12 سؤال من كابل (الجزء الاول)

12 سؤال من كابل (الجزء الاول)

12 سؤال من كابل

(الجزء الاول)

 

مقدمة بين يدى الأسئلة :

وصلتنى رسالة من الإستاذ {إسماعيل} وهو إعلامى أفغاني مقيم فى كابول  . لديه أسئلة موجهة لي تحت عنوان  (12 سؤال .. لمصطفى حامد ) .

ولكننى وجدت أن العدد الحقيقى للأسئلة يتخطى ذلك العدد بكثير ـ وفى ذلك (تناقض) ـ وقد إشتكى صاحب الاسئلة من أنه ضبط تناقضات فى بعض مواقفى . ولكنه أوجد لى عذرا لأننا ـ حسب قوله ـ {نعيش فى زمن ملئ بالإضطرابات والفتن والحروب . زمن يختنق فيه الحق ويرقص فيه الباطل على عرش المقدسات. فالذين إدَّعُوا سابقا أنهم أهل الحق ، ويقيمون الحد على كل من يخالف الشريعة ، هم أنفسهم اليوم يتزاحمون على الخمارات وصالات القمار . وأتذكر وجوهم فى الحالتين } .

ويقول أيضا: {إن ما نراه اليوم ليس جديداً ، ولكننا كنا بعيدين جداً عن الصورة الحقيقية إلى حد الصدمة }. ثم ينقل تعليق لصديق له على حاله هذا : (إحمد الله أن ذهنك قد نضج ، ولكن يجب أن تدفع الثمن . وكل إنسان طيب أو شرير سيدفع الثمن وكل إنسان سيقرر مساره عندما يبلغ هذه النقطة ) .

ثم يعتذر بلباقة عن خشونة بعض الأسئلة ، أو صيغتها غير المجاملة ، معطياً لي الحق فى الرد أو عدم الرد على أى سؤال . وفى الحقيقة كانت الأسئلة وصياغتها مهذبة جداً . ولا يمكن مقارنتها بأسئلة وأساليب كثيرة وصلتنى من العالم العربى حيث بلاغة الهجاء لامست قاع الإنحطاط البعيد.

–  وبالنسبة للتناقض فى آرائى ومواقفى ، فلم أجد له أثراً فيما أورده من أسئلة . ولكن كما ذكرت فى مقدمة كتابى الأول (15 طلقة فى سبيل الله) فإن ما كتبته كان تسجيلاً للأحداث وأيضا للحالة الفكرية التى كانت سائدة بين العرب وقتها . وقلت أن العديد من آرائى تبدلت بمرور الزمن وتوالي الأحداث ، ومع تكشف الكثير من جوانب الواقع التى لم تكن واضحة فى البداية . وأننى أوردت آرائى كما كانت وقتها بما فيها من قصور أو أخطاء ، فلم أدعى الحكمة بأثر رجعى كما يقولون . وأظن أن ذلك ليس تناقضاً بل تطورا طبيعيا للأفكار، وهو ما يناقض الجمود والإنغلاق .

نبدأ الجولة مع الأسئلة القادمة من كابول العزيزة على قلوبنا . وكانت إجاباتى مستفيضة أحيانا ـ حتى يطول أمد اللقاء . وقد أجبت علي الأسئلة جميعا.

وتمنيت لو قضيت وقتا أطول فى الحوار الممتع .. بالنسبة لي على الأقل .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

12 سؤال من كابل …  (الحلقة ـ 1)

 

السؤال ـ الأول

قلت فى بعض الحوارات التى أجريتها أنك لست من القاعدة. ولكن الكثير من التحليلات والأخبار سواء المحلية أو العالمية يقولون أنك قيادى أو  مستشار أو مساعد أو كل ذلك .

– أنت ربطت نفسك عائليا مع القاعدة بزواج إبنتك من سيف العدل .وكان لك حضور فى جلسات كثيرة بها كبار القاعدة، وعشت بينهم. وأيضا بايعت الملا عمر نيابة عن بن لادن وكل القاعدة. كيف تشرح التناقض الموجود؟؟.

– من جهة أخرى بعض المحللين الذين يكلمونى يقولون لى : مصطفى حامد من أكبر مشاورى الطلبة، بدليل أنك كنت أول عربى يبايع الملا عمر نيابة عن العرب وعن نفسك. وحتى هذه اللحظة أنت إلى جانب الطلبة ومستمر معهم بأى وسيلة متاحة لك .

هل لك رد على هذه التحليلات ؟؟.

 

إجابة السؤال ـ1 :

علاقتى مع القاعدة ـ وحركة طالبان .      

أولا ــ علاقتى بالقاعدة :

كررت مرارا أننى لم أكن يوما عضواً فى تنظيم القاعدة . ولم يمنع ذلك من أن يكون مؤسسي القاعدة هم من أقرب أصدقائى . خاصة أبو حفص المصرى وأبوعبيده البنشيرى .

وهما المؤسِسَان التنفيذيان للقاعدة بداية من صيف1987 بتوجيه من أبوعبدالله (أسامة بن لادن). فمنذ عام 1985 عملنا كفريق فى منطقة خوست (لأول مرة تعمل مجموعة من العرب كفريق). نعمل مكتملين أحيانا ، وفى معظم الأوقات أعمل مع صديقى الشهيد عبد الرحمن المصرى منفردين. وأنضم إلينا لفترة (أبوالخيرالمصرى) الذى إلتحق بتنظيم الجهاد ثم بالقاعدة فى مرحلة متأخرة . وأفراد قلائل آخرين شاركونا أحيانا.

تعرفت على بن لادن شخصيا مع بدايات1988 وتكلمنا خلال عدة جلسات عن جهاد أفغانستان وعن نظرية حرب العصابات التى كانت مدهشة بالنسبة للعرب ويرونها غير قابلة للتطبيق.

ومثل كثيرين غيرى ممن قابلوا بن لادن فأحبوه وقدروا صفاته الرائعة، التى نادرا ما تجتمع فى شخص واحد ، فقد إعتبرت أننا أصبحنا أصدقاء مقربين ، وذلك يرجع إلى كرم أخلاقه.

وكأصدقاء قريبين كنا نتزاور ونتشاور ونتناقش. نتفق أحيانا ونختلف أحيانا أكثر ، وكانت علاقاتنا تتوثق بإستمرار . لم تهتز لكثرة الخلاف فى وجهات النظر حول تقييم جهاد أفغانستان والجهاد عموما . وكنا نتشاور حتى فى المسائل الشخصية والعائلية . وقد شاورتهما فيما يتعلق بزواج بناتى. وأخذت بمشورتهما بداية من زواج أبنتى الكبرى بسيف العدل الذى كان قد إلتحق حديثا بالقاعدة فى عام 1990 تقريبا.

لم تتوتر العلاقة إلا بعد التهديد العلنى العنيف الذى وجهه بن لادن للولايات المتحدة قبل عملية سبتمبر ـ وقد ذكرت لقائنا الأخير بتفاصيله تحت عنوان وداعاً قندهار فى كتاب صليب فى سماء قندهار . واستمر خلافى شديدا مع عدد من منتسبى القاعدة ، الذين لم تشملهم العلاقات التى كانت تجمعنى مع المؤسسين الثلاثة : بن لادن/ أبوحفص/ أبوعبيده . فلم تسنح فرصة لتوثيق العلاقات الشخصية معهم، لا فى الحياه العامة ، ولا فى الجبهة التى تبنى أقوى العلاقات بين المجاهدين .

ــ لم يكن فى خلافاتنا أى عنصر شخصي ، بل كنا أقرب الأصدقاء ، لهذا ظن أكثر من نظر إلينا من الخارج أن الذى يجمعنا كان رباطاً تنظيمياً وثيقاً . وأننى ربما كنت قيادياً أو مشاوراً أو أى منصب تنظيمى آخر . لقد كانت علاقتنا أقوى وأرقى من كل ذلك. رحمهم الله جميعا ، فقد تركوا خلفهم عالماً خالياً إلا من الأشباح .

 

ثانيا ــ علاقتى بحركة طالبان :

حسب متابعاتى فإن طلبة العلوم الشرعية (طالبان) ظهروا خلال الحرب السوفيتية فى تجمعات صغيرة فى بعض الجبهات ، ولم يكن لهم تنظيماً خاصاً ، بل إنتموا إلى تنظيمات جهادية قائمة، أولها تنظيم إنقلاب إسلامى (مولوى نصر الله منصور) . وإنقلاب إسلامى (مولوى محمد نبى محمدى) ، وحزب إسلامى (يونس خالص ). وقابلت الكثير منهم فى جبهات مولوى جلال الدين حقانى . هؤلاء الشباب وشيوخهم الذين تمكنت من رؤيتهم ، ومجموعاتهم المجاهدة، هم من أعطونى ثقة غير محدودة فى مستقبل الإسلام فى أفغانستان .

وأول قادتهم الكبار الذين قابلتهم كان مولوى إحسان الله إحسان . وكنت أعتبره قائدا مثاليا ذو فكر إسلامى عميق ورؤية سياسية شاملة ونافذة . قابلته أولا فى خوست بعد أن دخلتها قوات طالبان تحت قيادته فى عام 1995 . ثم قابلته ومعى بن لادن ومجموعة صغيرة من العرب فى غرفة ضيقة إلى جانب أحد سلالم (القصر الجمهورى) فى كابل . كنا مكدسين فى غرفة مزدحمة بالكتب وكان الفصل شتاءً . وحدثنا الشيخ حديثا لم نسمع مثله قبلاً ، وجميعنا خرجنا بأعين باكية ، وعرق يتصبب . وظننت أن لهذا الرجل دور كبير فى المستقبل . ولكننا والإسلام والأفغان خسرناه فى الحرب الأهلية فى محافظة بغلان . وقد ذكرت التفاصيل فى كتاب (صليب فى سماء قندهار).

– طالبان وبطولاتهم التى عاصرناها كانت كثيرة جدا فى مرحلة الحرب مع السوفييت لهذا عندما ذهبت لمبايعة الملا عمر ـ رحمه الله ـ أميرا للمؤمنين ، لم أكن ذاهباً إلى المجهول ، بل متوجها صوب أمل طال إنتظاره . ورغم قصر مدة تعارفنا، وقلة المناسبات التى جمعتنا ، شعرت دوما برباط قوي يربطنى مع هذا الشخص النادر ـ ولا أشك أن كثيرين جدا قد إنتابهم نفس الشعور تجاهه .

ومع المجموعة القليلة الذين عرفتهم من حركة طالبان شعرت بالأخوَّة الوثيقة التى تربطنا منذ أيام الجهاد الأولى والمعارك مع الشيوعيين والسوفييت . لهذا لم تكن هناك عقبات فى تبادل وجهات النظر فى مسائل عديدة ـ بعضها هام ـ بدون أن يكون ذلك موصولا برباط تنظيمى، فهناك ما هو أقوى من الرباط التنظيمى، وهو الأخوَّة التى تربط المسلمين، إذا أتيحت لهم الفرصة المناسبة لتحقيق معانيها.

وبمعنى آخر كانت علاقتى بحركة طالبان ـ وأمير المؤمنين ـ إمتدادا لعلاقتى بالقاعدة وأسامة بن لادن من تلك الناحية. وليس ما يهذى به (محللون ومتابعون من هناك أو هنا). فأكثر أقوالهم تعبر عن أمراض العصر الحالى وتشوهاته الفكرية ، التى إنتقلت من الغرب إلى الشرق المسلم.

 

لماذا بايعت الملا عمر ؟ ونيابة عن مَنْ ؟

كانت هناك عدة نقاط تمثل مصدر ثابت للإختلاف بينى وبين المجاهدين العرب عموما وعلى وجه أخص الأصدقاء الثلاثة : بن لادن ـ أبوعبيده ـ أبوحفص . من تلك النقاط : دور العرب فى أفغانستان ـ وأفضل أسلوب لمشاركتهم القتالية ـ وخطورة التوتر المذهبي الذى يوقد نيرانه الوهابيون والسلفيون العرب . حتى وصلنا لمرحلة إنتهاء الحرب ودور العرب القادم إلى أفغانستان بعد التحرير .

لم نصل إلى حل لإختلاف وجهات النظر ، ولا حتى تقارب ـ ولاحاجة للقول أن ذلك لم يكن ليؤثر فى علاقتنا الأخوية المتينة ، ولا تبادل وجهات النظر فى كل شئ ، مهما كانت درجة الخلاف أو الوفاق فى كل موضوع .

– كنت منذ البداية المبكرة جدا أحذر من إستطعت من المجاهدين العرب أننا سوف نقع ضحية الغدر الدولي فى نهاية المطاف ، عندما ينتهى الإحتياج إلينا فى أفغانستان . وقتها سوف نُعْتَقل ونُسجَن ونُقتَل ، ويشوهون سمعتنا بكل الطرق. فاعتبر أكثرهم ذلك إغراقا فى التشاؤم ، أو تثبيطاً عن الجهاد . تكلمت عن الفساد المستشرى فى أحزاب بشاور، وسلوكهم المُعْوَج فى الجبهات، فأضافوا لي إتهاماً جديداً هو العمل ضد الجهاد . وإتهمنى (سياف) فى حديث مع برنامج إذاعى سعودى بأن (مايقوله “فلان” ـ يقصدنى ـ وما يقوله راديو موسكو يخرج من مشكاة واحدة ) ـ وانتشر إلى حد ما إتهامى بأننى شيوعى متخفى يعمل على تخريب الجهاد. والطريف أن صفوة من اليساريين العرب ، وبناءً على مقالاتى فى صحيفة الإتحاد الإمارتية ـ إتهمونى بأننى عميل أمريكى فى أفغانستان يعمل لصالح الإمبريالية الإمريكية.

وهكذا فى نفس الوقت تلقيت إتهامين متضادين ، أعمل فيهما ضد الإتحاد السوفيتى والولايات المتحدة ـ كعميل مستأجر ـ فى أفغانستان !! .

حذرت إخواتى المجاهدين وفى طليعتهم قيادات القاعدة وإقترحت عليهم الإستمرار فى أفغانستان وتشكيل قبيلة عربية ـ تدير شئونها بنفسها إلى أن تنتظم دولة إسلامية. فنُساهِم فى بناء البلد وندافع عنه بدون أن نثقل عليه من أى ناحية .

والنتيجة : لم يستمع أحد . وبعد فتح كابول بدأ العرب يغادرون باكستان أفواجا تطاردهم قوات الأمن الباكستانية ، يدعمها طيف واسع من أجهزة المخابرات العربية .

بشكل عام كان فتح كابول فى أبريل1992 إيذانا بعودة العرب إلى أوكارهم القديمة، والشروع فى تجارب جهادية جديدة لم تكن سعيدة ولا ناجحة ، بل ذاخرة بكافة دروس التجربة الأفغانية التى أسئ فهمها. إلى أن عاد بن لادن إلى جلال آباد ، مُبْعَداً من الخرطوم فى مايو 1996 .

فبدأ رجوع العرب أفراداً وجماعات . بعضهم إلتف حول بن لادن وآخرون فضلوا الإستقلال . والجميع يعمل بنفس طريقتهم القديمة فى بيشاور. أوضاع أفغانستان لم تكن تحتمل ذلك، لكن فكرالعرب كله كان منحصرا فى تنمية جماعاتهم، مع قليل من الإنتباه إلى أفغانستان نفسها.

وقتها طرحتُ فكرة مبايعة ـ أمير المؤمنين الملا عمر ـ والإندماج فى الحالة الإفغانية بدلا من هذا المسار الخطير من التشرزم . فقال العرب أن الإمارة الإسلامية هى دولة أفغانية ـ وأمير المؤمنين ـ هو أمير على الأفغان فقط . فى الحقية كانوا يدافعون بإستماتة عن إستمرار تنظيماتهم، فى حالة التشرزم والخلاف التى أصبحت طبيعة تلازمهم وتتقدم على ما سواها، حتى على مصالح الإسلام والمسلمين.

شعرت بالخطر الكامن خلف تلك المفاهيم ، فقررت أن أثبت لهم العكس فتحركت من كابول إلى قندهار ، وقدَّمْتُ بيعتى للملا محمد عمر رحمه الله . ثم حاولت إقناع العرب بالبيعة فماطلوا لأسابيع حتى وافق بن لادن على أن أذهب أنا وأبايع الملا محمد عمر نيابة عنه ، وفعلت . وبعدها لا أدرى كيف بايع الآخرون ومتى . فقد إنتهى دورى فى موضوع البيعة عند ذلك الحد.   ولكن لاحظت إبتعاد العرب عني تدريجيا ـ بدون أسباب ظاهرة. وعلمت أننى “متهم” بينهم أننى(طالباني) ولست (عربيا ). وكان ذلك على ما أظن آخر “إتهام” أصاب به فى أفغانستان .

– بعد التشرد وسقوط نظام الإمارة بالغزو الأمريكى ـ وكتاباتى عن أخطاء العرب والقاعدة فى أفغانستان. ودورهم الضار والخطير فيما جرى من أحداث إنتهت بإحتلال البلد وسقط الإمارة ، تحت مظلة وفرها هجوم 11 سبتمبر ، عندها بدأت إتهامات من نوع جديد ، وهو أننى شيعى واقع تحت سيطرة (إيران) ـ خاصة وأننى خُضتُ حوارا فى موقع “مافا” شارك فيه لأول مرة شيعة من أفغانستان إلى جانب إعلاميين من حركة طالبان. وتلك كانت خطيئتى الكبرى فى نظر بقايا القاعدة وجحافل السلفية الجهادية ـ وهى خطيئة غير قابلة للمحو أوالغفران .

 

صهر سيف العدل:

ضمن لائحة الإتهام التى يوجها لي الإعلام الحكومي العربي، والدولي ـ هو زواج إبنتى من سيف العدل. ويعتبرون ذلك قرينة لا يمكن دحضها على صحة ما ينسجونه من أكاذيب حول علاقات، جنائية وتآمرية . بإعتبار أن أى شئ يتعلق بي أو بالقاعدة أو بالمجاهدين عموما هو نوع من الإجرام والإرهاب والتآمر الخفى . وأن أوثق المعلومات عن حقيقة أحوالنا ونوايانا هو تقاريرهم الإستخبارية المخمورة .

 

كمين متفجرات .. سبباً للمصاهرة:

تعرفت على سيف العدل قبل أشهر من زواجه بإبنتى . لم يقدمه لى أحد للتعارف ، بل هو قدَّم نفسه لي عبر كمين بالمتفجرات”!!” ، إستهدفنى ذات مساء أنا ومجموعتى بينما نحن متجهين صوب الخط الأول، للإشتباك ليلا مع مطار خوست .

فبينما نحن  فى (بيك أب) متهالك وسط وادى ضيق جدا بين تلال تكسوها الشجيرات ، ويخترقه جدول ماء صغير ، دوى إنفجار ، وطارت إحدى الشجيرات لتستقر أمام السائق على الزجاج الأمامى . ركاب الصندوق الخلفى ـ من شباب المجاهدين الأفغان ـ كانوا فى لمح البصر تحت السيارة ، وأنا ظللت متجمداً إلى جانب السائق فى شجاعة مصدرها حصولي على معلومة مبكرة بوجود كمين قبل أن نتحرك بالسيارة. أمدنى بالمعلومة أحد شباب القاعدة المتعاطفين مع مشروعنا على مطار خوست. أعقب الإنفجار شلال من الطلقات السريعة ـ فى الهواء طبعا ـ ثم تقافز أصحاب الكمين للإطمئنان على سلامتنا، وأصروا على أن نتناول الشاى معهم فى غرفة معلقة فوق جرف يشرف على المكان.

وكان يقودهم شاب ذو ملامح شرق آسيوية ـ بأعين ضيقة ماكرة ـ وإبتسامة بريئة لمتآمر محترف. كان خفيف الحركة نشيطاً ضاحكاً ـ أحببته كثيرا رغم غدره بمجموعتى . وقلت فى نفسى إن هذا الفتى محارب أصيل، ينتظره مستقبل كبير لو أنه ظل حياً .

بعد أشهر تقدم للزواج من أبنتى ـ ولم أكن فى حاجة لمشاورة أحد ـ لولا محبتى لعمالقة القاعدة أبوعبيدة وأبوحفص ـ فقد إستشرتهما فى أمر الزواج فوافقا على الفور .

–  واضح من هذه القصة العجيبة أنه لم يكن زواجاً سياسيا بينى وبين القاعدة ، بل كان كمين بالمتفجرات ـ كان يستهدف فى الأصل أبوعبيده وأبوحفص ولكنه أصابنى ومجموعتى . فكان سببا فى المصاهرة ـ وسببا فى كمين آخر قام به سيف مع واحد من أشجع مقاتلى القاعدة وهو أبوإسلام ـ شهيد الشيشان ـ لتدمير دبابة للعدو تستحكم فوق جبل فى خط الدفاع الأول . وذلك بناء على إقتراحى الذى وافق عليه مولوى جلال الدين حقانى. وقد فشل الكمين فى تدمير الدبابة المستهدفة لكنه وثق علاقتى بإثنين من أفضل شباب القاعدة وقتها، وهما الشابان سيف العدل وأبو إسلام . أما الدبابة فقد غنمها المجاهدون سليمة فى معارك فتح خوست.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

12 سؤال من كابل (الجزء الاول)

 

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 24

حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (24)

معارك جبل تورغار
– تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة. لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر  مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية.

– ساد الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك جهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

– انفجر الصاروخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول حقاني إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد .

– هل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم

 منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الأحد : 14 يناير 1990 ــ  16 جماد الثاني 1410هـ .

في رحلتنا إلى باري رافقنا الصديق عثمان الصعيدي، وهو شاب شهم فارع الطــول قضى سنوات عديدة في جهاد أفغانستان.

كان مركز القيادة مزدحماً، فقد توجهنا إلى (جبل الترصد) وهو جبل مرتفع على الحافة الجنوبيه الغربية لوادي خوست، يتخذه حقاني كموقع للقيادة في بعض الأوقات . وأقام فيه  مركزاً ثابتاً للاتصالات اللاسلكية، ومنه يتم التصنت على مكالمات العدو اللاسلكية في المدينة، وعلى مكالمات الطيارين أيضاً. وكان ذلك عملاً عظيم النفع، استفدنا منه في عمليتنا ضــد المطار بعد ذلك بعدة أشهر. ومن ناحية صحفية أيضاً كان ذلك المركز مصدراً فريـداً  للمعلومات خاصة التفاصيل الدقيقة لمحادثات صانعي القرار. وكان مسئولا اللاسلكي في الموقع هما “عبد العزيز” وهو ضابط سابق قوي البنية، هادئ  ولامع الذكاء. والآخر “فضل” وهو شاب من المجاهدين يتمتع بنفس مزايا صاحبه فيما عدا قوته الجسمانية، ولكنه يعوض ذلك بسعة الحيلة والدهاء.

كلاهما قدم خدمات جليلة للمجاهدين ثم لنا أيضاً أثناء عملية المطار. وفي الواقع فإن زياراتي للجبهة واحتكاكي القريب بالعمل هناك خلال الأشهر السبعة الأولى  من هذا العام أفادني بشكل كبير جداً في فهم أسلوب عمل المجاهدين وتفكير قياداتهم، خاصة حقاني، والإمكانات المتوفره لديهم. وأن أفهم بشكل أدق أسلوب وإمكانات العدو.

وقد مكني ذلك من كتابة عدد من الدراسات العسكرية حول تلك الموضوعات، كما أفادني في ترتيب وقيادة عمليتنا الأولى ضد المطار، ثم عمليتنا التالية أثناء فتح المدينــة في العام التالي (1991).

قص علينا عبد العزيز أحداث جيدة حدثت ليلة الأمس (بعد نكسات تورغار وإسماعيل خيل). قصف أحد مدافع المجاهدين مدرج المطار فأصاب طائرة كانت قد هبطت للتو فاشتعلت بـها النيران. وكان في الجو طائرتي نقل تحاولان الهبوط وشاهدتا الحدث، فطلبت منهما القيـادة الأرضية في المدينة الهبوط لنقل طاقم الطائرة المحترقة إلى كابل. فرد أحد الطيارين بأنه لا يمتلك أوامر بالهبوط كما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بلا حماية كافية. ولكن الطيار الآخــر هبط بطائرته ولم يكد يفعل حتى أصابته قذيفة هو الآخر، فاستنجدت القيادة الأرضية بالطيـارالثالث أن يهبط، فرد قائلاً: آسف لن أهبط . وكان آخر ما التقطه عبد العزيز هو قول القيادة الأرضية: سنحاول إصلاح الطائرة. في الرابعة عصراً جاءني حاجي إبراهيم راكضاً وهو يقول بلهفة إحضر فوراً هناك طائـرة سوف تهبط في المطار، كنت جالساً مع عثمان نراقب المدينة بالمنظار، ونتحدث في أمورشتي.

جرينا صوب عبد العزيز الذي كان يتابع المحادثات اللاسلكية بين الطيار والمدينة، بينما إبراهيم يترجم لنا. كانت طائرة عسكرية قد أصابها عطب وطلب الطيار إذناً بأن يقفز منـها بالمظلة، ولكن قيادة المدينة طلبت منه الهبوط في المطار. ويبدو أن تردد الطيار كان راجعاً إلي خوفه من مدفعية المجاهدين، ولكنه هبط أخيراً مستعيناً بمظلة خلفية لتهدئة سرعة الطائرة فوق المدرج. أخذ عبد العزيز يستنجد برامي المدفع “محمد بوستان الكوتشي” الذي أصاب طائرتين بالأمس فوق المدرج.ولكن ذلك استغرق وقتاً، وكم كان مثيراً عندما أخذت عده أجهزة لاسلكي تصيح بالرامي (بوستان) كي يقصف الطائرة الواقفة في منتصف المدرج تماماً.كانت شامخة قوية بعكس  طائرات النقل، التي تعود المجاهدين ضربها في المطار.كانت قاصفة مقاتلة مـن طراز(سوخوي ـ 7) وهو طراز قديم. بعد فترة انتظار مثيرة، وكان بوستان قد أغلق مخابرته فذهب إليه بعض المجاهدين لتنبيهه إلى ما يحدث على مدرج المطار، فبدأ العمل بينما عبد العزيز يصحح له الرمايات. وقد سقطـت عدة قذائف على مسافة غير بعيدة ولكن الطيار تحرك إلى أقصى الطرف الشرقي من المدرج ثم اتجه قليلاً إلى الشمال حتى صار آمناً من قذائف (بوستان). بعد ذلك سرت إشاعة بأن سبب إتلاف الطائرة هو يعود إلى صاروخان “ستنجر” أطلقا عليـها دفعة واحدة فأصابها أحدهما. ولكن آخرون نفوا ذلك وعزوا ما حدث للطائرة بأنه عطـل فني، وذلك ما تأكدت منه بعد أكثر من عام بعد فتح المدينة وقد شاهدت الطائرة بنفسي وتفحصـتها وركبت في مقعد السائق، وكان جسم الطائرة مصاب ببعض الشظايا الصغيرة ، في الغالب من نتائج رمايات بوستان التي سقطت قريبة منها.

– وبعد الفتح تسببت تلك الطائرة في مصرع واحد من مجاهدي الكوتشي (البدو)، فقد انحشر إثنان منهما في قمرة القيادة وأخذا يعبثان في كل ما تصل اليه أيديهم من أشياء وفجأة انطلق مقعد السائق عالياً في السماء ومعه المجاهدان الفضوليان، وعند ارتطامهما بالأرض مـرة أخرى قتل أحدهما فوراً وأصيب الآخر إصابات بليغة. أما صاحبنا الكوتشي البطل (محمد بوستان) فقد أجريت معه حديثاً لمجلتنــا “منبع الجهاد” واكتشفت أنه من جماعة صديقنا القديم، الشهيد عبد المنان، وكان بوستان شاباً ، برغم شاربه الكث، غاية في الحياء والتواضع بعكس ما يوحي به مظهره من خشونة وقوة بأس. وقد استشهد رحمه الله بعد ذلك بعدة أشهر نتيجة رمايات مدفعية العدو، وذلك قرب مدخــل (بوري خيل).

ومازلت مندهشاً لتلك البراعة الكبيرة من جانب البدو الأفغان في اتقان العمل على المدفعيـة وصواريخ ستنجر رغم عدم تلقيهم لأي تعليم كان.  أثناء الليل أيقظنا الحرس من غرفتنا فوق الجبل كي يسوقون لنا البشري بأن طائرة نقل للعدو حاولت الهبوط في المطار فأصيبت بنيران المدفعية واحترقت وقتل من فيها. وبذا يكون عدد الطائرات المصابة خلال 24 ساعة هو أربع طائرات منها واحدة سوخوي. وفي تلك الليالي المقمرة والصافية يكثف العدو محاولاته لإنزال طائرات النقل في المطار، وفي الواقع إنه لا يواجه نفس المقاومة العنيفة دائماً لذا فعنده احتمال للربح مع المجازفة. وقد ربح أحياناً كثيرة عندما كان يختار الوقت المناسب على حين غرة من المجاهدين وكان ذلك غالباً في الوقـت الواقع ما بين العاشرة ليلاً والصباح الباكر، وقد أفادتني تلك الملاحظات كثيراً فيما بعد.

 

 

الإثنين 15 يناير 1990 ـ17 جمادي الثاني 1410 هـ : 

وصل إلى معسكر القيادة في باري، والمسمى مركز خليل، وصل عدد من الجنود الفارين.

أحدهم كان فوق جبل تورغار، وأفاد بأن نتيجة قصف المجاهدين للجبل أمس قتل 9 أشخاص من بينهم 5 من الميليشيات وثلاثة من الضباط كما جرح تسعة آخرون. وهناك 6 جثث متناثرة على سفح الجبل لجنود الحكومة منهم فرد من الميليشيا ثيابه بيضاء لم تتمكن الحكومة من سحبهم.

– والذين يرتدون الثياب البيضاء من الميليشيات هم من سكان خوست والقبائل المحيطة بها ممن لهم عائلات بالمدنية. والثياب البيضاء تعني المباهاة والشجاعة والاستقرار في المنطقة، بعكس حالة الجندي الغريب القذر الخائف. ومن أخبار الأمس التي وصلتنا اليوم هو استشهاد أربعة مجاهدين في منطقة باري نتيجة لقنبلة طائرة سقطت فوق مغارتهم فانهارت عليهم.

– وقد مررت على تلك المغارة فيما بعد ولم تكن سوى حفرة واسعة في جرف ترابي غــير متماسك وقد سقطت القنبلة على سقفها مباشرة، وكان يمكن أن تنهار حتى بدون ذلك. و كنت مهتماً بالمغارات التي يحفرها المجاهدون من الناحية الهندسية ومن الناحية العسكرية، وقد  كان للمغارات دور رئيسي في عمليتنا ضد المطار، كما سنرى لاحقاً. وكما وفرت المغارات دفاعاً هاماً للغاية ضد غارات الطيران والقصف الصاروخي، فإن شبكة الطرق التي بناها المجاهدون في الجبال أكسبتهم مرونة كبيرة في الحركة ويسرت كثـيراًعمليات الإمداد والتموين لمقاتليهم.

في الصباح استطعنا الجلوس مع الشيخ حقاني، فقال إن المعارك قد بدأت منذ شهر ونصف (أي من ديسمبر الماضي) ولكنها اشتدت كثيراً في الأسبوع الأخير، وأنه من الأفضل لي أن أبقى حتى تنتهي المعارك. أما عن المجلة فسوف نطبعها في لاهور. ثم أخبرني أن اليوم سوف تبدأ معارك بهدف قطع الطريق بين خوست وجاجي ميدان في نقطتين لمنع عمليات التهريب القادم من باكستان. عدنا إلى نقطة الترصد، فشاهدنا نيراناً تنبعث من جبال جهة الشمال في مقابلنا، أخبرنــا عبد العزيز أن المجاهدين قد استولوا على عدة مراكز عسكرية “بوسـطات” في (ماشـغور) وأن الطيران تلقي أوامر بقصفها ولكنه اعتذر بأن هناك أمطار والرؤية غير واضحة. وأن الطيران تلقي أمراً بقصف الطريق بين لوجار وجرديز لتمهيد الطريـق لقوة عسكرية كي تمـر إلى جرديز. في الساعة الثانية والنصف ظهراً سقط إثنان من صواريخ سكود، واحدة خلف جبل تورغـار”حيث تتوقع الحكومة وجود تحشدات للمجاهدين هناك”، والأخرى طرف نـادر شـاه كوت، الأتربة والدخان المتصاعد من انفجار تلك الصواريخ يكون مهيباً ويرتفع في الجو مئات الأمتار في شكل عش الغراب كما يحدث في الانفجار النووي، كما أن فرقعات انفجارها هي الأضخم بين باقي القنابل والصواريخ. * أخبار أخرى من ماشغور، فالقتال الذي بدأ في السابعة صباحاً انتهى ظهراً بالاستيلاء على ثلاثة بوسطات، ومديرية (مركز إداري لمنطقة قروية) وأخذوا غنائم كثيرة جـداً من بينـها دبابتين، وقد أسروا جميع الجنود الذين فر منهم أربعة فقط. الحكومة قالت أنها خسرت كل الأسلحة التي في المواقع، وأنها استردت المواقع مرة أخـرى فيما بعد عدا المديرية، ولكن المجاهدين قالوا أنهم في كل المواقع التي أخذوها.

كانت قمة ماشغور هي الأعلى جهة الشمال كما هو جبل تورغار في الجنوب والمسافة بينهما من 30 إلى 35 كيلومتر في خط مستقيم يمر بمركز المدينة وسقوطه مع سقوط تورغار يعني كماشـة ضخمة من فكين في الشمال والجنوب، وهو مالم يحدت على أية حال حتى سقوط المدينة. وكتبت في مذكرتي وقتها إنه بسقوط ماشغور، وعند نجاح عمليات اليوم لقطع طريق التهريب من جاجي ميدان، وإذا سقُط تورغار يكون 70% من مهام فتح المدينة قد تم إنجازه .

لم أكن أعلم أن هناك عملية قريبة ضد تورغار بهدف الاستيلاء عليه، وكنا من وقت لآخـر نسمع صوت إطلاق نار كثيفة فوق تورغار وكنت أفسره بأنه نتيجة خوف الجنود وتوترهم، لكن الأغلب أنهم شاهدوا تحركات مريبة قريباً منهم فقد كان المجاهدون قبل كل هجوم يعملون خفية في نزع الألغام التي زرعتها قوات الحكومة وفتح طريق لهجماتهم القادمة. اليوم أيضاً التقط عبدالعزيز مخابرة من توغار إلى قيادة المدينة يهدّدهم فيها بالتسليم إذا لم تصله الإمدادات، فالأعصاب إذن متوترة، والإمدادات قليلة والإداريات مرتبكة، فهل حانـت ساعة السقوط؟. في الخامسة والنصف (عند الغروب) حدث اشتباك من مسافة قريبة فوق تورغار استخدمت فيه البنادق الآلية والرشاشات الثقيلة وصواريخ RBG هل هو هجوم حقيقي، أم عملية جس نبض يقوم بها المجاهدون؟ أم هو تحرك سريع من جانبهم بعد أن التقطوا رسالة تورغار إلى المدينة ويهدد فيها بالتسليم؟ وقبل أن أحصل على الإجابة سقط صاروخ سكود فيما بين جبل تورغار وجبل زرمانكي الواقع إلى غربه، وهو منطقة تجمع فعلية للمجاهدين، وتكثر فيها المغارات، وهناك مركز صديقنا”أبو الحارث”. واستخدام الحكومة لصواريخ سكود يعني أنها تواجه أزمة حقيقية. ولكن الخوف وتوتر الأعصاب يجعل بعض الأحداث العادية تظهر كأنها خطر حقيقي. لذا كان بعض استخدامهم لتلك الصواريخ  حمقاً وسفهاً. ولكن في أحيان أخرى كانت دقــة تصويبهم تثير الإعجاب. فعلى سبيل المثال فقد أصابوا مركز خليل في مدخل الشعب الضيق المؤدي إليه ثلاث مرات على الأقل بفارق أمتار قليلة في كل مرة ، تصادف في معظمها أن كان حقاني قد دخل لتوه إلى المعسكر !! فوجدت في العسير أن أفترض أنها مصادفة، ومن العسير أيضاً التشكيك في قدرتهم على الإصابه الدقيقة للغاية بتلك الصواريخ.

وما زالت أشك في أنهم  استخدموا ، أحياناً ، صواريخ موجهة مثل صواريخ كروز الأمريكية  وأن الأقمار الصناعية قامت بدور ما في الرصد والتوجيه.

 

الثلاثاء 16 يناير 1990 :

الاستيقاظ لصلاة الفجر في هذا الشتاء البارد وفوق هذا الجبل المرتفع تجربة صعبة، ولكنها لاتخلوا من جمال، خاصة إذا كان الجو غائماً والسحاب منخفض بحيث يضع الجبل ومن فيـه وسط غلالة رقيقة ساحرة الجمال من الأبخره الباردة المبللة. وتزداد النشوة بإمكانية التحرك الحر فوق الجبل فالعدو لن يرانا وبالتالي لاقصف ولا يحزنون. كنا في غرفة ضيقة مزدحمة بالفرش والأشخاص مع بخاري متهالك للتدفئة. الغرفة كلها تقريباً غائصة في بطن الجبل قريباً من خط الأفق. قطع الخشب المخصصة للبخاري تشغل حيزاً ملموساً من الغرفة، وبينه وبين السقف تعيش مجموعة من الفئران الصغيرة المـرحة، التي تقضي معظم ليلها في كر وفر بين النائمين بالغرفة. الزملاء في الغرفة تفرقوا مبكراً، وبقيت مع حاجي إبراهيم وعثمان الصعيدي لتناول إفطارالصباح المكون من الشاي الأخضر والخبز اليابس، وابتسم لنا الحظ بأن وجدنا بعض السكر عند عبد العزيز فتم لنا الاستمتاع بشاي الصباح الساخن في جو الصباح المتجمد.

صعدت مع عثمان لنلقي نظرة على المطار، كانت الطائرة السوخوي بلونها الفضي تقف قرب الأشجار في الطرف الشرقي في المطار، أما في الطرف الغربي فقد أحصيت سبعة طائرات مصابة ومحطمة، جميعها من طراز(AN-32) ذات المروحتين وبألوان عسكرية مبرقشه.

كتبت في مذكرتي بعدها: (بحيرة بجع بائس هذا هو مطار خوست بطائراته المحطمة). الجو مشرق أحياناً، والرمايات المدفعية متقطعة، حتى الحادية عشر صباحاً لم يظهر طيران العدو.

إذاعة كابول أذاعت اليوم بأن الإصلاح جاري في الطائرة السوخوي المعطلة في مطار خوست، وأنها مصابه بحوالي 23 شظية واحده منها في خزان الوقود. أبلغ عبد العزيز النبأ للمجاهد (محمد بوستان) الكوتشي الذي شرع في القصف مرة أخرى محاولاً إصابة الطائرة السوخوي. في نفس الوقت ظهر عمود من الدخان الأسود الكثيف تصاعد إلى الأعلى لمسافة كبيرة جداً، وكان ذلك من جهة الشرق، ربما بسبب عمليات إغلاق طريق جاجي ميدان. مرة أخرى تبادل إطلاق نار فوق ظهر تورغار في الساعة الثانية والنصف ظهراً ثم نقل إلينا عبد العزيز الخبر التالي: في الساعة الثالثة من صباح اليوم هاجم مجاهدي المنطقة الشمالية جبال ماشغور واستولوا على ثمان مواقع عسكرية ومواقع إدارية ومقر عسكري في ( باتشا زاده ) وأسروا عددا  كبيرا من الجنود وخمسة من أفراد الميليشيات، وتفاصيل الغنائم كثيرة جداً. وفقد المجاهدون سته شهداء واثني عشر جريحاً .وصلتنا صحيفة باكستانية، التي نقلت عن مصادر حكومية في كابل قولها :

{ أن رئيس الدائرة السياسية في وزارة الداخلية، الميجر جنرال أسد الله بيام يقوم بزيارة لمدينة خوست التي هي أسخن نقطه في البلاد الآن، وأنها تتعرض للهجوم الثاني عليها، فالهجوم الذي بدأ الخميس الماضي قد استؤنف يوم الإثنين وأن المجاهدين قد تكبدوا في تلك الهجمات 585 قتيلاً وجريحاً !! } .

ولم يتطرق المسئول الشيوعي إلى ذكر إصابة الطائرة السوخوي.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

الأربعاء 17 يناير 1990م :

الجو غائم ممطر طول الليل، وهكذا استقبلنا الصباح، إضافة إلى مفاجأة أخرى وهي أن السيارة التي تحمل الطعام إلى المركز لن تحضر لكونها معطلة. وهكذا لن نفطر وربما لن نتناول طعام الغداء أيضاً. لم يمنعنا ذلك من الاستمتاع بهذا الصباح المنعش، وبمتعة التجول فوق الجبل بدون الخشية من أن يكتشفنا العدو فنحن وهم لانكاد نرى لأبعد من أمتار قليلة، نتيجة السحب التي تلف المنطقة كلها. وكأن الجبال هي التي أصبحت تمر بين السحاب المثقل بقطرات الماء.

ونحن مازلنا أمام البخاري طلباً للتدفئة جاءنا حاجي إبراهيم بخبر غريب لكنه سار ومجهول المصدر، يقول الخبر أن الحداد أعلن في خوست لمدة ثلاثة أيام لمصرع ميجر جنرال عجب خان مزاري قائد (لواء سرحدي) والذي ظل يقاتل في المنطقة منذ ست سنوات، وأن 15 شخصاً آخر قد قتلوا معه والتفاصيل غير معلومة. لقد أدهشني ليس خبر مقتل عجب مزاري بل أدهشني أنه مازال حياً ويعمل في خوست أيضاً، لقد كان قائداً للحامية الحكومية فوق تورغار في وقت أن كنا نعمل في باري في أيامنا القديمة وحتى إستشهاد عبد الرحمن.

 

 

تورغار.. المحاولة الثانية

الخميس 18 يناير 1990 م :

بدأ الصباح بارداً كثيف السحب، وهذه بدورها تثاقلت حتى صارت تجر نفسها جراً فوق الجبال فضعفت الرؤية كثيراً.  المطر يتساقط ضعيفاً منعشاً لكنه كاف لتكوين أوحال تعرقل الحركة في الأماكن الترابية، ولكن الأسوأ هو أن ترتوي الملابس من ذلك المطر وفي مثل ذلك الطقس البارد مع شيء من الهواء يمكن أن يسقط المرء صريع الرجفة. ليس ذلك لمن يجلس مثلنا في هذا الصباح داخل الغرفة إلى جوار البخاري الذي احمرت أوداجه بالأخشاب المشتعلة داخله، ولكن بالنسبة للرجال الذين يتحركون الآن في ذلك الصباح المبكر من أجل الاستيلاء على أهم موقع عسكري في معركة خوست كلها: جبل تورغار.

همس لنا عبد العزيز أن اليوم يبدأ الهجوم على تورغار، استبشرت بالخبر واعتبرت أن طقس اليوم مناسباً تماماً لذلك العمل.  فطائرات العدو الأكثر إزعاجاً لن نسمع اليوم صوتها القبيح، والمجاهدون يمكنهم التقرب إلى بعد أمتار قليلة من خطوط العدو فوق الجبل قبل أن يكتشف تواجدهم. في الثامنة صباحاً بدأ المجاهدون قصفهم المدفعي ضد تورغار، ومدفعيات العدو في الوادي تقصف مواقع المجاهدين على غير هدى. الساعة الثامنة والنصف صعد الشيخ حقاني إلينا في نقطة الترصد وأخذ موقعه إلى جانب عبد العزيز ومساعده فضل وقد نصبوا عدداً من أجهزة اللاسلكي الكبيرة، وقد غطوها وغطوا أنفسهم بأغطية بلاستيكية، فرذاذ المطر ينهمر باستمرار.  حقاني وعدد من مساعديه يستخدمون عدداً من أجهزة اللاسلكي الصغيرة للاتصـال بالوحدات المختلفة. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة . لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية. وكانت ضد القلعة الحكومية في مدخل وادي ليجاه.

تسلحيه الشخصي يومها كان عبارة عن كلاكوف، وكان سلاحاً لا يحمله إلا الروس فقط ، وقد غنمه أثناء المعارك، وكان يحمل دوماً قاذف RBG، لمقاومة طائرات الهيلوكبتر.

ومازلت أذكره يوم دب الزعر والفوضى في معسكرنا بين شعاب ليجاه نتيجة ركوب الهيلوكبتر لموقعنا فقد صعد فوق الجبل القريب يتبعه حارسه الشخصي (علي جان) كي يطلق صواريخ RBG على الطائرات. كان الثبات تحت هجمات الهيلوكبتر أمراً عسير المنال وقتها، فقد كان لها تأثيراً كبيراً ورهبة، فلم يكن الناس قد تعودوا التعامل معها أو نجحوا في مقاومتها رغم وجود صواريخ (سام) بأعداد قليلة وقتها. لذا كان همّ حقاني وقتهــا بث الشجاعة والثبات في الرجال وتحطيم هيبة الهيلوكبتر ومقارعتها بالصواريخ  وقد نجح في ذلك إلى حد كبير.

في ذلك الوقت في ليجاه لم يكن في الموقع كله أي جهاز لاسلكي صغيراً كان أم كبيراً. وأيضاً معركة جاور كانت أحد أوجه ضعف المجاهدين فيها عدم وجود اتصالات لاسلكية بين المجموعات المختلفة.

ما أراها الآن شبكة اتصالات رائعة لها قدرة على ربط جميع الوحدات ببعضها وبالقيادة، وأيضاً القدرة على التصنت على اتصالات العدو الأرضية والجوية. كان الزحام شديداً في نقطه الترصد  والقيادة . فبالإضافة إلى الحرس الشخصي للشيخ حقاني ، هناك مجموعة أخرى مع سيارة خاصة لتنفيذ بعض المهام التي قد يكلفون بتنفيذها مثل متابعة أمر هام مفاجئ، أو إيصال بعض الأوامر بشكل مباشر بدون نشرها على الملأ في أجهزة المخابرة.

وزاد الزحام تطفل مجموعتنا (الصحفية) التي رافقني فيها عثمان الصعيدي وحاجي إبراهيم، وقد أخذنا نسجل معظم الاتصالات اللاسلكية. وكذلك فعلنا في عدد من المعارك التالية، ومازلت أحتفظ بتلك التسجيلات التي ربما صارت (تاريخية).

في فترة هدوء نسبي قال لي الشيخ: الرؤية غير جيدة بالنسبة للأسلحة الثقيلة والدبابات، ولكن الجو الممطر والضباب مفيد للمهاجمين فوق الجبل. كانت الملاحظة في محلها تماماً بل أن استمرار هذا الطقس قد حرم المهاجمين على الجبل من مساعدة الأسلحة الثقيلة، فكان عليهم أن يتعاملوا بمفردهم مع تحصينات قوية جداً لعدو مسلح حتى أذنيه، ومتفوق عددياً على المهاجمين، وتلك كانت مأساة ذلك اليوم الذي تمنيت أن يكون يوم الفتح.

الساعة 9.30 صباحاً الضباب يزداد كثافة والمطر مستمر، فهدأت الرمايات القليلة فوجدت فرصة لاستئناف الحديث مع حقاني، فسألته عن تأثير الاستيلاء على تورغار في مجرى معارك خوست فرد قائلاً:

هذا الجبل بالنسبة لهم مثل العين، يرصد تحركاتنا، ويوجه المدافع والطائرات ويضرب مواقعنا، فإذا أخذناه زال كل ذلك فيمكننا تقديم مدافعنا إلى الأمام وتحديد مواقعهم حول المطار وضربها، كما أن الرعب سوف يصبهم إذا استولينا على تورغار، فمن كثرة دعايتهم حوله وتبجحهم بإمكان صد المجاهدين عنه، جعل الناس عندهم من عسكريين ومدنيين يشعرون أن تواجدهم وحياتهم معلقة بهذا الجبل. ثم سألته عن سبب فشل عملية إسماعيل خيل الأسبوع الماضي  فذكر ثلاثة أسباب هي:

1ـ  عدم قيام الأحزاب المشاركة في العملية بالمهمام الموكلة لها.

2 ـ استشهاد وجرح قادة المجموعات الأربع التي تقوم بالهجوم. 

3 ـ انسحاب الدبابات (وكان عددها ثمانية) بدون أوامر، إثر إصابة قادة الهجوم.

وقال حقاني: إن الطائرات قد استخدمت مؤخراً قنابل ثقيلة جداً سقطت إحداها قرب دبابة فغطتها النيران.

وعن مصير عجب مزاري قال إن الأخبار غير مؤكدة ولكن مصادرنا في خوست تؤكد أنه قتل ولكن الحكومة تتكتم الأمر، كما أن مواقع ماشغور مازالت في أيدي المجاهدين.

قال حقاني بأن المجاهدين يتقدمون الآن في الطرف الغربي بجبل تورغار، بينما تقوم دبابة خليل في الوادي بقصف تحصينات العدو على تلك الحافة، ولكن العدو استفاد هو أيضاً من الظروف الجوية، ودفع بتعزيزات جديدة نحو الجبل، رغم كمائننا المتقدمة التي التفت  إلى خلف الجبل من جانبه الغربي وتقدمت إلى مسافة معينة، فلم تستطع تلك الكمائن أن تشاهد تعزيزات العدو أو تتصدى لها.

في الساعة العاشرة والخمسين دقيقه سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بعد عشر دقائق قرب جبل تورغار، ولكن لا إصابات، ولكن تكهرب الجو وساد التوتر عنـدما انقطعــت الاتصالات مع خليل (أخو حقاني) ودبابته في عمق الوادي الذي يقصـف بهـا من الخلف تحصينات تورغار، لذا كانت دبابة خليل تحت نيران كثيفة قاتلة.

الساعة 12.45: في غرفة عبد العزيز الضيقة شبه المظلمة جلسنا مع حقاني لتناول طعام الغداء، وكان قلقاً للغاية على أخيه خليل، لذا قطع تناول الطعام كي يتابع محاولة الاتصال.

الساعة 12.45 بدأت معركة بالرشاشات فوق سفح الجبل، الرمايات كثيـفة جـداً نسمعـها بوضوح. يقع مركزنا على بعد 4 كيلومتر غرب تورغار وإلى الجنوب قليلاً منه. للمجاهدين دبابه أخرى الآن تقصف، تحصينات الحافة الغربية بجبل تورغار ولكن من موقع على جبل زورمانكي الواقع غرب تورغار ومن إحدى هضابه منخفضة الارتفاع.

أثناء صعود المجاهدين نحو القمة يكون جزء من الطريق مكشوفاً لمدفعية العدو في الوادي، وقد ركز العدو رمايته على ذلك الجزء ولكن المجاهدين كانوا قد تجاوزوه والعدو غير منتبه نتيجة الغيوم والضباب الذي يلف الجبل وما حوله.

الزاحفون نحو القمة يشكون من رماية رشاش ثقيل لدى العدو ( زيكوياك) وأنه أوقف زحفهم ويطالبون من (فيروز) التدخل وإسكاته.

فأجابهم خليل بصوته، لقد بذلت غاية جهدي ورميت عليه كثيراً، فتقدموا أنتم وأسكتوه. كان المتكلم من فوق الجبل هو الدكتور نصرت الله قائد كتيبة سلمان الفارسي وهو يتحرك بساق واحدة منذ سنوات بعدما فقد الأخرى في أحد المعارك.

كان نصرت الله قد وصل إلى نقطة الذروة، فالباقي هو قفزة واحدة وأخيرة يكون بعدها مع  رجاله في خنادق الخط الأول للعدو والتي تحيط بقمة الجبل مثل السوار المحكم، وفي طرف الجبل تلك القمة المحصنة الرهيبة الشبيهة بغرفة ضخمة تخرج منها فوهات قاتلة لرشاشات ثقيلة، وقاذفات قنابل يدوية من النوع الشهير باسم (نارينجاك)، وهو سلاح غاية الفعالية في مثل تلك المواقف التي نشاهدها الآن، وكان ينقص المهاجمين امتلاك سلاح رائع من ذلك النوع.

تواصل الحوار لفترة بين نصرت الله (وفيروز) حتى بدأت رماية الرشاشات فوق الجبل تخفت فعمت الجميع مسحة من الحزن والألم. لقد وصل المهاجمون فوق الجبل إلى نهاية مغلق ولا يتسطيعون أداء قفزتهم الأخيرة التي لا تتعدى أمتار قليلة لا تزيد عن عشرة أمتار ولكنها تفصل بين النجاح والفشل، بين النصر والهزيمة ، بين فتح خوست في نهاية الأمر، أو البقاء في حلقة مفرغة قد تؤدي إلى هاوية لمسيرة جهاد استمر لأكثر من اثني عشر عاماً.

ساد نوع من الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك بجهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

وتكلم الشيخ بنبرة هادئة قوية فذكرهم بالله والاعتماد عليه وحده وعدم التعلق بالأسباب لأن النصر هو من عند الله وليس بالأسباب الظاهرية، وطالبهم بالإطمئنان إلى وعد الله والتوكل عليه.

وقال إنه لا بد من الاستمرار وإنهاء العمل هذا اليوم الذي قد لا نجد مثله فيما بعد فلا طائرات ولا مدافع تعمل ضدنا، ثم طلب من أفراد جميع المواقع أن يصلوا ركعتين لله ثم يدعــوه أن ينصر المجاهدين.

أنهى حقاني كلمته وتوجه إلى الصلاة وكذلك فعل كل من في الموقع ثم انهمـك الجميـع في الدعاء وأحياناً في البكاء.

الساعة 3.12 المجاهدون فوق الجبل يبدأون إطلاقاً شديداً للنيران الرشاشة مع قذائف مضادة للدروع . رشاش (زيكوياك) لدى العدو يصمت فجأة وأيضاً ينقطع الأتصال اللاسلكي مع المهاجمين تصورت وقتها أن الاقتحام قد تم وأنها الآن دقائق عصيبة فوق الجبل حيث لا وقت لأن يتحدث أحد مع أحد بغير زخات الرصاص.

المجاهدون يقصفون مراكز العدو في شيخ أمير لمنعه من التفكير في مهاجمة دبابة خليل من الخلف، وهو ما كان يخشاه حقاني ولأجل ذلك بث كمائن متقدمة للدفاع. حدث انفجار ضخم في مواقع العدو في شيخ أمير وحقاني يصيح مشجعاً المجاهدين ويبشرهم بالنصر.

عاد الاتصال اللاسلكي مع المهاجمين فوق الجبل وقالوا بأن عشرة من جنود العدو قد فروا إلى جانب المجاهدين فأمر حقاني بإرسالهم إلى الخلف. و فجأة تظهر طائرات الهيلوكبتر وتقصف وابلاً من الصواريخ على الحافة الغربيــة لجبـل تورغار حيث تتوقع وجود المجاهدين، فالرؤية مازلت متعذرة بسبب السحب والضبــاب ، هيلوكبتر آخر تأتي على ارتفاع منخفض من فوق مراكز العدو في شيخ أمير في أتجاه دبابة خليل، وتبدو أنها محاولة لتدمير الدبابة، لكن كمائن المجاهدين المتقدمة واجهتها بقذائف RPG فولت الطائرة بسرعة كبيرة وعلى ارتفاع منخفض للغاية، وهكذا تفعل طائرات الهيلوكبتر لتفادي الصواريخ المضادة للطائرات ولكنها بذلك تعرض نفسها لنيران الرشاشات والقذائف المضاده للدروع فيمكن إسقاطها إذا كان هناك أفراد يقظون وعلى استعداد للاشتباك. راجمات الصواريخ المعادية من طراز BM-41 تقصف مواقع المجاهدين حول تورغار.

– الساعة 3.56 رشاشات العدو الثقيلة والخفيفة فوق الجبل ترمي بلا انقطاع وجعلني ذلك متشككاً في أن الاقتحام لم يتم أو أنه فشل. كان الموقف غير واضح بالنسبة لي، فسألت الشيخ حقاني عن الموقف فوق الجبل فأخبرني بأن مقاومة العدو شديدة جداً.

سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بفاصل ثوانِي قليلة، وعادت الهيلوكبتر تقصف الحافة الغربية لتورغار بوحشية بالغة.

– الساعة 4.45: صاروخ سكود آخر تلته غارة عنيفة بالهيلوكبتر، كأنها تستغل حالة الاضطراب التي تعقب إنفجار صاروخ سكود كي تنفذ مهمتها بأمان أكثر. الرشاشات الثقيلة فوق الجبل مازالت تعمل باتصال، وكذلك بنادق الكلاشنكوف.

– الساعة 5: الهيلوكبتر تواصل غاراتها، وربما تهبط خلف الجبل من جهـة المدينـة كي تنـقل الجرحى والقتلى. أصبح الجو مظلماً وجاء الخبر بأن الهجوم قد توقف، وأن هناك شهداء لم يذكر عددهم.

– الساعة 5.25: فوق تورغار إطلاق نار متواصل بجميع الأسلحة في حفل ابتهاج بفشل الهجوم عليهم، ونجاحهم مرة أخرى في الصمود أمام هجمات المجاهدين. لاشك أن ذلك يرفع معنويات العدو في خوست وكابل ويؤكد لهم قدرة النظام على الإمساك بالمــدن الهامة، وبالتالي يدعم الطرح الدولي بإقامة حكومة (شيوعية إسلامية) في كابل كي تخدم السوفييت وأمريكا معاً.

كتبت في مذكرتي تلك الكلمات: (يبدو أن العملية تحتاج إلى يوم آخر على الأقل ) مع إجراء بعض التعديلات مثل إعادة توزيع الدبابات لقصف مراكز العدو المتحصنة فوق الجبل، والطقس عامل هام، واستمراره ليوم آخر، بنفس الحال، سيكون معجزة لصالح المجاهدين. سألت حقاني عن استئناف الهجوم في الغد فأجاب قائلاً:( لاأعلم هل نستأنف الهجوم غداً أم بعد أيام ولابد أن نغير في الطريقة ونهجم من أكثر من طريق بعد أن نرفع الألغام، وأن نستخدم هاونات عيار120مليمتر لضرب مرابض الرشاشات الثقيلة، سوف نعيد النظر في البرنامج ).

بعد الغروب جلس الشيخ حقاني معنا في غرفة عبد العزيز لبعض الوقت وطلب مني النزول إلى مركز خليل لأن الجو هنا بارد. وبالفعل تجمعنا هناك في مغارة الضيافة وكانت دافئة،  وبعد العشاء بدأ أفراد وقادة ممن شاركوا في الهجوم يتوافدون لمقابلة حقاني وتقديم التقارير إليه. كان منهم من أصحابنا القدماء مولوي (أليف جول) والكومندان (شيرين جمال) الذي ظهر عليه الإرهاق وقد علته الأتربة حتى تغيرت ملامحه وقد أحضر معه جثث الشهداء وعددهم ثلاثة، مع أربعة من الجرحى منهم عربي واحد.

قال شيرين جمال بأن بعض أفراد العدو ظلوا يطلقون على المجاهدين نيران الرشاشات والقنابل اليدوية وقذائف RPG، فلم يستطع المجاهدين إتمام الاقتحام.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الجمعة 9 يناير 1990 م :

قضينا الليلة في غرفة أسفل الجبل، وفي الصباح صلينا الفجر خلف الشيخ نظام الدين. وجود البخاري في المسجد لم يفد في جعله دافئاً فالهواء المثلج يتسلل من الشقوق الواسعة في النوافذ التي أغلقت بكل ما تيسر من أقمشة وقطع بالاستيكية وأحجار.

ولإظهار نوع من الفخامة صنعت أرضية المسجد من الأسمنت، ولكنها في شتاء مثل هذا تصبح بارده مثل الجليد، حتي أن أكثرنا قد خلع رداءه (البتو) من فوق كتفيه ووضعه على الأرض تحت قدميه أثناء الصلاة حتى لا تتجمد أصابعه.

مصطفى اليمني وعدد من أفراد مجموعته التقوا بالشيخ حقاني صباحاً. ملامح البرنامج الجديد ذكرها لي حقاني عند لقائي معه فقال:

1ـ سنفتح طريق جديد للتقدم على تورغار وننظفها من الألغام.

2ـ ننوي مواصلة الضغط وعدم إعطاء العدو فرصة لالتقاط الأنفاس.

3ـ سنبدأ عمليات هجومية في ظروف يومين أو ثلاثه.

 قبل الظهر مرت طائرة فوق المركز ورمته بصاروخ جاء إلى الخلف قليلاً، ثم وصل (خليل الرحمن) ومعه أربعة أسرى من جنود الحكومة فجلست معهم وأخذت منهم بعض المعلومات عن أوضاع المدينة، سأذكر بعض ما ورد فيها بعد قليل.

جاء أبو الحارث وبعض الشباب من مجموعته فجلست معه حتى صلاة العصر نتحدث في معركة الأمس والبرامج المقبلة.

ثم صعدت على الجبل الذي يعلو المغارات ومشيت عليه منفرداً، أتذكر العالم القديم لأيامنا الذهبيه في تلك المنطقة. كان مركز خليل الذي هو الآن قلب المنطقة النابض، مجرد شعب مجهول ومهمل وقد تستخدمه إحدى المجموعات لأيام قليلة ثم تزهد فيه. وعلى بعد كيلومتر واحد جنوباً يوجد مركز منان الذي كان فيما مضى هو مركز الحيوية والقوة في كل جنوب خوست وجبالها. وعلى بعد عدة أمتار شمالاً كانت تقف فيما مضى إحدى الدبابات التي حطمها منان ورجاله في هجوم 1985 الذي وصلت فيه القوات الحكومية إلى مركز منان لأول وآخر مرة في طول مدة الحرب. وهذه الحفر البيضاء في سفح الجبـــل المواجه لنا شمالاً هي قنابل  مازلت أذكر متى ولماذا ضربتنا بها الطائرات عام 1987.

نظرت جهة مركز منان لأطالع الطريق المار بقربه قادماً من غلام خان، وأتذكر المشاهد الماضية وكنت غارقاً في تلك الذكريات الجميلة، ولا أعي كثيراً مما حولي. في تلك اللحظة، ظهرت أمام عيني كرة ضخمة من النيران الصفراء والحمراء، ثم دخان أسود يحيط بكرة اللهب، ثم يصعد ذلك كله بسرعة هائلة إلى الأعلى، بينما يتسع إلى الجانبين أيضاً بشكل كبير، كل ذلك وأنا لا أكاد أعي ماذا يحدث أمامي، وفجأة وصلني صوت انفجار رهيب ترددت أصداؤه بين الجبال والوديان، تحركت غريزياً وبلا وعي فجلست بسرعة خلف صخرة قريبة.

أفقت من تخيلاتي ومن دهشتي، وعادت حواسي إلى العمل، لقد كان ما رأيته هو صاروخ سكود لحظة ارتطامه بالأرض، وكان الصاروخ نزل على الطريق الذي تسلكه سيارات المجاهدين أو قريباً منه جداً.

وتذكرت أنني سمعت(علي جان) يتحدث على المخابرة وهو واقف إلى جانب سيارة حقاني المتأهب للرحيل ويخبر من على الطرف الآخر بأنهم على وشك الحركة، وأن شخصاً جاء راكضاً وتكلم عدة دقائق مع حقاني الجالس داخل سيارته، ثم انطلقت السيارة نحو ميرانشاه، وداخلني ما يشبه اليقين بأن تلك الدقائق كانت الفاصل بين الحياة والموت وأن حقاني كان هو المقصود بذلك الصارخ، إنه حادث طبق الأصل لما حدث في يوم الأحد 1/10/89 وقد سجلته في مذكرتي ورجعت إليه الآن وكان التطابق مدهشاً. إذن هما حادثان من نفس النوع وبنفس الطريقة، وهناك حادث ثالث عندما انفجر صاروخ سكود أيضاً في لحظة دخول حقاني إلى معسكر خليل عندما دخلت خلفه كرة من النيران والأحجار والدخان والأتربه لقد انفجر الصاوخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول الرجل إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث ، أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد أو متشابه.

وطرحت على نفسي عدة أسئلة محيرة ليس لها إلا إجابات لاتقل عجباً عن الحدث نفسه. فمثلاً:

كيف تتم مراقبه حقاني؟ هل يتم ذلك بمراقبة جهاز اللاسلكي الخاص به؟ أم هناك مركز تجسس في المنطقة يتابع حركة سيارته، أم هناك شخصاً في المجموعة القريبة منه يرســل معلومات مباشرة وفورية عن حركته؟..إلخ.

وأسئلة أخرى عن دقة إصابة صاروخ سكود. والمشهور عنه أنه غير دقيق ويستخدم فقط ضد الأهداف الكبيرة الثابتة. ولكن عدداً لا بأس به من الرمايات كانت في دقة غير عادية، وتم ذلك مرات متكررة بما ينفي عنصر المصادفة.

فهل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات، بل شاهدنا منذ وقت قريب قصفاً جوياً على موقع المجاهدين قرب (شيخ أمير) قال الطيار أنه إستخدم فيه صواريخ موجهة، وقد التقــط عبد العزيز المخابرة.

ومن الثابت أن السوفييت بعد انسحابهم أبقوا على نوع من المشاركة النوعية في الحـرب، بعضها من داخل أفغانستان نفسها بواسطة عدة آلاف من الخبراء خاصة في شئون الصواريخ والطيران. وأشركوا طائرات من أحدث الأنواع التي مازالت في طور التجربة. وقد أعلنوا عن ذلك عند عرض طائراتهم الحديثه في أحد معارض الطيران في دبي في التسعينات.

وأظن أن بعض الغارات بالقنابل العنقودية، والتي شاهدتها في وادي خوست عامي 1990،1991 عند فتح المدينة قامت بها قاذفات استراتيجية روسية نظراً للحمولة غير العادية التي رمتهـا تـلك الطائرات بحيث غطت الغارة الواحده أكثر من 15 كيلومتر متواصلة من القنابل العنقودية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)




جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

 

أصوات أفغانية ترتفع منتقدة :

الإحتلال الأمريكى ـ وحكومة كابول ـ وباكستان : أسسوا داعش الأفغانية الجديدة، بينما دول الإقليم تتعامى عن تلك الحقيقة وتؤيد حكومة الإحتلال فى كابول .

– روسيا والصين وإيران والهند ، هى الدول الأساسية المستهدفة بإرهاب داعش ، وأمام تلك الدول أحد الخيارات التالية لمواجهة داعش :

– التفاوض مع الأمريكيين  لإقناعهم بالتخلى عن دعم لداعش .

– مهاجمة قواعد داعش فى أفغانستان .

– إمداد طالبان بصواريخ متطورة مضادة للطيران ، وبأعداد كافية .

– أو أن تتخلى طالبان عن الدفاع عن الحدود التى تستهدفها داعش مع الصين وطاجيكستان وأوزبكستان ، و إيران . وتترك تلك الدول لتحل مشاكلها مع داعش بنفسها .

–  لا يعقل أن تحارب طالبان ضد داعش المدعومة بالطيران الأمريكى وبالقوات البرية الأفغانية، ثم تلتزم تلك الدول بالحياد ، بل وتدعو طالبان إلى التفاهم مع حكومة الإحتلال فى كابول!! .

– دول الإقليم ترغب فى إستمرار حركة طالبان فى قتال داعش ، ولكن ليس لديهم رغبة فى عودة طالبان إلى الحكم . فإعلامهم يديننا ويتجاهلنا ، وسياستهم تدعونا للإستسلام لحكومة الإحتلال فى كابول.

 

وإنتقادات أفغانية أخرى .. فى الإتجاه المعاكس :

– أهم أخطاء طالبان التى أدت إلى أزمة ثقة ، هى الإرتماء السياسي فى أحضان قطر.

–  إذا إتضح الموقف السياسى للإمارة فيمكن أن تتضح مواقف الدول الأساسية فى الإقليم . فهى لن تكون (ملكية أكثر من الملك)، مادام الملك نفسه يتبنى مواقف معتمة وملتبسة !!.

– الهند فقط تعارض عودة طالبان إلى الحكم . أما الصين وروسيا وإيران فلا مانع لديهم ، بل ويرونها الأفضل لأفغانستان والمنطقة .

– ينبغى فتح ملف العلاقات مع الهند بعيدا عن الضغوط الخارجية ، وبصرف النظر عن نوع الحكومة التى تحكم الهند حاليا .

– مناطق أهل السنة فى إيران المشاركة فى جهاد أفغانستان ، لم تشارك فى “إنتفاضة البنزين”.

– قبائل من أهل السنة فى إيران ، وشيعة أفغانستان ، قاموا بأدوار هامة فى الجهاد ضد الإحتلال الأمريكى . ويوم ينسحب المحتلون ستظهر الكثير من أسرار سقوط الطائفية والحدود السياسية ، فالجهاد هو السبيل الأمثل لتوحيد الأمة .

– فى معارك الحدود : داعش رهينة وليست تهديدا .و إنهاؤها يأتى بعد التحرير، وضمن مؤتمر إقليمى يحدد مسارات دعم أفغانستان وفق ثلاثة شروط .

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

 

فى أفغانستان تجهز الولايات المتحدة تنظيم داعش ليقوم بما هو أكثر من دور “التنظيم الإرهابى” التقليدى ، كما هو دوره فى بلاد العرب وفى أفغانستان حتى وقت قريب .

وظيفة داعش الحالية مازالت هى تخريب الوضع الداخلى، وخلق الحروب الطائفية ، وترويج الرعب بين المدنيين لتصبح الحياة مستحيلة بدون أن يحمل الجميع السلاح لقتل الآخرين . فتضعف الجبهة الداخلية المتحدة ضد العدو المستعمر.

بل يتحول العدو مع الوقت إلى حليف استراتيجى أو على الأقل (وسيط) لا غنى عنه. أو ضامن لسلامة الفئات المتقاتلة من أن تُبَاد. فيمدها بالسلاح وبالمال لتستمر فى القتال، وإلا تركها تواجه مصيرها إن هى توقفت.

وفى مفاوضاته مع طالبان حاول المفاوض الأمريكى أن يقف خارج حلبة المساءلة بأن يدعى موقف الوسيط من أجل (إحلال السلام بين الأفغان) ، لتكوين حكومة مشتركة فيما بينهم .

وهذا مشابه لما نراه فى العراق وسوريا . حيث للجيش الأمريكى القواعد العسكرية بلا حساب، وللشركات الأمريكية النفط والغاز. ثم لباقى الفئات أن تتقاتل كما تشاء، وأن تقبل بالأمريكى وسيطاً وحمامة سلام تعمل بين متوحشين .

داعش أفغانستان تخطى كل ذلك منذ بداية عهد ترامب وسياسة خصخصة الحرب فى أفغانستان ، إذ تخلى الجيش الأمريكى (تقريبا) عن الحرب، مفوضاً أمرها للمخابرات الأمريكية CIA (بالإندماج مع الموساد الاسرائيلى) .

وبموقع أفغانستان ، وثرواتها الأفيونية ، وبتنظيم داعش كقوة دمار وتخريب ، تتحول أفغانستان طبقا لمقولة عضو بالكونجرس الأمريكى قبل الغزو (سنحول أفغانستان إلى إسرائيل وسط آسيا). تلك الروح التخريبية الشريرة لداعش، فى حالة سيطرتها على أفغانستان سوف تحولها إلى نسخة عن إسرائيل فى وسط آسيا .

أمريكا ـ مع إسرائيل يمدان داعش بما يلزم من أدوات الحرب للقيام بذلك الدور ــ والعبث بأمن وإستقرار أهم دول المنطقة ــ وتحويل المسلمين فيها إلى أحزمة ناسفة تتجول فى مجتمعاتها ، وأدوات لحروب أهلية تضر بمن حولهم ولا تفيد المسلمين بشئ ، بل تضر إستقرارهم ، فتحولهم إلى منفيين ومتسولين فى بلاد غريبة لا ترى فيهم سوى صورة الإرهابى .

داعش هو روح إسرائيل فى أفغانستان ـ ليؤدى فى الإقليم دوراً شبيها فى جوهره بما قامت به إسرائيل فى بلاد العرب(فوضى وإرهاب وحروب صغيرة متصلة وتخريب الموارد وحرف أهداف الأمم عن غاياتها بإضعاف الروابط الدينية والقومية.. وفى النهاية فتح المنطقة على مصراعيها لأمريكا وإسرائيل لنهب ثرواتها .. خاصة الطاقة).

– توزيع قوات داعش فى أفغانستان ــ أو بالأحرى حول محيط أفغانستان ــ يشير إلى أهدافها المستقبلية . بحيث تهدد مباشرة كل من إيران (هدفا ذو أولوية)، وجمهوريتى طاجيكستان وأوزبكستان، أى إستهداف روسيا بشكل غير مباشر ، وتهديد الصين عبر ولاية بدخشان “شمال شرق” . أما ولاية ننجرهار(جلال آباد) فى الشرق فهى رئة الإمداد البشرى واللوجستى القادم من باكستان إلى داعش والقوات الأمريكية.

القمة التى طمعت فيها داعش هى مناطق الجنوب، فى قندهار وهلمند وأرزجان وزابل . أرادت داعش إختراق تلك المنطقة بإستخدام عنصر بشرى محلى من الجنوب . تم ذلك فى ظل فقدان القيادة التاريخية للإمارة الإسلامية ” الملا محمد عمر” رحمه الله. لكن حركة طالبان تمكنت من إزالة الدواعش من تلك المنطقة ، فلم يعد لهم أى مقر هناك.

قيادة داعش مركزها الحالى يوجد كابول إلى حين إشعار آخر ، عند إستيلاء حركة طالبان على العاصمة ، فربما ينتقل المقر الداعشى إلى باكستان على الحدود مع جلال آباد.

– قد تبدو الهند بعيدة عن الإنتشار الجغرافى لداعش داخل الحدود الأفغانية . ولكن خطر داعش بات يهددها أكثر من ما مضى لسببين ، الأول أن التنظيم أصبح ضمن الترتيبات الجديدة للمنطقة أكثر قوة من السابق . والسبب الثانى أن باكستان تتولى جزءاً محورياً فى الدور الجديد لداعش ، وعناصر إستخباراتها تسبح بغزارة فى الموج الداعشى . والمخزون البشرى الأساسى لداعش يرقد فى “معسكر شمشتو” قرب بيشاور ، ويضم رعايا حكمتيار من نشالي الأسواق، وقاطعى الطرق، ومروِّجى المخدرات بالقطعة.

داعش مرتكزة على معسكر شمشتو وبنيته الإجرامية المتوارثة منذ عصر الإحتلال السوفيتى لأفغانستان . ويمكن إعتباره معسكر داعش الإستراتيجى فى المنطقة كلها . إنه معسكر أساسى لتنظيم (داعشتو) أى المزيج الناتج من داعش مع البيئة الإجرامية لمعسكر شمشتو، كما كان داعش العراق والشام هجينا تنظيميا ما بين تنظيم القاعدة وحزب البعث العراقى .

– معلومة شائعة فى أفغانستان ، والدول المحيطة بها ، تقول بأن الولايات المتحدة إستوردت العمالة الداعشية الزائدة من العراق والشام وشحنتهم إلى قواعدها الجوية فى أفغانستان خاصة فى جلال أباد . وعينت لقيادة داعش أفغانستان كل من (حكمتيار و حنيف أتمر مستشار الأمن القومى السابق ) . ومروحياتها نقلت قوات داعش إلى ولايات أفغانية مختلفة ، وفى محيط العاصمة : فى لوجر قرب المدخل الجنوبى للعاصمة ، و سروبى على مدخلها الشرقى .

 

 

صوت الخلافة  الداعشية .. من قاعدة أمريكية  !!.

تمكنت حركة طالبان من تنظيف الجنوب الأفغانى من عصابات داعش (أو داعشتو). وفى الشرق (جلال أباد) أقترب الوضع من ذلك ، لولا إمدادات بالمجرمين لا تنقطع من شمشتو وإمدادات بالسلاح الأمريكى ، وغطاء جوى توفره المخابرات الأمريكية وشقيقها الموساد.  ومع ذلك، فوضع داعش فى جلال آباد غير مستقر وأضعف مما كان منتظراً . كما أن الدعم الأمريكى لداعش فى جلال آباد أثار إستياء القبائل ومسئولين حكوميين أضيرت مصالحهم القبلية ، وهيبتهم الوظيفية .

– أحد قيادات حركة طالبان يروى طرفاً من مأساة داعش فى أفغانستان ، وبدأ بما جرى ويجرى فى جلال آباد ـ شرق أفغانستان ثم تطرق لما يجرى فى سائر المناطق . فيقول:

فى 23 إبريل 2017 أسقط الطيران الأمريكى على منطقة “أسد خيل” فى ننجرهار أثقل قنبلة فى ترسانتهم الحربية وأسموها “أم القنابل”. وفى بيان عسكرى إدعى الأمريكيون أن قنبلتهم إستهدفت الدواعش ، وأن عشرات منهم قتلوا، وكان من بينهم قيادات هامة .

وكان الأهالى قد رصدوا حاوية مليئة بالأسلحة ذهبت إلى منطقة الدواعش قبل عدة أيام من إسقاط القنبلة . وتسلم الأهالى إنذاراً بالإبتعاد عن المنطقة التى إستهدفتها القنبلة ، وهى عبارة عن نفق قديم لإستخراج المعادن .

بعد يوم واحد من عملية “أم القنابل” إنطلقت مرة أخرى إذاعة داعش والمسماة ــ صوت الخلافة ــ من داخل القاعدة الجوية الأمريكية فى مطار جلال آباد ، تحت إسم ساخر هو(صوت الخلافة) بعد أن كانت صامتة لفترة من الزمن . وكأن القاعدة الجوية الأمريكية هى(دار الخلافة) الداعشية. كيف لا ، وإليها أحضرتهم الطائرات الأمريكية من العراق والشام . ومنها تنقلهم إلى حيث يظهر الإحتياج الأمريكى داخل أفغانستان .

– قبل عشرة أيام من عملية “أم القنابل” أنزلت طائرات مروحية 500 داعشي فى منطقة (يارا آباد) فى ننجرهار، بهدف السيطرة على مناطق إستراتيجية حساسة فى ننجرهار، منها الطريق بين كابل و”جلال أباد” لتأمين الإمدادات الواردة من باكستان إلى العاصمة خاصة متطلبات قاعدة بجرام الجوية . وحاول الدواعش الإمساك بمناطق فى جبال تورابورا ومناطق أخرى واقعة تحت سيطرة طالبان ، خاصة عند (تورخم) وهى مدخل الطريق الدولى بين أفغانستان وباكستان.

– التعاون العسكرى بين داعش وقوات الإحتلال والجيش المحلى ، أصاب بالضرر مصالح قوى قبلية لها تمثيلها فى الحكومة ، مثل عضو البرلمان فى جلال آباد (ظاهر قدير)،الذى إنتقد ذلك التعاون ونتائجه السيئة على السكان.

فى ولاية بروان “شمال كابول” التى توجد فيها قاعدة بجرام الجوية، تكلم الوالى(محمد عاصم) عن التعاون بين الإحتلال والدواعش . وفى أواخر2017 قال بأن سلطات الولاية إعتزمت إعتقال المدعو عتيق الله (أمير) الدواعش فى الولاية. لكن قوات الإحتلال أمرت بعدم إعتقاله بدعوى أنه لا يشكل خطرا ولم يتسبب فى أى ضرر . وطالبوا السلطات المحلية أنه فى حال إعتقال المذكور فيجب تسليمه لقوات الإحتلال وعدم إحتجازه فى السجن .

 

 

سلاح الطيران : أمريكى/ داعشى .

يساند الطيران الأميركى مجموعات الدواعش كما لو كانت قوات أمريكية. فيوجه الضربات الجوية الى قوات طالبان التى تتصدى لهم ، فيسقط ضحايا من طالبان. ويمكن لطالبان أن يتحملوا تلك الضربات ويجاوبوا عليها فى وقت لاحق وربما أماكن أخرى .

ولكن الأصعب والأخطر هو تلك الضربات الجوية ضد القرى ، وسقوط أعداد كبيرة من الأهالى ما بين شهيد وجريح . إضافة إلى تهديم البيوت وتخريب المساجد والمدارس والعيادات الطبية ، وقتل العلماء والأطباء والممرضين وطلاب المدارس الشرعية .

إنها خسائر فادحة لا يمكن لحركة طالبان تعويضها ـ إلا جزئيا ـ كما لا يمكن منعها على الإطلاق . تصنيع المحن الجوية صار هو أساس عمل قوات الإحتلال . وفى بعض الأماكن إكتسبت مجموعات داعش (مناعة جوية) نتيجة الغطاء الجوى الأمريكى .

 فى الشمال إستفادت داعش من المظلة الجوية الأمريكية ، وحققت ما يشبه الإستقرار فى بعض المواضع على الحدود مع الدول المجاورة خاصة طاجيكستان وأوزبكستان حيث قاموا بعمليات ضد حرس الحدود وقتلوا عددا منهم . وتواجدت داعش تحت المظلة الأمريكية فى بدغيس (شمال غرب)على حدود تركمانستان ، وفى فراة غرباً على حدود إيران .

تأثير المظلة الجوية الأمريكية على السكان كانت هى العامل الحاسم فيما أحرزه الدواعش من تمركز فى بعض مناطق الحدود الشمالية ـ والشمالية الشرقية فى بدخشان المجاوره للصين . وتحت الضربات الجوية تكاد أن تصبح معادلة التعامل بين السكان وطالبان هى    { إن لم تستطيعوا حمايتنا .. فإعملوا بعيدا عن قُرانا } .

معنى ذلك أن حدود الصين وجمهوريات آسيا الوسطى(روسيا بشكل غير مباشر) أصبحت أكثر عرضة لإختراقات داعش المحمية جوا فى أفغانستان ، والتى تحصل على دعم إستخبارى أمريكى / إسرائيلى فيما وراء الحدود الأفغانية تجاه روسيا والصين وإيران.

ورغم الخسائر الشديدة من القصف الجوى الأمريكى ، تمكنت حركة طالبان من حرمان داعش من الإستقرار ضمن قواعد كبيرة دائمة.

 وتتدخل القوات المحتلة المحمولة جوا لتحرير أسرى الدواعش ، وإنقاذ المحاصرين منهم أو فك أسراهم من سجون طالبان وتهريبهم مع عائلاتهم إلى قواعد أمريكية كبيرة لحمايتهم. كما حدث فى ولاية بدغيس حين أسر طالبان 42 داعشيا معظمهم من جنسيات آسيا الوسطى، وحبسوهم فى أحد السجون . وبعد أشهر شنت القوات الأمريكية(والأجنبية) غارة على السجن وقتلوا الحراس واصطحبوا الأسرى إلى قاعدة عسكرية أمريكية يعتقد أنها قاعدة شيندند غرب أفغانستان ( فى ولاية هيرات) .

حركة طالبان أعلنت عن الحادث فى بياناتها ، لكن إعلام الدول المجاورة المستهدفة والتى تشتكى من داعش وتخشى عدوانها، لم تذكر بيان طالبان ، وأخذت بما قالتة حكومة كابول من أكاذيب حول ذلك الحادث وكل حادث آخر .

 

 

ردود فعل غاضبة :

دول الجوار المهددة بداعش ، وهى روسيا والصين وإيران، موقفها أنتج مرارة وتيارا من الغضب بين قطاع من مجاهدى طالبان .

يقول هؤلاء إن قتالنا على طول حدود أفغانستان ضد الدواعش وحلفائهم من أمريكيين ومرتزقة ، قد كلف طالبان وسكان الولايات الحدودية ، خسائر ثقيلة فى الأرواح والأموال والممتلكات . ومازال الأفغان مكشوفين إلى حد كبير أمام الهجمات الجوية الأمريكية بدون إمتلاك أى سلاح دفاعى مناسب.

وفوق ذلك لا تحظى حركة طالبان من تلك الدول حتى بتغطية أعلامية منصفة ومتساوية مع إهتمامهم بالإعلام الحكومى والأمريكى . حيث يتم إهمال وجهات نظر طالبان وبياناتهم العسكرية لصالح أكاذيب الإعلام الأمريكى والحكومى .

لا يقف الأمر عند التجاهل الإعلامى بل يطال المستوى الدبلوماسى . ورغم أن تلك الدول من وقت إلى آخر توجه الدعوات لمسئولين من حركة طالبان ، إلا أنها تدعم حكومة كابول على الدوام ، وتدعو حركة طالبان إلى الإندماج فيها. بما يعنى بقاء الإحتلال الأجنبى والنفوذ (الأمريكى/الإسرائيلى) وكارثة تصنيع الهيروين التى يديرها الأمريكيون . وبقاء داعش كأحد مكونات النظام الذى أنشأه الإحتلال فى أفغانستان .

ويرى هؤلاء المجاهدون الغاضبون : إن تلك الدول المعنية لديها رغبة فى أن تستمر حركة طالبان فى قتال الدواعش . ولكن ليس لديهم رغبة فى رؤية طالبان يعودون إلى حكم أفغانستان مرة أخرى . وهذا سبب تجاهلهم الإعلامى لطالبان ، وإنحيازهم الدبلوماسى والسياسى لحكومة العملاء فى كابول . فتركوا طالبان فى مواجهة مكشوفة مع الطيران الأمريكى أثناء القتال الشرس ضد الدواعش.

بل أن بعضاً من الدبلوماسيين والإعلاميين فى تلك الدول يضع داعش وطالبان فى درجة واحدة ، ويعتبرهما معاً خطراً على دول المنطقة . وبالتالى يدعو إلى بقاء حكومة كابول وإنضمام طالبان إليها . ومفهوم أن داعش هى جزء هام من الحكومة ، لأنها تحظى بدعم قادة النظام وقوات الإحتلال.

يقول الجناح من حركة طالبان ، المنتقد لموقف دول الجوار : أمام تلك الدول أن تختار واحد من ثلاث خيارات للتعامل مع مشكلة داعش :

– التفاوض مع الإحتلال الأمريكى للبحث عن حل للمشكلة ، ووقف إستيراد داعش من باكستان وبلاد العرب ، ووقف نشاطهم عبر حدود ضد الدول المجاورة .

– مهاجمة قواعد داعش داخل أفغانستان ــ وتحمل عواقب ذلك ــ حيث يكون الصدام العسكرى مع الأمريكيين وارِداً ، وليس بينهم من يقدر على تحمل تبعاته .

– إمداد حركة طالبان بصواريخ متطورة مضادة للطائرات ، وبأعداد كافية.

فإذا فشلت الدول المعنية فى المسارات الثلاث المقترحة ، فإنهم لن يتمتعوا طويلا بالدفاع المجانى عن حدودهم والذى توفره حركة طالبان رغم خسائرها الكبيرة ومعاناة الشعب فى تلك المناطق . وعلى تلك الدول أن تحمى أمنها وتحل مشاكلها بنفسها مع داعش .

فلن يقبل شعب أفغانستان وحركة طالبان أن تتم أى مساومة إقليمية على حساب حريتهم وإستقلالهم . والدول الإقليمية العظمى لا ينبغى أن تخفى عجزها وخوفها من الأمريكيين على حساب شعب أفغانستان بدعوته إلى الإستسلام ودخول قفص الإحتلال بقبول حكومة عميلة فى كابول والمشاركة فيها.

سينتزع الشعب الأفغانى حريته رغم العدوان الأمريكى ورغم الضعف الإقليمى وعدم الوضوح . فلا مكان فى أفغانستان للإحتلال الأمريكى أو الإسرائيلى أو الداعشى .

فمنذ أربعة عقود فى خوست، قال الشاعر والقائد الشهيد أحمد غنى :

{ يخوفنا “بابراك كارمل” بالدبابات والطائرات .. ونحن نقول له إننا سنقابله فى ميدان المعركة وليس معنا إلا الله ذو الجلال .. ولنرى لمن سيكون الإنتصار } .

فانتصر الشهيد وسقط الإتحاد السوفيتى . ولن يخلف الله وعده .

 

نقد فى الإتجاه المعاكس ــ

خطوات ضرورية حتى تكتمل الحُجَة على دول الإقليم :

لا زال الموقف السياسى للإمارة الإسلامية يفتقر إلى المزيد من الوضوح . فإذا زال ما به من إلتباس فمن الممكن أن تصبح مواقف دول الإقليم أكثر وضوحاً وصراحة. فالموقف السياسى المتميع لا يساعد دول الإقليم على أن تكون (ملكية أكثر من الملك)، مادامت مواقف الملك ملتبسة وغير شفافة .

أكثر الإلتباس يأتى من التمسك بالدوحة مستقرا للمكتب السياسى للإمارة ، رغم الإهانات التى صاحبت ذلك من إنزال لعلم الإمارة ، وتحويل المكتب إلى مجرد سجن للإقامة الجبرية ضمن صفقات الأسرى مع الأمريكيين .

وصل الأمر إلى درجة أن قطر تولت التفاوض أو دفعته قسراً نحو صفقة كامب ديفيد الغامضة ، التى تخلى عنها ترامب عندما شعر أن الطرف الأفغانى غائب عنها تقريبا، وأن الطبخة قَطَرِية بالكامل ولن تعطى مفعولها فى أفغانستان .

تلاحظ دول العالم ــ والدول الإقليمية من بينها ــ أن مكتب السياسى للإمارة فى قطر معدوم الإنجاز، ولم يقدم غير صفقات غير متزنة . فهو يمثل وجها سياسيا باهتاً لا يتماشى مع عظمة العمل الجهادى الأفغاني ، وصموده الأسطورى وإنتصاراته . فهناك تناقض كبير ــ لا ينبغى تواجده ــ بين العمل السياسى المتميع، والعمل العسكرى القوى والمشهود له من الجميع .

{ تفسير يقول : أن حركة طالبان تعرف تماما وضع قطر، ولكن الحركة لم تجد من يمد لها يد العون أو يرتبط معها بعلاقات دبلوماسية ، لذلك أضطرت إلى الإرتماء في أحضان قطر ــ قاطرة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط} ــ وفى ذلك عذر ربما كان مقبولاً فى البداية ، ولكن لا مبرر له الآن بعد تجارب إستمرت حوالى 6 سنوت مع المكتب المذكور .

      وهذا يجعل المراقبين يتساءلون عن طبيعة النظام السياسى الذى ستحمله (الإمارة الإسلامية ) إلى الحكم . فهل ستكون نسخة من إمارة خليجية أخرى ؟؟.

فالنظام القادم إلى كابول مع الإمارة الإسلامية هل سيكون للشورى فيه دور حقيقى أم شكلى؟. وهل ستكون هناك رقابة حقيقية على أعمال الحكومة ، أم أنها ستكون (حكومة مقدسة) يستحيل محاسبتها؟ . وماذا عن كيفية تَوَّلي السلطة العليا فى الإمارة وكيفية إنتقالها؟ . وما هو خيارها الإقتصادى ؟. هل هو تسليم الثروات للشركات العظمى العابرة للقارات ، فى صفقات مبهمة وغير شفافة (على شاكلة مشروع كامب ديفد) ، أم سيكون هناك توجيه من الدولة وخطط تنمية (مع رقابة من مجلس الشورى) لبناء إقتصاد الدولة الإسلامية القوية العادلة فى أفغانستان ؟؟ .

العديد من الأسئلة ، تتجاهلها سياسة الإمارة وإعلامها ، لكن المراقب من الخارج يضعها فى الحسبان ثم يصل إلى نتيجة عملية تقول: { فاسد تعرفه ، خير من مجهول لا تعرف عنه شيئا}.

والفاسد هو حكومة كابول ، التى تمثل أمراً واقعاً هو الأكثر فسادا بين حكومات العالم، ولكنه مكشوف ومعروف بالتفاصيل، لذا يسهل على الدول التعامل معه. أما المجهول فهو حكم الإمارة الإسلامية الذى لم تتضح ملامحه الأساسية بعد . وما ظهر منه من خلال “المكتب السياسى” لا يعطى فكرة مشرقة أو حتى يشجع على التفاؤل .

والحكومات تتبع مصالحها ، وتتعامل مع الواقع ولا تهتم كثيرا بالإفتراضات والنوايا ، أو حتى الشعارات. لهذا يفضلون التعامل مع حكومة كابول العميلة ، ولا يفضلون التعامل مع مستقبل مفترض لحكومة الإمارة الإسلامية ، بسبب الإشارات السلبية الصادرة عن مكتبها السياسى ، وضعف جهازها الإعلامى المكبل هو الآخر بعجز الجهاز السياسى .

 

سياسة الإمارة تجاه عمالقة آسيا :

ومع كل قصور عملها السياسى فإن الإمارة تتمتع بتقدير أخلاقى كبير فى الأوساط العالمية وبين دول الأقليم بشكل خاص ، بصرف النظر عن الجفاء الذى يسود غالب علاقة الإمارة مع دول الإقليم .

جميع تلك الدول وصلت إلى قناعة بأن الإمارة الإسلامية عائدة لا محالة إلى حكم أفغانستان، وأن الواقعية تفرض بحث ذلك الإحتمال وتحديد طريقة التعامل معه. ومن المعلوم أيضا أن ثلاثة من القوى الإقليمية الكبرى تتقبل ذلك الإحتمال ، بل ومستعدة للتعامل الإيجابى معه عندما يتحقق .

وليس غير الهند من دول الإقليم الكبرى هى المعارض ـ والمقاوم ـ لذلك الإحتمال . وتحاول الهند إقناع الثلاثى الآخر بتغيير موقفهم . ولكن الآخرون وهم الصين وروسيا وإيران ، منفتحون على قبول تغير فى أفغانستان يفرض طالبان قوة منتصرة وحاكمة.

فإذا عادت الهند معزولة عن أفغانستان فى حال إنتصار طالبان، فسوف تخسر موقعها المتميز الذى كسبته خلال 18 عاما من الإحتلال الأمريكى الذى كانت سندا نشطاً له . كما أنها إستثمرت المليارات فى مشاريع إقتصادية ترتكز على أفغانستان ، خاصة فى مشروع ميناء(تشبهار) الإيرانى الذى يمثل منفذا إستراتيجيا للهند تدخل منه إلى أسواق روسيا وآسيا الوسطى عبر أفغانستان . وكان ذلك نصراً إستراتيجيا لها على باكستان التى ظلت تحرص دوما على إبعاد الهند عن أفغانستان بدعوى الخشية من تحويلها إلى قاعدة هندية تهدد أمنها وتطوقها سياسيا وربما عسكريا .

 

 

فتح الملف الهندى :

العمل السياسى للإمارة ، يمكنه القيام بتحرك إستراتيجى صوب الهند لفك عقدة التعامل معها ، بعيدا عن تدخلات أى دولة أخرى خاصة باكستان التى ستعترض على أى علاقة بين الإمارة الإسلامية والهند ، فهى تنظر إلى أفغانستان كدولة تدور فى الفلك الباكستانى .

لا أحد يمكنه تجاهل الهند كقوة إقليمية عظمى ، وقوة إقتصادية ومكانة سياسية دولية لا بأس بها . فللشعبين الهندى والأفغانى مصالح لا شك فيها لإقامة علاقات طبيعية لصالح البلدين بصرف النظر عن تقييم كل دولة لنظام البلد الآخر . فالهند يحكمها حاليا نظام هندوسى متعصب يعادى المسلمين بتطرف غير طبيعى ، وهذا يجعله سياسيا أقرب إلى إسرائيل . ورئيس الوزراء الهندى هو نسخة هندية من الرئيس الأمريكى ترامب . ومع هذا لا يمكن تجاهل حقيقة أن تعداد المسلمين فى الهند قد يصل إلى 200 مليون مسلم ، هم فى غالبيتهم رصيد أدبى وثقافى وإقتصادى للإمارة الإسلامية .

لن يبقى المتعصب ” نارنيدرا مودى” رئيسا لوزراء الهند إلى الأبد . وسوف يطاح به فى أحد الإنتخابات القادمة ، ولكن ستبقى الهند وأفغانستان فى نفس مواضعهما على الخريطة الجغرافية والسياسية لآسيا. وستظل لشعبيهما نفس المصالح فى علاقات سلمية بناءة .

وبالمثل فإن العلاقات الإيجابية بين الإمارة الإسلامية والصين ــ القوة العالمية الأولى خلال عقدين قادمين ــ لها أهمية إقتصادية وثقافية لأفغانستان وللإيجور المسلمين داخل الصين .

عموما سيكون لمسلمى المنطقة أهميتهم فى ترسيخ التعاون والتطبيع بين شعوب آسيا والحضارة الإسلامية التى ستصبح الإمارة الإسلامية فى مركز متقدم منها خلال عقود قليلة قادمة .

 

 

إيران .. وطالبان :

إيران تدرك أهمية الإمارة كتواجد جهادى إسلامى قوى ومعتدل . فالإمارة ــ ومنذ عهد المؤسس الملا محمد عمر رحمه الله ــ لم تنجرف إلى مستنقع القتال المذهبى ، رغم إغراءات أموال النفط ، والتلويح بفك العزلة السياسية عنها ، وتهديد ” الرياض” بمنع الأفغان من الحج إلى بيت الله الحرام إن لم تستجب الإمارة لمتطلبات الفتنة المذهبية !! .

حكومة طهران منشغلة فى صراع بقاء مع أعدائها بقيادة أمريكا وإسرائيل ومشيخات الخليج، فلم تقدم ما كان مأمولا من دعم لمجاهدى طالبان . وسياسيا إتخذت موقفا منحازاً بالكامل لحكومة كابول .

– ورغما عن ذلك ظهرت مبادرة جهادية بين قبائل البلوش (السنية) فى إيران وباكستان ، فى إندفاعة لا تعترف بحواجز الحدود أو المذاهب ، ولم تنتظر إذناً من أحد لأداء فريضة الجهاد . فتدفقت إلى أفغانستان ، وقدمت الكثير من الشهداء فى بطولات مذهلة لم يحن بعد وقت الحديث عنها.

والجدير بالملاحظة أن مناطق “أهل السنة والجماعة” المشاركين فى جهاد أفغانستان لم تشهد أى مشاركة فى (إنتفاضة البنزين) التى إشتعلت فى إيران (فى نوفمبر2019). كان ذلك مفاجأة غير سارة لأمريكا ومحورها ، ولكنه خبر سار لجميع المسلمين ، إذ الحواجز المصطنعة بين الأمة بشعارات طائفية ومذهبية وعرقية ما هى إلا عراقيل هشه تنهار أمام تصميم الشعوب المسلمة . وأن يوم إتحاد المسلمين وإندفاعهم لتحرير القدس ومكة ، هو يوم قريب وليس ضرباً من خيال . وكما ظهر من موقف مجاهدى البلوش فإن الفتنة والجهاد لا يسيران معا . فإذا حرص الناس على الفتنة إختفى الجهاد ، وإذا تمسك المسلمون بفريضة الجهاد رحلت عنهم الفتن ولم تقدر على تثبيت أقدامها . والذين يَدَّعون الدخول إلى ساحة الجهاد من بوابة الفتنة ماهم إلا مراوغون يبتغون الفتنة وإفشال الجهاد بتمزيق صفوف المسلمين .

لم يقتصر الأمر على مبادرة جهادية من(أهل السنة والجماعة) فى إيران . بل شمل الشيعة فى أفغانستان نفسها . إذ بمبادرة جهادية من بين صفوفهم إنخرط الكثير منهم مع طالبان فى العمل الجهادى العسكرى . وبعضهم أدى أدواراً مشهورة ضمن ملاحم هامة . وبعض تخصصات العمل الجهادى يتكفل بمعظمها الشيعة الأفغان . ويوم ينسحب المحتلون وقواتهم ، سوف تحين ساعة الكشف عن الكثير من الأسرار الجهادية الحساسة فى أفغانستان ، تثبت إمكانية تخطى ألغام الطائفية والحدود السياسية ، التى زرعها أعداء الإسلام .

 

 

الفتنة .. لهدم البنيان الجهادى المرصوص :

وحتى يوقفوا عملية الترابط ، وحتى لا يتحول المسلمون بالفعل إلى بنيان مرصوص فى ميادين الجهاد ، يعمد الأمريكيون فى حربهم النفسية ضد الشعب الأفغانى عموما ، أن يوزعوا إتهامات العمالة على الشخصيات العامة ، حتى يذهب بريق الشخصية الأفغانية الإسلامية المجاهدة . متجاهلين رباط الدين والقبيلة والتاريخ المشترك والمصالح المترابطة عبر الحدود المصطنعة .

ومع ذلك فإن أى عمل دعوى صادر عن الإمارة، يسقط الكثير من تلك المجهودات الأمريكية. فمثلا الخطابات العامة التى يوجهها أمير المؤمنين الملا هيبة الله ، أعطت الكثير جدا من الإيجابيات ، وينادى المخلصون بضرورة الإصرار عليها إعلاميا وتكرارها لتقوية الروح المعنوية للمجاهدين والشعب الأفغانى عموما، ولرفع معنويات المسلمين وإحياء الأمل فى نفوسهم وإعادة ثقتهم فى طريق الوحدة والجهاد لإسترداد حقوقهم .

– و بطريقة أوضح لا ينبغى أن تَسْجِن الإمارة الإسلامية مواقفها السياسية وتفكيرها المستقبلى فى داخل نفس القفص الحديدى الذى سُجِنَت فيه مواقف أحزاب بيشاور خلال الفترة السوفيتية، أى القفص الباكستانى الخليجى .

فالعالم قد تغير تماما منذ ذلك الوقت، وقيمة أفغانستان فى الجغرافيا السياسية للإقليم قد إرتفعت بشكل غير مسبوق ، فى مقابل تراجع قيمة باكستان ونظامها الفاسد والمرتهن للأمريكين وأموال الخليج .

وإمارات الخليج تدهورت قيمتها الإقتصادية ، وخسرت معظم قيمتها السياسية والمعنوية بإنفتاحها على إسرائيل وفتح الأبواب لها على مصراعيها ، وفقدان الإرادة السياسية إلا من الإملاءات الإسرائيلية / الأمريكية. حتى وصفهم الرئيس الأمريكى بالأبقار التى تُحْلَب إلى أن يجف ضرعها ثم تذبح .

لا يصح أن تبقى خيارات الإمارة الإسلامية هى نفس الخيارات السياسية لأحزاب بشاور”الجهادية” التى تنازلت عن دورها السياسى لصالح باكستان ، وسمحت للسعودية وباقى الخليجيين بالتدخل فى أدق شئون الأحزاب فزادتهم رهقا . فكلما تدخلوا فى مجال زادوه إعوجاجا ، خاصة التعليم الذى بذر بذور الداعشية التى مازال بعضها يتحرك فى أفغانستان.

إن وراثة الضعف السياسى لأحزاب المجاهدين هو خطأ ينبغى ألا تقع فيه الإمارة الإسلامية. والقيمة السياسية للإمارة هى ــ الآن ــ أعلى مما تتمتع به باكستان وإمارات الخليج. والقوة الإقتصادية الكامنة فى أرض أفغانستان هى أعظم بكثير من نفط الخليج . ومن ناحية سكانية فإن الثروة البشرية لأفغانستان وقوة سكانها المعنوية والدينية لا يمكن قياسها مع باكستان أو أى بلد خليجى أو عربى آخر .

 

 

فى معارك الحدود : داعش رهينة وليست تهديدا .

ربما أن العدو أوقعنا فى عدد من الأخطاء التكتيكية ، وقادنا إلى المبالغة فى الدور الذى يمكن أن تقوم به داعش عسكريا فى المرحلة الحالية.

فأقصى ما يمكن أن تفعله داعش ــ وبكل صعوبة رغما من الدعم الجوى الأمريكى ــ هو الإحتفاظ بمواقع على الحدود مع واحد أو أكثر من الجيران ، لتوجيه الضربات أو إقامة قاعدة خلفية داخل أفغانستان لإدارة مجموعات داعشية فى الجانب الآخر من الحدود.

ورغم الدعم الجوى إستطاع مجاهدو طالبان إقتلاع الدواعش من مراكز حصينة فى ننجرهار، خاصة مراكزهم فى جبال (تورابورا). وفى ولاية كونار رغم غاباتها الجبلية لم تستطيع داعش الصمود أمام طالبان . حتى أن المروحيات الأمريكية تدخلت لنقلهم من قمم الجبال بعد أن عجز القصف الأمريكى عن حمايتهم .

إذَن ليس لمرتزقة داعش قابلية كبيرة للقتال ضد طالبان حتى مع الدعم الجوى . حتى لو تمركزوا فى أى موقع منيع، فإن إقتلاعهم منه مرهون بمجرد قرار من حركة طالبان .

لهذا فإن التهويل بخطر تمركز داعش على مواقع حدودية مع الجيران ليس عملا صحيحاً ، فلا ينبغى للمجاهدين أن يغيروا خططهم الإستراتيجية /باستدعاء إمدادات إضافية/ من أجل مقاومة التواجد الداعشى على الحدود ، طالما هو تحت السيطرة وفقا لتقدير قادة طالبان الميدانيين.

فالمعركة ليست للحفاظ على منافذ حدودية يأتى منها الدعم للمجاهدين ــ كما كان الحال فى الحرب مع السوفييت ــ  بل تتعلق بمنافذ تهدد أمن جيران لا يهتمون بدعمنا. لذا يمكن أن نؤجل حماية حدودهم معنا إلى توقيت آخر، وفى ظروف سياسية أنسب لنا.

 فتجاهل طالبان لقوات داعش / طالما هى بحجم محدود وتحت السيطرة / يصلح كحافز لدول الجوار كى تتحرك للتعاون معنا. فدفاع طالبان عن أمن الجيران لا يصح أن يظل مجانيا و بلا ثمن .

إختصارا .. ينبغى تحويل تواجد داعش على الحدود إلى رهينة عسكرية وسياسية فى يد طالبان ، للمقايضة بهم مع دول الجوار.

ثقل المعركة حاليا هو العاصمة كابول ، وفيها ستكون الكلمة الفصل . وبعد تحريرها يمكن الإلتفات إلى مواضيع فرعية مثل الحدود وتطهيرها من الدواعش وفق شروط خاصة.

 فتحرير كامل الحدود مع جميع الجيران يمكن تأجيله إتمامه إلى حين عقد مؤتمر إقليمى (فى إطار مجموعة شنغهاى مثلا) لبحث أنواع الدعم المطلوب تقديمه لحكومة الإمارة كمساهمة إقليمية لطرد داعش وتطهير الحدود. ليس من منظور أمنى فقط بل من منظور تنمية إقتصادية شاملة لأفغانستان وإعادة إعمارها ، وتسليح قوات جيشها الجديد ، وإدماجها فى مشاريع الترابط الأرضى والجوى (والبحرى عن طريق تشبهار) فى قارة آسيا وبين دولها الكبرى .

إن وقوف داعش على بعض الحدود لن يؤثر على المواقف العسكرى لطالبان . ولكن الإنشغال بهم على حساب معركة كابول سيكون خطأً غاية الخطورة .

 وتقديم طرد داعش كخدمة مجانية ، لأمن أكثر الجيران، سيحرم المجاهدين والشعب الأفغانى من الحصول على مساعدة تسليحية واقتصادية كانت من حقهم . وفى دنيا السياسة فإن الطرف الأحمق هو من يقدم ما عنده قبل أن يفعل الطرف المقابل نفس الشئ .

{ من المفيد التذكير بكلام وزير الخارجية الأمريكى هنرى كسينجر. عندما سأله أحدهم : لماذا لم تقدموا للسادات ثمناً فى مقابل طرده للخبراء السوفييت من مصر، وقد كان ذلك مطلبا أمريكيا رئيسيا ، وكنتم مستعدين لدفع أى ثمن لتحقيقه ؟؟ . فقال كيسنجر : لقد قدم السادات  بالفعل ما عنده ، فلماذا ندفع له الثمن الآن ؟؟ }.

 

 

شروط للقضاء على داعش :

أزمة داعش فى أفغانستان ممكن أن تضع الموقف الجيوسياسى فى الإقليم أمام معادلة تقول بأن التخلص من داعش لا يتم إلا وفق شروط هى :

  1 ـ إتمام تحرير أفغانستان من الإحتلال الأمريكى، بتقديم مساعدات فعالة لحركة طالبان .

   2 ـ  تحالف إقليمى للوقوف خلف الإمارة الإسلامية لإعادة بناء أفغانستان إقتصاديا وأمنيا .

   3 ـ  ربط أفغانستان براً وجواً بطرق آسيا وأسواقها .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

 

 




تأملات : كيف يفشل العمل الجهادى (2)

تأملات : كيف يفشل العمل الجهادى (2)

تأملات : كيف يفشل العمل الجهادى ؟؟.

( 2 من 3 )
بقلم :مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
مافا السياسي (ادب المطاريد) :   www.mafa.world 

نواصل مع فصل” تأملات” من كتاب (العرب فى حرب أفغانستان) . والهدف هو وضع دروس ما مضى فى خدمة مايحدث وما هو قادم من حروب مصيرية على الساحتين العربية والإسلامية .

تجنب تكرار نفس الأخطاء هو عملية هامة لتصحيح المسار. وما يحدث الآن فى فلسطين وبلاد الحرمين ، يكشف الكثير جدا من التيه الذى ضاعت فيه الحركة الإسلامية والجهادية بعيدا عن فلسطين ودور اليهود فى تخريب المنطقة العربية ومعتقداتها . ودور مشيخات الجزيرة بفكرها الوهابى وذهبها النفطى الذى أوصلنا إلى ما نحن فيه . طال نومنا حتى ضاعت فلسطين منذ سبعة عقود ، وصحونا فإذا اليهود فى ليسوا فقط فى الرياض وجدة ، بل أيضا فى مكة والمدينة . ولا تسل عن باقى باقى القطيع الخليجى الذى تستر على اليهود فى كل الشقوق والزوايا ، وفى كل ناطحات السحاب والأبراج الشاهقة والشركات الدولية و البورصات.

# لا نتكلم عن الأخطاء من أجل التشهير أو توسيع رقعة الخلاف ، ولكن تمهيدا لتجميع الصفوف على بصيرة وبينة ، وعلى أسس صحيحة لإنطلاق عمل مستنير طويل المدى وحاسم ، لننقل أمة كاملة من قاع الغابة الدولية إلى موقع الريادة الذى تستحقه .

– إذا أنت تتقدم فلا يعنى ذلك أنك تكسب ، فربما أنك تقع فى مصيدة . حدث ذلك مع العرب فى جلال آباد ، وحدث مع طالبان فى شمال أفغانستان . والنجاح الذى حققته أمريكا فى أفغانستان ربما كان مصيدة كبرى .

– فجوة كبيرة تفصل بين الشباب الجدد ومن تبقى من العرب الأفغان .

– شعار القاعدة الأصلى كان تحرير بلاد الحرمين الشريفين ، ولكن عملياتهم أدت إلى وقوع بلدين آخرين تحت الإحتلال .

– طالبان أوقفوا زراعة الأفيون و رفضوا تمرير خطوط النفط والغاز ، فكان واضحا أن الحرب قادمة.

– المجموعات العربية خسرت قضيتها الجهادية لأنهم فى كل مكان يذهبون إليه يتصرفون كمقاتلين أجانب لا يراعون العادات المحلية ، فتأتى ردات فعل من السكان المحليين خاصة من المناطق القبلية.

– إعتمدوا على المتفجرات وقتل الناس ، بدون إعطاء إهتمام لعملية إيقاظ الأمة والنهوض بها وبناء الأساسات الصلبة والإحتياجات الضرورية لبناء دولة إسلامية.

– السلفيون الجهاديون فى جهاد أفغانستان ربحوا سباق إجتذاب الشباب ، وذلك يرجع إلى طبيعتهم الحماسية ، وأن مجموعاتهم مليئة بالأفراد المتحمسين والمحرضين ، الذين يعرضون عليهم الحركة بينما الإخوان يعرضون عليهم القيود فقط .

– الحركات السلفية الجهادية إستقطبت عددا أكبر من المتطوعين الشباب المستعدين للمخاطرة والسعداء بالتنقل من جبهة قتال إلى أخرى ، ولديهم وقت قليل للتعلم والتأمل خاصة فى السياسة . فكانوا متقلبى المزاج ، ويفعلون ما يعتقدون لحظيا أنه الصواب . كانوا لا ينظرون إلى الأمام أو إلى الخلف لأخذ الدروس قبل النظر فيما يمكن عمله .

– مشروع الجهاد تمت خصخصته ، ولم يعد نشاطا تمارسه الأمة . وأى شخص يمكنه صنع جهاده الخاص . لا يجاهدون من أجل قضية بل يجاهدون لأجل أهداف الغير، منتقلين من حرب إلى حرب.

– من المدهش أن نرى القاعدة الآن أصبحت فى سورية تشبه إلى حد ما الإخوان المسلمين خلال الأزمة الأفغانية . فالشباب رأوها معرقلة فاتجهوا صوب مدرسة جلال آباد ومجموعاتها .

– القاعدة ربحت السباق مع الإخوان المسلمين منذ سنوات طويلة مضت . لكنها أصبحت الآن أكثر تقدما فى السن وأكثر إعتدالا أو “محافظة ” ، وتفقد الشباب لصالح مجموعات تفتقت عنها الأزمة وهى أكثر شبابية وأصولية ومنفلتة عن السيطرة .

– كان عزام وحيدا فى قوله بضروره نقل خبرة العرب الأفغان إلى فلسطين ، وهو ما حاول فعله عبر معسكره فى منطقة صدى.

– مشكلة كبيرة عندما تضع الشباب فى موضع يائس فلا يمكنهم العودة إلى بلادهم . بعد الحرب ضد السوفييت تحولنا من (مقاتلين لأجل الحرية) إلى مجرد مجرمين مطاردين فى كل مكان.

– سيحاولون الإستفادة من الشباب فى سوريا ، وذلك لن ينتهى بخير لا فى سوريا ولا فى غيرها.

– التصور الوهابى للدولة الإسلامية يخلو من أى سياق محلى سياسى أو إجتماعى . والنتيجة كانت أن المجموعات التى حاولت أن تقيم دولا إسلامية على هذا المنوال لم يستطيعوا الحصول على تأييد الشعوب فى تلك البلدان التى يعيشون فيها ، أو البلدان التى يقاتلون فيها .

– بعودتهم إلى بلدانهم الأصلية التى حدثت بها ثورات شعبية ، لم تستطع تلك المجموعات قبول مطالب الناس الذين قاموا بالثورة ، لأنها لا تتوافق مع الأولويات السلفية الوهابية . والنتيجة هى أن تلك الجماعات لا تخسر فقط فى ميادين المعارك بل تخسر أيضا فى الشوارع العربية .

– أعطى قادة التحالف الإخوانى السلفى تعهدات لأمريكا وإسرائيل وللبنوك الدولية بأنهم سيمنعون أى ثورة حقيقية تطالب بالعدالة الإجتماعية ، بمعنى عدالة توزيع الثروة الوطنية . فذلك النوع من الأهداف الثورية يثير الرعب فى الأنظمة النفطية فى الخليج أكثر مما يخيف أمريكا نفسها .

– ما توصل إليه الناس فى مصر وبلدان الربيع العربى أنه من المستحيل تحقيق الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للثورة مع تواجد السلفية الوهابية . وطالما أن أتباع السلفية الوهابية ممثلة بشقيها السياسى والجهادى منخرطون فى العمل ومتمتعون بمساندة فعالة وغطاء سياسى من دول النفط الخليجية ، وغطاء دولى وإقليمى ، فسوف يستمرون كعقبة . فالثورة فى العالم العربى قامت من أجل تغيير حياة الناس بعيدا عن البؤس والتخلف والإذلال .

– أحداث الربيع العربى وما تلاها ، أعلنت فشل ذلك المشروع الإسلامى الذى نشأ جزئيا على أرض مصر على يد سيد قطب ، وفى أفغانستان على يد عزام وبن لادن ومدرسة جلال آباد .  ذلك الفشل يشاهد بوضوح بفقدان تعاطف الناس مع الإسلاميين . وفى مصر إستغرق ذلك عام واحد فقط  .

فارال :  بعدم الحديث عن المشكلات والدروس والأخطاء ، وفى نفس الوقت القول ” نحن نريد أن نكون حركة للناس” ، فى حين أن تلك المجموعات كانت تعمل كحركة للصفوة ، ليس فقط فى علاقتها بالناس فى أوطانها الأصلية ، بل فى وقت لاحق علاقتها بطالبان وأفغانستان  .

على سبيل المثال مجموعات العرب الأفغان التى لم تبايع الملا عمر ، ولم توافق على أداء الأفغان للعبادات ، ظهر أنهم يتصرفون كصفوة وكأنهم  أفضل من الآخرين .

حامد :   بين المجموعات كان هناك إعتقاد بضرورة إظهار أنفسهم كمثاليين ولا أقل من ذلك . لقد ظنوا ، ولأنهم يدعون إلى الإسلام المثالى ، فإنهم لا بد أن يكونوا مثاليين . ذلك هدف نبيل ولكن أحدا لم يناقش فى ذلك . ينبغى ألا نخشى من الحديث عن السلبيات ، حتى تلك التى فى تاريخنا ، وبدلا عن ذلك فإن كل قديم يعتبر ثمينا كالذهب ، ومعنى ذلك ألا يتعلم أحد من التاريخ .

فارال :  كل قديم ثمين كالذهب ، هو توصيف دقيق جدا لتجربة العرب الأفغان فى أفغانستان . فالنجاج أدى إلى الغرور، والنتيجة أن كل تاريخ العرب الأفغان وعلى الأخص فى الحرب ضد السوفييت تم تغليفة بالنجاح ، ولم يتم الإلتفات إلى الأخطاء والتعلم من الدروس . نتيجة التركيز على النجاح هى عدم تعلم الدروس خاصة من أحداث مثل جاجى . فشل القاعدة تحت قيادة بن لادن جاء فى جزء منه كنتيجة لتركيزه على جاجى ، الأمر الذى أثر على تفكيره وحساباته بعد ذلك  .

حامد :  أبوعبدالله لم يعترف بالأخطاء التى حدثت فى معركة جاجى . هو وآخرين وصلوا إلى استنتاج مفاده أنه بالإمكان هزيمة قوة عظمى بواسطة قوة صغيرة فى الجبال .

بعد معركة جاجى وانسحاب السوفييت من أفغانستان فإن هذا هو ما قيل واعتقد فيه الناس بما فيهم أبوعبدالله  نفسه . لهذا السبب إعتقد أن بإمكانه هزيمة الأمريكيين فى “تورا بورا” . وبواسطة مجهوده فى تورا بورا فإن الأمريكيين سوف ينسحبون من أفغانستان منهزمين ، كما حدث للسوفييت قبلا فى جاجى  .

فارال :   لا يمكننى فهم أنه أو الآخرين فكروا بهذا الشكل ، فى الحقيقة لا أستطيع . أعرف أن الحرب المتماثلة يمكن أن تكون فعالة جدا ، ولكن الظن بأن معركة واحدة ونصر تكتيكى واحد فى خضم حرب مقاومة طويلة الأمد فى أفغانستان قد غيرت مسار الحرب هو تجاهل لعوامل كثيرة أخرى . هذا الإدعاء له قيمة دعائية كبيرة ، ولكن التاريخ أوضح أنه فى “تورا بورا” كان خطرا ، إذ تأسست عليه عمليات عسكرية فى المستقبل .

حامد  :  من الصعب فهم كيف أن الناس يأخذون مثل تلك الأفكار ثم يؤسسون عليها عملا عسكريا ، ولكنهم فعلوا . أتذكر تلك الأيام عندما أعطيت محاضرة للشباب بعد معركة جاجى . كتبت مذكرة عما يجب إدراكه من أفكار بعد المعركة ، والأخطاء التى إرتكبها الطرفان ، والدروس المستفادة وأشياء من هذا القبيل . أعطيت المحاضرة حول ذلك الموضوع ، ولكن يمكننى أن أؤكد لك أنه رغم جلوسهم هناك إلا أنهم لم يعطوا أى إنتباه ، لم يكن أحد يستمع  .

فارال :  لم يكونوا يستمعون ، أنا أفترض أن السبب هو أنهم لم يشعروا بالحاجة إلى ذلك ، لأنهم قد كسبوا المعركة . والغرور الناتج من النجاج على المستوى التكتيكى الذى يجعل الناس يظنون أنهم حققوا نجاحا استراتيجيا ـ إن ذلك يدهشنى . إن ذلك ليس وقفا على العرب الأفغان فقط ، أنه أمر شائع لدى قوى محاربة كثيرة . أخذ نصر تكتيكى والإدعاء بأنه إنتصار استراتيجى ، أو …

حامد :  أو أخذ فشل تكتيكى واعتباره خسارة استراتيجية .

فارال :   نعم ، كلا الجانبين .

حامد :   إذا  أنت تتقدم ، لا يعنى ذلك بالضرورة أنك تكسب ، فربما أنك تقع فى مصيدة . وذلك حدث فى جلال آباد عام 1989 . لقد أخذوا الأوراق التى كتبتها محذرا الآخرين من أن قواتهم تقع فى مصيدة ، فنثروها فى الهواء . وقالوا ” أنت مخطئ ، فماذا إرتكبنا نحن مـن أخطاء ؟؟. نحن نكسب ” .  وطالبان ذهبوا إلى الشمال لإنهاء قوات مسعود فى أواخر عام 2001  ولكنها أيضا كانت مصيدة  .

فارال :   أمريكا فى العراق أيضا قالت أن عملياتها العسكرية فى العراق قد أنجزت ولكنها إستمرت بعد ذلك لسنوات كثيرة . هناك أمثلة كثيرة على كلا الجانبين ، ويبدو أنها مشكلة مستشرية . مصيدة مادية ، وحتى مصيدة فكرية ، حيث تتناقض الأفكار مع ما يحدث فى الواقع على الأرض ، أنها مشكلة عامة فى النزاعات  .

حامد :  ” النجاح الكبير” الذى حققته أمريكا فى أفغانستان ، حتى لوكان نجاحاً حقا ، ربما كان مصيدة كبيرة ، فحتى لو كانت أمريكا تسيطر على العالم كله ، فإنها لا تستطيع فعل ذلك إلى الأبد .

فارال :  النجاح أو حتى شعور المرء بأنه ناجح ، بدون أن ينظر إلى الأخطاء التى إرتكبها، له تبعات كثيرة فى إتخاذ القرارات العملياتية والاستراتيجية فى أى مؤسسة . يمكنك رؤية ذلك فى القاعدة وتاريخها . لقد ناقشنا القاعدة وتسميتها بالتنظيم ذو المعارك الثلاثة الكبيرة : وهى : جاجى / جلال آباد / 11 سبتمبر . وكيف أن بن لادن إعتقد أن الأمر يستلزم فقط  ثلاث ضربات يوجها لأمريكا لإجبارها على الإنسحاب ، أو أن يجرها إلى مشكلة وهزيمة . المعركة الأولى من تلك السلسلة كانت هى الوحيدة الناجحة ، ولكنها كانت هى التى قادت إلى إتخاذ قرارات عملياتية واستراتيجية ، حتى بعد فشل المعركتين الأخريين . ويمكن رؤية ذلك فى تخطيط بن لادن لمعركة  تورابورا .

حامد  :   نعم ، لقد ظن أبوعبدالله أن ” أمريكا سوف تتلقى ثلاث ضربات وتكتمل المهمة ” . وهكذا صنع ثلاث معارك ضد أمريكا ولكن الثالثة منها أدت إلى الإجهاز عليه وعلى القاعدة ، ومحت تقريبا ثلاثة أجيال من المجاهدين ، الجيل الأول ، والثانى ، والثالث ، إنتهوا جميعا .

الضربات الثلاثة ضد الولايات المتحدة أدت إلى إنهاء الجيل الأول ، تأثيره صار ضعيفا . ومن يومها والأيدولوجية تغيرت وطريقة التفكير تغيرت ، وكذلك أسلوب القتال . الآن يقاتل الشباب فى كل مكان بطرق مختلفة . إنها حقا طريقة ” كل شئ جائز” ، ورغم أن ذلك التطور حدث بينما القاعدة قائمة ولم تنته بعد ، ولكن الآن لا شئ يتحدى ذلك الأسلوب .

السياسة أيضا ، صارت مختلفة تماما . فجوة كبيرة جدا تفصل الآن بين الشباب الجدد والقلائل الذين تبقوا من العرب الأفغان . هناك إختلافات كثيرة بينهم . هناك تدفقا جديدا وأفكارا وتوجهات جديدة . والجيل القديم لا يمكنه المشاركة بقوة أو فعالية فى أشياء مثل الثورة فى البلاد العربية ، فذلك إتجاه لم يكن ذلك الجيل القديم جزءا منه ، فهناك فجوة بينهم وبين الجيل الجديد .

الجيل القديم يشعر بالعزلة ، ومن الصعب عليهم خلق إرتباط بمجتمعاتهم لأنهم ظلوا بعيدين عنها لسنوات، وأشياء كثيرة قد تغيرت. الجيل الأقدم لديه قصص مختلفة ، وحياة مختلفة . فلا يمكنهم العيش فى المنطقة بأيدلوجيتهم القديمة ، وهم لا يفهمون الأيدلوجيات الجديدة أو سياسات الثورة  .

فارال :   لست متأكدة من أننى أوافق على أن معركة القاعدة الأخيرة قد أنهت التنظيم ، ولكنها بالتأكيد قد غيرته . أوافق على أن المعركة الثالثة قد أزالت القليل المتبقى من التنظيم الأصلى للقاعدة ، وأشك فى أنك قد توافق على أنه حتى ” القاعدة ” الأصلية قد إنتهت قبل 2001 بكثير . والقاعدة التى تواجدت بعد مغادرة أفغانستان فى أواخر 2001 ، هى منظمة مختلفة كثيرا عن تلك التى خاضت ثلاث معارك .

من منظور تحقيق الأهداف أقول بأن بن لادن فاز تكتيكيا إذا اعتبرنا معيار النصر هو تحقيق الهدف .. لماذا ؟ . هو أراد أن يجذب أمريكا إلى معركة فى أفغانستان ، وقد حقق ذلك الهدف . ولكن استراتيجيا خسر . فهدفه  من إستدراج أمريكا قد ضاع لأنه لم يستطع هزيمتها فى جبال “تورا بورا” . لقد حصل بن لادن على ما يريد ، جاءت أمريكا إلى أفغانستان ولكن ما فكر فى حدوثه بعد ذلك ، من إمكانية إنتصاره بواسطة قوة صغيرة فى “تورا بورا” ، فهذا لم يحدث . استراتيجيا خسر بإعتبار ما ظن أنه سوف يحدث وتأثير ذلك إيجابياً على القاعدة  .

حامد :  تلك الاستراتيجية الخاصة بإستدراج أمريكا إلى أفغانستان كانت متوهمة وجاءت فى وقت متأخر ، ولم تأت قبل العمليات . الحديث أن إجتذاب أمريكا إلى أفغانستان جاء بعد أن بات معلوما أن أمريكا قادمة لتحتل البلد ، الأمر بات واضحا بعد تشكيل الجبهة العالمية ثم عمليات الهجوم على السفارات ثم المدمرة كول .

شعار القاعدة المبكر كان تحرير السعودية من الأمريكيين . بدأت القاعدة عملياتها لأجل تحقيق ذلك ، عمليات أدت إلى إحتلال بلدين آخرين هما أفغانستان والعراق ، فما هى العبقرية فى ذلك ؟. فمشاكل الإحتلال وقعت فوق عاتق شعبى البلدين فى أفغانستان والعراق ، وليس القاعدة التى لا تمتلك جذورا عميقة فى أى منهما .

ينبغى أن نلاحظ أن الحرب كانت قادمة بالفعل ، فطالبان رفضوا قبول مشروع تمرير خطوط أنابيب البترول والغاز القادمة من وسط آسيا ، وأمروا بوقف زراعة الأفيون . كلا العملين أغضب الولايات المتحدة ، وأصبح واضحاً وقتها أن الحرب قادمة .

فارال  :    أكثر ما هو صادم فى تاريخ القاعدة ، من بين العرب الأفغان ، هو كيف ظن بن لادن أن هجمات 11 سبتمبر سوف تحول كل شئ إلى مصلحته . إنها لم تسحب أمريكا إلى ما ظن أنه هزيمة فى جبال ” تورا بورا” ، بل أيضا فرض الوحدة على العرب الأفغان ومجموعاتهم فى أفغانستان تحت قيادة القاعدة كان ذلك هدفا قديما ولكنه مخادع . فالوحدة بين المجموعات لم تستمر إلا قليلا ، ولم تعش بعد أن أمر الطالبان بالإنسحاب ولم ينهزم الأمريكان فى الجبال . ما غيرته هجمات القاعدة كان شعور أمريكا بالإرهاب على وجه الخصوص  .

تحت إدارة بوش الذى كان فى الحكم فى 11 سبتمبر بدأ يتعامل مع الإرهاب على أنه أكثر من مجرد تهديد استراتيجى  ، وعلى الأخص القاعدة ، التى إعتبر أنها خطر وجودى ، وهو مالم يكن كذلك بالفعل. رد الفعل هذا لم يغير شيئا إلى صالح بن لادن ، كما كان يأمل أن يحدث . كان هناك فشلا  فى الإدراك على الجانبين : الأمريكى تحت إدارة بوش ، والقاعد تحت قيادة بن لادن.

إدارة بوش أخطأت فى التعامل مع الهجوم الجماعى العنيف على أنه دليل على استعراض القوة والقدرة على التكرار . ورد الفعل كان أن عوملت القاعدة على أنها خطر وجودى بينما هى لم تكن كذلك . هل كانت تهديدا ؟ .. بالطبع . تهديدا كبيرا ؟ .. مطلقا .

11سبتمبر كان هجوما مرعبا تسبب فى قتل الآلاف مع تلفيات بالمليارات . ولكنه لم يستأصل الوجود الأمريكى .

القاعدة على الجانب الآخر ، أخطأت فى تقدير رد الفعل الأمريكى الزائد ، ومعاملة المجموعة على أنها خطر وجودى ، ودليل على هزيمة وشيكة للوطن . إنها لم تكن كذلك ، كما يتضح من الإستعراض أمريكى للقوة ، واستمرار الحرب فى أفغانستان وغيرها .

فى الحقيقة لم ينهزم أى من الجانبين بشكل كامل ، ولكن وبطرق مختلفة فشل الطرفان فى تحقيق هدفهما وتحقيق نصر كامل وهزيمة الآخر . وكلاهما أصابه الضعف فى محاولته تحقيق ذلك .

حامد :    هذه نقطة هامة للغاية . كلاهما فشل لإعتقاد كل منهما أن القوة سوف تحل المشكلة ، وأن الحرب سوف تحل المشكلة . لا يمكن حل المشكلات بالحرب فقط . لقد نصحت أبوعبدالله بذلك وقلت له ” نحن لا نستطيع أن نحل المشكلة بالحرب فقط ، الناس فى حاجه إلى تبصيرهم بالمشكلة ، يجب أن نشرحها لهم “. عندما كان أبوعبد الله يفكر فى ضرباته الثلاثه قلت له : “هذا ليس مناسبا ، البرنامج يجب أن يكون على ساحة الأمة، يجب أن نشرح المشكلة للأمة ، وما أن تدركها حتى تتوافر لنا طاقة ضخمة يمكننا بها حل المشكلة حتى بدون إطلاق النار”. ولكنه إعتمد على ضرباته الثلاث معتقدا أن ذلك سينهى المشكلة .

أمريكا على الجانب الآخر ، قامت بهجومين وسوف يحاولون القيام بالثالث ، وبعد ذلك أظنهم سينتهون . آسيا سوف تستفيد من ذلك ، فالحضارة الغربية لا تهيمن على العالم وذلك ناتج من التفكير بأن الطلقة والقوة سوف تحلان المشكلات ، ولكنها تجلب المزيد من الضعف لمن يستخدم القوة ، ومزيد من الضعف لمن يقاومون مستخدمى القوة . الإعتماد على القوة وقوة البندقية فقط تعنى فى الواقع أنك تخسر موقعك  .

فارال : لقد أبرزت نقطة هامة بالإشارة إلى أن القوة ليس مصدرها البندقية منفردة . على الرغم من فشل خطة  بن لادن لهزيمة الولايات المتحدة فى تورابورا ، فقد ظلت النظرة إلى الجهاد تهيمن عليها النزعة العسكرية والبندقية . سوف أجادل بأن ذلك كان ردة فعل على الغرب  بمعاملتة الهجمات على أنها حرب فإطلق ردود فعل عسكرية ، وذلك يعطى القاعدة أوكسجين سياسى ويعطى لابن لادن شرعية لم يكن قد حصل عليها بين المجموعات الأخرى فى أفغانستان.

بينما الحقيقة هى أن الإنتقام المسلح الذى يقوم به الغرب يلعب فى الأساس لصالح تلك المجموعات ، بحصولها على ردة الفعل التى كانت تسعى إليها . وهذا يعيدنا إلى مناقشتنا المبكرة عن الفرق بين الاستراتيجية والتكتيك . فيمكن الحصول على مكسب تكتيكى ولكن لا ضمانة للحصول على نصر استراتيجى  .

من وجهة نظرى فان الذى فشل الطرفان فى أن يتعلموه أو يبدو أنهم مصرين على تجاهله هو أن السياسة تأتى عند نقطة معينة . بالنسبة للمجموعات فذلك يعنى السياسة الخارجية مع أعدائهم أو مع هؤلاء الذين يسعون إلى تجنيدهم كجبهة تدعمهم ، أو مع هؤلاء الذين يزعمون تمثيلهم والدفاع عنهم  .

حامد  :   المجموعات العربية خسرت قضيتها الجهادية لأنهم فى كل مكان يذهبون إليه فإنهم يعتمدون على المتفجرات وقتل الناس ، بدون إعطاء إهتمام لعملية إيقاظ الأمة والنهوض بها وبناء الأساسات الصلبة والإحتياجات الضرورية لبناء دولة إسلامية .

فارال :   لاحظت أيضا إنهم عندما يذهبون الى أماكن كأجانب ، فإنهم يتعاملون مع كل مشكلة بنفس الطريقة : كمقاتلين أجانب لا يتكيفون مع العادات المحلية للمنطقة . ودائما هناك ردة فعل من السكان المحليين خاصة فى المناطق القبلية . ظهر ذلك مبكرا منذ وقت الجهاد ضد السوفييت وهو مستمر حتى الآن  .من وجهة نظرى ، يمكن تتبع الكثير من ذلك فى مدرسة جلال آباد ، رغم أن مثل تلك التصرفات تواجدت منذ وقت مبكر . ظهور تلك المدرسة ساهم فى ظهور طرق التفكير تلك التى أبعدت المجموعات عن الجمهور الذى يدعون حمايته .

بإنتشار المشكلات فى عدد من البلدان ، يبدو أن مدرسة جلال آباد قد أثرت فى تفكير الأجيال الشابة من المقاتلين . ذلك الموروث لم يقاوم ، بل إنه إنتشر أيضا منذ إنتهاء جهاد العرب فى أفغانستان . وذلك يعود فى جزء منه إلى أن الدروس لم يستفاد منها . ولم يكن هناك مبكرا حديث واضح وصريح ضد السلوك المدمر . وتأثير ذلك كان كبيرا على المشكلة التى تزايد مستوى العنف فيها حتى أصبحت تقريبا حمام دماء . موروث ” كل شئ جائز ” المأخوذ عن مدرسة جلال آباد يجعل الناس وكأنهم لا يقاتلون لأجل قضيتهم التى يعتقدون بها ، بل يقاتلون لأجل أنفسهم .

حامد  :   مدرسة جلال آباد هى الآن نمط تفكير لغالبية شباب الأجيال الجديدة ، ولمجموعات كثيرة ، والمقاتلين ، لديهم تلك الطبيعة الآن بشكل أكثر . تلك هى طريقة  تفكير مدرسة جلال آباد أى الإعتقاد فقط بالبندقية ومفهوم ” أما أن تقتل أو أن تقتل” مع الرغبة فى الشهادة .

  كان  لديهم نفس الكراهية لممارسات القبائل المحلية الموجودة فى جلال آباد آنذاك . وهذا هو نفس المنظور السلفى الذى لا يقبلون سواه ولا يقبلون سوى طريقتهم فى التفكير والتصرف . مع النظر إلى الجهاد على أنه مسألة حرب وقتل مستمرين ، بلا أى هدف سياسى لهذا العمل . ولا يدركون أن الحرب والسياسة  وجهان لعملة واحدة . إنهم لا يعرفون التاريخ وحتى لا يهتمون به ولا بعادات الناس فى المنطقة . لذا يمكننا القول بأن أحد الأسباب الرئيسية لسقوط  قضية الجهاد هى النظر إليه كعمل عسكرى بحت .

فارال :   بالنسبة إلى عسكرة الجهاد فإنى أراها نتيجة لفشل التعليم ، الذى تكلمنا عنه سابقا وأيضا فشل التدريب الذى إشتعل مع زيادة تأثير مدرسة جلال آباد .

حامد :   السبب الأكبر هوالفشل فى إنتاج القادة والجنرالات ، والفقر فى طبيعة التدريب المتاح للعرب الأفغان ، فالمعسكرات إنخرطت فى عملية التجنيد ، والدعم المالى ، وبناء الشهرة . وعندما وصلت إلى نقطة الإعداد للحرب فإن التدريب كان ضعيفاً ، كان آخر شئ يهتمون به ، لهذا لم يكن أداء المتدربين عاليا . ولأنهم لم يتدربوا جيدا فإنهم لم يفكروا جيدا .

ونتيجة لذلك فإن الكثير من المتدربين الذين تخرجوا من تلك المعسكرات ومارسوا أعمالا قتالية خارج أفغانستان ، إنتهت بتقديم الخدمة إلى أعدائهم أكثر من قضاياهم الأصلية .

القوى العظمى والنظام الدولى يحتاجون إلى تلك المجموعات ، وفى حاجة لأن يبقوا على نفس تفكيرهم وتصرفاتهم بتلك الطريقة المدمرة .  تلك المجموعات قد تسبب بعض الضرر للقوى العظمى ، ولكن الفوائد التى تعود عليها من تصرفات تلك المجموعات عظيمة جدا .

قد يقتلون بعض الأشخاص ، تكتيكيا قد يتسببون فى بعض التبعات ، ولكن على المستوى الاستراتيجى فإنها تأتى للقوى العظمى بفوائد كبيرة . تلك المجموعات تؤدى دورا أساسيا لصالح الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة .

فارال :   من الواضح أننا لا نتفق حول هذه النقطة . ولا أرى ما تراه فى تورط القوى العظمى . ولكننى أرى مشكلة فى خصخصة النزاعات المسلحة والجهاد . وهو الأمر الذى أنت فصلت فيه إلى حد ما . أظن الأكثر إنتشارا من القاعدة ومدرسة جلال آباد هى خصخصة النزاعات المسلحة وهى مشكلة كبيرة فى الغرب .

تلك مشكلة واحدة ، والمشكلة الأخرى هى التمويل الفردى للنزاعات المسلحة , فلو نظرنا إلى مشكلة القيادة فى مجموعات العرب الأفغان ، ومؤخرا المجموعات الجديدة ، لرأينا أنه منذ جلال آباد ، أى شخص يمكنه أن يصبح قائدا ويتولى السلطة سريعا جدا ، ويحصل على تمويل خاص . بالطبع المثال الأحدث والأشهر كان أبومصعب الزرقاوى فى العراق ، وأشك فى أننا قد نشاهد شيئا مماثلا فى سوريا  بالنسبة لظهور قائد ، وربما فى ليبيا أيضا .

إمدادات البنية التحتية التى تأتى من الممولين فى الخليج كانت الفيل فى الغرفة ، لدورها فى رفع كل المجموعات تقريبا . وأظن أيضا أن لها دور فى ظهور ونشر مدرسة جلال آباد وطريقتها فى التفكير . نتيجة ذلك هى عسكرة الجهاد بلا سيطرة ، وبلا مسئوليات ، لأنه غالبا صار نشاطا خاصا ، يمول ويدار بواسطة الصفوة ولأجل أهدافهم .

فيما يتعلق بتعليقك السابق عن القوى العظمى ، يمكن القول بأن نفس المشكلة موجودة على شكل شهادات التعاقد للعنف المسلح بواسطة المؤسسات الخاصة بالنيابة عن القوى العظمى . هناك عمليات فوق الحصر وهناك رؤية متزايدة بأن القوى العظمى نفسها تعمل بشكل متزايد خارج القانون الدولى كما تفعل تلك العصابات المسلحة المتعاقدة معها

حامد  :   مشروع الجهاد تمت خصخصته . ولم يعد نشاطا تمارسه الأمة ، إنه جهاد يقوده الأغنياء . قلت حتى قبل مقتل أبوعبدالله ” لا ندرى من سيأتى لاحقا ، لأن القانون أصبح هو أن أى شخص يمكنه صنع جهاده الخاص ” .  كان أبوعبدالله مخلصا ونزيها ، وضحى بكل شئ ، لهذا كان أهلا للثقة . أنا واثق أنه فى المستقبل فإن قادة آخرين لن يكونوا أمناء وجيدين مثلما كما كان بن لادن يسير فى طريقة. لأن الجهاد يجلب المال حاليا ، وصار أقرب للعمل الإرتزاقى .

أذكر منذ سنوات عديدة مضت أن صديقى “عبد العزيز علي” حذر الشباب من إتخاذ الجهاد كمهنة ، وقال ” الجهاد كمهنة يجلب الفساد”. والآن لدينا شباب فعلوا ذلك تماما ، فاتخذوا من الجهاد مهنة لهم ، ويمولهم التجار الأغنياء ، وهم يفتقدون إلى التعليم المناسب للمجاهد ، ويظنون أنهم يجاهدون لأجل قضية ، ولكنهم فى الحقيقة  يجاهدون لأجل أهدف الغير ، وينتقلون من حرب إلى حرب .

عمليا لم يتخذ أحد ، ممن قاتلوا معارك خوست فى زمانهم ، من الجهاد مهنة له ، على عكس الذين قاتلوا فى جلال آباد ، الذين تظهر آثارهم حتى الآن فى الساحات العربية والدولية .

فى خوست كانت مجموعة أبو الحارث الأردنى ، التى لم تشتبك فى أى عمليات خارج أفغانستان ، بمعنى أن تلك المجموعة لم تنخرط فى تيار السلفية الجهادية مثل مدرسة جلال آباد .

أو يظهر منهم ” قائد سلفى جهادى ” من وزن خطاب أو أزمراى فى جلال آباد ، أو فى معسكرات خلدن ودورنتا  . الإستثناء كان فى أبو مصعب الزرقاوى الذى ظهر بين مجموعة أبو الحارث فى أوائل التسعينات . ولم يكن شخصية رئيسية فى تلك المجموعة . وفى تلك الفترة كان أبو مصعب محبوبا وله سمعة طيبة . تاريخه فى العراق بعد الغزو الأمريكى معروف ، واتجاه أفكاره وقتها كان متطرفاً وهذا لم يكن موجودا فى مجموعة أبو الحارث الذى كان بعيدا عن الصراعات المذهبية أو السياسية .

وبدلا عن ذلك ركزت مجموعة أبوالحارث على الفعالية القتالية جنبا إلى جنب مع قوات حقانى ، ومعا استطاعوا فتح مدينة خوست وهى مدينة عسكرية هامة ، وهو حدث ليس له مثيل فى مسيرة الحرب الأفغانية .

فارال  :   أظن أن السر فى مجموعة أبو الحارث يكمن فى أنها غير دائمة أو إحترافية . لقد تجمعوا سويا لأجل هدف محدود ، وعندما تحقق إنتهت المجموعة . هل تظن أن الحديث عن الجهاد كمهنة كان يمكن الإستماع إليه لو كان بإمكان الشباب العودة الى أوطانهم بعد الجهاد ضد السوفييت ، أو حتى بعد حرب 2001 ؟ . الكثير من الناس لم يعودوا إلى بلادهم بعد إنتهاء الجهاد ، لأنه حسب ما فهمت ، خافوا مما سيحدث لهم لو أنهم عادوا إلى هناك . فلو كان هناك برنامج عفو بدلا عن ذلك ، هل تظن أن الكثير منهم كانوا سيعودون الى أوطانهم ، وبالتالى كان التاريخ سيتغير قليلا بعد الجهاد ضد السوفييت؟ ، هل سيعود الناس الذين تبقوا هناك ، أو الذين لا يجدون مكانا آخر يذهبون إليه ، والذين كانوا مطلوبين فى بلادهم أو يعتقدون أنهم كذلك ؟ .

حامد :   ليسوا جميعا ، ولكن كثيرون كانوا كذلك ، ولم يكونوا فقط من القاعدة . الكثيرون ظنوا أن عودتهم الى الوطن غير ممكنة ، ويريدون مكانا آخر .

فارال:  ماذا تظن عما كان سيحدث فى حال عودتهم إلى بلادهم ؟ .

حامد :  القليلون أرادوا الإقامة فى أفغانستان ، أو أرادوا الذهاب إلى جبهة آخرى . لكن الأغلبية أرادوا العودة إلى الوطن لكنهم لم يستطيعوا . أظن لو أن تلك البلدان تصرفت بشكل طبيعى معنا فى أعوام 1991 ، 1992 فإن أحداث 11سبتمبر لم تكن لتقع أبدا .

فارال :  كنت دوما أتعجب عما إذا كانوا قد قرروا البقاء والقتال لأنهم شعروا بأنهم حشروا فى الزواية ، وظنوا أن لا خيار آخر متاحاً أمامهم ، ولا يمكنهم العودة الى أوطانهم .

ذلك ليس مسوغا لممارسة العنف ، ولكننى أظن بضرورة إعتبار ذلك يحدث بالفعل ، وبالتالى ينبغى الإنتباه إليه بشدة ، لأنه ليس وقفا على موروثات العرب الأفغان فى أفغانستان .

الآن مع ما يحدث فى أعقاب الربيع العربى خاصة فى ليبيا وسوريا فهناك إمكان لتكراره مرة أخرى . إنها تظهر مثل قصة دعم مقاتلى التمرد فى سوريا ، حتى هؤلاء غير المرتبطين بتيار نموذج جلال آباد ، فيمكن أن ينقلبوا عليهم معتبرينهم أعداء .

حامد :   إنها مشكلة كبيرة ، وتضع الشباب فى موقف يائس عندما لا يمكنهم العودة إلى بلادهم .  أتذكر ذلك فى فترة الجهاد ضد السوفييت . عندما تحولنا جميعا من إعتبارنا مقاتلين لأجل الحرية إلى مجرد مجرمين . معظم هؤلاء الذين قاتلوا فى أفغانستان كانوا شبابا يعتقدون أنهم يقاتلون لأجل قضية عادلة ، وفجأة وجدوا أنفسهم مجرمين مطاردين فى كل مكان . عندها أدركوا أن الشئ الوحيد الذى يجب عمله هو الإستمرار فى القتال . ونفس الحال تكرر بعد حرب 2001 .

بالطبع هناك لوم يقع على عاتق قادة المجموعات ، مثل أبوعبدالله ، وهؤلاء الذين من مدرسة جلال آباد ، لأجل قراراتهم وما ترتب عليها ولكن الخطأ الأكبر يقع على الأمريكيين لأنهم إستغلوا الشباب ثم انقلبوا عليهم معتبرينهم مجرمين ، لأجل تحقيق برامجهم الخاصة.

فارال :   حسنا ، أنا لا أوافق هنا . على من تقع مسئولية الخطأ الأكبر . أظن أنه يقع على قادة المجموعات ، وعلى الذين نفذوا العمليات التى تقتل الأبرياء فقط ، وفعلوا ذلك طبقا لصلاحية لا يمتلكونها . ولكنك أثرت نقطة هامة عن تحويل المقاتلين من أجل الحرية إلى مجرمين ، والتى أصابت الكثير من الشباب . من وجهة نظرى فإن ذلك لا يعطى عذرا للمجموعات والأفراد الذين إرتكبوا العمليات بالقول أنهم وقعوا فى المصيدة . هؤلاء الذين نفذوا وسهلوا وقوع العنف ، يقع عليهم فى ظنى الخطأ الأكبر .

بالتأكيد ، رغما عن ذلك ، هناك خطأ تم إرتكابه فى الماضى ، والذى يبدو للأسف أنه يتكرر فى سوريا ، هذا ينبغى الإعتراف به وتصحيحه . أظن أن ما يتم التغاضى عنه ويحتاج إلى توضيح هو المصالح المبطنة للممولين الذين من أجلها تم إرسال هؤلاء الشباب للقتال ، وأن تتضح الفائدة من تمويل الشباب للذهاب من معركة إلى معركة . الكثيرون ممن مولوا الأجيال المبكرة من العرب الأفغان مازلوا منغمسين فى نشاطات تمويل . ومن وجهة نظرى ، إنهم مسئولون أكثر إزاء نشؤ ظاهرة  “بلاك ووتر الجهادية” كما أسميتها أنت. ويبدو  لى أنهم نشيطون جدا الآن ، فى أحداث ما بعد الربيع العربى واشتدادها ، فى ليبيا وسوريا  على وجه الخصوص .

حامد :    نعم ، ربما سيحاولون الإستفادة من الشباب فى سوريا ، الذين تأثروا كثيرا بمدرسة جلال آباد ، وذلك لن ينتهى بخير ، لا فى سوريا ولا فى أى مكان آخر .

ذلك أن خبرة شباب العرب الأفغان فى أفغانستان أسفرت عن نتائج مدهشة عديدة ، ولكن للأسف لم تؤسس لتأثير ثابت على الأرض . ظروف معينة دمرت النتائج الإيجابية وأيضا موروثات سيئة استمرت حتى اليوم .

الموروث السلبى كان يمكن تجنبه لو أن تاريخ العرب الأفغان قد تمت دراسته ، ولكن التجربة أثبتت أن العرب لديهم الحصانة ضد دراسة التاريخ والتعلم منه . وبدلا عن ذلك هناك ميل لقراءة التاريخ كوسيلة لتثبيت المعتقدات السلفية ، أو لدعم العمليات التى قاموا بها بالفعل .

الدروس لم يدرسها حتى الذين شاركوا فى الجهاد ، أو الناس بعد ذلك فى أى وقت . وفى النتيجة أرتكبت نفس الأخطاء كما نرى الآن فى سوريا وغيرها عبر العالم العربى ، ليس فقط من المجموعات المسلحة بل من المجموعات السلفية عموما مثل الإخوان المسلمين وآخرين.

من بين الإكتشافات المذهلة من جهاد الأفغان كان إكتشاف الشباب العرب لقدراتهم القتالية ، فلم يسبق لهم قبلا خوض حرباً كهذه ، رغم أنهم تدربوا على مستوى متواضع .

الشباب كانوا شجعاناً ، وخاطروا بجسارة وقدموا تضحيات عظيمة وحققوا بعض النتائج الممتازة فى عمليات جرت فى مواقع مثل خوست وجاجى وغيرها .

لسوء الحظ فإن نجاحاتهم لم تكن ثابتة ، فتأثرت بشدة بالسلبيات التى وقعت . أحد السلبيات التى برزت من خلال الجهاد ومازالت مستمرة حتى الآن مع ما ترتب عليها من تبعات قاسية حتى اليوم ، هو عدم تركيز الشباب على الإستفادة من تضحياتهم فى تحقيق النصر على العدو وتحقيق أهدافا سياسية . فنراهم ركزوا على رغبتهم فى الإستشهاد ودخول الجنة . وأعطوا إهتماما أقل للتدريب والاستراتيجية . واستمرت تلك النزعة فيما بعد مشكلة أفغانستان .

أنتج ذلك سلبيات كبيرة ، لأن التركيز على الشهادة كهدف من المشاركة فى القتال معناه أن المشاركة أصبحت فردية بدلا عن فائدة الجماعة أو الوطن حيث يجرى القتال لأجل التحرير . تلك الرغبة فى الشهادة وارتفاع الشعور بأن لا شئ يهم فى الحرب سوى الإنتقام أدت الى شن عمليات استشهادية ضد المدنيين . وأدت إلى إزدياد القسوة إلى حد التباهى أمام الكاميرات أثناء تنفيذ أعمال عنف بشعة .

حامد :  فى أفغانستان تعززت سيطرة السلفية الوهابية على المجموعات العربية المسلحة ، ومن وقتها تمددت وسيطرت على ساحة السلفية الجهادية حول العالم .أدى ذلك إلى تبعات مأساوية على الشعوب فى الدول التى عملت فيها تلك المجموعات ، ليس فقط فى سوريا حديثا جدا ، ولكن فى كل مكان ذهبوا إليه .

الشيشان كانت الضحية الأولى على أيدى خطاب ، من مدرسة جلال آباد ، الذى تسببت مغامرته الطائشة فى داغستان فى إعادة إحتلال الشيشان بواسطة القوات الروسية عام  1999  ـ  أفغانستان كانت هى الأخرى ضحية لزعيم سلفى جهادى هو أسامة بن لادن الذى أدت عملياته العسكرية إلى إحتلال أمريكى لأفغانستان والعراق وتدمير البلدين إضافة إلى عشرات الآلاف من القتلى وآلام لا حد لها لشعوب البلدين . العراق عانى مرة أخرى على يد قائد سلفى جهادى آخر هو أبو مصعب الزرقاوى الذى إنتقل من الجهاد ضد الأمريكيين المحتلين إلى القتال الطائفى بين السنة والشيعة ، فتحولت العراق إلى دولة فاشلة وترك أهلها فى حالة بائسة .

فى ليبيا ، قام الناس بثورة ، ولكن التدخل السلفى تسبب فى قتال داخل المجتمع مدمراً الإقتصاد معيدا الدولة إلى النزاع القبلى بما جعلها هشة أمام التدخل الخارجى . فى سوريا ، التدخل السلفى دفع الإنتباه بعيدا عن الثورة ، متسببا فى حرب طائفية أوقعت البلاد فى تدخلات إقليمية ودولية حولت سوريا إلى أنقاض دولة .

بعد الثورة فى مصر ، الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من السلفيين والجهاديين حازوا على قمة السلطة عندما فاز مرشحهم محمد مرسى برئاسة الجمهورية .ولكنهم نفروا الشعب منهم سريعا ، لأنهم أرادوا إدارة الدولة بطريقتهم السلفية ، فانتفض الناس ضدهم  وعاد العسكريون إلى السلطة . كان ذلك فى صالح أمريكا لأن مصر عادت مرة أخرى إلى خطها الاستراتيجى القديم الذى تريده أمريكا والذى إنتفض الناس ضده فى المرة الأولى . ذلك يعنى فى الحقيقة أن الإخوان المسلمين قد نفروا الناس منهم لدرجة أنهم فضلوا أن يعيدوا إلى السلطة مرة أخرى النظام الذى ثاروا عليه سابقا .

  لقد كانت أفغانستان هى التى تجمعت فيها العناصر سويا وشكلت ماكينة عمل لتيار السلفية الوهابية الجهادية ، تلك العناصر كانت :

 1 ـ غطاء دولى توفره أمريكا

2 ـ  غطاء إقليمى توفره إسرائيل 

3 ـ  غطاء سلفى وهابى يوفره علماء من السعودية ودول الخليبج .

4 ـ  شباب صغار طموحين لقيادة المجموعات .   

5 ـ  جبهات مفتوحة للقتال .

6 ـ إمدادات من المال والسلاح .  

7 ـ معسكرات تدريب .

هنا يجب ملاحظة أن توافر الغطاء السلفى الوهابى يعنى أن العاملين الأول والثانى ، أى الغطائين الدولى والإقليمى قد توفرا . لأن الغطاء السلفى الوهابى لا يمكن منحة بدون موافقة مسبقه دولية وإقليمية التى أعنى بها موافقة النظام السعودى ودول النفط الخليجية ، وأمريكا واسرائيل . وجود ذلك الغطاء يضمن تلقائيا توفر العامل السادس وهو التمويل وإمدادات السلاح كما أن العامل الرابع وهو الشباب الصغار الطموحين لا يمكن توفيرهم إلا بفتاوى علماء السلفية الوهابية التى تحرك الشباب .

 ــ    تلك فى الحقيقة هى العوامل التى أنشأت مدرسة جلال آباد فى فترة الجهاد الأفغانى والتى إنتشرت من يومها فى أنحاء العالم . مدرسة جلال آباد سمح لها بالظهور ظنا بأنها سوف تؤدى إلى إضعاف تنظيم القاعدة وكسر هيمنة أبوعبدالله على الساحة الجهادية . وأيضا لإحتواء والسيطرة على تلك الظاهرة الجديدة المعنية بقيام تشكيل دولي للسلفية الجهادية ، والتى أسموها “الجهاد الدولى” .

وقد سمعت بذلك الاصطلاح لأول مرة فى عام 1988 . فأنتابنى شعور بالقلق ليس فقط لأنه تركيب غير عادى فى الساحة السلفية ، ولكن أيضا لأنه يحمل دلالات سياسية كبيرة ، لا يهتم بها عادة هؤلاء الذين تناقلوا ذلك الإصطلاح . كنت أفكر فى أن العرب يدفعون نحو مسار لا يفيدهم ولا يناسب قضاياهم  .

كل المجموعات العربية التى وصلت الى أفغانستان من الخارج كانت ذات تكوين وطنى وانخرطت فى نشاطات خاصة بأوطانها ، ورغم أن الأيدلوجيه السلفيه تشير إلى وجود الأمة ، ولكن النشاط العملى كان يركز على ” الوطن ” . الكلام بكثرة كان عن الأمة ، بينما النشاط العملى كان وطنيا ، فيما عدا أبوعبد الله الذى منذ البداية أسس جماعته على إعتبار الأمة وليس الإعتبار الوطنى .

بالطبع لم تكن القاعدة هى التنظيم متعدد الجنسيات الوحيد على الساحة السلفية ، فالإخوان المسلمون كانوا كذلك أيضا ، ولكنهم كانوا دوليون بطريقة مختلفة . فقد كان للإخوان فروعا وطنية تجمعت فى تشكيل دولى . أما بن لادن فقد قبل الشباب من كل مكان ، لهذا كان دوليا أكثر من الإخوان المسلمين .

  الفكر السلفى تسرب إلى معظم الإخوان المسلمين كنتيجة لهروبهم من مصرو تنكيل عبد الناصر ، فوجدوا الملجأ والاستقرار فى السعودية ودول الخليج الغنية . فأصبح الإخوان أقرب عقائديا وسياسيا من الوهابية .

يدل التاريخ على أن الخبرة السياسية لدى الاخوان المسلمين كانت أكثر نضجا بكثير إذا قورنت بمثيلتها لدى مجموعات السلفية الجهادية المعتمدة غالبا على شباب قليل الخبرة عظيم الحماسة .

ولكن السلفيون الجهاديون فى جهاد أفغانستان ربحوا سباق إجتذاب الشباب ، وذلك يرجع إلى طبيعتهم الحماسية ، وأن مجموعاتهم مليئة بالأفراد المتحمسين والمحرضين ، الذين يعرضون عليهم الحركة بينما الإخوان يعرضون عليهم القيود فقط  .

الحركات السلفية الجهادية إستقطبت عددا أكبر من المتطوعين الشباب المستعدين للمخاطرة والسعداء بالتنقل من جبهة قتال إلى أخرى ، ولديهم وقت قليل للتعلم والتأمل ، خاصة فى السياسة فكانوا متقلبى المزاج ، ويفعلون ما يعتقدون لحظيا أنه الصواب . كانوا لا ينظرون إلى الأمام أو إلى الخلف لأخذ الدروس قبل النظر فيما يمكن عمله .

خلال الحرب الأفغانية مع السوفييت ، نجحت بعض الحركات السلفية الجهادية فى الإمتداد إلى منطقة الخليج فوجدت مصادر تمويل من دول النفط . واقترب السلفيون من الوهابيون وضاقت الفجوة بينهم ، كما فعل الإخوان المسلمون سابقا فى تلك المناطق .

ولكن رغم تقاربهم فى بعض المساحات إلا أن التنافس ظل مشتعلا بين الإخوان من جانب والمجموعات السلفية الجهادية من جانب آخر . وهو التنافس الذى فاز فيه الجهاديون .

تلك المنظمات إمتلأت بالشباب الذين يقاومون أى تقييدات . كانت شخصياتهم تتميز بالحركية والخشونة. لم يستطع الأخوان ردم الهوة مع هؤلاء نظرا لإفتقار الإخوان إلى كوادر شبابية يمكنها لعب دور قيادى فى منظمات الجهادية السلفية .

بين الشباب الجهاديين كان هناك قول شهير هو ” إن جماعة الاخوان المسلمين هى ثلاجة للشباب”  ويقصدون بذلك أنها معتقل كبير للقوة ومبرد للطاقات . كانو يظنون أن قادة الإخوان جامدون ومعرقلون. وما قالوه كان صحيحا . فالإخوان المسلمون لم يكونوا فقط  يفتقدون القيادات الشابة ، ولكن كيف يمكنهم قيادة جماعة تريد أن تقاتل بينما هم أصلا ضد هذا القتال . ليس لأنهم فى الأساس ضد القتال ولكن لأنه ضد مصالحهم السياسية .

الشباب كانوا يعلمون ذلك ، لذلك كان الإخوان يخسرون السباق مع السلفية الجهادية فى أوقات الأزمات المسلحة ، كما حدث فى أفغانستان وقت الجهاد منذ السوفييت ، وكما يحدث الآن فى سوريا حيث نشاهد الحالة الأفغانية تتكرر هناك . من المدهش أن نرى القاعدة الآن أصبحت فى سورية تشبه إلى حد ما الإخوان المسلمين خلال الأزمة الأفغانية . بهذا أقصد أن الشباب رأوها معرقلة فاتجهوا صوب مدرسة جلال آباد ومجموعاتها . بالطبع الموقف ليس متطابقا ولكن مازال هناك تماثلا فى الموقف الذى تجد القاعدة نفسها فيه ، بعد أن ربحت السباق مع الإخوان المسلمين منذ سنوات طويلة مضت . لكنها أصبحت الآن أكثر تقدما فى السن وأكثر إعتدالا أو “محافظة ” ، وتفقد الشباب لصالح مجموعات تفتقت عنها الأزمة وهى أكثر شبابية وأصولية ومنفلتة عن السيطرة . فى سوريا أيضا وكما كانت أفغانستان ، سيطر السلفيون الجهاديون على الميدان والقتال ، بينما الإخوان يتحكمون فى الأموال ومعظم الإعلام .

خلال جهاد أفغانستان كان الإخوان مسيطرون على العمل الإغاثى القادم إلى الأفغان والتسهيلات المقدمة للمتطوعين القادمين للقتال فى الجبهات الأفغانية ، فساند الإخوان عزام فى بيشاور بالمال والدعاية لإظهار أنه يعمل لحسابهم .

وقد كان عزام عضوا قديما فى تنظيم الإخوان المسلمين ولكنه إستقال إحتجاجا على موقفهم فى قضية فلسطين التى تركوها لصالح المنظمات العلمانية . ولكنه إستمر فى إظهار الولاء لفكر الجماعة بدون إخفاء إنتقاداته لها فى نفس الوقت .

أعلن عزام عن نفسه كسلفى حقيقى عندما أعلن عن كراهيته للشيعة وساند قبائل السنة فى شمال غرب باكستان فى القتال الطائفى ضد قبائل الشيعة هناك . وألقى خطابات فى هذا الخصوص ، موجودة فى كتبة التى طبعها مريدوه . كما سمح لمتطوعين عرب من معسكر صدى  بالإنضمام إلى السنة ضد الشيعة فى ذلك القتال .

يمكن القول  بأن عزام كان له نفوذ كبير على الإتجاه الجهادى السلفى على الرغم أن ذلك الإتجاه لم يأخذ من عزام الميل إلى فلسطين . كان عزام وحيدا فى قوله بضروره نقل خبرة العرب الأفغان إلى فلسطين ، وهو ماحاول فعله عبر معسكره فى منطقة صدى . المنظمات السلفية الجهادية رأت أن ذلك الهدف غير ممكن بغير المرور أولا بالعواصم العربية وتبديل الأنظمة هناك بحكم إسلامى . طريقة تفكير عزام كانت هى الأكثر سيطرة بين العرب إلى أن ظهر بن لادن والقاعدة فأخذ نفوذ عزام يخفت. وضعف أكثر بعد إنسحاب السوفييت من أفغانستان وتشكيل أحزاب الأفغان المجاهدين لحكومتهم الانتقالية الثانية فى بدايات 1989 الذى دعمها عزام ، ولكنها لم توافق رؤية السلفيين الجهاديين . عزام دعم تلك الحكومة لأن سياف ـ رئيس الإخوان المسلمين فى أفغانستان كان رئيسا للوزراء . رأى السلفيون العرب فى بيشاور أن عزام مسئول عن الإحباط الذى أصاب أمال المجاهدين العرب .

نفوذ عزام أيضا ضعف بسبب فشل مكتب الخدمات الذى يديره فى توجيه المساعدات إلى جبهات القتال الأفغانية وإنفاقه الزائد فى مناطق خاطئة . ذلك كان من الأسباب الرئيسية فى ظهور بن لادن ، الذى أخذ الأمور بيديه لأجل دعم الأفغان المجاهدين ، ولتنظيم قتال العرب فى أفغانستان بدون المرور على إدارات الإخوان المسلمين فى بيشاور ، أو الأحزاب الافغانية المختلفة هناك  ، بدأ فى بناء قاعدة له فى جبال جاجى داخل أفغانستان .

وبعد معركة جاجى تحول بن لادن من محاولة بناء قوة عربية مقاتلة فى أفغانستان إلى بناء قوة تقاتل فى كل مكان ، تلك القوة كانت هى القاعدة .

نظرة إلى الخلف إلى ما كان يجرى فى بيشاور أثناء ظهور الكثير من الجماعات السلفية الجهادية ، بما فيها القاعدة ، نجد أنها بلا شك كانت نوعا من الثورة على إبتعاد الإخوان المسلمين عن المعركة فالإخوان المسلمين دعوا الناس إلى الجهاد فى سبيل الله وجذبوا الشباب من أنحاء العالم ، ولكنهم لم يسمحوا لشبابهم بالقتال . والسبب كان خشية الجماعة من إثارة خوف الحكومات ، التى قد تظن أن الجماعة بصدد التجهيزات لعمل عسكرى للوصول إلى السلطة . وذلك ترك الساحة مفتوحة تماما لثورة الشباب وظهور التنظيمات السلفية الجهادية بما فيها القاعدة .

عانت القاعدة فيما بعد من ثورة مماثلة فقد ركز بن لادن على بناء جماعة للقتال فى كل مكان . بما يعنى عمليا أنه بعد معركة جاجى فإن القاعدة تركت المشاركة المباشرة فى المعارك إلى مجرد التدريب  .

معركة جلال آباد كانت إستثناء ، حيث شارك فيها بن لادن بكامل قوته ، متبوعاً بكل مجتمع العرب الأفغان تقريبا . بعد فشل المعركة ، إنسحب ليركز على التدريب والإستعداد للقتال فى كل مكان ، رغم أنه لم يوضح علنا ، الجهة التى ينتوى التوجه إليها . فى الواقع فإن غموض أهداف بن لادن والقاعدة أضعف قدرتهم التنافسية ضد الجماعات السلفيه الجهادية الوطنية ، التى أوضحت جميعا مناطق إهتمامها ، وضد المنظمات الأخرى المنافسة التى ظهرت حول جلال آباد . القاعدة كانت قد ضعفت جدا خلال تلك الفترة ، فمعظم الأعضاء غادروا التنظيم وانضموا إلى تنظيمات وطنية للسلفيات الجهادية .

كان للقاعدة أكبر معسكرات للتدريب داخل أفغانستان ، سواء فى وقت الجهاد أو فى عهد طالبان  لقد كانت مفتوحة فى مجال التدريب ، ورغم أن ذلك زاد من شعبيتها إلا أنها إفتقدت إلى جبهات قتالية خاصة بها . بعد إنسحابها من جلال آباد لم يعد للقاعدة أى جبهة قتال . وفى وقت طالبان لم يكن لها جبهة خاضعة لسيطرتها الكاملة كما كان الحال فى جاجى أو جلال آباد . ذلك الحال أضعف القاعدة لأن المنظمة التى تمتلك معسكرا للتدريب وجبهة القتال يتوجه إليها أكبر عدد من الأعضاء الجدد والمتبرعين .

جوبهت القاعدة بمنافسة قوية من المجموعات الجهادية الأخرى التى لديها المعسكرات والجبهات، خاصة هؤلاء القادمون الجدد فى جلال آباد ، ومن بينهم منظمات وطنية كثيرة .

واجهت القاعدة منافسة قاسية من خطاب الذى إفتتح لنفسه جبهة فى طاجيكستان وبعد ذلك فى الشيشان ، بينما القاعدة مشغولة فى السودان تمد الطرق وتزرع الأرض .

القاعدة لم تشارك فى حرب البوسنة ، بينما الجماعة الاسلامية المصرية شاركت هناك بكثافة . وتنظيم الجهاد المصرى شارك فى الشيشان  ، بينما القاعدة لم تشارك ، باستثناء بعض الأفراد الذين ذهبوا من تلقاء أنفسهم ، تماما كما فعل شباب الإخوان المسلمين فى أفغانستان فى ثمانيات القرن الماضى .

تلك الجبهات ، والمجموعات الأخرى التى ظهرت بقوة من جلال آباد أصبحوا منافسين للقاعدة .

وتميزوا بالحركية العالية ، والسن الصغير لأكثر القيادات ، والقرارات الطموحة والترحيب بالقتال. على النقيض من ذلك فإن القاعدة فى ذلك الوقت وقعت فريسة لجمود القياده تحت سلطة رجل واحد ، وليس لديها جبهة قتال فى أفغانستان أو أى مكان آخر . المجموعات الجديدة فى جلال آباد وخوست أصبحت أكثر شهرة لأنهم إنخرطوا فى القتال داخل أفغانستان ، وبعد ذلك فى أماكن أخرى .

لم تكن مدرسة جلال آباد فقط هى التى إجتذبت الشباب بعيداً عن القاعدة . كان هناك أبو الحارث الأردنى ، فمدرسته كانت هى الأهم من حيث المساهمة المباشرة فى الحرب الأفغانية ، ولكنها الأقل نفوذا داخل الساحة السلفيه الجهادية . لم يكن لدى مدرسة أبوالحارث معسكرا للتدريب خاصاً بها ، بل إعتمد أبو الحارث على معسكر صدى ومعسكر خلدن ، والمتطوعون غير المدربين كانوا لا يقبلون عنده . وفى هذين المعسكرين كان التدرب ممكنا بدون الوقوع تحت تأثير أى منظمة .

حصل أبو الحارث على جبهة مفتوحة مع سمعة ممتازة بين الشباب نتيجة النشاط القتالى . لم يكن لدى تلك المجموعة موقف أيدولوجى خاص بها ، ولا موقف سياسى أيضا ، فيما عدا تحرير أفغانستان إلى أن ينسحب السوفييت ، آخذين موقفا مساندا للأفغان ، وهو مافعله أبو الحارث بإمتياز ، خاصة بعمله مع حقانى .

وذلك هو السبب الأهم وراء نهاية جماعة أبو الحارث مع إنتهاء الحرب مع السوفييت ، فلم يكن هناك هدف لما بعد إنسحاب السوفييت . لم يربط أبو الحارث مجموعته  بأى برنامج مستقبلى أو دور خارج أفغانستان . المجاهدون السلفيون إعتبروا ذلك نقيصة وعجز فى أسلوب أبو الحارث . فى الحقيقة أحد مساعدى أبوالحارث متأثرا بتلك الرؤية السلفية نفذ إنقلابا داخليا من أجل الإستمرار فى القتال ، واصطف إلى جانب حكمتيار وخاض معه الحرب الأهلية حول كابول ولكنه قتل أثناء ذلك وتفرقت المجموعة .

لم يكن أبوالحارث محباً للسياسة وكل ما يحيط بها من موضوعات ، وركز فقط على تحرير أفغانستان . ولم يكن يحب الأحزاب الأفغانية باستثناء يونس خالص . ولم يكن يثق بالجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين مع أن والده كان أحد قيادات تلك الجماعات فى الأردن.  كانت جماعة أبوالحارث نشطة فى بعض أهم المعارك فى حرب أفغانستان والتى قررت مصير النظام الشيوعى فى كابول . لهذا كان لها نفوذ عظيم ولكنه محدود جغرافيا . أهم الأسماء التى إرتبطت بمجموعة أبوالحارث كان أبومصعب الزرقاوى ، ورغم أنه جاء إلى الحرب متأخرا ولم يكن عضوا رئيسيا ، وبعد ذلك تأثر بمدرسة جلال آباد تأثرا سلبياً للغاية .

يمكننا إستنتاج أن مدرسة جلال آباد كانت أهم مدارس العرب الأفغان . إنها طريقة عمل وموقف عقائدى أصبحا الأكثر شيوعا بين حركات السلفية الجهادية حول العالم . كثيرون ممن ذهبوا إلى جلال آباد لإنشاء معسكرات تدريبهم الخاصة كان قد سبق لهم التدريب فى معسكرات بن لادن  أو عزام والآن ذهبوا لإنشاء معسكراتهم وجبهاتهم القتالية فى جلال آباد بالتعاون مع مجموعات أفغانية وبتمويل ودعم دينى قادم من الخليج .

من بين أسماء مدرسة جلال آباد كان أسامة أزمراى الذى تلقى تشجيعا من سياف من أجل إنشاء مجموعة فى ذلك الإقليم . كان أزمراى سعوديا ، ومجموعته كانت من بين المجموعات الأولى التى أنخرطت فى عمليات مباشرة ضد الولايات المتحدة بعد إنتهاء الحرب فى أفغانستان . أحد المؤسسين لمدرسة جلال آباد وأكبر رموز المدرسة كان خطاب . وكان هو الآخر سعوديا ، بعد أفغانستان إنتقل إلى العمل فى طاجيكستان ثم الشيشان ، وحصل على شهرة واسعة جدا . عبد الهادى العراقى كان جزءا من مدرسة جلال آباد وتدرب هناك فى معسكر أنشأه العراقيون من تنظيم الإخوان المسلمين بعد عام 1990 . ومن تلك المدرسة كان رمزى يوسف وخالد الشيخ محمد وكلاهما حاز شهرة واسعة نتيجة عملياتهما ضد مركز التجارة العالمية فى أمريكا . رواد مدرسة جلال آباد هاجموا أمريكا وخططوا لعمليات 11سبتمبر مع بن لادن . الكتلة الأساسية من التخطيط ومعظم العمل جاء من تلك المدرسة ، ودورالقاعدة جاء متأخرا فى مجال التمويل والتدريب .

وبهذه الطريقة فإن عملية 11سبتمبر يمكن إعتبارها إختراقا للقاعدة من جانب مدرسة جلال آباد ، وتثبت تلك العملية مدى تأثير تلك المدرسة فى المجال الدولى وأنه أكبر بمراحل من تأثير القاعدة .

أبو زبيدة وابن الشيخ الليبى الذان أدارا معسكر خلدن ، كانا جزءا من تلك المدرسة . حصل معسكر خلدن على شهرته عندما تعذر وصول المتدربين إلى جلال آباد بعد أن ضيقت باكستان على مرورهم فى أعقاب مصرع موظف فى الأمم المتحدة ، على يد متدرب فى أحد تلك المعسكرات . فتحول المتدربون إلى معسكر خلدن بدلا عن معسكرات جلال آباد . وهناك تدرب كوادر من منظمات السلفية الجهادية من الجزائر والشيشان والبوسنة . بذل المعسكر مجهودا ضخما فى تلقين الأفكار الواردة فى كتابات الدكتور فضل ” سيد إمام” زعيم تنظيم الجهاد المصرى .

التيار الفكرى فى خلدن كان أكثر تطرفا من القاعدة ومن باقى الجماعات . وكان أقرب إلى السلفية الوهابية . فقد عمل خلدن تحت غطاء ومباركة علماء الوهابية ، الذين حظى العرب الأفغان مباركتهم أثناء الجهاد ضد السوفييت ، كما حظيت بها أيضا مدرسة جلال آباد . وأعطى هؤلاء العلماء مباركتهم للجهاد فى الشيشان والبوسنة فى أوائل التسعينات . ولكنهم لم يمنحوا ذلك التأييد للجهاد ضد الغزو الأمريكى لأفغانستان . هؤلاء العلماء يباركون الآن العمليات فى سوريا للسلفيين الجهاديين فى حربهم الطائفية . ومن قبلها عمليات العراق لنفس المجموعات عندما تحولت من القتال ضد الامريكيين إلى القتال ضد الشيعة .

على وجه العموم ، علماء السلفية الوهابية والتنظيمات التى يباركونها ، عملهم  موجهه للقتال على أسس دينية خالصة ضد غير المسلمين ، ثم القتال على أسس طائفية خالصة ضد الشيعة أوالصوفية . وصم الناس بالكفر خطوة ضرورية لتلك التنظيمات من أجل الحصول على مباركة شرعية من علماء الوهابية عندما يبدأ القتال ضد الفئة المستهدفة .

الدولة الإسلامية فى مفهومهم هى تلك التى يجب أن تحارب تأثير الإلحاد . والأعداء الأكثر أهمية بالنسبة لهم هم الصوفية والشيعة الذين ينبغى محاربتهم بشكل دائم . تلك الدولة التى هى فى حالة حرب دائمة تؤدى إلى الضعف وتستدعى التدخل الخارجى وذلك فى مصلحة أمريكا .

التصور الوهابى للدولة الإسلامية يخلو من أى سياق محلى سياسى أو إجتماعى . والنتيجة كانت أن المجموعات التى حاولت أن تقيم دولا أسلامية على هذا المنوال لم يستطيعوا الحصول على تأييد الشعوب فى تلك البلدان التى يعيشون فيها ، أو البلدان التى يقاتلون فيها ، لأن الناس لا تبالى بالتركيز فقط على الشريعة وقتال الأعداء ، إنهم يهتمون أكثر بالحصول على الطعام ، وأن يكونوا أحرارا ، يعيشون بكرامة فى ظل عدالة اجتماعية وأمان . إن للناس  إحتياجات عاجلة ، وهكذا تكون أولوياتهم مختلفة ، وكذلك تختلف نظرتهم إلى الهدف من الجهاد وإلى تصور الإسلام للدولة ، وحتى فهمهم للشريعة يختلف .

إستعداد السلفيين الجهاديين لقتل الناس فى تلك البلدان بدعوى إنتهاكهم للشريعة أو للإنكار عليهم فى شعائر أو ممارسات يعتبرها الناس معتقدات دينية أساسية ، يجعل الناس ينقلبون على تلك المجموعات . السلفيون الجهاديون متصلبون فى تلك النقاط ، إنهم لا يقبلون أو حتى لا يحاولون إدراك أن هناك ظروفا تمنع الناس من الحصول على فهم أفضل .

لأن السلفين الجهاديين يركزون على إهتماماتهم تلك ، فإنهم بسهولة يغيرون المسار نحو معارك ضد الناس أصحاب الأرض لعقابهم ، فتحدث الكوارث . حدث ذلك فى أفغانستان والشيشان والعراق . وفى الحقيقة فى كل بلد عملت فيه تلك المجموعات . حتى عندما عادوا إلى بلدانهم الأصلية التى حدثت بها ثورات شعبية ، لم تستطع تلك المجموعات قبول مطالب الناس الذين قاموا بالثورة ، لأنها لا تتوافق مع الأولويات السلفية الوهابية . والنتيجة هى أن تلك الجماعات لا تخسر فقط فى ميادين المعارك بل تخسر أيضا فى الشوارع العربية .

الإنتفاضات الشعبية فى الدول العربية أظهرت حقيقة مدهشة ، وهى أن لدى الناس القدرة على تغيير النظام بالحد الأدنى فى الخسائر والحد الأدنى من العنف ، وأن يعبروا عن مطالبهم الأساسية بوضوح . وذلك وضع علامة سؤال حول إدعاءات الجماعات السرية وأساليبهم التى تفرض عليهم العزلة عن الناس وعن “الجاهلية” كما وصفها سيد قطب . الربيع العربى وضع أساليب القاعدة فى موضع الإستفهام ، وكذلك إدعائها بأن التغيير السياسى يمكن تحقيقة فى العالم العربى بواسطة تفجيرات ضد أمريكا تقوم بها صفوة عسكرية منظمة .

فى مصر شارك فى الثورة بعض المجموعات السلفية مثل الإخوان المسلمين أو “السلفية السياسية ” ، وحتى بعض السلفيين الجهاديين . ولم تحدث تلك المشاركة إلا بعد تردد طويل ، وفجأة قفزوا إلى الصفوف الأولى وشكلوا أحزابا سلفية سياسية ، أو شكلوا تحالفا على قاعدة المقاولة من الباطن مع الإخوان المسلمين الذين حصلوا على موافقة أمريكية من أجل :

  1 ـ الوصول إلى الحكم .

  2 ـ  تكوين تحالف مع المجموعات التى صنفتها أمريكا سابقا على أنها إرهابية . قطر والسعودية  ساندتا ذلك الإتفاق ، وفتحتا خطوط التمويل بالدولارات النفطية .

وفى المقابل أعطى قادة التحالف الإخوانى السلفى تعهدات لأمريكا وإسرائيل وللبنوك الدولية بأنهم سيمنعون أى ثورة حقيقية تطالب بالعدالة الإجتماعية ، بمعنى عدالة توزيع الثروة الوطنية . فذلك النوع من الأهداف الثورية يثير الرعب فى الأنظمة النفطية فى الخليج أكثر مما يخيف أمريكا نفسها .

الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من السلفيين الجهاديين عبروا عن تلك الضمانات عبر سياسات وأقوال وأفعال عدوانية ، وباستخدام الفتاوى الدينية ضد أى شخص يحاول تحقيق الأهداف الحقيقية للعدالة الإجتماعية . فحولوا أى مشكلة سياسية إلى مشكلة دينية محاولين فرض أولوياتهم ورؤيتهم للدولة على الناس الثائرين .

بعد أن جاء الإخوان المسلمون إلى السلطة وجد الناس أن لا فرق كبير حدث فى أحوالهم التى واصلت الإنحدار . فى نفس الوقت فإن الإخوان المسلمين وحلفاءهم أقنعوا أنفسهم أنه بالصياح و بالشعارات الدينية  سيجعلون الناس ينسون إحتياجاتهم وبؤس حياتهم وأحولهم المتدهورة ، ولكن ذلك لم يحدث . فعندما تأكد الناس مما يجرى ، ولماذا لم تتحسن أحوالهم ، إنقلبوا عليهم  . ومع تزايد الإشتباكات الداخلية ظهرت مشكلات جديدة .

الإخوان المسلمون ، والسلفيون ، والسلفيون الجهاديون ، ذلك التحالف تسبب فى حدوث توترات جديدة بفعل رؤيتهم الدينية . فوقعت أحداث عنف ضد غير المسلمين ، والعلمانيين أضيفوا الى قائمة الملحدين ، ثم استداروا لمواجهة الشيعة والصوفيين .

ما توصل إليه الناس فى مصر وبلدان الربيع العربى أنه من المستحيل تحقيق الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للثورة مع تواجد السلفية الوهابية . وطالما أن أتباع السلفية الوهابية ممثلة بشقيها السياسى والجهادى منخرطون فى العمل ومتمتعون بمساندة فعالة وغطاء سياسى من دول النفط الخليجية ، وغطاء دولى وإقليمى ، فسوف يستمرون كعقبة . الثورة فى العالم العربى قامت من أجل تغيير حياة الناس بعيدا عن البؤس والتخلف والإذلال .

وبشكل قطعى فإن الشعوب العربية لن تتقدم بينما السلفية الوهابية تشكل عقبة أساسية تمنع وصول الشعوب إلى حقوقها الإنسانية الفطرية ، كما وصفتها الشعارات الأولى للثورة ضد نظام مبارك المدعوم من أمريكا وإسرائيل ، هذا الشعار هو ” عيش ، حرية ، عدالة إجتماعية ، وكرامة إنسانية ” .

بهذه الطريقة فإن أحداث الربيع العربى وما تلاها أعلنت فشل ذلك المشروع الإسلامى الذى نشأ جزئيا على أرض مصر على يد سيد قطب ، وفى أفغانستان على يد عزام وبن لادن ومدرسة جلال آباد .  ذلك الفشل يشاهد بوضوح بفقدان تعاطف الناس مع الإسلاميين . وفى مصر إستغرق ذلك عام واحد فقط  .

 

بقلم :      

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




العرب : رقم عسكري وصفر سياسي

مافا السياسي __ Red
بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world
 لم تخل جعبة الشعب الأفغاني من المكاسب السياسية بعد أربعة عشر عاماً من قتاله ضد الشيوعية , وإن كان يعيش الآن بلا حكومة في دولة مهددة بالتمزق , وفي ظل حرب أهلية تدمرالعاصمة وتحصد  أرواح الآلاف ولكنه على الأقل  يعيش الآن بلا  نظام  شيوعي. كشعب حرومحتفظ بإسلامه .. ويشعر بالعزة والفخر لكونه حقق إنجازاً غير مسبوق في تاريخالعالم المعاصر .
ولكن ما هو الحال بالنسبة للعرب الذين شاركوا في جهادأفغانستان ؟
لقد شارك مسلمون من شتى بقاع الأرض في الحالة الجهادية الأفغانيةوأثروا فيها وتأثروا بها , ولكن المشاركة العربية اكتسبت طابعاً خاصاً .. وقيمة مخالفة لكافة المشاركات الأخرى حتى أنها- في لحظات محدودة – خطفت الأبصار فعلاً حتىعن الدور الجهادي الأفغاني نفسه .
لقد عاد العرب في أفغانستان إلي السلاحفي ساحات الصراع العسكري العنيف وتحت راية الجهاد وهتافات ” الله أكبر ”  . وقدأحيا ذلك الالتحام ذكريات الصدر الأول والريادة العربية للإسلام , دعوة وجهاداً , وكان الأفغان في شوق لهذا الدور .. ولم يكن العرب أقل شوقاً .. ولكنهم كانوا أبعدما يمكن عن القدرة على ممارسته بالشكل اللائق , ومع ذلك كان دوراً تاريخياً مشرقاً .. على وجه العموم .

افتقد العرب في أفغانستان إلي ما يفتقده الأفغانأنفسهم من مقومات العمل الجهادي الناجح .. افتقدوا القيادة وافتقدوا التنظم . وظهروا في ذلك الجانب في صورة أشد تخلفاً عن صورتهم في حرب فلسطين , فلم تشهدأفغانستان حسن البنا ولا شهدت الإخوان المسلمين .
وخسر بذلك التواجد العربي والجهاد الأفغاني عنصراً ذو قيمة إستراتيجية فائقة  ., وكان ذلك بالتحديد جزء منصفقة إخوان العصر الحالي ” الدوليون ” مع الأنظمة المحلية في مصر وباكستان وجزءمن الاتفاق الضمني مع الولايات المتحدة ,لقد قالها الإخوان المعاصرون صراحة : وداعاً للسلاح .
لقد جاهد الإخوان المعاصرون بتوزيع الأحذية والبطانيات علىالأفغان وتركوا خنادق القتال لغيرهم .. لقد مارسوا دور ( الخدمات الثابتة ) الذييؤخذ إليه المعاقون والعاجزون عن القتال والمشكوك في ولائهم في الجيوش النظامية .. وكل هذا إرضاءً للحكومات العميلة .. ( إذا وافقت الحكومة إننا نقاتل يبقى نقاتل!!! (..
كما قال كبيرهم عند زيارته اليتيمة لبيشاور .
رحم الله حسن البنا فقدقرعت أجراس الكنائس احتفالا بقتله لأنه أخذ مبادئه معه إلى القبر
لقدتعمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب والباكستانيون إغراق الجهاد الأفغاني فيدوامة عاتية من الفوضى . واهتموا بشكل خاص بإغراق التواجد العربي في نفس المستنقعوحرصوا على :
ألا يستفيد العرب عسكرياً, ألا يستفيد العرب تنظيماً, ألا يفهمالعرب أبعاد الصراع سياسياً,  ألا يكون دور المجاهدين العرب مؤثراً فى نتائجالقتال.. وإن ظهر لهم دور مؤثر فى بعض الأحيان فيجب طمس هذا الدور والتعتيم عليه. وللأسف كان القادة الأفغان مشاركين فى هذه المؤامرة.
وظل التدريب العسكري شبهمحظور على العرب المجاهدين لعدة سنوات, ثم بدأ رمزياً لسنوات أخرى – ثم اتخذ شيئاًمن الجدية في العامين الأخيرين.
أما تنظيمياً فقد شكلت أجهزت المخابراتالعربية, خاصة السعودية , أوعيه العمل العربي ووسائله وأشخاصه ومؤسساته . ثم وجهتهفي دهاليز مجدبة عقيمة , لا تفيد المجاهدين لا عرباُ ولا أفغاناًُ.
من الناحيةالفكرية لم تشهد حركة مماثلة في العالم حالة من الإجداب الفكري كما شهده الجهادالأفغاني. فلم يصدر كتاب واحد ذو قيمة إبداعية في أي منحى. وذلك بالنسبة للأفغان والعرب على حد سواء . كما شمل ذلك الجانب العسكري أيضاً . فلم تظهر كتابات عسكريةذات قيمه طوال هذه الحرب رغم مئات المعارك الهامة.
و رغم تلك الإحتياطات استطاعالتواجد العربي في أفغانستان أن يخترق طوق الحصار المفروض حوله.. ولو جزئياًفاستطاع بعضهم أن يتعلموا الكثير بمجهوداتهم الفردية, وشاركوا جماعياُ فى معارككانوا فيها نجوماُ لامعة واستطاعوا – بدون أن يدركوا ذلك – أن يفسدوا بعض المخططاتالدولية التي تآمرت في ساحات القتال.
1 –
فقد لعبوا دور البطولة المطلقة فيمعركة جاجى 1987م التي كانت المعركة التي اصطدم فيها العرب مع الروس مباشرة لأولوآخر مرة.
2-
وكانوا العنصر الأهم فى معارك جلال آباد منذ أن اندلعت في مارس 1989م وحتى فتح كابول في إبريل 1992م وأفسد ذلك التواجد – بدون أن يدروا – المخططالمرسوم لتلك المعركة , التي كان من المفروض أن تكون هزيمة عسكرية يعقبها انهيارسياسي تواطأت فيه قيادات الأحزاب الجهادية في بيشاور مع أجهزة مخابرات دوليةوإقليمية . لقد منع العرب فى جلال آباد أن يتحول الموقف إلى كارثة مدوية.
3 –
وشارك التواجد العربي بجدارة في معارك خوست قبل وبعد فتح المدينة في مارس 1991 ثممعارك جارديز التي تلتها في أكتوبر من نفس العام.
هذه أبرز المشاركات العربيةعسكرياً حيث قاتلوا بأعداد كبيرة نسبياً  .وأثبتوا حضوراً بارزاً فى الميدانالقتالي . مع هذا فقد قاتل العرب إما فرادى أو في مجموعات صغيرة في كل أنحاءأفغانستان تقريباً. وفقد الشباب العربي ما يقارب الخمسمائة شهيد طويل سنواتمشاركتهم الجهادية في أفغانستان.
*
كما أن تسمية الجهاد الذي تم في أفغانستانباسم (الجهاد الأفغاني) كان وسيلة أمريكية ناجحة للحديث عن جرائم الشيوعية, ومآسىالشعب الأفغاني, ودور الأمم المتحدة وأمريكا في مساعدته, ولإبرازهم فرسان بيشاوروصناديدها من قادة الأحزاب الأفغانية, وفى نفس الوقت إخفاء البطولات القتالية, التيأظهرها المجاهدون العرب أفراداً ومجموعات, ودورهم الكبير جداً في الحفاظ على الروحالمعنوية للأفغان أنفسهم الذين أهتزت معنوياتهم كثيراً لما رأوه من فساد أهلبيشاور, والمتاجرة بدماء المقاتلين. إن هذه الأمور لم يسمع بها أحد ولم يعرفها إلاالذين عانوها بأنفسهم فقط.
ويأتى السؤال .. وماذا كسب العرب سياسياً منمشاركتهم القتالية:
والجواب: لا شئ بل أنهم خسروا.. وما زالوا.
وفى لحظةفتح كابول أدرك المجاهدون العرب أنهم هزموا سياسياً, فالهدف الذي جاءوا لأجله قدتبخر مثل السراب.
لقد حضروا لإقامة دولة الخلافة.. وتخيلوا شخصية الخليفة فىواحد من أثنين من (القادة الأصوليين) من جناج الإخوان.
لكنهم فوجنوا بانغماسهؤلاء في الحرب الأهلية والتحالفات المشينة مع الشيوعيين في سباق مجنون نحوالسلطة.
انسحب معظم العرب من كابول بعد أيام من الفتح وبقى أخرون يقاتلون فى صفهذا أو ذاك ممن كانوا يحلمون بهم في أدوار “سيدي الخليفة”. ذلك الاستمرار القتالييعود لأسباب نفسية بحته – وإن اكتسى بصبغة دينية هشة- لقد رفضوا تصديق الكارثة.. فظلوا يتخيلون الوهم ويقاتلون الطواحين في كابول.. ويقتلون الأبرياء تحت وهم إحياءالخلافة.
واستغل طواغيت بيشاور وفى كابول الوضع وعزموا على القتال حتى آخر عربيفي حوزتهم.
*
انكمش عدد من العرب في معسكراتهم المشتتة فى منطقه جلال آباد. ولكنالوالي ورئيس مجلس الشورى ومعظم الأعضاء بدأوا مزاداً دولياُ لبيعهم  للنظام الدوليالجديد. وقبضوا الملايين من الولايات المتحدة والأمم المتحدة والسعودية. لقد بدأتحملة دولية ضد “الإرهابيين العرب” في بيشاور وأفغانستان.
وشاركت حكومات عربيةبضراوة لاستئصال العرب وإبادة ذلك التجمع. وضغطت حكومات مصر وتونس والجزائر لتسليمرعاياها من العرب لإعدامهم. ودفعت الملايين لوالى جلال آباد ومجلس الشورى هناكلطرد العرب أو تسليمهم أو .. قتلهم هناك.. ونجحوا أخيراً في التضييق والتصفية. وترك العرب خلفهم ثلاثمائة جثة لشهدائهم في تراب جلال آباد ومداخلها. لم يستطعالعرب أن يكتسبوا موطيء قدم في أفغانستان. وفقدوا جلال آباد التي شهدت أكبر تواجدلهم وأعظم خسائر بشرية منوا بها فى تلك الحرب.
وفقد معظمهم الثقة في الأفغان.. بل والأعاجم.. وأعاد بعضهم حساباته الإسلامية من الأساس.
كانت حسابات العربالسياسية خاطئة منذ البداية وظلت كذلك حتى النهاية – وحرمهم ذلك حتى من الحصول علىمكسب سياسي جزئي كإخوانهم المجاهدين الأفغان. لقد كان ممكناً لهم – وما زال – اتخاذموطئ قدم قوى على أرض أفغانستان وبين قبائلها بشرط التواجد الجماعي المنظم. وبدونموطئ قدم ومأوى في أفغانستان المحررة بدماء مليوني شهيد سيقع التجمع العربي فيبراثن النظام الدولي وزبانيته الإقليميين.
لقد انفجرت مجازر الشيوعيين فىطاجيكستان . وأفتقد الشعب الطاجيكى المسلم مساندة العرب المعنوية والقتالية كمافقدوا دعم الأفغان وامكاناتهم القتالية الرائعة.
*
كان يمكن للعرب الحصول علىموطى قدم ثابت وقوى فى أفغانستان يمارسون فيه دورهم الريادي إسلامياًُ فى وسط أسيابشكل خاص ثم جنوبها ثم المنطقة العربية عامة, ولكنهم أخطأوا تقييم الأحداث وتقييمالشعب الأفغاني.. ومعطيات الواقع السياسي. وفوق ذلك افتقدوا القيادة الموحدةوالتنظيم الجامع فلم يكن للعرب في أفغانستان لا حسن البنا ولا الإخوان المسلمين .
فنحن أمام حالة من فقدان القيادة.. وضياع التنظيم . وجماعات بهذا الشكل تمارسالجهاد المسلح مع غياب كامل عن الفهم السياسي والممارسة السياسية.. مهددة إما أنتصبح مجرد “أحصنه” ( أو بغال تحميل حسب بعض التوصيفات(.
فى اللعبة الدولية.. تقوم البغال بحمل الأثقال الصعبة.. وعندما تنتهي الفائدة منها يطلقون على رؤوسهارصاصات الرحمة.
فهل ما يحدث للعرب في بيشاور الآن – أو العرب الأفغان – كماأطلقوا عليهم في أجهزة القمع الغربية – هي رصاصات من هذا النوع؟

وهل يحاولالنظام الدولي الجديد استباق الزمن ويذبح المجاهدين العرب قبل أن يتحولوا إلى طرفكامل الأهلية يتعامل سياسياً بنفس براعته في القتال..و يومها ستتغير حتماً الكثيرمن المعادلات.؟
لقد اعتقل مقاتلوا الإخوان المسلمون فى فلسطين وأسلحتهم ما زالتفى أيديهم. وحاول اليهود إجراء نفس المؤامرة على ” العرب الأفغان” في بيشاوروأفغانستان ولكن المحاولة فشلت عدة مرات لأسباب مختلفة. فهل ينجحون في تصفية الزخمالجهادى الإسلامي الذي تولد عن القضية الأفغانية كما نجحوا مع نظيرة فيفلسطين؟
لقد اغتالوا حسن البنا فى أعقاب حرب فلسطين واغتالوا معه تنظيم الإخوانالمسلمين الذي استشهد هو الآخر فى نفس اللحظة مع المرشد العام.
لقد استعصتالظاهرة العربية فى أفغانستان على الاغتيال, فلم يكن الدكتور عبد الله عزام هوبنا” هذه الحركة. ولم يكن ثمة تنظيم يمكن إغتياله مع الدكتور عبد الله عزام ..ولم يظهر هذا التنظيم بعد.
إلى حد ما كانت للهلامية العربية فى بيشاوروأفغانستان فوائدها. ولكنها تبدو وقد استنزفت تلك الفوائد وأعطت ما يكفى منالسلبيات التى تهدد الظاهرة الجهادية بأكملها بالضياع الجماعي . فلم يعد يمكنهاالاستمرار بغير عبور الحاجز الصعب وتحقيق المستحيلات الثلاث: القيادة.. والتنظيم.. والسياسة.
ولا يستطيع أشد الناس حماساً أن يدعى بأن تلك الحركة قادرة حالياًُعلى تحقيق المستحيل.
بيشاور
فى رمضان 1413هـ_مارس 1993م

بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world



قصة حكمتيار مع جهاد أفغانستان

حكمتيار

# أوامر حكمتيار لكوار الحزب من أجل الإلتحاق بحكومة كرزاى منذ أول يوم لتوليها الحكم .
# وأوامر لمجاهدية بالإنخراط فى الميليشيات ( لأن مقاومة الإحتلال الأمريكى مستحيلة).
# الذى لايملك خيار الحرب ولا أدواتها لايمكنه صنع سلام.

وصلتنى رسالة عبر الإنترنت دفعتنى إلى الخوض بالتفصيل فى موضوع حساس كنت أفضل الإكتفاء بالإشارة إلى خطوطه العامة رغم إنه بالفعل يستحق أكثر من ذلك .

والرسالة من مجهول بخل علينا حتى بكتابة كنية نخاطبه بها . ولكنه على أى حال أرسل إشارات تستحق الرد عليها .
وكنت أتمنى أن أتحدث أيضا مع الأخ ” غزنوى” ولكن ما وصلنى منه لم يكن متماسكا بحيث أعرف منه وجهة نظر واضحة . وأظن أن ذلك يرجع إلى أنه كان (مشتبك) فى حوار لا أعلم ما هو ـ وأتمنى لو كتب لنا مرة آخرى لنستفيد من معلوماته خاصة أنه ذكر شئ منها وأكدها بشكل لافت ، وهى معلومة غريبة تتعلق بالملا منصور شقيق الملا داد الله .

وعنده معلومات أخرى مماثلة ، تتعلق بحركة طالبان باكستان وأيضا طالبان أفغانستان ، فأرجو أن يكتبها بشكل مفصل حتى يمكننا أن نشترك سويا فى الإستفادة منها . وإلى أن يفعل ذلك مشكورا فسوف أدخل إلى حقل الأشواك ـ أو الألغام أحيانا ـ مع تلك الرسالة من مجهول والمؤرخة فى29 مارس الماضى . وفيها يقول بالنص:

نعم، قبلنا بأنه لم يكن بين الإمارة و بين الأمم المتحدة و اي جانب اجنبي حوارحول المفاوضات.
لكن السؤال هو أن واشنطن قبل إشراك أي مجموعة متمردة في الحكمالأفغاني شرط أن يلقوا سلاحهم و الآن نحن نسمع بخطة سلام قدمها قلب الدين و هو رجلجهادي مناوئ للإحتلال لكنه الآن قد ادرك أنه حان الأوان ليحل السلام محل الحرب بعدما دفع الشعب وحده خسارة لاتعد و لاتحصي  و كما قال مندوبه : لا العدود يبقي عدوا اليالأبد و لا الصديق يبقي صديقا الي الأبد. و صرح بأن شروطه المقدمة ليس منحوتة في الحجرلا يمكن تغييرها.

و هذا يعني أن الجماعات المعادية للحكم الأفغاني واحدة تلوالأخري تميل نحو السلام و المشاركة في السلطة.
و يبقي طالبان وحدها تحاربامريكا. اذا توفرت مطالب طالبان بخروج القوات الأجنبية فهل ترضح للحوار مع الحكومةام لا؟

وبعد .. سأتناول بالرد نقاطا هامة فى الرسالة وهى :
ـ إن حكتيار رجل جهادى مناوئ للإحتلال وأنه لجأ إلى السلام بعد ما (تحمل الشعب الأفغانى وحده خسائر لا تعد ولا تحصى) .
ـ وأن مندوب حكمتيار قال: لا العدو يبقى عدوا إلى الأبد ولا الصديق يبقى صديقا إلى الأبد
ـ أن شروطه المقدمة ليست منحوتة فى الحجر ولا يمكن تغييرها .
ـ أن طالبان وحدها تحارب أمريكا .
ـ إذا توفرت مطالب طالبان بخروج القوات الأجنبية فهل ” ترضخ” للحوار مع الحكومة
أم لا ؟.

هل حكمتيار رجل جهادى ؟؟.
#   لقد كتبت كثيرا حول شخصيات قادة الأحزاب الجهادية فى أفغانستان إبان الحقبة السوفيتية  وجاء ذكرهم مرات عديدة فى الكتب التى سجلت فيها جانبا من تاريخ تلك المرحلة وهى سلسلة كتب (من أدب المطاريد ). وكان موقفى المعارض لهؤلاء الذين سوقتهم الدعاية الغربية لنا على أنهم (متشددون/ أصوليون) وهم بالتحديد: عبد الرسول سياف ـ جلب الدين حكمتيارـ برهان الدين ربانى . وثلاثتهم محسوب على تيار الإخوان المسلمين فى أفغانستان. وكان سياف يظهر توجها سلفيا زائداً عن رفيقيه فحصل بالتالى عى دعم سعودى إضافى.

وكان موقفى المعارض والمنتقد بشده لهؤلاء سببا أساسيا لمعاناتى التى إستمرت حتى ظهور حركة طالبان عام 1994، وكنت وقتها منفيا محاصرا فى خوست مع مجموعة من العرب فى معسكر جهادوال التابع للقاعدة ، ولم نكن جميعا ننتمى للقاعدة، ولكن جمعتنا المآساة فى موضع واحد، كما جمع أكثرنا تاريخ قتالى مشترك فى أفغانستان لسنوات عديدة

كنت أرى فى القاده الثلاث ـ تحديدا ـ رمزا للفساد وأدوات للتدخل الخارجى فى شئون أفغانستان ، وأراهم قمم فى الإنحراف السياسى والتلاعب بشعارات الإسلام العظيمة مثل الجهاد والدولة الإسلامية وحكم الشريعة، وما إلى ذلك من مبادئ كانت تلهب خيالنا فى تلك الفترة ومعنا ملايين الشباب المسلم فى العالم .

وإندفعت جماعات إسلامية عظمى فى تأييد هذا أو ذاك من هؤلاء المنحرفين . وعارضوا كل من حاول كشف حقيقتهم بكل قسوة وإتهموه بشتى التهم  ولحسن حظهم / وسؤ حظ المسلمين / كان المعارضون قلة ضئيلة للغاية فى الوسط الإسلامى .

والآن نواجه موقفا مماثلا عندما نتكلم عن أخطاء جسيمة وإنحرافات فى جماعة القاعدة أو تيار السلفية الجهادية .ونواجه نفس الإعراض عن النقاش والحوار والميل إلى الإرهاب الفكرى ، بداية من الإتهامات البشعة وصولا إلى السباب البذئ .

حكمتيار وسياف وربانى ، شخصيات فاسدة ومنحرفة منذ اليوم الأول لظورهم على ساحة العمل الجهادى ، وليس الآن. و مواهبهم السيئة لم تتفجر فجأة ، أو عند وصولهم إلى السلطة فى كابول ، أو عند وصول طلائع قوات الغزو الأمريكى الذى إلتحقوا بصفوفه وعملوا فى خدمته من يومها إلى الآن .

حكمتيار وقت جهاد السوفييت ، بل منذ وصول”محمد داود” إلى حكم أفغانستان منقلبا على ابن عمه الملك ظاهر شاه عام 1973 ، كان أداة باكستانية للتدخل فى شئون أفغانستان ، لا أكثر ولا أقل. وإلى الآن إذا أردنا أن نعرف توجهات باكستان إزاء القضايا الأفغانية فعلينا أن نتفحص بدقة تحركات حكمتيار وجماعته .

 أهم نشاطات حكمتيار فى الحقبة السوفيتيية كان إثارة الفتن والقتال الداخلى والإنقسام داخل الجماعات ، والسطو على منجزات الآخرين ونسبتها إلى نفسه وإلى حزبه .

وكان حزبه أقوى الأحزاب بالفعل، لكونه يحصل عن طريق السلطات الباكستانية / وتحديدا الإستخبارات العسكرية ISI وبموافقة الرئيس ضياء الحق وأوامره المباشرة / على نصف مجموع المساعدات الخارجية المقدمة إلى ” المجاهدين” الأفغان وقتها . والنصف الباقى كان يوزع على ستة أحزاب آخرى ، إضافة إلى مجموعات صغيرة منقسمة عنها .

أما سياف فكان الأغنى ماليا نتيجة الدعم السعودى الذى راهن عليه كورقة أساسية للسعودية فى القضية الأفغانية وأوساط أحزاب المجاهدين. والقصة طويلة جدا ولها تفاصيل متشعبة فى ثنايا سلسلة كتب (أدب المطاريد) .

   جماعات إسلامية لدعم الفساد
القدرات الدعائية لدى الجماعات الإسلامية العالمية ، وأحيانا بعض الدول وبالتحديد باكستان والسعودية ، بذلت جهدا كبيرا فى تسويق حكمتيار وسياف كزعماء جهاديين “أصوليين “. فإنقسم الوسط الإسلامى إلى فريقين رئيسين خلف كل زعيم . كان هدف الجماعات الإسلامية خارج أفغانستان هو تسويق نفسها من خلال أحد هؤلاء الزعمات ومن خلال الجهاد فى أفغانستان ـ أو الجهاد الأفغانى كما كان يقال وقتها ـ فتكتسب تلك الجماعات والمجموعات مصداقية وشهرة وقدرات حركية تتمثل فى الدعاية وجمع الأموال والعمل الإعلامى لصالح المجاهدين الأفغان . وكل ذلك كان موضع ترحب حكومى فى الدول العربية والغرب والعالم عموما ـ بعكس الحال الآن حيث مجرد الإطلاع على إعلام المجاهدين الأفغان يعتبر جريمة عوقب عليها البعض بالفعل .

إذن مزيج من الحماس المختلط بالمصلحة هو الذى دفع الجماعات والمجموعات الإسلامية إلى التحزب بقوة خلف حكمتيار أو سياف .

ولكن إنضمام سياف المبكر إلى صفوف الإحتلال الأمريكى كشف أوراقه بشكل سريع ومكتمل. ومع ذلك لم يتحرك أعوانه السابقون من الأحزاب الإسلامية العالمية لنقد موقفهم السابق أو الإعتذار عنه. وكأنهم يؤيدون موقفه الجديد أيضا أو أنهم كانوا يعملون لأجله. فتصنعوا فقدان الذاكرة وإعتمدوا على حقيقة أن الجمهور الإسلامى متحمس ولكن لا ذاكرة له. وهكذا سقط من ذاكرة الإخوان المسلمين الدوليين سابقة تسويقهم العنيف لذلك الزعيم الذى لم يكن إنحرافه مجهولا لديهم .. بل كانوا أول من يعلم ومنذ البداية !! .

 هل حكمتيار مناوئ للإحتلال ؟
يتميز حكمتيار بأنه مناوئ لخصومه السياسيين فقط . أى يعادى بشدة كل من يمثل عقبة فى وصوله إلى الصدارة . ويرتكب فى سبيل ذلك أى عمل يكون فى متناوله ، من الإشاعه وحتى القتل .

ومواقفه من الإحتلال السوفيتى أو حكم الشيوعيين لأفغانستان بعد خروج السوفييت يعكس فقط وجهة نظر باكستان ومصالحها، وفى هذا الإطار يتحرك دوما .

وعندما إقتنعت باكستان بوجهة النظر الأمريكية بأن الإنسحاب السوفيتى (يجب) أن يخلفه حكومة مشتركة بين الشيوعيين فى كابول والمجاهدين فى الجبهات (ويمثلهم كذبا وزورا أحزاب بشاور المحكومة باكستانيا) تحرك حكمتيار بكل قوة فى ذلك الإتجاه . وكان أن رتب إنقلابا عسكريا مشتركا مع رئيس الأركان وقتها (شاه نواز تاناى) على أن يشكلا معا حكومة تمثل المطلب الدولى بالحكم المشترك (شيوعى /إسلامى) لأفغانستان . والآن هو يفعل شئ مشابه بمحاولة إنضمامه إلى حكومة كابول ممثلا عن المجاهدين ، لكن الظروف الآن تختلف كثيرا جدا عما كان عليه الحال فى الحقبة الشيوعية لأفغانستان . والتحول الأكبر هو ظهور حركة طالبان ممثلة عن الشعب الأفغانى والحالة الإسلامية فى أفغانستان.

وما يفعله حكمتيار الآن ، هو تنفيذ لرؤية باكسانية متحالفة مع الإحتلال الأمريكى . وفى أثناء حقبة الإحتلال السوفيتى كان ذلك هو موقف باكستان أيضا ، مع نزعة وطنية أكبر لدى الرئيس ضياء الحق وقادة جهاز إستخباراته ISI .
ولكن بعد مقتل ضياء الحق تعرض حكمتيار إلى موجه غضب أمريكية بسبب أقوال وأعمال قام بها ضد مصالحهم ورجالهم بناء على طلب باكستان . فرفعت باكستان يدها عن حكمتيار بناء على طلب أمريكى . وكانت حكومة (بينظير بوتو) التى خلفت ضياء الحق معادية للنظام السابق ولجميع رموزه وأدواته فشمل ذلك حكمتيار وحزب إسلامى التابع له .

إستمرت تلك الفترة عدة سنوات وحتى وصول حركة طالبان لحكم أفغانستان ، وفرار حكمتيار إلى إيران ولجؤه إليها.
وقد قبلته إيران بصفته مناوئا قويا لحركة طالبان . ولكن بعد الإحتلال الأمريكى لأفغانستان وسقوط حكم الإمارة الإسلامية ، أصدار حكمتيار بيانات تندد بالإحتلال الأمريكى فتم طرده من إيران ، فعاد سرا إلى باكستان .

أو بمعنى آخر عاد إلى قواعده سالما . وتلقفته باكستان حتى تستخدمه مرة آخرى وفقا لرؤية جديدة تتناسب مع أوضاع جديدة تماما فى باكستان وأفغانستان والمنطقة .

لعل إيران شكت فى أن حكمتيار يلعب لعبة مزدوجه ، فبينما ينادى من فوق أراضيها بمقاومة الإحتلال الأمريكى ، كانت رسائله الذاهبه إلى كبار مساعديه فى باكستان وأفغانستان تأمر بأشياء آخرى سوف نستعرضها معا .

 لا .. لحكمتيار .. نعم .. لحزب حكمتيار !!
# عرض حكمتيار على الأمريكيين أن ينضم إلى حكومة كابول إلى جانب ” الزعماء الجهاديين” المشهورين سياف وربانى، ولكن الأمريكين رفضوا . وقد كانوا محقين فى ذلك فالزعماء الجهاديين السابقين والعاملين فى حكومة كرزاى وهم سياف ، ربانى ، مجددى جميعهم فى عداوة مريرة مع حكمتيار وكلهم يعلم ـ وحتى كرزاى الذى له معرفة قديمة بأجواء أحزاب المجاهدين وقت السوفييت ـ يعرف أن حكمتيار متآمر وعنيف ولا يطيق رؤية من يمكنه أن ينافسة على الإستفراد بالقمة.

وحتى حزب وحدت الشيعى المشارك مع كرزاى يعرف موقف حكمتيار جيدا منذ كان يقصف مواقع الشيعة على أطراف كابل بالصواريخ الثقيلة والمدفعية ويعلن بأنه سيدمر مناطقهم تماما ويزرعها قمحا “!!” . وكان ذلك يثير بهجة وحماس مجموعات العرب (بقيادة أبو معاذ الخوستى) الذين شكلوا وقتها القوة الضاربة الحقيقية لحكمتيار. ولم يفق العرب من غفوتهم إلا بعد أن تحالف حكمتيار مع الزعيم الشيوعى عبد الرشيد دوستم ثم مع حزب وحدت “!!”..

حزب حكمتيار كان دوما يعانى من تصفيات مستمرة للشخصيات القوية خاصة العسكريين منهم . وذلك أفقده قوته الحقيقية ، وتجلى ضعف حزبه الشديد عندما بدأت الحرب الأهلية حول كابول. ثم بعد أن تعرض لهجمات طالبان الزاحفين من قندهار صوب العاصمة . فلم يتبق حول حكمتيار من مقاتلين حقيقين منذ عام 1992 وحتى 1996 سوى مجموعات من العرب كانوا عماد قوته . وهم أول من قاتل طالبان بعنف كان هو الأشد منذ ظهور حركة طالبان فى الساحة الأفغانية . وسبب ذلك فى حدوث فجوة ثقة كبيرة بين طالبان والعرب، زالت بصعوبة فى أوائل ظهور بن لادن . إلى أن تسبب بن لادن نفسه فى إسقاط نظام الإمارة الإسلامية وحركة طالبان نتيجة لعمليات سبتمبر2001 .

فهمت باكستان ومعها حكمتيار أن الأمريكان وكرزاى وزعماء المجاهدين العاملين مع الإحتلال الأمريكى . جميعهم يرفض حكمتيار بشكل شخصى. أما كوادر حزب إسلامى والمنتسبين إليه أو(مجاهديه) السابقين، فإن الأمريكان على إستعداد لإستيعابهم فى التركيبة الجديدة للحكم . وقد كان ما طلبه الأمريكان .
أصدر حكمتيار أوامره بأن ينضم جميع كوادر حزبه إلى نظام كابول سواء فى الحكومة أو المجالس النيابية فى كابول أو حكومات الأقاليم ، أو .. ميليشيات الحكومة “!!” .

أحد مساعدى حكمتيار المقربين ، تكلم مع صديق له من كوادر حركة طالبان مبررا موقفه وموقف إخوانه فى الحزب الإسلامى قائلا بأن إنضمامهم إلى حكومة كابول جاء بطلب حازم من حكمتيار شخصيا الذى أخبرهم أن الحرب ضد الأمريكان باتت غير ممكنه . فتوجه كبار مساعدى حكمتيار إلى كابول ـ وبأوامر مشددة منه شخصيا ـ حتى يتسلموا مناصب مناسبة لهم فى إطار النظام الجديد . وهناك تلقفهم شخص يدعى “وحيد الله سياون” الذى قام بدور مدير توظيف قيادات وكوادر حزب إسلامى فى حكومة كرزاى .

لا أحد يعلم دوافع حكمتيار الحقيقيه من وراء ذلك. كان إخوانه القدماء من ” زعماء الجهاد” فى كابول يخشون طبيعته الإنقلابية العنيفة . فربما كان يفكر فى التسلل إلى مفاصل النظام ويضع رجاله فى مناصب حساسة فى السلطه ثم يدبر إنقلابا من الداخل عندما تسنح الفرصة ، وينفرد هو بكل شئ . فليست تلك هى المرة الأولى التى يتصرف فيها بهذه الطريقة، بل هى شبه طبيعه ملازمة له طوال مسيرته “الجهادية” التى شهدت إنقلاباته المتكررة داخل التنظيمات أو الإتحادات التى عمل خلالها . وكذلك محاولات الإنقلابية فى جيش الدوله نفسه ، أولها أثناء حكم الرئيس “داود” فى عام 1973 ، وآخرها محاولة مشتركة مع ” شاه نواز تاناى” رئيس الأركان الشيوعى فى عام 1990.

النتيجة فى النهاية هى ذهاب كبار شخصيات (حزب إسلامى /حكمتيار) بقيادة “عبد الهادى أرغنديوال” و”خالد فاروقى” إلى كابول وتسلموا بالفعل قدرا كبيرا من المناصب منذ بدايات الحكم الأمريكى . فقد حصلوا على ما بين11 إلى 12 مقعدا وزاريا ، وعدد مماثل فى حكومات الولايات . ومن الأسماء المشهورة من بين هؤلاء نذكر :
ـ إرسلا جمالى حاكم ولاية خوست ، وهو وزير القبائل حاليا .
ـ منجل حسين ـ وزير الزراعة ـ ” سابقا” .
ـ عبد الكريم خرم ـ وزير الإعلام ـ “سابقا ” .
ـ أرغنديوال ـ وزير الإقتصاد الحالى (وزعيم جناح العاملين فى مناصب لحكومة من طرف حزب إسلامى ـ وقد عينه حكمتيار خصيصا لهذا الغرض).
ـ فيضان / حاكم ولاية غزنى / وقد طرده الأمريكان من منصبه بسبب قضايا فساد مالى وإدارى .
ـ جمعه خان همدرد / حاكم ولاية جوزجان / وقد طرده أنصار الزعيم الأوزبكى عبد الرشيد دوستم .
ـ لطف الله مشعل / حاكم ولاية لغمان ” سابقا” .
ـ حليم فدايى / حاكم ولاية وردك .
أما فى مجالس النواب فقد دخل منهم العشرات . ومن أبرزهم :
ـ حاجى فريد ، من ولاية كابيسا .
ـ عبد الجبار شلجرى .
إضافة إلى عدد آخر فى مجلس الشيوخ من أشهرهم :
ـ عبد الصبور فريد ، من ولاية كابيسا ، وقد شغل منصب رئيس الوزراء فى عام 1992 الذى شهد ذروة الحرب بين حزب إسلامى حكمتيار ، والجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين ربانى ( وربما يفسر ذلك لغز إغياله أمام منزله فى شهر مايو عام 2007 فى منطقة خير خانه فى كابول ) .

# مر معنا إسم خالد فاروقى . وهو شخصية بارزه فى حزب حكمتيار ـ وقد ورد ذكره فى كتاب (15 طلقة فى سبيل الله ) عند الحديث عن معركة أورجون 1983. وقتها إقتحم المجاهدون المدينة وإستولوا على نصفها ثم فوجئوا بالنجدات السوفيتية تقتحم عليهم المدينة فإنسحب المجاهدون منها على عجل وكان الشتاء قد بدأ .

أتضح أن الطريق الذى تستخدمه القوات السوفيتيه والحكومية وقد كان ملغوما وتحت حراسة قائد شهير فى المنطقة . ذلك القائد فتح الطريق للسوفييت وترك مواقعه بكامل أسلحتها لهم وبلا قتال . ففشلت حملة المجاهدين على الأورجون بعد أن إستمرت حوالى نصف العام وفقدوا فيها عدة مئات من الشهداء .

تلك الخيانة كانت من قائد كبير فى الحزب الإسلامى هو: خالد فاروقى نفسه “!!” .
حكمتيار لم يعاقب قائده العسكرى خالد فاروقى بل كافأة ورفع مرتبته داخل الحزب . فى حين كان يعاقب أى قائد عسكرى بارز وكفؤ يتعاون فى الجبهات مع باقى المجاهدين . وذلك من أسباب الضعف العسكرى الشديد لحزب حكمتيار رغم قوته الإعلامية والإستخبارية التى كانت الأضخم بين كل التنظيمات ، ورغم كميات الأسلحة المهولة التى كان يحصل عليها من ضياء الحق وقادة الإستخبارات العسكرية .

كان لدى حكمتيار قوة جذب عجيبة للعناصر من طراز خالد فاروقى فى أى مكان من أفغانستان . وأكسب ذلك حزبه سمعة خاصة ومذاق خاص فى ” الجهاد” . وتفاصيل ذلك فى تحتاج إلى مجلدات، مع العلم أن الأثر السلبى لحكميتار وحزبه فى تاريخ أفغانستان مازال مستمرا حتى هذه اللحظة. ولا يعنى ذلك أن جميع كوادر حزب إسلامى وكوادره كانوا على نفس الشاكلة. بل كان فيهم عدد من أفضل المجاهدين، ولكن السياسة القيادية لحكمتيار حجمت دور هؤلاء وعرقلت عملهم.

بإستعدادهم الفطرى وتاريخهم “الجهادى” القديم ، وبأوامر من زعيم الحزب ، أنضم كثير من
” المجاهدين” القدماء لدى حزب إسلامى حكمتيار إلى المليشيات الحكومية لنظام كرزاى ولكن بشكل غير معلن فى بعض الأوقات. ومهمة هؤلاء هى منع مجاهدى الإمارة الإسلامية من العمل فى مناطقهم . والشعار هو: (نمنع الجميع من العمل سواء المجاهدين أو من القوات الأجنبية “!!”).

 تحت ذلك الشعار الحيادى المخادع الذى لا يتوافق على كونهم يتقاضون رواتب عاليه جدا من حكومة كابول، يقاومون بالسلاح أى عمل جهادى يستهدف الإحتلال أو القوات الحكومية .

لهؤلاء الميليشيات تواجد فى عدة ولايات منها /ميدان “وردك” / كابيسا/ غزنى / وبغلان ، التى أذيع مؤخرا عن إشتباكات حدثت فيها بين هؤلاء الميليشيات وبين مجاهدى الإمارة الإسلامية ، التى لها السيطرة على معظم الولاية. ولهذه الميليشيات تواجد أيضا فى ولاية كونار حيث تمكنوا من عرقلة عمل المجاهدين فيها بتوفير حراسات للمواقع الأمريكية وحلفائها. ( وربما كان ذلك من أسباب إنضمام المجاهدين السلفين فى كونار إلى الإمارة الإسلامية ومبايعتهم لها ، حتى يكونوا معها جبهة مشتركة ضد “الحزبين” المتعاونين مع الإحتلال).

رغم هذا الإندماج الكامل بين (حزب إسلامى/ حكمتيار) ونظام كرزاى فى المجالات السياسية والعسكرية ، إلا أن الحزب يقدم نفسه كمفاوض عن “المجاهدين” للتوصل إلى حل سياسى للمعضله الأفغانية “!!” .

وتلك من الغرائب الفريدة ، ولكنها تكشف عدة نقاط هامة :
1ـ أن الأمريكين فشلوا فى إقناع الإمارة الإسلامية بالتفاوض. وفشلت وسائلهم العسكرية فى الضغط ، كما فشلت وسائلهم المالية والسياسية فى إحداث الإنحراف والغواية فى صفوف الإمارة .
2ـ فشل الأمريكيون أيضا فى إيجاد “جناح معتدل ” داخل حركه طالبان كى يتفاوض معهم . أو بمعنى آخر فشلوا فى أحداث إنشقاق داخل حركة طالبان .
3ـ إن مناورة إبقاء الزعيم حكمتيار بعيدا عن صورة التعاون المباشر مع المحتل والنظام العميل فى كابول ربما يهدف إلى تقديمه إلى الشعب الأفغانى والعالم على أنه ممثل للجناح المعتدل للمقاومه الجهادية فى أفغانستان . وذلك يعزل طالبان ويظهرهم بموقف المتشدد أكثر من اللازم والباحث عن الحرب وليس السلام .
وهذا ما تشير إليه رسالة الأخ السائل التى أوردناها فى مقدمة الحديث حين يقول:
(وهذا يعنى أن الجماعات المعادية للحكم الأفغانى واحدة تلو أخرى تميل نحو السلام والمشاركه فى السلطة).
وذلك هو بالضبط ما ترغب أمريكا فى قوله وإقناع الأفغان والعالم به.

# والواقع هو أن حزب إسلامى وزعيمه حكمتيار يفاوضون النظام من داخل صفوف النظام وليس من خارجها.
فليسوا ممثلين عن/ ولا هم جزء من/ المقاومة الجهادية الأفغانية .
ومن المفهوم تلقائيا أن لا صلة لهم بحركة طالبان ولم يتشاوروا معها فى شئ . رغم أن بعض تصريحاتهم تقول غير ذلك فى محاولة لتقديم حزب إسلامى على أنه ناطق بإسم “جميع” المجاهدين المحاربين للإحتلال.

# الذين عملوا مؤخرا فى مفاوضات ” السلام” من جانب الحزب الإسلامى ، إما أنهم كانوا موظفين فى حكومة كابول، أو كانوا من اللاجئين السياسيين فى أوروبا. مثل قطب الدين هلال وهو شخصية شهيرة جدا فى الحزب الإسلامى ، وأيضا داود عابدى الذى جاء من الولايات المتحدة . كل ذلك يكفى بلا شك لتفسير مواقف وفد حزب إسلامى فى المفاوضات مع الحكومة، وذلك الكم المدهش من (المرونة والإعتدال) .

من أمثال ماورد فى رسالة الأخ السائل من أن : ( لا العدو يبقى عدوا إلى الأبد ، ولا الصديق يبقى صديقا إلى الأبد ). وأيضا من أمثال: ( أن شروطه التى يقدمها ليست منحوتة فى الحجر ولا يمكن تغييرها).

سبب ذلك هو أن المفاوضه لا تتم بين طرفين متعارضين فى أى شئ ، أى أن الإحتلال كان يفاوض نفسه فى حقيقة الأمر.

لأجل ذلك يقول ناطق بإسم حزب حكمتيار لمندوب (BBC ) فى كابول أن حزبه لا يوافق على إنسحاب سريع للقوات الأمريكية لأن ذلك سيؤدى إلى وقوع حرب أهلية كما حدث عندما إنسحب الروس بسرعة وبدون ترتيب مناسب. وقوله هذا غير صحيح لأنه من الواضح أن الحرب الأهلية كانت فقرة متفق عليها بين القوتين الأعظم وقتها فى إطار ترتيب أوضاع أفغانستان بعد الإنسحاب السوفيتى ، لمنع وصول القوى الإسلامية الحقيقية والمجاهدين الحقيقيين إلى سدة الحكم وإقامتهم لنظام إسلامى حقيقى.

وينادى وفد حكمتيار ( بجدول زمنى مناسب) من أجل الإنسحاب . وسياسيا كان من مطالبه الأساسية ضغط مجالس النواب من مجلسين إلى مجلس واحد توفيرا للنفقات “!!” .

وأيضا تعديل طريقة الإنتخاب بحيث يكون التصويت للأحزاب وليس للأفراد المستقلين”!!” .. وهكذا ..  مطالب لا تؤدى إلا إلى إعادة صياغة الوضع السياسى الحالى مع بقاء هادئ وسلمى للإحتلال على النمط الشائع من ألمانيا إلى اليابان وكوريا .. وأخيرا فى العراق .

 أى إحتلال أبدى ولكن بهدؤ وإيجابية متعاونة .

  هل طالبان تحارب وحدها ؟؟
يقول الأخ السائل : وتبقى طالبان وحدها تحارب أمريكا .
وكأن ذلك إنشقاق عن إجماع ضخم يهدف إلى سلام يعيد صياغة الإحتلال الأبدى بصورة قانونية. وإعادة صياغة النظام الحالى بتعديلات وديكورات جديدة لا تمس جوهره المنحرف كنظام من هندسه الإحتلال ولا يمكنه البقاء بغير قوات أجنبية ترعاه وتحميه .

ولكن طالبان ليست وحدها.. فمن المستحيل أن يقاتل عدة الآف من الشباب جيوش القوة الأرضية الأعظم والحلف العسكرى الأكبر فى العالم . لا يمكن أن يتم ذلك إلا بإسناد شعبى جهادى كامل.
وكونها (حركة واحدة وحيدة ) فذلك ليس عيبا بل هو ميزة ومصدر قوة . فإن وحدة القيادة وتماسك الحركة هو من أكبر عوامل النجاح .

والإستخدام العسكرى لحزب إسلامى حكمتيار لضرب المجاهدين فى الجبهات الهدف منه التشنيع بوجود إنشقاقات داخلية بين مجموعات مقاومة متناحرة . والهدف هو الإضرار بسمعة المجاهدين والتأثير سلبا على معنوياتهم ومعنويات الشعب الأفغانى .

صحيح حركة طالبان تحارب أمريكا وحدها ـ ولكن بمعنى أنها حركة واحدة منظمة ومنضبطة بشكل كامل بحيث عجز الإحتلال / وعملاء الإحتلال/ عن غواية أى من أركانها لإحداث إنشقاق فى الحركة .

ولكنها ليست حركة وحيدة بمعنى الإنعزال المادى أو الشعورى أو السياسى أو الفقهى عن الشعب الأفغانى الذى إحتضنها وساعدها وأمدها بالدم والمال .. والدعاء .

وهى ليست وحيدة قبل كل شئ بسبب إرتباطها الإيمانى بالله .
وذلك عنصر يجهله الأعداء وأعوانهم . مع أنه العنصر الحاسم فى كل معادلة للحرب الجهادية .

# أما الشطر الأخير من فقرة الأخ السائل والتى يقول فيها :
( إذا توفرت مطالب طالبان بخروج القوات الأجنبية فهل ترضخ للحوار مع الحكومة أم لا ؟ )

أقول أنه فى حوار لصحفى غربى مع جنرال من الجيش الحكومى فى كابول سأل الصحفى عن المدة التى يمكن أن يحافظ فيها الجيش على الوضع فى أفغانستان فى حال إنسحاب القوات الإجنبية .

رد الجنرال على الفور: 24 ساعة !! .
وعليه ، وردا على إستفسار الأخ السائل أقول: بأنه لن يتاح الوقت الكافى أمام حركة طالبان كى تتفاوض مع حكومة كابول . لأن الحكومة ستكون قد سقطت وفر الوزراء إلى الخارج وعادوا إلى قواعدهم فى دول الغرب سالمين غانمين قبل أن يصل وفد طالبان للتفاوض معهم فى كابول .

وذلك ليس من المبالغة فى شئ . فمعظم حكام الولايات غير متواجدين فى أماكن عملهم . فهم إما فى كابول أو أنهم خارج أفغانستان كلها، وذلك لعدم أحساسهم بالأمن . وكذلك هو شأن الوزراء الذين لا يتواجدون فى العاصمه إلا من أجل إتمام المزيد من الصفقات وتحويل الأموال إلى الخارج لتأمين مستقبلهم فى يوم لا ريب فيه ، حين يتركون أفغانستان لمواصلة حياتهم السابقه الآمنة والرغيدة فى الولايات المتحدة وأوروبا .

هؤلاء هم (وزراء إحتلال) وليسوا وزراء أفغان . تنتهى مهمتهم برحيل  الإحتلال.
وكرزاى هو الآخر رئيس إحتلال ، كما أنه ليس شخصا بل هو حالة تمثل سياسى باع ضميره وبلده ودينه فى سبيل ملايين الدولارات . وحتى زعماء جهاديين بارزين من أمثال سياف وربانى ومجددى .. وأخيرا “رغم أنه أولا” حكمتيار .. جميعهم كرزاى .. كرزاى الحاله ، وإن لم يكونوا كرزاى الشخص .

قد يفاجأ جهاديون عرب بهذا الكلام عن رموز كانت عظيمة فى حجم سياف وحكمتيار. وسوف تظل الحالة الإسلامية الحركية والجهادية قابلة لإنتاج كرزايات كثيرين :

    طالما هى قادرة على الصراخ الهستيرى وغير قادرة على طرح أسئلة موضوعية.
وطالما هى قادرة على التعصب الأعمى وغير قادرة على التفكير المنطقى.
وطالما هى قادرة على المهاترة والمزايدة وغير قادرة على التخطيط لجهاد حقيقى.

 هل السلام خيار إستراتيجى ؟
يقول الأخ السائل :
ـ بأن الأوان قد حان ليحل السلام محل الحرب.
ـ الشعب دفع وحده خسائر لا تعد ولا تحصى .
ـ مندوب حكمتيار قال أن العدو لايبقى عدوا إلى الأبد والصديق لا يبقى صديقا إلى الأبد .
ـ الشروط التى قدمها حكمتيار ، قال بأنها ليست منحوتة فى الحجر لا يمكن تغييرها .

نقول للأخ السائل أن الذى لا يملك خيار الحرب لا يملك خيار السلام .
وأن ” الذى لا سبيل أمامه سوى التفاوض فمن الأفضل له لا يذهب أصلا إلى مائدة المفاوضات لأنه سيجد نفسه محكوما بموازين القوة ومضطرا إلى تقديم التنازلات لخصمه الأقوى فى أى قضية خلافية ” . (وهناك كلام ممتاز فى تلك النقطة للدكتور على الجرباوى أستاذ العلوم السياسية السابق فى جامعة بيرزيت فى فلسطين. والقول السابق منسوب إليه).

وهناك أيضا جملة مأثورة لوزير الخارجية الأمريكى الأسبق جورج شولتز يقول فيها:
(إن المفاوضات تصبح محض إستسلام اذا لم تغمر ظلال القوة مائدة المفاوضات ) .

# وحكمتيار لاوزن له فى ميدان الحرب وبالتالى لا وزن له فى صنع السلام .
وكما ذكرنا فإن حزبه هو جزء من التكوين السياسى لنظام كرزاى الذى صنعه الإحتلال . كما أن قوته المسلحه فى الميدان تعمل علنا إلى جانب القوات الأمريكية وضد المجاهدين .
فهو من ناحية سياسية : عبارة عن جزء من النظام يفاوض الجزء الآخر .
وهو من ناحية عسكرية : يمثل قطاع الميليشيات الحكومية الذى يحاور الحكومة على قواعد لإقرار السلام !! . فالأمر كله مهزلة لن تفض إلى شئ .
ومثل حكمتيار لا يمكنه أن يقدم شروطا .. ولا يتاح له إطلاقا سوى تقديم تنازلات ثم المزيد من التنازلات .. وإلى مالا نهاية، ذلك لأنه لا يمتلك خيارا آخر .
فهو ليس طرفا فى معادلة الحرب ولا يمتلك خيارها ولا أدواتها .
لهذا فإن شروطه بالفعل ليست منحوته على حجر ولا حتى مكتوبة على ورق ، بل مجرد كلمات بلا معنى تتأرجح فى الهواء .

# أما القول بأن السلام قد أزف وقته كى يحل محل الحرب ، فذلك خداع للنفس وللآخرين .
فان زوال الحرب مرتبط بزوال سببها . وسبب الحرب كان العدوان الأمريكى والإحتلال العسكرى لقوات أمريكا والناتو لأفغانستان. وبدون خروج الإحتلال فإن السلام لن يستتب مهما طالت مدة الحرب . فالمقاومة تستمر طالما إستمر الإحتلال .
وتلك هى معادلة الشعوب .. كل الشعوب ، وليست إخترعا أفغانيا.
ولكن بعض الشعوب غلبت على أمرها ، وتحكم فيها ضعفاء أو خونة أو متآمرون، ففرضوا عليها الإستسلام للمحتل وأطلقوا على ذلك الذل لفظ السلام .. والشعب الأفغانى لا يقبل ذلك الخداع ، وأى شعب آخر سيفعل نفس الشئ عندما يمتلك زمام أموره بنفسه ويتخلص من زمرة الخونة الذين فرضهم الإستعمار فوق رقابه .

# أما عن الخسائر التى (لاتعد ولا تحصى) والتى دفعها الشعب (وحده) فتلك هى ضريبة الحرية التى تدفعها الشعوب ـ على مر التاريخ ـ عن طيب خاطر . فالحرية لا يأخذها شعب هدية من الإحتلال.
وهكذا فعلت كل الشعوب : الشعب الأمريكى حتى ينال حريته من بريطانيا ، فرنسا حتى تنال حريتها من ألمانيا الهتلرية ، الجزائر حتى تنال حريتها من فرنسا، فيتنام حتى تنال حريتها من الولايات المتحدة، والصين حتى تنال حريها من اليابان .. وهكذا إلى ما يحصى من أمثله.

# أما أن العدو لا يبقى عدوا إلى الأبد ، فذلك صحيح .. ولكن بعد زوال سبب العداوة وهو الإحتلال وسرقة الأوطان والثروات وإحتقار الأديان والثقافات . فإن زال ذلك إنفتح للسلام مجال ، ويمكن أن تؤسس الشعوب لصداقات جديدة على أساس المساوة والعدالة .
أما السلام مع المحتل فهو إستسلام ذليل لا تقبله الشعوب ولا يرضى به الشرفاء .

بقلم :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
[email protected]

المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world