حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد(18)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 18

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 168 ) | جماىي الآخيرة 1441 هـ / فبراير 2020 م  . 

03/02/2020

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 18 )

حقاني في منطقة فخري، تمهيدًا لمعركة قادمة مع الجيش الأحمر .

 

 

– أطفال يتعلمون القرآن رغم قصف الطائرات.. إنهم “طالبان” حكّام المستقبل .

– مجموعة قتالية من أبناء الشهداء فكرة أيدها حقاني.. وعجزنا عن تنفيذها .

– جولة حقاني بين قبائل زدران: تجديدا للبيعة على الجهاد، وإظهارًا للقوة أمام السوفييت وحكومة كابول .

– سياف والمخابرات الباكستانية يمهدون لفتح طريق زدران أمام السوفييت .

– حقاني يصاب على جبال زدران.. وتعرضت للاعتقال على الحدود مع صندوق من الأدوات الخطرة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

ينتمي ( نجيب ) الرئيس الجديد لمنطقة(سيد كرم ) جنوب جرديز، على مسافة ليست كبيرة من جبال ستي كندو، العقبة الجغرافية الكبرى أمام أي زحف عسكري صوب مدينة خوست .

كان اختيار السوفييت لنجيب رئيسًا، عملًا ذكيًا من نواحي عديدة: فهو شخصية قوية، عامرة بالمعلومات، ومرهوب الجانب، ومتشعب الصلات مع قبائل الحدود. كل ذلك بحكم منصبه كمدير لجهاز المخابرات الأفغانية خاد، وكانت جهازًا كفؤا كامتداد للمخابرات السوفيتية .

– من وقتها ومعركة (طريق زدران) الواصل من جرديز إلى خوست اتخذت طابعًا شخصيًا بين الرئيس الجديد نجيب، وبين مولوي جلال الدين حقاني الذي يقف في وجه أي غزو سوفيتي (عسكري أو سياسي) لذلك الطريق أو لولاية باكتيا عموما، أو لقبيلة زدران التي ينتمي إليها .

– أرسل نجيب رسائل ترغيب وترهيب لقبيلة زدران، يؤكد لهم عزم السوفييت على عبور (طريق زدران) وتموين خوست عن طريق البر. وأن السوفييت لن يرحلوا من أفغانستان قبل فتح ذلك الطريق، كونه الوحيد الذي لم تستطع قواتهم عبوره رغم أهميته الاستراتيجية . وأكد عزمه وعزم السوفييت على تدمير قرى زدران إذا أبدت أي مقاومة .

وأصدر نجيب قرارًا بالإعدام غيابيا بحق مولوي حقاني وعدد آخر من القادة الميدانيين. ولم يكن لذلك أي تأثير عملي سوى التعبير عن اليأس والحقد .

– بعد معركة جاور في شهر يونيو، وما أن تحسنت صحة حقاني وتماسكت الحروق التي أصيب بها من قنبلة النابالم في جاور حتى هيّأ نفسه ورجاله بسرعة للتحرك إلى مركزه في قرية (سرانا) الواقعة في قلب مناطق زدران، حيث مقر قيادته التاريخي في بدايات الجهاد.

الضابط عمرـ ذلك الشاب الحيوي ــ كان مشرفًا على أمنيات حقاني ومهّد له الرحلة المزمعة إلى مناطق زدران. حقاني أمر شقيقه خليل بإحضار ثلاث راجمات صواريخ من ولاية باكتيكا المجاورة لتعزيز قوة النيران الموجهة إلى جرديز، التي ينوي توحيد ضربات إليها حتى لا يظن العدو أن المجاهدين قد ضعفوا نتيجة معارك جاور .

كنا خمسة من العرب قرّرنا مصاحبة مولوي حقاني في رحلته، والمشاركة في أي برنامج قتالي حول جرديز .كان بيننا كل من أبوعبيدة البنشيري ـ وأبو حفص المصري، وكلاهما أصيبا في معركة جاور الأخيرة. الأول كانت إصابته خفيفة نسبيا ولكنه راسخ البنيان ـ ومن أبطال المصارعة في مصر ـ فلم يكن لتؤثر فيه إلا قنبلة ثقيلة من طائرة ـ وهو مالم يحدث لحسن الحظ .

أما أبو حفص فقد استقرت شظية من قنبلة الطائرة بالقرب من الحبل الشوكي في عموده الفقري. وامتنع الأطباء عن إزالتها خوفًا من إصابته بالشلل، فتعايش معها وتسببت له في آخر أيامه آلاما مبرحة حتى طرحته أرضًا، وكان يعمل من خلال سكرتير من تلامذته حتى استشهد فى غارة جوية أمريكية على مكان إقامته في قندهار .

أبوعبيدة ـ وأبو حفص ـ ثنائي نادرا ما يفترقان وقد أسسا معا ومعهما أسامه بن لادن تنظيم القاعدة في أواخر 1987 بعد معركة جاجي العظيمة التي كان الثلاثة من نجومها المبهرة . في ذلك الوقت كانا قد انضما إلى تنظيم الجهاد المصري، وكذلك الزميل الخامس الذي انضم إلى رحلتنا صوب(سرانا) .

– في الطريق تناقشنا مطولا حول معركة جاور الأخيرة ـ وحول احتمالات القتال على طريق زدران وماذا يمكننا أن نفعله فيها .

وبالطبع ناقشنا دور العرب في حرب أفغانستان . كنا نتفق أحيانًا ونختلف في معظم الحالات . كنت مع عبد الرحمن في نفس الطرف دائمًا، وفي خلاف مع الباقين غالبًا .

كنّا في مركز سرانا نحن الخمسة، وقد أنهكنا النقاش .

 

 

يوم الاثنين (28/7/86):

وجدتها فرصة لتخفيف التوتر داخل المجموعة أن أصطحب عبدالرحمن ونذهب لرؤية الشيخ جلال الدين الذي يزور مناطق زدران. وهو الآن في منطقة فخري. أخذنا دليلا إلى هناك، فوجدناها قرية خضراء رائعة عامرة بالحياة .تخترق واديها الضيق الساحر قوافل كثيفة متوجهة إلى الشمال ومكونة من عشرات الدواب تحمل أسلحة وذخائر، قادمة من باكستان.

كانت فرصة طيبة بالنسبة لنا أن نحضر عددا من لقاءات حقاني من عشائر قبيلته. كانت أشبه بعملية إعادة بيعة وإزالة الآثار السلبية لدخول القوات الشيوعية إلى جاور، وإعلان التصميم على إبقاء طريق جرديز  خوست مغلقا في وجه القوات الحكومية، التي مابرحت تهدد وتتوعد، وتعرض الأموال والسلاح في مقابل إعادة فتح الطريق .  لقد وصلت إلى زدران تهديدات ومساومات شتى، خاصة من أبناء زدران أنفسهم من كبارالضباط وأعضاء الحزب الشيوعي.

نجيب الله الرئيس الجديد الذي لم يكمل شهرين في السلطة وهو من أبناء جرديز ضاحية سيد كرم، كتب لهم يقول أن حكومة كابول قد تكلفت أموالا طائلة في نقل الإمدادات جوا إلى خوست، وهي لا تستطيع الاستمرار في ذلك، لذا فهي مصمة علي فتح طريق زدران بالاتفاق أو بالحرب .

في تلك الجولة التي استمرت عدة أيام حضرنا مع حقاني عدة ولائم فاخرة كأنها مباريات في تكريم الرجل ولكنها أفادتني كثيرًا، فقد بدأت أسترد عافيتى. ورغم كميات اللحم الكثيرة التي عرضت على تلك الموائد  فقد أغرمت وعبدالرحمن بالزبد والبصل الأخضر. وكان بصل فخري بالنسبة لنا أحد العجائب، وفي كل وليمة كنا ندس كميات كبيرة منه في جيوبنا  كي نتناولها فيما بعد تحت الأشجار أثناء فترات الراحة. نسينا تمامًا أجواء الحرب رغم خشيتي المستمرة من حدوث غارات جوية مفاجئة على تلك القرى السعيدة التي أنستنا, تقريبًا, المآسي الدائرة حولنا في كل مكان.  لم ينغص علينا الحياة سوى براغيث فخري التي لم نشهد مثيلا لوحشيتها، حتى أننا وضعنا فيها بعض الأشعار. وهي ليست أشعارًا بالمعنى الصحيح ولكنها أغنيات شهيرة حوَّرْناها لتناسب تلك المأساة, فكنا نتضاحك بتلك الأشعار الغنائية بين موجات الهرش الأليمة .

 

 

طالبان المستقبل :

أطفال يتعلمون القرآن تحت قصف الطائرات .

 

– علمنا أن هناك عدد من مدارس الأطفال في المنطقة مازالت تعمل ، فقمت مع عبدالرحمن بجولة على تلك المدارس استغرقت عدة أيام وكانت مؤثرة للغاية. أطفال يتعلمون القرآن تحت تهديد دائم بالقصف الجوي إلي جانب كل مدرسة هناك حفرة في جبل، يهرع إليها الأطفال عند سماع صوت الطائرات ، وقد حضرنا تجربة كهذه.

كانت محزنة حقا، رغم أنها لم تسفر عن ضحايا إلا أن أجواء الرعب نفسها والبساطة التي يتعامل بها الأطفال مع الخطر .. تؤثر كثيرًا في النفس. لقد تبارى الأطفال في تلاة القران أمامنا. وتزاحموا لمصافحتنا.

فمن كان يتصور أن هؤلاء سيحكمون أفغانستان مستقبلا؟؟

في أول زيارة ماكدت أدخل الغرفة الوحيدة في المدرسة حتى رأيت حوالي عشرين يدا صغيرة جدا ممتده نحوي للمصافحة, فجمعت الأيدي كلها وصافحتهم مرة واحدة

فأغرقوا في الضحك. أردت أن أصورهم فتسابقوا يحملون المصاحف وطلبوا منا بنادقنا حتى يضموها إلى صدورهم عند التصوير. التقطت لهم عدة صور كانت أفضل ما صورت خلال حرب أفغانستان كلها. ثم طبعتها فيما بعد بحجم كبيرا جدا ووزعتها على عدد من الأصدقاء في أبو ظبي وظلت واحدة منها معلقة في جريدة الاتحاد .

كان بعض الأطفال من الأيتام, وما أكثرهم في أفغانستان.  الصغير(محمد خان )فقد أمه وهو لم يدرك بعد  سنته الرابعة. كان بصحبة أبيه الذي يأخذه معه  في كل مكان  لأن باقي الأهل مهاجرون. حملته على كتفي ففرح كثيرًا ورفض أن يرجع إلى أبيه وطلب البقاء معي . وكم تمنيت ذلك وأحزنني فراقه. من تلك الزيارة جاءت إلينا فكرة تكوين مجوعة مقاتلة من الشباب دارسي العلوم الدينية ومن أبناءالشهداء ندرب هذه المجموعة ونقاتل بها، ونحضر لهم مدرسين من العلماءالأفغان، أي تكون مدرسة دينية قتالية . تداولت الفكرة مع عبدالرحمن وراقتنا كثيرا ثم عرضناها على الشيخ حقاني فرحب بها وقال بأنه مستعد لتسليح هؤلاء الشباب بالأسلحة المتوفرة لديه .

لقد وجدنا إذن مشروعنا القادم  إنه الحل لأزمتنا القتالية وفشلنا مع إخواننا العرب.

كان حقاني هو الآخر قد وضع قدميه, ربما بدون أن يشعر هو أو نشعر نحن، على أول أعتاب معركته الكبرى القادمة التي حدثت بعد ذلك بعام ونصف تقريبًا (ديسمبر87) تلك الحملة السوفيتية الضخمة التي انطلقت من جرديز لتفتح طريق زدران نحو خوست عنوة.

كان حقاني في رحلته تلك يهدف إلى تمهيد المنطقة سياسيا لقبول معركة كبيرة ضد حكومة كابول الشيوعية أذا حاولت اقتحام الطريق.  بلا شك كان هناك من ضعفت عزيمته نتيجة ما تخيلوه هزيمة جاور، ولطول مدة المعاناة والقتال ، والخسائر في الأرواح والأموال إلى جانب المغريات الهائلة التي تعرضها عليهم حكومة كابول وأبنائهم, أبناء باكيتا, بل وأبناء زدران نفسها, من كبار مسئولي الدولة. وهو ينوي أن يضع جارديز نفسها تحت ضغط عسكري ويبادر بالعمليات حتى يحتفظ بمعنويات رجاله مرتفعة ويرهب عدوه مظهراً له القوة، ويحشره مسبقًا في موقف الدفاع.  لذا فقد أرسل رجاله بقيادة أخيه إبراهيم إلى منطقة الأرجون لإحضار ثلاثة راجمات صواريخ متعددة الفوهات (بي ام 12) حتى يقصف مواقع الشيوعين في جارديز. وقد صادفه التوفيق في ذلك القصف الذي أدى إلي مصرع محافظ جارديز. وقد وصلته رسالة بذلك في6/8/86 .

وأفادت الرسالة أيضًا وهي من أحد المتعاونين معه هناك ـ أفادت بأن الوزيران أسلم وطنجار وجولاب زاي قد يصلان قريبا إلى جرديز للاجتماع برؤساء القبائل لطلب معاونتهم في فتح الطريق  وكلا الرجلين من باكتيا. طلب منا الشيخ أثناء تجوالنا معه أن نشارك المجاهدين في قصف المدينة, خاصة وأن المهمة يقودها صديقي القديم عبدالرحمن إبن عمه وأول كومندان عملت معه في أفغانستان.

رحبت بالفكرة رغم قراري المسبق بالرحيل : فقد كان يسرني أن أعمل مرة أخرى مع عبدالرحمن الذي أعتبره النقيض الكامل  للكومندان غنمكة. وهكذا بدأ حقاني هجومه المعاكس بعد معركة جاور. بدأه سياسيًا في وسط قبائل زدران وعسكريا على جارديز نفسها .

تخريب في ستي كندو:  ولكن الخيانة كانت أسرع فقد بدأت العمل في المنطقة قبل عشرة أشهر من وصول حقاني في رحلته تلك. وتحديدا بدأت في سبتمبر 1985 في أعقاب الحملة الأولي على جاور.

وبدأت المؤامره فوق جبال ( ساتي كندو) التي تمثل المفتاح الجنوبي ( لجرديز) كما تمثل المدخل الطبيعي لطريق زدران (جرديز/ خوست). مصدر المؤامرة كالعادة هو بشاور وتحديدًا سياف. وبالطبع فإن العبث فى مسائل استراتيجية على هذا المستوى الرفيع لا تترك لأمثال هؤلاء لكنها تأتي بأوامر واضحة صريحة من الجنرال أختر عبدالرحمن مدير الاستخبارات الباكستانية. وهذا الجنرال الخطير يمثل سياسة الدولة الباكستانية وينفذ صفقاتها مع أمريكا.

أهم مرتكزات اتفاق جورباتشوف مع ريجان هو عدم السماح بانتصار إسلامي في أفغانستان أو قيام نظام إسلامي فيها. وبالتالي عدم السماح للمقاومة الأفغانية بدخول مرحلة الحسم العسكري الذي يتمثل في إسقاط المدن والاستيلاء عليها. وخوست كما يدرك هؤلاء، أضعف الحلقات في المدن الأفغانية الأساسية نتيجة حصارها

المزمن الذي يجعلها قابله للاقتحام من طرف المجاهدين على ماهم فيه من ضعف وتمزق.

لذا كانت لخوست تحديداً أهمية خاصه على المستوى الدولي لأنها تتحكم في مصير قضية دولية من الدرجة الأولى. تلك كانت بديهية لم يدركها العرب المجاهدون، وحتى أكثر الأفغان. لكن الخطوات قد اتخذت منذ عام 1985 لمنع سقوط خوست . وكانت الخطوة الأولى فوق جبال ستى كندو.

فماذا حدث هناك؟ لقد قرر سياف إقامة جبهة عسكرية لحزبه فوق قمم (ساتى كندو) وهذا إجراء منطقي في ظل الفوضى العارمة في صفوف المقاومة الأفغانية سواء سياسياً أو عسكرياً . ولكن ذلك الإجراء كان استثنائياً في أهميته نتيجةعاملين:

(الأول) الأهمية الاستراتيجية الفائقة لجبال (ساتي كندو).  (الثاني) خطورة الشخصية التي عينها سياف لتتولى ذلك العمل الحساس وهي شخصية الكولونيل(حاظر محمد) الشيوعي القديم.

فمن هو الكولونيل (حاظر محمد )؟ يقول الضابط عمر مسئول الاستخبارات عند حقاني في ذلك الوقت وزميل الدراسه لحاظر: كان ذلك الضابط عضوا قياديا في (حزب خلق) الشيوعي لمدة اثنتى عشر عامًا متتالية، لذا فقد حصل على ترقيات عسكرية سريعة. تلك الترقيات كان لها مبررات عمليه إلى الجانب الانتماء السياسي، فالقسوة وارتكاب المجازر ضد المدنيين أحد المؤهلات المعتبرة جدًا للحصول على ترقيات عسكرية سريعة.وقد شهد أحد الضباط الأسرى في معركة (شهرناو) في

باكتيا عام 1984 أنه شارك في معركة تحت قيادة (حاظر محمد) في مدينه باغمان غرب كابول، وأن حاظر محمد أمر سكان القرية بالخروج من بيوتهم والإحتشاد أمام أحد الجدران الطينية ثم فتح عليهم النيران المدفع الرشاش الثقيل من مدرعه القيادة التي كان يستقلها.

وقد قتل25 شخصًا في ذلك الحادث وجرح كثيرين. حاظر محمد من قبيلة زدران , وهنا خطورة أخرى لدورة القادم, وهو أيضاً ابن عم الرائد (جولزراك) المستشار العسكري القديم لحقاني, والقائد العسكري الحالي لسياف .

الأخ الأصغر لحاظر محمد وهو ضابط ويدعى (حادي محمد) هرب من الخدمه العسكرية عام 1982, أي قبل أن يهرب حاظر نفسه بعام والتحق بمكتب حزب يونس خالص في بشاور حيث تم تعيينه مديراً لمخزن الذخائر المركزي في الحزب.

و قضى هناك خمس أشهر كاملة, وهو بحكم منصبه يستطيع الإطلاع على أسرار عسكرية خطيرة مثل كميات الأسلحة والذخائر وعدد مراكز المجاهدين وأماكن توزيعها وعدد أفرادهم وتسليحهم الحالي، ماتسلموه من  أسلحة ومهمات.

خمسة أشهر كانت كافية لهذا الضابط النجيب كي يعرف كل ما يريد أن يعرفه هو وقادته, قبل أن يفر مرة أخرى إلى كابل, كى يتم تعيينه قائداً لكتيبة دبابات شاركت بنشاط في سحق قواعد كثيرة للمجاهدين خاصة في منطقة أورجون. يقول الضابط عمر أثناء حديثه معي وقتها:

منذ أسبوعين استدعى حاظر محمد صديقه الحميم الرائد (أنذر جول) وكان قائداً في منطقة غزني، فحضر إلى (ساتي كندو) لزيارة صديقه (حاظر) الذي أرسله إلى باكستان كي يعيش في بيت خاص قرب مدينه (منسرة) في منطقة تدعى (قلندرآباد) .

وقد قام الضابط عمر، حسب قوله  بإبلاغ السلطات الباكستانية وتحذيرها من ذلك المهاجر الشيوعي. ولكن كانت المفاجأة غير سارة لعمر، فبدلاً من أن يشكروه على ذلك فإذا بهم يزجرونه ويردوه رداً غير طيب !!. (انتهى كلام الضابط عمر). لقد فهمت من ذلك أن هناك عملاً للحكومة الباكستانية أو مؤامرة بمعنى أصح . مع هؤلاء الضباط الشيوعيين (حاظر محمد) و(أنذر جول) وربما غيرهم أيضاً. وأن تلك المؤامرة مرتبطة بطريق زداران وإنقاذ خوست من أيدي المجاهدين.وكما علمنا في

موضع سابق من الكتاب أثناء سرد أحداث عام 1983 أن (حاظر محمد) قد فر من الجيش أثناء معارك الأورجون والتحق بالمجاهدين بناءً على اتصالات بينه وبين جولزراك الذي كان يعمل مع حقاني يومها. وحتى وقت التحاقه بالمجاهدين في الأورجون كان حاظر محمد قد حصل على ميدليات ذهبيه لقتاله إلى جانب السوفييت في معارك هامة في بانشير وكونار وباغمان، من بين تلك الميداليات وسام لينين، ذو المكانه العالية، وهو من أعلى الأوسمة.

وأثناء دراسته سابقاً في موسكو حصل على عدة شهادات تقديرية. ولايحتاج الإستنتاج بأن وصول(حاظر محمد) إلى(ستى كاندو) كان مقدمه لتسليم هذه المرتفعات الاستراتيجية للقوات السوفيتية.  إن مجرد وجود (حاظر محمد) مع مجموعة قوية ومسلحة من قبيله زدران خطوة مهمة بلا شك للإجتياح القادم.

ولكن ذلك لابد أن يصاحبه خطوة أخرى لاتقل أهمية وهي إضعاف حقاني

عسكرياً وسياسياً إلى أقصى حد, هذا إذا لم يتيسر التخلص منه نهائيًا بواسطة الاغتيال.

إضعاف حقاني يمكن إتمامه بسحب تأييد قبائل زدران له بالأموال والسيارات. لذا زود سياف قائده الكولونيل (حاظر) بكميات وفيرة من تلك المواد لجذب قادة وزعماء زدران إلى الجبهة العسكرية الجديدة بعيداً عن حقانى. سارت الخطة في بدايتها بنجاح لولا أخطاء إرتكبها الكولونيل نتيجة عجزة عن تمويه حقيقته السياسية والأخلاقية. فعلى المستوى السياسي اكتشف أهالي زدران أن هناك ارتباطات شبه علنيه بين الكولونيل وبين قيادات (جرديز) الشيوعية وفاحت الرائحة حتى زكمت الأنوف.

وزادها قبحًا سلوكيات الكولينيل والتي فشل في سترها فهو لا يصلي مع المجاهدين

في أوقات الصلاة ولا في غيرها. مع اتهامات أخلاقية مسيئة .

بدأ العلماء  بالهجوم الدعائي ضده في أوساط القبائل وحذروا الناس منه أو الانضمام

إلى جماعته. وقد أثر ذلك كثيرًا على مركزه الأدبي وعلى مخططه المنشود ولكنه لم يقض عليه تمامًا. وأراد حقاني التخلص منه فأمر رجاله بإلقاء القبض عليه وإحضاره لمحاكمته. ولكن أصحاب الرأي من حوله حذروه من مغبة ذلك العمل، فإن فخذ قبيلة زدران الذي ينتمي إليه سوف يثور لأجل الدفاع عنه من منطق الحمية القبلية، وقد يقع قتال داخلى في قبيلة زدران مابين مؤيد ومعارض , وبهذا تتفتت تلك الوحدة  التى إستطاعت أن تحافظ عليها زدران ومكنتها من صد حملات الشيوعيين وهزيمتهم على الدوام، وبفضل ذلك أصبح حقاني نفسه زعيماً مرهوب الجانب معدوداً في أهم رجالات الجهاد في أفغانستان، إن لم يكن أهمهم ميدانياً.

اقتنع حقاني بوجهه نظرهم، واكتفى بناء على مشورتهم بأن يرسل رسالتين واحدة لسياف والأخرى للرائد جولزراك يطلب منهما عزل الكولينيل حاظر محمد نهائياً  أو إبعاده عن جبل ساتي كندو على أقل تقدير. يقول الرسول الذي حمل الرسالة أنهما ما أن فرغا منها حتى مزقاها وتجاهلا الأمر!!..

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

عام 1988 : نكبات كثيرة في عام واحد

الجمعة “الأول من يناير 1988 ” :

في ورشتنا الصغيرة التي تشغل غرفة واسعة في بيتنا فى ميرانشاه، بدأنا منذ الصباح الباكر في فحص أجهزة التحكم من بعد ” الريموت” أو الكراكير حسب تسميتنا لها. فثبت لنا صلاحيتها، فهي آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا العربية في بيشاور.

وصلنا أيضا من هناك زوج من أجهزة اللاسلكى الصغيرة المتحركة صناعة اليابان.

كان العمل كثيفاً والجميع مشغولون والاحتمالات مفتوحة على مصراعيها بحيث لايستطيع أحد الجزم بما يمكن أن يحدث بعد قليل.

كل معداتنا أصبحت جاهزة. أرسلنا أحد المجاهدين للحصول على تصريح لمرور سيارتنا بالأسلحة والذخائر من سلطات ميرانشاة ، كما هي القوانين السائدة، وكان ذلك غير ممكن في يوم الجمعة لذا لابد من الإنتظار إلى الغد .

أخبار القوات الشيوعية مضطربة حتى بتنا نظن أنها لم تدخل خوست ، وأن ما رآه مجددي وآخرون لم يكن إلا انسحابًا جزئيًا للقوات الشيوعية من مضيق “دوامندو” لإيهام المجاهدين بأن القوات السوفييتية قد وصلت .{ فى يوم سابق أخبرنا الشيخ صبغة الله مجددي ونحن في منطقة باري أن القوات السوفيتية  تخطت مضيق “دوا مندو” ودخلت وادى خوست ووصلت إلى المدينة} وصلتنا أيضاً إشاعات أخرى بأن حقاني مازال في “سرانا”. واستنتجنا أنه ربما تمكن من تطهير ماحولها.

لم تكن كل تلك الإشاعات صحيحة وأن كانت قد رفعت روحنا المعنوية مؤقتاً.

قررنا الإستمرار في عملية” تورغار” وبما أنها تحتاج إلى تجهيز طويل، لذا فقد قررنا البدء بالمطار أولاً، فور وصولنا إلى منطقة بارى.{ أردنا وقتها أن ننسق مع مجموعات المجاهدين في منطقة باري هجوما على جبل تورغار وجزء من خط الدفاع الجبلي، بغرض الاستيلاء على ذلك الجبل الاستراتيجي}.

السبت 2/1/1988 :

اجتمعنا مع خمسة من شباب أبو عبد الله” أسامه بن لادن ”  وكوادره العسكرية وشرحنا لهم عملية “جبل تورغار” وأهميتها ودورنا فيها والإحتياجات المطلوبة.

وتكفل الوفد بإعداد القوة العربية وتجهيزها. وأرسلنا سيارة محملة بالمعدات والأفراد من ميرانشاه إلى مركز مالى خان فى بارى. واستأجرنا سيارة أخرى لتنقلنا إلى نفس المركز، ولكن السائق ما أن دخل إلى ” شارع الصحافة” (وادى ضيق مكدس بمغارات المجاهدين) حتى راعته وعورته ورفض المسير فرجعنا إلى مركز ” عيد جول”. وقضينا ليلتنا هناك وكنا أربعة أشخاص من العرب.

 

 

الأحد 3/يناير/1988 :

بعد تناول شاي الصباح توجهنا إلى مركز منان الواقع على مسافة قريبة كى نزور صديقنا شفيق الذي يترأس سبعة من جماعة أبو عبدالله كمجموعة إستطلاع ورماية بالهاون.

أسعدنا تواجد منان معنا في المركز، خاصة في تلك الظروف، ولكنه حمل إلينا هذه المرة ثلاثة أخبار سيئة دفعة واحدة.

الأول: أن القوات الشيوعية قد عبرت الطريق إلى خوست.

الثانى: أن تلك القوات قد دخلت “سرانا” مركز قيادة حقاني قرب “جارديز”.

الثالث: أن جلال الدين حقاني قد جرح في المعارك الأخيرة.

وقد أذيع الخبر الأول في الإذاعات أما الخبرين الآخرين فمصدرهما مكالمة لاسلكية من عند حقاني.

حسمت أخبار منان حالة التشويش التي خيمت على الجميع منذ مقابلة مجددِي.

لقد اتضحت الأمور الآن بجلاء.  لقد حققت القوة أذن معظم مهماتها الرئيسية وكنت أتصور أن خطوتهم التالية هي إغلاق المنافذ الحدودية، خاصة مدخلي” صدقي” و “غلام خان”، وبالتالي كنت أتصور أن المعركة التالية سوف تكون بين جبال بارى لمنع وصول القوة إلى” غلام خان”. ترافقها معركة أخرى فى “ليجاه” وحول جاور  لمنع وصول القوة إلى “صدقي” .

كنت أتصور أيضاً أن المواقع الخلفية الرئيسية لن يكون لها دور يذكر لأنها معلومة بدقة لدى العدو وسوف تقع تحت ضغط هائل من الطيران والمدافعية وأن الأهمية الأكبر ينبغي أن تكون للمجموعات الخفيفة المتحركة. لذا قررنا فوراً ترحيل كل أفرادنا غير المدربين أو الجاهلين بالمنطقة حتى لايسببوا لنا إرتباكاً وخسائر غير ضرورية، كذلك ترحيل كل الذخائر والمعدات التي لا تلائم العمليات المتوقعة،

أو إخفائها فى أماكن سرية يمكن وصولنا إليها عند الضرورة.

تحركنا لرؤية جماعتنا في مركز مالي خان وكانوا فى معظمهم من جماعة ” تورياليه” وكان ابني وليد معهم محتفظًا بمعنويات طفولية عالية. زرنا مركز جماعة محمدي وكان يحتوي على مغارتين ضخمتين جداً داخل الجبال العالية، داهمتنا إثنتاعشر طائرة ودارت فوق رؤسنا فلجأنا إلى المغارات وبقي قليلون يتابعون حركتها .” ثلاثة رشاشات ثقيلة ” زيكوياك 14.5 مليمتر . أطلقت نيرانها على الطائرات لكن الطائرات كانت مرتفعه وخارج مدى مدافع المجاهدين. دارت الطائرات وقصفت المنطقة حول مركز منان، ولم تحدث خسائر.

علمنا ذلك عند عودتنا إلى مركز منان الذى أخبرنا عندما سألناه عن أخبار المطار بأن الطائرات لم تستخدمه منذ ثلاثة أيام ، أي منذ أخبرنا مجددي عن دخول القوة إلى خوست .

يؤكد ذلك أن أهمية المطار قد تراجعت كثيراً بعد فتح الطريق البرى، وهو أمر منطقي ومتوقع بل أنه من الأهداف الرئيسية للحملة، أى إستبدال الجسر الجوى باهظ التكلفة بطريق برى أرخص وذو قدرة أكبر على نقل معدات ثقيلة وكميات أكبر من الأمدادات.

 

 

الإثنين 4 /يناير/1988 :

في الصباح تناقشت مع عبدالرحمن في المواقع الواجب على العرب التمركز فيها تمهيداً للمهمة القادمة التى نتوقعها للقوات الشيوعية، وهي إغلاق منفذي الحدود في “صدقي” و”غلام خان”. مرة أخرى وجدنا كمية لابأس بها من المعدات الكهربائية والألكترونية لاحاجة لنا بها، وكانت ملء صندوق كامل، ولابد من إعادتها إلى ميرانشاه.

لقد تغير شكل العمليات المتوقعة بشكل حاد، وبدلا من مهاجمة المطار ، وبالأحرى مهاجمة الطائرات وهي جاثمة على المدرج، وبدلا من مهاجمة “تورغار” الرهيب، فالمتوقع الآن معارك في ساحة واسعة من الجبال ذات الشجيرات والمياه الوفيرة، في منطقة باري التي نعرفها جيدًا ، بل ونعشقها كأنها مسقط رأسنا. كنا نتصور دوماً أن قتالا بهذا الشكل في منطقة كهذه ممكن أن يكسر عظام السوفييت.

نقطه حيوية في تلك المعارك هو معرفة الأرض بشكل جيد، وعلى هذا فإن معظم العرب، لا يصلحون لها، ماعدا أفراد قلائل عرفوا شيئا قليلاً عن المنطقة، فيمكنهم العمل بشيء من المجازفة والخطورة.

السلبية الكبرى هو عدم تعود المجموعات الأفغانية على تلك الحرب فهم يفضلون القتال من ثبات عند خط التماس الأول، فإذا حدث تراجع فإنه عند معظمهم لا يتوقف إلا عند حدود بيته في المهجر، أي في باكستان.

كنا نتصور أيضاً أن مجموعة منان هي أنسب المجموعات للعمل معنا فى مثل ذلك البرنامج، وفي الحقيقة كنا نفضلهم في كل عمل عسكري كشريك كامل.

– من المنطقي أن يكون تسليح المقاتلين خفيفاً أي أنه يشمل البنادق بأنواعها والقاذف

الصاروخي “آر/بي/جي” كتسلح رئيسى للجماعة المقاتلة، وأيضاً الرشاشات الخفيفة من طراز “ستكا” أو”بيكا” السوفييتية، ولكن الذي قد لايتصوره كثيرون هو أن هاون من عيار “82مليمتر” يمكن إستخدامه في أمثال تلك المعارك خاصة فى المناطق ذات التضاريس الوعرة، وضد قوات كثيفة مسنودة جوياً، ومدفعياً بكثافة، ولهذا السلاح إمكانية مناورة أيضاً وإن لم تكن كبيرة، ولكنها كافية ، بل ومرعبة للعدو خاصة إذا إستخدمه طاقم جيد يتمتع بترصد مناسب، ويعرف جيداً مسالك المنطقة التي يعمل بها.

قد حدث ذلك بشكل واضح فى معركة جاجى 87 مع بعض هاونات العرب والتس عمل على بعضها أفغان ذو كفاءة  مثل” معلم عبدالله” الذي ساهم على الهاون بأسهامات بارزة في تلك المعركة خاصة ضد تحشدات الكوماندوز السوفييت منذ أول شوال 1407هـ .

أيضاً المدفع عديم الإرتداد “من عيار82” أثبت كفاءة ومرونه كبيرة وقد إستخدمه الأفغان في أحوال كثيرة كبديل عن القاذف الصاروخى “آر/بى/جى” وتفوق عليه في أوقات كثيرة، خاصة فى حالات القتال من حالة الحركة بإستخدامه من فوق الكتف.

أيضاً صاروخ كاتيوشا “عيار107 مليمتر” يعتبر سلاحاً مناسباً أيضاً لتلك المعارك عند إطلاقه بدون قاذف أي من فوق الأحجار.

تلك الأسلحة الثقيلة لايشترط حملها والتحرك بها طول الوقت، بل تستخدم من موقع معين ثم يتم إخفائها في موقع آخر ليعاد إستخدامها فيما بعد من موقع جديد، وبذلك نتخفف من أحمال كثيرة ونظل متمتعين بمرونة كبيرة في الحركة، مع قوة نيران لايستهان بها.

وهكذا نرى أن المعرفة الجيدة بالأرض، لاتعني قدرٍة أكبر على المناورة فقط ، بل تعني أيضاً قوة نيران أكبر، بإستخدام أسلحة أثقل ، مع إخفائها وتحريك مواقعها باستمرار.

أما الألغام والمتفجرات والشراك الخداعية فهي بلاشك أفضل مايمكن إستخدامة إذا توافرت الخبرة المناسبة فنياً، مع الإستخدام التكتيكي الذكيّ مع الانتباه إلى السيطرة الجيدة والتفاهم بين المجموعات حتى لا تقع مجموعاتنا المقاتلة في مكائد فريق المتفجرات.

 

 

اعتقال على الحدود :

– استأجرنا سيارة من باري للإنتقال بها إلى ميرانشاه ونقل أدواتنا التى وضعناها في صندوق خشبي متوسط الحجم من صناديق الذخيرة.

ركبت السيارة ومعي أبو أنس وشفيق، وفي الطريق ركب أفغان كثيرون، ومررنا بسلام من نقطة غلام خان، ولكن في نقطة ثانية تدعى “حسدار” لمح رجال الميليشيا الصندوق وأصروا على تفتيشه، ويبدو أنهم ظنوها ذخيرة قادمة من داخل أفغانستان، و كان ذلك ممنوعاً رسمياً، ولكنه ممكن كأي شيء آخر إذا استخدمت الرشوة.

تعقدت المشكلة فجأة عندما أكتشف جنود الميليشيا أنني “أجنبي” وطلبت من الزملاء مواصلة الرحلة إلى ميرانشاه وإستدعاء نجدة من مكتب حقاني. وكنت أدرك أن مثل تلك المواقف لا تشكل خطورة ويجرى حلها باتصالات عادية أو بعض الرشاوى.

فلم نكن، كعرب مطلوبين، بل كنا موضع ترحيب، وتوقيفنا يتم برفق إذا إستدعت الضرورة ذلك، مثل ضغوط مفاجئة من السعودية ( عند خشيتها من أن يتورط شبابها في تدريبات عسكرية معينة ، أو إختلاطهم  بالتيارت الفكرية لفئات مشبوهة).

صرفت الميليشيا جميع الركاب واحتجزوني مع السيارة وسائقها.

ولكن هذا الأخير تمكن بوسائله الخاصة من أقناعهم بأنه لادخل له بهذه “الجريمة”، فسمحوا بالانصراف، وبقيت أنا والصندوق في قبضة رجال الميليشيا الذين تجمعوا بأعداد كبيرة ¬ لا أدري من أين جاؤوا، ليشاهدوا هذا الصيد العجيب. ثم توجه أحدهم إلى داخل مبناهم الكبير القريب من الطريق كى يجري اتصالات لاسلكية مع مسؤولين كبار، كما فهمت من حديثهم.

بدأت عملية تفتيش الصندوق وقام بها إثنان من الجنود وجلس ثالث يدون فى كشف خاص نوع وكمية المضبوطات، وأدركت أنهم لايفهمون شيئاً مما في أيديهم من محتويات الصندوق فبدأوا يسألوننى عن أسمائها حتى يستطيعوا كتابتها في الكشف.

فتحول الموقف إلى شيء من الكوميديا. ومالبثنا أن بدأنا التحدث بشيء من الود، وإلتقطت لهم عدة صور بالكاميرا التي أحملها معي غالباً .فسبب لهم ذلك سروراً مفاجئاً.

فأجلسوني على كرسي خشبي حتى يحضر المسؤولون لإستلامي. بعد حوالي ساعة، حضرت سيارة فخمة من طراز، “رانج روفر” من ذلك النوع الذي يركبه قادة الأحزاب الأفغانية، ولكن بداخلها رجلان فهمت من ملامحهما أنهم من ضباط

الإستخبارات العسكرية.

كنت أشعر بالحنق تجاه جنود الميليشيا الحمقى وهم يقلبون في محتويات الصندوق بانهماك كامل، بينما القوات السوفيتية قد دخلت خوست، وأصبحت ميرانشاه على مرمى حجر.

لم أتمكن من التعبير عن مشاعري لسببين، الأول: هو عدم وجود لغة مشتركة.

والثاني: هو أنهم حمقى لايدركون في الدنيا شيئا سوى السلب والنهب تحت حماية ملابسهم الرسمية نهارًا، وتحت حماية الظلام ليلًا.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد(18)




النص الكامل لهجمات موقع “الوطن أون لاين” علي موقع مافا السياسي

النص الكامل لهجمات موقع “الوطن أون لاين” علي موقع مافا السياسي

الحملة السعودية .. دفاعاً عن تهويد المقدسات الإسلامية

تتواصل الحملة السعودية ضد موقع مافا السياسي ، ومصطفى حامد ، إنطلاقا من العربية (نت) وصولا إلى قناة العربية ، ثم المنصات الصهيونية فى الولايات المتحدة .. وأخيرا .. جريدة الوطن السعودية التى ينشر موقع مافا نص هجومها الأخير .

ومصطفى حامد ـ يكتفى بنشر نص آخر مقالاته ، والمعنون ( المقدسات الإسلامية .. تحرير لا تدويل ) ، وتدور حول موضوع تهويد القدسات على يد (بن سلمان) أعجوبة الصهاينة العرب .

ليضاف هذا المقال إلى سلسلة سابقة بعنوان ( عندما تسقط راية الإسلام .. ويضرب إعصار الردة جزيرة العرب ) . فتلك هى أسباب حملة  الغضب السعودى المسعور ، وفيها الرد الشامل عليها .

المقدسات الإسلامية : تحرير .. لا تدويل

https://goo.gl/rBjbg9

 

إدارة موقع مافا السياسي

https://t.me/mafa_web_admin

………………….

 

إيران تعيد تنشيط موقع مؤرخ القاعدة لمهاجمة السعودية

 

الرياض: نايف العصيمي 2018-02-25 1:36 AM     

 

وسط تصعيد إيراني ضد المملكة وشعبها، أعادت طهران تفعيل موقع إلكتروني يديره ما يسمى بمؤرخ تنظيم القاعدة مصطفى حامد، والمكنى بـ«أبي الوليد المصري»، إلى المشهد، استمرارا لسياستها في دعم التنظيمات الإرهابية والتدخل في شؤون دول الجوار، وفي إطار محاولتها نشر خطاب الكراهية ضد السعودية ضمن ما يعرف بمخطط تدويل الحرمين الشريفين.

وكان الموقع الإلكتروني قد تم إنشاؤه عام 2009 في طهران، غير أنه مر بمرحلة ركود إلى أن تم تنشيطه مؤخرا بدعم السلطات الإيرانية، وأن أبا الوليد المصري البالغ من العمر «73 عاما» يعاني من الإفلاس، إثر انسلاخه من كل ارتباطاته السابقة بالإرهابيين القدامى وعدم ثقة قيادات التنظيمات الإرهابية بشخصه، وتحذير القيادات للعناصر من التعامل معه.

أهداف التأسيس

طبقا للتقرير، فإن الهدف من تأسيس موقع «مؤرخ القاعدة»، تركز في بداياته على نشر 6 كتب أعدها عن أفغانستان وتاريخ العرب في مرحلة ما يسمى بـ«الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي»، غير أن الكتب الستة انتهى بها المطاف آنذاك إلى أقراص مدمجة «CD»، وعمل منها 10 نسخ وزعها على المقربين، وعاد موقع مؤرخ القاعدة بهيئة جديدة ومن طهران أيضا. وزعم مؤرخ القاعدة أن عودة موقعه إلى طبيعة مناخ الحريات المرتفع في إيران، متناسيا حرمان الشعب الإيراني من ممارسة حريته في التعبير أو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ومتجاهلا استغلال نظام الملالي له كأداة أو مطية مثل باقي الإرهابيين والمتطرفين الذين تحتضنهم طهران لاستخدامهم في زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع.

تناقضات المؤرخ

تتضمن أوراق «مؤرخ القاعدة» سلسلة طويلة من المتناقضات في التحزب والانضمام إلى تنظيمات إرهابية، فضلا عن علاقته المشبوهة بإيران. وبدأت علاقة مصطفى حامد مع التحزب عندما التحق بجماعة «أشبال الإخوان» في مصر وهو في السادسة من عمره، وانتهى به السبيل في العشرات من الأحزاب والجماعات الإرهابية، كما عمل أبوالوليد المصري مراسلا لقناة «الجزيرة» القطرية في قندهار، ومارس الكتابة الصحفية في العديد من الصحف والمواقع التابعة للتنظيمات الإرهابية.

من أوراق «مؤرخ القاعدة»

ربطته صداقة قوية بجميع القيادات القديمة في تنظيم القاعدة

التقى زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن للمرة الأولى عام 1988

أقام في باكستان مع أسرته، في الفترة من 1985 حتى منتصف عام 1986

شارك ضمن جماعة حقاني في معارك جرديز والأورجون في ولاية باكتيكا

سافر إلى أفغانستان عام 1979، وعمل مع مولوي جلال الدين حقاني

كتب عن الجهاد الأفغاني وشارك فيه منذ عام 1979 قبل الغزو السوفيتي

تخرج من كلية الهندسة جامعة الإسكندرية عام 1969

التحق بجماعة أشبال الإخوان  وهو في السادسة من عمره

ولد بمحافظة الشرقية  المصرية  عام 1945

تعرف في بيشاور على أيمن الظواهري عام 1986 وربطته به علاقة قوية

تربطه علاقات بالعديد من كوادر الجماعات المتطرفة من مصر وغيرها

في مارس 1993 وجد نفسه مطلوبا  للاعتقال، فأرسل أسرته إلى اليمن

لجأ إلى ولاية «خوست» الأفغانية، وأقام في معسكرات إرهاب تابعة للقاعدة

أشرف على برنامج لتدريب كوادر متطرفة لحزب النهضة الطاجيكي منذ أوائل 1993

تعرف على مولوي إحسان الله إحسان، وهو من كبار قادة حركة طالبان عام 1995

لديه علاقات مع العديد من كوادر ومسؤولي طالبان

ذهب إلى السودان في شتاء عام 1996 وبقي هناك عدة أشهر

بايع زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر في أواخر عام 1997

كتب في عدة مواقع تابعة لتنظيمات إرهابية

عمل مراسلا لقناة الجزيرة القطرية بين 2000 و2001

 

اضغط على الصورة لتكبيرها

 




جومل فى زمن الجهاد الجميل

جومل فى زمن الجهاد الجميل

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثانية عشر – العدد 139 | محرم 1439 هـ – أكتوبر 2017 م

“جومل ” فى زمن الجهاد الجميل

 عندما قاتلت الأرض والسماء مع المجاهدين فى “جومل”.

الكلب الذى فرَّ من الخدمة فى الجيش الأحمر وعمل مع المجاهدين .

تحميل مجلة الصمود عدد 139 : اضغط هنا

أثناء تصفحى لأخبار “إمارة أفغانستان الإسلامية ” قرأت عن إصدار تقرير مرئى صادر عن القسم السمعى والمرئى فى اللجنة الإعلامية ، وكان عنوان الخبر: (فتح مديرية جومل ) تقرير مرئى جديد لاستديو الإمارة الإسلامية .

حاولت مشاهدة التقرير فلم أستطع نتيجة لمشكلات فنية فى شبكة الإنترنت عندى . فنادرا ما استطعت مشاهدة إنتاج ذلك القسم الإعلامى المتميز ، ولكننى هذه المرة تمكنت من مشاهدة لقطات محدودة عن التدريبات العسكرية لشباب المجاهدين . كانت نوعية التدريبات متقدمه جدا ، وملابس المتدربين مشابهة لملابس قوات الجيوش المتطورة .

لم أتمكن من مشاهدة تقرير الفيديو كاملا، وبدلا عن ذلك عمل شريط الذكريات عندى بسرعة. فتذكرت أحداث الجهاد الأول فى”جومل” وولاية باكتيكا عموما ، خاصة معركة (أورجون) التى تشرفت بحضور جزء منها تحت قيادة المجاهد الأسطورى مولوى جلال الدين حقانى. وكان قائدى المباشر هو مولوى “محمد حسن ” الذى إنقطعت عنى أخباره منذ سنوات طويلة .

وجاورنا من الشرق مجموعة يقودها مولوى أحمد جول ، الناسك المقدام رحمه الله ، وهو أيضا من الشخصيات النادرة التى غاب ذكرها تقريبا عن كتب التاريخ ، رغم أنه فى حد ذاته موسوعة تاريخية للجهاد مع تجربة عرفانية نادرة .

إستغرقت المعركة عدة أشهر من صيف إلى شتاء عام 1983 وقد كتبت عنها فى كتابى المعنون (معارك البوابة الصخرية). فذكرت الكثير من التفاصيل التى عايشتها أثناء فترة وجودى هناك . وقد إنتهت المعركة بتساقط الثلوج ، والمجاهدون قد إقتحموا المدينة إلى منتصفها تقريبا ، وبينما معاركهم تدور فى شوارعها ، وصلت فجأة قوات الإمداد السوفيتية إلى المدينة بعد أن فتح أمامها الطريق القائد (خالد فاروقى) التابع لحكمتيار، بعد “تفاهمات” مع الشيوعيين . وبصعوبة بالغة تفادى المجاهدون داخل المدينة الوقوع فى حصار تلك القوات .

وبعدها عمل الطيران السوفيتى بضراوة بالغة ضد المجاهدين . وقد صف لنا فيما بعد مولوى جلال الدين حقانى قدرة المناورة لدى الطيران السوفيتى الجديد . ولم نكد نصدق أن تلك الإمكانات موجوده بالفعل ، حتى تكررت بعد ذلك فى معركة جاور عام 1986 ثم معركة فى جلال آباد عام 1989 . وفى كل حالة كان للطيران السوفيتى وقدراته الحديثة دورا فى هزيمة المجاهدين ، ولكنه لم يكن دورا حاسما على الإطلاق ، بل فى كل مرة كان للخيانة الدور الأبرز ، سواء فى ميدان القتال أو فى بيشاور ـ مقر قيادات الأحزاب الجهادية ـ التى لم تدخر وسعاً فى إفشال معارك المجاهدين الكبرى ، وحتى فى إفشال محاولات التنسيق فيما بينهم داخل الجبهة الواحدة ، ناهيك عن العمل الموسع بين عدة محافظات داخل البلاد .

وفى ذلك الباب روايات لا تكاد تنتهى . ولا أنسى منها خيانة “أميرالجهاد فى أفغانستان” عبد الرسول سياف ودوره فى شتاء عام 1988 فى تسليم جبال “ستى كندو” المنيعة للقوات السوفيتية التى تقدمت من جرديز بغية فتح الطريق الجبلى الواصل إلى مدينة “خوست”. وقام  له بالمهمة جنرال شيوعى يدعى (نظر محمد) ، وكان ذو رتبة رفيعة فى الجيش جاء من كابول وعمل قائدا ميدانيا من طرف سياف فى جبال ستى كندو تحديدا . ولأكثر من عام قام بعمل تخريبى واسع النطاق أدى فى النهاية إلى تمكين قوات الجيش الأحمر من ركوب تلك الجبال والتحكم فى بداية الطريق الواصل إلى خوست . فى تلك المعركة أصيب مولوى حقانى إصابة بالغة فى ركبته ، نقل على أثرها إلى الخطوط الخلفية للمجاهدين فى منطقة “نقا ” فى ولاية باكتيكا.

تحميل مجلة الصمود عدد 139 : اضغط هنا

شريط الذكريات فى (أورجون) عاصمة ولاية باكتيكا فى ذلك الوقت لا يكاد ينتهى. ومن معركتها عام 1983 بدأت معركتى مع “سياف” زعيم الفساد فى بيشاور، ولها فصول طويلة.

# لا أدرى كيف إرتبطت صورة الشاب المجاهد ذو القناع الأسود ، الذى رأيته فى شريط الفيديو الصادرعن الإمارة وهو يحمل معداته الحديثة ويعبر بها الموانع مستخدما الحبال ، بصورة ذلك المجاهد الجبلى الذى شاهدته فى بدايات الجهاد فى جبال باكتيا وباكتيكا ، وهو يحمل “المواريث الجهادية” لأجداده فى قتالهم ضد غزو الجيش البريطانى .

ذلك الموروث التقليدى كان عبارة عن البندقية البريطانية قديمة الطراز ـ وهى غالبا من غنائم الحملة البريطانية الأخيرة على أفغانستان عام 1919 ـ مع حزام الذخيرة المعلق بكتفه، وتلمع فيه الطلقات النحاسية المصقولة التى إشتراها مؤخرا من أحد الأسواق القبلية على الحدود .

ثم ذلك الخنجر القبلى القديم ذو النصل الرباعى الشفرات والحافة المدببة الحادة ، والذى يحرص على غمسه فى جسد جنود العدو ثم يحتفظ به كما هو فى جرابه مع بقيا الدم الأسود المتكلس على النصل من دماء الإنجليز ثم السوفييت .

تأملت ذلك الشوط الكبير من التطور . ذلك الشاب المقنَّع والمحمَّل بالأسلحة الحديثة ، والمقاتل ضمن “مجموعات الكوماندوز” للمجاهدين ، والتى صرخ منها العدو رعبا فى الكثير من المواضع التى كان من أهمها إقتحام قاعد “باستون” عام 2012 فى صحراء هلمند ، وكانت أقوى قاعدة لحلف الناتو خارج أوروبا ، وقد سيطر عليها هؤلاء الشباب وأوقعوا بها دمارا يفوق الوصف حتى أنه ألجم ألسنة الغربيين الذين تصدوا بالتحليل لتلك المعركة .

ذلك الشاب (مقاتل الكوماندوز الجهادى) هو حفيد ذلك المقاتل الجبلى الفخور بتراثه القتالى ، سواء من المعدات أو  حتى فى أساليب القتال .. فما أبعد ذلك المشوار التطورى!! .

شريط طويل من الصور والأحداث والذكريات الجهادية القديمة عن مديرية “جومل” تحديدا ، أو ولايه باكتيكا عموما ، مر بذاكرتى وأنا أقرأ من جديد إسم جومل هذه الأيام .

تحميل مجلة الصمود عدد 139 : اضغط هنا

وتلك قصة كانت متداولة كثيرا بين (المجاهدين القدماء) فى مناطق باكتيا وباكتيكا ، وكانتا ولاية واحدة قبل الإنقلاب الشيوعى تحت مسمى باكتيا . حتى فتتها إداريا الحكم الشيوعى فى خدعة إنطلت على المجاهدين ، إذ قسموا مجموعاتهم حسب التقسيم الإدارى الجديد ، وكأن العامل الإدارى وليس الجغرافى هو الذى يملى تشكيل المجموعات . وقد قسم الأمريكيون ولاية باكتيا مرة أخرى إلى ولايتين هما خوست وباكتيا ـ ولا أدرى إذا كان ذلك قد أثرعلى وحدة المجموعات القتالية كما فى السابق أم لا. فلا شك أن المجاهدين قد أدركو أن الوحدة الجغرافية وليس الإدارية هى التى تتشكل على أساسها المجموعات القتالية .

زمن القصة يعود إلى الأشهر الأولى للإنقلاب الشيوعى الذى وقع فى إبريل 1978 . فبعد فترة صدمه قصيرة جدا أفاق مجاهدو الجبال على الواقع المرير ، وتصدوا بأسلحتهم “التاريخية” للقوة العسكرية الشيوعية المزودة بأسلحه لم يشاهدوها من قبل . كانت أسلحة على الأرض وفى الجو ، مرعبة الشكل مخيفة التأثير، ولها قدرات تفوق الخيال ، حتى لا تكاد أسلحة المجاهدين تجدى نفعا أمامها . فكان أملهم فى المعارك هو الإشتباك مع جندى المشاة وهو مترجل أو وهو فى مركبة غير مدرعة . وما سوى ذلك ليس إلا إهدارا لطلقاتهم القليلة جدا فيما لا جدوى منه .

سمع المجاهدون فى” جومل” أن قوات معادية تحتشد فى وادى زورمات ـ إلى الغرب من مدينة جرديزـ فى طريقها إلى جومل ، وأن معظمها عبارة عن دبابات ومصفحات ، ومعها شاحنات تحوى مؤناً وجنوداً .

بالغريزة القتالية المرهفة ، إختار المجاهدون موضعاً للكمين متفقين على إطلاق النار على الشاحنات ، لعل وعسى ، مع الدعاء والإبتهال الى الله أن تحديث تأثيرا ما .

كان طريق القافلة ترابياً ، ومعلقاً على سفح جبل على إرتفاع عدة أمتار من وادى يمر به جدول ماء وتملأه صخور صلدة مستديرة ، لا تسمح بمرور المركبات بأى حال .

الأعشاب تحيط بمجرى الماء وتملأ الوادى بكثافة متفاوتة وإرتفاعات مختلفة ، وتليها مجموعة من الهضاب مثالية لنصب الكمائن . وخلف الهضاب جبال بعيدة نسبيا ، معظمها يصلح كمراكز دائمة للمجاهدين .

أقصى تطور للمجاهدين وقتها كان زرع لغم أرضى مصنوع يدويا ، وهو عبارة عن عدة أصابع ديناميت ، ومجموعة بطاريات جافة ، والدائرة الكهربائية تغلق بواسطة  قطعة مثنية من ورق الكرتون ، وعند إنطباقها بمرور شئ فوقها يتلامس فيها سلكان نحاسيان متعامدان فيحدث الإنفجار . كانت تركيبة خطيرة على العدو والمجاهدين معا ، إذ يكفى أن يقف فوقها غراب حتى تنفجر. دفن المجاهدون لغمهم السرى فى مكان إختاروه بعناية فى الطريق الترابى الذى تمر عليه القافلة ، ثم وزعوا أنفسهم فوق الهضاب للتصويب على الجنود والشاحنات عندما ينفجر اللغم وتتوقف القافلة . كانت الخطة محكمة والإمكانات بسيطة للغاية ، والقافلة ضخمة وقوية جدا ومليئه بالمدرعات والدبابات والجنود .

يمر الزمن بطيئا فى تلك البيئة الجميلة العاتية . الوقت كان خريفاً والهواء بارد والملابس خفيفة ، والسماء تلبدت فجأة بالغيوم حتى إستحال النهار ليلاً مظلماً ، لذا لم تكن القافلة محمية بغطاء من طائرات الهيليكوبتر كما جرت العادة .

ظهرت القافلة بضجيجها المخيف ، حتى صار الرتل فى مقابل الكمين ولكن مقدمته لم تصل بعد إلى موضع اللغم المدفون الذى سيعطى إنفجاره إشارة بدء المعركة . وفجأة دوى إنفجار رهيب يصم الآذان سبقه وميض ساطع يعشى الأبصار .

تساءل المجاهدون فيما بينهم عن ماهية ما حدث ، ولم يمتلك أحد الإجابة . نفس الدهشة أصابت الرتل المدرع المعلق فى سفح الجبل . وظن من فيه أنهم توسطوا حقل ألغام أو تعرضوا لسيل من القذائف المضادة للدروع تستهدف آلياتهم ، فقفزوا منها تاركين الطريق المعلق متدحرجين بأجسادهم صوب الوادى ، فأطلق عليهم المجاهدون نيران بنادقهم على الفور .

حاول بعض سائقى الدبابات والمدرعات النزول بسرعة من الطريق إلى الوادى فتدهورت بهم حتى وصلت الوادى وهى رأسا على عقب.

كان ما حدث هو تفريغ كهربائى ضخم بين السحب المنخفضة ، أدى إلى وميض برق ثم صوت رعد مزلزل . ولم تلبث السماء أن صبت أنهارا من المياه ـ وليس قطرات من مطرـ وسرعان ما جاء السيل عنيفاً جارفاً كل مافى الوادى من جنود وآليات .

والطريق المعلق تحول إلى بركة ماء وطين فإنهارت منه أجزاء . واستولى المجاهدون على كل محتويات القافلة ، فى واحدة من أكبر الغنائم فى تاريخ جومل وأكثرها تأثيرا على مسيرة الجهاد فى ولايتى باكتيكا وباكتيا .

 تحميل مجلة الصمود عدد 139 : اضغط هنا

 # القصة الثانية فى “جومل ” وربما فى نفس المكان حدثت فى عام 1982 ، والبلد تحت الإحتلال السوفيتى ، وقوات الإحتلال فى “جومل” جرى تعزيزها . الطريق الترابى المعلق مازال كما هو ، ولكن المجاهدين زرعوه بحقول كثيفة من الألغام سوفيتية الصنع من مختلف الأنواع والأحجام ، لذا كانت التعزيزات الأرضيه قليلة وصعبة . فى ذلك العام وصلت تحت الحراسة المشددة وحدة سوفيتية من سلاح المهندسين لنزع الألغام وفتح الطريق إلى مديرية “جومل” . وقفت القافلة قبل بدايه حقل الألغام ، وتقدمت مجموعة من المهندسين ومعهم كلب ضخم مدرب على إكتشاف الألغام . قادهم الكلب الى بداية الحقل وتوقف بينما إنهمك الضباط فى تفكيك الألغام .

كان بين الأعشاب فى الوادى مجاهد يترصد ويراقب ، مجتهدا فى إخفاء نفسه بين الأعشاب وقد تغطى برداء (باتو) . ولكن الكلب الضخم إكتشف وجوده ، فانطلق مثل السهم حتى وصل إليه ووقف فى مقابل رأسه وهو يلهث مركزا نظراته الثاقبة على وجه المجاهد الذى أيقن بنهاية أجله. ظل الكلب صامتا ، فهمس إليه المجاهد بلطف أن يذهب بعيداً ، ولكنه ظل مصمما بكل هدؤ على الوقوف بتحدٍ فوق رأسه . الكلب صامت وصامد والمجاهد يحصى الثوانى المتبقية على نهاية حياته . لاحظ الضباط غياب الكلب فأخذوا ينادون عليه ، والكلب صامت وصامد لا يجيبهم بشئ والجنود لم يكتشفوا مكانه بين أعشاب الوادى . وأخيرا قرر المجاهد القيام بحركة يائسة ، فرمى (الباتو)على الكلب وسحبه إلى جانبه وإختبأ الإثنان بصمت تحت الرداء وبين الأعشاب. إرتاب الجنود فى غياب الكلب وخافوا من وقوعهم فى كمين ، فأسرعوا بالفرار بسيارتهم ومعداتهم .

حمل المجاهد الكلب معه ملفوفا بالرداء (الباتو) وعاد إلى قاعدته سالما ، حيث عرض على إخوانه أسيره الجديد . فأغرق المجاهدون فى الضحك ، وصارت نادرة تسير بها الركبان ويتسامر بها الندمان . ولكن ما حدث بعد ذلك كان أعجب.

 فالكلب الضخم قد تعلق بآسره . ولم يكن يتركه فى ليل أو نهار . وصار يمشى خلفه حتى فى أثناء العمليات بأنواعها . المجموعة كلها أحبت ذلك الكلب المخلص ، والكلب تعلق بصاحبه كثيراً ، متحملا المخاطر وشظف العيش إلى جانبه .

كانت المجوعة متمركزة فى أطلال قرية على أطراف مدينة أورجون ومنها تنطلق للعمل فى أماكن شتى . كان العدو يعلم أن القرية المهجورة ملغومة بالمجاهدين ، فكان يقصفها حينا بالطائرات وأحيانا بالمدفعية قصفا عشوائيا . ولكن فى أحد نوبات القصف إستشهد صاحبنا المجاهد ودفنه أصحابه فى مقبرة القرية . فظل الكلب منتظرا صاحبه عند القبر أحيانا ، وعند مركز المجموعة فى ذلك البيت المهدم أحيانا أخرى .

غادرت المجموعة القرية ، ولكن الكلب ظل هناك . جاءت مجموعات واستبدلتها مجموعات أخرى والكلب مواظب على عاداته القديمة وإنتظاره الدائم .

حتى مررت فى ذلك العام (1983) بتلك القرية ، ولاحظت كلاباً عديدة تنتقل ما بين أزقة القرية والمزارع التى حولها . ولكن ذلك الكلب الضخم ذو السلالة المميزة كان فريدا من هيئته ، فسألت عنه زملائى فى المجموعة . فقصوا عليًّ قصته من بدايتها . فنظرت إليه وقد إنصرفت عنه باقى الكلاب ذاهبة إلى المزارع القريبة ، بينما دخل هو إلى أطلال البيت المهدم ، عسى أن يجد صديقه القديم قد عاد من غيبته .

تلك كانت بعض صور جومل فى زمن الجهاد الجميل ، وما ظل من أمجادها عالقا بحبل الذاكرة.

تحميل مجلة الصمود عدد 139 : اضغط هنا

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

 




نقل عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثانية عشر – العدد 134 | شعبان 1438 هـ / مايو 2017 م

المرحلة الأخيرة من الحرب .. ومشاكلها

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثانية عشر – العدد 134 | شعبان 1438 هـ / مايو 2017 م

تحميل مجلة الصمود عدد 134 : اضغط هنا

دخلت الحرب الجهادية فى أفغانستان مرحلتها النهائية (الثالثة والأخيرة) والتى من علاماتها الإستيلاء على التجمعات السكانية الكبيرة فى الأرياف وإقتحام المدن ومنع العدو من إستعادتها.

ومن أبرز العلامات كان إقتحام مدينة قندوز ومدينة لشكرجاه عاصمة هلمند ومدينة ترينكوت عاصمة أرزجان. وبصرف النظر عن النتائج فإن المحاولات مستمرة على العديد من المدن بما يعكس ثقة وقوة معنوية من جانب المجاهدين وضعف معنويات العدو وتهاوى قواته بشهادة قادتة المحليين وسادته الأمريكيين . ولا تخلو حملة على تلك الأهداف من غنائم هائلة من السلاح والمعدات . ومن هنا يكون إخلاء الموقع وإغواء العدو بإستعادتها وإعادة تكديس المواد فيها مرة أخرى ، وسيلة ناجعة لتموين المجاهدين وتسليحهم بشكل مستمر . ولكن فى النهاية لابد من الإحتفاظ بتلك المدن إذا ما توافرت شروط معينة تتعلق بالتدخل العسكرى الأمريكى. وتحتاج الهجمات الأخيرة على المدن إلى تحليل منفصل كى يتضح الشكل الذى وصلت إليه الحرب وإقتراب مجاهدى طالبان من النصر النهائى مع تدهور أوضاع نظام الإحتلال فى كابل، وكيف أنه يعيش بالفعل فى حالة من الإنهيار لا تمكنه من الإستمرار فى الإمساك بالسلطة بدون عون كامل عسكرى ومالى من الإحتلال الأمريكى .

تزداد معاناة حركة طالبان ومعها الشعب الأفغانى كلما إقتربت نقطة الإنتصار الكامل. ولكن الطرف المقابل لهم ، وهو الولايات المتحدة الأمريكية ، تعانى بدرجة أشد نظرا لموقعها كقوة عظمى فى عالم تكرهه ويكرهها . إنها دولة وحيدة تحارب البشرية أجمع ، لذا تحمى نفسها بكافة أنواع التحالفات لتؤنس وحدتها وتخفى توحشها تحت ستار “الإرادة الدولية” ، فتشن ما تشاء من حروب فى أى مكان وكل مكان .

1ـ القوة الزائفة :
تبدأ المرحلة الثالثة (والنهائية) من حرب أفغانستان الحالية ، وفى قيادتها العليا شخصان : على الطرف الأفغانى الجهادى هناك الملا هيبة الله عالم التفسير والحديث ، والقاضى الشرعى ومقاتل الصفوف الأولى . وهو الأمير الثالث لحركة طالبان والإمارة الإسلامية .

وعلى الطرف الأمريكى هناك دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة ، وهو بإجماع الآراء رجل مختل متناقض ، “تطارده الفضائح الأخلاقية ويطاردها” .

ــ الولايات المتحدة تحكمها أجهزة ضخمة ومتطورة ، ومع أن الرئيس يؤثر كثيرا على عملية إتخاذ القرار ولكنه لا ينفرد به . وفى الغالب فإن حالة الرئيس وتصرفاته تعكس حالة الدولة فى وقت حكمه . ولاشك أن وصول شخصية مختلة مثل ترامب يعكس أزمة عميقة تعيشها الدولة والمجتمع فى بلاده .

وحتى لا يختلط الأمر نقول بأن الولايات المتحدة تشبه ناطحة سحاب ضخمة وفخمة مبنية بإتقان فوق جرف هار . أى أنها أشبه بشاطئها الغربى الأغنى ، ولكنه قائم على جرف قارى مهدد فى أى لحظه بالسقوط فى المحيط الهادى .
ــ وقبل أن نذهب بعيدا فإن السقوط الأخلاقى للولايات المتحدة هو أمر حادث بالفعل . وترامب يستهدف ما تبقى من إيجابيات فى أخلاقيات الحكم وأخلاقيات المجتمع . لذا فدولته مهددة جديا بحرب أهلية بين الأقليات العرقية والدينية ، بل ومهددة بإنفصال بعض الولايات.

ــ ودولة ترامب قائمة على عظمة إقتصادية بلا أساس ، فهى أكبر دولة مدينة فى التاريخ ، ودينها مستحيل السداد ، لذا يتحكم اليهود فى رقبتها ، ويسخرونها فى حمل أوزارهم بطول الدنيا وعرضها .

تبنى الولايات المتحدة أنظمة حكم على شاكلة حكمها حيث لا يمكنها صنع ما هو أفضل . ونظرة إلى أنظمة الحكم فى مستعمرات أمريكا نجد نفس الصوره تتكرر فى عناصرها الأساسية وهى القسوة ، والفساد ، والخداع . وذلك هو ملخص الحكم الإحتلالى فى أفغانستان ، وفى كافة مستعمرات أمريكا الخاضعة بالعنف العسكرى أو الإقتصادى والسياسى . وهو النموذج الذى تسعى إلى عولمته ، وإرغام شعوب العالم على تجرعه ، خاصة فى حالة غياب البديل .

تحميل مجلة الصمود عدد 134 : اضغط هنا

2 ـ إنحلال نظام الإحتلال
من علائم المرحلة الثالثة والنهائية من حرب العصابات والتى يطلق عليها (مرحلة الهجوم الاستراتيجى) أو مرحلة الحسم ، هو : إنخفاض فعالية جيش العدو، وقلة عملياته الهجومية وضعف تأثيرها وركون قواته إلى الوضع الدفاعى . وتراجعه وفشله على الأرض يحاول تعويضه بتفعيل سلاح الطيران أساسا ، وفى الدرجة التالية سلاح الصواريخ الثقيلة . وذلك هو ما حدث عندما شرع الجيش السوفيتى فى الإنسحاب ، واستمر الحال كذلك حتى نهاية الحرب.

ورغم إنسحاب قواته إلا أن الدعم العسكرى السوفيتى ظل متواصلا بواسطة أحدث الطائرات التى تنطلق من مطارات بالقرب من الحدود الأفغانية ، لتقصف بعنف وبأسلحة موجهة ، حيث تحتدم المعارك ، ويواجه الجيش الحكومى المواقف الخطرة.

وبعد الإنسحاب السوفيتى تزايد إعتماد الجيش على الصواريخ الثقيلة من طراز سكود حتى صارت شائعة مثل الهاونات. وكان يدير قواعدها خبراء سوفييت من كابول .

وقد شوهد عرضا جبارا بجمع الطائرات الحديثة والإستخدام المكثف لصوارخ سكود فى عام 1989 عندما هاجم المجاهدون مدينة جلال آباد محاولين إسقاطها ، ولم يشاهد قبلا مثل هول ذلك القصف . ولكن تكرر أشد منه عند هجوم المجاهدين على مدينة خوست والإستيلاء عليها عام 1991 ، وهى المدينة الرئيسية الوحيدة التى فتحت عنوة فى تلك الحرب وتم الإحتفاظ بها حتى نهاية الحرب .فى ذلك الوقت تزايد إعتماد الجيش الحكومى على ميليشيات المرتزقة لأن الجنود فقدوا رغبتهم فى القتال . ولولا خشيتهم من حكم الإعدام الفورى فى حالة محاولتهم الفرار لانضموا فى أقرب فرصة إلى المجاهدين ، وقد حدث ذلك كثيرا .

إذن للميليشيات دور رئيسى فى المرحلة الثالثة من الحرب ، فتضاهى الجيش أو تزيد . فى الأوقات العادية كان فى خوست ـ على سبيل المثال ـ عنصر واحد من الميليشيا فى مقابل كل إثنين من الجنود . وفى وقت الفتح كانت النسبة تقريبا متعادلة ، بعد أن جرى تعزيز أعداد الميليشيات بعناصر (جلم جم) التابعين لعبد الرشيد دوستم ، الذى مازال فاعلا فى ميدان الحرب الإرتزاقية ، بل تحول إلى سند كبير للنظام الإحتلالى الأمريكى ، فى موقع أقوى من موقعه القديم مع السوفييت ، كونه متمرسا فى إرتكاب جرائم الحرب.

ــ تلك الأوضاع العسكرية التى سادت فى المرحلة الثالثة من حرب العصابات الجهادية ضد السوفييت ، وهى تشابه كثيرا ما هو سائد حاليا فى الحرب الجهادية ضد الأمريكيين ، مع تمتع المجاهدين حاليا بنقاط تميز جوهرية لم تتوافر لأسلافهم فى الحرب السابقة .

3 ـ من بداية صاخبة للغزو ، إلى
محاولات لعرقلة إنتصار المجاهدين
فعل الأمريكيون ما فعله السوفييت سابقا، بأن صاحب إحتلالهم لأفغانستان إستعراض هائل للقوة العسكرية مع حملة موازية من الحرب النفسيه يشنها الإعلام السوفيتى ونظيره المحلى .

كان الإحتلال السوفيتى أكبر حملة إبرار جوى بعد الحرب العالمية الثانية ،إذ إحتلوا العاصمة والمدن الكبرى والمواقع الاستراتيجية خلال ساعات معدودة . فوقع الشعب الأفغانى تحت هول الصدمة وساد الوجوم أرجاء البلاد ، إلى أن إستجمع الشعب شتات أمره وبدأ مقاومته بالتدريج ، تحت قيادة العلماء ، طبقا للتقليد الجهادى الراسخ فى أفغانستان .

– أثناء غزو 2001 قدم الأمريكيون أضخم قصف جوى فى التاريخ بأحدث التقنيات المتطورة التى لم تستخدم قبلا فى أى حرب . واقتربت القوة التدميرية للذخائر التقليدية من القوة النووية ، حتى أن القنابل الثقيلة للطائرات بلغت زنة سبعة أطنان تقريبا، فأحدثت تصدعات فى القشرة الأرضية وتسببت فى تنشيط الزلازل فى المنطقة . أما الإعلام الذى رافق الحملة الأمريكية ، فلا يمكن مقارنته بأى حملة أخرى سابقة من حيث الضجيح والتأثير النفسى ، حتى جعلوا من الإعلام سلاحا حربيا بالفعل وليس بالمبالغة .

وفى الحالتين السوفيتية والأمريكية عندما مضت الصدمة ، وبدأ الجهاد ينمو بالتدريج وتخطى مرحلته الأولى التى هى الأصعب والأخطر فى مسيرة الجهاد ، ودخل فى المرحلة الثانية للحرب بعد أن إستكمل المجاهدون والشعب ضرورات المعركة واستوفوا شروطها ، أيقن العدو باستحالة النصر .

ــ وعندما وصل جورباتشوف إلى الحكم فى موسكوعام 1985 كانت لديه نفس القناعة التى تكونت لدى أوباما عند وصوله إلى البيت الأبيض عام 2009 فكان قراره بالإنسحاب جاهزا . ولكن الجنرالات طلبوا مهلة ، ربما أصلحوا فيها الموازين على الأرض ، أو على الأقل يمهدوا الأجواء لإنسحاب مشرف بدون شبهة هزيمة عسكرية .

أعنف حملات الجيش السوفيتى قام بها بعد قرار القيادة السياسية بالإنسحاب بعد وصول جورباتشوف إلى الحكم . وبالمثل فعل جنرالات أمريكا بعد وصول أوباما . فبعد فشل تلك الحملات يصبح قرار الإنسحاب قرارا عسكريا يوقع عليه الجنرالات ، وليس إجتهادا سياسيا فقط .

ــ بعد مفاوضات مع الأمريكيين بدأ السوفييت إنسحابهم فى عام1988 ، وأتموه فى فبراير 1989 تاركين دعما جويا وصاروخيا غيرمعلن ، وغير محدود، ولكن متفق عليه مع الأمريكين. فتحولت أفغانستان إلى ساحة تعاون مشترك لمنع المسلمين من الوصول إلى الحكم فلم يعترض الأمريكيون على العون السوفيتى لنظام كابول ، ونظرا لتأزم الوضع الإقتصادى فى موسكو تولى أتباع واشنطن دعم السوفييت ماليا ـ مع أنواع أخرى من الدعم غير المعلن قدمته أمريكا مباشرة . فقد عثر المجاهدون على عدة آلاف من بنادق M16 الأمريكية فى مقر الإستخبارات الأفغانية (واد) ـ وزارة إطلاعات دولتى ـ وكان ذلك نموذجا واحدا من الدعم .

– أوباما بدأ عهده المظلم بحملة كبرى على إقليم هلمند أسماها “الخنجر”. وشاركه البريطانيون بحملة “مخلب النمر” من شمالها. فكانت تلك أقصى قوه متوفرة لدى الحليفين .

– لم تكن الحملة الأمريكية/ البريطانية على هلمند حاسمة ، فأعقبها إنحسار عسكرى تدريجى للعدو ، قابله تقدم للمجاهدين بنفس الوتيرة .
العدو يدرك أن دخول حروب العصابات إلى مرحلتها الثانية يعنى إستحالة هزيمتها عسكريا . وبعد معارك هلمند صار الإدراك قاطعا أن لا سبيل إلى هزيمة المجاهدين الأفغان عسكريا .
– والخيار الأوحد أمام العدو هو منع المجاهدين من تحقيق الهدف الرئيسى من مرحلتهم الثالثة ،وهو فتح المدن وتحرير تجمعات السكان الكبيرة فى الأرياف وصولا إلى إسقاط العاصمة .

وبما أن هذه هى المرحلة التى وصلها الجهاد فى افغانستان حاليا ، فمن الأفضل التفصيل فيها قليلا ومقارنتها بمثيلاتها وقت الجهاد ضد السوفييت . فالمبادئ العامة هى واحدة وإن إختلفت التفاصيل ما بين زمن و آخر.

– يحاول العدو منع المجاهدين من المضى قدما فى مرحلة الهجوم الاستراتيجى أو عرقلتهم إلى أقصى حد ممكن ، حتى لا يحصلون على نصر عسكرى كامل يمكنهم فى فرض إرادتهم كاملة وتحقيق تصورهم الخالص لمستقبل البلد .
ــ عودة إلى مارس من عام 1989 حين قررت فجأة الحكومة المؤقته برئاسة صبغة الله مجددى وبدعم من قادة الأحزاب ، ترتيب حملة على مدينة جلال آباد بهدف الإستيلاء عليها ، وجعلها مقرا للحكومة المؤقته المقيمة على أرض باكستان .

كان الإتفاق بين السوفييت والأمريكيين أن يكون حكم أفغانستان مشتركا بين أتباع الطرفين ، طبقا لمقياس القوى النسبية بينهما ، فتتشكل حكومة مشتركة بين أحزاب “المجاهدين” والعناصر الشيوعية فى كابول .
ولما كانت معنويات المجاهدين الميدانيين عالية جدا ، ولا يقبلون بحكم مشترك مع الشيوعيين ، وك

ان فى إمكانهم عرقلة المشروع . فكان الحل هو إقحام المجاهدين فى معركة كبيرة يخسرونها ، فتهبط معنوياتهم وينخفض سقف مطالبهم ، ويقبلون بالحل الدولى المطروح. وتم ترتيب المؤامرة الدولية ، بمشاركة الباكستان وقادة الأحزاب ، فكانت نكسة جلال آباد . إذ فشل الهجوم على المدينة بعد خسائر عالية فى أرواح المجاهدين ، فتحول الهجوم إلى مناوشات وحرب إستنزاف بطيئة على أطراف المدينة إستمرت لأكثر من سنتين ،إلى حين سقط النظام فى كابل.
ــ أثناء التجهيز للحملة العسكرية لفتح مدينة خوست بقيادة مولوى جلال الدين حقانى . كان خوف الأعداء شديدا من أن تنجح الحملة ، وبالتالى يفشل المشروع الأمريكى /السوفيتى بفرض حكومة مختلطة فى كابول . فزادت الحروب النفسية على حقانى ورجاله . وقرب بدء الحملة أخبرنى الشيخ حقانى أن تهديدا روسيا وصل إليه عبر دولة صديقه ، يقول بأن الروس سيقصفون خوست بالقنابل الذرية فى حالة إستيلاء المجاهدين عليها .

شعرت بالمفاجأة والحيرة فسألت الشيخ عما ينوى فعله ، فأجابنى بهدؤ :”سنتوكل على الله ونفتح المدينة” . هذا الثبات الإيمانى المذهل كثيرا ما قابلته خلال فترة الجهاد ضد السوفييت من قادة كبار مثل حقانى وغيره من عظماء المجاهدين الميدانيين .

ـ وفى لحظتنا الراهنة نشاهد ما يشبه جنون التهديد السوفيتى فى ما قام به الأمريكيون فى جلال آباد حين ألقوا على أطرافها قنبلتهم الضخمة ” أم القنابل” ذات الأطنان العشرة . وهى القنبلة التقليدية الأضخم فى الترسانة الأمريكية .

إنهم يحاولون عرقلة المجاهدين الذين يمضون قدما فى مرحلتهم النهائية الدائرة حاليا ، بفرض الحصار والسيطرة على الكثير من المديريات ، وحتى على الولايات شمالا وجنوبا ، خاصة فى هلمند التى هى ساحة القتال الأولى فى هذه الحرب ، فركز العدو فيها منذ البداية أكبر وأفضل ما لديه ولدى حلفائه من قوات ، سعيا نحو هدفهم الأهم من الحرب ، وهو إعادة زراعة الأفيون والتوسع فى الإتجار به دوليا .

ومعنى إستيلاء المجاهدين على عاصمة ولاية هلمند ومديرياتها أنهم حققوا النصر فى أهم ساحات تلك الحرب . فليس للعاصمة كابول غير قيمتها السياسية والرمزية . فسقوط المدن الصغرى والمديريات سوف يقود إلى إستسلام كابول ، كما حدث فى زمن الحرب السوفيتية .

فالنظام يتحلل ، والجيش والشرطة يذوبان ، والفساد جعل أجهزة الدولة هشيما تذروه الرياح . إن (أم القنابل) الأمريكية هى تغطية للفشل ، وهى النزع الأخير لإحتلال يلفظ أنفاسه . وليست سوى أحدى فضائح رئيس فضائحى مختل عقليا .

ومعروف أن الغارات الجوية وكذلك القصف الصاروخى والمدفعى تكون فى أعنف حالاتها فيما يسبق الهجمات العسكرية أو عند تغطية إنسحابها . والقنبلة الضخمة (أم القنابل) هى فى أحد جوانبها تغطية على بحث أمريكى جدى بالإنسحاب ، خاصة وأنه بالقرب من الوقت الذى ألقيت فيه القنبلة كان وفدا أمريكيا رفيع المستوى ـ أرسله ترامب إلى كابول ـ يبحث وضع الجنود الأمريكيين المتبقين فى أفغانستان ، وهم أقل قليلا من عشرة آلاف جندى . ومفهوم أن الوفد الأمريكى كان يبحث على الأرض إمكانية الإنسحاب العسكرى وتداعياته على أفغانستان وما حولها من دول .

تحميل مجلة الصمود عدد 134 : اضغط هنا

4 ـ تحميل الحرب على المدنيين
هذا ما يسعى إليه العدو الأمريكى فى هذه المرحلة ، بعد أن تيقن من إستحالة إيقاع هزيمة عسكرية بالمجاهدين . بينما حركة طالبان /طبقا لنظام الإمارة الإسلامية/تديرالأرض المحررة وتجمعاتها السكانية . يجتهد العدو فى إلقاء أوزار الحرب فوق كاهل المدنين على أمل أن يسحب هؤلاء دعمهم للمجاهدين فيطالبونهم بأنهاء الحرب بأى وسيلة وفى أسرع وقت والقبول بما يعرضه المحتلون وحكومتهم فى كابول . أى الإنخراط فى (عملية السلام) والإندماج فى نظام الإحتلال والتكيف مع كل موبقاته العقائدية والمادية .

القوات الأمريكية جزء من ذلك العدوان على المدنيين ، وهو عمل إرهابى حقيقى ، تقوم به القوات المسلحة لأقوى دولة فى العالم ، والأكثر نفاقا فى تاريخ البشرية .

تدعى الحكومة الأمريكية أن مهام قواتها تقتصر على التدريب والمشورة والإمداد اللوجستى . ثم منح أوباما تلك القوات صلاحية شن الغارات الجوية والمشاركة فى المداهمات الليلية على القرى وما يصحابها من عدوان همجى على المدنيين قتلا وأسرا وتعذيبا.

ويرافق ذلك كله حفلات نهش الكلاب المتوحشة لهؤلاء المدنيين الذين يحشدون ليلا فى ساحات القرى لتتولى الكلاب تمزيق أجساد الأحياء ونهش أجساد الشهداء . ولنا أن نتخيل مدى الرعب الذى يصاحب تلك الحفلات السادية التى قوم بها أقوى جيوش العالم ضد قرويين عزل مع أطفالهم ونسائهم . وفى حادثة مشهورة وقعت فى ولاية باكتيكا عام 2008 أطلقت القوات الأمريكية كلابها المفترسة على عائلة كاملة ،حتى قتلت جميع أفرادها ، فى مجهود مشترك بين الكلاب المفترسة وجنود من المرضى العقليين .
كرازى ـ الرئيس وقتها ـ إشتكى لنائب الرئيس الأمريكى “جو بايدن”، الذى أجابه قائلا (إن كلابنا لاتنهش سوى الإرهابين ،فكل من نهشته كلابنا هو إرهابى مجرم) ــ نقلاعن مجلة الصمود عدد128 ، ومجلة ويسا الأفغانية ــ ويلاحظ حاليا زيادة مفرطة من جانب العدو فى إستهداف المدنيين بدون أى مبرر عسكرى أو أمنى ، لأن قتلهم هو هدف فى حد ذاته ، بل سياسه ثابتة للقوات الأجنبية والمحلية فى كل مكان يعملون فيه .
على نفس خطى الجيش تسير الميليشيات ، التى لا يردعها قانون أو أخلاق بل تلاقى التشجيع من سياسة العمليات التى يتبعها العدو ويمليها على كل الأجهزة المسلحة العاملة على الأرض .
فى النهاية يتلقى المدنيون كل ذلك العبء الهائل الذى يأمل العدو أن يتحول إلى ضغط على أعصاب المجاهدين فيغير من مسارهم السياسى .
واضح أن كل ذلك لم ينجح ، وليس من المنتظر أن يلاقى أى حظ من النجاح . فبعد 15 عاما من الحرب وخبرات مع الإحتلال وإدارته فى كابل ، تكون اليقين لدى الشعب أن رحيل المستعمر هو الحل الأوحد ، والخطوة الأولى لتطهير البلاد من كل ذلك الظلام الذى أطبق عليها وعلى شعبها ، وأن المجاهدين تحت قياده طالبان هم الأمل المنشود ، الذى تجسد إلى حد كبير من خلال إدارتهم للمناطق المحررة التى يعملون فيها .

5 ـ “أم القنابل” بعد “أبو الفشل”
تجربة إلقاء (أم القنابل) على قرية أتشين فى جلال آباد كانت عملا يعكس شخصية الرئيس الأمريكى الجديد ترامب. فهى تجربة تجمع بمهارة بين ميزتى الرعونة والفشل . فلا هى تركت أثرا عسكريا على مسار العمليات ولا هى أثرت على معنويات أحد من المدنيين أو المجاهدين .

فلم تكن سوى إستعراضاً أحمقاً للقوة البلهاء ، التى تعطى للمجاهدين أملا أكبر فى النصر مادام عدوهم على تلك الدرجة من اليأس والتخبط .

قبل ذلك جرب العدو قنبلة سياسية من العيار الثقيل ، رغم أنها جربت وثبت فشلها منذ عقود ، ولكنه إعتبرها إنجازا ، وذهب ليحصى تأثيرها على الشعب وحركة طالبان ، فلم يحصد سوى الريح .تلك كانت قنبلة “أبو الفشل “من الطراز السياسى عديم الفاعلية. فقد إنضم الزعيم التاريخى الأصولى حكمتيار الذى كان عنصرا ثابتا ضمن مسببات فشل العمل الإسلامى.فقد أفشل معظم مبادرات العمل منذ أن كان طالبا فى الجامعة . وأحبط أى محاولة لجمع الصف الإسلامى ضد إنقلاب محمد داود، ثم إنقلاب طرقى وصولا إلى الغزو السوفيتى ، وحكومات المنفى الأولى والثانية و حكومة “المجاهدين” التى دخلت لتحكم كابول تحت مباركة دولية وإقليمية . ولكن حكمتيار إختار الحرب الأهلية تحت نفس المظلة. ولم ينضم إلى حكومة كابول إلا رعبا من تقدم حركة طالبان وتوليها زمام الأمور. فكان إنضمامه هذا إيذانا بفشل وإنهيار الحكومة وفرار الجميع صوب حدود طاجيكستان لعبور نهر جيحون ،هربا من حكم الشريعة الذى تظاهروا بالجهاد لأجله ضد السوفييت منذ عقود.

باقى القصة معروف ، إلى أن عاد حكمتيار مرة أخرى إلى أحضان نظام الإحتلال الأمريكى فى كابول وسوف يكرر معه ، فى وقت قريب ، قصة الفشل والإنهيار والفرار من قوات طالبان عندما تفتح كابول مرة أخرى بسيوف المجاهدين .
لم يؤثر إنضمام حكمتيار إلى حكومة كابول فى معنويات أحد إذ كان مزحة أخرى سخيفة لا معنى لها . فالرجل دفع بمعظم كوادر حزبه إلى أحضان نظام الإحتلال منذ سنوات ، وبقى وحيدا منتظرا أوامر الإنضمام بنفسه إلى ذات المنظومة . فدخلها وحيدا ، فى إنتظار أن يغادرها جمعا مع كافة زملائه من”قادة الجهاد” السابقين المتكومين فى (ظلال الإحتلال) وليس فى (ظلال القرآن) التى تغنوا بها فى مواجهة السوفييت .
ــ فلا “أم القنابل” نجحت ، ولا “أبوالفشل” ترك أثرا يذكر . وتلك كانت أثقل الأسلحة فى ترسانة العدو/ العسكرية والسياسية/ كى يمنع حركة طالبان ومجاهديها من تحرير البلاد فى إنتصار كامل على أرض طاهرة من كل أرجاس الإحتلال .

إن العدو يحاول شراء الوقت والبحث عن وسائل لتأخير موعد إنهياره . وقد جرب سلاحا آخر لم نتحدث عنه ، وهوسلاح إغتيال القيادات العليا فى حركة طالبان . ولكن الحركة بدلا من أن تضعف وتنشق فإذا بها تزداد ثباتا وحيوية ، سواء فى الميدان أو فى مراتب القيادة العليا .

لقد فشلت الولايات المتحدة فى سرقة العالم والركوب على ظهرة متقمصة دور القوة الأعظم والوحيدة ، وأعماها الغرور عن العمل بالحكمة الأزلية القائلة بأن أفغانستان هى مقبرة الطغاة والمتجبرين . لقد أغشيت أبصارهم حتى تنفذ فيهم سهام القدر .
(والله غالب على أمره) .

تحميل مجلة الصمود عدد 134 : اضغط هنا

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world