جلال الدين حقانى 9

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 9

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 159 ) | رمضان 1440 هـ / مايو 2019 م .                   

18/05/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 9 )

– سياف أفشل المشروع  الطموح لتصنيع الذخائر .

– حقانى يتجنب منزلق قرية (بابى)، التى تبتلع القادة والعلماء بعيدا عن ساحات الجهاد .

 – مهرجان النيران فى (جاجى) يهدر أموال العرب ويبعدهم عن جبهات الجهاد الحقيقية .

–  مجموعتنا الخاصة تتجه إلى جاور .. فى زيارة خطيرة لم تَخلُ من المرح .

–  بسعادة غامرة إحتفل المجاهدون بوصول أول أطفال العرب إلى جبهة القتال .

–  حقانى يحذر أحزاب بيشاور من أن العدو قد يحاول فى عملية واحدة إغلاق منفذى “جاور” و “جاجى” ، ليفتح الطرق البرية إلى مدينة خوست .. ولم يهتم أحد .

– حقانى يقول لنا: لماذا لا تغلقون أنتم المطار؟؟، وكان الأمر أكبر كثيراً مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

من نافلة القول أن نذكر فشل مشروعنا الطموح بتصنيع الذخائر الأساسية. وهو المشروع الذى تحمس له حقانى وعدد من ضباط الإتحاد التابعين لسياف . وفشل المشروع عائد لسياف شخصيا الذى يخشى كثيرا من أى مشاريع جهادية جادة قد تكشف زيفه ، وتكشف حقيقةتوجهاته المرتبطة بأعداء أفغانستان ، الذين يعمل حاليا تحت رايتهم فى كابل عاملا على تثبيت أركان الإحتلال الأمريكى.

منزلق بابى :

لعل من أهم معالم عام 1983م في مسيرة الجهاد في أفغانستان هو ظهور إسم (بابي) في قاموس الجهاد.

تكلمت مع حقاني في بيشاور عن رغبتي في إحضار عائلتي إلى باكستان كي أتفرغ للعمل مع المجاهدين . ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي نثير فيها هذا الموضوع . فأخبرني أن الحكومة الباكستانية وزعت على قادة الأحزاب وقادة الجبهات المشهورين قطعا من الأرض في منطقة خارج بيشاور تدعى بابي على بعد حوالي 20 كيلومترا في الطريق إلى إسلام آباد .

ثم عرض حقانى أن آخذ قطعة الأرض الخاصة به لأنه لا يحب أن يستقر في بيشاورلأن ذلك سوف يغرقه في مشاكلها  ، وقد تُوْكَل إليه مهام إدارية في الإتحاد تجعله بعيدا عن الجبهات.  وأخبرني أن مولوي أرسلان له قطعة أرض مجاورة له وأنه شرع في بنائها .

أجبته أنني سوف أكون مسرورا بأن أكون جارا لمولوي أرسلان ولكنني مشغول بالنسبة     لدراسة الأولاد ، فأولادي عددهم كبير ومعظمهم في سن الدراسة . لذا سوف أبحث إمكانية    الإقامة في إسلام آباد عندما أتأكد من وضع المدارس العربية فيها .

علمت بعد ذلك أن بعض(فاعلي الخير) من السعودية قد إشتروا من حكومة باكستان مساحة واسعة في منطقة بابي ووهبوها لسياف كي يقيم عليها قرية جهادية يستوعب فيها رجاله وموظفيه وقادته، ومشاريعه الجهادية!! ومدارس ومستوصفات علاجية ، وحتي جامعات .

وهكذا مع الوقت إبتلعت بابي ليس فقط أموال العرب التي أغدقوها بغير حساب للتنمية و للتعمير، ولكنها إبتلعت عشرات من قادة الجبهات المقتدرين والعلماء الذين دخلوها ولم يخرجوا منها إلاإلى المقابر أو إلى أفغانستان لتولي بعض المناصب في(الحكومة الإسلامية)  بعد الفتح وهي الحكومة التي أدارت الحرب الأهلية بين المسلمين حتى أزاحتها حركة طالبان .

كنت أرى في بابي مجرد(سيرك) يديره مهرجي الجهاد لمجرد سلب أموال العرب وإبعادهم عن المساهمة الجادة في الجهاد ، وكانوا يحيطونها بجو كاذب مضلل . ويضخون في أسماعهم يوميا عشرات الأكاذيب والإفتراءات ، ويرفعون لديهم أقواما ويضعون آخرين .

حتى صارت الصورة التي يتم بثها من بيشاور ـ بواسطة سياف بصفته الجديدة المهيبة ـ وكبار المسئولين حوله، هذه الصورة لا تَمُتْ بصِلَة لصورة الجهاد الحقيقية ولا تساعد بأية حال على معرفة القضية الحقيقية في أفغانستان .

كان سياف وغيره من القادة لا يرغبون إطلاقا في أن يتعمق العرب في صلاتهم الميدانية بأفغانستان والجهاد هناك ، لأن ذلك سوف يفضحهم ويوضح أوجه الزيف في العملية كلها .

كان المطلوب هو أن يحضر العرب إلى بيشاور كي يستمعوا إلى الأكاذيب ويشاهد تمثيليات محبوكة يديرها القادة ومساعديهم ، مع مزيد من الهياج العاطفي المحموم التي تثيره الأشرطة والمجلات الإسلامية التي ضخمت الحديث حول مواضيع فرعية ، أهمها (الكرامات) التي كثراللغط حولها في أحاديث قليل منها صحيح وأكثرها كاذب.

الكتاب الإسلاميين فى حديثهم عن هؤلاء القادة من الأفغان “الذين يذكرونهم بالصحابة” تمادوا في هذا الإتجاه المدمر، ليس فقط للجهاد في أفغانستان بل لتاريخنا الإسلامي ورموزنا الإسلامية الكبيرة.حتى قال أحدهم عن سياف إنه عُمَر الثالث  في زهده وتواضعه!!. إلى هذه الدرجة وصل التضليل والعمى.

والويل كل الويل لمن يعترض أو حتى يتحفظ . فهو إما(عدو للجهاد)،وقد نلت هذه التهمة  مرارا، أو هو زنديق ينكر الكرامات ، أو هو يطعن في نزاهة رواة تلك الكرامات وهم من هذه الفئة التي إن قابل أمثالهم البخاري لأخذ عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 وأن من يرد هذه فقد رد تلك !!.

سمعت هذا التهريج وأمثاله بأذني من شخصيات إسلامية كبيرة وعلى قرائنا المستقبليين أن يتخيلوا درجة الإنحطاط الفكرى التي كنا فيها، وانخرطنا بها، في أعاصيرالجهاد على

أرض أفغانستان. كانت “بابي” هي بوتقة كل ذلك الغثاء ، والهوس الجماعي باسم الجهاد . كانت(حملة إسلامية) لتضليل الأمة الإسلامية  ولمنعها من الرؤية السليمة وبالتالي منعها من ردة الفعل الصحيحة .

حملة أوقدها أعداء الأمة وإنساق فيها بعفوية وصدق وإخلاص عدد من كبار رموز الأمة التي دفعتهم الساحة الأفغانية إلى مقدمة الصفوف من بين أوساط الإسلاميين .

 جاجى .. مهرجان بالنيران :

ولا تذكر(بابي) إلا وذكرت معها شقيقتها (جاجي) ذلك الموقع الحدودي الذي مارس فيها سياف تضليلا عسكريا على جهلاء العرب المتحمسين حتى الموت والمتحرقين للشهادة في سبيل الله، وأكثرهم لم يسمع في حياته صوت طلقة أو يلمس بيده بندقية . كانت ضغوطات العرب على سياف كي يذهبوا إلى الجبهات آخذة في التصاعد مع تزايد أعداد العرب الوافدين إلى أفغانستان .

تعمد سياف في البداية إرسال المتحمسين العرب إلي جبهات (مضمونة سياسيا) أي تقودها شخصيات غير طموحة سياسيا ومرتبطة بالإتحاد. فكان الإتجاه الأساسي نحو   جبهات جلال الدين حقاني . ولكنه كان يخشى من قوة حقانى وشعبيته لذا تفتق ذهن سياف عن جبهة أخرى قريبة من كابل هي جبهة (شكردرة) التي يقودها الشاب الذكي الطموح “محمد صديق شكري”الذي كان في طور التلميذ على يد أستاذه وقائده سياف.

ولم يلبث القلق أن إنتاب سياف من نباهة “شكرى” الذي أتقن العربية بسرعة وبدأ يتكلمها بطريقة سياف ويحاكيه في إلقائه وكأنه صورة طبق الأصل، فحاز إعجاب زواره من الشباب العرب ، وعقد صداقة متينة مع الدكتورعبد الله عزام وروى له عدة “كرامات” لا أصل لها، ولكنها حازت إعجاب الشيخ، فأوردها فى كتابه عن الكرامات، والمسمى “آيات الرحمن فى جهاد الأفغان”بعد أن أقسم “شكرى” على صحتها !! .

كما زادت زياراته له في بيته في إسلام آباد وفي تجمعات العرب، خصوصا المركز الإسلامي في بيشاور، فزادت شعبية شكري كثيرا.

وبدأت التبرعات تنهال على جبهته مباشرة على شكل هِبَات عينية تسلم إليه  شخصيا. شعر سياف بالخطر فكان لا بد له من أن يتواجد بنفسه فى سيرك جديد للألعاب النارية يرضى نزوات الشباب العرب.فتفتقت عقليته المتوقدة عن(جاجي) كأول سيرك جهادى للألعاب الجهادية،مخصص للسياح العرب.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 فى عام1984ــ الإنحراف يتأصل :

جاجي كانت نجم عام 1984 بلا منازع بالنسبة للشباب العربي وجماهير المسلمين المتحمسة .

 لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لي وبالنسبة لقلة نادرة من العرب ، ولا بالنسبة لأكثيرية الأفغان سواء القادة أو (الكومندانات) أو حتى الأفراد العاديين . كنت أراها تهريجا وتضليلا وإستنزافا لأموال العرب والإحتيال عليهم .

طريقة سياف في قيادة الإتحاد جعلتني أتشكك في إمكانياته لأن يكون قائدا حقيقيا للجهاد وللشعب الأفغاني . لم يكن أكثر من (قائد آخر) مثل هؤلاء الذين سبقوه.

نفس المنهج ونفس العقلية ، إلا أنه أكثرهم قدرة  على الخداع والمراوغة ففازعلى الجميع. وأمسك بسيف الشرعية وإستولى على الأموال المتدفقة على الإتحاد بصفته رئيسا لذلك الإتحاد الوهمى. ولكنها تحولت إلى أموال شخصية ساعدته في تقوية مركزه وزيادة عدد أتباعه. ولم يُصَبْ منها شيء إلى داخل الجهاد في الجبهات لأن الإنفاق على الجهاد تمويلا وتسليحا كان قد أصبح مهمة أمريكية.

وسياف ـ أو غيره من قادة الأحزاب ـ غير مستعد بالمرة أن يضحي بغنائمه من أموال العرب كي ينفقها على الجهاد نيابة عن الولايات المتحدة.

في ذلك الوقت كانت المخابرات العسكرية الباكستانية تشدد قبضتها يوما بعد يوم على  أمور القتال داخل أفغانستان ، وكانت حتى ذلك الوقت تستخدم(الأحزاب الجهادية) في بيشاور كقناة رئيسية للدخول إلى أفغانستان والتعامل مع(القومندانات)المحليين .

وسوف نرى أن هذه القناة تم الإستغناء عنها تقريبا في وقت لاحق وتحول الباكستانيون إلى الإتصال المباشرمع كل(قومندان)علي حدة، فتهمشت الأحزاب وتحول الزعماء إلى مجرد بيادق على رقعة اللعبة السياسية.

في بيشاور لم يكن الدور الأمريكي قد إتضحت لنا أبعاده الحقيقية حتى ذلك الوقت. وكنا نظنه هامشيا ، وكذلك دور باكستان والسعودية .

قبل أن يتوجه سياف إلى جاجي في زيارته الأولى لها،كنت في مَكْتَبِهِ مع الصديق المنياوي كي نطلعه على آخر تطورات البحث حول مشروع التصنيع العسكري . وكنا نعتزم قضاء بعض الوقت في الجبهات ـ عند مولوي جلال الدين حقاني ـ صديقنا الدائم .

كانت مفاجأة لنا عندما علمنا أن سياف قد أسس مركزا عسكريا في جاجي وأنه ينوي نقل مقر إقامته إلى هناك .

كان ذلك أملنا منذ البداية . ولاحظت أن سياف كان متحفظا قليلا وهو يزف إلينا البشرى رغم علمه بإلحاحنا عليه منذ سنوات كي يتخذ تلك الخطوة . وقال بأنه لن ينقل مقر إدارة الإتحاد إلى جاجي ـ كما طلبناـ إلا بعد أن يتأكد من صلاحية الموقع ومناعته . ودعانا إلى مرافقته إلى هناك فوعدناه باللحاق به فيما بعد .

دارت رأسي ولا أكاد أصدق … هل يفعلها سياف أخيرا …. تلك هي فرصته الأخيرة كي يصبح قائدا حقيقيا للجهاد … وأن يصبح الإتحاد إتحادا حقيقيا للمجاهدين وليس إتحادا ورقيا بين الساسة . ولكن لماذا يتحرك منفردا؟ … تساءلنا في إنزعاج ، لكونه يدخل إلى باكتيا ـ تلك المنطقة الحساسة ـ بدون قادتها الكبار ، وعلى رأسهم حقاني وأصحابه الآخرين مولوي أحمد جول ومولوي أرسلان وعشرات آخرين ؟؟ .

جزئية أخرى من الصورة في بيشاور آنذاك رأيناها عند العصر. لقد وصلتنا دعوة من بعض الأصدقاء لحضور إجتماع في (بيت باكتيا) وهو منزل إتخذه مولوي خالص كاستراحة لقادة محافظة باكتيا ومجاهديها عند زيارتهم لبيشاور . ذهبت مع المنياوي إلى هناك بصحبة مولوي(عبد الرحيم أخونزانده)الذي صار وزيرا للعدل بعد فتح كابل. فوجدنا البيت مزدحما بشكل غيرعادي . كان هناك ما بين خمسين إلى سبعين من قادة الداخل ليس فقط من باكتيا وباكتيكا ولكن أيضا من غزني ولوجر وغيرها من المحافظات .

كانت الوجوه عابسة والكلام يدور بنبرات غاضبة مع تلويح عنيف بالأيدي والقبضات . كان الجو ملبدا وينذر بالخطر . فسألنا مولوي عبد الرحيم عن موضوع الإجتماع وسبب هذا التوتر ، فأخبرنا بأن فتنة على وشك أن تقع .

هؤلاء هم من قادة الجبهات من حزب خالص”حزب إسلامي” وجميعهم جاء يشكو ويتوعد ، فالضغط العسكري السوفييتي الواقع عليهم يتصاعد بينما ما يصلهم من إمكانات لا يكاد يفى بالحد الأدنى من المطالب . و يسمعون عن الملايين التي يصبها العرب في بيشاور على سياف. وهذا الأخير لا يهتم إلا بحزبه الخاص ، ولا يعير إهتماما لباقي المجاهدين . وحزب خالص أفلس تقريبا ـ أو يكاد ـ بسبب إرتهانه الكامل (للإتحاد)من الناحية المالية . وهكذا صارحهم  خالص أنه لا يملك أكثر مما أعطاهم، وطالبهم بالذهاب إلى سياف .

والأخير أهملهم بل ترك بيشاور من جراء ضغطهم وضغط مجموعات مماثلة قدمت من الداخل تطالب بالدعم في مواجهة موسم قتالي هو الأشد والأسوأ من نوعه منذ دخول السوفييت (وقد  تأكد لي صحة هذا التقييم من مصادر مستقلة متعددة). إذن جاجي كانت لسياف مهربا من ضغوط الداخل ،لا تَوَّجُهاً إلى الداخل ، أى أنها هروب إلى الأمام كما يقولون .

كما أنها توَّجُه نحو مزيد من الإنفصالية الحزبية وليست خطوة إتحادية . وهاهم قواد باكتيا وما حولها يهددون وينذرون ، وكانت أهم البنود العملية المطروحة على جدول أعمالهم هي إقتراح بمهاجمة قوافل (جماعة سياف) ،أي الإتحاد، أينما وُجِدَتْ !!.

لقد إقتربت الفتنة وشمرت عن ساعديها ، فما العمل ؟ .

كان الوضع سيئا في الداخل ، وإستخدم الروس بتوسع أسلوب مهاجمة قوافل إمداد المجاهدين بواسطة الطيران وقوات الكوماندوز . وإستطاعوا تدمير عدد لا يستهان به من تلك القوافل ، بل وعطلوا مسيرها في بعض الطرق ، أي أن المجاهدين بدأوا يخسرون طرق إمدادهم وهذا من مؤشرات خسارة الحرب.  ولم يقف الأمر عند ذلك بل أن نشاط الكوماندوز السوفييتي  (سباتزناز) قد توسع واشتمل على أسلوب الهجمات المباغتة على مراكز المجاهدين في العمق وتدميرها وقتل من فيها حيث أنه يضرب في أماكن وتوقيتات غير متوقعة وبعد الحصول على  معلومات تفصيلية عن الأهداف المقصودة .

وذلك بفضل نمو نشاط جهاز الإستخبارات الأفغاني”خاد” ونجاحه الواسع في إختراق الجبهات القتالية ، فضلا عن بيشاور المهلهلة. تدفقت علينا أخبار تلك العمليات مثل الصواعق أو السيل المنهمر حتى تخيلنا أن النهاية تقترب.

فمركز مطيع الله قرب الأورجون تم تدميره وقتل من فيه بواسطة قوات الكوماندوز السوفييتية المحمولة بطائرات الهيلوكبتر .

وعدة معسكرات قريبة من الحدود على الجانب الأفغاني تم تدميرها بنفس الطريقة. وإستخدم الكوماندوز السوفييتي الأراضي الباكستانية نفسها في الهجوم على بعض تلك المعسكرات،خاصة في محافظة كونر،  فكانت المفاجأة تامة بأن كان الهجوم قادما من الجهة غير المتوقعة.وقد تواطأ بعض قادة المعسكرات في قليل من تلك  الهجمات أي أن بعضهم كان عميلا(للخاد)وباع المعسكر ومن فيه .

وبعضهم كرر نفس الخيانة أكثر من مرة قبل أن يتم إكتشافه،وبعضهم إستمر في مواقع أخرى ولم تتم معاقبته على الإطلاق .

كانت قوافل الإمداد إلي المحافظات الشمالية ضخمة للغاية وتتكون من عشرات البغال والخيل والإبل، وقد دمر الروس الكثير مها بواسطة كمائن مذهلة. وكانت تلك القوافل تكتشف بواسطة الجواسيس المنبثين على طرق الإمداد خاصة في المطاعم العامة “السماوات”،أو بواسطة طائرات الإستكشاف، وأحيانا أخرى يتم رصدها من بيشاور وينتقل معها جاسوس محترف ضمن أفراد القافلة نفسها التي تضم إلى جانب أفرادها الأصليين المخصصين للحماية أفرادا عاديين من عابري السبيل أو المسافرين إلى نفس المناطق التي تقصدها القافلة .

لم يكن ذلك كل شيء، فقد ظهرت الإشتباكات  بين المجاهدين.وبعد أن كانت محصورة تقريبا في شمال أفغانستان بدأت تزحف حتى وصلت كابل . وإنتقل الصراع السياسي بين أعداء بيشاور إلى كابل فإشتبك رجال حكمتيار (حزب إسلامي) مع رجال برهان الدين رباني (الجمعية الإسلامية) ، ودخل رجال سياف لأول مرة رغم حداثة تشكيلهم السياسي فقاتلوا ضد رجال حكمتيار.

كما علمنا أن أفرادا من الإستخبارات الأفغانية (خاد) قد دخلت في صفوف المجاهدين حول كابل، ويصبون الزيت علي النار، وبينهم أفراد كانوا ضباطا سابقين في الدولة إنضموا حديثا إلى المجاهدين وتولوا مهام قيادية حول كابل، ثم بدأت لعبتهم الكبرى في إشعال الفتنة الداخلية.

والغريب أن الزعماء في بيشاور كانوا يدافعون بإستماتة عن هؤلاء المندسين  ويشهدون لهم بالإيمان والإستقامة وبأنهم يعملون معهم منذ زمن طويل وأنهم إنضموا إليهم علانية عندما إكتشفت الدولة أمرهم . فاختلطت الحقائق وتداخلت الصفوف وأصبح صعبا معرفة  الحقيقة أو ومعرفة من يعمل مع من؟.

كانت كابل تحظى بأكبر حشد من الرجال والأسلحة بناء على طلب باكستان من الأحزاب الأفغانية . فهكذا تقضي الإستراتيجية التي وضعها الجنرال أختر عبد الرحمن مدير المخابرات العسكرية وأقوى رجل في الدولة بعد ضياء الحق . وحسب أقوال الزعماء في ذلك الوقت فإن  عدد رجالهم تراوح  ما بين 20 إلی30 ألف مجاهد للحزب الواحد .

سياف رغم حداثته إستطاع حشد ثلاثين ألفا حول كابل، حسب تصريحاته الشخصية . وبالطبع تم ذلك على حساب الآخرين فكان من المنطقي أن تحدث الإشتباكات .

في كتابه (فخ الدب) ذكر الرائد (محمد يوسف) رئيس فرع أفغانستان في الإستخبارات العسكرية أن سياف طلب منه أن يتولى بمفرده مهمة الدفاع عن المنفذ الحدود في (جاجي).

وكان يرغب ألا يشاركه حزب آخر في تلك المهمة . ويبدو أن الإستخبارات الباكستانية أوكلت إليه المهمة الرئيسية وتركت للآخرين دورا ثانويا.

كانت المنطقة هامة جدا كمنفذ حدودي تعبر منه الإمدادات من باكستان إلى عدد كبير من الولايات الأفغانية ، وذكر(محمد يوسف)أن جاجي كان يعبر منها ما نسبته 40% من الإمدادات. لقد إندفع سياف إلى مقدمة الصفوف بذهابه إلى جاجي.فهو يدافع عن منفذ هام ومنطقة استراتيجية في إعتبارات باكستان ،وكان قبلها قد حجز لنفسه مكانا بارزا في كابل، تطبيقا لنفس الإستراتيجية الباكستانية، وإن أدى ذلك إلى قتال داخلي حول كابل . وفوق ذلك كله حققت له جاجي مركزا متفوقا لدى العرب فأصبح زعيمهم الأكبر ومثلهم الأعلى ومهوى الأفئدة والأموال. ومن هنا فإن العلاقات الداخلية بين الدول (الحليفة) أمريكا / باكستان / السعودية كلما تعرضت إلى(مشاكل عائلية)فإنها تنعكس في  موقف كل دولة من حليف الدولة الأخرى .

فعندما غضب ضياء الحق من السعودية قال  لسياف في أحد  المواقف : (إن الأموال لا تصنع الزعماء ، فإن لم تفعل ما أقول فسوف أعيدك من حيث أتيت).

ولا يمنع هذا من أنه أضطر أحيانا إلى تأديب فتاه المدلل حكمتيار عندما رفض الأخير مقابلة الرئيس الأمريكي فقال له ضياء الحق : ( نحن الذين صنعناك ويمكن أن ندمرك في  ثوان) وأبلغه ذلك عن طريق مدير المخابرات .

وقد عانى حكمتيار من فترات التوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية،حيث وجه إليه الأمريكان حملات إعلامية شديدة وتصريحات عنيفة من مسؤوليهم .

كانت المنافسة الباكستانية مع حلفائها تدور في الخلف ولكنها كانت عنيفة في بعض الأحيان إلى درجة سالت فيها بعض الدماء.

 فى زيارة خطيرة لم تَخْلُ من المرح ــــ  مجموعتنا الخاصه تتحرك إلى خوست :

/ بحلول عام 1985 / إستقر الوضع في بشاور طبقاً للتخطيط الأمريكي الجديد. ولم يؤثر ذلك بأي شكل على (الأنصار العرب) في بشاور أو بلاد العرب.

كما لم تظهر لنا أي دلالة على أن الدكتور عبدالله سوف يغير قليلاً أو كثيراًمن أسلوب  عمله السابق. فى شهر مايو تحركت نحو ميرانشاه مع عدد من أفراد لجنتنا)شبه السرية)في طريقنا إلى خوست حتى نرى طبيعة الوضع هناك.

ونقرر ماذا نستطيع عمله من مشاركة مباشرة في القتال. وطبقاً لظروفنا )التعيسة(وعددنا التافه. غادرت مع (أبو حفص) و (عبد الرحمن المصرى) وكلاهما من مصر ومعنا أبو عبيدة العراقي ولم يكن عضواً في (اللجنة) بل صديقاً حميماً لعبدالرحمن “وحذره مراراً من العمل معي طبقا لما يسمعه عنى فى بيشاور”. ولما لم يستجب له قرر أن يصاحبنا كي يراقب الأمورعن كثب. ولم أر بأساً في ذلك، ثم أصبحنا أصدقاء فيما بعد. إصطحبت معي أبنائي خالد وعبدالرحمن.

الأول كان في الحادية عشر تقريباً والآخر في السادسة. وأظنهما أول أطفال العرب دخولاً إلى أفغانستان. وكانت فرحة المجاهدين بهما عظيمة عندما وصلا إلى جاور. وأصبحت لهما شهرة كبيرة في المنطقة، وسرقا الأضواء مِنّا نحن الأربعة الكبار. نزلنا في إحدى مغارات جاور. وإستقبلنا فيها شهر رمضان.

{ وعلى بعد خطوات من ذلك المكان، وبعد  ثلاث سنوات تقريباً قُتل إبني خالد مع إثني عشر شابا عربيا بقنبلة طائرة روسية . وقبل ذلك بثلاثة أشهر كان قد إستشهد صديقى عبد الرحمن المصرى فوق جبل تورغار بواسطة لغم روسى . وفى عم 2011 استشهد أبو حفص المصرى بصاروخ طائرة أمريكية}.

كان حقاني في ليجاة في ذروة النشاط، يحاول التجهيز لاستقبال هجوم سوفييتي كبير كان يعتقد أنه قريب. وأرسل تحذيرات شفوية وكتابية إلى قادة الأحزاب في بشاور، يحذرهم من الهجوم المرتقب ويعرب عن خشيته من أن يحاول السوفييت إغلاق منافذ (جاجي) و (جاور) في هجوم واحد يفِكّون من خلاله الحصار المضروب حول مدينة (خوست( ويفتحون الطريقين المؤديين إليها طريق (زدران) وطريق (منجل).

لكن لم يستجب له أحد بطبيعة الحال، فلم يكن ذلك من سياسة الأحزاب ولا سياسة الحكومة الباكستانية. فقط عندما تقع الكارثة تسحب باكستان قادة الأحزاب وترغمهم على فعل شيء ما وإخراج ما لديهم من أسلحة وأموال، وأن يطلبوا من أعوانهم التنسيق فيما بينهم.

كان ذلك فقط إجراءاً إستثنائياً في حالة وقوع الكوارث. أما قبل ذلك فلا.. لم تكن مصالح باكستان أو قيادات الأحزاب تتفق مع وجود قيادة قوية متحدة للمجاهدين في الجبهات، فباكستان ستفقد معها القدرة على السيطرة والتحكم وفق سياسة فرق تسد التي ورثوها عن أسيادهم البريطانيين.  أما قادة الأحزاب فمكانهم الطبيعي تحت أقدام سادتهم في العاصمة الباكستانية يتلقون منهم المال والسلاح.. والأوامر، ولا مكان لهم في ميادين الحرب. وأي إتحاد بين قيادات الداخل، وحتى أي تنسيق طويل المدى كانوا ينظرون إليه على أنه مؤامرة موجهة  ضدهم مباشرة. وهكذا إتهمنا سياف بالتآمر عام 84 عندما إقترحنا العمل عسكرياً في كل ولاية باكتيا، تحت زعامته وبجميع القادة المخلصين في الداخل بصرف النظر عن الإنتماءات الحزبية. ولكنه في حملة1985 ضد جاجى،  هرب وترك مواقعه، ولم تتحرك باقي المنظمات

إلاعندما أصبح أمن باكستان مهدداً بالخطر، وإقتربت القوات السوفييتية إلى بعد مئات الأمتار من جاجي وخمسة كيلومترات من (جاور(. فهمنا وقتها ــ وللأسف لم يوافقنا سوى قليلون جداً – أن الأحزاب الأفغانية تخدم باكستان  قبل أن تخدم الجهاد، بل أنها تضر بالجهاد من أجل سياسة باكستان.

كان عبدالرحمن المصرى وأبوحفص كلاهما قد شارك في معارك الشتاء الماضي في (شريناو) إلى الجنوب من (جاجي)،تحت قيادة مولوي (فتح الله حقاني) وكانت معركة قاسية، بسبب ثلوج الشتاء وقلة التجهيزات، وشدة الهجوم الحكومي.

تعلم الإثنان طريقة تشغيل وإستخدام صواريخ )الكاتيوشا 107مليمتر( من فوق الصخور وبدون جهاز إطلاق.

وكان الإثنان قد خدما سابقاً في الجيش المصري، أبوحفص كضابط إحتياط، وعبد الرحمن المصرى كلاعب كرة قدم غير حريص على واجباته العسكرية.

وإشتهر الإثنان  بالإمتياز في لعب كرة القدم، حتى نالا شهرة بين عرب بشاور،وبالتالى تمتعا بلياقة بدنية عالية جداً، ثم فطرة شجاعة إلى درجة الجنون. وقد لاحظ الأفغان ذلك في معركة (شريناو) حتى أطلقوا عليهما لقب (العرب المجانين).

صالون حلاقة بالإكراه فى مغارات جاور :

كان الجو حاراً فاقترح عبدالرحمن المصرى ، وكان أكثر المجموعة حيوية ومرحاً مهما كانت المواقف لذلك كان أقرب الإخوة إلى قلبي، إقترح وقتها أن نحلق رؤوسنا بالموس، بدعوى أنه فعل ذلك العام الماضي وشعر بتحسن كبير.

وفعلاً حلقنا جميعاً حتى الأطفال، وكنّا نحن الستة في مغارة واحدة. وبعد إتمام العمل جاء أحد المجاهدين، وعندما  رآنا جميعاً برؤوس لامعة فقع من الضحك وذهب ينادي زملاءه حتى يشاهدوا منظرنا العجيب، ستة من المخلوقات الغريبة حليقة الرؤوس داخل مغارة معتمة، ياله من منظر رهيب.

نصحه عبدالرحمن ألا يفعل ولا ينادي أحداً، لكنه أصر، فقام إليه مع أبي حفص وأبي عبيدة وشدوا وثاقه إلى أحد الكراسي وصبوا الماء البارد على رأسه.. ثم حلقوا شعره بالموس، ولم يفده الصراخ حتى صار رأسه لامعاً مثلنا.. ففضل أن يمكث معنا في المغارة.

سبب الطفلان إزعاجاً لي، كانا كثيرا الشجار ليلاً ونهاراً، عبدالرحمن عصبي، وخالد خبير في إثارة المشاكل لأخيه. في تمرينات الرماية تفوق خالد بسرعة مدهشة، عبدالرحمن ما زال يغمض عينيه عند الضغط على الزناد إضافة إلى حاجته إلى شخص يسنده من الخلف حتى لا يسقط أرضاً أو أن يؤذيه إرتداد الكلاشنكوف. بالطبع لا يصيب الهدف ولكنه يتعارك دائماً مع الذي يسنده من الخلف لأنه هو الذي إهتز وأضاع منه الهدف. إنتقلنا جميعاً إلى (ليجاه( لمقابلة مولوي جلال الدين هناك حتى نعلم منه ما هو الموقف الآن في المنطقة وماذا ينوي أن يفعل. وصلنا هناك وبدأت مشكلة الأولاد مرة أخرى، ليس بسبب أخطار الحرب ولكن لرغبتهما في المشاركة فى الجهاد!!. وتوَّقَد حماسهما عندما وصلنا قمة جبل مرتفع حيث مدفع (زيكوياك) مضاد للطائرات مع طاقمه. خالد مُصِرّ على أن يطلق عدة طلقات وأن يتعلم على المدفع.

وبالفعل سمحوا له بذلك لفرط فرحتهم بوصول الأطفا إليهم  فى ذلك المكان الخطير. عبدالرحمن أطلق هو الآخر من نفس المدفع، فلم يكن ليسمح أن يتفوق عليه أخاه الأكبر. تحركنا فوق الجبل ووقف أحد المجاهدين يشير لنا على مواقع العدو القريبة من حافة الوادي. طالبته بالإحتراس في حركته ولكنه ضحك وأشار بيده مستهيناً بالعدو وإستمر في الشرح حتى وصلت قذيفة دبابة قريباً منّا. فإختطفت عبدالرحمن وأسرعت بالإنحدار إلى الجانب الآخر من الجبل.

إستمر القصف ونحن نتناوب حمل الغلام حتى وصلنا ونحن نعاني من خدوش فى الأرجل، ولكن .. وذلك هو العجيب ، كان عبدالرحمن فى غاية السعادة لتلك المغامرة التي مازال يذكرها حتى اليوم. ولم يكن أخوه خالد أقل سعادة وهو الذي يطير فرحاً إذا حدث أي شيء غير عادي، إنزعج منه الآخرون.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

حقانى يقول: لماذا لا تغلقون أنتم المطار ؟؟.

فوق جبال ليجاه  وقت الضحى، جلسنا مع الشيخ جلال الدين فوق قمة أحد الجبال المشرفة على الوادي. كان شهر رمضان في أيامه الأولى.وحقاني في إجتماع مع  قادته.

تركناه حتى يفرغ  من محادثة رجاله وجلسنا نتناوب النظر إلى وادي خوست بمنظار مقرب كنت أمتلكه وكان فريداً من نوعه وقتها.

فالمناظير المقربة وأجهزة الإتصال اللاسلكي الصغيرة كانت قليلة جداً وسيئة النوعية. أحد المتبرعين أرسل منظاراً فلكياً !! وجدناه فوق الجبل، حاولنا إستخدامه فوجدناه لا يصلح لشيء ، أوْصَيْتُ بإرجاعه إلى الإمارات من حيث أتى. حلقت طائرة ضخمة تطير على إرتفاع منخفض فوق الوادي كي تهبط في مطار المدينة الذي لا نراه من موقعنا.و لم تلبث أن جاءت طائرة أخرى وهبطت، أصابتني الدهشة، كيف تستطيع الطائرات أن تهبط هكذا بحرية في المطار؟. سألت الشيخ حقاني هذا السؤال بعد ذلك بدقائق.

فقال بأن القوات الحكومية قد سيطرت على جبل تورغار منذ شتاء العام الماضي بهدف تأمين المطار من هاونات المجاهدين. فذكرت له أن الصواريخ الجديدة مداها كبير (9كيلومتر) ويمكنها إصابة المطار حتى لو كان تورغار مع الحكومة، وتساءلت لماذا إذن لا تغلقون المطار؟.

وبمهارة فائقة رد الشيخ بجدية : ولماذا لا تغلقونه أنتم؟. لقد أثرت تلك الكلمة إلى حدٍ كبير في (مستقبلي العسكري!!) فى أفغانستان، ولم أدرك ساعتها عمق ذلك التأثير، فقط قبل نهاية الحرب فهمت إلى أي درجة كانت تلك الكلمة حساسة، وأن الأمر كان أكبر كثيرا مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 9

 

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 8

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 8

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 158 ) | شعبان 1440 هـ / أبريل 2019 م .                  

19/04/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 8 )

– ضابط سوفيتى :{ لايمكن هزيمة ” المتمردين” بواسطة جيش يفر من المعركة ، وجنود ميليشيا لا يؤدون واجباتهم}.

– الوفود الإسلامية تجاهلت جبهات القتال وركزت على دعم سياف زعيما لأحزاب بيشاور .

– يونس خالص : الإخوان العرب أفسدوا كل شئ ، وبعد كل زيارة لهم تظهر لدينا مشاكل لم تكن موجودة قبلا. واللجنة العسكرية للإتحاد تحولت إلى لجنة لدفع أجرة نقل الأسلحة بالخيل والبغال .

– حقانى رفض منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية لأنها تحولت إلى لجنة لدفع نفقات نقل الأسلحة إلى الداخل ، ويتوجه لبدء معركة فى الأورجون رغم معارضة سياف .

– قائد حكمتيار فى أورجون يصر على منصب قيادة العمليات، ويفتح الطريق أمام النجدات السوفيتية.

– المباحثات بين مسعود والسوفييت إنتهت بعقد هدنة وصفها قائد ميدانى بأنها طعنة فى الظهر .

– إستعداد باكستانى وعالمى لقبول حكومة مشتركة “شيوعية/ إسلامية” بقيادة حكمتيار، والشيوعى بابراك كارمل  ،لفرض السلام على الجميع ووقف “الحرب الأهلية”.

– نقاش مع ضباط الإتحاد حول تصنيع الذخائر ، وحقانى يصف المشروع بأنه” الأهم فى الوقت الراهن”.

– دروس فى النقد الذاتى مع برهان الدين ربانى فى مدينة “وانا” جنوب وزيرستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 

أحداث عام 1982م زودتنا بالعديد من الإشارات الهامة على المستوي الأفغاني والمستوي العربي. فمن تجربتنا  المباشرة في أطراف خوست إستنتجنا أن خوست يمكن فتحها بل أن السوفييت يمكن دحرهم من أفغانستان كلها.

وهكذا فإن الإنتصارات ـ حتى الصغير منها ـ تعطي دفعات معنوية هائلة.  وفي المقابل كانت القوات الشيوعية تنهار معنوياتها بنفس المقدار. وفي تصريح نادر قال أحد الضباط السوفييت للصحافة ):

لا يمكننا هزيمة هؤلاء المتمردين بواسطة جيش يفر من المعركة وجنود ميليشيا لا يؤدون واجبهم على الوجه الأكمل).وهو تصريح يصلح لأن يقوله ضابط أمريكى الآن فى عام 2019 وفي ليجاه أيضا قصفت طائرات الهليكوبتر مراكز المجاهدن بنحو 3600 صاروخ في المعركة الأخيرة فقط !! . وأسقط المجاهدون إحدى هذه الطائرات ـ وربما أكثر من واحدة ـ ووجدوا جثث  متفحمة لنساء في واحدة منها .

لا ندري حتى الآن السر في وجود هؤلاء النساء في الهليكوبتر،  ولكن الحادث نفسه إستفز مشاعر المجاهدين وسكان المنطقة .

 

ثورة فى الأورجون

مع بداية عام 1983م كان المجهود الإسلامي الشعبي منحصراً في جمع التبرعات العينية للمجاهدين الأفغان. ومقولة أن الأفغان ليسوا في حاجة إلي الرجال كانت هي السائدة ويروج لها الإخوان المسلمين وباقي العاملين على الساحة الإسلامية الشعبية .

وصلت إلي بيشاور في ربيع ذلك العام لأجد الضجيج واللغط أعلى من أي عام سبق . والوفود الإسلامية الوافدة في قمة نشاطها . لقد جمعت السعودية أبرز الشخصيات الإخوانية مع بعض السلفيين وعدد  من أبرز ضباط إستخباراتها وكونت (لوبي) إسلامي شعبي ، يضغط من أجل تثبيت زعامة سياف للجهاد في أفغانستان، وأيضا للضغط إعلاميا وشعبيا على ضياء الحق حتى يتوقف عن مساعدة الأحزاب الأخرى.

رغم أن ضياء الحق كانت له حساباته المختلفة ،ويعتبر حكمتيار هو الورقة الباكستانية الثابتة والأكيدة على الساحة الأفغانية.

ومع هذا نجحت الضغوط السعودية بإستخدام الأموال لتسكين خواطر قادة الأحزاب الأفغانية وبإستخدام القيمة الدينية للكعبة المشرفة، فجذبت السعودية ووفدها الإسلامي زعماء الأفغان إلي داخل الكعبة كي يقسم الجميع على البقاء في الإتحاد وعدم الخروج عليه وعلى طاعة زعيمه سياف والقسم على حل المنظمات التابعة لهم والإندماج كليا في الإتحاد .

وقد وقع القادة على بيانات تفيد بذلك ، وقامت السعودية والإعلام الإخواني بنشر تلك البيانات علي أوسع نطاق ممكن .

بالطبع لم يكن ضياء الحق راضيا عما حدث ، والقادة الأفغان كانوا في غاية الإمتعاض. وما أن حصلوا على الأموال التي وزعها عليهم الوفد الإسلامي ومسؤولي السعودية لقاء التوقيع على أوراق الإتحاد ، حتى توجه الزعماء جميعا ـ ما عدا سياف طبعا ـ إلى ضياء الحق كي يخبروه بأن ما حدث ليس إلا مجاملات دبلوماسية للوفود العربية، فلا يأخذ مثل ذلك التهريج السعودي مأخذ الجد.

ولكن الصراع الداخلي بين المنظمات صار أكثر حدة ، ليس فقط في مجال الحرب النفسية وحرب الشائعات في بيشاور والخارج ، بل أن الصدامات المسلحة شهدت منذ ذلك الوقت إتساعا ونموا كبيرا وألقت المنظمات الرئيسية معظم جهدها الداخلي في تنمية الصراع والقتال الداخلي.

لم يكن الإخوان أو السعوديين أو الوفود الإسلامية التي بدأ عددها يتزايد وكمية الأموال التي تحملها لسياف تتعاظم ، لم يكن يخطر ببالهم ـ أو أنهم تجاهلوا عمدا ـ مسألة الإتصال المباشر بالجبهات وكأن ذلك في إعتبارهم من الموبقات .

حتي سياف نفسه كان بعيدا جدا عن الجبهات أو العناية بشأنها . كان غارقا حتى أذنيه في الصراع مع زملائه قادة الأحزاب وكل همه منصب على تجفيف مواردهم المالية الخارجية ، أي الإستحواذ منفردا على نهر الأموال المتدفق من جزيرة العرب. كان ذلك يمكن فهمه لو أن سياف توجه بتلك الأموال ـ التي أكسبته قوة سياسية ومؤيدين وجذبت رائحتها عشرات القادة في الداخل، فبايعوه وأعينهم بالطبع على خزينته الممتلئة ـ لو أنة توجه بتلك القوة المالية والسياسية نحو جبهة  القتال لكان ما يفعله معقولا ومبررا.

 

منعطف فى معركة الأورجون

مع وصولي إلى بيشاور وجدت الشيخ يونس خالص متبرما ويضج بالشكوى من سياف والقاد والعرب. وأفاض معي بالشكوى قائلا :

إن “الإخوان العرب” أفسدوا كل شيء وأصبح الجهاد مهددا بالفشل من جراء تدخلهم . هم يأتون ويذهبون وفي كل مرة يخلقون ورائهم جبالا من المشاكل لم تكن موجودة أصلا . إنهم يحاولون شراءنا بالمال . قبل أن يعقدوا بيننا الإتحاد الأخير وزعوا علينا الشيكات وكأنها رشوة حتى نقبل بسياف . ولما جلسنا معهم وبدأت أنتقد سياسة  سياف تدخل أحدهم لمنعي من الكلام ، وأخرجت الشيك من جيبي ورميته إليه قائلا :”إذا كان هذا الشيك سيمنعني من الكلام فأنا لا أريده” . لقد جعلونا نقسم داخل الكعبة على الإتحاد وقبل أن نخرج من باب الحرم المكي بدأت الخلافات بيننا. ليس بيننا إتحاد وكل زعيم يعمل لمصلحته ولحزبه الخاص.

أنا رئيس اللجنة المالية وليس من صلاحيتي إستلام أموال التبرعات، وليس من صلاحيتي طلب كشوفات الصرف من رؤساء اللجان

 ـ الذين هم رؤساءالأحزاب ـ لقد أخذ كل منهم المال لنفسه ولحزبه ،تقسمت بينهم الأموال

 ولم يصل شيء للمجاهدين .

مثلا : اللجنة العسكرية التي يرأسها رباني صرفنا لها أكبر مبلغ من الميزانية وهو 260 مليون روبية باكستانية وإتفقنا مع رباني أن يدفع للمجاهدين أجرة إنتقال السلاح إلى داخل أفغاسنتان.

ولكنه دفع فقط لهؤلاء التابعين لحزبه (الجمعية الإسلامية) وعندما جاء له مجاهدو الأحزاب

الأخرى قال لهم أن الميزانية قد نفذت .والنتيجة أن قوافل المجاهدين التي تنقل السلاح جلست على الحدود ترفض التحرك إلي الداخل بدعوى أنها لا تملك أجرة النقل} .

قابلت الصديق القديم مولوي جلال الدين حقاني . كان أيضا في بيشاور وقد كلفه سياف أن يكون نائبا لرباني في اللجنة العسكرية . كان حقاني غير راض عن اللجنة العسكرية التي لاهم لها إلا دفع أجرة نقل الأسلحة بالبغال والخيل . فهي لجنة  نقليات وليست لجنة عسكرية .

إضطر حقاني لمغادرة بيشاور رغم عدم موافقة سياف . فقد كان لدى حقاني برنامج للعمليات ضد مدينة أورجون في ولاية باكتكا الواقعة إلى جنوب ولاية باكتيا( وتربطهما نفس السلاسل

الجبلية والوديان بل ونفس القبائل) .

تمكن حقاني من الحصول على نصف مليون روبية باكستانية من سياف لتمويل العمليات في الأورجون . وكنت برفقة حقاني وهو يغادر بيشاور كى أحضر تلك العمليات .

على بعد حوالي 40كم من بيشاور تقع قرية (دارا آدم خيل) التي تديرها القبائل الباكستانية وتتخذها مركزا لتصنيع وبيع الأسلحة ، ثم المخدرات والبضائع المهربة .

كان لحقاني أصدقاء أقوياء من تجار(دارا) كانوا على إستعداد لإقراضه معدات وذخائر بالملايين، على أن يؤجل الدفع إلى حين ميسرة . لم يخرج حقاني من (دارا) إلا وقد فرغ جيبه تماما ، إشترى مدفع واحد مضاد للطائرات(14.5مم) وذخائر للمدفع المذكور ولمدفع الدوشكا الموجود بالجبهة . إضافة إلى ذخائر خفيفة  ومنظاراً لمدفع ميدان . وخرج مديونا آخر النهار ، ولكنه كان سعيداً بتلك الإضافات الجديدة .

كان معنا في الرحلة ثلاثة شخصيات عسكرية ممتازة . الأول الرائد (جولزراك) المدرس السابق في الكلية الحربية والشاعر والمؤلف الأديب . والثاني الضابط محمد أختر الذي طرد من الجيش وسجن عدة سنوات مع سياف بسبب إنتمائه الإسلامي . والثالث ضابط المدفعية سراج الدين ، وقد كان قوي البنية متجهم الوجه ولا أذكر أنني رأيته مبتسما. وإنضم إلينا رابع هو الضابط معافي خان ، كان هو أيضا قوي الجسم ولكنه خجول لطيف المعشر ودود مع كل الزملاء .

والأخير إستمرت معرفتي به حتى نهاية الحرب حيث أصبح قائدا بارزا من قادة حقاني . أما الثلاثة الآخرون فقد كانت تلك بداية عملهم مع (الإتحاد) وتحت قيادة سياف . كان سراج الدين ومعافي خان كلاهما من رجال المدفعية وكانت مهمتهما تشغيل أحد المدافع لمساندة المجاهدين . أما جولزراك ومحمد أختر فكلاهما كانت مهمته إستشارية وأيضا لجعل هذه المعركة بإسم الإتحاد الإسلامي لمجاهدين أفغانستان . وأظنها كانت المرة الأولى ـ وربما الأخيرة ـ التي يحاول سياف أن يدعم معركة عسكرية ليست نابعة من تنظيمه ، ولكنه حتى ذلك الوقت كان يعتبر حقاني أقرب حلفائه . ويكفي أنه السبب المباشر في إنتخابه رئيسا للإتحاد عام 1980م كما أنه من أكبر الدعاة إلى الإتحاد بين فصائل المجاهدين .

مع الضباط الثلاثة أجريت نقاشات كثيرة ممتعة أفادتني كثيرا في التعرف على أحوال الجيش قبل الإنقلاب الشيوعي وتصرفات الضباط المعادين للشيوعية في الجيش وكيف دبروا عدة محاولات إنقلابية فشلت جميعها  بسبب الإرتجال وسوء التنظيم . كما رتبوا الكثير من عمليات الفرار مع جنودهم وعتادهم وإنضموا للمجاهدين وتأثرت كثيرا بقصص التطهيرالدموي داخل الجيش الأفغاني . وللحقيقة فإن السوفييت إستطاعوا تكوين كوادر عالية التأهيل داخل قطاعات الجيش والمخابرات والحزب أو الأحزاب الشيوعية .

وكان الإنقلاب الشيوعي عام 1978م خاتمة سلسلة أعمال دؤوبة ومنظمة ينفذها الشيوعيون الأفغان تحت توجيه مباشر من مسؤوليهم في السفارة السوفييتية في كابل . وكان للمسلمين بعض المجهود التنظيمي داخل الجيش، خاصة من طرف حكمتيار، ولكنها كانت سيئة وبدائية لذا كشفت بسهولة وقمعها الشيوعيون بوحشية بالغة.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 عرقلة الفتح :

كان من المفروض أن ينهي الوفد العسكري الإتحادي بالتعاون مع حقاني مباحثات مع قادة المنطقة من الأحزاب المختلفة بهدف شن هجوم موحد على مدينة أورجون . طالت المباحثات كثيرا رغم إتفاق معظم القيادات على العمل بشكل مشترك تحت قيادة حقاني . ولكن قائد حزب إسلامي حكمتيار رفض هذا الإتفاق وأصر أن يكون هو القائد العام . كان ذلك القائد حديث السن والتجربة ولم يكن موضع ترحيب من الآخرين لأسباب متعددة ولكنه أصر . هذا القائد ويدعى(خالد فاروقي) وافق في نهاية الأمر أن يمنع النجدات العسكرية الشيوعية من دخول المنطقة حيث أن موقعه على التلال والجبال المشرفة على الطريق تمكنه من ذلك ،ورغماً عن سهولة العملية لكون الطريق قد تم تلغيمه بكثافة . فقد ضاعت عدة أشهر في تلك المباحثات  حتى بدأت المعارك مع دخول الشتاء. إنضمت دبابتان إلى المجاهدين ، في إحدهما ضابط كبير يدعى “نظر محمد” من قبيلة زدران وعلي درجة من القرابة مع الضابط الإتحادي جولزراك. ( فيما بعد إنضم نظر محمد إلى حزب سياف وعميلا مزدوجا للقوات الحكومية. فكان من الأسباب الرئيسية فى سقوط جبال ستى كاندو وعبور الجيش السوفيتى إلى خوست لأول وأخر مرة ـ  فى تلك الحرب وذلك فى شتاء عام( 87 ــ 1988 ).

إستخدم المجاهدون الدبابتين في فتح الحصن  الذي كنا نشتبك معه . ثم هاجم المجاهدون المدينة نفسها وإقتحموا نصفها، وتهيأ النصف الآخر للإستسلام لولا أن حدثت مفاجأة.

جاء الخبر أن القوات الروسية قد عبرت المناطق الملغومة وهي في طريقها إلي المدينة. أصدر حقاني أوامره إلي المجاهدين بالإنسحاب فورا من الوادي والصعود إلى قمم الجبال . لقد بدأت القوات الروسية حملة مطارة شرسة للمجاهدين ، وكانت الثلوج قد غمرت المنطقة وجعلت حياة المجاهدين لا تطاق . فليس لديهم مراكز إيواء فالطيران يطاردهم في كل مكان والهيلوكبتر توجه نيران الصواريخ والمدفعية . وتسرب المجاهدون إلي خارج المنطقة ، ولم يتبق إلا حقاني وعدد محدود جدا من المجاهدين . وإنتشرت إشاعة بأن الروس سوف يقومون بعمليات إنزال خلف المجاهدين لقطع طريق إتصالهم مع باكستان . لقد كانت تجربة عسيرة بالنسبة لحقاني ، ولكنها لم تكن الوحيدة في حياته من هذا النوع .

كان سبب هذا الإنقلاب أن خالد فاروقي ترك مراكزه فوق الجبال وغادر المنطقة بسبب  البرد والثلج وبدون أن يخطر حقاني بذلك . فأوقع بذلك هزيمة مؤلمة بالمجاهدين وأضاع عليهم نصرا لا شك فيه .

مثل هذه الحوادث تكررت بشكل لا يترك لدينا شك في أنها كانت مرتبطة بالصراعات الحزبية والأحقاد الشخصية وأحيانا بأوامر من باكستان  كما سنرى تفصيلا في مناسبات لاحقة سوف نتناولها.  إن رفض فاروقي للإتفاق أخر المعركة عن موعدها المقرر عدة أشهر حتى بدأت في موسم الثلوج الذي لا يناسب المجاهدين بأي شكل ولكنه يناسب العدو بشكل مثالي .

 

التصنيع العسكرى:

كان الضباط الثلاثة أذكياء ومثقفين على غير عادة ضباط الجيش . وبقدر ما كانت أحاديثي معهم مفيدة ومفعمة بالأمل إلا أنها إنتهت بالدخول إلي أبواب مشاريع عملية أدت إلي تبديل مساري مع سياف والإتحاد، بل أثرت إلى درجة بالغة على تواجدي في أفغانستان وحتى نهاية الحرب ، وربما إلي وقتنا الحالي . ولنبدأ القصة من أولها .

بينما نحن في الجبهة والمناوشات مع العدو على أشدها وكان نجم الموقف هو مدفع الدشكا وراميه العجيب الذي صار مضرب الأمثال في الصبر والصمود والدهاء ، فقد كان مشتبكا بمفرده مع حصن رئيسي للعدو ، ومع الهيلوكبتر الذي يداهمه من آن لآخر ثم مع المدفعية التي تباغته علي فترات متقطعة .

صار الرجل مضرب الأمثال في موقعه المنعزل ، ولا يطيق أحد من المجاهدين أن يصبر معه يوما واحدا أو يومين . بينما هو راسخ كالجبل يشتبك بمفرده مع جيش كامل ، فأثار حماس الجميع وكانت تذهب إليه وفود المجاهدين للتهنئة وتقدم له الدعم من بعيد خاصة ضد مشاة العدو إذا حاولوا التقدم للقضاء عليه. وفجأة توفقت الدشكا وتقهقر الرامي إلى الخطوط الخلفية. فقد نفذت الذخائر. عم الحزن صفوف المجاهدين لتوقف هذه الإشتباكات الرائعة والمثيرة ، وبدأ الطيران بأنواعه يكنس المنطقة موقعا موقعا . إستغرق الأمر حوالي أسبوع حتى

إستطاع مولوي (محمد حسن)، قائد الموقع أن يجد عدة صناديق ذخيرة . هنا تساءلت على إستحياء لشعوري أنني أتطرق إلى أسرار عسكرية فسألت الرائد جولزراك ـ وقد كان أقرب أفراد المجموعة إلى نفسي ـ سألته : (ألا يصنع الإتحاد ذخائر للأسلحة الأساسية؟). وفي الحقيقة كنت أتوقع أن سياف قد بدأ منذ مدة في شيء مثل هذا .

ولكنني فوجئت بتأكيد جولزراك أن مثل هذا الشيء غير موجود بل أنه ـ على خطورته ـ لم يطرح للبحث ولو لمرة واحدة !!.

وهنا تدخل باقي الضباط وإتسعت المناقشة لتشمل الوضع السياسي للقضية الأفغانية إضافة إلى وضعها الداخلي سياسيا وعسكريا ، وكانت حقا مناقشة مستفيضة ، بل ممتعة ومفيدة والأهم أننا خرجنا في نهايتها بقرار ومسودة مشروع لتصنيع الذخائر على أن أتولى بشخصي مفاتحة سياف وإقناعه وبدء العمل معه في المشروع .

وذلك لما يعرفونه من قوة علاقتي به ولكوني عربي ـ وهذه هي المفاجأة ـ فسوف أستطيع تحريك الموضوع أكثر من أي واحد منهم رغم أنهم من الطاقم العسكري للإتحاد!! . وذلك للمكانة  الخاصة  التي يحظى بها العرب لدى سياف !!.

كانت مبررات العجلة في ذلك الأمر راجعة إلى الموقف السياسي العالمي من قضية أفغانستان ، إضافة إلي تطورات داخلية خطيرة .

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

الأمم المتحدة وباكستان ، لحل القضية :

ففي 22 أبريل 1983م إستطاع المبعوث الخاص للأمم المتحدة لدى أفغانستان أن يتوصل إلى إتفاق بين حكومتي كابل وإسلام آباد. يقضي الإتفاق بالسعي عبر مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين وبواسطة الأمم المتحدة إلى إقرار تسوية سياسية لمشكلة أفغانستان من أجل وضع

أساس دائم لحسن الجوار بين البلدين .

كانت ضربة سياسية غير متوقعة إهتز لها وضع الجهاد وبدأت تظهر أولى معالم التآمر الدولي على المجاهدين ، وبواسطة باكستان المحضن الأساسي للأحزاب والمجاهدين . وكان التوقيت في حد ذاته دعما سياسيا لنظام كابل الذي يحتفل سنويا بيوم الثامن والعشرين من أبريل لذكرى الإنقلاب الشيوعي .

فظهر الأمر كأنه هدية أعياد الميلاد تهديها الأمم المتحدة للنظام الشيوعى . وكانت أول إشارة عن حالة العداء المكتوم الذي تكنه المنظمة الدولية للأفغان وقضيتهم الجهادية. طبعا حاول أرباب الجهاد أن يردوا بطريقتهم التهريجية على ذلك التحدي الدولي فجاء الأعلان عن الإتحاد السباعي الذي تحدثنا عنه منذ قليل والذي نظمته الإستخبارات السعودية والإخوان المسلمون وأفراد آخرون لا ينقصهم الإخلاص ولا الأموال ، ولا السذاجة أيضا .

وكان الإعلان عن قيام الإتحاد(الورقي) في 22 مايو 1983م . (الموافق التاسع من شعبان 1403هـ) .

ولا شك أن الإتحاد المزعوم كان تفاقما للأزمة السياسية التي يعيشها الجهاد منذ نشأته . وجاءت الخطوة الدولية ببدء المفاوضات لتزيد الأزمة سوءا وتفتح مزاد البيع والشراء في قضية الشعب الأفغاني بل قضية الجهاد الإسلامي نفسه .

داخليا كانت هناك كارثة لا تقل سوءا. فبعد  حملات بانشير التي يقال أنها وصلت إلى سبع حملات عنيفة قام بها السوفييت لتدمير قواعد مسعود في بانشير .

هذه الحملات أسفرت مؤخرا عن مباحثات ثنائية بين مسعود والجنرالات السوفييت إنتهت بإعلان هدنة بين الطرفين . وكانت قنبلة أحدثت دويا عنيفا في أوساط المجاهدين في الداخل، ولغطا في بيشاور التي لا ينقصها  اللغط .

بعض القادة المخلصين في الجبهات أخبرني وقتها بأن هدنة مسعود إنما هي طعنة في  الظهر وبداية النهاية للجهاد ، وفي الداخل كانت تعليقات المجاهدين تدور حول هذا المعنى .

تحدثت مع ضباط الإتحاد … وكان تقييمنا أننا أمام مؤامرة دولية وإنهيار داخلي عند مسعود قد يكون مؤامرة داخلية كما يعتقد البعض. إذن عاجلا أو آجلا فسوف تقطع المساعدات الخارجية القادمة عبر باكستان ، بل أنها قد تغلق الحدود في وجه المجاهدين في محاولة لفرض تسوية سياسية لقضيتهم لا توافق أهدافهم الإسلامية .

وزاد الطين بلة تسريبات روجتها الصحافة العالمية عن إستعداد باكستاني لقبول حكومة شيوعية  إسلامية مشتركة ، يكون فيها بابراك كارمل الزعيم الشيوعي الأفغاني رئيسا للبلاد ، ويكون حكمتيار الزعيم الأصولي المتشدد رئيسا للوزراء .

وبهذا يكون الرجلان القويان قادران على فرض السلام على جميع الأطراف ووقف (الحرب الأهلية في البلاد!!) .

كانت تلك أول إشارة ، ولم يصدقها أحد خاصة نحن من السذج المتحمسين، فمهما كانت تحفظاتنا على قادة الأحزاب فلن يقبل أيا منهم بالمشاركة في السلطة مع الشيوعيين ، وكم أثبتت السنوات التالية مقدارغبائنا .

المهم كان إستنتاجنا الأساسي أنه لا بد من السعي نحو الإكتفاء ذاتيا من الذخائر المهمة وتصنيعها داخل المناطق المحررة من أفغانستان تحسبا لاحتمال إغلاق الحدود مستقبلا عند إقرار تسوية سياسية . وقلنا أنه حتى في حالة فشل مثل تلك التسوية أو تأخيرها ، فإن إمتلاك المجاهدين تلك القدرة التصنيعية والإكتفاء الذاتي في الأساسيات سوف يقوي موقفهم إزاء باكستان وأي طرف خارجي يحاول الضغط عليهم أو التأثير على قرارهم . كانت إستنتاجاتنا منطقية ومعقولة وتحمس الجميع لها لدرجة أنهم تعجلوا ذهابي إلى بيشاور لبحث الأمر مع سياف والبدء فيه فورا .

كما أن الجبهة هي أفضل مكان لقضاء شهر رمضان ، كذلك فإن أمتع أيام العيد تكون هناك. خاصة إذا لم يهاجم العدو .قضينا يومين من المرح ومسابقات الرماية . وبما أنني كنت  صاحب الفكرة فقد إضطررت إلى تمويل برامج الجوائز . إستطعنا الحصول على بعض البيض  والحلوى المخزونة منذ العهد الملكي.

ولكن، نسيت أن أقول أيضا أن الجبهة هي أفضل مكان  تكتشف فيه أن حتى أبشع المأكولات التي ترفضها في حياتك العادية تجدها أشهى من  طعام الملوك . ودعت الجميع … مودعا ذلك الجو القدسي … مقبلا بكل أسى نحو بيشاور ثم بلاد العرب .

كان عليّ  أن أقابل حقاني في مدينة ميرانشاه . وأتى معي أيضا مولوي محمد حسن لتعزية حقاني الذي توفيت أخته في شهر رمضان … وقد ترك الجبهة فجأة عندما علم بحالتها و حضر وفاتها … وما أكثر الحالات التي تلقى فيها حقاني التعازي .

 

مع رباني فی ( وانا )  :

ربانى والنقد الذاتى

(وانا) مدينة جبلية وهي عاصمة الجزء الجنوبي لمنطقة وزيرستان الحدودية ، كما أن ميرانشاه هي عاصمة الجزء الشمالي . والمسافة بينهما تقطعها السيارة العادية في ثمان ساعات .

قضينا الليلة هناك في بيت ريفي ضخم يملكه أحد الأفغان ويستضيف فيه المجاهدين أثناء عبورهم رغم أن أكثر الأحزاب إفتتحت لها بيوتا خاصة في المدينة . جلسنا في غرفة الضيافة وما هي إلا ساعة حتى سمعنا طلقات غزيرة تملأ السماء نورا والأرض ضجيجا.

(لقد وصل الأستاذ رباني)هكذا أخبرنا مضيفنا. وما هي إلا دقائق حتى وجدت الرجل يجلس إلى يساري هادئا وقورا خفيض الصوت . رحبت به بالعربية ففرح كثيرا لكوني عربي فلم يكن هذا وارداً في ذلك الوقت ، أي وجود العرب في تلك الأماكن وإندهش أكثر عندماعلم أنني قادم من الأورجون . وبدأ بيننا حديث طويل .

وبما أننا نجلس على الأرض في بيت طيني وفي منطقة قبلية نائية تهب عليها نسمات الجهاد من أفغانستان فقد تخيلت أنه حديث من القلب خاصة أن الرجل فاجأني بكمية من الصراحة و (النقد الذاتي) لم أتوقعها أو أطلبها منه . إنتقد رباني العرب وتدخلهم غير المدروس في شؤون الأفغان وأنهم يسببون من الأضرار أكثر مما يقدمون من الفوائد. وأن الإتحاد غير قائم عمليا وأن المشاكل بين المنظمات تتفاقم بسبب

محاولات العرب فرض سياف زعيما للإتحاد، وقال:

{ نحن فاشلون ولا نستطيع أن ندير مكتبا في بيشاور … فكيف ندير دولة في أفغانستان ؟؟}. ما زالت جملته تلك تدور في ذهني وأنا أشاهد ما يفعله الآن في كابل كرئيس للدولة هناك ، وكيف أنه إستبقى كل الشيوعيين المتبقين من حطام النظام السابق ، وإستخدمهم في نفس مواقعهم في قيادة الجيش والدولة . وكيف أنه يتحالف بشكل كامل مع بقايا جناح (بارشام الشيوعي)بينما يتحالف غريمه ورئيس وزرائه حكمتيار مع جناح (خلق الشيوعي).

في نفس ليلة وصولنا إلى ميرانشاه قابلنا حقاني الذي تحدث معنا بطريقته المعهودة عندما تداهمه الأحداث الشديدة.

لا يبتسم مطلقا ، يتكلم بهدوء وتركيز شديد . كنت أغبطه على تلك  القدرة .

كان يضع جدرا من الصلب البارد بين عقله وبين عواطفه . قدمنا له التعازي أولا، ثم الشكل النهائي للعرض الذي سوف أقدمه لسياف. فقلت له :

أولا إن المشروع إتحادي في الأساس فهذه فرصة لتقوية الإتحاد … وجعله إتحادا جديا يتولى مشاريعا جهادية حقيقية .

ثانيا أن تتولى شخصية إسلامية معروفة ومقبولة ومحترمة وجهادية الإشراف المالي والإداري على المشروع.

هذه الشخصية تتولى الدعوة إلى المشروع وجمع التبرعات له والإتفاق مع الكفاءات الفنية والإدارية في العالم الإسلامي كي تقدم خدماتها للمشروع … ولا أجد من تتوفر فيه تلك الصفات غير الدكتور عبد الله عزام . ثالثا وجود مثل هذه الشخصية يضمن (إسلامية) المشروع وينجو به من الحزبية.

فهو سيضمن مشاركة الكفاءات الأفغانية في المشروع أيا كان إنتمائها الحزبي. كذلك يضمن توزيع إنتاج المشروع وفوائده علي المجاهدين مهما كانت أحزابهم أو مناطقهم.

وافقني حقاني على كل ما قلت ، بل أنه تحمس بشدة وقال: هذا أهم مشروع في مرحلتنا الراهنة، وقد كنت على وشك التحرك نحو الأورجون ولكن سوف أرجئ ذلك حتى تتصل مع سياف وتخبرني تلفونيا بالنتيجة.

زادني كلامه حماسا حتى طار من عيني النوم في تلك الليلة وتحركت مع أول ضوء نحو بيشاور.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 8

 

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد ( 156 ) | جمادى الآخير 1440 هـ / فبرابر 2019 م .            

23/02/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 6 )

– مغامرات مع المجموعة الأولى من المتطوعين المسلمين فى أفغانستان .

– طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب ، وتدمر مواقع العدو المقابلة لنا .

– حقانى فى قرية شاهى كوت يجهز لفتح قرية تعمير فى وادى زورمات فى أهم مواجهة مع السوفييت فى ولاية باكتيا .

– حقانى يُجْرَح فى معركة تعمير مع  40 مجاهدا ، لكن فكرة فتح المدن ترسخت لديه ، أما قابلية السوفييت للهزيمة فقد أصبحت من البديهيات .

– دبابات ورشاشات ثقيلة وملابس شتوية وأطعمة ، من غنائم معركة تعمير فى الوقت الحرج لدخول الشتاء .

– التوجه صوب خوست : كان التحول الإستراتيجى الأهم فى مسيرة حقانى العسكرية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

مجموعات المتطوعين المسلمين كانت موضوعا حساسا فى الحرب الأفغانية ، وأصبحت أكثر حساسية بعد نهاية الحرب وإنقلاب الغرب والعرب على هؤلاء المتطوعين ، الذين تحول الكثير منهم إلى منحى أكثر عنفا وتطرفا فقهيا . وذلك موضوع هام للغاية مازال يكتب فيه الكثير من الآراء المتضاربة التى يخضع أكثرها لحسابات ومصالح سياسية وإقتصادية ، حيث أن موضوع” الجهاد الإسلامى” بعد أن إختطفته أيدى غير إسلامية صار عاملا مؤثرا فى النظام الدولى ككل.

حقانى كان الأكثر نجاحا فى التعامل مع تلك الظاهرة وأول من إحتك بها وسخرها بشكل إيجابى ، كانت الظاهرة يدة تماما على الأفغان ، والعرب  والمسلمين . وكان الجميع يراقبون بدهشة فى محاولة للتبع والفهم .بالغريزة القتالية الحادة تمكن حقانى من إدراة من قدم إلية من المتطوعين من جنسيات مختلفة ، وتمكن من إسخراج أفضل مالديهم من عطاء قتالى ، وقد كان كثيرا متدفقا بسخاء مع دماء شابة قدمت من أجل التضحية فقط

 

مغامرات مع أول مجموعة جهادية دولية :

ــ  وكنت مع رشيد والشباب الباكستانيين الذين معنا وعددهم حوالي خمسة أشخاص تقريبا .

 كنا جميعا مرشحين بجدارة كي نكون ضمن تعداد القتلى في ذلك اليوم . إذن لخسرت أفغاستان أول مجموعة (دولية) من المتطوعين المسلمين ، ولا أدري كم كان ذلك سيؤثر على مسيرة  الجهاد الطويلة في أفغانستان ،  سلبيا أم إيجابيا، فالمهم أننا لم نقتل . وفي الواقع أن الصاروخ (سام7) قد وضعنا جميعا في مأزق خطير فقد حملنا الصاروخين ، وتسللنا إلي سفح جبلي منبسط مواجه لسهل جرديز ، وكمنا لمروحيتين (مي ـ24) كانتا تصبان  الحمم على الخط الأول للمجاهدين . كان أحد الصاروخين جاهزا للإستخدام وكان رشيد هو الذي يحمله وكنت أقوم بدور مساعد الرامي  ، بينما الشباب الآخرون يحملون الصاوخ الثاني ويقومون بالحماية من قريب . كما ذكرنا مر صاروخنا مرور الكرام من خلف ذيل الهيلوكبتر الأخيرة . فواصلت الطائراتان سيرهما إلى نهاية الوادي وإنحرفت الأولى عائدة إلى المدينة أما الطائرة الأخرى فقد إستدارت راجعة نحونا . توجست شرا من تلك الإستدارة ، أما رشيد فقد جن جنونه وإنتابته عصبية شديدة حتى أنه فشل في تركيب البطارية الخاصة للصاروخ الثاني . وهي عادة تركب بسهولة.

 ونتيجة للعصبية إستعصت، فتجمع الشباب حول الصاروخ ولكني طالبت بمغادرة المنطقة بسرعة . رفض رشيد ورفض الآخرون ، بل أنهم أعطوني بنادقهم حتى  يتفرغون لهذا الصاروخ وبطاريته المشاكسة. كان تكدسا خطرا ومحزنا. حلقة من الشباب تصارع صاروخا كأنه بغل جامح . لم أرفع نظري عن الهيلوكبتر وبات واضحا ـ لي فقط ـ أنها  تتوجه إلينا . ومن جانبي أرسلت إلى المجموعة بيانات مقتضبة وتحذيرات ولكن لا مجيب . مسحت المنطقة بعيني لإختيار المكان المناسب كى أتواجد فيه خلال الأزمة القادمة لا محالة بعد ثوان .

 وعدت بنظري إلي الطائرة. وخيل إلي أن نظراتي إلتقت بنظرات الطيار ويالها من نظرات ، إن أحدنا على وشك أن يقتل الآخر ، ولن أكون أنا سوى القتيل .

 لم أرفع نظري عن خصمي وأنا أصيح في جماعتنا بصوت كالرعد ولكن بلغة إنجليزية سليمة  (إجرى)!! . وتابعت القول بالعمل وجريت في إتجاه متعامد على خط إقتراب الطائرة ـ ولا أدری هل كان ذلك بناء على تفكير سليم مسبق أم أن قدماي قد إكتسبتا خبرة ـ إضافة إلى غريزة فطرية قوية  في الهروب السديد وإختيار المكان المناسب في الوقت المناسب . تحركت بسرعة لا بأس بها إذا وضعنا في الإعتبار أنني كنت صائما كما أنني كنت أحمل على كتفاي بنادق المجموعة كلها تقريبا . أما باقي المجموعة  فقد تحركوا إلي أعلى السفح حيث كتلة ضخمة سوداء من الصخور ، لقد غامروا بالتحرك في نفس خط تحرك الطائرة ، ولكنهم نجحوا في الحصول على مكان أفضل من الذي فزت به . فقد وجدت نفسي محشورا في شق ضيق حفرته مياه السيول وعمقه أقل من قدم ولكنه طويل جدا ومتعرج .

ولمدة عدة قرون وهي المدة التي تخيلتها للمعركة غير المتكافئة بيني وبين الهيلوكبتر وكانت معركة من جانب واحد كما هو واضح ..معركة صراع بقاء ومنافسة بين أفضل تكنولوجيا عسكرية في عالم طائرات الهيلوكبتر وبين غريزة الإنسان في التخفي والإختباء النابعان من حب  البقاء . لقد تغطيت بالرداء الأفغاني (الباتو) وحاولت المناورة بالزحف وتغيير مكاني بين كل زخة نيران ترشقها الطائرة على جانبي الحفرة . وبعد كل تغيير أتلقى عددا آخر من الزخات كدليل على أن رامي الرشاش يراني بوضوح كامل . ومن حسن الحظ أن هذا الطيار (الحاقد) كان قد أفرغ صواريخه جو/ أرض في رماياته السابقة على مجاهدينا في الخط الأول، وإلا فإنني وإخواني عند الصخرة كنا قد فزنا بمنازل الشهداء في يوم الثالث من رمضان عام 1401هـ ، وياله من يوم مبارك، ولكننا لم نكن في المستوي اللائق لنيل درجة الشهادة ، لا في ذلك اليوم ولا في أي يوم جاء بعده حتى لحظتنا هذه.

 نجحنا في مغادرة المكان بعد إنصراف الطائرة التي أفرغت كل مخزونها من الطلقات حتى أصبحت خالية من الذخيرة . ولكن لم نلبث أن وقعنا فی ورطة مع القصف المدفعي حتی عادت الطائرات بعد ساعة أو أكثر .

ولكن القوات الحكومية تجمدت في أماكنها ثم تراجعت تماما بعد العصر . وحامت الطائرات النفاثة فوق مواقعنا لكنها لم تشارك في الإحتفال لسبب مجهول . وهكذا فشلت التكنولوجيا ـ متمثلة في صاروخ سام7 ـ في أن تتوائم معنا . وتكرر ذلك معنا في السنوات التالية مع أجهزة أخرى ومناسبات مختلفة. ولم تمض سوى أيام حتى إكتمل الدرس أمام أعيننا ، وظهر سلاح آخر ـ ضد الطيران أيضا لا يعتمد على التكنولوجيا ولكن إعتمد على عوامل غيبية نعجز عن فهمها . ولنضع هذا الحادث  إلى جانب حادثة (سام7) ثم نقارن .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب !!.

في التاسعة صباحا من ذلك اليوم الرمضاني المشرق كان جميع من في المركز نائمين،حيث لا نوم تقريبا أثناء الليل . كنا في خيمة أعلى الجبل  . صوت الطائرة النفاثة المنقضة فوق الخيمة أثار فزعنا ونقمتنا .

 أحد المجاهدين دخل الخيمة غاضبا وإستل مسدسه وأطلق عدة طلقات في أعقاب الطائرة ، فلم أتمالك نفسي من الضحك . وحتى الآن أبتسم كلما تذكرت الموقف . دارت الطائرة وهي تتمايل حول قمة جبلنا ولكن على إرتفاع مناسب ربما تفاديا لمسدس صديقنا.  إنصرف الطيار بعد أن إستعرض مهارته في إغاظتنا . إختفى ولم يرم علينا قنابله رغم أننا لا نشك في أنه رآنا . لعبت الوساوس في رأسي وسألت رشيد عن رأيه فيما حدث ، وبالأحرى فيما سوف يحدث .

وجدته هو أيضا في قلق ويتوقع شرا . فإقترحت أن نفعل شيئا تحسبا للأمر.  من أعلى الجبل (الحائط) نزل بسرعة رجل يحمل رسالة من رشيد إلي المجاهدين في المركز بالإنتشار وتجهيز الدوشيكا للطوارئ . وبعد عشرين دقيقة تماما من إختفاء الطائرة الأولى ظهرت ثلاث طائرات واضحة الفخامة ذات لون رمادي ـ على غير عادة الطائرات الشيوعية ذات اللون الفضي ـ تعرف رشيد على الطائرات بأنها من طراز (ميج ـ 23) .

مرت الطائرات من فوق خيمتنا البيضاء ثم شكلت حلقة تدور حول قمة جبلنا . لم يعد هناك مجال للتخمين ، لقد جاء (الكبار) للقضاء علينا . لم تكن الطائرة الأولى سوى صبي شقي نقل الخبر إلى إخوانه الكبار . كل من يحمل سلاحا منا أطلق في إتجاه الطائرات، نعرف أننا لن نصيبها ، ولكننا سوف نقتل على أية حال..  هكذا تصورنا .  كمن رشيد مع صاروخ سام7, ولكني لم أكن مستعدا لتكرار المأساة ورأيت أن الكلاشنكوف أكثرمصداقية، وبدأت في إستخدامه ضد الطائرات .

 بعد عدة دورات إختفت الطائرات الثلاثة في إتجاه الغرب ، ولعدة دقائق حبسنا فيها الأنفاس، فنحن على يقين بأنهم سوف يعودون ولكن كي يقصفونا مباشرة بلا أي لف أو دوران .

وأخذت أتلو كل ما أعتقد أنه ينفعني عندما ألقى الله بعد دقائق معدودة . سمعنا صوت طيران بعيد نسبيا ثم تكبيرة هائلة من القمة القريبة يطلقها مجاهد أخذ يتقافز طربا،صائحا (زنده باد إسلام)، ثم صوت إنفجارات تأتي من جهة الوادي. أسرعنا إلى القمة القريبة فكان منظرا لا يصدق . الطائرات الثلاث التي نتوقع أن تقصفنا تقوم بعمل غير معقول !! إنها تقصف مواقع العدو على جبل(جوجارى) على بعد حوالي عشرة كيلومترات فدمرتها شر تدمير . كانت مواقع العدو تستخدم للترصد وحماية المدخل الشرقى للوادي ، فالجبل منيع ومرتفع ويقع معظمه في الوادي بحيث يسهل الدفاع عنه وتموين قواته.

كانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها عملية قصف جوي بهذا الجمال. كان منظر الطائرات رائعا وهي تدور ثم تنقض على هدفها ثم أعمدة الدخان والنار تتصاعد من الإنفجارات ، وما أن تفرغ طائرة من إنقضاضها حتى تتبعها الثانية ثم الثالثة .

ولا يمكن تصور حالة الذعر التي أصابت القوات الشيوعية فوق الجبل ، لأن آخر ما كانت تتوقعه هو أن تتعرض لقصف جوي . وقد وصلتنا في اليوم التالي معلومات عن خسائر العدو

وأقل ما توصف به أنها كانت فادحة . ذلك هو العامل  الغيبي الذي لم يحطم طيران العدو ، بل حوله إلي العمل لصالحنا .

ولم أشهد حادثا مثل هذا بعد ذلك . ولكن شاهدت فيما بعد كيف مكننا الله من تدمير طائرات العدو وهى على الأرض (أى وهى فى أضعف حالاتها) ، ولذلك قصص أخرى .

لم نلبث إلا عدة أيام حتى تحولنا إلى شاهي كوت وهي قرية ساحرة جنوب وادي زورمات ومقابلة تماما لمركز تعمير ـ الهدف القادم للمجاهدين ـ  شاهي كوت قرية جبلية ولكنها وفيرة المياه وأشجار الفاكهة وذات جمال يطول وصفة ويطول وصفها . ويمكن القول أنها إحدى الجنات المجهولة التي تزخر بها أفغانستان. بيوتها جميعا طالها الدمار الكامل أوالجزئي . كانت أشجار التوت والمشمش تملأ الطرقات الضيقة وأفنية البيوت المهجورة .

وكميات هائلة من الثمار مطروحة أرضا لا تجد من يلتقطها . وجدنا في القرية أسرة واحدة فقط . مجاهد واحد مع زوجته وطفل وطفلة، كلاهما تحت السادسة من العمر يقفان في ذهول وسط الطرقات المقفرة ، والحقول المليئة بالأعشاب البرية الموحشة.

كان منظر الطلفين لا يقل وحشة وحزنا عن منظر القرية المدمرة . تخيلت هذا المكان قبل الحرب وكم كان مرح الأطفال وسعادتهم في وسط كل هذه الأشجارالمثمرة الظليلة وجداول الماء التي تروي العطش ولا يرتوي منها النظر . تخيلت أطفالي لو جاءوا معي إلى هذا المكان. تبسمت لهذا الخاطر كم ستكون صعوبة أن أجمعهم مرة أخرى من فوق الأشجار وجداول الماء ، وحتى من الحقول المهجورة ذات الأعشاب الوحشية .

زارنا مولوى جلال الدين في القرية وعقد جلسة شورى موسعة مع مجاهدي المنطقة وما تبقى من السكان ، وأخبرني عن وفد ذهب إلى باكستان كي يقنع أهالي شاهي كوت بالعودة التدريجية على أن يعود الرجال أولا مع بعض النساء لزراعة الأرض. أفلحت مجهودات التشبث بالأرض لفترة محدودة ثم إنهارت للأسباب التي ذكرناها .

وقد عدت مرة أخرى إلى شاهي كوت عام 1988م ، ولم أجد فيها سوى المجاهدين فقط وبدون أثر لحياة مدنية للسكان . إنها سياسة الأرض المحروقة ، و تفريغ الأرض من السکان ، والتي تكاتف على تنفيذها السوفييت وقادة الأحزاب في بيشاور مع (منظمات الإغاثة الإنسانية) بسياساتها الخبيثة . بالتدريج بدأت تتضح فكرة الهجوم على مركز تعمير. وكما ذكرنا فإن الروح المعنوية كانت في قمتها . فضربات المجاهدين ناجحة بإستمرار والمبادرة العسكرية في يدهم دائما ، والعدو في حالة إحباط وهجماته فاشلة ، وسلاحه الجوي يبدو كأنه فقد تأثيره حتى تعود الناس على الإفلات منه وتحمل تواجده كضيف ثقيل … ضار أحيانا. عقدت العديد  من جلسات الشورى داخل بيوت شاهي كوت المدمرة، تمتعت خلالها بأكل أكبر وأشهى كمية من فاكهة المشمش والتوت . كنت مسرورا أكثر من أي شخص آخر، ليس من أجل الفاكهة فقط ، ولكن لكوني أرى إتحادا حقيقيا بين المجاهدين ، إتحاد يتخطى القبيلة والحزب. لم أكن واهما في ذلك فقد أثبتت معركة تعمير أن ما كنت أراه كان حقيقة.

فالمعركة كانت أكثر من رائعة ، وكانت أكبر تحدي للسوفييت في باكتيا . القتال كان في منتصف وادي زورمات فسيح الأرجاء ، حيث الغلبة العسكرية لمن يسيطر على الجو ويمتلك الدبابات . المعركة أثبتت العكس . الكفة كانت (للمسلمين المُتَحِدين) الشجعان الفدائيين . تجمع قادة المجموعات في أيام وليالي رمضان يتناقشون ، وتجمعت الإمكانات وكانت الحصيلة مذهلة بمقياس ذلك الوقت. تجمعت لدى المجاهدين ست دبابات إضافة إلى عدة مدافع ميدان عيار 122مم ومدافع جبلية عيار 76مم .إضافة إلى عدد كبير من المجاهدين شاركوا في الهجوم. لقد تأخر الإتفاق كثيرا ولم تنفذ العملية إلا بعد عيد الأضحى. وإنتهاء جميع المناسبات الدينية التي تستدعي إجازة إجبارية من العمليات، لذلك لم أستطع حضورها.  وأبلغني رشيد بنتائجها تليفونيا. كما تلقيت رسالة كتابية من حقاني حول نتائج المعركة. بعثت بها إلى جريدة الإتحاد مع شرح موجز لأهمية نتائج المعركة والتحديات الخطيرة التي تمثلها.

لقد تركت تلك المعركة تأكيدا في نفوس من خاضوها بأن الروس قابلون تماما للهزيمة. وهي نتيجة كان من العسير إقناع الناس بها، فبقيت حكرا على المقاتلين فقط . لذلك إختلفت كثيرا حسابات خطوط القتال مع حسابات بيشاور والمتعاونين معها . وأظنني تبنيت وجهة النظر الأولى وتصادمت بشدة مع معتنقي الرأي البيشاوري . كونت رأيا مفاده أن المساعدات يجب أن تصب مباشرة في الداخل وأن يتواجد المتطوعون العرب هناك ، كي يقوموا بمهمة مزدوجة . فمن جهة يساعدون على إقامة إتحاد حقيقي بين المجاهدين الحقيقيين ، ومن جهة أخرى ينظمون أنفسهم ويقاتلون إلى جانب إخوانهم الأفغان. وكنت أرى أن دور الإخوان المسلمين مازال ضروريا لتنظيم العمل العربي نفسه .

 

 

عن معركة تعمير(1981 ) مرة أخرى :

إستمرت المعركة خمسة أيام متواصلة . حوصر فيها الموقع ، وحاولت قوة عسكرية من جرديزالقريبة أن تفك الحصار فأوقعها المجاهدون في كمين ودمروها .إستمرت المعركة أربعة أيام إضافية فتح فيها المركز.

 وأمامي الآن قائمة الغنائم وكانت :

دبابتين سليمتين من طراز (تي ـ54) ــ ومدفعين من عيان 76مم ــ مع 3 رشاشات ثقيلة  من طراز دوشكا . و 7 صناديق قنابل يدوية و 122 ألف طلقة كلاشنكوف و 6 رشاشات خفيفة. مع عدة سيارات محملة بالأغذية والملابس الشتوية(كان الشتاء على الأبواب).

وقد جرح حقاني في هذه المعركة ومعه 44جريحا آخر .

أما عدد الشهداء فكان ثلاث عشر شهيدا . إستمر المجاهدون في وادي زورمات أكثرمن شهرين ـ قبل وبعد العمليات ـ وقطعوا تماما الطريق بين جرديز وغزني وقطعوا أيضا إتصال جرديز مع كابل . أي أن جرديز قضت فترة من الحصار البري الكامل . وفشل الروس في تطهير وادي زورمات الفسيح طوال عدة أشهر بل فشلوا في صد هجمات المجاهدين على مواقع رئيسية في ذلك الوادي وفي مقدمتها  مركز تعمير . هل كان ذلك يعني شيئا آخر سوى أن السوفييت ليسوا سوى نمور من ورق وأنهم قابلون للهزيمة ؟ ..لقد ولدت فى تعمير وترعرعت فكرة فتح المدن الكبيرة ، وبعد أن كانت طيفا شاحبا قبلها ، أصبحت بعد تعمير فكرة معقولة . لم تبارح تلك الفكرة الطموحة ذهن جلال الدين حقاني. وسوف نتحدث عن نمو تلك الفكرة وتطورها في برامجه العسكرية حتى حقق أكبر إنجاز عسكري في حرب أفغانستان متمثلا في فتح مدينة خوست . هذا الكلام يتعلق كثيرا بما ذكره محمد يوسف في كتابه فخ الدب وإدعاءاته كضابط مخابرات ـ بأن أفكار الدفاع الثابت عن القواعد الإستراتيجية للمجاهدين كانت فكرته ، وأنه ساند مشروعا للهجوم على خوست عام 1985م قام به المجاهدون ولكنه تكلل بالفشل . وسوف نتعرض لكل ذلك في حينه .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

التحول الإستراتيجى الأهم:   التوجه إلىى خوست .

من أهم التحولات فى العمل العسكرى لحقانى كان نقل ثقل عمله العسكرى من جرديز عاصمة ولاية باكتايا إلى منطقة خوست الحدودية والتى تضم أهم المراكز العسكرية والإستخبارية فى أفغانستان  فى ذلك الوقت . وفرت خوست لحقانى خطوط إمداد أقصر  مرتكزة على المدينة الحدودية ميرانشاة ، وفيها سوق للأسلحة والذخائر ، مع توافر مشتقات النفط والأغذية ومقدار بسيط للخدمة الطبية ، تعاظم مع السنوات وتوافد بعض منظمات الإغاثة “الإسلامية”.

ما أن هبطت الثلوج في جرديز فى شتاء 1981حتى نزل حقاني إلى الجنوب وبدأ نشاطه العسكري في خوست ، حيث البرودة أقل قسوة ويمكن للمجاهدين العمل فيها أثناء الشتاء فتمكن من الإستيلاء على حصن (دابجي) الذي يتحكم في أحد الممرات الطبيعية الواصلة بين وادى خوست والأراضي الباكستانية .

أتاح هذا النصر حرية حركة أوسع للمجاهدين من خلال ذلك المنفذ .ولكن الإستفادة منه لم تكن كبيرة للغاية لسببين:

الأول بعده النسبي عن ميرانشاه  الباكستانية والتي كانت المعقل الصديق خلف الحدود ، حيث

الإمداد ومراكز القيادة والإدارة لمنظمات المجاهدين . والسبب الثاني والأهم أن قبائل من منطقة (ميرعلي) الباكستانية القريبة من ذلك المنفذ الحدودى لم تكن متعاونة مع المجاهدين ،وكانت تتلقى دعما ماليا وتسليحا من حكومة كابل الشيوعية .

وفي هذه الأيام ـ وقت كتابة هذه الأسطر ـ أشعربالأهمية العالية لفتح حصن (دابجي) بأكثر مما كنت أشعر به فى وقت حدوثه.

عقيد الإستخبارات(محمد يوسف) عبر في كتابه وبشيء من الإحتقار لتلك الفتوحات الحدودية .

 وقال عنها أنها كانت محببة لدى (قومندانات) ـ قادة ـ المجاهدين الميدانيين لكونها قريبة من

مراكز الإمداد داخل الحدود الباكستانية كما أنها تضمن لهم الثناء والمكافأة من الحكومة الباكستانية والسمعة العالية في الخارج عبر وسائل الإعلام . كان ما يقوله العقيد صحيحا في بعض الحالات، سوف يرد معنا ذكر بعضها. ولكن فتح  (دابجي) لم يكن من تلك الحالات. أقول … أدركت الآن أهمية تلك الفتوحات الحدودية وضرورتها لتأمين منافذ آمنة ومحمية يستخدمها المجاهدون في العبور . وقد عاصرنا في العامين الأخيرين (1993م ـ 1994م)

 مأساة المجاهدين في طاجيكستان وهم لا يجدون تلك المنافذ ، فقد إتخذ الروس من نهر جيحون (آمو داريا) عائقا طبيعيا أقاموا خلفه نقاط الحراسة والدوريات مانعين المجاهدين من

 العبور .

وخلال هذين العامين لم يكن العبور ممكنا إلا بدفع رشوات محترمة للضباط الروس ، مع وجود مخاطر دائمة أثناء عبور المجاهدين الذي يستمر أحيانا بطول ستين كيلومترا على طوال النهر وتحت ملاحظة الروس حتى ينحرف المجاهدون شمالا إلي عمق البلاد .

كانت الحدود الأفغانية دائما تستعصي على الإغلاق لطبيعتها الجبلية وطولها الذي يستحيل تغطيته . وليس الحال كذلك ـ بكل أسف ـ في حالة طاجيكستان في جهادها الراهن . لهذا لم يشعر (العقيد) بأهمية ذلك العمل، فقد وصف محاولات الروس إغلاق الحدود الأفغانية مع باكستان بأنها مثل محاولة إغلاق صنبور المياه بوضع اليد على فوهته . لقد حاصر حقاني حصن دابجي لمدة شهر ونصف  ومنع كل النجدات القادمة من خوست ودمرها.

 وفي النهاية فرت حامية الحصن في جنح الظلام تاركين العديد من القتلى والجرحى وكميات من الأسلحة والعتاد من بينها دبابتان من طراز (تي ـ 34) ومصفحة واحدة . وقد بذل جلال الدين حقاني جهودا كبيرة حتى أقنع السلطات الباكستانية بنقل تلك الدبابات عبر الأراضي الباكستانية وإدخالها مرة أخرى إلى أفغانستان عبر ممر (صدقي(أو ممر(غلام خان) القريب منه وكلاهما يؤديان إلى مناطق نشطة وحساسة عسكريا . وكان لتلك المعدات تأثير كبير في عدد من الصدامات الهامة مع القوات الشيوعية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

23/02/2019

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6




الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (155) | جماد الأولي 1440 هـ / يناير2019 م.            

18/01/2019

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .

– تتشابه الصورة فى العراق مع ما يسعى إليه المحتل فى أفغانستان .

– من القواعد العسكرية يتحرك المحتل لتقسيم البلد “المُضيف” والتآمر على جيرانه .

– الدستور الذى وضعه المحتل يمنع ظهور حكومة قوية ، ويُبْقى على الصراع الداخلى ،

ويضمن للإحتلال وجودا مريحا رخيص الثمن .

– الإتفاقية الأمنية مع المحتل تزوده بالغطاء القانونى لجميع تجاوزاته ، وتتحول (القاعدة العسكرية) إلى مندوب فوق العادة لدولة الإحتلال .

– يريد الإستعمار الأمريكى منع تحول أفغانستان إلى مركز جغرافى وإقتصادى يتواصل ثقافيا مع كل آسيا لصالح المسلمين ، وحصرها فى مفهوم (إسرائيل جديدة) فى وسط آسيا، وقاعدة للعدوان والتخريب ضد الجيران .

–  قاعدة بجرام الجوية ــ إمبراطورية الهيروين المسلحة نوويا ــ يسعى المحتل لجعلها العاصمة الفعلية لأفغانستان ، ليهدد منها المنطقة والعالم .

–  إستيعاب حركة طالبان فى النظام الحاكم ، شرط أساسى لنجاح المخطط الأمريكى الجديد.

– بينما المجاهدون يقاتلون ضد النظام الشيوعى، كان سياسيون حزبيون فى بيشاور يشترون بذلات من أوروبا، تمهيدا لمقاسمة السلطة مع النظام الحاكم !! .

– أساسيات خطة العدو التفاوضية :

1 ـ  وضع التواجد العسكرى الأمريكى خارج أى نقاش .

2 ـ حصر التفاوض فقط بين الطالبان وحكومة كابول ، مع وساطات من أصدقاء أمريكا .

3 ـ تقسيم حركة طالبان ـ إن أمكن ـ وإدخال أحد الأقسام فى حكومة كابول ومنحهم الجوائز وإعلان الأخرين (إرهابيين) مطلوبين دوليا .

– المخطط الأمريكى محكوم عليه بالفشل ، لأن لله جنود .. منهم طالبان .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

ترامب الرئيس المضطرب ، هو أفضل ما فى حقيبة الأقلية الحاكمة فى الولايات المتحدة . واضعوا الأستراتيجات فى ذلك البلد يعملون بعقلانية مختلطة بقدر من المغامرة والتهور . وذلك يتماشى مع شخصية رئيس مخبول وتجعله تجسيدا مناسبا للجانب المجنون فى استراتيجية بلاده .

إستراتيجية “الرجل المجنون” إتبعها أكثر من رئيس أمريكى كان منهم جورج بوش الإبن الذى شن حربا صليبية بدأت بأفغانستان وإمتدت بعدها إلى العراق ، ثم عدد من بلاد العرب، فصنعت مأساة أحرقت عدة دول عربية بمساعدة من أمريكا وإسرائيل ومحور عربى موال لهما . فاحترقت ليبيا ثم سوريا ثم اليمن . وهنا يتضح الترابط الوثيق بين مصير أفغانستان ومصير العالم العربى ، رغم الإختلاف الكبير فى طبائع الشعوب وقوة الإسلام فى الأوساط الشعبية والإستعداد للتضحية والفداء ، عندما يكون المَستهدف هو الإسلام أو الوطن أوالقيم الإجتماعية الراسخة .

ــ وتتشابه الصورة السياسية للعراق(شبه المحتل) مع ما يسعى إليه الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان ، من عدة نواحى منها :

ــ تحويل الإحتلال إلى صورة مستترة ، بدلا من الإحتلال المباشر الذى يستفز الشعب ويدفعه نحو المقاومة المسلحة . فمن الأفضل للمحتل أن يكتفى بالقواعد العسكرية للسيطرة على أمور الدولة كلها ، فيحولها إلى دولة صورية تابعة له فى كل شئ ، ومنها يؤثر على القرار السياسى والأمني، وفى تسليح وتدريب الجيش ، وفى علاقات الدولة الخارجية، منتهكا سيادة الدولة فوق أراضيها نفسها . فمن القواعد العسكرية للمحتل يتحرك لتقسيم البلد “المضيف” والتآمر على جيرانه، وخلق بؤر توتر تتيح له تسويق أسلحته وجباية الإتاوات فى مقابل الحماية من أخطار هو صانعها.

ــ  فى مقدمة الأولويات الأمريكية تأتى مصالح إسرائيل وخدمة مشروعها للهيمنة على بلاد العرب ، خاصة المشرق العربى ، وجنوبا إلى اليمن وذلك، ضمن مشروع أكبر للهيمنة اليهودية على العالم العربى بمقدساته الإسلامية (والمسيحية أيضا) وإخضاع المنطقة بثرواتها وسكانها ودينها وثقافتها لإسرائيل كممثل للصهيونية الدولية والإمبريالية الغربية .

ــ  من القواعد الأمريكية فى العراق ، قصفت الطائرات الأمريكية الأراضى السورية فقتلت المئات من المدنيين، وعملت على إنشاء كيانات سياسية جديدة تقطع إتصال العراق مع جارتها سوريا ، فلا تنتقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله ومنظمات فلسطينية جهادية .

ــ الدستور الذى وضعه المحتل للعراق يمنع ظهور حكومة قوية ، ويبقى حالة الصراع والتمزق الداخلى، لتظل إرادة المحتل طليقة يقرر ويفعل ما يشاء.

ــ مؤخرا، ترامب وزوجته زارا سراً وبدون إخطار مسبق ـ قاعدة “عين الأسد” فى غرب محافظة الأنبار، وتقابل مع جنوده هناك لتهنئتهم بعيد الميلاد . فوقعت حكومة بغداد فى ورطة وتصنعت الغضب ونادى عديدون بإستعمال القوة لإخراج المحتل وطالبوا بإلغاء إتفاقية التعاون الإستراتيجى مع الولايات المتحدة . ولكن لم تجرؤ حكومة البلد المستقل على الإحتجاج رسميا على الإهانة.

ــ جاهد العراقيون يدا واحدة فى بداية الإحتلال الأمريكى . ولما نجح المحتل فى تحويلهم إلى القتال الطائفى ، فتت قواهم وحول نيرانهم إلى صدورهم . كثيرون رأوا فى الإحتلال صديقا وحليفا ضد الإخوة فى الدين والوطن ، فوضع المحتل دستورا ونظام حكم ضمن له تواجدا فى العراق، ممتدا ورخيص الثمن.

“الإحتلال بالقواعد العسكرية” هو الأفضل للمحتل إقتصاديا وسياسيا . وتكفى إتفاقية أمنية بينه وبين الحكومة الشكلية فى العاصمة حتى يتمتع بالتغطية القانونية لجميع تجاوزاته ومشاريعه الإجرامية. وتتحول قاعدتة العسكرية فى البلد المنكوب إلى “مندوب فوق العادة” يمثل المحتل ، ويمتلك القدرة العسكرية على فعل أى شئ تأمر به دولة الإحتلال .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

أحزاب لدعم الإحتلال :

لا يمكن أن تتم مقاومة الإحتلال بينما الأحزاب مزقت الوحدة بين فئات الشعب على أسس طائفية وحزبية. وصارت الوطنية شعارا يستخدمه المستعمر وأتباعه لمعارضة الإسلام ومقاومته داخل المجتمع، إلا إذا كان إسلاماً “أمريكيا / إسرائيليا” يرى فى الإحتلال جزءاً من نسيج الوطن. وأن مصالح الطرفين مندمجة معا، فإذا زال الإحتلال ضاع الوطن . فإرادة الإحتلال هى إرادة الوطن . والوطنى عندهم هو من يدافع عن الإحتلال باليد واللسان كما يدافع عن وطنه . والإسلام عندما يتعارض مع الإحتلال فيجب تنحيته تحت شعارات ربما كان أشهرها”تجديد الخطاب الدينى”، وتعديل المناهج الدراسية ، وتأميم المعاهد الدينية وتخصيصها لتخريج (علماء جدد). وإنشاء أحزاب وجماعات إسلامية ، قانونية أو خارج القانون ، قِبْلَتَهم الكنيست وغايتهم البيت الأبيض، والفوز بكراسى الحكم أسمى أمانيهم .

وهكذا يصبح للمسلمين دين جديد “وطنى إحتلالى صهيونى” ، وإسلام جديد يضع الدين والوطن فى خدمة الإحتلال الصهيونى/الصليبى . فتنتهى مشكلة التعارض والتطاحن بين (الوطنى) و(الإسلامى). فإسرائيل تُقَسِّم الدول والشعوب ، ولكنها توَّحِد الأيدلوجيات فى إطار صهيونى يسع الجميع .

إنسحاب لإعادة توزيع القوات :

إعلان أمريكا سحب قواتها من سوريا(2200 جندى) هو أقرب إلى عملية أعادة الإنتشار وليس الإنسحاب الحقيقى . فتتراجع تلك القوات إلى الخلف داخل الأراضى العراقية لتشديد القبضة على العراق ، وتجزئة أراضيها وتكثيف تواجدها العسكرى فى شمال العراق لدعم نزعة الإنفصال الكردية هناك . وتشديد الضغط النفسى والسياسى على تركيا ، كل ذلك بدون التوقف عن محاولة تقسيم سوريا وتجزئتها . وإذا لم تصل إلى ذلك الهدف فعلى الأقل إبقاء سوريا ضعيفه مهلهلة ، لتبقى السيادة والأمن مزايا خاصة بإسرائيل فقط لا يشاركها أى شعب فى المنطقة من النيل إلى الفرات، وعلى الأصح ما بين المحيط إلى الخليج ، فيما كان يسمى قديما بالعالم العربى . وفى مستقبل لا يرونه بعيدا قد يسيطر اليهود على المساحة والسكان ما بين طنجه إلى جاكرتا ، فيما كان يسمى قديما بالعالم الإسلامى .

أفغانستان والعراق فى رؤية واحدة :

فى أفغانستان أيضا تتبع أمريكا خطة شبيهة بما يحدث فى العراق . بإعادة صياغة أسلوب الإحتلال وتجديد العناصر التى يستخدمها فى تحقيق أهدافه، بدون تغيير تلك الأهداف. الإحتلال باق والأهداف الكبرى باقية(رغم الزعم بسحب نصف القوات الأمريكية من أفغانستان  خلال عام 2019). ولكن مع إحداث تغييرات تناسب الخصوصية الأفغانية، مثل ضعف المحتل ويأسه ، وقوة بأس الحركة الجهادية ، وإلتفاف الشعب خلف حركة طالبان التى بدفاعها عن الإسلام حافظت على وحدة المسلمين ووحدة التراب الوطنى لأفغانستان.

فى جعبة الإحتلال هذه المرة :

ــ  أفكار جديدة لتجديد إس

تراتيجيته .

ــ أسلوب لتنفيذ الإستراتيجية الجديدة، مع بقاء الأهداف الثابتة للإحتلال منذ البداية .

فى الإستراتيجية الجديدة للإحتلال :

تغيير الطبيعة السياسية لإفغانستان ، المتولدة من وضعها الجغرافى الفريد ، ومنع تحول دورها (الجيوسياسى) فى المنطقة إلى وسيط جغرافى إقتصادى متواصل ثقافيا مع كل آسيا، لصالح المسلمين فى تلك المنطقة التى ستصبح فى غضون سنوات (ربما عقد واحد من الزمن) مركزا للعالم وقدراته الإقتصادية وقوته السياسية والعسكرية.

بديلا عن ذلك الإشراق الحضارى والإسلامى لإفغانستان ، يريد الأمريكان تحويلها إلى (إسرائيل جديدة فى وسط آسيا ) لتقوم بمعظم ما تقوم به إسرائيل من وظائف ، لتدمير جيرانها وتهديم للإسلام وتشتيت شمل المسلمين فى أفغانستان نفسها ثم ما جاورها .

أفغانستان فى إستراتيجية الإستعمار الجديد المقترح : تعادى جميع الجيران وتكون مركزا للتخريب الإرهابى، خاصة ضد أعمدة النظام الدولى القادم، الذى من المفترض أن أفغانستان مركزه الجغرافى ، وعاصمة طرقه اللوجستية ، ومنارة الهداية الإسلامية فيه. الدول المستهدفة فى الأساس هى الصين وروسيا وإيران ، وربما الهند أيضا فى حال إنحرف مسارها بعيدا عن الإرتباط الإستراتيجى بإسرائيل والولايات المتحدة .

كشف عضو فى الكونجرس الأمريكى قبل غزو بلاده لأفغانستان أن النية تتجه لجعل أفغانستان “إسرائيل المنطقة”. وهذا يعنى ربط أفغانستان بمحور”إسرائيل/ أمريكا” فى العالم العربى، فتطبع العلاقات مع إسرائيل عسكريا وأمنيا وإقتصاديا، وتعترف بشرعية إحتلالها لفلسطين والمسجد الأقصى . وتستبدل الجهاد بالفتن الداخلية (عرقية ومذهبية) والحروب الإقليمية التى تحقق أطماع المحتل الأمريكى على حساب أفغانستان ودول الإقليم .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

أدوات تنفيذ الإستراتيجية الجديدة للإحتلال :

أولا ــ قاعدة بجرام الجوية :

يريد الأمريكيون تحويلها إلى العاصمة الفعلية لأفغانستان(كما هى القواعد العسكرية فى العراق وأى دولة أخرى ) فتتمركز القوات والسيادة والقرار داخل أسوار القاعدة العسكرية الرئيسية. وتبقى العاصمة لشكليات السلطة وألاعيب السياسات الحزبية والفئوية فى أدنى حالاتها .

قاعدة بجرام تعززت قدرتها العسكرية بتزويدها بقاعدة سرية للصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى ، تهدد عمالقة النظام الأسيوى القادم، وروسيا أولهم بالطبع، ويليها إيران ثم الصين .

قد يسحب ترامب قواته المنتشرة فى عدة مناطق من أفغانستان، ويركزها فى بجرام ، كما فعل فى العراق بسحب قواته من سوريا إلى قواعده فى العراق التى سينشئ فيها ثلاث قواعد جديدة على الأقل . سيحاول ترامب الحصول على أكثر من قاعدة جوية فى أفغانستان لدعم السيطرة الأمريكية على البلاد ودعم إمبراطورية الهيروين القائمة على أكتاف بجرام التى يقويها وجود أكثر من قاعدة جوية أخرى ، خاصة فى مناطق زراعة الأفيون أو بالقرب منها .

وفى ظل سياسته الإستعمارية الجديدة فإن نصف تلك القوات يكفى لإنجاح برنامجه فى أفغانستان، نظرا للمدد الذى توفره قوات المرتزقة الخارجيين والداخليين .

فى بجرام تركيزهائل للقوة تكفى للسيطرة على أفغانستان ، وتهديد الإقليم الأسيوى من حولها، بل والعالم أجمع ، فالقاعدة تحتوى على :

1 ـ قوة نيران ، من طيران حديث ومعدات وأسلحة نوعية أرضية وجوية .

2 ـ قوة صاروخية نووية وتقليدية .

3 ـ هيروين نقى ومتنوع الأصناف ، ويلبى إحتياجات السوق العالمى لمدة عام مع إحتياط إستراتيجى يستخدم عند الطوارئ السياسية أو الكوارث المناخية التى قد تؤثر على زراعة الخشخاش.

ثانيا : قوات المرتزقة :

المرتزقة يشكلون القوة الأساسية لحراسة مصالح أمريكا فى أفغانستان وتواجدهم فيها ربما كان هو الأكبر عالميا بعد اليمن . ويمارسون قمع الشعب بأقصى عنف ممكن ، لإخضاعة لشروط الإستعمار فى صورته الجديدة.

أهم أنواع المرتزقة هم الشركات الأمنية الخارجية (بلاك ووتر وأخواتها). وهؤلاء تكاليف إستئجاهم عالية جدا . ويقومون بمهام عسكرية مختلفة بداية من العمليات الأرضية ضد المدنيين والمنافسين والمقاومين . وصولا إلى إدارة برامج الطائرات بدون طيار . وأعمال التجسس بالأقمار الصناعية ، وإدارة وتدريب شبكات الجواسيس على الأرض .

ثالثا : إعادة صياغة إمبراطورية الهيروين :

حماية مزارع الأفيون ، وتجميع المحصول من المزارع والتجار المحليين، ونقله إلى قاعدة بجرام الجوية . تلك السلسلة تحتاج إلى تعديلات تناسب حقيقة إنسحاب القوات الأمريكية من مناطق الأرياف .

فلابد من الإعتماد بشكل أكبر على المتعاونين المحليين ، وهؤلاء يعتمدون على إمكاناتهم الذاتية لحماية أعمالهم. فلديهم قوة من الميليشيات ، وتاريخ من الثقة والتعاون المشترك مع الإحتلال. هؤلاء سيزدادون قوة ، ونسبة أرباحهم سترتفع ، وتسليحهم سيكون أكثر تطورا لتحقيق قدرة ذاتية على الردع . وسيكونون أشبه بجيوش محلية صغيرة ، تحمى مصالحها الكبيرة ومصالح أسيادهم القابعين خلف المتاريس فى بجرام.

رابعا : إستيعاب حركة طالبان فى النظام الحاكم :

ذلك هو الشرط الأساسى والأهم فى نجاح البرنامج الإستعمارى فى المرحلة القادمة ، وبدونه ينهار كل المخطط سابق الذكر. فلا إختطاف لأفغانستان من وسطها الأقليمى، ولا أمبراطورية هيروين تدار من بجرام ، ولا مرتزقة يفتكون بأفغانستان وشعبها ويفرضون عليها مصيراً مظلما .

أساسيات الخطة التفاوضية للعدو:

ــ إخراج التواجد الأمريكى من أى نقاش . بإعتباره حقيقة ثابتة وغير قابلة للتغيير ، بذريعة أنه ضرورى للإستقرار والأمن والتنمية والرخاء .. الخ

ــ حصر المشكلة فى مجرد التفاهم بين حكومة كابل وبين حركة طالبان ، للوصول إلى تفاهم وحل وسط لتقاسم للسلطة . وتُقْبَل وساطة أصدقاء أمريكا فى هذا الخصوص.

لتصبح طالبان أحد المكونات فى حكم مشترك بين الليبرليين والمسلمين..{ مثلما إقترح السوفييت والأمريكين على المجاهدين تكوين حكومة مشتركة فى كابول بعد إنسحاب الجيش الأحمر. لكن مجاهدى الجبهات رفضوا، وإستمروا فى القتال حتى سقط الحكم الشيوعى. بينما سياسيون حزبيون فى بيشاور وافقوا سراً، وتجهزوا للمشاركة فى السلطة مع الشيوعيين وبعضهم إشترى لنفسه بذلات إفرنجية من أوروبا إستعدادا لممارسة السلطة السياسية!! } .

–  إن لم يكن ممكنا أن تدخل حركة طالبان كلها فى مخطط الإستيعاب بالمشاركة فى حكومة (ليبرلية / إسلامية )، فبمساعدة من دول صديقة للمحتل ، يجرى العمل على تقسيمها إلى أفرع مختلفة تتصارع . وينضم أحد أجنحتها إلى الحكم المشترك ويصبح الجناح الآخر(مارقا) تتجمع ضده الكثير من القوى المحلية والإستعمارية. وبالطبع سوف يصنف إرهابيا ، خصوصا من الحكومة المشتركة فى كابل ، وسوف يتلقى سيلا من الفتاوى الحارقة من علماء البنتاجون وعبيد الدولار.

بينما الجناح (المعتدل)(الواقعى)ــ إن وجِدْ ــ فسوف يحظى بنصيب من المال والسلطة السياسية والقبول الدولى ، والتجوال حول العالم فى مؤتمرات كبرى ، وجوائز عالمية قد يكون منها “نوبل للسلام” أو حتى “الأوسكار”. فالحركة الجهادية مطلوب منها أن تتحول إلى حزب سياسى ، وتنافس الآخرين على مقاعد البرلمان ومناصب الحكومة ، فى سباق ديموقراطى مع شخصيات ملوثة عملت مع المستعمر، وأهلكت الحرث والنسل ، وإرتكبت شتى الموبقات .

هذا ما يريده المستعمر الأمريكى ، ويزيّنه جنود الشيطان . ولكنه مخطط محكوم عليه بالفشل ، لأن لله جنود .. منهم طالبان .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

18/01/2018

www.mafa.world

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 4

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (154) | ربيع الثاني 1440 هـ / ديسمبر 2018 م.      

24/12/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 4 )

 

– أطباء ومهندسون حاولوا جمع تبرعات للمجاهدين الأفغان من أحد المساجد  فى أبو ظبى ، فاعتقلتهم الشرطة بتهمة التسول “!!”.

– حقانى ومولوى خالص يدفعان سياف إلى قيادة “الإتحاد الإسلامى لتحرير أفغانستان” ، فكانا أول ضحايا إنحرافه .

– تحول سياف من قيادة طارئة إلى عاهة مستديمة للجهاد .

– اللقاء الأول لحقانى مع الشعوب العربية . وبداية الدور السياسى الخارجى لحقانى .

– حقانى نقل نبض الجهاد إلى العرب ، ومجددى أحبط فكرة “المتطوعين العرب” .

– عبقرية حقانى فى العمل السياسى لا تقل عن عبقريته العسكرية .

– القوة السياسية فى الداخل هى عماد العمل العسكرى للمجاهدين ، وأساس القوة السياسية فى الخارج .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

كيف إستفاد حقانى من أهمية باكتيا :

فى الإستراتيجية وفى السياسة وفى الحرب .

إنتهت زيارتنا إلى الجبهة بوداع مؤثر مع مجموعتنا (متعددة اللغات ) ، ومع مولوى عبد الرحمن الذى بعث معنا دليلا ليأخذنا إلى مركز “سرانا”. كان شهر رمضان يقترب ،كما أن موسم حصاد القمح أصبح على الأبواب ، لذلك كان عدد أعضاء المجموعة مرشحا للإنخفاض بشدة وكنا نحن أول الغيث . تركنا هدية للموقع عبارة عن ما نمتلكه من أكياس للنوم ، وسترات الميدان . وكنا الوحيدان المالكان لتلك الأشياء العجيبة .

بعد تلك الزيارة تكونت لدينا فكرة لا بأس بها عن أحوال المجاهدين وإحتياجاتهم . ومشاركتنا القتالية البسيطة أو ضحت لنا الكثير .

كانو ا فقراء فى كل شئ ما عدا الإيمان والمعنويات العالية ، أى فى حقيقة الأمر كانوا هم الأغنى فى كل شئ . لأن  ما يملكونه هو ما حسم الحرب فى نهاية المطاف .. بعد سنوات مجيدة من الحرب الطاحنة .

جلسنا مع حقانى بعد عودتنا من مركز مولوى عبد الرحمن . أستقبلنا الرجل بإبتسامة عذبه ، وقال لى : ” لقد خشيت عليك أن تستشهد”.

تعجبت كثيرا من قوله ، وهو القائد الذى لا يكاد يمر يوم إلا وهو يودع شهيدا إما من رجاله أو من رجال القرى المحيطة به ، حتى تصورت أنه لايخشى من شئ ولا يخشى على أحد حتى على نفسه .

سألته عما يريد إبلاغه للعرب ، حتى نوصله إليهم عند عودتنا . وسجلت ذلك كتابة وكنت قد لمست بنفسى كل ما ذكره من إحتياجات ـ ولكنه ذكر نقطة أخرى وهى حاجة المجاهدين إلى إذاعة صغيرة يوصلون بها صوتهم إلى الشعب الأفغانى الذى يجهل الكثير عن ما يحدث .

وقد حاولنا فى كل ما ذكره حتى مسألة الإذاعة ، التى فشلنا فيها تماما . ولكن حقانى الذى لا يستسلم للفشل تابع ذلك الهدف حتى حصل بعد أعوام على إذاعة صغيرة متحركة وضعها فى موقع خلفى يسمى “جاور” . فكانت سببا فى صعود نجم “جاور” ونموها كقاعدة خلفية نشطة للمجاهدين ، فأصبحت هدفا للعدو ، وموضوعا لصراع مرير بين حقانى والحكومة فى كابول ، التى شنت على “جاور” حملات مدعومة من الجيش الأحمر ، بهدف إحتلالها بشكل دائم أو على الأقل تحطيم بنيتها التحتية بما فيها الإذاعة .

      بعد عودتنا إلى أبوظبى ، وإتصالاتنا لنا كثيرة ، مع بيان طبعناه ووزعناه سرا على كبار الإسلاميين المهتمين . كان الأثر كبيرا ولكن لم يحدث (ثورة معلوتاتية) شعبية لأن ذلك يلزمه ضوء أخضر من أولي الأمر . وحتى هؤلاء كانوا فى حاجة إلى ضوء أخضر من جهة أعلى .

وقد حاولت مجموعة متحمسة من الأصدقاء ، وهم مهندسون وأطباء ومحاسبون وطالب ثانوية عامة . أن يجمعوا تبرعات للمجاهدين الأفغان بعد صلاة العصر فى أحد مساجد العاصمة فألقت عليهم الشرطة القبض بتهمة التسول”!!” .

وكانوا على وشك قضاء ليلة فى الحجز ، لولا أن تم الإفراج عنهم بعد وساطات مكثفة ودهشة الشرطة من أن المتسولين هم من أصحاب الوظائف العليا . ولكن المفرج عنهم كانوا من أصدقائنا المقربين لذا أسميناهم “أصحاب السوابق الجنائية ” .

بعد عودتنا إلى أبوظبى بأسابيع قليلة حدث إنقلاب فى كابل أطاح بالرئيس “نور محمد طراقى” وجاء بشيوعى من جناح منافس هو “حفيظ الله أمين” ، الذى لم يمكث سوى أسابيع قليلة حتى تفاقمت الصراعات الداخلية وأوشك النظام على السقوط ، فقتل بمعرفة السوفيت وأجتاح الجيش الأحمر أفغانستان فى أكبر عملية غزو إبرار جوى بعد الحرب العالمية الثانية .كان ذلك إيذانا بتحول جذرى فى وضع الأزمة الأفغانية وتحولها إلى موضوع كبير فى الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية والشرقية ، ولم تلبث أن تحولت أفغانستان إلى أخطر قضايا الحرب الباردة بين الكتلتين ، والتى  أسفرت عن أعمق الآثار الجيوسياسية فى عالم اليوم ، إذ سقطت الإمبراطورية السوفيتية واستفردت أمريكا بالعالم مدعية أنها إنتصرت فى الحرب الباردة وأسقطت الإتحاد السوفيتى ، وبذلك أصبحت سيدة العالم بلا منافس ، تفعل به ما تشاء .

 

تفاهة دبلوماسية فى مواجهة الإحتلال :

توقيت الغزو السوفييتي لأفغانستان كان لا يخلو من المهارة . فإلى جانب أنه تم في الشتاء حليفهم التقليدي في الحروب سواء في أفغانستان أو غيرها، فإنه تم في توقيت سياسي ملائم للغاية. فقد كان غريمهم الأمريكي في نقطة ميتة سياسيا فالرئيس الأمريكي كارتر كان في لحظاته الأخيرة في البيت الأبيض . والرئيس الجديد ريجان الذي تسلم منه الحكم ، وجد أمامه أمرا واقعا في أفغانستان . لهذا لم يوجه أحد إليه السؤال : لماذا تركتم ذلك يحدث …

وماذا فعلتم والسوفييت يحتشدون لعبور حدود قانونية لدولة ضعيفة ؟ . ولكن بدأت الأحاديث حول إجراءات عقابية ضد السوفييت وإجراءات لتطويق آثارالغزو على المصالح الأمريكية  فى جنوب وغرب آسيا وخاصة مناطق نفط الخليج . لم تتحرك الدول الإسلامية إلا بعد أن مارست الإدارة الأمريكية الجديدة مهام عملها .

وأصدرت أوامرها وحددت السياسة  (الإسلامية) العامة لمواجهة خطر الغزو السوفييتي على العالم الإسلامي  والخطوات اللازمة في إطار المنظور الأمريكي . وبناء عليه عقد مؤتمر طارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية في إسلام آباد لبحث الموضوع

 وتم إصدار البيانات المعهودة التي لا معنى لها واتخاذ خطوات أشد تفاهة، كان أعظمها خطرا هو إرسال طائرتى معونات إنسانية من خيام وأطعمة للمهاجرين الأفغاني فى باكستان كدعم عاجل من المملكة العربية السعودية . وعلى صعيد (المقاومة الأفغانية) فإن تأثيرات ذلك المؤتمر عليها هو إصرار القائمين على المؤتمر على تشكيل كيان متحد للمقاومة تستطيع الدول الخارجية التعامل معه فيما يختص بالقضية الأفغانية . وكان عدد الأحزاب الأفغانية للمقاومة ستة أحزاب . وبشكل عاجل تم تشكيل واجهة موحدة هى (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) برئاسة عبد الرسول سياف ، الذي خرج لتوه من سجون النظام في كابل. وفي أقل من شهرين تحول من سجين سياسي سابق إلى رئيس (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) ليكون أول أعماله هو الإجتماع بوزراء خارجية الدول الإسلامية لمناقشة موقف تلك الدول من قضية بلاده . ورغم أن زعامة سياف وظهورها على سطح الحياة السياسية (للمقاومة الأفغانية) كان يبدو وقتها كأثر ثانوي لذلك المؤتمر ، إلا أنه بمرور الوقت ظهر أنه كان واحدا من أخطر الأحداث في المسار السياسي للقضية. خاصة في علاقتها بالتيارات الإسلامية العربية التي تعاطفت عن بعد، أو قدمت للمشاركة ميدانيا في الجهاد.وأيضا من حيث تفاقم الصراعات الداخلية في حركة (المقاومة) الأفغانية المتشرذمة أصلا .

 

سياف .. من رئاسة طارئة ، إلى عاهة مستديمة للجهاد :

عندما أوشك المؤتمر الطارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية على الإنعقاد لم تكن المنظمات الجهادية في حالة تسمح لها بحضور المؤتمر . فالخلافات مستعرة وعدد الأحزاب ستة أحزاب كاملة التحزّب . فطلبت باكستان منهم ، عندما وجدت أن الزعماء الستة يريدون حضور المؤتمر كل زعيم يمثل حزيه ، طلبت إختيار شخص واحد يمثل الأحزاب جميعا أمام المؤتمر. كانت المشكلة التي يخشاها الزعماء أنه في حال إختيار ممثل واحد عن الأحزاب يخاطب المؤتمرفإنه سوف يكون الشخص المعتمد لدى العالم الخارجي .

 وبالتالي فأي معونات خارجية  يتسلمها نيابة عن الآخرين ،  سوف يستأثر  بها لنفسه, وقد يتحول إلى صاحب حزب, فمن السهل أن يشتري من يريد وما يريد بواسطة المال الذى توفر لديه . وكانت القاعدة أنه عندما يرغب حزبان في الإتحاد ، يتم إختيار شخصية ضعيفة كي ترأس الإتحاد  المزعوم .

وبنفس الأسلوب وصل عبد الرسول سياف إلى سدة الزعامة. فقد كان ضعيفا، خارجا لتوه من سجون كابل . ويسكن في غرفة متواضعة، ويتلقى مساعدات مالية من أصدقائه داخل المنظمات. كان أشد المعترضين على ترشيح سياف هو حكمتيار الذي واجهه بحملة عنيفة من التشكيك والإتهامات.

 فقد كان يرى أن سياف قد خرج معافى من سجون الشيوعية في كابل ـ في قصة غير مقنعة ـ حيث كان الشيوعيون يقتلون الناس لمجرد الإشتباه فما بالهم بشخص مثل سياف كان في صفوف متقدمة من زعامات العمل الإسلامي في كابل ؟؟.

لماذا لم يقتلوه وهو تحت أيديهم في السجن ؟ .

وأضافت مصادر حزب حكمتيار بأن سياف قد إستفاد من حماية الزعيم الشيوعي حفيظ الله أمين المهندس الحقيقي للإنقلاب الشيوعي,والذى تولى رئاسة الدولة فيما بعد. فتولى الرئاسة  بعد أن تخلص  من سلفه نور محمد طراقي . فقد كان سياف وأمين أبناء خالة . لذلك فإن سياف لم يسجن في السجن الرهيب “بولي شرخي” بل أنه نقل سريعا إلى نوع من الإحتجاز المرفه تحت حماية إبن خالته.

ولمزت مصادر الحزب في الظروف التي إعتقل فيها سياف في عهد محمد داوود . فقد أعتقل وهو في مطار كابل وكان في طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة تعليمية موضوعها (التأهيل القانوني )!!.

 بالنسبة لهم فإن الإفراج عن سياف في أعقاب الإحتلال الروسي ، وإغتيال إبن خالته أمين ما كان ليتم خطأ كما يدعي سياف ، ولا بد أن وراءه تدبيرا معيناً بين سياف والشيوعيين والروس . كانت الإتهامات خطيرة، لكن رواج الشائعات  سواء بالحق أو بالباطل,أفقد  تلك الإتهامات أهميتها .

تبنى يونس خالص وجلال الدين حقاني قضية سياف حيث رأيا أنه المخرج الوحيد المتاح مع ضيق الوقت على إنعقاد المؤتمر . ومارسا ضغوطا على باقي الأطراف لقبوله رئيسا يمثل إتحاد أحزاب المجاهدين، ثم أنه قد وقَّع لهما بالفعل على تعهد بعدم إنشاء حزب جديد لنفسه. نجح مسعاهما بعد مجادلات طويلة مع قادة الأحزاب الأخرى وجميعهم متخوف ومتشكك فى الرجل ونواياه . وقد ندم حقانى وخالص فيما بعد إذ كانا الأكثر تضررا من إنحراف سياف واستئثارة بالمعونات المالية القادمة من الخارج . فأشترى الكثير من أتباع المنظمات فى الداخل منشئا حزبا جديدا تحت إسم الإتحاد وكون جهازا بيروقراطيا كبيرا فى بيشاور جاذبا عدا من المشاهير فى الداخل وثبتهم فى مكاتب قضت على فاعليتهم فى الميادين . ثم ضيق على مندوبو المنظمات الأخرى فى دول الخليج خصوصا، مدعيا أنهم يعملون خارج الإتحاد بشكل غير قانونى . فعانت المنظمات ماليا وكان أكثرهم معاناة هو يونس خالص وحقانى الذى كافح كثيرا حتى لا يغرقه سياف فى مشكلات مفتعلة فى الداخل والخارج .

  من أجل ملاحقة المؤتمر ظهر إلى الوجود إتحادا جديدا هو (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) . ولم يكن إتحادا فعليا ولم يكن بالطبع هوالإتحاد الأخير إذ تغير إسمه فيما بعد إلى (الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان) فى محاولة لإصلاح الخلل ، لم تسفر عن أى إصلاح . وظلت بيشاور حتى نهاية الجهاد هى أرض الفتن كما وصفها الكثير من المجاهدين المخلصين ومنهم حقانى .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

حقانى ينقل نبض المجاهدين إلى بلاد العرب :

إنتهى مؤتمر وزراء الخارجية بدون أي التزامات واضحة أو مساعدات للشعب الأفغاني . كان فقط مناسبة لتسجيل موقف لا يترتب عليه أي نتائج . كانت صدمة للقادة الأفغان وصدمة     لأنصار الجهاد والقضية الأفغانية من أمثال صديقنا المنياوي (زميلى فى الرحلة الأولى) ، والصحفي من صحيفة الإتحاد الظبيانية سمير عبد المطلب (أول صحفى عربى زار أفغانستان . وقد زار الأورجون أثناء تواجدنا فى جرديز فى رحلتنا الأولى ) .  فطالب الإثنان من سياف أن يترأس وفدا أفغانيا كي يزور دول الخليج لطلب المساعدة من الناس مباشرة .

وكانت المشكلة أن سياف لم يتلق دعوة رسمية بزيارة أياً من دول الخليج . فكيف له أن يصل إلى هناك ؟.

صديقنا المنياوي قال بأنه سوف يسعى إلى الحصول على تأشيرة لوفد المجاهدين برئاسة سياف، على إعتبار أنه وفد باكستاني جاء للحصول على تبرعات لمدرسة  دينية .

وقام سياف بتحديد شخصيات الوفد وكانوا كالتالي :

عبد الرسول سياف  صبغة الله مجددي ـ محمد نبي محمدی ـ جلال الدين حقاني . كان صديقنا الصعيدي يعمل وقتها سكرتيرا للدكتور عز الدين إبراهيم المستشار الثقافي لرئيس الدولة آنذاك. تكفل أحمد بتمرير أوراق الوفد عبد القنوات الرسمية كواحد من الوفود التقليدية التي تأتي لجمع التبرعات من مساجد الدولة وتطلب العون من هيئاتها الإسلامية . ولم ينتبه أحد إلى أسماء الوفد الذين لا يدري عنهم موظفوا الدولة أي شيء.

كانت تلك الزيارة ـ المعجزة ـ الخطوة الأولى لسياف كي يرسي دعائم قوية لعلاقاته العربية بشقيها الرسمي والشعبي . بل كانت فرصة لأول لقاء مباشر بين جهاد أفغانستان والشعوب الإسلامية ـ خاصة شعوب الخليج التي لعبت الدور الأهم في (التمويل الشعبي) للعمل الجهادي.

أجرى سياف خاصة ـ والوفد المرافق عامة ـ لقاءات واسعة جدا داخل مدن الإمارات. وقابلوا ما لا يحصى من الأفراد العاديين والمتحمسين والمسلمين المتدينين . وعقدت لقاءات كثيرة في المساجد ، وحتى داخل تجمعات الأفغان ، خاصة المنطقة الصناعية في مدينة العين التي تعتبر معقلا للبشتون من أفغانستان وباكستان .

رتبنا مؤتمرا صحفيا لسياف والوفد المرافق له ، في الفندق الذي يقيم به الوفد في أبو ظبي. إتصلنا بالصحف المحلية ، وقبل بداية المؤتمر إتفقنا مع مندوب جريدة الإتحاد على توجيه   السؤال التالي : “هل أنتم في حاجة إلى متطوعين مسلمين لمساندتكم في الجهاد؟ “.

عقد المؤتمر وإنهالت الأسئلة وتأخر سؤالنا المنشود حتى قرب نهاية الجلسة . وما أن ألقى مندوب جريدة الإتحاد السؤال حتى تكهربت أعصابنا وتعلقت أنظارنا بالأستاذ سياف الذي تلقى السؤال وتهيأ للإجابة . ولكن صبغة الله مجددي إندفع كالقنبلة وتولى الإجابة بعصبية واضحة قائلا: نحن لسنا في حاجة إلى رجال، ولكننا في حاجة إلى أموال وأسلحة للقتال ، وأن على الدول العربية ودول الغرب أن تمد الشعب الأفغاني بمختلف نواحي الدعم السياسي والمادي كي يواجه الغزو السوفييتي  .

إعتبر الصحفيون إجابة مجددي هي الإجابة الرئيسة، رغم أن سياف عقب عليها برد دبلوماسي لا يفيد شيئا ، حيث قال :إن الشعب الأفغاني يتصدى ببطولة للغزو السوفييتي ولكن إذا كنا نحن لسنا في حاجة للمتطوعين المسلمين ، أليس المسلمون في حاجة إلى الجهاد؟.   في كل المناسبات التالية ولمدة سنوات كان سياف يكرر نفس الجملة عند تعرضه لهذه النقطة الهامة .

كان تخلصا دبلوماسيا لبقا من “أمير الجهاد”، فلا هو طلب متطوعين ولا هو رفض، وعلى كل طرف أن يفهم الجملة حسب هواه . إكتشفنا في وقت متأخر نسبيا أنه من المحظور على  زعماء المنظمات في  بيشاور توجيه دعوة عامة للتطوع في صفوف المجاهدين الأفغان ـ أي إعلان جهاد إسلامي عام .

  ومع هذا  فقد كانت الزيارة صخرة ضخمة ألقيت  على سطح العمل الإسلامي الخليجى الراكد .

 كان حقاني قد خرج لتوه من صدام عسكري مع  الجيش الأحمر. لذا كان النغمة اليتيمة في الوفد الأفغاني ، لأنه الوحيد الذي يمثل الحقيقة الميدانية  للجهاد. بينما رئس الوفد “سياف” قد خرج منذ أشهر قليلة من سجن مطول فى كابل إستغرق حوالى ست سنوات . وبالتلى فليس لديه أدنى فكرة عن الجهاد المسلح الدائر فى أفغانستان . وبالمثل باقى أعضاء قادة الأحزاب”الجهادية” مجددى ومحمدى ، وكلاهما ليس له علاقة مباشرة بالجبهات القتالية لا قبل الإحتلال الروسى ولا بعده .

 وما كان يريد حقانى طرحه لم يكن متجانسا مع الطبيعة الإحتفالية للمواضيع التي طرحها  الوفد ، والطابع الإنفعالي الحماسي للإجتماعات ، كما لم يكن متجانسا مع طبيعة الجمهور العربي المتعود على سلبية الإستماع ونشوة الحماس والتأثر بالخطابات البليغة. فلم يكن ممارسا  لحيوية المشاركة وما تجلبه من متاعب وصعاب لم يتعود عليها . ويصح ذلك بوجه خاص على المجتمع الخليجي فائق الرفاهية ، بما في ذلك تجمعاته  (المواطنة) أو (الوافدة) .

وأعظم ما تبلغه همم تلك التجمعات ـ حتى وقت الزيارة ـ كان دفع دريهمات لمشاريع الخير هنا وهناك . وما الجهاد عندهم ـ حتى ذلك الوقت ـ إلا واحدا من المشروعات الخيرية ، مثل بناء مسجد أو دار أيتام أو إستكمال مركز إسلامي في دولة أوروبية .

كان حقاني يريد أن يناقش القتال ومستلزماته ، والمجاهد ومطالبه، والجهاد وخطوط إمداده . وقد تحدث مع قليلين حول تلك الموضوعات وإستوعبه أقل القليل منهم . وظلت الجبهات ومشاكلها القتالية أكبر الغائبين عن ساحة الإهتمام الشعبي العربي طوال مدة القتال، مع تحسن نسبي بعد ظهور “أبوعبد الله” ـ أسامه بن لادن ـ على ساحة العمل القتالي العربي في أفغانستان .

كانت تلك هى المرة الأولى التى يمتد فيها الدور السياسى لحقانى ليشمل نطاقاعربيا ، بعد أن كان محصورا فى النطاق القبلى الذى هو أساس القوة الحقيقية للعمل الجهادى ، ولكن الإتصال الخارجى ونجاح حقانى فيه تحول إلى مدد هام جدا وفر له دعما ماليا وإعلاميا ومددا من المتطوعين العرب فيما بعد . ورغم قلة عدد العرب فى جبهات حقانى إلا أن إسهاماتهم كانت جيدة بل وهامة أحيانا .

 

الدور السياسى الداخلى .. أساس القوة الجهادية لحقانى :

إذا كان الدور العسكرى لحقانى ، يكاد لا يكون له نظير فى فترة الحرب ضد الجيش الأحمر السوفيتى ، وشاهد ذلك إنجازاته العسكرية الكثيرة الذى كان فتح خوست فخرها الأكبر  والدليل الذى لا يدحض على تلك العظمة العسكرية .

ولكن إنجازاته وعظمته السياسية لا يكاد يلتفت إليها أحد ، رغم أنه لولا تواجدها ما كان له أن يحقق إنجازاته العسكرية كلها ، وبوجه خاص فتح مدينة خوست .

وحيث أن حقانى ـ مثل باقى القيادات الميدانية فى ذلك الوقت لم يكن مدعوما من قيادة عليا جهادية أو حتى قيادة حزبية مقتدرة ، فكان هو فى ذاته القيادة العليا الشاملة التى عليها أن تواجه ميدانيا جميع التحديات العسكرية والسياسية .

 من الممكن ملاحظة التحديات العسكرية ونتائجها ، كونها صاخبة صخب ميدان المعركة، ونتائجها واضحة وصريحة : فإما نصر مشهود أو هزيمة ظاهرة لا يمكن التستر عليها خاصة فى الملاحم الكبرى . أما الإشتباكات المحدودة الحجم والنتائج ، والتى تعمل بالتراكم البطئ ، فتكون سببا للإنتصار الكبير أو الفتح الأعظم . ولكن لا ينتبه أحد إلى أهميتها لأنها مثل ضؤ المصباح الصغير . ولكن ضوء ذلك المصباح الصغير والمتكرر والدائم هو الذى أنار الطريق نحو النصر النهائى المبهر . لذلك فكل مجاهد استشهد فى تلك الإشتباكات الصغيرة التى لا تحصى ، هو صانع حقيقى ضمن صناع كثيرين ومجهولين لذلك النصر الكبير .

    فى أثناء جولتنا التاريخية فى مسيرة حقانى سنتعرض من وقت إلى آخر إلى جوانب من نشاطه السياسى وأهم فروعه هو العمل بين القبائل ، وهو ذو صلة مباشرة بالنشاط الجهادى . وبدونه يغدو ذلك النشاط مستحيلا . حيث المحيط السكانى ذو تكوين قبلى . وفى ذلك الوقت عانت القبائل من عدة ضغوط : تهدد تواجدها ـ وتهدد تماسكها ـ وتهدد مصالحها المباشرة .

ــ أما ما يهدد تواجدها فهو هجوم جيش الإحتلال وأعوانه فى النظام الشيوعى الحاكم على القبيلة مباشرة.

ــ وما يهدد تماسكها ووحدتها فهو النشاط الحزبى الموجه من أحزاب بيشاور بتخطيط من باكستان والأعداء الخارجيين الذين إرتدوا لباس الصداقة الكاذبة ، مثل الأمريكيين ودول أوروبا وحكومات الخليج وخاصة النظام السعودى .

فقد عملت تلك الجبهة من أجل تفكيك القبائل بطرق شتى على رأسها إستبدال الولاء القبلى بالولاء الحزبى . خاصة وأن الولاء الحزبى يجلب المال والسلاح . وبتعدد الأحزاب إلى سبعة أحزاب (غير ثلاثة إنشقاقات أصغر) تقسمت القبائل إلى هذا العدد . ناهيك عن الإختراقات الحكومية ولم تكن علنية فى أغلب الأحوال . لكن عند سيطرة الحكومة على منطقة قبيلية معينة ، فسريعا ما تظهر كتلة قبيلية متعاونة معها بدوافع إنتهازية بحته وطمعا فى الأموال والزعامة القبلية . والعلاقات بين القبائل من المهم جدا معرفة تاريخها القريب والبعيد . فالمشكلات القبلية تتوارث لزمن طويل . خاصة المشاكل على الأرض والمراعى والغابات والماء .

أما الثارات فهى الطامة الكبرى ، التى من الصعب علاجها ، وتبقى سابحة عبر الأجيال والأزمان . ولعلاجها لابد من تصدى العلماء والزعماء القبلين وبذل الأموال حتى تحل المشكلة. حساسية القبائل تجاه كرامتها وسيادتها على أراضيها كانت مشكلة كثيرا ما تواجه المجاهدين فى تحركاتهم العابرة لأراضى قبائل عديدة ، خاصة إذا كانت متكررة أو يترتب عليها معارك قد تطال القبيلة أو تعرضها لإنتقام العدو . و الصراع الحزبى لم يكن نادرا، وفى بعض المناطق كان مزمناً .

ــ حتى المعارك التى تدور بالقرب من أراضى القبيلة ، وتنتهى بنصر المجاهدين ، فقد تقفز زعامات من القبيلة مطالبين بجزء محترم من الغنيمة فى مقابل أراضيهم التى إستخدمت فى العبور إلى مناطق القتال ، أو دار فوقها بعض القتال .

كل تلك المشاكل تحتاج إلى دراية عميقة بطبيعة القبائل والتاريخ السياسى لكل قبيلة ، وخريطة العلاقات بينها .. الآن .. وقديما .

تقريبا من المستحيل أن تحل أى مشكلة قبلية بدون وجود عالم دين فما بالك إذا كان هو حقانى  بكل مهابته واحترامة وبطولته ؟؟ .

ــ كان حقانى مع تعدد “الكومندانات ” العسكريين داخل كل قبيلة ، وأنه مجبر على التعامل المباشر معهم إعتبارا للقوة التى تحت إيديهم من سلاح ورجال ، إلا أنه لم يهمل أبدا التعامل مع كبراء القبائل وزعمائها التقليدية من كبار السن ، وعلماء الدين فيها . وكان بذلك يضمن خطاً خلفيا يلجأ إليه فى حالة تعثر الإتفاق مع “الكومندانات ” حاملى السلاح والتابعين لأحزاب بيشاور، وتشكيل ضغط عليهم من داخل قبائلهم نفسها .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

حقانى والسياسة الإقليمية :

كيف إستفاد حقانى من أهمية باكتيا ، فى الإستراتيجية وفى السياسة وفى الحرب .

   أهم السياسات الخارجية كان بالطبع السياسة مع الجارة اللدود باكستان ، التى هدفت إلى التحكم فى كل ما يجرى على الساحة القتالية فى أفغانستان وفى مقدمتها (الكومندانات) أى القادة العسكريين القبليين، كبيرهم وصغيرهم ، بالسلاح والإمدادات والمال (وجميعها عناصر قادمة من الخارج وليس من الحزينة الباكستانية). تسيطر باكستان على كل شئ بواسطة جهاز إستخبارى عسكرى هو(ISI) صاحب السمعة والقدرة ، والذى أسسه ضياء الحق الرئيس الباكستانى من أجل التدخل فى أفغانستان .

كان حقانى من الحالات النادرة التى ظلت عصية على الهيمنة الباكستانية ، وفرض عليهم معاملة ندية ، بل أن يده كانت هى العليا . والسبب هو قوته الشخصية والعسكرية ، وإحكام سيطرته على قبيلته زدران وهى القوة الضاربة الأولى فى ولاية باكتيا . تشاركها فى تلك الولاية ثلاثة قبائل هى منجل وجربز وتاناى . ولم تشهد باكتيا قتالا قبليا أو حزبيا ، والسبب الأساسى كان مجهود حقانى التصالحى والجامع الجهادى بين القبائل . لم تكن الخلافات أو حتى الأزمات غائبة ولكنها دوما كانت تحت السيطرة بمجهود كبراء القبائل الشرفاء المخلصين لإنتمائهم الإسلامى . وهكذا كانت باكتيا هى الأفضل من حيث التماسك والسلام القبلى بين سكانها.

 أعطى ذلك أهمية فائقة لحقانى فى السياسة الخارجية عموما ، خاصة السياسة إزاء باكستان حيث أن ولاية باكتيا لها أهمية إستراتيجية فريدة بالنسبة لأفغانستان وباكستان معا . فهى الولاية التى تحتوى أكبر عدد من الممرات البرية الطبيعية التى تربط بين البلدين ، لذا كانت سيطرة الجيش الأحمر أو القوات الشيوعية على تلك الولاية تمثل كابوساً يؤرق السلطات الباكستانية . وحائط الصد الأساسى فى ولاية باكتيا هى قيادة حقانى التى تحفظ للولاية تماسكها وقوة ردعها التى تصد الجيش الأحمر .

وكان ذلك عاملا حاسما فى إستمرارية الجهاد ونجاحه فى نهاية المطاف . فإن 80% من الإمدادات الذاهبة إلى الجبهات فى معظم المحافظات كانت تمر من باكتيا . وبالتحديد ممر جاجى ثم ممر خوست عبر قاعدة حقانى فى جاور . وفى كلا الموضعين (جاجى وجاور) دارت أعنف معارك الحرب بسبب تلك الممرات ، التى إستمات السوفييت فى إغلاقها واستبسل المجاهدون فى الدفاع عنها ، دافعين أغلى الأثمان بالدماء والأرواح .

( سوف نمر على أهم تلك المعارك خلال هذا الكتاب).

وكانت تلك هى ورقة القوة الأساسية فى يد حقانى والتى وفرت له اليد العليا فى التعامل مع باكستان وأجهزتها الإستخبارية . رغم أن تلك الأخيرة حاولت بشتى الطرق الحد من نفوذه أو إيجاد قيادات منافسة تقلل من قوته . وفى بعض الأحيان حاولوا التخلص منه نهائيا(بالإغتيال) خاصة قبل فتح مدينة خوست والذى كان خطاً أحمراً ـ بإتفاق دولى بين الكتلتين ـ حتى يرغموا المجاهدين على قبول تقاسم السلطة مع الشيوعيين فى كابول . حتى أنهم نقلوا إلى حقانى تهديدا(بضربة نووية ) إذا إقتحم خوست !! .

لم يرضخ حقانى للتهديد النووى ، كما لم تردعه محاولة الإغتيال ــ ثم حاولوا إفشال إقتحام جرديز ، ونسجوا مؤامرة نجحت فى تعطيل المحاولة الأولى للفتح (أكتوبر1991) ولكن فى الربيع لم تسطع حامية المدينة تحمل الحصار والرعب الذى أصابها من تحفز المجاهدين ومناوشاتهم الدائمة والخطيرة .

فى مثل المجتمع الأفغانى فإن السياسة القبلية للمجاهدين هى عماد قوتهم السياسية وبالتالى قوتهم العسكرية . وبشكل عام فإن القوة السياسة الداخلية (داخل الوطن) هى عماد القوة فى مجال العمل السياسى الخارجى ــ والعكس غير ممكن ــ لأن القيادة التى تسيطر على زمام العمل الجهادى بدعم الخارجى عسكرى وسياسى ومالى وتسليحى ، لا يلبس أن تكون كارثة عظمى على شعبها ، سواء نجح مسعاها أو فشل ، فإن حمامات الدم تصبح حتمية . وقد شهدت أفغانستان ـ فى العصر السوفيتى ـ تلك الحالة ، خاصة فى مثالها الأهم وهى الأحزاب (الجهادية) فى بيشاور والتى تصدرتها شخصيات لا دور يذكر لها فى قيادة قبائلها أو شعبها .

فتسببت فى مآسى لأفغانستان سواء فى عهد الإحتلال السوفيتى أو فى عهد الإحتلال الأمريكى فكانوا ضد شعوبهم على الدوام وفى خدمة القوى الإستعمارية الخارجية التى تشترى خدماتهم ، وتصنع زعامتهم المزيفة .

ونظرا لخطورة موضوع السياسة فى الحروب ، سنعود إليه مرارا فى سياق هذا الكتاب .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/12/2018

www.mafa.world

جلال الدين حقانى 4

 




أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة

أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة

نقلا عن موقع الحوار المتمدن   22/12/2018

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

أفيون أفغانستان تحت أضواء مُضَلِّلَة

– علم الأفيون السياسى  

– فى أفغانستان ، قوانين الإقتصاد تسير عكس السير

– أسباب إنخفاض الإنتاج

– أفيون السياسة الدولية

– إقتلاع أعواد الخشخاش

– توزيع حصص الأفيون والهيروين

– أسعار الأفيون داخل أفغانستان

– أين أسعار أفيون كابول ؟

 

 تقرير سنوى عن أفيون أفغانستان يصدره مكتب للأمم المتحدة للمخدرات والجريمة UNODC ، يتميز بالمتابعة الشاملة على قدر ما تسمح به ظروف الحرب والسياسة ـ كون الأفيون يخضع للتوجيه السياسى ومصالح الولايات المتحدة ــ فموضوع المخدرات هو من أكثر المواضيع حساسية ، ويتعلق بأهم الموارد المالية للإمبراطورية الأمريكية ، وبالتالى فهو أحد المفاتيح الأساسية لقراراتها فى السياسة والحرب .

لذلك فالتقرير المذكور يراعى تلك المصالح ، فيحجب أكثر الحقائق ، والباقى يضع لها تأويلات مضللة تأخذ القارئ والمتابع إلى متاهات بعيدة.

 

علم الأفيون السياسى :

 تسير إستراتيجية حركة طالبان فى عكس إتجاه إستراتيجية المحتل ، أدراكا منها أن المخدرات كانت الدافع الأول لعدوان الجيش الأمريكى خاصة بعد أن منعت الحركة زراعة الأفيون فى مناطق سيطرتها خلال فترة حكمها القصيرة لأفغانستان ، فكان عام 2001 هو أقل الأعوام إنتاجياً للأفيون بمحصول قدره 185 طن ــ معظمها من إنتاج مناطق لم تكن خاضعة لسلطة طالبان ـ بعد أن كان الإنتاج فى الأعوام السابقة يتخطى 3500 طن . هذا النقص الهائل فى الإنتاج حَفَّز الجيش الأمريكى على الحركة السريعة ، فأعاد زراعة الأفيون بتصاعد خيالى. وقال الأمريكيون أنهم لم يحضروا إلى أفغانستان لمكافحة زراعة المخدرات ، بل لمكافحة الإرهاب (!!) . ولكنهم عندما إفتقدوا تواجد تنظيم القاعدة فى أفغانستان إستوردوا داعش من شتى الأرجاء ، وصنعت لهم باكستان جيشا داعشيا من بقايا بلطجية معسكرات المهاجرين فى بيشاور. فعاشت زراعة الأفيون وصناعة الهيرويين جنبا إلى جنب مع صناعة الإرهاب الداعشى ، أزهى عصورها فى ظل الإحتلال الأمريكى .

تقرير مكتب المخدرات والجريمة للأمم المتحدة UNODC ، إلى جانب المعلومات المنقوصة، يعطى تفسيرات مضللة أو على الأقل مربكة للغاية ..ومن أمثلة ذلك :

 

فى أفغانستان ، قوانين الإقتصاد تسير عكس السير :

أول معلومة مربكة يسوقها تقرير(عام 2018 ) ، مع تفسيرها الأشد إرباكا .. تقول :

إن كمية الأفيون المنتج هذا العام “2018” فى أفغانستان وصلت إلى 7200 طن ، بنقص حوالى “11ــ %” عن محصول العام الماضى 2017 الذى بلغ (10000 طن) . وحسب قانون العرض والطلب فمن المفروض أن يرتفع السعر ولكن التقرير يفاجئنا بأن السعر إنخفض بنسبة ” ــ 42 %” . فهل تغيرت قوانين الإقتصاد؟؟، أم أن أفغانستان المحتلة هى مكان خارج القوانين؟؟ . كنا فى أنتظار أن يبشر التقرير العالم بأن إنخفاض المعروض من الأفيون أدى إلى إرتفاع أسعاره وبالتالى أسعار الهيرويين .

وحتى يتخلص (تقرير الجريمة والمخدرات) من المأزق قال إن سبب تراجع زراعة الأفيون هو تراجع الأسعار . وهو عذر أقبح من ذنب ، لأن أسعار العام الماضى(2017 ) كانت مرتفعة ، فمتى ظهر دليل على أن الأسعار سوف تنخفض فى عام “2018” حتى يتراجع الفلاحين عن الزراعة ؟ .. لم يوجد أى مؤشر على ذلك، لأن إتجاه الأسعار نحو أو الإنخفاض أو الإرتفاع يظهر مع إقتراب جنى المحصول . عندها يعمل قانون العرض والطلب . فإن كان المعروض كبيرا ، توجهت الأسعار نحو الإنخفاض ، والعكس صحيح .

يمكن أن نقدم تعليلا أكثر واقعية لظاهرة  إنخفاض السعر الأفيون رغم إنخفاض الإنتاج .

 

 أسباب إنخفاض الإنتاج :

 تقديرات (مكتب الجريمة) غير دقيقة بالمرة من حيث قياس كمية الإنتاج . فالمكتب المذكور فى تقرير عام 2016 قال أن معظم مناطق زراعة الأفيون موجودة فى مناطق مصنفة على أنها (خطر) أو (خطر جدا) حسب قسم تابع للأمم المتحدة يسمى قسم الأمن والسلام (!!) ـ {وهذه ليست نكته !! قسم للأمن والسلام فى الأمم المتحدة .. هكذا !! } .

فالمناطق المحررة تتوسع فى كل أفغانستان ، خاصة المناطق التى ركز الإحتلال فيها زراعة الأفيون حتى يتمكن من حراستها والدفاع عنها بسهولة .

واقعيا هناك 70% أو أكثر من أراضى أفغانستان محررة (وليس 50% كما يروج الإحتلال). والباقى من الأرض تنساب فيه قوات طالبان إلى أن تصل إلى مقار القيادات العليا فى كابول . وتتحكم فى معظم مسار الحياة المدنية من تحت الأرض ، وأحيانا من فوقها، فى ظهور شبه علنى ولكنه محسوب بدقة. يقول قسم(الأمن والسلام) فى الأمم المتحدة ، أن تلك الأراضى المصنفة خطر وخطر جدا لا يمكن أن تصلها الأمم المتحدة أوهيئات الإغاثة . ولكنه لم يذكر أن قوات الإحتلال لا يمكنها ذلك أيضا إلا بسلاح الطيران ، أو حملات أرضية جوية قصيرة وخاطفة ، وبلا نتائج فى موازين الأرض . فكيف يمكن قياس كمية الإنتاج؟؟.

سيقولون : بالأقمار الصناعية. ولكن تلك تقديرات غير دقيقة على غير ما يحاول أن يوحى به مكتب الجريمة ، مقدما أرقاما كأرقام متوسطة ، لأرقام عليا وأخرى دنيا إمعانا ، فى إيهامنا بدقتة وحيادية أرقامة ، التى هى فى معظمها غير موثوقة ، إما لأنها مختلقة بالكامل ، أو لأنها (معدَّلة سياسياً) وفقاً لأهداف الإحتلال .

يقول مكتب (الجريمة والمخدرات) أن من أسباب إنخفاض إنتاج الأفيون قلة أمطار هذا العام. صحيح أن منسوب الأمطار قد إنخفض ولكن إلى أى درجة؟؟ .

فجداول المكتب ورسوماته البيانية ، تقول أن إنتاج هذا العام(2018) هو ثالث أعلى محصول منذ عام 2014 ـ وحسب أرقام المكتب المذكور فإن إنتاج أفغانستان من الأفيون فى السنوات المزدهرة الأخيرة هى كالتالى: (عام2014) 4420 طن ـ (عام2017) 5158 طن  ــ (عام2018) 4391 طن.

ولماذا شهدت محافظة كابول(المركزالسياسى للإحتلال وحكومته المحلية) إرتفاعا فى محصول الأفيون؟؟ . فهل لديها أمطار خاصة بها ؟. ولماذا إرتفع محصول القطاع الشمالى الشرقى من البلد رغم قلة الأمطار؟.

   مكتب (المخدرات والجريمة) لا يتطرق مطلقا إلى عنصر السياسة العالمية وتأثيرها على أسعار وإنتاج الأفيون فى أفغانستان . كما لا يتطرق بالطبع إلى موضوع العلاقة بين الأفيون وكل من السياسة الداخلية والعمليات العسكرية للإحتلال فى أفغانستان.

– فعندما يُقارِن عامنا الحالى(2018) فإنه يرجع فقط إلى عام2014 قائلا أنه ثالث أعلى محصول فى تلك السنوات الأربع . ولكن عودة بالمقارنات إلى أعوام سابقة حتى عام 2008 ـ (أنظر صفحة 47 من التقرير المذكور) نجد أن عام 2018 عاما وفير المحصول . العائدات إنخفضت ، و لكن بالمقارنة نجدها أفضل من سنوات عديدة مضت .

 

أفيون السياسة الدولية :

بعض السنوات كانت منتعشة جدا من حيث الإنتاج والأسعار، مثل عام 2011 (هل يذكر أحد أحداث الربيع العربى!! ). فى الأزمات الدولية الكبرى وطبقا لبيانات مكتب الجريمة نلاحظ أن أسعار الهيروين إنخفضت ، وتوفر فى أسواق دول لها تأثير كبير أو مباشر فيما يجرى دوليا من كوارث مثل الأسواق الأمريكية والأوروبية وأسواق دول تعانى من زلازل سياسية وإقتصادية تهدد مصالح وخطط أمريكا . وأرقام عام 2001 خير دليل على ذلك {راجع كتاب حرب الأفيون الثالثة ، فالأرقام والجداول الموجودة به، كلها من مستقاه من”مكتب الجريمة” التابع للأمم المتحدة} . ورغم أن محصول أفيون 2001 كان هو الأدنى منذ عقود أو قرون ،إلا أن الهيروين توفر فى أسواق أمريكا وأوروبا عام2001 وإنخفض سعره؟؟ . هنا يظهر مصطلح(المخزون الإستراتيجى) . الذى بلغ الآن بالتأكيد مستويات غير متوقعة . وحسب تقدير روسى نشر عام 2010 فإن أمريكا تختزن 1200 طن من الأفيون تحسباً للطوارئ .  ولعله يقصد الهيروين وليس الأفيون . لأن من يَخْتَزِن بشكل إستراتيجى يختزن مسحوق الهيروين لصغر حجمه وسهولة نقله وعظيم تأثيره وإرتفاع سعره . أما إختزان الأفيون فيكون لأهداف قريبة واحتياجات محلية أو إقليمية سريعة ، ( أى فى أفغانستان والدول المحيطة بها).

الآن فى عام 2018 لنا أن نتخيل مقدار التصاعد فى ذلك المخزون الذى لا يقل تدميرا للبشر عن المخزون الأمريكى من أسلحة الدمار الشامل .

فى هذا العام دلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة إستخدمت جزءا من ذلك المخزون لخفض أسعار الأفيون الخام الذى أصبح فى مقدار كبير منه خارج سيطرة إحتلالها العسكرى ، وعدم قدرتها على الوصول إليه عبر عملاء وسماسرة محليين ، لأن عقوبه هؤلاء من جانب حركة طالبان تتساوى مع عقوبة الجواسيس والخونة المتعاونين مع العدو .

وبالتالى بدأت الولايات المتحدة تسحب جزءا من مخزون الهيروين الإستراتيجى وتطرحه محليا داخل أفغانستان ليعطى إشارة (الوفرة) وبالتالى ينخفض السعر ، وينتهى إلى حد ما الرواج الذى أحدثه الإحتلال فى مناطق زراعة الأفيون حين رفع أسعاره فجأة إلى مستويات لم يحلم بها المزارعون الأفغان يوما . فقد كان دخلهم قبل الإحتلال يبلغ حوالى 90 مليون دولار. وفى سنوات الإحتلال “السعيدة” تعدى أحيانا المليار دولار أى أكثر من عشرة أضعاف ما كان قبل عام الإحتلال ، وذلك لشراء ولاء المزارعين الذين أفقرتهم حركة طالبان بمنعها زراعة الأفيون . ولكن ليست قوانين الإقتصاد هى فقط التى تسير عكس السير فى أفغانستان ، بل والقواعد الإجتماعية للإقتصاد أيضا . فمن كان يتصور أن مزارعى الأفيون ينقلبون على الإحتلال صاحب الفضل فى مئات ملايين الدولارات التى تنهمر فوق رؤوسهم مع قنابل الطائرات. وتلك بعض الألغاز الأفغانية .{ لعمرى إن ذلك لعجيب جدا !!.. فمازالت هناك بعض الشعوب لا تقبل بصفقات أمريكية كبري ، متعددة القرون ، لمقايضة أوطانها بمليارات الدولارات }.

ولا يتصورن أحد أن الحديث عن المليارات تعنى إرتفاعا فى مستوى معيشة الشعب المنكوب. فإحصاءات مكتب الأمم المتحدة للجريمة تقول أن أفغانستان هى الدولة الأفقر فى جنوب آسيا ، وأن 30% من سكانها يعيشون تحت مستوى الفقر ، والواقع أسوأ من ذلك .

هذا بينما تُظْهِر الأرقام الحكومية الأمريكية أنها تنفق سنويا 45 ملياردولار على حرب أفغانستان !! ليس لمصلحة الشعب الأفغانى بالطبع بل لنهب ثرواته من الأفيون إلى اليورانيوم.

 

قد تكون الأسباب الواقعية لإنخفاض أسعار الأفيون فى أفغانستان لهذا العام ترجع إلى :

1 ـ طرح جزء من المخزون الإستراتيجى للهيروين (والأفيون!!) فى الأسواق الأفغانية .

2 ـ عدم قدرة الإحتلال على الوصول إلى محصول الأفيون ،  قلَّلَتَ كثيرا من القدرة الشرائية المتوفرة فى السوق ، فأصبحت متواضعة وقليلة الحيلة أمام محصول ضخم ، فإنخفضت الأسعار .

– يتنبأ مكتب الجريمة بإنخفاض أسعار الهيروين داخل أفغانستان . ولكن السوق الأفغانى المحلى لا يتجاوز 3 ملايين شخص فى أعلى تقديرات مكتب الجريمة ، فالسوق العالمى هو الأساس حيث يوجد 17 مليون متعاطى حسب إحصاءات 2016 . فعندما ينخفض محصول الأفيون فى أفغانستان يقل المعروض من الهيروين عالميا، وبالتالى ترتفع أسعاره ولا تنخفض كما يقول مكتب الجريمة . فلماذا يسير القانون معكوساً فى أفغانستان؟؟. فقط طرح جزء من المخزون الإستراتيجى الأمريكى من الهيرويين هو الذى يعكس الدورة فى السوق الأفغانى والعالمى، فبدلا من إرتفاع الأسعار تعود إلى النزول نتيجة زيادة المعروض . لا تفعل أمريكا ذلك حرصا على مصالح المدمنين حول العالم ، ولكن من أجل إحداث تأثير سياسى منشود داخل مجتمعات بعينها . وأيضا لمكافأة حكومات صديقة (بمنحها نسبة هيرويين كإسناد مالى) والإضرار بأخرى “مارقة” (تُستَنْزَف ثرواتها البشرية والمالية بتسريب الهيرويين إليها) .

إقتلاع أعواد الخشخاش :

من المفروض أنه أسلوب رئيسي فى مكافحة زراعة الأفيون . إذ تقوم حملات أمنية وعسكرية (بمداهمة) مزارع الأفيون لإقتلاع نباتات الخشخاش .

هذه مسئولية الحكومة المحلية ، وقد أعلن الإحتلال صراحة أنه غير معنى بمكافحة زراعة الأفيون، وأن (التفويض الدولى!!) الذى حصل عليه لايشمل ذلك ، بل يشمل مكافحة الإرهاب.

الحكومة المحلية ــ التى عينها الإحتلال ــ ترى أن عملية الإقتلاع هى إثبات لشرعيتها على مستوى العالم . ويدعم الإحتلال ذلك الإدعاء الكاذب لإنه يوفر مشروعية لتواجده العسكرى والأمنى. والنشرة التى يصدرها مكتب الأمم المتحدة للجريمة والمخدرات UNODC ، تستخدم كافة وسائل التضليل العلمى والتكنولوجى لإيهام العالم بوجود حكومة (تكافح!!) المخدرات عبر عمليات إقتلاع هى سراب رقمى وتهويل علمى .

من ناحية الأرقام فإن القدرة على الإقتلاع تافهة للغاية لدرجة أنها تقاس أحيانا بعدد الشجيرات المقتلعة . أو بعدد الهكتارات التى لا تكاد تذكر بجانب المساحات المزروعة . ويدعم الإحتلال نشريات مكتب الجريمة بصور الأقمار الصناعية التى تثبت القيام بعملية (المقاومة) والإقتلاع. وإستخدام صور الأقمار الصناعية يكلف ماليا أضعاف ما تكلفه عملية الإقتلاع الصورية . المقارنة بين صور من القمر الصناعى مع أخرى فوتوغرافية لنفس المكان على الأرض ، يؤكد تفاهة النتائج و يكشف كمية المبالغات. ورغم ذلك لا يمكن تغطية حقيقة أنها عملية مكلفة جدا وعديمة التأثير .

تقول أرقام مكتب الجريمة والمخدرات UNODC ، أن حكومة كابول لم تَقُمْ بأى حملة “إقتلاع”  فى هلمند ـ المحافظة الأعلى إنتاجا للأفيون فى أفغانستان ـ طوال السنوات الثلاث الأخيرة . “لماذا”؟؟ .. رغم وفرة القوات الأمريكية والحليفة فى أعلى تركيز لها داخل هلمند ، فإن سيطرتها على أرض هلمند / وما تسميه أمريكا بالقطاع الجنوبى/ لا تتناسب أبدا مع ذلك المجهود . إضافة إلى أنه تواجد مُحَاصَرْ ومُكبَّل إلى درجة كبيرة . وليس غريبا أن يصف الروس الحرب الأمريكية فى أفغانستان بأنها حرب يائسة . ونضيف بأنها حرب يائسة ومهينة ، قد تتحول إلى إنكفاء مصيرى فى المكانة والقدرة الأمريكية حول العالم .

ــ نسبة “الإقتلاع” تراجعت هذا العام 2018. وسبق لمكتب الجريمة أن أعلن فى عام 2016 عن تراجع الإقتلاع بنسبة ” ــ 91 % ” !! .

العام الحالى يعتبر الأضعف فى(عملية الإقتلاع) إذ تراجعت نسبته بمقدار ” ــ 46 %” عن العام السابق2017 . فأصبحت المساحة المقتلعة هذا العام 406 هكتار بعد أن كانت 750 هكتار فى عام2017 . وتمت عمليات الإقتلاع هذا العام فى 4 محافظات فقط فى مقابل 14 محافظة فى العام الماضى2017 . { تراجع عمليات الإقتلاع تصلح لأن تكون مؤشرا لتوسع الأرض المحررة ، مثلها مثل إنخفاض أسعار الأفيون بسبب عجز المحتل عن الوصول إلى المزارع أو التجار المحليين ،أى عجز الملياردير الأمريكى عن الشراء من السوق المحلى}.

“تقنيا” أتلفت الحكومة النباتات /كما تُتْلِفْ المواطن/ بواسطة (الضرب بالعصا!!)!!. فى ثلاث محافظات إستخدمت تِقَنيَّة العصا ، بينما إستخدم التراكتور لإتلاف المحصول فى محافظة واحدة .

{ غابت التكنولوجيا المتطورة عن برنامج مكافحة المخدرات فى أفغانستان المحتلة . بينما أثناء حكم حركة طالبان هدد الروس والبريطانيون ، ومن خلفهم الولايات المتحدة ، هددوا بإستخدام مادة كيماوية مستحدثة يمكن رشها من الجو فتبيد محصول الأفيون تماما . ليس مهم طبعا كم سيباد من الشعب الأفغانى فى ذلك الهجوم الكيماوى الدولى ، فتلك ليست مشكلة على الإطلاق . لأن الروس كما البريطانيين ، تاريخيا ، مارسوا فى حروب طاحنة وغير متكافئة متعة إبادة الأفغان . فأين تلك الإمكانات العلمية والتكنولوجية الآن ؟؟ ولماذا هددوا بها نظام طالبان ، ثم صمتوا عنها الآن فى عهد الإحتلال الأمريكى؟؟ . إنها ألغاز الهيرويين التى تنعش الذاكرة أو تميتها ، حسب الجرعات المكتسبة من دماء الأفغان } .

وحتى تتضح صورة المهزلة، فإن أرقام مكتب الجريمة تقول أن المساحة التى تم”إقتلاعها” فى كل البلد بلغت 406 هكتار من مساحة مزروعة مقدارها 263000 هكتار !! .

فهل تلك حقا عملية إقتلاع، أم هى مجرد إزالة للنباتات الضعيفة من أجل تحسين الإنتاج !! .

توزيع حصص الأفيون والهيروين :

تنبأ مكتب الجريمة (وربما قرر) أن نسبة توزيع إنتاج الأفيون لهذا العام 2018 ستكون كالتالى:

ـ  1400 طن كحد أعلى ، سوف تخصص لإحتياجات الإقليم (يعنى أفغانستان وما حولها من دول).

ـ  610 طن كحد أعلى، لإحتياجات صناعة الهيروين المُصَدَّر إلى الخارج . وتلك الكمية يتم تحويلها إلى هيروين نقى بنسبة 100% (ملاحظة : تلك نسبة لا تبلغها إلا معامل الجيش الأمريكى فى القواعد الجوية الأفغانية، خاصة فى قاعدة بجرام شمال كابول) فإذا أدت واجبها بما عُرِف عنها من تقنية عالية فسوف يحصل السوق العالمى على {250طن إلى 350طن} من بلورات الهيروين النقى .

يحتاط مكتب الجريمة ، ومن أجل الأمانة العلمية يقول أن كمية الهيروين والأفيون المذكورة أعلاه لا تصل كلها إلى الأسواق بسبب الخسائر والفاقد والمضبوطات خلال التحرك صوب البلد المستهدف . وهكذا يعانى الأمريكان للحصول على لقمة العيش كما تعانى باقى الشعوب الكادحة .

أسعار الأفيون داخل أفغانستان :

 هذا العام 2018 هبطت أسعار الأفيون(الجاف) بنسبة “39 ــ %” ، فأصبح الثمن 94 دولار /كيلو جرام . بينما كان 155 دولار/كيلوجرام فى العام الماضى2017.

هنا أيضا يظهر ثقبا أسودا ـ كما فى الكثير من بنود التقرير. فبينما يهبط سعر الأفيون فى كل البلد بالنسبة المذكورة أى “39ـ %” نجد السعر حقق إرتفاعاً كبيرا مفاجئا فى منطقة يسميها التقرير بالقطاع الشمالى الشرقى الذى يشمل حسب تقسيمهم ثلاث محافظات هى (بدخشان ـ تاخارـ قُندُز) . وربما تساعدنا مميزاتها الجغرافية/ السياسية على الإقتراب من حل اللغز .

فالمحافظات الثلاثة تشترك مع جمهورية طاجيكستان (جمهورية سوفيتية سابقة) فى شواطئ نهر جيحون . وطرق تهريب المخدرات لا تواجه صعوبات يعتد بها فى طاجيكستان . ومنها يمكن الوصول بسهولة إلى الأراضى الروسية ثم باقى أوروبا شرقا وغربا .

فى تصريح روسى منذ سنوات جاء أن قيمة الهيروين القادم من أفغانستان إلى روسيا يعادل ثلاث مرات قيمة مبيعات روسيا من الأسلحة، التى هى ثانى مورد للميزانية الروسية بعد النفط والغاز . وبالأرقام قال الروس أن خط التهريب المار ببلادهم ينقل ما قيمته 17 مليار دولار من الهيروين ، 35% منه يدخل روسيا ولا يخرج .

لا شك أن وضع روسيا أفضل من وضع الولايات المتحدة التى تقول تقارير(من مكتب الجريمة) أنه فى عام 2009 إستهلك الأمريكيون هيروين بمبلغ 11,9 مليار دولار . ودخنوا حشيش بقيمة 11,5 مليار فى نفس العام .أى حوالى 4, 23 مليار دولار لزوم الكيف العالى .

ــ من طاجيكستان يمكن وصول الممنوعات الأفغانية إلى الصين . كما أن محافظة بدخشان المطلة على نهر جيحون لها منفذ ضيق مع الصين الشعبية عبر ممر واخان . ونفس المحافظة موضوعة فى مخططات داعش الأمريكى للعمل ضد الصين . وهناك تواجد داعشى غير محدد بدقة ، ومعظمه من مسلمى الإيجور فى الصين ، ولهم تنظيم داعشى يدعى الحزب الإسلامى التركستانى يحظى بدعم كامل ، أمريكى سعودى .

ــ وسؤالنا فى ذلك الإقليم الشمالى الشرقى( بدخشان ، تاخار، قندوز) هو عن سر إرتفاع أسعار الأفيون ( + 20 %) عكس باقى البلد التى تعانى من إنخفاض شامل فى الأسعار بمتوسط ( ــ 39 %). وكذلك يشهد إقليم السعادة الشمالى الشرقى قوة إنتاج فريدة للأرض (كجم أفيون لكل هكتار من الأرض) ،تقدر بحوالى (34%) كجم /هكتار، فى مقابل إنتاجية فى باقى البلد 24,4 % كجم / هكتار .

مكتب الجريمة يشير إلى اللغز ولكنه لا يقترح تفسيرا له، أو أنه يشير إلى الحل فى إتجاه مضلل.وعلى القارئ أن يظل يفكر ويفكر لعله يستنتج شيئا ، أو أن ينصرف وينسى الموضوع.

 

أين أسعار أفيون كابول ؟

لغز آخر يقترب من منطقة الخطر. جداول مكتب الجريمة تحتوى على سعرين للأفيون فى كل منطقة، أحدهما “سعر التاجر”ــ للأفيون الجاف ــ وآخر سعر المزرعة {أفيون المزرعة رطب غير جاف وهو أرخص سعراً} إلا فى محافظة كابول!! ، فهى خالية دوما من ذكر أى أرقام بدعوى أنها غير متوفرة!!. رغم أن مقر مكتب الجريمة موجود فى مدينة كابول العاصمة. فهل أسعار كابول سر عسكرى تخشى سلطات الإحتلال من البوح به ، وهل هو من أسرار الأمن القومى يخشون أن يتسرب إلى”أهل الشر” {الإصطلاح هنا مصدره جنرال مصر الأوحد ، وربما يعنى به حاسديه وعُزَّالِه من المعارضة غير الوطنية، و الإرهابيين!! } .

تغيير مدهش آخر فى كابول هو أرتفاع المساحة المزروعة بالأفيون بنسبة11+% ، عكس نسبة إنخفاض عامة فى المساحات المزروعة بالأفيون فى كل البلد متوسطها 20ــ % .

يقول مكتب الجريمة أن القطاع المركزى الذى يضم محافظتى كابول وغزنى ينتج فقط 20 طن من الأفيون !! . الغموض يحيط بالقطاع : من أول الشك فى كمية المحصول ، وصولا إلى السعر غير المعلن ، وارتفاع إنتاجية الهكتار رغم إدعاء الفقر المائى ، بما يوحى بأنها كمية من الأفيون مخصصة حصريا للإحتلال الأمريكى وليس للتجارة العامة.

رغم أن محافظة غزنى المشتركة مع كابول ضمن (القطاع المركزى ) تراجعت نسبة الزراعة فيها بنسبة ” ــ 64 %” . { التفسير الذى لن يتطرق إليه مكتب الجريمة هو أن معظم محافظة غزنى واقع فعليا تحت سيطرة طالبان ، الذين سيطروا على مدينة غزنى عاصمة الأقليم لمدة أسبوع فى الصيف الماضى، بتأييد شعبى كاسح ومتعدد المذاهب “سنة وشيعة” ، ثم غادروها ــ شكليا وليس فعليا لأنهم باقون ما بقىَّ السكان ــ غانمين كنوزا هائلة من أسلحة الجيش وقوات الأمن ، وأموال بالمليارات كانت مختزنة فى إدارات عسكرية، بينما الجنود لم يتسلموا رواتبهم منذ أشهر } .

ــ فما هو سر كابول الدفين فى غابة الهيروين التى ترعاها الولايات المتحدة؟؟ . هل تحتضن أرض محافظة كابول مزرعة أبحاث لتطوير البذور وإنتاج أفيون معدل وراثيا ؟؟ .أم لتطوير أفيون مخصص لبلاد الأعداء، فيقتل الشباب ويقعدهم بالأمراض المستعصية، فتحقق أمريكا على تلك الدول المارقة نصرا بلا حرب؟؟. وهناك فى الإقليم شواهد عملية وضحايا لأنواع من الهيرويين مثل هذه . وحول كابل العاصمة معتقلات وسجون سرية وعلنية توفر مددا بشريا لا ينفذ، للتجارب الحية والمجانية على “إرهابيين” من أبناء البلد المحتل .

للعلم : قاعدة بجرام الجوية ـ أهم مراكز تصنيع الهيروين فى العالم ـ تقع على بعد عدة كيلومترات فقط من العاصمة.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة




جلال الدين حقانى 3

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 3

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (153) | ربيع الأول 1440 هـ / نوفمبر 2018 م. 

20/11/2018

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 3 )

– الغنائم .. نعمة ومشكلة . وكانت فى حاجة إلى إجتهاد جديد

– حكمة حقانى وبعد نظره ، كانت سببا فى تفادى القتال الداخلى ، والوصول إلى فتح كامل لمدينة خوست وإقتحام جرديز .

– عمليات ” الغلول” والكبيرة المنظمة ، كانت ذات بعد سياسى لتعطيل الفتح وإستبداله بالفتن القَبَلِيَّة .

– حقانى كان “بنك إقتراض” معتمد لدى المجاهدين وتجار القبائل ، فتمكن من عبور أزمات التسليح والإمداد .

– الطلقة الثالثة ثابتة .. فى المدفع البلجيكى المضاد للطائرات !! .

– جاهد حقانى لإسقاط أسطورة الطيران الذى لا يقهر. والحفريات التى قام بها أفشلت أسلحة العدو المتقدمة .

– قصة السلاح الأول المضاد للدروع (ضد الدبابة) وكيف غنمه المجاهدون واستخدموه فى نفس المعركة .

– البراعة السياسية لحقانى لا تقل عن موهبته العسكرية ، وكانت سببا لعبوره من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

عندما تركنا موقع ” مطيع الله ” فى الأورجون ، كان الرجال يجمعون الغنائم فى خيمة واحدة ، مليئة بالأسلحة وأجهزة اللاسلكى وصناديق الذخيرة . وعندما وصلنا إلى مركز”سرانا” عند مولوى جلال الدين حقانى ، كانت عملية مشابهة تجرى فى مكان قريب من المركز ، بعد المعركة الكبرى فى منطقة إبراهيم خيل .

 

حديث فى سرانا عن بخارى وسمرقند :

شارك حقانى ورجاله فى المعركة إلى جانب رجال”ابراهيم خيل ” الذين هم أحد بطون قبيلة زدران . كانت الغنائم كبيرة جدا وذاع نبأ النصر والغنائم بسرعة كبيرة فى الولايات القريبة ومنها ولاية غزنى . قابلت “مولوى” شاب قادم من هناك ، وصل إلى قمة الجبل حيث يقيم حقانى . كان يجيد العربية ، وكالعادة أدهشه وجود عربى فى ذلك المكان . وبدأ الحديث معى وهو مازال متقطع الأنفاس .

دار بيننا حواراً شيقا ، ورغم قصره إلا أنه لمس عدداً من النقاط الحساسة ، منها سؤال عن “مذهبى” لم أدرك مغزى وخطورة السؤال إلا بعد ذلك بسنوات . وهو الآن أصبح ذو أبعاد أخطر بعد ظهور الحركات الوهابية المسلحة . وإنتقال داعش إلى أفغانستان لتكون خير عون للإحتلال الأمريكى .

عندما سألت المولوى الشاب عن برنامجهم للجهاد . قال أنه بعد تحرير أفغانستان سوف يتوجه المجاهدون لتحرير بخارى وسمرقند من إحتلال الروس .أصابتنى إجابته بصدمة ، أولا لأن هناك من المسلمين من يتذكر إلى الآن تلك الأسماء التاريخية (المندثرة). وثانيا بينما الجهاد مازال يحبو بصعوبة فى خطواته الأولى ، فإن ذلك الشاب يتحدث عن تحرير بخارى وسمرقند ، وليس جرديز القريبة أو خوست الأبعد قليلا .

سألته عن سبب قدومه إلى سرانا ، فقال إنه يريد سلاح ” ضد الدبابة” . كنت أعتقد أن الطائرة هى أخطر سلاح فى العالم . وقد تأكد لى ذلك فى بداية طريقنا إلى أفغانستان ، عندما شاهدنا الطائرات وهى تدمر عددا من القرى ، ولم نشاهد أى دبابات .

قال شارحا السبب : أن الطائرات تقصف وتمضى فى حال سبيلها ، أما الدبابات فتجلس فى القرى ومعها الجنود الذين يقتحمون البيوت ويعتدون على الأموال والأعراض.

ثم قال: سمعت أن مولوى حقانى حصل فى غنائم المعركة الأخيرة على سلاح”ضد الدبابة” ـ هكذا كان إسم ذلك السلاح بين المجاهدين فى ذلك الوقت ـ وجئت للحصول على واحد منها .

تعجبت لسرعة إنتقال الأخبار بين الولايات رغم عدم وجود وسائل إتصال حديثة . وهكذا من قرية مجهولة بين جبال باكتيا إلى قرية فى صحراء غزنى يطير الخبر خلال ساعات .

 

نعمة الغنائم ، ومشاكلها :

بعد تجميع الغنائم كان يجرى تخميسها ، بحيث يحصل المجاهدون على أربعة أخماس الغنائم ، ويذهب الخمس الباقى إلى “بيت المال” أو قيادة الجبهة . ولهذا النظام مرتكز شرعى صحيح إلا أن تطبيقه كان يحتاج إلى إجتهاد جديد ، لأنه فى ظروف الحرب الحديثة ومعداتها كان التقسيم يؤدى إلى ضياع جزء كبير من إمكانيات قتالية هامة ، وإلى عجز مالى كبير لدى قيادة الجبهات إذا حاولت شراء المعدات الثقيلة الهامة من مدافع ودبابات وذخائر. لذا كان معظم تلك المعدات الهامة يذهب ليباع فى أسواق السلاح الحدودية . وعند محاولة شرائها مرة أخرى كانت أسعارها تتضاعف ، هذا إن وجدت أصلا ، لأن جهات معنية بإفشال الجهاد وعرقلة مسيرته ، كانوا يجمعونها بأى سعر ثم يخفونها عن الأنظار. لم تكن تلك مشكلة عادية إذ أوشكت بالفعل على كبح إنتصارات المجاهدين ووقف الجهاد قبل التحرير الكامل . أى إجبارهم على الدخول فى مساومات تقسيم السلطة بين السوفييت والأمريكيين .

وكانت الغنائم وتوزيعها وظهور الإحتياج إلى الأسلحة الثقيلة وذخائرها من المشكلات الكبيرة التى واجهت القيادات الجادة المخلصة من أمثال حقانى . وظهرت فى وقت لاحق مشكلة “الغلول” أى سرقة الغنائم أو إختطافها بالقوة . أحد الأحزاب إتخذ من تلك الجريمة منهجا ثابتا لرجاله فى الجبهات ليضعهم أمام خيارين إما الدخول معهم فى صدام مسلح وفتنة بين المجاهدين أو الرضوخ للأمر الواقع حفاظا على وحدة المجاهدين .كان حقانى يفضل الخيار الثانى . تكونت مجموعات خلف الحدود الباكستانية بأعداد كبيرة لإختطاف الغانائم من أيدى المجاهدين . وعملية الغلول كانت تحدث عادة فى الدقائق القليلة الحاسمة قبل نهاية المعركة ، بحيث تضع المجاهدين الحقيقيين أمام خيارين : إما ترك المعركة وإفشالها حتى يمنعوا غربان الغلول ، أو إنهاء المعركة والرضا بالقليل من الغنائم التى تبقت.

معركة فتح خوست التى بلغ فيها المجاهدون بقيادة حقاتى قمة تطورهم العسكرى ، شهدت أيضا قمة التطور فى فن جريمة الغلول . ولولا حكمة حقانى وبعد نظره لوقعت مجازر كانت ستؤدى حتما إلى فشل الفتح سواء فى خوست أو فى جرديز . وفيها تبدت بوضوح الأبعاد السياسية لعمليات الغلول، وأنها تهدف إلى حرف المجاهدين عن الفتوحات وتحويلهم إلى الفتن القبلية بديلا عنها ( ولنقارن ذلك مع فتنة داعش الآن ، والتى تفرض الفتن الطائفية والعرقية كبديل عن جهاد العدو المحتل ) . وليس سرا أن نقول أن بصمات الحكومة الباكستانية كانت واضحة ، وكذلك أحزاب بيشاور ، خاصة حزب حكمتيار الذى هو تشكيل باكستانى أكثر منه أفغانى ، أى خاضع لإدارة كاملة من المخابرات الباكستانية (ISI). ذلك الحزب كانت له اليد الطولى فى عمليات الغلول داخل أفغانستان ، ومع ذلك فقد كان الأسرع دوما إلى إصدار بيانات من بيشاور تنسب أى إنتصار داخل أفغانستان إلى الحزب الذى كان يحظى بدعم كامل من الإعلام الباكستانى . بالطبع كانت هناك مجموعات إجرامية مستقلة كانت تعمل فى خطف الغنائم ، بل وعمليات سرقة وقتل بهدف السرقة ، ولكن ضررها كان محدودا جدا مقارنة بالعمل المنظم ذو العمق السياسى لعمليات الغلول . حتى العمليات الإجرامية محدودة الحجم كانت ذات دلالات سياسية أحيانا ، مثل البحث عن العرب تحديدا، لقتلهم فى الجبهات أو على الحدود أو فى العمق الباكستانى . ولكن إهتمام المتطوعين العرب بمثل هذه الأشياء كان وقتيا ومحدودا ، فلديهم برامج أخرى ، وكانوا يفتقدون إلى قيادة مركزية جامعة . فالعربى الذى يغتال أو يستشهد كان موضع إهتمام أصدقائه المقربين فقط ، أو على الأكثر الجماعة أو التنظيم الذى يتبع له. وكثرة شهداء أى تنظيم كانت تحمل دعاية مباشرة له ، لذا كانت خير وبركة من وجهة نظر تنظيمية .

حركة طالبان فيما بعد طبقت إجتهادا جديدا إذ إحتجزت كل الغنائم “لبيت المال” ، فى مقابل ما يحصل عليه المجاهدون من إمدادات قتالية وأحيانا مكافآت مالية . وفى هذا التطبيق بعض الصعوبات أيضا ، مع أنه حل جانبا هاما من المشكلة .

 

حقانى .. بنك معتمد :

سألت حقانى عن سلاح ” ضد الدبابة ” وكم قطعة غنموها . فأجاب أن نصيب “بيت المال” كان قطعتان فقط ، واحد منها سليم تماما والآخر محترق بحيث لم يتبق منه سوى الهيكل الحديدى ، وقد ذابت كل القطع البلاستيكية . وقد رأيته وكان مشوهاً بالفعل .

فسألته كيف سيتصرف مع المولوى القادم من غزنى ، قال أنه سيشترى قطعة سليمة من أحد المجاهدين ، ويعطيها له . كنت أعلم أن حقانى لا يمتلك نقودا فى الوقت الراهن ، ولكننى إستحيت أن أسأله كيف سيشترى ذلك السلاح؟؟.

بعد قليل رأيت مجاهدا جبليا خشنا يخرج من غرفة حقانى وهو يمسك ورقة صغيرة فى حجم نصف الكف ، وهو يحملق فيها مذهولاً وعلى وجهه إبتسامة سعادة ودهشة .

سألت عن سر هذه الورقة المدهشة . فعلمت أن ما فى يده هو إيصال بالمبلغ الذى تعهد حقانى بسداده ثمنا لسلاح (ضد الدبابة) الذى باعه إليه ذلك الرجل .

أدركت وقتها مدى الثقة التى يتمتع بها حقانى بين رجاله ، لدرجة أن هذا المجاهد الفقير إعتبر أن تلك الورقة هى مال حقيقى حصل عليه . وأثبتت الأيام أن ثقة الرجال بذلك القائد هى أكبر من ذلك بكثير . جانب من هذه الثقة يعود إلى كونه عالم دين وهى منزلة محترمة جدا إجتماعيا. جانب آخر من الثقة يعود إلى مميزاته الأخلاقية العالية وقدراته القيادية الفريدة . فهو صادق ودود مع رجاله وحازم فى قيادته . وكان الأشجع على الدوام ، وهى صفة ذات منزلة كبيرة بين رجال القبائل ، وهى تلى مباشرة منزلة عالم الدين . تلك المميزات لحقانى مكنته من تعويض النقص فى الذخائر والأسلحة والمهمات من طعام ووقود ، معتمدا على مصداقيته فى الأسواق القبلية ، حيث منحة التجار قروضا وصلت إلى ملايين عديدة فى بعض الأوقات ، أو باعوه بالأجل جميع متطلبات جبهته ، معتمدين أنه رجل صادق أولا ، ثم أنه منتصر دوما ويربح الغنائم الكثيرة وقادر على السداد .

 

حقانى فى أكاديمية الجهاد :

بالتدريج كانت قوة المجاهدين تزداد ، والمعارك تكبر من ناحية الحجم والشدة. قدرات حقانى القيادية كانت تنمو معها بإستمرار . فهو الرجل ذو التعليم الدينى ، والذى لم يخدم يوما فى الجيش، كان يتعلم الحرب بالممارسة ، وبالملاحظة العميقة والذكية ، وبالإستفادة من أى معرفة تأتيه من أى جانب كان ، حتى من أسراه العسكريين .

كان يجلس مطولا مع الأسرى ، خاصة الضباط منهم . ويسألهم كثيرا عن كل شئ يتعلق بحياتهم العسكرية وأحوال الجيش المعنوية والقتالية وعن الأسلحة الموجودة لديهم وتكتيكاتهم فى القتال ويطلب منهم تقديم خدمات لتدريب المجاهدين على بعض الأسلحة الجديدة ، وعن إصلاح تلك الأسلحة إن أمكن .

قرب نهاية رحلتنا الأولى ، جاء إلى “سيرانا” حوالى عشرة من الضباط متوسطى الرتب ، فروا من جرديز ، حاملين معهم ثروة من المعلومات الداخلية ، تقود إلى نتيجة واضحة وهى أن النظام يتهاوى ، وأن الجيش بدأ فى رفض الحرب القائمة . وأن تمردا حدث فى أحد الألوية فى كابول . وتمردا آخر لضباط فى جرديز مع جنودهم ، كانت منهم تلك المجموعة .

بعضهم كانوا ضباطا فى سلاح الدبابات ، فطلب منهم حقانى الذهاب إلى موقع المعركة الأخيرة ، لبحث إمكانية إصلاح شئ من الدبابات والمدرعات والمعطوبة هناك . أمضوا هناك قرابة اليوم وعادوا بنتيجة سلبية ، بأن لا شئ هناك قابل للإصلاح . فالمجاهدون إنتزعوا من الدبابات كل شئ يمكن لهم خلعه ، ثم أحرقوا باقى الدبابة . شعر حقانى بالأسف وأنا أيضا شعرت بالأسف ، لأن المجاهدين على شجاعتهم الكبيرة ، فى حاجة إلى الكثير من التعليم والتدريب ، وأيضا الأمكانات الحديثة . بإختصار كانوا فى حاجة إلى عناصر بشرية إسلامية إضافية ، وتخيلت وقتها أن المتطوعين العرب هم ذلك العنصر المفقود . ولكن بعد سنوات تمنيت لو أن العرب لم يأتوا إلى أفغانستان ، إذ خلقوا مشكلات أكثر وقدموا إيجابيات أقل مما توقعت.

 

“إبراهيم خيل” خطوة مبكرة لفتح خوست :

–  لم يقص عليَّ حقانى تفاصيل معركة (إبراهيم خيل) ، معتبرا إياها مجرد واحدة أخرى من المعارك . وهى لم تكن كذلك بالضبط ، لأنها منعت الجيش الحكومى ، وحتى السوفيتى فيما بعد، من مجرد التفكير فى المرور بالقوة من ذلك الطريق . أى أن معركة “إبراهيم خيل” كانت البداية المبكرة والخطوة الأولى لفتح مدينة خوست بعد مشوار طويل (أكثر من عشر سنوات) من المعارك الحافلة بالبطولة والإنتصار، كما لم تخلوا من الهزائم والخيانة .

والعبرة هى : إن أى إنتصار جزئى هو خطوة ضرورية على طريق الإنتصار الكامل.أقول ذلك لأنه فى فترة لاحقة شاع فيها اليأس والإنهزامية بين المتطوعين العرب بعد أن طالت المدة وكثرت عوامل الإحباط ، فكانوا يستصغرون شأن أى إنتصار جزئى قائلين ( إن ذلك النصر الصغير لن يحرر أفغانستان). إن النصر فى حروب العصابات هو عملية تراكمية طويلة. فالإستثمار الإيجابى لعملية كسب الوقت (بالتجهيز والتنظيم والتدريب) هو محور أساسى لتلك الحروب .

–  كان لابد من إتفاق “سياسى” وبالأحرى ضخ الكثير من الأسلحة والأموال بين أيدى القبائل لشراء ولائها ، لضمان عبور دائم وآمن لقوات الجيش على ذلك الطريق الحيوى ، ولكن كان حقانى هو العقبة الكبرى . وظل ذلك الوضع قائما حتى شتاء(1987 ـ 1988) حين تمكن الروس من كسر ذلك الحاجز بقوة الخيانة التى كان نجمها الساطع (عبد الرسول سياف) زعيم حزب الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، متحالفا مع الجنرال نظر محمد وهو من قبائل زدران ، وشغل يوما منصب وزير الدفاع فى الحكومة الشيوعية. وفى تلك المعركة أصيب حقانى فى المعركة بجرح كبير فى ركبته ، وتمكن مرافقوه من حمله بصعوبة من خلال الثلوج حتى يتم علاجه بعيدا عن نيران العدو .

العدو بحماقته ساهم فى تخليد ذكرى هزيمته المدوية فى “إبراهيم خيل”، بأن جعل الدبابة الوحيدة التى نجت من المحرقة ، رمزا على بوابة أحد القيادات العسكرية فى بداية طريق خوست . واضعا تحتها لافتة حجرية كتب عليها (الدبابة البطلة!!)،حسب طريقة التمجيد السوفيتية . وكتبوا على اللافتة تاريخ المعركة التى نجت منها الدبابة منفردة وكسيرة الجناح .

إغلاق هذا الطريق كان ركيزة أساسية لمعارك فتح خوست بأن وضع المدينة تحت حصار برى إستمر حتى شهر مارس من عام 1991 حين إقتحم المجاهدون المدينة بعد معركة ضارية إستمرت ثلاث أسابيع.

خلال تلك المدة كان إمداد المدينة يعتمد فى الأساس على الإمداد الجوى عبر مطار المدينة . ومن هنا كانت أهمية إغلاق المطار وإخراجه من الخدمة ، قبل ستة أشهر تقريبا من إقتحام المدينة ، فى معارك ليلية بالراجمات إستمرت ما يقرب من شهر.(عن معركة إغلاق المطار قال عرب محبطون أن تلك العملية لن تحرر أفغانستان ـ رغم أن الذين قاموا بها كانوا عربا نسقوا جيدا مع مجموعات المدفعية والمراقبة اللاسلكية الأفغانية).

فتح المدينة تم بنجاح تام بقيادة حقانى فى مارس عام 1991 . فقيادتة كانت سببا مباشرا لذلك الفتح ، بعد معارك جزئية ضارية إستمرت لسنوات ، دفع فيها مئات الأبطال أرواحهم فى الجبال المحيطة بالوادى وفى السهول والقرى المحيطة بالمدينة .

وأبرزت معركة فتح خوست قمة التطور فى قدرات حقانى كقائد هو الأبرز فى كل الحرب ضد السوفييت بإنجازاته العسكرية التى توجها بفتح خوست ثم إقتحام مدينة جرديز ، التى بعدها بأيام تهاوت كابول نتيجة تصدعاتها الداخلية وتحلل جيشها وإنقلاب المكونات المتحالفة داخل النظام الشيوعى .

– لابد أن نشير هنا .. وسنعود لاحقا ومرارا.. إلى التأكيد على أن موهبة حقانى العسكرية والقيادية ، كان تماثلها مهاراته السياسية فى التعامل مع القبائل . وتلك نقطة خطيرة سنعود إليها مرارا . لأنها سر كبير فى بقاء وإستمرارية حقانى . عكس كثير من الأبطال الكبار الذين طوتهم المؤامرات الداخلية والخارجية . حتى أصبح حقانى قوة لا يمكن تجاوزها فى باكتيا ، وبالتالى كل أفغانستان . ومن ذلك إستمد قوة سياسية فى المجال السياسى الخارجى أيضا، فاستطاع أن يخرج من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

– ونضيف أيضا أن نجاح حركة طالبان والإمارة الإسلامية ، وقدرتها على الإستمرار والإنتصار ، يرجع أساسا إلى براعتها التى لا تضاهى فى التعامل مع المجتمع القبلى فى أفغانستان. و تلك النقطة تحديدا جعلت من حقانى وحركة طالبان نسيجا واحدا إسلاميا وأفغانيا أصيلا ، لا يمكن عزله أو إقتلاعه من التربة الأفغانية أو تعمد نسيانه أو تجاهله، من الآن وإلى قيام الساعة .

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

فى مواجهة الطائرات : الطلقة الثالثة .. ثابتة :

الطيران معضلة دائمة تواجه حرب العصابات فى كافة مراحلها . خاصة فى مرحلتها الأولى حيث تنعدم الخبرة اللازمة، إلى جانب نقص الأسلحة الثقيلة الملائمة “لتخويف” الطائرات ، أو إسقاطها بفضل الدعاء إلى الله .

أول تجربة مباشرة عاصرتها مع الطيران ، فى مرحلة الحرب الأولى كانت عند حقانى فى مركز سرانا . حيث حطم نظرتى لسلاح الطيران بشكل غير متصور . كنت أعرف أن الحرب التقليدية تحسم فى السماء أولا فمن يسيطر عليها يكسب المعركة . ونتيجة لتجربة بلادنا فى حرب 1967 روج النظام المصرى بشدة لقدرة الطيران الخارقة فى كسب الحروب ، وكتبوا عن قدرات الطيران الحديث أشياء كثيرة، بعضها صحيح وبعضها مبالغ فيه لتبرير هزيمتهم المخزية . بهذه الخلفية عن الطيران بما فيها من صواب وخطأ وتشويش ـ وجدت نفسى أصطدم مع “العقيدة العسكرية ” لحقانى .

أخذنى حقانى إلى أعلى قمة فى الجبل كى يطلعنى على قمة تطورهم التسليحى ، وقدراتهم “لمكافحة ” طيران العدو . كان سلاح ” الدفاع الجوى” ـ إن جازت التسمية ، وهى قطعا لا تجوز ـ عبارة عن مدفع صنع فى بلجيكا لحساب ” الجيش الملكى الأفغانى” عام 1941 حسب ما هو منقوش على لوحة على سطح السلاح ـ الرامى على المدفع شخص واحد هو “بادشاه” أى الملك ، وهو إبن عم حقانى ، وشخصية لم يصادفنى لها نظير فى كل ما تلى ذلك من سنوات .

متوسط الطول ذو جسد صلب قد من صخور “ساتى كاندو” . عيونه زرقاء مثل شاهبين ثاقبين . كان مشهورا بالشجاعة ، وفى ذلك مبالغة كبيرة ، لأنه فى الحقيقة لم يسمع يوما عن شئ إسمه خوف ، كان هكذا بالفطرة . كان واحدا من أبناء عمومة حقانى الذين وقفوا إلى جانبه بكل ما يملكون . ونتيجة لصفاته سالفة الذكر كان هو الأنسب فى كل أفغانستان الذى يمكن أن يقف ذلك الموقف الذى شاهدته . هو ومدفعه العتيق متمركزان تماما على خط الأفق على قمة الجبل . فأصبحا معلما بارزا تراه جميع طائرات العالم . تلك كانت مواصفات الرجل .

أما مميزات المدفع الذى يعمل عليه (بادشاه) فهى أنه يتعطل فى الطلقة الثالثة ، فينحشر المظروف فى ماسورة السلاح ، بكل دقة وبلا تأخير أو تقديم فى عدد الطلقات . لم يعجبنى شئ مما رأيت أو سمعت . فقد رأيت أن “بادشاه” سوف يستشهد عاجلا وليس آجلا . وذلك المدفع المستهلك سيكون سببا لهلاكه ، وجاذبا للطائرات صوب مقر القيادة الذى يقيم فيه حقانى . وبذلك يتعرض هو أيضا للخطر .أما القرية على القمة القريبة المقابلة ، فهى هدف سهل سنراه محترقا ومدمراً  كما شاهدنا القرى والطيران يحرقها ونحن فى الطريق .

أنزلوا المدفع قليلا إلى السفح فى منطقة تم تمهيدها كطريق للمشاه . وبدأ حقانى ورجاله فى التمرين على الإطلاق تحت إشراف (بادشاه) الذى كان سعيدا ونشيطا وهو يشرح ويعطى الإرشادات . ثم يأخذ قضيبا طويلا من الحديد كى يخرج الطلقة (الثالثة) المحشورة فى ماسورة المدفع .

الجميع كانو ا سعداء ، ولم أكن كذلك . تكلمت مع صديقى أحمد حول مخاوفى من قصة المدفع . ذهبنا للحديث مع “بادشاه” بجانب مدفعه على خط الأفق . واقترحنا عليه أن نقيم له محيطا من الأحجار للوقاية من شظايا القنابل . وبدأنا على العمل  الهندسى وصنعنا دائرة من الصخور حول المدفع متسعة تكفى للحركة الدائرية الكاملة ثم وضعنا بين الصخور أفرع من نباتات وأشجار للتمويه .

بعد ذلك المجهود المرهق . سألنا “بادشاه” عن رأيه فقال أنه عمل جيد وجميل . فنزلنا نحو جدول الماء بالأسفل من أجل الوضوء وغسل وجوهنا من العرق والأتربة . وما أن بدأنا الصعود حتى كان “بادشاه” قد حمل مدفعه إلى خارج الإستحكامات ، قائلا أنها تعيق حريته .

بدأ أول إشتباك مع الطائرات عندما كنت قريبا من القمة . طائرة “ميج” سوفيتية إسقطت قنبلتان على الجانب الآخر من الجبل ، أحدها لم تكن بعيدة عن المدفع .أخذت الطائرة تدور حول الموقع فى دائرة واسعة ، و”بادشاه” غير مبالى بها منشغلا بإخراج الطلقة الثالثة المحشورة فى المدفع .

كان السفح يخلو من أى خندق أو حتى مجموعة صخور مناسبة للإختباء ، كان يجب أن أنزل حتى مجلس الإجتماعات حيث مجموعة جيدة من الصخور فجريت نحوها . عندها شاهدنى حقانى متلبسا بتلك الجريمة . وما أن إبتعدت الطائرة عن الموقع لتدور فى حلقة واسعة حول المكان حتى صرخ غاضبا يؤنبنى قائلا : أنت عربى .. لماذا لا تطلق النار على الطائرة ؟؟  لماذا تجرى ؟؟ ..

كنت مذهولا من كلامه، حيث كنت أعتقد بأننى أتصرف بطريقة صحيحة ، وأن العثور على مكان مناسب يأتى أولا ، ثم بعدها إطلاق النار .. إن كان ضروريا ، فما بالك وأنا لا أرى له أى ضرورة ، لأنه ما أن رفعت رأسى إلى السماء حتى كانت الطائرة الميج قد أصبحت فوق القرية بدون أن تقصفها ثم مضت بعيدا .. لم يستغرق الأمر وقتاً ، فما جدوى إطلاق النار فى أعقاب طائرة نفاثة؟؟. ليس هناك فرصة لإصابتها ، وما لدينا من طلقات هو قليل بالفعل ، فلماذا نصرفه بدون إحتمال ، ولو بنسبة ما ، من أمكانية التأثير ؟؟.

كان حقانى غاضبا ، وأنا مندهشا ، والدخان يتصاعد من خلف الجبل و”بادشاه” منهمك مع الطلقة الثالثة .

تذكرت على الفور ما قاله المولوى الشاب من “غزنى” إذ قص على قصته عندما كان جالساً مع أمه على سطح البيت . وإذ بالطائرات النفاثة تنقض على القرية وتمطرها بالقنابل فانتفض الشاب واقفا ، ساحبا أمه للإحتماء بشئ أسفل الدار . فانتهرته بشدة قائلة له : ألا تخجل من نفسك !! أنت مولوى حافظ لكتاب الله وتخاف من كافر .. إجلس !!. فجلس معها إلى أن إنتهت الغارة . ثم نزلا ليعالجا النتائج .

ذلك التحدى بلا حدود هو أحد مكونات الشخصية الأفغانية والمجاهدين بشكل خاص . فى البداية ظننت أنه أمر لا معنى له حتى ظهر تأثيره المدمر على نفسيات العدو . البعض أفرط فى التحدى فكانت الخسائر كبيرة . من حسن الحظ أن حقانى لم يكن كذلك بل كان مهتما جدا بإجراءات الحماية ، قدر إهتمامه بإجراءات الهجوم .

فعندما كنا أسفل الوادى تحت الأشجار فى مكان اللقاء الأول الذى ألقينا فيه الخطب ، كان حقانى يأمر رجاله بالوقوف تحت الأشجار وفى الظل حتى لا تراهم الطائرات . وكان من وقت إلى آخر يرفع رأسه إلى السماء ويجول بعينيه فى محيط المكان .

إذن فما هى المشكلة .. ولماذا غضب منى هكذا ؟؟.  أكتشفت لاحقا أنه كان يخشى من تفشى حالة الخوف وانتقالها بين الرجال بالعدوى . لأن إمكانية التصدى للطائرات هى عمليا معدومة . فلو إكتشف الرجال ذلك فربما ضربهم اليأس وأنصرفوا عن الجهاد ، لأنه مستحيل عمليا بسبب الطائرات .

{ مثل هذه الحالة ضربت سكان القرى فى أفغانستان فى بداية الغزو الأمريكى حيث فشلت خبرة طالبان القديمة فى معالجة التفوق التكنولوجى للطيران الأمريكى ، فتكبدوا خسائر كبيرة ، وتعرضت القرى المحيطة بهم لضربات إنتقامية من الطيران الأمريكى } .

بالتجربة والخطأ وبطول الممارسة وبذل الدماء تعلم المجاهدون الأفغان كيف يواجهون الطيران . أفضل السبل حسب ما رأيت كان إستخدام الأرض لمواجهة الهجوم القادم من السماء ـ الوسيلة الأفضل هى الخنادق والمغارات ، بعد ذلك تأتى إستخدام التضاريس الطبيعية مثل الصخور ومجارى السيل ، والأجمل كانت التضاريس متفاوته الإرتفاع فى الجبال . فكثيرا جدا جاءت القنابل قريبة للغاية من المجاهدين ولكن على مستوى من الأرض أعلى أو أقل إرتفاعا ، فيضيع تأثيرها فى الحالتين . ونادرا ما كانت القنابل تأتى بشكل مباشر على رأس الأفراد . وعموما كانت الطائرات هى أقل أدوات الحرب التى أوقعت قتلى بين المجاهدين ، بالمقارنة مع الوسائل الأخرى . ولكنها كانت الأكثر تأثيرا معنويا على المجاهدين أكثر من أى سلاح آخر لدى العدو . بينما خسائرها للمدنيين فى القرى كانت هائلة فى الأرواح والماديات .

 

حقانى وتحييد سلاح الطيران الطيران :

لابد أن نذكر هنا ، كيف أسقط حقانى هيبة الطيران بأساليب مختلفة فى فترات زمنية مختلفة ، وربما فى نفس الفترة الزمنية لكن فى مناسبات مختلفة .

أذكر مجهوده فى ذلك خلال معركة “ليجاه” فى جنوب خوست عام 1982 كان هدف العملية هو إزالة موقع حصين للجيش الحكومى يمنع المجاهدين من دخول وادى خوست الفسيح حيث المدينة ومطارها وحزامها الأمنى الأول . كانت بداية العملية ناجحة ، وأوشك العدو على الإنهيار لولا حقول الألغام التى أوقفت زحف المجاهدين .

أخذ الطيران يقصف بشدة ، وبدأت النفاثات الروسية فى حرق الشعاب . وكانت تؤدى عروضا إستعراضية فى بعض الأحيان ، مظهرين المهارة وفرحة الإنتصار ، وكان ذلك يبعث على الغيظ والقهر . كان لدى المجاهدين رشاش وحيد من طراز”دوشيكا ” ولم يُجْدْ نفعا ، حتى إلتزم الصمت عندما ركزت عليه الطائرات . المروحيات بدورها كانت تهاجم فى مجموعة من أربعة أو خمسة طائرات دفعة واحدة . توقف المجاهدون حتى عن الرماية عليها بالبنادق عندما شعروا بعدم جدوى ذلك . النتيجة : نحن صامتون ونزحف من صخرة إلى أخرى أو بين الشجيرات ، بينما المروحيات فوق رؤوسنا تماما .

وما أن نجتمع للصلاه أو لتناول لقيمات من الخبز ، حتى يداهمنا الطيران ويحَوِّلْ راحتنا إلى دروس فى الزحف بين الأعشاب والتسلل يين الصخور .

ضاعت منا المبادرة تماما . وحقول الألغام أوقفت الزحف إلى الأمام . لم يكن حقانى معنا وقتها ، ولم يدر أحد ماذا علينا أن نفعل .

جاء حقانى إلى ليجاه برفقة أربعة من رجاله ، وصعد على الفور إلى القمة المواجهة لتجمعنا الرئيسى . وكان تسليحه الشخصى وقتها هو (RPG) . وكان يستخدمه كمدفع مضاد لطائرات الهيلكوبتر تحديدا .كانت النفاثات تدور مرتفعة حول الموقع ، وجلس حقانى مع رجاله فوق القمة ـ ولم تحضر المروحيات فى ذلك اليوم . لكن بجرأته وتحديه إنبعثت حياة جديدة فى المجاهدين . وكان قد أحضر معه كاشف عن الألغام إشتراه من سوق الأسلحة فى مدينة ميرانشاة الحدودية . فتجمع حوله المجاهدون ليشاهدوا هذا المخلوق العجيب ، وهو يشرح لهم طريقة عمله وهم فرحون كالأطفال فى أول أيام العيد . جربوا الجهاز فوق قطع معدنية مدفونة فأعطى أشارة ، فهللوا فرحين . ومع ذلك لم يفد ذلك الجهاز بشئ حيث أنه يعطى إشارات على الدوام لأن الأرض مليئة بالشظايا ، فعادوا مرة أخرى إلى الكشف اليدوى عن الألغام . ولكن هذه المرة تحت حماية جوية يقف على رأسها حقانى معه مدفعه المضاد للدبابات الذى يستخدمه لمكافحة المروحيات . عادت الحياة إلى رامى مدفع الدوشكا وبدأ يمارس نشاطه من جديد . والمجاهدون يطلقون نيران بنادقهم على الطائرات إذا كانوا فى وضع ملائم . وهكذا إنبعث من جديد مشروع فتح حصن ليجاه . بعد أن أسقط حقانى بشجاعته فقط “هيبة ” الطيران بواسطة تسليحه الشخصى الجديد ، قاذف “RPG ” الذى لم يسقط أى طائرة . ولكن إسقاط هيبة السلاح وخوف الناس منه أهم بكثير من تدمير السلاح نفسه . أسقط المجاهدون الأفغان هيبة الدبابة ثم هيبة الطائرة حتى قبل أن يتمكنوا من إمتلاك وسائل تدميرها فعليا. إيمان وشجاعة القيادة والمجاهدين كانا أدوات النصر وإسقاط هيبة العدو ، وجميع أسلحته .

تواصلت مجهودات حقانى لتحييد سلاح طيران الخصم . وكان أعظم خطواته وأبعدها أثرا هو برنامج للحفريات تواصل لسنوات حتى سقوط مدينة خوست . لذلك تحول إلى مشروع إستراتيجى وكان له أهمية كبرى فى فتح المدينة المنيعة . وقد أعترف العدو بتلك الحقيقة ، حتى أن رئيس الدولة(نجيب الله) كان يخرج على الهواء فى الإذاعة مخاطبا حافرى مغارات خوست ، وكانوا فى أغلبهم من ولاية (ميدان وردك ) ، ويطالبهم بالقدوم إلى كابول وسوف يقدم لهم ما يطلبونه من أموال ، قائلا أن مغاراتهم أبطلت مفعول طائراته وصواريخه. ولكن الوقت كان قد فات وتبقى القليل جدا من الوقت حتى يقتحم المجاهدون خوست ، وتَبَقَّى من عمر النظام كله حوالى عام واحد .

إبطال سحر الدبابة :

إبطال التأثير النفسى للدبابة كان خطوة كبرى فى العام الأول للجهاد . وكانت هى الخوف الأكبر للأهالى والمدنيين على السواء . ولذلك قصة شهيرة فى ولاية باكتيا سمعناها ممن خاضوا التجربة . سمعنا القصة فى ليلة مقمرة فوق أحد سطح بيت قروى أثناء تحركنا نحو جرديز مع مولوى حقانى ، وكان ذلك فى عام1986، وكان حقانى معنا فى تلك الجلسة المقمرة التى لم تتكرر بعد ذلك( حضر تلك الجلسة كل من أبو حفص المصرى ، وأبو عبيدة البنشيرى وعبد الرحمن المصر ى ، وقد تجمعنا من أجل المشاركة فى عمليات قرب جرديز . ولم يكن تنظيم القاعدة قد تشكل بعد )  . وفى تلك الجلسة أخبرنى حقانى عن بعض أسرار معركة جاور الأخيرة ، وسوف نذكرها فى موضعها . كما حكى مجاهدو القرية عن تجربتهم فى الحصول على سلاح “ضد الدبابة” لأول مرة ، وكانت كالتالى :

 كانت القرية  مصدر قلق للحكومة الشيوعية لتمركز القائد “شاكرين” ومجموعته يهددون منها الطريق الرئيسي والمراكز الحكومية المنتشرة على طوله، لذا قصفها الطيران عدة

 مرات وهجرها معظم السكان لكن “شاكرين” لم يتوقف، فقررالعدو شن حملة  لإقتحام القرية وكانت الخطة  أن تتقدم القوات على محورين الأول من الطريق الرئيسي نفسه ثم تنحرف الدبابات والمشاة نحو القرية حيث يوجد مدق ترابي يصلح لمرور الآليات.

والمحور الثاني تتقدم عليه قوة أخرى عبر وادي شمل حيث ينزل المشاة ويتسلقون الجبال ثم يتوجهون صوب القرية، وهناك تلتقي القوتان وتهاجمان القرية في وقت واحد.

كانت الخطة جيدة،( ولكن على الورق وليس على الأرض). فعند التنفيذ وصلت القوة  القادمة  من إتجاه شمل أولاً. وأبلغ بدو الجبال شاكرين بتقدم القوات نحوه فخرج مسرعاً مع رجاله ونصب كميناً للقوة فدمرها وأسر وقتل جميع من شارك فيها. ولم يكد يفرغ من عمله حتى كانت القوة الأخرى قد وصلت بدباباتها إلى الطريق العام وبدأت تتقدم نحو القرية عبر المدق الجبلي، شعر الرجال بالذعر لتقدم الدبابات المفاجيء نحو قريتهم. ولكنهم كانو قد غنموا سلاحاً عجيباً منذ قليل أخبرهم الجندي الذي يحمله أنه سلاح (ضد الدبابة) فطلبوا من الجندي أن يتقدم معهم لإستخدامه ضد الدبابات المتقدمة لكن الخوف أصاب الجندي  ورفض أن يتحرك خطوة واحدة حتى ولو قتلوه. فطلبوا منه أن يشرح لهم كيفية إستخدام ذلك السلاح فشرح لم وأوصاهم بالتصويب على خط التقاء البرج مع جسم الدبابة.

أحد المجاهدين إلتقط السلاح وتقدم به نحو الخطر القادم ومن الطلقة الأولى طار برج الدبابة في الهواء وإشتعلت فيها النيران. ولم تقف المفاجأة عند ذلك الحد، فالطابور المتقدم من الدبابات والمدرعات التي تحمل الجنود، وجميعها محشورة في مدق ضيق لا يصلح  للمناورة. ذلك الطابور صدمته المفاجأة، إذ كان الضباط على يقين بأن ليس لدى المجاهدين أي  سلاح مضاد للدبابات، وإعتمدوا على حقيقة أن مجرد صوت الدبابة كفيل بأن يدفع، أشجع الرجال لأن يفر من ساحة المعركة.

لذا قفز جميع الضباط والجنود من داخل الآليات رافعين أيديهم إلى أعلى معلنين الإستسلام لشاكرين ورجاله. ( وكانت قصة مازال يتداولها المجاهدون إلى الآن).

كان توفيقاً من الله ألا تصل القوات المهاجمة في وقت واحد حسب الخطة المقررة. وأن يتمكن شاكرين من القضاء على الطابور الأول وتسليح رجاله بقاذف (RPG) ليكون سلاحه الرئيسي ليس لتدمير دبابة واحدة للشيوعيين بل لتدمير وأسر القوة المتقدمة كلها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 1

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 1

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(1)

 

{ لا تدرى نفس ماذا تكسب غدا ولا تدرى نفس بأى أرض تموت } ـ صدق الله العظيم ـ

لم أتصور  ذلك يوما، ولا أحببت أن أكتب رثاء فى ذلك الرجل ، الذى تعلمت منه أهم دروس الحياة ، وما لا يمكن أن أتعلمه من أى شخص آخر ، فى أى مكان آخر غير أفغانستان .

حاولت الإعتذار عن الكتابة ، ولكننى جوبهت بإصرار من إخوة وأصدقاء على أن أكتب ما لا تصورت يوما أن أكتبه .

فقدان هذا العملاق أكبر من أن نقدم فيه التعزية . فمغزى ظهور تلك الشخصية فى مثل تلك الفترة التاريخية الخطيرة التى عاصرها ، هو فى حد ذاته جانب عميق يستحق التأمل ، كما أنه باعث على الأمل الذى يوازن الألم الناتج عن فقدانه . لأن الرحمة الإلهية واضحه فى إمداد الأمة بمثل هؤلاء العلماء الأفزاز والقادة الأبطال . ليدافعوا عن الإسلام فى واحدة من أخطر المراحل التى هددت أهم حصونه على الأرض … أفغانستان ـ

الغزاة كانوا الجيش الأحمر/ الصورة الأحدث لجحافل المغول/ وقد تقدمتهم “قوات الإستطلاع” من الشيوعيين المحليين الذين إستولوا على السلطة ـ فبدأوا القتل والحرق ـ

وفى دياجير ذلك الليل المظلم تسللت بالتدريج أضواء الجهاد . ورفع الراية أبطال من أفغانستان يندر مثيلهم فى التاريخ ، وكان “حقانى” من رموزهم الكبرى . ومع علمه وتقواه وخلقه الرفيع ، كان جنرالا عسكريا لا أعلم له نظيرا فى تلك الحرب الظافرة ضد السوفييت والشيوعيين . بل أنه وبكل تواضع هو أحد أساتذة حروب العصابات الحديثة ، وأحد المجددين لقواعدها . وعلى نفس طريق التطوير لنظرية الحروب الشعبية فى مواجهة جيوش ( ما بعد الحداثة) ، (وما بعد التوحش) ، جاء نجله “سراج الدين” ليواصل وبنفس العبقرية والإبداع طريق والده المجدد الأول للجهاد البطولى ، الذى تحتضنه أفغانستان على مر العصور .

ولنبدأ القصة من أولها ..

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

 

عبد الله .. والجبل :

جلال الدين حقانى ولد الشاب “عبدالله” ، والذى عرف فيما بعد بإسمه الحركى “جلال الدين”، فى أحضان جبل “ساتى كاندو ” العتيد وغاباته الصنوبرية . الجبل يقف مثل السد الجبار فى مقابل مدينة جرديز عاصمة ولاية باكتيا . ولد عبد الله فى قرية {كاندو كالاى} الصغيرة التى أهملتها الجغرافيا ولكنها صنعت التاريخ ، بمولد”عبدالله ” الذى وهبه والده لدراسة العلوم الدينية. وهى مهمة مقدسة فى المجتمع الأفغانى . ومن حيث لم يعلم أحد ، كانت تلك هى الخطوة الأولى لتجهيز “عبدالله” ليقف مثل جبل “ساتى كاندو” سدا منيعا فى وجه السيل الشيوعى المتدفق من العاصمة كابل عبر جرديز صوب جبال باكتيا وقبائلها . فكان عبد الله فى شموخ ومنعة جبل “ساتى كاندو”، بل أشد ، وكأن الجبل العتيد هو الذى إستمد صموده وصلابته من ذلك الشاب.

التدرج فى سلم العِلْم إستدعى منه السفر إلى باكستان لإستكمال الدروس الدينية فى مدارس المناطق القبلية ، حتى وصل إلى المدرسة “الحقانية” القريبة من بيشاور ، وهى أعلى المدارس الدينية فى تلك المناطق . ومن طالب علم نابغة ، إلى مدرس موهوب ، واصل “عبد الله” كفاحه الدراسى . واكتسب لقب”حقانى” نسبة إلى مدرسته التاريخية ، كما حصل على المرتبة الدينية “مولوى”.

وكأن القدر كان يرتب لصدام تاريخى مذهل . ففى نفس الوقت الذى يتأهل فيه عبد الله فى المدارس الدينية ، كان شباب من باكتيا ، وباقى مناطق أفغانستان، يتأهلون فى موسكو لغزو أفغانستان كلها .

كان عود الشيوعية يشتد تدريجيا ـ وشباب البشتون كانوا لا يستدعون إلى التجنيد الإجبارى ، ولكنهم يلقون ترحيبا وتشجيعا لدخول الكليات العسكرية ـ ومن باكتيا وتحديداً من المناطق حول جرديز وصولا إلى خوست ، عبورا بمناطق قبيلة “زدران” التى ينتمى اليها “عبدالله ” تخرج شباب يافعون كضباط فى الجيش ، أرسلوا إلى موسكو لتلقى دورات عسكرية وعقائدية. وأكثرهم عاد إلى بلاده شيوعيا مندفعا. ومنهم كانت أسماء لامعة فى تاريخ التأسيس للحكم الشيوعى والإنقلاب العسكرى الذى جاء به.. من تلك الأسماء كان :

-الجنرال عبد القادر ـــ القائد الفعلى للإنقلاب الشيوعى عام 1978 ـ  وهو من منطقة (زورمات ) جنوب مدينة جرديز .

-والجنرال إبراهيم من قبيلة “إبراهيم خيل”. وكان قائدا لسلاح الدبابات فى جرديز ، وله قصة نادرة فى القتال بنفسه ومن فوق دبابته ضد قبيلته ، فى معركة مأساوية . إذ جاء طالبا منهم ترك الإسلام وفتح الطريق (من جرديز إلى خوست ) أمام الجيش الشيوعى . فصنع أسطورة تشبه المآسى الأغريقية القديمة . وكانت المأساة قد إنتهت للتو عند وصولنا إلى “سرانا”فى زيارتنا الأولى عام 1979 وقد شاهدنا آثارها وصورنا بقايا المحرقة .

-والجنرال ” نظر محمد” من قبيلة زدران ، وله قصة معقدة ومظلمة من أحد أهم ملاحم المنطقة . وقد عاصرنا جزءاً منها فى أعوام (1987 ــــ 1988 ) . وكان هدفه أيضا فتح الطريق من الجرديز إلى خوست أمام الجيش السوفيتى ، ولكن من داخل صفوف المجاهدين هذه المرة . وقد نجح فى مسعاه بتعاون من “عبد الرسول سياف” الزعيم والمتحول الشهير ، الذى منحه الحماية والغطاء اللازم للعمل قائدا لجماعته فى جبل “ساتى كاندو” ، فمهد الطريق للقوات السوفيتية كى تمر.

– الجنرال “شاه نواز تاناى ” من قبيلة تاناى فى خوست . وكان وزيرا للدفاع ، حاول فى عام 1990 ترتيب إنقلاب عسكرى بالتعاون مع الزعيم المتحول الشهير “حكمتيار” ، ولكنهما فشلا .

ضد الجنرالين الأخيرين خاض حقانى صراعاً مريرا . وغيرهم أسماء أخرى من باكتيا أيضا من قبائل “منجل” و”جربز”. ومن رتب كبيرة ومتوسطة جمعتهم صفات مشتركة منها العناد والتهور والصلابة . وهى صفات إستخدمت للأسف فى غير مكانها المناسب .

سفكوا الكثير جدا من الدماء ، وخاض أكثرهم معارك ضد حقانى ، بعضها كان حملات موجهة خصيصا للقضاء عليه ، أهمها كانت الحملة السوفيتية/ الأفغانية على قاعدة جاور فى عام 1986 ، والتى إستخدموا فيها ثلاثين ألف جندى .

 عاد “عبدالله” إلى قريته {كاندو كالاى} خلال حكم السردار”محمد داود” الذى خلع إبن عمه الملك “ظاهر شاه” {1973} ، وتولى هو السلطة كأول رئيس للجمهورية فى تاريخ أفغانستان ، بعدأن قضى عشر سنوات كرئيس للوزراء ، وكانت سلطات الدولة معظمها فى يده.

إستعان “دواد” بالشيوعيين فى إدارة الدولة و الجيش وأجهزة الأمن فكانوا هم قوته الضاربة. ولكن سياساته لم تكن (ثورية) بما يكفى فانقلب علية “الرفاق” وقتلوه ، وتولوا السلطة مباشرة فى (27 أبريل 1978) معلنين جمهورية شعبية إشتراكية . فبدأت أكثر الفترات دموية فى تاريخ أفغانستان لإقتلاع الإسلام من جذوره وفى أقصر مدة ممكنة . وهنا كان مقتلهم لأن تلك اللهفة عجلت بنهايتهم بواسطة نهضة جهادية حركها العلماء . إلى أن ترنح النظام الجديد وأوشك على السقوط . فلم تجد موسكو مخرجا سوى التدخل المباشر بجيشها فى (28 ديسمبر1979) لإستكمال المهمة ـ لخشيتها الكبرى من أن سقوط نظام شيوعى فى أفغانستان قد يؤدى إلى سقوط متسلسل (مثل أحجار الدومينو) للأنظمة الشيوعية من وسط آسيا إلى شرق أوروبا . و كل ما حصل أنهم أجلوا ذلك السقوط لعدة سنوات ، حيث بدأ سقوط الإمبراطورية السوفيتية بعد عدة أشهر من إنسحابهم من أفغانستان فى فبراير(1989) .

 

 

لا شئ كما كان :

عاد “مولوى عبد الله” من رحلته ، العلمية ولكن قريته “كاندو كالاى” لم تعد كما كانت . فالقوات الشيوعية التى يديرها الرئيس “داود” ـ كانت قاسية ومندفعة . ولأول مرة يتجرأ جيش حكومى على إقتحام الجبال وإعتقال الرجال من القرى ، خاصة علماء الدين الذين يتكلمون ضد السطوة الشيوعية التى بدأت تظهر فى أجهزة الدولة والقوانين الجديدة التى سنتها الدولة خلافا للدين والأعراف .

الضباط الشباب عادوا أيضا  من الاتحاد السوفيتى . لم يعودوا “بالمبادئ ” الشيوعية فقط بل عادوا بأسلحة حديثة لا عهد للأفغان بها . فالجنود كانوا مزودين بالبنادق الآلية (كلاشنكوف) . وتنقلهم المصفحات التى لا يخترقها الرصاص ، والأخطر كانت الدبابة التى أثارت رعب الشجعان ، وصرير جنازيرها يخيف سكان القرى فيختبئون أو يغادرون قراهم ـ فقذيفة الدبابة تهز الجبال وتنسف الصخور وتهدم بيتا وتقتل من فيه . بينما طلقة البندقية لا تؤثر فيها بشئ ، وليس لدى الأهالى سوى بنادق الأجداد القديمة .

عاد المولوى الشاب “عبد الله حقانى” إلى قريته التى لم تعد هى نفسها . فبدأ يشجع الرجال ويدعوهم إلى الجهاد ، وعدم الخشيه من الكافرين وأسلحتهم الحديثة .

ولكن التردد جاء أيضا من الموقف الناس إزاء رئيس الجمهورية الجديد” محمد دواد” ، الذى كان هو حاكمهم الفعلى لمدة عشر سنوات ، ثم أنه ـــــــــ وهذا هو الأهم ـــــــــــ كان يدعى “الحاج محمد دواد” أى أنه مسلم موحد بالله ، فكيف يخرجون عليه ويرفعون عليه السلاح ؟؟!! .

وصلت دعوة حقانى إلى أسماع السلطات فى”جرديز” القريبة ، فأرسلوا قواتهم لإعتقاله ، فطوقوا القرية بالدبابات وشاحنات الجنود والمصفحات فى عملية كبرى لإستعراض القوة.

تمكن “عبدالله” بأعجوبة من الإفلات من الحصار ، وأحتمى بالجبال القريبة . ودعا الشباب والرجال إلى الإلتحاق به ، ولكن لم يستجب له سوى أقل القليل . ولم يكن لديهم سوى البنادق العتيقة التى لم تعد تفيد أمام جبال الصلب من دبابات ومصفحات .

جاء الشتاء والثلج أغلق الطرقات ، وإمتنع الطعام ، فهاجر “عبدالله” مع رجاله القليلون إلى باكستان ، لأعادة تدبير أمورهم .

فى ميرانشاه كانت عدة أسر قد هاجرت من باكتيا . وبعضهم فقد شهداء . وكان اليأس عاماً ، ولا عزيمة عند أحد حتى يخوض تجربة القتال ضد حكومة شرسة وجيش دموى مجهز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ورئيس جمهورية شيوعى .. نعم ، ولكنه من حجاج بيت الله الحرام !! .

ذهب مولوى “عبدالله حقانى” لأداء فريضة الحج مع صديق العمر وزميل الدراسة مولوى(أحمد جول)، الذى أصبح نائباً له فى فترة الجهاد التالية . وتلك الرحلة سمعت بعض تفاصيلها من الرجلين .

كانت تجربة لا تخلو من الطرائف كونها المرة الأولى للشابين التى يغادران فيها أفغانستان ، ذاهبين إلى الديار المقدسة براً عبر إيران والعراق .

فى أحد المطاعم الفقيرة على الطريق ، شاهدا التلفزيون لأول مرة فأصابهما الذهول . أناس تتحرك وتتكلم من داخل صندوق؟!! . ذهبا للنظر إلى خلف الصندوق لإكتشاف السر ورؤية ما يحدث خلفه . ولكنهما لم يجدا شيئا . بعد ذلك كانت تلك الطرفة واحدة من نوادر السمر بين الصديقين الشابيين .

قال لى حقانى : ” ونحن نصلى فى الكعبة خلف إمام الحرم كان حماسنا لا يوصف . فنحن كأحناف لا نقول (آمين ) بعد تلاوة سورة الفاتحة . ولكن عندما قالها إمام الحرم ، رددناها خلفه بصوت عال وحماسة ” .

(وفى ذلك عبرة لتأثير الحرمين فى نشر دعوة من يستولى عليهما) .

 فى العام التالى كتب المولوى الشاب”أحمد جول” إلى صديقه مولوى “عبدالله” أن يكررا تجربة الحج هذا العام أيضا . فكتب إليه مولوى “عبدالله ” :

“لقد أدينا فريضة الحج فى العام الماضى ، وحجنا مرة أخرى هو نافلة ، بينما الجهاد الآن فرض عين بعد أن إستولى الشيوعيون على الحكم وفرضوا شرائع جديدة مخالفة للإسلام” . وكان الشيوعيون قد أسرفوا فى القتل والحرق والتعذيب ، بشكل ليس له سابقة فى تاريخ أفغانستان من بعد غزو المغول .

 

 

الجهاد – من الكِتَاب إلى الميدان :

إجتمع الصديقان لبحث الخطوة الخطيرة فى الإنتقال بالجهاد من النظرية الشرعية إلى التطبيق العملى . تساءلا معا: ماذا  نفعل؟؟ . وبعد بحث طويل كانت الخطة جاهزة . البداية أن يعملا سرا على ضم المزيد من الأصدقاء المؤيدين . وبعد مجهود وبحث وصلت القوة البشرية فى إجمالها إلى 7 أشخاص . كل فرد سيدبر لنفسه بندقية وطلقات الرصاص .

جمعوا من بينهم أموالا إشتروا بها أغطية وطعام جاف (خبز ناشف وحمص وتوت مجفف وعسل قصب يابس “جُرْ ” ، شاى أخضر) .

و إشتروا حمارا ليكون هو أول وسيلة لنقل الإمدادات فى تلك الحرب الطويلة . إنتقل البحث عن أنسب مكان لبدء “العمليات الجهادية الأولى” . إستقر الرأى على أن تكون البداية من الجنوب الغربى لولاية باكتيا . وهو الجزء الذى حوله الشيوعيون إلى ولاية مستقلة أسموها باكتيكا . إختاروا المكان لكونه جبليا وعرا ، ويضاف إلى ذلك غابات الصنوبر التى تشكل مخبأ جيدا . تحركت القوة الضاربة الأولى للجهاد فى باكتيا ، بين الغابات الجبلية حتى وصلوا إلى أحد مواقع الجيش . فقادة الجيش بدافع الغرور والغباء نشروا قواتهم فى كل مكان يمكن أن يتمرد فيه السكان أو أن تبدأ فيه مقاومة . فتواجدوا فى القرى الجبلية وبعض أعماق الجبال.  ومن هنا بدأت قوة المجاهدين ضربتها الأولى .

إقترب المجاهدون السبعة حتى صار كل ما فى معسكر الجيش واضحا لأعينهم .

هتف المجاهدون مكبرين . ثم صاحوا بالجنود حتى يستسلموا وينضموا إلى المجاهدين . وألقوا نصائح ومواعظ بأصواتهم المرتفعة .فأرسل إليهم الضباط سيلا من الشتائم بمكبرات الصوت .

تنبه قائد الموقع إلى خطورة تأثير كلام المجاهدين . فأمر جنوده بصيحة الشيوعيين فى الحرب (هوراه ..هوراه ) لم يكن الجنود يفهمون معنى لذلك الصياح المنكر ، ولكنهم مجبرون على ترديده . ثم أمرهم بإطلاق جميع نيرانهم الثقيلة والخفيفة فى إتجاه مصدر أصوات المجاهدين ، وإستمروا كذلك حتى هدأ غضب القائد .

رد المجاهدون السبعة بالتكبير ، ثم بعدة بطلقات من بنادقهم الإنجليزية القديمة المتوارثة من غنائم آخر حملات بريطانيا على أفغانستان عام 1919 .

ثم توقفوا حتى لا تنفذ ذخائرهم بسرعة . وبدأوا مرة أخرى فى الوعظ والإرشاد والتكبير .. ثم ساد الصمت. وتداول المجاهدون فى الوضع ، خاصة وأن الذخائر قليلة جدا . فجأه سمعوا إطلاق نار شديد داخل المعسكر . ثم هدؤ .. ثم الجنود يخرجون رافعين الرايات البيضاء ، ويستسلمون بلا قيد أو شرط . وقالوا للمجاهدين {لقد قتلنا الضباط الشيوعيين ونحن نسلم لكم الموقع !! } .

صار ذلك الحادث نموذجا للعديد مما تلاه من حوادث فى باكتيا . والملخص هو رمايات قليلة من جانب المجاهدين مع الكثير من التكبير ، ثم إستسلام جنود القوة الحكومية بعد قتل الضباط الشيوعيين .

ومع ذلك نشبت الكثير من المعارك الطاحنة ، وسقط الكثير من الشهداء . ولكن النكسات والفشل كان المدرسة الكبرى التى تعلم منها المجاهدون فن الحرب ضد جيش حديث .

التعليم بالدم كان باهظ الثمن للغاية ، بذل فيه أفضل الرجال أرواحهم ، ولكن دروسه كانت راسخة ، ومتراكمة ومتواصلة حتى لحظتنا الراهنة .

بدأ المجاهدون الأوائل فى إتخاذ أسماء حركية ، حتى لا تعرف الحكومة هوياتهم فيتعرض أهاليهم للإنتقام . لم يتحقق هذا الهدف إلا لمدة قصيرة وبعدها صاروا  أشهر من نار على علم . فذهب سبب تغيير الاسماء ، ولكن ظلت الأسماء الجديدة على حالها .

و”عبدالله حقانى ” أصبح “جلال الدين حقانى ” الإسم الاكثر هيبة وإحتراماً منذ ذلك الوقت وحتى الأجيال القادمة .

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

توَكَلْ على الله ـــــ { تَوَكَلْ باخُدَاى } :

التوكل على الله شئ عظيم الخطورة لدى الأفغان . إنه ليس كلمة تقال ، من نافلة القول ، أو أنها علامة ضعف كما تستخدم أحيانا عندنا ـ أو حتى كلمة تحدى كما يستخدمها عوام المصريين بمعنى (إمشى غور من هنا !!) .

ولكنها منهج حياة ، وسلاح حرب ، ويستخدمونه بمعنى (وما النصر إلا من عند الله ) أو بمعنى (وإذا عزمت فتوكل على الله ) ، أو (لله الأمر من قبل ومن بعد ) . هى قريبة من أحد تلك المعانى  حسب الظرف الذى تقال فيه .كانت شعارا دينيا حيويا فى الحرب ، يعادل فى الأهمية شعار الله أكبر الذى هو العمود الفقرى للمجاهدين فى أعمالهم ، وحتى فى أنفاسهم.

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان كنا ثلاثة وصلنا إلى مركز “جلال الدين حقانى” فى قرية سرانا القريبة من جبل {ساتى كاندو} . لم نكن متعودين على مثل تلك الرحلات الشاقة الطويلة ، مع طعام قليل يصعب أكله بدون حافز من حب البقاء .

بعد حفل إستقبال تحت أشجار “السرو” فى الوادى . وخطبة قصيرة ألقيتها نيابة عن الوفد العربى ، ثم خطاب طويل من حقانى ، صعدنا معه إلى قمة الجبل القريب حيث يسكن ، ويدير أمور مجاهديه المنتشرون فى المنطقة .

كان يسكن فى بيت من صخور وطين . صغير ومحشور  بين كتل صخرية ، ويصعب تمييزه إلا من مسافة قريبة . كانت أسرته تسكن معه أحيانا فى ذلك البيت ، وفى الشتاء يعودون إلى مدينة ميرانشاه الحدودية .

وكان له فى ذلك الوقت طفلان (نصير الدين ) و(سراج الدين ). فوق سطح قمة الجبل مباشرة ، ركز حقانى رشاشا ثقيلا من صناعة بلجيكية عام 1941 ، مهمته التصدى للطائرات التى تغير على الموقع وعلى القرية من وقت إلى آخر . تلك القرية موجودة على القمة المقابلة ، على مسافة ليست كبيرة ويفصلهما وادى . ويقيم فى تلك القرية عدد من عائلات المجاهدين

وأكثر من نصف القرية قد غادرها ساكنوها إلى باكستان خوفا من القصف المتكرر للطائرات .

قضينا ليلة فى القرية ثم إنتقلنا إلى القمة الأخرى حيث حقانى والمدفع المضاد للطائرات الذى سنعود اليه فى الفقرة الخاصة بإسقاط “هيبة الطائرات” ، ودور حقانى فى ذلك . وما خصنى به من توبيخ نتيجة تقديرى المبالغ فيه لقدرة الطائرات .

كان صديقنا (إسماعيل) قد غادرنا عائدا إلى بيشاور نتيجة لتورم فى ركبتيه المصابتين أصلا نتيجة ممارساته الرياضية . بقيت مع أحمد ، وهو صعيدى سريع الملل ، لكنه أبدى صبرا مدهشا رغم إنفلاتات عصبية عاصفة ، مرت بسلام .

كان لحقانى مجلس تحت الأشجار على سفح الجبل ، وقد مهدوا له مساحة صغيرة تصلح لأربعة رجال . كان يجتمع فيها بقيادات المجموعات القادمين إليه . جلست معه عدة مرات أستفسر عن أشياء كثيرة تتعلق بأوضاع الجهاد فى المنطقة وما حولها ، وعن أحزاب بيشاور الذى بدأت تظهر على إستحياء شديد فى ذلك العام . أهتممت بالإسفسار عن المشكلات بأنواعها . وكان واضحاً بالفعل  حاجة المجاهدين إلى كل شئ . إنتابنى مقدار كبير من الهَم ، لأن ما هو مطلوب يبدو أكبر بكثير جدا مما يمكننا توفيره ، حتى مع بذل أقصى مجهود .

أدركت أن الموضوع سيكون طويلا وصعبا ، بل أصعب مما تخيلنا ـ ملخص الوضع الراهن أنه لا توجد ذخائر كافية لأسلحة المجاهدين . والطعام متقطع وبمستويات متدنية حتى بالمعيار المحلى المتواضع جدا .

قال لى حقانى أنه جلس يوما قبل نومه مهموما لعدم وجود شئ لديه لإ طعام المجاهدين . وفى نومه ، رأى شخصا يخاطبه قائلا : “يا عبدالله لم يتركك الله جائعا يوما ، والآن بعد أن خرجت مجاهدا فى سبيله ، تظن أنه سيتخلى عنك؟؟. ستجد طعامك غدا معلقا بهذه الأشجار” . وفى الصباح جاءنا أحد الرعاة بخروفين تبرعا منه للمجاهدين .فذبحناهما وعلقنا اللحم على الأشجار لتوزيعه على مراكز المجاهدين.

وقال حقانى لولا التوكل على الله لما استطعنا البدء فى الجهاد أو الإستمرار فيه ولو لساعة واحدة .

لا توجد حركة للمجاهد كفرد أو للمجاهدين كجماعة إلا ويتجسد فيها معنى التوكل الحقيقى على الله ، حيث لا أسباب ولا وسائل تصلح لأن تعقد عليها الآمال . وكلما زادت القدرات كان عدد المتوكلين على الله يقل ، فالبعض كان يلتصق بالأسباب ويقاتل من أجلها وعندها كانت الكوارث والهزائم .

كان حقانى هو المعلم الأكبر لرجاله لتذكيرهم بمعانى التوكل على الله وعدم التعلق بالأسباب ، مع السعى الحثيث لحيازة أكبر ما يمكن من أدوات القتال الفعالة والتدريب عليها . وأرشدهم وأثبت لهم بنفسه عمليا أنه حتى مع عدم وجود الوسائل المناسبة للقتال فإنه بالتوكل على الله يمكن الإنتصار على العدو مهما كانت قوته .

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




النص الكامل لهجمات موقع “الوطن أون لاين” علي موقع مافا السياسي

النص الكامل لهجمات موقع “الوطن أون لاين” علي موقع مافا السياسي

الحملة السعودية .. دفاعاً عن تهويد المقدسات الإسلامية

تتواصل الحملة السعودية ضد موقع مافا السياسي ، ومصطفى حامد ، إنطلاقا من العربية (نت) وصولا إلى قناة العربية ، ثم المنصات الصهيونية فى الولايات المتحدة .. وأخيرا .. جريدة الوطن السعودية التى ينشر موقع مافا نص هجومها الأخير .

ومصطفى حامد ـ يكتفى بنشر نص آخر مقالاته ، والمعنون ( المقدسات الإسلامية .. تحرير لا تدويل ) ، وتدور حول موضوع تهويد القدسات على يد (بن سلمان) أعجوبة الصهاينة العرب .

ليضاف هذا المقال إلى سلسلة سابقة بعنوان ( عندما تسقط راية الإسلام .. ويضرب إعصار الردة جزيرة العرب ) . فتلك هى أسباب حملة  الغضب السعودى المسعور ، وفيها الرد الشامل عليها .

المقدسات الإسلامية : تحرير .. لا تدويل

https://goo.gl/rBjbg9

 

إدارة موقع مافا السياسي

https://t.me/mafa_web_admin

………………….

 

إيران تعيد تنشيط موقع مؤرخ القاعدة لمهاجمة السعودية

 

الرياض: نايف العصيمي 2018-02-25 1:36 AM     

 

وسط تصعيد إيراني ضد المملكة وشعبها، أعادت طهران تفعيل موقع إلكتروني يديره ما يسمى بمؤرخ تنظيم القاعدة مصطفى حامد، والمكنى بـ«أبي الوليد المصري»، إلى المشهد، استمرارا لسياستها في دعم التنظيمات الإرهابية والتدخل في شؤون دول الجوار، وفي إطار محاولتها نشر خطاب الكراهية ضد السعودية ضمن ما يعرف بمخطط تدويل الحرمين الشريفين.

وكان الموقع الإلكتروني قد تم إنشاؤه عام 2009 في طهران، غير أنه مر بمرحلة ركود إلى أن تم تنشيطه مؤخرا بدعم السلطات الإيرانية، وأن أبا الوليد المصري البالغ من العمر «73 عاما» يعاني من الإفلاس، إثر انسلاخه من كل ارتباطاته السابقة بالإرهابيين القدامى وعدم ثقة قيادات التنظيمات الإرهابية بشخصه، وتحذير القيادات للعناصر من التعامل معه.

أهداف التأسيس

طبقا للتقرير، فإن الهدف من تأسيس موقع «مؤرخ القاعدة»، تركز في بداياته على نشر 6 كتب أعدها عن أفغانستان وتاريخ العرب في مرحلة ما يسمى بـ«الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي»، غير أن الكتب الستة انتهى بها المطاف آنذاك إلى أقراص مدمجة «CD»، وعمل منها 10 نسخ وزعها على المقربين، وعاد موقع مؤرخ القاعدة بهيئة جديدة ومن طهران أيضا. وزعم مؤرخ القاعدة أن عودة موقعه إلى طبيعة مناخ الحريات المرتفع في إيران، متناسيا حرمان الشعب الإيراني من ممارسة حريته في التعبير أو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ومتجاهلا استغلال نظام الملالي له كأداة أو مطية مثل باقي الإرهابيين والمتطرفين الذين تحتضنهم طهران لاستخدامهم في زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع.

تناقضات المؤرخ

تتضمن أوراق «مؤرخ القاعدة» سلسلة طويلة من المتناقضات في التحزب والانضمام إلى تنظيمات إرهابية، فضلا عن علاقته المشبوهة بإيران. وبدأت علاقة مصطفى حامد مع التحزب عندما التحق بجماعة «أشبال الإخوان» في مصر وهو في السادسة من عمره، وانتهى به السبيل في العشرات من الأحزاب والجماعات الإرهابية، كما عمل أبوالوليد المصري مراسلا لقناة «الجزيرة» القطرية في قندهار، ومارس الكتابة الصحفية في العديد من الصحف والمواقع التابعة للتنظيمات الإرهابية.

من أوراق «مؤرخ القاعدة»

ربطته صداقة قوية بجميع القيادات القديمة في تنظيم القاعدة

التقى زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن للمرة الأولى عام 1988

أقام في باكستان مع أسرته، في الفترة من 1985 حتى منتصف عام 1986

شارك ضمن جماعة حقاني في معارك جرديز والأورجون في ولاية باكتيكا

سافر إلى أفغانستان عام 1979، وعمل مع مولوي جلال الدين حقاني

كتب عن الجهاد الأفغاني وشارك فيه منذ عام 1979 قبل الغزو السوفيتي

تخرج من كلية الهندسة جامعة الإسكندرية عام 1969

التحق بجماعة أشبال الإخوان  وهو في السادسة من عمره

ولد بمحافظة الشرقية  المصرية  عام 1945

تعرف في بيشاور على أيمن الظواهري عام 1986 وربطته به علاقة قوية

تربطه علاقات بالعديد من كوادر الجماعات المتطرفة من مصر وغيرها

في مارس 1993 وجد نفسه مطلوبا  للاعتقال، فأرسل أسرته إلى اليمن

لجأ إلى ولاية «خوست» الأفغانية، وأقام في معسكرات إرهاب تابعة للقاعدة

أشرف على برنامج لتدريب كوادر متطرفة لحزب النهضة الطاجيكي منذ أوائل 1993

تعرف على مولوي إحسان الله إحسان، وهو من كبار قادة حركة طالبان عام 1995

لديه علاقات مع العديد من كوادر ومسؤولي طالبان

ذهب إلى السودان في شتاء عام 1996 وبقي هناك عدة أشهر

بايع زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر في أواخر عام 1997

كتب في عدة مواقع تابعة لتنظيمات إرهابية

عمل مراسلا لقناة الجزيرة القطرية بين 2000 و2001

 

اضغط على الصورة لتكبيرها

 




مع رسالة الخوستى : تغيرات كبيرة فى أنظمة حكم وخرائط دول وتشريد شعوب

مع رسالة الخوستى : تغيرات كبيرة فى أنظمة حكم وخرائط دول وتشريد شعوب

مع رسالة الخوستى :

سياسة صرف الأنظار عن إعصار كونى قادم  ليعصف بالمنطقة.

تغيرات كبيرة فى أنظمة حكم وخرائط دول وتشريد شعوب.

 

العناوين :

1- تشتبك القاعدة حاليا فى قتال مباشر أو غير مباشر مع إيران فى كل من سوريا واليمن .

2- كتبت فى أفغانستان عن تجارب المسلمين هناك ، عربا وغير عرب .

3- الإعلام فى إيران مازال يصف حركة طالبان بالإرهاب . ولا ينفى ذلك وجود بعض المتعاطفين مع جهاد الحركة .

4- الساحة السياسية فى إيران تتميز بالحرية والتنوع . وفى ذلك الهامش يتحرك موقع مافا السياسى ، وللموقع أعداء داخل إيران .

5- فى مصر كتبت لمجلة الصمود ، ولموقع أخر غير مافا السياسى . وأنجزت هناك كتابين . ولم أصادف مضايقات أمنية.

6- الإعلام العربى عموما ينطبق علية وصف : ( متعمق فى السطحية ومتبحر فى التفاهة ).

7- المنطقة مقبلة على كارثة هائلة : من السعودية إلى مصر والأردن .

8- على قطر أن تسلم آبار الغاز هدية لترامب ، كما سلمه بن سلمان شركة أرامكو .

 

اجابات مصطفي حامد ابوالوليد المصري علي الاخ (الخوستي) :

1 ـ هل فعلا طهران علي علاقة وثيقة  بقيادات القاعدة ؟.

 ــ   كتبت كثيرا حول هذا الموضوع ، سواء فى مقالات منفصلة أوضمن حوارات أو كتب . لم تكن العلاقة وثيقة ولكنها كانت إجبارية أملتها عدة ظروف . أولها الجوار عندما كانت القاعدة فى أفغانستان بعد عام 1996 وكان النظام الجديد (الإمارة الإسلامية )، ومعه العرب بما فيهم القاعدة تحت الحصار ، حتى إفتقد الناس الخبز فى كابول أحيانا . وبعد الحرب فى 2001 فر معظم العرب إلى باكستان ، ولكن المطاردات هناك كانت وحشية للغاية، فقتل وسجن كثيرون فأضطر آخرون للدخول إلى إيران عن طريق التهريب .

وهنا بدأت العلاقة الإجبارية التى لم تكن من إختيار أحد . ولم تكن سعيدة أو مريحة لأى من الطرفين . ولم تلبث السلطات الإيرانية أن إعتقلت الجميع . فلجأت أفرع القاعدة فى الخارج خلال سنوات إلى إختطاف عدد من الإيرانيين ، وجرت عمليات تبادل تم بمقتضاها إطلاق سراح بعض قيادات القاعدة المعتقلين . والبعض تمكنوا من الهرب ، أو أفرج عنهم لأسباب صحية . والأن تشتبك القاعدة فى قتال فعلى ومباشر ضد إيران فى الميدان السورى ، وبشكل غير مباشر فى اليمن .

 

2ـ  موقع اخباري يقول إن هناك  3000  قيادي شديدي الخطورة تابعين لتنظيم القاعدة دعمتهم إيران منذ 2001 حتي اليوم ؟

ــ  تلك تهويلات الحرب الإعلامية ، والتى يمكن لأى أحد أن يطلقها بلا حسيب أو رقيب . ولا يمكن أن تمتلك القاعدة كل ذلك العدد من الكوادر (شديدة الخطورة) منذ إنشائها حتى الآن .

فى بعض الحالات  تحالفت القاعدة مع تنظيمات أخرى فقفز العدد (حسابيا ) إلى عدة آلاف ، ولكن نوعيا لم يكن عدد الكوادر الهامة كبيراً .

ــ حدث وأن تجمع فى طهران عدد كبير من المعتقلين العرب فى بدايات الحرب الأمريكية على أفغانستان ، بسبب إقبال عدد كبير من الشباب صغار السن على الجهاد فى أفغانستان تعاطفا مع شعبها وتاريخه الجهادى القريب ضد السوفييت . معظم هؤلاء لم يكونوا منتمين إلى أى تنظيم أو جماعة . وحتى أنهم لا يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا بعد أن يصلوا إلى إيران . وبعد إجراء التحقيقات اللازمة معهم ، بإشراك الأمم المتحدة ، تم تسليم الجميع إلى سفارات بلادهم بعد إحتجازهم لعدة أشهر فى أحد فنادق طهران الكبرى . وكان الحادث شهيراً ومنتشر إعلاميا وقتها . ولم يكن بين هؤلاء أى أحد (شديد الخطورة)، فأمثال هؤلاء الخطرين يعرفون طريقهم جيدا .

 

3 ـ هل أنت مؤرخ القاعدة ؟ هل بن لادن رحمة الله وصفك بمؤرخ القاعدة؟.

لم أكن مؤرخاً فى الأساس ـ لا للقاعدة ولا لغيرها ـ كما لم أكن (منظراً) للعرب أو لغيرهم كما يحولوا للبعض أن يقول . فالمقصود من تلك التصنيفات هو التشويه وربطى (بمحور الشر) الذى يصنعه أصحاب ذلك الإعلام . لذا يتخبطون فى تصنيفى على كل إتجاه من القاعدة إلى إيران إلى طالبان .

منذ عام 1979 وحتى الآن وأنا أكتب عن أفغانستان ، وعن تجارب المسلمين هناك أفغاناً وعربا . وعن الأحداث التى شارك فيها العالم كله فى آخر الملاحم الكبرى فى القرن العشرين ، فى حرب وصفوها بالباردة ، لآنهم لم يخسروا فيها جنديا واحداً ولا دولارا واحدا (خزائن السعودية تتولى هذه التفاصيل الصغيرة ، والمسألة كلها كانت فى حدود 3 مليار دولار لاغير!!) . كان للقاعدة دور بارز فى تلك الأحداث خاصة على الجانب العربى خلال الحرب ضد السوفييت ، ثم كانت نجم الحرب الأمريكية على أفغانستان بعد أحداث 2001 فى نيويورك . فكان طبيعيا أن أكتب عن القاعدة.

وتشرفت بصداقة أسامة بن لادن ، وإخوانه الأقربين الذين أسسوا معه تنظيم القاعدة . وكتبت عن تجربتى معهم وقد ربطتنا إخوة الميدان وليس التنظيم . وخلافاتنا فى وجهات النظر،كانت حول كل شئ تقريبا ، ولم يؤثر ذلك بأى حال فى رابطة الأخوة القوية فيما بيننا أو إحترامنا المتبادل . وذلك مذكور بالتفصيل فى كتاباتى . ولم يصفنى أسامة بن لادن بمؤرخ القاعدة لسبب بسيط هو أننى لم أكن كذلك .

 

4 ـ هل يوجد علاقة بين الحكومة الايرانية و حركة طالبان ؟

ــ لا ننسى أن أفغانستان وإيران دولتان متجاورتان بينهما حوالى مئة كيلومتر من الحدود المشتركة. وما يحدث فى أحداهما يؤثر بعمق فى الأخرى ، ومن المهم دوما وجود علاقة حسن جوار وتعاون بين البلدين. وحركة طالبان تقود شعبها فى حرب عنيفة ضد الإحتلال منذ 16 عاما . فى نفس الوقت فإن الحكومة الإيرانية تحتفظ بأقوى العلاقات مع نظام كابول الذى أنشأه الأمريكان هناك . وتستثمر أمولا فى مشروعات إقتصادية كبرى ، خاصة مع الهند فى خط سكه حديد استراتيجى (جنوب شمال ) يبدأ من ميناء  تشبهار الإيرانى ليصل إلى أفغانستان ، ثم إلى موسكو وأوروبا بعد ذلك .

والإعلام  الرسمى فى إيران مازال يصف حركة طالبان بالإرهاب . ولا ينفى ذلك من وجود قلة من المتعاطفين والمتفهمين لجهاد الحركة من أجل تحرير بلادها من الإستعمار الأمريكى . ومازالت بعض نقاط سؤ الفهم عالقة بين الطرفين حول حوادث مؤسفة وقعت فى الماضى ولم يتم تبادل وجهات النظر بشأنها.

 

5 ــ ما سر حريتك في الكتابة  علي موقع مافا السياسي و مجلة الصمود من طهران؟ و هل كنت تكتب  للمجلة و الموقع من مصر؟.

6- ما الفرق بين اقامتك سابقا و الان في ايران ؟.

ـــ واضح من خريطة المصالح مقدار التناقض بين حركة طالبان وحكومة طهران . ولكن الخريطة السياسية داخل إيران تمتاز بالتنوع والقدرة على إستيعاب تعدد الآراء . وتلك ميزه كبرى أتاحت لموقع مافا السياسي الصدور بهذا الشكل الحر الذى ذكرته. ويتيح أيضا وجود متعاطفين مع حركة طالبان إذ يرونها حركة مقاومة وتحرير وجهاد إسلامى حقيقى . من هؤلاء سنة وشيعة وجميعهم إيرانيون .

ذلك واقع صعب تصوره على الجمهور العربى الذى يتنفس الإستقطاب والتعصب وضيق الأفق ، ويركز على التناقض والإنقسام ، ويحتكم سريعا الى السلاح ـ إن وجد ـ أو إلى المهاترة والسباب وهى متوافرة على الدوام . ولدينا إعلام عربى ينطبق عليه وصف أديب مصرى شهير لأحد أعضاء البرلمان فى الأربعينات بأنه (متعمق فى السطحية متبحر فى التفاهة). وهل نجد لحملة ” قناة العربية” وجريدة الشرق الأوسط ضد موقع “مافا السياسى” وصفا أكثر دقة من ذلك ؟؟ .

ــ أظن أن سبب حريتى فى الكتابة من طهران واضح الآن ـ وهو أن هناك حالة من التنوع الفكرى والسياسى يسمح بذلك . فما أقوله له أنصار وله أيضا أعداء أقوياء . وربما لاحظت أن الإختراقات التى تعرض لها موقع (مافا السياسى) مقدار منها جاء من داخل إيران نفسها .

وقد عبر البعض فى إيران جهرا عن إنزعاجهم من إتجاهات الموقع ومحتوياته ، فوصفونا  بالدواعش والتكفيريين أو أتباع القاعدة ومؤيدى الإرهاب ، إلى غير ذلك من البضائع السياسية الرائجة أيضا عندنا فى بلاد العرب . وسيظل قارب (مافا السياسى ) يطفو صعودا ونزولا ، فإما أن ينجو أو أن تبتلعه موجة عاتية أو تحطمه صخرة عنيدة . فلا حياة بدون ركوب المخاطر .

ــ نعم كتبت فى مصر العديد من الأشياء الهامة . ولكن الإعلام كان موصدا فى وجهى ، ما عدا فلتة تلفزيونية مع قناة فضائية خارجية ، وجزء من مقال نشرته إحدى الصحف الأهلية ثم تابت وأنابت وتوقفت عن نشر باقى المقال .

موقع (مافا السياسى) كان محظورا فى مصر بشكل مؤكد ، وتم إبلاغى بذلك حتى قبل وصولى إلى أرض الكنانة بعد غياب زاد عن أربعة عقود من الزمن . ولكننى نشرت كتابات لى فى موقع بإسمى (مصطفى حامد) عبارة عن مقالات كتبتها لمجلة الصمود الأفغانية ، أو كتبتها لنفسى كالعادة لعدم وجود ناشر ، وربما أيضا لعدم وجود قارئ فى مصر لأمثال تلك المواد الغريبة . أيضا إنتهيت فى الإسكندرية من كتاب (العرب فى حرب أفغانستان) بالاشتراك مع الدكتورة الأسترالية (ليا فارال)، ثم ترجمته إلى العربية ونشرته فى موقع (مصطفى حامد). ونشرت فى نفس الموقع كتابا تحت إسم (أفغانستان فى صباح اليوم التالى) كتبته فى الإسكندريه أيضا. لقد كتبت فى مصر خلال العهود المختلفة التى عاصرتها خلال  السنوات الخمس التى قضيتها هناك (2011 ـ 2016) ، وبدون أى تدخل أو إزعاج أمنى ، ربما لأن ما أكتبه لا يهم أحدا فى مصر ولا يعنيه فى شئ ، وذلك من  حسن الحظ . وكما دخلت مصر بلا تدخل أو إزعاج أمنى خرجت منها بنفس الطريقة .

ــ تقريبا لم أتوقف عن الكتابة ، حتى فى أوقات القتال ، إما كنت أكتب أو ألتقط الصور . وظهر أن ذلك كان أقوى من طلقات الرصاص وأبقى أثرا . لهذا وضعتنى أمريكا على قائمة الحظر الإقتصادى ( ليس عندى أى إقتصاد!!) . وزخر الفضاء الإفتراضى بكافة العواصف ضدى، والتى تعكس الإنزعاج الأمريكى والهيستيريا السعودية .

ــ  الفرق بين إقامتى الحالية فى إيران وإقامتى السابقة ، هى الفرق بين الإقامة القانونية وبين الإقامة الجبرية. عملى فى موقع مافا السياسي فى المرة السابقة كان أشبه بعمليات تهريب الممنوعات ، والآن أعمل علنا ، ولم أصادف ـ حتى الآن ـ حظرا أو حدودا، ولكن لا صلة لى بالإعلام المحلى كما كان حالى فى مصر . أكتب الآن بمقدار هذا الحيز المتاح ، وهو كاف تماما لما أريد قوله ، وهو أكثر إتساعا بكثير مما كان متاحا أو ممكننا فى مصر .

الفارق يين الحالتين ، سابقا والآن ، هو التقدم فى السن وتبعات ذلك على الصحة والأسرة . والشعور بأن سكان العالم يتزايدون ، بينما محيطى أصبح خاليا . أو كما قال مؤرخ فى أعقاب وفاة صلاح الدين الأيوبى: (ولقد مضت تلك السنون وأهلها .. وكأنها وكأنهم أحلام) .

 

7 ـ لماذا يحاولون ربط موقعك و كتاباتك بالنظام الإيراني ؟ و ما سبب هجومهم الإعلامي عليك و علي موقعك مافا السياسي ؟

ــ إن ما أكتبه لا يروق لهم ، وذلك منذ ثمانينات القرن الماضى ، وقبل أن نتعرف حتى على إيران سوى من الجرائد . فكتبت عن فساد الأحزاب الجهادية الأفغانية وتدخلات الولايات المتحدة والسعودية وباكستان . فقال عدد من أتباعهم عنى ( أنه شيوعى) ضد الجهاد وصرت مهددا بالقتل من أقوى الجهات فى بيشاور.

الآن ـ عندما وصلت إلى إيران ـ أكتب على نفسى المنوال فقالوا (إنه شيعى)، ولكن عندما كنت أكتب نفس الأشياء وأنا فى مصر سواء فى عهد الإخوان أو ما قبله بقليل وما بعده ، لم يكتب أحد ضدى أننى شيعى ، رغم أن مصر وقتها كانت تفيض بالمظاهرات السلفية والإخوانية ضد إيران وضد الشيعة الذين كان قتلهم من علامات الإيمان وأعمال القربى إلى الله التى فعلها الإخوان فى (أبوالنمرس) قبل سقوط نظامهم بأيام.

وعندما بدأت الكتابة من إيران ، تصوروا أننى أصبحت هدفا سهلا ، واعتبروا وجودى فى إيران قرينة على  موالاتى لها . رغم أن شيئا لم يتغير على الإطلاق ، فهو نفس الإتجاه منذ ثمانينات القرن الماضى حتى عامنا الراهن من القرن الحالى .

يبحثون عن (محور شر) ـ حسب تصنيفهم ـ حتى يضموا إسمى إليه ويربطونى به ـ فاستمرت الموجة من الشيوعية إلى التشيع إلى الإرهاب والقاعدة وحتى داعش . معتمدين على مناخ الجهالة والتعصب السائد، وأن أحدا لا يقرأ . فيستخدمون خطاب الإثارة والشحن العاطفى الغاضب . فيكسبون الأغلبية العددية التى تسمع وتصدق ، وربما تطيع وتتحرك . وإلا لما ظهر لدينا أمثال داعش وأكثر من ألف (فصيل جهادى) فى بلد واحد هو سوريا !!.

أنا فى موقع العداوه معهم (أمريكا / السعودية/ إسرائيل) منذ الثمانينات وحتى الآن . ليس فى ذلك أى جديد سوى أنه إنفجر وظهر إلى العلن فى ( قناة العربية و العربية نت ) ـ وهذا موضوع ردى على سؤالك الأخير .

 

8 ـ لماذا التقرير ركز علي كتاب التيار الإسلامي وحرب المياه؟ .

ــ لم ألاحظ تركيزا منهم على كتاب (التيار الإسلامى وحرب المياة ) . فقط ذكروا الإسم على أنه آخر كتبى ، وأنه كتب فى إيران . ربما لتخويف الجمهور السلفى من قراءته بإعتبار أنه (كتاب شيعى).

وهم لا يجرؤون على ذكر أيا من الحقائق التى حواها الكتاب ، والجريمة العظمى فى حق شعب مصر، والتى إرتكبتها السعودية وقطر وتركيا بزعامة إسرائيل ، بتمويلهم بناء سد النهضة الذى سيمنع ماء النيل عن مصر التى هى نصف تعداد العرب ، وجميع مسلميها هم من أهل السنة والجماعة، وليس بها حوثى واحد ، وربما يوجد بها نصف “درزن” من الشيعة إن كان قد تبقى منهم أحد .

ــ كما لا يجرؤون على مجرد ذكر إسم آخر ما كتبته من مقالات، وهو (إعصار الردة يضرب جزيرة العرب)، عن إدخال آل سعود إسرائيل إلى جزيرة العرب وأماكنها المقدسة، والتطبيع السعودى معها على كافة المستويات . ولا دخل لموضوعات الكتابين بإيران أو بالشيعة ، لأن إيران لم تشارك من قريب أو من بعيد فى سد النهضة ، ومازالت ترفض بإصرار أى إعتراف أو تطبيع مع إسرائيل ، بل وتعتبر إزالة تلك الدولة الصهيونية فريضة دينية . ولهذا تعانى إيران من الحصار والحروب ، ومن عداوة آل سعود وباقى أذنابهم ومرتزقتهم .

 

9 ــ ما هو السبب الرئيسي لهذا الهجوم يا شيخ ابوالوليد؟ ما هي أهم النقاط التي خرجت بها من هذا التقرير؟.

الهجوم الحالى هو إمتداد لنفس عداءهم القديم معى . وتلك الوتيرة العالية المتسمة بالعصبية الشديدة تكشف مصدر الحملة والموجه لها . خاصة إذا وضعنا فى الإعتبار الموضوعات الخطيرة التى أثارها موقع (مافا السياسى) والتى تتضح حتى من صفحتة الأولى، حيث نجد فى صدارتها حوارا عن فلسطين بعنوان رئيسى يقول ( لو أننا كنا أفغانا ، لما ضاعت فلسطين ). ولم نقل مثلا لو أننا كنا شيعة أو إيرانيين.

ويليه شعار بلا تفاصل يقول ( أخرجوا المطبعين من جزيرة العرب ) ـ واضح أن المقصود هم حكام السعودية وباقى مشايخ الخليج المطبعين سراً وجهرا قياما وقعودا مع العدو الصهيونى . ولو كان من بين المطبعين إيرانين وشيعة لذكرنا ذلك بلا تحفظ ، ولكن ماذا نفعل لهم ، وهؤلاء القوم يركبون رؤوسهم ويقدسون دينهم ويرفضون التطبيع مع الصهاينة المحتلين لفلسطين اليوم، ولجزيرة العرب غدا؟؟ . فهل نجبرهم على التطبيع حتى نتمكن من مهاجمتهم والتشنيع عليهم ؟؟ .

ــ أما أهم النقاط التى خرجت بها من هذا التقرير فهى :

ــ أن سمو الأمير(أحمق آل سلمان) ـ المراهق الذى لاعهد له ـ لا يتحمل كلاب حراسته كلمة واحده ضد نيافته . فكانت الحملة ساحقة ضد موقع مافا السياسى وصاحبه . حمله ذات ضجيج أتت بفوائد ولم تضف أى ضرر جديد . ومن الفوائد أن كل من يستطيع القراءة سوف يتوجه لمطالعة تلك الجرائم والتجاوزات التى يحويها الموقع المذكور. وفى ذلك حملة دعائية مجانية .

ــ  إن المنطقة العربية كلها مقبلة على كارثة هائلة خلال هذا العام . فصفقة العصر تشرف على تنفيذهاعناصر مأزومة رعناء : على رأسهم ترامب المجنون الذى يهدد الوضع الداخلى فى بلاده كما يهدد الوضع الدولى . وهناك عناصر عربية لا تقل سوءا :

 سعوديا: هناك أحمق آل سلمان الذى يدمر مملكته وأسرتها العتيدة . ومن المشكوك فيه تماما قدرة ذلك الكيان السياسى المهترئ للملكة على الإستمرار طويلا . وقد يراهن البعض على سقوط قريب للنظام أو على الأقل تدحرج رأس النظام ، ربما خلال هذا العام الحرج 2018 .

مصريا : هناك عصابة الجنرالات المتصارعة . وجنرال حارة اليهود المفلس سياسيا ، والذى دمر بلاده لصالح إسرائيل ودمر حتى مؤسسات الجيش والأمن وقدرتها على إرعاب الشعب بالقوة الغاشمة حسب وصفه . فشحن الشعب المصرى بطاقه الإنفجار مع حرمانه من أى قدره على ثورة ناجحة . فلم يعد إلا مسار إجبارى لمصر ، وهو الدمار ذاتى بفوضى الجياع واليائسين التى ستجعل الوطن رمادا . فيصبح الشعب هو الملام ، وليس بطل إسرائيل القومى الذى تآمر لبيع مياه النيل وأراضى وثروات مصر ، وتدمير شباب مصر وطاقاتها اللازمة لإعادة البناء . وعلى يديه سوف تتشظى مصر إلى كيانات عديدة بائسة ، وليست سيناء فقط كوطن جديد للفلسطينيين .

– وهناك الأردن : الذى فقد مبررات وجوده ـ وأصبح زوال مملكته جزء من الحل ضمن صفقة العصر.

ــ   وإسرائيل : التى تنقل ـ ومنذ عدة سنوات ـ حدودها الشرقية صوب الضفة الغربية للخليج (العبرى) ممتدة من السعودية إلى الإمارات (دولة الجاسوسية وشركات المرتزقة ، والمخدرات والسلاح )، إلى قطر التى لن تشفع لها أى علاقة سرية أو شبه علنية مع إسرائيل ، ولا قواعد أمريكية أو تركية . بل يجب أن تسلم آبار الغاز إلى ترامب كما سلمت السعوديه (أرامكو) للمشترين الصهاينة اليهود والأمريكان .

.. يكفى هذا رغم أنه قليل من كثير .

إنهم عصبيون أكثر من اللازم ، ورد فعلهم مبالغ فيه . فلماذا يركزون على موقع (مافا السياسى) ويتجاهلون إعصار كونى قادم على المنطقة ، ليطيح بأنظمة حكم ويغير من خرائط دول ويشرد شعوبا بأكملها ويشعل حروبا وفتنا مثل قطع الليل المظلم ؟؟ … فلماذا كل هذا الضجيج وصرف الإنظار عن كوارث هم من أكبر صانعيها؟؟.

 

بقلم:         

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world