طالبان فى عين الإعصار

طالبان

لا يمكن النظر بحسد إلى “ملا منصور” الذى الذى أختير أميرا للمؤمنين من قبل مجلس شورى حركة طالبان . فلا شك فى أنه يواجه موقفا عصيبا ، لأسباب تتعلق بملابسات إختياره للمنصب ، وأيضا لطبيعة الوضع الحرج الذى تمر به أفغانستان التى تخوض العقد الرابع من حروب متصلة ، آخرها كان لصد عدوان أمريكا والناتو عليها .

وحتى تتضاعف مشاكل الأفغان ، فإن قيمة الإقليم الذى تتوسطه بلادهم قد تضاعفت سياسيا واستراتيجيا . ويكفى أن لهم حدودا مع القوة الصينية الزاحفة بثبات نحو قمة العالم ، وحدودا أخرى مع إيران القوة الأكبر فى الشرق الأوسط ( بعد إسرائيل بالطبع ) . وجارتيها : باكستان (1600 كم من الحدود مع أفغانستان ) ، و إيران المتوافقة حديثا مع الغرب ، لهما أكبر سجل من التدخلات وشهية الحصول على موضع متميز للتأثير على دولة فاشلة فى أفغانستان .

الهند لا ترغب فى سقوط أفغانستان فى براثن عدوها الباكستانى ، وباكستان بالمثل لا تريد الهند فى أفغانستان ، كما ترغب أيضا فى إغلاق ملف الحدود مع أفغانستان الضعيفة وإبتلاع المناطق التى سلخها إتفاق ديوراند عام 1893 وضمها الى الهند البريطانية مؤقتا لمدة مئة عام إنتهت منذ عقود . التنازل عن تلك الأراضى لا يجرؤ أفغانى على الموافقة عليه علنا . لكن حكومة أفغانية مطحونة فى حرب أهلية ضد أطراف أخرى مدعومة من الجيران والعالم الخارجى ستكون مرغمة على قبول التنازل وإنهاء مشكلة ديوراند فى مقابل دعم باكستانى . فالحرب الأهلية فى أفغانستان ضرورة لباكستان كما للعديد من الأطراف الخارجية .

الإحتلال الأمريكى فرغ تقريبا من تجهيز المسرح الداخلى فى أفغانستان على نحو ما قام به فى العراق ، لإستقبال حرب الجميع ضد الجميع ، على أسس عرقية ومذهبية ومناطقية . فهناك العشرات من الميليشيات المسلحة والملايين من قطع السلاح . وحتى تنظيم داعش يتم حقنه بكل إصرار فى الجسد الأفغانى بمجهود مشترك من المخابرات الأمريكية والباكستانية ونظام كابول . فالأطماع الإقليمية لباكستان تسير بالتوافق مع الرؤية الأمريكية لأفغانستان ، لدمجها فى إطار الشرق الأوسط الذى تعاد صياغته بإستخدام أسلوب الفوضى الخلاقة التى بشرت بها “كونداليزا رايس”. ولا شك أن داعش ( وأخواتها الأقل شأنا مثل القاعدة والنصرة .. الخ ) يشكلون أهم أدوات تلك الفوضى ، التى فى النهاية تعيد تقسيم دول المنطقة وتهدر ثرواتها وطاقتها ومزاياها الاستراتيجية ، وتصبح حيازة السلاح أهم من متطلبات التنمية أو مكافحة الفقر والمرض والجهل . ولا يوجد عاقل فى الغرب يمكن أن يعترض على ترويج السلاح الغربى فى تلك المنطقة المجنونة .

الساحة الأفغانية تم تجهيزها لحرب أهلية طويلة الأمد ، لا يمكن إنهاؤها بغير التقسيم . ويستحيل تنفيذ هذا المخطط إذا ظلت حركة طالبان موحدة تحت قيادة قوية ومستقلة . فتجربة طالبان منذ أن بدأت فى أغسطس عام 1994 ثم فترة حكمها لخمس سنوات (1996 ـ 2001 )، برهنت على قدرة غير عادية فى فرض الأمن بقوة تطبيق القوانين الإسلامية ، فتمكنت من المحافظة على وحدة التراب الأفغانى وإحباط مشاريع تقسيم البلد إلى كانتونات تدور فى فلك دول الجوار . إذن لابد من إقحام حركة طالبان بقيادة جديدة “مرنة” و”متفاهمة” ، للإندماج فى مكونات نظام كابول حتى تفقد طالبان تلك المزايا والقدرات .

ومن جهة أخرى فإن داعش ، ومشتقات الوهابية القتالية ، تتنافس جميعا على دخول المجال الأفغانى المضطرب ، لتقاتل حركة طالبان ” التى سيعتبرونها مرتدة ” والشيعة ” المعتبرين ضمن الكفار الخطرين”. وسوف تكتسب داعش فى صفوفها قطاعا من طالبان المعارضين لمبدأ التشارك فى سلطة صنعها الإستعمار ، ولا تدين بحكم الإسلام . وهؤلاء سيوفرون للتنظيم حاضنا إجتماعيا قبليا يفتقده بشدة فى أفغانستان . بمعنى آخر : سوف تستفيد داعش من فشل التجربة الجهادية لطالبان كما إستفادت من فشل التجربة السياسية للإخوان المسلمين ، معتبرة ذلك دعما لوجهة نظرها {المنادية بالفوضى المطلقة وقتال كل شئ} .

ولكن من المستبعد جدا أن يحدث أى إنشقاق داخل حركة طالبان نتيجة الخلاف الذى أعقب الإعلان عن وفاة الملا محمد عمر وإختيار ملا منصور أميرا جديدا . مع أن بعض الشخصيات المهمة قد يتخلون عن نشاطاتهم الرسمية فى الحركة . ولكن قوة ” البيعة ” وارتباطها الوثيق بالشريعة تمنع أى انشقاق حقيقى ، إلا فى حالة إرتكاب ” أميرالمؤمنين” الجديد لمخالفة شرعية جسيمة تبرر للعلماء خلعة من منصبة .

وذلك الإحتمال قائم فى حال قبول الملا منصور لعملية مصالحة مع نظام كابول . فالمعارضون سيطعنون فى شرعيتة بتأييد من العلماء . وطبيعى أن يكون هناك علماء آخرون يؤيدون إستمرار شرعيتة. وهنا يحدث الإنقسام الذى يخشاه الجميع ، ولا يتمناه سوى الأعداء ، وهم ليسوا فقط حكومة كابول وقوات الإحتلال بل كثيرون ، منهم باكستان بطبيعة الحال .

القلق الذى ضرب صفوف حركة طالبان ـ خاصة القيادات ـ بعد الإعلان المفاجئ عن وفاة الأمير المؤسس وتولية الأمير الجديد ، هو قلق صحى جدا من أحد جوانبة . فلأول مرة يوضع صاحب ذلك المنصب المهيب ( أمير المؤمنين ) تحت أضواء المحاسبة العلنية عما حدث ، وجعل تصرفاته المستقبلية أيضا تحت أضواء الرصد والترقب . وأقوى ما قيل فى ذلك هو ما كتبه الطيب أغا رئيس المكتب السياسى فى قطر ، ثم جلال الدين حقانى أهم القادة المخضرمين . فالطيب أغا رفع صوته بإعتراضات سياسية قوية شملت :

أ ـ الإعتراض على إخفاء خبر وفاة الملا عمر لمدة عامين ونصف معتبرا ذلك خطأ تاريخيا .

ب ـ موافقة الأمير الجديد على إجراء مفاوضات مصالحة عن طريق باكستان ، كانت هى السبب فى الكشف عن الوفاة ( لضرب التيار المعارض للمصالحة والقريب من الملا عمر وعلى رأسهم الطيب أغا نفسه ) .

جـ ـ الإعتراض على إختيار زعيم للحركة خارج البلاد ، من قبل مواطنين يقيمون خارج البلاد ، على خلاف الخبرة الأفغانية التاريخية التى تدل على أن الزعماء المختارين خارج البلاد تسببوا فى أسوأ العواقب للشعب . والدليل هو أختيار زعماء لأفغانستان فى موسكو فى عصر الإحتلال السوفيتى ، كذلك إختيار مؤتمر بون لزعماء أفغان فى فى وقت الإحتلال الأمريكى . ويرى الطبيب أغا أن عملية إنتخاب زعامة للإمارة الإسلامية مكانها الطبيعى هو أفغانستان فى وسط المجاهدين المضحين ، تمشيا على خطى الأمير الراحل محمد عمر . ثم يذكر الطيب أغا أنه إستقال من منصبه حتى لا يكون مسئولا عن العواقب الوخيمة المحتملة القادمة على الوطن والشعب .

أما بيان حقانى فقد راعى الضرورات الميدانية التى تستدعى الوحدة ، لأن الفرقة تعنى الهزيمة ، حسب خبراته المريرة فى أوقات الجهاد ضد السوفييت ، وما عاناة من مشاكل نتيجة تعدد الأحزاب الجهادية وتناحرها . لهذا نصح فى نهاية رسالته “حافظوا على رص الصفوف وتوحيد الكلمة ” . تلك ضرورة عسكرية يعرف حقانى أكثر من غيره مدى أهميتها . أما ما سوى ذلك فيمكن التغاضى عنه ، أو تأجيل الحكم فيه .

ما يمكن التغاضى عنه مثل قضية تعيين الأمير ، حيث يرى حقانى أن طريقة إختيار منصور كانت شرعية. وذلك صحيح ، فكتب الفقه المتاحة تمنح الشرعية لجميع صور نقل السلطة . فلا يوجد إجتهاد فقهى حديث يحدد طريقة إختيار تناسب المجتمعات الإسلامية المعاصرة . إذن أى صورة لنقل السلطة هى ممكنة ومجازة شرعا ، تلك هى الحقيقة رغم ما بها من مآخذ وثغرات بل وخطورة .

أما ما أجل حقانى الحكم فيه فيأتى فى قوله مخاطبا منصور (( إننا نلبى جميع أحكام ديننا المبين تحت إمرتكم وقيادتكم )) . والمعنى الصريح لذلك هو أن هناك رقابة صارمة على قرارات القيادة الجديدة فيما يتعلق بالمصالحة والحكم المشترك مع من فرضهم الإحتلال بقواته المسلحة . فقد رفض حقانى المصالحة مع الحكم الشيوعى ، وظل يقاتل وهو شبه منفرد مع قلائل فى أفغانستان حتى سقط النظام الشيوعى الذى كان يترنح بشدة منتظرا أن تنقذه مصالحة تفرضها الكتلتين الأعظم وقتها ، وهو وضع يشبه كثيرا ما هو قائم الآن فى أفغانستان .

بقلم :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري) 10-08-2015
[email protected]
المصدر :
www.mustafahamed.com




العرب : رقم عسكري وصفر سياسي

مافا السياسي __ Red
بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world
 لم تخل جعبة الشعب الأفغاني من المكاسب السياسية بعد أربعة عشر عاماً من قتاله ضد الشيوعية , وإن كان يعيش الآن بلا حكومة في دولة مهددة بالتمزق , وفي ظل حرب أهلية تدمرالعاصمة وتحصد  أرواح الآلاف ولكنه على الأقل  يعيش الآن بلا  نظام  شيوعي. كشعب حرومحتفظ بإسلامه .. ويشعر بالعزة والفخر لكونه حقق إنجازاً غير مسبوق في تاريخالعالم المعاصر .
ولكن ما هو الحال بالنسبة للعرب الذين شاركوا في جهادأفغانستان ؟
لقد شارك مسلمون من شتى بقاع الأرض في الحالة الجهادية الأفغانيةوأثروا فيها وتأثروا بها , ولكن المشاركة العربية اكتسبت طابعاً خاصاً .. وقيمة مخالفة لكافة المشاركات الأخرى حتى أنها- في لحظات محدودة – خطفت الأبصار فعلاً حتىعن الدور الجهادي الأفغاني نفسه .
لقد عاد العرب في أفغانستان إلي السلاحفي ساحات الصراع العسكري العنيف وتحت راية الجهاد وهتافات ” الله أكبر ”  . وقدأحيا ذلك الالتحام ذكريات الصدر الأول والريادة العربية للإسلام , دعوة وجهاداً , وكان الأفغان في شوق لهذا الدور .. ولم يكن العرب أقل شوقاً .. ولكنهم كانوا أبعدما يمكن عن القدرة على ممارسته بالشكل اللائق , ومع ذلك كان دوراً تاريخياً مشرقاً .. على وجه العموم .

افتقد العرب في أفغانستان إلي ما يفتقده الأفغانأنفسهم من مقومات العمل الجهادي الناجح .. افتقدوا القيادة وافتقدوا التنظم . وظهروا في ذلك الجانب في صورة أشد تخلفاً عن صورتهم في حرب فلسطين , فلم تشهدأفغانستان حسن البنا ولا شهدت الإخوان المسلمين .
وخسر بذلك التواجد العربي والجهاد الأفغاني عنصراً ذو قيمة إستراتيجية فائقة  ., وكان ذلك بالتحديد جزء منصفقة إخوان العصر الحالي ” الدوليون ” مع الأنظمة المحلية في مصر وباكستان وجزءمن الاتفاق الضمني مع الولايات المتحدة ,لقد قالها الإخوان المعاصرون صراحة : وداعاً للسلاح .
لقد جاهد الإخوان المعاصرون بتوزيع الأحذية والبطانيات علىالأفغان وتركوا خنادق القتال لغيرهم .. لقد مارسوا دور ( الخدمات الثابتة ) الذييؤخذ إليه المعاقون والعاجزون عن القتال والمشكوك في ولائهم في الجيوش النظامية .. وكل هذا إرضاءً للحكومات العميلة .. ( إذا وافقت الحكومة إننا نقاتل يبقى نقاتل!!! (..
كما قال كبيرهم عند زيارته اليتيمة لبيشاور .
رحم الله حسن البنا فقدقرعت أجراس الكنائس احتفالا بقتله لأنه أخذ مبادئه معه إلى القبر
لقدتعمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب والباكستانيون إغراق الجهاد الأفغاني فيدوامة عاتية من الفوضى . واهتموا بشكل خاص بإغراق التواجد العربي في نفس المستنقعوحرصوا على :
ألا يستفيد العرب عسكرياً, ألا يستفيد العرب تنظيماً, ألا يفهمالعرب أبعاد الصراع سياسياً,  ألا يكون دور المجاهدين العرب مؤثراً فى نتائجالقتال.. وإن ظهر لهم دور مؤثر فى بعض الأحيان فيجب طمس هذا الدور والتعتيم عليه. وللأسف كان القادة الأفغان مشاركين فى هذه المؤامرة.
وظل التدريب العسكري شبهمحظور على العرب المجاهدين لعدة سنوات, ثم بدأ رمزياً لسنوات أخرى – ثم اتخذ شيئاًمن الجدية في العامين الأخيرين.
أما تنظيمياً فقد شكلت أجهزت المخابراتالعربية, خاصة السعودية , أوعيه العمل العربي ووسائله وأشخاصه ومؤسساته . ثم وجهتهفي دهاليز مجدبة عقيمة , لا تفيد المجاهدين لا عرباُ ولا أفغاناًُ.
من الناحيةالفكرية لم تشهد حركة مماثلة في العالم حالة من الإجداب الفكري كما شهده الجهادالأفغاني. فلم يصدر كتاب واحد ذو قيمة إبداعية في أي منحى. وذلك بالنسبة للأفغان والعرب على حد سواء . كما شمل ذلك الجانب العسكري أيضاً . فلم تظهر كتابات عسكريةذات قيمه طوال هذه الحرب رغم مئات المعارك الهامة.
و رغم تلك الإحتياطات استطاعالتواجد العربي في أفغانستان أن يخترق طوق الحصار المفروض حوله.. ولو جزئياًفاستطاع بعضهم أن يتعلموا الكثير بمجهوداتهم الفردية, وشاركوا جماعياُ فى معارككانوا فيها نجوماُ لامعة واستطاعوا – بدون أن يدركوا ذلك – أن يفسدوا بعض المخططاتالدولية التي تآمرت في ساحات القتال.
1 –
فقد لعبوا دور البطولة المطلقة فيمعركة جاجى 1987م التي كانت المعركة التي اصطدم فيها العرب مع الروس مباشرة لأولوآخر مرة.
2-
وكانوا العنصر الأهم فى معارك جلال آباد منذ أن اندلعت في مارس 1989م وحتى فتح كابول في إبريل 1992م وأفسد ذلك التواجد – بدون أن يدروا – المخططالمرسوم لتلك المعركة , التي كان من المفروض أن تكون هزيمة عسكرية يعقبها انهيارسياسي تواطأت فيه قيادات الأحزاب الجهادية في بيشاور مع أجهزة مخابرات دوليةوإقليمية . لقد منع العرب فى جلال آباد أن يتحول الموقف إلى كارثة مدوية.
3 –
وشارك التواجد العربي بجدارة في معارك خوست قبل وبعد فتح المدينة في مارس 1991 ثممعارك جارديز التي تلتها في أكتوبر من نفس العام.
هذه أبرز المشاركات العربيةعسكرياً حيث قاتلوا بأعداد كبيرة نسبياً  .وأثبتوا حضوراً بارزاً فى الميدانالقتالي . مع هذا فقد قاتل العرب إما فرادى أو في مجموعات صغيرة في كل أنحاءأفغانستان تقريباً. وفقد الشباب العربي ما يقارب الخمسمائة شهيد طويل سنواتمشاركتهم الجهادية في أفغانستان.
*
كما أن تسمية الجهاد الذي تم في أفغانستانباسم (الجهاد الأفغاني) كان وسيلة أمريكية ناجحة للحديث عن جرائم الشيوعية, ومآسىالشعب الأفغاني, ودور الأمم المتحدة وأمريكا في مساعدته, ولإبرازهم فرسان بيشاوروصناديدها من قادة الأحزاب الأفغانية, وفى نفس الوقت إخفاء البطولات القتالية, التيأظهرها المجاهدون العرب أفراداً ومجموعات, ودورهم الكبير جداً في الحفاظ على الروحالمعنوية للأفغان أنفسهم الذين أهتزت معنوياتهم كثيراً لما رأوه من فساد أهلبيشاور, والمتاجرة بدماء المقاتلين. إن هذه الأمور لم يسمع بها أحد ولم يعرفها إلاالذين عانوها بأنفسهم فقط.
ويأتى السؤال .. وماذا كسب العرب سياسياً منمشاركتهم القتالية:
والجواب: لا شئ بل أنهم خسروا.. وما زالوا.
وفى لحظةفتح كابول أدرك المجاهدون العرب أنهم هزموا سياسياً, فالهدف الذي جاءوا لأجله قدتبخر مثل السراب.
لقد حضروا لإقامة دولة الخلافة.. وتخيلوا شخصية الخليفة فىواحد من أثنين من (القادة الأصوليين) من جناج الإخوان.
لكنهم فوجنوا بانغماسهؤلاء في الحرب الأهلية والتحالفات المشينة مع الشيوعيين في سباق مجنون نحوالسلطة.
انسحب معظم العرب من كابول بعد أيام من الفتح وبقى أخرون يقاتلون فى صفهذا أو ذاك ممن كانوا يحلمون بهم في أدوار “سيدي الخليفة”. ذلك الاستمرار القتالييعود لأسباب نفسية بحته – وإن اكتسى بصبغة دينية هشة- لقد رفضوا تصديق الكارثة.. فظلوا يتخيلون الوهم ويقاتلون الطواحين في كابول.. ويقتلون الأبرياء تحت وهم إحياءالخلافة.
واستغل طواغيت بيشاور وفى كابول الوضع وعزموا على القتال حتى آخر عربيفي حوزتهم.
*
انكمش عدد من العرب في معسكراتهم المشتتة فى منطقه جلال آباد. ولكنالوالي ورئيس مجلس الشورى ومعظم الأعضاء بدأوا مزاداً دولياُ لبيعهم  للنظام الدوليالجديد. وقبضوا الملايين من الولايات المتحدة والأمم المتحدة والسعودية. لقد بدأتحملة دولية ضد “الإرهابيين العرب” في بيشاور وأفغانستان.
وشاركت حكومات عربيةبضراوة لاستئصال العرب وإبادة ذلك التجمع. وضغطت حكومات مصر وتونس والجزائر لتسليمرعاياها من العرب لإعدامهم. ودفعت الملايين لوالى جلال آباد ومجلس الشورى هناكلطرد العرب أو تسليمهم أو .. قتلهم هناك.. ونجحوا أخيراً في التضييق والتصفية. وترك العرب خلفهم ثلاثمائة جثة لشهدائهم في تراب جلال آباد ومداخلها. لم يستطعالعرب أن يكتسبوا موطيء قدم في أفغانستان. وفقدوا جلال آباد التي شهدت أكبر تواجدلهم وأعظم خسائر بشرية منوا بها فى تلك الحرب.
وفقد معظمهم الثقة في الأفغان.. بل والأعاجم.. وأعاد بعضهم حساباته الإسلامية من الأساس.
كانت حسابات العربالسياسية خاطئة منذ البداية وظلت كذلك حتى النهاية – وحرمهم ذلك حتى من الحصول علىمكسب سياسي جزئي كإخوانهم المجاهدين الأفغان. لقد كان ممكناً لهم – وما زال – اتخاذموطئ قدم قوى على أرض أفغانستان وبين قبائلها بشرط التواجد الجماعي المنظم. وبدونموطئ قدم ومأوى في أفغانستان المحررة بدماء مليوني شهيد سيقع التجمع العربي فيبراثن النظام الدولي وزبانيته الإقليميين.
لقد انفجرت مجازر الشيوعيين فىطاجيكستان . وأفتقد الشعب الطاجيكى المسلم مساندة العرب المعنوية والقتالية كمافقدوا دعم الأفغان وامكاناتهم القتالية الرائعة.
*
كان يمكن للعرب الحصول علىموطى قدم ثابت وقوى فى أفغانستان يمارسون فيه دورهم الريادي إسلامياًُ فى وسط أسيابشكل خاص ثم جنوبها ثم المنطقة العربية عامة, ولكنهم أخطأوا تقييم الأحداث وتقييمالشعب الأفغاني.. ومعطيات الواقع السياسي. وفوق ذلك افتقدوا القيادة الموحدةوالتنظيم الجامع فلم يكن للعرب في أفغانستان لا حسن البنا ولا الإخوان المسلمين .
فنحن أمام حالة من فقدان القيادة.. وضياع التنظيم . وجماعات بهذا الشكل تمارسالجهاد المسلح مع غياب كامل عن الفهم السياسي والممارسة السياسية.. مهددة إما أنتصبح مجرد “أحصنه” ( أو بغال تحميل حسب بعض التوصيفات(.
فى اللعبة الدولية.. تقوم البغال بحمل الأثقال الصعبة.. وعندما تنتهي الفائدة منها يطلقون على رؤوسهارصاصات الرحمة.
فهل ما يحدث للعرب في بيشاور الآن – أو العرب الأفغان – كماأطلقوا عليهم في أجهزة القمع الغربية – هي رصاصات من هذا النوع؟

وهل يحاولالنظام الدولي الجديد استباق الزمن ويذبح المجاهدين العرب قبل أن يتحولوا إلى طرفكامل الأهلية يتعامل سياسياً بنفس براعته في القتال..و يومها ستتغير حتماً الكثيرمن المعادلات.؟
لقد اعتقل مقاتلوا الإخوان المسلمون فى فلسطين وأسلحتهم ما زالتفى أيديهم. وحاول اليهود إجراء نفس المؤامرة على ” العرب الأفغان” في بيشاوروأفغانستان ولكن المحاولة فشلت عدة مرات لأسباب مختلفة. فهل ينجحون في تصفية الزخمالجهادى الإسلامي الذي تولد عن القضية الأفغانية كما نجحوا مع نظيرة فيفلسطين؟
لقد اغتالوا حسن البنا فى أعقاب حرب فلسطين واغتالوا معه تنظيم الإخوانالمسلمين الذي استشهد هو الآخر فى نفس اللحظة مع المرشد العام.
لقد استعصتالظاهرة العربية فى أفغانستان على الاغتيال, فلم يكن الدكتور عبد الله عزام هوبنا” هذه الحركة. ولم يكن ثمة تنظيم يمكن إغتياله مع الدكتور عبد الله عزام ..ولم يظهر هذا التنظيم بعد.
إلى حد ما كانت للهلامية العربية فى بيشاوروأفغانستان فوائدها. ولكنها تبدو وقد استنزفت تلك الفوائد وأعطت ما يكفى منالسلبيات التى تهدد الظاهرة الجهادية بأكملها بالضياع الجماعي . فلم يعد يمكنهاالاستمرار بغير عبور الحاجز الصعب وتحقيق المستحيلات الثلاث: القيادة.. والتنظيم.. والسياسة.
ولا يستطيع أشد الناس حماساً أن يدعى بأن تلك الحركة قادرة حالياًُعلى تحقيق المستحيل.
بيشاور
فى رمضان 1413هـ_مارس 1993م

بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world