1

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ( 1 من 2)

دور إبن العلقمى والشيعة فى إسقاط الدولة العباسية

 

مقدمة :

دخلت الأخطاء التاريخية ـ إلى صلب التوجيه الإستراتيجى لجماعات جهادية هامة . وفى ذلك تعميق لإنحراف المسار ، وإرتداد الجهاد إلى صدور الأمة بدلا من أن يكون وسيلتها للنهوض.

فلابد من وقفة تأمل لإعادة النظر فى مصادرنا التاريخية ، ومراجعة المقولات الجاهزة التى تضلل المسيرة ولا تقودها، لأنها مخالفة لحقائق التاريخ. فلابد من تصحيح الرؤية بناء على الحقائق وليس على أكاذيب وكمائن فكرية .

يقول زعيم جهادى مهم فى توجيه إستراتيجى لجماعتة خاصة وللأمة الإسلامية عامة :

{ إخوانى المسلمين المجاهدين فى كل المجموعات وكل مكان …

إننا نواجه اليوم عدوانا أمريكيا أوروبيا روسيا رافضا نصيرياً يذكرنا بتحالف الرافضة مع التتار ضد الخلافة العباسية ، وبتحالفهم مع الإفرنج ضد الدولة العثمانية .

…  فعلينا أن نقف صفاً واحداً من تركستان الشرقية حتى مغرب الإسلام فى وجه الحلف الشيطانى المعتدى على الإسلام وأمته ودياره } .

من الواضح أن المقصود الأساسى هو مأساة سوريا والأطراف المشاركة فيها والمآسى التى نتجت عنها . لهذا وضع البيان الجهادى (روسيا والرافضة والنصيرية) فى جملة واحدة. وركز جُلَ ثقله على الرافضة، وموقفهم الذى ذكَّرَهُ بتحالفهم مع التتار ضد الدولة العباسية ثم مع “الفرنجة”!! ضد الدولة العثمانية، مطالباً الأمة بأن تتحد ضدهم بإعتبارهم عنصراً رئيسياً للخطر الماثل أمامها.

فكان لنا جولة سريعة فى مفاصل ذلك الإتهام التاريخى .. ليس دفاعا عن فرد أو فئة بل دفاعاً عن أمَّة . إذا كانت رؤيتها خاطئة ومشوشة ومنافية لحقائق التاريخ فلا أمل من كثرة الحركة طالما هى فى الإتجاه الخاطئ ، فهى لن تزيدنا عن هدفنا إلا بعدا .

تنزيل المقالة الكاملة (سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ) : اضغط هنا

 

 

أمة ممزقة .. وخلافة متصدعة :

ترافق تصدع ثم إنهيار الخلافة العباسية فى المشرق الإسلامى، مع تصدع كبير للخلافة الإسلامية فى الأندلس ــ وكانت خلافة أموية ــ وفقد المسلمون هناك بعض مدنهم الهامة ، مع تقدم مستمر للصليبيين داخل أراضيهم. وصراع مرير بين ملوك الطوائف الذين مزقوا وحدة الأندلس . تزامن ذلك مع صراع ملوك الأيوبين فى الشرق . وعاصفه التتار متعاظمة التمدد بقوة وسرعة غير معهودة فى فتوحات الأمم . وتجَذَرَالصليبيين فى الشام ـ رغم إستعادة القدس على يد صلاح الدين ـ إلا أن صراع ملوك الأيوبيين من بعده، أدى إلى تفريطهم فى القدس وأعادتها مرة أخرى إلى الصليبيين، فى مقابل أن يدعموا طرفاً من الأيوبين ضد طرف آخر . وضاعت القدس بهذه البساطة ، لولا إعصار آخر ـ لا يقل عنفا عن إعصار التتار ـ ولكنه أقل حجما ـ وهو إعصار الخوارزميين المسلمين ـ الذى حفظ التوازن الإسلامى فى المشرق بقوته وعنفه الذى تجاوز حدوده أحياناً عديدة، حتى قارن الناس بينهم وبين التتار ، فى الإضرار بالمسلمين .

صراع الملوك الأيوبيين حرك أطماع الصليبين ليس فقط لإستعادة ما حرره صلاح الدين فى بلاد الشام ، بل تطلعوا إلى جذور القوة الأيوبية وهى مصر . فهاجموا دمياط واحتلوها وحاولوا الزحف منها إلى القاهرة، فكانت لحظة خطر إستثنائية فى تاريخ المسلمين حتى ذلك الوقت.

– ظهور صلاح الدين وتحرير القدس ـ كان ومضة ضوء باهرة فى تاريخ المسلمين إلى الآن ـ وخاصة فى تلك الفترة الحالكة ـ ولكن ذلك لم يغير مسيرة دولة الخلافة العباسية وانحدارها السريع نحو السقوط .

سنورد بعض التواريخ فى محاولة لتتبع الأحداث الكبرى، بدون التوسع فى تفاصيل تلك السنين الذاخرة بالحركة والتغيير .

(567 هـ ) سقوط الدولة الفاطمية ، وقيام الحكم الأيوبى فى مصر والشام .

(583 هـ ) صلاح الدين الأيوبى يفتح مدينة القدس. أى بعد مضى 16سنة فقط من تأسيس دولته.

ولكن  فى عام (626 هـ ) قام الملك العادل الأيوبى بتسليم القدس للصليبيين فى صفقة تحالف مع الأمبراطور فردريك ملك الفرنجة .

(616 هـ ) جاء ذلك العام بكل نذر الشر للمسلمين فى أكثر مواقهم حساسية:

1 ـ عندما نزلت قوات الفرنجة الصليبيين إلى مدينة دمياط الساحلية فى مصر واستولوا عليها وحولوا جامعها إلى كنيسة .

2 ـ  إضافة إلى خطر أكبر جاء من المشرق فى نفس العام بظهور قبائل التتار من جبال طمخاج فى الصين بقيادة ملكهم جنكيزخان .

عام (617 هـ ) كانت إمتدادا للعام الذى سبقه . فقد إنقضى وفى مصر حرب بين المسلمين والصليبيين فى دمياط والمنصورة . أما التتار فقد إنطلقت عاصفتهم فإستولوا على مدينة سمرقند(فى أوزبكستان) وهزموا السلطان علاء الدين ، وملكوا الرى (قرب طهران الحالية ) وهمزان وقزوين ، وحاربوا الكرج وملكوا فرغانه (تمتد بين أوزبكستان وقرغيزستان ) ، وترمز وخوارزم (فى أوزبكستان) وخراسان ومرو ونيسابور وطوس (مشهد فى إيران) وهيرات وغزنى . أى مساحات شاسعة جدا فى أسيا الوسطى وأفغانستان وإيران .

عام ( 618 هـ ) وفيه إستولى التتار على مراغة وهمزان وتبريز(فى إيران) . وفى مصر هُزِم الصلبييون فى دمياط ، وجاء القساوسة والرهبان لتسليم المدينة للمسلمين، وتقررت الهدنة 8  سنوات على أن يُطلِق كل طرف ما لديه من أسرى .

 

“الخليفة” يطلب من التتار إحتلال بغداد !!

كل ذلك والخلافة فى بغداد تراقب مصادر الخطر لتتقي العواصف التى تحيط بها شرقا وغربا بدون أن تقوم فيه بأى دور إيجابى يذكره لها التاريخ . عمليا لم تكن هناك (خلافة عباسية) خارج نطاق الإحتفالات الدينية ، وتقديم الولاء الشكلى للخليفة كأحد الطقوس الدينية .

– المقريزى أحد أوثق المؤرخين لتلك المرحلة يقدم شهادة كاشفة لبؤس الحالة التى وصلت إليها الدولة العباسية فى سنواتها الأخيرة ـ وتدهور “مؤسسة الخلافة ” وتدنى مستوى “الخلفاء”. فأصبح كل ما فى بغداد وكأنه مهرجان ـ أو كرنفال ـ لفنون التراث وليس لدولة كانت تتصدر العالم لما يزيد عن خمسة قرون .

يقول المؤرخ المقريزى : (ص 340ـ الجزء الثانى ـ كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك) :

( 622 هـ ) وفيها مات الخليفة الناصر لدين الله أحمد بن المستضئ بأمر الله الحسن بن المستنجد بالله يوسف ، وله فى الخلافه 47 سنة غير 36 يوما .

وكان ردئ السيرة فى رعيته ، ظالما عسوفاً ، خَرُبَ العراق فى أيامه ، وتفرق أهله فى البلاد .

فأخذ أموالهم وأملاكهم . يفعل الأشياء المتضادة ، يركب بين الناس ويجتمع بهم مع سفكه للدماء. فى خلافته خَرَّب التتر بلاد المشرق حتى وصلوا همذان ، وكان هو”الخليفة” السبب فى ذلك، إذ كتب إليهم بالعبور إلى البلاد خوفا من السلطان علاء الدين محمد بن خوارزم شاه ، لما هَمَّ بالإستيلاء على بغداد وأن يجعلهم دار ملكه .

– المهم فى ملاحظات المقريزى الصادمة هو أن دعوة التتار”الكفارالوثنيين” لإحتلال بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية ، كان مصدرها (خليفة المسلمين نفسه) نتيجة خوفه من سلطان مسلم (سُنِّى) قادم من الشرق .

ذلك الخليفة فى بغداد يأتى بأفعال متضادة، كأن يقتل الناس ثم يتقرب إليهم ، ويصادر ممتلكاتهم ويشردهم فى كل فج عميق.

 

“الخليفة” .. بَقَّال فى “دكان الخلافة” !!

يقول المقريزى: لم يمت الخليفة الناصر لدين الله حتى عمي ، وقيل كان يبصر بإحدى عينيه ، وقام بالخلافة من بعده إبنه الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد ـ وكان عمره يوم مات أبيه ما ينيف على 50 سنة وكان يقول : (من يفتح دكانه العصر متى يستفتح ؟).

ولما وُلِيَّ أظهر العدل وأزال عدة مظالم وأطلق أهل السجون وظهر للناس، وكان الخلفاء من قبله لا يظهرون إلا نادراً .

{ومع ذلك فالخليفة يرى فى الخلافة مجرد دكان للإسترزاق . وأن تأخُرْ توليه الحكم جعل فرص الرزق أمامه محدودة، فقد تخطى الخمسين}.

 

آخر الخلفاء العباسيين يترك الحكم للحاشية ويدفع الأموال للتتار :

نمضى مع إيجاز المقريزى وملاحظاته الدقيقة التى تلامس أعماق الحدث وتوضح أبعاده ، فيقول:

– عام(640 هـ) مات الخليفة المستنصر بالله أمير المؤمنين بعد أن فُصِدَ بمِبضَع مسموم : وفى أيامه عمرت بغداد عمارة عظيمة . وفى أيامه قصد التتار بغداد( ملاحظة : كان لديهم دعوة من الخليفة السابق ـ الناصر لدين الله )ـ فاستخدم المستنصر بالله العساكر ، حتى زادت عن مئه ألف (!!) إنسان .

قام بالخلافة بعده إبنه المستعصم بالله ، وقام بأمره أهل الدولة (ويقصد أن رجال الحاشية تولوا إدارة الدولة نيابة عنه ). وحسَّنوا له جمع الأموال ، وإسقاط أكثر الأجناد ، فقطع كثيرا من العساكر ، وسالم التتر ، وحمل إليهم المال .

هذا الخليفة المتهافت المتابع لنهج جده الخليفة (الناصر لدين الله) فى الإنحناء للتتار ودفع الجزية لهم . كان آخر خلفاء بنى العباس .

كان نهماً للمال ، فطرد الجند لتوفير المال، الذى بذل منه للتتار ـ وتفرغ هو للأنس داخل القصر مع الجوارى تاركا أمور الدولة للكبراء النافذين من الحاشية . وعلى رأسهم التعيس إبن العلقمى (الشيعي) الذى تَحَمَّل فى النهاية ـ على يد مؤرخى الفتنة وترويج الجهالة ـ وِزر كل إنحطاط الدولة العباسية فى طور سقوطها . قائلين أنه سَلَّم بغداد للتتار ـ رغم أن ذلك المشروع هو من إبتكار الخليفة “الناصر” الذى دعا التتار رسميا لإحتلال بغداد حتى لا يأخذها منه الملك الخوارزمى المسلم السُنِّي !! .

ومع ذلك كان المستعصم موضع إحتقار هولاكو ملك التتار الذى قال عنه “كانت نفسه خسيسة ـ جَمَع المال ولم يعبأ بالرجال ” .

 

خليفة ضعيف وحاشية فاسدة :

حاكم بمثل هذه الطبيعة يختار أسوأ المستشارين ، طالما يجمعون له أكبر قدر من الأموال . فيعيثون فى الأرض فسادا ، ويستغلون سلطة الدولة أسوأ إستغلال .

من الخيارات السيئة للخليفة كان إبن العلقمى نفسه . فقبل أن يضعه على رأس إدارة الدولة بدرجة (وزير)، كان يشغل منصب(إستادار) أى مدير تشريفات . والتجارب تثبت أن الحاكم الضعيف الفاسد هو من يستريح بوجود وزير منافق إنتهازى ـ مجرد تشريفاتى قبل كل شئ ـ ولكنه تقريبا يدير الدولة بإسم الحاكم ونيابة عنه!! .

(فى عام642هـ ) تولى إبن العلقمي منصبه الرفيع على رأس الجهاز التنفيذى (وزير) .

(عام652هـ) من ليل التتار المظلم تشرق إطلاله نور ، سيكون لها أثر كبير فيما بعد . فقد أسلم ملك التتار بركة خان (إبن جوش خان ابن جنكيز خان ) أى الجيل الثالث من ملوك التتار. وأظهر شعائر الإسلام فى مملكته ، واتخذ المدارس وأكرم الفقهاء . وأسلمت زوجته (جِكْ جِكْ) وإتخذت لنفسها مسجداً من الخيم .

يقول المقريزى : (وفى عام654هـ) وصل جواسيس هولاكو إلى الوزير مؤيد الدين بن العلقمي فى بغداد .” أى بعد توليه الوزارة بإثنى عشر سنة”.

وكان الخليفة المستعصم قد وثق به وألقى إليه زمام أموره، تحدث معه الجواسيس ووعدوا جماعة من أمراء بغداد مواعيد {والخليفة فى لهوه لا يعبأ بشئ”حسب نص المقريزى“} .

 

سقوط بغداد ومصرع آخر الخلفاء العباسيين:

(فى عام656) : دخل التتر بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم فى السادس من صفر ، فانقرضت دولة بنى العباس .

يقول المقريزى عن أفعال التتر فى بغداد : وقُتِل الناس ببغداد ، وتمزقوا فى الأقطار ، وخرَّب التتار الجوامع والمساجد والمشاهد ، وسفكوا الدماء حتى جرت فى الطرقات، واستمروا على ذلك أربعين يوما ، وبلغ القتلى ألفي ألف إنسان .

–  عند حديثه عن سقوط دولة الخلافة العباسية ،أورد المقريزى الحديث الشريف التالى : عن حبيب بن ثابت عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبه ، أن رسول الله قام فقال : (يامعشر قريش إن هذا الأمر لا يزال فيكم وأنتم ولاته حتى تحدثوا أعمالا تخرجكم منه، فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شر خلقه ، فالتَحُوُكُم كما يُلتَحَى القضيب ) .

– إستمرت الخلافة العباسية أزيد من خمسة قرون كانت فيها الإمبراطورية الأقوى فى العالم .

ثم بدأ يدب فيها الضعف والشيخوخة ، وتمزقت إلى ممالك عديدة شرقاً وغرباً، وأصبح الخليفة فى بغداد رمزا إسلاميا أكثر منه حاكما فعليا . كما أن المناطق الخاضعة له مباشرة تقلصت كثيرا لصالح الممالك الناشئة التى كانت إجمالا أقوى وأغنى من المركز فى بغداد، وحاول بعضها بسط سيطرته على مؤسسة الخلافة فى بغداد . وتنافست فى ذلك عدة دول . فى الشرق كانت القوه الأكبر هى للخوارزميين فيما يعرف الآن آسيا الوسطى ومراكزهم الحضارية القوية فى بخارى وسمرقند ومرو (فى أوزبكستان وتركمانستان الحالية) .

وفى مرحلة متأخرة خشي الخليفة فى بغداد من طموح ملوك الخوارزميين وقوتهم فإستعان مرة بممالك غرب بغداد خاصة الأيوبيين فى الشام ومصر . وأحيانا بأتراك الأناضول رغم قوتهم المتواضعه حتى ذلك الوقت . حتى وصل الأمر لأن يستعين الخليفة بالتتار عندما ظهروا كالإعصار الغاضب ، فإكتسحوا بلاد الإسلام الشرقية من خوارزم حتى تخوم العراق .

وكان الخليفة يأمل فى تحييد قوة الخوارزميين بقوة التتار الناشئة ثم ظهر له أن خطر التتار(الكفار) على بلاده لا يقل عن خطر الخوارزميين (المسلمين).

“عام 567 هـ” ـ بعد سقوط الخلافة العباسة بعامين ـ تمكن الأيوبيون من إقتلاع الدولة الفاطمية التى يحكمها خلفاء على المذهب الشيعى من عاصمتهم فى القاهرة . وبقوة صلاح الدين وعبقريته السياسية والعسكرية تمكن من بناء دولة أيوبية قوية على الركيزتين الجبارتين : مصر والشام . ومكنه ذلك من تحرير القدس “عام 583 هـ “. فكانت ومضه ضوء مازال إشعاعها يضيئ تاريخ المسلمين .

لكن بموته تنازع أمراء البيت الأيوبى وتقاسموا البلاد فى ممالك صغيرة، صراعها الداخلى يغطى على كل ما عداه . وتحالف الملوك الأيوبيين ضد بعضهم البعض مع الصليبين مرة ومع الخوارزميين مرة أخرى. فكانت فترة خطيرة للغاية على الأمة الإسلامية أوشكت فيها على الضياع .

 

هرولة الشام للتطبيع مع التتار : 

كان الترحيب بالتتار على أشده بين المسلمين ، من المذهب السنى، فكان الإعتراف بسلطة التتار ـ غير المسلمين ـ موضع سباق بين ملوك وقضاة وقادة . خاصة فى بلاد الشام التى إجتاحتها الفتن والصراع بين الملوك الأيوبيين ، فى وجود الصليبيين وإماراتهم على الساحل .

فكان السباق بين المتصارعين للإرتماء تحت أقدام التتار. حتى صار المحور التترى ذى قوة فى الشام، فى مقابل المحور الصليبى، وأحيانا فى مقابل الخوارزميين .

– فمن أحداث عام (685هـ ) : أن ذهب القاضى محي الدين بن الزكي ، من دمشق لمقابلة هولاكو فى حلب . فولاه قضاء الشام وخلع عليه . وأرسله إلى دمشق حيث جمع الفقهاء وجمع الناس فى المسجد الجامع، وقُرِئت عليهم فرامانات هولاكو بأمان أهل دمشق . فاشتد فيهم الإضطراب والخوف .

يقول المقريزى: {واستطالت النصارى فى دمشق على المسلمين وأحضروا فرمانا من هولاكو بالإعتناء بأمرهم وإقامة دينهم . فتظاهروا بالخمر فى نهار رمضان ، ورشُّوه على ثياب المسلمين فى الطرقات ، وصبوه على أبواب المساجد ، وألزموا أصحاب الحوانيت بالقيام إذا مروا بالصليب عليهم ، وأهانوا من أمتنع من القيام للصليب ..} .

حتى الملك الأشرف صاحب حمص، جاء إلى دمشق وفى يده مرسوم من هولاكو بتعيينه نائباً السلطة فى دمشق والشام .

وعلى غير إنتظار وقعت هزيمة التتار فى معركة عين جالوت (يوم الجمعه 15 رمضان) على يد السلطان قطز وجيش مصر . فقتل قائد التتار كتبغا ، وقتل الملك السعيد حسن بن عبد العزيز وكان مع التتار، وفر جيش التتار، ففر نواب التتار فى دمشق. وكانت مدة إستيلائهم عليها سبعة أشهر وعشرة أيام .

قال المقريزى عن أجواء دمشق بعد هزيمة التتار ـ (فى 18 رمضان نهب المسلمون اليهود فى دمشق حتى لم يتركو لهم شيئا ، وأصبحت حوانيتهم فى الأسواق دكاً . وثار أهل دمشق بجماعة من المسلمين كانوا أعوان التتار، وقتلوهم وخربوا الدور المجاورة للكنائس، وقتلوا جماعة من المُغل ، فكان أمراً مهولاً ) .

منذ سنوات سبقت سقوطها ، ودولة الخلافة غائبة تماما عن الساحة الإسلامية وتتصرف فى بغداد كإقطاعية فاسدة الإدارة وعاجزة عن حماية نفسها ، ناهيك عن دعم غيرها .

كان عام(641) من أحد السنين السوداء التى تجلت فيها أزمة الأمة الاسلامية . وكانت الخلافة الشكلية قائمة لتُذَكِّر المسلمين بالعجز والضياع . فقبل 15عاماً من سقوط الخلافة العباسية كان تصدعاً كبيراً يأخذ بزمام الكيانات (الدول)الإسلامية القائمة .

– فالتتار إستولوا على بلاد الروم (الأتراك فى الأناضول) وكان الملك غياث الدين قد صالحهم على مال يحمله إليهم . ثم فر منهم ملتحقاً بالقسطنطنية حيث الإمبراطور المسيحي .

– فى نفس الوقت كان ملوك وأمراء البيت الأيوبى فى الشام ومصر يخوضون صراعاً داخلياً لا رحمة فيه ولا محرمات ولا إعتبار فيه لأحكام دين أو إنسانية .

قال المقريزى: فالملكان الناصر دواد، والصالح إسماعيل وافقا الفرنج على أن يكونوا عونا لهما على الملك صالح نجم الدين فى مصر . وواعدا الفرنجة على يسلما لهم القدس وسلماهم طبرية وعسقلان . فعمَّر الفرنجة قلعتيهما وحصونهما .

وتمكن الفرنجة من الصخرة وجلسوا فوقها بالخمر وعلقوا الجرس على المسجد الأقصى فبرز الملك الصالح نجم الدين أيوب من القاهرة ونزل بركة الجب وأقام عليها وكتب إلى الخوارزمية يستدعيهم إلى ديار مصر لمحاربة أهل الشام . فخرجوا من ديار الشرق .

{ فى عام(642هـ ) إلتقى الملك الصالح نجم الدين وجيشه مع جيش الخوارزميه بظاهر غزة وقد رفع الفرنج الصلبان على عسكر دمشق ، وفوق رأس المنصور صاحب حماة . فساق الخوارزمية وعساكر مصر ، ودارت بين الفريقين حرب شديدة … وأحاط الخوارزمية بالفرنج ووضعوا فيهم السيف حتى أتوا عليهم قتلا وأسراً ولم يفلت منهم إلا من شرد، فكان عدة من أسر منهم ثمانمئة رجل ، وقتل منهم ومن أهل الشام زيادة عن ثلاثين ألف وحاز الخوارزمين من الأموال ما يجل وصفه ..}.

– يلاحظ فى تلك المرحلة أن حكام المسلمين وجيوشهم جمعوا “ما يجل وصفه” من تناقضات تطيش لها الألباب. فمع البطولة الأسطورية والحماس الدينى الجنونى ، والشهامة المباغتة فى أى وقت ، تجد لديهم الإجرام والوحشية والتعدى الحيوانى على الأرواح والأعراض وأموال المسلمين !! .

–  كانت تلك سمات مشتركة بين الجميع ، ولكنها كانت أكثر شهرة بين الخوارزميين الذين كانوا فى  نفس الوقت أشد بأساً ورهبة فى نفوس العدو الصديق معاً .

ولم يكن شائعاً وقتها مصطلحات سنة وشيعة ـ كما هو الهَوَس المشهور الآن ـ ولكن مصطلحات ذلك الزمان كانت : مسلمين ـ كفار ـ  فرنجة ـ تتار ـ أيوبيين ـ خوارزميين ـ روم (أتراك الأناضول ) ـ أتراك شركس ـ وهى مصطلحات تتعلق بالديانات والقوميات أكثر منها بالمذاهب.

– حتى بعد سقوط الخلافة ، وإنتشار قصة إبن العلقمى إلا أنها لم تخرج عن سياقها الطبيعى ضمن الأحداث ( أى مجرد خائن ضمن بلاط فاسد لخليفة أكثرضعفاً وفساداً). فتأثيراتها الحقيقية فى سقوط بغداد الخلافة لم تكن مفصلية بل كانت من التفصيلات غير الجوهرية ، لأن أسباب سقوط الخلافة كانت معلومة للجميع ، من الصفوة السياسية إلى جماهير الناس الذين كانت مشاعرهم الدينية قوية وعفوية .

 

تنزيل المقالة الكاملة (سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ) : اضغط هنا

 

 

مازال الفسق والخمر بين الناس ، ولكن الخوارزميون زالوا :

يقول المقريزى : فى عام(642هـ ) قطع الخوارزمية الفرات . ومقدموهم : الأمير حسام الدين بركة خان ، وخان بردى ، وصاروخان ، وكشلوخان ، وهم زيادة عن عشرة آلاف مقاتل . فسارت منهم فرقة على بقاع بعلبك ، وفرقة على غوطة دمشق ، وهم ينهبون ويقتلون ويسبون. فانجفل الناس من بين أيديهم ، وتحصن الصالح إسماعيل بدمشق وضم عساكر إليه بعد ما كانت قد وصلت غزة .

– وهجم الخوارزمية على القدس ، وبذلوا السيف فيمن كان من النصارى ، حتى أفنوا الرجال وسبو النساء والأولاد . وهدموا المبانى التى فى قمامة ، ونبشوا قبور النصارى ، وأحرقوا رممهم ، وساروا إلى غزة فنزلوها ، وسَيَّروا إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، يخبرونه بقدومهم فأمرهم بالإقامة فى غزة ، ووعدهم ببلاد الشام بعدما خلع على رُسُلِهم .

{ واضح أن ملك مصر”الصالح أيوب” خاف من شطط الخواروميين، وأن يفعلوا فى مصر ما فعلوه فى الشام }.

يقول المقريزى : فى عام (643هـ) (وألح الخوارزمية ومعهم الصالح إسماعيل فى القتال ونهب الأعمال، وضايقوا دمشق وقطعوا عنها الميرة فإشتد الغلاء بها . ثم عَدِمَت الأقوات بالجملة. وأكل الناس القطط والكلاب والميتات. ومات شخص فى السجن فأكله أهل السجن. وهلك عَالَم عظيم من الجوع والوباء ، واستمر هذا الوباء ثلاثة أشهر ، وصار من يمر بالجبل يشم ريح نتن الموتى ، لعجز الناس عن مواراة موتاهم . ولم تنقطع مع هذا الخمور والفسق بين الناس)!! .

فى عام(644هـ ): ( وفيها عظمت مَضَرَّة الخوارزمية ببلاد الشام ، وكثر نهبهم للبلاد وسفكهم للدماء وانتهاكهم الحرمات ) ولكنهم هُزِموا بظاهر حمص فى موقعة كبيرة ضد صاحب حمص وعساكر حلب وتبدد شملهم ولم يقم لهم بعدها قائمة ، وقتل مُقَدِمَهم بركة خان وهو سكران .

 

سحق وإذلال العرب “العُرْبان” فى مصر :

فى عام(651هـ ) : ثارت العربان فى مصر فى الصعيد وبحرى . ولكن الملك عز الدين أيبك [المملوكى] نكَّل بهم، وشنق ألفي فارس وستمئة راجل، وعلقهم على الأخشاب إمتدت من بلبيس إلى القاهرة. وغنم الجيش المملوكى منهم الأسلاب والنسوان والأولاد والخيل والجمال والمواشى ما عجزوا عن ضبطه ، ثم عادوا إلى بلبيس حيث المُخَيَّم . وزاد الملك على البدو الضرائب بالعسف والجور وقال المقريزى عن نتيجة ذلك : أن العربان (العرب) { ذلوا وقَلّوا حتى صار أمرهم على ما هو عليه الحال فى وقتنا } .

– قامت الدولة المملوكية فى مصر عام 648 هـ . وكان أول تعامل “جماهيرى” لها مع شعب مصر هو نكبة العربان تلك، والتى كانت مزيجا من أساليب وحشية الصليبيين والمغول معا .

– أما أهل مصر فى المدن والقرى فكانوا فى معظم وقتهم ـ تحت القهر الشديد والبؤس والفقر. قال المقريزى عن أحوال الناس فى عام (648 هـ) أن ضرر المماليك البحرية قد إزداد، وبالغوا فى الفساد حتى لو ملك الفرنج ما فعلوا فعلهم (!!).

[ ملاحظة:  وكأن السيطرة على مصر أصابت المماليك بنشوة أطارت صوابهم . ومع ذلك قدَّم العصر المملوكى القليل من أعظم الملوك فى تاريخ مصر والشام وعلى رأسهم الظاهر بيبرس].

– يلاحظ أن كل ذلك الخسف والجور فى حكم المسلمين ، بينما (الخلافة) الصورية مازالت قائمة فى بغداد . ولا شأن لها بما يجرى من حروب فى شرق البلاد وغربها . ولا ما يحدث، من الحكام السُنَّة، من إنتهاك لجميع شرائع الإسلام وحقوق المسلمين ، وتجاوزات فى الحكم والحرب والتحالفات مع الكفار الفرنجة أو التتار .

 

لماذا ثار العرب فى مصر ؟؟:

– ثورة العرب فى مصر كانت بسبب رفضهم الإعتراف بشرعية حكم المماليك كونهم “عبيد” غير أحرار . فقال الأعراب “نحن العرب أصحاب البلد” . وأنهم بالكاد سلَّموا بحكم الأيوبيين رغم أنهم خوارج (أى خارجين عن شرعية دولة الخلافة الفاطمية).

لم تتحرك الخلافة العباسية لنجدة عرب مصر، وإنقاذهم من حكم “العبيد المماليك”. فذهب حكم مصر من العرب إلى الأبد. ومالبث منصب الخلافة أن ضاع من العرب إلى الأبد أيضا. بل ضاع العرب أنفسهم إلى مالا نهاية حتى الآن . وتلك كانت ثورة العرب “العربان” فى مصر. ولكن قضية الدولة الشيعية الفاطمية كانت موجودة فى خلفية الصورة. فالعربان كانوا يرون الأيوبيين أكرادا خوارج على حاكم مصر الشرعى”الفاطمي” ، ويرون المماليك عبيدا غير أحرار ، بينما الفاطميون عرباً من آل البيت . لهذا فثورتهم كانت تمسكا بأن يكون منصب الخلافة للعرب وبالذات من أهل البيت. وكان يقود ثورة عرب مصر سيد ينتهى نسبه إلى آل البيت.

 

“ق” قَتَلَ  … مواصلة إذلال العرب فى مصر :

المقريزى يلاحظ أنه فى عام(700هـ) كانت ملوك الأقطار كلهم شباب لم يبلغوا ثلاثين سنة.

عام (701هـ ): مرة أخرى يُوقِعْ المماليك واقعة عظمى بالعُرْبان فى الوجه القبلى فى مصر.

ووضعوا السيف فى الجيزة ووسَّطُوا عشرة آلاف رجل ، وما منهم إلا من أخذوا ما له وسَبُوا حريمه . فإذا أدعى أحد أنه حَضَري (ليس من العرب) قيل له: ” قل دقيق” فإن قالها بقاف العرب قُتِل (!!). ثم عاد العسكر فى16 رجب وقد خلت البلاد بحيث كان الرجل يمشى فلا يجد فى طريقة أحد، وينزل بالقرية فلا يجد إلا النساء والصبيان الصغار .

– فى عام(702هـ) السلطان [ المملوكى] يوقف الأذان ” حَي على خير العمل ” فى مكة ، وعدم أمامه الزيدى فى الحرم، ومنع التمسك بالعروة الوثقى أو مس المسمار الذى فى الكعبة .

– وفى نابلس إنفرد الحنابلة بالصيام والعيد عن باقى المذاهب فلم يجتمع المسلمون من يومها. (تفريق كلمة المسلمين على أوهى الأسباب).

– إبطال عيد الشهيد (للنصارى) فى مصر. ومنعت نزهات مراكب النيل مقابل شبرا، لشيوع المنكرات. (التى لم تكد تتوقف فى مصر، حسب وقائع أوردها المقريزى فى جمل جامعة وصاعقة مثل صدمات الكهرباء)..

– ظهر الشيخ نور الدين البكرى فى القاهرة يهاجم الكنائس والنصارى ويزدرى السلطان فى وجهه فطرده السلطان من مصر .

– وظهر من حي الحسينة فى مصر شخص يركب فرس ويمسك سيفاً يضرب به اليهود والنصارى وكان يدعى (على بن السارق) فضُرِبَ عنقه .

وهكذا توالت الفتن ـ بشتى أنواعها ـ فظهرت الفتن المذهبية على يد الحكام فى مكة . ثم الشيوخ الحنابل فى فلسطين . وشيوخ فى مصر ، إلى الفارس إبن السارق الماسك سيفه .

– فى خضم ذلك كان السلطان الناصر محمد قلاوون ـ قبل أن يَقْتُل السلطان السابق له المظفر بيبرس، يشرح له، قبل بل أن يطيح برأسه، أسباب حقده وإنقلابه عليه، لأنه (لم يعطه حلوى ولا أَوِز مشوي )!! .

– فى عصورالإنحطاط .. لا توجد أى مشكلة فى إختراع أسباب للفتن وسفك الدماء ولو تحت دعاوى الظلم فى توزيع الحلوى والأوز المشوى ، وصولا إلى الإمساك الجاهل بالسيف جهادا فى سبيل الله.

وقتها يكون قتل الجار المسلم أولى من محاربة العدو الكافر الصائل .

 

***

 

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية (2 من 2 )

فى غياب إبن العلقمى ، من أسقط الخلافة العثمانية ؟؟

هل هو إبن سعود ؟ أم شريف مكة؟ أم كلاهما ؟؟

وهل كانا من السنة؟؟ .. أم من الشيعة ؟؟

 

 

أفلم يسيروا فى الأرض ؟؟.

وظيفة التاريخ هى أخذ الدروس والعبر، من أجل صنع حاضر أفضل للإنسان. فالتوظيف الإيجابى للتاريخ هى بالتعلم منه . أما التوظيف السلبى فهوأخذ العبر الخاطئة وتوظيفها ضمن هندسة الفتنة داخل المجتمعات والأمم، أو لتكريس الحكم الظالم والغاشم فيها.

– القوى الدولية المعادية للإسلام تسعى دوما إلى ترويج الدروس المغلوطه للتاريخ من أجل إضعاف الأمة بزرع الفتنة بين مكوناتها ، لضمان عدم توحدها فى مقابلة أعدائها المتكتلين ضدها فى أحلاف دولية عظمى .

– والأسوأ من القوى الدولية المعادية ، هى القوى الحاكمة المنحرفة ، المغتصبة للسلطة وثروة الأمة والتى تحظى دوما بدعم وتأييد أعداء الأمة الخارجيين .

– فأنظمة السؤ ـ كما القوى الدولية المعادية للمسلمين ، يهمها إشعال الصراعات الداخلية حتى تنشغل الشعوب بصراعاتها وتظل الأنظمة فى مأمن من يقظة شعوبها .

– زاد علينا فى الزمن الحديث مجموعات تدعى الثورة على الحكام ـ بدوافع شتى منها دعاوى كاذبة بالسعى لتطبيق شرائع الإسلام. وتلك هى الفتنة الأخطر لأنها عدو فى ثياب المنقذ الناصح.

ودليل كذبهم هو متابعة الخط الأساسى للطواغيت فى تقسيم الأمة وإشعال النيران بين مكوناتها ، بشعارات تبدو إسلامية وحماسية.

– الدروس المغلوطة المأخوذة من التاريخ هى أحد أسلحتهم الأساسية ـ إضافة إلى الإستعانة بفقهاء السوء الماضين والمعاصرين ـ لأن الفتنة قائمة ومستمرة منذ قرون ، ومن السهل العثور على تراث قديم يعطى أصالة للفتنة ويعطيها طابع الثبات والديمومة المتوارثة خلفاً عن سلف .

– الفتنة الأشهر فى وقتنا الراهن هى إشعال العداوة والقتال بين السنة والشيعة. فأصر أصحاب المصالح على مواصلة المسير الحماسى فى طريق الفتنة التى تبناها اليهود علنا بطرح كبير مفكرى إسرائيل ورئيس وزرائهم السابق شيمون بيريز،للفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، كأحد ركائز مشروع إسرائيل لبناء إمبراطورة يهودية فى بلاد العرب . فطرح فكرة تحالف عسكرى (إسرائيلى / سُنِّى) ضد أعداء إسرائيل من شيعة ـ و”متطرفين” سنة .

– وسيلتهم فى ذلك هى تشويه التاريخ ، وقراءته لإستخراج دوافع مصطنعة تدعو للفتنة بين السنة والشيعة . ومن أهم دعاويهم هى القول بأن”الشيعة” فى شخص “إبن العلقمى” الوزير الشيعى فى بلاط آخر خلفاء بنى العباسى هو الذى أسقط الخلافة العباسية متعاوننا مع التتار.

معتمدين على شيوع الجهل بالتاريخ ، وعلى سياسة التجهيل، وتسطيح عقول المسلمين بحيث تتقبل الأفكار الجاهزة سهلة الترديد التى يؤكدون عليها بالصياح الدائم والتديُّن المصطنع.

– رأينا “المقريزى” أحد أوثق المؤرخين لفترة العصرالإسلامى الوسيط، وكيف أنه ألقى الضوء على إجمالى ظروف المسلمين وما حولهم من قوى دولية ، بما أدى فى النهاية إلى سقوط (دولة الخلافة) فى بغداد، والتى كانت عند سقوطها كيانا صوريا لا يمثل أى قيمة حقيقية للمسلمين . وأن ضعف “خلفاء” بنى العباسى وفسادهم كان من أهم أسباب زوال ملكهم . وليس مجرد ظهور وزير فاسد فى بلاط حاكم “خليفة” فاسد وضعيف. فى دولة كانت هى الأعظم فى العالم لقرون عديدة.

– حكامنا الفاسدون ، وجماعاتنا العاجزة (والفاسدة أيضا) بحثت فى التاريخ عن ذريعة طائفية لتأجيج العداوة بين المسلمين ، فإدعت أن وزيراً شيعياً هو الذى أسقط الإمبراطورية !!. وتاريخ تلك المرحلة ـ وهو مازال بين أيدينا ـ يكذِّب ذلك الإدعاء جملة وتفصيلا ـ رغم أن مُدَوِّنيه هم من علماء التاريخ السنة .

ومازالت تلك أشهر أكاذيبهم الطائفية : أن إبن العلقمى الشيعي ـ ولأنه شيعي ـ هو من أسقط دولة الخلافة العباسية  !!.

 

 

مَنْ “علقمى” إسقاط الخلافة العثمانية؟؟ .

 ومَنْ “علقمى” ضياع فلسطين ؟؟.

الوسيلة الثانية ، هى الأخرى غير أخلاقية وليست منصفة إذا كان لديهم إنصاف أصلا .

الخدعة هنا هى وصم كل مذنب أو جانى أو منحرف أو خائن سواء كان فردا أو جماعة ـ أو حتى حاكما ـ بهويته المذهبية إن كان شيعيا ـ أما إذا كان سنياً ـ وهذا هو الأغلب كَوْن السنة هم الأكثريه العددية ، وأصحاب الدولة والقرار فى معظم فترات التاريخ ومعظم بلاد المسلمين . فى هذه الحالة توصف أفعالهم بمواصفاتها العملية بدون التطرق إلى مذهب الجانى أو المتهم .

ورغم أن فعل “الخيانة” مثلا هو مدان من الجميع ولكن يوصف الجانى بأنه “خائن شيعى” إذا كان شيعيا ـ أما اذا كان سنياً فإنه خائن فقط . هذا إن لم يكن فى الإمكان تجاهل الحادث و إخفائه داخل سياق كبير آخر .

– لديهم إبن العلقمى هو الذى أسقط دولة الخلافة العباسية ـ لأنه شيعى رغم أن التاريخ يعطيه دوراً صغيرا جدا فى ذلك الحدث . وأن الدور الأهم معلق برقاب المتآخرين من خلفاء بنى العباس أنفسهم .

– ولكن شريف مكة وعبد العزيز آل سعود، وقائدهم لورنس البريطانى الذى أعانوه بالرجال على قتال جيش الخلافة التركية وطرده من جزيرة العرب ثم فلسطين والشام . وبالتالى سقوط فلسطين فى أيدى اليهود . كل ذلك نادرا ما يذكروه ـ على الأقل بنفس حماسهم لإبن العلقمى . ولا ينسبوه أيضا الى مذهب القائمين بتلك السلسلة من الجرائم ـ من أهل السنة ـ إن جاز لنا إستخدام التعريفات الطائفية .

أليس هؤلاء” السنة” هم من أسقطوا دولة الخلافة العثمانية ؟، وذلك مؤكد وشواهده مازالت ملموسة حتى هذه اللحظة ؟ . فلماذا لا يطبقون على ذلك الحدث الكارثى القانون الطائفى المفضل لديهم ؟. تلك أحداث يراها الأتراك خيانة لهم ـ وذلك صحيح ـ إذ جاءت دعما صريحا للكفار “الإنجليز” ضد المسلمين الأتراك. وترتب على تلك الأعمال هزيمة الأتراك فى الحرب وبالتالى ضياع فلسطين . فما هى الهوية المذهبية “لعلاقمة” فلسطين؟ ، أى من باعوها لليهود بعد أن أسقطوا آخر خلافة فى تاريخ المسلمين وهى الخلافة التركية؟.

– حتى التاريخ الحديث يحرفونه ويهيلون عليه تراب التضليل لإخفاء الحقائق وتجهيل الناس، بالصراخ والتكرار الدائم، لخلق حقائق من الأكاذيب .

 

الصفويـــــــة :

– ثم أسطورة أخرى يتعلقون بها وهى الدولة الصفوية الشيعية فى إيران وأنها تآمرت مع الإنجليز ضد دولة الخلافة التركية.

حتى أن أدبيات هؤلاء الغيارى على (دولة الخلافة) تعتبر كلمة صفوي من السباب المُنْكَر .

وكالعادة يعتمدون على شيوع الجهل بين المسلمين ـ خاصة الجهل بالتاريخ حتى من مصادرة الاسلامية الموثوقة ـ السنية طبعاً .

فلا أحد يقرأ عن الأحوال الحاضره ناهيك أن يقرأ عن التاريخ، البعيد منه والقريب . ولكن لحسن الحظ ان المصادر التاريخية مازالت موجودة، ولكن الناس لا يقرأون، والحكام وجماعات السؤ يعتمدون على ترويج الثقافة الشفوية ، من خطب ، وشعارات ، وصيحات ،  وعلى الأكثر مقابلات تلفزيونية . ولاشئ من ذلك قائم على منهج علمي صحيح فى البحث. فقط صياح وسباب ، وعروق نافرة وحناجر صارخة.

 

صدمة تاريخية :

الصفويون ، شوافع صوفيون / يجمعهم عرق واحد مع العثمانين .

( إعتمدنا على ويكيبديا كمصدر معلومات فى هذا الجزء).

نشأت الطريقة الصفوية كطريقة صوفية لأهل السنة والجماعة على المذهب الشافعى. والمؤسس (صفى الدين الأرديبلى) هو من تولى قيادة الطريقة التى كان مركزها مدينة جيلان .

وكان أغلب أتباع الطريقة الصفوية هم من الأتراك الأوغوز. وهم قبائل من آسيا الوسطى وأذربيجان . وكانوا معروفين باسم قزلباش وكانوا مصدر قوة الصفويين عسكريا وسياسيا .

وهم من نفس الأصل العرقي لأتراك الأناضول الذن أنشأوا الدولة العثمانية، ومن قبلها الدولة السلجوقية . فالصفويون والعثمانيون لهم أصل تركى واحد، وهو الأوغوز .

مؤسس الأسرة الصفوية ــ شاه (إسماعيل الأول 1501ـ 1524) ــ أسس دولته مستفيدا من إضمحلال الإمبراطورية التيمورية (1370ـ 1506 ) وكانت إيران منقسمه سياسيا، فإستطاع الشاه إسماعيل توحيد كل الأراضى تحت قبة الإمبراطورية الإيرانية التى أقامها .

 

تنزيل المقالة الكاملة (سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ) : اضغط هنا

 

 

الصراع العثمانى الصفوى : صراع إمبراطورى وليس مذهبى .

– [ جاء فى موسوعة ويكيبيديا: إنه لمن حسن حظ الغرب المسيحى أنه بين عامي (1577م ـ  1638م) حين كانت فرنسا أولا ثم ألمانيا من بعدها ، قد شلت حركتها الحروب الدينية، أن الأتراك كان يمكن أن تصل حدودهم الغربية إلى فينا ـ وجَّهوا كل طاقتهم إلى فارس ] .

{ ملاحظة الكاتب :  يمكن إدانة العثمانيين على حرف إتجاه غزواتهم من أوروبا فى الغرب إلى بلاد فارس فى الشرق . ولكان تاريخ المسلمين والعالم ، مختلفا تماما لو أنهم سيطروا على النمسا ثم واصلوا قُدُما ، لكانت أوروبا داخل نطاق الإمبراطورية العثمانية. ولكن إستدارتهم الحادة صوب الشرق حيث لا تهديد يستدعى ذلك، سوى الطمع فى فتوحات سهلة فى فارس الضعيفة الممزقة ، وما فيها وخلفها من مجال إسلامى ضعيف وعظيم الثروات. لقد فاز العثمانيون مؤقتا ولكنهم تركوا للأمة داء العداء الطائفى مستعراً كنتيجة أشعلوها متعمدين لتبرير ترك القتال مع كفار أوروبا والتوجه إلى مسلمى الشرق ، فكان من المفيد للعثمانيين تكفير مسلمى الشرق لأنهم شيعة ، لتصبح الحرب جهادا ويبقى الحماس الدينى مشتعلاً. فغطاء الصراع المذهبى كان جاهزا للتمويه على النزعة الإمبراطورية التوسعية للعثمانيين . يلاحظ أن الإمبراطورية الروسية كان لها نفس الخيار، أى ترك التوسع غرباً فى أوروبا والتوجة شرقا نحو الممالك الإسلامية الأضعف والأغنى والممزقة أكثر } .

– ونتيجة سلسلة من الحروب المتواصلة تقدم الأتراك نحو الفرات والقوقاز وبحر قزوين ، مستحوذين على العاصمة الفارسية الجديدة تبريز. وبعد موت الملك الثانى من الأسرة الصفوية فتح الأتراك الولايات الفارسية : العراق ، لورستان ، خوزستان ، وضموها إلى أملاكهم .

وفى نفس الوقت جاء الأوزبكية من بلاد ما وراء النهر وإستولوا على هيرات ومشهد ونيسابور وإجتاحوا الولايات الفارسية الشرقية .

فى عام 1578 م ـ إرتقى العرش الشاه عباس (الملك الخامس فى الأسرة الصفوية وأعظم ملوكهم شأناً ) وهو فى الثلاثين من العمر ، دون أن تكون له عاصمة ، عقد الصلح مع الأتراك ، ثم تقدم شرقاً ليقابل العدو الأصغر شأنا والأقل نفراً. وبعد حروب دامت أعواما إسترد هيرات وطرد الأوزبكية من فارس ومات بعد ذلك متلهفا على ملاقاة الأتراك ، ولكن الخسائر والأحقاد القبلية كانت قد إستنزفت جيشه الذى كانت تعوزه أحدث وسائل الفتك والتدمير .

 

الإتصال بالغرب :

وحوالى تلك الفترة(1598م) وصل من إنجلترا إلى بلاد فارس فى بعثة تجارية إنجليزية مغامران هما سير أنطونى شيرلى وأخوه الأصغر روبرت ، يحملان هدايا ثمينة وخبرة عسكرية ، وكان برفقتهما خبير فى صنع المدافع . وتمكن الشاه عباس بمساعدتهما من إعادة تنظيم جيشه ، وزوده بالسيوف والبنادق. وسرعان ما توفر لديه 50 مدفع وقاد قواته الجديدة ضد الأتراك وطردهم من تبريز(1603) … فأرسل إليه الأتراك جيشاً عروماً قوامه مئة ألف رجل، هزمه عباس بستين ألف (عام 1605)، وإسترد بذلك أذربيجان وكردستان والموصل وبغداد وإمتد حكم عباس من الفرات إلى السند .

{ملاحظة 1 : لأجل إنتصاراته وإستفادته من تكنولوجيا الإنجليز ، يتهمون الشاه عباس بالتعاون مع الإنجليز ضد دولة “الخلافة العثمانية”. للإيحاء بأن الصراع كان دينيا، بينما هو فى الواقع صراع إمبراطوريتين كل منهما تود إبتلاع الأخرى أو زوالها . فى صراع أطماع ومصالح يلزمه شعارات دينية للتلطيف، وخداع العوام وسوقهم إلى الحرب.}

{ ملاحظة 2 : أخطأ العثمانيون بتكفير الشيعة وإعلان الحرب عليهم . فتحولت مسيرة الحرب جذريا من صراع على الأرض والموارد، إلى صرع دينى إستئصالى . ساهم ذلك بلا شك على إلتفاف الإيرانيين حول ملكهم الصفوى ، والإستبسال فى حرب شعارها العملى النصر أو الموت  فانتصروا وثبتت دولتهم فى مقابل الأتراك الأقوى والأكبر .

وهذا الخطأ تكرر مرة أخرى فى حرب سوريا فى عام 2001 . فقد أعلنت الجماعات السنية عن حرب إستئصال مذهبى ضد الشيعة (والنصيريين). بل وشملت حربهم باقى الأديان والطوائف. فتكتل معظم الشعب ضدهم . وقاتل الشيعة قتال الحياة أو الموت،  فانتصروا فى حرب هددت وجودهم المادى ، وفشل الجهاديون لأنهم خاضوا حربا بالنيابة عن المعسكر الغربى ودول الخليج. ولأن إنتفاضة شعبهم كانت فى الأساس إنتفاضة مطلبية وليست دينية . ثم تراهم يبكون الآن من وحشية الشيعة وخطرهم على الأمة الإسلامية(كلها) وليس عليهم فقط . فذلك أسهل من الإعتراف بأخطائهم . بل تراهم يدعون الأمة كلها لأن تكرر نفس الأخطاء وتتابع سيرها فى طريقهم .. طريق الخراب الطائفى .

فى تلك الحروب الدينية الإستئصالية تكون جرعة العنف والوحشية خارج التصور وخارج السيطرة ، وتكون الغرائز البدائية هى القائد الحقيقى فى الميدان. فلا مجال لأن يدعى أى طرف بأنه كان مقاتلا ملائكيا، فى حرب إستئصال، أياً كان مبعثها دينى أو قومى.}

 

فخامة فى الألقاب .. وتدنى فى الأعمال :

ألقاب رنانة مثل “دولة الخلافة الإسلامية” و “خليفة المسلمين”، يستخدمها أهل الفتنة بكل تقديس، فقط عند إشعالهم الخصومة والكراهية والقتال بين المسلمين .

وكثيرا ما كانت تلك المسميات”المقدسة” تخفى حقائق مخزية مثل ما أوردناه عن آخر “الخلفاء” العباسيين ، أو عند صراع “الصفويين” مع “دولة الخلافة التركية”، ليتضح أن التقديس الزائد كان بهدف التمويه على جريمة أطماع توسعية ــ غير شرعية ــ لأنها على حساب المسلمين أنفسهم ــ ومطلوب صرف إنظار المسلمين عن تلك الجريمة.

 

عبادة الفرد .. وأنصاف لآلهة:

قادة العمل العام ، ومن يتولون قيادة المسلمين فى ميادين السياسة أو الحرب أو الإعلام أو الفكر ، لابد وأن يستدعى الحال مناقشتهم ، وأحيانا محاسبتهم ، وربما توجيه الإتهام إليهم ـ عن حق أو باطل ـ المهم أنهم قد يصبحون فى موضع المحاسبة العامة كما كان (الخلفاء الحقيقيون) أى الراشدون . وسيرة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، موضع إشادة وتمجيد المسلمين فى الخطب والمقالات، أما فى التطبيق .. فلا .

– فهل يمكن لأحد أن يوجه سؤال أو إتهام ـ إلى شخصة من(أنصاف آلهة) مثل حسن البنا أو عبدالله عزام أو أسامة بن لادن أو حتى البغدادى؟؟.هذا مستحيل خاصة فى أوساط المؤيدين التابعين أوالعابدين الطائعين. فمهما كانت الشخصية هامة فيجب ان تخضع للفحص والمساءلة  وأن تجيب وتشرح بالحق وليس بالمكابرة والباطل ـ تقوم هى بذلك أو يقوم عنها قوم يفقهون.

– لهذا  ننظر بريبة شديدة إلى إغداق الألقاب الدينية والعلمية على شخصيات ممن تعرضوا للعمل العام : جهادى أو سياسى أو دعوى.

فما معنى أن نطلق على رئيس تنظيم لقب”إمام”؟. أو على مدير مكتب إغاثى لقب”إمام” أو”مجدد”؟؟.  وبالمثل ألقاب مثل”حكيم الأمة”، أو قادة تنظيم بأنهم “مشايخ الأمة”. فما هو الدليل؟ .. ومن هى تلك الأمة التى تستباح ألقاب دينها لتصبح دروعا لأى عمل منحرف، ومانعا من مناقشة القادة الحساب كبشرعاديين مثل باقى الأمة؟.. إن تقديس هؤلاء وأمثالهم هو مقدمة لتقديس أعمالهم على ما فيها من صواب أو خطأ . وإخراس الألسن عن أى نقاش جاد  وإستمرار حماية مسيرات الإنحراف تحت مظلة دينية .. ولكن لمصلحة من ؟؟ .

 

الشيعة هم السبب !!

إستخدام تلك الذريعة أو شبيهات لها ـ ليس مبعثها غيرة دينية ، بل نزعة إجرامية للتستر على مصادر الخطر الحقيقى الذى يهدد الأمة .

فلم يكن إبن العلقمى هو سبب سقوط الخلافة العباسية ـ بل السبب الأساسي كان فساد(مؤسسة الحكم) وتحول”الخلافة” إلى “مُلك عضود” ـ إستبد فيه المَلِك “الخليفة” بالقوة المسلحة التى تدعمه، واستبد بالقرارالسياسى المتسربل زورا بالدين ، وإستبد بأموال المسلمين “بيت المال” الذى أصبح خزينة خاصة للخليفة (ينفق منها كيف يشاء على نزواته وعلى حاشيته ، وعلى مناصريه المسلحين (قبيليه أوقبائل) لتثبت حكمه وديمومة سلالته فوق رقاب المسلمين.

فساد مؤسسة الحكم أفسد الطبقة الدينية من علماء وفقهاء ، وساقهم الملك فى ركابه بإرهاب السيف أو بإغراء الذهب. ولم يكد يشذ عن الخضوع إلا قلة نادرة، لدرجة أن التاريخ إستطاع أن يحصر أسماءهم ويحفظ سيرتهم ، وكان ذلك سهلا نظراً لقلتهم أو ندرتهم .

– وإذا لم تجد مؤسسة الحكم الفاسدة خصما مذهبيا تنعته بالكفر ، إستدارت إلى أى فئة تمردت أو أظهرت شيئا من العصيان ، فنعتوها بالتجديف أو الإنحراف الدينى. وأطلقت عليهم نيران جهاز الدعاية الدينية فى المساجد والشوارع ـ ثم (القوات المسلحة) تحصدهم بالسيف فى كل مكان، وبلا رحمة أو وازع من دين أو ضمير .

– الذريعة المذهبية أو العرقية هى وسيلة للتستر على فساد منظومة الحكم . وصرف النظر عن جذور المشاكل الحقيقية التى تواجه الأمة. وصرف الأنظار صوب الإختلافات المذهبية وتصعيدها إلى درجة التكفير ، وإستنفار الأمة للقتال المذهبى ، تحت شعار الجهاد .لأنه الشعار الدينى المقبول الذى يمكن أن يجعل من القتال فريضة دينية وليس مجرد فتنة مفتعلة .

– يساند ذلك مغالاة مقيتة فى قدسية المنحرفين بداية من “الملك” أو “الخليفة” وصولا إلى أعوانهم بمنحهم المراتب الدينية والصفات القدسية العاليه بدون وجه حق . وهو ما نشاهده فى الجماعات الدينية الحالية التى تمنح قادتها مراتب تكاد تلامس درجة النبوة ، مثل مرتبة الإمام والعلامة والمجدد والفقيه. كل ذلك بدون مسوغ مقبول لمنح تلك الدرجات الدينية الرفيعة.

 

تنزيل المقالة الكاملة (سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية ) : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري  
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )  /  01/07/2021

www.mafa.world

 

سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية

 




السفارات .. لتحقيق مصالح وليس للمباهاة

السفارات .. لتحقيق مصالح وليس للمباهاة

السفارات .. لتحقيق مصالح وليس للمباهاة

–  تبادل فتح السفارات لا يتم الا عندما تتحقق منه فائدة عملية ، مع الأمن من شرور التدخل الخارجى .

–  عدم تبادل فتح السفارات مع أى دولة لا يعنى إعلان الحرب ، بل يعنى أن العلاقات معها غير عملية فى الوقت الراهن .

–  السفارة الأمريكية فى بغداد تدير العراق كله ، وتشعل الفتن وعمليات الإنفصال، وتشعل العداوة مع دول الجوار .

– عاصمة الإمارة الإسلامية هى التى تعطى الشرف لأى سفارة تسمح لها بالعمل. ولن ينال هذ الشرف أيا كان ـ وهو أبعد ما يمكن عن أمريكا زعيمة الشياطين ، ورأس كل خطيئة .

 

 

إفتتاح السفارات بين الدول ليس للتفاخر أوالمباهاة ، بل يخضع لمعايير المصالح المشتركة، خاصة فى الإقتصاد ،  أو العمل السياسى ، أو التبادل العلمى والثقافى.

إفتتاح سفارة فى بلد ما هو عمل مُكْلِف إقتصاديا ، ولابد من وجود فائدة عملية تبرر ذلك . فالسفارة ليست مقهى لتبادل الأحاديث وشرب الشاى، وليست نادى للعلاقات العامة. لهذا لا تقيم الدول سفارات لها فى الخارج إلا بحساب، وعندما تستدعى الضرورة ، أو تُرْجَى الفائدة.

فقيمة أى دولة لا تحددها كمية السفارات التى تقيمها فى الخارج ، أو تلك السفارات الأجنبية المقامة فوق أراضيها . كما أن قيمة الدولة غير متوقفة على تمثيلها فى الأمم المتحدة. بل قيمة الدولة نابعة من قوة بنيانها العقائدى والأخلاقى ، ثم بنيانها الإقتصادى والخدمات التى تقدمها لمواطنيها من تعليم وعلاج. ويحمى ذلك كله نظام دفاعى يحفظ المجتمع من الأخطار الخارجية ، ونظام عادل وكفء يحمى الأمن الداخلى من الجريمة .

– الإمارة الإسلامية تريد علاقات طبيعية مع جميع الدول(ماعدا إسرائيل بالطبع). ولكن تبادل التمثيل الدبلوماسي وفتح السفارات لن يتم إلا عندما تتحقق منه فائدة عملية ، مع الأمن من شرور التدخل الخارجى ، أو أن تتحول “سفارة ما” إلى وكر تجسس لهدم بنيان الإمارة وسلامة المجتمع.

–  وعدم تبادل فتح السفارات مع أى دولة لا يعنى إعلان الحرب عليها ، بل يعنى أن العلاقات معها  غير عملية ـ فى الوقت الراهن على الأقل ـ

 

شرط حفظ الأمن و الإستقلال :

 فى أفغانستان رأينا كيف أن سفارة الإتحاد السوفيتى كانت وراء الإنقلاب الشيوعى ، ثم الغزو السوفيتى لأفغانستان.

والسفارة الأمريكية فى كابول لا يقل دورها إجراماً ، كأحد إدارات الإحتلال الأمريكى لأفغانستان. وسوف يكون لها دور أكبر فى المستقبل ــ إذا سُمِح لها بالإستمرار ــ فى إدارة حرب سرية وتدخلات عسكرية وإستخبارية ، صرح مسئولون أمريكان بلا خجل بأنها ستحدث عند الحاجة إليها.

الدول الإستعمارية تستغل سفاراتها فى التجسس والتخريب والتأثير على الأوضاع السياسية ، وفتح مجالات السيطرة لشركاتها . ولا تراعى القوانين الدولية التى من المفروض أن تنظم العمل الدبلوماسى بين الدول .

فالقاعدة العامة هى تدخل السفارات الأمريكية فى شئون الدول المضيفة. فأمريكا لا تترك بلداً يدير شئونه بعيدا عن أوامرها . فإذا حاول الإستقلال دبرت ضده الثورات الملونة أو الإنقلابات العسكرية ، وعملت بأموالها على شراء السياسيين والكتاب والصحفيين ، ومَوَّلَت حركات التمرد ومؤسسات “المجتمع المدنى” التى تعمل كأجهزة تجسس أمريكية .

وتثير سفاراتها على الدوام أزمات حول ما تسميه” حقوق الأقليات” و” حقوق المرأة” إلى آخر الحقوق التى هى ذرائع للتدخل وإرباك الأحوال الداخلية. لتفسح لنفسها مجالا لتوجيه الوضع السياسى ، ومجالات تَدَخُّل أمام شركاتها لنهب البلد.

 

سفارات أمريكا .. للتدخل والتآمر

 من الأمثلة التاريخية التى لا تنسى ، ذلك الإنقلاب العسكرى الذى دبرته أمريكا على حاكم دولة “تشلي” فى سبعينات القرن الماضى . ذلك الإنقلاب الذى أزهق حياة عشرات الألوف من المدنيين ، وأعطى الثروات المعدنية للشركات الأمريكية ، وألغى كل الحقوق والحريات التى كان يتمتع بها الشعب . ولا توجد ثورة مضادة هدمت نظاماً مستقلاً إلا وكان للسفارات الأمريكية الدور الأساسى فيها . فهى ليست سفارات بقدر ما هى إدارات للتجسس وترتيب العمليات القذرة والتدميرية ضد الدول التى تستضيفها .

– الدول التى تريد الإستقلال والسيادة لشعوبها ، سوف تواجهها أمريكا بالحصار السياسى والهجوم الإعلامى ، والحرب الإقتصادية ، والإضطرابات الداخلية والتمردات المسلحة التى تقود إلى شلل الدولة وإسقاط النظام وقد يصل الأمر توريطها فى حرب مع دول مجاورة.

فإذا صمدت الدول المستهدفة ، فإنها تنجح فى تحقيق ما تريده من سيادة وإستقلال وحفظ الثروات العامة وتنميتها .

–  ومن الأمثلة المشهورة للدول التى بنت نفسها رغم الحصار السياسى والإقتصادى والتشويه الإعلامى ، كانت الصين الشعبية التى سلبوا منها إعتراف الأمم المتحدة ، ومقعدها الدائم فى مجلس الأمن الذى أعطوه لأحد جزرها المتمردة “فرموزا”. ورغم ذلك فالصين ـ وبعد عشرين عاما من الحصار التام ـ تنافس الولايات المتحدة على المركز الأول إقتصادياً .

وهناك الإتحاد السوفيتى الذى فرضت عليه أمريكا وحلفاؤها عزلة أسموها “ستاراً حديدياً” ولكنه تمكن من بناء دولة عظمى كانت هى القطب المواجه لأمريكا والتحالف الغربى كله لعقود عديدة. ولولا حماقة الإتحاد السوفيتى وغزوه لأفغانستان (وهو الغزو الذى مهدت له السفارة السوفيتيه فى كابل) لكان السوفييت الآن هم القوة الثانية وربما الأولى عالميا . ولكن الشعب الأفغانى قضى على الإتحاد السوفيتى فى حرب إستمرت حوالى عقد من الزمان فسقط السوفييت إلى الأبد .

والآن الولايات المتحدة تواجه الإنهيار فى عقر دارها ـ بعد حرب إستمرت حوالى عقدين مع شعب أفغانستان ـ ويهرول الجيش الأمريكى إلى بلاده الواقفة على شفير حرب أهلية. حرب ربما ينقسم فيها الجيش إلى جيشين، شمالى وجنوبى، كما فى الحرب الأهلية الأولى فى القرن التاسع عشر.

 

تبادل السفارات لتقوية الإقتصاد .. مع حفظ الأمن :

وأمامنا السفارة الأمريكية / بالغة الضخامة/ فى بغداد، والتى تدير العراق كله ، وتشعل فيه الفتن والحروب الأهلية ، وترعى هيمنة الشركات الأمريكية على العراق خاصة فى مجال النفط .

وتشرف على تخريب علاقة العراق مع دول الجوار فى إيران وتركيا وسوريا . وتدير جيش ضخم من العملاء والجواسيس فى مختلف المجالات. ويرى البعض أنها الحاكم الحقيقى للعراق.

وترتب السفارة عمليات إنفصال داخل العراق، يمكن تنفيذها فى أى وقت تراه مناسباً . أما القتال الداخلى الذى تشرف عليه فلا يكاد يتوقف.

–  تبادل فتح السفارات هو جزء من العمل السياسى للدولة، ويدار ضمن خطة متكاملة تراعى المصالح العليا فى الإقتصاد والأمن ، بعيدا عن العشوائية والإرتجال والتصريحات المنفلتة.

وأفغانستان هزمت ثلاث إمبراطوريات فى أقل من قرنين من الزمان . وهذه المرة بعد تنظيف الساحة الأفغانية من رجس الإحتلال الأمريكى سوف تشرع، تحت قيادة الإمارة الإسلامية، فى بناء دولتها القوية وحضارتها الإسلامية . ولن تبالى بأى تدخل من أمريكا أو حلفائها . فقد هزمتهم فى الحرب المباشرة ، وسوف تهزمهم فى أى مواجهة قادمة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة .

ولكن الإمارة ستكون أكثر حذراً فى إقامة أوكار تخريب تحت مسمى الإعتراف السياسى، وتبادل فتح السفارات. فالإمارة تبدى نواياها الطيبة للجميع .. ولكن خداعها غير ممكن .

–  فبعد أن هَزَمَت أفغانستان ثلاث إمبراطوريات عظمى ، فإن وجودها يعطى للعالم كله قيمة ومعنى. وعاصمتها هى التى تعطى الشرف والقيمة لأى سفارة تسمح ها بالعمل فوق أراضيها.

ولن ينال هذا الشرف أياً كان . فبعد عقدين من العدوان الظالم والهمجى يبدو هذا الشرف أبعد ما يمكن عن أمريكا … زعيمة الشياطين ، ورأس كل خطيئة.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

السفارات .. لتحقيق مصالح وليس للمباهاة

 

 




العدالة الخوارزمية

العدالة الخوارزمية

العدالة الخوارزمية

 

على قدر تراجع الجَزْر ، يكون إرتفاع المَدْ القادم . إنه قانون الفعل ورد الفعل المتساوى فى المقدار والمخالف فى الإتجاه . إلا إذا وقع زلزال فى قاع المحيط عندها يتحول المد إلى  “تسونامى” جبار ومدمر.

 مرة أخرى يتصدع الإسلام بشدة فى بلاد العرب ، وينحط شأن المسلمين . ويتسع نطاق الفتنة ، حتى دخلت فى كل بيت . ومن كل الجهات إنقض المتكسبين بالفتن وآكلى لحوم الأمة . ومن كان قليل الشك إكتملت لديه الخيانة . والمؤمن بالكاد يتمسك بما تبقى لديه من جمر الدين.

وأحتل اليهود قلب بلاد المسلمين وأمسكوا بجميع المقدسات بين أيديهم ودنسوها. فأصبح المتوقع هو طوفان التسونامى وليس أمواج المد الطبيعى .

– قبل ثمانية قرون ، عندما  أطبق سيل المغول على بلاد المسلمين من حدود الصين وصولا إلى حدود مصر ، وسقطت خلافة بنى العباس فى بغداد، فكأنما سقطت السماء على الأرض.    واعتقد أكثر الناس أن الإسلام هو الذى إنهار ، فصنع أكثرهم مراكب من نفاق كى تطفوا بهم فى لجج الكفر المتلاطم .

الصليبيون عملوا مثل السندان على شواطئ المتوسط ، ليتكاملوا مع مطرقة المغول فى طحن الشعوب المسلمة . فإضطرب الناس ، وكأنه يوم الحشر ، وصار الموت والجوع والخوف ضيوفا دائمين على كل بلد وفى كل بيت .

الملوك أظهروا الخيانة من أجل البقاء فوق كراسيهم . فخضعوا للمطرقة المغولية أو للسندان الصليبى ، أو تقلبوا فى الولاء بينهما. الملوك والأمراء والقضاة وقادة الدين والدنيا  تكالبوا على أموال المغول ومناصب دنياهم الوثنية الجديدة .

المغول شجعوا الفتن الداخلية ، وحرضوا المسيحيين واليهود على الأكثرية المسلمة من أهل البلاد . فتطور الأمر من الإذلال وسلب الأموال، وصولا إلى إهانة المعتقدات وسفك الدماء.

إلى أن بدأت الدورة العكسية لآلة الزمن فى العمل . وبعد الجَزْر الإسلامى تحركت المسيرة صوب المد. فصمد أمراء المماليك فى مصر وتماسكوا ، فهزموا آخر الحملات الصليبية التى حاولت إحتلال مصر ، وأسروا ملك الفرنجة وهزموا جيوشه هزيمة منكرة . ثم التفتوا صوب السيل المغولى الذى أغرق الشام ، وأخذ يدق أبواب مصر من بوابة غزة .

ومن رماد الهزيمة سطع أمل الإنتصارمع الخوارزمين من مسلمى التاتار وبقايا أبطال مملكة خوارزم فى آسيا الوسطى ، وجيشهم الذى يتحرك مثل صواعق الموت ، فتضرب المغول الوثنيين كلما تمكنت منهم ، أو تضرب ـ وبنفس الشدة ـ المسلمين فى بلاد إستسلمت لليأس ولم تعد شعوبها تقوى على رفع السيف أو حتى العصي .

إنبعثت بقايا النخوه الأيوبية فى بلاد الشام . وأتراك الأناضول أخذوا يناضلون للوقوف على أرجل أكثر صلابة من أقدام دولة السلاجقه المتصدعة ، وهم فى تماس دموى مع مطرقة المغول الذين شاركوهم فى هضبة الأناضول ، وتماس مع السندان الصليبى الضاغط عليهم من السواحل.

 سلطان مصر مع جيشه حطموا المغول فى عين جالوت فتحررت دمشق، واعتدل الميزان فيها من جديد . وكل من أهان المسلمين وسفك دماءهم وسرق أموالهم دفع مكافئ لأفعاله مع فوائد مناسبة . فتحرر شعب دمشق وقتل من قتلوه وفى مقدمتهم المسلمين الذين تعاونوا مع المغول ، واستعاد أمواله ومساجده.

أحفاد صلاح الدين الذين قسموا الشام بينهم إلى ممالك ، كان أحدهم قد تبرع للصليبيين بالقدس. فعاد الصليبيون لرد جميل صلاح الدين وعفوه الكريم عنهم ، ولكن بسفك دماء المسلمين وإستباحة أموالهم وأعراضهم . فصعدوا إلى قبة الصخرة جاعلين منها خمارة، ورفعوا فوقها الصليب والأجراس، مستفيدين من صراعات ملوك الأيوبيين فى الشام ومصر.

لكن الإنتقام الخوارزمى طالهم فى القدس . فلم يُبْق الخوارزميون على صليبى واحد فى القدس.. قتلوا الجميع . وحتى الموتى من الصليبيين نبشوا قبورهم وأحرقوا رفاتهم . كانت العودة قوية ومنتقمة ورهيبة ، حتى إنعقدت ألسن المؤرخين من هول الأحداث.

من طعنات الخيانة والردة ، ومن حرائق المغول والصليبيين، إنبعث المد الإسلامى الجديد. حتى إنحسرت أمواج الطوفان المغولى ، ولملم الصليبيون بقاياهم تاركين سواحل الشام لأبطال الأمراء المماليك الشراكسة ، ومن معهم من تركمان وأكراد وعرب.

وعلى قدر ما كان التراجع الإسلامى رهيبا وقريبا من الإنهيار ، كان المد التالى له عنيفا وجذريا ومنتقما فى الكثير من نواحيه .

قد يقال إنه قانون نيوتن للفعل ورد الفعل؟؟ ـ لكن من الأفضل أن نتلوا قوله تعالى: {(وإن عُدتم عُدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ) ــ (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة ) ــ ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )}.

وقالت العرب قديما : (إن غدا لناظره قريب). وأهم معانى الجَزْر هى أن المد قادم لا محالة .

دورة التاريخ بطيئة وثقيلة ومرهقة وتُزَلَزِل الناس زلزالا شديدا. ولكن سنن الله لا تتبدل ولا تتوقف (أتى أمر الله فلا تستعجلوه). فكل شئ بمقدار ويتحرك طبق جدول زمنى منذ الأزل.

والخائن سيطاله حتماً سيف الإنتقام إن كان حيا .. وستحرق جثته إن كان جيفة ..

بضياع مقدسات المسلمين وقع الزلزال فى قاع المحيط .. فتوقعوا تسونامى .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

15-08-2020

العدالة الخوارزمية

 

 




مؤتمر الدوحة حول أفغانستان 1

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان :

السلام المراوغ .. وإتفاقية إحلال السراب

(1)

 

 

العناوين :

– ثلاث قوى أساسية تم إستبعادها بالقوة من مهرجان “إحلال السراب” فى الدوحة وهى : الصين ، روسيا ، إيران .

–  الهند وتركيا مدعوتان لتدخل عسكرى مؤثر فى أفغانستان.

– البروتوكول القطرى أوقع وفد طالبان فى مواقف غير لائقة ، ولم يكن محايداً.

 

فى يوم مخادع تم توقيع إتفاقية مخادعة .. تحت إسم مخادع .. هو(إتفاق إحلال السلام فى أفغانستان).

29 فبراير !! .. فى العام القادم لن يجد أحد هذا اليوم حتى يحتفل بإتفاقية إحلال السراب . حتى التوقيت مخادع ، ناهيك عن كتل الخداع المتراكم فى ثنايا بنود الإتفاقية ، أو على الأقل فى الجزء المعلن منها حتى الآن .

كل أربع سنوات يأتى يوم 29 من فبراير ، لتطل علينا ذكرى توقيع إتفاقية السراب فى الدوحة. ولكن بعد أربع سنوات سيكون العالم كله قد تغير عدة مرات .

– بدأ ترامب منذ وقت طويل فى تجهيز المسرح الأفغانى والأسيوى والدولى لخلق أفضل مناخ لتوقيع إتفاق السراب. وفى تقديره أنه لن يخسر شيئا أكثر مما خسره بالفعل. أما إذا كسب ، حسب تقديره أيضا ، فسوف يكسب كل شئ . فسراب السلام سيتحول إلى حبل متين يشنق حركة طالبان ، بتغيير صفتها الحالية كقائد جهاد عظيم لشعب عظيم ، إلى مجرد مصارع داخل حلبة الأطماع .

ومعنى ذلك بلغة المال الذى لا يفهم ترامب غيرها ، فإن ما يقارب الترليون دولار من عوائد الهيروين سوف تستمر فى التدفق فى شرايين الإقتصاد الأمريكى سنويا .

وفى السياسة، التى لا يفهم منها ترامب سوى إستمراره فى الحكم ، فإن إتفاقية إحلال السراب فى أفغانستان تعتبر تأمينا كبيراً يضاف إلى رصيد يراكمه ، خاصة منذ أن بدأ حصاره الإقتصادى على إيران ، وصولا إلى إغتيال جنرال إيران الأشهر قاسم سليمانى على أعتاب مطار بغداد فى عملية شاركت فيها إسرائيل ، وتحديدا أحدى شركاتها الأمنية التى تشرف على(أمن مطار بغداد) . ولا غرابة فى ذلك مادامت نفس الشركة تشرف على أمن بيت الله الحرام فى مكة ، وأمن الأماكن المقدسة فى الحجاز ، وأمن دولة الإمارات من المطارات إلى ملاعب الكرة . فى الواقع فإن الأمن الإسرائيلى وشركاته أصبح مسئولا عن أمن أبقار النفط المقدسة داخل حظائرها الوطنية . ويدير بشكل مباشر أمن دول عربية كبرى . ولإسرائيل دور غير عادى فى حرب أفغانستان وملحقاتها.

 – فى عملية استراتيجية واسعة ـ لا تخلو من البراعة والقسوة ـ أبعدت الولايات المتحدة ولو بشكل مؤقت ، ثلاث قوى كبرى لها إرتباط كبير بأوضاع أفغانستان.

وفى نفس العملية دفعت صوب الساحة الأفغانية قوتان، بإغراء من أدوار جيوسياسية كبرى لكل منهما ، داخل أفغانستان ومناطق أخرى . أو بمعنى آخر ، أدوار لقوى إقليمية ترتفع درجتها فى المسرح الدولى ، بموافقة أمريكا وضمن نظام دولى ترسمه أمريكا وإسرائيل فقط . توزعان فيه الأدوار طبقا لظروف التدافع بين القوى الدولية ، خاصة تلك التى لا يناسبها ما يجرى على ساحة الصراع الجيوسياسى على إمتداد العالم . ونخص بالذكر هنا الصين وإيران وروسيا ، والإتحاد الأوروبى .

وتمهيداً لتوقيع إتفاق إحلال السراب ، فإن القوى التى دفعتها الولايات المتحدة بعيدا عن الساحة الأفغانية هى الصين وإيران وروسيا . وجذبت صوب أفغانستان كل من الهند وتركيا.

القوى الثلاث المستبعدة ، لم تظهر فى “لقْطَة” مؤتمر الدوحة، ولم يكن لها تأثير على قراراته. رغم خطورة تأثير أفغانستان عليهم ، وتأثيرهم عليها ، بحكم الجوار ، وسوابق التاريخ .

بينما حَفَلَ الصف الأول بمن لا صلة لهم بما جرى ويجرى فى أفغانستان . وبمن كان تأثيرهم عليها ضارا وسلبيا .

فإلى يمين وزير خارجية قطر، صاحب الإحتفال، جلس وزير الخارجية الأمريكى “بومبيو” بحجمه الديناصورى وثقل وزنه وظله ، متصدرا المهرجان الذى كان مناصفة بين مناسبتين تنافستا فى الأهمية ، وهما مناسبة توقيع إتفاقية السراب، ومناسبة مرور1000 يوم على حصار الأشقاء العرب لقطر راعية المهرجان . وجلس رئيس وفد طالبان بعيدا إلى اليسار، وكان من المفروض ، بصفته الطرف الثانى الذى سيوقع على الإتفاق ، أن يكون مباشرة على الجانب الأيسر لوزير الخارجية القطرى ،أى فى موقع مناظر لوزير الخارجية الأمريكى .

– قطر لم تكن أبدا على مسافة واحدة ، لا أثناء المفاوضات ، ولا أثناء المهرجان . ولكن وفد طالبان لا يلتفت إلى البرتوكول ، وربما لا يدرى بوجوده أصلا ، إذن لاعترض على ذلك الإهمال القريب من الإهانة. بل لاعتراض على إجراء مهين آخر حين دخل إلى الفندق عبر بوابة التفتيش (!!) وهو أمر لا يمكن تصور أن بومبيو قد تعرض له .. إذن لاستنفر جنوده من قاعدة العديد لإحتلال الفندق ، بل وقطر كلها .

من الدروس المستفادة لوفد حركة طالبان : أنه لا يجوز للوفد التفاوضى أن يتحرك بدون خبير بوتوكول ، حتى لا يتعرض لمثل تلك الإهانات التى تطال الجهة التى يمثلها .. وهى الإمارة الإسلامية .

ثم أيضا لا يجوز أن يشمل وفد التفاوض أكثر من ثلاثين شخصا !!. والعذر أنهم ذاهبون بنيَّة الإحتفال بنصر كبير حسب رؤية البعض . وكان وجودهم مجديا فقط فى لحظة التكبير بعد التوقيع على الإتفاقية . ويجزم بعض الأفغان أن من بين الأمريكيين فى القاعة من قضى حاجته على نفسه فى تلك اللحظة !!.

 – كانت لهجة “بومبيو” متعالية ، حتى يغطى على حقيقة تهافت الموقف الميدانى للثور الأمريكى الذى سقط إلى موقع الإذلال ، رغما عن إتفاقية ملغومة إلى الحد الأقصى الذى يسمح به الخبث الأمريكى والتآمر القطرى ، والتغاضى الأفغانى.

ترامب واصل غطرسته المستفزة. فقبل أيام من التوقيع وهو يرغى ويزبد قائلا بأنه يرغب فى الخروج من أفغانستان، ولكن إذا لم تلتزم طالبان فإنه “سيعاقبهم بشدة” !! .

والحقيقة أن قطر قدمت له خدمة العمر. فحصل على إتفاق ملغوم ، بعد أن كان مهددا بشكل جدى بالخروج من أفغانستان بهزيمة واضحة لم يكن يفصل توقيت وقوعها غير وقت قليل عن توقيع إتفاقية (السراب) فى الدوحة . إتفاقية لن تأتى بالسلام ، ولكنها أنقذت ترامب من هزيمة مؤكدة كانت وشيكة جدا. فأربكت البرنامج الميدانى لطالبان ولو بشكل مؤقت ، رغم أن وقتاً ثميناً قد ضاع بفعل .

 

 

إستبعاد بالقوة .. وبالجملة

إستبعدت أمريكا الصين ، بأن دشنت ضدها أول حرب بيولوجية فى هذا القرن ، وذلك فى ديسمبر 2009 قبل أقل من ثلاث أشهر من إحتفالية الدوحة.

خسائر الإقتصاد الصينى بسبب فيروس كورونا كانت فادحة وفى تزايد . وكورونا أخرى أصابت إيران لتُوقِعُها فى عزلة سدت ما تبقى من منافذ لم يتمكن منها الحصار الأول (حصار الإتفاق النووى). فأصبح الإقتصاد الإيرانى يتنفس تحت الماء.. وبدون رئة.

بالإضافة إلى ذلك تعيش الصين على حافة الحرب الساخنة بسبب التهويلات العسكرية التى تفرضها أمريكا فى بحر الصين الجنوبى، مع تحديات بعض الدول المحيطة بالصين .

– إستُبْعِدَت إيران من إحتفالية السراب فى الدوحة . إيران من جهتها تعيش تحت تهديد عسكرى دائم بالحرب الساخنة ـ سواء بتهديد أمريكى أو إسرائيلى ـ والأساطيل الغريبة فى الخليج الفارسى فى تزاحم لا تشهده شوارع القاهرة فى ساعة الذروة. فالجيوش “المستأجرة والحليفة والصديقة”  مكدسة على الشاطئ الغربى للخليج ، وكأنهم يستعدون لشن عملية “نورماندى” على شواطئ إيران .

إستبعاد إيران من إحتفالية السراب فى الدوحة، كان قرارا أمريكيا بدافع الإنتقام . بخلاف ما تقتضيه الروابط التاريخية والسياسية والإقتصادية بين إيران وأفغانستان . وذلك يضعف الإتفاق ولا يضعف إيران .

– الطرف الثالث المستبعد من إتفاق السراب كان (روسيا الإتحادية) فى تجاهل آخر فادح وخطير لحقائق الجغرافيا والتاريخ . فأمريكا التى لم تستطع إستبعاد تأثير روسيا فى كوبا وفنزويلا ونكاراجوا ، تعمل على تجاهلها فى أخطر مناطق آسيا الوسطى بالقرب من الحدود الروسية نفسها .

أمريكا تتخبط بشدة ، أو أنها تتصرف تحت وطأة هزيمة ساحقة فى أفغانستان . تؤثر على إجمالى موقفها مع الصين وروسيا وإيران وآسيا الوسطى والعالم . وذلك على أعتاب الموعد القاتل فى 2030 حين يصبح حجم إقتصاد الصين ضعف حجم الإقتصاد الأمريكى ، بما يعنى أن تستلم الصين من أمريكا راية قيادة العالم !! . أمريكا تريد القول بأن الحرب العالمية ودمار العالم أهون عليها من تسليم قيادة النظام الدولى للصين .

– روسيا تعانى من عقوبات إقتصادية أمريكية ومطاردة لصادراتها من السلاح فى أسواق العالم ـ وتهديد جدى لدورها فى سوق تصدير الغاز الطبيعى لأوروبا .

وذلك يمس الإقتصاد الروسى كما يضر بمكانتها السياسية فى العالم . وعلى أعتاب إحتفالية السراب فى الدوحة ، حركت الولايات المتحدة البيدق التركى ليزيد الساحة السورية إشتعالا تحت أرجل الروس . فتدفق الجيش التركى عبر الحدود صوب إدلب لتثبيت حزام أمنى لتركيا داخل سوريا . فكانت نيران إدلب تبعث الدفء فى أوصال مهرجان إحلال السراب فى الدوحة ، كونها تدفع روسيا بشدة خارج ترتيبات أمريكا لأفغانستان فى قادم السنين .

– فى لَقْطَةِ الصف الأول للإحتفالية، والتى توسطها رئيس خارجية قطر وإلى يمينه الوزير الضخم (بومبيو)، يتجلى التصور الأمريكى لمستقبل أفغانستان والمنطقة. كما توضح عيوب وثغرات ذلك التصور ، الذى يتجاهل حقائق المنطقة الجغرافية والتاريخية والسياسية . فبينما ينزوى ملا (عبدالغنى برادر)، رئيس وفد طالبان المفاوض ، بعيدا عن نقطة المنتصف التى إحتلها القطرى والأمريكى، يجلس فى الصداره وزراء خارجية باكستان وتركيا. وكلاهما من المشاركين الكبار فى غزو أفغانستان عام 2001 . فالقوات التركية مازالت هناك. والمخابرات الباكستانية تقوم بالأدوار التى تستعصى على التحالف الإستخبارى بين CIA والموساد فى أفغانستان وباكستان .

الشاويش”أوغلو”وزير خارجية تركيا تواجد ضمن صدارة الصف الأول فى اللقطة الشهيرة. فبلاده رحبت بتوسيع وتنشيط دورها العسكرى فى أفغانستان، مع تلميح بالإستعداد لزيادة عدد قواتها هناك، وتمديد فترة بقائها “حسب ماهو ضرورى” !!.

 وزير الخارجية الباكستانى كان من المتصدرين . ولولا الحساسية التاريخية بين الهند وباكستان لحضر كذلك وزير الخارجية الهندى ، فبلاده مرشحة أمريكيا لأداء دور عسكرى كبير فى أفغانستان إستكمالا للدورالتركى{ ومكملا  للدور الباكستانى كما سيأتى توضيحة لاحقا. وفى ذلك ميزة إعجازية تليق بالإمبراطورية الأمريكية التى تتقن فن إستخدام الأديان فى بناء الجغرافيا السياسية}. نظام كابل، وبلا خجل ، يطالب بقاعدة عسكرية هندية دائمة!!.

وزير خارجية إسرائيل ــ الغائب الحاضر دوما ــ يظهر فى تلك اللقطة ، ولكن فى شخص بومبيو الذى يمثل إسرائيل أكثر مما يمثل الولايات المتحدة . رغم أن حضور الوزير الإسرائيلى كان سيجعل المؤتمر أكثر صراحة ووضوحاً وأقل نفاقاً وإسرافاً فى التصنع . فالحرب فى أفغانستان ـ ومنذ سنوات ـ هى حرب إسرائيلية أكثر منها أمريكية. وتلك حقيقة ينبغى لهم التستر عليها ، على الأقل فى الوقت الراهن إلى أن تستتب أفغانستان لهم .. ولكن هيهات !! .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

7-3-2020

 

 

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان

 




إستهدافات ترامب الثقافية : هل تصل إلى الكعبة والمسجد النبوى والأقصى ؟

إستهدافات ترامب الثقافية : هل تصل إلى الكعبة و المسجد النبوى والأقصى ؟

إستهدافات ترامب الثقافية :

هل تصل إلى الكعبة والمسجد النبوى والأقصى ؟

ترامب يهدد يقصف 52 موقعا ثقافيا فى إيران .. لماذا؟؟.

لأنه يعلم غيرة الإيرانيين على تراثهم ( الدينى / الثقافى ) ، وهما شئ واحد فى الغالب .

وأما رقم 52 فهو عدد الأسرى الأمريكيين الذين أخذهم الطلاب الإيرانيون كرهائن عند إقتحامهم السفارة الأمريكية فى بدايات الثورة الإسلامية عام 1979 . ترامب يريد القول بأن فى قبضته رهائن “ثقافية” ، وأن بلاده حقودة ولا تنسى ثأرها مهما طال الزمن . تماما كما تصف إسرائيل نفسها.

–  دخل ترامب فى عداد المنتصرين منذ لحظة إغتياله لكل من الجنرال قاسم سليمانى ، وأبو مهدى المهندس وزملائهما بضربة جوية عقب خروجهم من مطار بغداد الدولى فى رحلة قادمة من دمشق .

فى نفس اللحظة ضَمِنَ ترامب فوزه فى الإنتخابات الرئاسية القادمة فى عام 2021 ، وأيضا خروجه سالما من الحملة الشرسة لمحاكمته أمام الكونجرس، على تجاوزاته واستخدام سلطاته لخدمة مصالحه الخاصة .

ود ترامب لو يوقف الزمان عند هذه اللحظة المنتصرة . وأشد ما كان يخشاه هو ردود فعل إيران ، وإحتمال أن يتحول ذلك النصر إلى هزيمة تفقده إمكانية إنتخابه للمرة الثانية .

– خدمة عظمى قدمها ترامب لإسرائيل بعملية إغتيال سليمانى ، متوجاً هداياه التى لم يسبقه بمثلها أى رئيس أمريكى آخر : من إعترافه بالقدس الموحدة عاصمة “أبدية لإسرائيل”، التى إعترف بشرعية ضمها للجولان السورية ، إلى إعترافه بشرعية المستوطنات التى إبتلعت الكثير مما تبقى من ممتلكات الفلسطينيين فى بلادهم . إضافة إلى تحقيقه لمكاسب يهودية عظمى فى الخليج وجزيرة العرب واليمن لم تكن تحلم بها إسرائيل .

– هذا السجل “الناصع” من الخدمات العظمى لإسرائيل ، توَّجَهُ بعملية إغتيال كانت أُمْنية غالية لإسرائيل ، ضَمِنَ ترامب رضا القوة المالية اليهودية فى الولايات المتحدة . وهى صاحبة القرار الحاسم فى تحديد نوعية وشخص الرئيس ضمن أطر (الديموقراطية) الأمريكية. فهى القوة المهيمنة على مجلسى النواب والشيوخ ، وعلى التيار الغالب فى الإعلام . إختصارا هى القوة الحقيقية الحاكمة والمتحكمة فى تلك الدولة “الأعظم” فى العالم .

– ولكن الذى حدث هو أن عملية الإغتيال أدت إلى تفاعلات فى الداخل الأمريكى ، وفى السياسة الدولية ، ثم فى العراق ومنطقة الخليج والجزيرة. تفاعلات كانت عموما فى صالح إيران وفى غير صالح عملية الإغتيال التى أضحت علامة فارقة بين عهدين : ما قبل ، وما بعد الإغتيال.

فإذا إبتلعت إيران الإهانة ، كانت تلك خطوة أولى سريعا ما يتبعها شريط طويل من تنازلات تنتهى بإيران إلى وضعية مشابهة لأى مشيخة على الشاطئ الغربى من الخليج . أما إذا رَدَّتْ الصاع صاعين ــ كما هى عادتهاــ  فإن ترامب تعهد بإستخدام غير متكافئ للقوة . وهو يعلم أن ذلك لن يخيف إيران التى جربت الحرب المكشوفة فى حربها مع العراق لثمان سنوات واجهت فيها العالم، من الإتحاد السوفيتى إلى أمريكا وكبراء حلف الناتو، وقوة أموال نفط الخليج .

الرادع الذى يظن ترامب أنه فعال هو خشية الإيرانيين وحرصهم على تراثهم (الدينى /الثقافى) الذى من أجله سافر الآلاف منهم الى العراق وسوريا للدفاع عن ـ المراقد المقدسة ـ التى هددها الدواعش وإخوانهم ، بل وفجروا أجزاء منها .

– ربما تصور ترامب أن الشعب الإيرانى سوف يضغط على قيادته من أجل الإمتناع عن الثأر الذى قد يؤدى إلى دمار كامل للتراث (الدينى الثقافى) الشيعى فى إيران . ولكنه كان مخطئا ، وكذلك مستشاروه . لأن الشعب الإيرانى خلال مراسم تشييع جنازة الشهداء أبدى عزيمة لا تردد فيها على الأخذ بالثار والإنتقام مهما كانت النتائج . وجميع فجوات السياسة الداخلية ردمتها بسرعة عملية الإستشهاد الذى تعرض لها الجنرال سلمانى ــ البطل الشعبى فى إيران ــ حتى أصبحت دعوات الثأر للشهداء عاملا ضاغطا يستحيل تجاهله ، أو تأجيله طويلا، بغير ثمن كبير يدفعه النظام من رصيد مصداقيته وصلابته .

 

إذن سوف تَرُدْ إيران على جريمة الإغتيال . فهل ينفذ ترامب تهديده بالدمار”الثقافى” ؟؟ .

لا يمكن تأييد ذلك أو نفيه. ولكن يمكن الترجيح قياساً على مجريات الأمور داخل النظام الأمريكى ، وتأثُرِه / أوخضوعه/ لمطالب مموليه اليهود .

والهدف اليهودى ليس تدمير الأماكن المقدسة للشيعة ، بقدر ما هو تدمير المساجد الثلاث المقدسة للمسلمين جميعا ، أى الكعبة المشرفة فى مكة، والمسجد النبوى الشريف فى المدينة ، والمسجد الأقصى فى القدس .

ليس تدميرها فقط ، بل وإلصاق تلك الجريمة بإيران(والشيعة)، بدعوى أنهم خلال عمليات الثأر وتطاير آلاف الصواريخ إنتقموا لتدمير مساجدهم “الشيعية” ، فدمروا المساجد الثلاث بإعتبارها مساجد”سنية”.

وهكذا يتأصل الصراع الدامى بين طائفتى السنة والشيعة إلى درجة الإستئصال . ومن خلال ذلك الصراع (الوجودى) تتعمق التحالفات “السنية” مع أمريكا وإسرائيل ، أكثر مما هو قائم حاليا مع حكومات وتنظيمات حركية سنية . فاتهام الشيعة بالعدوان على المساجد الثلاث هو أسهل الأمور على أمريكا وإسرائيل وحلفائهم من العرب. فأثناء العدوان على شعب اليمن كانت حكومة بن سلمان تدعى أن “الحوثيين ” يستهدفون مكة ، وذلك إذا سقط أى صاروخ بالقرب من الرياض أوحتى فى الربع الخالى .

– إن تدمير الكعبة هو أمنية لدى المتطرفين من المحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة فى الولايات المتحدة. وكانت وصفة مفضلة لدى العديد منهم للقضاء على الإسلام . حتى أن بعضهم طالب بتوجيه ضربة نووية إلى مكة . وفى ظنهم أن تهديم الكعبة بشكل نهائى سوف ينهى الإسلام ، فتنزاح آخر العقبات التى تؤرق الغرب الصليبى .

ومازلنا نذكر تصريح السكرتير العام لحلف الناتو فى بداية التسعينات، من أن الغرب قد تخلص خلال القرن العشرين من أهم عدوين له وهما النازية والشيوعية . ومهمته المتبقة هى التخلص من الإسلام .

–  قد يكون هدم الكعبة بضربة صاروخية (تقليدية أو نووية) هو العلاج النهائى الناجز. رغم أن بن سلمان قد وضع مملكته خارج نطاق الإسلام . والسعودية التى حاربت المسلمين (بعقيدة إبن عبد الوهاب) فأسقطوا خلافة المسلمين فى بدايات القرن العشرين ، وبالتالى تمكن اليهود من إحتلال فلسطين وتمزيق العرب إلى دويلات (سجون) لا تسمن ولا تغنى من جوع . ثم تحولت السعودية فى بداية القرن الحادى والعشرين إلى مملكة (للترفيه) الذى يعنى الدعارة المنظمة تحت رعاية الدولة ، وتجارة الرقيق الأبيض فى شبكات داخل المملكة ، تضمن إمداد جيوش الإحتلال المتمركزة داخل البلاد باحتياجاتها الجنسية . ودوليا إمداد قوات مرتزقة بلاك ووتر( بإدارة : بن زايد / أريك برنس) بفتيات الترفيه.

أما شعوب الفقر والتخلف ، فقد أوصِدَتْ أمامها أبواب الرزق، فلا طريق إلى الثروة سوى أن يكون شبابها ضمن جيوش المرتزقة ، وفتياتها ضمن منظومة البغاء. تلك الصناعة التى يروجها آل سعود تحت مسمى الترفيه، وينفقون فى تشييد بنيتها التحتية ملايين الدولارات ، ولكنها تعود بالمليارات على الملك وحاشيته .

فمن أجل تنويع مصادر الدخل جعل بن سلمان من الدعارة والقمار مصدرا ” شرعيا” وأساسيا لثروة المملكة التى أصبحت “قِبْلَة” يأتيها فَسَقَة العالم من كل فج عميق.

 فلو دمر ترامب الكعبة ، فإن آل سعود وآل سلمان لديهم من موارد ” الترفيه” ما يعوض خسائرهم .. وهكذا يديرون الأراضى المقدسة!! .

– أيدى اليهود ستظل بريئة من هدم المسجد الأقصى إذا استهدفه ترامب ضمن حملته التى يهدد بها “الأهداف الثقافية” الإسلامية . ولن يضيع اليهود وقتا فى عملية إعادة البناء . ليس إعادة بناء المسجد الاقصى بل بناء(هيكل سليمان) مكانه .

ولن يثأر لهدم المقدسات أحد من معسكر ترامب الإسلامى . بل سينتقمون من باقى المسلمين، ويتبادلون معهم الإتهامات حول من الذى هدم المقدسات الإسلامية … وكانهم لا يعلمون !!.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إستهدافات ترامب الثقافية :  هل تصل إلى الكعبة و المسجد النبوى والأقصى ؟

 




الأمة بين الواقع والمأمول (1)

الأمة بين الواقع والمأمول (1)

الأمة بين الواقع والمأمول

(1)

ان تحصيل المنفعة ودرء المفسدة هي عماد حركة الانسان وخلاصة ما يسعى اليه، ندلف من هذا المعنى الى أبرز نشاط اجتماعي يمارسه البشر وهو النشاط السياسي اذ به تنتظم أمور الناس في معاشهم وبالنسبة للمسلمين في معادهم (السياسة الشرعية)، فالأرضية التي يرتكز عليها خط السياسة تتوافق مع قاعدة الشريعة الكبرى: جلب المصالح ودرء المفاسد. نركز على الشأن السياسي كونه عصب المجتمع والمؤثر الرئيس، حيث ان صلاح الاجتماع البشري متوقف عليه سلبا وايجابا. والتاريخ يؤيد ذلك فلقد زخر العالم الاسلامي بالعلوم المتنوعة والمولفات الكثيرة والمكتبات المتعددة ولكن ذلك لم يشفع له من دخوله في دوامة من الازمات الداخلية التي اخذت مناحي من الصراعات الدموية والمؤامرات الداخلية واستقلال كل طرف عن اخر مما كان له الاثر الكبير في انحدار الحضارة الاسلامية التي كانت المسيرة العثمانية اخر حلقة في عقدها الممتد على مدار قرون طوال، كل ذلك نتيجة الاضطراب والانحراف في المسار السياسي .

لا يمكن استيعاب الحاضر الا بالرجوع الى صفحات الماضي ونتوءاته كونه من المؤثرات في تشكيل الراهن ورسم اطاراته، ان التعدد في الكيانات الاسلامية منذ العباسيين في بغداد والامويين في الاندلس، وبعدها كيانات التغلب التي استندت الى شوكتها وقدرتها على الاستيلاء على السلطة وارتباطها الرمزي بمسمى الخلافة، وتعددت هذه الامارات تبعا لجنس وعرق فضلا عن اتباعها مذاهب دينية شتى، افرز ذلك اشكالات مهمة على الواقع في السياسات والعلاقات. لتجيء الدولة العثمانية في نموذج لتحقيق جامعية الامة حتى لو أتاحت التعدد داخلها، ليس على نمط التعدد المتغلب وامارات الاستيلاء والارتباط الرمزي، بل صهر تلك الكيانات من خلال حروب جمعتها في منظومة الخلافة العثمانية انطلقت بعدها فاتحة لأجزاء من اوربا والتي حملت هذا الهاجس العثماني في طيات سياساتها في فترة وجوده وحتى بعد تفكيكه.

 

وبغض النظر عن فشل هذا النموذج في النهاية سولء جاء تفسيره لأسباب داخلية تتعلق باالكيان العثماني ذاته، أم في علاقاته المتعددة مع كيانات أخرى انتظمت داخل منظومته، أو لأسباب خارجية داخلية تشكلت فيما سمي “بالثورة العربية” واتفاقات وعلاقات مع الدول الاوربية حملت قدرا من الخداع الذي كان مقدمة لتقسيم مناطق نفوذ استعمارية كانت تحت سلطانها..

 

فرض الواقع الجديد بعد انفراط الحلقة الاخيرة في عقد الحضارة الاسلامية وهي الدولة العثمانية النقاش حول المشروع الاسلامي خصوصا مع سقوط معظم الدول العربية والاسلامية تحت الاحتلال، فتفاوتت الاجابات أحيانا وتناقضت أخرى. ووقع هذا النقاش تحت تأثيرين: هزيمة الدولة العثمانية(المشروع الاسلامي) وغلبة النموذج الاوربي(الغربي). اي : أن مرتكز التفكير في المشروع لم يكن مستقلا عن هذين المتغيرين. كانت السلفية احدى تلك الاجابات التي رأت في التمسك بالتراث مشروعا”اسلاميا” لحفظ الدين والهوية. كما كان التوفيق بين التراث( الدين) وبين منجزات الغرب اجابة اخرى عن هذا التحدي. في حين ذهب اخرون الى الاقتداء بالنموذج الغربي بديلا للمشروع الاسلامي الذي سقط بسقوط الخلافة.

 

لكن على مستوى آخر كان المشروع الاسلامي هو في الوقت نفسه مشروع التباين التاريخي بين السنة والشيعة. بين نموذجي الخلافة والامامة.الا ان هذا التباين في الواقع  لم يترك اي تأثير على “المشروع الاسلامي” قبل انتصار الثورة الاسلامية في ايران .فقد كانت الحركات الاسلامية لا تزال اسيرة التنظير لهذا المشروع .أي انها لم تكن في موضع الابتلاء بتقديم النموذج العملي التطبيقي للمشروع الاسلامي . فقد كانت الحركة الاسلامية إما في موقع التبشير والدعوة ونشر الكتب،وإما في موقع المعارضة السياسية، أوفي المنافي والسجون…أما النموذج السعودي فلم يكن موضع اعتراف من قبل مفكري الحركات الاسلامية ومنظريها باعتباره مشروعا  اسلاميا”.. باستثناء التجربة التركية التي عملت تحت سقف العلمانية باعتباره خطا لا يسمح بتجاوزه. على الأقل في بداية تقدم المشروع الاسلامي الذي جاء به حزب العدالة والتنميةونوعا ما حتى الان.

قبل انتصار الثورة الاسلامية في ايران كأول نموذج لمشروع اسلامي معاصر استطاع ان يصبح في الحكم ويؤسس دولة،كانت الرؤى الاسلامية لهذا المشروع تتراوح بين رؤية الاخوان المسلمين ، وبين رؤية الجماعات الاسلامية (في مصر)التي اعتبرت ان المشروع الاسلامي تنقصه الفريضه الغائبة(الجهاد) ضد الحاكم.(اغتيال السادات)

وعندما نقول قبل انتصار الثورة في ايران فالمقصود بذلك ان الاسلاميين لم يشهدوا اي تجربة عملية لمشروع اسلامي ينقل افكارهم وتصوراتهم الى واقع الحكم والادارة وممارسة السلطة.طالما ان التجربة السعودية لم تكن تمثل بالنسبة الى المنظرين والمفكرين والحركيين الاسلاميين (السنة والشيعة) نموذجا” عمليا” لهذا المشروع .

 

شهد الواقع العربي والاسلامي في العقود الماضية نموذج الدولة القومية التي كانت نشاتها نتيجة تفاعلات تاريخية ودينية وسياسية وفكرية في بلاد اوربا، كما تزامن مع وجودها دخول تيارات فكرية ومذهبية للعالم الاسلامي فالعلمانية والشيوعية والليبرالية والبعث والناصرية لتفرض نفسها كمشاريع تتضمن  ملىء الفراغ الذي تركه سقوط العالم الاسلامي.!

 

كما عاش الوسط الاجتماعي الذي تزامن مع عصر الدولة القومية تجاذبات بين اتجاهات متعددة من الالحاد الى العلمانية  الى الدين وانقسم بذلك غلى نفسه وتنافرت اجزاءه، ناهيك عما احدثه التدخل الغربي في شؤون العالم العربي والاسلامي وزرع دولة اسرائيل في قلب فلسطين؛ لننتهي بحصاد اقل ما يمكن ان نصفه به أنه حصاد مر.

ان مفهوم الدولة القومية ونشأتها المشوهة والواهنة وسيطرتها الاستبدادية وحالتها الفاسدة وبلوغها عتبات الدول الفاشلة ، تجعلنا نبحث عن معادلة الدولة القوية الفاعلة والراشدة والعادلة ،هذا البحث عن هذا النموذج لا بد أن يكون ضمن الاهتمامات للمشروع الإسلامي الكبير..فهل يمكن أن يسهم الاجتهاد من قبل من يؤمنون بهذا المشروع ضمن هذه الساحات التي لا تقبل الانتظار أو الإرجاء.

 

لقد خلف واقع الحكم الذي ساد المنطقة جملة من الازمات ياتي في مقدمتها ما يعرف بالبيئة النابذة للسياسة وهي متباينة الأشكال؛ منها ما يكون في شكل بيئة مغلقة على السياسة بالكلية ولا تكون فيها الا شأنا خاصا مخصوصا(فئويا) لا شأن للناس والمجتمع به.السياسة في هذه البيئة محرم من المحرمات التي لا تقبل الانتهاك والمشاركة. لذلك لا قوانين في مثل هذه البيئة تنظم الشأن السياسي، ولا دساتير تحيطه بالضمانات، لانه باختصار شأن غائب لا يوجب تشريعا مناسبا. ان ما يطبع عذه البيئة هو انعدام المجال السياسي لتحتكرها فئة محدودة من المجتمع، ويترتب على ذلك ليس فقط منع تكوين مجتمع سياسي بل لا يسمح بتكون مجتمع مدني. فينتهي نموذج هذه البيئة المغلقة الى انتاج قطبية تنابذية حادة بين السلطة والمجتمع..

 

ومن هذه البيئة ما يكون في ظاهره مفتوحا فيما يشبه الأول في انغلاقه؛ فمن حيث الشكل ثمة برلمانات وأحزاب ونقابات وجمعيات حقوقية وصحافة معارضة…، غير أن عذه جميعها مكبلة بقوانين تقييدية تحد من قدرتها على العمل وممارسة وظائفها أو محاصرة ومراقبة بطرق غير قانونية، والمنتسبون اليها معرضون في أي وقت للاعتقال والتوقيف.فهذا النموذج تتحول فيه كلفة السياسة عند من يغامرون بممارستها الى الحدود التي لا تكون فيها الغرامة منعا لممارسة الحقوق فحسب، بل تصبح انتهاكا للحرية -النفسية والبدنية- ومسا بالحق في الحياة في احيان كثيرة.

 

هذا التوصيف من الانسداد السياسي هو القائم في قسم كبير من البلاد العربية، والذي أتت أحداث الربيع العربي في وجه رئيس من وجوهها، تفصح عنه وتمثل في الوقت عينه احتجاجا عليه وعلى ما يلقيه من تبعات ونتائج كارثية على الحياة العامة والخاصة؛ على الحقوق والحريات. فمنذ فرض الانسداد في النظام السياسي أحكامه فقضى باعدام السياسة كامكان من امكانات الفعل الاجتماعي المنظم وبالتالي قضى بأن يسلك الفعل الاجتماعي مسالك غير سياسية؛ عسكرية مسلحة..

 

ما كان «الربيع العربيُّ»، في حساب السياسة، شيئًا إلاّ أنه تنزَّل منها بمنزلة المخْتَبَر الذي تختبر نفسها فيه. وفي المختبر هذا تبيَّن، بأسطع البيّنات، أنها ( السياسة) كانت مهترئة، ومؤسساتُها الحزبيّة متهالكة.

 

بقلم:  أديب أنور

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 




نظرة حول الداخل السوري (الجزء الخامس)

نظرة حول الداخل السوري (الجزء الخامس)

نظرة حول الداخل السوري

(الجزء الخامس)

 

ان نصوص الوحي وحقائق التاريخ و كلام دارسي الحضارات يبشر الأمة المسلمة بمستقبل واعد، رغم بشاعة المرحلة وصعوبتها، حيث أن المستقبل والتطلع اليه هو الانعتاق من ضيق اللحظة والخلاص من الارتهان للأني والمزعج من المشكلات. وحجر الزاوية يكمن في دور الدين في قدح شرارة التطور الأولى باحياء الروح ثم تقوم السياسة بتنظيم الطور الثاني ثم الاقتصاد في الطور الثالث. ان منبع الغضب  والخوف الذي يشعر به الغرب نحو المسلمين سببه انهم يمثلون مشروعا وتحديا روحيا وثقاقيا وحضاريا لا يستسلم للحتمية الليبرالية كما لم يستسلم للجبرية الشيوعية من قبل مع وجود شخصية رافضة للذوبان وفهم اخر للحياة الانسانية…

 

أبتدئ هذه المقالة بمقولة يمكن أن تكون مدخلا لقراءة ما تمر به المنطقة، في شباط/فبراير٢٠٠٣ أخبر “شارون”وفدا من الكونغرس بأنه بعد تدمير نظام “صدام”فمن الأهمية بمكان تجريد سوريا و ايران و ليبيا من الاسلحة…مصلحتنا كبيرة في تشكيل الشرق الأوسط بعد الحرب على العراق. هذا ما قاله “شاؤول موفاز” وزير الدفاع الاسرائيلي لمؤتمر المنظمات  اليهودية الأمريكية_ان سوف يحدث_ بعد أن تدخل أمريكا الى بغداد. فنحن أمام مشهد يعكس ما قيل بين أساطين الشر في العالم، للأسف يمكن القول أن الحروب التي اندلعت  في المنطقة وخصوصا سوريا تصب في مصلحة الصهاينة فكلا الطرفين إن كان المعارضة أو النظام السوري خاسر فلابد أن يبحث الخصماء عن مساحة مشتركة توقف هذا الاستنزاف الداخلي والذي  يتم باسم شعارات متعددة إن كان الحرية أو الشريعة أو حرب الارهاب، ويلتفتوا الى الخطر الحقيقي الذي قارب استكمال نفسه ليقوم باكتساح الشرق الأوسط و الجزيرة العربية ( اسرائيل).

ان خلق عدم الاستقرار في المنطقة مما يخدم اسرئيل حيث ما يعنيها هو التوتر والاضطراب وخلق الفرقة. فاسترتيجية التوتر هي التي تتفق مع سياساتها، لأنها تحقق هدفين:

– تسمح لها بالصيد في الماء العكر.

– تخلق مناخا معينا يسمح لها بالتوسع المتدرج. فمنذ وجود اسرائيل في الشرق الأوسط حتى اليوم، لم يمض يوم واحد دون صراع بلغ حد الصدام المسلح. والواقع أنه من الناحية التاريخية هذا الواقع يخالف التقاليد التي غرفتها المنطقة. فهذه الأرض التي توجد بها اسرائيل لم تكن في أي مرحلة من التاريخ مصدرا للقلاقل والاضطرابات وهي اليوم تقوم بتفجير قلب منطقة الشرق الأوسط.

 

ثاني هذه التهديدات في خلق القطيعة المكانية، فالتواصل المكاني بين المشرق العربي و المغرب العربي عبر شبه جزيرة سيناء وشمال الدلتا ظل طيلة تاريخ المنطقة- وبصفة خاصة منذ فتح مصر في عهد عمر بن الخطاب- قاعدة مطلقة. حتى في فترة الحروب الصليبية، فان الاستعمار الهارجي ظل متمركزا على الشاطئ دون أن يتوغل في العمق، فقط منذ الاستعمار الاسرائيلي حدثت تلك القطيعة، بل ان القيادة التاريخية الاسرائيلية كانت تضع ذلك في حسبانها من البداية. انها تريد أن تخلق على حدود مصر الشرقية دولة تعزلها عن باقي العالم العربي فيما هو أبعد من منطقة سيناء.

 

ثالث تهديد: مرتبط باقتطاع أجزاء من الوطن العربي باسم ” أرض اسرائيل” وهي تستند في ذلك الى الوعد الالهي، على أن الواقع أن اسرائيل وقيادتها حتى اليوم لم تعلن أو تحدد حدودها الدولية، لأن هذه الحدود لن ترسمها الا لغة القوة، ولنتذكر بهذا الخصوص أمرين:

اولا- في الوقت الذي تمت فيه تصفية الاستعمار في جميع أنحاء العالم تقريبا، تبرز اسرائيل كتعبير عن المفهوم الاستعماري التقليدي رغم جميع المسميات.

ثانيا- ان الاستيلاء على أرض الأخرين بقوة السلاح هو مخالفة صريحة لجميع المواثيق الدولية.

رابع تهديد: يدور حول تجزئة الوطن العربي، فاسرائيل دولة صغيرة، ورغم جميع عناصر القوة الحقيقية أو المصطنعة التي اكتسبتها تظل كذلك، وهي لتضمن بقاءها أولا وسيطرتها على المنطقة ثانيا، واستيعابها في النظام الاقليمي ثالثا، ولتستطيع أن تتحدث وتتعامل مع القوى الدولية الكبرى باسم المنطقة أو لتوظيف وجودها في المنطقة رابعا، ليس أمامها سوى أسلوب واحد وهو بلقنة المنطقة. ان توحيد العالم العربي- وعلى مستوى التعامل الدولي، بل كل خطوة نحو التعاون الحقيقية في العالم العربي- هو مسمار يدق في نعش الدولة اليهودية.

 

إن المؤشر الحقيقي على صحة الاتجاه هو ما نحصده من قطعنا للمراحل نحو الهدف الذي من خلاله نرفع سقف متطلباتنا ولا يكون إلا بالتركيز على مقدساتنا التي باتت بأيدي جيوش الاحتلال، فالقدس جزء لا يتجزأ من هوية أمة تمتد على كل الخارطة العالمية والتي شرفها الله تعالى بمعجزة الاسراء لرسولها الكريم، فمهمة تحرير القدس ستضعنا بوضوح امام  معادلة نتبين من خلالها من هم الأعداء الذين لم يعد يؤرقهم ما تعانيه تلك البقعة الاسلامية الشريفة من تدنيس وعدوان، بل سارعوا للتطبيع مع ذلك الكيان، ومن لا يزال رافعا برأسه شعار المقاومة لمشروع و صفقة القرن بمباركة زعيم  البيت الأبيض “ترامب” قولا وعملا أيا كان انتمائهم أو هويتهم.

 

إن المعضلة التي يجب معالجتها في المنطقة هي استبدال واقع الاستبداد وأسبابه حتى تنقطع نتائجه التي تعكر صفو حال الشعوب، ومن حق الناس السعي إلى تغييره بالوسائل التي تنطلق من تقييم صحييح للواقع، وأعتقد أن الوسائل السلمية قد تكون ناجعة مع رفع مستوى الوعي بالتعليم الجيد والإعلام الهادف، وبالمقابل فالنخب عليها العمل على نشر الأفكار حتى تصبح مشاعر وثقافة عامة وبالتالي ستصبح مصلحة الحكام الحاضرة في انتصار الفكرة السائدة التي أصبحت إرادة شعبية، مع تفادي تخيل المستقبل وفق شكل سابق لأنه نوع من تقييد الفكرة في جعل المستقبل البعيد على شكل الماضي البعيد.

 

إن الانظمة العربية التي لاتزال تتبنى خط المقاومة هي أمام مفترق طرق إما أن تحشد حولها شعوبها من خلال تغيير بعض مواقفها وسلوكياتها إزاء الناس كتفعيل ثقافة الحوار وتوفير ما تحتاجه من هوامش للحرية والتوعية الصحيحة التي يبدو فيها النظام  مثالا في التضحية -حقيقة-لأجل قضاياها الحيوية. لا ننكر أن المقاومة يدفع في مقابلها ابهض الأثمان كالحصار والعقوبات الاقتصادية والمؤامرات لزعزعة كياناتها واختراق شعوبها لجعلها أداة ضدها، ولكن شرف الغاية يتطلب تصرفا دقيقا محسوبا حتى يتم قطع الطريق على الخصوم.

 

كما أن الشعب السوري الذي قام بثورة نبيلة في غايتها أن يقف وقفة للتأمل حول ما انتهت اليه الأمور، فان غاية الفهم التنبؤ وهو فن في الانفصال عن أسر موقف أو رغبة إلى رؤيته من الخارج قدر الطاقة، لا ننكر ان الوضع الذي تشهده سوريا هو مسؤولية مشتركة بين النظام السوري والمعارضة، فعلى الجميع أن يجلسوا على طاولة للوصول إلى صيغة تحفظ البلد من نار لا تكاد تطفئ يكون وقودها الخزان البشري المسلم الذي يجب ان يكون على جبهات اليهود، والتاريخ لن يرحم أحدا وسيروي للأجيال نبأ ما حدث ومن تقدم لحفظ المصالح المشتركة بين الطرفين.إن الهدف الحقيقي للمحافظين الجدد وحلفائهم من الصهاينة هو إعادة تشكيل الشرق الأوسط بواسطة القوة العسكرية، أملا في جعله مواليا لأمريكا و اسرائيل وذلك بخلق ظروف كي تفرض اسرائيل إرادتها على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها.

 

 

بقلم:  أديب أنور

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 




طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (1من2)

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية

 أسباب أزمة الحركة الجهادية فى بلاد العرب 

المدنيون فى حرب المدن .. مسئولية من ؟؟

(الجزء الأول )

مع رسائل : الخوستى ـ سعد ـ مجهول 

العناوين:

1) طالبان .. و إيران .. و أسباب العداء 

2) المدنيون وحرب المدن

3) أساسيات التغيير الشامل 

4) إستحالة التحول من صورة إلى أخرى

5) بداية مختلفة ومسار جغرافى متعارض

6) إختلاف فى إستراتيجية الإنتصار

7) بين الثورة الحقيقية والثورة الملونة 

8) بين حرب التحرير .. والحرب بالوكالة

9) تعدد التنظيمات بين الثورة وحروب التحرير(العصابات)

10) لماذا تأكل الثورة أبناءها ؟؟

11) المدنيون فى ساحة الصراع 

12) المدنيون فى الثورة الشعبية

13) تحويل السكان إلى أداة ضغط على الثوار

14) خطر المجموعات الخارجية المسلحة.

الخوستى : موقف ايران من الجماعات السنية بشكل عام عدائي . في العراق و الشام ضربت ايران جميع الجماعات السنية حتي المعتدلين منهم . كيف تبرر موقف ايران العدائي اتجاهنا ؟ أغلبية الجماعات الجهادية العربية سلفية و لكن طالبان مختلفين. لماذا كل هذا الحقد علي الطالبان مثلا ؟ .

فى البداية أقول أننى لا أقدم تبريراً لأى شئ بل أحاول تفسير الأشياء ـ إذا أمكننى ذلك .

سؤالك هام جدا ويطرحه كثيرون من داخل الجماعات الجهادية والمتعاطفين معها ، والإجابة الوافية عن هذا السؤال فيها تفصيلات كثيرة ، ولكن سأحاول التركيز قدر الإمكان حتى لا يتشعب الموضوع .

صحيح ما تقوله من أن (حركة طالبان أفغانستان) شئ مختلف عن باقى الحركات الجهادية فى العالم العربى تحديدا . وتكاد فى الكثير من النقاط أن تكون نقيضا لها .

سنبدأ حديثنا عن الجماعات الجهادية العربية والأسباب التى قادتها إلى المأزق الذى تعيشه الآن والتى وصل بها إلى نقطة لم يكن يريدها أو حتى يتخيلها جيل المؤسسين الأوائل منذ السبعينات. لقد بدأ ذلك التيار الجهادى وهو يحمل معه بذور ضعفه وإندثارة . ونمر عليها سريعا فنقول بأنها :

1 ـ غياب الرؤية السياسية ـ  رغم أن السياسة مع الإقتصاد هما العناصر الأساسية لتحريك المجتمعات والدول .. سلما وحربا .. أمنا أو صراعا ،( وهما أول ترجمة لحركة المعتقدات على أرض الواقع ، وهما البنية الأساسية لها فى عالم المادة ) .

2 ـ الجمود الفقهى ـ الناتج عن الفقه السلفى الضيق الذى يهمل أو يعادى باقى المذاهب السنية ناهيك عن حربة ضد مجموعات إسلامية كبيرة مثل الصوفية والشيعة ، رغم ثقلهم التاريخى والمعاصر .

3  ـ أزمة الإفتاء : وهى ناتجة عن عدم توافر عناصر الفتوى الحقيقية من :

فقر فى العلم الدينى وقلة الدراية بالواقع : فلا يمكن حصر العلم الدينى بالسلفية ناهيك عن الوهابية . فتلك زاوية ضيقه جدا وعدائية مع من سواها من مدارس علمية سنية (أوغير سنية).

الجهل السياسى : الذى يجعل الإفتاء أبعد عن الواقع ، سابحا فى عوالم إفتراضية لا وجود لها . بينما تواجدت السياسة فى أدق تفاصيل الحياة البشرية .

غياب العلماء الحقيقيون : فتصدى الأحداث وغير المؤهلين لعملية الفتوى . بل وربما القضاء أيضا عند(التمكين !! ) . والكثير منا يعلم ما هى نتائج ذلك .

4 ـ الإحتراف الجهادى : تلك الجماعات حصرت الإسلام وحصرت نفسها فى زاوية واحدة هى الجهاد ـ وهو فريضة رغم عظمتها لا يمكن أن تختصر الإسلام كله . فأى جماعة يجب أن تبدأ بشمولية الإسلام ، لا أن تكون جماعة متخصصة فى فريضة إسلامية واحدة ، فهذا إختزال للدين مخل بأهدافه .

فالجماعات الجهادية هى جماعات تخصصية قامت على غير أساس سليم للتخصص العسكرى ، الذى يجب أن يكون مدعوما بنشاط إسلامى شامل يغطى المجتمع كله وتسانده السلطة السياسية للدولة الإسلامية .

أما فى حالة الثورات على الأنظمة القائمة (الخروج على الحاكم) : فإن المجاهدين يجب أن تدعمهم حركة إسلامية منتشرة فى المجتمع وتقوم بالكثير من مهام الدولة الشرعية . مثل الإفتاء والتمويل ، والتجنيد ، الإعلام الشعبى .. الخ . تلك الحركة الشاملة هى من تتولى إدارة العمل الجهادى وتكون منها قيادته الميدانية ، مع الفصل بين أجهزة الدعوة وأجهزة العمل العسكرى وباقى الأجهزة . والإبتعاد عن نموذج الإنتهازية الإخوانية فى القفز على رأس الثورات الشعبية أو العمل الجهادى الذى لم تجهز له ولا تقوده ميدانيا . فقد رأينا نتائج ذلك فى سوريا فى بداية الثمانينات وفى أفغانستان خلال الثمانينات كلها ، وفى سوريا الآن ، وأيضا فى الإنتفاضة المصرية التى وصلت بالإخوان إلى حكم مصر فى توافق تآمرى مع الجيش ، فسقطت ومعها شعب مصر فى هاوية لا قاع لها .

5 ـ الإنفصال عن المجتمع والأمة وغياب القيادات الحقيقية :

الجماعة الجهادية كيان مغلق منطوى على نفسه فكريا وفقهيا ودينيا . وقياداته لم تنبت بشكل طبيعى من داخل مجتمعاتها . والمؤهلات المطلوبة للقيادة بسيطة جدا ويسهل إنتحالها بالنسبة لأى شخص متوسط الذكاء. وذلك ساعد عمليات الإختراق الإستخبارى الواسع لتلك المجموعات حتى مستوياتها العليا . بعض تلك القصص بات معلوما ، والكثير منها ينتظر الإعلان مستقبلا بعد فوات الآوان .

–  وصلت المهزلة إلى درجة مرعبة عندما صار من أهم مؤهلات (القائد الجهادى) أن يحصل على التمويل الخارجى والتسليح . وأن يجد من ينقله ورجاله إلى جبهات القتال الخارجى ، لمجرد إثبات الوجود واستقطاب جمهور الشباب المتحمس عديمو الخبرة المتشوقون للقتال والإثارة .

6 ـ الإرتهان الخليجى :

فى محصلة لكل ما سبق ، وجد التيار الجهادى نفسه مرتهنا لدول النفط الخليجية وعلى الخصوص السعودية وقطر . إرتهانا كاملا شمل كل التيار السلفى من الجهادى إلى الإخوانى إلى جماعات الدعوة السلفية .

وبما أن السلفية صارت هى العلامة المسيطرة ـ وربما الوحيدة ـ لتيار” الصحوة الإسلامية ” حسب التعبير الإخوانى الذى ظهر فى سبعينات القرن الماضى ، فإن العمل الإسلامى فى الدول العربية ـ وحتى فى العالم الغربى فى أوروبا وأمريكا بل أفريقيا وآسيا ـ أصبح سلفيا بفعل القوة المالية الدافعة والتى سخرتها السعودية لدعم ذلك الإتجاه ـ ليس لمصلحة الإسلام كما يتضح ذلك الآن بكل وضوح ، بل لصالح أعداء الإسلام . وتحديدا لصالح إسرائيل والولايات المتحدة .

فالإرتهان الجهادى (والسلفى عموما) لدول الخليج ، بدأ من الحاجة إلى الأمن الشخصى فى البداية عند الفرار من إضطهاد نظام (الثورة) المصرية بقيادة عبد الناصر . تلاه إرتباط فقهى بالمنهج السلفى ، ثم إرتباط بالمصالح المالية الخليجية والرؤية السياسية لدول الخليج .

– يمكن إعتبار التيار الجهادى العربى تيارا تابعا لمشيخات نفط الخليج (السعودية وقطر تحديدا). أى أنه يقف ضمن صف على رأسه أمريكا وإسرائيل . ولكن الإنحصار الشديد فى الرؤية والفهم جعلته لا يعقل سوى الجانب الطائفى . ذلك أن طبيعة السلفية والوهابية خصوصا هى طبيعة طائفية ، حماسية وسطحية .

وتحت تلك الراية نجد التيار الجهادى العربى فى جميع مناطق تواجده واقفا تحت تلك المظلة سياسيا ماليا وفقهيا. فكانت هى مصدر قوته التى يتحرك بها ، ومصدر نكساته الدائمة فى جميع تجاربه منذ أن نشأ وحتى الآن ، سواء داخل المنطقة العربية أو خارجها .

– هذا الإرتهان الجهادى لمحور نفطى معلوم توجهاته السياسية وأنها تابعة بالكامل لمشيئة الأمريكيين سابقا ــ والإسرائيليين مع الأمريكيين حاليا ــ جعل ذلك التيار محسوب سياسيا وعسكريا على نفس المحور ، وهو ما يناقض شعاراته العقائدية ومطالباته بدولة إسلامية ، إلا إذا كان المقصود بتلك الدولة مجرد مشيخة جديدةعلى الطراز الوهابى الخليجى.

–  والكارثة الأكبر هى أن التيار الجهادى داخل ذلك التحالف المشئوم ليس محسوبا كشريك ، بل كمجرد أداة تؤدى وظيفة قتالية فى ميادين عربية ودولية مرتبطة باستراتيجيات التحالف المذكور. ودوره هو مجرد “وقود للمعارك” فى العمليات الأرضية التى تتجنبها الآن معظم الجيوش ، خاصة الجيوش الغربية والإسرائيلية . ومجاهدونا الأبطال يكفونهم تلك المشقة المهلكة متوسعين فى العمليات الإستشهادية بلا أى ضرورة ميدانية. ولا يفعل ذلك فى العالم كله سوى المجاهدين المسلمين . لا شك أن أعداءنا ممتنون لهم كثيراعلى تلك البطولات المجانية والدماء الإسلامية المهدرة عبثا .

نحن أمام استراتيجيات أكبر من أن تساهم فى وضعها دول الخليج التى هى ليست سوى خزينة إحتياطية خارج الرقابة الشعبية فى دول الغرب ، وهى ناطق رسمى بالوكالة ، وعميل سياسى رخيص ، يعطى كل شئ مادى ومعنوى وأخلاقى ، فى مقابل كرسى للحكم لا يساوى شيئا .

 فالتيار الجهادى  السلفى أو الوهابى ، ليس سوى ملحق خليجى لا دور له سوى فى الجانب الفاشل أو القبيح ـ مثل جرائم الحرب أو الدمار والعدوان على المدنيين ، الذى يلتصق فورا بالتنظيمات الوهابية العاملة فى الميدان ، وتصل الإدانات واللوم إلى الممولين الخليجيين . وتنتشر التشنيعات فى الإعلام الغربى والدولى ، وعلى ألسنة الدول الغربية وغيرها . لهذا فإن صورة (الجهاد الوهابى) ، بل حتى كلمة الجهاد أصبحت تلقائيا تعنى الإرهاب والعمالة والتخلف بكافة معانية .

والدول الخليجيه تتبرأ علنا من صلتها بذلك التيار القتالى حتى تنظف سمعتها بين الأمم . ويبقى العار والتلوث ملتصقا بسمعة الإسلام والمسلمين وفريضة الجهاد . وذلك واحد من الأهداف الكبيرة لدى التحالف المذكور (إسرائيلى/ أمريكى/ خليجى) .

–  النشاط القتالى للمجموعات (السلفية / الوهابية الجهادية) يصنف دوليا على أنه أداة عسكرية فى يد الولايات المتحدة ، خاصة فى العمل على إتساع رقعة العالم . وتتعامل الدول بالتالى مع المجموعات القتالية ( سلفية أو وهابية أو داعشية ) وفقا لذلك التصنيف .

– على الساحة السورية تجسدت جميع أخطاء ذلك التيار بإستخدامه كأداة للقتال الأرضى فى قضية صراع دولى ، لا يدرك ” المجاهدون” مداها ولا يعلمون منها غير الجانب الطائفى ، الذى هو أضعف الجوانب فى ذلك الصراع ، إذ لا يتعدى دوره مجرد الشحن العاطفى والدعائى . وبتلك النظرة الطائفية الضيقة يحاول الجهاديون رؤية العالم كله . فالصراع على سوريا ليس إلا جانبا من ذلك الصراع الدولى . ولكن مجاهدونا ، وبتلك النظرة الطائفية الضيقة ، يحاولون تفسير كل شئ وجميع المظاهر السياسية والعسكرية والإقتصادية ،  وربما حالة المناخ أيضا .

– نعود إلى سؤالك عن : { موقف إيران من الجماعات السنية بشكل عام فى العراق والشام ، حتى المعتدلين منهم } .

أقول أن إصطلاح ” أهل السنة والجماعة ” أصبح عمليا يعنى (الوهابية) ، أو(السلفية) فى أفضل الأحوال . حتى أدبيات وفقه تلك الجماعات سواء فى مجال (الدعوة السلفية) أو (الجهاد السلفى) ، يتضح فيها نفى باقى المذاهب السنية خارج نظاق ذلك المصطلح، رغم أن تلك المذاهب هى الأصل الأقدم والأكثر إتباعا فى العالم الإسلامى .

وبالتالى فإن موقف إيران يشمل الجميع وكأنهم سلة واحدة معادية لها بشكل مطلق . فإن كان الميدان قد إقتصر فيه ” الحوار” على الطلقات والمتفجرات ، فإن ردات الفعل تكون أكثر حدة. وكل طرف يتوسع فى مجال الشكوك حتى يأمن المفاجآت. وهنا يضيع الجمهور المسلم أيا كان مذهبه أو طائفته .

وتلك هى الفتن وخطورتها التى لا تندمل جروحها لسنوات طوال . وقد لا تندمل أبدا طالما كان هناك أعداء للأمة يزكون الفتن ويؤججون الصراع والإقتتال الداخلى بين المسلمين .

فى سوريا والعراق لم تكن المسألة سنة وشيعة بقدر ما كانت صراعاً دولياً إستفاد من أمراض الأمة الفكرية والتنظيمية والسياسية ، فتمكن كل راغب من إستخدام القوة الإسلامية لتدمير المسلمين أنفسهم ، بأموالهم ودمائهم ، ويبقى المستعمر سالما منتصراً بأقل جهد ممكن، يحارب بالطائرات والأقمار الصناعية ، تاركا نزف الدماء (للمجاهدين) والمسلمين الأبرياء وعموم الشعب الذى لا ناقة له ولا جمل فى كل ما يحدث .

– ولعلنا نذكر أن الشعارات الطائفية بدولة “لأهل السنة” ، لم تكن ضمن شعارات (الثورة السورية( فى بدايتها ، والتى كانت هى نفسها تقريبا شعارات ثوار مصر وتونس التى لخصتها البلاغة المصرية فى شعار (عيش حرية عدالة إجتماعية ) . فالشعارات الطائفية أقحمها التيار الإسلامى (السنى) أى “السلفى/ الوهابى” ، فى مصر كما فى سوريا والعراق ، وكل مكان عمل فيه .

طالبان .. وإيران .. و أسباب العداء 

القيادة الإيرانية سحبت تقييمها ، للعمل الجهادى السنى العربى ، على العمل الجهادى الأفغانى. وذلك فى أكبر أخطائها فى التعامل مع العالم الإسلامى “السني” .

كان تفكيرا آليا يفتقر إلى التعمق وفهم الواقع الأفغانى وخصوصياته . وأسفر ذلك عن كوارث إسلامية ضخمة لا يتبين أبعادها سوى قليلون ، كون أن التفاصيل كثيرة وسريعة مع كثرة اللغط ، إضافة إلى النشاط التخريبى للجهات المعادية للمسلمين .

من جهتها  وقعت طالبان فى مصيدة الألعاب الدولية ، ولم تحسن تفسير مواقف الدول إزائها. ليس ذلك غريبا على حركة شبابية حديثة التكوين عديمة التجربة فى مجالات السياسة . ولكن الغريب أن تقع إيران ـ بكل ثقلها وعمقها السياسى والفكرى فى حبائل ألاعيب لم يكن من الصعب فهمها أو تفسيرها . الخطأ هنا كان مصدره الأساسى إنعدام التواصل المباشر لتبادل وجهات النظر ومناقشة المشاكل المشتركة .

لقد لجأ الطرفان : طالبان وإيران إلى ، أفكار مسبقة ومعلبة ، تجاه الطرف الآخر وجاهزة للإستخدام الفورى . طالبان عن طريق حلفائها العرب والباكستانيين إقتنعوا بأن إيران عدو مذهبى لا سبيل إلى فهمه أو التعامل معه . وإيران وجدت الوصفة المعلبة بالشكل المعاكس وهى أن طالبان حركه سلفية وهابية (!!) تمولها السعودية ودول الخليج وتديرها باكستان ، مكنها الإستعماريون من حكم أفغانستان لتكون خنجرا فى ظهر إيران ولتحمى لهم خطوط الطاقة القادمة من آسيا الوسطى إلى ميناء جوادر فى باكستان .

المحور السنى المعادى لإيران ـ والذى ظهر لاحقاً أنه أشد عداء لطالبان ـ أدى كل الأدوار التى تعمق الشكوك بين الطرفين . إذ سارعت السعودية والإمارات إلى الإعتراف بالإمارة الإسلامية التى أعلنتها الحركة بعد إقتحامها للعاصمة كابول رغم أن أمريكا كانت بوضوح ضد إعتراف أى أحد بالنظام الجديد فى كابل . إذن الإعتراف الخليجى كان ضمن إتفاق مع الأمريكيين لضرب النظام الجديد من داخله ، ولايمكن ذلك بدون الإلتصاق القريب معه .

باكستان فعلت نفس الشئ ، وزادت بأن دفعت عدة آلاف من المتطوعين كان الكثير منهم تديرهم المخابرات الباكستانية ، للقيام بنشاط عسكرى يضر بإستقرار الحركة داخليا وبعلاقاتها الخارجية حتى لا يبقى لها من ظهير فى العالم سوى باكستان ، فتتصرف فى أفغانستان كجزء من ممتلكاتها الخاصة طبق مشاريعها الاستراتيجية فى المنطقة خاصة ضد الهند . حتى تركيا أسرعت إلى الحركة لتقدم خدماتها فى مجال (التعليم!!) الذى لم يحظ برضا حركة طالبان ، إلا أن تركيا إستمرت متواجده فى البلاد ، وحاولت ممارسة العمل الإغاثى على أضيق نطاق . ولكنها لم تعترف بنظام الإمارة الإسلامية .

 بمرور الوقت ظهرت المواقف الحقيقية لكل تلك الدول التى إحتفت بحركة طالبان . وكانت كالتالى :

– السعودية ظلت تضغط منذ البداية وحتى النهاية من أجل تسليم أسامة بن لادن ومن معه إلى الولايات المتحدة . وما حدث معظمه معروف ومنشور إعلاميا .

كما أنها أثناء الصدام بين “الإمارة الإسلامية” وتحالف الشمال بذلت جهدها لتفجير وضع طالبان الداخلي ، وهددت بطرد العمالة الأفغانية ، وسحب الإعتراف بجواز السفر الأفغانى ، وهددت بمنع الحجاج الأفغان من أداء فريضة الحج . وقد أصاب ذلك الإمارة بالفزع .

ــ القائد جلال الدين حقانى كان فى زيارة للسعودية ، وهناك تم إحتجازه لمدة ستة أشهر لمنعه من المشاركة فى الحرب إلى جانب “الإمارة الإسلامية” ضد تحالف الشمال ، فسحبوا جواز سفره.( انظر ـ مع الفارق طبعاً ـ مافعلته المملكة بإحتجاز رئيس وزراء لبنان سعد الحريرى لإجباره على إتخاذ مواقف فى السياسة الداخلية تقود إلى الإقتتال الطائفى فى لبنان . وما فعلته حتى مع كبار الأمراء والوزراء وموظفى الدولة من إحتجاز وتعذيب ومصادرة أموال ) .

– الإمارات كانت مركزا لتصدير الجواسيس إلى أفغانستان لمصلحة المخابرات الأمريكية ، وتم إعتقال عدد منهم . وفى الإمارات ، وتحت إشراف ضابط من شيوخ الإمارات ، أقيم مركزا لتهيأة جواسيس عرب تديرهم المخابرات المركزية الأمريكية وأجهزة تجسس عربية للتأثير الميدانى على مجريات الأمور ، ومراقبة القيادات العربية والأفغانية ـ تمهيدا لما سوف يأتى من تطورات .

وعندما نشبت الحرب كانت قوات الإمارات فى طليعة من هب لقتل الأفغان إلى جانب القوات الأمريكية . وكانت صدمة لكثيرين لأن الإمارات كانت الأولى خليجيا فى تقديم الدعم المالى للجهاد ضد السوفييت فى أفغانستان ، ثم نراها الآن من أوائل من هبوا للقتال ضد الأفغان .

دول الخليج جميعها كانت فى خدمة القوات الأمريكية الغازية لآفغانستان . ومن القواعد الأمريكية هناك تحركت الطائرات ونقلت الذخائر اللازمة للعمليات وأديرت العمليات الجوية .

– قوات الأردن كانت الثانية عربيا . فالأردن لم ترسل قواتها لتحارب إسرائيل المجاورة لها بل أرسلتهم آلاف الأميال لقتل المسلمين الأفغان . وقبل الحرب أرسلت عددا من الجواسيس إلى أفغانستان .

–  أما باكستان ــ التى كان الحديث يدور حولها فى إيران والعالم أنها الراعى الشرعى والأب الروحى لحركة طالبان ــ قدمت كل إمكاناتها العسكرية والإستخبارية وقواعدها العسكرية والموانئ البحرية والمطارات وإمكانات الإمداد والتموين لقوات الغزو الأمريكية ، فكانت بذلك الداعم والمشارك الأكبر فى ذلك الإحتلال ، ومازالت كذلك . وقد شاركت عسكريا فى تحطيم الإسناد القبلى لجهاد الشعب الأفغانى ضد الإحتلال الأمريكى . واعتقلت عددا من أهم القادة العسكريين لحركة طالبان والكثير من كوادرها فى المناطق القبلية المحاذية لأفغانستان .

– تركيا قدمت للغزو الأمريكى ـ وبصفتها عضو مؤسس فى حلف شمال الأطلنطى (الناتو) قدمت أكبر عدد من القوات بعد القوات الأمريكية (حوالى عشرة آلاف جندى) .

ذلك هو المحور(السنى!!) وموقفه من حركة طالبان ، والضرر الذى أصاب أفغانستان وطالبان من ذلك المحور منذ إعلان دولتها وحتى سقوطها بفعل الغزو الأمريكى .

لقد ألحقت إيران بحركة طالبان أضرارا كبيرة ، ولكن إذا ما قارنا ذلك بالمحور (السنى) فإن الأضرار الإيرانية تبدو قابلة للتحمل ، بل يمكن تجاوزها.

ونعود لنقول رغم ذلك أنها كانت أضرارا كبيرة بالفعل ، ولكن المحور السنى كان أكثر شراسة وأوجع إيلاماً . ويبدو أن الأفغان ومجاهديهم أكبر الضحايا للضعف الإسلامى ، ولجرائم الهوس المذهبى ، وما يصاحبها فى جنون وحماقة .

عن سؤالك : كيف تبرر موقف ايران تجاه إحتلال أفغانستان ؟.

فكما قلت أننا بصدد محاولة للفهم وليس محاولة للتبرير . لقد كان موقف إيران منذ إعلان قيام “الإمارة الإسلامية” هو العداء الكامل لحركة طالبان ، والتحالف الكامل مع معارضيها (تحالف الشمال) الذى كان يسمى رسميا التحالف الإسلامى لتحرير أفغانستان(!!) ـ ولا ندرى تحريرها من ماذا ؟؟ ـ خاصة وأن ذلك التحالف وضع نفسه كطليعة لقوات الغزو الأمريكية التى أمدته بمظلتها الجوية حتى تمكن ، إلى جانب قوات الغزو، من إسقاط الإمارة الإسلامية وفتح البلاد للإحتلال الأمريكي ــ فيالها من حركة تحرير !! ــ وعمليات تسليم الدولارات الأمريكية ( 5مليون دولار فقط!!) لأحد أعمده ذلك التحالف(عبد الرسول سياف عميد الاخوان المسلمين الأفغان) مسجلة بالصوت والصورة وأذاعها الأمريكيون بكل فخر كأحد إنجازات ما اعتبروه حرباً رخيصة . وتندر رئيسهم بوش بخيبة الإتحاد السوفيتى الذى عانى الكثير أثناء إحتلاله لذلك البلد بعمل عسكرى كان الأضخم منذ الحرب العالمية الثانية ، بينما كلفه الأمر مبلغا ضئيلا دفعته المخابرات الأمريكية .

–  العديد من الوقائع أيدت الشكوك الإيرانية فى توجهات حركة طالبان ـ مثل حادث مقتل العالم والزعيم الشيعى عبد العلى مزارى . ومثل عملية الهجوم على القنصلية الإيرانية فى مزار شريف ، عندما إقتحمتها قوات حركة طالبان . وقيل أن مجموعة مسلحة منهم هاجمت مبنى القنصلية وقتلوا عددا من موظفيها . وهى العملية التى قلبت الرأى العام الشعبى فى إيران ضد الحركة ، فكان أكثر عداء للحركة حتى من الحكومة الإيرانية نفسها .

– تحالف الشمال عمل جاهدا لتوسيع رقعة الخلاف وإثارة مخاوف إيران من حركة طالبان . وضخ كمية هائلة من الأكاذيب تبناها ” الإعلام الدولى” وروجها على أوسع نطاق . وكان لذلك تأثير سئ جدا ، ومازالت صورة الحركة تعانى منه حتى الآن ، فى العالم كله .

كان أمام إيران خيار من إثنين ، إما حركة طالبان المصنفة كعدو . أو تحالف الشمال المصنف كصديق بل كحليف ، ويضم عددا من الأحزاب الجهادية القديمة وأهمها الأحزاب الإخوانية بقيادة الزعماء الأصوليين”!!” (سياف ـ ربانى ـ حكمتيار)، ومعهم ميليشيات عبد الرشيد دوستم الشيوعى السابق وحزب وحدت الشيعى . من الناحية المذهبية ، التى يفضل العرب النظر بها إلى كل شئ ، فإن تحالف الشمال هو إجمالا تحالف “سني” ، فيه الإسلامى الأصولى وفيه الشيوعى، وكلهم “سنة”!! . أما من ناحية سياسية فهو كما نرى ونعلم : حليف أساسى للإحتلال الأمريكى .

عندما نشبت الحرب ـ رفع بوش شعار (من ليس معى فهو ضدى)، وهدد الجميع بأسوأ العواقب إن لم يسمحوا بالعاصفة الأمريكية حتى تمر وتبلغ مداها فى أفغانستان ، بالتعاون الكامل من الجميع . فضلت إيران الإنحناء للعاصفة لسببين :

الاول  : أن العاصفة سوف تطيح بنظام معادى لها هو الإمارة الإسلامية .

الثانى : أن النظام القادم سيكون محوره هم حلفاؤها الذين ساندتهم لسنوات ، أى تحالف الشمال ، وبالتالى ستصبح حدودها الشرقية آمنة ، مع فرصة لتعاون إقتصادى وتأثير سياسى .

نفس تلك الإعتبارات هى التى شكلت موقف إيران من الغزو الأمريكى للعراق . فعرضت على الأمريكيين تعاونا مشتركا لإسقاط حكم صدام حسين ـ على غرار ما علم لاحقا من تعاون مشترك ضد حركة طالبان وتقديم إيران خطة الحرب التى أدت إلى هزيمة الحركة ـ ولكن الأمريكيين رفضوا العرض ثم أكملوا فى العراق مهمتهم التى تمناها الحكم فى إيران منذ زمن بعيد . فتأمنت حدودهم الغربية وانفتحت المجالات الإقتصادية والسياسية أمام طهران بوصول حلفائها إلى قمة السلطة فى بغداد .. ولو تحت رايات الإحتلال كما حدث فى أفغانستان !! .

–  لم تكن تلك الخيارات جيدة بأى حال . ولكن معظم السياسة هى إختيار بين السئ والأسوأ . وبالنسبة لأفغانستان يمكن الجزم بأن الطالبان لم تكن هى الأسوأ بل كانت هى الأفضل من جميع الوجوه ، وأن الإختيار الإيرانى فى حقيقة الأمر كان ما بين الأسوأ والأفضل . ولكن ما هو السبب ؟؟ .

1 ـ السبب الأكبر كان عدم وجود تواصل مباشر بين الطرفين ، طالبان والحكومة فى طهران.  ذلك التواصل مثل أى عمل دبلوماسى مهمته توضيح المواقف والرد على التساؤلات ، وإزالة الشكوك وتقوية الترابط والتعاون المشترك .

2 ـ السبب الآخر هو السماح لأطراف معادية بالتدخل وبث سموم الفرقة ، ونشر المخاوف والأكاذيب ، وأحيانا إصطناع أحداث دامية من أجل تأكيد الشكوك وتحويلها إلى عداوات ثم  حروب .

–  لهذا نصل الى نتيجة هامة من أجل إيقاف تلك الفتنة الطائفية البغيضة التى يفنى فيها المسلمون أنفسهم ويخربون بيوتهم بأيديهم . فلابد أن يجتمع المسلمون لمناقشة مشاكلهم ويتفقون سويا على حلها . فلا إنتصار للمسلمين أو للدفاع عن الدين ومقدساته إلا بوحدة المسلمين ووقف نزيف الفتن . شئنا أم أبينا فإن المسلمين جسد واحد ، ولن ينتصر أحدنا منفردا ولن ينهزم واحد منا بمفرده . و معركتنا مع الأعداء أكبر من قدراتنا منفردين ، والنصر لن يأتى بمجرد براعة الآحاد ، بل يأتى بطاعة الإجتماع والوحدة ، والتى هى من أكبرالطاعات الجالبة للنصر.لابد من جلوس السنة والشيعة معا كما يجلس المخلصون العقلاء لحل مشاكلهم وتخطيط مستقبلهم وتنسيق جهادهم .

هنا لدينا سؤال :

لدينا طرفان هما : الشيعة وعنوانهم معروف وهو ” إيران” ، والطرف الآخر “السنة”.. ما هو عنوانهم ؟؟ . هل هو السعودية أم قطر أم تركيا أم تراها مصر .. أو باكستان ؟؟.

 والحركات الجهادية السنية ، ماهو عنوانها ؟ . ماهو عنوان كل من القاعدة أو داعش أو الألف فصيل فى سوريا ، وأضعاف ذلك العدد حول العالم؟؟ . ما هو عنوانهم وما هى مرجعياتهم الدينية وما هى مصادر تمويلهم ، ومن هم قياداتهم السياسية وعلمائهم ؟؟. وكيف يمكن جمعهم تحت راية واحدة على كلمة سواء؟؟.

أرجوا أن تجيبنى أنت .. أو أى أحد آخر عن هذا السؤال . وبعدها يمكن أن نوجه سهام نقدنا ونيران بنادقنا إلى أى إتجاه نشاء .

 هل بهذا الشتات يمكن أن نخدم قضية الإسلام ؟؟ ، أم أننا مجرد خراف شاردة فى ليلة شاتية ، تأكلها ذئاب الأرض ؟؟ ، وكلاب حراستها تحمى الذئاب وتفترس معها القطيع ؟؟.

سؤالك الأخير يقول ( إن الحصار والتجويع والإضطهاد السياسى الإقليمى والدولى على إيران لا يبرر عداء إيران بهذا الشكل) . لهذا أكرر القول بأن الحصار الإقتصادى عند درجة معينة قد يؤدى إلى نشوب الحرب ، إذا رأت دولة ما أن المطلوب منها هو الإستسلام بلا قيد أو شرط . فترى تلك الدولة أن الحرب هى الأفضل لها ، لأن فيها إحتمال للربح ، أو على الأقل الموت بشرف.

ومثال على ذلك دخول اليابان إلى الحرب العالمية الثانية نتيجة لحصار الأمريكى  منع المواد الخام من الوصول إليها ، حتى وصل  الأمر إلى محاولة منع تصدير النفط إليها ، بما يعنى شلل كامل للصناعة فى اليابان التى لا تمتلك مواد خام أو نفط .

وضع إيران قريب من هذه الحالة .  فعداء إيران ليس موجه “لنا” ( إذا تكلمنا بالمنطق الطائفى الشائع) لأن المشكلة هى أننا دوما ضمن المعسكر المعادى لإيران ، لذا نجد أنفسنا داخل مجال ردود فعلها العنيفة. فنلجأ عندها إلى التفسير الطائفى لتأكيد صحة مواقفنا الخاطئة منذ البداية .

متجاهلين دوما العوامل الحقيقية التى تشعل الصراعات والحروب فى العالم ، وهى الصراع على مصادر الطاقة والمياه والمواقع الاستراتيجية والأسواق والتجارة والممرات .

نحن لم نبحث أبدا فى تأثير تلك العوامل فى مشاكلنا مع إيران ولا مع أى طرف آخر ، لأن كتبنا الفقهية وفتاوى الأقدمين ، التى نقتبس منها كل شئ ، لا تحتوى على شئ من ذلك .

 والآن  مع رسالة سعد فأقول :

أولا : شكرا لإقتناعك (بعدم وجود مركز أبحاث عندى ولا دعم إيرانى إلخ). وبالنسبة لما فهمته عن إستمرار وجود علاقة بين القاعدة وإيران ، يكون صحيحا إذا أعتبرنا أن القتال هو أيضا نوع من العلاقة .

ثانيا :{عن توسع نفوذ إيران فى المنطقة العربية }، فهى عبارة مقتطعة من سياقها العام . فلكى نرى نفوذ إيران فى المنطقة ونحدد إن كان يتوسع أو يتراجع . فيجب أن ننظر إلى واقع المنطقه ككل ، والأطراف الفاعلة فوق ساحتها ،عندها سوف نعرف طبيعة الأدوار والأهداف ومقدار التقدم أو التراجع الذى يحرزه  أى طرف ، ويجب عندها أن نعرف (من نحن؟؟) ، وما هى أهدافنا وأدوارنا .. وهل نحن أيضا نتقدم أم نتأخر؟؟ . وهل نشارك فعلا فى الأحداث؟؟ وبأى صفة ؟؟.. هل كطرف مكتمل الأهلية واضح الأهداف؟؟ ، أم مجرد تابع لقوى أخرى أكبر وأكثر فعالية تأخذنا معها حيثما ذهبت ، ثم تتخلص منا عندما تقضى مآربها ؟؟ .

ثالثا :  ينبغى أن نضع فى الإعتبار الوضع الحالى للمنطقة العربية التى تعيش فى حالة من الضعف والفوضى لا مثيل لها فى أى منطقه أخرى من العالم . وبإعتبار الموقع الجغرافى والثروات فإن هذا الفراغ الحادث فى منطقة هامة وغنية ، تحكمها أنظمة إستبدادية ضعيفة وشعوب لا تمارس من الحقوق غير حقها فى تلقى الصفعات والركل ، ولم تعد سوى (شوائب بشرية) لا وزن لها ، كل ذلك جذب إلى بلادنا كافة أنواع التدخل الخارجى على رأسه الإحتلال اليهودى لفلسطين ، وزحف اليهود إلى جزيرة العرب ومكة والمدينة واليمن الذى يعيش حالة دمار شامل لقواه البشرية وضياع أرضه وثرواته ومواقعه الاستراتيجية . وعندنا أمريكا التى لها قواعد عسكرية فى كل منطقه الخليج وقواعد قديمة وجديدة فى العراق ، وإحتلال مباشر فى سوريا وعزم معلن على إغتصاب ثروات النفط والغاز فى سوريا والعراق وتقسيم سوريا إلى مقاطعات . ومصر تأكلها جميع ذئاب وقوارض الأرض ، فسرقوا منها النيل وسيناء ، واشتروا معظم أراضى مصر لبناء مستعمرات جديدة ودول ، وشارك فى ذلك حتى مشيخات النفط الأسود . وليبيا تكالبت عليها دول أوروبا والناتو . والسودان تذوب تدريجيا وهدؤ ويجرى تقسيمها وإشراك حكومتها فى برنامج قتل السودان لخدمة خطط إسرائيل فى مصادرة مياه النيل والبحر الأحمر وأواسط أفريقيا . وتركيا تحتجز أكثر من ثلث مياه نهرى دجلة والفرات من نصيب سوريا والعراق وتصدر الماء إلى إسرائيل ، وتسعى نحو المزيد من مياه البلدين وهى من كبار المشاركين فى سد النهضة ، ويدخل ويخرج جيشها فى أراضى البلدين وكأن لا حكومات هناك ولا شعوب. ويكفى شعار {مكافحة الإرهاب} الذى سيؤدى إلى فناء العرب والمسلمين ، بل والقضاء على الإسلام نفسه فى نهاية المطاف ، باعتباره دينا إرهابيا ، وكتابه (القرآن) يحض على الكراهية!!. وجلب ذلك الشعار البغيض إلى العراق والشام الجيش الأمريكى وتحالفه الإجرامى المكون من حوالى ثمانية عشر دولة غربية و”إسلامية”، لممارسة هواية قتل الشعوب وهدم الدول وإغتصاب الثروات . وهناك روسيا التى تحكمها نظرة خاصة إلى سوريا تقول ( أن القرم هى بوابة روسيا ، وسوريا مفتاحها ). إذا روسيا ترى فى سوريا مسألة وجود ، ناهيك عن مشاريع أنابيب الغاز المرشحة للمرور فى سوريا أو بالقرب منها ، مهددة بإخراج روسيا من سوق الغاز الأوروبى وبالتالى إنهيار مركزها الجيوسياسى فى العالم ، فتصدير الغاز هو عماد الإقتصاد الروسى يليه تصدير السلاح .

–  فهل لا نرى شيئا آخر غير ( إيران والخطر الشيعى ) ؟؟ . هل عرفنا لماذا كل هؤلاء يجتاحون بلاد العرب ودوافع كل منهم؟؟ . هل كل هؤلاء الغزاة هم من أهل السنة والجماعة وإيران فقط هى الخطر لأنها (شيعية !!)؟؟. فلماذا إيران هنا ؟؟ وما هى دوافعها ؟؟ .. هل درسنا ذلك بموضوعية بعيدا عن الهوس الطائفى الذى لا نرى سواه ولا نرى الأحداث إلا من خلاله ؟؟ .

المدنيون وحرب المدن :

يسأل سعد :  (ماذا عن الضحايا من اهل السنة بسبب معركة بقائهم في سوريا؟. من المسؤول عن المذابح التي تحدث في سوريا؟. مش معقول الذنب كله علي الجماعات الاسلامية ) .

 ويسأل مجهول فى رسالته : (ماهو الحل فى حرب المطاريد لسياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعية للسكان والبنية التحتية كما تفعل روسيا فى سوريا) .

وبما أن الأمر يتطلب شيئا من التفصيل فى الإجابة نظرا لتكرار نفس السؤال من أكثر من جهة ومنذ سنوات . فسوف أجعل الإجابة ضمن ملف خاص تحت عنوان :

{ دراسة فى أنواع الثورات : المدنيون وحرب المدن } .

ننشره فى أقرب فرصة بإذن الله ، بعد أن يتم نشره فى العدد القادم ـ رقم 145 ـ من مجلة الصمود التابعة للإمارة الإسلامية فى أفغانستان .

بقلم: 

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




السیرة الذاتیة أمیرالمؤمنین الشیخ هبة الله آخندزاده حفظه الله

امارة افغانستان الاسلامية

السیرة الذاتیة لزعیم إمارة أفغانستان الإسلامی

أمیرالمؤمنین الشیخ هبة الله آخندزاده حفظه الله تعالی ورعاه

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله واصحابه ومن اهتدى بهديه وسار على نهجه اجمعين وبعد!

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ماعاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا 23 لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً 24) الاحزاب .

أفغانستان مقبرة الغزاة و منارة العزّ والشهامة و الأمجاد، وهي موطن الأبطال و مدرسة الجهاد والاستشهاد والفدائیة. و إلی جانب صنّاع التاریخ من المجاهدین الفاتحین قدّم العلماء المتبحّرون من الفقهاء و المحدثین و المفسرین أیضاً في هذا البلد أروع الخدمات في مجالات العلم و التعلیم عبرالتاریخ.

إن کان السلاطین المسلمون من أمثال (محمود الغزنوي) و (شهاب الدین الغوري) و (أحمدشاه الأبدالي) قد حکموا الهند و خلّصوا المسلمین من شرّ الظالمین فإنّ الفقهاء و المفسرین و المحدّثین من أمثال الإمام أبي داود السجستاني، و شیخ الإسلام محمد بن محمد بن بکر الخُلمي، و الإمام أبي اللیث السمرقندي البلخي، و الإمام ابن حبّان البستي أیضا أناروا بلاداً من العالم الإسلامي بمصابیح العلم و الفقه والدرایة.

إنّ عائلات معظم النجوم اللامعة للعلم والدرایة والفقاهة في العالم الإسلامي عبر التاریخ کانت قد انتقلت من مختلف مناطق أفغانستان مثل (کابل) و(هلمند) و(هراة) و (بلخ) إلی مراکز الخلافة الإسلامیة في مکة المکرّمة و بغداد و دمشق. وقد قدّم أولئک العلماء خدمات جلیلة للإسلام والمسلمین في مجالات الفقه والحدیث والتفسیر. فنسبة إمام الفقه الإمام أبو حنیفة و نسبة راوي الأحادیث النبویة الشریفة و عالمها المحدّث المعروف مکحول الشامي رحمهما الله تعالی أیضا کانت إلی هذا البلد.

إنّ أولئک العلماء المتبحّرین رحمهم الله تعالی کانوا قد أسّسوا مراکز مشهورة للعلم و التعلیم في أفغانستان، وربّوا فیها مئآت الآلاف من العلماء عبرالتاریخ و قدّموهم لخدمة العلوم الإسلامیة في المجتمعات. و قد بدأت هذه السلسلة من عام 202 للهجرة النبویة الشریفة وامتدت إلی عصرنا الحاضر. و کانت لأفغانستان في هذه السلسلة الدورالعظیم في إحیاء و ترویج العلوم الدینیة، و تقديم العلماء الأجلّاء في علوم الفقة وأصوله، و في الحدیث وعلومه، و کذلک في علم التفسیر و البلاغة و المعاني، وعلميّ الصرف والنحو.

و ما یمیّزعلماء هذه السلسلة في أفغانستان من غیرهم من العلماء هو أنّ أساتذه العلوم الإسلامیة في هذا البلد یقدّمون لطلاّبهم الدروس في الدفاع عن الدین أیضاً إلی جانب تدریسهم لهم العلوم.

إن المعارک التي خاض الفاتحون خاضوا غمارها ضدّ الکفار في داخل أفغانستان و خارجها کان دور العلماء فیها أکبر و أبرز من غیرهم. فعلی سبیل المثال کان فتح السلطان محمود الغزنوي للهند عام 388هـ بترغیب و توجیه من علماء الإسلام. و کذلک کان العلماء علی مناصب علیا في حکومة السلطان شهاب الدین الغوري الذي کان یحکم شبه القارة الهندیة عام 559 هـ.

وفي عام 1160هـ حین ساق الأمبراطور الأفغاني أحمدشاه الأبدالي جیوشه لمساعدة مسلمي الهند کان الباعث و الدافع لتلک الغزوة هي أیضا إرشادات العلماء و توجیهاتهم التي حثّت ذلک الفاتح لنجدة إخوانه المسلمین في بلاد الهند.

وفي عام 1254 هـ حین نهض المجاهدون المقاومون ضدّ الغزو الإنجلیزي کانت قیادة تلک المقاومة الجهادیة أیضا بید علماء هذا البلد.

و کذلک في عام 1357 الهجري الشمسي  حین قام الشیوعیون الأفغان بالانقلاب العسکري بتحریض من الروس، و بعده في زمن احتلال الروس لهذا البلد أیضا کانت قیادة المقاومة الأفغانیة المجاهدة بید العلماء المجاهدین. و فیما بعد کان شرف إقامة إمارة أفغانستان الإسلامیة أیضا کان من نصیب العلماء، والتي کان زعیمها الأول أمیرالمؤمنین الملا محمد عمر المجاهد – رحمه الله تعالی-  و من بعده الشهید الملا أخترمحمد منصور رحمه الله تعالی. و بعد استشهاد الملا أختر محمد منصور اختیر لزعامتها العالم الجلیل أستاذ الأحادیث النبویة الشیخ هبة الله آخندزاده – حفظ الله تعالی – و الذي نقدم للقراء التعریف به ونبذة من سیرته الذاتیة في الأسطر التالیة:

المولد والنشأة:

وُلد شیخ الحدیث المولوي (هبة الله آخندزاده) بن الشیخ المولوي (محمدخان) بن الشیخ مولانا (خدای رحیم) في الخامس عشر من شهر رجب عام 1387هـ في أسرة علمیة معروفة بالعلم و الصلاح و التدین في قریة (ناخوني) من مدیریة (پنجوایي) بولایة (قندهار). و مرّت المرحلة الأولی من حیاته تحت رعایة و تربیة والده العلمیة.

أسرته:

عُرِفت أسرة الشیخ (هبة الله آخندزاده) فی منطقته بالعلم و الفضل و التقوی منذ قرون. یرجع أصل هذه الأسرة العلمیة إلی مدیریة (تخته پل) في ولایة (قندهار) و قد انتقلت فیما بعد إلی مدیریة (پنجوايي).

کان والد الشیخ هبة الله – حفظ الله تعالی- من الشخصیات المعروفة علماً و فقهاً بین علماء عصره في تلک المنطقة، و کان یحظی بمکانة علمیة و اجتماعیة مرموقة في مجتمعه. و کان له دور بارز في التربیة و نشر العلم و الصلاح في منطقته. و کان قد قدّم خدّمات جلیلة في مجالات الدعوة و التبلیغ و التدریس و الإصلاح. و کان رحمه الله تعالی قد ربّی کثیراً من التلامذة لخدمة الدین والدفاع عنه.

وفي 1357 الهجري الشمسي حین قام الشیوعیون الأفغان بقیادة (نورمحمد تَرَکی) و أحکموا سیطرتهم علی السلطة و زمام الأمور، کان الشیخ (خان محمد) رحمه الله تعالی من أوائل العلماء و المجاهدین الذین ثاروا ضدّ الحکم الشیوعي الإلحادي، و وقف خلفه في نهضته الجهادیة تلک عامة الشعب الذین رباهم في منطقة و تأثروا من دعوته، وکان هذا مما أثارعلیه حفیظة الشیوعیین الملحدین، و اعتبروا نهضته تهدیداً لسلطهم. و بدؤوا یخططون لتصفیة الشیخ رحمه الله تعالی، فاقتحموا بیته و مدرسته، إلا أن الشیخ کان قد نجاه الله تعالی من أسرهم حیث کان قد خرج إلی منطقة (ریگ) قبل أن یسعی الشیوعیون للهجوم علیه. فکان الشيخ یواصل تربیة للمجادین و مقاومة الشیوعیین مع المجاهدین الآخرین هناک في منطقة (ریگ).

و بعد أن انتشرت المقاومة الجهادية في قندهار، و ازدادت فيها قوتهم، رجع الشيخ (خان محمد) إلی المناطق الآهلة بالسکان، و استمرّ في خدمته الجهادية والعلمية.

بعد وفاة والده هاجر الشيخ هبة الله مع مئآت الآلاف الآخرين من أبناء بلده إلی باکستان بسبب مظالم الجنود المحتلين الروس الوحشية، و استقرّ في مخيّم (پيرعليزي) للمهاجرين بمقاطعة (بلوشستان) في باکستان بهدف العمل لتحرير البلد و إقامة النظام الإسلامي فيه.

دراسته الدينية:

بدأ الشيخ هبة الله آخندزاده دراسته الدينية الابتدائية والمتوسطة علی والده رحمه الله تعالی، فدرس عليه القرآن الکريم، و متون الفقه الابتدائية، و الصرف، و النحو، والأدب العربي، و علم المعاني، و أصول الفقه. و بعد ذلک توجّه إلی المدارس الدينية المشهورة لدراسة العلوم الشرعية العالية فأتمّ فيها دراسته، ثمّ أکمل دراسة الصحاح و السنن في الأحاديث علی الشيخين المعروفين(الشيخ المولوي محمد جان آغا) و ( الشيخ المولوي حبيب الله). و وضعت علی رأسه عمامة شرف التخرّج عام 1411هـ.

جهاده و کفاحه السياسي:

حين کان الشيخ في المراحل الأخيرة من دراسته کانت خنادق الجهاد في أفغانستان في أَشدّ سخونتها ضدّ القوات الروسية المحتلة، و کان الشباب و بخاصة طلبة العلم الشرعي یشتاقون للحوق بصفوف الجهاد ضدّ القوات الروسية والشيوعية. فکان الشيخ من أولئک الطلبة المشتاقين للجهاد، و کان قد قسّم وقته بين التعلم و الجهاد، حيث کان يذهب إلی جبهة الشيخ الـ(ملا محمد) المعروفة في ولاية قندهار للقتال ضدّ الروس و الشيوعيين في أيام الإجازات السنوية.

کانت جبهة الـ(ملا محمد آخوند) من الجبهات المشهورة في جنوب غرب أفغانستان، و هي الجبهة التي کان يجاهد فيها معظم من أصبحو فيما بعد مسؤولين لحرکة (الطالبان) بمن فيهم أمير المؤمنين الشهيد الملا أختر محمد منصور رحمه الله تعالی، و نائب رئيس الوزراء الملا محمد حسن آخوند. کانت تلک الجبهة تتبع في البداية لمنظمة حرکة الانقلاب الإسلامي للشخ محمد نبي المحمدي رحمه الله تعالی، و فيما بعد ارتبطت بمنظمة الحزب الإ سلامي للشخ محمد يونس خالص رحمه الله تعالی.

کان الشيخ هبة الله آخندزاده من الشخصيات الهامة وجاهة وعلما بين إخوانه في تلک الجبهة. و کان قد اشترک في القتال و الجبهات مع أميري المؤمنين الملا محمد عمر المجاهد و الملا أختر محمد منصور رحمهما الله تعالی، و کان قد أصيب بجرح أيضا في الجهاد. کان الشيخ آنذاک يقوم بتربية المجاهدين و توعيتهم الدينية، کما کان يتولی مسؤولية المرکز أيضا في بعض الأحيان. و کان يؤکّد علی مسؤوليّ المجاهدين في أمر تربية المجاهدين فکريا ضدّ الإلحاد والمعتقدات الضالة الأخری، لأنّ الروس والشيوعيين کانوا يحاربون الأفغان فکريا أيضا إلی جانب حربهم العسکرية. و في کثير من الأحيان تکون المقاومة الفکرية أکثر أهمية و ضرورة من المقاومة العسکرية. و لذلک کان الشيخ يرکز علی التربية الفکرية. و قد قدّم في هذا المجال خدمات ملفـتة للنظر.

يتمتع الشيخ بکفاءة و مهارة فائقتين في تدريس العلوم الشرعية بخاصة في الفقه و أصوله و في التفسير والحديث. و منذ أن تخرّج في عام 1411هـ واصل تدريسه لهذه العلوم إلی الآن إلی جانب جميع وظائفه الجهادية. وقد ربّی کثيرا من طلبة العلم في العلوم المذکورة.

لَقب الشيخ هبةالله بلقب (الشيخ) لباعه الطويل في تدريس الصحاح الستة في علوم الحديث. و يتصل سنده في رواية الحديث بسيدنا رسول الله صلی الله عليه وسلم عن طريق شيخيه الشيخ المولوي (محمد جان آغا) و (الشيخ المولوي حبيب الله).

دوره التأسيسي في حرکة الطالبان:

بعد انسحاب الروس و انهيار الحکومة الشيوعية حين بدأت الحروب الأهلية بين المنظمات،  و تورّط کثير من القادة في تلک الحروب، إلا أنّ الشيخ هبة الله آخوند زاده ابتعد مع بقية إخوانه المجاهدين في الجبهة عن تلک الحروب. و بصفته أستاذا و مرّبيا للمجاهدين في الجبهة اشتغل بالفعاليات العلمية والإصلاحية، ولم يشترک في الاقتتال الداخلي.

و حين نهض المرحوم الملا محمد عمر المجاهد للقضاء علی الحرب الأهلية و الفساد المستشري في البلد، وقف الشيخ هبة الله بصفته أحد الأصدقاء الجهاديين لمؤسس تلک الحرکة  إلی جانبه من بداية تأسيس حرکة الطالبان.

بعد تمکّن حرکة الطالبان من إحکام سيطرتها علی الولايات الجنوب غربية و إحداث التشکيلات الإدارية من قِبَل قيادة الحرکة تأسّست في إطار الحرکة في قندهار المحکمة العسکرية أيضا، و وُظّف فيها العلماء المعروفون  و المتخصصون علی مستوی البلد، و کان من بينهم الشيخ هبة الله آخوند زاده، و الذي کان تعرفه قيادة الحرکة بالعلم و الفقاهة و التقوی من أيام جهاده ضد الشيوعيين.

رئيسا للمحکمة العسکرية:

حين سيطرت قوات الإمارة الإسلامية علی مدينة (کابل) عام 1996م عيُّن الشيخ هبة الله بحکم خاص من أمير المؤمنين رئيسا عاما للمحکمة العسکرية في العاصة (کابل). و بعد ترتيب أمور المحکمة في کابل و إجراء الإصلاحات اللازمة فيها فُوِّضت إليه مسؤولية المحکمة العسکرية للإقليم الشرقي لأفغانستان. و حين رتّب أمور المحکمة في الولايات الشرقية و بخاصة في ولاية (ننگرهار) و عمِل هناک لسنتين عاد منها بحکم أمير المؤمنين إلی کابل و استمرّ في رئاسة المحکمة العسکرية إلی نهاية حکم الإمارة الإسلامية.

لماذا رئيسا للمحکمة العسکرية؟

إن ّ من أبرز ميزات حکم الإمارة الإسلامية کان توفير الأمن المثالي في البلد، و قد اعترف الأعداء أيضا بهذه الحقيقة. و کان لتنفيذ حدود الله تعالی إلی جانب إصلاح النظام التأثير الأکبر في توفير الأمن. و حين قامت الإمارة الإسلامية کانت  تجربة مسؤوليها جديدة في مجالات النظام و الإدارة والأمن و القضاء، و کانت الوسائل و الإمکانيات الأمنية تقرب من الصفر، إلا أنّ الطالبان بتنفيذهم للحدود الشرعية استطاعوا أن يأتوا بالأمن المثالي إلی البلد الذي استمرّت فيه الحرب لعشرين عاما، وقد  اعترف بهذه الحقيقة الصديق والعدوّ.

إنّ الأمن يستتبّ بتطبيق الحدود الشرعية حين يتمّ تنفيذها وفق الشريعة الإسلامية، و لذلک کانت تسعی الإمارة الإسلامية إلی تعيين الأشخاص الأکفاء علی رأس الإدارات العدلية والقضائية من علماء الشرع الذين کانوا يدرکون فلسفة تطبيق الحدود الشرعية و يعرفون تطبيقها في ضوء الکتاب والسنة والتعاليم الشرعية.

إنّ أمر تنفيذ الحدود الشرعية في الإمارة الإسلامية کان مفوّضا للمحاکم الشرعية، و کانت مسؤولية الإصلاح و المؤآخذة  في الجبهات الجهادية و في صفوف القوات الأمنية قد فوّضت بشکل خاص إلی المحکمة العسکرية. فکانت المحکمة العسکرية تقتضي أن يکون علی رأسها شخص يتمتّع بالکفاءة العلمية و التخصصية ليتحمل مثل هذه المسؤولية التنفيذية.

و للتعيين علی الوظائف الهامة کانت الإمارة تؤکّد علی وجود صفتين في الشخص المتعيّن و هما: السابقة الجهادية، و العلم الشرعي.و کان الشيخ هبة الله يتصف بکلتا هاتين الصفتين، ولذلک اختير من قبل أميرالمؤمنين لمثل هذه الوظيفة الهامة. و کان اختيار أميرالمؤمنين للشيخ هبة الله لهذه الوظيفة ينطوي علی المصالح الهامة التالية:

المحکمة العسکرية في العاصمة کابل کانت أهمّ إدارة فُوِضت إليها صلاحية تنفيذ الحدود.

إن تنفيذ الحدود بقدر ما هو مهم و سبب لإصلاح المجتمع، يُحتاج في تنفيذها إلی جههَ منفذة تتحلی بالعلم و الفقاهة والدقَة والتعقل والعاطفة الإنسانية الفياضة. و کان أميرالمؤمنين رحمه الله تعالی قد أحسّ هذه المواصفات في الشيخ، و لذلک فوض إليه هذه المسؤولية. و في کل مرة حين کان يُنفَذ حکم القصاص من قبل قضاة المحکمة الشرعية المتخصصين کان الشيخ يطلب  بنفسه قبل الآخرين العفو من ورثة المقتول للقاتل، و کان يذکر لهم  الآيات و الأحاديث في فضل العفو عن القاتل في الشريعة الإسلامية. و کان يلحّ عليهم في الطلب للعفو عن القاتل، کما کان يستشفع الوجهاء و الشيوخ و العلماء من الحاضرين لمشهد القصاص أن يطلبوا العفو من ورثة المقتول للقاتل. و کان يطلب العفو للقاتل بصفته أحد العلماء و الوجهاء، لا بصفته مسؤلا حکوميا. و بسبب مثل هذه الجهود العاطفية کثيرا ما کان يُعفی عن القاتل من قبل ورثة المقتولين و يحظی بحياة جديدة.

و کذلک حين کان يصدر القضاة  حکما في مرتکبي الجرائم الجنائية کان الشيخ يبذل قصاری جهده البشري في رعاية الأصول والمقررات الفقهية في إثبات الجريمة، و کان يمهّد بقدر الإمکان لدرء تنفيذ الحدّ وفق القاعدة الشرعية (الحدود تندرئ بالشبهات).

فيِظهر مما ذُکر أنّ الشيخ هبة الله حين کان في زمن حکم الإمارة الإسلامية في المحکمة الشرعية کان يقوم بدوره في تطبيق الحدود الشرعية بصفة شخص متعقل بالغ الاحتياط و صاحب عاطفة فياضة، و هو الآن أيضا بتلک الصفات المذکورة  يلتزم بصفته أميرا للإمارة الإسلامية بإجراء الأمور الجهادية و جميع الأمور الشرعية في حدود الشريعة الإسلامية.

دوره الهام في بدء الجهاد مرة أخری ضدّ المحتلين:

حين هجم الأمريکييون و حلفاؤهم علی أفغانستان عام2001م، و بدأت قيادة الإمارة تنظيم صفوفها من جديد بعد وقفة تکتيکية، کان للشيخ هبة الله دور مؤثر و خاص في هذه المرحلة في الإعداد والجهاد.

في بداية الإحتلال الأمريکي لأفغانستان کان القيام بأي نوع من الفعاليات الجهادية من شبه المستحيل بسبب الملاحقات الأمريکية، فقد قام الشيخ هبة الله مع عدد آخر من الشيوخ والعلماء المجاهدين في تلک الظروف الصعبة الحسّاسة بجهود جبّارة في تنظيم و ترتيب صفوف المجاهدين. کان کل من الشيخ المرحوم غلام حيدر و الشهيد الشيخ عبدالسلام والشيخ عبدالحکيم حفظه الله تعالی شرکاء الشيخ في تلک الخدمة التاريخية حيث کانوا جميعا يدعون الشعب اأفغاني المسلم إلی خنادق المقاومة الجهادية، و کانوا بعلمهم و ببيانهم للقرآن و الأحاديث يرغّبون الناس لإعلاء کلمة الله تعالی و للدفاع عن الدين.

إنّ إنهاض و إعداد الشعب الأفغاني الأعزل الذي نکبته الحروب لمقاومة التحالف الصليبي بقيادة أمريکا لم يکن بالأمر الهيّن، لأنّ هذا الشعب کان قد قدّم بإسم الدفاع عن الإسلام و الجهاد في زمن الاحتلال السوفياتي مليونا و نصف المليون من الشهداء، و هاجر قرابة سبعة ملايين منهم من بلدهم، و کان هناک بالملايين من الأسری والجرحی و المعاقين، إلا أنّ جميع تلک التضحيات ذهبت هدرا بسبب الخلافات و المعارک بين قادة بعض التنظيمات. و أصيب الشعب الأفغاني المجاهد بالإحباط و اليأس. و لکن بفضل جهود الشيخ هبة الله و بجهود إخوانه الشيوخ الآخرين المتواصلة، و بخطبه العلمية واستدلاله الفصيح البليغ انتفض الشعب الأفغاني المجاهد ضدّ الغزاة الصليبيين، و بدأ جهاده بأيدي شبه خالية ضدّ التحالف الکفري العالمي الذي کانت تقوده أمريکا. وقد أثبت الشعب الأفغاني المجاهد خلال هذه المقاومة أنّ الأفغان مهما کانوا ضعفاء و مهما کانت أيدهم خالية من الأسلحة فإنّهم رغم کل ذلک يقومون للجهاد ضدّ الغزاة، و يکونون في ثقة من أنّ النصر في مقابل الباطل سيکون حليفهم ليقينهم بقول الله تعال:(وکان حقا علينا نصر المؤمنين).

إنّ وقوف أمثال الشيخ هبة الله من أهل العزم من العلماء  وراء المجاهدين  و تحريضهم و تأييدهم المعنوي لهم  کان من العوامل التي استطاع بها المجاهدون أن يهزموا التحالف الصليبي العالمي بقيادة أمريکا، و قوات أکبر تحالف عسکري کالأطلسي هزيمة تاريخية بأيدي شبه خالية. و قد عمل الشيخ خلال الخمس عشر سنة الماضية بوظايف مسؤول لجنة الدعوة والإرشاد، و قاضي محکمة التمييز،  والرئيس العام للمحاکم.

نائبا لقيادة الإمارة الإسلامية:

في عام 2016م حين أُعلن من قّبل الشوری القيادي عن وفات أميرالمؤمنين الملا محمد عمر رحمه الله تعالی، عُيّن الشهيد الملا أختر محمد منصور أميرا للمؤمنين، و عُيّن الشيخ هبة الله نائبا له.

کان الشهيد أميرالمؤمنين بموهبته التي وهبها الله إياه صاحب مهارة خاصة في تعيين الأشخاص و المسؤولين. و کان يعرف تقريبا جميع المسؤولين بأشخاصهم، وکان وظّف کل واحد منهم في الوظيفة التي تلائم علمه وکفاءته. وکان من بين أولئک المسؤولين الشيخ هبة الله أيضا، والذي کان الأمير الشهيد قد أدرک کفاءته العلمية و وجاهته الاجتماعية بين المجاهدين، و لذلک اختاره لمنصب نائب الأمير في الهيکل الإداري للإمارة الإسلامية ليُستفاد من کفاءته العلمية والعملية في هذا المنصب العالي. کان الشهيد أميرالمؤمنين موفّقا جدّا في هذا الاختيار، حيث تسبّب تعيين الشيخ في هذا المنصب في توحّد جميع المسؤولين العسکريين والمدنيين و تجمّعهم.

عمل الشيخ هبة الله لعشرة شهور کاملة في هذا المنصب، و قد کانت الإمارة الإسلامية في هذه الفترة تواجه تهديدات شديدة من قِبَل الأمريکيين و حلفائهم.

بعد وفات مؤسس الإمارة الإسلامية اتّخذ بعض الناس موقفا مخالفا للأمير الجديد، فکان في إقناع أولئک الناس وإصلاحهم بالعلم و الدليل دور کبير للشيخ هبة الله حفظه الله تعالی. فبذل الشيخ جهودا کبيره في هذه المرحلة الهامّة من تاريخ الإمارة الإسلامية، و قد اجتمع مرّات بقصد توحيد صف المجاهدين بالعلماء و الوجهاء و مسؤولي المجاهدين، و في جميع هذه الإجتماعات و اللقاءات کان يرکّز الشيخ علی وحدة صف المجاهدين. فکانت نتيجة جهود الشيخ و إخوانه العلماء الآخرين أن حفظ الله تعالی صفّ المجاهدين بقيادة أميرالمؤمنين الشهيد الملا أختز محمد منصور رحمه الله تعالی من التشتت والتفرّق، ووقف جميع أعضاء الشوری القيادي متفقين وراء أمير المؤمنين الشهيد الملا منصور رحمه الله تعالی، و بايعه  ولاة جميع الولايات والمسؤولون المجاهدون و وجهاء الشعب و جميع أطيافه علی دوام الجهاد ضدّ الغزاة الأمريکيين و أعوانهم.

زعيما للإمارة و أميرا للمؤمنين:

حين استشهد أمير المؤمنين الملا أختر محمد منصور رحمه الله تعالی بتاريخ14/8/1437هـ في غارة جوّية لطائرة أمريکية مسِّرة،  عيّن الشوری القيادي باتفاق الآراء الشيخ هبة الله أميرا للإمارة الإسلامية والقائد سراج الدين الحقاني  والمولوي محمد يعقوب بصفة مساعدَين له.

إنّ تعيين الشيخ هبة الله أميرا للإمارة الإسلامية هو العامل والسبب الأهم في تحقق المصالح الجهادية وفي استمرار الجهاد ضدّ الغزاة الأمريکيين وأعوانهم، وکذلک في الحفاظ علی وحدة صف الإمارة الإسلامية. و مع أنّ الشوری القيادي للإمارة الإسلامية کان في أعضائها کثيرين ممن کانوا يحظون بالشهرة العسکرية والسياسية ولکنهم باتفاق الآراء اختاروا لهذه المسؤولية الشيخ هبة الله لمکانته العلمية والجهادية و للحفاظ علی وحدة الصف الجهادي.لأنّ الشيخ يتمتّع بثقة ومکانة کبيرة بسبب المحبوبية الخاصة له في قلوب جميع أرکان و مسؤولي وعامة مجاهدي الإمارة، و قد حباه الله تعالی بصلاحية تجمّع جميع المسولين والمجاهدين حوله.

توجهه المذهبي والفکري:

الشيخ هبة الله عالم مذهبي مثل العلماء الآخرين في أفغانستان، و يتبع المذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة والجماعة. و توجهه الفکري هو اتّباع السنة و منهج السلف الصالح من هذه الأمة. يبتعد الشيخ عن کل التعصبات المذهبية والفکرية والتنظيمية، و يخالف بشدّة البدع والخرافات. و يعتبر وحدة الأمة رمز انتصار المؤمنين الأصلي، و يعتبر التفرق عامل شقاوتهم.

و في المطالعة العلمية للشيخ شغف کبير في سيرة النبي صلّی الله عليه وسلم. ولذلک حين ذهب للحج عام1999م کان في اشتياق زائد لرؤية المقامات التاريخية المذکورة في السيرة النبوية الشريفة مثل جبل الرماة و جبل (أحد) و ميدان غزوة (أحد) الذي جرح فيه النبي صلی الله عليه وسلّم، و استشهد فيه عمّه حمزة  رضي الله عنه في تلک الغزوة.

بعض خصوصيات حياته:

للشيخ مشخصات خاصة في حياته  العلمية و الاجتماعية، و ينظر إليه جميع مسؤولو و أفراد الإمارة الإسلامية بصفة شخصية جامعة و محترمة، و هذا ما جعله يقوم  بدور هام في جمع شمل المجاهدين في وقت استشهاد أميرالمؤمنين، و کذلک في وقت مبايعة المجاهدين له، و قد بايعه الجميع بالاتفاق ولم يخالفه أحد.

يقوم الشيخ منذ عشر سنوات ماضية علی التوالي بتدريس تفسير القرآن الکريم والأحاديث النبوية الشريفة، و له أعداد کبيرة من التلاميذ في أفغانستان. يتمتّع الشيخ إلی جانب غزارة علمه بالفصاحة و قوة البيان أيضا، والتي تؤهله لإقناع الجهة المقابلة بسهولة.

يتصف بالحزم والجزم في تنفيذ قراراته. هو قليل الکلام ولکن کلامه في وقت الضرورة يکون جادّا ومؤثّرا. و مع أنّه الآن في العقد الخامس من عمره إلا أنّه يعشق التدرّب و الإعداد للجهاد. الطمأنية و الوقار و الرحمة من ميزاته الأساسية. حياته بعيدة عن التکلف، ولا يُری أثر الرفاهية في مطعمه و ملبسه و مسکنه. و في وقت اللقاء يحس المرء کأنّه أخاه الودود أو أستاذه المشفق. يهتم بکل دقة بالأمور الجهادية، و بدل المطالعة و التدريس قد فرّغ الآن معظم وقته لتنظيم وتنسيق الشؤون الجهادية ومتابعتها. انتهی

 

جمع وترتيب – قسم التاريخ باللجنة الثقافية

۱۴۳۸/۳/۱۴هـ ق

۱۳۹۵/۹/۲۴هـ ش ـــ 2016/12/14م