1

البنيان القادم للإمارة الإسلامية

البنيان القادم للإمارة الإسلامية

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

عدد خاص بفتح  كابول : مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 187 | محرم 1442 ھ – أغسطس 2021 م .   

30-08-2021

 

البنيـان القـادم للإمـارة الإسلاميـة

عند التأسيس لنظام جديد؛ لا بأس من إرتكاب أخطاء، أو القبول بوجود نواقص، لإستحالة الحصول على الكمال دفعة واحدة. بشرط ألا نسمح لذلك بالإستمرار، فيصبح جزءاً دائماً من النظام الإسلامي الجديد.

 

قوة الدولة :

القوة الحقيقية للدولة هي قوتها داخل حدودها بقيَّمَها، وصلابة شعبها وإمكاناتها المادية.

ولا يفيد الدوله تأييد العالم كله إذا كانت أركانها خاوية. والعكس صحيح فإنها تتغلب على العالم كله إذا حافظت على قوتها الصلبة من المبادئ الدينية، وتعليمها الذي يجمع بين أصاله القِيَم، وبين حداثة العلوم.

 

المــال عمــاد نشــاط الدولــة

المال عماد الدول. والمال قائم على العمل، وأهم الأعمال هي:

الزراعة التي تلبي المطالب الأساسية لمعيشة الإنسان.

ويليها في الأهمية الصناعة  التي تزود الإنسان بالأدوات التي تمكنه من أداء أعماله بسرعة ويسر.

ثم التكنولوجيا وهي إستخدام نظريات العلم الحديث في التطوير الصناعي.

ثم التجارة وهي أهم مجالات إستثمار الإنتاج الزراعي والصناعي والتطور التكنولوجي لتحقيق أرباح تنشر الرواج بين الشعب.

مع أهمية المال والاقتصاد، على المسلمين عدم فصل العمل الاقتصادي عن المعتقدات الدينية، فيتحول الاقتصاد وجمع المال إلى هدف لحياة الدولة والفرد، كما هو حادث في الغرب الآن. فيصبح الذهب (الدولار) هو الإله المعبود، ولأجله يخضع كل شيء وتستباح كل القيم والمعتقدات.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 187 : اضغط هنا

 

التـعليـم أسـاس نـهـضـة الأمم

وهذا يقودنا إلى مكانة التعليم الديني في المجتمع المسلم، الذي هو الوسيلة الأهم لتوجيه حركة المجتمع كلها طبقا للمعتقدات الدينية ولإرادة الله وحكمته من خلق الإنسان والكون.

قوة الأمم ونهضتها في المجال المعنوي والمادي مرتبطة بتعليمها الديني. والتقدم المادي بدون نهوض معنوي يؤدي إلى شقاء الإنسان، وفي النهاية فناء الدول بواسطة تقدمها المادي نفسه، بالحروب المهلكة بينها، والصراع داخل كل مجتمع بين الطبقات والأجناس.

ومن المفروض أن يضم التعليم الديني في ثناياه العلوم الحديثة، كما كان في عصور نهضة المسلمين وسيادتهم على العالم.

فانقسام التعليم إلى دينى ومدنى يؤدى إلى إنقسام المجتمع نفسه بين متدينين، وعلمانيين. على هذا ركز الأمريكيون لمدة عشرين عاما حتى أحدثوا انقساما في المجتمع الأفغاني، انقساما غَيَّر صورة المجتمع التقليدي. ونشاهد الآن رموز الإنقسام بين قطاع المجاهدين في سبيل الله، وقطاع العلمانيين المناصرين للإحتلال والعاملين معه كمرتزقة أو جواسيس أو مترجمين. وفي الأخير شاهد العالم صورتهم المخزية في صراعهم من أجل التعلق بطائرات سادتهم المحتلين الهاربين من أفغانستان.

 

الإعـلام أداة لتـغيير الأفـكـار والمعـتقـدات

الإعلام الحديث قادر على تشكيل العقول وتغيير المفاهيم، بما يمتلكه في فنون إعلامية، ووسائل حديثة تخترق الحدود، ولا يكاد يقف في طريقها شيء.

وصَفَ ذلك التأثير مسؤول أمريكى كبير، حين قال في سبعينات القرن الماضي:

{إن التلفزيون هزم الكنيسة في الولايات المتحدة} يقصد أن صناعة التلفزيون في بلاده قد هَزَمَت المبادئ المسيحية التاريخية في ذلك البلد.

هناك الكثير من الدول الإسلامية يمكن تطبيق نفس المقولة عليها وعلى مواطنيها.

ــ التحدي الإعلامي الذي يواجه الإمارة الإسلامية مرة أخرى كبير جدا، ولم يسبق له مثيل في أفغانستان، بعد انتشار واسع جدا للإعلام الأمريكي من حيث الأدوات أو المحتوى الرسالة الإعلامية التخريبية، أو فساد القائمين عليه.

ــ تحدي آخر يواجه الإمارة؛ وهو بناء إعلام بديل خاص بها، يربطها بمواطنيها ويصلها بالعالم الخارجي. وفي نفس الوقت عدم أفساح حرية الحركة للإعلام الدولي المعادي. ومنع وصول رسالته، أو العاملين فيه لمواطني الإمارة. ولاتترك البلاد مفتوحه للعاملين في وسائل الإعلام الخارجي يقيمون فيها بشكل دائم، أو يترددون ويتجولون فيها أينما شاءوا وفي أي وقت.

 

تـوزيع مصـادر القـوة في المـجـتمـع:

أولا ــ القوة الاقتصادية

تمتلك الإمارة الإسلامية ميزة في أنها ورثت بنيان اقتصادي لا قيمة له. فهو اقتصاد هامشي قائم على المعونات الخارجية. والزراعة صغيرة الحجم قابلة للتوسع على أسس جديدة لملكية الأرض. هذا يقلل من وجود مقاومة إجتماعية لبناء إقصاد على أسس صحيحة وعادلة.

عند بناء اقتصاد جديد لا ينبغى تسليم مفاتيح الثروة في الزراعة والصناعة والتجارة في أيدي أعداء الإسلام وكبار المفسدين.

فكل من تعاونوا مع الاستعمار في القتل والنهب يجب أن تصادر ثرواتهم وتضم إلى بيت المال. والثروات الطبيعية كلها يجب أن تكون ملكية عامة لكل الشعب (بيت المال)، وليس لأفراد أو قبائل بعينها. بمعنى أن الثروات الطبيعية يجري استثمارها لمصحة الشعب كله، والتمايز يكون بالمجهود المبذول والمواهب في العمل.

 

ثانيا ــ القوة السياسية :

لا ينبغي تمكين أعداء الإسلام من امتلاك أي قدر من القوة السياسية، أو مراكز القرار في الدولة، أو قدرة على العمل في أجهزة الدولة الحساسة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 187 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 




الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 176 ) | صفر ١٤٤2ھ – أكتوبر ٢٠٢٠م .  

02-10-2020

 

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان

– وفد الإمارة الإسلامية يوضح دور الإقتصاد فى إقامة الدولة ودعم تطبيق الشريعة .

– الإمارة إقتصادها إسلامى : يقيم العدالة ويحقق المساواة ويحارب الفقر وينمى الثروات.

– بالإقتصاد السليم نقيم أقوى مشروعات البناء والخدمات الإجتماعية والتعليم والصحة ورعاية كبار السن والعاجزين عن الكسب.

– جميع الحقوق مرجعها الشريعة سواء للمرأة أو الرجل أو أى كائن عاقل أو غير عاقل.

–  لا جدوى من التفاوض مع نظام حكم هو ساقط بالفعل وتبحث مكوناته عن طريق للفرار .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

كان وفد الإمارة إلى مفاوضات الدوحة الأخيرة، قوياً فى تركيزه على النقاط الأكثر حيوية لأفغانستان . وذلك من أجل ضبط مسيرة التفاوض . لهذا ركز الوفد كأولوية على أن  معيار إسلامية الدولة هو تطبيق الشريعة وليس مجرد إسم الدولة.

فنظام الحكم القادم مع الإمارة الإسلامية هو حكم الإسلام . والذى يتحدد بشرط أساسى هو تطبيق أحكام الشريعة فى جميع مناحي الحياة الشخصية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية والدفاعية . فليس الإسلام مجرد كلمة توضع فى نهاية إسم الدولة فتصبح الدولة إسلامية ، سواء أطلقوا علها جمهورية أو مملكة أو أى شئ آخر . والنتيجة أنه لا مجال مطلقا للحديث عن تشكيل نظام حكم مشترك بين الإمارة وحكومة كابل. فبينما الإمارة ترى الإسلام تطبيقا شاملا متكاملا فى كافة مناحى الحياة ، يراه النظام العميل مجرد صفة يكفى إلصاقها بأى شئ ليصبح إسلاميا.

 

 

إقتصاد إسلامى :عدالة ــ مساواة ــ تنمية ــ محاربة الفقر .

وفد الإمارة الإسلامية ، كان رائداً فى توضيح العلاقة بين الدولة الإسلامية والإقتصاد ، ودور الإقتصاد الإسلامي فى إقامة الدولة وتقوية المجتمع والإسهام فى دعم تطبيق أحكام الشريعة.

فالإقتصاد الإسلامى يحقق أهداف الشريعة فى الأموال والثروات العامة :

–  بمنع إحتكار مصادر الثروة والمتمثلة فى : (مناجم /مياه / أرض/ نفط/ تجارة).

– وظيفة الإمارة الإسلامية الحفاظ على الثروات ومنع تبديدها أو التفريط فيها للغير.

تنمية الثروة وتحقيق العدالة الإجتماعية لصالح الجميع ، وضمان عدالة توزيع الثروة العامة ، والمساواة فى إتاحة فرص إكتساب الرزق للجميع .

 

 

الإمارة الإسلامية تحقق العدالة فى الإقتصاد :

الثروات العامة تتبع بيت المال الذى تديره الإمارة لصالح المسلمين ، ويضم :

ــ الثروات الإستراتيجية، مثل [ المناجم / النفط والغاز/ المياة/ الأرض]. 1

2 ــ البنية التحتية للإقتصاد [مثل الطرق والجسور وسدود المياه والكهرباء].

3 ــ وسائل الإتصال”تليفونات وشبكة إنترنت”، وشبكة النقل العام من قطارات و باصات عامة، وطائرات نقل ومطارات.

– فاحتكار منابع الثروة ، أو البنية التحتية للإقتصاد، محظور تماما ـ فالناس سواسية فى فرص الإستفادة من عوائدها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

الإمارة مسئولة عن تنمية الثروة العامة :

بواسطة النهوض بالزراعة وتوسيع الرقعة الزراعية وتنظيم الرى وتوفير مصادر المياه ، لتلبية مطالب الطعام الأساسية لجميع المواطنين . ثم توفير عائد من تصدير فائض الإنتاج الزراعى.

– الشروع فى بناء قاعدة صناعية فى أفغانستان بالإستفادة من المصادر الهائلة من الخامات اللازمة للصناعة مثل النفط والغاز والفحم ـ الحديد ـ النحاس .. وغيرها.

إستخراج وتصنيع وتسويق الخامات النادرة عالميا مثل اللثيوم والبلاديوم ، وغيرها. وهى مواد حساسة للغاية بالنسبة للصناعات المتقدمة. لذا فإنها ثروة كبيرة للغاية ماليا واسترتيجيا وسياسيا. وفى أفغانستان كميات هى الأعلى دوليا من بعض تلك المواد .

– إسترداد مناجم اليورانيوم من المحتلين الإنجليز، والإستفادة منها لصالح الشعب بعد تنقيته وتخصيبه إلى درجة مناسبة قبل تسويقه دوليا. وهى ثروة هائلة ماليا وسياسيا واستراتيجيا.

– إسترداد مناجم الماس والذهب والأحجار الكريمة الأخرى/ والتى تذهب إلى تجار يهود بأسعار شبه مجانية / وإعتبارها ضمن الثروة العامة وتدخل إلى بيت المال لتديرها الإمارة.

– تأسيس بنك على أسس إسلامية بعيدة عن الربا . يشرف على إصدار العملة المحلية ومراقبة سعرها فى السوق، والتدخل عند الضرورة . وتقديم قروض للمستثمرين الصغار، والمشاركة فى المشاريع الشعبية لتقويتها.

– تشرف الإمارة على جزء هام من التجارة الخارجية والداخلية، لمنع الإحتكار أو التلاعب بالأسعار.

– التعامل الخارجى مع الإقتصاد المحلى يتم فقط عبر قنوات تحددها الإمارة الإسلامية ، وإلا اُعْتُبِرَ تدخلا غير مشروع، ويتم التعامل معه على هذا الأساس.

 

 

 القضاء على الفقر :

بالسيطرة على الإقتصاد لصالح الشعب يمكن القضاء على الفقر الذى هو أخطر الآفات التى تفتك بأى مجتمع . وهو مانع من تطبيق العديد من الأحكام الشرعية. ويمكن بالإقتصاد القوى إقامة أكبر مشاريع الخدمات الإجتماعية فى كافة المجالات ، خاصة فى التعليم والرعاية الصحية والإجتماعية والإعمار ورعاية كبار السن والعاجزين عن الكسب.

بالإقتصاد القوى نصنع مجتمعا إسلاميا قويا. وإمارة إسلامية قوية يمكنها دعم المسلمين ونصرة الإسلام.

 

 

موقع المرأة من المفاوضات :

نجح وفد الإمارة فى تجنب الوقوع فى مجادلة فارغة حول ما يسميه الغرب “حقوق المرأة”. فتلك مسألة حددتها الشريعة التى يخضع لها الجميع ـ رجالاً ونساءً ـ وهى شريعة عادلة لا تحابى شخصا أو جنساً ، فالجميع سواسية رجالاً ونساءاً بعضهم من بعض. والإختلاف هو فى الوظائف التى إختصهم بها الخالق ، وهذا الإختلاف هو لتكامل وإستمرار النوع الإنسانى ، وليس لتفضيل صنف منهما على الآخر ، لأن الفضل عند الله هو للأكثر تقوى، سواء كان ذكراً أو أنثى . وهو نفس المعيار الذى تنظر به الإمارة إلى الموضوع .

فحقوق الرجل أو المرأة لا نبحث عنها خارج الشريعة المقدسة . وليس من حق أحد أن يضع لنا شريعة أخرى من إختراعه غير تلك التى فرضها الله علينا ، ونتعبد إليه سبحانه وتعالى بها .

أى نقاش حول الحقوق ــ للمرأة أو الرجل أو أى مخلوق كان عاقلا أو غير عاقل ــ مرجعه هو الشريعة . ونقبل إفتراض حدوث خطأ ، من حيث فهم النص الشرعى ، أو تطبيقه . ضمن هذا المجال يكون النقاش مقبولا، أما غير ذلك فهو مرفوض تماما ، بل ويعتبر من نواقض الدين . فليس هناك نقاش حول صحة الحكم الشرعى أو الطلب بتخطيه أو تعديله ، تحت أى تهديد أو إغراء ، لأن ذلك يعنى التخلى عن الدين بإجماله .

 

 

مفاوضات مع نظام ميت :

 بشكل عام أوضح وفد الإمارة أنه من أجل مفاوضات واقعية : فإن نظام كابل لا يعنيه الإسلام فى شئ ، ولا تعنيه حقوق المرأة إلا فى حدود مكاسب مادية معينة . وغير ذلك فهو نظام مصنوع من الفساد والظلم ، ويعانى من سكرات الموت تحت ضربات الإمارة الإسلامية ومجاهديها من حركة طالبان.

 لهذا ركز وفد الإمارة على أن تقتصر المفاوضات الحقيقة على مصيرالشخصيات الحكومية المشاركة. حيث لا مجال لإضاعة الوقت فى تفاوض زائف مع نظام حكم هو ساقط بالفعل وتبحث مكوناته عن طريق للفرار .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 176 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإقتصاد الإسلامى فى أفغانستان




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 3

جلال الدين حقانى 3

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (153) | ربيع الأول 1440 هـ / نوفمبر 2018 م. 

20/11/2018

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 3 )

– الغنائم .. نعمة ومشكلة . وكانت فى حاجة إلى إجتهاد جديد

– حكمة حقانى وبعد نظره ، كانت سببا فى تفادى القتال الداخلى ، والوصول إلى فتح كامل لمدينة خوست وإقتحام جرديز .

– عمليات ” الغلول” والكبيرة المنظمة ، كانت ذات بعد سياسى لتعطيل الفتح وإستبداله بالفتن القَبَلِيَّة .

– حقانى كان “بنك إقتراض” معتمد لدى المجاهدين وتجار القبائل ، فتمكن من عبور أزمات التسليح والإمداد .

– الطلقة الثالثة ثابتة .. فى المدفع البلجيكى المضاد للطائرات !! .

– جاهد حقانى لإسقاط أسطورة الطيران الذى لا يقهر. والحفريات التى قام بها أفشلت أسلحة العدو المتقدمة .

– قصة السلاح الأول المضاد للدروع (ضد الدبابة) وكيف غنمه المجاهدون واستخدموه فى نفس المعركة .

– البراعة السياسية لحقانى لا تقل عن موهبته العسكرية ، وكانت سببا لعبوره من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

عندما تركنا موقع ” مطيع الله ” فى الأورجون ، كان الرجال يجمعون الغنائم فى خيمة واحدة ، مليئة بالأسلحة وأجهزة اللاسلكى وصناديق الذخيرة . وعندما وصلنا إلى مركز”سرانا” عند مولوى جلال الدين حقانى ، كانت عملية مشابهة تجرى فى مكان قريب من المركز ، بعد المعركة الكبرى فى منطقة إبراهيم خيل .

 

حديث فى سرانا عن بخارى وسمرقند :

شارك حقانى ورجاله فى المعركة إلى جانب رجال”ابراهيم خيل ” الذين هم أحد بطون قبيلة زدران . كانت الغنائم كبيرة جدا وذاع نبأ النصر والغنائم بسرعة كبيرة فى الولايات القريبة ومنها ولاية غزنى . قابلت “مولوى” شاب قادم من هناك ، وصل إلى قمة الجبل حيث يقيم حقانى . كان يجيد العربية ، وكالعادة أدهشه وجود عربى فى ذلك المكان . وبدأ الحديث معى وهو مازال متقطع الأنفاس .

دار بيننا حواراً شيقا ، ورغم قصره إلا أنه لمس عدداً من النقاط الحساسة ، منها سؤال عن “مذهبى” لم أدرك مغزى وخطورة السؤال إلا بعد ذلك بسنوات . وهو الآن أصبح ذو أبعاد أخطر بعد ظهور الحركات الوهابية المسلحة . وإنتقال داعش إلى أفغانستان لتكون خير عون للإحتلال الأمريكى .

عندما سألت المولوى الشاب عن برنامجهم للجهاد . قال أنه بعد تحرير أفغانستان سوف يتوجه المجاهدون لتحرير بخارى وسمرقند من إحتلال الروس .أصابتنى إجابته بصدمة ، أولا لأن هناك من المسلمين من يتذكر إلى الآن تلك الأسماء التاريخية (المندثرة). وثانيا بينما الجهاد مازال يحبو بصعوبة فى خطواته الأولى ، فإن ذلك الشاب يتحدث عن تحرير بخارى وسمرقند ، وليس جرديز القريبة أو خوست الأبعد قليلا .

سألته عن سبب قدومه إلى سرانا ، فقال إنه يريد سلاح ” ضد الدبابة” . كنت أعتقد أن الطائرة هى أخطر سلاح فى العالم . وقد تأكد لى ذلك فى بداية طريقنا إلى أفغانستان ، عندما شاهدنا الطائرات وهى تدمر عددا من القرى ، ولم نشاهد أى دبابات .

قال شارحا السبب : أن الطائرات تقصف وتمضى فى حال سبيلها ، أما الدبابات فتجلس فى القرى ومعها الجنود الذين يقتحمون البيوت ويعتدون على الأموال والأعراض.

ثم قال: سمعت أن مولوى حقانى حصل فى غنائم المعركة الأخيرة على سلاح”ضد الدبابة” ـ هكذا كان إسم ذلك السلاح بين المجاهدين فى ذلك الوقت ـ وجئت للحصول على واحد منها .

تعجبت لسرعة إنتقال الأخبار بين الولايات رغم عدم وجود وسائل إتصال حديثة . وهكذا من قرية مجهولة بين جبال باكتيا إلى قرية فى صحراء غزنى يطير الخبر خلال ساعات .

 

نعمة الغنائم ، ومشاكلها :

بعد تجميع الغنائم كان يجرى تخميسها ، بحيث يحصل المجاهدون على أربعة أخماس الغنائم ، ويذهب الخمس الباقى إلى “بيت المال” أو قيادة الجبهة . ولهذا النظام مرتكز شرعى صحيح إلا أن تطبيقه كان يحتاج إلى إجتهاد جديد ، لأنه فى ظروف الحرب الحديثة ومعداتها كان التقسيم يؤدى إلى ضياع جزء كبير من إمكانيات قتالية هامة ، وإلى عجز مالى كبير لدى قيادة الجبهات إذا حاولت شراء المعدات الثقيلة الهامة من مدافع ودبابات وذخائر. لذا كان معظم تلك المعدات الهامة يذهب ليباع فى أسواق السلاح الحدودية . وعند محاولة شرائها مرة أخرى كانت أسعارها تتضاعف ، هذا إن وجدت أصلا ، لأن جهات معنية بإفشال الجهاد وعرقلة مسيرته ، كانوا يجمعونها بأى سعر ثم يخفونها عن الأنظار. لم تكن تلك مشكلة عادية إذ أوشكت بالفعل على كبح إنتصارات المجاهدين ووقف الجهاد قبل التحرير الكامل . أى إجبارهم على الدخول فى مساومات تقسيم السلطة بين السوفييت والأمريكيين .

وكانت الغنائم وتوزيعها وظهور الإحتياج إلى الأسلحة الثقيلة وذخائرها من المشكلات الكبيرة التى واجهت القيادات الجادة المخلصة من أمثال حقانى . وظهرت فى وقت لاحق مشكلة “الغلول” أى سرقة الغنائم أو إختطافها بالقوة . أحد الأحزاب إتخذ من تلك الجريمة منهجا ثابتا لرجاله فى الجبهات ليضعهم أمام خيارين إما الدخول معهم فى صدام مسلح وفتنة بين المجاهدين أو الرضوخ للأمر الواقع حفاظا على وحدة المجاهدين .كان حقانى يفضل الخيار الثانى . تكونت مجموعات خلف الحدود الباكستانية بأعداد كبيرة لإختطاف الغانائم من أيدى المجاهدين . وعملية الغلول كانت تحدث عادة فى الدقائق القليلة الحاسمة قبل نهاية المعركة ، بحيث تضع المجاهدين الحقيقيين أمام خيارين : إما ترك المعركة وإفشالها حتى يمنعوا غربان الغلول ، أو إنهاء المعركة والرضا بالقليل من الغنائم التى تبقت.

معركة فتح خوست التى بلغ فيها المجاهدون بقيادة حقاتى قمة تطورهم العسكرى ، شهدت أيضا قمة التطور فى فن جريمة الغلول . ولولا حكمة حقانى وبعد نظره لوقعت مجازر كانت ستؤدى حتما إلى فشل الفتح سواء فى خوست أو فى جرديز . وفيها تبدت بوضوح الأبعاد السياسية لعمليات الغلول، وأنها تهدف إلى حرف المجاهدين عن الفتوحات وتحويلهم إلى الفتن القبلية بديلا عنها ( ولنقارن ذلك مع فتنة داعش الآن ، والتى تفرض الفتن الطائفية والعرقية كبديل عن جهاد العدو المحتل ) . وليس سرا أن نقول أن بصمات الحكومة الباكستانية كانت واضحة ، وكذلك أحزاب بيشاور ، خاصة حزب حكمتيار الذى هو تشكيل باكستانى أكثر منه أفغانى ، أى خاضع لإدارة كاملة من المخابرات الباكستانية (ISI). ذلك الحزب كانت له اليد الطولى فى عمليات الغلول داخل أفغانستان ، ومع ذلك فقد كان الأسرع دوما إلى إصدار بيانات من بيشاور تنسب أى إنتصار داخل أفغانستان إلى الحزب الذى كان يحظى بدعم كامل من الإعلام الباكستانى . بالطبع كانت هناك مجموعات إجرامية مستقلة كانت تعمل فى خطف الغنائم ، بل وعمليات سرقة وقتل بهدف السرقة ، ولكن ضررها كان محدودا جدا مقارنة بالعمل المنظم ذو العمق السياسى لعمليات الغلول . حتى العمليات الإجرامية محدودة الحجم كانت ذات دلالات سياسية أحيانا ، مثل البحث عن العرب تحديدا، لقتلهم فى الجبهات أو على الحدود أو فى العمق الباكستانى . ولكن إهتمام المتطوعين العرب بمثل هذه الأشياء كان وقتيا ومحدودا ، فلديهم برامج أخرى ، وكانوا يفتقدون إلى قيادة مركزية جامعة . فالعربى الذى يغتال أو يستشهد كان موضع إهتمام أصدقائه المقربين فقط ، أو على الأكثر الجماعة أو التنظيم الذى يتبع له. وكثرة شهداء أى تنظيم كانت تحمل دعاية مباشرة له ، لذا كانت خير وبركة من وجهة نظر تنظيمية .

حركة طالبان فيما بعد طبقت إجتهادا جديدا إذ إحتجزت كل الغنائم “لبيت المال” ، فى مقابل ما يحصل عليه المجاهدون من إمدادات قتالية وأحيانا مكافآت مالية . وفى هذا التطبيق بعض الصعوبات أيضا ، مع أنه حل جانبا هاما من المشكلة .

 

حقانى .. بنك معتمد :

سألت حقانى عن سلاح ” ضد الدبابة ” وكم قطعة غنموها . فأجاب أن نصيب “بيت المال” كان قطعتان فقط ، واحد منها سليم تماما والآخر محترق بحيث لم يتبق منه سوى الهيكل الحديدى ، وقد ذابت كل القطع البلاستيكية . وقد رأيته وكان مشوهاً بالفعل .

فسألته كيف سيتصرف مع المولوى القادم من غزنى ، قال أنه سيشترى قطعة سليمة من أحد المجاهدين ، ويعطيها له . كنت أعلم أن حقانى لا يمتلك نقودا فى الوقت الراهن ، ولكننى إستحيت أن أسأله كيف سيشترى ذلك السلاح؟؟.

بعد قليل رأيت مجاهدا جبليا خشنا يخرج من غرفة حقانى وهو يمسك ورقة صغيرة فى حجم نصف الكف ، وهو يحملق فيها مذهولاً وعلى وجهه إبتسامة سعادة ودهشة .

سألت عن سر هذه الورقة المدهشة . فعلمت أن ما فى يده هو إيصال بالمبلغ الذى تعهد حقانى بسداده ثمنا لسلاح (ضد الدبابة) الذى باعه إليه ذلك الرجل .

أدركت وقتها مدى الثقة التى يتمتع بها حقانى بين رجاله ، لدرجة أن هذا المجاهد الفقير إعتبر أن تلك الورقة هى مال حقيقى حصل عليه . وأثبتت الأيام أن ثقة الرجال بذلك القائد هى أكبر من ذلك بكثير . جانب من هذه الثقة يعود إلى كونه عالم دين وهى منزلة محترمة جدا إجتماعيا. جانب آخر من الثقة يعود إلى مميزاته الأخلاقية العالية وقدراته القيادية الفريدة . فهو صادق ودود مع رجاله وحازم فى قيادته . وكان الأشجع على الدوام ، وهى صفة ذات منزلة كبيرة بين رجال القبائل ، وهى تلى مباشرة منزلة عالم الدين . تلك المميزات لحقانى مكنته من تعويض النقص فى الذخائر والأسلحة والمهمات من طعام ووقود ، معتمدا على مصداقيته فى الأسواق القبلية ، حيث منحة التجار قروضا وصلت إلى ملايين عديدة فى بعض الأوقات ، أو باعوه بالأجل جميع متطلبات جبهته ، معتمدين أنه رجل صادق أولا ، ثم أنه منتصر دوما ويربح الغنائم الكثيرة وقادر على السداد .

 

حقانى فى أكاديمية الجهاد :

بالتدريج كانت قوة المجاهدين تزداد ، والمعارك تكبر من ناحية الحجم والشدة. قدرات حقانى القيادية كانت تنمو معها بإستمرار . فهو الرجل ذو التعليم الدينى ، والذى لم يخدم يوما فى الجيش، كان يتعلم الحرب بالممارسة ، وبالملاحظة العميقة والذكية ، وبالإستفادة من أى معرفة تأتيه من أى جانب كان ، حتى من أسراه العسكريين .

كان يجلس مطولا مع الأسرى ، خاصة الضباط منهم . ويسألهم كثيرا عن كل شئ يتعلق بحياتهم العسكرية وأحوال الجيش المعنوية والقتالية وعن الأسلحة الموجودة لديهم وتكتيكاتهم فى القتال ويطلب منهم تقديم خدمات لتدريب المجاهدين على بعض الأسلحة الجديدة ، وعن إصلاح تلك الأسلحة إن أمكن .

قرب نهاية رحلتنا الأولى ، جاء إلى “سيرانا” حوالى عشرة من الضباط متوسطى الرتب ، فروا من جرديز ، حاملين معهم ثروة من المعلومات الداخلية ، تقود إلى نتيجة واضحة وهى أن النظام يتهاوى ، وأن الجيش بدأ فى رفض الحرب القائمة . وأن تمردا حدث فى أحد الألوية فى كابول . وتمردا آخر لضباط فى جرديز مع جنودهم ، كانت منهم تلك المجموعة .

بعضهم كانوا ضباطا فى سلاح الدبابات ، فطلب منهم حقانى الذهاب إلى موقع المعركة الأخيرة ، لبحث إمكانية إصلاح شئ من الدبابات والمدرعات والمعطوبة هناك . أمضوا هناك قرابة اليوم وعادوا بنتيجة سلبية ، بأن لا شئ هناك قابل للإصلاح . فالمجاهدون إنتزعوا من الدبابات كل شئ يمكن لهم خلعه ، ثم أحرقوا باقى الدبابة . شعر حقانى بالأسف وأنا أيضا شعرت بالأسف ، لأن المجاهدين على شجاعتهم الكبيرة ، فى حاجة إلى الكثير من التعليم والتدريب ، وأيضا الأمكانات الحديثة . بإختصار كانوا فى حاجة إلى عناصر بشرية إسلامية إضافية ، وتخيلت وقتها أن المتطوعين العرب هم ذلك العنصر المفقود . ولكن بعد سنوات تمنيت لو أن العرب لم يأتوا إلى أفغانستان ، إذ خلقوا مشكلات أكثر وقدموا إيجابيات أقل مما توقعت.

 

“إبراهيم خيل” خطوة مبكرة لفتح خوست :

–  لم يقص عليَّ حقانى تفاصيل معركة (إبراهيم خيل) ، معتبرا إياها مجرد واحدة أخرى من المعارك . وهى لم تكن كذلك بالضبط ، لأنها منعت الجيش الحكومى ، وحتى السوفيتى فيما بعد، من مجرد التفكير فى المرور بالقوة من ذلك الطريق . أى أن معركة “إبراهيم خيل” كانت البداية المبكرة والخطوة الأولى لفتح مدينة خوست بعد مشوار طويل (أكثر من عشر سنوات) من المعارك الحافلة بالبطولة والإنتصار، كما لم تخلوا من الهزائم والخيانة .

والعبرة هى : إن أى إنتصار جزئى هو خطوة ضرورية على طريق الإنتصار الكامل.أقول ذلك لأنه فى فترة لاحقة شاع فيها اليأس والإنهزامية بين المتطوعين العرب بعد أن طالت المدة وكثرت عوامل الإحباط ، فكانوا يستصغرون شأن أى إنتصار جزئى قائلين ( إن ذلك النصر الصغير لن يحرر أفغانستان). إن النصر فى حروب العصابات هو عملية تراكمية طويلة. فالإستثمار الإيجابى لعملية كسب الوقت (بالتجهيز والتنظيم والتدريب) هو محور أساسى لتلك الحروب .

–  كان لابد من إتفاق “سياسى” وبالأحرى ضخ الكثير من الأسلحة والأموال بين أيدى القبائل لشراء ولائها ، لضمان عبور دائم وآمن لقوات الجيش على ذلك الطريق الحيوى ، ولكن كان حقانى هو العقبة الكبرى . وظل ذلك الوضع قائما حتى شتاء(1987 ـ 1988) حين تمكن الروس من كسر ذلك الحاجز بقوة الخيانة التى كان نجمها الساطع (عبد الرسول سياف) زعيم حزب الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، متحالفا مع الجنرال نظر محمد وهو من قبائل زدران ، وشغل يوما منصب وزير الدفاع فى الحكومة الشيوعية. وفى تلك المعركة أصيب حقانى فى المعركة بجرح كبير فى ركبته ، وتمكن مرافقوه من حمله بصعوبة من خلال الثلوج حتى يتم علاجه بعيدا عن نيران العدو .

العدو بحماقته ساهم فى تخليد ذكرى هزيمته المدوية فى “إبراهيم خيل”، بأن جعل الدبابة الوحيدة التى نجت من المحرقة ، رمزا على بوابة أحد القيادات العسكرية فى بداية طريق خوست . واضعا تحتها لافتة حجرية كتب عليها (الدبابة البطلة!!)،حسب طريقة التمجيد السوفيتية . وكتبوا على اللافتة تاريخ المعركة التى نجت منها الدبابة منفردة وكسيرة الجناح .

إغلاق هذا الطريق كان ركيزة أساسية لمعارك فتح خوست بأن وضع المدينة تحت حصار برى إستمر حتى شهر مارس من عام 1991 حين إقتحم المجاهدون المدينة بعد معركة ضارية إستمرت ثلاث أسابيع.

خلال تلك المدة كان إمداد المدينة يعتمد فى الأساس على الإمداد الجوى عبر مطار المدينة . ومن هنا كانت أهمية إغلاق المطار وإخراجه من الخدمة ، قبل ستة أشهر تقريبا من إقتحام المدينة ، فى معارك ليلية بالراجمات إستمرت ما يقرب من شهر.(عن معركة إغلاق المطار قال عرب محبطون أن تلك العملية لن تحرر أفغانستان ـ رغم أن الذين قاموا بها كانوا عربا نسقوا جيدا مع مجموعات المدفعية والمراقبة اللاسلكية الأفغانية).

فتح المدينة تم بنجاح تام بقيادة حقانى فى مارس عام 1991 . فقيادتة كانت سببا مباشرا لذلك الفتح ، بعد معارك جزئية ضارية إستمرت لسنوات ، دفع فيها مئات الأبطال أرواحهم فى الجبال المحيطة بالوادى وفى السهول والقرى المحيطة بالمدينة .

وأبرزت معركة فتح خوست قمة التطور فى قدرات حقانى كقائد هو الأبرز فى كل الحرب ضد السوفييت بإنجازاته العسكرية التى توجها بفتح خوست ثم إقتحام مدينة جرديز ، التى بعدها بأيام تهاوت كابول نتيجة تصدعاتها الداخلية وتحلل جيشها وإنقلاب المكونات المتحالفة داخل النظام الشيوعى .

– لابد أن نشير هنا .. وسنعود لاحقا ومرارا.. إلى التأكيد على أن موهبة حقانى العسكرية والقيادية ، كان تماثلها مهاراته السياسية فى التعامل مع القبائل . وتلك نقطة خطيرة سنعود إليها مرارا . لأنها سر كبير فى بقاء وإستمرارية حقانى . عكس كثير من الأبطال الكبار الذين طوتهم المؤامرات الداخلية والخارجية . حتى أصبح حقانى قوة لا يمكن تجاوزها فى باكتيا ، وبالتالى كل أفغانستان . ومن ذلك إستمد قوة سياسية فى المجال السياسى الخارجى أيضا، فاستطاع أن يخرج من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

– ونضيف أيضا أن نجاح حركة طالبان والإمارة الإسلامية ، وقدرتها على الإستمرار والإنتصار ، يرجع أساسا إلى براعتها التى لا تضاهى فى التعامل مع المجتمع القبلى فى أفغانستان. و تلك النقطة تحديدا جعلت من حقانى وحركة طالبان نسيجا واحدا إسلاميا وأفغانيا أصيلا ، لا يمكن عزله أو إقتلاعه من التربة الأفغانية أو تعمد نسيانه أو تجاهله، من الآن وإلى قيام الساعة .

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

فى مواجهة الطائرات : الطلقة الثالثة .. ثابتة :

الطيران معضلة دائمة تواجه حرب العصابات فى كافة مراحلها . خاصة فى مرحلتها الأولى حيث تنعدم الخبرة اللازمة، إلى جانب نقص الأسلحة الثقيلة الملائمة “لتخويف” الطائرات ، أو إسقاطها بفضل الدعاء إلى الله .

أول تجربة مباشرة عاصرتها مع الطيران ، فى مرحلة الحرب الأولى كانت عند حقانى فى مركز سرانا . حيث حطم نظرتى لسلاح الطيران بشكل غير متصور . كنت أعرف أن الحرب التقليدية تحسم فى السماء أولا فمن يسيطر عليها يكسب المعركة . ونتيجة لتجربة بلادنا فى حرب 1967 روج النظام المصرى بشدة لقدرة الطيران الخارقة فى كسب الحروب ، وكتبوا عن قدرات الطيران الحديث أشياء كثيرة، بعضها صحيح وبعضها مبالغ فيه لتبرير هزيمتهم المخزية . بهذه الخلفية عن الطيران بما فيها من صواب وخطأ وتشويش ـ وجدت نفسى أصطدم مع “العقيدة العسكرية ” لحقانى .

أخذنى حقانى إلى أعلى قمة فى الجبل كى يطلعنى على قمة تطورهم التسليحى ، وقدراتهم “لمكافحة ” طيران العدو . كان سلاح ” الدفاع الجوى” ـ إن جازت التسمية ، وهى قطعا لا تجوز ـ عبارة عن مدفع صنع فى بلجيكا لحساب ” الجيش الملكى الأفغانى” عام 1941 حسب ما هو منقوش على لوحة على سطح السلاح ـ الرامى على المدفع شخص واحد هو “بادشاه” أى الملك ، وهو إبن عم حقانى ، وشخصية لم يصادفنى لها نظير فى كل ما تلى ذلك من سنوات .

متوسط الطول ذو جسد صلب قد من صخور “ساتى كاندو” . عيونه زرقاء مثل شاهبين ثاقبين . كان مشهورا بالشجاعة ، وفى ذلك مبالغة كبيرة ، لأنه فى الحقيقة لم يسمع يوما عن شئ إسمه خوف ، كان هكذا بالفطرة . كان واحدا من أبناء عمومة حقانى الذين وقفوا إلى جانبه بكل ما يملكون . ونتيجة لصفاته سالفة الذكر كان هو الأنسب فى كل أفغانستان الذى يمكن أن يقف ذلك الموقف الذى شاهدته . هو ومدفعه العتيق متمركزان تماما على خط الأفق على قمة الجبل . فأصبحا معلما بارزا تراه جميع طائرات العالم . تلك كانت مواصفات الرجل .

أما مميزات المدفع الذى يعمل عليه (بادشاه) فهى أنه يتعطل فى الطلقة الثالثة ، فينحشر المظروف فى ماسورة السلاح ، بكل دقة وبلا تأخير أو تقديم فى عدد الطلقات . لم يعجبنى شئ مما رأيت أو سمعت . فقد رأيت أن “بادشاه” سوف يستشهد عاجلا وليس آجلا . وذلك المدفع المستهلك سيكون سببا لهلاكه ، وجاذبا للطائرات صوب مقر القيادة الذى يقيم فيه حقانى . وبذلك يتعرض هو أيضا للخطر .أما القرية على القمة القريبة المقابلة ، فهى هدف سهل سنراه محترقا ومدمراً  كما شاهدنا القرى والطيران يحرقها ونحن فى الطريق .

أنزلوا المدفع قليلا إلى السفح فى منطقة تم تمهيدها كطريق للمشاه . وبدأ حقانى ورجاله فى التمرين على الإطلاق تحت إشراف (بادشاه) الذى كان سعيدا ونشيطا وهو يشرح ويعطى الإرشادات . ثم يأخذ قضيبا طويلا من الحديد كى يخرج الطلقة (الثالثة) المحشورة فى ماسورة المدفع .

الجميع كانو ا سعداء ، ولم أكن كذلك . تكلمت مع صديقى أحمد حول مخاوفى من قصة المدفع . ذهبنا للحديث مع “بادشاه” بجانب مدفعه على خط الأفق . واقترحنا عليه أن نقيم له محيطا من الأحجار للوقاية من شظايا القنابل . وبدأنا على العمل  الهندسى وصنعنا دائرة من الصخور حول المدفع متسعة تكفى للحركة الدائرية الكاملة ثم وضعنا بين الصخور أفرع من نباتات وأشجار للتمويه .

بعد ذلك المجهود المرهق . سألنا “بادشاه” عن رأيه فقال أنه عمل جيد وجميل . فنزلنا نحو جدول الماء بالأسفل من أجل الوضوء وغسل وجوهنا من العرق والأتربة . وما أن بدأنا الصعود حتى كان “بادشاه” قد حمل مدفعه إلى خارج الإستحكامات ، قائلا أنها تعيق حريته .

بدأ أول إشتباك مع الطائرات عندما كنت قريبا من القمة . طائرة “ميج” سوفيتية إسقطت قنبلتان على الجانب الآخر من الجبل ، أحدها لم تكن بعيدة عن المدفع .أخذت الطائرة تدور حول الموقع فى دائرة واسعة ، و”بادشاه” غير مبالى بها منشغلا بإخراج الطلقة الثالثة المحشورة فى المدفع .

كان السفح يخلو من أى خندق أو حتى مجموعة صخور مناسبة للإختباء ، كان يجب أن أنزل حتى مجلس الإجتماعات حيث مجموعة جيدة من الصخور فجريت نحوها . عندها شاهدنى حقانى متلبسا بتلك الجريمة . وما أن إبتعدت الطائرة عن الموقع لتدور فى حلقة واسعة حول المكان حتى صرخ غاضبا يؤنبنى قائلا : أنت عربى .. لماذا لا تطلق النار على الطائرة ؟؟  لماذا تجرى ؟؟ ..

كنت مذهولا من كلامه، حيث كنت أعتقد بأننى أتصرف بطريقة صحيحة ، وأن العثور على مكان مناسب يأتى أولا ، ثم بعدها إطلاق النار .. إن كان ضروريا ، فما بالك وأنا لا أرى له أى ضرورة ، لأنه ما أن رفعت رأسى إلى السماء حتى كانت الطائرة الميج قد أصبحت فوق القرية بدون أن تقصفها ثم مضت بعيدا .. لم يستغرق الأمر وقتاً ، فما جدوى إطلاق النار فى أعقاب طائرة نفاثة؟؟. ليس هناك فرصة لإصابتها ، وما لدينا من طلقات هو قليل بالفعل ، فلماذا نصرفه بدون إحتمال ، ولو بنسبة ما ، من أمكانية التأثير ؟؟.

كان حقانى غاضبا ، وأنا مندهشا ، والدخان يتصاعد من خلف الجبل و”بادشاه” منهمك مع الطلقة الثالثة .

تذكرت على الفور ما قاله المولوى الشاب من “غزنى” إذ قص على قصته عندما كان جالساً مع أمه على سطح البيت . وإذ بالطائرات النفاثة تنقض على القرية وتمطرها بالقنابل فانتفض الشاب واقفا ، ساحبا أمه للإحتماء بشئ أسفل الدار . فانتهرته بشدة قائلة له : ألا تخجل من نفسك !! أنت مولوى حافظ لكتاب الله وتخاف من كافر .. إجلس !!. فجلس معها إلى أن إنتهت الغارة . ثم نزلا ليعالجا النتائج .

ذلك التحدى بلا حدود هو أحد مكونات الشخصية الأفغانية والمجاهدين بشكل خاص . فى البداية ظننت أنه أمر لا معنى له حتى ظهر تأثيره المدمر على نفسيات العدو . البعض أفرط فى التحدى فكانت الخسائر كبيرة . من حسن الحظ أن حقانى لم يكن كذلك بل كان مهتما جدا بإجراءات الحماية ، قدر إهتمامه بإجراءات الهجوم .

فعندما كنا أسفل الوادى تحت الأشجار فى مكان اللقاء الأول الذى ألقينا فيه الخطب ، كان حقانى يأمر رجاله بالوقوف تحت الأشجار وفى الظل حتى لا تراهم الطائرات . وكان من وقت إلى آخر يرفع رأسه إلى السماء ويجول بعينيه فى محيط المكان .

إذن فما هى المشكلة .. ولماذا غضب منى هكذا ؟؟.  أكتشفت لاحقا أنه كان يخشى من تفشى حالة الخوف وانتقالها بين الرجال بالعدوى . لأن إمكانية التصدى للطائرات هى عمليا معدومة . فلو إكتشف الرجال ذلك فربما ضربهم اليأس وأنصرفوا عن الجهاد ، لأنه مستحيل عمليا بسبب الطائرات .

{ مثل هذه الحالة ضربت سكان القرى فى أفغانستان فى بداية الغزو الأمريكى حيث فشلت خبرة طالبان القديمة فى معالجة التفوق التكنولوجى للطيران الأمريكى ، فتكبدوا خسائر كبيرة ، وتعرضت القرى المحيطة بهم لضربات إنتقامية من الطيران الأمريكى } .

بالتجربة والخطأ وبطول الممارسة وبذل الدماء تعلم المجاهدون الأفغان كيف يواجهون الطيران . أفضل السبل حسب ما رأيت كان إستخدام الأرض لمواجهة الهجوم القادم من السماء ـ الوسيلة الأفضل هى الخنادق والمغارات ، بعد ذلك تأتى إستخدام التضاريس الطبيعية مثل الصخور ومجارى السيل ، والأجمل كانت التضاريس متفاوته الإرتفاع فى الجبال . فكثيرا جدا جاءت القنابل قريبة للغاية من المجاهدين ولكن على مستوى من الأرض أعلى أو أقل إرتفاعا ، فيضيع تأثيرها فى الحالتين . ونادرا ما كانت القنابل تأتى بشكل مباشر على رأس الأفراد . وعموما كانت الطائرات هى أقل أدوات الحرب التى أوقعت قتلى بين المجاهدين ، بالمقارنة مع الوسائل الأخرى . ولكنها كانت الأكثر تأثيرا معنويا على المجاهدين أكثر من أى سلاح آخر لدى العدو . بينما خسائرها للمدنيين فى القرى كانت هائلة فى الأرواح والماديات .

 

حقانى وتحييد سلاح الطيران الطيران :

لابد أن نذكر هنا ، كيف أسقط حقانى هيبة الطيران بأساليب مختلفة فى فترات زمنية مختلفة ، وربما فى نفس الفترة الزمنية لكن فى مناسبات مختلفة .

أذكر مجهوده فى ذلك خلال معركة “ليجاه” فى جنوب خوست عام 1982 كان هدف العملية هو إزالة موقع حصين للجيش الحكومى يمنع المجاهدين من دخول وادى خوست الفسيح حيث المدينة ومطارها وحزامها الأمنى الأول . كانت بداية العملية ناجحة ، وأوشك العدو على الإنهيار لولا حقول الألغام التى أوقفت زحف المجاهدين .

أخذ الطيران يقصف بشدة ، وبدأت النفاثات الروسية فى حرق الشعاب . وكانت تؤدى عروضا إستعراضية فى بعض الأحيان ، مظهرين المهارة وفرحة الإنتصار ، وكان ذلك يبعث على الغيظ والقهر . كان لدى المجاهدين رشاش وحيد من طراز”دوشيكا ” ولم يُجْدْ نفعا ، حتى إلتزم الصمت عندما ركزت عليه الطائرات . المروحيات بدورها كانت تهاجم فى مجموعة من أربعة أو خمسة طائرات دفعة واحدة . توقف المجاهدون حتى عن الرماية عليها بالبنادق عندما شعروا بعدم جدوى ذلك . النتيجة : نحن صامتون ونزحف من صخرة إلى أخرى أو بين الشجيرات ، بينما المروحيات فوق رؤوسنا تماما .

وما أن نجتمع للصلاه أو لتناول لقيمات من الخبز ، حتى يداهمنا الطيران ويحَوِّلْ راحتنا إلى دروس فى الزحف بين الأعشاب والتسلل يين الصخور .

ضاعت منا المبادرة تماما . وحقول الألغام أوقفت الزحف إلى الأمام . لم يكن حقانى معنا وقتها ، ولم يدر أحد ماذا علينا أن نفعل .

جاء حقانى إلى ليجاه برفقة أربعة من رجاله ، وصعد على الفور إلى القمة المواجهة لتجمعنا الرئيسى . وكان تسليحه الشخصى وقتها هو (RPG) . وكان يستخدمه كمدفع مضاد لطائرات الهيلكوبتر تحديدا .كانت النفاثات تدور مرتفعة حول الموقع ، وجلس حقانى مع رجاله فوق القمة ـ ولم تحضر المروحيات فى ذلك اليوم . لكن بجرأته وتحديه إنبعثت حياة جديدة فى المجاهدين . وكان قد أحضر معه كاشف عن الألغام إشتراه من سوق الأسلحة فى مدينة ميرانشاة الحدودية . فتجمع حوله المجاهدون ليشاهدوا هذا المخلوق العجيب ، وهو يشرح لهم طريقة عمله وهم فرحون كالأطفال فى أول أيام العيد . جربوا الجهاز فوق قطع معدنية مدفونة فأعطى أشارة ، فهللوا فرحين . ومع ذلك لم يفد ذلك الجهاز بشئ حيث أنه يعطى إشارات على الدوام لأن الأرض مليئة بالشظايا ، فعادوا مرة أخرى إلى الكشف اليدوى عن الألغام . ولكن هذه المرة تحت حماية جوية يقف على رأسها حقانى معه مدفعه المضاد للدبابات الذى يستخدمه لمكافحة المروحيات . عادت الحياة إلى رامى مدفع الدوشكا وبدأ يمارس نشاطه من جديد . والمجاهدون يطلقون نيران بنادقهم على الطائرات إذا كانوا فى وضع ملائم . وهكذا إنبعث من جديد مشروع فتح حصن ليجاه . بعد أن أسقط حقانى بشجاعته فقط “هيبة ” الطيران بواسطة تسليحه الشخصى الجديد ، قاذف “RPG ” الذى لم يسقط أى طائرة . ولكن إسقاط هيبة السلاح وخوف الناس منه أهم بكثير من تدمير السلاح نفسه . أسقط المجاهدون الأفغان هيبة الدبابة ثم هيبة الطائرة حتى قبل أن يتمكنوا من إمتلاك وسائل تدميرها فعليا. إيمان وشجاعة القيادة والمجاهدين كانا أدوات النصر وإسقاط هيبة العدو ، وجميع أسلحته .

تواصلت مجهودات حقانى لتحييد سلاح طيران الخصم . وكان أعظم خطواته وأبعدها أثرا هو برنامج للحفريات تواصل لسنوات حتى سقوط مدينة خوست . لذلك تحول إلى مشروع إستراتيجى وكان له أهمية كبرى فى فتح المدينة المنيعة . وقد أعترف العدو بتلك الحقيقة ، حتى أن رئيس الدولة(نجيب الله) كان يخرج على الهواء فى الإذاعة مخاطبا حافرى مغارات خوست ، وكانوا فى أغلبهم من ولاية (ميدان وردك ) ، ويطالبهم بالقدوم إلى كابول وسوف يقدم لهم ما يطلبونه من أموال ، قائلا أن مغاراتهم أبطلت مفعول طائراته وصواريخه. ولكن الوقت كان قد فات وتبقى القليل جدا من الوقت حتى يقتحم المجاهدون خوست ، وتَبَقَّى من عمر النظام كله حوالى عام واحد .

إبطال سحر الدبابة :

إبطال التأثير النفسى للدبابة كان خطوة كبرى فى العام الأول للجهاد . وكانت هى الخوف الأكبر للأهالى والمدنيين على السواء . ولذلك قصة شهيرة فى ولاية باكتيا سمعناها ممن خاضوا التجربة . سمعنا القصة فى ليلة مقمرة فوق أحد سطح بيت قروى أثناء تحركنا نحو جرديز مع مولوى حقانى ، وكان ذلك فى عام1986، وكان حقانى معنا فى تلك الجلسة المقمرة التى لم تتكرر بعد ذلك( حضر تلك الجلسة كل من أبو حفص المصرى ، وأبو عبيدة البنشيرى وعبد الرحمن المصر ى ، وقد تجمعنا من أجل المشاركة فى عمليات قرب جرديز . ولم يكن تنظيم القاعدة قد تشكل بعد )  . وفى تلك الجلسة أخبرنى حقانى عن بعض أسرار معركة جاور الأخيرة ، وسوف نذكرها فى موضعها . كما حكى مجاهدو القرية عن تجربتهم فى الحصول على سلاح “ضد الدبابة” لأول مرة ، وكانت كالتالى :

 كانت القرية  مصدر قلق للحكومة الشيوعية لتمركز القائد “شاكرين” ومجموعته يهددون منها الطريق الرئيسي والمراكز الحكومية المنتشرة على طوله، لذا قصفها الطيران عدة

 مرات وهجرها معظم السكان لكن “شاكرين” لم يتوقف، فقررالعدو شن حملة  لإقتحام القرية وكانت الخطة  أن تتقدم القوات على محورين الأول من الطريق الرئيسي نفسه ثم تنحرف الدبابات والمشاة نحو القرية حيث يوجد مدق ترابي يصلح لمرور الآليات.

والمحور الثاني تتقدم عليه قوة أخرى عبر وادي شمل حيث ينزل المشاة ويتسلقون الجبال ثم يتوجهون صوب القرية، وهناك تلتقي القوتان وتهاجمان القرية في وقت واحد.

كانت الخطة جيدة،( ولكن على الورق وليس على الأرض). فعند التنفيذ وصلت القوة  القادمة  من إتجاه شمل أولاً. وأبلغ بدو الجبال شاكرين بتقدم القوات نحوه فخرج مسرعاً مع رجاله ونصب كميناً للقوة فدمرها وأسر وقتل جميع من شارك فيها. ولم يكد يفرغ من عمله حتى كانت القوة الأخرى قد وصلت بدباباتها إلى الطريق العام وبدأت تتقدم نحو القرية عبر المدق الجبلي، شعر الرجال بالذعر لتقدم الدبابات المفاجيء نحو قريتهم. ولكنهم كانو قد غنموا سلاحاً عجيباً منذ قليل أخبرهم الجندي الذي يحمله أنه سلاح (ضد الدبابة) فطلبوا من الجندي أن يتقدم معهم لإستخدامه ضد الدبابات المتقدمة لكن الخوف أصاب الجندي  ورفض أن يتحرك خطوة واحدة حتى ولو قتلوه. فطلبوا منه أن يشرح لهم كيفية إستخدام ذلك السلاح فشرح لم وأوصاهم بالتصويب على خط التقاء البرج مع جسم الدبابة.

أحد المجاهدين إلتقط السلاح وتقدم به نحو الخطر القادم ومن الطلقة الأولى طار برج الدبابة في الهواء وإشتعلت فيها النيران. ولم تقف المفاجأة عند ذلك الحد، فالطابور المتقدم من الدبابات والمدرعات التي تحمل الجنود، وجميعها محشورة في مدق ضيق لا يصلح  للمناورة. ذلك الطابور صدمته المفاجأة، إذ كان الضباط على يقين بأن ليس لدى المجاهدين أي  سلاح مضاد للدبابات، وإعتمدوا على حقيقة أن مجرد صوت الدبابة كفيل بأن يدفع، أشجع الرجال لأن يفر من ساحة المعركة.

لذا قفز جميع الضباط والجنود من داخل الآليات رافعين أيديهم إلى أعلى معلنين الإستسلام لشاكرين ورجاله. ( وكانت قصة مازال يتداولها المجاهدون إلى الآن).

كان توفيقاً من الله ألا تصل القوات المهاجمة في وقت واحد حسب الخطة المقررة. وأن يتمكن شاكرين من القضاء على الطابور الأول وتسليح رجاله بقاذف (RPG) ليكون سلاحه الرئيسي ليس لتدمير دبابة واحدة للشيوعيين بل لتدمير وأسر القوة المتقدمة كلها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world