتعاون خارجيا مع الدول التى هى أقرب إلى تفهم النظام الجديد والتعامل الإيجابى معه .

– يلاحظ أن الثورة الشعبية السلمية (الإنتفاضة) عند إستيلائها على السلطة تكون أجهزة الدولة سليمة ولكنها فاقدة المعنويات والثقة بالنفس. وقاعدة الإقتصاد والبنية التحتية سليمة  والخسائر بشكل عام محدودة.

– ما سبق معاكس لما تكون عليه الحال فى حروب العصابات التى تعتمد على تحطيم قوة الجيش والأمن تدريجيا عبر قتال طويل . كما أن البنية التحتية تتأثر بشدة نتيجة للعمليات العسكرية ، وبالتالى خسائر الإقتصاد تكون فادحة ، وأيضا الخسائر فى أرواح المدنيين نتيجة سياسات العدو الوحشية ، الهادفة إلى منع الشعب من دعم الثوار .

فإحدى القواعد العامة لحرب العصابات تقول { إن الشعب هو البحر والثوار هم الأسماك التى تسبح فيه} . وذلك للدلالة على حتمية الإرتباط والتواجد المادى للثوار فى أوساط الشعب ، وعدم الإنعزال عنه ، لا شعوريا ولا ماديا . فمن الشعب تأتى كافة أنواع القوة المطلوبة للمضى بالصراع حتى نقطة الإنتصار. فالثورة المسلحة تنجح إذا كانت تعبر عن آمال الشعب.

– يجب ملاحظة أن هذه القاعدة صحيحة أيضا فى حالة الثورات الشعبية( الإنتفاضة) ، بل هى الفيصل ليس فقط بين النجاح والفشل ، بل الفيصل بين الثورة الشعبية الحقيقية ، والثورة المزيفة والمسماه الثورات الملونة والتى وصلت إلى البلاد العربية تحت إسم (الربيع العربى) سئ الذكر والذى إنحدر بحالة الشعوب إلى الدرك الأسفل .

بين الثورة الحقيقية والثورة الملونة :

– من الفروق الجوهرية أن مطالب الثورة (الإنتفاضة) الحقيقية لها طابع جذرى يمتد إلى جميع مفاصل الحياة . بينما الثورات الملونة تتبنى إصلاحات جزئية تتعلق ببعض الحريات الشخصية والإنفتاح الإقتصادى والسياسى ، بينما فى الإقتصاد بالكاد تطرقت إليه ، وعلى أساس الوصفة الغربية للدول المتخلفة إلى الأبد ، أى الإعتماد على السياحة والإستثمار الخارجى والقروض ، بدلا من الإعتماد على الموارد الذاتية وبناء إقتصاد إنتاجى حقيقى .

 مسار تلك الثورات يتطابق بالكامل مع فلسفة النظم الغربية ، لذا ينتهى بها المطاف إلى تبعية كاملة للغرب وتفريط كامل فى الثروات وضياع القرار السياسى والسيادة الوطنية .

– نلاحظ أن دول الغرب صفقت طربا لثورات الربيع العربى وتفاخرت بأنها ثورات ليبرالية صديقة للغرب. فقيادات تلك الثورات وجهوا خطابهم السياسي إلى دول الغرب أكثر من توجيهه إلى شعوبهم . وكانت القيادات تسعى إلى الحصول على رضا الغرب وتأييده أكثر من إعتمادها هلى تعبئة الشعب وحشده من أجل إحداث تغيير حقيقى .

– الغرب يستخدم الثورات الملونة لقلب أنظمة الحكم المعادية ــ أو تلك المنتهية الصلاحية ــ أو لإحداث تغييرات كبيرة فى وقت قصير بواسطة قوى عميلة نشطة وطموحة وقاسية .          أو لإستباق ثورات حقيقية محتملة ، فتأتى الثورة الملونة (المزيفة) كضربة إجهاضية تمنع حدوث الثورة الحقيقة وتقطع الطريق عليها . وقديما كان الإنقلاب العسكرى يؤدى تلك المهمة الإجهاضية (إنقلاب العسكرى الأول فى مصر عام 1952) ، وما زال يؤدى نفس الدور حسب توافر الظروف . وقد رأينا أن الإنقلاب العسكرى الثانى فى مصر( عام 2013) وقد جاء تاليا للثورة الملونة ، من أجل إكمال ما فشلت فى تحقيقة قيادة الإخوان الضعيفة والمهترئة .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

بين حرب التحرير .. والحرب بالوكالة :

حرب التحرير هى ثورة شعبية مسلحة ذات أساليب عسكرية تأخذ شكل (حرب العصابات) . هذا المنحى العسكري الصعب للثورة تفرضه عدة عوامل هى :

1 ـ إستحالة أى سبيل آخر للتغيير ، وتيقن الشعب من ذلك .

2 ـ جغرافية البلاد تساعد على نشؤ حرب عصابات ناجحة .

3 ـ جاهزية الشعب للقتال طويل المدى ، مع تحمل كافة تكاليفه وتبعاته .

4 ـ من الأفضل (وليس من المحتم) وجود جوار صديق للثورة . ومن الأفضل أن تكون بداية الثورة قريبة من ذلك الجوار .

تعدد التنظيمات .. فى الثورة وحروب التحرير(العصابات) :

تعدد التنظيمات يتسبب فى تشتيت قوى الشعب ، ويؤدى إلى فشل الثورة الشعبية السلمية أو حرب التحرير(حروب العصابات) فى تحقيق أهدافهما والإنحراف عن المسار ونشوب حروب داخلية.

 – كعلاج مؤقت تلجأ الأحزاب المختلفة إلى عقد تحالف فيما بينها على شكل جبهة: (جبهة التحرير الجزائرية ـ منظمة التحرير الفلسطنية ـ الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ) .

وبينما إستطاع الجزائريون الإحتفاظ بجبهتهم حتى حققت هدفها من التحرير، فإن منظمة التحرير فشلت فى تحقيق الهدف منها ، وكانت مجرد ستار للتدخل العربى فى شئون الفلسطينين لإفشال نضالهم .

والإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، تحول إلى مجرد حزب عادى مثل باقى الأحزاب الفاسدة. والتى إجتمعت على شئ واحد بعد دخولها إلى كابول وهو الحرب الأهلية المدمرة ،  وإنشاء نظام فاسد خاضع لقوى خارجية متعددة ، ومنع ثورة الأفغان الجهادية من تحقيق شعارها بإقامة دولة إسلامية .

–  بالنسبة لتعدد التنظيمات خلال الثورات الشعبية ، ومخاطر تعدد التنظيمات فيها تحضرنا التجربة المصرية ، فحين سقط رأس النظام ، لجأ العسكر(المجلس العسكرى الحاكم) إلى حيلة بسيطة وهى فتح الباب لتشكيل الأحزاب . فتكون خلال فترة قصيرة للغاية حوالى مئة حزب سياسى . فتفرق الناس فى الشوارع شيعا وأحزابا إلى أن إستعاد الجيش زمام السلطة بشكل مباشر أشد قمعا وفسادا . وحتى اليوم لم يجتمع الناس على رأى حول سبل الخلاص . فقد فشلت الثورة ومضى زمانها  وكل ما تبقى منها هو الأحزاب المتنازعة !!.

– نتيجة لهذا التشرذم فى قوى الشعب الثائر سواء بإنتفاضة شعبية أو قتال مسلح ، فإن الباب يكون مفتوحاً على مصراعيه للتدخل الخارجى ، ويبحث كل طرف محلى عن داعم خارجى ، بما فى ذلك النظام الحاكم نفسه . فتتحول البلد الى ساحة صراع بين قوى خارجية متنافسة ، وتتحول جماعات الثوار ، وحتى النظام نفسه ، إلى مجرد “بغال تحميل” لقوى خارجية.  (أنظر الحال فى مصر بعد نجاح الإنقلاب العسكرى ، حيث هرب الإسلاميون إلى قطر وتركيا ، وهرب المعارضون العلمانيون إلى أوروبا وأمريكا ، بينما ذهب النظام إلى إسرائيل ودول الخليج الأخرى ) . ويمكن الإعتبار بالأحوال فى العراق وسوريا ، فكل تشرذم أخذ خريطة الإنتماء الأيدولوجى والسياسى الخاص به ــ وفى كل الأحوال كانت الشعوب هى الخاسر الأكبر ، وتمزقت الدول مع أمل ضعيف جدا فى التماسك مرة أخرى .

لماذا تأكل الثورة أبناءها ؟؟ .

إذا تمكنت التنظيمات والأحزاب من تشكيل جبهة مشتركة من أجل إسقاط نظام قائم أو إخراج محتل أجنبى ، فإن ساعة الوصول إلى السلطة ، تكون هى ساعة الفراق . فتتصارع القوى المختلفة وتتزاحم على غنائم السلطة من أجل تطبيق برنامجها الخاصة . فالذى يصل أولا إما لأنه الأكثر قوة ، أو لأنه كان الأسرع قفزا إلى كرسى الحكم نتيجة مصادفات معينة ، فإنه يدافع عن إمتيازه مستخدما أدوات الدولة فى إقصاء الآخرين بالعنف ، فتبدأ الصدامات والتصفيات . فيقال وقتها أن الثورة تأكل أولادها .

ومع هذا فإن الصدامات كثيرا ما تحدث قبل الإنتصار ويكون ذلك أوضح فى الثورة المسلحة نتيجة توافر الأسلحة بين الأيدى ، فيكون الحوار بالرصاص والمتفجرات . حدث هذا فى أفغانستان سابقا كما حدث فى سوريا والعراق ، وفى ليبيا واليمن .

 فى مصر ، أكل الجيش جميع قوى إنتفاضة يناير وجميعهم إعتبروا الجيش أخاً أكبر وكيانا وطنيا مقدساً ، فسمح لهم الجيش بالعبث عدة أشهر ثم دمرهم جميعا ، منفردا بحكم يأمل أن يكون أبديا بعون إسرائيلى خليجى .

 المدنيون فى ساحة الصراع :

الشعب (المدنيون) هو مادة الصراع . فهو منتج الحياة ومستخرج الثروات ومادة الجيوش .

فتتصارع الرؤى على الطريقة المثلى لإدارة شئونه إما لخدمته أو لاستغلاله واستعباده . تتنزل الديانات للهداية وتتصارع الأهواء على الإستئثار بالقوة السياسية والمالية .

قد يحاول الشعب فرض حقوقه بالثورة السلمية (إنتفاضة) أو بالثورة المسلحة (حرب عصابات) ، فإما أن ينجح ، أو أن يفشل فيستمر الصراع حتى لو تأجل النجاح إلى حين .

المدنيون فى الثورة الشعبية :

أى ثورة شعبية أو حرب تقليدية أو غير تقليدية يصاحبها حتما ضحايا من المدنين . والثورة الشعبية تكون عادة الأقل من حيث خسائر المدنيين ، فهى تستغرق فترة زمنية أقل ، ولا يعتمد فيها الثوار على إستخدام الأسلحة ـ إلا فيما ندرـ لأن سلاح الثوار هو العصيان المدنى والتجمع بالملايين فى ساحات المدن بهدف شل قدرة الحكومة على إدارة البلد ، ويعملون على إمتصاص هجمات الجيش والشرطة بالمراوغة والصمود وتحمل الخسائر بدون التورط فى مواجهات مسلحة كبيرة إلا قرب النهاية ، عند الإستيلاء على مقرات الجيش والشرطة والإدارات الحكومية وتطهيرها من العناصر التى لم تستسلم بعد .

وتلجأ ( الإنتفاضة) أثناء مسيرتها إلى تكوين وحدات صغيرة مسلحة لحراسة المنشآت الحيوية التى تم الإستيلاء عليها ، ولحفظ أمن المتظاهرين من هجمات البلطجية . وتسلح حرسها بالغنائم من الأسلحة . كما تنشئ وحدات حرس مسلحة فى الأماكن السكنية ، وعلى الطرقات العامة لحفظ الأمن من المجرمين والعصابات الإجرامية التى تديرها الدولة وتدفع لها بسخاء.

فى نهاية الثورة الشعبية السلمية (الإنتفاضة) يكون لدى قيادة الثورة نواة مسلحة تبنى حولها جيشها الجديد وأجهزتها الأمنية والإستخبارية على أنقاض الأجهزة الحكومية التى لا يجوز للثورة إستخدامها مرة أخرى كونها أجهزة قمع مهيأه نفسيا وعمليا على قمع الشعب وخيانة الوطن .

– بشكل عام فإن سلاح (الإنتفاضة) الشعبية هو التكتلات الكبرى من المدنيين ، الذين بتجمعهم وبتحركهم المدروس يشكلون سلاح (الإنتفاضة) الأول والأساسى .

أى بجملة واحدة : { الجماهير هى سلاح المواجهة فى الإنتفاضة الشعبية }.

وهدف السلطة الحاكمة فى حالة الإنتفاضة الشعبية هو : إرعاب الجماهير لصدها عن التجمع والتمرد ، فتواجههم بعنف مفرط منذ البداية . ولكن مع تعاظم الحشود وإصرارها تتفكك أجهزة القمع ثم تسقط السلطة الحاكمة.

المدنيون فى حروب العصابات ( حروب التحرير) :

حروب العصابات تختلف جذريا فى مسألة دور المدنيين فهم بالنسبة لها كالماء بالنسبة للسمك. فالجماهير هم الوسط الحيوى الذى يمد المقاتلين بوسائل الحياة والإستمرارية حتى النصر.  فالماء ليس بسلاح حرب ، بل هو مجال للعيش يجب الحفاظ عليه وعدم تعريضه لأى مخاطر إذا أمكن ذلك . فالجماهير ليسوا (سلاحا) يستخدم فى معارك حروب العصابات ـ مثل ذلك الإستخدام الكارثى الذى حدث فى سوريا .

وبينما الثورة تدفع الناس إلى الشوارع من أجل المواجهة ، لأن قوة الجماهير فى كثره عددها . فثوار حروب التحرير يجنبون الجماهير حتى من مجرد إحتمال التعرض لعمل إنتقامى من جيش الإحتلال (الأجنبى أو الوطنى ) وميلشياته المسلحة . وسواء كان الشعب يعيش فى المناطق المحررة أو يعيش فى المناطق الخاضعة لسلطة الإحتلال ، فإن الثوار يحافظون على سلامتة ، ويتجنبون أى أضرار قد تلحق به ، بل قد يقومون بالدفاع عنه بالسلاح إذا أمكن ، أو الثأر لما لحق به من أضرار سببها الإحتلال . ويكون من أكبر مهام الثورة المسلحة هو الحفاظ على حياة مواطنيها وأمنهم وسبل عيشهم ، وقوة إرتباطهم بالثوار المجاهدين عن الطريق المعامله النظيفة العادلة.

وفى حروب التحرير يكون شعار (الصراع على عقول وقلوب الجماهير)هو الأوضح . وهو صراع يستخدم فيه النظام الحاكم كافة الطرق المشروعة وغير المشروعة من أجل تحقيق الفوز . فيستخدم قواة الناعمة كلها ، من إعلام ودعاية ومنابر الدعوة الدينية ، مع رشاوى إقتصادية وسياسية على شكل إصلاحات غير حقيقية ولكنها تعطى مجرد إنطباع شكلى بحدوث تغيير وأن النظام بدأ يتغير من تلقاء نفسه ، وأن الهدؤ والصبر كافيان لإصلاح سلمى بلا صدامات تؤذى الجميع .

ويستخدم نظام الإحتلال الوسائل القذرة لتشويه صورة الثوار ، فيقوم بعمليات قتل وسطو وقطع طرق وعمليات ذبح جماعية وتفجيرات فى أماكن مدنية مزدحمة ، وينسب تلك العمليات إلى الثوار وتقوم آلته الدعائية بالتهويل اللازم . وأصدقائه فى الخارج يروجون ويضخمون ويستخدمون المنابر الدولية لتشويه الثوار لكسب تأييد عالمى واسع لعمليات النظام ضد الشعب على إعتبار أنها أعمال ضد الإرهاب .

– من جانبهم يعمد الثوار إلى تجنيب السكان بطش جيش الإحتلال والجيش الحكومى وأعوانهما . فيبعدون مناطق عملياتهم ، وأماكن تجمعهم ، أو قواعدهم المؤقتة أو الدائمة ، عن القرى والمراكز المدنية قدر الإمكان حتى لا تتوجه إلى السكان ضربات إنتقاميه من العدو.

 

تحويل السكان إلى أداة ضغط على الثوار :

أصبحت تلك الاستراتيجية شائعة فى مواجهة حروب التحرير . وقد طورها الجيش النازى فى حربه ضد عصابات المقاومة الشعبية فى أوروبا . والجيوش الإستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا توسعت فيها كثيرا لقمع التمردات المسلحة المطالبة بالاستقلال فى مستعمراتها.      والعصابات اليهودية فى فلسطين إستخدمتها بتوسع ضد السكان الفلسطينيين ، وكانت معتمدة رسميا ضمن استراتيجيتهم العسكرية . والأمريكيون فى فيتنام إستخدموا كل طاقتهم العلمية والتكنولوجية لضرب المدنيين أو حتى إبادتهم بالأسلحة الكيماوية التى تدمر كل شئ من إنسان ونبات ومازالت تلوث البيئة هناك حتى الآن . وقبل فيتنام قصفت أمريكا اليابان بالقنابل النووية حتى تهدم روح المقاومة لدى الشعب اليابانى .

والسوفييت فى أفغانستان دمروا البنية السكانية والإقتصادية وأرغموا أكثر من أربعة ملايين أفغانى على الهجرة من أوطانهم .

والأمريكيون إستخدموا فى أفغانستان جميع الأسلحة الحديثة المحرمة دوليا والتى كانت تستخدم للمرة الأولى ، من الغازات الكيماوية إلى قذائف اليورانيوم المخصب والمنضب ، وقنابل هى الأثقل فى العالم والتى بدأت من زنة ستة أطنان حتى وصلت إلى عشرة أطنان من المتفجرات المتطورة . ومنذ لحظات الحرب الأولى عمدت أمريكا إلى معاقبة السكان جماعيا بتدمير أى مركز سكانى تنشط قوات طالبان قريبا منه . وفى بداية الحرب طلب السكان من طالبان العمل بعيدا عن مناطقهم . والآن صار إستهداف المدنيين على قمة استراتيجية (ترامب) الجديدة حتى ينفض السكان عن تأييد طالبان ، ويتحولون من إداة دعم للثوار إلى أداة للضغط عليهم . ومعلوم أن الإحتلال الأمريكى فرض طوقا من الحصار والعزلة على شعب أفغانستان وحركة طالبان ولا يكاد يجرؤ أحد على تقديم الدعم لهم إلا بشق الأنفس . ولم تحظ الحركة حتى الآن بدعم رسمى من أى حكومة فى العالم ، نظرا للسطوة الأمريكية وقدرتها على تقديم الرشاوى الإقتصادية ، مع التلويح بالعقاب العسكرى المباشر أو غير المباشر . وحتى تعداد من قتلهم الأمريكيون أو من هجروهم من ديارهم فى مناطق إيواء داخلية ، غير معلوم بدقة . ويحظر على الصحافة التجول الحر أو الكتابه بعيدا عن الرقابة العسكرية الأمريكية وأجهزة الحكومة العميلة . لهذا تغيب صور المجازر الأمريكية عن أعين العالم ، وتغيب صور دمار البيوت والمزارع والمساجد .

 –  ويمكن إعتبار تعامل حركة طالبان مع المدنيين هو النموذج المثالى لكل ما هو معروف حتى الآن من تجارب فى حروب التحرير . فهى لم تستخدم مطلقا أسلوب الترهيب حتى تضمن الولاء . بل هى تضع مصالح المدنيين فى مقدمة الإعتبارات عند التخطيط العسكرى . لهذا نجحت فى تحطيم المشروع الأمريكى فى أفغانستان ، وهو فى طريقه لأن يصبح فشلا وسقوطا لمركزأمريكا الدولى كقوة أولى . فى تطبيق حديث للسقوط السوفيتى ، ولكنه سيكون أبعد أثرا فى شئون العالم .

– سياسات الإستعمار لمقاومة حروب التحرير تتلخص فى تجفيف الأنهار التى يعيش فيها الثوار . إما بإرغام السكان بالقوة والإغراء على العمل مع الإحتلال لطرد الثوار. وإذا تعذر ذلك فيعمد الإستعمار إلى تهجير السكان بعدة وسائل :

ـ إحراق المحاصيل وإتلاف الحقول وقنوات الرى .

ـ تدمير القرى وقتل السكان عشوائيا بالغارات الجوية أو الأرضية .

ـ تهجير السكان إلى الدول المجاورة أو إلى المدن الخاضعة للإحتلال بممارسة الإرهارب عليهم .

ـ حشد السكان فى معتقلات جماعية خلف الأسلاك الشائكة والحراسات العسكرية . وتركهم للموت البطئ بسؤ التغذية والأمراض .

فإذا جفت الأنهار ماتت الأسماك وإنتهت المقاومة . ولكن ماذا لو أن المقاومة وثوارها قاموا بتسميم الأنهار التى يعيشون فيها وأشعلوا فيها النيران ؟؟

يبدو هذا إفتراضا جنونيا غير أنه ما حدث بالفعل فى كل من العراق وسوريا .

المسئولية الأولى تقع على قيادة المقاومة . فالمقاومة العراقية الناجحة ضد الإحتلال الأمريكى ، تحولت إلى صراع طائفى على أيدى قيادات فاشلة ، وأحيانا عميلة لقوى خارجية. وفى سوريا حرفت المجموعات (الجهادية) القادمة من الخارج دفة صراع الشعب من أجل حقوق معيشية ، إلى الصراع الطائفى يستدعى القوى الإقليمية . وسريعا ما وصلت قوى دولية عديدة وساحة الصراع أصبحت دولية ، وهذا معناه خروج زمام السيطرة من أيدى القوى المحلية ، التى تحولت طاقاتها إلى الصراع الداخلى والدمار الذاتى للشعب وخراب مقدرات البلد ، بعد أن أصبح فريسة لصراعات خارجية لا تعنيه فى معظمها ، بل تعرض أمنه وثرواته وسلامة أراضيه لمخاطر كبرى فيتعرض للنهب والتقسيم ، وفقدان القيمة الجيوسياسية.

–   القيادات الفاشلة ـ تتحول إلى قيادات فاسدة ـ بفعل الإرتباط المصيرى مع الخارج . ثم يزحف الفساد من الأعلى نحو الأسفل ، أى من القيادة إلى قواعدها المقاتلة . وطبيعى أن تحاول تلك القيادات التملص من المسئولية وإلقائها على أطراف محلية أو قوى خارجية متناسية أن الكارثة قد بدأت من عندها تحديدا ، وهى تتحمل المسئوليه كاملة .

فوجود قوة طائفية فى المجتمع ليست مبرراً لأن تتحول حركة المقاومة إلى الإتجاه الطائفى ، لأن ذلك يعكس مسارها ويحولها إلى قوة دمار للمجتمع وفشل مؤكد فى إكمال أهدافها الثورية التى قامت من أجلها .

ـ وإذا عدنا إلى أفغانستان لأخذ الأمثلة من التطبيق الجهادى لحركة طالبان ، فإن الحركة أثناء زحفها من قندهار صوب المدن الكبرى فى البلاد وصولا إلى العاصمة كابول ما بين عامى 1994 ـ 1996 قابلت قوى مضادة قاتلت حتى راية عرقية وأخرى حاولت إستنفار الخلاف المذهبى . ولم يدفع ذلك حركة طالبان إلى الطرف المضاد بتبنى موقفا عرقيا أو مذهبيا مضادا (كما فعلت قيادات عراقيه وسورية فيما بعد ) بل أصرت على طرح إسلامى شفاف ونقى يستوعب جميع العرقيات وجميع الإجتهادات المذهبية . فقاتلت من قاتلها ولم تغير ذلك المبدأ حتى الآن عند قتالها ضد الإحتلال الأمريكى المدعوم بحوالى خمسين دولة أخرى . وقد نجحت الحركة فى الوصول إلى السلطة عام 1996 بعد عامين فقط من القتال . وهى الآن نجحت فى حشر الولايات المتحدة فى مأزق تاريخى لم يمر بها قبل ذلك فى أى محنة سابقة .

فحركة طالبان حركة إسلامية شاملة ، وليست طائفية ولا شعوبية .

–  ومن المرجح أنه لا توجد تجربة ثورية سبقت ثوار سوريا فى خطئهم التاريخى بالقتال من داخل المدن والتترس بسكانها . لذلك يتحملون الوزر الأكبر لهذه المأساة التى ترقى إلى درجة جريمة حرب من الطراز الأول .

ذلك رغم خلفيتهم السلفية ، وإدراكهم لحكم التترس بالمدنيين . عندما يحتمى بهم العدو ويتقدم صوب صفوف المسلمين ، حتى يتحرجوا من قتل إخوانهم فيحقق العدو إنتصاره .

فقد أفتى إبن تيمية بجواز قتل المسلمين الذين تترس بهم التتار . فإذا إنعكست الآية وتترس المسلمون بالمسلمين نجد أن موقف المجموعات الوهابية قد تبدل ، ويلقون بالمسئولية على أعدائهم مشهرين بهم وبوحشيتهم !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

خطر المجموعات الخارجية المسلحة : 

للمتطوعين الإسلاميين مزايا كبيرة إذا عملوا ضمن شروط صحيحة ، وليس بفرض أنفسهم ورؤاهم المذهبية والعرقية والسياسية على أصحاب الأرض والقضية الأصليين . فالقيادة بادئ ذى بدء يجب أن تكون لأصحاب الأرض . والسبب بسيط للغاية وهو أن الشعب قام بالثورة سيرا خلف أبنائه الذين يعرفهم ويعرف أصولهم وتاريخهم . ولا يتبع أشخاص غريبين عنه ، ناهيك أن يكونوا عدوانيين ومخالفين فى كل شئ .

المجموعات الوهابية ، المغالية فى الدين ، تتطوع لهدف مبدئى لديها وهو مكافحة الشرك وإنحراف العقائد . وسريعا ما تفتى بأن تلك الموبقات موجودة فى أهل البلاد الذين ذهبوا لمساعدتهم ، فيتهمونهم بالشرك ، ويتوجهون لمقاتلتهم قبل التوجه إلى العدو الخارجى . وما من ساحة ذهب إليها هؤلاء الغلاة إلا وتحول إتجاه البنادق إلى صدور أهل البلاد أنفسهم قبل الأعداء الخارجيين أو الداخليين . (أنظر تجربة داعش فى كل مكان ذهبت إليه).

فى كل مكان يذهب إليه الغلاة ، يبدأون بالتبشر لأفكارهم داخل صفوف المجاهدين المحليين وبين السكان ، فتبدأ بذرة الشقاق وتتعدد التنظيمات حين يحاولون إلحاق المجاهدين المحليين فى صفوف التنظيم (أو التنظيمات) الوهابية الوافدة .

 ومعلوم أن  تعدد التنظيمات هو خطوة مؤكدة للإقتتال الداخلى قبل الإنتصارأو بعده . وهذا ما حدث فى افغانستان وقت الجهاد ضد السوفييت . ولولا حيوية القوى الإسلامية فى أفغانستان وتخطيها لعقبات الإنقسامات الحزبية لبقى السوفييت فى أفغانستان إلى الآن ، ولبقيت إمبراطوريتهم وتوسعت .

وعندما شكلت أمريكا وأعوانها “حكومة أحزاب المجاهدين” التى دخلت كابول بعد التحرير ، كانت رسالة تلك الحكومة هى إستكمال ما فشلت فيه أثناء مرحلة الجهاد ، بإسئناف القتال الداخلى ، وتقسيم البلاد تمهيدا لإحتلال خارجى قادم ، ولكن من جهة الغرب وليس الشرق .

ولكن حركة طالبان أفشلت المخطط وأقامت إمارتها الإسلامية ، رغما عن الأحزاب جميعا وفوق أنقاضها . فلم يتبق أى مخرج أمام الأمريكيين سوى الدخول المباشر فى حرب ضد الشعب الأفغانى لتغيير ثقافته ودينه والإستيلاء على ثروات بلاده .

وقادة الأحزاب الجهادية المنحرفة فى وقت السوفييت ، كشفوا أقنعتهم فظهرت وجهوهم الحقيقية . والآن هم أعمدة الحكومة العميلة فى كابول ، وأحدهم ومن داخل موقعه فى النظام القائم يشرف على مجهودات داعش فى تدمير أفغانستان وخدمة الإحتلال .

 القتال بالمدنيين والإستهتار بسلامتهم :

فى أكثر من مكان ، فإن المجموعات الوهابية المسلحة ، القادمة من خارج البلاد لم تتحرج من التترس بالمدنين والقتال من داخل المدن . ولم تبال إطلاقا بسلامتهم ولا بأمنهم وأرزاقهم. فلديها الشجاعة لقتل كل كائن حى ، ولكن ليس لديها ما يكفى من الشجاعة الأدبية للإعتراف بالخطأ والإعتذار عنه وتحمل مسئوليته .

فقد غرهم الإسناد الدولى والإقليمى بالمال والسلاح ، والماكينات الدعائية الجبارة لدى حلفائهم ، فألقوا بتبعات جرائمهم على كاهل أعدائهم ، ولكن من أختار المدن كساحات قتال بأحدث الأسلحة هم هؤلاء الغلاة وليس أعدائهم .

وإذا عدنا إلى تجربة أفغانستان لأخذ الدروس من حركة طالبان نجد أنهم إلى الآن (مارس 2018) لم يحتفظوا بأى مدينة كبرى رغم أنهم فعلوا ذلك عدة مرات . ولكنهم أدركوا ضرر ذلك خاصة وأن سلاح الجو الأمريكى هو الذى يعمل فى سماء أفغانستان ، لحفظ نوع من التوازن يمنع طالبان من الإستيلاء على المدن ، حتى تبقى المدن فى يد أمريكا كورقة مساومة على وضع نهائى للحل .

تجديد غير مسبوق فى حروب العصابات :

– وفى تجديد غير مسبوق فى إستراتيجية حروب العصابات فى ظل تفوق كاسح لسلاح جوى لدولة كبرى ، وإستحالة الإستيلاء على المدن بدون أن يلحقها تدمير شامل من ذلك الطيران ، فقد عثرت حركة طالبان على حل مثالى لتلك المعضلة :

 بأن تواجدت داخل المدن بشكل سرى ، واسع وعميق ، بدون الإستيلاء عليها . مع إثبات قدرتها على فعل ذلك ، بالضرب الموجع فى الأعصاب الحساسة للنظام الحاكم والإحتلال معا. ذلك هو الوضع فى عدد من المدن الأساسية وتجلى بشكل خاص فى العاصمة كابول ، مؤيدا بتصريح لقائد القوات الأمريكية فى أفغانستان ، يفيد بأن قواته محاصرة داخل كابول ولا تجرؤ على الحركة على الأرض ، وتعتمد على المروحيات فى تنقلاتها .

فهل هناك دليل على الهزيمة أكبر من ذلك ؟؟ .

فماذا لو حصلت حركة طالبان على صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف ؟؟ .. فكم يوما بعدها سيبقى الأمريكيون فى أفغانستان ؟؟ .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (1من2)

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية

 أسباب أزمة الحركة الجهادية فى بلاد العرب 

المدنيون فى حرب المدن .. مسئولية من ؟؟

(الجزء الأول )

مع رسائل : الخوستى ـ سعد ـ مجهول 

العناوين:

1) طالبان .. و إيران .. و أسباب العداء 

2) المدنيون وحرب المدن

3) أساسيات التغيير الشامل 

4) إستحالة التحول من صورة إلى أخرى

5) بداية مختلفة ومسار جغرافى متعارض

6) إختلاف فى إستراتيجية الإنتصار

7) بين الثورة الحقيقية والثورة الملونة 

8) بين حرب التحرير .. والحرب بالوكالة

9) تعدد التنظيمات بين الثورة وحروب التحرير(العصابات)

10) لماذا تأكل الثورة أبناءها ؟؟

11) المدنيون فى ساحة الصراع 

12) المدنيون فى الثورة الشعبية

13) تحويل السكان إلى أداة ضغط على الثوار

14) خطر المجموعات الخارجية المسلحة.

الخوستى : موقف ايران من الجماعات السنية بشكل عام عدائي . في العراق و الشام ضربت ايران جميع الجماعات السنية حتي المعتدلين منهم . كيف تبرر موقف ايران العدائي اتجاهنا ؟ أغلبية الجماعات الجهادية العربية سلفية و لكن طالبان مختلفين. لماذا كل هذا الحقد علي الطالبان مثلا ؟ .

فى البداية أقول أننى لا أقدم تبريراً لأى شئ بل أحاول تفسير الأشياء ـ إذا أمكننى ذلك .

سؤالك هام جدا ويطرحه كثيرون من داخل الجماعات الجهادية والمتعاطفين معها ، والإجابة الوافية عن هذا السؤال فيها تفصيلات كثيرة ، ولكن سأحاول التركيز قدر الإمكان حتى لا يتشعب الموضوع .

صحيح ما تقوله من أن (حركة طالبان أفغانستان) شئ مختلف عن باقى الحركات الجهادية فى العالم العربى تحديدا . وتكاد فى الكثير من النقاط أن تكون نقيضا لها .

سنبدأ حديثنا عن الجماعات الجهادية العربية والأسباب التى قادتها إلى المأزق الذى تعيشه الآن والتى وصل بها إلى نقطة لم يكن يريدها أو حتى يتخيلها جيل المؤسسين الأوائل منذ السبعينات. لقد بدأ ذلك التيار الجهادى وهو يحمل معه بذور ضعفه وإندثارة . ونمر عليها سريعا فنقول بأنها :

1 ـ غياب الرؤية السياسية ـ  رغم أن السياسة مع الإقتصاد هما العناصر الأساسية لتحريك المجتمعات والدول .. سلما وحربا .. أمنا أو صراعا ،( وهما أول ترجمة لحركة المعتقدات على أرض الواقع ، وهما البنية الأساسية لها فى عالم المادة ) .

2 ـ الجمود الفقهى ـ الناتج عن الفقه السلفى الضيق الذى يهمل أو يعادى باقى المذاهب السنية ناهيك عن حربة ضد مجموعات إسلامية كبيرة مثل الصوفية والشيعة ، رغم ثقلهم التاريخى والمعاصر .

3  ـ أزمة الإفتاء : وهى ناتجة عن عدم توافر عناصر الفتوى الحقيقية من :

فقر فى العلم الدينى وقلة الدراية بالواقع : فلا يمكن حصر العلم الدينى بالسلفية ناهيك عن الوهابية . فتلك زاوية ضيقه جدا وعدائية مع من سواها من مدارس علمية سنية (أوغير سنية).

الجهل السياسى : الذى يجعل الإفتاء أبعد عن الواقع ، سابحا فى عوالم إفتراضية لا وجود لها . بينما تواجدت السياسة فى أدق تفاصيل الحياة البشرية .

غياب العلماء الحقيقيون : فتصدى الأحداث وغير المؤهلين لعملية الفتوى . بل وربما القضاء أيضا عند(التمكين !! ) . والكثير منا يعلم ما هى نتائج ذلك .

4 ـ الإحتراف الجهادى : تلك الجماعات حصرت الإسلام وحصرت نفسها فى زاوية واحدة هى الجهاد ـ وهو فريضة رغم عظمتها لا يمكن أن تختصر الإسلام كله . فأى جماعة يجب أن تبدأ بشمولية الإسلام ، لا أن تكون جماعة متخصصة فى فريضة إسلامية واحدة ، فهذا إختزال للدين مخل بأهدافه .

فالجماعات الجهادية هى جماعات تخصصية قامت على غير أساس سليم للتخصص العسكرى ، الذى يجب أن يكون مدعوما بنشاط إسلامى شامل يغطى المجتمع كله وتسانده السلطة السياسية للدولة الإسلامية .

أما فى حالة الثورات على الأنظمة القائمة (الخروج على الحاكم) : فإن المجاهدين يجب أن تدعمهم حركة إسلامية منتشرة فى المجتمع وتقوم بالكثير من مهام الدولة الشرعية . مثل الإفتاء والتمويل ، والتجنيد ، الإعلام الشعبى .. الخ . تلك الحركة الشاملة هى من تتولى إدارة العمل الجهادى وتكون منها قيادته الميدانية ، مع الفصل بين أجهزة الدعوة وأجهزة العمل العسكرى وباقى الأجهزة . والإبتعاد عن نموذج الإنتهازية الإخوانية فى القفز على رأس الثورات الشعبية أو العمل الجهادى الذى لم تجهز له ولا تقوده ميدانيا . فقد رأينا نتائج ذلك فى سوريا فى بداية الثمانينات وفى أفغانستان خلال الثمانينات كلها ، وفى سوريا الآن ، وأيضا فى الإنتفاضة المصرية التى وصلت بالإخوان إلى حكم مصر فى توافق تآمرى مع الجيش ، فسقطت ومعها شعب مصر فى هاوية لا قاع لها .

5 ـ الإنفصال عن المجتمع والأمة وغياب القيادات الحقيقية :

الجماعة الجهادية كيان مغلق منطوى على نفسه فكريا وفقهيا ودينيا . وقياداته لم تنبت بشكل طبيعى من داخل مجتمعاتها . والمؤهلات المطلوبة للقيادة بسيطة جدا ويسهل إنتحالها بالنسبة لأى شخص متوسط الذكاء. وذلك ساعد عمليات الإختراق الإستخبارى الواسع لتلك المجموعات حتى مستوياتها العليا . بعض تلك القصص بات معلوما ، والكثير منها ينتظر الإعلان مستقبلا بعد فوات الآوان .

–  وصلت المهزلة إلى درجة مرعبة عندما صار من أهم مؤهلات (القائد الجهادى) أن يحصل على التمويل الخارجى والتسليح . وأن يجد من ينقله ورجاله إلى جبهات القتال الخارجى ، لمجرد إثبات الوجود واستقطاب جمهور الشباب المتحمس عديمو الخبرة المتشوقون للقتال والإثارة .

6 ـ الإرتهان الخليجى :

فى محصلة لكل ما سبق ، وجد التيار الجهادى نفسه مرتهنا لدول النفط الخليجية وعلى الخصوص السعودية وقطر . إرتهانا كاملا شمل كل التيار السلفى من الجهادى إلى الإخوانى إلى جماعات الدعوة السلفية .

وبما أن السلفية صارت هى العلامة المسيطرة ـ وربما الوحيدة ـ لتيار” الصحوة الإسلامية ” حسب التعبير الإخوانى الذى ظهر فى سبعينات القرن الماضى ، فإن العمل الإسلامى فى الدول العربية ـ وحتى فى العالم الغربى فى أوروبا وأمريكا بل أفريقيا وآسيا ـ أصبح سلفيا بفعل القوة المالية الدافعة والتى سخرتها السعودية لدعم ذلك الإتجاه ـ ليس لمصلحة الإسلام كما يتضح ذلك الآن بكل وضوح ، بل لصالح أعداء الإسلام . وتحديدا لصالح إسرائيل والولايات المتحدة .

فالإرتهان الجهادى (والسلفى عموما) لدول الخليج ، بدأ من الحاجة إلى الأمن الشخصى فى البداية عند الفرار من إضطهاد نظام (الثورة) المصرية بقيادة عبد الناصر . تلاه إرتباط فقهى بالمنهج السلفى ، ثم إرتباط بالمصالح المالية الخليجية والرؤية السياسية لدول الخليج .

– يمكن إعتبار التيار الجهادى العربى تيارا تابعا لمشيخات نفط الخليج (السعودية وقطر تحديدا). أى أنه يقف ضمن صف على رأسه أمريكا وإسرائيل . ولكن الإنحصار الشديد فى الرؤية والفهم جعلته لا يعقل سوى الجانب الطائفى . ذلك أن طبيعة السلفية والوهابية خصوصا هى طبيعة طائفية ، حماسية وسطحية .

وتحت تلك الراية نجد التيار الجهادى العربى فى جميع مناطق تواجده واقفا تحت تلك المظلة سياسيا ماليا وفقهيا. فكانت هى مصدر قوته التى يتحرك بها ، ومصدر نكساته الدائمة فى جميع تجاربه منذ أن نشأ وحتى الآن ، سواء داخل المنطقة العربية أو خارجها .

– هذا الإرتهان الجهادى لمحور نفطى معلوم توجهاته السياسية وأنها تابعة بالكامل لمشيئة الأمريكيين سابقا ــ والإسرائيليين مع الأمريكيين حاليا ــ جعل ذلك التيار محسوب سياسيا وعسكريا على نفس المحور ، وهو ما يناقض شعاراته العقائدية ومطالباته بدولة إسلامية ، إلا إذا كان المقصود بتلك الدولة مجرد مشيخة جديدةعلى الطراز الوهابى الخليجى.

–  والكارثة الأكبر هى أن التيار الجهادى داخل ذلك التحالف المشئوم ليس محسوبا كشريك ، بل كمجرد أداة تؤدى وظيفة قتالية فى ميادين عربية ودولية مرتبطة باستراتيجيات التحالف المذكور. ودوره هو مجرد “وقود للمعارك” فى العمليات الأرضية التى تتجنبها الآن معظم الجيوش ، خاصة الجيوش الغربية والإسرائيلية . ومجاهدونا الأبطال يكفونهم تلك المشقة المهلكة متوسعين فى العمليات الإستشهادية بلا أى ضرورة ميدانية. ولا يفعل ذلك فى العالم كله سوى المجاهدين المسلمين . لا شك أن أعداءنا ممتنون لهم كثيراعلى تلك البطولات المجانية والدماء الإسلامية المهدرة عبثا .

نحن أمام استراتيجيات أكبر من أن تساهم فى وضعها دول الخليج التى هى ليست سوى خزينة إحتياطية خارج الرقابة الشعبية فى دول الغرب ، وهى ناطق رسمى بالوكالة ، وعميل سياسى رخيص ، يعطى كل شئ مادى ومعنوى وأخلاقى ، فى مقابل كرسى للحكم لا يساوى شيئا .

 فالتيار الجهادى  السلفى أو الوهابى ، ليس سوى ملحق خليجى لا دور له سوى فى الجانب الفاشل أو القبيح ـ مثل جرائم الحرب أو الدمار والعدوان على المدنيين ، الذى يلتصق فورا بالتنظيمات الوهابية العاملة فى الميدان ، وتصل الإدانات واللوم إلى الممولين الخليجيين . وتنتشر التشنيعات فى الإعلام الغربى والدولى ، وعلى ألسنة الدول الغربية وغيرها . لهذا فإن صورة (الجهاد الوهابى) ، بل حتى كلمة الجهاد أصبحت تلقائيا تعنى الإرهاب والعمالة والتخلف بكافة معانية .

والدول الخليجيه تتبرأ علنا من صلتها بذلك التيار القتالى حتى تنظف سمعتها بين الأمم . ويبقى العار والتلوث ملتصقا بسمعة الإسلام والمسلمين وفريضة الجهاد . وذلك واحد من الأهداف الكبيرة لدى التحالف المذكور (إسرائيلى/ أمريكى/ خليجى) .

–  النشاط القتالى للمجموعات (السلفية / الوهابية الجهادية) يصنف دوليا على أنه أداة عسكرية فى يد الولايات المتحدة ، خاصة فى العمل على إتساع رقعة العالم . وتتعامل الدول بالتالى مع المجموعات القتالية ( سلفية أو وهابية أو داعشية ) وفقا لذلك التصنيف .

– على الساحة السورية تجسدت جميع أخطاء ذلك التيار بإستخدامه كأداة للقتال الأرضى فى قضية صراع دولى ، لا يدرك ” المجاهدون” مداها ولا يعلمون منها غير الجانب الطائفى ، الذى هو أضعف الجوانب فى ذلك الصراع ، إذ لا يتعدى دوره مجرد الشحن العاطفى والدعائى . وبتلك النظرة الطائفية الضيقة يحاول الجهاديون رؤية العالم كله . فالصراع على سوريا ليس إلا جانبا من ذلك الصراع الدولى . ولكن مجاهدونا ، وبتلك النظرة الطائفية الضيقة ، يحاولون تفسير كل شئ وجميع المظاهر السياسية والعسكرية والإقتصادية ،  وربما حالة المناخ أيضا .

– نعود إلى سؤالك عن : { موقف إيران من الجماعات السنية بشكل عام فى العراق والشام ، حتى المعتدلين منهم } .

أقول أن إصطلاح ” أهل السنة والجماعة ” أصبح عمليا يعنى (الوهابية) ، أو(السلفية) فى أفضل الأحوال . حتى أدبيات وفقه تلك الجماعات سواء فى مجال (الدعوة السلفية) أو (الجهاد السلفى) ، يتضح فيها نفى باقى المذاهب السنية خارج نظاق ذلك المصطلح، رغم أن تلك المذاهب هى الأصل الأقدم والأكثر إتباعا فى العالم الإسلامى .

وبالتالى فإن موقف إيران يشمل الجميع وكأنهم سلة واحدة معادية لها بشكل مطلق . فإن كان الميدان قد إقتصر فيه ” الحوار” على الطلقات والمتفجرات ، فإن ردات الفعل تكون أكثر حدة. وكل طرف يتوسع فى مجال الشكوك حتى يأمن المفاجآت. وهنا يضيع الجمهور المسلم أيا كان مذهبه أو طائفته .

وتلك هى الفتن وخطورتها التى لا تندمل جروحها لسنوات طوال . وقد لا تندمل أبدا طالما كان هناك أعداء للأمة يزكون الفتن ويؤججون الصراع والإقتتال الداخلى بين المسلمين .

فى سوريا والعراق لم تكن المسألة سنة وشيعة بقدر ما كانت صراعاً دولياً إستفاد من أمراض الأمة الفكرية والتنظيمية والسياسية ، فتمكن كل راغب من إستخدام القوة الإسلامية لتدمير المسلمين أنفسهم ، بأموالهم ودمائهم ، ويبقى المستعمر سالما منتصراً بأقل جهد ممكن، يحارب بالطائرات والأقمار الصناعية ، تاركا نزف الدماء (للمجاهدين) والمسلمين الأبرياء وعموم الشعب الذى لا ناقة له ولا جمل فى كل ما يحدث .

– ولعلنا نذكر أن الشعارات الطائفية بدولة “لأهل السنة” ، لم تكن ضمن شعارات (الثورة السورية( فى بدايتها ، والتى كانت هى نفسها تقريبا شعارات ثوار مصر وتونس التى لخصتها البلاغة المصرية فى شعار (عيش حرية عدالة إجتماعية ) . فالشعارات الطائفية أقحمها التيار الإسلامى (السنى) أى “السلفى/ الوهابى” ، فى مصر كما فى سوريا والعراق ، وكل مكان عمل فيه .

طالبان .. وإيران .. و أسباب العداء 

القيادة الإيرانية سحبت تقييمها ، للعمل الجهادى السنى العربى ، على العمل الجهادى الأفغانى. وذلك فى أكبر أخطائها فى التعامل مع العالم الإسلامى “السني” .

كان تفكيرا آليا يفتقر إلى التعمق وفهم الواقع الأفغانى وخصوصياته . وأسفر ذلك عن كوارث إسلامية ضخمة لا يتبين أبعادها سوى قليلون ، كون أن التفاصيل كثيرة وسريعة مع كثرة اللغط ، إضافة إلى النشاط التخريبى للجهات المعادية للمسلمين .

من جهتها  وقعت طالبان فى مصيدة الألعاب الدولية ، ولم تحسن تفسير مواقف الدول إزائها. ليس ذلك غريبا على حركة شبابية حديثة التكوين عديمة التجربة فى مجالات السياسة . ولكن الغريب أن تقع إيران ـ بكل ثقلها وعمقها السياسى والفكرى فى حبائل ألاعيب لم يكن من الصعب فهمها أو تفسيرها . الخطأ هنا كان مصدره الأساسى إنعدام التواصل المباشر لتبادل وجهات النظر ومناقشة المشاكل المشتركة .

لقد لجأ الطرفان : طالبان وإيران إلى ، أفكار مسبقة ومعلبة ، تجاه الطرف الآخر وجاهزة للإستخدام الفورى . طالبان عن طريق حلفائها العرب والباكستانيين إقتنعوا بأن إيران عدو مذهبى لا سبيل إلى فهمه أو التعامل معه . وإيران وجدت الوصفة المعلبة بالشكل المعاكس وهى أن طالبان حركه سلفية وهابية (!!) تمولها السعودية ودول الخليج وتديرها باكستان ، مكنها الإستعماريون من حكم أفغانستان لتكون خنجرا فى ظهر إيران ولتحمى لهم خطوط الطاقة القادمة من آسيا الوسطى إلى ميناء جوادر فى باكستان .

المحور السنى المعادى لإيران ـ والذى ظهر لاحقاً أنه أشد عداء لطالبان ـ أدى كل الأدوار التى تعمق الشكوك بين الطرفين . إذ سارعت السعودية والإمارات إلى الإعتراف بالإمارة الإسلامية التى أعلنتها الحركة بعد إقتحامها للعاصمة كابول رغم أن أمريكا كانت بوضوح ضد إعتراف أى أحد بالنظام الجديد فى كابل . إذن الإعتراف الخليجى كان ضمن إتفاق مع الأمريكيين لضرب النظام الجديد من داخله ، ولايمكن ذلك بدون الإلتصاق القريب معه .

باكستان فعلت نفس الشئ ، وزادت بأن دفعت عدة آلاف من المتطوعين كان الكثير منهم تديرهم المخابرات الباكستانية ، للقيام بنشاط عسكرى يضر بإستقرار الحركة داخليا وبعلاقاتها الخارجية حتى لا يبقى لها من ظهير فى العالم سوى باكستان ، فتتصرف فى أفغانستان كجزء من ممتلكاتها الخاصة طبق مشاريعها الاستراتيجية فى المنطقة خاصة ضد الهند . حتى تركيا أسرعت إلى الحركة لتقدم خدماتها فى مجال (التعليم!!) الذى لم يحظ برضا حركة طالبان ، إلا أن تركيا إستمرت متواجده فى البلاد ، وحاولت ممارسة العمل الإغاثى على أضيق نطاق . ولكنها لم تعترف بنظام الإمارة الإسلامية .

 بمرور الوقت ظهرت المواقف الحقيقية لكل تلك الدول التى إحتفت بحركة طالبان . وكانت كالتالى :

– السعودية ظلت تضغط منذ البداية وحتى النهاية من أجل تسليم أسامة بن لادن ومن معه إلى الولايات المتحدة . وما حدث معظمه معروف ومنشور إعلاميا .

كما أنها أثناء الصدام بين “الإمارة الإسلامية” وتحالف الشمال بذلت جهدها لتفجير وضع طالبان الداخلي ، وهددت بطرد العمالة الأفغانية ، وسحب الإعتراف بجواز السفر الأفغانى ، وهددت بمنع الحجاج الأفغان من أداء فريضة الحج . وقد أصاب ذلك الإمارة بالفزع .

ــ القائد جلال الدين حقانى كان فى زيارة للسعودية ، وهناك تم إحتجازه لمدة ستة أشهر لمنعه من المشاركة فى الحرب إلى جانب “الإمارة الإسلامية” ضد تحالف الشمال ، فسحبوا جواز سفره.( انظر ـ مع الفارق طبعاً ـ مافعلته المملكة بإحتجاز رئيس وزراء لبنان سعد الحريرى لإجباره على إتخاذ مواقف فى السياسة الداخلية تقود إلى الإقتتال الطائفى فى لبنان . وما فعلته حتى مع كبار الأمراء والوزراء وموظفى الدولة من إحتجاز وتعذيب ومصادرة أموال ) .

– الإمارات كانت مركزا لتصدير الجواسيس إلى أفغانستان لمصلحة المخابرات الأمريكية ، وتم إعتقال عدد منهم . وفى الإمارات ، وتحت إشراف ضابط من شيوخ الإمارات ، أقيم مركزا لتهيأة جواسيس عرب تديرهم المخابرات المركزية الأمريكية وأجهزة تجسس عربية للتأثير الميدانى على مجريات الأمور ، ومراقبة القيادات العربية والأفغانية ـ تمهيدا لما سوف يأتى من تطورات .

وعندما نشبت الحرب كانت قوات الإمارات فى طليعة من هب لقتل الأفغان إلى جانب القوات الأمريكية . وكانت صدمة لكثيرين لأن الإمارات كانت الأولى خليجيا فى تقديم الدعم المالى للجهاد ضد السوفييت فى أفغانستان ، ثم نراها الآن من أوائل من هبوا للقتال ضد الأفغان .

دول الخليج جميعها كانت فى خدمة القوات الأمريكية الغازية لآفغانستان . ومن القواعد الأمريكية هناك تحركت الطائرات ونقلت الذخائر اللازمة للعمليات وأديرت العمليات الجوية .

– قوات الأردن كانت الثانية عربيا . فالأردن لم ترسل قواتها لتحارب إسرائيل المجاورة لها بل أرسلتهم آلاف الأميال لقتل المسلمين الأفغان . وقبل الحرب أرسلت عددا من الجواسيس إلى أفغانستان .

–  أما باكستان ــ التى كان الحديث يدور حولها فى إيران والعالم أنها الراعى الشرعى والأب الروحى لحركة طالبان ــ قدمت كل إمكاناتها العسكرية والإستخبارية وقواعدها العسكرية والموانئ البحرية والمطارات وإمكانات الإمداد والتموين لقوات الغزو الأمريكية ، فكانت بذلك الداعم والمشارك الأكبر فى ذلك الإحتلال ، ومازالت كذلك . وقد شاركت عسكريا فى تحطيم الإسناد القبلى لجهاد الشعب الأفغانى ضد الإحتلال الأمريكى . واعتقلت عددا من أهم القادة العسكريين لحركة طالبان والكثير من كوادرها فى المناطق القبلية المحاذية لأفغانستان .

– تركيا قدمت للغزو الأمريكى ـ وبصفتها عضو مؤسس فى حلف شمال الأطلنطى (الناتو) قدمت أكبر عدد من القوات بعد القوات الأمريكية (حوالى عشرة آلاف جندى) .

ذلك هو المحور(السنى!!) وموقفه من حركة طالبان ، والضرر الذى أصاب أفغانستان وطالبان من ذلك المحور منذ إعلان دولتها وحتى سقوطها بفعل الغزو الأمريكى .

لقد ألحقت إيران بحركة طالبان أضرارا كبيرة ، ولكن إذا ما قارنا ذلك بالمحور (السنى) فإن الأضرار الإيرانية تبدو قابلة للتحمل ، بل يمكن تجاوزها.

ونعود لنقول رغم ذلك أنها كانت أضرارا كبيرة بالفعل ، ولكن المحور السنى كان أكثر شراسة وأوجع إيلاماً . ويبدو أن الأفغان ومجاهديهم أكبر الضحايا للضعف الإسلامى ، ولجرائم الهوس المذهبى ، وما يصاحبها فى جنون وحماقة .

عن سؤالك : كيف تبرر موقف ايران تجاه إحتلال أفغانستان ؟.

فكما قلت أننا بصدد محاولة للفهم وليس محاولة للتبرير . لقد كان موقف إيران منذ إعلان قيام “الإمارة الإسلامية” هو العداء الكامل لحركة طالبان ، والتحالف الكامل مع معارضيها (تحالف الشمال) الذى كان يسمى رسميا التحالف الإسلامى لتحرير أفغانستان(!!) ـ ولا ندرى تحريرها من ماذا ؟؟ ـ خاصة وأن ذلك التحالف وضع نفسه كطليعة لقوات الغزو الأمريكية التى أمدته بمظلتها الجوية حتى تمكن ، إلى جانب قوات الغزو، من إسقاط الإمارة الإسلامية وفتح البلاد للإحتلال الأمريكي ــ فيالها من حركة تحرير !! ــ وعمليات تسليم الدولارات الأمريكية ( 5مليون دولار فقط!!) لأحد أعمده ذلك التحالف(عبد الرسول سياف عميد الاخوان المسلمين الأفغان) مسجلة بالصوت والصورة وأذاعها الأمريكيون بكل فخر كأحد إنجازات ما اعتبروه حرباً رخيصة . وتندر رئيسهم بوش بخيبة الإتحاد السوفيتى الذى عانى الكثير أثناء إحتلاله لذلك البلد بعمل عسكرى كان الأضخم منذ الحرب العالمية الثانية ، بينما كلفه الأمر مبلغا ضئيلا دفعته المخابرات الأمريكية .

–  العديد من الوقائع أيدت الشكوك الإيرانية فى توجهات حركة طالبان ـ مثل حادث مقتل العالم والزعيم الشيعى عبد العلى مزارى . ومثل عملية الهجوم على القنصلية الإيرانية فى مزار شريف ، عندما إقتحمتها قوات حركة طالبان . وقيل أن مجموعة مسلحة منهم هاجمت مبنى القنصلية وقتلوا عددا من موظفيها . وهى العملية التى قلبت الرأى العام الشعبى فى إيران ضد الحركة ، فكان أكثر عداء للحركة حتى من الحكومة الإيرانية نفسها .

– تحالف الشمال عمل جاهدا لتوسيع رقعة الخلاف وإثارة مخاوف إيران من حركة طالبان . وضخ كمية هائلة من الأكاذيب تبناها ” الإعلام الدولى” وروجها على أوسع نطاق . وكان لذلك تأثير سئ جدا ، ومازالت صورة الحركة تعانى منه حتى الآن ، فى العالم كله .

كان أمام إيران خيار من إثنين ، إما حركة طالبان المصنفة كعدو . أو تحالف الشمال المصنف كصديق بل كحليف ، ويضم عددا من الأحزاب الجهادية القديمة وأهمها الأحزاب الإخوانية بقيادة الزعماء الأصوليين”!!” (سياف ـ ربانى ـ حكمتيار)، ومعهم ميليشيات عبد الرشيد دوستم الشيوعى السابق وحزب وحدت الشيعى . من الناحية المذهبية ، التى يفضل العرب النظر بها إلى كل شئ ، فإن تحالف الشمال هو إجمالا تحالف “سني” ، فيه الإسلامى الأصولى وفيه الشيوعى، وكلهم “سنة”!! . أما من ناحية سياسية فهو كما نرى ونعلم : حليف أساسى للإحتلال الأمريكى .

عندما نشبت الحرب ـ رفع بوش شعار (من ليس معى فهو ضدى)، وهدد الجميع بأسوأ العواقب إن لم يسمحوا بالعاصفة الأمريكية حتى تمر وتبلغ مداها فى أفغانستان ، بالتعاون الكامل من الجميع . فضلت إيران الإنحناء للعاصفة لسببين :

الاول  : أن العاصفة سوف تطيح بنظام معادى لها هو الإمارة الإسلامية .

الثانى : أن النظام القادم سيكون محوره هم حلفاؤها الذين ساندتهم لسنوات ، أى تحالف الشمال ، وبالتالى ستصبح حدودها الشرقية آمنة ، مع فرصة لتعاون إقتصادى وتأثير سياسى .

نفس تلك الإعتبارات هى التى شكلت موقف إيران من الغزو الأمريكى للعراق . فعرضت على الأمريكيين تعاونا مشتركا لإسقاط حكم صدام حسين ـ على غرار ما علم لاحقا من تعاون مشترك ضد حركة طالبان وتقديم إيران خطة الحرب التى أدت إلى هزيمة الحركة ـ ولكن الأمريكيين رفضوا العرض ثم أكملوا فى العراق مهمتهم التى تمناها الحكم فى إيران منذ زمن بعيد . فتأمنت حدودهم الغربية وانفتحت المجالات الإقتصادية والسياسية أمام طهران بوصول حلفائها إلى قمة السلطة فى بغداد .. ولو تحت رايات الإحتلال كما حدث فى أفغانستان !! .

–  لم تكن تلك الخيارات جيدة بأى حال . ولكن معظم السياسة هى إختيار بين السئ والأسوأ . وبالنسبة لأفغانستان يمكن الجزم بأن الطالبان لم تكن هى الأسوأ بل كانت هى الأفضل من جميع الوجوه ، وأن الإختيار الإيرانى فى حقيقة الأمر كان ما بين الأسوأ والأفضل . ولكن ما هو السبب ؟؟ .

1 ـ السبب الأكبر كان عدم وجود تواصل مباشر بين الطرفين ، طالبان والحكومة فى طهران.  ذلك التواصل مثل أى عمل دبلوماسى مهمته توضيح المواقف والرد على التساؤلات ، وإزالة الشكوك وتقوية الترابط والتعاون المشترك .

2 ـ السبب الآخر هو السماح لأطراف معادية بالتدخل وبث سموم الفرقة ، ونشر المخاوف والأكاذيب ، وأحيانا إصطناع أحداث دامية من أجل تأكيد الشكوك وتحويلها إلى عداوات ثم  حروب .

–  لهذا نصل الى نتيجة هامة من أجل إيقاف تلك الفتنة الطائفية البغيضة التى يفنى فيها المسلمون أنفسهم ويخربون بيوتهم بأيديهم . فلابد أن يجتمع المسلمون لمناقشة مشاكلهم ويتفقون سويا على حلها . فلا إنتصار للمسلمين أو للدفاع عن الدين ومقدساته إلا بوحدة المسلمين ووقف نزيف الفتن . شئنا أم أبينا فإن المسلمين جسد واحد ، ولن ينتصر أحدنا منفردا ولن ينهزم واحد منا بمفرده . و معركتنا مع الأعداء أكبر من قدراتنا منفردين ، والنصر لن يأتى بمجرد براعة الآحاد ، بل يأتى بطاعة الإجتماع والوحدة ، والتى هى من أكبرالطاعات الجالبة للنصر.لابد من جلوس السنة والشيعة معا كما يجلس المخلصون العقلاء لحل مشاكلهم وتخطيط مستقبلهم وتنسيق جهادهم .

هنا لدينا سؤال :

لدينا طرفان هما : الشيعة وعنوانهم معروف وهو ” إيران” ، والطرف الآخر “السنة”.. ما هو عنوانهم ؟؟ . هل هو السعودية أم قطر أم تركيا أم تراها مصر .. أو باكستان ؟؟.

 والحركات الجهادية السنية ، ماهو عنوانها ؟ . ماهو عنوان كل من القاعدة أو داعش أو الألف فصيل فى سوريا ، وأضعاف ذلك العدد حول العالم؟؟ . ما هو عنوانهم وما هى مرجعياتهم الدينية وما هى مصادر تمويلهم ، ومن هم قياداتهم السياسية وعلمائهم ؟؟. وكيف يمكن جمعهم تحت راية واحدة على كلمة سواء؟؟.

أرجوا أن تجيبنى أنت .. أو أى أحد آخر عن هذا السؤال . وبعدها يمكن أن نوجه سهام نقدنا ونيران بنادقنا إلى أى إتجاه نشاء .

 هل بهذا الشتات يمكن أن نخدم قضية الإسلام ؟؟ ، أم أننا مجرد خراف شاردة فى ليلة شاتية ، تأكلها ذئاب الأرض ؟؟ ، وكلاب حراستها تحمى الذئاب وتفترس معها القطيع ؟؟.

سؤالك الأخير يقول ( إن الحصار والتجويع والإضطهاد السياسى الإقليمى والدولى على إيران لا يبرر عداء إيران بهذا الشكل) . لهذا أكرر القول بأن الحصار الإقتصادى عند درجة معينة قد يؤدى إلى نشوب الحرب ، إذا رأت دولة ما أن المطلوب منها هو الإستسلام بلا قيد أو شرط . فترى تلك الدولة أن الحرب هى الأفضل لها ، لأن فيها إحتمال للربح ، أو على الأقل الموت بشرف.

ومثال على ذلك دخول اليابان إلى الحرب العالمية الثانية نتيجة لحصار الأمريكى  منع المواد الخام من الوصول إليها ، حتى وصل  الأمر إلى محاولة منع تصدير النفط إليها ، بما يعنى شلل كامل للصناعة فى اليابان التى لا تمتلك مواد خام أو نفط .

وضع إيران قريب من هذه الحالة .  فعداء إيران ليس موجه “لنا” ( إذا تكلمنا بالمنطق الطائفى الشائع) لأن المشكلة هى أننا دوما ضمن المعسكر المعادى لإيران ، لذا نجد أنفسنا داخل مجال ردود فعلها العنيفة. فنلجأ عندها إلى التفسير الطائفى لتأكيد صحة مواقفنا الخاطئة منذ البداية .

متجاهلين دوما العوامل الحقيقية التى تشعل الصراعات والحروب فى العالم ، وهى الصراع على مصادر الطاقة والمياه والمواقع الاستراتيجية والأسواق والتجارة والممرات .

نحن لم نبحث أبدا فى تأثير تلك العوامل فى مشاكلنا مع إيران ولا مع أى طرف آخر ، لأن كتبنا الفقهية وفتاوى الأقدمين ، التى نقتبس منها كل شئ ، لا تحتوى على شئ من ذلك .

 والآن  مع رسالة سعد فأقول :

أولا : شكرا لإقتناعك (بعدم وجود مركز أبحاث عندى ولا دعم إيرانى إلخ). وبالنسبة لما فهمته عن إستمرار وجود علاقة بين القاعدة وإيران ، يكون صحيحا إذا أعتبرنا أن القتال هو أيضا نوع من العلاقة .

ثانيا :{عن توسع نفوذ إيران فى المنطقة العربية }، فهى عبارة مقتطعة من سياقها العام . فلكى نرى نفوذ إيران فى المنطقة ونحدد إن كان يتوسع أو يتراجع . فيجب أن ننظر إلى واقع المنطقه ككل ، والأطراف الفاعلة فوق ساحتها ،عندها سوف نعرف طبيعة الأدوار والأهداف ومقدار التقدم أو التراجع الذى يحرزه  أى طرف ، ويجب عندها أن نعرف (من نحن؟؟) ، وما هى أهدافنا وأدوارنا .. وهل نحن أيضا نتقدم أم نتأخر؟؟ . وهل نشارك فعلا فى الأحداث؟؟ وبأى صفة ؟؟.. هل كطرف مكتمل الأهلية واضح الأهداف؟؟ ، أم مجرد تابع لقوى أخرى أكبر وأكثر فعالية تأخذنا معها حيثما ذهبت ، ثم تتخلص منا عندما تقضى مآربها ؟؟ .

ثالثا :  ينبغى أن نضع فى الإعتبار الوضع الحالى للمنطقة العربية التى تعيش فى حالة من الضعف والفوضى لا مثيل لها فى أى منطقه أخرى من العالم . وبإعتبار الموقع الجغرافى والثروات فإن هذا الفراغ الحادث فى منطقة هامة وغنية ، تحكمها أنظمة إستبدادية ضعيفة وشعوب لا تمارس من الحقوق غير حقها فى تلقى الصفعات والركل ، ولم تعد سوى (شوائب بشرية) لا وزن لها ، كل ذلك جذب إلى بلادنا كافة أنواع التدخل الخارجى على رأسه الإحتلال اليهودى لفلسطين ، وزحف اليهود إلى جزيرة العرب ومكة والمدينة واليمن الذى يعيش حالة دمار شامل لقواه البشرية وضياع أرضه وثرواته ومواقعه الاستراتيجية . وعندنا أمريكا التى لها قواعد عسكرية فى كل منطقه الخليج وقواعد قديمة وجديدة فى العراق ، وإحتلال مباشر فى سوريا وعزم معلن على إغتصاب ثروات النفط والغاز فى سوريا والعراق وتقسيم سوريا إلى مقاطعات . ومصر تأكلها جميع ذئاب وقوارض الأرض ، فسرقوا منها النيل وسيناء ، واشتروا معظم أراضى مصر لبناء مستعمرات جديدة ودول ، وشارك فى ذلك حتى مشيخات النفط الأسود . وليبيا تكالبت عليها دول أوروبا والناتو . والسودان تذوب تدريجيا وهدؤ ويجرى تقسيمها وإشراك حكومتها فى برنامج قتل السودان لخدمة خطط إسرائيل فى مصادرة مياه النيل والبحر الأحمر وأواسط أفريقيا . وتركيا تحتجز أكثر من ثلث مياه نهرى دجلة والفرات من نصيب سوريا والعراق وتصدر الماء إلى إسرائيل ، وتسعى نحو المزيد من مياه البلدين وهى من كبار المشاركين فى سد النهضة ، ويدخل ويخرج جيشها فى أراضى البلدين وكأن لا حكومات هناك ولا شعوب. ويكفى شعار {مكافحة الإرهاب} الذى سيؤدى إلى فناء العرب والمسلمين ، بل والقضاء على الإسلام نفسه فى نهاية المطاف ، باعتباره دينا إرهابيا ، وكتابه (القرآن) يحض على الكراهية!!. وجلب ذلك الشعار البغيض إلى العراق والشام الجيش الأمريكى وتحالفه الإجرامى المكون من حوالى ثمانية عشر دولة غربية و”إسلامية”، لممارسة هواية قتل الشعوب وهدم الدول وإغتصاب الثروات . وهناك روسيا التى تحكمها نظرة خاصة إلى سوريا تقول ( أن القرم هى بوابة روسيا ، وسوريا مفتاحها ). إذا روسيا ترى فى سوريا مسألة وجود ، ناهيك عن مشاريع أنابيب الغاز المرشحة للمرور فى سوريا أو بالقرب منها ، مهددة بإخراج روسيا من سوق الغاز الأوروبى وبالتالى إنهيار مركزها الجيوسياسى فى العالم ، فتصدير الغاز هو عماد الإقتصاد الروسى يليه تصدير السلاح .

–  فهل لا نرى شيئا آخر غير ( إيران والخطر الشيعى ) ؟؟ . هل عرفنا لماذا كل هؤلاء يجتاحون بلاد العرب ودوافع كل منهم؟؟ . هل كل هؤلاء الغزاة هم من أهل السنة والجماعة وإيران فقط هى الخطر لأنها (شيعية !!)؟؟. فلماذا إيران هنا ؟؟ وما هى دوافعها ؟؟ .. هل درسنا ذلك بموضوعية بعيدا عن الهوس الطائفى الذى لا نرى سواه ولا نرى الأحداث إلا من خلاله ؟؟ .

المدنيون وحرب المدن :

يسأل سعد :  (ماذا عن الضحايا من اهل السنة بسبب معركة بقائهم في سوريا؟. من المسؤول عن المذابح التي تحدث في سوريا؟. مش معقول الذنب كله علي الجماعات الاسلامية ) .

 ويسأل مجهول فى رسالته : (ماهو الحل فى حرب المطاريد لسياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعية للسكان والبنية التحتية كما تفعل روسيا فى سوريا) .

وبما أن الأمر يتطلب شيئا من التفصيل فى الإجابة نظرا لتكرار نفس السؤال من أكثر من جهة ومنذ سنوات . فسوف أجعل الإجابة ضمن ملف خاص تحت عنوان :

{ دراسة فى أنواع الثورات : المدنيون وحرب المدن } .

ننشره فى أقرب فرصة بإذن الله ، بعد أن يتم نشره فى العدد القادم ـ رقم 145 ـ من مجلة الصمود التابعة للإمارة الإسلامية فى أفغانستان .

بقلم: 

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world