ضباب مفاوضات الدوحة يخفى تراجع قضية الإنسحاب

ضباب مفاوضات الدوحة يخفى تراجع قضية الإنسحاب

مكاسب الجهاد .. وهزائم التفاوض :

ضباب مفاوضات الدوحة يخفى تراجع قضية الإنسحاب

ــ  أهم مؤامرات التفاوض هى إستبعاد الإمارة الإسلامية عن أى دور فى أفغانستان ، وفصلها عن قوتها الضاربة ــ  حركة طالبان ــ التى سوف تفرض عليها قيادة يختارها خليل زاد وعصابته.

ــ  ترامب والدوحة يجعلان “المفاوضات” و”السلام” هما القضية الأولى ،  ويدفعان بالإنسحاب العسكرى إلى هامش مفاوضات لا نهائية قادمة .

-الإمارة رفضت من حيث المبدأ فكرة ذهاب وفد إلى الولايات المتحدة .

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

الثامن من سبتمبر 2019 كان يوما مميزا فى تاريخ أفغانستان الحديث، ويحتاج إلى المزيد من الوقت حتى يتكشف عمق الزلزال الذى فجره الرئيس الأمريكى (ترامب) بإعلانه وقف المفاوضات مع مكتب الدوحة ، والذى يمثل الإمارة الإسلامية فى أفغانستان بصفته مكتبها السياسى .

الحجة الرئيسية التى قدمها ترامب كمبرر للإنسحاب من المفاوضات هو عملية “القرية الخضراء ” التى شنها مجاهدو حركة طالبان على واحد من أكبر مراكز”التجسس والترفيه” للقوات الأمريكية والحليفة . مركز وصفته بعض مصادر الأخبار بأنه موقع أمنى يقع بالقرب من مقر (مهمة الدعم الحازم) التى يقودها حلف الناتو فى أفغانستان .

قال ترامب أن طالبان إعترفوا بالعملية التى ( أسفرت عن مقتل أحد جنودنا العظماء و11 آخرين ) حسب تعبيراته . ثم إنتقد ( عدم إستطاعتهم ـ أى طالبان ـ قبول وقف النار خلال مباحثات السلام المهمة ) وفى المقابل قادرون على قتل 12 بريئا (!!!) .

وختم ترامب تغريدته بالتساؤل { إلى متى سيستمرون فى القتال ؟؟} .

الفقرة الأكثر أهمية فى كلام ترامب هى قوله أنه كان مقرراً أن يلتقى ذلك اليوم الأحد (8سبتمبر) فى ” كامب ديفيد ” ـ بشكل منفصل وسرية تامة (!!) ـ كلاً من الرئيس الأفغانى أشرف غنى و”القادة الرئيسيين لطالبان”  وادَّعَى أنه ألغى الإجتماع فور سماعه عن نبأ الهجوم الإستشهادى على “القرية الخضراء” فى كابول .

كامب ديفد ” و” المفاوضات السرية ” ، و” القادة الرئيسيين لطالبان ” مصطلحات أحدثت صدمة كهربائية عالية ، فى الكثير من الأوساط الأفغانية وتلك المُتابِعَة لقضية أفغانستان ـ فهذه هى المرة الأولى التى يقترن فيها إسم أفغانستان مع إسم(كامب ديفد) سئ السمعة بين شعوب العالم الإسلامى ، والمرتبط بخيانة فلسطين والإرتماء فى أحضان أمريكا وإسرائيل ، فكان (أنور السادات ) هو الخائن الأول فى مسيرة كامب ديفد . وتساءل متابعون عن من يقصدهم ترامب “بقادة طالبان الرئيسيين”؟؟. فمن هؤلاء الذين حازوا رضا ذلك الرئيس المتعصب دينيا وعرقيا، ورائد العدوان والبلطجة السياسية فى العالم ؟؟ ، والذى أعلن رفع أى قيود من أمام قواته عند قتل الأفغان .

هذه هى كامب ديفد فأين هو “أنور” أفغانستان ؟؟. وهل سيفاجئ ترامب الجميع (بأنور سادات) من أفغانستان ويوقع معه معاهدة سلام (ملزمة للأفغان فقط)؟؟. ثم تأتى أمريكا بعدد لا يحصى من الدول والهيئات العالمية والإقليمية ، بداية من منظمة التعاون الإسلامى وصولا إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة . يهرولون نحو أمريكا خوفا منها وطمعا فى ما لديها . ولن يمنع ذلك أمريكا من فرض فهمها الخاص على ذلك الإتفاق ، كما فعلت بجميع إتفاقاتها مع الحلفاء والأصدقاء والأعداء على حد سواء . فلا قانون دولى أو أخلاقى أو إنسانى يمكن أن يكبح إنفلات الأمريكا وعدوانها على الجميع . وقتها لن يقف أحد مع الأفغان ، وسوف يتبخر شهود الزور على إتفاق أمريكا مع (قادة طالبان الرئيسيين) الذين لم تتكشف أسماؤهم حتى الآن . وربما يفصح ترامب عن إسم من إختاره لإكمال مسرحية ” كامب ديفيد” والقيام بدور أنور السادات . أما “أشرف غنى” رئيس أفغانستان فقد يكون مؤديا للدور الذى قام به مناحيم بيجن رئيس وزراء إسرائيل ، والذى شارك السادات فى بطولة مسرحية السلام والمصالحة بين المصرى والإسرائيلى . وهى المسرحية التى يعيش المسلمون حتى هذه اللحظة تبعاتها الثقيلة .

هل ينتظر ترامب إنتخابات الرئاسة الأفغانية هذا الشهر حتى يحدد إسم مناحيم بيجن القادم إلى كامب ديفد؟ ، كما ينتظر إنتخابات إسرائيل لتحديد إسم ملك اليهود الذى سيلعب دور البطولة فى صفقة القرن الإسرائيلية أمام خونة الإسلام فى جزيرة العرب .

وهل يشير ذلك إلى إرتباط بين صفقة القرن الإسرائيلية وبين كامب ديفد الأفغانية ، فالمسرحيات جاهزة ، والباقى هو كشف أسماء أبطالها ؟؟ .

ترامب لم يترك مجالا للشك فى أنه يريد (نتنياهو) زعيما لإسرائيل يقود إقتحامها لجزيرة العرب كهدف أول ، وأن يحكم قبضته على أفغانستان ليخضع منها إيران وآسيا الوسطى وباقى العالم كما جاءت به نبوءات سياسيين أمريكين وأوربيين ، بأنهم يريدون تحويل أفغانستان إلى إسرائيل أخرى. “تونى بلير” رئيس وزراء بريطانيا السابق تنبأ أن حلف الناتو سيحكم العالم خلال القرن الحادى والعشرين من قاعدة “شورآب” العسكرية فى هلمند .

ومؤخرا .. أنباء عن كرم سعودى بتمويل نفقات حملة إنتخابات الرئاسة فى أفغانستان والتى من المفترض أن تجرى فى هذا الشهر (سبتمبر) رغم عدم وجود دلائل على نجاحها أو ثقة فى إتمامها . ولكن أموال السعودية جاهزة دوما لخدمة إسرائيل وأمريكا فى كل مكان وزمان.

طبعا الدولارات النفطية للسعودية وقطر والإمارات جاهزة لصناعة (أنور سادات) جهادى فى أفغانستان . فهم من صنعوا (أنور سادات) مصر ، وأنفقوا عليه بشكل شخصى مئات ملايين الدولارات كرشاوى ، إشتروا بها (أهم زعيم لأهم دولة عربية) فتح أبواب الدول العربية بل والعالم الإسلامى أمام إسرائيل تفعل به ما تشاء . وحقائب أموالهم هى التى جعلت من سياف (أميراً للجهاد فى أفغانستان).

– السعودية ظهرت مؤخرا على الساحة الأفغانية ، بعد أن تركت لسنوات المجال الأفغانى لغريمتها قطر ، التى ملأت فراغ التآمر بجدارة وإحترافية أفضل من الغَشَم السعودى . حتى أصبحت الدوحة التى تجتهد لتشكيل وضع سياسى جديد فى أفغانستان يجمع بين “طالبان” وبين عملاء أمريكا . كما نجحت السعودية فى الجهاد السابق ، وعلى يد مدير مخابراتها ” تركى الفيصل” الذى شَكَّلْ حكومة المجاهدين بقيادة صبغة الله مجددى والتى كانت حكومة إئتلافية بين أحزاب بيشاور “الجهادية” ، وبقايا القيادات الشيوعية فى أفغانستان.

فهل يكرر التاريخ نفسه بصورة جديدة ، فتدخل أفغانستان فى نفق أسود صنعته لها الدوحة كما دخلت قبلا نفقا صنعته لها الرياض؟؟.

إذا كان الأمر كذلك فإن ترامب لم ينسحب من المفاوضات وإنما تريث حتى تسفر إنتخابات كابول وتل أبيب عن أسماء أبطال مسرحيتي صفقة القرن الإسرائيلية وصفقة كامب ديفد الأفغانية التى ستفتتح ـ لو تمت ـ فصلا داميا فى تاريخ المسلمين ، وتحضر لهم نفقاً أشد سوادا من نفق (كامب ديفد) المصرية الإسرائيلية .

قد نجد بعض معالم الخلاص فى بيان صادر بإسم الإمارة الإسلامية جاء ردا على الرئيس المغرور دونالد ترامب الذى قال بأنه { ألغى مفاوضات السلام مع حركة طالبان } .

 

1 ـ يقول بيان الإمارة فى فقرته الأولى :

{ كانت لدينا مفاوضات مفيدة مع فريق التفاوض الأمريكى وأكتملت الإتفاقية . كما كان فريق تفاوض أمريكا راضيا عن التقدم الحاصل حتى يوم أمس ــ أى يوم السبت السابع من سبتمبر ــ وكانت الجهتان مشغولتان إستعدادا لإعلان الإتفاقية وتوقيعها } .

واضح من تلك الفقرة أن هناك إتفاقا مكتملا ينتظرالتوقيع الوشيك ، وسوف تتبعه خطوات تاليه خطيرة ومحددة بتوايخ ثابته كما سيظهر من الفقرة التالية عن التفاوض الأفغانى/ الأفغانى فى 23 سبتمبر(!!) . وسوف نناقش ذلك فى موضعه.

– يقول خليل زاد فى حواره مع قناة طلوع : { تم إطلاع المسئولين الحكوميين الأفغان على الإتفاق ، ولم يتم تسليمهم متن الإتفاق } .

وقال أيضا : { لقد وصلنا إلى إتفاق مع طالبان وننتظر موافقة ترامب عليه } .

.. { لم يتضح من سيوقع الإتفاق مع طالبان من طرف الولايات المتحدة } .

..{ هناك إمكانية ضعيفة لقيام ترامب بتغيير الإتفاق } .

وخلاصة ما جاء حول هذه النقطة فى بيان الإمارة وحوار خليل زاد هو :

1 ـ هناك إتفاق مكتمل بين الجانبين المتفاوضين ، ينتظر التوقيع النهائى .

2 ـ حكومة كابول ليس لديها نص الإتفاق ، ولديها إحاطه شفوية فقط .

3 ــ أمريكا هى التى ستُقِر ذلك الإتفاق .

مع العلم فإن “خليل زاد” تكلم كثيرا عن رفض بلاده لنظام الإمارة الإسلامية أوعودة الإمارة إلى أفغانستان ، ولكن بلاده تعترف بطالبان.

فهل يعنى ذلك أنه يريد من طالبان أن تتخلى عن الإمارة الإسلامية ؟؟ . وفى أى مرحلة يريد أن يتم ذلك؟؟ ومَنْ سيقود حركة طالبان إذا ما أصبح يربطها إتفاق سلام مع الولايات المتحدة ، بتوقيع من مكتب الدوحة وليس الإمارة ؟؟. ومن هى الجهة التى ستختار القيادة الجديدة لطالبان ؟؟. ومن هو “تركى الفيصل” الجديد الذى يمكنه أن يجرى عملية جراحية سياسية معقدة كهذه ؟؟. وكم ستكلف طبقا للأسعار الجديدة وحالة التضخم وتدنى سعر الدولار؟؟ وقد كان سعر حكومة مجددى ــ مثلا ـ هو 150 مليون دولار أتعابا لسياف الذى رتب العملية ميدانيا .

ولماذا لا تُنشر تفاصيل الإتفاق علنا قبل التوقيع عليه ؟؟. فتأثير الإتفاق يشمل شعبا بكامله ، بل الشعوب الإسلامية كلها. حتى يبدى قادة المجاهدين الميدانيين رأيهم فى الإتفاق قبل التوقيع عليه لضمان تأييدهم له .

 

2 ـ الفقرة الثانية فى بيان الإمارة :

وجاء فيها: { كما قررنا تاريخ 23 سبتمبر من العام الجارى ، اليوم الأول لجلسة المفاوضات بين الأفغان بعد توقيع وإعلان الإتفاقية مع الأمريكيين .

… وقد دعمت دول المنطقة والعالم والمنظمات الدولية هذا المشروع أيضا } .

وفى التعليق نقول :

الإمارة قد إعتبرت منذ البداية أن حكومة كابول هى جزء من الإحتلال الأجنبى . وأصرت على أن يكون أى تفاوض منحصر بالطرف الأصلى المسئول عن إشعال تلك الحرب وإستمرارها ، أى الولايات المتحدة .

وإعتبرت الإمارة أن رحيل قوات الإحتلال بكاملها من كل أفغانستان هو الخطوة الأولى لإقرار (السلام ) فى أفغانستان . وأن التفاوض مع نظام كابول هو شأن داخلى لا شأن للمحتلين به .

ولكن البيان تحدث عن مفاوضات بين الأفغان فى الثالث والعشرين من سبتمبر ، بينما الإحتلال مازال جاثما فوق أرض أفغانستان ولم يرحل .  فأمر الإنسحاب مازال معلقا . والإحتلال قائم طالما هناك جندى أجنبى واحد على أرض أفغانستان، ولا قيمة لأى إتفاق يتم التوقيع عليه مع أمريكا مالم يؤكده على الفور إنسحاب فعلى وكامل لقوات المعتدين .

والكلام فى مفاوضات الدوحة هو عن رحيل جزئى للقوات الأمريكية، مترافق مع تأكيدات تصدر من واشنطن بأن قواتها ستظل فى أفغانستان ولن ترحل عنها بشكل كامل .

– حسب الكلام الأمريكى المضلل فإنهم سوف يسحبون خمسة آلاف جندى من 15 قاعدة عسكرية فى مدة 135 يوما . ويقول الأمريكيون أن لهم  18000 جندى فى أفغانستان ــ غير قوات الحلفاء والمستأجَرين). ومع ذلك لا ذكر لأى برنامج إنسحاب لباقى القوات ، ونرى إنتقالا متسرعاً بلا مبرر صوب الحديث عن مفاوضات بين الأفغان ، فى ظل دعم دولى ، فأين كان ذلك الدعم خلال السنوات الثمانية عشر الماضية؟.

وهل أيَّد أحد من تلك الجهات جهاد شعب أفغانستان ضد الإحتلال الأمريكى المدعوم بقوات من حوالى خمسين دولة؟؟. وهل يصلح أن يكون دعم تلك الجهات مصدرا لأى شرعية تتعلق بأفغانستان؟؟ .

–  إن توقيع إتفاقية مع الأمريكيين لا يعنى أن تلك الإتفاقية سوف تنفذ ـ ومعروف هو موقف أمريكا من جميع إتفاقات الدولية بلا إستثناء ـ فهى لا تلتزم بأى إتفاق ، بينما تُلزِم الآخرين بما ترغب فى إلزامهم به ، حتى لو كان خارج الإتفاق المشترك أو القانون الدولى .

إتمام إنسحاب قوات الإحتلال إنسحابا كاملا ، يجب أن يسبق الحديث عن أى موضوع آخر ، مثل الحوار الأفغانى الداخلى . لأن ذلك يعنى التنازل عمليا عن شرط إنسحاب قوات الإحتلال وفتح الباب أمام مفاوضات لا نهاية لها مع المحتل الأمريكى (لإقناعة بالإنسحاب الكامل) فى مقابل المزيد من التنازلات نقدمها إليه ، بما يجعل التبعية له مؤكدة وإنسحابه الكامل مستحيلا ـ كما هو الحال فى العراق ـ

فمن الضرورى عدم تجزئة مفاوضات الجلاء ، فجميع القوات المعتدية يجب أن يشملها إتفاق واحد وجدول إنسحاب واحد . فتعدد الإتفاقات هو تحايل لإستمرار الإحتلال والدخول فى مفاوضات لا نهاية لها ، تستقر خلالها أوضاع جديدة ويترسخ الإحتلال فى صورة جديدة . وأى بحث لموضوع أفغانى داخلى والبلد واقع تحت الإحتلال معناه قبول الوصاية السياسية للمحتلين على الوضع القادم فى أفغانستان . كما أن الإتفاق مع الأمريكيين حول مسائل مستقبلية هو وقوع فى شبكة الوصاية الأمريكية ، وإشرافها على سياسة أفغانستان فى المستقبل ، أى خضوع إختيارى لإحتلال سياسى وإقتصادى بدون قتال أو جيوش .

–  يقول خليل زاد: (سنخرج من 15 قاعدة عسكرية فى غضون 135 يوما) ــ وهذا يدخلنا فى لعبة خداع الأرقام التى يبرع فيها الأمريكيون ــ

فكم سوف يستغرق الإنسحاب الكلى، هذا إن كان هناك إنسحاب كلي ؟؟ .

حيث قال خليل زاد فى تصريحه { أنه لم يُحَدَّد موعد لخروج كافة القوات من أفغانستان } .

إذاً عن أى إتفاق يتحدثون؟؟ ، وعلى أى إتفاق سوف يوقعون ، طالما هناك إحتلال مستمر لأجل غير محدد؟؟ . فلماذا الغموض وتلك الهرولة بينما مجاهدونا هم الأقوى فى كابول نفسها ؟؟ . فليس فى صفوفنا من هو خائف من الإنتصار. ولا من هو متعجل لأداء فريضة الحج إلى كامب ديفد أو حتى يرغب فى سماع ذلك الإسم النكد ؟؟. وليس أفغانيا ولا مسلما من يتوق إلى جائزة نوبل للسلام ، فى مقابل الإستسلام .

ومع كل ذلك أبقى خليل زاد الباب مفتوحاً أمام ترامب كى يعبث فى بنود إتفاق يخلو من أى إتفاق حول النقطة الرئيسية للتفاوض وهى جلاء قوات الإحتلال . فقال خليل زاد ( إن هناك أمكانية ضعيفة لقيام ترامب بتغيير الإتفاق ). بما يعنى أن يد ترامب طليقة فى تغيير ما يشاء من بنود الإتفاق .

– وليس معلوما حتى الآن، من سيوقع ذلك الإتفاق فى الجانب الأمريكى . ومن فى الإمارة سيوقع على إتفاق تم إعداده فى أجواء الدوحة التى تفتقد تماما إلى الشفافية والمصداقية ؟؟.

فأمريكا لن توقع إتفاقا مع الإمارة الإسلامية التى لا تعترف بها ولا تريد عودتها إلى حكم أفغانستان . معنى ذلك أن التوقيع سيكون مع مكتب الدوحة بصفته ممثلا لحركة طالبان وليس ممثلا للإمارة الإسلامية . وذلك إن حدث سيجعل منه عمليا مكتبا قياديا لحركة طالبان ، ورئاسة المكتب قيادة لحركة طالبان . ومن تضعه الدوحة رئيسا للمكتب (كما وضعت السعودية سابقا سياف أميرا للجهاد ) سيكون واقعيا رئيسا لحركة طالبان وستفرضه أمريكا على المجتمع الدولى والمنظمات الدولية والإسلامية ، ومن السهولة أن تدخله ضمن حكومة جديدة فى كابل { حكومة برأسين أو حتى ثلاثة رؤوس حسب تعبير المجاهدين ، أى نظام حكم ممزق ومتعدد القيادات كما هو الحال الآن فى كابل } حكومة تحظى بإعتراف دولى كما حدث مع كرزاى فى بداية تسلمه لحكم أفغانستان فى مؤتمر بون بألمانيا ، الذى تبعته سلسلة من مؤتمرات “المانحين” الذين إبتزت منهم أمريكا المليارات لدعم حكومتها العميلة فى كابل . وكانت فى الواقع تجمع من “المانحين” تكلفة حملتها العسكرية على أفغانستان .

 

إنتصار بالجهاد .. وهزيمة بالسياسة :

فالإنتصار الباهر فى ساحة المعركة قد يتحول إلى هزيمة ماحقة على طاولة التفاوض كما حدث للمجاهدين فى أعقاب إنتصارهم على السوفييت . وتلك مخاوف موجودة منذ أن ظهرت فكرة التفاوض مع الأمريكيين فى غير موعدها ، وأقيم مكتب سياسى فى غير مكانه الصحيح ، ليؤدى دوراً غير الذى كان يفترض به أن يؤديه. وإذا لم تؤخذ الأمور بالدقة والعناية اللازمة ، فقد ينتهى المطاف ليصبح ذلك المكتب مدخلا خلفياً لبقاء الإحتلال الأمريكى وبديل عن الإمارة الإسلامية نفسها ، وموطنا لظهور مجددى آخر على رأس حكومة من تأليف خليجى، يوفر الأمريكيين لها تأييدا دوليا شاملا .

– إن قام مكتب الدوحة بالتوقيع على الإتفاق ــ وليس مجلس شورى الإمارة أو أمير المؤمنين ــ فيعنى ذلك عمليا إستبعاد الإمارة عن مسرح أفغانستان ، وفصل الإمارة عن مكتب قطر وعن حركة طالبان . وهكذا تتحق واحدة من أكبر الأهداف الأمريكية ، وتنجح فى أحد خدعها التفاوضية الكبرى .

أما من يرفض ذلك التخطيط الأمريكى الذى سوف تعترف به معظم دول العالم والمنظمات الدولية ومنظمة التعاون الإسلامى ، فسوف يواجه عزلة شاملة وربما قوات إسلامية ودولية لكسر شوكته واستخدام القوة (لإقرار السلام ، ووقف العنف !!). يرافق ذلك برنامج لإعادة الإعمار بهدف إجتذاب الشعب بعيدا عن طالبان والجهاد . وبعد إخماد جذوة طالبان سيتوقف الإعمار ويعود كل شئ إلى أسوأ ما كان عليه . وميادين الفساد الحكومى سوف تشهد وجوها جديدة كانت محسوبة على الجهاد ، كما شهدت بعد رحيل السوفييت وجوها كئيبة مغبرة من قادة “الأحزاب الأصولية” ، الذين تحولوا إلى أعوان للإحتلال وأعمدة للفساد والفوضى .

 

3 ـ الفقرة الثالثة من بيان الإمارة :

– يقول البيان :

( قدم لنا خليل زاد دعوة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ترامب لزيارته فى أواخر شهر أغسطس فى العام الجارى . نحن أجلنا السفر إلى حين توقيع الإتفاقية فى الدوحة ) .

{ رغم أخبار تفيد بأن الإمارة الإسلامية رفضت فكرة ذهاب وفد إلى أمريكا من أساسها } .

وكأنه من حيث المبدأ من المقبول أن يذهب ” قادة رئيسيون من طالبان” لزياة ترامب!! .  فى حين أن وقف إطلاق النار غير متفق عليه (حسب خليل زاد) والإنسحاب الكامل نفسه غير محسوم وتحول إلى قضية مائعة ، كمقدمه لتناسيه تماما والإنشغال بخطوات تالية ، منها التفاوض مع النظام العميل تحت مسمى الحوار الأفغانى . فتتحول القضية من جهاد فى سبيل الله إلى (حوار وطنى) للمصالحة و”إحلال السلام” و”نبذ العنف” تحت إشراف الولايات المتحدة ورئيسها ترامب المحب للسلام ، الذى يتحدث عن جدارته الشخصية بالحصول على جائزة نوبل للسلام ، وقد تكون المصالحة الأفغانية مضافاً إليها صفقة القرن اليهودية مدخلان لتحقيق أمنيته (حتى لا ينفرد عدوه أوباما ، الرئيس الأمريكى السابق، بذلك الشرف الذى حصل عليه مقدما فى مقابل جنايات سوف يفعلها بالمسلمين خلال حكمه الذى لم يكد يبدأ ).

وكأن ترامب لم يعط القدس هدية وعاصمة أبدية لإسرائيل ، ولم يحذف شعب فلسطين من لائحة شعوب العالم ،  ولم يمنح إسرائيل هضبة الجولان السورية ، ولا يساندها فى تهويد الخليل وجميع أراضى فلسطين ، ولم يفتح لها طريقا بطول جزيرة العرب وعرض كل بلاد العرب ، ولم يحارب اليهود إلى جانبه فى بلاد المسلمين من أفغانستان إلى اليمن مرورا بسوريا والعراق وليبيا .

(الزيارة) المذكورة إلى ترامب ، تفتح ملفاً مستقبلياً من العلاقات مع الولايات المتحدة . والتى تنبأ “خليل زاد” ولم يستبعد أن حركة طالبان (وليس الإمارة الإسلامية التى لا يعترف بها ولا يطيق ذكر إسمها ) سوف تصبح صديقا للولايات المتحدة . ويقصد حركة طالبان التى يتمناها منفصلة عن الإمارة الإسلامية وتخضع لقيادة تختارها وتثق بها الولايات المتحدة ومشيخات النفط .

– ثم يكيل خليل زاد المديح بدون مناسبة لحركة طالبان ، فيقول أنه (إكتشف بعد تسعة أشهر من المفاوضات أن طالبان ليسوا تحت إمرة دولة أجنبية وأنهم ـ إلى حد كبير محبون لبلادهم) . لم يكن طالبان فى حاجة إلى تلك الشهادة التى لم تكتشف جديدا ـ غير أنها نوع من المداهنة والتزلف إلى طالبان لسحبهم لاحقا بعيدا عن الإمارة الإسلامية كى تظلهم قيادة مصنوعة بأموال النفط ، قيادة جديدة يسعدها زيارة ــ عدو الإسلام والمسلمين ــ ترامب فى وكر كامب ديفد . ولا يفصلها عن الإنخراط فى نظام كابل سوى إزاحة الإمارة عن الطريق ، فتصبح طريقهم مفتوحة ليس فقط إلى  كامب ديفد بل إلى إسرائيل نفسها .

ولكن ترامب الفظ الغليظ بدأ فى إبتزاز طالبان حتى قبل توقيع الإتفاق ، فأعلن (وقف مفاوضات السلام !!). بالتأكيد هو يطالب بالمزيد . وليس أقل من وقف إطلاق نار دائم غير مشروط بغير وقف العنف وإحلال السلام (أى بقاء الإحتلال إلى الأبد). ويأخذ على طالبان قتلهم 12 شخصا “بريئا” ــ مع أن القتلى ضباط إحتلال وليسوا تلاميذ فى حضانة أطفال ــ ومن بينهم (جندى أمريكى عظيم)ــ عظيم فى أى شئ ؟؟ــ

إنه يستدرج طالبان إلى منطقة التفاوض “من أجل السلام” ، الذى أولى خطواته وقف إطلاق النار، وثانيها تفاوض أفغانى داخلى لرسم طريق المستقبل والعلاقات مع أمريكا و(شكل التواجد العسكرى الأمريكى ) وليس التخلص منه. فيتم وقف الجهاد ، وتخطيه برشاقة ، بتغيير عدد محدود جدا من المصطلحات ، مثل : الجهاد ـ والنظام الإسلامى ـ وتحكيم الشريعة .

كل ذلك فى مقابل مكتب مكيف فى الدوحة إلى جوار أكبر قاعدة عسكرية أمريكية فى الشرق الأوسط . لقد أعطت قطر للأفغان مكتبا للتفاوض فى الدوحة .. وتسعى إلى سلبهم وطنهم أفغانستان . فياله من إنتصار سياسى للمتفاوضين !!! .

 

من المناسب سماع مقترحات ، ربما تناسب الموقف الحالى .. مثل :

1 ــ إغلاق مكتب قطر فورا .. فمازال فى الدوحة سراديب عميقة من التآمر المتصل . و 80% من مساحة أفغانستان التى تسيطر عليها الإمارة الإسلامية فيها متسع لعمل مكتب سياسى ، إلا إذا كان الهدف هو البحث عن حل ، لا هو أفغانى ولا هو إسلامى ، كالذى نراه الآن من (إتفاقات مكتملة وجاهزة للتوقيع) بدون أن يدرى أحد عن محتواها الحقيقى شئ . وتؤدى إلى إستبعاد الإمارة الإسلامية من التواجد فى أفغانستان ، واستنساخ أشباح حديثة لحكومة مجددى ونهج أنورالسادات ، وإستكمال المؤامرة الأمريكية الخليجية على أفغانستان .

2 ــ إستدعاء جميع أعضاء المكتب إلى أفغانستان كمجاهدين عاديين . وحبذا لو تفاوضت الإمارة مع حكومة قطر من أجل إطلاق سراح معتقليها الذين تم الإفراج عنهم من جوانتانامو كى يعتقلوا فى الدوحة داخل معتقل المكتب السياسى . ومن هناك إنضموا إلى عملية التفاوض . فكيف يتفاوض أسير مع سجانيه من أجل حرية وطنه المحتل؟؟ . ونتمنى لو أتيح للإمارة إدخال ملا برادر إلى أفغانستان ، حيث بيئته الطبيعية لممارسة البطولة ، والتفاوض الصحيح مع الأمريكيين، فى ميدان الحرب باللغة التى يفهمونها.

3 ــ تعليق أى مفاوضات مع أمريكا وعملائها المحليين . والإصرار على إنسحاب كامل غير مشروط لجميع القوات الأجنبية من أفغانستان ، وبدون تفاوض أو إتفاق مسبق . ورفض أى حديث مع المحتلين حول أى وضع داخلى فى أفغانستان بعد التحرير.

4 ــ نشر الإتفاق الذى كان على وشك التوقيع بين أمريكا ومكتب قطر ، للتأكد من تماثل نسخة الإتفاق الذى كان من المزمع التوقيع عليه مع الأمريكيين ، مع النسخة التى بحوزة الإمارة وتتكلم بمقتضاها. فربما كان هناك (أخطاء فى الترجمة) يخشى أن تؤدى إلى تبعات سياسية وقانونية .

ــ إن إستعجال العدو لعقد إتفاق ، والركض وراء السلام جاء فقط عندما تحققت هزيمة الجيش الأمريكى وهروب معظم قواته من أفغانستان . فتعداده هناك الآن قد لا يتعدى ألف أو ألفَي جندى. والتفاوض يدور حول سراب ، فليس هناك جيش أمريكى بالشكل المتخيل . فالمعركة على الأرض الأفغانية تديرها المخابرات الأمريكية ويقوم بها الجيش المحلى وقوات المرتزقة الذين تمولهم أبو ظبى ، التى مع باقى مشيخات النفط تتوسط وتضغط وتتآمر لأجل (سلام) هو إستسلام كامل لأمريكا ، وفتح الأبواب لليهود حتى يستولوا على أفغانستان ، لتصبح أفغانستان إمارة خليجية وليست إمارة إسلامية .

وأكبر أهداف التفاوض هو دق إسفين التفرقة بين الإمارة الإسلامية وبين قوتها الضاربة ــ حركة طالبان ــ حتى تنتهى الإمارة سياسيا وتقع طالبان فى مصيدة قيادة منتقاة ، يختارها خليل زاد وعصابته.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

مكاسب الجهاد .. وهزائم التفاوض : ضباب مفاوضات الدوحة يخفى تراجع قضية الإنسحاب

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 12

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 162 ) | ذوالحجة 1440 هـ / أغسطس 2019 م .                 

26/08/2019

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(12)

أسرار الحملة الكبرى على خوست وقاعدة جاور عام 1985
” من التقرير المكتوب وقتها لجريدة الاتحاد الإماراتية”.

 

– وزيرالداخلية الأفغاني يتحدى رئيس الأركان:  

(أتنازل لك عن زوجتي إن استطعت احتلال جاور).

ــ رئيس الأركان يتولى قيادة عملية الاستيلاء على جاور ويطلب من وزير الداخلية الاستيلاء على مناطق ( زدران) .

ــ  فقد الجنرال السيطرة على قواته وانتابه هياج عصبي حاد. ــ خلال الاجتماع الجنائزي في خوست طهر حقاني مناطق (ليجاة) و( باري) وأعاد الموقف إلى ما كان عليه قبل الهجوم.  

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

حقاني يفقد أركان حربه :

حققت دبابة حقاني المفاجأة للمرة الثانية باستخدام الطرق الجبلية التي شقها المجاهدون. المرة الأولى حققت مفاجأة هجومية والمرة الثانية مفاجأة دفاعية وفي الحالتين كسب المجاهدون الجولة. وإن كانت القوات الحكومية استطاعت بعد ذلك إعادة احتلال جبال  ليجاه  والتقدم إلى نفس المسافة السابقة عن قاعدة  جاور،  وهي خمسة كيلومترات، وذلك نتيجة لاستشهاد القائد مولوى فتح الله حقاني  في ليجاه أيضاً، فتكرر ما حدث عند استشهاد  مولوى  أحمد جول. وكان فقدان القائدين أشد خسارة تكبدها المجاهدون في باكتيا منذ بداية الجهاد في الولاية في صيف عام 1978.

وفي معركة واحدة خسر جلال الدين حقاني اثنين من كبار أركان حربه. ولم تتزحزح القوات الحكومية عن مواقعها حتى وقعت مجزرة  الجنرالات  التي فقد فيها الجيش الأفغاني مجموعة من أفضل جنرالاته . بعدها اقتلع حقاني القوات الحكومية بواسطة هجوم مضاد كاسح ردهم إلى خوست.

 

الوزير يراهن على زوجته :

(حذفت صحيفة الاتحاد ما يتعلق بالرهان رغم دلالته على الحالة الأخلاقية والنفسية السائدة فى الجيش الأفغانى الأحمر) .

قررت حكومة كابول تعيين (شاه نواز تاناى) رئيس الأركان قائداً عاماً للعمليات في باكتيا وأعطته صلاحيات تامة ودعم غير محدود.

وظل شاه نواز ينتقل بشكل يومي تقريباً بين خوست وكابول بواسطة هيلوكبتر عسكرية. وفي كل زيارة كان يحصل على مزيد من القوات والأسلحة. وفي اجتماع استثنائي شمل قادة القوات المسلحة والوزراء تقرر إرسال جسر جوي من كابول إلى خوست بمقدار حمولة أربعمائة وخمسون طائرة، ذخائر ومهمات وجنود. ومعلوم أن خوست محاصرة منذ عدة سنوات وتحصل على إمداداتها عن طريق الجو. باستثناء مرات قليلة استطاعت القوات الحكومية التحرك من (جرديز) شرقاً على طريق (جاجي) ثم الانحراف جنوباً نحو خوست.

وهذا ما فعلته القوات الحكومية هذه المرة أيضاً بعد أن أصبح هذا المحور هو (البطن الرخو) لهذه المنطقة الصلبة. وذلك لأسباب نشرحها فيما بعد (أسباب تتعلق بفساد أحزاب بيشاور).

في اجتماع قيادي في كابول برئاسة شاة نواز رئيس الأركان و(جولاب زاي) وزير الداخلية وهو من قبائل زدران التي ينتمي إليها جلال الدين حقاني.

(وأسلم وطنجار) وهو بطل الانقلاب الشيوعي في أفغانستان وهو من منطقة (زورمات) في باكتيا ، (وسليمان لايق) وزير شئون القبائل وهو من باكتيا.

وحضر هذا الاجتماع  عدد من المستشارين السوفييت. تعرض رئيس الأركان (شاه نواز) لانتقادات حاده من زملائه في تلك اللجنة وركز الأعضاء هجومهم على ضخامة القوات المحتشدة في باكتيا وكميات الأسلحة التي لم تحشد لأي معركة من قبل. وكان جميع أفراد الجانب الأفغاني ينتمون إلى ولاية باكتيا. وسألوا رئيس الأركان عن سبب تأخره في شن الهجوم حتى ذلك الوقت رغم القوة الهائلة  التي حشدها. فرد عليهم (شاه نواز) بهجوم معاكس من جانبه وطالبهم أن يحضروا هم أيضا إلى خوست ويتولى كل منهم مسئولية جانب من العمليات وقال (شاه نواز) إنه سيتولى شخصيا جانب الهجوم على قاعدة (جاور) الحصينة والاستيلاء عليها وطلب من وزير الداخلية “جولاب زاى” أن يقود قوة للاستيلاء على منطقة (زدران) التي أقام فيها جلال الدين حقاني عدة  قواعد جبلية. ولما كانت مهمة الاستيلاء على جبال منطقته (زدران) من المهمات العسيرة  فقبائل(زدران) أشد قبائل باكتيا مراسا وخبرة في القتال، ومناطقها الجبلية شديدة الوعورة.

شعر (جولاب زاى) بالتحدي … فواجه رئيس الأركان  قائلا:  أراهنك على زوجتي فهي هدية لك إن استطعت الاستيلاء على مركز (جاور). وإن لم تستطع دخول (جاور) فاعطني زوجتك هدية لي، وسوف أستولى أنا على جبال (زدران) وأدمر قواعد جلال الدين هناك. وتكهرب جو اللقاء واضطر السوفييت إلى التدخل وحسم الموقف.

وقرروا أن يتولى)شاه نواز) قيادة العمليات ويرأس مجلس عسكري من عدة جنرالات أفغان. على أن يرافقهم عدة جنرالات سوفييت (كمستشارين) !! . أما الوزراء(سليمان لايق) و(جولاب زاي) و(أسلم وطن جار) فسوف يتناوبون علي زيارة خوست من وقت إلى آخر لمساعدة (شاه نواز) والارتباط من جانبه مع كابول. وبدأ تنفيذ القرار السوفيتي على الفور.

 

تأمين مطار خوست :

نجح (شاه نواز) في تطهير المناطق المحيطة بمطار مدينة خوست الذي وضعه رجال جلال الدين وباقي الجماعات المتعاونة معه في التنظيمات الأخرى تحت رحمة هجماتهم بمختلف أنواع الأسلحة.

ثم تقدمت القوات لتوسع الطوق الدفاعي حول المطار حتى أصبح في غير مقدور أسلحة المجاهدين الوصول إلى مدرج المطار وتهديد الحركة عليه. كذلك حطموا أكثر مراكز المجاهدين في تلك المنطقة إن لم يكن جميعها. وكان الهجوم الحكومي من الكثافة والتركيز بحيث انكمشت فعاليات المجاهدين حتى باتت غير محسوسة. وانسابت موجات بشرية من قوات المشاة تطهر المواقع الجبلية تحت حماية عشرات من طائرات الهيلوكبتر والطائرات القاذفة والمقاتلة. بالإضافة إلى قوة نيران أرضية تنطلق من نفس مدينة خوست، شهد جميع المجاهدين أنهم لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل من حيث الغزارة ودقة التوجيه. وكانت هذه النيران تُدارمن قبل ضباط سوفييت. ثم هدأت المعارك قليلاً.

 

هجوم مباغت:

وبواسطة هجوم كاسح باغت شاه نواز قوات المجاهدين في الرابع من أيام عيد الأضحى حيث لم يتوقع أحد من المجاهدين أن تهاجم قوات الحكومة في ذلك الوقت. لأن تلك القوات تهاجم عادة في أيام الأعياد لعلمها أن أكثر المجاهدين يفضلون قضاء الأعياد في عائلاتهم في معسكرات المهاجرين في باكستان.وفي هذا العام لم يغادر المجاهدون مواقعهم طيلة أيام العيد الثلاثة خوفاً من هجوم الجيش على مواقعهم وفي نهاية اليوم الثالث بدأ كثير منهم في مغادرة مواقعهم لزيارة عائلاتهم في المعسكرات. ولكن في ظهر اليوم الرابع  ضرب (شاه نواز) ضربته واقتلع المجاهدين من(ليجاة) وتقدمت قواته عبر الجبال حتى أصبحت على بعد خمسة كيلومترات فقط من (جاور). وتقدمت الآليات عبر منطقة (باري) في محاولة لاستخدام الطرق التي صنعها المجاهدون ومباغتة (جاور) من جانبها (الشرقي). وبعد أن قطعت الآليات عدة كيلومترات على هذا الطريق قامت مجموعة القائد (منان) وهو قائد يعمل مع حقاني ويقود رجاله من البدو الذين يعيشون في تلك المناطق. قام (منان) بضرب هذه القوة وتدميرها وفرالجنود تاركين الآليات خلفهم واستطاع رجال منان قيادة مدرعة واحدة وثلاث شاحنات وأحرقوا باقي الآليات حتى لا يعود الجيش ويستولي عليها من جديد.

وانتشرت عدة مجموعات في كمائن قوية على طول هذا الطريق فتخلى (شاه نواز) مؤقتاً عن فكرة إستخدامه. وركز مجهوده في التقدم عبر الجبال إلى (جاور) من جهة الشمال. تمكن (أحمد جول) من رد القوة الحكومية إلى الخلف وأعاد إحتلال (ليجاة) ثم استشهد يوم الجمعة (10/9/85). وكان فتح الله حقاني قد عاد من أداء فريضة الحج وكان قد فقد الإبصار في إحدى عينيه أثناء عمله في تمديد بعض الطرق الجبلية بواسطة المتفجرات وذلك قبل المعركة بشهرين تقريباً.

وتمكن فتح الله باستخدام إحدى الدبابات أن يحطم القوة فوق جبال (ليجاه) وأعاد احتلال المنطقة مرة أخرى. ثم استشهد بواسطة قذيفة مدفع ميدان في يوم الجمعة (17/9/85). أي بعد أسبوع واحد من استشهاد (أحمد جول). وعلمت الحكومة بالخبر فأمرت بالهجوم مرة أخرى فتمكنت القوات الحكومية من العودة إلى ليجاة والاقتراب من (جاور)على نفس البعد السابق وأصبح الموقف في غاية الخطورة بالنسبة للمجاهدين.عاد جلال الدين حقاني من الحج بعد أن استشهد أركان حربه الأساسيين(أحمد جول) و (فتح الله) وكان جلال الدين قد قرر السفر فجأة لأداء الحج كمحاولة لطلب العون المادي من المسلمين في ذلك الموسم فقد اقتربت ديونه من رقم السبعة ملايين روبية باكستانية، وهي الحد الأقصى من التسهيلات التي يمكن أن يحصل عليها من تجار المنطقة الحدودية في شراءالطعام والوقود والذخائر. وبدأت تتوقف التسهيلات والقروض في أحرج أوقات المعركة.على أي حال عاد جلال الدين من موسم الحج بدون أن تنجح مهمته ووجد بدلاً من ذلك رفيقي جهاده وأركان حربه قد استشهدا وكانت تلك أقسى ضربة تلقاها منذ بداية الجهاد . كما وجد “شاه نواز” قد أطل برأسه على”جاور”وأصبح على مرمى حجر منها .

 

إيجابيات المعركة :

تحولت (جاور) إلى رمز للمقاومة الأفغانية. حشد حقاني قواته للدفاع عن جاور بعد أن عززها بتلك القوات التي انسحبت من ليجاة. وتدفق آلاف من معسکرات المهاجرين يحملون السلاح ويكونون فصائل تضع نفسها تحت إمرة جلال الدين.وإمتلأت الجبال والشعاب بمئات الكمائن وضرب حول (جاور) نطاق كثيف من الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات. وجاء إلى جاور (حكمتيار) وبالتعاون مع جلال الدين أنشأ قوة للدفاع عن ميمنة (جاور) وزودها بعدد كبير من الأسلحة الثقيلة، وكانت تلك بادرة لم تحدث منذ بداية الجهاد.

وإلى جاور وصل (مولوي يونس خالص) رئيس حزب إسلامي، وسلم جلال الدين كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة. كما أرسل سياف رئيس حزب (الاتحاد الاسلامي لتحرير أفغانستان) معونات مالية وأسلحة إلى حقاني للدفاع عن (جاور) وكانت تظاهرة تضامن حقيقية لم يشهد مثلها الجهاد الأفغاني من قبل. (علمنا فيما بعد دور المخابرات الباكستانية في إجبار وتهديد زعماء الأحزاب للتعاون في معركة خوست خشية أن يتمكن السوفييت من إغلاق منافذها الحدودية).

 

لحوم الأضاحي .. تصل الجبهة :

كان موقف المهاجرين في تلك المعركة ظاهرة لم تحدث قبلاً.. فقد انتفض المئات من حالة السلبية في المعسكرات وتحولوا إلى مقاتلين يتقدون حماساً. حتى زادهم القليل من الطعام حولوه إلى الجبهة واستأجروا سيارات على نفقتهم تحمل الخبز ولحوم الأضاحي التي تبرع بها حجاج بيت الله إلى المهاجرين. حولوها إلى الجبهات ولم يطعموها أبناءهم الذين نسوا اسم اللحم وليس طعمه فقط. وقد اضطر القادة إلى رجاء المهاجرين بأن يوقفوا إرسال الطعام لأن الكميات التي تصل أكبر بكثير من احتياجات المجاهدين ومن القدرة على النقل إلى  مراكز القتال فكان أكثر الأطعمة يتلف.

كما طلب قادة المواقع من كثير من المجاهدين العودة إلى أماكن قريبة من الحدود لحين الاحتياج إليهم .لأن كثافة المقاتلين أصبحت أكثر من المطلوب وقد يؤدي ذلك إلى ارتباك في الحركة وازدياد نسبة الإصابة من جراء الطيران الذي لا يكاد يهدأ طول اليوم ، والمدفعية السوفييتية التي تعمل على مدار اليوم بأكمله. وعلى وجه العموم كانت الإيجابيات التي أفرزتها المعركة أبعد أثراً من تلك السلبيات التي انكشفت. وكان يمكن تطويرها لكي تصبح مرتكزاً جديداً لإصلاح مسيرة الجهاد في أفغانستان.

 

كذبة تحولت إلى كارثة :

نعود إلى (شاه نواز) الذي وجد نفسه للمرة الثالثة في أقل من عشرة أيام يقترب من هدفه المنشود وتصبح (جاور) على بعد خمسة كيلومترات فقط. وفقد المجاهدون في أسبوع واحد إثنين من أفضل قادتهم الذين طالما تمنت كابول منذ سنوات أن تتخلص منهم بشتى السبل ولكن بلا جدوى. وها هو (شاه نواز) يتخلص من الرجلين في أسبوع واحد. وتصبح (جاور) على قاب قوسين أو أدنى. ما أن سمع (شاه نواز) باستشهاد فتح الله حقاني بعد أن استشهد (أحمد جول)، وعلم أن قواته تقدمت إلى هذا المدى، حتى أرسل برقية عاجلة إلى كابول يعلن سقوط قاعدة (جاور) وذهب إلى إذاعة خوست ليزف الخبر بنفسه ويعلن انتصاره على الملأ.

استلمت كابول إشارة (شاه نواز) واستمع سكان العاصمة إلى صوته يدوي من راديو خوست يعلن سقوط (جاور). كان ذلك في السابع عشر من سبتمبر  (1985). وطار على الفور فريق عسكري من المكلفين بقيادة عمليات خوست تحت إشراف (شاه نواز).

تكون الوفد من الجنرال (غلام رسول) والجنرال (حميد الله) وأحد كبار المستشارين السوفييت المسئولين عن العملية. استقل الوفد طائرة هيلوكبتر مقاتلة وتوجه إلى (جاور) على الفور.

طارت الهيلوكبتر فوق (ليجاة) وشاهدت الاستحكامات الحكومية والجنود بثيابهم العسكرية يملأون قمم الجبال، وواصلت الهيلوكبتر تقدمها نحو (جاور) وهي تتوقع أن تشاهد نفس المنظر ولكنها فوجئت بالسماء وقد تحولت إلى جحيم ومئات من طلقات الرشاشات الثقيلة تصطدم بجسم الطائرة، وأدرك ركاب الطائرة على الفور أن جاور لم تسقط واستدارت الطائرة نحو خوست في محاولة للفرار.. ولكنها انفجرت في الجو وتساقط حطامها.. ليجد المجاهدون في الحطام جثث الركاب.. وتعرفوا من بينها على جثتي الجنرالين الأفغانيين والمستشار الروسي.

وكان يعتقد في بادئ الأمر أن (شاه نواز) كان بداخل الطائرة. ولكن صوته جاء لينبعث مرة أخرى من إذاعة خوست ليعلن مصرع الجنرالين ويعلن أيضاً أن (جاور) لم تسقط بعد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

الطائرات تلقي منشورات إسلامية :

لم يفلح رئيس الأركان في دفع جنوده لإقتحام الكيلومترات القليلة الباقية للوصول إلى قاعدة (جاور).فقد أصبح الطوق الدفاعي حول القاعدة رهيباً. وكان على القوات المهاجمة أن تدفع ثمناً باهظاً في الأرواح مقابل كل بوصة تستولي عليها.

ولم تفلح غارات الطائرات في تكسير الطوق الدفاعي للمجاهدين رغم استخدامها للنابالم والقنابل العنقودية. وجوبهت بنيران كثيفة من الأسلحة المضادة للطائرات لدى المجاهدين. قرر (شاه نواز) بسرعة أن يغير تكتيكه في الهجوم. بدأ خطتة الجديدة بمحاولة لإضعاف معنويات المجاهدين. فأخذت طائرات الهيلوكبتر تلقى أطناناً من المنشورات تشيد بحكومة الرئيس “كارمل” وتدعي أنها حكومة إسلامية وتعمل لصالح الإسلام.

وتشيد بالسوفييت والجيش السوفييتي كصديق جاء يدافع عن الشعب الأفغاني.. وتهاجم المجاهدين وتدعي ضدهم شتى الإدعاءات. ووقف المجاهدون موقفاً عملياً من منشورات (شاه نواز) فكانوا يجمعونها ويستخدمونها كوقود يطبخون عليه طعامهم ويصنعون عليه الشاي الأخضر. أخذ (شاه نواز) يعيد توزيع قواته وركز قوات جديدة على ميمنة وميسرة (جاور) ليصبح الهجوم من ثلاث شعب بدلاً من شعبة واحدة. شعبة تنطلق من (باري) الواقعة على يمين جاور، وشعبة أخرى من دارجي الواقعة على يسارها،  بجانب الهجوم من المحور الأول من (ليجاة) في اتجاه (جاور)

 

انهيار الجنرال :

كانت معنويات الجنود في تدهور مستمر نظرا لطول فترة الاشتباكات و لعدم قدرتهم الاحتفاظ بمواقعهم الحساسة أمام الهجمات المضادة للمجاهدين. وفقد (شاه نواز) بريقه في أعين الجنود وصاروا يتثاقلون في تنفيذ الأوامر. بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى رفض أوامر التقدم  واحتلال قمم الجبال. حتى الضباط بدأ ينتشر بينهم التذمر. وسجل المجاهدون محادثات لاسلكية بين الضباط وقياداتهم  في خوست.

 وبين العسكريين في خوست والقيادات في (كابول) تبادل فيها الجميع  أفحش السباب واتهامات الجبن والعمالة. في المقابل فقد رئيس الأركان ثقته بالضباط وصار يتنقل بواسطة سيارة مدرعة ليشرف بنفسه على  تنفيذ الأوامر من موقع إلى آخر.

وصار يقضي معظم ساعات الليل والنهار في الحركة الدائبة ليشرف على الأمورجميعها بنفسه. وصار الجنرال المشهور أكثر عصبية وانتابته حالة من الهياج الشديد. وأخذ يوزع السباب واللكمات على الضباط والجنود، وأدرك الجميع أن “شاه نواز” الشهير قد فقد الثقة بنفسه أيضاً، وبدأ ينهار.

 

نهاية شاه نواز:

في صباح العشرين من سبتمبر ركب (شاه نواز) سيارة مصفحة وبرفقته اثنين من المستشارين السوفييت الذين أصبح لا يثق إلا بهم بعد أن تقاعس ضباط الجيش وفترت همتهم. ركب في المدرعة أيضاً أربعة من الجنود لحراسة الجنرال والمستشارين وأمر (شاه نواز) سائق المصفحة أن يتحرك بهم من (دراجي) إلى (البتلون) جنوبي خوست. أسرع السائق يلبي الأمر، وسلك الطرق الفرعية الوعرة متفادياً الطريق الرئيسي .  فنهره الجنرال  وأمره باستخدام الطريق الرئيسي، ولكن السائق ارتبك وحاول أن يشرح للقائد أن الطريق قد يكون مزروعاً بالألغام.

فثارت ثائرة الجنرال وجن جنونه ورماه بالجبن وأسمعه سيلاً من الشتائم العسكرية البذيئة. انحرف السائق جهة اليسار ليستخدم الطريق الرئيسي وقد امتقع لونه هلعاً من الجنرال وخوفاً من احتمالات الموت المتربص تحت تراب الطريق. وبعد أمتار قليلة حدث ما كان يخشاه السائق وانفجر لغم مضاد للدبابات تحت السيارة المصفحة فقُتل الجنرال والمستشارين على الفور. وكذلك الحراس الأربعة بينما جُرح السائق جراحاً خطيرة.

 

كذبة واحدة أضاعت الهجوم:

لم يعلم المجاهدون بمصرع (شاه نواز) إلا من إذاعة خوست. وأُذيع النبأ من  إذاعة خوست ثلاث مرات ثم عادت لتنكره مرة أخرى. وفي اليوم التالي تأكد النبأ من راديو كابول كما أكده أيضاً العديد من الضباط والجنود الأفغان بل من بعض ضباط الإستخبارات الأفغانية الذين فروا أو سلموا أنفسهم للمجاهدين. كان الفارق بين حادثة سقوط الهيلوكبتر ومصرع ( شاه نواز) أربعة أيام فقط. وبسبب كذبة (شاه نواز) التي ادعى فيها سقوط (جاور) لقي إثنين من كبار الجنرالات الأفغان مصرعهم في الهيلوكبتر التي جاءت لتشهد سقوط جاور. وبعدها فقد الجنرال أعصابه وأمر سائق سيارته أن يسير في طريق ملغوم. فقتل هو أيضاً. وبهذا كانت كذبة الجنرال السبب الرئيسي في فشل كل البرنامج العسكري الضخم الذي أعده السوفييت وحكومة كابول من أجل إخضاع محافظة باكتيا.

 

اجتماع جنائزي:

هبطت في خوست طائرات هيلوكبتر تحمل كبار رجال الجيش والحكومة لبحث الكارثة التي حلت بأكبر عملية عسكرية شهدتها أفغانستان منذ الاحتلال الروسي للبلاد. حضر سليمان لايق وزير شئون القبائل وجولاب زاي وزير الداخلية الذي راهن على زوجته بأن (شاه نواز) لن يستطيع دخول قاعدة  (جاور).ولا شك أنه شعر بالسرور لأن زوجته قد خرجت سالمة من هذا الرهان الحرج. حضر أيضاً الجنرال (أسلم وطنجار) البطل القومي للشيوعيين في أفغانستان. وبعد مباحثات استمرت عدة  أيام قرر الجميع أنه لا فائدة من متابعة الهجوم.

 

حقاني يستعيد ليجاة:

لم يكد المجتمعون في خوست ينفضون حتى كان جلال الدين حقاني على رأس رجاله قد طهروا تماماً قمم الجبال في ليجاة. ودفع جنود الحكومة بلا هوادة حتى أدخلهم مرة أخرى إلى وادي خوست ورفع رجاله آلاف الألغام المضادة للأفراد كان الجيش الأفغاني زرعها فوق الجبال وفي الوديان. وأعادوا زراعتها في الطرق التي يمكن  أن يستخدمها جنود الجيش. اندفعت مجموعات كثيرة لتطهر المناطق الشرقية من جاورفي (باري)، والغربية في (دارجي) وفي غضون أيام قلائل عاد الوضع العسكري حول خوست لما كان عليه قبل بداية الحملة العسكرية. باستثناء أن جلال الدين لم يرسل رجاله إلى وسط، الوادي في (لاغوراي) نظراً لكثافة الألغام التي وضعتها الحكومة حول المنطقة.

 

 

مدرسة الحرب:

يقول حقاني: إن القوات الحكومية فقدت سبعة جنرالات في معارك خوست وهذه أكبرخسارة تقع بالجيش الأفغاني منذ بداية الجهاد. ونحن أيضاً خسرنا اثنين من أفضل قوادنا باستشهاد مولوي (أحمد جول) ومولوي فتح الله حقاني بالإضافة إلى استشهاد القائد الشجاع (داد مير) الذي استشهد في الأيام الأخيرة للمعركة وظل المجاهدون يقاتلون لمدة أربعة أيام لكي يستعيدوا جثته من منطقة تسيطر عليها القوات الحكومية. إن خسائر مثل هؤلاء القادة الكبار أمر محزن لجميع المجاهدين. ولكن الدروس التكتيكية التي استفدنا منها فى هذه المعركة لا تقدر بثمن وسوف تساهم في تطوير تنظيمنا القتالي بدرجة كبيرة.

 

تعليقات على المقال:

(1) .. حملة السوفييت هذه على باكتيا فازت بهذا اللقب، أشرس حملة عسكرية منذ التدخل السوفييتي. وفازت بنفس اللقب حملة عام 1986 ضد جاور. وقد كانت فعلاً أشرس من حملة 1985. ثم جاءت حملة شتاء (88/87) لتصبح أكبر حملة فازت بتغطية إعلامية دولية وسوفيتية رغم كونها مجرد تمثيلية ومؤامرة لتغطية السوفييت وحفظ شرفهم العسكري قبل الانسحاب. وحملة العرب في جاجي (بقيادة أسامة بن لادن) كانت أخطر وأهم عمل للعرب في أفغانستان وبداية مولدهم الجهادي. ومعركة خوست التي انتهت بفتح المدينة في مارس 1991، كانت الضربة القاصمة للنظام وأدت إلى إسقاطه. وهكذا كانت باكتيا في تاريخ تلك الحرب، هي الحلقة المحورية التي شكلت نهايتها المنتصرة.

(2) .. نجاحات حقاني العسكرية، وزيادة توافد العرب إلى جبهاته إلى حدٍ ما. زاد من قيمة التسهيلات الاقتصادية التي يحصل عليها من تجار منطقة القبائل. وقد كَبَّدَهُ فتح خوست وحدها ديوناً بلغت أكثر من خمسين مليون روبية باكستانية لم يستطع حقاني تسديدها فى وقتها نظراً لتوقف التبرعات الخارجية .

(3) .. ظل الاعتقاد سائداً لعدة أشهر أن شاه نواز قد قُتل فعلاً في ذلك الحادث. ولكنه أُصيب إصابات بليغة وفقد الوعي في الحادث حتى ظنوه في البداية قتيلاً خاصة وهوغائص في بحار من الدماء وسط أشلاء من جثث مرافقيه. وقد نُقل الجنرال إلى كابول واختفت أخباره لفترة طويلة، ثم عاد مرة أخرى على قمة الجهاز العسكري الأفغاني. وكانت مفاجأة غير سارة للمجاهدين في مارس 1990 حين قام بعملية انقلاب فاشلة وفرَّ من كابول إلى باكستان ليعلن تحالفه مع حكمتيار من أجل إقامة حكومة (ثورية إسلامية).

 

تحميل مجلة الصمود عدد 162 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 12




إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان .

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان (3)

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان .

(3 من 4)

فى مشروع إنقاذ منظومة الهيروين :

صراع بين حرس التهريب القدماء بقيادة حكمتيار، وبين والمغامرين الجدد بقيادة أتمر

 

– سياف يفاوض الأسرائيليين فى نيودلهى حول دوره القادم ، ويحرض الهندوس ضد حركة طالبان.

– حكمتيار من أعمدة الحقبة اليهودية القادمة ، و(بلاك داعش) أهم أسلحته . ودوره أساسى فى مشروع الهيروين الجديد.

– باكستان قاعدة لإدارة المشروع الجديد ، وجلال أباد ركيزته الأفغانية ، وقوس الأفيون الجديد مرشح للوصول إلى حدود الصين وطاجيكستان ومنابع نهر جيحون !!.

– “بلاك داعش” أهم أوراق القوة فى يد حكمتيار . والطلب المتزايد على خدماته جعلته يفتح باب التجنيد لإستيعاب 10.000 عنصر جديد ، ليصبحوا أكثر عددا من القوات الأمريكية فى أفغانستان ، ولا ينافسهم فى ذلك سوى بلاك ووتر التى تديرها إسرائيل وينفق عليها بن زايد.

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

المنظومة الأمريكية لإنتاج الهيروين فى أفغانستان أصيبت بأضرار بالغة نتيجة ضربات مجاهدى طالبان ـ أخطر نتائج ذلك كان تصدع منظومة غسيل الأموال وما بنى عليها من شبكة دولية عملاقة من المشاريع قيد الإنشاء المعتمدة على تدفق الأموال المغسولة حديثا .

 

أهم أسباب تصدع مشروع الهيروين الأمريكى :

1 ـ  خروج زراعة الأفيون من تحت سيطره جيش الإحتلال . وحسب تقديراتهم فإن 85% من إنتاج الأفيون يأتى من أرض تحت سيطرة “التمرد” أى طالبان .

2 ـ  قاعدة بجرام الجوية شمال كابول ، أصبحت غير آمنة وتعرضت لهجمات صاروخية طالت أهدافا حساسه داخل القاعدة . فاضطر العدو إلى توزيع جزء هام من قواته على قواعد جوية آخرى . وأنتقل معهم جزء من نشاط إنتاج الهيروين وتوزيعه جوا حول العالم .

ظهر أن القوات الأمريكية الموجودة غير كافية للدفاع عن القواعد الجوية الأساسية ولا حتى الدفاع عن نفسها . وقد خسرت سابقا السيطرة على أراضى زراعة الخشخاش وإنتاج الأفيون الذى هو الهدف الأول للحرب ، بما يعنى عمليا خسارة الحرب نفسها .

3 ـ وسائل نقل الأفيون الخام من مناطق زراعته إلى حيث مصانع الهيروين فى قاعدة بجرام الجوية لم تعد آمنة ، سواء بالمروحيات ، أو طرق البر ، نتيجة كمائن طالبان وإستهدافهم لتجار الأفيون المتعاملين مع العدو .

خسارة أهداف الحرب تعنى خسارة الحرب نفسها . وسقوط مشروع الهيروين يعنى فشل الجيش الأمريكى فى تحقيق أهدافه ، فلم يعد هناك معنى لخوضه حربا لا نهاية لها وقد حُسِمَت نتيجتها بالفعل .

وبعيدا عن التلاعب بالأرقام الذى تتقنه المؤسسات الأمريكية ، فإن معظم زراعة الأفيون هى تحت التأثير المباشر أو غير المباشر لحركة طالبان . وحركة نقل الأفيون إلى بجرام تطالها ضربات طالبان سواء كانت فى الجو أو على الأرض ـ وبجرام نفسها باتت مهددة بشدة . وحتى القواعد الجوية التى هربت إليها القوات الأمريكية لتمارس جزء من نشاطات بجرام الأفيونية باتت هى الأخرى تحت المطاردة والضغط .. فماذا تبقى لهم من أهداف الحرب؟؟ .

 

الخطة البديلة لإنقاذ الهيروين :

تبقَّى لهم تنفيذ الخطة البديلة ، لإنشاء مشروع هيروين أقل طموجاً ولكنه يشكل خطورة على مستقبل أفغانستان .

يعاد توزيع زراعة الخشخاش ليرتكز ثقلها على مدينة جلال آباد عاصمة ولاية ننجرهار فى شرق أفغانستان . وتمتد مناطق الأفيون الجديدة شمالا حتى بدخشان على حدود الصين وطاجكيستان . والأهم وجود منابع نهر جيحون ضمن ذلك المجال . وتلك لمسة إسرائيلية لأن أطماعها ستظل معلقة بمياه آسيا الوسطى فى نهرى سيحون وجيحون . تلك الولايات التى يعبرها قوس الأفيون الجديد ستكون بديلا للتوزيع الحالى الذى تحطم بأيدى طالبان فى معظمه  ويشمل الولايات السبع فى الجنوب والغرب .

تلك الخرائط الأفيونية ، القديم منها والمتوقع ، يفسر كثيرا من توزيع المعارك الحاليه ، سواء فى ننجرهار (العاصمة المستقبلية للأفيون) أو المعارك فى مناطق الجنوب والغرب ، وتأخذ حاليا شكل الحرب الأكثر حدة فى ولاية فراه المحاذية لحدود إيران حيث تدور منذ أشهر ملاحم كبرى تجرى كالعاده بعيدا عن أنظار العالم رغم أنها ترسم مستقبله بشكل أو بآخر .

باكستان بعد أن كانت مهمشة فى مشروع الهيروين الحالى تعود لتأخذ وضعا رئيسيا فى المشروع القادم . فقيادة المشروع الجديد سيكون مستقرها باكستان وليس أفغانستان . قواعد الجيش الأمريكى الجوية والبحرية فى باكستان ستكون الذراع القوية وأساس التوزيع الدولى للمخدرات . ومن هنا نفهم رؤية الجيش الأمريكى بدمج إستراتيجية الهيروين فى الإستراتيجية العسكرية لجنوب آسيا . واقعيا ستكون الإستراتيجية العسكرية الأمريكية فى خدمة مشروعها الدولى للهيروين .

عملية إصطفاف واسعة وتغييرات عميقة تجرى فى كافة المجالات لتلبية مطالب المشروع الجديد(البديل). فالعديد من القوى الفاعلة والقيادات المؤثرة تعيد تموضعها فى أفغانستان وباكستان على السواء. وحتى على مستوى العالم هناك تجاوب لا يقل جدية لما يحدث من تعديلات أمريكية فى الإقتصاد العالمى عبر مشروعها للهيروين فى باكستان وأفغانستان.

 

“إعطاء البيعة ” لليهود :

ويبدو زمام الأمور إستقر للموساد أكثر منه فى أيدى CIA رغم عملهم ضمن تعاون حميم فى مشروع واحد . لكن تفاوت وجهات النظر والخلافات أحيانا لها مجال للظهور والتأثير .

تعدد الجنسيات داخل الموساد ظهرت فوائده . والجذور اليهودية لعدد من القاده الجهاديين الحزبيين المشهورين فى أفغانستان جعلت إنتقالهم إلى السفينة الإسرائيلية سهلاً وسريعا . وأطماع القادة الآخرين وجشعهم المالى وتعطشهم للسلطة رمى بهم إلى تلك السفينة .

– عبد الرسول سياف زعيم الإخوان المسلمين الأفغان ــ وقائد إتحاد أحزاب المجاهدين وقت الجهاد ضد السوفييت ــ تمارض وطار إلى نيودلهى ، بعيدا عن الأعين والآذان ، ليتفاوض مع الإسرائيليين حول طبيعة دوره الجديد  فى خدمتهم ، بعد أدواره السابقة ــ فى المرحلة السوفييتة ثم المرحلة الأمريكية ــ وأخيرا المرحلة الإسرائيلية .

سياف يباشر فى الهند دورا تحريضيا بين الساسه الهندوس محذرا إياهم من وصول طالبان إلى الحكم وأنهم سيقلبون عليهم مسلمى الهند وكشمير.

حكمتيار(إخوان مسلمين)، رجل باكستان فى كل العصور وجميع الأحوال ، عاد مرة أخرى ليباشر نشاطاته المعهودة المنبثقة من مقر عملياته ومركز قواته الداعشية فى معسكر شمشتو قرب بيشاور. حكمتيار سيكون له دور بارز للغاية فى (الخطة البديلة لإنقاذ مشروع الهيرويين).

 

ومن ضمن مهام حكمتيار فى المرحلة المقبلة :

1 ـ الإشراف المباشر على نشاطات داعش فى أفغانستان ( أو بلاك داعش) . وأهم واجباتها هو تأمين جلال آباد كمركز رئيسى لنشاط مشروع الهيروين مدعومين بالحكومة الباكستانية وبمرتزقة شركة (بلاك ووتر) المملوكة لإبن زايد والإسرائيليين .

2 ـ برنامج التفجيرات والإغتيالات المعتادة حسب مطالب الموساد وتوأمه CIA .

3 ـ المساهمة فى تأمين خطوط النقل ومراكز التصنيع فى المشروع الجديد. وللمشروع حدود طويلة جدا مع باكستان التى ستؤمن لهم الدعم المطلوب . لهذا يجند حكمتيار عدة آلاف من القتلة المأجورين لتقوية(بلاك داعش) وتغطية المساحات الكبيرة المطلوبة منه تخريبها.

4 ـ حكمتيار وجماعته لهم خبرات قديمة منذ الحقبة السوفيتية فى تهريب الأفيون من أفغانستان إلى باكستان ، لتصنيعه فى المناطق القبلية وتحويله إلى هيروين، ثم نقله إلى كراتشى حيث تتلقاه سفن الأسطول الأمريكى التى تجلب الأسلحة والذخائر التى كان معظمها من نصيب حكمتيار وعصابته العاملة تحت راية وإسم(حزب إسلامى) . وكان يعتبر أقوى وأخطر الأحزاب وقتها، ليس على العدو بل على مجاهدى الداخل والجهاد واستقلالية مسيرته الإسلامية الصحيحة .

ـ حكمتيار بدأ يواجه مؤخرا متاعب تنافسية مع حنيف أتمر مستشار الأمن القومى السابق . وقد تعاونا معا فى السابق لتأسيس مشروع داعش فى أفغانستان ، بالتعاون مع المخابرات العسكرية الباكستانية وتحت إشراف CIA ـ والموساد بالطبع ـ

إستقال حنيف أتمر من وظيفة المستشار ويقال أنه قد يرشح نفسه رئيسا للجمهورية فى إنتخابات مفترضة فى سبتمبر 2019 .

فى شمال أفغانستان ظهرت ميليشيا مسلحة من الطاجيك ، أعداء حكمتيار وأعوان عدوه السابق العتيد أحمد شاه مسعود، ويعتقد أنها تابعة لحنيف أتمر. ويبدو أن فى الأمر مشروع لإحياء لفتنة طائفية كانت قد خمدت بين الطاجيك والبشتون ــ وابحث عن الموساد ــ

وإغتيل عدد من أعوان حكمتيار فى بيشاور ، فتوجهت أصابع الإتهام إلى حنيف أتمر .

 إذاً لن يكون حكمتيار منفردا فى خريطة الأفيون الجديدة ، بل هناك منافس آخر هو حنيف أتمر . ويبدو أن أتمر يريد بناء حزام أفيونى شمالى ، على حدود الجارة طاجيكستان ، يتكامل مع حزام الشرق(حكمتيار) ، وقد بدأ الصراع الدامى بين الزعيمين مبكراً . وذلك فى مصلحة الموساد و CIA وأسهل لهما فى إدارة اللعبة الشيطانية .

فى أى صراع ستكون كفة حكمتيار أرجح لأنه يحظى بدعم باكستان التى أصبح لها دورا مركزيا فى الخطة الأفيونية الجديدة فى بعديها المحلى والدولى . فمطارات باكستان سوف تأخذ دور مطارات أفغانستان (بجرام ، جلال آباد ، شندند ، قندهار، هلمند). وموانئ باكستان (كراتشى ، جوادر) ستكون هامة جدا فى النقل البحرى للهيروين عبر محيطات العالم.

–  شخصيات هامة جدا تحفر لنفسها خنادق فى الخريطة الجديدة ، هناك مثلا الرئيس السابق “حميد كرزاى” كبير مؤسسى عملية الغزو الأمريكى لأفغانستان والذى كانت الموساد تتكفل بأمنه الشخصى، مثله فى ذلك مثل حكام السعودية والإمارات. وهناك الرئيس الحالى “أشرف غنى” والسيدة حرمه ، وثيقا الصلة بالموساد .

وهناك عبد الله عبدالله (الرئيس التنفيذى !!) والذى يحج إلى نيودلهى بشكل شبه متواصل . وهناك عديدون من حجاج نيودلهى فى طابور طويل يبدأ من سياف وعبد الله و آخرون أقل شهرة ولا يقلون عنهما خطراً، منهم جنرالات هامون من الحقبة السوفيتية .

– باكستان لا تطيق سياف ( رجل السعودية ) منذ أيام السوفييت . وإصطدمت عدة مرات مع حنيف أتمر أثناء توليه الأمن القومى فى كابل. وذلك يرجح أوراق حكمتيار فى تنافسه مع أثنين من أهم أعدائه .

داعش تعتبر ورقة القوة الرئيسية فى يد حكمتيار ، وهى ورقة هامة تحتاجها الموساد فى برنامجها الأفغانى . ومعظم القوة البشرية لدواعش أفغانستان مستوردة من مغارة شمشتو فى بيشاور باكستان ، مقر عصابات حكتيار . يعمل حكمتيار على تلبيته إحتياجات الموساد وCIA من الدواعش لتنفيذ مهام حيوية تتعلق ببرنامج المخدرات الجديدة ، وزعزعة الأمن الداخلى فى أفغانستان ، وضرب طالبان فى خطوطهم الخلفية قرب حدود باكستان مع أفغانستان ، خاصة فى بيشاور ، كويتا، سوات ، خيبر . لذا تقول مصادر مقربة من حكمتيار أنه بصدد تجنيد حوالى 10.000عنصر لتلبية الطلب المتزايد على خدمات (بلاك داعش) فى المرحلة القادمة .

 وفى مجهود إستخبارى مشترك ساهم فيه الأتراك، نُقِل الدواعش من سوريا والعراق إلى مطار جلال آباد الذى يعتبر قاعدة مهمة لتدريبهم العسكرى .

وبهذا يمكن إعتبار حكمتيار مديرا لأحد أهم شركات المرتزقة الكبرى والفاعلة فى أخطر مناطق العالم (أفغانستان ـ باكستان ـ وسط آسيا ـ إيران )، إنها “بلاك داعش” المرتبطة بمشروع الهيرويين الدولى التى تشرف عليه الموساد وCIA .

وعدد مرتزقته من الدواعش ـ الذين تمولهم أمريكا وإسرائيل ـ يضاهون عن عدد القوات الأمريكية والحليفة ، ولا يتفوق عليهم عدديا سوى(بلاك ووتر) التابعة لإسرائيل وبن زايد . أو بالأحرى تديرها وتقودها إسرائيل ويمولها بن زايد من ميزانية إمارته المستنزفة حتى النخاع. وحتى الآن لم تتصادم (بلاك ووتر) الإسرائيلية مع (بلاك داعش) ــ الحكمتيارية ــ التى يقودها ويديرها حكمتيار. بل يعملان بتعاون جيد فى جلال أباد تحديدا التى يجرى إعدادها كعاصمة جديدة لمشروع الهيروين الدولى . وهناك تعاون بينهما فى العديد من المناطق الحيوية للمشروع الجديد ، ومنها ولاية كونار الحدودية مع باكستان . حيث يوفر (طالبان باكستان) خلفية صديقة وداعمة للدواعش الحكمتيارية .

 

تنزيل المجموعة الكاملة من مقالات (إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان ) : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان 3

 




فوهة البندقية .. نبع السلام

فوهة البندقية .. نبع السلام

مقدمة :

فى شهر سبتمبر من عام 1991 ، نُشِرَ هذا المقال فى مجلة منبع الجهاد التى كان يصدرها مولوى جلال الدين حقانى من معهد منبع العلوم فى ميرانشاة . وقتها كان قد تبَقَّى حوالى نصف العام على فتح كابل (فبراير 1992) . ونشط معظم العالم لمحاصرة الإنتصار الإسلامى فى أفغانستان ، تقودهم أمريكا ومنظومتها الدولية ، من أمم متحدة ومجلس أمن وهيئات إغاثة دولية ، كما نشط حلفاؤها الإقليميون من الباكستان إلى السعودية وباقى منظومة العملاء الذين مازالوا ناشطين إلى الآن .  ومعهم قادة الفساد والإنحراف فى أحزاب بيشاور الذين تجهزوا ، بل تسابقوا، سراً وعلنا ، لحجز مقاعد لهم فى الحكم القادم إلى كابل الذى رسمت ملامحة الولايات المتحدة على أساس أن يكون حكما مشتركا بين الإسلاميين “الحزبيين” عملاء أمريكا  وبين الشيوعيين ، بشرط ألا ينفرد المجاهدون بالحكم ، بل يشارك معهم من إستدعوا جيوش الإحتلال وقاتلوا إلى جانبها . فيستوى فى الحكم المجاهد الذى بذل الدم والمال ، مع من إستدعى المحتل وقاتل إلى جانبه بالسلاح والميليشيات والجنود .

فهل يعيد التاريخ نفسه ؟؟ . أم أنها ظاهرة تتكرر إذا تكررت نفس الظروف؟؟.

أوشكت كابل أن تجيب على السؤال ، وأن تفتح أحضانها لأبنائها المجاهدين الفاتحين .

…………..

 

فوهة البندقية .. نبع السلام

 ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم اعمالكم) .

إذا كان السلم يعنى : إقرار الظالم على ظلمه فهو مرفوض شرعا وعقلا . وقد مرت بالمسلمين فترة من الزمن أرغموا فيها على تجرع كأس المهانة والذل .

وقبلوا بظلم الكافرين لهم . لكن ذلك لا يعنى جواز التنازل التام لهؤلاء الكافرين وإقرارهم على ظلمهم وعقد سلم معهم هو فى حقيقته إستسلام وإهدار لحقوق المسلمين فى الدنيا ، بل وتفريطا فى الدين الذى إرتضاه لهم خالقهم .

فالسلم الحقيقى لا يكون إلا بإقرار الحق بمفهومه القرآنى الصحيح لا بمفهومات منحرفة إخترعتها مؤسسات الكفر كى تفرضها على الضعفاء كرها وبقوة السلاح . وما المؤسسات الدولية التى تحاول أن تغتصب لنفسها صفة الشرعية والقانون إلا إدوات فى أيدى الأقوياء الذى يفرضون شريعتهم الظالمة على الشعوب المستضعفة بقوة الإرهاب الدولى .

وأحرى بالمجاهدين والشعب الأفغانى بشكل خاص بعد أن منَّ الله عليهم بالنصر المؤزر على أكبر قوة ملحدة فى التاريخ ، ألا ينخدعوا بدعاوى السلام الزائف التى تروجها أبواق الكفر الظالمة كى تهضم حقوقهم وتترك بلادهم مستباحة للملحدين المارقين .

وبفضل الله ثم إيمان الشعب الأفغانى وبطولاته وتضحياته التى لا تحصى ، سقطت إمبراطورية الشر فى الإتحاد السوفياتى ، وتحررت شعوب فى قارات الدنيا كلها من نيران الشيوعية الملحدة، لكن إرادة الظلم والكفر الدولية تريد لهذا الشعب المجاهد أن يظل رازحاً تحت نيران الشيوعية فأى عدل وأى شريعة يدَّعونها لأنفسهم ؟؟ ونحن لا نعجب فى أن تتكاتف قوى الكفر الدولية كى تمنع الشعب الأفغانى المسلم من إقامة دولته الإسلامية المستقلة على أرض بلاده ولكننا نعجب لإناس من بنى جلدتنا ويدينون بما ندين به يسعَوْن جهدهم لإقرار شريعة الكفر على البلاد تحت دعوى السلام الزائفة .

فالذين خارت عزائمهم والذين يلهثون خلف بريق السلطة ولو بمشاركة الكافرين فيها ، وهؤلاء الذين يتمرغون على أعتاب القوى الكبرى بحثاً عن دور حقير يشترونه بثواب الآخرة ، كل هؤلاء ليسوا منا ولسنا منهم .

فنحن على يقين من نصر الله لعباده المؤمنين المجاهدين وإن قل عددهم وعتادهم ، وحتى إن إجتمعت الدنيا عليهم ورمتهم عن يد واحدة .

أما عن السلام فى أفغانستان فشعبنا يعرف الطريق إليه جيدا .. الطريق إلى السلام ينبع من فوهة البندقية ويبدأ بخضوع الكافرين لحكم الله خضوعا تاما ، عندها فقط يبدأ السلام وتعود الطمأنينة كما كانت فى ربوع أفغانستان المسلمة .

أما التسليم للكافرين أو مقاسمتهم السلطة فإنه لن يكون إلا إذا تمكن الكافرون من إبادة شعبنا المسلم عن بكرة أبيه .

وحتى هذا لن يرهبنا فنحن نؤمن بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، فهل يتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ؟ .

فإلى بنو جلدتنا الذين يتمرغون على الأعتاب ، وإلى اللاهثين خلف سراب القوة والسلطة بأى شكل وتحت أى ظروف نقول لهؤلاء جميعا إن إخوانكم فى “خوست” “وتخار” قد عرفوا الطريق الصحيح وأجابوا على دعاوى التسليم بالشكل الملائم .

وهم الآن يدقون أبواب “جرديز” التى بدأت تترنح تحت وطأة ضرباتهم . وها هى “جلال آباد” تنتظر الفاتحين ومثلها “قندهار، وغزنى ، وهيرات “. أما كابل فهى لن تسلم قيادها إلا لمن يستحق .. لن تسلم “كابل” إلا لأبنائها الفاتحين الذين يقتحمون الأهوال ويصرعون الباطل الدولى تحت أسوارها العنيدة .

أما الذين تحملهم حراب الباطل وقوى الطاغوت الدولى إلى كراسى الحكم فإن شعبنا سيلقى بهم فى هاوية التاريخ ، حيث يرقد أسلافهم من “أمان الله” إلى “تراقى ” إلى “كارمل” .

فالشعب الذى حمل السلاح منذ أكثر من عقد من الزمان دفاعاً عن دينه لن يكون من السهل خداعه وسرقة إنتصاره قبل دقائق قليلة من حصوله عليه .

وكم من ظالمين ومارقين دفنهم الأفغان فى جبال الهندكوش !!.

وكم من نظام دولى كافر لفظ أنفاسه على أرضنا!! . وكم من قوة عظمى دخلت بلاد الأفغان ولم تخرج منها أبدا !! .

هناك دفنت جيوش الإمبراطورية البريطانية قبل أن تغيب عنها الشمس ، وهناك ضاع الجيش الأحمر وتحللت الأمبراطورية السوفيتية وضاعت شمسها إلى الأبد .

ولكن يبدو أنها لن تكون الإمبراطورية الأخيرة التى يقضى عليها أبطال الأفغان المجاهدين .

” وسيعلم الذين كفروا أى منقلب ينقلبون ” .

 

نقلا عن ( مجلة منبع الجهاد ) السنة الثانية – العدد13 / ربيع الأول 1412 هـ 1 سبتمبر 1991 م

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

فوهة البندقية .. نبع السلام

 




جلال الدين حقانى 9

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 9

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 159 ) | رمضان 1440 هـ / مايو 2019 م .                   

18/05/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 9 )

– سياف أفشل المشروع  الطموح لتصنيع الذخائر .

– حقانى يتجنب منزلق قرية (بابى)، التى تبتلع القادة والعلماء بعيدا عن ساحات الجهاد .

 – مهرجان النيران فى (جاجى) يهدر أموال العرب ويبعدهم عن جبهات الجهاد الحقيقية .

–  مجموعتنا الخاصة تتجه إلى جاور .. فى زيارة خطيرة لم تَخلُ من المرح .

–  بسعادة غامرة إحتفل المجاهدون بوصول أول أطفال العرب إلى جبهة القتال .

–  حقانى يحذر أحزاب بيشاور من أن العدو قد يحاول فى عملية واحدة إغلاق منفذى “جاور” و “جاجى” ، ليفتح الطرق البرية إلى مدينة خوست .. ولم يهتم أحد .

– حقانى يقول لنا: لماذا لا تغلقون أنتم المطار؟؟، وكان الأمر أكبر كثيراً مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

من نافلة القول أن نذكر فشل مشروعنا الطموح بتصنيع الذخائر الأساسية. وهو المشروع الذى تحمس له حقانى وعدد من ضباط الإتحاد التابعين لسياف . وفشل المشروع عائد لسياف شخصيا الذى يخشى كثيرا من أى مشاريع جهادية جادة قد تكشف زيفه ، وتكشف حقيقةتوجهاته المرتبطة بأعداء أفغانستان ، الذين يعمل حاليا تحت رايتهم فى كابل عاملا على تثبيت أركان الإحتلال الأمريكى.

منزلق بابى :

لعل من أهم معالم عام 1983م في مسيرة الجهاد في أفغانستان هو ظهور إسم (بابي) في قاموس الجهاد.

تكلمت مع حقاني في بيشاور عن رغبتي في إحضار عائلتي إلى باكستان كي أتفرغ للعمل مع المجاهدين . ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي نثير فيها هذا الموضوع . فأخبرني أن الحكومة الباكستانية وزعت على قادة الأحزاب وقادة الجبهات المشهورين قطعا من الأرض في منطقة خارج بيشاور تدعى بابي على بعد حوالي 20 كيلومترا في الطريق إلى إسلام آباد .

ثم عرض حقانى أن آخذ قطعة الأرض الخاصة به لأنه لا يحب أن يستقر في بيشاورلأن ذلك سوف يغرقه في مشاكلها  ، وقد تُوْكَل إليه مهام إدارية في الإتحاد تجعله بعيدا عن الجبهات.  وأخبرني أن مولوي أرسلان له قطعة أرض مجاورة له وأنه شرع في بنائها .

أجبته أنني سوف أكون مسرورا بأن أكون جارا لمولوي أرسلان ولكنني مشغول بالنسبة     لدراسة الأولاد ، فأولادي عددهم كبير ومعظمهم في سن الدراسة . لذا سوف أبحث إمكانية    الإقامة في إسلام آباد عندما أتأكد من وضع المدارس العربية فيها .

علمت بعد ذلك أن بعض(فاعلي الخير) من السعودية قد إشتروا من حكومة باكستان مساحة واسعة في منطقة بابي ووهبوها لسياف كي يقيم عليها قرية جهادية يستوعب فيها رجاله وموظفيه وقادته، ومشاريعه الجهادية!! ومدارس ومستوصفات علاجية ، وحتي جامعات .

وهكذا مع الوقت إبتلعت بابي ليس فقط أموال العرب التي أغدقوها بغير حساب للتنمية و للتعمير، ولكنها إبتلعت عشرات من قادة الجبهات المقتدرين والعلماء الذين دخلوها ولم يخرجوا منها إلاإلى المقابر أو إلى أفغانستان لتولي بعض المناصب في(الحكومة الإسلامية)  بعد الفتح وهي الحكومة التي أدارت الحرب الأهلية بين المسلمين حتى أزاحتها حركة طالبان .

كنت أرى في بابي مجرد(سيرك) يديره مهرجي الجهاد لمجرد سلب أموال العرب وإبعادهم عن المساهمة الجادة في الجهاد ، وكانوا يحيطونها بجو كاذب مضلل . ويضخون في أسماعهم يوميا عشرات الأكاذيب والإفتراءات ، ويرفعون لديهم أقواما ويضعون آخرين .

حتى صارت الصورة التي يتم بثها من بيشاور ـ بواسطة سياف بصفته الجديدة المهيبة ـ وكبار المسئولين حوله، هذه الصورة لا تَمُتْ بصِلَة لصورة الجهاد الحقيقية ولا تساعد بأية حال على معرفة القضية الحقيقية في أفغانستان .

كان سياف وغيره من القادة لا يرغبون إطلاقا في أن يتعمق العرب في صلاتهم الميدانية بأفغانستان والجهاد هناك ، لأن ذلك سوف يفضحهم ويوضح أوجه الزيف في العملية كلها .

كان المطلوب هو أن يحضر العرب إلى بيشاور كي يستمعوا إلى الأكاذيب ويشاهد تمثيليات محبوكة يديرها القادة ومساعديهم ، مع مزيد من الهياج العاطفي المحموم التي تثيره الأشرطة والمجلات الإسلامية التي ضخمت الحديث حول مواضيع فرعية ، أهمها (الكرامات) التي كثراللغط حولها في أحاديث قليل منها صحيح وأكثرها كاذب.

الكتاب الإسلاميين فى حديثهم عن هؤلاء القادة من الأفغان “الذين يذكرونهم بالصحابة” تمادوا في هذا الإتجاه المدمر، ليس فقط للجهاد في أفغانستان بل لتاريخنا الإسلامي ورموزنا الإسلامية الكبيرة.حتى قال أحدهم عن سياف إنه عُمَر الثالث  في زهده وتواضعه!!. إلى هذه الدرجة وصل التضليل والعمى.

والويل كل الويل لمن يعترض أو حتى يتحفظ . فهو إما(عدو للجهاد)،وقد نلت هذه التهمة  مرارا، أو هو زنديق ينكر الكرامات ، أو هو يطعن في نزاهة رواة تلك الكرامات وهم من هذه الفئة التي إن قابل أمثالهم البخاري لأخذ عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 وأن من يرد هذه فقد رد تلك !!.

سمعت هذا التهريج وأمثاله بأذني من شخصيات إسلامية كبيرة وعلى قرائنا المستقبليين أن يتخيلوا درجة الإنحطاط الفكرى التي كنا فيها، وانخرطنا بها، في أعاصيرالجهاد على

أرض أفغانستان. كانت “بابي” هي بوتقة كل ذلك الغثاء ، والهوس الجماعي باسم الجهاد . كانت(حملة إسلامية) لتضليل الأمة الإسلامية  ولمنعها من الرؤية السليمة وبالتالي منعها من ردة الفعل الصحيحة .

حملة أوقدها أعداء الأمة وإنساق فيها بعفوية وصدق وإخلاص عدد من كبار رموز الأمة التي دفعتهم الساحة الأفغانية إلى مقدمة الصفوف من بين أوساط الإسلاميين .

 جاجى .. مهرجان بالنيران :

ولا تذكر(بابي) إلا وذكرت معها شقيقتها (جاجي) ذلك الموقع الحدودي الذي مارس فيها سياف تضليلا عسكريا على جهلاء العرب المتحمسين حتى الموت والمتحرقين للشهادة في سبيل الله، وأكثرهم لم يسمع في حياته صوت طلقة أو يلمس بيده بندقية . كانت ضغوطات العرب على سياف كي يذهبوا إلى الجبهات آخذة في التصاعد مع تزايد أعداد العرب الوافدين إلى أفغانستان .

تعمد سياف في البداية إرسال المتحمسين العرب إلي جبهات (مضمونة سياسيا) أي تقودها شخصيات غير طموحة سياسيا ومرتبطة بالإتحاد. فكان الإتجاه الأساسي نحو   جبهات جلال الدين حقاني . ولكنه كان يخشى من قوة حقانى وشعبيته لذا تفتق ذهن سياف عن جبهة أخرى قريبة من كابل هي جبهة (شكردرة) التي يقودها الشاب الذكي الطموح “محمد صديق شكري”الذي كان في طور التلميذ على يد أستاذه وقائده سياف.

ولم يلبث القلق أن إنتاب سياف من نباهة “شكرى” الذي أتقن العربية بسرعة وبدأ يتكلمها بطريقة سياف ويحاكيه في إلقائه وكأنه صورة طبق الأصل، فحاز إعجاب زواره من الشباب العرب ، وعقد صداقة متينة مع الدكتورعبد الله عزام وروى له عدة “كرامات” لا أصل لها، ولكنها حازت إعجاب الشيخ، فأوردها فى كتابه عن الكرامات، والمسمى “آيات الرحمن فى جهاد الأفغان”بعد أن أقسم “شكرى” على صحتها !! .

كما زادت زياراته له في بيته في إسلام آباد وفي تجمعات العرب، خصوصا المركز الإسلامي في بيشاور، فزادت شعبية شكري كثيرا.

وبدأت التبرعات تنهال على جبهته مباشرة على شكل هِبَات عينية تسلم إليه  شخصيا. شعر سياف بالخطر فكان لا بد له من أن يتواجد بنفسه فى سيرك جديد للألعاب النارية يرضى نزوات الشباب العرب.فتفتقت عقليته المتوقدة عن(جاجي) كأول سيرك جهادى للألعاب الجهادية،مخصص للسياح العرب.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 فى عام1984ــ الإنحراف يتأصل :

جاجي كانت نجم عام 1984 بلا منازع بالنسبة للشباب العربي وجماهير المسلمين المتحمسة .

 لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لي وبالنسبة لقلة نادرة من العرب ، ولا بالنسبة لأكثيرية الأفغان سواء القادة أو (الكومندانات) أو حتى الأفراد العاديين . كنت أراها تهريجا وتضليلا وإستنزافا لأموال العرب والإحتيال عليهم .

طريقة سياف في قيادة الإتحاد جعلتني أتشكك في إمكانياته لأن يكون قائدا حقيقيا للجهاد وللشعب الأفغاني . لم يكن أكثر من (قائد آخر) مثل هؤلاء الذين سبقوه.

نفس المنهج ونفس العقلية ، إلا أنه أكثرهم قدرة  على الخداع والمراوغة ففازعلى الجميع. وأمسك بسيف الشرعية وإستولى على الأموال المتدفقة على الإتحاد بصفته رئيسا لذلك الإتحاد الوهمى. ولكنها تحولت إلى أموال شخصية ساعدته في تقوية مركزه وزيادة عدد أتباعه. ولم يُصَبْ منها شيء إلى داخل الجهاد في الجبهات لأن الإنفاق على الجهاد تمويلا وتسليحا كان قد أصبح مهمة أمريكية.

وسياف ـ أو غيره من قادة الأحزاب ـ غير مستعد بالمرة أن يضحي بغنائمه من أموال العرب كي ينفقها على الجهاد نيابة عن الولايات المتحدة.

في ذلك الوقت كانت المخابرات العسكرية الباكستانية تشدد قبضتها يوما بعد يوم على  أمور القتال داخل أفغانستان ، وكانت حتى ذلك الوقت تستخدم(الأحزاب الجهادية) في بيشاور كقناة رئيسية للدخول إلى أفغانستان والتعامل مع(القومندانات)المحليين .

وسوف نرى أن هذه القناة تم الإستغناء عنها تقريبا في وقت لاحق وتحول الباكستانيون إلى الإتصال المباشرمع كل(قومندان)علي حدة، فتهمشت الأحزاب وتحول الزعماء إلى مجرد بيادق على رقعة اللعبة السياسية.

في بيشاور لم يكن الدور الأمريكي قد إتضحت لنا أبعاده الحقيقية حتى ذلك الوقت. وكنا نظنه هامشيا ، وكذلك دور باكستان والسعودية .

قبل أن يتوجه سياف إلى جاجي في زيارته الأولى لها،كنت في مَكْتَبِهِ مع الصديق المنياوي كي نطلعه على آخر تطورات البحث حول مشروع التصنيع العسكري . وكنا نعتزم قضاء بعض الوقت في الجبهات ـ عند مولوي جلال الدين حقاني ـ صديقنا الدائم .

كانت مفاجأة لنا عندما علمنا أن سياف قد أسس مركزا عسكريا في جاجي وأنه ينوي نقل مقر إقامته إلى هناك .

كان ذلك أملنا منذ البداية . ولاحظت أن سياف كان متحفظا قليلا وهو يزف إلينا البشرى رغم علمه بإلحاحنا عليه منذ سنوات كي يتخذ تلك الخطوة . وقال بأنه لن ينقل مقر إدارة الإتحاد إلى جاجي ـ كما طلبناـ إلا بعد أن يتأكد من صلاحية الموقع ومناعته . ودعانا إلى مرافقته إلى هناك فوعدناه باللحاق به فيما بعد .

دارت رأسي ولا أكاد أصدق … هل يفعلها سياف أخيرا …. تلك هي فرصته الأخيرة كي يصبح قائدا حقيقيا للجهاد … وأن يصبح الإتحاد إتحادا حقيقيا للمجاهدين وليس إتحادا ورقيا بين الساسة . ولكن لماذا يتحرك منفردا؟ … تساءلنا في إنزعاج ، لكونه يدخل إلى باكتيا ـ تلك المنطقة الحساسة ـ بدون قادتها الكبار ، وعلى رأسهم حقاني وأصحابه الآخرين مولوي أحمد جول ومولوي أرسلان وعشرات آخرين ؟؟ .

جزئية أخرى من الصورة في بيشاور آنذاك رأيناها عند العصر. لقد وصلتنا دعوة من بعض الأصدقاء لحضور إجتماع في (بيت باكتيا) وهو منزل إتخذه مولوي خالص كاستراحة لقادة محافظة باكتيا ومجاهديها عند زيارتهم لبيشاور . ذهبت مع المنياوي إلى هناك بصحبة مولوي(عبد الرحيم أخونزانده)الذي صار وزيرا للعدل بعد فتح كابل. فوجدنا البيت مزدحما بشكل غيرعادي . كان هناك ما بين خمسين إلى سبعين من قادة الداخل ليس فقط من باكتيا وباكتيكا ولكن أيضا من غزني ولوجر وغيرها من المحافظات .

كانت الوجوه عابسة والكلام يدور بنبرات غاضبة مع تلويح عنيف بالأيدي والقبضات . كان الجو ملبدا وينذر بالخطر . فسألنا مولوي عبد الرحيم عن موضوع الإجتماع وسبب هذا التوتر ، فأخبرنا بأن فتنة على وشك أن تقع .

هؤلاء هم من قادة الجبهات من حزب خالص”حزب إسلامي” وجميعهم جاء يشكو ويتوعد ، فالضغط العسكري السوفييتي الواقع عليهم يتصاعد بينما ما يصلهم من إمكانات لا يكاد يفى بالحد الأدنى من المطالب . و يسمعون عن الملايين التي يصبها العرب في بيشاور على سياف. وهذا الأخير لا يهتم إلا بحزبه الخاص ، ولا يعير إهتماما لباقي المجاهدين . وحزب خالص أفلس تقريبا ـ أو يكاد ـ بسبب إرتهانه الكامل (للإتحاد)من الناحية المالية . وهكذا صارحهم  خالص أنه لا يملك أكثر مما أعطاهم، وطالبهم بالذهاب إلى سياف .

والأخير أهملهم بل ترك بيشاور من جراء ضغطهم وضغط مجموعات مماثلة قدمت من الداخل تطالب بالدعم في مواجهة موسم قتالي هو الأشد والأسوأ من نوعه منذ دخول السوفييت (وقد  تأكد لي صحة هذا التقييم من مصادر مستقلة متعددة). إذن جاجي كانت لسياف مهربا من ضغوط الداخل ،لا تَوَّجُهاً إلى الداخل ، أى أنها هروب إلى الأمام كما يقولون .

كما أنها توَّجُه نحو مزيد من الإنفصالية الحزبية وليست خطوة إتحادية . وهاهم قواد باكتيا وما حولها يهددون وينذرون ، وكانت أهم البنود العملية المطروحة على جدول أعمالهم هي إقتراح بمهاجمة قوافل (جماعة سياف) ،أي الإتحاد، أينما وُجِدَتْ !!.

لقد إقتربت الفتنة وشمرت عن ساعديها ، فما العمل ؟ .

كان الوضع سيئا في الداخل ، وإستخدم الروس بتوسع أسلوب مهاجمة قوافل إمداد المجاهدين بواسطة الطيران وقوات الكوماندوز . وإستطاعوا تدمير عدد لا يستهان به من تلك القوافل ، بل وعطلوا مسيرها في بعض الطرق ، أي أن المجاهدين بدأوا يخسرون طرق إمدادهم وهذا من مؤشرات خسارة الحرب.  ولم يقف الأمر عند ذلك بل أن نشاط الكوماندوز السوفييتي  (سباتزناز) قد توسع واشتمل على أسلوب الهجمات المباغتة على مراكز المجاهدين في العمق وتدميرها وقتل من فيها حيث أنه يضرب في أماكن وتوقيتات غير متوقعة وبعد الحصول على  معلومات تفصيلية عن الأهداف المقصودة .

وذلك بفضل نمو نشاط جهاز الإستخبارات الأفغاني”خاد” ونجاحه الواسع في إختراق الجبهات القتالية ، فضلا عن بيشاور المهلهلة. تدفقت علينا أخبار تلك العمليات مثل الصواعق أو السيل المنهمر حتى تخيلنا أن النهاية تقترب.

فمركز مطيع الله قرب الأورجون تم تدميره وقتل من فيه بواسطة قوات الكوماندوز السوفييتية المحمولة بطائرات الهيلوكبتر .

وعدة معسكرات قريبة من الحدود على الجانب الأفغاني تم تدميرها بنفس الطريقة. وإستخدم الكوماندوز السوفييتي الأراضي الباكستانية نفسها في الهجوم على بعض تلك المعسكرات،خاصة في محافظة كونر،  فكانت المفاجأة تامة بأن كان الهجوم قادما من الجهة غير المتوقعة.وقد تواطأ بعض قادة المعسكرات في قليل من تلك  الهجمات أي أن بعضهم كان عميلا(للخاد)وباع المعسكر ومن فيه .

وبعضهم كرر نفس الخيانة أكثر من مرة قبل أن يتم إكتشافه،وبعضهم إستمر في مواقع أخرى ولم تتم معاقبته على الإطلاق .

كانت قوافل الإمداد إلي المحافظات الشمالية ضخمة للغاية وتتكون من عشرات البغال والخيل والإبل، وقد دمر الروس الكثير مها بواسطة كمائن مذهلة. وكانت تلك القوافل تكتشف بواسطة الجواسيس المنبثين على طرق الإمداد خاصة في المطاعم العامة “السماوات”،أو بواسطة طائرات الإستكشاف، وأحيانا أخرى يتم رصدها من بيشاور وينتقل معها جاسوس محترف ضمن أفراد القافلة نفسها التي تضم إلى جانب أفرادها الأصليين المخصصين للحماية أفرادا عاديين من عابري السبيل أو المسافرين إلى نفس المناطق التي تقصدها القافلة .

لم يكن ذلك كل شيء، فقد ظهرت الإشتباكات  بين المجاهدين.وبعد أن كانت محصورة تقريبا في شمال أفغانستان بدأت تزحف حتى وصلت كابل . وإنتقل الصراع السياسي بين أعداء بيشاور إلى كابل فإشتبك رجال حكمتيار (حزب إسلامي) مع رجال برهان الدين رباني (الجمعية الإسلامية) ، ودخل رجال سياف لأول مرة رغم حداثة تشكيلهم السياسي فقاتلوا ضد رجال حكمتيار.

كما علمنا أن أفرادا من الإستخبارات الأفغانية (خاد) قد دخلت في صفوف المجاهدين حول كابل، ويصبون الزيت علي النار، وبينهم أفراد كانوا ضباطا سابقين في الدولة إنضموا حديثا إلى المجاهدين وتولوا مهام قيادية حول كابل، ثم بدأت لعبتهم الكبرى في إشعال الفتنة الداخلية.

والغريب أن الزعماء في بيشاور كانوا يدافعون بإستماتة عن هؤلاء المندسين  ويشهدون لهم بالإيمان والإستقامة وبأنهم يعملون معهم منذ زمن طويل وأنهم إنضموا إليهم علانية عندما إكتشفت الدولة أمرهم . فاختلطت الحقائق وتداخلت الصفوف وأصبح صعبا معرفة  الحقيقة أو ومعرفة من يعمل مع من؟.

كانت كابل تحظى بأكبر حشد من الرجال والأسلحة بناء على طلب باكستان من الأحزاب الأفغانية . فهكذا تقضي الإستراتيجية التي وضعها الجنرال أختر عبد الرحمن مدير المخابرات العسكرية وأقوى رجل في الدولة بعد ضياء الحق . وحسب أقوال الزعماء في ذلك الوقت فإن  عدد رجالهم تراوح  ما بين 20 إلی30 ألف مجاهد للحزب الواحد .

سياف رغم حداثته إستطاع حشد ثلاثين ألفا حول كابل، حسب تصريحاته الشخصية . وبالطبع تم ذلك على حساب الآخرين فكان من المنطقي أن تحدث الإشتباكات .

في كتابه (فخ الدب) ذكر الرائد (محمد يوسف) رئيس فرع أفغانستان في الإستخبارات العسكرية أن سياف طلب منه أن يتولى بمفرده مهمة الدفاع عن المنفذ الحدود في (جاجي).

وكان يرغب ألا يشاركه حزب آخر في تلك المهمة . ويبدو أن الإستخبارات الباكستانية أوكلت إليه المهمة الرئيسية وتركت للآخرين دورا ثانويا.

كانت المنطقة هامة جدا كمنفذ حدودي تعبر منه الإمدادات من باكستان إلى عدد كبير من الولايات الأفغانية ، وذكر(محمد يوسف)أن جاجي كان يعبر منها ما نسبته 40% من الإمدادات. لقد إندفع سياف إلى مقدمة الصفوف بذهابه إلى جاجي.فهو يدافع عن منفذ هام ومنطقة استراتيجية في إعتبارات باكستان ،وكان قبلها قد حجز لنفسه مكانا بارزا في كابل، تطبيقا لنفس الإستراتيجية الباكستانية، وإن أدى ذلك إلى قتال داخلي حول كابل . وفوق ذلك كله حققت له جاجي مركزا متفوقا لدى العرب فأصبح زعيمهم الأكبر ومثلهم الأعلى ومهوى الأفئدة والأموال. ومن هنا فإن العلاقات الداخلية بين الدول (الحليفة) أمريكا / باكستان / السعودية كلما تعرضت إلى(مشاكل عائلية)فإنها تنعكس في  موقف كل دولة من حليف الدولة الأخرى .

فعندما غضب ضياء الحق من السعودية قال  لسياف في أحد  المواقف : (إن الأموال لا تصنع الزعماء ، فإن لم تفعل ما أقول فسوف أعيدك من حيث أتيت).

ولا يمنع هذا من أنه أضطر أحيانا إلى تأديب فتاه المدلل حكمتيار عندما رفض الأخير مقابلة الرئيس الأمريكي فقال له ضياء الحق : ( نحن الذين صنعناك ويمكن أن ندمرك في  ثوان) وأبلغه ذلك عن طريق مدير المخابرات .

وقد عانى حكمتيار من فترات التوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية،حيث وجه إليه الأمريكان حملات إعلامية شديدة وتصريحات عنيفة من مسؤوليهم .

كانت المنافسة الباكستانية مع حلفائها تدور في الخلف ولكنها كانت عنيفة في بعض الأحيان إلى درجة سالت فيها بعض الدماء.

 فى زيارة خطيرة لم تَخْلُ من المرح ــــ  مجموعتنا الخاصه تتحرك إلى خوست :

/ بحلول عام 1985 / إستقر الوضع في بشاور طبقاً للتخطيط الأمريكي الجديد. ولم يؤثر ذلك بأي شكل على (الأنصار العرب) في بشاور أو بلاد العرب.

كما لم تظهر لنا أي دلالة على أن الدكتور عبدالله سوف يغير قليلاً أو كثيراًمن أسلوب  عمله السابق. فى شهر مايو تحركت نحو ميرانشاه مع عدد من أفراد لجنتنا)شبه السرية)في طريقنا إلى خوست حتى نرى طبيعة الوضع هناك.

ونقرر ماذا نستطيع عمله من مشاركة مباشرة في القتال. وطبقاً لظروفنا )التعيسة(وعددنا التافه. غادرت مع (أبو حفص) و (عبد الرحمن المصرى) وكلاهما من مصر ومعنا أبو عبيدة العراقي ولم يكن عضواً في (اللجنة) بل صديقاً حميماً لعبدالرحمن “وحذره مراراً من العمل معي طبقا لما يسمعه عنى فى بيشاور”. ولما لم يستجب له قرر أن يصاحبنا كي يراقب الأمورعن كثب. ولم أر بأساً في ذلك، ثم أصبحنا أصدقاء فيما بعد. إصطحبت معي أبنائي خالد وعبدالرحمن.

الأول كان في الحادية عشر تقريباً والآخر في السادسة. وأظنهما أول أطفال العرب دخولاً إلى أفغانستان. وكانت فرحة المجاهدين بهما عظيمة عندما وصلا إلى جاور. وأصبحت لهما شهرة كبيرة في المنطقة، وسرقا الأضواء مِنّا نحن الأربعة الكبار. نزلنا في إحدى مغارات جاور. وإستقبلنا فيها شهر رمضان.

{ وعلى بعد خطوات من ذلك المكان، وبعد  ثلاث سنوات تقريباً قُتل إبني خالد مع إثني عشر شابا عربيا بقنبلة طائرة روسية . وقبل ذلك بثلاثة أشهر كان قد إستشهد صديقى عبد الرحمن المصرى فوق جبل تورغار بواسطة لغم روسى . وفى عم 2011 استشهد أبو حفص المصرى بصاروخ طائرة أمريكية}.

كان حقاني في ليجاة في ذروة النشاط، يحاول التجهيز لاستقبال هجوم سوفييتي كبير كان يعتقد أنه قريب. وأرسل تحذيرات شفوية وكتابية إلى قادة الأحزاب في بشاور، يحذرهم من الهجوم المرتقب ويعرب عن خشيته من أن يحاول السوفييت إغلاق منافذ (جاجي) و (جاور) في هجوم واحد يفِكّون من خلاله الحصار المضروب حول مدينة (خوست( ويفتحون الطريقين المؤديين إليها طريق (زدران) وطريق (منجل).

لكن لم يستجب له أحد بطبيعة الحال، فلم يكن ذلك من سياسة الأحزاب ولا سياسة الحكومة الباكستانية. فقط عندما تقع الكارثة تسحب باكستان قادة الأحزاب وترغمهم على فعل شيء ما وإخراج ما لديهم من أسلحة وأموال، وأن يطلبوا من أعوانهم التنسيق فيما بينهم.

كان ذلك فقط إجراءاً إستثنائياً في حالة وقوع الكوارث. أما قبل ذلك فلا.. لم تكن مصالح باكستان أو قيادات الأحزاب تتفق مع وجود قيادة قوية متحدة للمجاهدين في الجبهات، فباكستان ستفقد معها القدرة على السيطرة والتحكم وفق سياسة فرق تسد التي ورثوها عن أسيادهم البريطانيين.  أما قادة الأحزاب فمكانهم الطبيعي تحت أقدام سادتهم في العاصمة الباكستانية يتلقون منهم المال والسلاح.. والأوامر، ولا مكان لهم في ميادين الحرب. وأي إتحاد بين قيادات الداخل، وحتى أي تنسيق طويل المدى كانوا ينظرون إليه على أنه مؤامرة موجهة  ضدهم مباشرة. وهكذا إتهمنا سياف بالتآمر عام 84 عندما إقترحنا العمل عسكرياً في كل ولاية باكتيا، تحت زعامته وبجميع القادة المخلصين في الداخل بصرف النظر عن الإنتماءات الحزبية. ولكنه في حملة1985 ضد جاجى،  هرب وترك مواقعه، ولم تتحرك باقي المنظمات

إلاعندما أصبح أمن باكستان مهدداً بالخطر، وإقتربت القوات السوفييتية إلى بعد مئات الأمتار من جاجي وخمسة كيلومترات من (جاور(. فهمنا وقتها ــ وللأسف لم يوافقنا سوى قليلون جداً – أن الأحزاب الأفغانية تخدم باكستان  قبل أن تخدم الجهاد، بل أنها تضر بالجهاد من أجل سياسة باكستان.

كان عبدالرحمن المصرى وأبوحفص كلاهما قد شارك في معارك الشتاء الماضي في (شريناو) إلى الجنوب من (جاجي)،تحت قيادة مولوي (فتح الله حقاني) وكانت معركة قاسية، بسبب ثلوج الشتاء وقلة التجهيزات، وشدة الهجوم الحكومي.

تعلم الإثنان طريقة تشغيل وإستخدام صواريخ )الكاتيوشا 107مليمتر( من فوق الصخور وبدون جهاز إطلاق.

وكان الإثنان قد خدما سابقاً في الجيش المصري، أبوحفص كضابط إحتياط، وعبد الرحمن المصرى كلاعب كرة قدم غير حريص على واجباته العسكرية.

وإشتهر الإثنان  بالإمتياز في لعب كرة القدم، حتى نالا شهرة بين عرب بشاور،وبالتالى تمتعا بلياقة بدنية عالية جداً، ثم فطرة شجاعة إلى درجة الجنون. وقد لاحظ الأفغان ذلك في معركة (شريناو) حتى أطلقوا عليهما لقب (العرب المجانين).

صالون حلاقة بالإكراه فى مغارات جاور :

كان الجو حاراً فاقترح عبدالرحمن المصرى ، وكان أكثر المجموعة حيوية ومرحاً مهما كانت المواقف لذلك كان أقرب الإخوة إلى قلبي، إقترح وقتها أن نحلق رؤوسنا بالموس، بدعوى أنه فعل ذلك العام الماضي وشعر بتحسن كبير.

وفعلاً حلقنا جميعاً حتى الأطفال، وكنّا نحن الستة في مغارة واحدة. وبعد إتمام العمل جاء أحد المجاهدين، وعندما  رآنا جميعاً برؤوس لامعة فقع من الضحك وذهب ينادي زملاءه حتى يشاهدوا منظرنا العجيب، ستة من المخلوقات الغريبة حليقة الرؤوس داخل مغارة معتمة، ياله من منظر رهيب.

نصحه عبدالرحمن ألا يفعل ولا ينادي أحداً، لكنه أصر، فقام إليه مع أبي حفص وأبي عبيدة وشدوا وثاقه إلى أحد الكراسي وصبوا الماء البارد على رأسه.. ثم حلقوا شعره بالموس، ولم يفده الصراخ حتى صار رأسه لامعاً مثلنا.. ففضل أن يمكث معنا في المغارة.

سبب الطفلان إزعاجاً لي، كانا كثيرا الشجار ليلاً ونهاراً، عبدالرحمن عصبي، وخالد خبير في إثارة المشاكل لأخيه. في تمرينات الرماية تفوق خالد بسرعة مدهشة، عبدالرحمن ما زال يغمض عينيه عند الضغط على الزناد إضافة إلى حاجته إلى شخص يسنده من الخلف حتى لا يسقط أرضاً أو أن يؤذيه إرتداد الكلاشنكوف. بالطبع لا يصيب الهدف ولكنه يتعارك دائماً مع الذي يسنده من الخلف لأنه هو الذي إهتز وأضاع منه الهدف. إنتقلنا جميعاً إلى (ليجاه( لمقابلة مولوي جلال الدين هناك حتى نعلم منه ما هو الموقف الآن في المنطقة وماذا ينوي أن يفعل. وصلنا هناك وبدأت مشكلة الأولاد مرة أخرى، ليس بسبب أخطار الحرب ولكن لرغبتهما في المشاركة فى الجهاد!!. وتوَّقَد حماسهما عندما وصلنا قمة جبل مرتفع حيث مدفع (زيكوياك) مضاد للطائرات مع طاقمه. خالد مُصِرّ على أن يطلق عدة طلقات وأن يتعلم على المدفع.

وبالفعل سمحوا له بذلك لفرط فرحتهم بوصول الأطفا إليهم  فى ذلك المكان الخطير. عبدالرحمن أطلق هو الآخر من نفس المدفع، فلم يكن ليسمح أن يتفوق عليه أخاه الأكبر. تحركنا فوق الجبل ووقف أحد المجاهدين يشير لنا على مواقع العدو القريبة من حافة الوادي. طالبته بالإحتراس في حركته ولكنه ضحك وأشار بيده مستهيناً بالعدو وإستمر في الشرح حتى وصلت قذيفة دبابة قريباً منّا. فإختطفت عبدالرحمن وأسرعت بالإنحدار إلى الجانب الآخر من الجبل.

إستمر القصف ونحن نتناوب حمل الغلام حتى وصلنا ونحن نعاني من خدوش فى الأرجل، ولكن .. وذلك هو العجيب ، كان عبدالرحمن فى غاية السعادة لتلك المغامرة التي مازال يذكرها حتى اليوم. ولم يكن أخوه خالد أقل سعادة وهو الذي يطير فرحاً إذا حدث أي شيء غير عادي، إنزعج منه الآخرون.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

حقانى يقول: لماذا لا تغلقون أنتم المطار ؟؟.

فوق جبال ليجاه  وقت الضحى، جلسنا مع الشيخ جلال الدين فوق قمة أحد الجبال المشرفة على الوادي. كان شهر رمضان في أيامه الأولى.وحقاني في إجتماع مع  قادته.

تركناه حتى يفرغ  من محادثة رجاله وجلسنا نتناوب النظر إلى وادي خوست بمنظار مقرب كنت أمتلكه وكان فريداً من نوعه وقتها.

فالمناظير المقربة وأجهزة الإتصال اللاسلكي الصغيرة كانت قليلة جداً وسيئة النوعية. أحد المتبرعين أرسل منظاراً فلكياً !! وجدناه فوق الجبل، حاولنا إستخدامه فوجدناه لا يصلح لشيء ، أوْصَيْتُ بإرجاعه إلى الإمارات من حيث أتى. حلقت طائرة ضخمة تطير على إرتفاع منخفض فوق الوادي كي تهبط في مطار المدينة الذي لا نراه من موقعنا.و لم تلبث أن جاءت طائرة أخرى وهبطت، أصابتني الدهشة، كيف تستطيع الطائرات أن تهبط هكذا بحرية في المطار؟. سألت الشيخ حقاني هذا السؤال بعد ذلك بدقائق.

فقال بأن القوات الحكومية قد سيطرت على جبل تورغار منذ شتاء العام الماضي بهدف تأمين المطار من هاونات المجاهدين. فذكرت له أن الصواريخ الجديدة مداها كبير (9كيلومتر) ويمكنها إصابة المطار حتى لو كان تورغار مع الحكومة، وتساءلت لماذا إذن لا تغلقون المطار؟.

وبمهارة فائقة رد الشيخ بجدية : ولماذا لا تغلقونه أنتم؟. لقد أثرت تلك الكلمة إلى حدٍ كبير في (مستقبلي العسكري!!) فى أفغانستان، ولم أدرك ساعتها عمق ذلك التأثير، فقط قبل نهاية الحرب فهمت إلى أي درجة كانت تلك الكلمة حساسة، وأن الأمر كان أكبر كثيرا مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 9

 

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 8

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 8

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 158 ) | شعبان 1440 هـ / أبريل 2019 م .                  

19/04/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 8 )

– ضابط سوفيتى :{ لايمكن هزيمة ” المتمردين” بواسطة جيش يفر من المعركة ، وجنود ميليشيا لا يؤدون واجباتهم}.

– الوفود الإسلامية تجاهلت جبهات القتال وركزت على دعم سياف زعيما لأحزاب بيشاور .

– يونس خالص : الإخوان العرب أفسدوا كل شئ ، وبعد كل زيارة لهم تظهر لدينا مشاكل لم تكن موجودة قبلا. واللجنة العسكرية للإتحاد تحولت إلى لجنة لدفع أجرة نقل الأسلحة بالخيل والبغال .

– حقانى رفض منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية لأنها تحولت إلى لجنة لدفع نفقات نقل الأسلحة إلى الداخل ، ويتوجه لبدء معركة فى الأورجون رغم معارضة سياف .

– قائد حكمتيار فى أورجون يصر على منصب قيادة العمليات، ويفتح الطريق أمام النجدات السوفيتية.

– المباحثات بين مسعود والسوفييت إنتهت بعقد هدنة وصفها قائد ميدانى بأنها طعنة فى الظهر .

– إستعداد باكستانى وعالمى لقبول حكومة مشتركة “شيوعية/ إسلامية” بقيادة حكمتيار، والشيوعى بابراك كارمل  ،لفرض السلام على الجميع ووقف “الحرب الأهلية”.

– نقاش مع ضباط الإتحاد حول تصنيع الذخائر ، وحقانى يصف المشروع بأنه” الأهم فى الوقت الراهن”.

– دروس فى النقد الذاتى مع برهان الدين ربانى فى مدينة “وانا” جنوب وزيرستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 

أحداث عام 1982م زودتنا بالعديد من الإشارات الهامة على المستوي الأفغاني والمستوي العربي. فمن تجربتنا  المباشرة في أطراف خوست إستنتجنا أن خوست يمكن فتحها بل أن السوفييت يمكن دحرهم من أفغانستان كلها.

وهكذا فإن الإنتصارات ـ حتى الصغير منها ـ تعطي دفعات معنوية هائلة.  وفي المقابل كانت القوات الشيوعية تنهار معنوياتها بنفس المقدار. وفي تصريح نادر قال أحد الضباط السوفييت للصحافة ):

لا يمكننا هزيمة هؤلاء المتمردين بواسطة جيش يفر من المعركة وجنود ميليشيا لا يؤدون واجبهم على الوجه الأكمل).وهو تصريح يصلح لأن يقوله ضابط أمريكى الآن فى عام 2019 وفي ليجاه أيضا قصفت طائرات الهليكوبتر مراكز المجاهدن بنحو 3600 صاروخ في المعركة الأخيرة فقط !! . وأسقط المجاهدون إحدى هذه الطائرات ـ وربما أكثر من واحدة ـ ووجدوا جثث  متفحمة لنساء في واحدة منها .

لا ندري حتى الآن السر في وجود هؤلاء النساء في الهليكوبتر،  ولكن الحادث نفسه إستفز مشاعر المجاهدين وسكان المنطقة .

 

ثورة فى الأورجون

مع بداية عام 1983م كان المجهود الإسلامي الشعبي منحصراً في جمع التبرعات العينية للمجاهدين الأفغان. ومقولة أن الأفغان ليسوا في حاجة إلي الرجال كانت هي السائدة ويروج لها الإخوان المسلمين وباقي العاملين على الساحة الإسلامية الشعبية .

وصلت إلي بيشاور في ربيع ذلك العام لأجد الضجيج واللغط أعلى من أي عام سبق . والوفود الإسلامية الوافدة في قمة نشاطها . لقد جمعت السعودية أبرز الشخصيات الإخوانية مع بعض السلفيين وعدد  من أبرز ضباط إستخباراتها وكونت (لوبي) إسلامي شعبي ، يضغط من أجل تثبيت زعامة سياف للجهاد في أفغانستان، وأيضا للضغط إعلاميا وشعبيا على ضياء الحق حتى يتوقف عن مساعدة الأحزاب الأخرى.

رغم أن ضياء الحق كانت له حساباته المختلفة ،ويعتبر حكمتيار هو الورقة الباكستانية الثابتة والأكيدة على الساحة الأفغانية.

ومع هذا نجحت الضغوط السعودية بإستخدام الأموال لتسكين خواطر قادة الأحزاب الأفغانية وبإستخدام القيمة الدينية للكعبة المشرفة، فجذبت السعودية ووفدها الإسلامي زعماء الأفغان إلي داخل الكعبة كي يقسم الجميع على البقاء في الإتحاد وعدم الخروج عليه وعلى طاعة زعيمه سياف والقسم على حل المنظمات التابعة لهم والإندماج كليا في الإتحاد .

وقد وقع القادة على بيانات تفيد بذلك ، وقامت السعودية والإعلام الإخواني بنشر تلك البيانات علي أوسع نطاق ممكن .

بالطبع لم يكن ضياء الحق راضيا عما حدث ، والقادة الأفغان كانوا في غاية الإمتعاض. وما أن حصلوا على الأموال التي وزعها عليهم الوفد الإسلامي ومسؤولي السعودية لقاء التوقيع على أوراق الإتحاد ، حتى توجه الزعماء جميعا ـ ما عدا سياف طبعا ـ إلى ضياء الحق كي يخبروه بأن ما حدث ليس إلا مجاملات دبلوماسية للوفود العربية، فلا يأخذ مثل ذلك التهريج السعودي مأخذ الجد.

ولكن الصراع الداخلي بين المنظمات صار أكثر حدة ، ليس فقط في مجال الحرب النفسية وحرب الشائعات في بيشاور والخارج ، بل أن الصدامات المسلحة شهدت منذ ذلك الوقت إتساعا ونموا كبيرا وألقت المنظمات الرئيسية معظم جهدها الداخلي في تنمية الصراع والقتال الداخلي.

لم يكن الإخوان أو السعوديين أو الوفود الإسلامية التي بدأ عددها يتزايد وكمية الأموال التي تحملها لسياف تتعاظم ، لم يكن يخطر ببالهم ـ أو أنهم تجاهلوا عمدا ـ مسألة الإتصال المباشر بالجبهات وكأن ذلك في إعتبارهم من الموبقات .

حتي سياف نفسه كان بعيدا جدا عن الجبهات أو العناية بشأنها . كان غارقا حتى أذنيه في الصراع مع زملائه قادة الأحزاب وكل همه منصب على تجفيف مواردهم المالية الخارجية ، أي الإستحواذ منفردا على نهر الأموال المتدفق من جزيرة العرب. كان ذلك يمكن فهمه لو أن سياف توجه بتلك الأموال ـ التي أكسبته قوة سياسية ومؤيدين وجذبت رائحتها عشرات القادة في الداخل، فبايعوه وأعينهم بالطبع على خزينته الممتلئة ـ لو أنة توجه بتلك القوة المالية والسياسية نحو جبهة  القتال لكان ما يفعله معقولا ومبررا.

 

منعطف فى معركة الأورجون

مع وصولي إلى بيشاور وجدت الشيخ يونس خالص متبرما ويضج بالشكوى من سياف والقاد والعرب. وأفاض معي بالشكوى قائلا :

إن “الإخوان العرب” أفسدوا كل شيء وأصبح الجهاد مهددا بالفشل من جراء تدخلهم . هم يأتون ويذهبون وفي كل مرة يخلقون ورائهم جبالا من المشاكل لم تكن موجودة أصلا . إنهم يحاولون شراءنا بالمال . قبل أن يعقدوا بيننا الإتحاد الأخير وزعوا علينا الشيكات وكأنها رشوة حتى نقبل بسياف . ولما جلسنا معهم وبدأت أنتقد سياسة  سياف تدخل أحدهم لمنعي من الكلام ، وأخرجت الشيك من جيبي ورميته إليه قائلا :”إذا كان هذا الشيك سيمنعني من الكلام فأنا لا أريده” . لقد جعلونا نقسم داخل الكعبة على الإتحاد وقبل أن نخرج من باب الحرم المكي بدأت الخلافات بيننا. ليس بيننا إتحاد وكل زعيم يعمل لمصلحته ولحزبه الخاص.

أنا رئيس اللجنة المالية وليس من صلاحيتي إستلام أموال التبرعات، وليس من صلاحيتي طلب كشوفات الصرف من رؤساء اللجان

 ـ الذين هم رؤساءالأحزاب ـ لقد أخذ كل منهم المال لنفسه ولحزبه ،تقسمت بينهم الأموال

 ولم يصل شيء للمجاهدين .

مثلا : اللجنة العسكرية التي يرأسها رباني صرفنا لها أكبر مبلغ من الميزانية وهو 260 مليون روبية باكستانية وإتفقنا مع رباني أن يدفع للمجاهدين أجرة إنتقال السلاح إلى داخل أفغاسنتان.

ولكنه دفع فقط لهؤلاء التابعين لحزبه (الجمعية الإسلامية) وعندما جاء له مجاهدو الأحزاب

الأخرى قال لهم أن الميزانية قد نفذت .والنتيجة أن قوافل المجاهدين التي تنقل السلاح جلست على الحدود ترفض التحرك إلي الداخل بدعوى أنها لا تملك أجرة النقل} .

قابلت الصديق القديم مولوي جلال الدين حقاني . كان أيضا في بيشاور وقد كلفه سياف أن يكون نائبا لرباني في اللجنة العسكرية . كان حقاني غير راض عن اللجنة العسكرية التي لاهم لها إلا دفع أجرة نقل الأسلحة بالبغال والخيل . فهي لجنة  نقليات وليست لجنة عسكرية .

إضطر حقاني لمغادرة بيشاور رغم عدم موافقة سياف . فقد كان لدى حقاني برنامج للعمليات ضد مدينة أورجون في ولاية باكتكا الواقعة إلى جنوب ولاية باكتيا( وتربطهما نفس السلاسل

الجبلية والوديان بل ونفس القبائل) .

تمكن حقاني من الحصول على نصف مليون روبية باكستانية من سياف لتمويل العمليات في الأورجون . وكنت برفقة حقاني وهو يغادر بيشاور كى أحضر تلك العمليات .

على بعد حوالي 40كم من بيشاور تقع قرية (دارا آدم خيل) التي تديرها القبائل الباكستانية وتتخذها مركزا لتصنيع وبيع الأسلحة ، ثم المخدرات والبضائع المهربة .

كان لحقاني أصدقاء أقوياء من تجار(دارا) كانوا على إستعداد لإقراضه معدات وذخائر بالملايين، على أن يؤجل الدفع إلى حين ميسرة . لم يخرج حقاني من (دارا) إلا وقد فرغ جيبه تماما ، إشترى مدفع واحد مضاد للطائرات(14.5مم) وذخائر للمدفع المذكور ولمدفع الدوشكا الموجود بالجبهة . إضافة إلى ذخائر خفيفة  ومنظاراً لمدفع ميدان . وخرج مديونا آخر النهار ، ولكنه كان سعيداً بتلك الإضافات الجديدة .

كان معنا في الرحلة ثلاثة شخصيات عسكرية ممتازة . الأول الرائد (جولزراك) المدرس السابق في الكلية الحربية والشاعر والمؤلف الأديب . والثاني الضابط محمد أختر الذي طرد من الجيش وسجن عدة سنوات مع سياف بسبب إنتمائه الإسلامي . والثالث ضابط المدفعية سراج الدين ، وقد كان قوي البنية متجهم الوجه ولا أذكر أنني رأيته مبتسما. وإنضم إلينا رابع هو الضابط معافي خان ، كان هو أيضا قوي الجسم ولكنه خجول لطيف المعشر ودود مع كل الزملاء .

والأخير إستمرت معرفتي به حتى نهاية الحرب حيث أصبح قائدا بارزا من قادة حقاني . أما الثلاثة الآخرون فقد كانت تلك بداية عملهم مع (الإتحاد) وتحت قيادة سياف . كان سراج الدين ومعافي خان كلاهما من رجال المدفعية وكانت مهمتهما تشغيل أحد المدافع لمساندة المجاهدين . أما جولزراك ومحمد أختر فكلاهما كانت مهمته إستشارية وأيضا لجعل هذه المعركة بإسم الإتحاد الإسلامي لمجاهدين أفغانستان . وأظنها كانت المرة الأولى ـ وربما الأخيرة ـ التي يحاول سياف أن يدعم معركة عسكرية ليست نابعة من تنظيمه ، ولكنه حتى ذلك الوقت كان يعتبر حقاني أقرب حلفائه . ويكفي أنه السبب المباشر في إنتخابه رئيسا للإتحاد عام 1980م كما أنه من أكبر الدعاة إلى الإتحاد بين فصائل المجاهدين .

مع الضباط الثلاثة أجريت نقاشات كثيرة ممتعة أفادتني كثيرا في التعرف على أحوال الجيش قبل الإنقلاب الشيوعي وتصرفات الضباط المعادين للشيوعية في الجيش وكيف دبروا عدة محاولات إنقلابية فشلت جميعها  بسبب الإرتجال وسوء التنظيم . كما رتبوا الكثير من عمليات الفرار مع جنودهم وعتادهم وإنضموا للمجاهدين وتأثرت كثيرا بقصص التطهيرالدموي داخل الجيش الأفغاني . وللحقيقة فإن السوفييت إستطاعوا تكوين كوادر عالية التأهيل داخل قطاعات الجيش والمخابرات والحزب أو الأحزاب الشيوعية .

وكان الإنقلاب الشيوعي عام 1978م خاتمة سلسلة أعمال دؤوبة ومنظمة ينفذها الشيوعيون الأفغان تحت توجيه مباشر من مسؤوليهم في السفارة السوفييتية في كابل . وكان للمسلمين بعض المجهود التنظيمي داخل الجيش، خاصة من طرف حكمتيار، ولكنها كانت سيئة وبدائية لذا كشفت بسهولة وقمعها الشيوعيون بوحشية بالغة.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

 عرقلة الفتح :

كان من المفروض أن ينهي الوفد العسكري الإتحادي بالتعاون مع حقاني مباحثات مع قادة المنطقة من الأحزاب المختلفة بهدف شن هجوم موحد على مدينة أورجون . طالت المباحثات كثيرا رغم إتفاق معظم القيادات على العمل بشكل مشترك تحت قيادة حقاني . ولكن قائد حزب إسلامي حكمتيار رفض هذا الإتفاق وأصر أن يكون هو القائد العام . كان ذلك القائد حديث السن والتجربة ولم يكن موضع ترحيب من الآخرين لأسباب متعددة ولكنه أصر . هذا القائد ويدعى(خالد فاروقي) وافق في نهاية الأمر أن يمنع النجدات العسكرية الشيوعية من دخول المنطقة حيث أن موقعه على التلال والجبال المشرفة على الطريق تمكنه من ذلك ،ورغماً عن سهولة العملية لكون الطريق قد تم تلغيمه بكثافة . فقد ضاعت عدة أشهر في تلك المباحثات  حتى بدأت المعارك مع دخول الشتاء. إنضمت دبابتان إلى المجاهدين ، في إحدهما ضابط كبير يدعى “نظر محمد” من قبيلة زدران وعلي درجة من القرابة مع الضابط الإتحادي جولزراك. ( فيما بعد إنضم نظر محمد إلى حزب سياف وعميلا مزدوجا للقوات الحكومية. فكان من الأسباب الرئيسية فى سقوط جبال ستى كاندو وعبور الجيش السوفيتى إلى خوست لأول وأخر مرة ـ  فى تلك الحرب وذلك فى شتاء عام( 87 ــ 1988 ).

إستخدم المجاهدون الدبابتين في فتح الحصن  الذي كنا نشتبك معه . ثم هاجم المجاهدون المدينة نفسها وإقتحموا نصفها، وتهيأ النصف الآخر للإستسلام لولا أن حدثت مفاجأة.

جاء الخبر أن القوات الروسية قد عبرت المناطق الملغومة وهي في طريقها إلي المدينة. أصدر حقاني أوامره إلي المجاهدين بالإنسحاب فورا من الوادي والصعود إلى قمم الجبال . لقد بدأت القوات الروسية حملة مطارة شرسة للمجاهدين ، وكانت الثلوج قد غمرت المنطقة وجعلت حياة المجاهدين لا تطاق . فليس لديهم مراكز إيواء فالطيران يطاردهم في كل مكان والهيلوكبتر توجه نيران الصواريخ والمدفعية . وتسرب المجاهدون إلي خارج المنطقة ، ولم يتبق إلا حقاني وعدد محدود جدا من المجاهدين . وإنتشرت إشاعة بأن الروس سوف يقومون بعمليات إنزال خلف المجاهدين لقطع طريق إتصالهم مع باكستان . لقد كانت تجربة عسيرة بالنسبة لحقاني ، ولكنها لم تكن الوحيدة في حياته من هذا النوع .

كان سبب هذا الإنقلاب أن خالد فاروقي ترك مراكزه فوق الجبال وغادر المنطقة بسبب  البرد والثلج وبدون أن يخطر حقاني بذلك . فأوقع بذلك هزيمة مؤلمة بالمجاهدين وأضاع عليهم نصرا لا شك فيه .

مثل هذه الحوادث تكررت بشكل لا يترك لدينا شك في أنها كانت مرتبطة بالصراعات الحزبية والأحقاد الشخصية وأحيانا بأوامر من باكستان  كما سنرى تفصيلا في مناسبات لاحقة سوف نتناولها.  إن رفض فاروقي للإتفاق أخر المعركة عن موعدها المقرر عدة أشهر حتى بدأت في موسم الثلوج الذي لا يناسب المجاهدين بأي شكل ولكنه يناسب العدو بشكل مثالي .

 

التصنيع العسكرى:

كان الضباط الثلاثة أذكياء ومثقفين على غير عادة ضباط الجيش . وبقدر ما كانت أحاديثي معهم مفيدة ومفعمة بالأمل إلا أنها إنتهت بالدخول إلي أبواب مشاريع عملية أدت إلي تبديل مساري مع سياف والإتحاد، بل أثرت إلى درجة بالغة على تواجدي في أفغانستان وحتى نهاية الحرب ، وربما إلي وقتنا الحالي . ولنبدأ القصة من أولها .

بينما نحن في الجبهة والمناوشات مع العدو على أشدها وكان نجم الموقف هو مدفع الدشكا وراميه العجيب الذي صار مضرب الأمثال في الصبر والصمود والدهاء ، فقد كان مشتبكا بمفرده مع حصن رئيسي للعدو ، ومع الهيلوكبتر الذي يداهمه من آن لآخر ثم مع المدفعية التي تباغته علي فترات متقطعة .

صار الرجل مضرب الأمثال في موقعه المنعزل ، ولا يطيق أحد من المجاهدين أن يصبر معه يوما واحدا أو يومين . بينما هو راسخ كالجبل يشتبك بمفرده مع جيش كامل ، فأثار حماس الجميع وكانت تذهب إليه وفود المجاهدين للتهنئة وتقدم له الدعم من بعيد خاصة ضد مشاة العدو إذا حاولوا التقدم للقضاء عليه. وفجأة توفقت الدشكا وتقهقر الرامي إلى الخطوط الخلفية. فقد نفذت الذخائر. عم الحزن صفوف المجاهدين لتوقف هذه الإشتباكات الرائعة والمثيرة ، وبدأ الطيران بأنواعه يكنس المنطقة موقعا موقعا . إستغرق الأمر حوالي أسبوع حتى

إستطاع مولوي (محمد حسن)، قائد الموقع أن يجد عدة صناديق ذخيرة . هنا تساءلت على إستحياء لشعوري أنني أتطرق إلى أسرار عسكرية فسألت الرائد جولزراك ـ وقد كان أقرب أفراد المجموعة إلى نفسي ـ سألته : (ألا يصنع الإتحاد ذخائر للأسلحة الأساسية؟). وفي الحقيقة كنت أتوقع أن سياف قد بدأ منذ مدة في شيء مثل هذا .

ولكنني فوجئت بتأكيد جولزراك أن مثل هذا الشيء غير موجود بل أنه ـ على خطورته ـ لم يطرح للبحث ولو لمرة واحدة !!.

وهنا تدخل باقي الضباط وإتسعت المناقشة لتشمل الوضع السياسي للقضية الأفغانية إضافة إلى وضعها الداخلي سياسيا وعسكريا ، وكانت حقا مناقشة مستفيضة ، بل ممتعة ومفيدة والأهم أننا خرجنا في نهايتها بقرار ومسودة مشروع لتصنيع الذخائر على أن أتولى بشخصي مفاتحة سياف وإقناعه وبدء العمل معه في المشروع .

وذلك لما يعرفونه من قوة علاقتي به ولكوني عربي ـ وهذه هي المفاجأة ـ فسوف أستطيع تحريك الموضوع أكثر من أي واحد منهم رغم أنهم من الطاقم العسكري للإتحاد!! . وذلك للمكانة  الخاصة  التي يحظى بها العرب لدى سياف !!.

كانت مبررات العجلة في ذلك الأمر راجعة إلى الموقف السياسي العالمي من قضية أفغانستان ، إضافة إلي تطورات داخلية خطيرة .

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

الأمم المتحدة وباكستان ، لحل القضية :

ففي 22 أبريل 1983م إستطاع المبعوث الخاص للأمم المتحدة لدى أفغانستان أن يتوصل إلى إتفاق بين حكومتي كابل وإسلام آباد. يقضي الإتفاق بالسعي عبر مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين وبواسطة الأمم المتحدة إلى إقرار تسوية سياسية لمشكلة أفغانستان من أجل وضع

أساس دائم لحسن الجوار بين البلدين .

كانت ضربة سياسية غير متوقعة إهتز لها وضع الجهاد وبدأت تظهر أولى معالم التآمر الدولي على المجاهدين ، وبواسطة باكستان المحضن الأساسي للأحزاب والمجاهدين . وكان التوقيت في حد ذاته دعما سياسيا لنظام كابل الذي يحتفل سنويا بيوم الثامن والعشرين من أبريل لذكرى الإنقلاب الشيوعي .

فظهر الأمر كأنه هدية أعياد الميلاد تهديها الأمم المتحدة للنظام الشيوعى . وكانت أول إشارة عن حالة العداء المكتوم الذي تكنه المنظمة الدولية للأفغان وقضيتهم الجهادية. طبعا حاول أرباب الجهاد أن يردوا بطريقتهم التهريجية على ذلك التحدي الدولي فجاء الأعلان عن الإتحاد السباعي الذي تحدثنا عنه منذ قليل والذي نظمته الإستخبارات السعودية والإخوان المسلمون وأفراد آخرون لا ينقصهم الإخلاص ولا الأموال ، ولا السذاجة أيضا .

وكان الإعلان عن قيام الإتحاد(الورقي) في 22 مايو 1983م . (الموافق التاسع من شعبان 1403هـ) .

ولا شك أن الإتحاد المزعوم كان تفاقما للأزمة السياسية التي يعيشها الجهاد منذ نشأته . وجاءت الخطوة الدولية ببدء المفاوضات لتزيد الأزمة سوءا وتفتح مزاد البيع والشراء في قضية الشعب الأفغاني بل قضية الجهاد الإسلامي نفسه .

داخليا كانت هناك كارثة لا تقل سوءا. فبعد  حملات بانشير التي يقال أنها وصلت إلى سبع حملات عنيفة قام بها السوفييت لتدمير قواعد مسعود في بانشير .

هذه الحملات أسفرت مؤخرا عن مباحثات ثنائية بين مسعود والجنرالات السوفييت إنتهت بإعلان هدنة بين الطرفين . وكانت قنبلة أحدثت دويا عنيفا في أوساط المجاهدين في الداخل، ولغطا في بيشاور التي لا ينقصها  اللغط .

بعض القادة المخلصين في الجبهات أخبرني وقتها بأن هدنة مسعود إنما هي طعنة في  الظهر وبداية النهاية للجهاد ، وفي الداخل كانت تعليقات المجاهدين تدور حول هذا المعنى .

تحدثت مع ضباط الإتحاد … وكان تقييمنا أننا أمام مؤامرة دولية وإنهيار داخلي عند مسعود قد يكون مؤامرة داخلية كما يعتقد البعض. إذن عاجلا أو آجلا فسوف تقطع المساعدات الخارجية القادمة عبر باكستان ، بل أنها قد تغلق الحدود في وجه المجاهدين في محاولة لفرض تسوية سياسية لقضيتهم لا توافق أهدافهم الإسلامية .

وزاد الطين بلة تسريبات روجتها الصحافة العالمية عن إستعداد باكستاني لقبول حكومة شيوعية  إسلامية مشتركة ، يكون فيها بابراك كارمل الزعيم الشيوعي الأفغاني رئيسا للبلاد ، ويكون حكمتيار الزعيم الأصولي المتشدد رئيسا للوزراء .

وبهذا يكون الرجلان القويان قادران على فرض السلام على جميع الأطراف ووقف (الحرب الأهلية في البلاد!!) .

كانت تلك أول إشارة ، ولم يصدقها أحد خاصة نحن من السذج المتحمسين، فمهما كانت تحفظاتنا على قادة الأحزاب فلن يقبل أيا منهم بالمشاركة في السلطة مع الشيوعيين ، وكم أثبتت السنوات التالية مقدارغبائنا .

المهم كان إستنتاجنا الأساسي أنه لا بد من السعي نحو الإكتفاء ذاتيا من الذخائر المهمة وتصنيعها داخل المناطق المحررة من أفغانستان تحسبا لاحتمال إغلاق الحدود مستقبلا عند إقرار تسوية سياسية . وقلنا أنه حتى في حالة فشل مثل تلك التسوية أو تأخيرها ، فإن إمتلاك المجاهدين تلك القدرة التصنيعية والإكتفاء الذاتي في الأساسيات سوف يقوي موقفهم إزاء باكستان وأي طرف خارجي يحاول الضغط عليهم أو التأثير على قرارهم . كانت إستنتاجاتنا منطقية ومعقولة وتحمس الجميع لها لدرجة أنهم تعجلوا ذهابي إلى بيشاور لبحث الأمر مع سياف والبدء فيه فورا .

كما أن الجبهة هي أفضل مكان لقضاء شهر رمضان ، كذلك فإن أمتع أيام العيد تكون هناك. خاصة إذا لم يهاجم العدو .قضينا يومين من المرح ومسابقات الرماية . وبما أنني كنت  صاحب الفكرة فقد إضطررت إلى تمويل برامج الجوائز . إستطعنا الحصول على بعض البيض  والحلوى المخزونة منذ العهد الملكي.

ولكن، نسيت أن أقول أيضا أن الجبهة هي أفضل مكان  تكتشف فيه أن حتى أبشع المأكولات التي ترفضها في حياتك العادية تجدها أشهى من  طعام الملوك . ودعت الجميع … مودعا ذلك الجو القدسي … مقبلا بكل أسى نحو بيشاور ثم بلاد العرب .

كان عليّ  أن أقابل حقاني في مدينة ميرانشاه . وأتى معي أيضا مولوي محمد حسن لتعزية حقاني الذي توفيت أخته في شهر رمضان … وقد ترك الجبهة فجأة عندما علم بحالتها و حضر وفاتها … وما أكثر الحالات التي تلقى فيها حقاني التعازي .

 

مع رباني فی ( وانا )  :

ربانى والنقد الذاتى

(وانا) مدينة جبلية وهي عاصمة الجزء الجنوبي لمنطقة وزيرستان الحدودية ، كما أن ميرانشاه هي عاصمة الجزء الشمالي . والمسافة بينهما تقطعها السيارة العادية في ثمان ساعات .

قضينا الليلة هناك في بيت ريفي ضخم يملكه أحد الأفغان ويستضيف فيه المجاهدين أثناء عبورهم رغم أن أكثر الأحزاب إفتتحت لها بيوتا خاصة في المدينة . جلسنا في غرفة الضيافة وما هي إلا ساعة حتى سمعنا طلقات غزيرة تملأ السماء نورا والأرض ضجيجا.

(لقد وصل الأستاذ رباني)هكذا أخبرنا مضيفنا. وما هي إلا دقائق حتى وجدت الرجل يجلس إلى يساري هادئا وقورا خفيض الصوت . رحبت به بالعربية ففرح كثيرا لكوني عربي فلم يكن هذا وارداً في ذلك الوقت ، أي وجود العرب في تلك الأماكن وإندهش أكثر عندماعلم أنني قادم من الأورجون . وبدأ بيننا حديث طويل .

وبما أننا نجلس على الأرض في بيت طيني وفي منطقة قبلية نائية تهب عليها نسمات الجهاد من أفغانستان فقد تخيلت أنه حديث من القلب خاصة أن الرجل فاجأني بكمية من الصراحة و (النقد الذاتي) لم أتوقعها أو أطلبها منه . إنتقد رباني العرب وتدخلهم غير المدروس في شؤون الأفغان وأنهم يسببون من الأضرار أكثر مما يقدمون من الفوائد. وأن الإتحاد غير قائم عمليا وأن المشاكل بين المنظمات تتفاقم بسبب

محاولات العرب فرض سياف زعيما للإتحاد، وقال:

{ نحن فاشلون ولا نستطيع أن ندير مكتبا في بيشاور … فكيف ندير دولة في أفغانستان ؟؟}. ما زالت جملته تلك تدور في ذهني وأنا أشاهد ما يفعله الآن في كابل كرئيس للدولة هناك ، وكيف أنه إستبقى كل الشيوعيين المتبقين من حطام النظام السابق ، وإستخدمهم في نفس مواقعهم في قيادة الجيش والدولة . وكيف أنه يتحالف بشكل كامل مع بقايا جناح (بارشام الشيوعي)بينما يتحالف غريمه ورئيس وزرائه حكمتيار مع جناح (خلق الشيوعي).

في نفس ليلة وصولنا إلى ميرانشاه قابلنا حقاني الذي تحدث معنا بطريقته المعهودة عندما تداهمه الأحداث الشديدة.

لا يبتسم مطلقا ، يتكلم بهدوء وتركيز شديد . كنت أغبطه على تلك  القدرة .

كان يضع جدرا من الصلب البارد بين عقله وبين عواطفه . قدمنا له التعازي أولا، ثم الشكل النهائي للعرض الذي سوف أقدمه لسياف. فقلت له :

أولا إن المشروع إتحادي في الأساس فهذه فرصة لتقوية الإتحاد … وجعله إتحادا جديا يتولى مشاريعا جهادية حقيقية .

ثانيا أن تتولى شخصية إسلامية معروفة ومقبولة ومحترمة وجهادية الإشراف المالي والإداري على المشروع.

هذه الشخصية تتولى الدعوة إلى المشروع وجمع التبرعات له والإتفاق مع الكفاءات الفنية والإدارية في العالم الإسلامي كي تقدم خدماتها للمشروع … ولا أجد من تتوفر فيه تلك الصفات غير الدكتور عبد الله عزام . ثالثا وجود مثل هذه الشخصية يضمن (إسلامية) المشروع وينجو به من الحزبية.

فهو سيضمن مشاركة الكفاءات الأفغانية في المشروع أيا كان إنتمائها الحزبي. كذلك يضمن توزيع إنتاج المشروع وفوائده علي المجاهدين مهما كانت أحزابهم أو مناطقهم.

وافقني حقاني على كل ما قلت ، بل أنه تحمس بشدة وقال: هذا أهم مشروع في مرحلتنا الراهنة، وقد كنت على وشك التحرك نحو الأورجون ولكن سوف أرجئ ذلك حتى تتصل مع سياف وتخبرني تلفونيا بالنتيجة.

زادني كلامه حماسا حتى طار من عيني النوم في تلك الليلة وتحركت مع أول ضوء نحو بيشاور.

تحميل مجلة الصمود عدد 158 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 8

 

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد ( 156 ) | جمادى الآخير 1440 هـ / فبرابر 2019 م .            

23/02/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 6 )

– مغامرات مع المجموعة الأولى من المتطوعين المسلمين فى أفغانستان .

– طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب ، وتدمر مواقع العدو المقابلة لنا .

– حقانى فى قرية شاهى كوت يجهز لفتح قرية تعمير فى وادى زورمات فى أهم مواجهة مع السوفييت فى ولاية باكتيا .

– حقانى يُجْرَح فى معركة تعمير مع  40 مجاهدا ، لكن فكرة فتح المدن ترسخت لديه ، أما قابلية السوفييت للهزيمة فقد أصبحت من البديهيات .

– دبابات ورشاشات ثقيلة وملابس شتوية وأطعمة ، من غنائم معركة تعمير فى الوقت الحرج لدخول الشتاء .

– التوجه صوب خوست : كان التحول الإستراتيجى الأهم فى مسيرة حقانى العسكرية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

مجموعات المتطوعين المسلمين كانت موضوعا حساسا فى الحرب الأفغانية ، وأصبحت أكثر حساسية بعد نهاية الحرب وإنقلاب الغرب والعرب على هؤلاء المتطوعين ، الذين تحول الكثير منهم إلى منحى أكثر عنفا وتطرفا فقهيا . وذلك موضوع هام للغاية مازال يكتب فيه الكثير من الآراء المتضاربة التى يخضع أكثرها لحسابات ومصالح سياسية وإقتصادية ، حيث أن موضوع” الجهاد الإسلامى” بعد أن إختطفته أيدى غير إسلامية صار عاملا مؤثرا فى النظام الدولى ككل.

حقانى كان الأكثر نجاحا فى التعامل مع تلك الظاهرة وأول من إحتك بها وسخرها بشكل إيجابى ، كانت الظاهرة يدة تماما على الأفغان ، والعرب  والمسلمين . وكان الجميع يراقبون بدهشة فى محاولة للتبع والفهم .بالغريزة القتالية الحادة تمكن حقانى من إدراة من قدم إلية من المتطوعين من جنسيات مختلفة ، وتمكن من إسخراج أفضل مالديهم من عطاء قتالى ، وقد كان كثيرا متدفقا بسخاء مع دماء شابة قدمت من أجل التضحية فقط

 

مغامرات مع أول مجموعة جهادية دولية :

ــ  وكنت مع رشيد والشباب الباكستانيين الذين معنا وعددهم حوالي خمسة أشخاص تقريبا .

 كنا جميعا مرشحين بجدارة كي نكون ضمن تعداد القتلى في ذلك اليوم . إذن لخسرت أفغاستان أول مجموعة (دولية) من المتطوعين المسلمين ، ولا أدري كم كان ذلك سيؤثر على مسيرة  الجهاد الطويلة في أفغانستان ،  سلبيا أم إيجابيا، فالمهم أننا لم نقتل . وفي الواقع أن الصاروخ (سام7) قد وضعنا جميعا في مأزق خطير فقد حملنا الصاروخين ، وتسللنا إلي سفح جبلي منبسط مواجه لسهل جرديز ، وكمنا لمروحيتين (مي ـ24) كانتا تصبان  الحمم على الخط الأول للمجاهدين . كان أحد الصاروخين جاهزا للإستخدام وكان رشيد هو الذي يحمله وكنت أقوم بدور مساعد الرامي  ، بينما الشباب الآخرون يحملون الصاوخ الثاني ويقومون بالحماية من قريب . كما ذكرنا مر صاروخنا مرور الكرام من خلف ذيل الهيلوكبتر الأخيرة . فواصلت الطائراتان سيرهما إلى نهاية الوادي وإنحرفت الأولى عائدة إلى المدينة أما الطائرة الأخرى فقد إستدارت راجعة نحونا . توجست شرا من تلك الإستدارة ، أما رشيد فقد جن جنونه وإنتابته عصبية شديدة حتى أنه فشل في تركيب البطارية الخاصة للصاروخ الثاني . وهي عادة تركب بسهولة.

 ونتيجة للعصبية إستعصت، فتجمع الشباب حول الصاروخ ولكني طالبت بمغادرة المنطقة بسرعة . رفض رشيد ورفض الآخرون ، بل أنهم أعطوني بنادقهم حتى  يتفرغون لهذا الصاروخ وبطاريته المشاكسة. كان تكدسا خطرا ومحزنا. حلقة من الشباب تصارع صاروخا كأنه بغل جامح . لم أرفع نظري عن الهيلوكبتر وبات واضحا ـ لي فقط ـ أنها  تتوجه إلينا . ومن جانبي أرسلت إلى المجموعة بيانات مقتضبة وتحذيرات ولكن لا مجيب . مسحت المنطقة بعيني لإختيار المكان المناسب كى أتواجد فيه خلال الأزمة القادمة لا محالة بعد ثوان .

 وعدت بنظري إلي الطائرة. وخيل إلي أن نظراتي إلتقت بنظرات الطيار ويالها من نظرات ، إن أحدنا على وشك أن يقتل الآخر ، ولن أكون أنا سوى القتيل .

 لم أرفع نظري عن خصمي وأنا أصيح في جماعتنا بصوت كالرعد ولكن بلغة إنجليزية سليمة  (إجرى)!! . وتابعت القول بالعمل وجريت في إتجاه متعامد على خط إقتراب الطائرة ـ ولا أدری هل كان ذلك بناء على تفكير سليم مسبق أم أن قدماي قد إكتسبتا خبرة ـ إضافة إلى غريزة فطرية قوية  في الهروب السديد وإختيار المكان المناسب في الوقت المناسب . تحركت بسرعة لا بأس بها إذا وضعنا في الإعتبار أنني كنت صائما كما أنني كنت أحمل على كتفاي بنادق المجموعة كلها تقريبا . أما باقي المجموعة  فقد تحركوا إلي أعلى السفح حيث كتلة ضخمة سوداء من الصخور ، لقد غامروا بالتحرك في نفس خط تحرك الطائرة ، ولكنهم نجحوا في الحصول على مكان أفضل من الذي فزت به . فقد وجدت نفسي محشورا في شق ضيق حفرته مياه السيول وعمقه أقل من قدم ولكنه طويل جدا ومتعرج .

ولمدة عدة قرون وهي المدة التي تخيلتها للمعركة غير المتكافئة بيني وبين الهيلوكبتر وكانت معركة من جانب واحد كما هو واضح ..معركة صراع بقاء ومنافسة بين أفضل تكنولوجيا عسكرية في عالم طائرات الهيلوكبتر وبين غريزة الإنسان في التخفي والإختباء النابعان من حب  البقاء . لقد تغطيت بالرداء الأفغاني (الباتو) وحاولت المناورة بالزحف وتغيير مكاني بين كل زخة نيران ترشقها الطائرة على جانبي الحفرة . وبعد كل تغيير أتلقى عددا آخر من الزخات كدليل على أن رامي الرشاش يراني بوضوح كامل . ومن حسن الحظ أن هذا الطيار (الحاقد) كان قد أفرغ صواريخه جو/ أرض في رماياته السابقة على مجاهدينا في الخط الأول، وإلا فإنني وإخواني عند الصخرة كنا قد فزنا بمنازل الشهداء في يوم الثالث من رمضان عام 1401هـ ، وياله من يوم مبارك، ولكننا لم نكن في المستوي اللائق لنيل درجة الشهادة ، لا في ذلك اليوم ولا في أي يوم جاء بعده حتى لحظتنا هذه.

 نجحنا في مغادرة المكان بعد إنصراف الطائرة التي أفرغت كل مخزونها من الطلقات حتى أصبحت خالية من الذخيرة . ولكن لم نلبث أن وقعنا فی ورطة مع القصف المدفعي حتی عادت الطائرات بعد ساعة أو أكثر .

ولكن القوات الحكومية تجمدت في أماكنها ثم تراجعت تماما بعد العصر . وحامت الطائرات النفاثة فوق مواقعنا لكنها لم تشارك في الإحتفال لسبب مجهول . وهكذا فشلت التكنولوجيا ـ متمثلة في صاروخ سام7 ـ في أن تتوائم معنا . وتكرر ذلك معنا في السنوات التالية مع أجهزة أخرى ومناسبات مختلفة. ولم تمض سوى أيام حتى إكتمل الدرس أمام أعيننا ، وظهر سلاح آخر ـ ضد الطيران أيضا لا يعتمد على التكنولوجيا ولكن إعتمد على عوامل غيبية نعجز عن فهمها . ولنضع هذا الحادث  إلى جانب حادثة (سام7) ثم نقارن .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب !!.

في التاسعة صباحا من ذلك اليوم الرمضاني المشرق كان جميع من في المركز نائمين،حيث لا نوم تقريبا أثناء الليل . كنا في خيمة أعلى الجبل  . صوت الطائرة النفاثة المنقضة فوق الخيمة أثار فزعنا ونقمتنا .

 أحد المجاهدين دخل الخيمة غاضبا وإستل مسدسه وأطلق عدة طلقات في أعقاب الطائرة ، فلم أتمالك نفسي من الضحك . وحتى الآن أبتسم كلما تذكرت الموقف . دارت الطائرة وهي تتمايل حول قمة جبلنا ولكن على إرتفاع مناسب ربما تفاديا لمسدس صديقنا.  إنصرف الطيار بعد أن إستعرض مهارته في إغاظتنا . إختفى ولم يرم علينا قنابله رغم أننا لا نشك في أنه رآنا . لعبت الوساوس في رأسي وسألت رشيد عن رأيه فيما حدث ، وبالأحرى فيما سوف يحدث .

وجدته هو أيضا في قلق ويتوقع شرا . فإقترحت أن نفعل شيئا تحسبا للأمر.  من أعلى الجبل (الحائط) نزل بسرعة رجل يحمل رسالة من رشيد إلي المجاهدين في المركز بالإنتشار وتجهيز الدوشيكا للطوارئ . وبعد عشرين دقيقة تماما من إختفاء الطائرة الأولى ظهرت ثلاث طائرات واضحة الفخامة ذات لون رمادي ـ على غير عادة الطائرات الشيوعية ذات اللون الفضي ـ تعرف رشيد على الطائرات بأنها من طراز (ميج ـ 23) .

مرت الطائرات من فوق خيمتنا البيضاء ثم شكلت حلقة تدور حول قمة جبلنا . لم يعد هناك مجال للتخمين ، لقد جاء (الكبار) للقضاء علينا . لم تكن الطائرة الأولى سوى صبي شقي نقل الخبر إلى إخوانه الكبار . كل من يحمل سلاحا منا أطلق في إتجاه الطائرات، نعرف أننا لن نصيبها ، ولكننا سوف نقتل على أية حال..  هكذا تصورنا .  كمن رشيد مع صاروخ سام7, ولكني لم أكن مستعدا لتكرار المأساة ورأيت أن الكلاشنكوف أكثرمصداقية، وبدأت في إستخدامه ضد الطائرات .

 بعد عدة دورات إختفت الطائرات الثلاثة في إتجاه الغرب ، ولعدة دقائق حبسنا فيها الأنفاس، فنحن على يقين بأنهم سوف يعودون ولكن كي يقصفونا مباشرة بلا أي لف أو دوران .

وأخذت أتلو كل ما أعتقد أنه ينفعني عندما ألقى الله بعد دقائق معدودة . سمعنا صوت طيران بعيد نسبيا ثم تكبيرة هائلة من القمة القريبة يطلقها مجاهد أخذ يتقافز طربا،صائحا (زنده باد إسلام)، ثم صوت إنفجارات تأتي من جهة الوادي. أسرعنا إلى القمة القريبة فكان منظرا لا يصدق . الطائرات الثلاث التي نتوقع أن تقصفنا تقوم بعمل غير معقول !! إنها تقصف مواقع العدو على جبل(جوجارى) على بعد حوالي عشرة كيلومترات فدمرتها شر تدمير . كانت مواقع العدو تستخدم للترصد وحماية المدخل الشرقى للوادي ، فالجبل منيع ومرتفع ويقع معظمه في الوادي بحيث يسهل الدفاع عنه وتموين قواته.

كانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها عملية قصف جوي بهذا الجمال. كان منظر الطائرات رائعا وهي تدور ثم تنقض على هدفها ثم أعمدة الدخان والنار تتصاعد من الإنفجارات ، وما أن تفرغ طائرة من إنقضاضها حتى تتبعها الثانية ثم الثالثة .

ولا يمكن تصور حالة الذعر التي أصابت القوات الشيوعية فوق الجبل ، لأن آخر ما كانت تتوقعه هو أن تتعرض لقصف جوي . وقد وصلتنا في اليوم التالي معلومات عن خسائر العدو

وأقل ما توصف به أنها كانت فادحة . ذلك هو العامل  الغيبي الذي لم يحطم طيران العدو ، بل حوله إلي العمل لصالحنا .

ولم أشهد حادثا مثل هذا بعد ذلك . ولكن شاهدت فيما بعد كيف مكننا الله من تدمير طائرات العدو وهى على الأرض (أى وهى فى أضعف حالاتها) ، ولذلك قصص أخرى .

لم نلبث إلا عدة أيام حتى تحولنا إلى شاهي كوت وهي قرية ساحرة جنوب وادي زورمات ومقابلة تماما لمركز تعمير ـ الهدف القادم للمجاهدين ـ  شاهي كوت قرية جبلية ولكنها وفيرة المياه وأشجار الفاكهة وذات جمال يطول وصفة ويطول وصفها . ويمكن القول أنها إحدى الجنات المجهولة التي تزخر بها أفغانستان. بيوتها جميعا طالها الدمار الكامل أوالجزئي . كانت أشجار التوت والمشمش تملأ الطرقات الضيقة وأفنية البيوت المهجورة .

وكميات هائلة من الثمار مطروحة أرضا لا تجد من يلتقطها . وجدنا في القرية أسرة واحدة فقط . مجاهد واحد مع زوجته وطفل وطفلة، كلاهما تحت السادسة من العمر يقفان في ذهول وسط الطرقات المقفرة ، والحقول المليئة بالأعشاب البرية الموحشة.

كان منظر الطلفين لا يقل وحشة وحزنا عن منظر القرية المدمرة . تخيلت هذا المكان قبل الحرب وكم كان مرح الأطفال وسعادتهم في وسط كل هذه الأشجارالمثمرة الظليلة وجداول الماء التي تروي العطش ولا يرتوي منها النظر . تخيلت أطفالي لو جاءوا معي إلى هذا المكان. تبسمت لهذا الخاطر كم ستكون صعوبة أن أجمعهم مرة أخرى من فوق الأشجار وجداول الماء ، وحتى من الحقول المهجورة ذات الأعشاب الوحشية .

زارنا مولوى جلال الدين في القرية وعقد جلسة شورى موسعة مع مجاهدي المنطقة وما تبقى من السكان ، وأخبرني عن وفد ذهب إلى باكستان كي يقنع أهالي شاهي كوت بالعودة التدريجية على أن يعود الرجال أولا مع بعض النساء لزراعة الأرض. أفلحت مجهودات التشبث بالأرض لفترة محدودة ثم إنهارت للأسباب التي ذكرناها .

وقد عدت مرة أخرى إلى شاهي كوت عام 1988م ، ولم أجد فيها سوى المجاهدين فقط وبدون أثر لحياة مدنية للسكان . إنها سياسة الأرض المحروقة ، و تفريغ الأرض من السکان ، والتي تكاتف على تنفيذها السوفييت وقادة الأحزاب في بيشاور مع (منظمات الإغاثة الإنسانية) بسياساتها الخبيثة . بالتدريج بدأت تتضح فكرة الهجوم على مركز تعمير. وكما ذكرنا فإن الروح المعنوية كانت في قمتها . فضربات المجاهدين ناجحة بإستمرار والمبادرة العسكرية في يدهم دائما ، والعدو في حالة إحباط وهجماته فاشلة ، وسلاحه الجوي يبدو كأنه فقد تأثيره حتى تعود الناس على الإفلات منه وتحمل تواجده كضيف ثقيل … ضار أحيانا. عقدت العديد  من جلسات الشورى داخل بيوت شاهي كوت المدمرة، تمتعت خلالها بأكل أكبر وأشهى كمية من فاكهة المشمش والتوت . كنت مسرورا أكثر من أي شخص آخر، ليس من أجل الفاكهة فقط ، ولكن لكوني أرى إتحادا حقيقيا بين المجاهدين ، إتحاد يتخطى القبيلة والحزب. لم أكن واهما في ذلك فقد أثبتت معركة تعمير أن ما كنت أراه كان حقيقة.

فالمعركة كانت أكثر من رائعة ، وكانت أكبر تحدي للسوفييت في باكتيا . القتال كان في منتصف وادي زورمات فسيح الأرجاء ، حيث الغلبة العسكرية لمن يسيطر على الجو ويمتلك الدبابات . المعركة أثبتت العكس . الكفة كانت (للمسلمين المُتَحِدين) الشجعان الفدائيين . تجمع قادة المجموعات في أيام وليالي رمضان يتناقشون ، وتجمعت الإمكانات وكانت الحصيلة مذهلة بمقياس ذلك الوقت. تجمعت لدى المجاهدين ست دبابات إضافة إلى عدة مدافع ميدان عيار 122مم ومدافع جبلية عيار 76مم .إضافة إلى عدد كبير من المجاهدين شاركوا في الهجوم. لقد تأخر الإتفاق كثيرا ولم تنفذ العملية إلا بعد عيد الأضحى. وإنتهاء جميع المناسبات الدينية التي تستدعي إجازة إجبارية من العمليات، لذلك لم أستطع حضورها.  وأبلغني رشيد بنتائجها تليفونيا. كما تلقيت رسالة كتابية من حقاني حول نتائج المعركة. بعثت بها إلى جريدة الإتحاد مع شرح موجز لأهمية نتائج المعركة والتحديات الخطيرة التي تمثلها.

لقد تركت تلك المعركة تأكيدا في نفوس من خاضوها بأن الروس قابلون تماما للهزيمة. وهي نتيجة كان من العسير إقناع الناس بها، فبقيت حكرا على المقاتلين فقط . لذلك إختلفت كثيرا حسابات خطوط القتال مع حسابات بيشاور والمتعاونين معها . وأظنني تبنيت وجهة النظر الأولى وتصادمت بشدة مع معتنقي الرأي البيشاوري . كونت رأيا مفاده أن المساعدات يجب أن تصب مباشرة في الداخل وأن يتواجد المتطوعون العرب هناك ، كي يقوموا بمهمة مزدوجة . فمن جهة يساعدون على إقامة إتحاد حقيقي بين المجاهدين الحقيقيين ، ومن جهة أخرى ينظمون أنفسهم ويقاتلون إلى جانب إخوانهم الأفغان. وكنت أرى أن دور الإخوان المسلمين مازال ضروريا لتنظيم العمل العربي نفسه .

 

 

عن معركة تعمير(1981 ) مرة أخرى :

إستمرت المعركة خمسة أيام متواصلة . حوصر فيها الموقع ، وحاولت قوة عسكرية من جرديزالقريبة أن تفك الحصار فأوقعها المجاهدون في كمين ودمروها .إستمرت المعركة أربعة أيام إضافية فتح فيها المركز.

 وأمامي الآن قائمة الغنائم وكانت :

دبابتين سليمتين من طراز (تي ـ54) ــ ومدفعين من عيان 76مم ــ مع 3 رشاشات ثقيلة  من طراز دوشكا . و 7 صناديق قنابل يدوية و 122 ألف طلقة كلاشنكوف و 6 رشاشات خفيفة. مع عدة سيارات محملة بالأغذية والملابس الشتوية(كان الشتاء على الأبواب).

وقد جرح حقاني في هذه المعركة ومعه 44جريحا آخر .

أما عدد الشهداء فكان ثلاث عشر شهيدا . إستمر المجاهدون في وادي زورمات أكثرمن شهرين ـ قبل وبعد العمليات ـ وقطعوا تماما الطريق بين جرديز وغزني وقطعوا أيضا إتصال جرديز مع كابل . أي أن جرديز قضت فترة من الحصار البري الكامل . وفشل الروس في تطهير وادي زورمات الفسيح طوال عدة أشهر بل فشلوا في صد هجمات المجاهدين على مواقع رئيسية في ذلك الوادي وفي مقدمتها  مركز تعمير . هل كان ذلك يعني شيئا آخر سوى أن السوفييت ليسوا سوى نمور من ورق وأنهم قابلون للهزيمة ؟ ..لقد ولدت فى تعمير وترعرعت فكرة فتح المدن الكبيرة ، وبعد أن كانت طيفا شاحبا قبلها ، أصبحت بعد تعمير فكرة معقولة . لم تبارح تلك الفكرة الطموحة ذهن جلال الدين حقاني. وسوف نتحدث عن نمو تلك الفكرة وتطورها في برامجه العسكرية حتى حقق أكبر إنجاز عسكري في حرب أفغانستان متمثلا في فتح مدينة خوست . هذا الكلام يتعلق كثيرا بما ذكره محمد يوسف في كتابه فخ الدب وإدعاءاته كضابط مخابرات ـ بأن أفكار الدفاع الثابت عن القواعد الإستراتيجية للمجاهدين كانت فكرته ، وأنه ساند مشروعا للهجوم على خوست عام 1985م قام به المجاهدون ولكنه تكلل بالفشل . وسوف نتعرض لكل ذلك في حينه .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

التحول الإستراتيجى الأهم:   التوجه إلىى خوست .

من أهم التحولات فى العمل العسكرى لحقانى كان نقل ثقل عمله العسكرى من جرديز عاصمة ولاية باكتايا إلى منطقة خوست الحدودية والتى تضم أهم المراكز العسكرية والإستخبارية فى أفغانستان  فى ذلك الوقت . وفرت خوست لحقانى خطوط إمداد أقصر  مرتكزة على المدينة الحدودية ميرانشاة ، وفيها سوق للأسلحة والذخائر ، مع توافر مشتقات النفط والأغذية ومقدار بسيط للخدمة الطبية ، تعاظم مع السنوات وتوافد بعض منظمات الإغاثة “الإسلامية”.

ما أن هبطت الثلوج في جرديز فى شتاء 1981حتى نزل حقاني إلى الجنوب وبدأ نشاطه العسكري في خوست ، حيث البرودة أقل قسوة ويمكن للمجاهدين العمل فيها أثناء الشتاء فتمكن من الإستيلاء على حصن (دابجي) الذي يتحكم في أحد الممرات الطبيعية الواصلة بين وادى خوست والأراضي الباكستانية .

أتاح هذا النصر حرية حركة أوسع للمجاهدين من خلال ذلك المنفذ .ولكن الإستفادة منه لم تكن كبيرة للغاية لسببين:

الأول بعده النسبي عن ميرانشاه  الباكستانية والتي كانت المعقل الصديق خلف الحدود ، حيث

الإمداد ومراكز القيادة والإدارة لمنظمات المجاهدين . والسبب الثاني والأهم أن قبائل من منطقة (ميرعلي) الباكستانية القريبة من ذلك المنفذ الحدودى لم تكن متعاونة مع المجاهدين ،وكانت تتلقى دعما ماليا وتسليحا من حكومة كابل الشيوعية .

وفي هذه الأيام ـ وقت كتابة هذه الأسطر ـ أشعربالأهمية العالية لفتح حصن (دابجي) بأكثر مما كنت أشعر به فى وقت حدوثه.

عقيد الإستخبارات(محمد يوسف) عبر في كتابه وبشيء من الإحتقار لتلك الفتوحات الحدودية .

 وقال عنها أنها كانت محببة لدى (قومندانات) ـ قادة ـ المجاهدين الميدانيين لكونها قريبة من

مراكز الإمداد داخل الحدود الباكستانية كما أنها تضمن لهم الثناء والمكافأة من الحكومة الباكستانية والسمعة العالية في الخارج عبر وسائل الإعلام . كان ما يقوله العقيد صحيحا في بعض الحالات، سوف يرد معنا ذكر بعضها. ولكن فتح  (دابجي) لم يكن من تلك الحالات. أقول … أدركت الآن أهمية تلك الفتوحات الحدودية وضرورتها لتأمين منافذ آمنة ومحمية يستخدمها المجاهدون في العبور . وقد عاصرنا في العامين الأخيرين (1993م ـ 1994م)

 مأساة المجاهدين في طاجيكستان وهم لا يجدون تلك المنافذ ، فقد إتخذ الروس من نهر جيحون (آمو داريا) عائقا طبيعيا أقاموا خلفه نقاط الحراسة والدوريات مانعين المجاهدين من

 العبور .

وخلال هذين العامين لم يكن العبور ممكنا إلا بدفع رشوات محترمة للضباط الروس ، مع وجود مخاطر دائمة أثناء عبور المجاهدين الذي يستمر أحيانا بطول ستين كيلومترا على طوال النهر وتحت ملاحظة الروس حتى ينحرف المجاهدون شمالا إلي عمق البلاد .

كانت الحدود الأفغانية دائما تستعصي على الإغلاق لطبيعتها الجبلية وطولها الذي يستحيل تغطيته . وليس الحال كذلك ـ بكل أسف ـ في حالة طاجيكستان في جهادها الراهن . لهذا لم يشعر (العقيد) بأهمية ذلك العمل، فقد وصف محاولات الروس إغلاق الحدود الأفغانية مع باكستان بأنها مثل محاولة إغلاق صنبور المياه بوضع اليد على فوهته . لقد حاصر حقاني حصن دابجي لمدة شهر ونصف  ومنع كل النجدات القادمة من خوست ودمرها.

 وفي النهاية فرت حامية الحصن في جنح الظلام تاركين العديد من القتلى والجرحى وكميات من الأسلحة والعتاد من بينها دبابتان من طراز (تي ـ 34) ومصفحة واحدة . وقد بذل جلال الدين حقاني جهودا كبيرة حتى أقنع السلطات الباكستانية بنقل تلك الدبابات عبر الأراضي الباكستانية وإدخالها مرة أخرى إلى أفغانستان عبر ممر (صدقي(أو ممر(غلام خان) القريب منه وكلاهما يؤديان إلى مناطق نشطة وحساسة عسكريا . وكان لتلك المعدات تأثير كبير في عدد من الصدامات الهامة مع القوات الشيوعية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

23/02/2019

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6




الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (155) | جماد الأولي 1440 هـ / يناير2019 م.            

18/01/2019

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .

– تتشابه الصورة فى العراق مع ما يسعى إليه المحتل فى أفغانستان .

– من القواعد العسكرية يتحرك المحتل لتقسيم البلد “المُضيف” والتآمر على جيرانه .

– الدستور الذى وضعه المحتل يمنع ظهور حكومة قوية ، ويُبْقى على الصراع الداخلى ،

ويضمن للإحتلال وجودا مريحا رخيص الثمن .

– الإتفاقية الأمنية مع المحتل تزوده بالغطاء القانونى لجميع تجاوزاته ، وتتحول (القاعدة العسكرية) إلى مندوب فوق العادة لدولة الإحتلال .

– يريد الإستعمار الأمريكى منع تحول أفغانستان إلى مركز جغرافى وإقتصادى يتواصل ثقافيا مع كل آسيا لصالح المسلمين ، وحصرها فى مفهوم (إسرائيل جديدة) فى وسط آسيا، وقاعدة للعدوان والتخريب ضد الجيران .

–  قاعدة بجرام الجوية ــ إمبراطورية الهيروين المسلحة نوويا ــ يسعى المحتل لجعلها العاصمة الفعلية لأفغانستان ، ليهدد منها المنطقة والعالم .

–  إستيعاب حركة طالبان فى النظام الحاكم ، شرط أساسى لنجاح المخطط الأمريكى الجديد.

– بينما المجاهدون يقاتلون ضد النظام الشيوعى، كان سياسيون حزبيون فى بيشاور يشترون بذلات من أوروبا، تمهيدا لمقاسمة السلطة مع النظام الحاكم !! .

– أساسيات خطة العدو التفاوضية :

1 ـ  وضع التواجد العسكرى الأمريكى خارج أى نقاش .

2 ـ حصر التفاوض فقط بين الطالبان وحكومة كابول ، مع وساطات من أصدقاء أمريكا .

3 ـ تقسيم حركة طالبان ـ إن أمكن ـ وإدخال أحد الأقسام فى حكومة كابول ومنحهم الجوائز وإعلان الأخرين (إرهابيين) مطلوبين دوليا .

– المخطط الأمريكى محكوم عليه بالفشل ، لأن لله جنود .. منهم طالبان .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

ترامب الرئيس المضطرب ، هو أفضل ما فى حقيبة الأقلية الحاكمة فى الولايات المتحدة . واضعوا الأستراتيجات فى ذلك البلد يعملون بعقلانية مختلطة بقدر من المغامرة والتهور . وذلك يتماشى مع شخصية رئيس مخبول وتجعله تجسيدا مناسبا للجانب المجنون فى استراتيجية بلاده .

إستراتيجية “الرجل المجنون” إتبعها أكثر من رئيس أمريكى كان منهم جورج بوش الإبن الذى شن حربا صليبية بدأت بأفغانستان وإمتدت بعدها إلى العراق ، ثم عدد من بلاد العرب، فصنعت مأساة أحرقت عدة دول عربية بمساعدة من أمريكا وإسرائيل ومحور عربى موال لهما . فاحترقت ليبيا ثم سوريا ثم اليمن . وهنا يتضح الترابط الوثيق بين مصير أفغانستان ومصير العالم العربى ، رغم الإختلاف الكبير فى طبائع الشعوب وقوة الإسلام فى الأوساط الشعبية والإستعداد للتضحية والفداء ، عندما يكون المَستهدف هو الإسلام أو الوطن أوالقيم الإجتماعية الراسخة .

ــ وتتشابه الصورة السياسية للعراق(شبه المحتل) مع ما يسعى إليه الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان ، من عدة نواحى منها :

ــ تحويل الإحتلال إلى صورة مستترة ، بدلا من الإحتلال المباشر الذى يستفز الشعب ويدفعه نحو المقاومة المسلحة . فمن الأفضل للمحتل أن يكتفى بالقواعد العسكرية للسيطرة على أمور الدولة كلها ، فيحولها إلى دولة صورية تابعة له فى كل شئ ، ومنها يؤثر على القرار السياسى والأمني، وفى تسليح وتدريب الجيش ، وفى علاقات الدولة الخارجية، منتهكا سيادة الدولة فوق أراضيها نفسها . فمن القواعد العسكرية للمحتل يتحرك لتقسيم البلد “المضيف” والتآمر على جيرانه، وخلق بؤر توتر تتيح له تسويق أسلحته وجباية الإتاوات فى مقابل الحماية من أخطار هو صانعها.

ــ  فى مقدمة الأولويات الأمريكية تأتى مصالح إسرائيل وخدمة مشروعها للهيمنة على بلاد العرب ، خاصة المشرق العربى ، وجنوبا إلى اليمن وذلك، ضمن مشروع أكبر للهيمنة اليهودية على العالم العربى بمقدساته الإسلامية (والمسيحية أيضا) وإخضاع المنطقة بثرواتها وسكانها ودينها وثقافتها لإسرائيل كممثل للصهيونية الدولية والإمبريالية الغربية .

ــ  من القواعد الأمريكية فى العراق ، قصفت الطائرات الأمريكية الأراضى السورية فقتلت المئات من المدنيين، وعملت على إنشاء كيانات سياسية جديدة تقطع إتصال العراق مع جارتها سوريا ، فلا تنتقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله ومنظمات فلسطينية جهادية .

ــ الدستور الذى وضعه المحتل للعراق يمنع ظهور حكومة قوية ، ويبقى حالة الصراع والتمزق الداخلى، لتظل إرادة المحتل طليقة يقرر ويفعل ما يشاء.

ــ مؤخرا، ترامب وزوجته زارا سراً وبدون إخطار مسبق ـ قاعدة “عين الأسد” فى غرب محافظة الأنبار، وتقابل مع جنوده هناك لتهنئتهم بعيد الميلاد . فوقعت حكومة بغداد فى ورطة وتصنعت الغضب ونادى عديدون بإستعمال القوة لإخراج المحتل وطالبوا بإلغاء إتفاقية التعاون الإستراتيجى مع الولايات المتحدة . ولكن لم تجرؤ حكومة البلد المستقل على الإحتجاج رسميا على الإهانة.

ــ جاهد العراقيون يدا واحدة فى بداية الإحتلال الأمريكى . ولما نجح المحتل فى تحويلهم إلى القتال الطائفى ، فتت قواهم وحول نيرانهم إلى صدورهم . كثيرون رأوا فى الإحتلال صديقا وحليفا ضد الإخوة فى الدين والوطن ، فوضع المحتل دستورا ونظام حكم ضمن له تواجدا فى العراق، ممتدا ورخيص الثمن.

“الإحتلال بالقواعد العسكرية” هو الأفضل للمحتل إقتصاديا وسياسيا . وتكفى إتفاقية أمنية بينه وبين الحكومة الشكلية فى العاصمة حتى يتمتع بالتغطية القانونية لجميع تجاوزاته ومشاريعه الإجرامية. وتتحول قاعدتة العسكرية فى البلد المنكوب إلى “مندوب فوق العادة” يمثل المحتل ، ويمتلك القدرة العسكرية على فعل أى شئ تأمر به دولة الإحتلال .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

أحزاب لدعم الإحتلال :

لا يمكن أن تتم مقاومة الإحتلال بينما الأحزاب مزقت الوحدة بين فئات الشعب على أسس طائفية وحزبية. وصارت الوطنية شعارا يستخدمه المستعمر وأتباعه لمعارضة الإسلام ومقاومته داخل المجتمع، إلا إذا كان إسلاماً “أمريكيا / إسرائيليا” يرى فى الإحتلال جزءاً من نسيج الوطن. وأن مصالح الطرفين مندمجة معا، فإذا زال الإحتلال ضاع الوطن . فإرادة الإحتلال هى إرادة الوطن . والوطنى عندهم هو من يدافع عن الإحتلال باليد واللسان كما يدافع عن وطنه . والإسلام عندما يتعارض مع الإحتلال فيجب تنحيته تحت شعارات ربما كان أشهرها”تجديد الخطاب الدينى”، وتعديل المناهج الدراسية ، وتأميم المعاهد الدينية وتخصيصها لتخريج (علماء جدد). وإنشاء أحزاب وجماعات إسلامية ، قانونية أو خارج القانون ، قِبْلَتَهم الكنيست وغايتهم البيت الأبيض، والفوز بكراسى الحكم أسمى أمانيهم .

وهكذا يصبح للمسلمين دين جديد “وطنى إحتلالى صهيونى” ، وإسلام جديد يضع الدين والوطن فى خدمة الإحتلال الصهيونى/الصليبى . فتنتهى مشكلة التعارض والتطاحن بين (الوطنى) و(الإسلامى). فإسرائيل تُقَسِّم الدول والشعوب ، ولكنها توَّحِد الأيدلوجيات فى إطار صهيونى يسع الجميع .

إنسحاب لإعادة توزيع القوات :

إعلان أمريكا سحب قواتها من سوريا(2200 جندى) هو أقرب إلى عملية أعادة الإنتشار وليس الإنسحاب الحقيقى . فتتراجع تلك القوات إلى الخلف داخل الأراضى العراقية لتشديد القبضة على العراق ، وتجزئة أراضيها وتكثيف تواجدها العسكرى فى شمال العراق لدعم نزعة الإنفصال الكردية هناك . وتشديد الضغط النفسى والسياسى على تركيا ، كل ذلك بدون التوقف عن محاولة تقسيم سوريا وتجزئتها . وإذا لم تصل إلى ذلك الهدف فعلى الأقل إبقاء سوريا ضعيفه مهلهلة ، لتبقى السيادة والأمن مزايا خاصة بإسرائيل فقط لا يشاركها أى شعب فى المنطقة من النيل إلى الفرات، وعلى الأصح ما بين المحيط إلى الخليج ، فيما كان يسمى قديما بالعالم العربى . وفى مستقبل لا يرونه بعيدا قد يسيطر اليهود على المساحة والسكان ما بين طنجه إلى جاكرتا ، فيما كان يسمى قديما بالعالم الإسلامى .

أفغانستان والعراق فى رؤية واحدة :

فى أفغانستان أيضا تتبع أمريكا خطة شبيهة بما يحدث فى العراق . بإعادة صياغة أسلوب الإحتلال وتجديد العناصر التى يستخدمها فى تحقيق أهدافه، بدون تغيير تلك الأهداف. الإحتلال باق والأهداف الكبرى باقية(رغم الزعم بسحب نصف القوات الأمريكية من أفغانستان  خلال عام 2019). ولكن مع إحداث تغييرات تناسب الخصوصية الأفغانية، مثل ضعف المحتل ويأسه ، وقوة بأس الحركة الجهادية ، وإلتفاف الشعب خلف حركة طالبان التى بدفاعها عن الإسلام حافظت على وحدة المسلمين ووحدة التراب الوطنى لأفغانستان.

فى جعبة الإحتلال هذه المرة :

ــ  أفكار جديدة لتجديد إس

تراتيجيته .

ــ أسلوب لتنفيذ الإستراتيجية الجديدة، مع بقاء الأهداف الثابتة للإحتلال منذ البداية .

فى الإستراتيجية الجديدة للإحتلال :

تغيير الطبيعة السياسية لإفغانستان ، المتولدة من وضعها الجغرافى الفريد ، ومنع تحول دورها (الجيوسياسى) فى المنطقة إلى وسيط جغرافى إقتصادى متواصل ثقافيا مع كل آسيا، لصالح المسلمين فى تلك المنطقة التى ستصبح فى غضون سنوات (ربما عقد واحد من الزمن) مركزا للعالم وقدراته الإقتصادية وقوته السياسية والعسكرية.

بديلا عن ذلك الإشراق الحضارى والإسلامى لإفغانستان ، يريد الأمريكان تحويلها إلى (إسرائيل جديدة فى وسط آسيا ) لتقوم بمعظم ما تقوم به إسرائيل من وظائف ، لتدمير جيرانها وتهديم للإسلام وتشتيت شمل المسلمين فى أفغانستان نفسها ثم ما جاورها .

أفغانستان فى إستراتيجية الإستعمار الجديد المقترح : تعادى جميع الجيران وتكون مركزا للتخريب الإرهابى، خاصة ضد أعمدة النظام الدولى القادم، الذى من المفترض أن أفغانستان مركزه الجغرافى ، وعاصمة طرقه اللوجستية ، ومنارة الهداية الإسلامية فيه. الدول المستهدفة فى الأساس هى الصين وروسيا وإيران ، وربما الهند أيضا فى حال إنحرف مسارها بعيدا عن الإرتباط الإستراتيجى بإسرائيل والولايات المتحدة .

كشف عضو فى الكونجرس الأمريكى قبل غزو بلاده لأفغانستان أن النية تتجه لجعل أفغانستان “إسرائيل المنطقة”. وهذا يعنى ربط أفغانستان بمحور”إسرائيل/ أمريكا” فى العالم العربى، فتطبع العلاقات مع إسرائيل عسكريا وأمنيا وإقتصاديا، وتعترف بشرعية إحتلالها لفلسطين والمسجد الأقصى . وتستبدل الجهاد بالفتن الداخلية (عرقية ومذهبية) والحروب الإقليمية التى تحقق أطماع المحتل الأمريكى على حساب أفغانستان ودول الإقليم .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

أدوات تنفيذ الإستراتيجية الجديدة للإحتلال :

أولا ــ قاعدة بجرام الجوية :

يريد الأمريكيون تحويلها إلى العاصمة الفعلية لأفغانستان(كما هى القواعد العسكرية فى العراق وأى دولة أخرى ) فتتمركز القوات والسيادة والقرار داخل أسوار القاعدة العسكرية الرئيسية. وتبقى العاصمة لشكليات السلطة وألاعيب السياسات الحزبية والفئوية فى أدنى حالاتها .

قاعدة بجرام تعززت قدرتها العسكرية بتزويدها بقاعدة سرية للصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى ، تهدد عمالقة النظام الأسيوى القادم، وروسيا أولهم بالطبع، ويليها إيران ثم الصين .

قد يسحب ترامب قواته المنتشرة فى عدة مناطق من أفغانستان، ويركزها فى بجرام ، كما فعل فى العراق بسحب قواته من سوريا إلى قواعده فى العراق التى سينشئ فيها ثلاث قواعد جديدة على الأقل . سيحاول ترامب الحصول على أكثر من قاعدة جوية فى أفغانستان لدعم السيطرة الأمريكية على البلاد ودعم إمبراطورية الهيروين القائمة على أكتاف بجرام التى يقويها وجود أكثر من قاعدة جوية أخرى ، خاصة فى مناطق زراعة الأفيون أو بالقرب منها .

وفى ظل سياسته الإستعمارية الجديدة فإن نصف تلك القوات يكفى لإنجاح برنامجه فى أفغانستان، نظرا للمدد الذى توفره قوات المرتزقة الخارجيين والداخليين .

فى بجرام تركيزهائل للقوة تكفى للسيطرة على أفغانستان ، وتهديد الإقليم الأسيوى من حولها، بل والعالم أجمع ، فالقاعدة تحتوى على :

1 ـ قوة نيران ، من طيران حديث ومعدات وأسلحة نوعية أرضية وجوية .

2 ـ قوة صاروخية نووية وتقليدية .

3 ـ هيروين نقى ومتنوع الأصناف ، ويلبى إحتياجات السوق العالمى لمدة عام مع إحتياط إستراتيجى يستخدم عند الطوارئ السياسية أو الكوارث المناخية التى قد تؤثر على زراعة الخشخاش.

ثانيا : قوات المرتزقة :

المرتزقة يشكلون القوة الأساسية لحراسة مصالح أمريكا فى أفغانستان وتواجدهم فيها ربما كان هو الأكبر عالميا بعد اليمن . ويمارسون قمع الشعب بأقصى عنف ممكن ، لإخضاعة لشروط الإستعمار فى صورته الجديدة.

أهم أنواع المرتزقة هم الشركات الأمنية الخارجية (بلاك ووتر وأخواتها). وهؤلاء تكاليف إستئجاهم عالية جدا . ويقومون بمهام عسكرية مختلفة بداية من العمليات الأرضية ضد المدنيين والمنافسين والمقاومين . وصولا إلى إدارة برامج الطائرات بدون طيار . وأعمال التجسس بالأقمار الصناعية ، وإدارة وتدريب شبكات الجواسيس على الأرض .

ثالثا : إعادة صياغة إمبراطورية الهيروين :

حماية مزارع الأفيون ، وتجميع المحصول من المزارع والتجار المحليين، ونقله إلى قاعدة بجرام الجوية . تلك السلسلة تحتاج إلى تعديلات تناسب حقيقة إنسحاب القوات الأمريكية من مناطق الأرياف .

فلابد من الإعتماد بشكل أكبر على المتعاونين المحليين ، وهؤلاء يعتمدون على إمكاناتهم الذاتية لحماية أعمالهم. فلديهم قوة من الميليشيات ، وتاريخ من الثقة والتعاون المشترك مع الإحتلال. هؤلاء سيزدادون قوة ، ونسبة أرباحهم سترتفع ، وتسليحهم سيكون أكثر تطورا لتحقيق قدرة ذاتية على الردع . وسيكونون أشبه بجيوش محلية صغيرة ، تحمى مصالحها الكبيرة ومصالح أسيادهم القابعين خلف المتاريس فى بجرام.

رابعا : إستيعاب حركة طالبان فى النظام الحاكم :

ذلك هو الشرط الأساسى والأهم فى نجاح البرنامج الإستعمارى فى المرحلة القادمة ، وبدونه ينهار كل المخطط سابق الذكر. فلا إختطاف لأفغانستان من وسطها الأقليمى، ولا أمبراطورية هيروين تدار من بجرام ، ولا مرتزقة يفتكون بأفغانستان وشعبها ويفرضون عليها مصيراً مظلما .

أساسيات الخطة التفاوضية للعدو:

ــ إخراج التواجد الأمريكى من أى نقاش . بإعتباره حقيقة ثابتة وغير قابلة للتغيير ، بذريعة أنه ضرورى للإستقرار والأمن والتنمية والرخاء .. الخ

ــ حصر المشكلة فى مجرد التفاهم بين حكومة كابل وبين حركة طالبان ، للوصول إلى تفاهم وحل وسط لتقاسم للسلطة . وتُقْبَل وساطة أصدقاء أمريكا فى هذا الخصوص.

لتصبح طالبان أحد المكونات فى حكم مشترك بين الليبرليين والمسلمين..{ مثلما إقترح السوفييت والأمريكين على المجاهدين تكوين حكومة مشتركة فى كابول بعد إنسحاب الجيش الأحمر. لكن مجاهدى الجبهات رفضوا، وإستمروا فى القتال حتى سقط الحكم الشيوعى. بينما سياسيون حزبيون فى بيشاور وافقوا سراً، وتجهزوا للمشاركة فى السلطة مع الشيوعيين وبعضهم إشترى لنفسه بذلات إفرنجية من أوروبا إستعدادا لممارسة السلطة السياسية!! } .

–  إن لم يكن ممكنا أن تدخل حركة طالبان كلها فى مخطط الإستيعاب بالمشاركة فى حكومة (ليبرلية / إسلامية )، فبمساعدة من دول صديقة للمحتل ، يجرى العمل على تقسيمها إلى أفرع مختلفة تتصارع . وينضم أحد أجنحتها إلى الحكم المشترك ويصبح الجناح الآخر(مارقا) تتجمع ضده الكثير من القوى المحلية والإستعمارية. وبالطبع سوف يصنف إرهابيا ، خصوصا من الحكومة المشتركة فى كابل ، وسوف يتلقى سيلا من الفتاوى الحارقة من علماء البنتاجون وعبيد الدولار.

بينما الجناح (المعتدل)(الواقعى)ــ إن وجِدْ ــ فسوف يحظى بنصيب من المال والسلطة السياسية والقبول الدولى ، والتجوال حول العالم فى مؤتمرات كبرى ، وجوائز عالمية قد يكون منها “نوبل للسلام” أو حتى “الأوسكار”. فالحركة الجهادية مطلوب منها أن تتحول إلى حزب سياسى ، وتنافس الآخرين على مقاعد البرلمان ومناصب الحكومة ، فى سباق ديموقراطى مع شخصيات ملوثة عملت مع المستعمر، وأهلكت الحرث والنسل ، وإرتكبت شتى الموبقات .

هذا ما يريده المستعمر الأمريكى ، ويزيّنه جنود الشيطان . ولكنه مخطط محكوم عليه بالفشل ، لأن لله جنود .. منهم طالبان .

تحميل مجلة الصمود عدد 155 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

18/01/2018

www.mafa.world

الإحتلال الأمريكى : إستراتيجية ماقبل الرحيل .




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 4

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (154) | ربيع الثاني 1440 هـ / ديسمبر 2018 م.      

24/12/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 4 )

 

– أطباء ومهندسون حاولوا جمع تبرعات للمجاهدين الأفغان من أحد المساجد  فى أبو ظبى ، فاعتقلتهم الشرطة بتهمة التسول “!!”.

– حقانى ومولوى خالص يدفعان سياف إلى قيادة “الإتحاد الإسلامى لتحرير أفغانستان” ، فكانا أول ضحايا إنحرافه .

– تحول سياف من قيادة طارئة إلى عاهة مستديمة للجهاد .

– اللقاء الأول لحقانى مع الشعوب العربية . وبداية الدور السياسى الخارجى لحقانى .

– حقانى نقل نبض الجهاد إلى العرب ، ومجددى أحبط فكرة “المتطوعين العرب” .

– عبقرية حقانى فى العمل السياسى لا تقل عن عبقريته العسكرية .

– القوة السياسية فى الداخل هى عماد العمل العسكرى للمجاهدين ، وأساس القوة السياسية فى الخارج .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

كيف إستفاد حقانى من أهمية باكتيا :

فى الإستراتيجية وفى السياسة وفى الحرب .

إنتهت زيارتنا إلى الجبهة بوداع مؤثر مع مجموعتنا (متعددة اللغات ) ، ومع مولوى عبد الرحمن الذى بعث معنا دليلا ليأخذنا إلى مركز “سرانا”. كان شهر رمضان يقترب ،كما أن موسم حصاد القمح أصبح على الأبواب ، لذلك كان عدد أعضاء المجموعة مرشحا للإنخفاض بشدة وكنا نحن أول الغيث . تركنا هدية للموقع عبارة عن ما نمتلكه من أكياس للنوم ، وسترات الميدان . وكنا الوحيدان المالكان لتلك الأشياء العجيبة .

بعد تلك الزيارة تكونت لدينا فكرة لا بأس بها عن أحوال المجاهدين وإحتياجاتهم . ومشاركتنا القتالية البسيطة أو ضحت لنا الكثير .

كانو ا فقراء فى كل شئ ما عدا الإيمان والمعنويات العالية ، أى فى حقيقة الأمر كانوا هم الأغنى فى كل شئ . لأن  ما يملكونه هو ما حسم الحرب فى نهاية المطاف .. بعد سنوات مجيدة من الحرب الطاحنة .

جلسنا مع حقانى بعد عودتنا من مركز مولوى عبد الرحمن . أستقبلنا الرجل بإبتسامة عذبه ، وقال لى : ” لقد خشيت عليك أن تستشهد”.

تعجبت كثيرا من قوله ، وهو القائد الذى لا يكاد يمر يوم إلا وهو يودع شهيدا إما من رجاله أو من رجال القرى المحيطة به ، حتى تصورت أنه لايخشى من شئ ولا يخشى على أحد حتى على نفسه .

سألته عما يريد إبلاغه للعرب ، حتى نوصله إليهم عند عودتنا . وسجلت ذلك كتابة وكنت قد لمست بنفسى كل ما ذكره من إحتياجات ـ ولكنه ذكر نقطة أخرى وهى حاجة المجاهدين إلى إذاعة صغيرة يوصلون بها صوتهم إلى الشعب الأفغانى الذى يجهل الكثير عن ما يحدث .

وقد حاولنا فى كل ما ذكره حتى مسألة الإذاعة ، التى فشلنا فيها تماما . ولكن حقانى الذى لا يستسلم للفشل تابع ذلك الهدف حتى حصل بعد أعوام على إذاعة صغيرة متحركة وضعها فى موقع خلفى يسمى “جاور” . فكانت سببا فى صعود نجم “جاور” ونموها كقاعدة خلفية نشطة للمجاهدين ، فأصبحت هدفا للعدو ، وموضوعا لصراع مرير بين حقانى والحكومة فى كابول ، التى شنت على “جاور” حملات مدعومة من الجيش الأحمر ، بهدف إحتلالها بشكل دائم أو على الأقل تحطيم بنيتها التحتية بما فيها الإذاعة .

      بعد عودتنا إلى أبوظبى ، وإتصالاتنا لنا كثيرة ، مع بيان طبعناه ووزعناه سرا على كبار الإسلاميين المهتمين . كان الأثر كبيرا ولكن لم يحدث (ثورة معلوتاتية) شعبية لأن ذلك يلزمه ضوء أخضر من أولي الأمر . وحتى هؤلاء كانوا فى حاجة إلى ضوء أخضر من جهة أعلى .

وقد حاولت مجموعة متحمسة من الأصدقاء ، وهم مهندسون وأطباء ومحاسبون وطالب ثانوية عامة . أن يجمعوا تبرعات للمجاهدين الأفغان بعد صلاة العصر فى أحد مساجد العاصمة فألقت عليهم الشرطة القبض بتهمة التسول”!!” .

وكانوا على وشك قضاء ليلة فى الحجز ، لولا أن تم الإفراج عنهم بعد وساطات مكثفة ودهشة الشرطة من أن المتسولين هم من أصحاب الوظائف العليا . ولكن المفرج عنهم كانوا من أصدقائنا المقربين لذا أسميناهم “أصحاب السوابق الجنائية ” .

بعد عودتنا إلى أبوظبى بأسابيع قليلة حدث إنقلاب فى كابل أطاح بالرئيس “نور محمد طراقى” وجاء بشيوعى من جناح منافس هو “حفيظ الله أمين” ، الذى لم يمكث سوى أسابيع قليلة حتى تفاقمت الصراعات الداخلية وأوشك النظام على السقوط ، فقتل بمعرفة السوفيت وأجتاح الجيش الأحمر أفغانستان فى أكبر عملية غزو إبرار جوى بعد الحرب العالمية الثانية .كان ذلك إيذانا بتحول جذرى فى وضع الأزمة الأفغانية وتحولها إلى موضوع كبير فى الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية والشرقية ، ولم تلبث أن تحولت أفغانستان إلى أخطر قضايا الحرب الباردة بين الكتلتين ، والتى  أسفرت عن أعمق الآثار الجيوسياسية فى عالم اليوم ، إذ سقطت الإمبراطورية السوفيتية واستفردت أمريكا بالعالم مدعية أنها إنتصرت فى الحرب الباردة وأسقطت الإتحاد السوفيتى ، وبذلك أصبحت سيدة العالم بلا منافس ، تفعل به ما تشاء .

 

تفاهة دبلوماسية فى مواجهة الإحتلال :

توقيت الغزو السوفييتي لأفغانستان كان لا يخلو من المهارة . فإلى جانب أنه تم في الشتاء حليفهم التقليدي في الحروب سواء في أفغانستان أو غيرها، فإنه تم في توقيت سياسي ملائم للغاية. فقد كان غريمهم الأمريكي في نقطة ميتة سياسيا فالرئيس الأمريكي كارتر كان في لحظاته الأخيرة في البيت الأبيض . والرئيس الجديد ريجان الذي تسلم منه الحكم ، وجد أمامه أمرا واقعا في أفغانستان . لهذا لم يوجه أحد إليه السؤال : لماذا تركتم ذلك يحدث …

وماذا فعلتم والسوفييت يحتشدون لعبور حدود قانونية لدولة ضعيفة ؟ . ولكن بدأت الأحاديث حول إجراءات عقابية ضد السوفييت وإجراءات لتطويق آثارالغزو على المصالح الأمريكية  فى جنوب وغرب آسيا وخاصة مناطق نفط الخليج . لم تتحرك الدول الإسلامية إلا بعد أن مارست الإدارة الأمريكية الجديدة مهام عملها .

وأصدرت أوامرها وحددت السياسة  (الإسلامية) العامة لمواجهة خطر الغزو السوفييتي على العالم الإسلامي  والخطوات اللازمة في إطار المنظور الأمريكي . وبناء عليه عقد مؤتمر طارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية في إسلام آباد لبحث الموضوع

 وتم إصدار البيانات المعهودة التي لا معنى لها واتخاذ خطوات أشد تفاهة، كان أعظمها خطرا هو إرسال طائرتى معونات إنسانية من خيام وأطعمة للمهاجرين الأفغاني فى باكستان كدعم عاجل من المملكة العربية السعودية . وعلى صعيد (المقاومة الأفغانية) فإن تأثيرات ذلك المؤتمر عليها هو إصرار القائمين على المؤتمر على تشكيل كيان متحد للمقاومة تستطيع الدول الخارجية التعامل معه فيما يختص بالقضية الأفغانية . وكان عدد الأحزاب الأفغانية للمقاومة ستة أحزاب . وبشكل عاجل تم تشكيل واجهة موحدة هى (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) برئاسة عبد الرسول سياف ، الذي خرج لتوه من سجون النظام في كابل. وفي أقل من شهرين تحول من سجين سياسي سابق إلى رئيس (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) ليكون أول أعماله هو الإجتماع بوزراء خارجية الدول الإسلامية لمناقشة موقف تلك الدول من قضية بلاده . ورغم أن زعامة سياف وظهورها على سطح الحياة السياسية (للمقاومة الأفغانية) كان يبدو وقتها كأثر ثانوي لذلك المؤتمر ، إلا أنه بمرور الوقت ظهر أنه كان واحدا من أخطر الأحداث في المسار السياسي للقضية. خاصة في علاقتها بالتيارات الإسلامية العربية التي تعاطفت عن بعد، أو قدمت للمشاركة ميدانيا في الجهاد.وأيضا من حيث تفاقم الصراعات الداخلية في حركة (المقاومة) الأفغانية المتشرذمة أصلا .

 

سياف .. من رئاسة طارئة ، إلى عاهة مستديمة للجهاد :

عندما أوشك المؤتمر الطارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية على الإنعقاد لم تكن المنظمات الجهادية في حالة تسمح لها بحضور المؤتمر . فالخلافات مستعرة وعدد الأحزاب ستة أحزاب كاملة التحزّب . فطلبت باكستان منهم ، عندما وجدت أن الزعماء الستة يريدون حضور المؤتمر كل زعيم يمثل حزيه ، طلبت إختيار شخص واحد يمثل الأحزاب جميعا أمام المؤتمر. كانت المشكلة التي يخشاها الزعماء أنه في حال إختيار ممثل واحد عن الأحزاب يخاطب المؤتمرفإنه سوف يكون الشخص المعتمد لدى العالم الخارجي .

 وبالتالي فأي معونات خارجية  يتسلمها نيابة عن الآخرين ،  سوف يستأثر  بها لنفسه, وقد يتحول إلى صاحب حزب, فمن السهل أن يشتري من يريد وما يريد بواسطة المال الذى توفر لديه . وكانت القاعدة أنه عندما يرغب حزبان في الإتحاد ، يتم إختيار شخصية ضعيفة كي ترأس الإتحاد  المزعوم .

وبنفس الأسلوب وصل عبد الرسول سياف إلى سدة الزعامة. فقد كان ضعيفا، خارجا لتوه من سجون كابل . ويسكن في غرفة متواضعة، ويتلقى مساعدات مالية من أصدقائه داخل المنظمات. كان أشد المعترضين على ترشيح سياف هو حكمتيار الذي واجهه بحملة عنيفة من التشكيك والإتهامات.

 فقد كان يرى أن سياف قد خرج معافى من سجون الشيوعية في كابل ـ في قصة غير مقنعة ـ حيث كان الشيوعيون يقتلون الناس لمجرد الإشتباه فما بالهم بشخص مثل سياف كان في صفوف متقدمة من زعامات العمل الإسلامي في كابل ؟؟.

لماذا لم يقتلوه وهو تحت أيديهم في السجن ؟ .

وأضافت مصادر حزب حكمتيار بأن سياف قد إستفاد من حماية الزعيم الشيوعي حفيظ الله أمين المهندس الحقيقي للإنقلاب الشيوعي,والذى تولى رئاسة الدولة فيما بعد. فتولى الرئاسة  بعد أن تخلص  من سلفه نور محمد طراقي . فقد كان سياف وأمين أبناء خالة . لذلك فإن سياف لم يسجن في السجن الرهيب “بولي شرخي” بل أنه نقل سريعا إلى نوع من الإحتجاز المرفه تحت حماية إبن خالته.

ولمزت مصادر الحزب في الظروف التي إعتقل فيها سياف في عهد محمد داوود . فقد أعتقل وهو في مطار كابل وكان في طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة تعليمية موضوعها (التأهيل القانوني )!!.

 بالنسبة لهم فإن الإفراج عن سياف في أعقاب الإحتلال الروسي ، وإغتيال إبن خالته أمين ما كان ليتم خطأ كما يدعي سياف ، ولا بد أن وراءه تدبيرا معيناً بين سياف والشيوعيين والروس . كانت الإتهامات خطيرة، لكن رواج الشائعات  سواء بالحق أو بالباطل,أفقد  تلك الإتهامات أهميتها .

تبنى يونس خالص وجلال الدين حقاني قضية سياف حيث رأيا أنه المخرج الوحيد المتاح مع ضيق الوقت على إنعقاد المؤتمر . ومارسا ضغوطا على باقي الأطراف لقبوله رئيسا يمثل إتحاد أحزاب المجاهدين، ثم أنه قد وقَّع لهما بالفعل على تعهد بعدم إنشاء حزب جديد لنفسه. نجح مسعاهما بعد مجادلات طويلة مع قادة الأحزاب الأخرى وجميعهم متخوف ومتشكك فى الرجل ونواياه . وقد ندم حقانى وخالص فيما بعد إذ كانا الأكثر تضررا من إنحراف سياف واستئثارة بالمعونات المالية القادمة من الخارج . فأشترى الكثير من أتباع المنظمات فى الداخل منشئا حزبا جديدا تحت إسم الإتحاد وكون جهازا بيروقراطيا كبيرا فى بيشاور جاذبا عدا من المشاهير فى الداخل وثبتهم فى مكاتب قضت على فاعليتهم فى الميادين . ثم ضيق على مندوبو المنظمات الأخرى فى دول الخليج خصوصا، مدعيا أنهم يعملون خارج الإتحاد بشكل غير قانونى . فعانت المنظمات ماليا وكان أكثرهم معاناة هو يونس خالص وحقانى الذى كافح كثيرا حتى لا يغرقه سياف فى مشكلات مفتعلة فى الداخل والخارج .

  من أجل ملاحقة المؤتمر ظهر إلى الوجود إتحادا جديدا هو (الإتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان) . ولم يكن إتحادا فعليا ولم يكن بالطبع هوالإتحاد الأخير إذ تغير إسمه فيما بعد إلى (الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان) فى محاولة لإصلاح الخلل ، لم تسفر عن أى إصلاح . وظلت بيشاور حتى نهاية الجهاد هى أرض الفتن كما وصفها الكثير من المجاهدين المخلصين ومنهم حقانى .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

حقانى ينقل نبض المجاهدين إلى بلاد العرب :

إنتهى مؤتمر وزراء الخارجية بدون أي التزامات واضحة أو مساعدات للشعب الأفغاني . كان فقط مناسبة لتسجيل موقف لا يترتب عليه أي نتائج . كانت صدمة للقادة الأفغان وصدمة     لأنصار الجهاد والقضية الأفغانية من أمثال صديقنا المنياوي (زميلى فى الرحلة الأولى) ، والصحفي من صحيفة الإتحاد الظبيانية سمير عبد المطلب (أول صحفى عربى زار أفغانستان . وقد زار الأورجون أثناء تواجدنا فى جرديز فى رحلتنا الأولى ) .  فطالب الإثنان من سياف أن يترأس وفدا أفغانيا كي يزور دول الخليج لطلب المساعدة من الناس مباشرة .

وكانت المشكلة أن سياف لم يتلق دعوة رسمية بزيارة أياً من دول الخليج . فكيف له أن يصل إلى هناك ؟.

صديقنا المنياوي قال بأنه سوف يسعى إلى الحصول على تأشيرة لوفد المجاهدين برئاسة سياف، على إعتبار أنه وفد باكستاني جاء للحصول على تبرعات لمدرسة  دينية .

وقام سياف بتحديد شخصيات الوفد وكانوا كالتالي :

عبد الرسول سياف  صبغة الله مجددي ـ محمد نبي محمدی ـ جلال الدين حقاني . كان صديقنا الصعيدي يعمل وقتها سكرتيرا للدكتور عز الدين إبراهيم المستشار الثقافي لرئيس الدولة آنذاك. تكفل أحمد بتمرير أوراق الوفد عبد القنوات الرسمية كواحد من الوفود التقليدية التي تأتي لجمع التبرعات من مساجد الدولة وتطلب العون من هيئاتها الإسلامية . ولم ينتبه أحد إلى أسماء الوفد الذين لا يدري عنهم موظفوا الدولة أي شيء.

كانت تلك الزيارة ـ المعجزة ـ الخطوة الأولى لسياف كي يرسي دعائم قوية لعلاقاته العربية بشقيها الرسمي والشعبي . بل كانت فرصة لأول لقاء مباشر بين جهاد أفغانستان والشعوب الإسلامية ـ خاصة شعوب الخليج التي لعبت الدور الأهم في (التمويل الشعبي) للعمل الجهادي.

أجرى سياف خاصة ـ والوفد المرافق عامة ـ لقاءات واسعة جدا داخل مدن الإمارات. وقابلوا ما لا يحصى من الأفراد العاديين والمتحمسين والمسلمين المتدينين . وعقدت لقاءات كثيرة في المساجد ، وحتى داخل تجمعات الأفغان ، خاصة المنطقة الصناعية في مدينة العين التي تعتبر معقلا للبشتون من أفغانستان وباكستان .

رتبنا مؤتمرا صحفيا لسياف والوفد المرافق له ، في الفندق الذي يقيم به الوفد في أبو ظبي. إتصلنا بالصحف المحلية ، وقبل بداية المؤتمر إتفقنا مع مندوب جريدة الإتحاد على توجيه   السؤال التالي : “هل أنتم في حاجة إلى متطوعين مسلمين لمساندتكم في الجهاد؟ “.

عقد المؤتمر وإنهالت الأسئلة وتأخر سؤالنا المنشود حتى قرب نهاية الجلسة . وما أن ألقى مندوب جريدة الإتحاد السؤال حتى تكهربت أعصابنا وتعلقت أنظارنا بالأستاذ سياف الذي تلقى السؤال وتهيأ للإجابة . ولكن صبغة الله مجددي إندفع كالقنبلة وتولى الإجابة بعصبية واضحة قائلا: نحن لسنا في حاجة إلى رجال، ولكننا في حاجة إلى أموال وأسلحة للقتال ، وأن على الدول العربية ودول الغرب أن تمد الشعب الأفغاني بمختلف نواحي الدعم السياسي والمادي كي يواجه الغزو السوفييتي  .

إعتبر الصحفيون إجابة مجددي هي الإجابة الرئيسة، رغم أن سياف عقب عليها برد دبلوماسي لا يفيد شيئا ، حيث قال :إن الشعب الأفغاني يتصدى ببطولة للغزو السوفييتي ولكن إذا كنا نحن لسنا في حاجة للمتطوعين المسلمين ، أليس المسلمون في حاجة إلى الجهاد؟.   في كل المناسبات التالية ولمدة سنوات كان سياف يكرر نفس الجملة عند تعرضه لهذه النقطة الهامة .

كان تخلصا دبلوماسيا لبقا من “أمير الجهاد”، فلا هو طلب متطوعين ولا هو رفض، وعلى كل طرف أن يفهم الجملة حسب هواه . إكتشفنا في وقت متأخر نسبيا أنه من المحظور على  زعماء المنظمات في  بيشاور توجيه دعوة عامة للتطوع في صفوف المجاهدين الأفغان ـ أي إعلان جهاد إسلامي عام .

  ومع هذا  فقد كانت الزيارة صخرة ضخمة ألقيت  على سطح العمل الإسلامي الخليجى الراكد .

 كان حقاني قد خرج لتوه من صدام عسكري مع  الجيش الأحمر. لذا كان النغمة اليتيمة في الوفد الأفغاني ، لأنه الوحيد الذي يمثل الحقيقة الميدانية  للجهاد. بينما رئس الوفد “سياف” قد خرج منذ أشهر قليلة من سجن مطول فى كابل إستغرق حوالى ست سنوات . وبالتلى فليس لديه أدنى فكرة عن الجهاد المسلح الدائر فى أفغانستان . وبالمثل باقى أعضاء قادة الأحزاب”الجهادية” مجددى ومحمدى ، وكلاهما ليس له علاقة مباشرة بالجبهات القتالية لا قبل الإحتلال الروسى ولا بعده .

 وما كان يريد حقانى طرحه لم يكن متجانسا مع الطبيعة الإحتفالية للمواضيع التي طرحها  الوفد ، والطابع الإنفعالي الحماسي للإجتماعات ، كما لم يكن متجانسا مع طبيعة الجمهور العربي المتعود على سلبية الإستماع ونشوة الحماس والتأثر بالخطابات البليغة. فلم يكن ممارسا  لحيوية المشاركة وما تجلبه من متاعب وصعاب لم يتعود عليها . ويصح ذلك بوجه خاص على المجتمع الخليجي فائق الرفاهية ، بما في ذلك تجمعاته  (المواطنة) أو (الوافدة) .

وأعظم ما تبلغه همم تلك التجمعات ـ حتى وقت الزيارة ـ كان دفع دريهمات لمشاريع الخير هنا وهناك . وما الجهاد عندهم ـ حتى ذلك الوقت ـ إلا واحدا من المشروعات الخيرية ، مثل بناء مسجد أو دار أيتام أو إستكمال مركز إسلامي في دولة أوروبية .

كان حقاني يريد أن يناقش القتال ومستلزماته ، والمجاهد ومطالبه، والجهاد وخطوط إمداده . وقد تحدث مع قليلين حول تلك الموضوعات وإستوعبه أقل القليل منهم . وظلت الجبهات ومشاكلها القتالية أكبر الغائبين عن ساحة الإهتمام الشعبي العربي طوال مدة القتال، مع تحسن نسبي بعد ظهور “أبوعبد الله” ـ أسامه بن لادن ـ على ساحة العمل القتالي العربي في أفغانستان .

كانت تلك هى المرة الأولى التى يمتد فيها الدور السياسى لحقانى ليشمل نطاقاعربيا ، بعد أن كان محصورا فى النطاق القبلى الذى هو أساس القوة الحقيقية للعمل الجهادى ، ولكن الإتصال الخارجى ونجاح حقانى فيه تحول إلى مدد هام جدا وفر له دعما ماليا وإعلاميا ومددا من المتطوعين العرب فيما بعد . ورغم قلة عدد العرب فى جبهات حقانى إلا أن إسهاماتهم كانت جيدة بل وهامة أحيانا .

 

الدور السياسى الداخلى .. أساس القوة الجهادية لحقانى :

إذا كان الدور العسكرى لحقانى ، يكاد لا يكون له نظير فى فترة الحرب ضد الجيش الأحمر السوفيتى ، وشاهد ذلك إنجازاته العسكرية الكثيرة الذى كان فتح خوست فخرها الأكبر  والدليل الذى لا يدحض على تلك العظمة العسكرية .

ولكن إنجازاته وعظمته السياسية لا يكاد يلتفت إليها أحد ، رغم أنه لولا تواجدها ما كان له أن يحقق إنجازاته العسكرية كلها ، وبوجه خاص فتح مدينة خوست .

وحيث أن حقانى ـ مثل باقى القيادات الميدانية فى ذلك الوقت لم يكن مدعوما من قيادة عليا جهادية أو حتى قيادة حزبية مقتدرة ، فكان هو فى ذاته القيادة العليا الشاملة التى عليها أن تواجه ميدانيا جميع التحديات العسكرية والسياسية .

 من الممكن ملاحظة التحديات العسكرية ونتائجها ، كونها صاخبة صخب ميدان المعركة، ونتائجها واضحة وصريحة : فإما نصر مشهود أو هزيمة ظاهرة لا يمكن التستر عليها خاصة فى الملاحم الكبرى . أما الإشتباكات المحدودة الحجم والنتائج ، والتى تعمل بالتراكم البطئ ، فتكون سببا للإنتصار الكبير أو الفتح الأعظم . ولكن لا ينتبه أحد إلى أهميتها لأنها مثل ضؤ المصباح الصغير . ولكن ضوء ذلك المصباح الصغير والمتكرر والدائم هو الذى أنار الطريق نحو النصر النهائى المبهر . لذلك فكل مجاهد استشهد فى تلك الإشتباكات الصغيرة التى لا تحصى ، هو صانع حقيقى ضمن صناع كثيرين ومجهولين لذلك النصر الكبير .

    فى أثناء جولتنا التاريخية فى مسيرة حقانى سنتعرض من وقت إلى آخر إلى جوانب من نشاطه السياسى وأهم فروعه هو العمل بين القبائل ، وهو ذو صلة مباشرة بالنشاط الجهادى . وبدونه يغدو ذلك النشاط مستحيلا . حيث المحيط السكانى ذو تكوين قبلى . وفى ذلك الوقت عانت القبائل من عدة ضغوط : تهدد تواجدها ـ وتهدد تماسكها ـ وتهدد مصالحها المباشرة .

ــ أما ما يهدد تواجدها فهو هجوم جيش الإحتلال وأعوانه فى النظام الشيوعى الحاكم على القبيلة مباشرة.

ــ وما يهدد تماسكها ووحدتها فهو النشاط الحزبى الموجه من أحزاب بيشاور بتخطيط من باكستان والأعداء الخارجيين الذين إرتدوا لباس الصداقة الكاذبة ، مثل الأمريكيين ودول أوروبا وحكومات الخليج وخاصة النظام السعودى .

فقد عملت تلك الجبهة من أجل تفكيك القبائل بطرق شتى على رأسها إستبدال الولاء القبلى بالولاء الحزبى . خاصة وأن الولاء الحزبى يجلب المال والسلاح . وبتعدد الأحزاب إلى سبعة أحزاب (غير ثلاثة إنشقاقات أصغر) تقسمت القبائل إلى هذا العدد . ناهيك عن الإختراقات الحكومية ولم تكن علنية فى أغلب الأحوال . لكن عند سيطرة الحكومة على منطقة قبيلية معينة ، فسريعا ما تظهر كتلة قبيلية متعاونة معها بدوافع إنتهازية بحته وطمعا فى الأموال والزعامة القبلية . والعلاقات بين القبائل من المهم جدا معرفة تاريخها القريب والبعيد . فالمشكلات القبلية تتوارث لزمن طويل . خاصة المشاكل على الأرض والمراعى والغابات والماء .

أما الثارات فهى الطامة الكبرى ، التى من الصعب علاجها ، وتبقى سابحة عبر الأجيال والأزمان . ولعلاجها لابد من تصدى العلماء والزعماء القبلين وبذل الأموال حتى تحل المشكلة. حساسية القبائل تجاه كرامتها وسيادتها على أراضيها كانت مشكلة كثيرا ما تواجه المجاهدين فى تحركاتهم العابرة لأراضى قبائل عديدة ، خاصة إذا كانت متكررة أو يترتب عليها معارك قد تطال القبيلة أو تعرضها لإنتقام العدو . و الصراع الحزبى لم يكن نادرا، وفى بعض المناطق كان مزمناً .

ــ حتى المعارك التى تدور بالقرب من أراضى القبيلة ، وتنتهى بنصر المجاهدين ، فقد تقفز زعامات من القبيلة مطالبين بجزء محترم من الغنيمة فى مقابل أراضيهم التى إستخدمت فى العبور إلى مناطق القتال ، أو دار فوقها بعض القتال .

كل تلك المشاكل تحتاج إلى دراية عميقة بطبيعة القبائل والتاريخ السياسى لكل قبيلة ، وخريطة العلاقات بينها .. الآن .. وقديما .

تقريبا من المستحيل أن تحل أى مشكلة قبلية بدون وجود عالم دين فما بالك إذا كان هو حقانى  بكل مهابته واحترامة وبطولته ؟؟ .

ــ كان حقانى مع تعدد “الكومندانات ” العسكريين داخل كل قبيلة ، وأنه مجبر على التعامل المباشر معهم إعتبارا للقوة التى تحت إيديهم من سلاح ورجال ، إلا أنه لم يهمل أبدا التعامل مع كبراء القبائل وزعمائها التقليدية من كبار السن ، وعلماء الدين فيها . وكان بذلك يضمن خطاً خلفيا يلجأ إليه فى حالة تعثر الإتفاق مع “الكومندانات ” حاملى السلاح والتابعين لأحزاب بيشاور، وتشكيل ضغط عليهم من داخل قبائلهم نفسها .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

حقانى والسياسة الإقليمية :

كيف إستفاد حقانى من أهمية باكتيا ، فى الإستراتيجية وفى السياسة وفى الحرب .

   أهم السياسات الخارجية كان بالطبع السياسة مع الجارة اللدود باكستان ، التى هدفت إلى التحكم فى كل ما يجرى على الساحة القتالية فى أفغانستان وفى مقدمتها (الكومندانات) أى القادة العسكريين القبليين، كبيرهم وصغيرهم ، بالسلاح والإمدادات والمال (وجميعها عناصر قادمة من الخارج وليس من الحزينة الباكستانية). تسيطر باكستان على كل شئ بواسطة جهاز إستخبارى عسكرى هو(ISI) صاحب السمعة والقدرة ، والذى أسسه ضياء الحق الرئيس الباكستانى من أجل التدخل فى أفغانستان .

كان حقانى من الحالات النادرة التى ظلت عصية على الهيمنة الباكستانية ، وفرض عليهم معاملة ندية ، بل أن يده كانت هى العليا . والسبب هو قوته الشخصية والعسكرية ، وإحكام سيطرته على قبيلته زدران وهى القوة الضاربة الأولى فى ولاية باكتيا . تشاركها فى تلك الولاية ثلاثة قبائل هى منجل وجربز وتاناى . ولم تشهد باكتيا قتالا قبليا أو حزبيا ، والسبب الأساسى كان مجهود حقانى التصالحى والجامع الجهادى بين القبائل . لم تكن الخلافات أو حتى الأزمات غائبة ولكنها دوما كانت تحت السيطرة بمجهود كبراء القبائل الشرفاء المخلصين لإنتمائهم الإسلامى . وهكذا كانت باكتيا هى الأفضل من حيث التماسك والسلام القبلى بين سكانها.

 أعطى ذلك أهمية فائقة لحقانى فى السياسة الخارجية عموما ، خاصة السياسة إزاء باكستان حيث أن ولاية باكتيا لها أهمية إستراتيجية فريدة بالنسبة لأفغانستان وباكستان معا . فهى الولاية التى تحتوى أكبر عدد من الممرات البرية الطبيعية التى تربط بين البلدين ، لذا كانت سيطرة الجيش الأحمر أو القوات الشيوعية على تلك الولاية تمثل كابوساً يؤرق السلطات الباكستانية . وحائط الصد الأساسى فى ولاية باكتيا هى قيادة حقانى التى تحفظ للولاية تماسكها وقوة ردعها التى تصد الجيش الأحمر .

وكان ذلك عاملا حاسما فى إستمرارية الجهاد ونجاحه فى نهاية المطاف . فإن 80% من الإمدادات الذاهبة إلى الجبهات فى معظم المحافظات كانت تمر من باكتيا . وبالتحديد ممر جاجى ثم ممر خوست عبر قاعدة حقانى فى جاور . وفى كلا الموضعين (جاجى وجاور) دارت أعنف معارك الحرب بسبب تلك الممرات ، التى إستمات السوفييت فى إغلاقها واستبسل المجاهدون فى الدفاع عنها ، دافعين أغلى الأثمان بالدماء والأرواح .

( سوف نمر على أهم تلك المعارك خلال هذا الكتاب).

وكانت تلك هى ورقة القوة الأساسية فى يد حقانى والتى وفرت له اليد العليا فى التعامل مع باكستان وأجهزتها الإستخبارية . رغم أن تلك الأخيرة حاولت بشتى الطرق الحد من نفوذه أو إيجاد قيادات منافسة تقلل من قوته . وفى بعض الأحيان حاولوا التخلص منه نهائيا(بالإغتيال) خاصة قبل فتح مدينة خوست والذى كان خطاً أحمراً ـ بإتفاق دولى بين الكتلتين ـ حتى يرغموا المجاهدين على قبول تقاسم السلطة مع الشيوعيين فى كابول . حتى أنهم نقلوا إلى حقانى تهديدا(بضربة نووية ) إذا إقتحم خوست !! .

لم يرضخ حقانى للتهديد النووى ، كما لم تردعه محاولة الإغتيال ــ ثم حاولوا إفشال إقتحام جرديز ، ونسجوا مؤامرة نجحت فى تعطيل المحاولة الأولى للفتح (أكتوبر1991) ولكن فى الربيع لم تسطع حامية المدينة تحمل الحصار والرعب الذى أصابها من تحفز المجاهدين ومناوشاتهم الدائمة والخطيرة .

فى مثل المجتمع الأفغانى فإن السياسة القبلية للمجاهدين هى عماد قوتهم السياسية وبالتالى قوتهم العسكرية . وبشكل عام فإن القوة السياسة الداخلية (داخل الوطن) هى عماد القوة فى مجال العمل السياسى الخارجى ــ والعكس غير ممكن ــ لأن القيادة التى تسيطر على زمام العمل الجهادى بدعم الخارجى عسكرى وسياسى ومالى وتسليحى ، لا يلبس أن تكون كارثة عظمى على شعبها ، سواء نجح مسعاها أو فشل ، فإن حمامات الدم تصبح حتمية . وقد شهدت أفغانستان ـ فى العصر السوفيتى ـ تلك الحالة ، خاصة فى مثالها الأهم وهى الأحزاب (الجهادية) فى بيشاور والتى تصدرتها شخصيات لا دور يذكر لها فى قيادة قبائلها أو شعبها .

فتسببت فى مآسى لأفغانستان سواء فى عهد الإحتلال السوفيتى أو فى عهد الإحتلال الأمريكى فكانوا ضد شعوبهم على الدوام وفى خدمة القوى الإستعمارية الخارجية التى تشترى خدماتهم ، وتصنع زعامتهم المزيفة .

ونظرا لخطورة موضوع السياسة فى الحروب ، سنعود إليه مرارا فى سياق هذا الكتاب .

تحميل مجلة الصمود عدد 154 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/12/2018

www.mafa.world

جلال الدين حقانى 4

 




أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة

أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة

نقلا عن موقع الحوار المتمدن   22/12/2018

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

أفيون أفغانستان تحت أضواء مُضَلِّلَة

– علم الأفيون السياسى  

– فى أفغانستان ، قوانين الإقتصاد تسير عكس السير

– أسباب إنخفاض الإنتاج

– أفيون السياسة الدولية

– إقتلاع أعواد الخشخاش

– توزيع حصص الأفيون والهيروين

– أسعار الأفيون داخل أفغانستان

– أين أسعار أفيون كابول ؟

 

 تقرير سنوى عن أفيون أفغانستان يصدره مكتب للأمم المتحدة للمخدرات والجريمة UNODC ، يتميز بالمتابعة الشاملة على قدر ما تسمح به ظروف الحرب والسياسة ـ كون الأفيون يخضع للتوجيه السياسى ومصالح الولايات المتحدة ــ فموضوع المخدرات هو من أكثر المواضيع حساسية ، ويتعلق بأهم الموارد المالية للإمبراطورية الأمريكية ، وبالتالى فهو أحد المفاتيح الأساسية لقراراتها فى السياسة والحرب .

لذلك فالتقرير المذكور يراعى تلك المصالح ، فيحجب أكثر الحقائق ، والباقى يضع لها تأويلات مضللة تأخذ القارئ والمتابع إلى متاهات بعيدة.

 

علم الأفيون السياسى :

 تسير إستراتيجية حركة طالبان فى عكس إتجاه إستراتيجية المحتل ، أدراكا منها أن المخدرات كانت الدافع الأول لعدوان الجيش الأمريكى خاصة بعد أن منعت الحركة زراعة الأفيون فى مناطق سيطرتها خلال فترة حكمها القصيرة لأفغانستان ، فكان عام 2001 هو أقل الأعوام إنتاجياً للأفيون بمحصول قدره 185 طن ــ معظمها من إنتاج مناطق لم تكن خاضعة لسلطة طالبان ـ بعد أن كان الإنتاج فى الأعوام السابقة يتخطى 3500 طن . هذا النقص الهائل فى الإنتاج حَفَّز الجيش الأمريكى على الحركة السريعة ، فأعاد زراعة الأفيون بتصاعد خيالى. وقال الأمريكيون أنهم لم يحضروا إلى أفغانستان لمكافحة زراعة المخدرات ، بل لمكافحة الإرهاب (!!) . ولكنهم عندما إفتقدوا تواجد تنظيم القاعدة فى أفغانستان إستوردوا داعش من شتى الأرجاء ، وصنعت لهم باكستان جيشا داعشيا من بقايا بلطجية معسكرات المهاجرين فى بيشاور. فعاشت زراعة الأفيون وصناعة الهيرويين جنبا إلى جنب مع صناعة الإرهاب الداعشى ، أزهى عصورها فى ظل الإحتلال الأمريكى .

تقرير مكتب المخدرات والجريمة للأمم المتحدة UNODC ، إلى جانب المعلومات المنقوصة، يعطى تفسيرات مضللة أو على الأقل مربكة للغاية ..ومن أمثلة ذلك :

 

فى أفغانستان ، قوانين الإقتصاد تسير عكس السير :

أول معلومة مربكة يسوقها تقرير(عام 2018 ) ، مع تفسيرها الأشد إرباكا .. تقول :

إن كمية الأفيون المنتج هذا العام “2018” فى أفغانستان وصلت إلى 7200 طن ، بنقص حوالى “11ــ %” عن محصول العام الماضى 2017 الذى بلغ (10000 طن) . وحسب قانون العرض والطلب فمن المفروض أن يرتفع السعر ولكن التقرير يفاجئنا بأن السعر إنخفض بنسبة ” ــ 42 %” . فهل تغيرت قوانين الإقتصاد؟؟، أم أن أفغانستان المحتلة هى مكان خارج القوانين؟؟ . كنا فى أنتظار أن يبشر التقرير العالم بأن إنخفاض المعروض من الأفيون أدى إلى إرتفاع أسعاره وبالتالى أسعار الهيرويين .

وحتى يتخلص (تقرير الجريمة والمخدرات) من المأزق قال إن سبب تراجع زراعة الأفيون هو تراجع الأسعار . وهو عذر أقبح من ذنب ، لأن أسعار العام الماضى(2017 ) كانت مرتفعة ، فمتى ظهر دليل على أن الأسعار سوف تنخفض فى عام “2018” حتى يتراجع الفلاحين عن الزراعة ؟ .. لم يوجد أى مؤشر على ذلك، لأن إتجاه الأسعار نحو أو الإنخفاض أو الإرتفاع يظهر مع إقتراب جنى المحصول . عندها يعمل قانون العرض والطلب . فإن كان المعروض كبيرا ، توجهت الأسعار نحو الإنخفاض ، والعكس صحيح .

يمكن أن نقدم تعليلا أكثر واقعية لظاهرة  إنخفاض السعر الأفيون رغم إنخفاض الإنتاج .

 

 أسباب إنخفاض الإنتاج :

 تقديرات (مكتب الجريمة) غير دقيقة بالمرة من حيث قياس كمية الإنتاج . فالمكتب المذكور فى تقرير عام 2016 قال أن معظم مناطق زراعة الأفيون موجودة فى مناطق مصنفة على أنها (خطر) أو (خطر جدا) حسب قسم تابع للأمم المتحدة يسمى قسم الأمن والسلام (!!) ـ {وهذه ليست نكته !! قسم للأمن والسلام فى الأمم المتحدة .. هكذا !! } .

فالمناطق المحررة تتوسع فى كل أفغانستان ، خاصة المناطق التى ركز الإحتلال فيها زراعة الأفيون حتى يتمكن من حراستها والدفاع عنها بسهولة .

واقعيا هناك 70% أو أكثر من أراضى أفغانستان محررة (وليس 50% كما يروج الإحتلال). والباقى من الأرض تنساب فيه قوات طالبان إلى أن تصل إلى مقار القيادات العليا فى كابول . وتتحكم فى معظم مسار الحياة المدنية من تحت الأرض ، وأحيانا من فوقها، فى ظهور شبه علنى ولكنه محسوب بدقة. يقول قسم(الأمن والسلام) فى الأمم المتحدة ، أن تلك الأراضى المصنفة خطر وخطر جدا لا يمكن أن تصلها الأمم المتحدة أوهيئات الإغاثة . ولكنه لم يذكر أن قوات الإحتلال لا يمكنها ذلك أيضا إلا بسلاح الطيران ، أو حملات أرضية جوية قصيرة وخاطفة ، وبلا نتائج فى موازين الأرض . فكيف يمكن قياس كمية الإنتاج؟؟.

سيقولون : بالأقمار الصناعية. ولكن تلك تقديرات غير دقيقة على غير ما يحاول أن يوحى به مكتب الجريمة ، مقدما أرقاما كأرقام متوسطة ، لأرقام عليا وأخرى دنيا إمعانا ، فى إيهامنا بدقتة وحيادية أرقامة ، التى هى فى معظمها غير موثوقة ، إما لأنها مختلقة بالكامل ، أو لأنها (معدَّلة سياسياً) وفقاً لأهداف الإحتلال .

يقول مكتب (الجريمة والمخدرات) أن من أسباب إنخفاض إنتاج الأفيون قلة أمطار هذا العام. صحيح أن منسوب الأمطار قد إنخفض ولكن إلى أى درجة؟؟ .

فجداول المكتب ورسوماته البيانية ، تقول أن إنتاج هذا العام(2018) هو ثالث أعلى محصول منذ عام 2014 ـ وحسب أرقام المكتب المذكور فإن إنتاج أفغانستان من الأفيون فى السنوات المزدهرة الأخيرة هى كالتالى: (عام2014) 4420 طن ـ (عام2017) 5158 طن  ــ (عام2018) 4391 طن.

ولماذا شهدت محافظة كابول(المركزالسياسى للإحتلال وحكومته المحلية) إرتفاعا فى محصول الأفيون؟؟ . فهل لديها أمطار خاصة بها ؟. ولماذا إرتفع محصول القطاع الشمالى الشرقى من البلد رغم قلة الأمطار؟.

   مكتب (المخدرات والجريمة) لا يتطرق مطلقا إلى عنصر السياسة العالمية وتأثيرها على أسعار وإنتاج الأفيون فى أفغانستان . كما لا يتطرق بالطبع إلى موضوع العلاقة بين الأفيون وكل من السياسة الداخلية والعمليات العسكرية للإحتلال فى أفغانستان.

– فعندما يُقارِن عامنا الحالى(2018) فإنه يرجع فقط إلى عام2014 قائلا أنه ثالث أعلى محصول فى تلك السنوات الأربع . ولكن عودة بالمقارنات إلى أعوام سابقة حتى عام 2008 ـ (أنظر صفحة 47 من التقرير المذكور) نجد أن عام 2018 عاما وفير المحصول . العائدات إنخفضت ، و لكن بالمقارنة نجدها أفضل من سنوات عديدة مضت .

 

أفيون السياسة الدولية :

بعض السنوات كانت منتعشة جدا من حيث الإنتاج والأسعار، مثل عام 2011 (هل يذكر أحد أحداث الربيع العربى!! ). فى الأزمات الدولية الكبرى وطبقا لبيانات مكتب الجريمة نلاحظ أن أسعار الهيروين إنخفضت ، وتوفر فى أسواق دول لها تأثير كبير أو مباشر فيما يجرى دوليا من كوارث مثل الأسواق الأمريكية والأوروبية وأسواق دول تعانى من زلازل سياسية وإقتصادية تهدد مصالح وخطط أمريكا . وأرقام عام 2001 خير دليل على ذلك {راجع كتاب حرب الأفيون الثالثة ، فالأرقام والجداول الموجودة به، كلها من مستقاه من”مكتب الجريمة” التابع للأمم المتحدة} . ورغم أن محصول أفيون 2001 كان هو الأدنى منذ عقود أو قرون ،إلا أن الهيروين توفر فى أسواق أمريكا وأوروبا عام2001 وإنخفض سعره؟؟ . هنا يظهر مصطلح(المخزون الإستراتيجى) . الذى بلغ الآن بالتأكيد مستويات غير متوقعة . وحسب تقدير روسى نشر عام 2010 فإن أمريكا تختزن 1200 طن من الأفيون تحسباً للطوارئ .  ولعله يقصد الهيروين وليس الأفيون . لأن من يَخْتَزِن بشكل إستراتيجى يختزن مسحوق الهيروين لصغر حجمه وسهولة نقله وعظيم تأثيره وإرتفاع سعره . أما إختزان الأفيون فيكون لأهداف قريبة واحتياجات محلية أو إقليمية سريعة ، ( أى فى أفغانستان والدول المحيطة بها).

الآن فى عام 2018 لنا أن نتخيل مقدار التصاعد فى ذلك المخزون الذى لا يقل تدميرا للبشر عن المخزون الأمريكى من أسلحة الدمار الشامل .

فى هذا العام دلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة إستخدمت جزءا من ذلك المخزون لخفض أسعار الأفيون الخام الذى أصبح فى مقدار كبير منه خارج سيطرة إحتلالها العسكرى ، وعدم قدرتها على الوصول إليه عبر عملاء وسماسرة محليين ، لأن عقوبه هؤلاء من جانب حركة طالبان تتساوى مع عقوبة الجواسيس والخونة المتعاونين مع العدو .

وبالتالى بدأت الولايات المتحدة تسحب جزءا من مخزون الهيروين الإستراتيجى وتطرحه محليا داخل أفغانستان ليعطى إشارة (الوفرة) وبالتالى ينخفض السعر ، وينتهى إلى حد ما الرواج الذى أحدثه الإحتلال فى مناطق زراعة الأفيون حين رفع أسعاره فجأة إلى مستويات لم يحلم بها المزارعون الأفغان يوما . فقد كان دخلهم قبل الإحتلال يبلغ حوالى 90 مليون دولار. وفى سنوات الإحتلال “السعيدة” تعدى أحيانا المليار دولار أى أكثر من عشرة أضعاف ما كان قبل عام الإحتلال ، وذلك لشراء ولاء المزارعين الذين أفقرتهم حركة طالبان بمنعها زراعة الأفيون . ولكن ليست قوانين الإقتصاد هى فقط التى تسير عكس السير فى أفغانستان ، بل والقواعد الإجتماعية للإقتصاد أيضا . فمن كان يتصور أن مزارعى الأفيون ينقلبون على الإحتلال صاحب الفضل فى مئات ملايين الدولارات التى تنهمر فوق رؤوسهم مع قنابل الطائرات. وتلك بعض الألغاز الأفغانية .{ لعمرى إن ذلك لعجيب جدا !!.. فمازالت هناك بعض الشعوب لا تقبل بصفقات أمريكية كبري ، متعددة القرون ، لمقايضة أوطانها بمليارات الدولارات }.

ولا يتصورن أحد أن الحديث عن المليارات تعنى إرتفاعا فى مستوى معيشة الشعب المنكوب. فإحصاءات مكتب الأمم المتحدة للجريمة تقول أن أفغانستان هى الدولة الأفقر فى جنوب آسيا ، وأن 30% من سكانها يعيشون تحت مستوى الفقر ، والواقع أسوأ من ذلك .

هذا بينما تُظْهِر الأرقام الحكومية الأمريكية أنها تنفق سنويا 45 ملياردولار على حرب أفغانستان !! ليس لمصلحة الشعب الأفغانى بالطبع بل لنهب ثرواته من الأفيون إلى اليورانيوم.

 

قد تكون الأسباب الواقعية لإنخفاض أسعار الأفيون فى أفغانستان لهذا العام ترجع إلى :

1 ـ طرح جزء من المخزون الإستراتيجى للهيروين (والأفيون!!) فى الأسواق الأفغانية .

2 ـ عدم قدرة الإحتلال على الوصول إلى محصول الأفيون ،  قلَّلَتَ كثيرا من القدرة الشرائية المتوفرة فى السوق ، فأصبحت متواضعة وقليلة الحيلة أمام محصول ضخم ، فإنخفضت الأسعار .

– يتنبأ مكتب الجريمة بإنخفاض أسعار الهيروين داخل أفغانستان . ولكن السوق الأفغانى المحلى لا يتجاوز 3 ملايين شخص فى أعلى تقديرات مكتب الجريمة ، فالسوق العالمى هو الأساس حيث يوجد 17 مليون متعاطى حسب إحصاءات 2016 . فعندما ينخفض محصول الأفيون فى أفغانستان يقل المعروض من الهيروين عالميا، وبالتالى ترتفع أسعاره ولا تنخفض كما يقول مكتب الجريمة . فلماذا يسير القانون معكوساً فى أفغانستان؟؟. فقط طرح جزء من المخزون الإستراتيجى الأمريكى من الهيرويين هو الذى يعكس الدورة فى السوق الأفغانى والعالمى، فبدلا من إرتفاع الأسعار تعود إلى النزول نتيجة زيادة المعروض . لا تفعل أمريكا ذلك حرصا على مصالح المدمنين حول العالم ، ولكن من أجل إحداث تأثير سياسى منشود داخل مجتمعات بعينها . وأيضا لمكافأة حكومات صديقة (بمنحها نسبة هيرويين كإسناد مالى) والإضرار بأخرى “مارقة” (تُستَنْزَف ثرواتها البشرية والمالية بتسريب الهيرويين إليها) .

إقتلاع أعواد الخشخاش :

من المفروض أنه أسلوب رئيسي فى مكافحة زراعة الأفيون . إذ تقوم حملات أمنية وعسكرية (بمداهمة) مزارع الأفيون لإقتلاع نباتات الخشخاش .

هذه مسئولية الحكومة المحلية ، وقد أعلن الإحتلال صراحة أنه غير معنى بمكافحة زراعة الأفيون، وأن (التفويض الدولى!!) الذى حصل عليه لايشمل ذلك ، بل يشمل مكافحة الإرهاب.

الحكومة المحلية ــ التى عينها الإحتلال ــ ترى أن عملية الإقتلاع هى إثبات لشرعيتها على مستوى العالم . ويدعم الإحتلال ذلك الإدعاء الكاذب لإنه يوفر مشروعية لتواجده العسكرى والأمنى. والنشرة التى يصدرها مكتب الأمم المتحدة للجريمة والمخدرات UNODC ، تستخدم كافة وسائل التضليل العلمى والتكنولوجى لإيهام العالم بوجود حكومة (تكافح!!) المخدرات عبر عمليات إقتلاع هى سراب رقمى وتهويل علمى .

من ناحية الأرقام فإن القدرة على الإقتلاع تافهة للغاية لدرجة أنها تقاس أحيانا بعدد الشجيرات المقتلعة . أو بعدد الهكتارات التى لا تكاد تذكر بجانب المساحات المزروعة . ويدعم الإحتلال نشريات مكتب الجريمة بصور الأقمار الصناعية التى تثبت القيام بعملية (المقاومة) والإقتلاع. وإستخدام صور الأقمار الصناعية يكلف ماليا أضعاف ما تكلفه عملية الإقتلاع الصورية . المقارنة بين صور من القمر الصناعى مع أخرى فوتوغرافية لنفس المكان على الأرض ، يؤكد تفاهة النتائج و يكشف كمية المبالغات. ورغم ذلك لا يمكن تغطية حقيقة أنها عملية مكلفة جدا وعديمة التأثير .

تقول أرقام مكتب الجريمة والمخدرات UNODC ، أن حكومة كابول لم تَقُمْ بأى حملة “إقتلاع”  فى هلمند ـ المحافظة الأعلى إنتاجا للأفيون فى أفغانستان ـ طوال السنوات الثلاث الأخيرة . “لماذا”؟؟ .. رغم وفرة القوات الأمريكية والحليفة فى أعلى تركيز لها داخل هلمند ، فإن سيطرتها على أرض هلمند / وما تسميه أمريكا بالقطاع الجنوبى/ لا تتناسب أبدا مع ذلك المجهود . إضافة إلى أنه تواجد مُحَاصَرْ ومُكبَّل إلى درجة كبيرة . وليس غريبا أن يصف الروس الحرب الأمريكية فى أفغانستان بأنها حرب يائسة . ونضيف بأنها حرب يائسة ومهينة ، قد تتحول إلى إنكفاء مصيرى فى المكانة والقدرة الأمريكية حول العالم .

ــ نسبة “الإقتلاع” تراجعت هذا العام 2018. وسبق لمكتب الجريمة أن أعلن فى عام 2016 عن تراجع الإقتلاع بنسبة ” ــ 91 % ” !! .

العام الحالى يعتبر الأضعف فى(عملية الإقتلاع) إذ تراجعت نسبته بمقدار ” ــ 46 %” عن العام السابق2017 . فأصبحت المساحة المقتلعة هذا العام 406 هكتار بعد أن كانت 750 هكتار فى عام2017 . وتمت عمليات الإقتلاع هذا العام فى 4 محافظات فقط فى مقابل 14 محافظة فى العام الماضى2017 . { تراجع عمليات الإقتلاع تصلح لأن تكون مؤشرا لتوسع الأرض المحررة ، مثلها مثل إنخفاض أسعار الأفيون بسبب عجز المحتل عن الوصول إلى المزارع أو التجار المحليين ،أى عجز الملياردير الأمريكى عن الشراء من السوق المحلى}.

“تقنيا” أتلفت الحكومة النباتات /كما تُتْلِفْ المواطن/ بواسطة (الضرب بالعصا!!)!!. فى ثلاث محافظات إستخدمت تِقَنيَّة العصا ، بينما إستخدم التراكتور لإتلاف المحصول فى محافظة واحدة .

{ غابت التكنولوجيا المتطورة عن برنامج مكافحة المخدرات فى أفغانستان المحتلة . بينما أثناء حكم حركة طالبان هدد الروس والبريطانيون ، ومن خلفهم الولايات المتحدة ، هددوا بإستخدام مادة كيماوية مستحدثة يمكن رشها من الجو فتبيد محصول الأفيون تماما . ليس مهم طبعا كم سيباد من الشعب الأفغانى فى ذلك الهجوم الكيماوى الدولى ، فتلك ليست مشكلة على الإطلاق . لأن الروس كما البريطانيين ، تاريخيا ، مارسوا فى حروب طاحنة وغير متكافئة متعة إبادة الأفغان . فأين تلك الإمكانات العلمية والتكنولوجية الآن ؟؟ ولماذا هددوا بها نظام طالبان ، ثم صمتوا عنها الآن فى عهد الإحتلال الأمريكى؟؟ . إنها ألغاز الهيرويين التى تنعش الذاكرة أو تميتها ، حسب الجرعات المكتسبة من دماء الأفغان } .

وحتى تتضح صورة المهزلة، فإن أرقام مكتب الجريمة تقول أن المساحة التى تم”إقتلاعها” فى كل البلد بلغت 406 هكتار من مساحة مزروعة مقدارها 263000 هكتار !! .

فهل تلك حقا عملية إقتلاع، أم هى مجرد إزالة للنباتات الضعيفة من أجل تحسين الإنتاج !! .

توزيع حصص الأفيون والهيروين :

تنبأ مكتب الجريمة (وربما قرر) أن نسبة توزيع إنتاج الأفيون لهذا العام 2018 ستكون كالتالى:

ـ  1400 طن كحد أعلى ، سوف تخصص لإحتياجات الإقليم (يعنى أفغانستان وما حولها من دول).

ـ  610 طن كحد أعلى، لإحتياجات صناعة الهيروين المُصَدَّر إلى الخارج . وتلك الكمية يتم تحويلها إلى هيروين نقى بنسبة 100% (ملاحظة : تلك نسبة لا تبلغها إلا معامل الجيش الأمريكى فى القواعد الجوية الأفغانية، خاصة فى قاعدة بجرام شمال كابول) فإذا أدت واجبها بما عُرِف عنها من تقنية عالية فسوف يحصل السوق العالمى على {250طن إلى 350طن} من بلورات الهيروين النقى .

يحتاط مكتب الجريمة ، ومن أجل الأمانة العلمية يقول أن كمية الهيروين والأفيون المذكورة أعلاه لا تصل كلها إلى الأسواق بسبب الخسائر والفاقد والمضبوطات خلال التحرك صوب البلد المستهدف . وهكذا يعانى الأمريكان للحصول على لقمة العيش كما تعانى باقى الشعوب الكادحة .

أسعار الأفيون داخل أفغانستان :

 هذا العام 2018 هبطت أسعار الأفيون(الجاف) بنسبة “39 ــ %” ، فأصبح الثمن 94 دولار /كيلو جرام . بينما كان 155 دولار/كيلوجرام فى العام الماضى2017.

هنا أيضا يظهر ثقبا أسودا ـ كما فى الكثير من بنود التقرير. فبينما يهبط سعر الأفيون فى كل البلد بالنسبة المذكورة أى “39ـ %” نجد السعر حقق إرتفاعاً كبيرا مفاجئا فى منطقة يسميها التقرير بالقطاع الشمالى الشرقى الذى يشمل حسب تقسيمهم ثلاث محافظات هى (بدخشان ـ تاخارـ قُندُز) . وربما تساعدنا مميزاتها الجغرافية/ السياسية على الإقتراب من حل اللغز .

فالمحافظات الثلاثة تشترك مع جمهورية طاجيكستان (جمهورية سوفيتية سابقة) فى شواطئ نهر جيحون . وطرق تهريب المخدرات لا تواجه صعوبات يعتد بها فى طاجيكستان . ومنها يمكن الوصول بسهولة إلى الأراضى الروسية ثم باقى أوروبا شرقا وغربا .

فى تصريح روسى منذ سنوات جاء أن قيمة الهيروين القادم من أفغانستان إلى روسيا يعادل ثلاث مرات قيمة مبيعات روسيا من الأسلحة، التى هى ثانى مورد للميزانية الروسية بعد النفط والغاز . وبالأرقام قال الروس أن خط التهريب المار ببلادهم ينقل ما قيمته 17 مليار دولار من الهيروين ، 35% منه يدخل روسيا ولا يخرج .

لا شك أن وضع روسيا أفضل من وضع الولايات المتحدة التى تقول تقارير(من مكتب الجريمة) أنه فى عام 2009 إستهلك الأمريكيون هيروين بمبلغ 11,9 مليار دولار . ودخنوا حشيش بقيمة 11,5 مليار فى نفس العام .أى حوالى 4, 23 مليار دولار لزوم الكيف العالى .

ــ من طاجيكستان يمكن وصول الممنوعات الأفغانية إلى الصين . كما أن محافظة بدخشان المطلة على نهر جيحون لها منفذ ضيق مع الصين الشعبية عبر ممر واخان . ونفس المحافظة موضوعة فى مخططات داعش الأمريكى للعمل ضد الصين . وهناك تواجد داعشى غير محدد بدقة ، ومعظمه من مسلمى الإيجور فى الصين ، ولهم تنظيم داعشى يدعى الحزب الإسلامى التركستانى يحظى بدعم كامل ، أمريكى سعودى .

ــ وسؤالنا فى ذلك الإقليم الشمالى الشرقى( بدخشان ، تاخار، قندوز) هو عن سر إرتفاع أسعار الأفيون ( + 20 %) عكس باقى البلد التى تعانى من إنخفاض شامل فى الأسعار بمتوسط ( ــ 39 %). وكذلك يشهد إقليم السعادة الشمالى الشرقى قوة إنتاج فريدة للأرض (كجم أفيون لكل هكتار من الأرض) ،تقدر بحوالى (34%) كجم /هكتار، فى مقابل إنتاجية فى باقى البلد 24,4 % كجم / هكتار .

مكتب الجريمة يشير إلى اللغز ولكنه لا يقترح تفسيرا له، أو أنه يشير إلى الحل فى إتجاه مضلل.وعلى القارئ أن يظل يفكر ويفكر لعله يستنتج شيئا ، أو أن ينصرف وينسى الموضوع.

 

أين أسعار أفيون كابول ؟

لغز آخر يقترب من منطقة الخطر. جداول مكتب الجريمة تحتوى على سعرين للأفيون فى كل منطقة، أحدهما “سعر التاجر”ــ للأفيون الجاف ــ وآخر سعر المزرعة {أفيون المزرعة رطب غير جاف وهو أرخص سعراً} إلا فى محافظة كابول!! ، فهى خالية دوما من ذكر أى أرقام بدعوى أنها غير متوفرة!!. رغم أن مقر مكتب الجريمة موجود فى مدينة كابول العاصمة. فهل أسعار كابول سر عسكرى تخشى سلطات الإحتلال من البوح به ، وهل هو من أسرار الأمن القومى يخشون أن يتسرب إلى”أهل الشر” {الإصطلاح هنا مصدره جنرال مصر الأوحد ، وربما يعنى به حاسديه وعُزَّالِه من المعارضة غير الوطنية، و الإرهابيين!! } .

تغيير مدهش آخر فى كابول هو أرتفاع المساحة المزروعة بالأفيون بنسبة11+% ، عكس نسبة إنخفاض عامة فى المساحات المزروعة بالأفيون فى كل البلد متوسطها 20ــ % .

يقول مكتب الجريمة أن القطاع المركزى الذى يضم محافظتى كابول وغزنى ينتج فقط 20 طن من الأفيون !! . الغموض يحيط بالقطاع : من أول الشك فى كمية المحصول ، وصولا إلى السعر غير المعلن ، وارتفاع إنتاجية الهكتار رغم إدعاء الفقر المائى ، بما يوحى بأنها كمية من الأفيون مخصصة حصريا للإحتلال الأمريكى وليس للتجارة العامة.

رغم أن محافظة غزنى المشتركة مع كابول ضمن (القطاع المركزى ) تراجعت نسبة الزراعة فيها بنسبة ” ــ 64 %” . { التفسير الذى لن يتطرق إليه مكتب الجريمة هو أن معظم محافظة غزنى واقع فعليا تحت سيطرة طالبان ، الذين سيطروا على مدينة غزنى عاصمة الأقليم لمدة أسبوع فى الصيف الماضى، بتأييد شعبى كاسح ومتعدد المذاهب “سنة وشيعة” ، ثم غادروها ــ شكليا وليس فعليا لأنهم باقون ما بقىَّ السكان ــ غانمين كنوزا هائلة من أسلحة الجيش وقوات الأمن ، وأموال بالمليارات كانت مختزنة فى إدارات عسكرية، بينما الجنود لم يتسلموا رواتبهم منذ أشهر } .

ــ فما هو سر كابول الدفين فى غابة الهيروين التى ترعاها الولايات المتحدة؟؟ . هل تحتضن أرض محافظة كابول مزرعة أبحاث لتطوير البذور وإنتاج أفيون معدل وراثيا ؟؟ .أم لتطوير أفيون مخصص لبلاد الأعداء، فيقتل الشباب ويقعدهم بالأمراض المستعصية، فتحقق أمريكا على تلك الدول المارقة نصرا بلا حرب؟؟. وهناك فى الإقليم شواهد عملية وضحايا لأنواع من الهيرويين مثل هذه . وحول كابل العاصمة معتقلات وسجون سرية وعلنية توفر مددا بشريا لا ينفذ، للتجارب الحية والمجانية على “إرهابيين” من أبناء البلد المحتل .

للعلم : قاعدة بجرام الجوية ـ أهم مراكز تصنيع الهيروين فى العالم ـ تقع على بعد عدة كيلومترات فقط من العاصمة.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة