مجلة الصمود الإسلامية | العدد ١٧٤ | ذو الحجة ١٤٤١ھ - أغسطس ٢٠٢٠م

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

 

 

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

– الجهاد هو إستفاء بالدم من أجل البقاء . ولا شراكة فى الحكم مع من خانوا وباعوا وقاتلوا إلى جانب المحتل وناصروه.

– بإقتراب الإنتصار وحسم المعركة، قفزت المصطلحات الملغومة ، ومناورات سياسية لتثبيت حكومة “التثليث” التى تجمع بين الإسلام والكفر والنفاق ، ضمن نظام مظهره إسلامى ، ولكنه غربى يهودى فى حقيقة أعماله.

– إن حقيقة الإمارة الإسلامية أكثر رسوخا من أى حقيقة أخرى على الساحة الأفغانية.

فالتنازل عن الإمارة لن يكون ثمنا لخروج المحتل أو للإتفاق مع الحكومة العميلة . كما أنه ليس من صلاحية أى مفاوض مهما كان . ولا حتى من حق الإمارة نفسها بدون العودة إلى مؤسسيها من علماء ومجاهدين .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

تمر بالشعوب فترات تخوض فيها صراعاً ضد تهديد خارجى يهدد البقاء المادى للشعب ويهدد معتقداته وممتلكاته وثقافته . فتكون لحظة قرار مصيرى ـ نكون أو لا نكون ـ فإما أن يحافظ الشعب على كيانه المادى والمعنوى أو يستسلم لعبودية الأجنبى ، يفرض عليه ما يشاء ، ويقرر مصير الأجيال الحالية والمستقبلية .

تعَرَّضَ شعب أفغانستان أكثر من مرة عبر تاريخه لهذه المحنة . إذ هاجمته قوى عظمى للإستيلاء على بلاده ولإستعباده ومسخ ثقافته بإستنساخ ثقافة المستعمر وإزاحة التراث الدينى والأخلاقى.

النتيجة معروفة .. زالت الأمبراطوريات المعتدية ، وبقى الأفغان أحرارا فى بلادهم أعزاء بدينهم حتى إكتسبت أفغانستان لقب مقبرة الغزاة . والآن فى تجربة البقاء امام الغزو الأمريكى الأوروبى ، تواجه الولايات المتحدة أسوأ موقف فى تاريخها سواء على المستوى الدولى أو المستوى الداخلى الممزق والموشك على الإنفجار .

آن أوان ألا تبقى أفغانستان مجرد (مقبرة للغزاة) بل أن تصبح منارة للحضارة الإسلامية فى آسيا والعالم . دولة متطورة وحديثة وقوية. وليست مجرد حاجز بين قوى إستعمارية كبرى متصارعة ـ بل رابط إقتصادي وثقافي بين شعوب آسيا ، وأملا للمسلمين فى آسيا والعالم .

 

 الإستفتاء بالجهاد ..  إستفتاء بقاء :

 عملية الصراع من أجل البقاء الذى تخوضها الشعوب ، تحمل فى طياتها عملية إستفتاء على نظام الحكم الذى تريده والقيادات التى تختارها .

وعندما يتكلل الصراع بالنجاح ، وينتصر الشعب بكفاحه على أعدائه تكون عملية الإختيار قد حُسِمَت لصالح خيار الشعب الذى قاتل تحت راية قيادة منتصرة ، وشعارات تمثل أهدافاً عليا.

لهذا فإن الجهة التى تقود كفاح شعبها ضد المستعمر هى التى تتولى مسئولية الحكم ، وتقيم على أرض الواقع النظام الذى نادى به الشعب فى الحياة السياسية وبناء الدولة والإقتصاد . وقبل ذلك يقوى معتقدات الشعب ويرسخها ويطهر الحياة الثقافية من السموم التى بثها الإستعمار فى مظاهرالحياة الإجتماعية والتعليم خلال فترة الإحتلال .

لم يحدث فى تاريخ المعارك المفصلية الناجحة ، أن إستدعى الشعب أعداءه لمشاركته فى الحكم ، أو إملاء تصوراتهم على الدولة الجديدة ، سواء فى نظمها السياسية أو الإقتصادية ، أو مجالها الإعتقادى والثقافى .

فتلك حماقة لا يتصورها عاقل . وهو أقرب إلى القول القرآنى { كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} . فبعد هزيمة المستعمر ، يأتى أحمق لكى يستدعى أعوان الإحتلال للمشاركة فى الحكم ، ووضع تصوراتهم ومطالبهم ـ التى هى مطالب المستعمر ـ على قدم المساواة مع مطالب من جاهدوا وقدموا أغلى التضحيات فى الأرواح والأموال .

فأثناء فترة الجهاد لا يضع المحتل”جميع” سكان البلد فى كفة واحدة . فهناك فئة باعت نفسها ودينها واشترت مصالحها الدنيوية وعملت فى خدمة المحتل ، وهناك فئة أخرى قبضت على الجمر وجاهدت فى سبيل الله ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من عاش الإنتصار .

والجهة التى قادت شعبها نحو الإنتصار(وهى الإمارة الإسلامية فى حالة أفغانستان) لا تعامل “الجميع”على قدم المساواة ، من جاهد منهم وضحى ، فى كفه واحدة مع من خان وباع كل شئ فى مقابل المال والمنصب .

 

المشاغبة .. بإستفتاء الإلهاء :

بعد هزيمة الجيش السوفيتى الأحمر فى أفغانستان ، وترنح النظام الشيوعى فى كابل ، سارعت الولايات المتحدة ومن خلفها المعسكر الغربى وأسراب من التوابع ، بالمشاغبة على المجاهدين حتى لا يصلوا إلى حكم افغانستان منفردين ، فتتاح لهم فرصة تطبيق شعاراتهم فى فترة الجهاد ، وخاصة بناء دولة إسلامية تطبق أحكام الشريعة .

أمريكا وجبهة الأعداء طالبوا “بإستفتاء عام” على نظام الحكم ، الذى يريدونه مختلطاً بين “جميع المكونات الأفغانية “. أى بين المجاهدين و”الشيوعيين الطيبين” الذين لم يشاركوا فى النظام الحاكم ، ويضم أعوان الملك السابق ، كما ويضم محايدين لا شأن لهم إلا أنفسهم . وهكذا يستوى الجميع ظاهريا ـ أى من جاهد مع من قاتل ضد الإسلام وضد الشعب. نظام حكم يستوى فيه من ضحى مع من هرب من ميدان المعركة وانشغل بأمور نفسه ومراكمة الأموال . يستوى فيه من قاتل فى سبيل الله مع من قاتل فى سبيل الكفر ولم يبالِ مع أى دين يمشي .

الغرب المنافق يعرض الظلم على هيئة إنصاف وعدل . إن تكريم المجرمين وإشراكهم فى حكم البلاد والعباد هو ظلم كبير فى حق المجاهدين وأبناء الشعب الذين صبروا وضحوا بكل شئ .

هذه ليست مساواة .. بل هى أشد أنواع الظلم .

 

التدخل الخارجى ، وقطع الطريق على المجاهدين :

فى أعقاب الإنتصار على الغزو السوفيتى ، لم يتمكن المجاهدون من إقامة نظام الحكم الإسلامى الذى جاهدوا من أجله. ولذلك أسباب عديدة ، أهمها التدخل الخارجى الذى فرَّق المجاهدين وجزأهم إلى أحزاب ضعيفة ، وساند قادة فاسدين باعوا أنفسهم لقوى خارجية معادية للإسلام . لكن المجاهدون فى الميدان رفضوا مبدأ تقاسم السلطة مع الشيوعيين ، أو أطراف أخرى كانت خارج حلبة الجهاد ثم أقبلت عند الإنتصار لإنتهاز الفرصة وفى ظنهم أن النظام القادم سيصاحبه بناء طبقة جديدة من الأثرياء الناهبين لأقوات الشعب ، والبائعين ضمائرهم لشيطان القوى الإستعمارية الغربية والشرقية .

وما أسماه الغرب “حكومة المجاهدين” التى دخلت كابول فى أبريل 1992 لإستلام الحكم ، قد شكلتها الأيدى الأجنبية ، ورشاوى مالية كبيرة إستلمها قادة الأحزاب ، خاصة كبيرهم سياف ، أمير الجهاد فى أفغانستان حسب تصنيف أكبر الجماعات الإسلامية العربية .

الدول المعادية للإسلام تدخلت بأموالها ونفوذها السياسى ، ورشاوى قدمتها لطبقة سياسية فاسدة تبيع نفسها مقابل أعلى سعر . وبهذه الوسائل تضيع نتائج الجهاد ، وتذهب ثمار تضحيات المسلمين إلى أعدائهم ، الذين إذا خرجوا من الباب ، عادوا عبر مئات النوافذ التى فتحها المنافقون والمرتشون . فمن خان وباع وهرب من الميدان عاد شريكا فى الحكم ، ثم لم يلبث أن ينفرد به ، بمعونة دول محتلة تدعمة ، وتصفي منافسيه من المجاهدين .

تلك الطبقة السياسية الفاسدة التى دخلت إلى كابول فى إبريل 1992 تحت إسم حكومة المجاهدين كانت فى حقيقتها حكومة مشتركة على النمط التى أرادته الولايات المتحدة . ولم يلبث الشعب أن إكتشف الخدعة ، فالحكومة الجديدة فى كابول أخذت تمارس الفساد وتنشره فى كامل البلد ، وتشجع على إختلال الأمن وإنتشار العصابات الكبيرة المسلحة، والتى ترفع كل منها علم أحد الأحزاب وترفع فوق مراكزها صور أحد الزعماء . فصار الفساد والإجرام والسلب والسرقة والعدوان على الأرواح والأعراض يتم تحت إسم نفس الأحزاب التى أدعت أنها قادت الجهاد ضد السوفييت .

من الصعب تكرار نفس الأخطاء ، لأن الظروف تغيرت جذريا . وطول فترة جهاد إمتدت لحوالى 20 عاما فى ظل حصار للشعب والمجاهدين ، وإنقطاع أشكال الدعم جميعاً حتى ولو بالكلمة المنصفة .

الصمود والإنتصار جاء بفضل الإيمان القوى بالله ، والإعتماد الكامل على تضحيات الشعب ومساهماته بدماء شبابه وأموال الفقراء القليلة ، ودعاء الضعفاء والمظلومين التى تفتح لها أبواب السماء . إنتصر الجهاد إلى أن تصدعت الولايات المتحدة على أرض أفغانستان وفوق الأراضى الأمريكية نفسها . فقفزت إلى مقدمة الصفوف بنفس الخدع القديمة والمصطلحات الملغومة :

إستفتاء ـ ديموقراطية ـ معونات غربية ـ حكم مشترك ـ حقوق المرأة ـ إعتراف دولى ـ شرعية دولية ـ منظمات دولية ـ قوائم سوداء ـ قوائم إرهاب ـ مقاطعة ـ عقوبات إقتصادية ـ تحالف إستراتيجى مع دول الإحتلال ـ طلب العون والنفقة من المحتل السابق.

كل ذلك أنواع من المناورات لتمرير حكومة “التثليث” التى تجمع بين الإسلام والكفر والنفاق. ضمن نظام حكم إسلامى المظهر /غربى يهودى / فى حقيقة أعماله.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

من يمتلك الحق فى تعديل نظام الإمارة الإسلامية :

حقيقة الحكم هى الأساس وليس إسم النظام الحاكم . المهم أن يكون النظام إسلاميا بالفعل ، وليس فقط بالإسم . وأسوأ ما يمكن فعله هو تغيير طبيعة النظام الإسلامى مع الإبقاء على إسمه فقط . فإن فى ذلك فتنة ، وصد عن سبيل الله .

تغيير طبيعة النظام تأتى من رفع شعارات مخالفة لتطبيقات الحكم فى الواقع . فالنظام الإسلامى يعنى النظام العادل . فلا تمايز بالأعراق أو الألسنة ، ولا إستئثار بالثروة ، أو إحتكار السلطة بتفاضل بين عناصر العصبيات الجاهلية للعرق أو اللغة أو المناطق . بينما الأفضلية فى الحكم تكون للأعلم والأتقى والأسبق فى التضحية والجهاد.

أهم واجبات النظام الإسلامى هى تطبيق العدالة بين الجميع ، ومكافحة الفقر (لو كان الفقر رجلا لقتلته ــ من أقوال على بن أبي طالب كرم الله وجهه). وبالتالى من واجب الدولة الإسلامية قتل الفقر ، لا قتل الحريات المشروعة ، أو كبت التعبير عن الرأى الأصيل إذا كان مخالفاً للسلطة.

وتطبيق الشريعة لا يمكن أن يكون كاملا بدون توفير عيش كريم لجميع الناس ولو عند الحد الأدنى . وإلا فلا معنى لتطبيق أكثر الحدود الإسلامية فى ظل الفقر المدقع أو المجاعات التى تشكل عذراً مخففاً للعقوبات والحدود أو حتى مانعا لتنفيذها.

إذن تنمية الإقتصاد هى العمود الفقرى لإقامة شرع الله بل هى جزء متلازم معه . فلا شرع يقام بمعزل عن مكافحة الفقر ، ومكافحة إحتكار الثروات ، أو منع الزكاة ، أو التواطؤ مع الكافرين لسرقة ثروات المسلمين تحت دعاوى كاذبة، مثل القول بأن المسلمين فقراء وفى حاجة لأن يعولهم الكافرين بمعوناتهم ، فى حين أن ثروات البلاد تصب فى خزائن الكافرين أموالا طائلة لا حصر لها .

–  نعود إلى من صاحب الحق فى تعديل نظام الإمارة الإسلامية ، أو إلغائه كما يتمنى الأمريكيون ومعهم سماسرة الإحتلال الأجنبى .

يمتلك ذلك الحق حصراً القوى التى أقامته فى البداية ، وهى القوى التى جاهدت لإزاحة نظام البغى والفساد فى كابول . جاهدت تحت قيادة حركة طالبان منذ عام 1994 إلى عام 1996 حتى أعيد فتح كابول وطرد المنافقين وبقايا المرتدين الذين عملوا داخل النظام .

يشاغب البعض بالتساؤل عن النظام القادم بعد هزيمة المحتل الأمريكى والأجنبى . وليس  ذلك التساؤل بريئا ، لأن الإمارة الإسلامية هى من سيتولى سلطة الحكم ، وشرعيتها قائمة على إستفتاء شعبى بالدم إستمر عقدين من الزمن مؤيدا لها ولمبادئها الإسلامية. وهذا هو الإستفتاء الحقيقى من أجل بقاء الأمة. وليس واحدا من إستفتاءات النفاق الغربى، للبيع والشراء وتسويق الفساد والفاسدين بقوة المال وأجهزة الدعاية والتأييد السياسى الدولى.أو ما يمكن تسميته بإستفتاء الإلهاء أو مهرجان اللغو.

– القوى الجهادية التى أنشأت الإمارة الإسلامية ، وبعد 20عاما من الجهاد، إستشهد الكثير من قادتها، ومؤسس الإمارة الملا محمد عمر قد توفاه الله . ولكن إنضم إلى ركب الجهاد ، تحت راية الإمارة بقيادتها المتجددة الآلاف من الشباب والخبراء والعلماء وطلاب العلم ، ورؤساء القبائل والقوميات . هؤلاء يتشكل منهم النظام الإسلامى ، وهم أصحاب الحق فى إدخال أى تعديلات أو تطوير عليه، بحيث يصبح أكثر قدره على تحقيق أهدافه فى ظل واقع داخلى وخارجى جديد . الواقع تغير فيستلزم ذلك تغييرات فى أساليب القيادة وفى تشكيل أجهزة الحكم ثم هناك تجربة الإمارة الإسلامية التى إستمرت فى الحكم خمس سنوات ، وظهر فيها العديد من نقاط القوة والعديد من الأخطاء ونقاط الضعف ـ فيلزم إدخال تطوير فى عمل الإمارة بما يناسب النتائج المستخلصة من تجربة حكمها الماضية .

تلك القوى التى ستشكل نظام الإمارة ـ وتطويره بما يلزم ، هى القوى التى جاهدت طوال عقدين من الزمن وإنتصرت ـ بتأييد من الله ـ وبدعم من الشعب الذى قدم لها كل مايملك . وذلك هو الإستفتاء الحقيقى الذى يعقب الجهاد الصحيح .

أما تدليس أعداء الإسلام بإستفتاء “الجميع” ، ويقصدون جميع العملاء والجواسيس والسماسرة ، فذلك خداع غير مقبول . فالإستفتاء قد تم بالفعل خلال عشرين عاما من الجهاد الصعب والقتال المرير . فمن كان خارج ذلك الجهاد فهو خارج عن النظام القادم ، ودوره هو البقاء تحت قوانين النظام الإسلامى ، أو اللحاق بقوات الإحتلال ليقيم هناك مع الكفار والمنافقين ، إن أراد ذلك.

 

مؤسسوا الإمارة ..  ومجددوها :

تم إعلان الإمارة الإسلامية بعد فتح كابول فى أكتوبر 1996 حين إجتمع أربعة آلاف من القادة الميدانيين والعلماء وشيوخ القبائل . لإعلان نظام الإمارة الإسلامية وتكليف الملا محمد عمر مؤسس حركة طالبان وقائدها بأن يتولى قيادة الإمارة تحت مسمى أمير المؤمنين .{ يومها قال رحمه الله ، ما معناه ، إن إخترتونى فاعلموا أننى سأحكم بشريعة الإسلام على نفسى وعليكم . فإن لم يوافقكم ذلك خرجت من مجلسكم هذا وعلى كتفى الرداء ” الباتو” الذى دخلت به}.

   بعد تحرير كابول ، وخروج الإحتلال الأمريكى وأعوانه ، يحين الوقت لعقد تجمع مشابه لمجلس شورى عام ، مثل ذلك الذى أسس لقيام الإمارة ، يجتمع فى مدينة أفغانية وليس أى مكان خارج أفغانستان ، لتجديد البيعة لنظام الإمارة ، ولزعيمها أمير المؤمنين . ويكون دخول الجميع إلى المؤتمر بمثل “الباتو” المتواضع الذى دخل به الملا محمد عمر المجاهد إلى المؤتمر (وخرج به من الدنيا) ، وليس بأرصدة بنكية أو دفاتر شيكات بالعملة الصعبة.

– وإذا كانت هناك فكرة لإدخال تطويرات فى نظام الإمارة، فإن لجان مختصة تقوم بتحديدها ثم إقرارها من مؤتمر الشورى العام ، الذى أقر نظام الإمارة وإختار أمير المؤمنين .

أما فى الوقت الحالى فذلك غير ممكن طالما الإحتلال العسكرى مازال قائماً، والنظام العميل مازال يحكم كابول . والمعركة لم تحسم بعد ولكنها على وشك الحسم. وطرح مشكلات فى غير أوان حلها هى مشاغبات يقوم بها العدو وأعوانة لحرف المسيرة واستغفال الشعب ومجاهديه ، ومنع الجهاد من الوصول إلى غاياته.

 

التفاوض مع ظل الشيطان :

حكومة كابول الحالية هى ظل لشيطان الإحتلال . ذلك الإحتلال تَعَهَد بالخروج من أفغانستان، وما عهدنا عليه إلا كذبا ـ ويشهد العالم كله عليه بمثل ما شهدنا.

–  وفكرة التفاوض مع ظل الشيطان القابع فى القصر الجمهورى هى فكرة غير صائبة من أساسها. والسبب هو حقيقة أن “ظل الإحتلال” يرحل تلقائيا مع الإحتلال ، ولا يحتاج إلى إعادة مفاوضات، بل إلى مجرد عملية تنظيف ، مثل تلك التى قام بها المجاهدون لنظام كابل الشيوعي بعد رحيل الجيش الأحمر.

 –  وخطأ آخر .. ليس مجرد القبول بتفاوض لا ضرورة له ، بل أن ضرره مؤكد ، إذ يتم فى ظل إختلال الموازين لصالح الحكومة العميلة.

فالتفاوض معركة مثل باقى معارك القتال، لموازين القوى فيها دور كبير. وبمفاوضة ظل الشيطان بينما الشيطان نفسه لم يرحل بعد ، تكون موازين القوى مختلة فى صالح النظام العميل. فهو يمتلك الأجهزة المسلحة ومليارات الدولارات، وقوات كثيرة محلية وأجنبية تعمل لصالحة . فلا بد من إستكمال طرد شيطان الإحتلال ، وبعد ذلك لن يتبقى له ظل فى كابول أو فى كل أفغانستان.

–  كما أن الإعلان عن قبول فكرة الإستفتاء على نوع النظام الذى سيحكم أفغانستان يعتبر فى هذه الظروف تنازلاً جوهريا لصالح نظام كابل “العميل”. فالأخطاء إذا تتابعت أوحت بأنها خطة قيد التنفيذ . فالعدو كان يرحل ولا يستدعى الأمر مفاوضته أو تقديم أى شئ له. ثم لم يكن مقبولا مفاوضة النظام على أى شئ ، من واقع أنه مجرد ظل للإحتلال وهى حقيقة أكدتها الإمارة على الدوام . ولكن الآن نسمع أن هناك من يتلهف على مفاوضة النظام بينما العدو مازال متواجدا ويسانده بكامل قواه ، وكأن التفاوض الحقيقى حول نوعية النظام القادم يدور مع المحتل نفسه.

إن حقيقة الإمارة الإسلامية أكثر رسوخا من أى حقيقة أخرى على الساحة الأفغانية ، وبالتالى فهى مسألة تخص الشعب الأفغانى ومجاهديه وعلمائة ، وليست موضوعا للتفاض أو التصرف من أى جهة كانت، سوى الجهة التى أسست الإمارة وهى الشعب الأفغانى وعلمائه ومجاهديه  حصراً وتحديداً. فالتنازل عن الإمارة لن يكون ثمنا لخروج المحتل أو للإتفاق مع الحكومة العميلة  كما أنه ليس من صلاحية أى مفاوض مهما كان . ولا حتى من حق الإمارة نفسها بدون العودة إلى مؤسسيها من علماء ومجاهدين .

إن التفاض وقت الحروب يكون “تفاوض بقاء” .. ومن الخطورة أن يكون مجرد “تفاوض إلهاء”.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إستفتاء البقاء .. وإستفتاء الإلهاء

 




داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

داعش فى أفغانستان .. جزء من الحرب الجديدة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

 

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

الولايات المتحدة لا تمنح سلاما لأحد، بل تصنع حروبا جديدة

 

الولايات المتحدة لا تمنح سلاماً لأحد، بل تمنح أنواعاً مستجدة من الحروب. إنها لا توقف حرباً أبدا، بل تستبدل حرباً بحرب ـ وغايتها من كل أنواع الحروب هو أخضاع الآخرين لأهدافها، بسرقة الثروات، ومحوالثقافات وتفريغ الدين من محتواه ـ وطمس هوية الشعوب، وإنهاء أى نزعة للإستقلال أو المقاومة.

وفى النهاية تريد أمريكا من عدوها الإستسلام التام لمشيئتها. فإن لم تخضعة بنوع من الحروب إستبدلته بأنواع أخرى إلى أن تحقق أهدافها.

ومنذ الإحتلال السوفيتى لأفغانستان، شنت الولايات المتحدة حروبها على الشعب الأفغانى، وتنقلت من أسلوب قتالى إلى أسلوب آخر.

1 ـ خلال الإحتلال السوفيتى كانت الإستراتيجية الأمريكية هى إخراج السوفييت من أفغانستان، مع مراعاة ألا ينتصر المجاهدون.

2 ـ فى فترة حكم مجددى وربانى كانت الحرب الأهلية والفوضى الداخلية تناسب كثيرا مصالح الولايات المتحدة ـ فتركت الفوضى على سجيتها وأخذت تقوى مصالحها فى أفغانستان (تدفق كثيف ورخيص للأفيون، التمهيد للشركات النفطية فى أفغانستان، خاصة خط انابيب تابى لنقل الطاقة من آسيا الوسطى إلى الهند لتجهيزها بأقتصاد أقوى ينافس الصين).

3 ـ ظهرت حركة طالبان فأربكت المشهد الأفغانى فى وجه الأمريكان. فى أهم ثلاث نقاط:

أ ـ تمكنت الإمارة من تحجيم الحرب الأهلية والسيطرة على معظم البلد.

ب ـ رفضت تمرير خط أنابيب تابى وفق الشروط الأمريكية التى تهضم حقوق الشعب الأفغانى، ورفض أمريكا تطبيق الشروط المعمول بها فى المشاريع المشابهة حول العالم.

ج ـ حظر زراعة الأفيون فى أفغانستان، وما يعنيه ذلك من خسارة مئات المليارات من الدولارات كانت تصب فى بنوك الولايات المتحدة.

د ـ فشل “تحالف الشمال” فى تحدى الإمارة الإسلامية حتى أوشك على الإنتهاء عام 2001 حين تداركته الجيوش الأمريكية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

فلم يعد أمام أمريكا أى حل آخر سوى أن تتولى إخضاع أفغانستان بقواتها المسلحة

4 ـ فى بداية حكم أوباما عام2009 تأكد الجيش الأمريكى من إستحالة الإنتصار فى حرب أفغانستان، خاصة بعد عملية “الخنجر” ضد ولاية هلمند، والتى لم تحقق أهدافها، وقد كانت السهم الأخير فى الجعبة العسكرية ألأمريكية.

خلال فترتي حكم أوباما كان بلاده ممزقة بين عجز عن الإنتصار، وبين عدم القدرة على التخلى عن موارد أفيون أفغانستان. ومشكلة أخرى واجهته ولا تقل خطورة وهى إحتياج إسرائيل إلى بقاء الجيش الأمريكى فى أفغانستان،

لأن إنسحابه منها قبل إستكمال سيطرة إسرائيل على المنطقة العربية (الشرق الأوسط !!) سوف يؤدى حتما إلى سقوط مشروعها، ويشجع شعوب المنطقة على التمرد على السيادة الإسرائيلية. فبدأت إسرائيل تتدخل بشدة فى أفغانستان، وتقاتل إلى جانب الجيش الأمريكى. وتحديدا فى مجالات الحرب الجوية والإستخبارية، وخبرات إسرائيل فى مقاومة حروب التحرير فى فلسطين ولبنان والمنطقة العربية، وفرق الموت والقوات الخاصة.

5 ـ مع بداية حكمه جاء ترامب مشبعاً بفكرة خصخصة الحرب، أى جعلها من أعمال الشركات القتالية (المرتزقة).

ومقتنعا بالفكرة الإستعمارية ” لشركة الهند الشرقية ” فى القرن الثامن عشر، والتى أخضعت الهند وأداراتها لصالح بريطانيا، وحولتها إلى مزرعة عظمى للأفيون وصدرت المحصول إلى الصين. وفى حربين عنيفتين أجبرت الإمبراطور على فتح بلاده للأفيون البريطانى القادم من الهند، واستولت على موانئ وجزر صينية لصالح بريطانيا وصالح عصابات التهريب الدوليين.

تلك التجربة الإستعمارية لبريطانيا فى الهند كانت متطاقة مع تصور ترامب لدور بلاده فى أفغانستان. ومنذ ذلك الوقت تم إعتمادها كاستراتيجية أمريكية فى أفغانستان ـ فكان معناها عسكريا هى أن حرب أمريكا فى أفغانستان هى حرب جيوش المرتزقة.

وتعتبر ” داعش” أحد العناصر الرئيسية فى (حرب المرتزقة) المطبقة حاليا فى أفغانستان ـ ولكنها ليست الوحيدة فى ذلك المجال الواسع والخطير.

 

 

داعش جزء من سياسة “عرقنة” أفغانستان:

العراق هى نموذج للتخريب الذى يعمل الإحتلال الأمريكى على تطبيقه فى أفغانستان.

فبعد حرب جهادية ناجحة، تحولت العراق إلى مستنقع للفتن من الصعب الخروج منه. ليست فقط على أساس (سنى ـ شيعى)، بل وحتى (سنى /سنى) وعلى أسس عرقية (عرب ـ أكراد ـ تركمان…). والآن يجلس الإحتلال الأمريكى بقوات محدودة من قواته وقوات الحلفاء، فى وضع مريح فى العراق، ومنها يعيث فسادا فى كامل المنطقة، بينما يتقاتل العراقيون فيما بينهم. وقيادات محلية وسياسية معظمهم يؤيد بقاء الإحتلال لخشيتة من المنافسين الآخرين، حفاظا على مكاسبه المالية التى يجنيها من التعاون مع الإحتلال ومشاريعه الإقتصادية. وتلك صورة طبق الأصل لما يسعى إليه الأمريكيون فى أفغانسستان.

ومن أسباب نجاح أمريكا فى إدارة فتنة داعش فى العراق:

أ ـ أمراض أصابت القيادة الإسلامية: فهى إما غير موجوده أصلا. أو أنها ضعيفة لا وزن لها ـ أو أنها فاسدة أتلفها المال والانخراط فى اللعبة السياسية التى أتلفت معظم القيادات الإسلامية وغير الإسلامية، فتحولت إلى التنافس على المناصب والمكاسب، وتقبيل أحذية المستعمر.

ب ـ أمراض أصابت التنظيمات الجهادية نفسها: مع ضعف القيادة ـ وغياب تأثيرها ـ تفكك التنظيم وفقد تأثيره على الشعب. وتكاثرت فيه مراكز القوى حول قيادات صغيرة طامحة إلى المال والسلطة.

– يمكن القول أن الإستراتيجية الأمريكية هى”عرقنة” أفغانستان، أى تحويلها إلى عراق أخرى، بإستخدام أهم أدواتها فى العراق وهُمْ الدواعش.

 

 

حرب الإغتيالات وفرق الموت:

وهى امتداد طبيعى، وعميق الإرتباط بحرب الدرونز وحرب داعش، وحرب المرتزقة من شركات دولية ومحلية.
وتلك سياسة إستعمارية قديمة لإخضاع الشعوب، عن طريق إغتيال قياداتها.

صادفت تلك السياسة درجات متفاوته من النجاح والفشل، وهى مؤثرة فى جميع الحالات، ليس على النتائج النهائية للحرب، ولكن ربما تسببت فى إطالة أمدها وتأخير إنتصار المجاهدين فترة من الزمن.

ــ تقوم الطائرات بدون طيار ـ فى أفغانستان ـ بدور جوهرى فى حرب الإغتيالات ضد قادة المجاهدين وكوادر المتعاونين معهم.

ـ ويقوم المرتزقة ـ غالبا بدعم من طائرات “الدرونز” بعمليات إغتيال ضد القيادات، والكوادر الجهادية.

ـ للدواعش دورهم فى حرب الإغتيالات. وإن كانت معظم أعمالهم أقرب إلى نشاطات فرق الموت التى تبث الرعب الشديد فى نفوس المدنيين. كما تستهدف إشعال فتنة مذهبية أو عرقية لحرف مسيرة الجهاد فى إتجاه الحرب الأهلية. وهو ما نجحوا فيه كثيرا فى عدد من الدول العربية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

الحرب الإقتصادية:

حروب أمريكا تخدم إقتصادها فى نهاية الأمر. وبشكل أدق تخدم إقتصاد بنوك اليهود فى أمريكا، المصب النهائى لتدفق أموال تجارة المخدرات التى عمودها الفقرى أفيون أفغانستان.

ولأن الأفيون هدف إقتصادى أول. ونفط آسيا الوسطى (وأفغانستان) هدف إقتصادى ثان.

فإن مافيا المخدرات (الإسرائيلية / الأمريكية) وشركات النفط الكبرى هما الضاغط والممول للحرب الدائرة فى أفغانستان. وفى فترات الهدؤ العسكرى تتحرك خزائن المال العملاقة لتلك المؤسسات لدفع الرشاوى فى كل إتجاه لتأمين فترة إستقرار قادمة تتيح إزدهارا لأعمالها فى الأفيون والنفط.

– أما إذا تمكنت الإمارة الإسلامية من العودة منفرده لحكم أفغانستان ـ بدون شراكة مع المافيات الأمريكية السياسية ـ فإن الولايات المتحدة قد جهزت لها حقولا من الألغام الإقتصادية، تشل حركتها وتضمن عودتها مرغمة إلى السيطرة الأمريكية.

 

 

وكما فعلت أمريكا مع العديد من دول العالم ـ وحتى دول كبرى ـ

فإن أهم أسلحتها للدمار الإقتصادى الشامل هى:

أ ـ تحطيم العملة المحلية: عملة أفغانستان تحت تغطية الدولار الأمريكى، والدولار مستند فى قوته على تجارة الهيروين دوليا، وعلى تجارة النفط عالميا بالعملة الأمريكية. إذا سحبت أمريكا تغطيتها للعملة الأفغانية فسوف تنهار تلك العملة فى الحال. وقد تُغْرِق أمريكا السوق الأفغانى بمليارات من العملة المزيفة التى ستطيح بقدرة الشعب على الشراء نتيجة تضخم الأسعار.

ب ـ حصار إقتصادى: بمنع التعامل مع الدولة المستهدفة، وتهديد من يكسر ذلك الحظر بفرض حظر أمريكى عليه. وهذا ما تعانى منه دول فى الجوار الأفغانى مثل إيران. ودول عربية مثل العراق وسوريا ولبنان. ودول بعيدة مثل فنزويلا وكوبا. والقائمة طويلة، وتلك مجرد أمثلة.

ج ـ إسقاط البنوك المحلية الأفغانية: (ومعظم نشاطها قائم على غسل أموال المخدرات) ومصادرة ممتلكاتها وأرصدتها فى الخارج.

د ـ حظر وعقوبات: ضد الإمارة ومسئوليها. ومطالبتها بتعويضات عن حادث 11 سبتمبر.

وهناك إجراءات آخرى. لاداعى لذكرها طلباً للإختصار.

 

 

حرب ثقافية ودينية:

وهى أخطر التحديات أمام الإمارة الإسلامية، فى حال نجاح وصولها إلى السلطة بشكل مستقل عن شركاء المستعمر ـ والحديث عن تلك الحرب يطول ومعظم تفاصيلها واضح تماما للإمارة وللمثقفين وجمهور الشعب الأفغانى. غايتها النهائية إستبدال فرائض الإسلام وترك الجهاد ضد تسلط الكافرين على المسلمين وبلادهم، والتحول إلى ثقافة جديدة متصالحة مع المستعمر وخاضعة له ومرحبة بإعتناق كافة ما يأتى به من قيم ومبادئ وقوانين مخالفة للدين.

 

 

خلاصة ما سبق:

1 ـ داعش جزء أساسى من حروب المرتزقة التى تشنها أمريكا عبر القارات، هذا رغم أن داعش مصمم خصيصاً للمنطقة الإسلامية.

2 ـ لداعش قدرة خاصة على حرف مسيرة جهاد وثورات المسلمين.

3 ـ دور داعش فى أفغانستان أكثر أهمية فى الوقت الحالى، حيث تعمل أمريكا على حرف مسار الجهاد إلى وضع يشابه وضع العراق من حيث الفتن الدينية والعرقية، وتحول القيادات الشعبية ـ فى معظمها ـ إلى التعاون مع المحتل.

– وحيث أن داعش جزء من الإستراتيجية العسكرية والسياسية للإحتلال الأمريكى فى أفغانستان، فإن داعش تديرها القيادة العليا لتلك الحرب وهى الإستخبارات الأمريكية والموساد الإسرائيلى، مع جهاز خاص مرتبط بحكومة كابول يرأسه حنيف أتمر، وحكمتيار، أضافة إلى عدد محدود من الأسماء.

ونظرا لأن داعش كيان دخيل وبلا جذور إجتماعية أو مذهبية فإنه غير قادر على التمدد فى التربة الإجتماعية لأفغانستان ولا يمكنه التواجد بغير إسناد الإحتلال الأمريكى.

– خطورة داعش حاليا هى أن أفغانستان تعيش المرحلة النهائية من جهاد منتصر، حيث تتكاتف جهود الأعداء مع ضعاف النفوس وأصحاب الهمم الخائرة، لإنهاء مسيرة الجهاد قبل أن يحقق حسما لا لبث فيه، بتحطيم الأصنام كافة ثم رفع الأذان فى سماء كابل.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة




مأزق بغال التحميل 3

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 3 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الثالث )

 

– من أجل الإستعداد للمعارك الأساسية الكبرى لابد من خوض تجارب قتالية حتى فى غير بلاد المسلمين، ناهيك عن معارك الدفاع عن شعوب وبلاد إسلامية .

موقع  حركة طالبان من التجربة الجهادية الإسلامية . 

– أيها المجاهدون : تلك صورة موجزة لما يمكن أن يواجهكم به العدو ، فى أى ساحة تعملون فيها . فماذا أنتم فاعلون ؟؟. ذلك هو التحدى الحقيقى .

 

تعتبر حركة طالبان حالة جهادية نادرة، تمكنت تخطى الكثير من العقبات الكبرى التى تعترض العمل الجهادى وتفشله . لهذا سنخصص لحركة طالبان والإمارة الإسلامية فصلا خاصاً حتى نستعرض بشئ فى التفصيل أهم أسباب نجاحات تلك الحركة الأفغانية، ليكون ذلك موضع دراسة لباقى المسلمين ، فهو من أغنى التجارب الإسلامية بالدروس النافعة ، بحيث لا يبقى البحث عن مخارج لأزمة العمل الجهادى فى إطار الأبحاث النظرية البحتة أو التنابذ بين التنظيمات. فسقطات التجارب الجهادية لا تعنى إسقاط فريضة الجهاد ، كما أن سقوط الجماعات الإسلامية فى أخطاء حولتها إلى (بغال تحميل) لا يعنى أن كل من شاركوا فيها قد إكتسبوا تلك الصفه الذميمة رغم أنها الصفة الغالبة .

كما أن القعود عن الجهاد لا يعنى إنتصاراً للقاعدين لمجرد أنهم لم يذهبوا خشية أن يتحولوا إلى بغال تحميل . إن الذهاب إلى تلك الميادين التى إستغلت حماسة الشباب ومثاليتهم كان ضروريا، ونتج عنه فوائد لم يكن ممكناً الحصول عليها بدون خوض التجربة، والتعرض لمخاطرها ومكابدة أخطائها.

فمن أجل الإستعداد للمعارك الأساسية الكبرى لابد من خوض تجارب قتالية حتى فى غير بلاد المسلمين، ناهيك عن معارك الدفاع عن شعوب وبلاد إسلامية .

ذلك من أجل تحصيل التجارب القتالية ، والمعارف السياسية فى أهم الحرائق المشتعلة .

هذا إن كان هناك عناصر جادة فى أداء تكاليفها الجهادية . وهناك أمثلة كثيرة لهؤلاء الجادون فى تناول قضاياهم كيف خاضوا مهالك الحروب من أجل تحصيل التجربة والإستعداد ليوم لا ريب فيه .

فاليهود مثلا توزعوا على الجيوش الأوروبية وخاضوا معها مهالك الحرب العالمية الثانية. وبعدها شكلوا الفيلق اليهودى الذى أذاق العرب الأمَرّين فى فلسطين . وكان أول خطوة جادة لإنشاء دولة يهودية قتالية تتحدى جميع المسلمين.

وهناك الألمان(النازيون) والروس(الشيوعيون) كلاهما ذهب إلى أسبانيا لخوض الحرب الأهلية هناك (1936ـ 1939) كل منهم مع شبيهه السياسى والعقائدى. وذلك من أجل إختبار الأسلحة المتطورة وما يناسبها من أساليب قتال . وفقدوا العديد من عناصرهم فى تلك الحرب، بعضهم كانوا هامين جدا فى مجال تخصصهم .

 

طالبان .. الأكثر نجاحا فى العمل الجهادى .

يتساءل الكثير من الشباب عن سبب نجاح حركة طالبان فى أفغانستان بينما باقى التجارب الجهادية ـ قد باءت بالفشل ـ وهم ينظرون نظرة مذهبية كما هو شائع الآن. أى يتكلمون بلسان “أهل السنة والجماعة” وذلك من مواريث عصور الإنحطاط الماضية وعصر السقوط الحالى، إذ نجح العدو فى تحويل الإسلام الواحد والأمة الواحدة (رغم تنوع المذاهب) حوَّلها إلى كيانات مذهبية متصارعة ، إلى درجة الإفناء المتبادل، كما هو واقع اليوم بين السنة والشيعة. ومبدأ “شيمون بيريز” يوضح دور اليهود فى تحطيم وحدة الأمة وإستخدام المسلمين فى تدمير بعضهم بعضا .

ـ لهذا سنتكلم هنا عن التجارب الجهادية عند “أهل السنة والجماعة ” متجاهلين تجارب الشيعة التى أخذت مسارات مختلفة ، أثرت على أهل السنة وعلى غيرهم ـ ولكننا تعمدنا إغماض الأعين وتجاهلنا دراسة التجارب الشيعية.

 بل لم ندرس تجارب (أهل السنة والجماعة). وحتى الجماعات الجهادية العاملة لم تدرس تاريخها ، وركزت ـ بالحق أو الباطل ـ على إنجازات وبطولات، وتجاهلت أخطاء قاتلة مازالت تنخر فى عظام الحركات السُنّية وتنقلها من فشل إلى فشل أشد . ويتساءل الكثير من الشباب عن حق :

لماذا نفشل نحن ، وتنجح حركة طالبان ؟

 وكيف السبيل للخروج مما نحن فيه ؟

سنعمل على الإختصار قدر الأمكان . وستظل الحاجه قائمة لإجراء حوارات مستفيضة حول نقاط تحتاج إلى المزيد من الإيضاح.

– تساءل البعض : لماذا ينجح طالبان بينما نفشل نحن ؟. ما الذى يمتلكونه ولا نمتلكه نحن ؟.

لسنا بصدد الإجابة عن معظم الأسئلة ولكننا نلفت النظر إلى عدة نقاط محورية ـ أو مصيرية ـ فى مسيرة شباب المستقبل العاملين من أجل أمة إسلامية متماسكة قوية ، تستعيد جميع حقوقها الغتصبة : المعنوى منها ـ والمادى.

وحتى تصبح الحركات الجهادية ـ جديرة بشعاراتها المرفوعة ـ ولا تتحول إلى مجرد “بغال تحميل” أى يسيطر أعداؤها عليها، ويسخرونها لأهدافهم . يجب أن تغطى الحركات الجهادية النقاط التالية:

– أن تتولى بنفسها رسم إستراتيجية الحرب ، (العسكرية و السياسية) .

– أن تتولى بنفسها العمل السياسى فى الداخل والخارج . ومراعاة تأثيره على التسليح والتمويل. كما  تتولى مسألة {إجراء المفاوضات ، وعقد التحالفات } فى الداخل والخارج .

 

ويمكن القول أن أى عمل منظم يتناول الجهاد المسلح أو الثورة الشعبية سبيلاً لإحداث تغيير جذرى فى المحتمع يجب أن يقوم على 6 ركائز هى :

1 ـ القيادة .

2 ـ التنظيم .

3 ـ البرنامج .

4 ـ الرؤية السياسية.

5 ـ الرؤية الإجتماعية .

6 ـ الرؤية الإقتصادية .

– وقبل كل ذلك فإن ذلك التنظيم أو الجماعة يجب أن تنبت بشكل طبيعى وعميق من تربة المجتمع الذى ستمارس فيه نشاطها . ورغم انها حركة تغيير جذرى إلا أنها تنبع من واقع إجتماعى ، له جذور دينية ، وتقاليد إجتماعية ، وتجارب مختزنة، وتاريخ يؤثر فى حركتة. والعناصر الست تحمل تلك التأثيرات. ورغم أنها تهدف إلى تغييرات جذرية، فإنها يجب أن تحمل سمات ذلك المجتمع وتتأثر بتاريخه وتقاليده ، وتراثه الفكرى .

فالإسلام عند لحظة بزوغه ، رغم أن غايته كانت إحداث تغييرات جذرية فى الإنسان والمجتمع، إلا أنه لم يُلْغ أياً منهما ـ بل أخذ منهما العديد من الإيجابيات وبنى عليها ـ مع الفطرة السليمة المختزنة فيهما ، ومبادئ الدين الجديد بقوته التنويرية والإيمانية.

فالإنطلاق جاء من أرض وبَشَرْ كانوا موجودين بالفعل ، وحسب الحديث الشريف (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فلم تكن مسيرة الإسلام نحو فراغ ولا قادمة من فراغ ، بل النهوض بأخلاق كريمة كادت أن تندثر، صوب مثل عليا لا يمكن رفضها ، ولا تنكرها الفطرة السليمة ولا العقل اليقظ . وفيها إحياء لكل ماهو كريم فى الإنسان والصعود به إلى الأعلى والأكمل فى كل شئ.

–  حركة طالبان فى مجتمعها الأفغانى لم تستجلب له إسلاماً جديدا لم يعرفه، بل بعثت فيه روح الإسلام من جديد ، لتطهير الواقع من إحتلال جاء ليهدم الإسلام ويخمد روحه فى نفوس الناس .

جاءت الحركة دفاعاً عن الدين ، وعن الأعراض والأعراف السامية ، ودفاعاً عما يمتلكه المجتمع من ثروة معنوية نابعة من الدين ، وعزة القبائل ، وحرية الأفغانى الذى لا يخضع لظلم أو قهر . شعب يربطه الدين والقبيلة ، والمذهب ، والطريقة الصوفية ، والعلماء الربانيون ، والمسجد الذى هو أهم الرموز والممتلكات. تحمله القبيلة معها فى السلم وفى ميدان الحرب، فوق قمة الجبل أو فى قاع الوادى فإن أول رسم فوق الأرض هو لحدود المسجد، وأشرف موقع هو للمحراب . فى المهجر أو فى الاغتراب المسجد المرسوم على الأرض أو مبنى بالأحجار والقش، هو العروة الثقى التى تربط الجميع ببعضهم وتربطهم بخالقهم.

أنه مسجد الأفغانى ومعتقده وميراثه الأسمى ، فهو ليس مجرد مبنى أو ملكية حكومية ، أو نظام بشرى مهما كان عادلا أو جائراً. إنه بيت الله ورمز كرامة القبيلة ورباطها الدينى ، ورابط مجتمعها وشرائعها، وفيه تحل المشاكل ، وتعقد الزيجات وتقام الجنائز، ويعلن الجهاد، وتنطلق منه أفواج المجاهدين لمقاومة الغزاة ، مرورا عزيزا لأشجع الرجال منخفضى الرؤوس من تحت المصحف الشريف ترفعة أيدى كبار الشيوخ .

 

الصوفية كمحتوى تاريخى للجهاد :

الصوفية كرباط إجتماعى ودينى مازالت قائمة وقوية فى أفغانستان ، تعمل بفاعلية وإنتصار رغم المحن التى إستهدفت أفغانستان وإستهدفت الصوفية تحديدا ، لهدم دورها كرابط إجتماعى وتكاتف دينى منظم .

لم ينجح الإستعمار فى هدم الصوفية فى أفغانستان ، كما نجح فى هدمها فى الدول العربية. فنجح فى إحتلال بلاد العرب ولم يتمكن من إحتلال أفغانستان وتخبط فى محاولات غزوها من فشل إلى آخر .

الوهابية كانت من أهم أدوات الإستعمار لهدم الصوفية فى بلاد العرب وساندتها فى ذلك (حكومة الهند البريطانية). ليس غيْرَة على عقائد المسلمين أو مكافحة للشرك الذى إتهموا به الصوفية ، بل لتحطيم أهم حاضنة جهادية لدى المسلمين. فكانت الوهابية المتحالفة مع آل سعود أداتهم للسيطرة على المقدسات ، وطرد “الخلافة العثمانية” من جزيرة العرب. وكنتيجة مباشرة سقطت “الخلافة”، التى كانت آخر رباط سياسى يجمع بلاد المسلمين فى كتلة رئيسية واحدة، وآخر رباط يجمعهم فى كيان دولى يحسب حسابه. ترتب على فقدان تركيا للمقدسات الإسلامية فى مكة والمدينة ، سقوط فلسطين فى أيدى اليهود. ثم سقوط بلاد العرب فى قبضة الإستعمار فى دويلات فرقها الإستعمار ولم تجمعها “الجامعة العربية” ولا القومية العربية التى أرادوها رابطا بديلا عن الإسلام ، فكانت طاردا له ومطاردا لأتباعه .

وعندما أراد المجاهدون العرب مقاومة الإحتلال، لم يجدوا محتوى إجتماعى تنظيمى يضم جهادهم . والصيغ الغربية الحديثة من أحزاب وتنظيمات أخذتهم فى عزلة عن المجتمع ، وفرقة فى الدين ، وبالتالى جرفتهم سلسلة لا تنتهى فى التجارب الفاشلة . وبدلا من الجيش المجاهد على النمط الأفغانى أصبح عندنا “بغال تحميل” ، ليسوا فقط علامة على الفشل، بل على ما هو أخطر، وهو إستيلاء العدو على “فريضة الجهاد” لإفشاله وتحويله إلى صدور المسلمين، ودماراً لبلادهم ومستقبلهم .

– لاحظ المؤرخون إرتباط الحركات الصوفية بالمقاومة الإسلامية ضد الإستعمار الأوروبى فى كل من ليبيا والجزائر والسودان والصومال وأفغانستان ، وحتى أندونيسيا .

ومن الأمثلة الساطعة كان جهاد حركة المريدين الصوفية فى القوقاز ضد الغزو الروسى منذ حملة بطرس الأكبر عام 1722 . وقاوم الإمام شامل الروس فى القوقاز منذ عام 1817 وحتى عام 1884 . والذى كسر ظهر الإمام شامل والمريدين هو إفتقارهم إلى دعم الأمة الإسلامية التى إستنزفها الصراع بين الإمبراطورية العثمانية (السنية) والإمبراطورية الإيرانية

(الشيعة)، فضاع القوقاز بسبب الصراع المذهبي السياسى . ويقال أن السلطان العثمانى عبد الحميد بعد إسقاطه قال أنه لو عاد الزمان لإتحد مع إيران فى مواجهة أوروبا . وتلك يقظة جاءت متأخرة ، ولم تتحقق حتى الآن . فمازال الإسلام يُذْبَح والمسلمون أكثر إهتماما بالفتنة منهم بالإسلام . ومازالت الوهابية تتابع رسالتها . فالمسيرة بدأت بإبادة الصوفيين فى جزيرة العرب بتهمة الشرك . ثم طرد العثمانيين منها بنفس التهمة . وقَبِل الوهابيون بالإحتلال الأروبى اليهودى كبديل عن الإمبراطورية العثمانية ، “كخلافة” جامعة للمسلمين .

– والهجوم البريطانى الوهابى على الشيعة مشابه تماما فى بواعثه مع هجومهم على الصوفية. فالشيعة لديهم تنظيم دينى إجتماعى يشكل حاضنة للجهاد مماثلة لدور التصوف عند السنة ، ذلك هو نظام مراجع التقليد ، الذى يتشكل من العالِم المَرْجِعْ على رأس جمهوره من المقلدين . متماثلا مع تنظيم الإمام والمريدين لدى المتصوفة من أهل السنة . كان لابد ان يحطم الإنجليز الحاضنة الجهادية عند السنة والشيعة معا بنفس السلاح ــ الوهابية ــ وتغطية ذلك بهيستريا من التعصب المذهبى المزيف.

فالوهابية عملت مثل كاسحة أمام الإستعمار الأوروبى تزيل من أمامه أى مقاومة إسلامية ـ تحت إسم الحفاظ على عقائد المسلمين .

والآن وقعنا فى مشكلة لم نجد لها حلا حتى الآن: كيف نجد القيادة الإسلامية الموثوقة ، والتنظيم الإسلامى المترابط ، ونوجد البيئة الحاضنة للجهاد الراعية للمجاهدين حتى نشرع فى الجهاد؟. فلم نجد حلا فى بلاد العرب سوى بغال التحميل . ولم يعد ممكنا العودة إلى الصيغ الإسلامية السابقة (الطرق الصوفية المجاهدة) لأنها إندثرت ولم تعد قائمة فى بلاد العرب . والموجود من الصوفية الآن هو شئ آخر صنعه الإستعمار ووكلاؤه الحاكمون الآن .

وقد إنفض الناس عن الصوفية ، وعمليا إنصرف معظم الناس عن الإسلام .

المسجد : حاضنة إجتماعية .

1 ـ القائد .

2 ـ التنظيم .

– فإذا كنا نتكلم فى الركائز الست للعمل الجهادى المنظم ، فإن نقطة بدايتها وقاعدة إنطلاقها، والحاضنة الإجتماعية للجهاد فى أفغانستان هو المسجد . ورغم أنه من الناحية المادية مجرد بناء من حجر وطين معروش بالخشب والقش ومفروش بالحصير، لكن لم ينطلق منه يوما إلا جهاد عظيم ومنتصر .

فيه جلس العالم يقود الجهاد ، فكان هو القيادة . وحوله جمهور المسجد الذين هم سكان القرية وأبناء القبيلة ، وتلامذته من طلاب العلم (طالبان) الذين هم فلذة أكباد القرية والقبيلة ، ومثالهم الأخلاقى . حُفَّاظ القرآن والدين، وقادتهم فى ميادين الجهاد. هم الرابط بين العالم (المولوى أو الملا) وبين جمهور المصلين أبناء القرية ورجالها ونسائها وأطفالها.

ذلك هو ” التنظيم الجهادى”، من أبناء المسجد، أبناء القرية، أبناء القبيلة، أبناء كل بيت . ليسوا غرباء وليسوا وافدين ولا يتكلمون لغة أخرى أو يتبعون دين مجهول . وليسوا عنيفين إلا فى الحق . وليسوا هجوميين إلا على الباطل.

إذا صعدوا مع شيخهم إلى الجبال لأجل الجهاد ، كانت القرية والقبيلة وكل بيت معهم بقلبه وعقله وكل ما يملك ، لأنهم ببساطة أبناؤه وقادته وأبطاله ، وشيوخه ، والمثل الأعلى فى الخُلُق والدين والجهاد ، والأكثر تضحية وجرأة وإيثاراً .

فطلاب العلم الشرعى “طالبان”، هم (كوادرالتنظيم الجهادى) بالتعبير الحديث، الذى هو أقل قدرة على توصيف حال هؤلاء الشباب ـ كما هو قاصر عن وصف حالة قائدهم الأعلى ، وقادتهم الميدانيين والمحليين من أتباع وتلامذه ورواد هؤلاء القادة . وأميرهم الأعلى، الذى عند الإنتصار النهائى إتفقوا على تسميته (أمير المؤمنين) فخراً واعتزازاً بتراث الإسلام ، حتى لا تسقط القيادة الجامعة من واقع المسلمين . فلهم دين واحد ، وقائد واحد لأمة موحدة .

  تكلمنا إذن عن (القيادة) عند طالبان ، وعن(التنظيم) عند تلك الحركة .

– القائد يُعَلّم ويطبق الدين وأحكامة ، ويتصدر صفوف المقاتلين ، وهو من أبطالهم وأول من يقتحم الأخطار ويعيش الصعاب ويضع الخطط ، ويُخْطِر الشَعْب ـ القبيلة ـ بما يريده منهم ، عبر تلامذته (وكوادره) طالبان.

– أبناء القبيلة الذين هم سند الجهاد والمدد بأسباب القوة ، من رجال ومال وطعام ، ومعلومات.

– المسجد هو القلب النابض للحركة والصلاة وتعليم الأطفال . والقبيلة هى الحاضنة الاجتماعية لهذا النشاط ، تموله وتحميه وتتفاعل معه ، ولا يتقدم عليه شئ آخر وترفض أو تتجاهل أى إطار آخر ، قادم من خارج القبيلة، سواء من الحكومة المركزية فى كابول أو من الإحتلال . أو حتى من أبناء القبيلة المنحرفين. وقد فشل الشيوعيون فى أن يقتحموا القبائل ، ونجاحهم كان جزئيا ومستندا على قوة الإحتلال السوفيتى ، ونظام كابول الخاضع للسوفييت .

كما فشل الأمريكيون فى إختراق القبائل بواسطة أبنائها الخارجين عن التوجه الدينى الإجتماعى الراسخ فى القبيلة والمجتمع الأفغانى عموما .

– إستراتيجية الغزو العسكرى والغزو الثقافى ـ سواء للسوفييت أو الأمريكين ركزت بشدة على إختراق ذلك الكيان الإجتماعى العقائدى الصلب . قصفوه بالطائرات وهاجموه بالجنود . كما قصفوه ثقافيا بالإعلام ـ ولما كان ما توفر فى أيدى الغزاة الأمريكيين من وسائل الإعلام الحديث أكبر بكثير مما توفر لدى السوفييت ، وكذلك الوسائل العسكرية والمدى الزمنى الأطول للإحتلال ، فكان تأثير غزوهم الثقافى أعمق مما حققه السوفييت .

فقد دمروا عددا أكبر من القرى وقتلوا أعدادا أكبر من العلماء وطلاب العلم . وهدموا عددا أكبر من المساجد والمدارس الدينية، ونشروا إستخدام الهيروين بين الشباب، وكافة أشكال العادات غير الاسلامية فى المدن ، والفساد من رشوة وسرقات بين موظفى الحكومة على إمتداد الدولة من كابول حتى أصغر قرية .

لهذا سيكون أصعب التحديات أمام الحكم الاسلامى القادم هو التخلص من آثار العدوان الثقافى ، وإهتزاز قاعدة القيم الإجتماعية .

– وأثناء القتال الدائر ضد الإحتلال فإن أهم واجبات حركة طالبان كان الهجوم على العدو عسكريا وفى نفس الوقت الحفاظ على البيئة الإجتماعية المجاهدة : (العالم ـ طلاب العلم ـ القبيلة ـ المسجد ـ المدرسة الدينية). والحفاظ على الأحكام الإسلامية والعرف الإجتماعى التقليدى داخل القرى . لهذا إحتفظوا على الدوام بجهاز تعليمى ومدارس دينية ، وقضاة لفض المنازعات بعيدا عن قوانين الدولة المحتلة .

– ويُشرِف القضاة أو أئمة المساجد أو المدرسين على تجميع الموارد الشرعية وتبرعات الأهالى لأبنائهم المجاهدين ( طالبان وإمارتهم الإسلامية التى يترأسها “أمير مؤمنين” إنتخبه العلماء وقادة القبائل). وبتلك الموارد تتخطى الحركة معضلة التمويل وتتفادى تدخل الممول الخارجى .

– والإمارة تولت مسائل التفاوض مع الجبهة المعادية التى هى جيش وسلطات الإحتلال والنظام المحلى العميل. وعند مرحلة رأتها مناسبة خاضت تجربة التفاوض. بداية من مفاوضات تبادل الأسرى وصولا إلى إتفاقية جلاء قوات الإحتلال .

– فلا وجود لبغال تحميل فى جهاد أفغانستان، فالتمويل والسياسة والتخطيط الإستراتيجى للمعركة، كلها فى أيدى الإمارة الإسلامية وحركة طالبان .

فى أى حرب هناك إنتصارت وهناك هزائم ، ولكن المسار فى صعود وإنتصار ، والمعركة عنيفة ضد أقوى دول الأرض وحلفائها فى العالم ، ومن أخطرهم أشباه المسلمين فى بلاد العرب.

 

3ـ البرنامج :

 البرنامج الجهادى تضعه الإمارة الإسلامية ــ كقيادة عليا للجهاد حاليا ، وللدولة كلها بعد التحريرــ ذلك البرنامج تشرف على تطبيقه حركة طالبان، بإعتبارها القوة التنفيذية للإمارة. تنفذ الخطط والبرامج والإستراتيجيات فى كافة المجالات العسكرية والمدنية والإقتصادية والسياسية والدعوية والدعائية .

الإمارة لا تضع البرامج والخطط بمعزل عن قواعدها الجهادية ومحيطها الإجتماعى فى القبيلة والقرى والمدن . فالافكار فى معظمها تأتى من البيئة الإجتماعية للشعب الأفغانى .

الإستراتيجية العسكرية:  مستمدة من تجارب الميدان والخبرات المتراكمة فيه . والدماء المبذولة فيه بغزارة وسخاء . وهى إستراتيجية مرتكزة على خبرة موروثة من الجهاد ضد قوى عظمى محتلة سابقا ـ السوفييت وقبلهم الإنجليز . مع مراعاة الفوارق فى ظروف كل معركة وإمكانات التسليح لدى العدو ، وطريقته فى القتال . فالقوى المقاتلة التى يستخدمها الأمريكيون فى أفغانستان أكثر تعقيداً وخطورة.

 

4 ـ الرؤية السياسية: 

وهى من إختصاص الإمارة ، وليس أى قوى خارجية. فى مجال السياسة الداخلية الأفغانية ليس هناك نظير لتفوق حركة طالبان فيها، وذلك منذ ظهورها عام1994 وحتى الآن فى وجود الإحتلال .

 أما السياسة الخارجية فإنها تخضع لحصار شامل يفرضه الأمريكى المحتل الذى يمتلك القدرة على إملاء رغباته على العالم ، بقوته الإقتصادية وعقوباته ، وإبتزازه العسكرى. ولكن بدأت الحركة تحقق إختراقات فى السياسة الخارجية منذ عام 2014 تقريبا . ومن وقتها وهى فى تقدم مضطرد ، بالتزامن مع تراجع نسبى فى قيمة الولايات المتحدة دوليا ، وإجماع العالم على كراهية أسلوبها الفج فى العلاقات الدولية ، والأزمات الإقتصادية التى تسببت فيها للعالم .

لم تكن حركة طالبان وقيادتها فى الإمارة الإسلامية ، فى موضع التابع فى أى مجال إستراتيجى عسكرى أو سياسى.

4 ـ الرؤية السياسية:  ما أسميناه (البرنامج) يشمل أيضا الرؤى الإجتماعية والإقتصادية للإمارة، سواء فى فى حالة الإحتلال أو مستقبلا بعد رحيل الإحتلال وفتح المجال من جديد لتطبيق برنامج الإمارة فى الإجتماع والإقتصاد، كما سنرى لا حقا .

 

5 ــ  6  الرؤيتان الإجتماعية والإقتصادية :

تمتلك حركة طالبان رؤية إجتماعية واضحة . ترى فى بيئتها الطبيعية مثالاً لما هو ممكن وأفضل فى الظروف الحالية . وتدرك أن المدن نالها أكبر قدر من الإنحراف الإجتماعى نتيجة لنفوذ الإحتلال وتركيزه العسكرى والإدارى. وبحكم النشأة فإن طالبان أكثر ميلا إلى الطبقات الفقيرة ، والحياة المتقشفة البعيدة عن التبذير الاستهلاكى. وهم أكثر إطِّلاعا على حياة الفقراء ومشاكلهم ومطالبهم ، وعلى دراية بما يحقق مصالحهم . هؤلاء الفقراء هم الأغلبية من سكان أفغانستان . لهذا فإن الرؤية الإجتماعية للإمارة الإسلامية ، وحركة طالبان ، مرتبطة بعموم الشعب الفقير المحروم ، الحر الشجاع ، المسلم المجاهد على الدوام فى أى وقت دفاعاً عن دينه وحريته وحقوقه .

–  لن تتعاطف حركة طالبان مع منهج الإقتصاد الغربى القائم على الإستهلاك النهم، وتكديس الأموال بكافة الطرق المحرمة، وعدم أداء التكاليف المالية الشرعية، وتحويل المجتمع إلى فئتين ، واحدة صغيرة جدا تمتلك معظم الثروات وكل السلطة السياسية ، وأغلبية من الفقراء الذين يمتلكون أقل القليل من المال ، ولا يمتلكون شيئا من السلطة السياسية .

–  بالتالى لن تسلم الإمارة الإسلامية ثروات أفغانستان إلى الشركات متعددة الجنسيات حتى لو دخلت عليها بالثياب الإسلامية التى يرتديها المنافقون من شركاء الشركات الدولية .

–  العدالة الإجتماعية ، وإتاحة فرص متساوية للجميع للإستفادة من الثروات العامة. والإستفادة من عوائد الثروات لبناء قاعدة إقتصادية قوية توفر حياة كريمة للأجيال الحالية والقادمة. وأداء الحقوق الشرعية من زكاة الأموال ، وأداء حقوق الفقراء والعاجزين عن الكسب، وتوفير فرص العمل لإجيال الشباب وتوفير التعليم المجانى والرعاية الصحية الكاملة للجميع .

–  الإقتصاد المنتج هو شعار الإمارة الإسلامية : زراعة واسعة وصناعة تلبى إحتياجات الإقتصاد، وحكومة تُحْكِم الإشراف على موارد الثروة الطبيعية، وتبتعد عن الإقتصاد الربوى وعن القروض أو المساعدات الخارجية المسمومة.

–  تحقيق ذلك يستلزم العمل على المستوى الإقليمى والدولى والإسلامى ، للخروج من مهلكة الإقتصاد اليهودى الربوى، الذى أحكم قبضته على رقاب البشر وجعل حياتهم جحيما من الحروب والمجاعات والأوبئة .

وتلك مهمة شاقة وطويلة المدى ، وتحتاج إلى التعاون مع الجيران أولا، ثم الإقليم القريب والتوسع فى دوائر تتسع حتى تشمل العالم فى جميع القارات . وتلك معركة عظمى ممتمدة وليست سهلة . وبدون ذلك سيكون التطبيق الإسلامى فى الحكم غير مكتمل . فالإقتصاد هو عماد الدول .

ورغم ذلك فإن الحركة الإسلامية العربية (والجهادية على وجه الخصوص) لا تمتلك أى رؤية أو برنامج إقتصادى أو إجتماعى . ولا ترى سوى الإستمرار فيما هو موجود حاليا من مبادئ الإقتصاد الربوى اليهودى . رغم أنه يقوض العدالة وينشر الفقر الذى هو منبع لجميع الكفر . فلا قيمة بعد ذلك بإن تتشدق الجماعات الإسلامية بشعار(تطبيق الشريعة) لأن ما يتحدثون عنه ليس هو الشريعة بل هو تطبيق جزئى لقانون العقوبات الشرعية ، التى لا يمكن تطبيقها فى ظروف مجتمع غير قائم على نظام إقتصادى إسلامى ، وتحكمه نظم إجتماعية وثقافية قائمة على الإسلام .

والنتيجة هى أن شعار (تطبيق الشريعة) الذى ترفعه بعض الحكومات المنافقة ، وترفعه حركات إسلامية فاقدة للإستقلال وتابعة لطواغيت الأرض ، وهى مجرد (بغال تحميل) سواء كانت فى ميدان القتال أو أى ميدان أخر،إقتصادى أو إجتماعى وثقافى . تمارس مظاهر خادعة بإسم الإسلام .

تكلمنا عن الركائز الستة للعمل الإسلامى المنظم الذى يخوض الجهاد المسلح أو(الثورة الشعبية السلمية) وذلك من خلال رؤية ميدانية حركية .

وذلك أسهل فى فهم من كتابتها بصيغة نظرية مجردة.

سنلخص الدروس السابقة فى صيغة نظرية لمجرد التذكرة والتركيز .

1 ـ القيادة :

إسلامية قوية ـ جهادية ـ مُلْهِمَة فى مجال المعنويات والأفكار والبرامج ـ موضع ثقة ـ تتمتع بقبول عام (كاريزما) قادرة على إدارة التنظيم الجهادى والثورى ـ قادرة على وضع السياسات والخطط الإستراتيجية ـ تجيد الإستفادة بالخبراء من حولها كل منهم فى مجاله الصحيح ـ متواضعة ـ عفيفة ـ متقشفة ـ شجاعة ـ واضحةـ صريحة ـ بعيدة النظرـ تجيد توزيع الصلاحيات والمسئوليات ، ولا تحتكر صنع القرارات .

2ـ التنظيم :

مؤمن ـ عقائدى ـ متحمس بدون تعصب عرقى أو مذهبى ـ ذو سلوكيات منضبطه سريع فى إصلاح الأخطاء الداخلية ـ شجاع فى مواجهة التحديات الخارجية ـ إيجابى فى صنع القرارات ومناقشتها ، مبدع فى تنفيذها بعدل وحياد ـ صعب المراس مع أعداء الأمة والدين ولا يهادن .

ينقل خطط القيادة إلى المستويات الشعبية ، ويرفع مطالب وآراء تلك المستويات إلى القيادة العليا. غير منحاز سوى للعدل ، ولا يرى تمايزا بين الناس سوى بالتقوى والصلاح . يتجنب إرتكاب الظلم بإعتباره العدو الأكبر لأى حركة جهادية أو ثورية .

ذو إعداد أخلاقى متين ، ومعرفة دينية أساسية لمواجهة التحديات التى يقابلها . يجيد الإتصال بالشعب ـ ذو ثقافة متجددة ومتنوعة ومتواصلة فى عالم يتطور بسرعة . جرئ فى إبداء وجهة نظره ، ومناقشة الموضوعات العامة ـ يستوضح ما جهل منها ، ويعمل بما تعلمه.

– يقوم التنظيم بتحويل الخطط الإستراتيجية التى تضعها القيادة إلى واقع عملى مع رفع آرائه فى المشاكل التى تقابله مع مقترحات للتطوير والتصحيح .

الأعمال التكتيكية خلال تطبيق الخطط الإستراتيجية ـ خاصة فى العمل العسكرى ـ معظمها يقع على عاتق الكوادر الميدانية وقدرتها على الإبداع وتمتعها بالخيال والجرأة .

– لابد من تزويد التنظيم بتثقيف سياسى متجدد عبر نشرات وكتيبات ومحاضرات وزيارات يقوم بها المستوى القيادى والجهاز السياسى لقواعد ومراكز المجاهدين . فمن أشد الأخطار أن يكون التنظيم جاهل سياسيا أو تنخر فى عقوله ثقافة سياسية مشوشة أو خاطئة . أو أن يصاب بالجمود السياسى بينما الواقع السياسى لقضيته وللعالم يتغير بإستمرار وبسرعه كبيرة .

والأخطر من كل ذلك أن يكون التنظيم يستمد ثقافته ومعلوماته السياسية من مصادر الأعداء وعملائهم المحليين أو أشباه المسلمين .

فالسيطرة على عقل التنظيم ستؤدى إلى السيطرة على قرارته ومسيرته وقد يتحول إلى خطر على القضية الإسلامية التى قام لنصرتها .

 

3 ـ البرنامج الجهادى :

وفيه تذكر الحركة الهدف من قيامها. ومجالات التغيير التى تستهدفها. والمسار الذى تختاره لتحقيق التغيير هل هو المسار الدعوى الإصلاحى، أم الثورى السلمى، أم الجهادى المسلح . مع سَوْقْ المبررات لذلك الإختيار المصيرى .

وتقدم إجمالى خططها الإجتماعية والإقتصادية. والعلاقات السياسية فى الدوائر البشرية من حولها من جيران الاقليم والعالم . وعلاقتها مع الغير إتفاقا أو خلافاً. ومستقبل تلك العلاقات من تأكيد أو تغيير أو تطوير ودعم .

ورؤيتها إلى الثقافة والأخلاق والمجتمع ، والسبيل إلى تطويرها إلى الأفضل .

–  إختصارا: فإن البرنامج ليس مجرد ترديد للشعارات ، بل هو توضيح لمجالات العمل والوسائل المتبعة فيها.

 

4 ـ الرؤية السياسية :

مما سبق يتضح أهمية ان تكون هناك رؤية سياسية واضحة للتنظيم ويتم شرحها للكوادر ومناقشتها معهم . وكل منهم يطبق الجزء السياسى المنوط به من السياسة الداخلية أو الخارجية .

والتنوير السياسى المستمر ضرورى للغاية ، وكذلك تزويد الكوادر بالمدد الثقافى، مثلما يتم إمدادهم بمستلزمات الحرب .

ونشر الفكر السياسى بين فئات الشعب ، ومداومة الشرح والتوضيح ومناقشة المسائل السياسية معهم حتى لا يحدث فراغ يملأه العدو ، فينفصل المجتمع عن المجاهدين ، ويزهد الشعب فيما يطرحونه من آراء غير واضحة أو تفتقر إلى النضج وبعيدة عن الواقع . نلفت النظر إلى خطأ إعتماد طريقة تكرار الشعارات  واستعراضها وكأنها منهج أو خطة .

 

5ـ الرؤية الإجتماعية :

تنحاز الحركة الإسلامية إلى الفقراء والمظلومين ، الذين أرهقهم الطغاة والمستعمرين . وإعادة الحقوق إلى هؤلاء وبسط العدل عليهم ، وإيصال الحقوق إليهم ، والوقوف إلى جانبهم والدفاع عنهم فى حال الثورة وما بعدها كموقف مبدئى . ولابد من محاربة الفقر بكافة الوسائل بإعتباره أشد الأخطار على المجتمع ، وعلى الدين ، وعلى الدولة .

 

6 ـ الرؤية الإقتصادية :

العودة إلى مبادئ الإقتصاد الإسلامى والعمل بصبر على تطبيقها بعد غياب طويل إستمر لمعظم التاريخ الإسلامى ـ فالرؤية الإقتصادية مرتبطة بشدة بالرؤية الإجتماعية ومبدأ العدالة والمساواة بين الناس ومحاربة الإحتكار والغش ، والتدليس ومقاومة الربا حتى القضاء التام عليه ، ومكافحة سيطرة اليهود على الإقتصاد الإسلامى والعالمى عبر شركاتهم والبنوك العملاقة.

فالربا والسيطرة الإقتصادية مرتبطة بسيطرة اليهود على العالم بكافة تفاصيل حياته .

من التحديات السياسية :  التفاوض ، والتحالف .

وهو فرق جوهرى بين المجاهدين الحقيقيين ، وبين “بغال التحميل” الذين يقومون بدور التابع للقوى المهيمنة ، ومجرد منفذين لأوامرها وتوجهاتها السياسية من تفاوض أو تحالف بإسم الحركة ونيابة عنها .

ولكن الحركة المجاهدة الحقيقية تعتبر أن ممارسة تلك المهام هى من أخطر واجباتها القيادية. تمارسها ـ مثل العمل القتالى ـ من منطلق جهادى مبدئى ، وبصيرة واعية وإدراك للواقع وتطوراته المتلاحقة ، وعلاقاته المتشابكة والمعقدة ـ خاصة فى المجال الدولى ـ

 

التفاوض:

تظهر الحاجة إليه منذ وقت مبكر خاصة فى المسائل المحلية ، وفى القتال المحدود عند تبادل الجثث والجرحى ، وأحيانا الأسرى فى نطاق محدود .

أو عند التفاهم بين القبائل المتجاورة أو مع السلطات المحلية ، أو المنظمات الإجنبية مثل هيئات الإغاثة فى مناطق الإشتباكات، وعند محاولات تحييد الميليشيات المحلية ، أوعزلها ، أو التمهيد لتصفيتها عسكريا .

وفى الأخير هناك مفاوضات من أجل قضية أسرى العدو المحتل : ومن الأفضل تأجيلها إلى أن يتم الإنسحاب. ولو كانت هناك خشية من أن يقتلهم العدو أو يختطفهم ، فقد تجرى مفاوضات قبل الإنسحاب فى مقابل أسرى من قيادات وكوادر المجاهدين ، أو فى مقابل غرامات مالية أو صفقات تسليح متطور، إلى آخر ما يمكن طرحه والحصول عليه فى إطار تلك المفاوضات.

 

التحالفات :

هى موضوع سياسى حساس وذو شقين داخلى وخارجى. وإذا كان هدف التكتيك العسكرى هو (المحافظة على قواتنا وإبادة قوات العدو)، فإن هدف التحالفات هو {تقوية صفوفنا ، وإضعاف صفوف العدو ـ فى الداخل والخارج} .

التحالف ذو تأثير كبير فى تقوية المركز العام ـ العسكرى / السياسى / الإقتصادى .

يحتاج التحالف إلى ذكاء وخبرة سياسية ، ومهارة فى إيجاد الأرضية المشتركة مع الآخرين ، مهما كانت محدودة ـ وذلك للحد من قدرة العدو السياسية.

أى محاصرته بشبكة تحالفات تعقدها الحركة فى الداخل والخارج بما يحقق أهدافها ويحرم العدو من المناورة السياسية وتوسيع تحالفاته.

 

الجهاد : لماذا ؟.. وأين ؟.. وكَيْف؟..

 1 ـ  الجهاد .. لماذا ؟؟

يعتقد كثيرون أنهم يعرفون الإجابة ، فيقولون أن الهدف هو”تطبيق شرع الله”.

ونظرهم متوجه إلى تطبيق جزء من العقوبات الشرعية، وفرض سلوكيات إجتماعية محافظة خاصة على النساء.

غبر مبالين بمراعاة الأركان الأساسية للمجتمع والدولة الإسلامية ، خاصة فى الإقتصاد ، والسياسة بنوعيها الداخلى والخارجى ، والتعليم والثقافة ، ومتطلبات الدفاع ، والتطور الدائم فى المجالات كافة لتلافى التخلف والجمود. ومحاربة “الإحتكارالإقتصادى والسياسى” كأساس ومصدر دائم للتلوث الثقافى والأمراض الأخلاقية والإجتماعية . وتطبيق مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص .. والقائمه طويلة. وليست فقط تطبيق بعض جوانب قانون العقوبات الإسلامى ، بدون مراعاة لباقى الجوانب التى بدونها يفقد ذلك التطبيق القانونى أى معنى ، بل قد يؤدى إلى فقدان ثقة الناس بذلك النظام ، ويرون إنه مجرد إحتيال وسؤ إستخدام لمشاعر التدين عند الناس .

 

2 ـ  الجهاد .. أين ؟؟

لا يكاد يخلو بلد من حاجة إلى ثورة على أوضاعة . وليس ذلك بالأمر السهل ، وليست الثورة السلمية ، أو الجهاد بالسلاح ، أمراً سهلاً أو متاحاً أو مضمون النتائج . فتوافر شروط الثورة لا يعنى أنها ممكنة الحدوث ، وإلا لاشتعلت معظم بلاد المسلمين بالثورات.

وللأسف فإن أعداء الأمة هم من يمتلكون”لوحة التشغيل” الخاصة بإشعال الثورات السلمية أو المسلحة كما رأينا فى العقود الأخيرة وبالذات فى تجارب ( الربيع العربى) .

– من العسير أن تحرك التنظيمات الإسلامية مجتمعاتها صوب ثورة إسلامية (مسلحة أو سلمية). ولكن من الأسهل أن يقوم العدو بذلك، كما رأينا فى أحداث الربيع العربى. بل أن يحول يحول العدو مسار الثورة من سلمية ذات مطالب معيشية وحقوقية، إلى ثورة مسلحة مطلبها هو”الدمار الشامل”. يشارك فيها أو يتحمل تبعاتها التيار الإسلامى “الجهادى” بشعارات منفلتة تنادى بتطهير مذهبى أو عرقى، وتطبيق دموى لشئ إبتدعوه وقالوا أنه الإسلام .

 

3ـ  الجهاد .. كَيْف ؟؟.

نقصد هنا أساليب التغيير الجذرى سواء عن طريق الثورة الشعبية السلمية أو الجهاد المسلح بإتباع تقنيات “حرب العصابات “طويلة الأمد متعددة المراحل .

وقد إحتوى كتاب أسميته (حرب المطاريد) شئ من التفصيل فى كلا الطريقين. الكتاب موجود فى موقع (مافا السياسي) منذ عام 2007 . والآن ينبغى وضع بعض الإضافات حيث أن الأوضاع الدولية والإقليمية قد تغيرت بشدة منذ ذلك الوقت . وكذلك الأوضاع الداخلية فى الدول الإسلامية والدول العربية ، التى يشهد عدد منها حروبا داخلية ، من المفيد أخذ الدروس والعبر.

 

وأهم تلك الدروس هى :

لم يعد هناك حدث محلى فى الدول العربية والإسلامية. فالأحداث كلها دولية أولا، ثم إقليمية ثانيا، ثم داخلية ثالثا . وذلك الترتيب عكس ما كان سائدا فى الماضى .

فالثورات أو الأزمات المحلية الكبيرة تتحول فورا إلى مشكلة عالمية يتقدم فيها الطرف الدولى المسيطر (الولايات المتحدة) مع منظومة التوابع الدوليين( دول حلف الناتو والدول الأوروبية ثم دول من سقط المتاع من هنا وهناك) ، تتدخل الولايات المتحدة أولا بأسلحة الإقتصاد والمال ، وسلاح الحرب النفسية والإعلام ،  و بالمنظمات الدولية (أمم متحدة ـ مجلس أمن ـ حقوق إنسان ـ طاقة ذرية) وأخيراً التحرك العسكرى المباشر والمدروس بدقة (بالضربات الجوية أو القوات المحمولة ، أوالقوات البرية إذا إستدعى الأمر السيطرة على أبار النفط ـ أو المواقع المؤثرة عسكريا أو سياسيا أو إقتصاديا ) .

– تحرك الولايات المتحدة الأطراف الخليجية والسعودية ، للتمويل وتحريك العمل الإسلامي (الجهادى ـ والسياسى ـ والدعوى ) أى الجماعات السلفية الجهادية ، والإخوان المسلمين (سلفية سياسية) والسلفيات الدعوية الأكثر ميلا للوهابية السعودية.

تلك الأطراف تتحرك داخليا ضد النظام الحاكم لدفعه صوب مواضع أكثر خضوعا للمصالح الإسرائيلية ـ أولاـ والمصالح الأمريكية ثانيا .

– يتحرك الشعب صوب الثورة ، وهو الذى يعيش أزمات خانقة، ما أن تصله الإشارات الخضراء ، ويرتفع الدعم الذى يتمتع به النظام الحاكم من الخارج الدولى (الولايات المتحدة وإسرائيل) ومن الأطراف النفطية فى السعودية الخليج، الممولة للنظام والمؤيدة له سياسيا والمسيطرة على الحركة الإسلامية عنده {إخوان ـ تنظيمات جهادية ـ سلفيون وهابيون}. وهؤلاء كانوا فى وضع كمون فى إنتظار إستدعائهم للحركة ـ ويعانون ضغوطا دائمة من النظام كونهم البديل أو الأداة التى سيحركها حلفاء النظام فى الخارج ضده عندما يرون المصلحة فى تغييره .

 

حقائق سياسية صارخة .. منذ 2001

1 ـ أن إسرائيل هى قوة إقليمية ودولية فى نفس الوقت . وهى الدولة الوحيدة فى المنطقة العربية من المحيط والخليج . والبقية إما أشباه دول أو ركام دول منهارة ـ تنتظر الأمر بإزالتها .

2 ـ لا الولايات المتحدة، ولا أى قوة أوربية رئيسية ، يمكنها التحرك فى المنطقة العربية بغير ما تشاء إسرائيل وترضى .

3 ـ الحركة الإسلامية بأفرعها سابقة الذكر هى جزء من التحرك الدولى فى المنطقة وجزء من قوى التمويل النفطى (السعودى ـ الخليجى) ضمن محور تقوده إسرائيل.

4 ـ ونتيجة لتطور مشيخات السعودية والخليج إلى وضعية مستعمرات إسرائيلية شبه علنية، فقد إقتضت الضرورة لجؤ التيار الإسلامى إلى تركيا كأرض مقر ـ لعدم قدرة قطر على إستضافة تلك الجماعات ، خشية منها ، وخشية جيران قطر من تواجد  هذا الحشد الإسلامى الضخم . فذلك الحشد يغلب عليه الإرتزاق وليس العقائدية ـ أو هو إرتزاق شبه عقائدى .

5 ـ لا يوجد تحرك إسلامى حقيقى فى المنطقة العربية . فالتحرك الإسلامى عماده قيادة العلماء وهم عملة إنقرضت من أوساط أهل السنة والجماعة فيما عدا حركة طالبان .

فبعض الحركات الإسلامية المشهورة تخلو تماما من العلماء . وبعض الحركات عندها نماذج تستعرضها فى الإحتفالات وبرامج الإستفتاءات .

– فشلت حركات التمرد الشعبى فى المنطقة العربية (الربيع العربى) كونها تفتقد إلى القيادة والبرنامج . فالجماهير الذى رُفِعَت عنها فجأة كمية من الضغوط الأمنية الرهيبة خرجت مندفعة إلى الشوارع ، وهى لا تدرى على وجه التحديد ماذا تريد ؟ ومن هو قائد تمردها الذى سيحدد الخطوات التالية ؟ .

قفز على أكتاف الجماهير مغامرون وإنتهازيون من توجهات شتى ، وتيارات سياسية هامشية أو مستأجرة تعرف قوانين”اللعبة” فبادرت إلى الإتفاق مع الطواغيت المحليين (مراكز القوى داخل النظام، فى الجيش والأجهزة الأمنية) ومراكز التمويل النفطى ، أو إتصلت بإسرائيل مباشرة إذا كان لديها القدرة والخبرة على فعل ذلك .

ما حدث بعد ذلك هو التطور الطبيعى ، إذ إنهارت الأوضاع العربية أكثر مما كانت عليه. فيما عدا تونس الذى حظى شعبها بملهاة من اللغو الديموقراطى ، بينما ظل ما سوى ذلك على ما هو عليه . واستمر خضوع النظام للقوى الخارجية أكثر مما كان فى السابق . ولم يخطو الإقتصاد خطوة واحدة إلى الأمام، وبقيت أوضاع الشعب على حالها . ذلك بالطبع أفضل بكثير جدا مما حدث فى مصر أو سوريا أو اليمن أو لبنان والعراق . لهذا تعتبر تونس الأعمى الأقوى بصراً من بين العميان ، على الأقل أنه لم يسقط فى البئر حتى الآن.

– بغياب الإسلام الحقيقى عن المنطقة العربية ، وإحترافية الجماعات الإسلامية كقوى مستثمرة للأوضاع ومتعايشة مع الإنحرافات العربية ، ومع سيطرة الغرب وإسرائيل . فإن فرص نجاح الثورات الشعبية يصبح قليلا للغاية ، أما حروب العصابات فهى شبه مستحيلة فى أغلب البلاد .

يبقى الإحتمال الذى قد يصبح متاحاً فى أى وقت هو إندلاع ثورات جوع وغضب ويأس تحرق كل ما تصل إليه أيديها ، ولا تتمكن من إصلاح أو بناء مستقبل أو حاضر .

– فى ظل هذه الظروف تبدو الجماعات الجهادية العربية لغزاً . فما دامت معزولة عن شعوبها ، وتفتقد إلى القيادة بشكلها المفترض ، وكذلك حالتها التنظيمية البائسة.

وما دامت فى معظمها خارج مواطنها الطبيعية ، أو مغتربة داخل ذلك الوطن .

فماذا يمكن لتلك التنظيمات أن تفعل ؟؟ وأى طرق للتغيير سوف تسلك ؟ وكيف يكون ذلك ؟.

حتى فى ظل تلك الأوضاع البائسة ، يظل هناك أسلوب ما للعمل . ولكن ما هو ؟.. وما هى قوانينه مادام طريقا لم يسلكه أحد قبل ذلك ؟؟ .

وهل ننتظر العدو أن يبتكر لنا طريقا ، ويجتذبنا إلى العمل فيه بأسلوبه وعلى طريقته وصوب أهدافه لنكون بغال تحميل فى طريق جديد ومبتكر ؟؟ .

تحمل التجربة الجهادية لحركة طالبان فى مواجهة الإحتلال الأمريكى خيوط الإجابة عن أكثر تلك المعضلات. بشرط دراسة التجربة بعمق والخروج منها بالإستنتاج الصحيح . ولكن كيف ستفعل ذلك فى تجربة لم تشهدها ولم تتابعها إلا لماماً ؟؟. بينما حضر المجاهدون العرب معظم التجربة الجهادية الأولى ضد السوفييت ، وإتضح بعد ذلك أنهم لم يستوعبوا منها غير بعض دروس إستخدام السلاح. أو كما قال خبير بعد نهاية الحرب : (إن العرب خرجوا من تلك الحرب جنودا أوضباط صف ، ولكن لم يخرج منهم جنرال واحد } .

إذن غاية مرحلة التطور المتاح لبغل التحميل هو أن يرتقى إلى رتبة جندى أو ضابط صف. ولكن الخروج من مرتبة بغال التحميل يستدعى الترقى إلى ما هو أبعد، وإقتحام مجالات الإستراتيجية ، ومجاهل السياسة الدولية والمحلية .

 

وفى مجالات القيادة والتنظيم:

 1 ـ لابد من الإعتراف بالحاجة فى وجود قيادة من العلماء /وذلك فى ظل عدم وجود علماء/ بما يعنى أن نبدأ من أول السلم فى تكوين طبقة العلماء بعيداً عن السلطات المحلية والدولية .

2 ـ أن يتواضع الفرد العربى ويقتنع أنه قد لا يكون قائداً على الدوام ـ وعليه ان يتحمل تلك المصيبة . وأن يتواضع القائد العربى، ويقتنع ألا يصبح طاغوتاً بمجرد ان يتولى إمرة شخصين أو أكثر .

3 ـ الحركة الإسلامية ـ عموما ـ تتفق مع الأنظمة الطاغوتية على مقاومة الوعى بين رعاياها ، وتسطيح العقول ، وإشاعة الضعف الثقافى ، وإستبدال البحث والحوار الجدى الهادف بعمليات التلقين والمراء والجدال العقيم، والإبتعاد عن الموضوعية ، والإغراق فى الشخصنة وعبادة الذات. وإختزال الأمة فى التنظيم، واختزال الثقافة فى الغثاء الذى تلقنه كل جماعة لأتباعها .

فمن العار أن تكون الفجوة الثقافية بين أعضاء الجماعات الإسلامية وجماعات الذباب الأليكترونى ضيقة إلى هذا الحد .

الفرد فى الجماعة الإسلامية عبارة عن مادة أو سلعة يعتاش عليها التنظيم، وتبنى عليها القيادة أهميتها فى السوق السياسى .

وكلما كان الفرد حماسيا مسطحاً جاهلاً كان ذلك أفضل فى وضعية كهذه .

 

{ المخابرات ـ والمرتزقة ـ والتكنولوجيا }.

تجديدات نوعية فى الحرب الأمريكية على أفغانستان ..

دخلت أمريكا حرب أفغانستان وهى فى حالة جهوزية تامة لتلك الحرب ـ وكان واضحاً أنها قد درست بعمق تجربة السوفييت فى أفغانستان ، وإستفادت من أوجه القصور فيها ، وأغلقت كافة الثغرات. وحتى فلسفة الغزو العسكرى تغيرت بالكامل، وطرق المجاهدين القديمة أصبحت قليلة الجدوى ـ أو ضارة فى حالات كثيرة .

إستغرقت حركة طالبان عدة سنوات فى إستكشاف قوانين تلك الحرب الجديدة ، ومن ثم إبتكار أساليب جديدة للمواجهة. وتكبدت الحركة أنهارا من الدماء فى ذلك السبيل.

الأساليب الجديدة ، عسكرية فى المقام الأول ولكنها وثيقة الإرتباط بالحروب الأخرى : النفسية ـ الإعلامية ـ السياسية ـ الإقتصادية .

نوع الحرب: الحرب الأمريكية على أفغانستان حرب (تقودها المخابرات) . والمرتزقة هم القوى الضاربة ، والتكنولوجيا الخارقة تضمن تفوق دائم لا يمكن إدراكه . إنها الحرب الأولى فى العالم القائمة ــ وبدون جيش تقريبا ــ على أعمدة ثلاث متصلة هى : ( المخابرات ــ المرتزقة ــ التكنولوجيا  ).

الهدف من الحرب : هوتحطيم روح المقاومة لدى المدنيين ، وفك الإرتباط بينهم وبين المجاهدين بكافة الوسائل المتاحة.

فاستهداف الشعوب سياسة ثابتة لدى الأمريكيين . وفى مجهودها لإسقاط الأنظمة غير المرغوب فيها، فإنها توجه الضربات الإقتصادية التى تمس حياة الناس وأمنهم الإقتصادى والغذائى. ويبررون ذلك بأنه ضغط على الأنظمة .

وحتى فى ضغطهم على الحلفاء أو المنافسين فإنهم يستهدفون الشعوب رأساً ليكونوا وسيلتها للضعط على الأنظمة وتغيير السياسات.

إذا تجاوزنا الحديث عن الأسباب الدينية للحرب رغم خطورتها ، ورغم أن الأمريكيون أنفسهم قالوا صراحه أنها(حرب صليبية) وهى كذلك بالفعل .

الحرب السوفيتيه كانت أحد أشكال الحروب الصليبية المتواصلة على أفغانستان، ولكن فى ثوب(ماركسي). وقال السوفييت صراحة أنهم أرسلوا جيشهم لتثبيت الحكم الشيوعى فى أفغانستان . الدوافع الإقتصادية كانت غاية القوة فى تحريك الصليبية الأمريكية .

كانت ثروات أفغانستان المعدنية (أكثر من 2  ترليون دولار) أحد الدوافع .

شلالات النفط والغاز من آسيا الوسطى التى تطلب إذنا بعبور أفغانستان لصالح الشركات الأمريكية كانت دافعا آخر .

أكبر محصول أفيون فى العالم ، والذى يمثل الدخل الأعظم للبنوك الأمريكية ويقدر بعدة مئات من المليارات سنويا (أكثر من 600 مليار) يعتبر الدافع الأول بفارق كبير جدا عن باقى الأهداف .

بالتالى أصبحت المناطق المنتجة للأفيون هى المسرح الأساسى للعمليات العسكرية والإستخبارية. فالقوة العسكرية الرئيسية للجيش الأمريكى تركزت فى ذلك المسرح. وأقرب حلفاء أمريكا عقائديا وسياسيا كانوا شركائها فى ذلك الميدان . وبالتريب كانوا: بريطانيا ـ كندا ـ إستراليا {الجنس الأبيض ، بروتوستانت ـ أنجلوساكسون }. وتخصصت بريطانيا فى نهب مناجم اليورانيوم الموجودة فى نفس المنطقة ، بإعتبارها الشريك الأوروبى الأكبر فى الحملة الصليبية . فى نفس المنطقة عملت قوات “إسلامية” من الإمارات .

القوات الأردنية شاركت فى الحملة الصليبية. وتركيا ضمن قوات حلف الناتو أرسلت أكبر قوات عسكرية بعد القوات الأمريكية.

هدف العدو من الحرب ـ وأسلوب العدو فى القتال ـ والأدوات المتاحة بين يديه، كانت مفاتيح أساسية لرسم إستراتيجية طالبان لخوض الحرب .

ولا ننسى الموقف الدولى وسيادة أمريكا على العالم كذئب مستفرد بالقرية الدولية .

ولا ننسى الموقف الإقليمى المعادى لطالبان .

أوالموقف الإسلامى غير المبالى (فى أحسن حالاته). أو المتآمر مع الحملة، خاصة المشيخات النفطية (السعودية / الإمارات/ قطر) .

 

صدمة تكنولوجية :

تعتمد الولايات المتحدة فى حربها على تفوق تكنولوجى يسبق ما لدى القوى الأولى فى العالم تجهيزا لأى حرب عالمية قادمة . فما بالك بالفجوة التكنولوجية بين جيش الغزو وبين مجاهدى حركة طالبان ؟؟ فكم سنة ضوئية كان الفارق بينهما؟؟.

– فى بداية الحرب حدثت صدمة من قدرة الجنود والمعدات الأمريكية على الرؤية ليلاً بالمناظير الحديثة . وبعد أن كان الليل حليفاً للمجاهدين ، أصبح حليفاً للعدو ، ويعمل لصالحه أكثر . فتحول المجاهدون إلى إستخدام النهار حيث الرؤية ستكون متساوية .

– دقة تصويب الأسلحة كان ملفتا للنظر، نتيجة التقنيات الحديثة، يستوى فى ذلك الجندى والدبابة والطائرة .

– فى بداية الحرب أحدث الطيران الأمريكى صدمة كبيرة لدى طالبان . فكان فارق الأداء كبيرا بينه ، وبين ما إعتاد عليه الأفغان من الطائرات السوفيتية .

ثم كانت صدمة أخرى من القوة التدميرية للذخائر الجديدة التى إستخدمها الأمريكيون، مثل قنابل اليورانيوم المنضب ، التى إستخدموها فى حرب “تحرير الكويت” ضد الجيش العراقى ، فكان تأثيرها مذهلاً . وإستخدموا القنابل الثقيلة التى تزن عدة أطنان حتى وصلوا إلى”أم القنابل” ذات الأطنان العشرة .

 

صدمة الطائرات بدون طيار (درون)

مازالت تلك الطائرات تقوم بالدور الأعظم فى الحرب ، وطور الأمريكيون والإاسرائيليون أجيالا عديدة منها. ولم يسبق أن سيطر جيش على الأجواء بتلك القوة ، ومعظم الوقت تقريبا . فهى تُسْتَخْدَم بكثافة عالية جداً فى سماء أفغانستان، وتقوم بمهام شتى فى الرصد والمتابعة وتدمير الأهداف وإغتيال الأشخاص .

جزء كبير من أسطورة الطيران تعود إلى إنعدام وجود مضادات جوية أو قلتها مع تخلفها التكنولوجى . ومازالت طائرات الدرون لا تواجه تحدياً جدياً يهدد سيادتها على الأجواء .

معظم طائرات (الدرون) فى أفغانستان صنعت فى إسرائيل ، ويديرها خبراء إسرائيليون ضمن شركات المرتزقة .

صدمة المرتزقة وفرق الموت وحرب الإغتيالات :

تطبق الولايات المتحدة نوعاً متطرفاً من الليبرالية الجديدة ، بإطلاق حرية كبيرة لأصحاب الأموال ليفعلوا ما يشاءون داخل الدولة وخارجها ، بأقل قدر من تدخل أجهزة الدولة ، بل أن أجهزة الدولة تساعد فى تمكين الرأسمالية المتوحشة وحراستها ، وتقليص دور الدولة فى مجال الخدمات .

الأعجب والأخطر كان خصخصة الجيش والإستخبارات والأمن. لتتوسع أدوار الشركات داخل تلك الأجهزة ، من التخصصات الدقيقة وصولاً إلى القتال الأرضى .

رأت الولايات المتحدة أن المرتزقة أو المتعاقدين ـ العاملين ضمن شركات متفاوته الحجم يحققون مصالحها بشكل أفضل ويتماشون مع فلسفة المجتمع الجديد الذى لا يرى غير المال ، ولا يبالى بالقيم والمثل التى تعارفت عليها الإنسانية خلال قرون طويلة ومن خلال الأديان .

من النقاط الهامة أن الخسائر فى أرواح المرتزقة لا تظهر ضمن خسائر الجيش الرسمى. وهُم يحصلون على رواتب مرتفعه جدا، إلا أنهم بلا حقوق فى حال إنهاء تعاقدهم أو إصابتهم بإصابات تقعدهم عن العمل . وحكومة الولايات المتحدة ليست ملزمة بهم عند وقوعهم فى الأسر . إلا فى حالات خاصة جدا تتعلق بالحفاظ على أسرار هامة أو خبرة نادرة .

– كشفت حرب أفغانستان الحالية عن نقاط ضعف خطيرة فى إستخدام المرتزقة، وفى خصخصة الحرب وخضوعها لمبدأ “الربح” بدون إرتباط ولو شكلى بأى مبادئ أو مصالح وطنية عظمى ـ فقد أظهر المرتزقة وحشية بالغة فى التعامل مع المدنيين قتلا وتعذيبا وإستهتارا بكل شئ، كما أظهروا جبناً وتردداً فى خوض مواجهات أرضية مع المجاهدين . أى أنهم مجرد مجموعات من القتلة وليسوا مقاتلين. فهم متطرفون فى الوحشية مع المدنيين ، ومتطرفون فى الجبن فى مواجهة المجاهدين .

أثبتوا خلوهم من المشاعر الإنسانية ، وحرصاً شديدا على جمع المال بشتى الطرق . لأن المال هو معبودهم الذى يبذلون لأجله حياتهم وحياة ضحاياهم .

أعطى ذلك نتائج إيجابية لصالح مقاتلى طالبان ـ فقد تمكنوا من إختراق صفوف المرتزقة الذين جعلوا لكل شئ ثمنا . فاشترى منهم طالبان كل ما يقدرون على دفع ثمنه .

سواء كان معدات أو ذخيرة أو معلومات ، أو تنفيذ أعمال قتالية أو إغتيالات وتخريب لأهداف حساسة فى المعسكر المعادى .

وعندما بدأت كفة الحرب تميل لصالح طالبان وإمارتهم الإسلامية ، تفشى بين المرتزقة ظاهرة العمل على الجانبين . أو الحرب ضد الجميع لصالح من يدفع أكثر . فزادو من تردى أوضاع الإحتلال .

وإنتقلت تلك الروح إلى القوات المسلحة المحلية التى أنفق الأمريكيون المليارات على تشكيلها . أما الميليشيات فحدث ولا حرج، فقد نشأت على الوحشية والفساد قبل أن ترى المرتزقة الأجانب ، ولكن بمرافقتهم فى الحرب زاد فساد الميليشيات ـ وأصبحت أكثر وحشية ، وتحول الكثير منهم إلى مجرد تشكيلات إجرامية صرفة.

 

صدمة فرق الموت :

أخطر نشاطات المرتزقة ، كان تشكيل فرق الموت المنقوله جوا ، والتى تهاجم ليلا القرى البعيدة ، أو غير المحمية بقوات من المجاهدين، ثم إقامة إحتفالات رعب تشمل قتل وتعذيب وإستخدام الكلاب المتوحشة ، ونسف منشآت القرية خاصة المسجد والمدرسة الدينية والعيادة الطبية ، ثم إختطاف عدد من السكان واصطحابهم فى الطائرات .

قد تحدث بعض تلك المداهمات نهارا فى حماية مكثفة من طائرات هليكوبتر وطائرات بدون طيار بأعداد كبيرة ، فإذا حدثت مقاومة فإنهم ينسفون القرية بالكامل . وأحيانا يستكمل الجيش مهمة فرق الموت بعد مغادرتها، بأن يقصف القرية بالمدفعية والصواريخ أو بالطائرات .

– الطائرات بدون طيار ( الدرون ) كثيرا ما عملت كفرق”موت جوى” فتضرب أهداف مدنية وسيارات على الطرق العامة ، وإحراق محاصيل زراعية ، ورصد وإغتيال شخصيات هامة .

– إستخدم الأمريكيون ورقة فرق الموت والمرتزقة كسلاح ضغط أثناء مفاوضاتهم مع حركة طالبان . فقد أدرك العدو مدى معاناة المدنيين من الوحشية المفرطة لفرق الموت .

– قام الجيش الأفغانى بتقليد نفس الأسلوب ، ونفذه بشكل منفرد ، أو بمشاركة عناصره فى عمليات مرتزقة الموت الدوليين.

 

صدمة حرب الإغتيالات :

وهى من أهم المجهودات القتالية للولايات المتحدة فى أفغانستان . وتشرف المخابرات بشكل مباشر على ذلك النشاط. والمرتزقة هم السلاح الأساسى فى يد المخابرات والقوة الضاربة الأساسية فى يد الإحتلال . والفرق الخاصة بالإغتيالات لها سلاحها الجوى الخاص من طائرات (الدرون) . وقد تستخدم طائرات عسكرية مقاتلة ضد أهداف معينة .

–  إغتيال قيادات المجاهدين من أهم واجبات المخابرات. فجهاز المخابرات الأمريكى (CIA) والإسرائيلى (الموساد) يديران تلك الحرب سويا ، وهدفهم الأكبر هو أفيون أفغانستان وتحويله الى هيروين يتاجرون به دوليا . والهدف العقائدى هو إقتلاع الإسلام من أفغانستان.

وطبيعى أن تكون قيادات حركة طالبان والإمارة الإسلامية فى صدارة قوائم الإغتيالات .

وجهاز الإغتيالات مكون من تركيبة معقدة تنظيميا ومتشعبة ، وتشمل إلى جانب العناصر الأمريكية والإسرائيلية جنسيات شتى على رأسهم العنصر المحلى الأفغانى ، وعناصر من باكستان وآسيا الوسطى ، وعرب وأتراك .. وأى عنصر يمكن الإستفادة منه .

ونشاط الإغتيالات لا يعترف بأى قيود ، سواء أخلاقية أو جغرافية أو سياسية .

– تتميز الإدارة الأمريكية بالمرونة الكبيرة ، وعدم الإلتزام كثيرا بأى معايير إخلاقية أو حتى تنظيمية ، فالنجاح يقاس بتحقيق الهدف ، ونوع الوسيلة غير مهم طالما تحقق النجاح .

ولأجل النجاح فى حرب الإغتيالات ، أو حرب الإستخبارات عموماً ، تستخدم طيفاً واسعاً من الأدوات ، منها عصابات إجرام عادية ، وقتلة مأجورين ، وعصابات تهريب مخدرات تقدم خدماتها فى مقابل تزويدها بالمخدرات .

 

صدمة حرب الدواعش :

مشروع الدواعش مُوجَّه ضد الإسلام ، تحت شعار الإسلام . كما كانت الوهابية التى نشأ منها عقائديا . وحتى تنطلق الداعشية كان لابد من عملية إزالة شخصيتين إسلاميتين هامتين .

– فى الأوساط السنية العربية، كان لابد من إزالة (أسامة بن لادن) لأن شهرته مع مصداقيتة التاريخية كانت ستكبح داعش ، التى نشأت تحت ظل القاعدة فى العراق . وبإزالة بن لادن إنطلقت داعش فى الآفاق العربية .

– وإسلاميا كانت شخصية الملا محمد عمر فى أفغانستان ـ أمير المؤمنين ـ الذى حكم لمدة خمس سنوات وبايعه قادة جهاديون عرب وغير عرب ـ أهمهم كان أسامة بن لادن . لهذا كان الملا عمر عقبة أهم ، وإزالته تتيح لظاهرة داعش الإنسياح فى العالم الإسلامى كله .

– وبإزاحة الرجلين فى توقيت متقارب، إنساحت داعش فى الميدان العربى خاصة سوريا والعراق . وفى أفغانستان سريعاً ما ظهر دواعش أفغان بإنشقاق داخل حركة طالبان . وكان من بينهم أسماء حازت شهرة فى ولايات الجنوب ، معقل طالبان تاريخيا .

القاعدة بدورها تشجعت لإقتحام الميدان الأفغانى بشكل تنظيمى مستقل عن الإمارة الإسلامية وحركة طالبان . فشكلت مجموعتين أو أكثر من الأفغان مدعومين بعدد محدود من العرب . أما الدواعش فقد دعموا صفوفهم بعناصر باكستانية ومن تركستان الشرقية .

– حركة طالبان بقيادة الملا منصور الذى إنتخب لقيادة الإمارة الإسلامية بعد وفاة مؤسسها الملا عمر، تصدت بالسلاح للدواعش وكسرت شوكتهم فى أفغانستان. أما القاعدة فقد تمت تصفية إختراقها بواسطة التفاهم مع العناصر الأفغانية الذين إستجابوا للإمارة وسلموا أسلحتهم .

– ساهم الدواعش فى حرب الإغتيالات الذى تديرها المخابرات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية  وعملوا كفرق موت لتحطيم نفسيات المدنيين وبث الرعب فيهم ، وفض تجمعهم حول الإمارة الإسلامية وحركة طالبان .

وتخصصت داعش فى ضرب المساجد والجنازات ، والمواكب الدينية والمؤتمرات الشعبية والتجمعات العامة . مع التركيز على الطابع الطائفى بحيث يبدو أكثر النشاط على أنه موجه ضد الشيعة . كما يضرب أهدافا عرقية لإتهام عرقيات آخرى وإشعال حروبا عرقية .

وحاولت داعش التمركز فى المشرق الأفغانى فى جلال آباد وكونار، بالقرب من خطوط إمدادها القادمة من باكستان. وقد إضعفتها كثيراً ضربات حركة طالبان .

 

حرب ثقافية وإعلامية وإقتصادية (معركة العقول والقلوب ) :

هدفها هز قناعات الأجيال القديمة ، وتحويل قناعات الأجيال الجديدة صوب الثقافة الغربية. فيتخلون عن الجهاد وعن قيم الحرية التى قاتل لأجلها الأجداد ، ويتشبثون بالإحتلال ويتفاخرون  بخدمته . يصف المستعمر تلك الحرب بأنها حرب السيطرة على العقول والقلوب. وأهم أفرع تلك الحرب هى: التعليم ـ الإعلام ـ الإقتصاد .

 

حرب التعليم :

وضع المستعمر نظاما تعليميا جديداً. يتخرج منه أعوان المستعمر المتصالحين معه ثقافيا وإعتقاديا . وصرفت مليارات الدولارات على ذلك النظام ، وتخرج منه عدة ملايين يستبعد الدين من إهتماماتهم ، أو يعاد صياغته وتحريفه ، وكذلك يفعلون بالتاريخ ، وبالعادات الإسلامية الراسخة فى المجتمع خاصة ما يتعلق بالأسرة وترابطها ، ودور المرأة فى المجتمع .

 

حرب الإعلام :

يدرك الأمريكيون أن الإعلام الحر كان سببا رئيسا فى فضيحة مجازرهم ضد شعب فيتنام . وبالتالى نشوب ما يشبه الثورة الداخلية فى الولايات المتحدة ضد تلك الحرب ، ومطالبات شعبية كاسحة بضرورة وقفها وسحب الجيش الأمريكى من هناك .

وضع الجيش الأمريكى والإستخبارات ـ يده الثقيلة على جميع المادة الإعلامية المتعلقة بأفغانستان ـ والأخبار والتحقيقات الخارجه منها .

وتم قمع الإعلام الدولى ـ الذى هو فى معظمه معادى لحركة طالبان ـ ولا يكاد يطيق إسم أفغانستان ، أو كلمة جهاد التى شاع إستخدامه لها فى زمن الحرب السوفيتية .

 الإعلام المحلى كان أكثر تعرضا للقمع والمنع والحظر، والتوجيه صوب خدمة الإحتلال وحملاته النفسية ضد المجاهدين ، وضد فكرة مقاومة الإحتلال أو الإعتراض على السلوكيات الإجتماعية التى فرضها على الأفغان ومجتمعهم الإسلامى المحافظ .

 

حرب الإقتصاد .. (خصخصة وفساد) :

– هدف الغزو الأمريكى لأفغانستان كان السيطرة على محصول الأفيون وتحويله إلى هيروين فى القواعد الجوية وتصديره عالميا .

– و بالمثل باقى الثروات المعدنية وتسليمها للشركات العملاقة عابرة القارات .

– وتحويل الإقتصاد الأفغانى إلى إقتصاد يعتمد على هبات المحتل ومعوناته للحكومة ، وللسرطان المسمى”مؤسسات المجتمع المدنى” وهى تجمعات إستخبارية من أفراد الطبقة المثقفة الجديدة.

– حصر الثروات الداخلية ــ من فضلات الإستعمار الإقتصادى ــ فى يد فئة محدودة من وكلاء المستعمر، ومندوبى شركاته.

– توسيع قاعدة الفقر إلى أقصى نطاق ممكن فى المجتمع، وذلك لتسهيل مهام الإحتلال فى محاربة الدين ، ونشر الرذيلة ، وتعاطى المخدرات ، والعمل فى التجسس ، والقتل الخاص، أو الإلتحاق بالميليشيات والعصابات المحلية .

– بناء إقتصاد محلى ـ تابع للإقتصاد الأمريكى وخادم لمصالحه ـ يعتمد على الرشوة والفساد المنظم الذى يشكل تركيباً عضوياً للإقتصاد لا ينفصل عنه ، ولا يعتبر مشكلة أخلاقية فردية ، فالرشوة جزء أساسى من الإقتصاد تأخذ أحيانا صفة مشروعة هى العمولة. وأحيانا صفة سمسرة أو وساطة . فالتنافس بين الشركات للحصول على إمتيازات أو تسهيلات عمل فوق الأرض الأفغانية الخطرة يستلزم دفع رشاوى كثيرة ومتعددة لجهات حكومية فى الجيش والأمن والإدارة ، وحتى للميليشيات والمرتزقة .

– الإحتكارات الإقتصادية الكبرى والشركات العظمى متعددة الجنسيات لها جماعات ضغط فى النظام وتنفق الأموال على ميلشيات محلية. وكانت نشطة على هامش مفاوضات الدوحة لضمان مساحة مستقبلية لمصالحها .

– وعندما تفشل الرشوة فى فتح الطرقات المغلقة فى الإدارة أو على الأرض ، تبدأ حرب فعلية مسلحة ، وكل طرف يشترى جهات تقاتل لأجله . شركات أجنبية تفعل ذلك ، بل وحكومات أجنبية لها مصالح نفطية أو أفيونية أو فى غسيل الأموال ، أو مطامع إستراتيجية فى توسيع دور إقليمى يضعها فى مكانة مؤثرة مستقبلا . تفعل ذلك عدة دول عربية نفطية ، وتفعل تركيا وباكستان ، وجهات أوربية .

– فبدون سوق تنافسى، وتصنيع للفساد كنشاط إقتصادى معترف به ، فقد تتوقف المنظومة الإستعمارية كلها ، وتنهار المصالح الأمريكية والإسرائيلية وحلفائهما، فى أفغانستان والعالم.

– خصخصة الإقتصاد تعنى مباشرة تحويل الفساد إلى مؤسسة لها أنظمتها التى إن إهتز توازنها فقد تحدث حروب وتصفيات وتفجيرات، إلى أن يعود الإستقرار من جديد إلى مؤسسة الفساد ، وإلى سياسة الخصخصة الإقتصادية .

– عند تلك النقطة، فإن دور شركات المرتزقة الدوليين ، والدواعش كمنظمة إرتزاقية، يظهر ضمن مؤسسة الفساد كأحد أدواتها الرئيسية لإزاحة العقبات التى تقابل الخصخصة وتوأمها الفساد . وتعود الحياة إلى الدوره الإقتصادية و”الفساد ” الإجتماعى المتعلق بها .

 

عن الحلف الأمريكى الإسرائيلى فى أفغانستان:

ذلك التحالف كان موجودا وفاعلا أثناء التورط  السوفيتى فى أفغانستان، وله شبكة حلفاء داخل باكستان وأفغانستان . وبعد الرحيل السوفيتى نشط ذلك التحالف وبدأ فى تصعيد نشاطه ، واضعاً نصب عينيه الإستيلاء على أفغانستان ووضع نظام حكم يُغَيِّر مسار أفغانستان (مرة واحدة وإلى الأبد)، من الإسلام إلى اللا إسلام . ومن وضعية “الدولة العازلة” إلى وضعية القاعدة الأمريكية العظمى لصناعة الهيروين ، للعمل الإستخبارى ، وكقاعدة جوية ، وقاعدة للصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى. وللعمل ضد الصين وإيران وروسيا ، وإبتلاع مصادر الطاقة فى آسيا الوسطى ، والسيطرة على إقتصاد الهند والتحكم فى إمداداتها من الطاقة عبر خط أنابيب تابى (القادم من آسيا الوسطى إلى الهند).

وأخيرا أيها المجاهدون : تلك صورة موجزة لما يمكن أن يواجهكم به العدو ، فى أى ساحة تعملون فيها . فماذا أنتم فاعلون ؟؟. ذلك هو التحدى الحقيقى .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

03-07-2020

 

مأزق بغال التحميل 3

 




مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 2 )

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 2 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الثاني )

دور التمويل فى إنحراف العمل الإسلامى

والعلاقة بين سماسرة السياسة وبغال التحميل

 

مقدمة فى النقد الذاتى :

بإستثناء الحركة الإسلامية عامة والجهادية خاصة ، لا توجد مؤسسة فى العالم ـ مدنية أو عسكرية ـ ليست فى حاجة إلى تقييم أعمالها وإعادة النظر فى أساليب عملها، على ضوء النتائج التى تحققت والتجارب التى مضت .

– الفريق سعد الدين الشاذلى ـ رئيس أركان حرب القوات المصرية خلال حرب أكتوبر 1973 ـ والمهندس الحقيقى للإنتصارات التى تحققت فى بدايتها، والضحية الأولى للأخطاء المتعمدة التى إرتكبها السادات حتى يكسر الجيش المصرى، ليبدأ مفاوضات مع إسرائيل من وضعية المنهزم، فى نهاية حرب حقق الجيش فى بدايتها مكاسب كبيرة .

– نجحت خيانة السادات، والنتيجة ظاهرة للعيان فى أحوال مصر ، تحت حكم جنرالات من سلالة السادات، مع تمادى فى الجهل والغرور.

– أقوال الفريق الشاذلى يؤكد فيها على أهمية دراسة التجارب وتحديد الأخطاء والإستفادة منها، وعدم الإقتصار على ترديد القصائد عن الإنتصارات والمبالغة فيها .

– ما ذكره الشاذلى ينطبق تماما على الجماعات الإسلامية عموما، والجهادى منها بشكل خاص . وفى كلامه يمكن إستبدال إسم السادات بإسم أى أمير من تلك الجماعات.

موقف السادات من نقد الشاذلى هو موقف قادة العمل الاسلامى تجاه أى تقييم موضوعى لأعمالهم ، أو نقد ذاتى يصدر من بين صفوف جماعاتهم.

 

قال الفريق  سعد الدين الشاذلى ــ فى كتابه “حرب 1973”:

– الأخطأ ليست عيبا ، ولكن التستر عليها جريمة فى حق الأمن القومى للوطن .

– لماذا لم تشكل لجنة قضائية عليا حتى الآن لتقصى الحقائق عن حرب أكتوبر، كما حدث فى إسرائيل وكما يحدث فى الدول المتحضرة فى أعقاب كل حرب ؟؟ .

– إذا إقتنع الجيل الجديد بتلك الأخطاء فتلك مصيبة لمستقبل مصر.

– إذا إكتفينا بذكر الأعمال المجيدة التى تمت خلال حرب أكتوبر وعدم ذكر الأخطاء التى إرتكبت ، يمكن أن يُولَد لدى قادة الأجيال التالية شعوراً بالتفوق الزائف ، الذى قد يؤدى إلى إرتكابهم نفس الأخطاء التى إرتكبها أباؤهم وأجدادهم. لذلك يجب أن نعترف أنه رغم النجاح الباهر الذى حققناه بعبور قناة السويس وتدميرنا خط بارليف فى 18 ساعة . فقد إرتكبنا سلسلة أخطاء .

– الدروس المستفادة من كل حرب تعتبر ثروة لا تقدر بثمن لأنها تكون رصيداً للدولة إذا ما إشتركت فى حرب أخرى .

– نريد حواراً لا يكون هَمْ كل طرف فيه أن يدافع عن الأخطاء التى إرتكبتها القيادات السياسية والعسكرية .

– شكلت بريطانيا لجنة لتقصى الحقائق فى أعقاب حرب فوكلاند عام 1982 . وشكلت إسرائيل لجنة مماثلة فى أعقاب حرب أكتوبر، وأخرى فى أعقاب الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982 .

– حجب المعلومات تحت شعار السرية ، هو إسراف فى تعبير”أسرار حربية” وهو محاولة بائسة من السادات ونظامه لكى يحجب الحقائق عن الشعب المصرى، لكى ينقذ نفسه من مسئولية الأخطاء الجسيمة التى إرتكبها فى حق مصر وقواتها المسلحة .

– المقصود من تعبير ” أسرار حربية ” هو إذاعة معلومات عن القوات المسلحة الوطنية لم يكن العدو يعرفها . ونتيجة تلك المعرفة يمكنه أن يهدد أمن وسلامة الوطن .

– مالا يعرفه العدوهو: لماذا يتصرف المصريون بمثل هذه الحماقة، ومن هو المسئول عن هذه القرارات الخاطئة .

– السادات لا يريد أن يسمح لشعب مصر أن يقرأ إلا ما يريد له السادات أن يقرأ . إنه لا يريد لأحد من أبناء مصر أن يكتب إلا إذا كان ما يكتبه معبراً عن وجهة نظر حاكم مصر.

–  وفى نفس الكتاب نقلا عن أمين هويدى ، مدير مخابرات ووزير دفاع فى عهد عبد الناصر: { أن تغطية سلبيات قواتنا المسلحة يسمح للسوس أن ينخز عظامها}.

 

على الساحة الأفغانية :

 بن لادن ، وعزام ، مدرستان مختلفتان .

القتال فى أفغانستان لم يكن أولوية لدى عزام أو بن لادن . فى البداية لم يكن عبدالله عزام يخطط لمشاركة عسكرية للعرب فى أفغانستان إلا إذا جاء مصادفة ولمجرد رفع معنويات الأفغان . لأن المهمة الأساسية التى شرحها للشباب عبر(مكتب الخدمات ) كانت تقديم الخدمات الإنسانية للمهاجرين فى باكستان أو إيصالها للمجاهدين فى أفغانستان. والعمل على إصلاح العلاقات بين مجموعات المجاهدين ، عندما تفشت بينهم الإشتباكات الداخلية .

وألحَقْ عزام المتطوعين ببعض دورات التدريب فى معسكرات المهاجرين فى بيشاور. وكانت مثل فصول محو الأمية للتدريب البدائى على الأسلحة .

لم يطور عزام برامج للتدريب إلا بعد وصول بن لادن وأنغماسه فى منطقة جاجى ومعركتها الشهيرة ثم شروعه فى برامج تدريب عسكرى جادة نسبيا فى خوست ، ثم تأسيس تنظيم القاعدة . كل ذلك بشكل متتابع إستغرق عاما واحداً أو أقل . فإضطر عزام إلى تكريس إهتمام أكبر بالتدريب إضافة لما كان يشرف عليه ” مكتب الخدمات” قبل وصول بن لادن بعدة أشهر. فمن تخرجوا من معسكر عزام فى منطقة “صدى” الحدودية الباكستانية كان لهم دور بارز فى إنجاح معركة (جاجى) الذى قادها بن لادن والتى بدأ بها أسطورته فى أفغانستان .

– بن لادن لم يكن يفكر مطلقا فى خوض عمل عسكرى فى أفغانستان . ولكنه فى زيارة شخصية لمعسكر جاجى التابع لسياف إكتشف مدى التقصير المريع فى كل شئ ، فقرر التدخل لسد العجز ببناء قاعدة لسياف فى جاجى . واستقدم شباب من متطوعى المملكة وجلب بعض معداته الثقيلة من هناك . فشعر العدو بتحرك إنشائى واسع وتجمع للمقاتلين ، فتحرك هجوميا إلى أن وصل الذروة بمعركة جاجى فى رمضان 1405 التى كانت نصرا كبيرا للعرب ، ومحسوبة بالإيجاب لأسامة بن لادن. وعلى ذلك النصر غير المتوقع قامت أسطورة بن لادن المستمرة حتى الآن.

– لم يكن(لمكتب الخدمات) الذى يقوده عزام ، أو (تنظيم القاعدة) الذى أسسه بن لادن مشاركة قتالية مؤثرة فى أفغانستان.

فيما عدا معركة جلال آباد (1989) التى قادها بن لادن وعاد منها بما يشبه هزيمة خفف من أثرها التمسك بجبل سمرخيل، أهم هيئة حاكمة على الطريق الدولى من تورخم إلى جلال آباد. حدث ذلك بمبادرة من شباب القاعدة بعد إنسحابهم المنهك والخطر من خطوطهم الأولى إلى الحدود مع باكستان (هنا نذكر بإحترام الشهيد “أمير الفتح” ـ المصرى ـ صاحب تلك المبادرة وقد قتله الأمريكيون فيما بعد).

– عبد الله عزام إستمر فى تشغيل معسكر التدريب التابع لمكتب الخدمات قرب الحدود الأفغانية مع باكستان. وقد تحسن مستوى التدريب فيه نتيجة التنافس مع معسكرات تدريب القاعدة ( هنا أيضا لابد أن نذكر بإحترام الضابط السورى أبو برهان الذى كان عماد التدريب فى معسكر صدى، وكان أكثر المدربين العرب إحتراما وتأثيرا. وتخرج على يديه عدد كبير من المدربين الشباب). إلا أن النشاط الأساسى لمكتب الخدمات ظل على ما هو عليه أى توزيع المعونات فى الداخل على مناطق المجاهدين بمختلف أحزابهم . كما أوصل مساعدات عينيه ومالية لعدد من مجموعات العرب المقاتلين داخل أفغانستان.

أما نشاط القاعدة فقد ركز بشكل كبير ـ نوعاً وكماً ـ على التدريب ، داخل أفغانستان خاصة فى منطقة خوست. مستفيدين من مواقع المجاهدين القريبة من العدو كمناطق للتدريب العملى ، وتطعيم المتدربين بالنيران. ولم تكن لهم معارك مستقلة ، ولا قوة مشاركة ثابتة ، كما فعلت مجموعات عربية أخرى . (هنا أيضا ينبغى ذكر المدرب المصرى/الأمريكى “حيدرة” الذى أحدث طفرة تدريبية نوعية. وأكثر من إستفاد منها كان تنظيمي القاعدة والجهاد المصرى المندمج معه فى ذلك الوقت).

إمتلكت القاعدة (كتنظيم) أكبر وأفضل مجموعة مدربين تخرجوا من أفغانستان، مع مشاركة قتالية محدودة، كان أهمها تجربتى (جاجى) و(جلال آباد) ـ ومشاركات محدودة فى معارك كبيرة خاصة فى خوست ثم جرديز .

ومع ذلك حدث تهويل غير عادى فى دور القاعدة كقوة قتالية فى أفغانستان . أما مكتب الخدمات فلم يكن له تأثير قتالى يذكر . ولكن من تدربوا فيه إنضموا إلى مجموعات وكانت لهم مساهمات عادية ـ فيما عدا (مجموعة ابو الحارث الأردنى) التى كان لها مشاركة ثابتة إلى جانب قوات جلال الدين حقانى ، بل كجزء عضوى منها . ومعظمهم تدربوا فى معسكر صدى التابع لمكتب الخدمات.

ولم تحقق اى مجموعة عربية أخرى إنجازا عسكريا وتأثيرا فى الجبهة يقترب مما حققته تلك المجموعة ـ (وكانت بالطبع متعددة الجنسيات . وتم حلها بعد فترة قصيرة من بداية الحرب الأهلية فى كابول، وإنضمامها إلى حكمتيار ضد مسعود، ولم يكن أبو الحارث على رأس المجموعة وقتها) .

يلاحظ هنا أن هدف بن لادن فى تأسيس تنظيم القاعدة لم يكن الجهاد فى أفغانستان التى إعتبرها ميدان تدريب ــ وكان ذلك موضع أول خلاف كبير بينه وبين عزام ــ إذ أراد بن لادن نقل التجربة الأفغانية إلى اليمن ــ بينما عزام كان يرى أن العرب جاءوا لمساندة الأفغان ماديا ومعنويا وليس قتاليا. وتم وضع الإختلاف بهذه الصورة : جاء مكتب الخدمات لإفادة أفغانستان ، بينما جاءت القاعدة للإستفادة من أفغانستان

 (أن مكتب الخدمات جاء لمساعدة الأفغان بمشارع توزيع المعونات عليهم داخل أفغانستان ورفع معنوياتم بالدعوة وإصلاح ذات البين ـ وربما القتال إلى جانبهم إذا تيسر ذلك . بينما بن لادن جاء للإستفادة من أفغانستان بهدف التدريب وتجنيد العناصر القتالية ، وليس هدفه الأول أو الحقيقى هو أفغانستان).

كان الخلاف صارخا لبعض الوقت أو كامناً معظم الوقت . وجرت محاولات تنسيق وعمل مشترك لم تكن مجدية، وسريعا ما توقفت .

كان بن لادن يريد القتال ضد الشيوعيين فى اليمن على رأس قوة جهادية عالمية ، بنفس الزخم الأفغانى. وكان حلفاؤه من تنظيم الجهاد المصرى ، لا يرون حتى شرعية القتال فى أفغانستان لأنه “لن يؤدى إلى إقامة دولة إسلامية” حسب قولهم . وكانوا يأملون بتحالفهم مع بن لادن أن يجتذبوا قوته المالية ، وسمعته الإسلامية العالمية ، إلى جانبهم فى معركتهم ضد (طواغيت) مصر وإقامة (شرع الله) هناك . لم يكن بين التنظيمين وحدة فى الأهداف . والإتفاق الوحيد كان على إستخدام أفغانستان كميدان تدريب ، بدون أدنى إهتمام بمصير ذلك الجهاد سوى “أطيب التمنيات”. وكما قال قادة تنظيم الجهاد وقتها { إن الأعاجم لا يمكنهم إقامة دولة إسلامية ـ ولكن العرب يمكنهم ذلك لأنهم يفهمون الإسلام بشكل أفضل}!!!!!!.

ونرى الآن كيف برهن الواقع على عكس ذلك تماما .

 

تجربة الإخوان المسلمين مع الجهاد :

المجاهدون تَحَوَّلوا إلى ( بغال تحميل )

والإخوان أمسكوا بالرَسَنْ .

بعد تجربتهم المريرة فى حرب فلسطين عام1948 طبق الإخوان المسلمون عمليا سياسة “وداعا للسلاح” . وكتنظيم لم تحمل أيديهم السلاح رغم أن قلة من أفرادهم فعلوا ذلك. إختار الإخوان لأنفسهم دوراً غريبا وخطيراً. بإتخاذ موقعا لهم على هامش الإستراتيجية الأمريكية فى المنطقة الإسلامية عموما ـ والمنطقة العربية على وجه الخصوص.

معتبرين موقف التحالف الوثيق ـ أو الخادم المخلص ـ فى ركاب الإستعمار الأمريكى،هو أفضل وسيلة للبقاء داخل الحلبة السياسية . ويدرك الإخوان محدودية فرصهم خارج المظلة الأمريكية أوبعيدا عن التزلف لإسرائيل ـ التى لن تنسى لهم أبدا إرسال مجاهدين إلى فلسطين فى حرب 1948 ـ لهذا لم يحصل الإخوان إلى الآن على ما يعادل أهمية دورهم “الجيوسياسى” كمقاول حروب بالوكالة ومحرك لقطعان بغال التحميل ـ من المثاليين الغافلين ـ والزج بهم فى ميادين الحرب، بالوكالة عن الولايات المتحدة فى ميادين تحت السيطرة الأمريكية الكاملة أو الغالبة .

 –  فكرة التحالف الإستراتيجى مع أمريكا مطروح بين الإخوان منذ الأربعينات . وبعد إنقلاب عبد الناصر فى مصر، و “جائحة” الحكم العسكرى الذى حطم عظام الإخوان ـ كانوا فى حاجة إلى وطن بديل للإقامة والعمل وتكوين عائلات. فكانت السعودية ومشيخات النفط بإقتراح ومباركة أمريكية. وكانت أوروبا والولايات المتحدة وطنا بديلاً لفئة المحظوظين منهم.

فى الخليج والسعودية بدأت مرحلة تحول عظى عقائدياً وسياسياً للإخوان ، وإنتقال إلى التبعية الكاملة لأمريكا عبر السلفية الوهابية التى تحتضنها إنظمة الخليج والسعودية .

بدأوا برنامج الحرب إلى جانب أمريكا ـ ضد الشيوعية والقومية العربية ـ وتصدوا لهما ثقافيا ودعائيا ـ والحجة كانت مخالفتهما للإسلام.

وعندما جاء دور القتال ضد مناوئى أمريكا فى المنطقة العربية ـ والبداية كانت فى سوريا ـ فى بداية الثمانينات ، إختطف الإخوان حركة “الطليعة السورية المقاتلة” وتاجروا بها فى السوق الدولية فحصلوا على أموال نفطية غزيرة، ودعما حتى من جهات قومية عربية مثل بعث العراق. ومن مصر(السادات). وحصل مرشحوا الإخوان على تدريب عسكري متطورعلى أيدى أجهزة المخابرات فى تلك الدول . تزامن ذلك مع تجربتهم فى اليمن بوجود قادة قبليين تبنوا النهج الإخوانى ، فجمعوا بذلك بين دعم دعائى ودينى من الإخوان ، وبين المال السعودى ، والعطف الإستراتيجى من الولايات المتحدة .

– قبل العودة إلى الجريمة العظمى التى إرتكبها الإخوان فى أفغانستان ، نكمل تجربتهم فى المنطقة العربية والتى بلغت ذروتها بإستلامهم حكم مصر فى 2012 لمدة عام واحد .

حين أخذ جنرالات مصر(إستراحة محارب) لإعادة تموضعهم على قمة مصر فى ظل التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة، وإستفراد إسرائيل بسيادة شبه مطلقة على المنطقة العربية ، متقدمة على السيادة الأمريكية ودول أوروبا الإستعمارية القديمة .

الإخوان أثناء ممارستهم للسلطة فى مصر (بتوكيل من المجلس العسكرى الحاكم الفعلى للبلاد) لم يخرجوا عن خطهم القديم فى الولاء الإستراتيجى للولايات المتحدة(وإسرائيل بطبيعة الحال) وأبرز براهين ذلك هى :

– لم يقتربوا ولو خطوة واحدة نحو إستلام حقيقى لحكم مصر، ورضوا بأن يكونوا مجرد ستارا لحكم المجلس العسكرى.

– لم يقدموا أى تصور لإعادة بناء مصر أو إعادة تشكيل أجهزتها السيادية المنفلته . خاصة الجيش والشرطة والمخابرات .

– لم يقدموا أى تصور إقتصادى جديد لمصر ، سوى ما هو موروث من عهد مبارك أى الإقتصاد الطفيلى غير المنتج . القائم على السياحة،وخدمة إستهلاك السوق الأوروبى، والإستيراد الواسع ، وتمويل الدولة بالقروض.

– لم يغيروا شيئا من حقيقة فتح الإقتصاد المصرى للمغامرين، والبنوك الدولية، والشركات متعددة الجنسية، وتصفية القطاع العام وتصفية الزراعة والصناعة الحقيقية. والتنازل لإسرائيل عن غاز سيناء ، وبقاء مليارات الدولارات مهربة بدون المطالبة بها رسميا.ولم يقتربوا من النفوذ الإسرائيلى الضخم والمتشعب فى مصر. مع وجود قواعد عسكرية وإستخبارية لأمريكا غير معلن عنها .

– إخفاء حقائق كارثة سد النهضة الأثيوبى عن الشعب ، حتى لا يغصب “الجيش الوطنى” أوإسرائيل أوعرب النفط الممولين لمشروع السد وللإخوان فى نفس الوقت.

 

الرئيس مرسى على خطى “شعبوية” ناصر:

كان للرئيس مرسى صيحتان هامتان، تذكرنا بصيحات عبد الناصر”الشعبويه”. الأولى هى (لن نترك غزة وحدها) .وذلك وقت العدوان الإسرائيلى على غزة . والثانية هو(لبيك يا سوريا) مع إشتعال الحرب الأهلية فيها.

فإلى أين ذهب بتلك الشعارات؟؟.

– فى غزة ذهبت إستخبارات السيسى للتفاوض مع الإسرائيليين للتوصل إلى تهدئة وهذا كل شئ. ولم تجرؤ مصر فى عهد مرسى على إدخال جندى إلى سيناء خارج “الإتفاق التاريخى” مع إسرائيل . إلى أن طلبت إسرائيل من العسكر إشعال حرب أهلية فى سيناء لتصفية أهلها وطردهم تمهيدا لخطوة أخرى فى تصفية قضية فلسطين، وتدمير شعب غزة الذى تريد إسرائيل تركيعه وإجباره على ترك البندقية الفلسطينية الوحيدة التى مازالت مرفوعه للجهاد . ولكن مجاهدو غزة ـ رغم خلفيتهم الإخوانية ـ كانوا أكثر شراسة، فلم يقبلوا الرَسَنْ الإخوانى/ القَطَرِى بأن يلتف حول أعناقهم ، ليجرهم إلى حيث تريد أمريكا وإسرائيل .

 

– وماذا عن صيحة (لبيك يا سوريا) ؟؟ إلى أين أخذت مصر وأخذت سوريا ؟؟ .

 طول المدة ما بين حركة 25 يناير 2011 وحتى إسقاط حكم الإخوان فى يوليو 2013 ، كان التيار الإسلامى موحدا إلى درجة كبيرة تحت قيادة الإخوان وشعارات طرحوها . أهمها القفز فوق كل المشاكل الداخلية والإكتفاء بشعارات (تطبيق الشريعة) التى لا تحديد لها سوى الإستفزاز الإجتماعى وأعمال عنف مجهولة المصدر. إضافة إلى صدامات مع المسيحيين معظمها من تحريك وتنفيذ مخابرات العسكر وموافقة التيار الإسلامى والإخوان . ثم الشعار الحماسى المشتعل ـ بلا منطق واقعى ـ حول العداء للشيعة داخل وخارج مصر . رغم أنه لا يكاد يظهر للشيعة وجود أو تأثير فى مصر.

وتم شحن الشباب الجهادى ـ القديم منهم والجديد ـ للسفر إلى سوريا، فى حشد طائفى وشعار العداء المطلق والعقائدى للشيعة. وسافر آلآف الشباب إلى تركيا ومنها إلى سوريا. كما أصبحت تركيا وسوريا ملاذا للمتخوفين من عسكر مصر، ومن عدم قدرة الإخوان على الإستمرار فى الحكم، فقد كان ضعفهم السياسى واضحاً ومصداقيتهم المتراكمة تاريخيا تتبخر بسرعة غير متوقعة. حتى إذا بدأ العسكر بالإنقلاب على حكمهم ثم ذبحهم بهمجية لم يسبق لها مثيل فى تاريخ مصر، فى مجزرة ميدان رابعة، لم يهب الشعب لدعمهم . فتحملوا الكارثة وحيدين تماما .

 كانت الساحة السياسية فى مصر خالية للعسكر، ومعهم المعسكر المعادى للإخوان، من توجهات شتى، من المسيحية السياسية إلى اليسار العلمانى عالى الصوت الذى لا يثق به أحد . لهذا إستدار إليه العسكر وبطشوا به هو أيضا ، حيث كان عالى الصوت فى فترة (الثورة) ، ولكن بلا عمق شعبى ، سوى علاقات خارجية بمنظمات دولية تموله وتسانده دعائيا . فانهار كما ينهار عش العنكبوت.

 وبعد سقوط الإخوان ظهر أن “الخطر الشيعي” فى مصر هو مجرد وهم ، وأنه مجرد عش عنكبوت آخر. وأن مرسى قضى عليه فى حادثه (أبوالنمرس) جنوب الجيزة. حيث بطش الناس بأفراد معدودين، بمن فيهم زعيم التيار الشيعى فى مصر. وتشير دلائل إلى تغاضى الرئيس عنه ، وإصداره أمرا للشرطة بإلتزام الحياد !!. فظل الحياد هو شعار الشعب، حتى إزاء مجازر العسكر ضد الإخوان أنفسهم ،  بما لم يسمع بمثله تاريخ مصر.

 

أزمة الإخوان مع السعودية والإمارات :

–  من ثورة يناير 2011 وحتى سقوط حكم الإخوان فى 2013 ، إنهارت علاقاتهم تماما مع السعودية والإمارات . وكان لهم مراكز قوية للغاية فى هذين البلدين، منذ الخمسينات وحتى بداية القرن الحالى. وربما بدأ التصدع مع إرهاصات “الربيع العربى” الذى كان ربيعاً للإخوان وإضافة فعلية لقيمتهم السياسية (أوالجيوسياسية) فى العالم العربى.

ولكن الإخوان إستعاضوا بعلاقات أقوى مع قطر “كممول” ومع تركيا كملجأ آمن . وصارت البوصلة السياسية ، وسقف الرؤية الإستراتيجية للإخوان يحدده هذان البلدان . وفى سوريا خاضوا بالمشاركة مع قطر وتركيا أقوى تجربة جهادية لهم بعد الحرب الأفغانية التى خاضوها تحت السقف السعودى.

 

 جهاد .. لكن  لغير الإخوان :

ظل الدور الجهادى الجديد للإخوان يدور فى إطار ما قاموا به فى أفغانستان فى الثمانينات، أى التحريض على الجهاد ، وتجميع الشباب فى ساحاته المطلوبه أمريكيا.

والعمل على إمداد القضية الجهادية بالدعم الدعائى ، والإسناد الشرعى ، والتحريض الجماهيرى على أداء الفريضة المقدسة . وظل محظوراً عليهم “رسميا” الإنخراط فى العملية القتالية نفسها . وهذا ما صرح به مرشد عام الجماعة (حامد أبو النصر) فى زيارته التاريخية لمدينة بيشاور فى أوائل التسعينات . فأثار إستياء وسخرية الشباب المجاهد المتكدس فى تلك المدينة التى تحتوى مقار الأحزاب الأفغانية ومعسكرات تدريب مجاهديها.

حديث المرشد كان مسجلاً وتم توزيعه على نطاق واسع. فأثار إستياء وإنتقاد الكاتب والمفكر الكويتى “عبدالله النفيسى”ـ المحسوب على الإخوان ـ الذى كتب مندداً بالمرشد وضعفه .

– وكما فشلت تجربتهم السورية فى بداية الثمانينات ـ فشلت تجربة الإخوان فى سوريا “الربيع العربى” 2011 ـ وظهرت الحركة الجهادية فى سوريا كنشاط لنوع ردئ من بغال التحميل، بقيادات أكثر فسادا من القيادات الأفغانية الحزبية. مع تشنج طائفى وقيمة هامشية لقادتها إلى مجرد عرائس خشبيه فى لعبة أقليمية ودولية تدور حول سوريا وعلى أرضها، فى صراع مصائر لا يعرف أنصاف الحلول، أول ضحاياه كان شعب سوريا . مع مسئولية كاملة على عاتق ” ثوار تحميل” ركبهم الغرور والعناد، فى وعاء من الفساد والتوحش المتغطرس. ولا مكان فى التاريخ لهذا المزيج البدائى.

 

موقع الإخوان فى أفغانستان :

– ولكن ماذا حدث لأفغانستان.. ولماذا أخلى ساحتها التنظيم الدولى للإخوان، تاركا قياداته هناك يخوضون حربا أهلية؟؟ .

فى الحرب ضد السوفييت قُتِل ما يقارب مليونى أفغانى . وكان الثلاثى الإخوانى الشهير من نجومها الزاهرة ، وعلى رأسهم عبد الرسول سياف مرشد إخوان أفغانستان ، ومفتى الإحتلال الأمريكى ومستشاره السياسى حاليا. والمحارب العقائدى ضد مجاهدى طالبان، يُحَرِّم جهادهم ويدعو إلى شنقهم على بوابات كابول .

الشخصية الإخوانية الأخرى هو حكمتيار، الشهير بالدموية والإغتيالات والثورية المتطرفة أيام الجهاد السابق . ويدير حاليا تنظيم داعش فى أفغانستان بالمشاركة مع مستشار الأمن القومى لنظام كابول (حنيف أتمر) تحت إشراف المخابرات الأمريكية والإسرائيلية .

أما ثالث المجموعة فهو الزعيم (برهان الدين ربانى) الذى قتله المجاهدون لأنه كان يجول على القبائل داعيا إياها إلى سحب دعمها لطالبان، والتحول إلى دعم حكومة كابول التى عينها الإحتلال ووضع لها دستورا تحكم به البلاد.

ترك الإخوان الدوليون الساحة الأفغانية متجاهلين مصائب رجالهم فيها ، وإنتقالهم إلى خدمة الإحتلال الأمريكى ، بدون حتى أن تستنكر الجماعة أعمالهم أو تتبرأ منها ، وذلك يعنى موافقة الجماعة عليها . إنه ذات الخط الإستراتيجى الذى تلتزم به الجماعة، منذ ما بعد حرب فلسطين 1948 ، وأوائل الخمسينات (حرب الفدائيين ضد الإنجليز قرب قناة السويس).

– وتسهيلا على من يرى فى البحث والإستقصاء أمراً صعباً ، أن ينظر إلى أعمال ومواقف قادة الإخوان فى أفغانستان ، ليدرك بدقة موقع الجماعة من العمل الإسلامى، ودورها التاريخى فى حروب المسلمين، وأنها من أهم المتاجرين بالجهاد والعاملين على تحويل المجاهدين إلى بغال تحميل ، بينما أمسكت الجماعة بالرَسَنْ ، وتذهبت للمتاجرة بهم فى سوق السياسة العالمية.

وطبقت بذلك نظرية بريجنسكى ــ مستشار سابق للأمن القومى فى البيت الأبيض ــ الذى قال {نُسَلِّح الإسلام لتحقيق مكاسب جيوسياسية} وهى مكاسب لأمريكا بالطبع وليست للإسلام. وفازت فيها حركة الإخوان بعمولة السمسرة .

وما دام مركز الحركة موجود فى منطقة الشرق الأوسط ، فإن الحصول على رضا إسرائيل يعتبر أكثر من ضرورى . لهذا إلتزمت الحركة ، ومعها الحركات السلفية الجهادية ، بالدستور أو المنهج الحركى الذى وضعه شيمون بيريز رئيس إسرائيل السابق ، والذى وتقول عقيدته بأن الخطر فى منطقة الشرق الأوسط يأتى من إيران والشيعة . فعلى إسرائيل وأهل السنة أن يتحالفا معا فى العمل المشترك ضدهما . وأن إسرائيل بخبراتها وبأموال العرب قادرة على بناء الشرق الأوسط.

وجد الإخوان المسلمون ــ والحركة الجهادية السلفية بشكل عام ــ أن نظرية شمعون بيريز توفر لهم عدوا بديلا عن إسرائيل ـ التى صارت فى الواقع حليفاً إستراتيجيا لهما ـ وتحت شعار العداء لإيران والشيعة إرتكبوا شتى التجاوزات أو إن شئت قل الخيانات.

فبدون الإلتزام بعقيدة بيريز ، سيخسر الإخوان ـ والتيارات السلفية المسلحة ــ الدعم المالى الخليجى (القَطَرى) والدعم اللوجستى(التركي) . وأيضا أى دعم يأتى من أوروبا والولايات المتحدة. لهذا تنحصر معارضة الإخوان للإنظمة العربية المناوئه لها،على مطالب ديموقراطية حقوقية، أساسها الإرتهان للإقتصاد الغربى(الليبرالى الحر) ومنظومته السياسية والقيمية، المبنية على شعارات حقوق الإنسان ـ مع تحفظ شكلى إلى بعض السلوكيات الإجتماعية فى الغرب .

 

فى الطريق إلى ميدان القتال :

أخطر الأعمال وأثقل التبعات تقع على عائق المجاهدين، الذين أيسر ما يواجهونه هو الإستشهاد وأسوأ ما يهددهم هو التحول إلى مجرد (بغال تحميل)، وأن تتمكن جهة معادية من السيطرة على عملهم ونتائجة. بل وتستنفر الشباب صوب ميادين تريدهم فيها. وهناك يعملون وفق قواعد حددتها تلك القوى المعادية ، فهى التى تحدد القيادات العليا {قادة الأحزاب والتنظيمات القتالية} وتحصر عمل المجاهدين فى الإشتباك العسكرى المباشر. وتفرض على المجموعات خطة الحرب العليا وميادينها وأولوياتها . وتتحكم فيهم عبرالتسليح والإمداد بالذخائر والمعدات والطعام ووسائل النقل . وتحرص على عدم توحدهم فى عمل مشترك حتى يسهل التحكم فيهم . فتجمعهم فقط فى حالات خاصة ومؤقته عندما تقتضى مصلحتها ذلك. وكثيرا ما تعمل على إشعال الصراعات بينهم ، وتأديب بعضهم ببعض ، وإستخدام بعضهم لمنع البعض الآخر من العمل بشكل صحيح أو مستقل.

 

حدود وظيفة بغال التحميل :

ومن المواصفات الهامة لمنظمات (بغال التحميل) هو الإنخراط فى التكتيك وليس الإستراتيجية. أى الإشتباك القتالى المجرد وليس التخطيط العسكرى الشامل للحرب التى يخوضونها.

2 ـ  ومن أهم مميزاتهم هو الإبتعاد التام عن العمل السياسى المتعلق بالقضية موضع الصراع، وتركه بشكل كامل للراعى الأجنبى أو الجهة المسيطرة أو صاحبة (قطيع البغال المقاتلين). فترك السياسة هو أهم ما يميز (بغال التحميل).

– ويمكن القول أن العمل السياسى هو عملية حصاد لنتائج المعارك، لهذا تستأثر به القوى المهيمنة على القطيع الذى لا يناله سوى واحد أو أكثر من الخيارات التالية :

الصرف بالحسنى ــ القتل ــ الإعتقال ــ المطاردة ــ الإغتيال المعنوى بتشويه السمعة وإلصاق أبشع الإتهامات والأوصاف بمن إنخرطوا فى ذلك القتال، ومعاملتهم حتى نهاية حياتهم معاملة المشبوهين والمشكوك فى إجرامهم . وحشرهم تحت شعار {العائدون من …} .

فأسماء الميادين التى قاتلوا فيها تصبح مدانة ومشبوهة (أفغانستان ـ البوسنة ـ الشيشان …)

فتصدر قوانين تستهدفهم وتستبيح حقوقهم فى الحياة العادية وتبرر البطش بهم .

 

ضمانات لديمومة التضليل :

من أجل أن تضمن القوة المهيمنة ديمومه ظاهرة بغال التحميل فإنها تحرص على التالى :

–  إستبدال الإيمان والوعى الدينى، بالتعصب الأعمى والعنيف. وكلما زاد هياج الفرد والجماعة، كلما كان ذلك دليلا على صحة “المنهج” وقوة الإيمان .

– التجهيل السياسى ، فيما عدا تلقينات سطحية أعدتها القوة المهيمنة نفسها، خاصة ما يتعلق بالقضية موضع الجهاد وكل ما يتعلق بها وبأهدافها . وتقديم صورة حماسية غير صحيحة عن كل ما يتصل بها أو بمن يشارك فيها من أطراف داخلية وخارجية . بحيث يعيش المقاتل (أو بغل التحميل) فى قوقعة مزيفة من الوعى الذى صنعة إعلام القوة المهيمنة خصيصا لتضليل بغال التحميل وحشو أذهانهم بالأوهام والأكاذيب على أنها حقائق. والتغطية على ما يشوب عمل المجاهدين من نقص أو إنحرافات، بل تمجيد ذلك والدفاع عنه.

– التركيز على عبادة الاشخاص ، والمبالغة فى قيمة وقدرات الزعمات المصنوعة، والتى تخدم جهات خارجية معادية. وتحويل التنظيم أو الحزب أو الجماعة إلى صنم يعبد من دون الله وتنصرف إليه وحده عقيدة الولاء والبراء ، والحب والبغض (فى التنظيم وليس فى الله).

 

لبغال التحميل مزارع تربية ومؤسسات إحترافية :

قبل ظهور (بغال التحميل) قتالياً ، كانت مزارع إنتاجهم فكريا وسلوكيا تعمل منذ عقود . هذه التربية الدينية المسطحة والمتعصبة والعنيفة ، كانت هى الوسط الفكرى والإجتماعى الذى تَخَرَّج منه معظم بغال التحميل . وهناك قطاع آخر جاء من بيئات مختلفة بعضها غير متدين ولكنه إلتحق بالقطيع، وتأثر بالموجة السائدة فكريا وسلوكيا .

– ذلك المناخ إصطلح على تسميته (بالسلفية الجهادية) ــ بصرف النظر عن دقة التسمية أو عدم دقتها ــ فإن بصمتها الميدانية كانت مميزة منذ أول ظهور لهم فى أوساط المتطوعين العرب فى حرب أفغانستان ضد السوفييت. ومن تلك “المميزات” .

– النفور من السياسة وإعتبارها إنحرافاً وتلويثاً لروحانيات الجهاد .

– إعتبار القتال فى الإسلام يعنى خطوتين هما : 1 ـ هجوم   2ـ إستشهاد.

ومن الأفضل أن تكون الخطوتان ملتصقتان وفى وقت واحد .

هؤلاء عارضوا التدريب العسكرى والتخطيط للمعارك (إعتبروا ذلك من البدع وأعمال الماسونية!!). ورفضوا مجرد تصور، إستخدام الزمن فى تطوير العمل العسكرى ــ وهو مبدأ هام فى حروب العصابات ــ التى يعملون داخل إطارها. ويعتبرون أن تأخر النصر دليل على كثرة المعاصى . بدون فَهْم أن الإنتصارات التكتيكية موجودة ومستمرة ، وأن الهزائم تحدث أحيانا، وهى وسيلة للتعلم من التجربة . ولكن الحصول على النصر النهائى يحتاج إلى وقت طويل لبناء القوة الذاتية ، وتغيير ميزان القوى لصالح المجاهدين رغم فداحة العجز المادى لديهم .

 فتراهم يتعجلون المعارك الحاسمة فى كل وقت وحين . فكانوا مادة نادرة لتجار الدماء الذين إستخدموا تضحياتهم لرفع قيمة التجار فى أعين الرأى العام الدولى والإسلامى.

 فدماء الإستشهاديين متوفرة على الدوام ، بل أكثر مما هو مطلوب فعليا للمعارك. فأسرف التجار فى إستخدامها، ولكن لإهداف دعائية ، أو فى صراعات داخلية ، أو لمجرد التخلص من عناصر متمردة  تثير الكثير من المشاكل طلبا للشهادة بأى شكل وبأى طريقة .

فأُهْدِرَتْ أهم الطاقات وأكثرها ندرة، بطريقة عشوائية بل وإجرامية أحياناً.

ـ هذا الطراز من “المقاتل الإستشهادى” ذو التفكير البسيط ـ المتعجل فى كل شئ ـ الرافض لأى نوع من الإنضباط إلا فى أضيق الحدود ـ المعادى للتعمق فى فهم أمور الدين كما أمور الدنيا ـ العنيد العصبى العنيف المتقلب. ترى فيه قيادته مجرد “بغل”، ربما كان التخلص منه فى عملية إستشهادية عملاً محبذا.

ـ ذلك النموذج (لبغل التحميل) يعتبر مقاتلاً سيئاً ـ من الأفضل إستبعاده من أى عمل قتالى منظم طويل المدى يتعلق بقضايا مصيرية للأمة.

ومع ذلك فهو يعتبر عُمْلَة مطلوبة بشدة لدى مقاولى الحروب ـ تجار الدماء ـ ليحقق لهم نتائج ميدانية سريعة. فمن السهل تجنيده ـ ومن الأسهل التخلص منه بوسيلة أو بأخرى. وخداعه ممكن دوما بشرط الحديث معه على نفس موجة التفكير الخاصة به ، بالعاطفية غيرالعقلانية المتعصبة المتهيجة المندفعة إلى القتال والشهادة كأقصر وسيلة للوصول إلى الجنة.

– إحتياجات العدو تطلبت توفير هذا النوع من المقاتلين، ضمن تشكيلات قتالية ثابتة أشبه بالشركات ، تتيح مخزونا بشريا من هذا الطراز تحت الطلب فى أى وقت ، لأى ميدان على سطح الأرض . فهو قليل التكلفة مقارنة بالجيوش النظامية ، كما أن نتائجة أفضل فى مجال التدمير الإجتماعى والحروب الأهلية والمذهبية . بحيث أصبح لا غنى عنه فى تلك المجالات .

عَيَّن العدو مديرين لتلك المؤسسات القتالية ، وحدد كوادرها الرئيسية و باقى التفاصيل ليحصلوا فى النهاية على شركة قطاع خاص فى مجال الحروب الأهلية (الإسلامية).

 أشهر تلك الشركات وأبعدها أثرا كانت “شركة داعش” العابرة لقارات .

ويلاحظ أن الإدارة العليا لداعش تقع فى يد أجهزة مخابرات ـ أمريكية (و) أو إسرائيلة ـ حسب منطقة النشاط . فمثلا داعش تعمل فى أفغانستان بإدارة مشتركة أمريكية/ إسرائيلة لأن حرب أفغانستان تدار مناصفة بين جهازى الإستخبارات فى البلدين .

وبشكل مباشر تشرف قيادة أفغانية مركزية على نشاط داعش فى أفغانستان، تتكون حاليا من عنصرين هما{الزعيم الإسلامى الإخوانى الأصولى} جلب الدين حكمتيار . ومعه (حنيف أتمر) وزيرالخارجية حاليا مستشار الأمن القومى سابقا، والجنرال الشيوعى أيام الحكم الشيوعى. وكلاهما( الإخوانى المتطرف والشيوعى المتطرف)، على علاقة وثيقة مع جهازى الإستخبارات سابقي الذكر.

–  وتعتبر داعش حالة مثالية للبحث الذى نحن بصدده. وكيف أنها تحولت إلى مؤسسة إرتزاقية دولية مرتبطة بإستراتيجية الولايات المتحدة . ولأجل تغطية تلك “الخيانة” تبنت داعش مثل باقى(السلفيات القتالية والسياسية) عقيدة شيمون بيريز بالإتحاد مع إسرائيل ضد العدو البديل (إيران والشيعة) .

وخلال عام واحد، وبإشراف تركى ، إنتقلت أفرع هامة من شركات بغال التحميل، برا وجوا وبحرا من سوريا والعراق إلى ليبيا وأفغانستان وغرب أفريقيا. تلك الظاهرة الإرتزاقية هى المساهمة الإسلامية فى سلسلة (الحروب الهجينة)، أى الحروب فائقة التكنولوجيا، متعددة الأدوات من السلاح المتطور إلى الإقتصاد والإعلام ، فى حروب مرتبطة بالصناعة البنكية اليهودية. وللمرتزقة دور محورى فى تلك الحروب تحت مسمى “الشركات المتعاقدة”ـ ونموذجها الدولى الأشهر هى شركة بلاك ووتر الأمريكية ـ وشركات “بن زايد/برنس” العاملة فى أفغانستان ـ  تلك الشركات تعمل فى مهام وتخصصات شتى تمتد من تشغيل الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة ، إلى قتل المدنيين وإغتيال المجاهدين، ونسف المساجد والمناسبات الإجتماعية والدينية .

 

 قيود التمويل :

– وسواء برضاها أو بحكم الأمر الواقع فإن التنظيمات الجهادية أو المعارضة الإسلامية غير المسلحة والتى تحتفظ بأعداد كبيرة نسبيا من الأعضاء ، تكون فى حاجة دوما إلى تمويل، هو عادة سعودى أو خليجي ـ وبأوامر أمريكية وإجازة إسرائيلية. لهذا يرى البعض ـ بغير خطأ كبير ـ أن التيار الإسلامى المسلح، المشهور أحيانا بالسلفية الجهادية أو الوهابية القتالية أوبغال التحميل ــ أيا كان الإصطلاح الذى يركز على جانب معين من جوانب تلك التنظيمات ــ ولكنه يرى أنها فى النهاية تقف فى المعسكر المُعَادى لمصالح المسلمين الحقيقية ـ بل أن ضرباتهم موجهة فى الأساس ضد المسلمين وضد مصالحهم.

لقد إستطاع أعداء الإسلام أن يختطفوا فريضة الجهاد، و يضربوا بها صدور المسلمين.

 

 من تاريخ قيود التمويل :

كان جهاد الأفغان ضد السوفييت تجربة غنية جدا فى كثير من نواحيها. ليس فقط للشعب الأفغانى بل أيضا لتنظيمات العمل الإسلامى العربى ، خاصة المنظمات الجهادية وحتى التجمعات السياسية والدعوية .

فهناك ظهرت أهمية المال فى تقييد العمل الجهادى(والدعوى) والسيطرة عليه لصالح القوى المعادية للإسلام والتى تمتلك المال عادة . وبما أننا بصدد جهاد إسلامى فإن الممول لابد أن يتمتع بالمظهر الإسلامى. والأكثر مهارة فى ذلك هو العنصر الخليجى عامة والسعودى بشكل خاص ، صاحب النفوذ الساحق على الساحة الأفغانية (1980 ـ 1993 ) فإخترق ـ بالدولار النفطى ـ منظمات الجهاد الأفغانى ـ ومنظمات الجهاد العربى آنذاك “ماعدا القاعدة كما سنفصل فى ذلك”. لم يكتف المال السعودى بتمويل ما هو قائم من منظمات (أفغانية وعربية) بل إبتكر تنظيمات جديدة ، وساهم فى تقسيم ما هو قائم منها، وأوقع العداوة فيما بينها ، وحاول إحداث فتنة مذهبية بين الأفغان”أحناف”والعرب”سلفيون”.وفتنة أخرى بين الأفغان (أحناف/شيعة).

وعمل الدولار النفطى السعودى فى شراء الأحزاب الأفغانية الجهادية فى بيشاور، وسحبهم نحو التسوية الدولية لتشكيل حكم مشترك فى كابل يكون قادة تلك الأحزاب ضمن مكوناته . والمال السعودى هو الذى شكل أول حكومة للمجاهدين دخلت كابول برئاسة مجددى ثم ربانى .

وأدوار آخرى كثيرة، فى إدارة الأحزاب الجهادية الأفغانية والجماعات العربية فى أفغانستان. ذلك الدور التخريبى للعنفوان المالى فى الأوساط الإسلامية ورثته قطر. ليس فقط فى المنطقة العربية بل فى أفغانستان بشكل خاص . وتحاول ان يكون لها كلمة الختام فى جهاد الأفغان ضد الإحتلال الأمريكى ، فى إطار تسوية سياسية تكون فيها حركة طالبان ضمن حكومة مشتركة مع عملاء أمريكا فى كابول .

ولكن قطر تواجه فى أفغانستان حاليا مشاكل خطيرة لم يواجه السعوديون مثلها فى الجهاد السابق ضد السوفييت . ولذلك أحاديث أخرى .

– كان رهان السعودية الأكبر وقت السوفييت هو عبد الرسول سياف وحزبه المسمى (الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان) وتراهن قطر على مجموعة محتجزة لديها فى معتقل سياسى تفاوضى “مكتب للتفاوض”!!! . فيهم أكثر من سياف ولكن بكفاءة أقل وإفتقار إلى “كاريزما” سياف وبلاغته ، أو ذكائه وعلمه الشرعى الأزهرى .

 

تأثير التمويل السعودى على قادة العرب فى أفغانستان .

مولت السعودية عدد لا يحصى من المجموعات العربية ـ ومتطوعين غير عرب ـ وأهم الرموز الذين تفيدنا دراسة حالتهم هما /عبدالله عزام / وأسامة بن لادن .

تمويل عبد الله عزام :

فى عام (83) إنتقل عزام من السعودية إلى باكستان ليعمل فى الجامعة الإسلامية فى إسلام آباد وهى جامعه سعودية أيضا . بالتدريج أصبح عزام موضع ثقة كبيرة من المسلمين فى المملكة وخارجها فتلقى مساعدات مالية كبيرة لإيصالها إلى المجاهدين الأفغان فكان يوزعها على الأحزاب حسب رؤيته لفاعليتها وإخلاصها . وكان يفضل الجناح الأخوانى ، الثلاثى الشهير (سياف / حكمتيار/ ربانى ) .

ونتيجة لثقة الحكومة السعودية فيه، تشجع التجار والعلماء والجمهور على منح تبرعاتهم لعزام. وكان التمويل السعودى ـ الشعبى والرسمى ـ هو الأكثر غزارة فى تلك الحرب / بالنيابة عن الخزانة الأمريكية/ وتقدر تلك التكلفة بثلاثة  مليارات دولار(وفى رواية أخرى تسعة مليارات) .

– الملحق العسكرى فى السفارة السعودية كاد أن يكون ركيزة محورية لمكتب الخدمات الذى أسسه عزام عام 1984 مع أسامه بن لادن (كممول رئيسى) ومباركة سياف ، كزعيم شرعى لجهاد أفغانستان ـ حسب تصنيف الإخوان . وظن سياف أن مكتب الخدمات سيكون تابعاً له، ولكن خاب أمله إذ تصرف عزام بإستقلالية أكسبته عداوة الزعماء الأفغان. بعضهم جاهر بها وبعضهم كتمها فى صدره وعبر عنها فى جلساته الخاصة .

لا يُعْرَف أى تمويل رسمى سعودى لنشاط عزام ، وإن كان الهلال الأحمر السعودى وهو مؤسسة رسمية (إستخبارية تحديدا) كانت تمد المكتب بإمدادات إغاثية كبيرة . وليس مستبعدا أن الملحق العسكرى السعودى ، الذى كان ملحقا أيضا بمكتب الخدمات كان يأتى بتبرعات من “فاعلى الخير” فى المملكة. وقد وصفه عزام أمام منتقديه بأنه ( أطهر من ماء السماء)، ولابد أن هناك دليل مالى يبرر ذلك الوصف. كما وصف عزام قادة الأحزاب الأخوانية (الأصولية) بأنهم {أفضل من أنجبتهم الأمة الاسلامية خلال قرون} .

وكان رحمه الله ـ مؤيدا للفتنة بين السنة والشيعة ـ وفى أحد خطبه المسجلة فى بيشاور زف نبأ لجمهور المسجد بأن القبائل السنية قد (فتحت) قرية شيعية فى قتال طائفى على حدود باكستان  مع أفغانستان. وهكذا كانت الأرضية المذهبية والسياسية ممهدة بين عزام والمملكة. وإن كان له مبارزة فقهية شهيرة مع علماء المملكة متهما إياهم بشرك القصور ، فى مقابل إتهامهم للأفغان بشرك القبور.

 

تمويل أسامة بن لادن فى أفغانستان ( 1986 ـ 1992 ) :

كان بن لادن مستقلا تماما فى تمويل تنظيمه الجديد (القاعدة)، معتمدا على ماله الشخصى. وذلك خلال فترة عمله الأولى فى أفغانستان ( 1986 ـ 1992 ). وكان يتمتع بسمعه عالية ، حتى إعتبره شباب المملكة (بطلا إسلاميا). فكان قناة موثوقة لإيصال التبرعات إلى المجاهدين الأفغان . ولم يستخدم درهما واحدا من تلك الأموال فى نفقات القاعدة ـ وقد سمعت منه ذلك عدة مرات ـ وهو صادق تماما فى قوله ـ لهذا كان خلال تلك الفترة الأكثر إستقلالية .

 

الفترة الثانية من عمله فى أفغانستان ( 1996 ـ 2001)، مرحلة التمويل المختلط :

 وكان بن لادن قد فقد معظم أمواله التى فى السودان ، وجمدت السعودية أمواله فى المملكة. فاعتمد على التبرعات لأول مرة فى حياته كلها.

ومع ذلك كانت قوته المعنوية وشعبيته ، سببا لتمتعه بممولين رغم قلتهم وخطورة ما يقومون به فى المملكة التى ناصبته العداء الشديد وسحبت منه الجنسية وجمدت أمواله.

إلا أن إستقلاليته أصبحت نسبية. وأخطر تأثيرات ذلك عليه كان فشله فى الإحتفاظ بالتوجيه الإستراتيجى الذى أصدره (فى بيان أكتوبر1996) بعد أشهر قليلة من عودته إلى أفغانستان مُبْعَداً من السودان. كان البيان يدور حول{طرد المشركين من جزيرة العرب} وفيه أعلن الجهاد على الولايات المتحدة من أجل تحقيق ذلك الهدف. ثم أدخل توسعا فى الهدف بإصدار بيان لاحق حول تحرير المقدسات الإسلامية كلها ، فى (مكة والمدينة والقدس).

فأعلنت المملكة الإستنفار ، واعتبرت بن لادن خطرا داهما. والكثير من العلماء وطلاب العلم إستنكروا أن تصبح المملكة ميدانا “للإرهاب” ــ أى الجهاد ضد الأمريكيين ــ وكان العلماء وطلاب العلم أهم المجموعات التى يَحْسِبْ لها بن لادن ألف حساب .

وخشى أن تحاربة تلك الفئة داخل المملكة، أو يصدرون ضده فتاوى تخرجه من الدين أو تسئ إلى سمعته . فأصدر توضيحات أن جهاده فى المملكة لن يطال الشرطة أو الجيش . ودعا أتباعه هناك بالإستسلام للجهات الأمنية إذا حدثت معهم مواجهة مسلحة .

 بدأت مجموعات من الشباب فى العمل المسلح داخل المملكة. لم تستغرق طويلا حتى قضى عليهم الأمن . وكثير من العمليات كان يفتعلها الأمن لأغراض دعائية ضد القاعدة وبن لادن ، ولتبرير عمليات الإعتقال والتنكيل .

أضطر بن لادن إلى التوجه بجهاده إلى خارج المملكة ، لضرب الأهداف الأمريكية حول العالم فابتدأ بعمليات أفريقيا ضد سفارتين لأمريكا فى كينيا وتنزانيا.

ثم عملية تفجير ضد السفينة العسكرية (إس إس كول) التى كادت أن تغرق فى ميناء عدن. والعملية الثالثة كانت (غزوة منهاتن) الشهيرة ضد أبراج مركزالتجارة العالمى .

– الشاهد هنا هو أن قدرة منابع التمويل على ممارسة ضغط على (التنظيم الجهادى) قد تصل إلى إجباره على تعديل هدفه الإستراتيجى ، أو تطبيقه بعيدا عن مكانه المفترض فيفقد تأثيره المطلوب ، فيتحول إلى عمل إستعراضى ، بلا نتائج على أرض الصراع . وفى الحقيقة فإن”غزوة منهاتن” كان تأثيرها سلبيا على العمل الجهادى والإسلامى داخل المملكة وخارجها .

–  وخلال فترة وجوده الثانية فى أفغانستان ـ خلال حكم الإمارة الإسلامية ـ فشل بن لادن فى إقناع العلماء (الإصلاحيين) الذين إعتقلتهم المملكة بأن يأتوا إلى أفغانستان حيث الحكم الإسلامى والشريعة الإسلامية ـ لكنهم رفضوا العرض وأعرب بعضهم عن تفضيله دخول السجن فى المملكة عن القدوم إلى أفغانستان .

ربما كان ذلك حباً فى المملكة و”نظامها الإسلامى” ، أو إعتراضاً على “عقائد” الأفغان، كما واظبوا على قول ذلك أثناء فترة الجهاد ضد السوفييت .

– الشاهد هنا أيضا أن علماء المملكة الذين أسبغوا فى السابق الشرعية على بن لادن وجهاده، سحبوا ذلك التأييد وأرغموه على الإبتعاد بجهاده عن المملكة للمحافظة على أمنها وسلامتها . بينما لم ينجح بن لادن ـ كمتلقى للمعونة المالية والشرعية ـ أن يقنع العلماء وطَلَبَتَهُم أن يأتوا إلى الإمارة الإسلامية فى أفغانستان للمساهمة فى بنائها والدفاع عنها .

أكدت تلك التجربة أن الجهاد يتبع التمويل ، وليس العكس كما هو مأمور به شرعاً بالقرآن والسنة .

–  أنتج التمويل الشخصى فى تنظيم القاعدة ، قيادة فردية بحته ، رغم وجود عنصر المشورة لمجرد إستعراض الأفكار. فكان صاحب المال / هو صاحب التنظيم / هو صاحب القرار.

 كان فى ذلك خصخصة لفريضة الجهاد وتحويلة من فريضة تقوم بها وتمولها الأُمَّة ، إلى نشاط يموله فرد. وقتها حذَّرْتُ من العواقب المستقبلية لذلك التوجه.

 

فى المرحلة الثالثة والأخيرة (2001 ــ 2011 ) :

تلك المرحلة من قيادة بن لادن لتنظيم القاعدة تمتد منذ خروجه من أفغانستان أثناء الحرب الأمريكية عليها (2001) وحتى تاريخ إختفائه ـ أو إغتياله ـ عام (2011). وهى مرحلة التمويل العشوائى للتنظيم.

 ونعيد ترتيب المراحل التمويلية للقاعدة فنقول :

1 ـ (1987ـ 1995) مرحلة إستقلالية كاملة وتمويل شخصى للتنظيم.

2 ـ (1996ـ2001 ) مرحلة شراكة محدوده فى التمويل ، أفسحت مجالاً لتأثير مشايخ السعودية وطلاب العلم فى القرارالإستراتيجى للتنظيم، بالإبتعاد عن المملكة فى صدامه مع الولايات المتحدة . أى الجهاد لأجل إخراج المشركين من جزيرة العرب ولكن من خارج جزيرة العرب، ومن خارج السعودية تحديدا.

3 ـ (2001 ـ 2011) مرحلة التمويل العشوائى. وهى المرحلة الأسوأ فى تاريخ التنظيم. حيث فقد قدرته على التمويل الذاتى الذى كان يعتمد على شخص بن لادن ، كما فقد السيطرة على مساره، وصار تابعا لإستراتيجات العمل التى وجدها جاهزة وفاعلة فى الميادين التى ذهب إليها ، تابعاً وليس قائداً، مثل العراق ثم سوريا وبعدها اليمن . فأرسى التنظيم لنفسه مبدأ “المشاركة القتالية فى مقابل التمويل”. وهو المسار الأسوأ لأى مجاهد. لهذا تغاضى التنظيم عن إنحرافات خطيرة فى تركيبتة التنظيمية المحلية ، ومسار عمله الجهادى فى تلك المناطق . وقد إعترض التنظيم المركزى على بعضها ولكن (بعد خراب مالطا) كما يقول المثل.

ولأن إسم القاعدة فى ذلك الوقت كان هو الأعلى والأهم بين كل التنظيمات السلفية الجهادية ، وكانت القيادات الشبابية الجديدة فى تلك الميادين لا تمتلك شهرة القاعدة ولا جاذبيتها ، فقد إختارت تلك القيادات المحلية الإعلان إنضمامها للقاعدة ـ لإستخدام إسم القاعدة وشهرتها . ودعمتهم القاعدة بمدربين وكوادر عسكرية خدمت سابقا فى أفغانستان . فوصلت القاعدة إلى مصادر تمويلية جديدة كانت تدعم الجماعات القتالية فى العراق وسوريا واليمن . فمنحها ذلك إمكانية الإستمرار والبقاء على مسرح الأحداث .

بعض أفرع القاعدة فى الميادين البعيدة ـ خارج المنطقة العربية ـ تمكنت فى الوصول المستقل إلى منابع التمويل السعودى والخليجى ، أو تمكنت تلك المصادر من الوصول إليها والعمل المباشر معها من خلف ظهر التنظيم الأم الذى إزداد تفككا وضياعاً، وفقد القدرة على تحديد إتجاهه أو الهدف من وجوده . وعانى من مشكلة قيادة بعد إختفاء بن لادن. الذى ظل مكانه فوق قمة التنظيم شاغراً. فالتنظيم شأن باقى التنظيمات العربية كان تنظيم الرجل الواحد والقائد التاريخي ـ الذى من بعده يأتى الفراغ أو التيه والضياع . هكذا هى”القاعدة” بعد أن فقدت بن لادن، ومن قبلها الإخوان المسلمين بعد فقدهم حسن البنا، فلا يعود التنظيم إلى ما كان عليه أبدا.

 

الإخوان المسلمون ، وقيود التمويل :

– فى عهد مؤسسها الشيخ حسن البنا إعتمدت الحركة بشكل كامل تقريبا على التبرعات الشعبية من جمهور الحركة ومؤيديها من الطبقات الشعبية والتجار وأصحاب الملكيات الزراعية . وقد أمَدَّتْ الحركة التحركات الشعبية الفلسطينية بالأموال. وأحيانا بكميات قليلة من الأسلحة قبل حرب 1948.

وأرسلت الحركة أفضل من قاتلوا فى تلك الحرب، وتكفلت بمعظم نفقاتهم. وتكفل الجيش المصرى بتسليحهم وألحقهم بتشكيلاته المحاربة فى فلسطين. ومع نهايات الحرب تم إعتقال مجاهدى الإخوان وهم على أرض فلسطين ، داخل وحداتهم العسكرية فى الجيش المصرى. ولم يلبث أن أغْتيل حسن البنا. وما زالت الحركة تعانى من تلك الخيانة المريرة حتى الآن.

– فى تجارب سوريا واليمن وأفغانستان . كان دور الجماعة الدولية هو دور السمسار ومقاول الأنفار ، وجهاز الدعاية المساعد ، وماكينة الدعم الشرعى لمشاريع أمريكا فى المنطقة العربية والإسلامية . فاستفادت الحركة مالياً وسياسياً وأصبحت رقما لا غنى عنه فى ذلك المجال الذى تنتعش أعماله باستمرار.

ذلك الدور هو تصريح بقاء للجماعة ، فالأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة مازالت فى حاجة إلى الدور الإسلامى للإخوان ، جهاديا ودعويا وفى مجال الثورات الملونة (للربيع العربى) .

ويمكن إستنتاج أن جماعة الإخوان تؤدى دورها، بمنطق إقتصادى تجارى، فى بورصة جهادية ذات عائد مالى وسياسى جيد.

 ليس لجماعة الإخوان قوة قتالية خاصة بها ، لكونها مجرد سمسار قتالى . ولكن وزنها السياسى المكتسب من ذلك الدورجعلها عنصراً يحسب حسابه . مع أنها تواجه تحديا خطيراً من”داعش” التى هى أكبر جهاز قتالى إرتزاقى دولى يحمل شعارا إسلاميا.

ولكن ذلك التحدى محصور فى المجال العسكرى فقط لأن داعش مجرد صفر سياسى .

فالإخوان يجاهدون بلا مقاتلين، وداعش تقاتل بلا سياسيين. وبصياغة أخرى: الإخوان يحاربون بمقاتلى غيرهم ، وداعش تديرها قيادات سياسية من خارجها. أما إستثمار داعش سياسياً فتقوم به عدد من الأيدى “الإسلامية”التى تمولها. وعلى رأسهم تركيا والسعودية والإمارات وقطر وباكستان وأفغانستان. فكل جهة من تلك الجهات تمتلك قدراً من التوجيه على الدواعش الخاضعين لها .

 

قريبا فى موقع مافا السياسى

ــ الجزء الثالث ــ

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

16-06-2020

 




مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الأول )

 

فريضة الجهاد هى (ذروة سنام الإسلام )، لأنها تمثل وسيلة الدفاع الجماعى الذى تمارسه الأمة دفاعاً عن نفسها وعن حقوقها الدينية والمادية وحفاظا على حريتها ، ضد أى عدوان خارجى ، وضد أى إنحراف داخلى بممارسة ظلم شديد وإضهاد. إن القتال فى سبيل الله يشمل القتال لأجل حقوق المستضعفين كافة :{ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴿٧٥﴾ } – النساء.

– فأجتهد الطغاة من داخل الأمة وخارجها ، لطمس فريضة الجهاد ـ أو تضليلها لتأخذ غير مسارها الشرعى الصحيح . فاجتهدوا لمنعها تماما بشتى الذرائع . مثل أنها من أعمال العنف والإرهاب ـ مستفيدين فى ذلك من إنشاء جماعات إجرامية متهوسة يستخدمونها فى أعمال بشعة ينسبونها إلى الجهاد ، وذلك لتنفير الناس / مسلمين وغير مسلمين/ من الجهاد بل من الإسلام ذاته . ثم تشريع قوانين تجرم فعل الجهاد ، وينبرى مشايخ السلطة وعلماء السؤ لإطلاق فتاوى تطال الأصول الشرعية للجهاد وتبطله . وتمجد الظلم والظالمين سواء كانوا من الداخل أو من الخارج .

– بعد قرون متوالية من تجاهل الإسلام ، نسى الناس حقيقيته ، فهجروا الكثير من تكاليفه وأهمها الجهاد . والحكام إستخدموا ـ إسم الجهاد ـ لتوسيع سلطانهم على رعاياهم أو خارج الحدود ، إلى أراضى الجيران ـ حتى لو كانوا مسلمين أيضا.

– حرب فلسطين عام 1948 أوضحت شيئا عن مفهوم الجهاد ، وبدأت فى إيقاظ المشاعر الإسلامية الكامنة . لم تستمر الحرب طويلا، وسرعان ما خمدت ، ليظهر أنها كانت جزء من مسرحية لنقل ملكية فلسطين إلى اليهود كجزء من صفقة عالمية. وكان المجاهدون جزء من تمثيلة الحرب ، وضحية بريئة تخيَّلَت أن ما يحدث جهادا وليس مؤامرة على دينها ومقدساتها وبلادها .

– جاءت حرب أفغانستان ضد السوفييت واستمرت سنوات متتابعة وبعنف كبير، وسقط فيها آلاف الشهداء وكان العنصر الدينى فيها بارزا بل وحاسما . ومشاركة غير الأفغان كانت مشهودة وواضحة فأعطت للجهادة بعده كشعيرة تؤديها الأمة . وكانت المؤامرة على ذلك الجهاد واضحة . ولمس الشباب المجاهد أن ما يجرى هو أخطر وأعقد بكثير مما تخيلوه . وكانوا يفتقدون إلى الخبرة وإلى القيادة وإلى التنظيم . فابتلعتهم شباك العدو، وكانت قياداتهم غير مؤهلة لهذا الدور الذى تورطت فيه بالصدفة. وتأهيل الشباب وقادتهم، الفقهى والسياسى، لم يكن يمكنهم من أداء أكثر مما قاموا به بالفعل ــ أى بغال تحميل ــ تجاهد بكل حسن نية ولكن على غير بصيرة . فابتلعهم صراع دولى جبار لا يرحم، ولا يعطف على المغفلين بل يعتصرهم حتى آخر نقطة دم ، ثم يلفظهم إلى المقابر أو المعتقلات .

فيما يلى جزء من مقدمة كتاب ( 15 طلقة فى سبيل الله) عن تجربة العرب فى أفغانستان. أجعله منه مقدمة لما شرعت فى كتابته عن موضوعنا : (مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح)) :

كانت أفغانستان هي الحدث الأول على الساحة الدولية ـ وبالتالي الساحة الإسلامية ـ     وقرر الغرب بزعامة أمريكا أن يلعب بالورقة الإسلامية لإحراج منافسه السوفييتي . وأعطيت الأضواء الخضراء كي تنطلق أكبر حملة مساندة في العالم الإسلامي خلال هذا القرن لنصرة ـ الجهاد الأفغاني ـ بالأموال ، بدماء الشباب ، بالإعلام . وصارت أفغانستان قضية المسلمين الأولى .

وما أن أتم السوفييت إنسحابهم من أفغانستان ثم سقط النظام الشيوعي في كابل بعد ذلك بثلاث سنوات  تقريبا ، حتى إنقلبت الصورة رأسا على عقب وتبدلت المواقف والتحالفات . تحول الأعداء إلى أصدقاء ، والأصدقاء إلى أعداء ، وتحول المجاهد مجرماً مطارداً ، والمجرمون أصبحوا زعماء مسيطرين وزالت الإيديولوجيات وعم السلام تحت راية القطب الأوحد ولم  يتبق للعالم أجمع إلا عدو واحد هو  (الأصولية الإسلامية) !!. وجاءنا نظام (دولي جديد) يدافع عن حقوق الإنسان وحرية التجارة وينشر الديموقراطية، ولا يرى غير الإسلام عدوا لدودا يهدد طريقته المثلى, و يظهر في الأرض الفساد . أعلن ذلك النظام البشع عن ميلاده على أرض جزيرة العرب عندما وطأتها أرجل الجيوش النصرانية واليهودية ، في الحرب التي أسموها حرب تحرير الكويت. النصر الذي تحقق على أرض أفغانستان ضد الجيش الأحمر السوفييتي أدى إلى هيمنة أمريكية مطلقة  على العالم .

أما على الجانب الإسلامي فقد تحول إلى كارثة إسلامية شاملة ، في صورة حرب صليبية دولية ضد الإسلام  كان أول من دفع ثمنها هو الشعب الأفغاني نفسه الذي أوقدوا على أرضه حربا حزبية قومية تدمر أول ما تدمر آثار الجهاد بل آثار الإسلام في تلك البلاد ، التي شهدت أكبر نصر عسكري للمسلمين منذ عدة قرون . وأول من دفع ثمن النصر الإسلامي في أفغانستان ، هم هؤلاء المتطوعون العرب الذين نالوا النصيب الأوفى من الإضطهاد والملاحقة وتشويه السمعة ، سواء من الغرب أومن الحكومات الإسلامية, خاصة في باكستان, أو الحكومة الإسلامية في أفغانستان نفسها. وتلك أعظم المفارقات وأكثرها إيلاما.

ورغم تفوق تكنولوجيا السلاح في الغرب ، إلا أن حملاته الإعلامية أشد فعالية وتأثيرا من حملاته العسكرية . ومن الواضح أن المال  والإعلام هما السلاحان الرئيسيان في يد اليهود للسيطرة على الغرب ومن ثم العالم بأجمعه.  وقد تسلطت الآلة الإعلامية الدولية على رأس المتطوعين العرب في أفغانستان ، حتى صاروا أشد  فئات المجرمين الدوليين خطورة في نظر العامة وليس فقط الحكومات. لقد تشتت ذلك التجمع النادر المثال ولوحق  في أصقاع الأرض ، ومن تبقى حتى الآن في أفغانستان ـ لا يتعدى عدة عشرات ـ يعيش على خوف وتوجس من بوادر إنقلاب إفغانى ضدهم بتحريض أمريكي/ إسلامي  !!! ذلك المجهود الإعلامي الدولي ، والذي ساهم في جعل أفغانستان قضية العالم الأولى لأكثر من عشر سنوات ، أعمل معاول الهدم في الشعب الأفغاني نفسه وشوه صورته عالميا .

وهكذا فإن من  ساهموا في صنع ذلك النصر التاريخي الفريد على أرض أفغانستان قد تحولوا جميعا إلى مجرمين منبوذين على مستوى العالم أجمع  ـ يستوي في ذلك العرب والأفغان ـ بينما فازت أمريكا بصدارة العالم بلا منازع  وإلى حين إشعار آخر .

مصطفى حامد

معسكر الفاروق خوست

الأحد 7 أغسطس 1994م  

 

 

بين أفغانستان وفلسطين مع الشيخ عبدالله عزام .

وتستمر الصفحات الأولى من الكتاب المذكور على النحو التالى :

في البداية كنت أنظر حولي وأشعر بغصة ألا أجد أحدا من أبناء جيلي.  لذلك شعرت بالفرح عندما قابلت الشيخ عبد الله عزام لأول مرة في بيشاور في سبتمبر 1984م كان من نفس الجيل وإن كان أكبر مني بثلاث سنوات ، يومها شعرت أنني لست وحيدا . ولكن لسوء الحظ ، فإن اختلاف رؤيتنا للأحداث ومواقفنا منها أدى لأن تكون علاقتي معه فاترة ومتحفظة وإن سادها الإحترام المتبادل. هناك خيط مشترك يربط أبناء الجيل الواحد مع بعضهم البعض بسبب معايشتهم لنفس الظروف والأحداث . لهذا كان هناك قدرا مشتركا ـ لا بأس به ـ بيني وبين الشيخ عبد الله عزام تجاه قضية أفغانستان والموقف منها بشكل عام . وكان أكبر نقاط التنافر بين مواقفنا هو تقييم قادة الأحزاب الأفغانية ودورهم في القضية . فبينما مضى هو إلى أقصى حد في تمجيدهم خاصة الثلاثي: سياف ،حكمتيار،رباني، ذهبت أنا إلى الطرف المناقض تماماً .

–  كنت متفقا مع الشيخ عبد الله على أن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة أمام الأمة الإسلامية للدفاع عن دينها ومصالحها في مواجهة القوى المتكالبة عليها، وأن المعركة الرئيسية للمسلمين هي معركتهم مع اليهود والصليبية المتحالفة معهم .

وأن أفغانستان هي فرصة نادرة لمسيرة الجهاد التي ينبغي أن تستمر وتتصاعد وأن تكون أفغانستان هي المدرسة الكبرى للممارسة العملية على نطاق الأمة .

 

جيلنا كان وافر الحظ مع الحروب، فقد جاء جيلنا إلى الحياة مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وقبل أن يدرك ما حوله نشبت حرب 1948م بين اليهود والعرب وضاعت معظم فلسطين وظهرت إسرائيل كأبشع حقيقة سياسية في حياة العرب المعاصرين.

تلتها سلسلة من الإنقلابات في العالم العربي كرست عملية الإنتقال من التبعية للإستعمار البريطاني والفرنسي إلى التبعية الجديدة للإمبريالية الأمريكية. ثم حرب 1956م بين مصر من جانب وإسرائيل مدعومة بفرنسا وبريطانيا من جانب آخر . وفي عام 1967 كانت أبشع الهزائم العربية في التاريخ الحديث أمام إسرائيل وضاعت بقية فلسطين مع مساحات شاسعة من الأراضي المصرية والسورية .

وفي عام 1973م كانت حرب (التحريك) بين مصر وسورية من جانب وإسرائيل من الجانب الآخر وفعلا تحركت المنطقة نحو مسيرة طويلة  للتسوية السلمية مع إسرائيل لتنتهي بها إلى إستسلام كامل للهيمنة الإسرائيلية على كامل المنطقة العربية مع إعتراف بالقطب الأمريكي المسيطر الأوحد على الساحة الدولية. وفي أبريل 1978م كان الإنقلاب الشيوعي في أفغانستان تلاه الغزو السوفييتي في ديسمبر 1979م ، وبدأ نجم الجهاد في أفغانستان يبزغ على إستحياء حتى تلقفته الدوامة الدولية. ولمدة عشر سنوات كان الجهاد والمجاهدون في أفغانستان هم حديث الساعة عالمياً.

بدا لنا أن الفرصة سانحة وأن الراية التى رفعت فى جبال أفغانستان ينبغى أن تظل خفاقة حتى النصر وأن تواصل المسير فى الآفاق حتى تعود للمسلمين دولتهم وعزتهم.   هكذا كنا نحلم -وفي هذا الإتجاه حاولنا أن نعمل – أما النتائج فكانت شيئا آخراً .

كانت هناك عدة فروق بين الحرب في أفغانستان والحروب التي شهدتها المنطقة العربية مع إسرائيل . وهي فروق أدهشت الشعوب العربية وجعلت الإسلاميين فيها ينجذبون إليها . ـ لقد قام الأفغان ضد حكومة شيوعية مدعومة بقوة عظمى ومع ذلك لم يستسلموا بل تصاعدت مقاومتهم .

ـ رفع الأفغان شعار الجهاد فأجج ذلك مقاومتهم وأكسبهم تعاطف المسلمين في كل مكان . ولما كان جيلنا قد أدرك متأخرا أن الحروب العربية ـ الإسرائيلية إنما هي حروب من جانب واحد تواطأت فيها الحكومات العربية ـ التي لا تتولى السلطة إلا بموافقة ومساعدة القوى الغربية ـ وذلك لفرض الهزيمة على الشعوب العربية وتكريس سيادة إسرائيل على المنطقة .

لهذا صار لزاما على هذه الحكومات أيضا أن تعمل ضد الإسلام نفسه ، وتعمل على إضعافه أو إقتلاعه من المنطقة حتى يسهل إستقرار وسيطرة اليهود عليها . رغم صغر حجم إسرائيل وقلة سكانها من اليهود إلا أنها استطاعت أن تفرض إرادتها على دول المنطقة . وجيوشنا كانت سريعا ما تنهزم وتفر أمامهم في ميادين القتال وإذا قاتلت فلأيام معدودة يبدأ بعدها سيل من الإتفاقات وعهود السلام . والشعوب ضعفت عقيدتها وانهارت معنوياتها وأصبحت تقبل بأي شيء في مقابل إستمرارها في حياتها المهينة . ثم جاءت أفغانستان لتقدم صورة مناقضة تماما لتلك الصورة العربية الكئيبة . في أفغانستان شعب خشن ذو عزيمة وتصميم يقاتل لأجل الإسلام ، ويتحمل أهوالا  تعجز الجبال عن تحملها والأعجب أنه يحقق إنتصارات ضد أقوى جيوش الأرض : الجيش السوفييتي .

إنه الصورة المناقضة لحالنا ، والحلم الذي يراود المسلمين يتحقق أخيرا . لقد تخيلنا أن الأمل بدأ يتحقق ، ومن أفغانستان سوف تخرج جيوش الفتح الإسلامي.

لهذا جئت إلى أفغانستان ، وجاء غيري مئات وآلاف من الشباب ، لتبدأ ملحمة العرب في أفغانستان ، كواحدة من أغنى تجاربنا الإسلامية الحديثة.

عندما نشبت حرب فلسطين عام 1948 كان الجهاد مازال حيا في الذاكرة الشعبية للعرب ، وتبنته جزئيا وسائل الإعلام العربية في ذلك الوقت من خلال الأغاني والأناشيد الحماسية . وضع الإنجليز مخطط حرب فلسطين ، بهدف إخراج الهزيمة بشكل مسرحي ـ تشارك فيه  (حكومات الردة الوطنية) عن عمد ـ بهدف تحطيم معنويات الشعوب ودفعها تدريجيا للإستسلام لليهودية الدولية. وأعطى هذا المخطط ثمارا يانعة في السبعينات وحتى الإستسلام الكامل لليهود في التسعينات من هذا القرن .

لقد كانت حرب فلسطين عام 1948م تجربة غنية للعمل الإسلامي مليئة بالدروس والعبر. ولكن للأسف عندما خاض المسلمون في التجربة الأفغانية لم يستفيدوا من تلك الدروس  وكرروا الأخطاء ـ بل زادوا عليها ـ ثم تعرضوا لنفس النكسات والضربات الأليمة و بالطريقة نفسها تقريبا مع تحويرات تتناسب والتغيرات في الزمان والمكان والملابسات المحيطة .

لقد كانت بريطانيا هي القوة المهيمنة على كل الحكومات العربية والمحتلة لأكثر الدول العربية المحيطة بفلسطين ، ونفذت بريطانيا مخططها في فلسطين وفي الحرب الفلسطينية عام 1948م عبر الحكومات العربية التي دخلت الحرب بسبعة جيوش. وفي الحالة الأفغانية كانت أمريكا منذ عام 1981م هي القوة المهيمنة على الحرب الأفغانية , وتحركت مع مجموعة من الحكومات  خاصة الحكومة السعودية  والباكستانية. وكانت أدواتها على الساحة الأفغانية هي الأحزاب الأفغانية المسماة بالمنظمات الجهادية وعددها سبعة منظمات، وهو نفس عدد الجيوش التي دخلت حرب فلسطين تحت إمرة الجنرال جلوب باشا الإنجليزي.

وقد تحكمت المخابرات الأمريكية إلى درجة كبيرة بالعمل  القتالي في أفغانستان بواسطة جهاز المخابرات الباكستاني (ISI) والذى أنشأه ضياء الحق عام 1979م بهدف التدخل في أفغانستان التى تحولت إلى الشيوعية. في الحالتين دخلنا الحرب بقيادة جنرالات كفرة أو (أشباه مسلمين).

ومع هذا لم تستطيع الولايات المتحده أن تحكم سيطرتها على جهاد الشعب الأفغانى بنفس القدر الذى أحكمت به بريطانيا سيطرتها على الجيوش العربيه فى فلسطين. فالجيوش العربية الضعيفة التجهيز والمعنويات، والشعوب العربية المقهورة بحكومات مستبدة والبعيدة عن دينها، كان من السهل، ومازال، إيقاع الهزيمة بها وإرغامها على تجرعها حتى الثمالة، ثم القبول بالأمر الواقع. أما الشعب الأفغانى ذو الطبيعة القتالية، والتركيب القبلى، والمتمرس على القتال والمتعصب لدينه، فكان التحكم به صعبا، لذلك إستطاعت القوى الإسلامية المخلصة في أفغانستان رغم التعب الذي أصابها ، أن توقع الهزيمة بالسوفييت ثم أسقطت النظام الشيوعي في كابل.

كل ذلك رغماعن كل المحاولات الأمريكية للخروج بنتيجة لا غالب ولا مغلوب ثم تشكيل     حكومة علمانية تقود البلاد تحت نفوذ أمريكي سوفيتي مشترك . ـ كانت حرب فلسطين في حقيقتها هي (دعوة إلى وليمة الهزيمة).

بريطانيا هي صاحبة الدعوة والجيوش العربية السبعة هم ضيوف الشرف . فما هو دور المتطوعين المسلمين ؟ … ولماذا سمحت لهم بريطانيا بالمشاركة ؟

أولا : سمحت بريطانيا للإخوان المسلمين بالمشاركة العسكرية في فلسطين حتى يصبحوا شركاء في الهزيمة المنتظرة فلا يكون لهم فضل على الأنظمة ولا يزايدون عليها بإسم الإسلام .

ثانيا : إستطلاع عمق الشعور الجهادي داخل الجماعة وفي صفوف الشعوب العربية .

ثالثا : كشف العناصر الناشطة إسلاميا والفاعلة جهاديا وتقديمها إلى صفوف القتال للقضاء عليها . وقد كان المجاهدون من صفوف الإخوان يكلفون بأخطر المهام القتالية في ميدان القتال . ويعلم الإنجليز بخبرتهم العسكرية أن الإخوان كقوات فدائية سوف يصابون بأعلى الخسائر في لأرواح.وكان ذلك هو المطلوب .

رابعا : بعد إشراكهم في الهزيمة وتقديمهم قرابين بشرية لنيران اليهود ، تتكفل أجهزة الأمن المصرية ـ وغيرها ـ بتصفية الباقين في المعتقلات وعلى أعواد المشانق .فقبل قليل من إنتهاء الحرب صدرت الأوامر للجيش المصري بنزع سلاح كتائب الإخوان المسلمين.

فقام ضباط الجيش المصري بنزع سلاح زملائهم من وحدات الفدائيين المسلمين ، الذين قاتلوا إلى جانبهم وأنقذوهم من عشرات المآزق القاتلة ومن الهلاك في حصار الفالوجا وغيرها .

ثم وضع ضباط الجيش المصري زملائهم من كتائب الإخوان المسلمين في سجون الوحدات العسكرية حتى إستلمتهم السلطات المصرية ووضعتهم في معتقلات نائية بدون أن تسمح لهم حتى بالعودة إلى الوطن لزيارة عائلاتهم . أي من الجبهة إلى المعتقلات .

والغريب أن هؤلاء المتطوعين في فلسطين قد إستمر إعتقالهم وإضطهادهم حتى جاء الإنقلاب العسكري عام 1952م. (ثورة يوليو) فلفقت لهم القضايا وتم إعدام عدد منهم واعتقال آخرين تحت ظروف التعذيب الوحشي حتى قتلوا. ولم ينج منهم إلا أفراد قلائل فروا من  مصر قبل إعتقالات عام 1954م, ولم يتمكنوا من العودة إليها مرة أخرى رغم مرورعشرات السنين على حرب فلسطين. أما عناصر الإخوان الذين لم يشاركوا في القتال فقد سمح لهم السادات في بداية عهده بالعودة إلى مصر في إطار معين للحصول على لقب الرئيس المؤمن. وكان ذلك نصف الطريق المرسوم له من الغرب ، أما النصف الآخر فقد أنجزه بعد حرب أكتوبر 1973 م بحصوله على لقب بطل الحرب والسلام . عندئذ صار الطريق مفتوحاً أمامه لتوقيع إتفاقية الإستسلام مع إسرائيل بصفته الكاملة وهي: “الزعيم المؤمن بطل الحرب والسلام” .

أي أنه في حالتي الحرب 1948 والسلام 1977م كان الإسلاميون عرضة للإستغلال من جانب الغرب، وحكومات العلمانية الوطنية، في تنفيذ مخططاتهم ضد الإسلام في المنطقة العربية.

هذا ما حدث مع الإسلاميين في قضية فلسطين فماذا حدث معهم في قضية أفغانستان؟؟.

 

إن التشابه كان مدهشا بين الحالتين:       

لقد بدأ تسرب المجاهدين العرب إلى أفغانستان ، وكان هناك في البداية تضييقا على حركتهم نحو الحدود الأفغانية. وكان حكم الجنرال ضياء الحق في باكستان لا يرغب في تصعيد إجراءات منع العرب من النفاذ إلى أفغانستان من أجل الجهاد وذلك لأسباب داخلية كثيرة ، ولتحالفه في ذلك الوقت مع التيار الإسلامي في باكستان لمواجهة المد الشيوعي والعلماني المتحالف مع الهند وموسكو من أجل إسقاط نظام حكمه .

وقررت أمريكا مع زيادة تورطها في القضية الأفغانية أن تلعب بالورقة الإسلامية في مواجهة موسكو لإحراجها في كل العالم الإسلامي . وللإستفادة من دماء المسلمين المبذولة بسخاء في ميادين الجهاد وأموالهم المتدفقة لمساعدة المجاهدين كي تخوض أمريكا حلقة في إطار الحرب الباردة لا تكلفها شيئا تقريبا.

وقررت أمريكا أن تقوم الخزينة السعودية بتمويل الحرب في أفغانستان ، أما الدماء في المعارك فسوف يتسابق المجاهدون العرب والأفغان لبذلها في سبيل الله . أما أمريكا فدورها  التوجيه والتخطيط ثم جني الثمار ـ وحدها فقط ـ وإن إستدعى ذلك قتل شركائها. فقتلوا ضياءالحق ثم تميم العدناني ثم عبد الله عزام ثم دمروا التواجد الجهادي العربي في باكستان وأفغانستان بحملات بوليسية وإعلامية مركزة  .

 

والإشتراطات الأربعة التي وضعتها بريطانيا لمشاركة المجاهدين العرب في حرب فلسطين كانت هي نفسها الإشتراطات التي وضعتها أمريكا لاشتراك المجاهدين العرب في أفغانستان . ولنستعرضها مرة أخرى في الحالة  الأفغانية :

 

أولا :

تصورت أمريكا أن دعوة المتطوعين العرب للجهاد في أفغانستان هي دعوة على مائدة الهزيمة. لأن خيوط القيادة والتوجيه تنتهي إلى اليد الأمريكية والقرار الأمريكي ، ولأن اللاعبين الرئيسيين هم من الأتباع المخلصين إما لأمريكا مباشرة:  باكستان و السعودية ثم مصر.  أو أتباع مخلصون لأتباع آخرين مخلصين  مثل قادة المنظمات الجهادية الأفغانية , وكلهم تابع لهيئة الإستخبارات الباكستانية (آي،إس،آي). ويتلقى أوامره اليومية ومساعداته من أموال وأسلحة من أيدي موظفي الحكومة الباكستانية.

 ثانيا:

أرادت أمريكا أن تسبر غور التيار الإسلامي في المنطقة العربية بعد سنوات من الإنفراج النسبي في العلاقة معه ، وأن تكتشف عمق المشاعر الجهادية والناشطين جهاديا باعتبارهم أول خصومها في المنطقة وأكبر المخاطر على إسرائيل ومشروعها الشامل للسيطرة.

ثالثا :

أن القتال في أفغانستان لن يكون نزهة على أية حال ، والمتطوعون العرب المملوءون حماساً وغير المدربين وغير المنظمين لن يكونوا سوى فريسة سهلة للنيران السوفييتية. وهذه  أرخص السبل وأسرعها للقضاء عليهم قضاء إختيارياً لا يحرج أحدا من الحكومات . وعلى هذا الأساس سهلت الحكومات العربية خروج شبابها للجهاد في أفغانستان، وقدم بعضها تسهيلات كبيرة .

رابعاً :

إذا استطاع أحد من المتطوعين العرب أن ينجو من نيران الجيش الأحمر ، فإن جيوش المخابرات في أنظمة الردة سوف تتولى أمره  كالمعتاد . ويمكن تلخيص تلك الخطوات الأربعة بأربعة عناوين هي:

إستدراج ــ إستطلاع ــ إغتيال ــ تصفية . خطوات أربعة تكررت كما هي ضد المجاهدين العرب في فلسطين ثم في أفغانستان على أيدي نفس الفئات:  اليهود والصليبية والمرتدون . فكم من المرات سوف نلدغ من نفس الجحر؟ . دعنا نتأمل في بند التصفية لنرى مكوناته وكيفية تنفيذه في الحالتين :حرب فلسطين والحرب الأفغانية.

أ ـ لقد شملت التصفية في الحالة الفلسطينية في أول لحظة المقاتلين الإسلاميين ، وفور أن إنتهت الحرب، ولم يسمح لهم أن تطأ أقدامهم أرض الكنانة ، فقد إعتقلوا داخل الوحدات العسكرية العاملين معها .

ب ـ وبعد فاصل زمني قصير أصدرت الحكومة قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق مراكزها وإعتقال جميع المنتمين إليها .

جـ ـ ثم كانت الخطوة الأخيرة هي إغتيال قائد التنظيم ، الشيخ حسن البنا ، في أحد شوارع القاهرة أمام المقر الرئيسي للإخوان . وقد تمت الخطوات الثلاث خلال عدة أشهر. ومن المعلوم أن مشاورات مكثفة حول برنامج التصفية قد جرت بين الدول الثلاث: الولايات المتحدة ، بريطانيا ، فرنسا .

وبالطبع فإن إسرائيل والقوى اليهودية العالمية كانت هي الموجه الرئيسي لتلك الإجتماعات . إذن فأهداف التصفية ثلاث عناصر:

أ ـ المقاتلين    ب ـ التنظيم     ج ـ القائد

والقائمون على التصفية ثلاث فئات هم:

أ ـ اليهود  للتوجيه والتحريض.

ب ـ الصليبيون للتخطيط.

جـ – المرتدون  للتنفيذ والتمويل.

وقد يتعجب البعض من كون التمويل هو من نصيب المرتدين وليس الصليبيين أو اليهود. ولكن هذا ما حدث في الحالتين الفلسطينية والأفغانية . فميزانية الدولة المصرية تحملت تكاليف عملية تصفية الإخوان المسلمين عام 1948م  وما تلى ذلك من حملات. أما في الحالة الأفغانية فإن ميزانية الدولة السعودية قد تكلفت بسداد جميع الفواتير التي أمرت الولايات المتحدة الحكومة السعودية بسدادها.

ولننظر إلى برنامج تصفية المجاهدين العرب في أفغانستان لنرى أوجه التشابه والإختلاف     بين الحالتين .

أ ـ بدأت عملية التصفية بقتل الشيخ عبد الله عزام في بيشاور  نوفمبر 1989م  أي بعد إنسحاب الروس من أفغانستان بتسعة أشهر فقط . كان ضياء الحق قد اغتيل في أغسطس من نفس العام ، كما أغتيل مساعد الشيخ عبد الله عزام وهو تميم العدناني، أثناء علاجه فى أمريكا، قتلوه بالسم وظهرت الوفاة طبيعية  .

ب ـ أما تصفية المقاتلين والتجمع العربي في باكستان فكان من المفترض أن يعقب عملية إغتيال الشيخ عبد الله عزام مباشرة في صورة حملة إعتقال شاملة . ولكن حساسية وتعقيد الوضع السياسي في باكستان وأفغانستان والحرب الدائرة في أفغانستان جعلا العملية مستحيلة فأحجمت عنها حكومة باكستان ، ولم تتح الفرصة إلا بعد انتهاء الحرب الأفغانية فبدأت حملة شاملة ضد العرب في 5 /4/1993م أعقبتها حملات نفسية وبوليسية أسفرت عن نتائج ـ حتى وقت كتابة هذا الكتاب ـ هي :

– تصفية الجانب الأعظم من التواجد العربي الجهادي في أفغانستان ولم يتبق إلا أفراد قلائل مشتتون .

ـ تصفية التجمع العربي في بيشاور وتم إستبداله بمجموعات من الموظفين العرب العاملين مع هيئات الإغاثة العربية .

لقد سجنت الحكومة الباكستانية عشرات من المجاهدين العرب وأبعدتهم خارج البلاد ، وفرت عشرات الأسر العربية إلى الخارج وتم تلفيق عدة قضايا مخدرات لعدد من المجاهدين العرب. وتم البرنامج تحت رعاية مباشرة من السفير الأمريكي في باكستان مع لجان أمنية عربية و إسرائيلية .

 

برنامج التصفية في الحالة الأفغانية قد شارك فيه:

أ ـ إسرائيل والقوى اليهودية العالمية.

ب ـ الولايات المتحدة التي أصبحت القوة الأولى في العالم بعد هزيمة السوفييت في أفغانستان.

جـ ـ المرتدون وأهمهم الحكومة السعودية ، النظام المصري  ، الحكومة الباكستانية  كما شارك النظام التونسي والجزائري كقوى ثانوية تطالب برؤوس رعاياها في باكستان وأفغانستان. لقد تعهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بعد إنتصاره على العراق في مسرحيته الهزلية “حرب تحرير الكويت”, صرح بأن بلاده سوف تطارد “العرب الأفغان” ـ كما أسموهم ـ في صحاري العالم . إنها نفس السياسة ، فكما أن مجاهدي الإخوان في فلسطين دفعوا وما زالوا يدفعون الثمن حتى هذه اللحظة ، فإن المجاهدين العرب في أفغانستان العرب الأفغان سوف يطاردون في أقطار الأرض وليس في بلدانهم فقط .

وهناك أحداث تشير إلى أن عملية الملاحقة ضدهم فى العالم كله مستمرة. فأجهزة الإستخبارات في  أوروبا صرحت علانية أنها تراقب العرب الذين وفدوا إليها من باكستان بعد طردهم من هناك ، وأنها سوف تطارد المتطرفين منهم وتعتقلهم .

أما في البلاد العربية فالأمر لا يحتاج إلى تعليق فهناك حاليا قانون في مصر يتكفل بإعدام كل مصري جاهد في أفغانستان. ولم يتبق ملجأ لهؤلاء المجاهدين حاليا غير السودان واليمن .

وتعيش هاتان الدولتان في ظل حصار وتآمر دولي شديد ، فقد أشعلت أمريكا وحلفاؤها حربا أهلية في اليمن لتقسيمها ولكن خطتهم فشلت . أما السودان فيعيش في ظل حصار اقتصادي دولي خانق ، وحرب في الجنوب تمولها السعودية والصليبية الدولية .

إن مطاردة المجاهدين العرب ـ في فلسطين وأفغانستان ـ هو قرار لا يتقيد بمدة محددة . ورغم أن القانون الوضعي يسقط التهم بعد مرور فترة من الزمن ـ عشرون عاما ـ إلا أن مجاهدي فلسطين ما زالوا ممنوعين من دخول مصر حتى الآن ، رغم أنهم الأن تخطوا الخامسة والستين من العمر . ومنذ شهرين فقط سمحوا  لأحدهم أن يدخل مصر وهو في حالة احتضار كي يموت هناك بعد أيام من وصوله, وكانت حالة استثنائية نادرة . رأينا كيف أن الجهات التي تآمرت ضد المجاهدين العرب في فلسطين وأفغانستان هي نفس الجهات ، وأن مخططهم هو نفسه من حيث الجوهر . والعمل الإسلامي الجهادي كان واحدا من نفس الجوهر وهو خروج جماعات من شباب المسلمين لنصرة إخوانهم في الدين ، ولكن  خارج  الحدود الوطنية التي فرضتها عليهم الصليبية الدولية بعد إنهيار الدولة العثمانية آخر خلافة للمسلمين. ولقد جوبه هذا التحرك الإسلامي بقمع دولي.

لأنه من وجهة النظر الصليبية فإن العمل الإسلامي ينبغي أن يحترم الحدود الوطنية التي وضعها الصليبيون. وحتى إن أمكن ، ينبغي أن يكون للجهاد فهما وطنيا،فأطلقوا مصطلح “الجهاد الأفغاني” لإكساب الجهاد صبغة وطنية وذلك لأول مرة في تاريخ المسلمين.

والعجيب أن وسائل إعلام الجماعات الإسلامية إستخدمت المصطلح المشبوه كما هو . ولكن تدفق المتطوعين العرب قد أبطل المكيدة وأعطى الجهاد مفهومه الإسلامي الأممى الصحيح، كحرب عقائدية وليست حرباً وطنية .

والملاحظ أن المجاهدين العرب في أفغانستان لم يستفيدوا من دروس الجهاد في فلسطين، وأكثرهم لم يقرأ إلا قليلا عما حدث عام 1948 م. وبشكل عام فإن دراسة التاريخ وأخذ العبر منه ليست واردة عند هؤلاء الشباب . ومازالت تلك الثروة التاريخية الإسلامية  منذ عام 1948 وحتى الآن  لم توظف بعد في خدمة التحرك الإسلامي المعاصر وبالشكل المناسب . وفي بعض الجوانب كان واضحا أن العمل الجهادي العربي في أفغانستان أشد تخلفا بكثير من العمل الجهادي في فلسطين ، رغم الفارق الزمني الكبير بين الحدثين.

أما تكرار نفس الأخطاء فهو يدل على أننا قوم لا نقرأ، وإذا قرأنا فإننا لا نفهم، وإذا فهمنا فإننا لا نطبق ما فهمناه . لقد دخل المتطوعون العرب حرب فلسطين وهم في حالة تنظيمية رائعة ، خاصة إذا قورنت بحالة العرب في أفغانستان .

1 ـ  كانت القيادة الدينية والتنظيمية مركزة في يد الشيخ حسن البنا مؤسس ومرشد الجماعة . ولم تكن هناك أي مزاحمة أو شك في جدارته بمنصبه .

2 ـ  كانت الجماعة في وضع تنظيمي جيد ومحدد ، وتتمتع بقاعدة شعبية واسعة من الأنصار.

3 ـ كان للمجاهدين تنظيما منفردا وملحقا بالجماعة( النظام الخاص) وكان يتم إختيار أعضائه من أفضل شباب الإخوان إلتزاما وخلقا وقوة جسمانية .

 

وإذا قارنا تلك الصورة بمثيلتها في أفغانستان نجد أن: 

1 ـ كان الشيخ عبد الله عزام يؤدي وظيفتي التحريض والتجميع بالنسبة للشباب العربي . فمعظمهم قد أتى إلى أفغانستان نتيجة لخطب الشيخ البليغة والمؤثرة . واتجه هؤلاء صوب بيشاور للمشاركة في الجهاد .

2 ـ لم يسفر التجمع العربي في بيشاور عن أي كيان منظم  وكان الشكل الغالب لمهام التجمع الذي أحاط بالشيخ عبد الله عزام هو تقديم خدمات للجبهات في أفغانستان وتقديم المساعدات بشكل مباشر إلى هناك . إضافة لمشاريع وخدمات تعليمية وصحية في أنحاء متفرقة من أفغانستان .

ثم بدأت بالتدريج تظهر التجمعات القطرية للجنسيات العربية المختلفة وظهرت لها قيادات وأعقب ذلك سلسلة من الإنشقاقات في كل تجمع من هؤلاء. كان تنظيم هؤلاء الشباب العرب عملية مستحيلة ، فالإتجاهات الفكرية والفقهية متباينة أشد التباين ، وأفكارهم عن المستقبل الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية أشد تباينا وغموضا. وإذا أضفنا إلى ذلك الإختراقات الأمنية العميقة والكثيفة لهذه التجمعات أدركنا مدى المأساة التنظيمية التي عاشها المجاهدون العرب في أفغانستان ، وبالتالي محدودية تأثير الشيخ عبد الله عزام على هذا التجمع . وندرك كذلك ضعف تأثير هذا التجمع على أفغانستان وباكستان قياسا بالإمكانات الهائلة التي إمتلكها من العناصر البشرية والمالية .

3 ـ بينما كان المجاهدون من إخوان 1948م ، منتقون من أفضل عناصر التنظيم . كما أنهم تلقوا تدريبا في معسكرات الجيش المصري قبل التحرك نحو فلسطين ، فإن المجاهدين العرب في أفغانستان كانوا أبعد ما يكون عن أي نوع من أنواع الإنتقاء أو الإنتظام أو التدريب مع  إستثنائات قليلة للغاية. وبدأت برامجهم التدريبية تظهر بشيء من الجدية بعد عام 1987م .

كما بدأت بعض المجموعات تنظم نفسها ، خاصة الجماعات التي وفدت  من بلادها بغرض تدريب عناصرها ، وعملت أيضا على تجنيد مزيد من العناصر التي جاءت أفغانستان بدون إرتباطات تنظيمية سابقة. لقد شهدت بيشاور كثيرا من المعارك الكلامية والمهاترات والإتهامات والإنقسامات ، وتبادل الإشاعات وحروب المنشورات بين هذا الخليط المتنافر ، وكلما تقدم الوقت كانت تلك السلبيات تتضخم ، خاصة مع مجهودات هيئات الإستخبارات العربية العاملة وسط تلك الجماعات . وعندما جاءت النكبة لذلك التجمع في أبريل 1993م ، كان تعليق البعض أنها نعمة من الله، لأن تجمعاً بهذا الشكل إذا إستمر كان سيفرز كثيرا من المهازل والمصائب .

– وبالفعل عندما وصلت مأساة التجمع العربى فى بيشاور إلى ذروتها، ظهر تنظيم الخلافة الذي لجأ إلى الجبال في مناطق القبائل القريبة من بيشاور ، وأعلن تكفير كل من لم يبايع الخليفة وعين حكاما من طرفه في عدد من البلاد الإسلامية . وأرسل الخليفة فرمانا إلى سكان فلسطين يعلن أنه قادم لتحريرهم ويطالبهم بقطع شجر الغرقد حتى لا يختبئ خلفه اليهود .

وهدد عرب بيشاور بالقتل إن لم يبايعوا وأنه سوف يسبي نساءهم . ورغم أن القبائل قتلت مساعد الخليفة إلا أن حركته إنتقلت الآن إلى أفغانستان . هذا مثال لما كان يمكن أن يسفر عنه تجمع جهادي عشوائي بهذا الشكل تعبث به الأهواء وتنخر في عظامه أجهزة المخابرات الدولية والعربية.

(بعد ذلك بسنوات عاد الخليفه إلى بريطانيا التى يحمل جنسيتها بعد ما فشل مشروعه، وخذلته الأمة الإسلامية، فقد رفض الجميع مبايعته، من الأحزاب الأفغانية إلى القبائل إلى حركة طالبان إلي أسامه بن لادن ، فعاد إلى الدولة الأم .. بريطانيا التى لم توجه له أى تهمة ، حتى عن جرائم القتل التى إرتكبها فى عهد خلافته ) !!.

{ ملاحظة : ويمكن رصد نقاط التشابه بين تجربة الخلافة فى بيشاور وتجربة داعش فى العراق وسوريا. من نواحى كثيرة منها التدخل الإستخبارى . وعدم قدرة التجربة الجهادية الأصلية التى جاء إليها المتطوعون على تحقيق أحلامهم الهلامية . إضافة إلى المنطلقات السلفية والوهابية الغالبة على أوساط الجهاديين منذ حرب أفغانستان} .

 

 في التجربتين الفلسطينية والأفغانية كان للمجاهدين العرب أخطاء مشتركة من أهمها :

1 ـ وقوع المجاهدين فريسة مخططات الدول الصليبية الكبرى التي تمكنت من إستدراجهم إلى ساحات القتال وجعلوهم يعملون بها وفق شروطها، ثم إستولوا على نتاج قتالهم لصالح المخططات الصليبية في المنطقة . لقد نزل المجاهدون إلى ساحات قد خططها الصليبيون ووضعوا قواعد اللعب بها . كما إستولى الصليبيون على المفاتيح الرئيسية للعمل ، وتركوا للمسلمين مهمة الموت . وعندما جاءت ساعة الغنائم ـ في أفغانستان ـ ذهبت جميعها تقريبا إلى أيدي الصليبيين، ولم يجد المسلمون في أيديهم سوى الحرب الأهلية للأفغان  والمطارة والتشريد والتشويه للعرب.

2 ـ في الحالتين الفلسطينية والأفغانية كان التحرك الإسلامي الجهادي عاطفيا، لا يملك رؤية سياسية ولا إستراتيجية عمل جهادي متكامل .

3 ـ في الحالتين إنقطعت صلة المجاهدين بعد الحرب بالساحة التي قاتلوا عليها وإندمجوا في مسارات أخرى. وإنقطع تأثيرهم وتعاملهم مع الساحة التي دفنوا فيها إخوانا لهم .

فليس هناك أي برامج طويلة المدى لخدمة القضية الإسلامية  في تلك المناطق . وكأن الجهاد حادث عارض مبتور، أو فورة عاطفية سريعا ما تزول وتتلاشى  فلا منهج ولا خطة. وقد دفعت تلك الملاحظة بعض المتابعين إلى التشكك بأن قوى الغرب تمتلك القدرة على تحريك عواطف المسلمين متى شاءت كي يجاهدوا في الإتجاه الذي يخدم مصالح الغرب وفي التوقيت الذي يناسبه.

فحالات  الجهاد الأممی ـ وليس القطري ـ  وهما حالتى فلسطين ثم أفغانستان ثم البوسنة والهرسك منذ 1992م أي بنهاية الحرب الأفغانية وحتى كتابة هذه السطور، تثبت أن الغرب يمتلك هذه القدرة ، وهذا لا يطعن بأي حال في إخلاص المجاهدين وشجاعتهم وحسن نواياهم، ولكن ذلك كله لا يكفي بدون عقل يدبر ويخطط لاستثمار النتائج لصالح المسلمين أنفسهم وليس لصالح أعداء الإسلام.

4 ـ أخطأ الإخوان المسلمون عام 1948م في تقييم النظام المصري وحاول الشيخ حسن البنا أن يكسب الملك إلى صفة للعمل ضد الإنجليز.

وكان مجاهدوا الإخوان في فلسطين يعملون تحت إشراف مباشر من الجيش المصري  وكانت النتيجة أن الملك فاروق هو الذي أمر باغتيال الشيخ حسن البنا ، وأن الجيش المصري هو الذي ألقى القبض على مجاهدي الإخوان . وفي الحالة الأفغانية فإن الشيخ عبد الله عزام قد أحسن الظن في ضياء الحق ونظامه ، وأحسن الظن في نوايا الحكومة السعودية وموظفي إستخباراتها في باكستان، وظن الشيخ عزام ومعظم المتطوعين العرب أن أمريكا لا تستطيع أن تمد لهم يدا، وأن باكستان أعجز من أن تتصدى لهم . فماذا كانت النتيجة ؟ ،أغتيل الشيخ في بيشاور بأوامر أمريكية وأيدي باكستانية ومساعدة إستخباراتية سعودية . أما الشباب العربي فقد تعرض لحملات متلاحقة خلعتهم من المنطقة كلها ـ ولم تترك إلا قليلا من الصامدين حتى الآن، وكانت الإستخبارات السعودية هي صاحبة اليد الطولى في مراقبة الشباب العرب في أفغانستان ، الذين إعتمدوا إلى أكبر حد على تبرعات أهل الخير من السعودية.

وكانت تلك أكبر الثغرات التي دخل منها عملاء الحكومة السعودية. وكانت تلك المعلومات التى كدسوها ذات فائدة عظمى لباقي أجهزة المخابرات المتحالفة ضد المسلمين في أفغانستان بل وضد الإسلام في كل مكان.

….  …  …

ماسبق يرجع تاريخ كتابته إلى عام 1994، مأخوذاً من كتاب (15 طلقة فى سبيل الله)، وما جاء فيه حول تطبيقات تحول فيها المجاهدون المخلصون إلى (بغال تحميل) لأعدائهم .

فماذا يمكن أن أضيفه الآن بعد تلك لسنوات الطويلة وما جاءت به من أحداث جسام وحروب ودمار ، وما صاحبها من جهاد ، لم يخرج عن مفهوم (بغال التحميل) فيما عدا التجربة البطولية الناجحة لشعب أفغانستان فى جهاده ـ بقيادة حركة طالبان ـ ضد الإحتلال الأمركي؟؟. ذلك هو موضوع الجزء الثانى من هذه الدراسة .       

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

09-06-2020

مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

 




الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

خلال الشدة المستنصرية ، أكل الناس كل شئ ، حتى أكل بعضهم بعضا . وفى عصر البيادة تسير المحروسة إلى ما يشبه ذلك . خاصة بعد سد النهضة الذى سيقطع مياه النيل ، إلا ما يكفى لتربية الضفادع وأسراب الهاموش. مضافا إلى ذلك خراب الزراعة و زوال الصناعة ، وإنهيار الصحة العمومية، ورحيل التعليم، و إندثار الأخلاق العامة ، وغرق أم الدنيا فى ديون خارجية  غير قابلة للسداد قبل يوم الحساب.

– سقطت الدولة وتفرعنت الأجهزة بما يتناسب مع إنهيار الشعب . ثم جاءت الكورونا بخلاصة الكوابيس ــ ليس فقط لأنها موت و خراب ديار ــ أى فيروسات وإعتقال منزلى ، و لكن خروج الجياع و المرضى إلى الشوارع أصبح نتيجة أكثر من منطقية لأوضاع البلد المخروب .

– النظام مطمئن إلى أنه قادر/تحت مظلة دولية/ على إرتكاب مجازر ضد شعبه “الإرهابى”. ويثق أكثر من اللازم بموت “شعب مصر العظيم” . ولديه تقدير مبالغ فيه لأجهزة حكم هى توليفة من الخواء والفساد المسلح حتى أذنيه.

– فماذا لو نجح الجياع المرضى فى دخول قصور الفرعون وقلاعه ، التى ظاهرها القوة وباطنها ترعى فيه ديدان جثث الموتى؟؟.

الطائرات الخاصة جاهزة فى مطارات المحروسة ، والحسابات السرية مشحونة وموزعة فى أرجاء الملاذات الآمنة حول العالم ، من أوروبا إلى نيويورك و بنما . ونستثنى دبى لأنها لم تعد آمنه ، ولا توفر ملاذا حتى لحكامها .

– ماذا لو تحولت إنتفاضة الجياع المرضى إلى ثورة ، بفرار الأجهزة الخشبية المسلحة مع وصول (أمواج الجوعى) إلى عقر القلاع و القصور؟. وهو ما لم يحدث فى هوجة يناير 2011.

– ماذا لو أن “سبارتاكوس” مصرى ، خرج من أحد الأزقة ، على رأس عبيد المحروسة ، الجوعى المرضى ، وأعلنها جمهورية لليائسين؟؟ ، الذين سيمضون إلى آخر الشوط مهما كانت النتائج ، لأنه من المستحيل أن يكون هناك أسوأ مما هو كائن بالفعل .

–  طريق الخلاص ملغوم للغاية ، فلو نجح المسعى إنصلح الحال .. وإن فشل فلن يتألم جسد الشعب الميت .. فالإحتمال الوحيد هو أن يتألم أعداؤه الذين إنتفشت أجسادهم بدماء شعب (تحيا مصر) . ويمكن أن تنفرط المسبحة بالشكل التالى .. والترتيب قابل لإعادة النظر:

إلغاء الديون الخارجية. وتحرير جوعى ومرضى المحروسة من عبودية الدَيْنْ الخارجى. فلن يدفع عبيد “الأرض المصرية” الجوائز لمافيا البنوك الخارجية ، أو للفاسدين المحليين.

تأميم الأموال والممتلكات العائدة لدول الخليج والسعودية ، وضمها إلى ميزانية مصر(وليس حسابات “علي بابا” والأربعين مغارة .. وتحيا مصر!!). إنها ميزانية أول ثورة فيروسية فى تاريخ مصر، ولكنها لن تكون الثورة الوحيدة فى عالم ما بعد الكورونا ، فثورات الجياع اليائسين ستكون علامة مميزة لعصر قادم . بعضها قد يكون ثورات حقيقية، وأكثرها سيكون مجرد فوضى عقيمة .

تأميم الجيش ، بكامل هيئاته ، ما تبقى له من آثارعسكرية ، وما هو قائم من إمبراطوريتة للمال و الأعمال ، و منهوباته فى البنوك الداخلية و الخارجية ، وضمها فورا فى ميزانية الدولة . و معها ممتلكات الجنرالات و عائلاتهم .

فتح معسكرات لتدريب مليون شاب، جائع و مريض ، لتكوين جيش قتالى حقيقى يحمى المحروسة : ولا يمتلكها و يسرقها ويُذِلَها و يبيعها لمن يدفع أكثر.

وإنشاء معسكرات أخرى لتدريب مليون شاب ، جائع و مريض، لتولى مهام الأمن الداخلى الحقيقى: أمن يحمى كرامة وحقوق المواطنين.

الإفراج فورا عن جميع مساجين مصر. وفى مقدمتهم السياسيين و الصحفيين . و إستبدالهم بأبناء البيادة القديمة ، من أعوان ورموز وزبانية ومطبلين .

إلغاء جميع الإتفاقات مع إسرائيل ، و طرد جميع رعاياها من مصر وإعتقال موظفيها الرسميين ، أو شبه الرسميين فى الأراضى المصرية .

إغلاق جميع القواعد العسكرية الأجنبية ، وجميع مقرات الإستخبارات الأجنبية ، السرى منها والعلنى.

تطهير سيناء من أى وجود غير مصرى فى أى مجال كان . وتعويض سكانها عما أصابهم من خسائر على يد أبناء البيادة القديمة . و محاكمة المسئولين عن تلك الجرائم علنا ، و تنفيذ الأحكام بحقهم  على الملأ وأمام سكان سيناء، حتى تطمئن نفوسهم.

تحقيق إتصال بَرِّي كامل بين سينا و بَرْ مصر ، بردم قناة السويس التى مثلت دوما ثغرة كبرى فى دفاع المصريين ضد الأخطار القادمة من المشرق . وفَصَلَتْ الجزء الأسيوى من مصر عن الجزء الأفريقى منها .

10ـ توجيه تهمة الخيانة العظمى ، لكل من شارك فى كارثة النيل أو تواطأ مع إسرائيل والحبشة فى بناء سد النكبة . ويشمل ذلك محاكمة كل رؤساء جمهورية مصر منذ أن بدأت دراسات بناء سد النكبة عام 1998 . و محاكمة وزراء الخارجية والمخابرات والدفاع.

11ـ إستعادة الأرض التى بُنِى عليها سد النكبة الحبشى، بإعتبارها ممتلكات إشترتها مصر فى عهد الخديوى إسماعيل/ طبقا لوثائق قانونية موجودة بالفعل/ و بالتالى تصبح إزالة سد النهضة ، ممارسة لأعمال السيادة المصرية.

12ـ إعادة دور الدولة فى الإقتصاد: فى التصنيع و الزراعة و البنوك و التجارة الخارجية والداخلية. و إعادة الدولة إلى ممارسة واجباتها فى إحترام المواطن ، وحمايته وتوفير الخدمات الأساسية له ، خاصة فى التعليم و العلاج و السكن الآدمى و العمل و الحقوق القانونية والطبيعية.

13ـ المساس بكرامة و أمن الإنسان المصرى جريمة عظمى ، و منعه من ممارسة حقوقه جريمة أمن دولة. فلا أمن و لا كرامة لدولة لا يتمتع مواطنوها بالأمن والكرامة .

14ـ تحرير الأزهر من أى تأثير حكومى ، إدارى أو مالى ، وإعادة الأوقاف إليه . ومشيخة الأزهر ينتخبها العلماء و الخريجون . و يحظر على الأزهر ومشايخه إستلام أى أموال من الخارج ، أو من الحكومة المصرية أو الشركات . ولا تزيد التبرعات الفردية إليه عن مقدار معقول تحدده الإدارة. حسابات الأزهر تنشر على موقعه الإلكترونى ـ وكذلك حسابات الهيئات الأهلية والإعلامية.

15 ــ حرية الوصول إلى المعلومات حق عام للمواطنين .

16ـ مصادرة محتويات “الصناديق السيادية” ، و محاسبة المشرفين عليها بأثر رجعى منذ إنشائها و إلى يوم نجاح (ثورة الجياع والمرضى).

17ـ تفعيل قانون (من أين لك هذا؟) ، على أصحاب الثروات المُتَورِّمَة و المشبوهة و غير المُبَرَّرَة . و إعادة النظر فى مشروعية الملكيات الحالية للأراضى فى جميع أنحاء مصر.

18ـ إلغاء الملكية الخاصة والأجنبية للإعلام . بتشكيل شركة إعلامية مساهمة ، يمتلكها الشعب ، مع حد أقصى من الأسهم لكل مُشارك ، بحيث يمتنع الإحتكار الفردى أو العائلى.

19ـ منع أى هيئة شعبية من إستلام تمويل خارجي ـ بدون موافقة الحكومة و مجلس الشعب ـ و إلا تعرضت للمساءلة الجنائية.

20 ـ يحظر على أجهزة الدولة تَلَقِّى أى معونات مالية خارجية . و أى معونة فنية أو تعاون أجنبى لابد من موافقة مجلس الشعب عليه .

21 ـ إلغاء جميع الإتفاقات غير المتكافئة أو المشبوهة ، مع الدول الخارجية ، خاصة مع الولايات المتحدة والدول الغربية والسعودية ودول الخليج. وإلغاء أى إتفاقية لترسيم / الحدود البرية أو البحرية / مع إسرائيل أو السعودية أو اليونان. وقطع علاقة مصر مع مشروع نيوم السعودى/ الإسرائيلى ، و استعادة الأراضى المصرية الممنوحة له. و استعادة وضع مصر القانونى على خليج العقبة و جزيرتى تيران وصنافير ومياه البحر الأبيض المتوسط و ثرواته من حقول الغاز والنفط .

22ـ تأميم مصادر الطاقة ، و المناجم، و المرافق العامة، و الصناعات الإستراتيجية.

23ـ إستعادة ثروات مصر المنهوبة: من أراضى ومنشآت عامة ، وغاز ونفط ومناجم. وأموال هُرِّبَت إلى الخارج. ومصادرة الثروات التى تكونت بوسائل غير مشروعة مثل خيانة الأمانة وسؤ إستغلال السلطات الوظيفية .

24ـ إنشاء علاقات إستراتيجية مع دول آسيا الكبرى فى مجال الإقتصاد ، و المال ، و التعاون التكنولوجى و التسليحى ، بما فيه الصناعات الدفاعية و الفضائية ، و تبادل البعثات العلمية و التعليمية.

“سبارتاكوس” روما هُزِمَ و هو يحاول الهروب من أيطاليا مع (شعب العبيد) ، ليعودوا إلى أوطانهم . لكن عبيد المحروسة ليس لديهم مكان آخر ليهربوا إليه ، لأنهم مستعبدون داخل أوطانهم . فليس أمامهم سوى الرحيل الإجبارى من سطح الأرض إلى باطنها .

و باطن الأرض أرحم بكثير من ظاهرها الماثل أمامنا الآن .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

22-4-2020

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

 

 




الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي

الصراع في أفغانستان بين CIA و الجيش الأمريكي

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

الصراع في أفغانستان بين CIA  والجيش الأمريكي

 

العناوين: 

– CIA  والجيش الأمريكي يتبادلان الضربات تحت الحزام في أفغانستان.. وطالبان تستفيد.

– الجنود ليسوا ضمن اهتمام المفاوض الأمريكي بل الخريطة الجديدة لصناعة الهيرويين. فعدد الجنود قليل ولا يبرر الاهتمام بهم، والمرتزقة بحكم القانون ليسوا جنودا أمريكيين .

{ العائدون من أفغانستان } في نسختهم الأمريكية :

2000  جندي أمريكي، بلادهم ليست جادة في التفاوض على انسحابهم .

ويشكلون خطرًا اجتماعيًا وأمنيًا في حال عودتهم .

– الوضع في أفغانستان خرج عن السيطرة الأمريكية فظهرت دعوات لتوريط الهند وتركيا.

المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية .

– الفشل العسكري في أفغانستان والشرق الأوسط جعل السلاح الأمريكي بائرًا ولا يوزع إلا بالتهديد والعقوبات .

– تراجع دور الجيش في هرم السلطة الأمريكية، وبفعل السياسة أصبح عاجزًا عن تحقيق انتصارات، فتحوّل إلى قنبلة محتملة في حرب أهلية متوقعة داخل الولايات المتحدة .

– الجيش يهين ترامب في العيد الوطني، وترامب يرد بسرقة  مليارات من ميزانية الجيش ليبني جدارًا عازلا على حدود المكسيك !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

تتشابه كثيرا الظروف التي يواجهها شعب أفغانستان الآن مع نظيرتها عندما أوشك الحكم الشيوعي في كابل على الانهيار في أبريل 1992 .

كان النظام يتداعى ويتحلل داخليا بينما الإسناد الخارجي له قد بلغ ذروته . وفي الوقت الذي اقترب  فيه المجاهدون من الانتصار الكامل كانت الحملة الدولية ضدهم على أشدها. وكان لتلك الحملة أصداء قوية داخل أفغانستان، وأثرت نفسيًا على الشعب، بل استجابت “الأحزاب الجهادية” للحملة وروجت لأهدافها، وأهمها الدخول في مفاوضات مع النظام الشيوعي لتشكيل حكومة مشتركة، بحيث يمتنع قيام حكم إسلامي في أفغانستان.

حتى أقرب “الأصدقاء” في الخارج كانوا ينادون بإيقاف الجهاد والتفاوض مع نظام كابول.

وجاءت الدعوة إلى ترك الجهاد ومشاركة الشيوعيين في الحكم، من شخصيات عربية محسوبة على العلماء وطلاب العلم. فطلبوا من المتطوعين العرب العودة إلى بلادهم لأن الجهاد قد انتهى، وأن القتال الدائر في أفغانستان أصبح “فتنة “!! .

حتى أن”صبغة الله مجددي”، رئيس الحكومة المؤقتة لأحزاب المجاهدين كان يهاجم حقاني بسبب حملاته العسكرية على الجيش الشيوعي في خوست وجرديز ومناطق أخرى من غزني وبكتيكا. وإمعانًا في محاولة إفشال الجهاد، تحولت الأحزاب “الجهادية ” إلى القتال على أساس عرقي بين البشتون من جهة وبين الطاجيك وحلفائهم من الأوزبك والهزارة .

وتصدر ذلك السباق المنحرف (حزب إسلامي) بقيادة حكمتيار ممثلا للبشتون، للقتال ضد (الجمعية الإسلامية) بقيادة رباني ممثلا عن الطاجيك . فكانا فرسا رهان في حرب الفتنة العرقية، التي سريعًا ما طغت على ساحة أفغانستان، وضعف في المقابل الجهاد ضد النظام الشيوعي وقواته العسكرية وميليشياته .

وكان الجيش السوفيتي قد انسحب من أفغانستان، وتبقى منه عدة آلاف من الخبراء يديرون بطاريات صواريخ سكود والطائرات الحديثة. وقد أفادت تقارير من جلال آباد باعتراض اتصالات لاسلكية تفيد بوجود طيارين هنود

– وعندما أوشك مولوي جلال الدين حقاني على إتمام تجهيزاته لغزو مدينة خوست ، وصله تحذير من “دولة صديقة”، بأن السوفييت أبلغوهم تهديدا بضربة نووية للمدينة إن استولى عليها المجاهدون. { وهذا قريب جدا لما يفعله المحتلون الأمريكيون الآن بتمرير تهديدات بتدمير كابول إن استولى عليها مجاهدو طالبان. كما كرر ترامب تهديدات بارتكاب إبادة جماعية فى أفغانستان يقتل فيها مئات الألوف ، قائلا : ” إنه لا يرغب في ذلك”.. بما يعني التهديد أكثر من النفي } .

 

دعوات لاجتذاب تركيا والهند إلى المستنقع :

وتجري محاولات لاجتذاب الهند إلى الغرق في المستنقع الأفغاني. وبتوجيه من المحتل الأمريكي تبذل حكومة كابول جهدا في هذا الصدد، وتبذل جهودا  مماثلة مع تركيا أيضا.

فبعد زيارة أشرف غني لتركيا قيل في كابل أن تركيا وعدت بإبقاء قواتها فى أفغانستان، بدون توضيح زمن محدد للتورط التركي. حيث لهم الآن 500 جندي في أفغانستان، وكانوا قد شاركوا في بداية الغزو بعشرة آلاف جندي. يقول نظام كابل أيضا أنه يجتذب تدخلا هنديا عسكريا إلى أفغانستان. وليس هناك ما يؤكد نجاح تلك المساعي، إذ لا يمكن تخيل مدى الكارثة الاستراتيجية التي قد تحل بالهند من جراء مثل ذلك التورط. ويُسْتَبْعَد أن تكون الهند غافلة عن ذلك .

– وتشير معلومات لدى مجاهدي طالبان إلى عمليات انسحاب لقوات أمريكية، وإخلاء بعض المواقع. فأجواء الفشل والانهيار تحيط (بالتواجد الأمريكي) العسكري منه والسياسي، حتى خرج الوضع في البلد عن قدرة الاحتلال على السيطرة. وبدأ يعاني من نفس الأمراض التي جاء لعلاجها، خاصة الفساد المستشري، والانهيار الاخلاقي، وتفكك الإدارة وانتشار التكتلات المصلحية بداخلها، ووقوف الأفيون خلف كل المظاهر السلبية التي فكّكت بنيان الاحتلال كما بنيان النظام المتهافت في كابول، الذي أصبح مجرد إئتلاف بين عصابات إجرامية تتقاتل وتتصارع أكثر مما تحكم. والبلد يسيطر عليها مجاهدو طالبان الذين تواجدوا في كل المدن الكبرى. وحسب قول مجاهدين: { لا ينقصنا في كابول إلا أن نرفع أعلام الإمارة الإسلامية  } .

إنه تواجد جهادي ــ قتالي واستخباري ــ داخل المعسكرات والقواعد العسكرية والوزارات الحكومية، والمؤسسات الخدمية، في تداخل لا يتيح للعدو أن يستخدام الأسلحة الثقيلة ناهيك عن سلاح الطيران. فالاشتباكات القادمة قد يدور معظمها بالسلاح الأبيض والأسلحة الخفيفة، وبعض المتفجرات .

هذا الوضع أرعب الاحتلال وأفقد ترامب ما تبقّى لديه من قليل عقل. فأخذ يهذي بتهديدات كبرى، لا يقدر عن تنفيذها أو تحمل تبعاتها الميدانية والدولية.

 

لماذا نحن هنا ؟ :

سؤال يؤرق الجيش الأمريكي في أفغانستان، من أدنى المراتب إلى أعلاها . فأسباب وأهداف الغزو اتضح أنها كاذبة، و مستحيلة التنفيذ. فالقضاء على تنظيم القاعدة ظهر أنه شعار زائف لأن أفغانستان لم يعد بها “قاعدة” أو أي تنظيم عربي آخر. وقد كان من المفترض أن يكون اغتيال بن لادن عام 2011 نهاية رسمية لهدف القضاء على تنظيم القاعدة .

أما طالبان فقد اتضح أنهم (كل شعب أفغانستان)، وأنهم منحوتون من صخور الجبال، منسابون بين رمال الصحاري، حارقون مثل صواعق السماء .

لم يكن ممكناً أن يوضح البيت الأبيض حقيقة أهداف غزو أفغانستان، وأنها في الأساس للسيطرة على محصول الأفيون ــ الذي كان قبل أن توقف زراعته الإمارة الإسلامية ــ الأكبر من نوعه في العالم . الهدف التالي كان تمرير خطوط نقل الطاقة (نفط وغاز) من آسيا الوسطى إلى الهند، وللتصدير من ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب. وبعد ذلك تأتى ثروات معدنية هائلة كامنة في أرض أفغانستان تبلغ قيمتها المعلنة ترليوني دولار، وقيمتها الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، ناهيك عن القيمة الإستراتيجية للعديد من معادنها النادرة التي تتحكم في الصناعات الحديثة .

ولما كانت حرب أفغانستان صعبة وقاسية، ولا يمكن للقيادة الأمريكية في البيت الأبيض أن تشرح لجيشها الأهداف الحقيقية لتلك الحرب. فلم يكن الجيش الأمريكي قادر على الاستمرار في مثل ذلك الوضع الشاذ بدون أن تتعرض معنوياته للانهيار.

وفى هذه الحالة قد يصبح الجيش مصدرًا للمتاعب داخل الدولة الأمريكية نفسها، ورافدًا هامًا لحرب أهلية بات كثيرون حتى الرئيس الأمريكي ترامب يتوقعها، بل ويهدد بوقوعها إن أزاحه أحد عن كرسي الرئاسة “!!”. يحدث ذلك في أكبر ديموقراطية في العالم، وليس في أحد مزابل العالم الثالث .

فكان قرار البيت الأبيض ــ الذي تكتم عليه أوباما وأفصح عنه ترامب ــ هو تجنيب الجيش الأمريكي تلك الحرب، وتولية قيادتها للمخابرات المركزية الأمريكية. وللجيش مهام محدودة داخل ذلك الإطار، ولكنه ليس من يدير الحرب أو يتولى معاركها الهامة .

إنه قوة إسناد، وأحيانًا قوة طوارئ. الخطوة الكبرى والمتهورة اتخذها ترامب بأن أعطى توكيل الحرب كصفقة أعمال لشركات المرتزقة، خاصة شركة(بلاك ووتر) المملوكة لصديقه (إريك برنس)، الذي نقل  مقر إدارة شركته إلى أبوظبي لتوافر التمويل.

وتتحمل الشركة معظم المهام القتالية وتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان . وحسب قيادات جهادية في أفغانستان فإن للشركة ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل مرتزق من جنسيات مختلفة، بما فيهم إسرائيليون وأمريكيون . بينما انخفض تعداد جنود الجيش الأمريكي إلى حوالى ألفي مقاتل فقط . وتدعي القيادة الأمريكية كذباً أن لها 14 ألف مقاتل ، للتهويل على الإمارة الإسلامية وابتزاز تنازلات جوهرية ضمن تسوية سياسية تؤدي إلى إفشال الجهاد وإحباط أهدافه. وتشير جولات التفاوض إلى عدم وجود نية أمريكية حقيقية لسحب جنودها القلائل المنسيون هناك.

الجيش الأمريكى شاهد زور ، وصاحب دور ثانوي في حرب هي تجديد أو استمرارية لحروب الأفيون في القرن التاسع عشر التي استهدفت الصين وحولت الهند إلى مزرعة عظمى للأفيون تديرها (شركة الهند الشرقية البريطانية). أي مستعمرة قطاع خاص وحرب أفيون عظمى كانت أهم ما يدور في قارة آسيا من أحداث. وبالمثل هي حرب أفغانستان الحالية، تجديد لحرب قطاع خاص، محورها الهيروين ( وليس الأفيون الخام مثل السابق ).

والجيش الأمريكي لا يجد له دورًا عسكريًا يدعو إلى الشرف أو الفخر، فانخرط الجنرالات في لعبة الهيروين لحسابهم الخاص. وفعل الجنود ما يمكنهم فعله ضمن هذا الإطار، فتعاملوا مع الهيروين، ومع تجارة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، بيعاً وتأجيراً .

ومع صناعة وتهريب الهيروين تنبت تلقائيا صناعة تبيض الأموال وتهريبها . فتداخلت مجالات أعمال الجيش الأمريكي مع مجالات المخابرات المركزية. فاشتعل صراع خفي بلغ أحيانا درجة الخطورة . خاصة عندما تعمد كل طرف أن يخرب ما يفعله الطرف الآخر ، فيكشف أعماله للعدو (طالبان) ، أو يطلق أعوانه المحليين لضرب أعوان الطرف الآخر وتقطيع خطوطهم، وكشف أسرارهم على الملاً. وتلك أعمال يحرقها الضوء ، ولا تنمو وتنجح إلا في الظلام التام .

بعض شرارات تلك الحرب الخفية ـ تنخرط فيها بالضرورة حكومة كابول ، خاصة الجيش والاستخبارات، كل منها خلف كفيله أو نظيره الأمريكي. مثل واقعة الحكم بسجن مدير مكافحة المخدرات في شرطة كابول، ويدعى (ميا أحمد)، لمدة 17 عاما عقاباً على “تواطؤه ” مع مهربي المخدرات. وأحكام أخرى على موظفين كبار في شرطة كابول بتهم مماثلة. متحدث باسم خارجية كابول قال أن “ميا أحمد” كان أحد كبار مهربي كابول، و يأخذ الإتاوات من تجار المخدرات. وتلك مجرد شرارة سطعت من حريق كبير يلتهب تحت الأرض. ويمكن اعتبارها ضربة غير مباشرة موجهة إلى المخابرات الأمريكية CIA قادمة من جنرالات جيش الاحتلال الأمريكي. وكلاهما يدرك أن انتصارهم في أفغانستان هو المستحيل ذاته. وأن البحث عن المصالح الشخصية هو الخيار الأمثل .

– وبينما يفتقر الجيش إلى برنامج يرتبط بخدمة الوطن الأمريكي، فإن CIA يمكنها الادعاء بامتلاك مثل ذلك الدليل الوطني ـ إلى جانب واجب خدمة الأهداف الشخصية لكبار المسئولين .

هدف CIA متطابق مع رؤية البيت الأبيض، وهو الانتقال إلى الخطة البديلة لحرب الهيروين بعد أن خسروا حرب أفغانستان ومعها الخطة الأساسية لحرب الهيرويين الذي تمثل تجارته أعظم دخل مالى للاقتصاد الأمريكي، والبنوك العظمى لغسيل الأموال .

الجيش الأمريكي تحول إلى عبء وعنصر معرقل لاندفاعة المخابرات الأمريكية في أفغانستان. وحكومة كابول العاجزة رغم جيشها الذي كلف الخزينة الأمريكية حوالي 68 مليار دولار، وأشرف الجيش الأمريكي على تدريبه وتسليحة ، ومع هذا لا يمكنه حتى الدفاع عن نفسه، بشهادة جنرالات وخبراء أمريكا.

الميليشيات المحلية بأنواعها المسلحة والممولة من ميزانية الجيش الأمريكي، تعمل لمصالحها الخاصة كعصابات إجرامية، ولا تحمل أي نظرة سياسية لقتالها.

– صحيفة التايمز البريطانية (في يوليو 2009) قالت ما يلي : تعداد القوات الأجنبية في أفغانستان 80 ألفاً . وإذا تمكنت في السيطرة على بعض المناطق التي تحت يد المجاهدين فإن قوات حكومة كابول لا تستطيع المحافظة عليها والبقاء فيها، لذا فإن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان لا فائدة فيه } .

وبدلا عن ذلك زادت الولايات المتحدة تعداد قواتها من 80ألف إلى 120 ألف جندي .

وفي نفس العام قال الجنرال ماكريستال ـ قائد القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان:

{ إن طالبان تمتلك اليد الطولى في أفغانستان حاليا وهو ما اضطر واشنطن إلى تغيير استراتيجيتها هناك عبر زيادة عدد قواتها !!}.

– بريطانيا ــ أقرب حلفاء أمريكا إليها في أفغانستان حتى ذلك الوقت ــ كان لنواب البرلمان هناك رأيا آخر ، لذا قالوا (في عام 2009 أيضا ) :

{ إن المهمة العسكرية الدولية في أفغانستان لم تحقق النتائج المرجوة بسبب انعدام الاستراتيجية المبنية على الحقائق التاريخية لهذا البلد، وأن المجهود الدولي في أفغانستان منذ 2001 أعطى نتائج أقل مما كان مأمولا فيه، وقد ضعف تأثيره كثيرًا نظراً لانعدام الرؤية والاستراتيجية المتماسكتين المبنيتين على حقائق التاريخ والسياسة والثقافة في أفغانستان }  .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجيش الأمريكي ضحية البيت الأبيض :

الجيش الأمريكي يكرر في أفغانستان المأساة التي تعرض لها الجيش الأحمر الذي تحمل وزر قرار القياده السياسية العليا بإرساله إلى أفغانستان في حرب قال عنها العسكريون قبل غيرهم أنه يستحيل الانتصار فيها .{ وكرر الأمريكيون خطأ السوفييت في حدوث صراع مرير بين الجيش والاستخبارات} .

وعندما وقعت الهزيمة وانسحب الجيش الأحمر تخلى عنه السياسيون . ولم يستقبله أحد منهم عند دخوله الحدود السوفيتيه عائدًا من أفغانستان. قائد “الجيش السوفيتي الأربعين” المنسحب تحدث بمرارة عن تلك التجربة وعن تقصير القيادة السياسية في حق الجيش الذي تحمل تبعات فشلها .

عمليا يبتعد البيت الأبيض ورئيسه ترامب عن الجيش تلافيا للفضيحة العسكرية في أفغانستان . فتقرب ترامب أكثر إلى جهاز الإستخبارات CIA ـ ووضع وزارة الخارجية تحت سلطة المخابرات باختياره مديرها (بومبيو) وزيرا للخارجية .

فتحولت CIA إلى أداة في يد البيت الأبيض لحكم الشعب الأمريكي، وشعوب الأرض جميعا عبر وزارة الخارجية التي يمتلكها الجهاز الذي صار يحدد طريقة التعامل مع دول العالم و أسلوب سيطرة أمريكا على شعوب الأرض .

– جاء تهميش الجيش الأمريكي، وتراجع مرتبته في سلم السلطة، وتحميله مسئوليات الخطأ التاريخي للقيادة السياسية في البيت الأبيض بغزو أفغانستان، مع الفساد الذي نخر عظامه هناك، ليتحول الجيش إلى قنبلة موقوتة داخل الدولة الأمريكية، محتضنا مشروع انقلاب على النظام، أو أن يتحول أفراده العائدون من الخدمة إلى قنابل أمنية في مجالات الإجرام والانخراط في الميليشيات المسلحة التي تنتشر بالمئات في الولايات المتحدة. وآخرون سيعملون لصالح مجموعات الإجرام المحلية، أو لأنفسهم في عمليات المخدرات والسطو.

 

ترامب يسرق من ميزانية الجيش :

الصراع بين ترامب وجيش الولايات المتحدة يشبه جبل من الجليد الغاطس في مياه المحيط، وأول ما ظهر للعلن كان الصدام المكتوم بين الطرفين في احتفالات عيد الإستقلال في الرابع من يوليو 2019 . وهو إحتفال تقليدي ذو طابع مدني، ولكن ترامب ولأجل النفخ في شعبيته أراد إضفاء طابع عسكري إمبراطوري على الاحتفال، الأمر الذي أغضب قيادات الجيش فقاطع معظمهم الاحتفال . ومن بين خمسة آلاف موظف في البنتاجون استلموا بطاقات دعوة، حضر منهم 800 فقط ، في خطوة أعتُبِرَت “إزدراءً ” بالرئيس . وصرح قادة عسكريين أن ترامب يحاول تسييس الجيش لصالح أهدافه الإنتخابية .

أحد ردود ترامب على الإهانة كان سَطْوِه على 3,38 مليار دولار من ميزانية الجيش للإنفاق على بناء سور عازل بين بلاده والمكسيك . ترامب أراد في البداية أن يكون بناء السور على نفقة المكسيك نفسها ، وذلك مطلب مهين ومستحيل التنفيذ . ولم يكن ممكناً تمويل بناء السور من الميزانية الأمريكية في وقت تعانى فيه من أزمات وضغوط كثيرة ومعارضة عنيفة في الكونجرس خاصة وأن المبلغ المطلوب هو 18 مليار دولار . ترامب بطبيعته الفاشية فكر في إعلان (حالة الطوارئ) للحصول على تمويل رغما عن الجميع . لكن المعارضة الداخلية كانت أعنف مما توقع .. فتراجع عن “مشروع الإنقلاب” .

ثم وجد الحل العبقري الذي يحقق له بناء الجدار العازل، مع تحقير الجيش وإلزامه بالحدود المتدنية التي رسمها له ، كمجرد فزاعة وقوة إحتياط لحروب المخابرات المركزية حول العالم.

فالجدار العازل مع المكسيك هو مشروع له ارتباط قوى مع المخابرات المركزية، ليس لحماية الحدود من عمليات تسلل المهاجرين غير الشرعيين كما تدعى الحكومة ، ولكن لعرقلة تهريب المخدرات من المكسيك إلى الولايات في تجارة تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وذلك يمثل إخلالا بمسئوليات المخابرات المركزية فى السيطرة على سوق المخدرات داخل الولايات المتحدة، وهو السوق الأكبر من نوعه فى العالم، فذلك يعنى خسارة مالية كبيرة . لكن الأهم هو ما يحدثه من خلل في خطط المخابرات المركزية لتوزيع المخدرات داخل الولايات المتحدة طبقا لاعتبارات اجتماعية مرتبطة بالسياسة الداخلية ، والنظرة العرقية والدينية والطبقية للمجموعة الحاكمة في الولايات المتحدة، وهي قلة معدودة تمتلك معظم الثروة وكل القرار السياسي في الداخل الأمريكي .

حل مشكلة تمويل الجدار جاء على حساب الجيش الأمريكي، وخصمًا من التمويل المخصص للبنتاجون (وزراعة الدفاع) . فاعترض الكونجرس الأمريكي على القرارــ سواء الجمهوريين أو الديموقراطيين ــ بإعتباره خطوة غير دستورية ، وإن ترامب”يسرق أموال الجيش” المخصصة للتسليح والتطوير ، لتحقيق وعود إنتخابية سابقة .

الجيش الأمريكي يتلقى إهانات متواصلة من البيت الأبيض المتحالف مع CIA ولكنه يبدى ردات فعل ملحوظة في المجال الأفغاني ومرشحة للاتساع في ميادين أخرى، لإحراج التحالف (السياسي/ الاستخباري) داخل البيت الأبيض، الذي يهين الجيش محملا إياه أخطاء هو غير مسئول عنها ، رغم أنها أخطاء تظهر في سورة فشل عسكري في العديد من الميادين ، وعلى شكل هزيمة كاملة فى الميدان الأفغانى تحديدا.

 

تجارة السلاح ضحية للفشل العسكري :

الفشل العسكري ـ أيا كانت الجهة المسئولة عنه ـ أثر سلباً على طلبيات شراء السلاح الأمريكي. ولولا أسلوب الإبتزاز والسيطرة على حكومات ثرية، لأصبح السلاح الأمريكي بائراً نظراً لعدم قدرته على “الإنتصار” فى ميادين يدور فيها صراع عسكري مرير، في أفغانستان والشرق الأوسط . لقد مرت سنوات كثيرة بدون انتصار أمريكي، وبهزيمة واضحة في (أفغانستان ) وهزيمة مستترة في المشرق العربي (العراق ـ سوريا ـ اليمن).

فاضطرت الحكومة الأمريكية إلى تهديد الحلفاء بفرض عقوبات اقتصادية عليهم إن هم تحولوا إلى شراء السلاح الروسي المنافس. مثل تعرض تركيا ــ العضو في حلف الناتوــ إلى ضغوط شديدة وتهديدات حتى توقف صفقة صواريخ 400S مع روسيا.

نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي هدد المكسيك بفرض عقوبات اقتصادية عليها إن هي اشترت مروحيات عسكرية من روسيا ، وقال أن العقاب قد يتم وفقا لقانون “مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات “.

وهكذا .. فإن شعار(أمريكا أولا) يعني تمزيق القانون الدولي والدوس على كرامة الدول وحقوق الإنسان . فشعار (أمريكا أولا) يعنى ضمناً (الإستخبارات الأمريكية أولا) . بينما أقوى جيش في العالم يعيش مهاناً مهيض الجناح أمام التحالف السياسي/ الاستخباري، الذي يحكم أمريكا والعالم من داخل البيت الأبيض .

 

الجيش الأمريكي يواجه الإحباط بالانتحار :

من مظاهر الانكسار التي يعيشها الجيش الأمريكي، حالات الانتحار المتزايدة في صفوف العسكريين. وفي أرقام نشرت بشكل غير رسمي يتضح أن حالات الانتحار في سلاح الجو الأمريكي في عام2019 قد بلغت مستوى قياسيًا هو الأعلى منذ ثلاثة عقود. الأرقام المسربة من سلاح الجو تشير إلى 84 حالة انتحار في عام (2019). بينما البيانات السابقة التي نشرها البنتاجون تشير إلى أن حالات الانتحار في سلاح الجو عام2015 قد بلغت 64 حالة، وصفت وقتها بأنها الأعلى في سلاح الجو خلال هذا القرن !! .

ولكن بيان رسمى صدر منذ حوالي 11 عاما، وتحديدًا في شهر أغسطس عام 2009 ، قال أن معدلات الانتحار بين الجنود كان هو الأعلى خلال30عامًا . صدر البيان في أعقاب فشل أكبر حملة عسكرية للجيش الأمريكي بعد الحرب الفيتنامية شنها على أقليم هلمند شارك فيها4000 جندي أمريكى عدا الحلفاء والجيش المحلي. فهل تصلح تلك الحملة كتبريرلارتفاع نسبة (الانتحار) في ذلك العام؟.

أرقام أخرى صدرت في نفس العام (2009) تقول بأن 300,000 جندي أمريكي ممن خدموا في أفغانستان والعراق يعانون من نوبات قلق ومشاكل ما بعد الصدمة. وأن 120,000 جندي ممّن حاربوا في أفغانستان والعراق يعانون من (أمراض عقلية) .

(يلاحظ أن 110 من الجنود الأمريكيين أصيبوا “بارتجاج في الدماغ !!” نتيجة للقصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد في العراق ـ في يناير 2020 ) .

إذن الدماغ الأمريكي سريع الإرتجاج ـ والجندي الأمريكي مريض عقليا ـ والانتحار في كل عام هو الأعلى من كل ما سبق.. إنها مؤسسة عسكرية محبطة ويائسة بفعل التعدي السياسي.  يقول جنرال في سلاح الجو الأمريكي يعمل في القوى العاملة والخدمات، أن الانتحار “مشكلة وطنية صعبة ودون حلول يمكن تحديدها بسهولة ” . وتلك مراوغة للتغطية على خطأ جسيم يرتكبه رؤساء أمريكا ــ تدعمهم الاستخبارات ــ بتوريط الجيش فى مهام غير محددة تتطور إلى حروب فاشلة وطويلة ، تنتهي بهزيمة تعود أسبابها إلى السياسة أكثر من تقصير القوة العسكرية .

– وفي أفغانستان تناور القيادة السياسية الأمريكية لأجل حل يضمن مصالحها المالية العظمى في تجارة الهيروين الدولية . غير مبالية بالجنود الأمريكيين الذين تبقى منهم حوالى ألفان فقط تخلت عنهم أمريكا لضآلة عددهم ، وهامشية دورهم، الضار أحيانًا بالمصالح الأمريكية .

– بينما المرتزقة ليسوا قوة أمريكية من وجهة نظر القانون الأمريكي، لذا لا تفاوض أمريكا على انسحابهم. والعدد الضئيل من جنود الجيش الأمريكي المهمشين قد يذوبون في مجتمع العاصمة كابول كباحثين عن عمل، أو متسولين لأجرة العودة إلى الوطن. ليصبحوا داخل بلادهم نسخة أمريكية من (العائدون من أفغانستان) .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي




إتفاق إحلال السلام في افغانستان 3

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان 3

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان :

السلام المراوغ .. وإتفاقية إحلال السراب

(3)

– ورقة الأسرى الأمريكيين يمكن أن تقلب رأسا على عقب المشهد السياسى فى أفغانستان والولايات المتحدة . وإستخدامها كفيل بتغيير مسار”السراب القطرى”، وإيجاد مسار حقيقى نحو تحرير أفغانستان وإستقلالها .

– فى إمكان الإمارة الإسلامية ردع ترامب وإفشال مسعاه نحو فترة رئاسية ثانية .

– عقوبات متاحة ضد الهند إذا تحركت ضد الشعب الأفغانى :

– منع مرور أنابيب نقل الطاقة من دول آسيا الوسطى إلى باكستان حتى لا يتم تحويلها إلى الهند . مثل خط انابيب تابى ، أو أى خطوط طاقة تتجه إلى ميناء جوادر فى باكستان .

–  إعلان التآخى بين بحر الصين والخليج الفارسى عبر “ممر واخان”،الذى يربط أفغانستان بالصين . ذلك الممر الموحش ينبغى تحويله إلى ممر دولى للطرق البرية والسكة الحديد وأنابيب نقل الطاقة من أفغانستان وإيران إلى المراكز الصناعية فى الصين .

– يمكن أن تتفاهم الإمارة مع الحكومة الصينية على إعطاء وضع متميز لمسلمى إقليم سنكيانج فى إطار تلك المشاريع العظمى المشتركة . وذلك سيربط مسلمى الصين بالعمق الإسلامى فى أفغانستان ، ويخفف من الإحتقان الدينى والسياسى فى أوساط مسلمى الصين .

– فى حال تعقلت الحكومة الهندية وأحجمت عن عدوانيتها فيمكن الدخول معها فى مشاريع كبرى ، والحصول منها على وضعية متميزة لمسلمى الهند وكشمير داخل تلك المشروعات.

– للنشاط النفطى عائداته المالية والإقتصادية الكبيرة ، إلى جانب فائدته فى إغلاق منافذ التقسيم العراقى الذى تسعى إليه الولايات المتحدة بإستخدم تركيا والهند .

– يمكن للإمارة تقديم الدعوة للسيد عبد الله جولن المعارض الإسلامى التركى ، لزيارة أفغانستان . ومنحه فرصة لبناء جهاز إعلامى إسلامى ثقافى موجه إلى تركيا وآسيا الوسطى .

 

من يعاقب من ؟؟

ورقة الأسرى يمكن أن تغير كل شئ :

لا يكف النبيه ترامب ـ والضخم بومبيو ـ عن إطلاق التهديدات بالعقاب ، ومراقبة السلوك ، وتوزيع الضربات أو الصدقات والهدايا .

وإستطاع الثنائى ” ترامب / بومبيو” تمرير إتفاق إحلال السراب فى أفغانستان بمجهود قطرى متميز . وهو إتفاق لا يضمن سلاماً على الإطلاق بل يصنع حربا جديدة . بمهارة سياسية أتاحت له تغيير شكل الحرب بأسلوب رشيق ، أوقع إرتباكا أكبر فى صفوف الأفغان ، وغير خريطة الجغرافيا السياسية لأفغانستان بعد تلاعب فج للغاية بحقائق الجغرافيا والتاريخ وواقع المنطقة وقواها العظمى . فكان إتفاق إحلال السراب فى أفغانستان محاولة أمريكية لإجهاض المستقبل الافغانى والآسيوى بعملية قيصرية تراعى جميع معايير الفشل .

فى إمكان الإمارة الإسلامية ردع ترامب وإفشال مسعاه نحو فترة رئاسية ثانية وهو دافع أساسى يحرك نشاطه السياسة كله .

فالإمارة الإسلامية لم تشهر ورقة الأسرى الأمريكيين لديها . وذلك من الأعاجيب غير المفهومة. فهى ورقة غاية القوة كان إستخدامها كفيلا بتغيير مسار السراب الحالى وتحويله إلى مسار حقيقى نحو حرية أفغانستان وإستقلالها .

من المحتمل أن يكون لدى الامارة مجموعة نادرة من الأمريكين الأسرى من ضباط الإستخباراتCIA كانوا فى طائرة أسقطتها حركة طالبان فى ولاية غزنى، قيل وقتها أن عددهم 17 موظفا إستخباريا !!. وهناك أسير آخر إعتقلته الحركة فى منطقة خوست جنوب شرق البلاد .

ـ ذلك الفوج النادر من الأسرى ، يمكن أن يقلب المشهد السياسى رأساً على عقب ، سواء فى أفغانستان أو فى الولايات المتحدة المشتعلة بنيران السباق الرئاسى المحموم بين ترامب الجمهورى وبين منافسيه الديموقراطيين .

 

تفاوض جديد حول الأسرى :

يمكن أن تعلن الإمارة الإسلامية أنها ستفتح ملف التفاوض حول هؤلاء الأسرى الأمريكيين بشرط أن يتم جلاء القوات المحتلة لأفغانستان بشكل كامل توافق عليه لجان التفتيش التابعة لقوات الإمارة الإسلامية . ويشمل الإنسحاب أنواع القوات التالية:

1 ـ القوات الأمريكية (مع الإفصاح عن عددها الحقيقى وأماكن تواجدها) .

2 ـ قوات الناتو وباقى الحلفاء ( مع الإفصاح عن عددها الحقيقى وأماكنها) .

3 ـ قوات داعش العاملة مع الإحتلال والسلطات الأفغانية، ممن جلبهم الإحتلال من خارج أفغانستان .

4 ـ فك جميع الميليشيات المحلية ، ووقف التمويل والتسليح الأمريكى لها .

5 ـ وقف التمويل الأمريكى للجيش والأمن التابعين للحكومة كابل .

6 ـ سحب قوات ” المتعاقدين”ــ المرتزقة ــ بجميع أنواعهم ، وعدم قبول تحويل تعاقداتهم من تعاقدات مع المحتل الأمريكى إلى تعاقدات مع الحكومة العميلة . مع إيضاح عدد تلك القوات .

 

أما عن الشروط السياسية لبدء مفاوضات الأسرى فهى :

1 ـ إعلان الولايات المتحدة مسئوليتها عن شن الحرب على أفغانستان .

2 ـ التعهد بدفع تعويضات حرب للإمارة الإسلامية ، بحد أدنى يساوى التكلفة الفعلية لتلك الحرب حسب ما أعلنت عن المصادر الأمريكية حتى الآن ـ أى حوالى ترليون دولار ـ أو حسب ما تقدره لجان تقدير الخسائر التى تشكلها الامارة مع مندوبين عن سلطات الإحتلال .

3 ـ تقدم الولايات المتحدة إعتذارا رسميا للإمارة الإسلامية وشعب أفغانستان عن شن عدوانها الغادر على ذلك البلد .

4 ـ يتعهد الجانب الأمريكى بالعمل على إعداد خرائط بالاماكن الموبؤة بالاشعاعات الذرية ، والإصابات البكتيريه والجرثومية والسموم . والتكفل بتنظيفها وعلاج المتضررين خاصة الاطفال ، والمزارعين .

5 ـ يفرج الجانب الأمريكى فورا وبلا ابطاء عن جميع المسلمين الذى إعتقلهم ظلما فى أعقاب حادث 11 سبتمبر . وأن يعلن تصفية معتقل جونتامو وباقى السجون السرية التى وزع فيها المعتقلين وعذبهم فيها . مع تعويضهم وتقديم إعتذار رسمى إليهم .

 

وسطاء عملية التفاوض حول الأسرى الأمريكيين :

إعلان أسماء الجهات المقبولة لعملية التفاوض . وهم الصين وروسيا وإيران من دول المنطقة ، إضافة إلى شخصية أو أكثر تمثيل الحزب الديموقراطى الأمريكى أو السيدة نانسى بيلوسى زعيمة الديمومقراطيين فى الكونجرس . أو أحد مرشحى الحزب الديموقراطى فى إنتخابات الرئاسة .

 

والهدف من تحديد تلك الجهات للتفاوض هو :

1 ـ إشراك الدول الأساسية المحيطة بأفغانستان فى متابعة الإتفاقات المتعلقة بتصفية الإحتلال وكسر الإحتكار الأمريكى فى تحديد الدول التى تتابع عن قرب أو تشارك فيما يجرى من مباحثات أو إتفاقات ، وجميعها دول تابعة لسياسة الولايات المتحدة .

2 ـ الهدف من إشراك الحزب الديموقراطى الأمريكى فى مباحثات الأسرى هو إضعاف موقف ترامب والعمل على إسقاطه فى الإنتخابات ، كعقوبة على الجرائم التى إرتكبها فى أفغانستان والعالم طمعاً فى تجديد مدة حكمة فى البيت الأبيض .

ولا يعنى ذلك أن الحزب الديموقراطى سيكون أفضل من الجمهورى فى كافة القضايا بما فيها أفغانستان .

 

ثانيا ــ عقوبات ضد الهند :

من مصلحة أفغانستان والهند والمنطقة كلها ان يسود التفاهم والسلام بين دول المنطقة لخدمة شعوبها وتحقيق الرخاء المشترك .

أما إذا انساقت الهند فى جبروتها المتعصب ضد المسلمين فى شبه القارة الهندية وفى أفغانستان ، فيجب أن يكون لذلك تبعات تطال المصالح الهندية .

ولكن من الأفضل دوما أن تكون العلاقات طبيعية بين أفغانستان والهند لما فيه مصلحة الشعبين والمنطقة . وسيظل ذلك الهدف ثابتا إلى تقتنع حكومة الهند بتطبيقه ولا تتبع السياسات الخطيرة التى تمليها عليها إسرائيل والولايات المتحدة لإثارة العداوة بين الهند والمسلمين، وبين الهند والصين .

– أخبار من الهند ، تبحث عن مزيد من التأكيد ، تشير إلى أن الحكومة الهندوسية المتعصبة قد باعت موقفها تجاه أفغانستان (ومسلمى الهند) فى مقابل حزمة من الرشاوى الإقتصادية والإستراتيجية . من أهمها منح الهند مكاسب دائمة فى مناطق المشيخات الخليجية ، على شكل سيطرة دائمة سياسية وإقتصادية . المكان الأكثر ترجيحاً هو إمارة دبى كلها أو على الأقل المنطقة الصناعية وميناء جبل على . يستدعى ذلك بالضرورة تواجدا عسكريا على الأرض وبحرياً مسلحاً فى مياه الخليــج .

{ حصلت تركيا على حزمة رشاوى إقتصادية وإستراتيجية لقاء بيع موقفها فى أفغانستان والمنطقة العربية لصالح إسرائيل والولايات المتحدة ــ سنتحدث عن ذلك فى موضعه } .

 

لدى الإمارة الإسلامية عقوبات يمكن إستخدامها لموزانة العدوان الهندى وردعه .. ومنها :

1 ـ منع الهند من إستخدام الأراضى والأجواء الأفغانية من أجل نقل تجارتها إلى روسيا ودول آسيا الوسطى .

2 ـ منع مرور أنابيب نقل الطاقة من دول آسيا الوسطى إلى باكستان حتى لا يتم تحويلها إلى الهند . مثل خط انابيب تابى ، أو أى خطوط طاقة تتجه إلى ميناء جوادر فى باكستان .

3 ـ إعلان التآخى بين بحر الصين والخليج الفارسى عبر “ممر واخان” الذى يربط أفغانستان بالصين . ذلك الممر الموحش ينبغى تحويله إلى ممر دولى عالى المستوى من الطرق البرية وخطط السكه الحديد وأنابيب نقل الطاقة من أفغانستان وإيران إلى المراكز الصناعية فى الصين .

تلك الشبكة من الإتصالات تربط بين ميناء شنغهاى على بحر الصين وميناء جوادر المطل على بحر العرب فى إيران ، وأيضا ميناء بندرعباس الإيرانى على الخليج الفارسى . يستلزم ذلك بناء موانئ حديثة لتجارة الدول الثلاث الصين وأفغانستان وإيران . ومراكز للتجارة الحرة مع العالم الخارجى .

روسيا تعتبر الموانئ الإيرانية ، خاصة ميناء تشبهار، منفذا هاما إقتصاديا وإستراتيجيا. وفى العام الماضى قامت إيرانمع الصين و روسيا بمناورات بحرية كبيرة فى المحيط الهندى لتأمين خطوط التجارة الدولية . ولا شك أن تواجدا تجاريا كبيرا للصين بالشراكة مع إيران وروسيا سيكون جارا متوازنا مع التواجد الهندى فى جبل على ، وأراضى دبى . وسيزيد ذلك من أهمية الخليج الفارسى تجاريا ويجعل منه أكثر إستقرارا بعيدا عن إستفراد أمريكا ودول الناتو. أو أى هواجس هندية بالتسلط الإمبراطورى على دول تلك المنطقة .

– ويمكن أن تتفاهم الإمارة مع الحكومة الصينية على إعطاء وضع متميز لمسلمى إقليم سنكيانج فى إطار تلك المشاريع العظمى المشتركة . وسيفيد ذلك فى ربط مسلمى الصين بالعمق الإسلامى فى أفغانستان ، ويخفف من الإحتقان الدينى والسياسى فى أوساط مسلمى الصين .

وفى حال تعقلت الحكومة الهندية وأحجمت عن عدوانيتها فيمكن الدخول معها فى مشاريع كبرى مشابهة ، والحصول على وضعية متميزة لمسلمى الهند وكشمير داخل تلك المشروعات.

4 ـ يمكن لحكومة الإمارة الإسلامية فى أفغانستان أن تقدم دعما ثقافيا وإعلاميا لمسلمى الهند بإقامة إذاعة ومحطة فضائية لنشر الثقافة الدينية والسياسية ونشر أخبار المسلمين فى الهند والعالم باللغات المشهورة فى الهند .

 

تركيا العدوانية فى أفغانستان :

كما فعلت الهند ، باعت تركيا موقفها إزاء شعب أفغانستان ، لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل فى مقابل مكاسب إقتصادية وإستراتيجية .

المكاسب الإقتصادية التى ستجنيها تركيا ليست موجودة على الأرض الأفغانية بل موجودة فى الأساس فى حقول غاز البحر الابيض المتوسط . لقد حجزت تركيا لنفسها مكانة جيدة فى حصص غاز شرق المتوسط بموافقة إسرائيلية أمريكية. وسيكون ذلك ثمنا فى مقابل أدوار عسكرية لتركيا فى أفغانستان وسوريا وليبيا. وبشكل ما أصبحت تركيا هى كل حلف الناتو بالنسبة لأمريكا وإسرائل،لأن أعضاء الحلف الأوربيين يطالبون بالمزيد من الإستقلالية العسكرية والإستراتيجية عن الولايات المتحدة ، فتقدمت تركيا أردوجان كى تسد الفراغ  وتظهر خضوعا أكبر ومطواعية كاملة لخطط أمريكا وإسرائيل فى منطقة الشرق الأوسط وأفغانستان .

– المنطقة المرشحة لدور تركى فى شمال أفغانستان تشهد منذ فترة مجهودا أمريكيا لتكوين كيان إنفصالى مكون من الأوزبك ، والطاجيك الذين أعرب عدد من قادتهم البارزين رغبتهم فى تكوين (حكومة) موازية لحكومة كابول ـ فى مشروع إنفصالى واضح يحظى بموافقة أمريكية إسرائيلية . وتم تركيز قوات الدواعش على ذلك الشريط الشمالى ، إضافة إلى وحدات جديدة لصناعة الهيروين بإشراف أمريكى طبقا لخطة توزيع لتلك الصناعة بما يتماشى مع المرحلة الجديدة فى أفغانستان كما يتصورها الأمريكى . أى كدولة مجزأة متصارعة فى كيانات منفصلة أو شبه منفصلة على أسس عرقية ومذهبية . ولعل العراق حاليا هو النموذج الأقرب فى التحول إلى مجرد دولة فاشلة تصارع نفسها فى وجود قوة إحتلال أمريكية يطلب الجميع رضاها وحمايتها، مع تواجد إسرائيلى كثيف لا يطرحه أى طرف كمشكلة ، بل يتظاهر الجميع تجاهه بالعمى والصمم .

 

 ثالثا ــ عقوبات ضد تركيا فى أفغانستان :

إذا نفذت تركيا بالفعل الخطوط الأمريكية على أرض أفغانستان . سيكون من حق الإمارة الإسلامية عند سيطرتها على كامل أراضى أفغانستان ، وهزيمة برنامج الإنفصال الذى ترعاه الولايات المتحدة . سيكون من  حق الإمارة معاقبة تلك الدول الخارجية التى ساندته .. ومن بينها تركيا ، وأن تتخذ من الإجراءات ما يكفل إغلاق أخطار التقسيم .. ومنها :

1 ـ منح الشركات الروسية حق التنقيب عن النفط والغاز فى المناطق الحدودية الشمالية الموازية لأوزبكستان وتركمانستان . وهى المناطق سبق أن إستخرج منها السوفييت الغاز الطبيعى ، ونقلوه بالانابيب إلى جمهوريات آسيا الوسطى . فالمهمة الروسية فى الإستكشاف والإستخراج ستكون أسهل وأسرع وهو ما تحتاج إليه الإمارة لإختصار الوقت اللازم لإعادة بناء وتنمية شمال أفغانستان ، وباقى المناطق .

2 ـ شركات النفط الصينية يمكنها مواصلة الإستكشاف والتنقيب و شرق الشريط الحدودى الشمالى مقابل طاجيكستان. وهى منطقة كان الأمريكيون منحوا الصين تصريحا بالتنقيب فيها. والشركات الإيرانية يمكنها التنقيب فى شرق الشريط الحدودى الشمالى و مناطق أخرى على الحدود المشتركة بين إيران وأفغانستان .

لهذا النشاط النفطى عائداته المالية والإقتصادية الكبيرة ، إلى جانب فائدته فى إغلاق منافذ التقسيم العرقى فى تلك المنطقة والذى تسعى إليه الولايات المتحدة بإستخدم تركيا والهند.

– الثروة المائية الأكبر أفغانستان تتمثل فى منابع نهر جيحون التى يقع منبعه داخل أراضيها . ويمكنها بالتعاون مع الدول الثلاث المنقبة على النفط فى الشمال أن يسير بالتوازى مع النفط مشروع زراعى كبير فى شمال أفغانستان يمكن تحويل أرض الشمال إلى مستودع للقمح والطعام لأفغانستان، وحتى للتصدير الخارجى.

ومع الدول الثلاث يتم بحث ـ والتنفيذ فى الوقت المناسب ـ لتمديد أنابيب طاقة من إيران وأفغانستان صوب الصين عبر ممر واخان ـ وعند الإتفاق على شروط مناسبة ، وإنتهاء مرحلة البحث ، وتقدم مرحلة التنقيب، يمكن البدء فى تمديد أنابيب الطاقة من أفغانستان . أما عن تمديدات الطاقة من إيران إلى الصين عبر ممر واخان فيمكن البدء فيها فور إتفاق الطرفين على المسائل المالية والفنية والسياسية . ومكاتب الإمارة (الإقتصادية والسياسية والعسكرية) تنخرط فى أبحاث تلك المشاريع، وتتابع عملية التنفيذ .

– على المستوى السياسى يمكن للإمارة تقديم الدعوة للسيد عبد الله جولن المعارض الإسلامى التركى ، لزيارة أفغانستان . ومنحه فرصة لبناء جهاز إعلامى إسلامى ثقافى موجه إلى تركيا وآسيا الوسطى .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

9-3-2020

 

إتفاق إحلال السلام في افغانستان3

 

 




مؤتمر الدوحة حول أفغانستان

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان 1

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان :

السلام المراوغ .. وإتفاقية إحلال السراب

(1)

 

 

العناوين :

– ثلاث قوى أساسية تم إستبعادها بالقوة من مهرجان “إحلال السراب” فى الدوحة وهى : الصين ، روسيا ، إيران .

–  الهند وتركيا مدعوتان لتدخل عسكرى مؤثر فى أفغانستان.

– البروتوكول القطرى أوقع وفد طالبان فى مواقف غير لائقة ، ولم يكن محايداً.

 

فى يوم مخادع تم توقيع إتفاقية مخادعة .. تحت إسم مخادع .. هو(إتفاق إحلال السلام فى أفغانستان).

29 فبراير !! .. فى العام القادم لن يجد أحد هذا اليوم حتى يحتفل بإتفاقية إحلال السراب . حتى التوقيت مخادع ، ناهيك عن كتل الخداع المتراكم فى ثنايا بنود الإتفاقية ، أو على الأقل فى الجزء المعلن منها حتى الآن .

كل أربع سنوات يأتى يوم 29 من فبراير ، لتطل علينا ذكرى توقيع إتفاقية السراب فى الدوحة. ولكن بعد أربع سنوات سيكون العالم كله قد تغير عدة مرات .

– بدأ ترامب منذ وقت طويل فى تجهيز المسرح الأفغانى والأسيوى والدولى لخلق أفضل مناخ لتوقيع إتفاق السراب. وفى تقديره أنه لن يخسر شيئا أكثر مما خسره بالفعل. أما إذا كسب ، حسب تقديره أيضا ، فسوف يكسب كل شئ . فسراب السلام سيتحول إلى حبل متين يشنق حركة طالبان ، بتغيير صفتها الحالية كقائد جهاد عظيم لشعب عظيم ، إلى مجرد مصارع داخل حلبة الأطماع .

ومعنى ذلك بلغة المال الذى لا يفهم ترامب غيرها ، فإن ما يقارب الترليون دولار من عوائد الهيروين سوف تستمر فى التدفق فى شرايين الإقتصاد الأمريكى سنويا .

وفى السياسة، التى لا يفهم منها ترامب سوى إستمراره فى الحكم ، فإن إتفاقية إحلال السراب فى أفغانستان تعتبر تأمينا كبيراً يضاف إلى رصيد يراكمه ، خاصة منذ أن بدأ حصاره الإقتصادى على إيران ، وصولا إلى إغتيال جنرال إيران الأشهر قاسم سليمانى على أعتاب مطار بغداد فى عملية شاركت فيها إسرائيل ، وتحديدا أحدى شركاتها الأمنية التى تشرف على(أمن مطار بغداد) . ولا غرابة فى ذلك مادامت نفس الشركة تشرف على أمن بيت الله الحرام فى مكة ، وأمن الأماكن المقدسة فى الحجاز ، وأمن دولة الإمارات من المطارات إلى ملاعب الكرة . فى الواقع فإن الأمن الإسرائيلى وشركاته أصبح مسئولا عن أمن أبقار النفط المقدسة داخل حظائرها الوطنية . ويدير بشكل مباشر أمن دول عربية كبرى . ولإسرائيل دور غير عادى فى حرب أفغانستان وملحقاتها.

 – فى عملية استراتيجية واسعة ـ لا تخلو من البراعة والقسوة ـ أبعدت الولايات المتحدة ولو بشكل مؤقت ، ثلاث قوى كبرى لها إرتباط كبير بأوضاع أفغانستان.

وفى نفس العملية دفعت صوب الساحة الأفغانية قوتان، بإغراء من أدوار جيوسياسية كبرى لكل منهما ، داخل أفغانستان ومناطق أخرى . أو بمعنى آخر ، أدوار لقوى إقليمية ترتفع درجتها فى المسرح الدولى ، بموافقة أمريكا وضمن نظام دولى ترسمه أمريكا وإسرائيل فقط . توزعان فيه الأدوار طبقا لظروف التدافع بين القوى الدولية ، خاصة تلك التى لا يناسبها ما يجرى على ساحة الصراع الجيوسياسى على إمتداد العالم . ونخص بالذكر هنا الصين وإيران وروسيا ، والإتحاد الأوروبى .

وتمهيداً لتوقيع إتفاق إحلال السراب ، فإن القوى التى دفعتها الولايات المتحدة بعيدا عن الساحة الأفغانية هى الصين وإيران وروسيا . وجذبت صوب أفغانستان كل من الهند وتركيا.

القوى الثلاث المستبعدة ، لم تظهر فى “لقْطَة” مؤتمر الدوحة، ولم يكن لها تأثير على قراراته. رغم خطورة تأثير أفغانستان عليهم ، وتأثيرهم عليها ، بحكم الجوار ، وسوابق التاريخ .

بينما حَفَلَ الصف الأول بمن لا صلة لهم بما جرى ويجرى فى أفغانستان . وبمن كان تأثيرهم عليها ضارا وسلبيا .

فإلى يمين وزير خارجية قطر، صاحب الإحتفال، جلس وزير الخارجية الأمريكى “بومبيو” بحجمه الديناصورى وثقل وزنه وظله ، متصدرا المهرجان الذى كان مناصفة بين مناسبتين تنافستا فى الأهمية ، وهما مناسبة توقيع إتفاقية السراب، ومناسبة مرور1000 يوم على حصار الأشقاء العرب لقطر راعية المهرجان . وجلس رئيس وفد طالبان بعيدا إلى اليسار، وكان من المفروض ، بصفته الطرف الثانى الذى سيوقع على الإتفاق ، أن يكون مباشرة على الجانب الأيسر لوزير الخارجية القطرى ،أى فى موقع مناظر لوزير الخارجية الأمريكى .

– قطر لم تكن أبدا على مسافة واحدة ، لا أثناء المفاوضات ، ولا أثناء المهرجان . ولكن وفد طالبان لا يلتفت إلى البرتوكول ، وربما لا يدرى بوجوده أصلا ، إذن لاعترض على ذلك الإهمال القريب من الإهانة. بل لاعتراض على إجراء مهين آخر حين دخل إلى الفندق عبر بوابة التفتيش (!!) وهو أمر لا يمكن تصور أن بومبيو قد تعرض له .. إذن لاستنفر جنوده من قاعدة العديد لإحتلال الفندق ، بل وقطر كلها .

من الدروس المستفادة لوفد حركة طالبان : أنه لا يجوز للوفد التفاوضى أن يتحرك بدون خبير بوتوكول ، حتى لا يتعرض لمثل تلك الإهانات التى تطال الجهة التى يمثلها .. وهى الإمارة الإسلامية .

ثم أيضا لا يجوز أن يشمل وفد التفاوض أكثر من ثلاثين شخصا !!. والعذر أنهم ذاهبون بنيَّة الإحتفال بنصر كبير حسب رؤية البعض . وكان وجودهم مجديا فقط فى لحظة التكبير بعد التوقيع على الإتفاقية . ويجزم بعض الأفغان أن من بين الأمريكيين فى القاعة من قضى حاجته على نفسه فى تلك اللحظة !!.

 – كانت لهجة “بومبيو” متعالية ، حتى يغطى على حقيقة تهافت الموقف الميدانى للثور الأمريكى الذى سقط إلى موقع الإذلال ، رغما عن إتفاقية ملغومة إلى الحد الأقصى الذى يسمح به الخبث الأمريكى والتآمر القطرى ، والتغاضى الأفغانى.

ترامب واصل غطرسته المستفزة. فقبل أيام من التوقيع وهو يرغى ويزبد قائلا بأنه يرغب فى الخروج من أفغانستان، ولكن إذا لم تلتزم طالبان فإنه “سيعاقبهم بشدة” !! .

والحقيقة أن قطر قدمت له خدمة العمر. فحصل على إتفاق ملغوم ، بعد أن كان مهددا بشكل جدى بالخروج من أفغانستان بهزيمة واضحة لم يكن يفصل توقيت وقوعها غير وقت قليل عن توقيع إتفاقية (السراب) فى الدوحة . إتفاقية لن تأتى بالسلام ، ولكنها أنقذت ترامب من هزيمة مؤكدة كانت وشيكة جدا. فأربكت البرنامج الميدانى لطالبان ولو بشكل مؤقت ، رغم أن وقتاً ثميناً قد ضاع بفعل .

 

 

إستبعاد بالقوة .. وبالجملة

إستبعدت أمريكا الصين ، بأن دشنت ضدها أول حرب بيولوجية فى هذا القرن ، وذلك فى ديسمبر 2009 قبل أقل من ثلاث أشهر من إحتفالية الدوحة.

خسائر الإقتصاد الصينى بسبب فيروس كورونا كانت فادحة وفى تزايد . وكورونا أخرى أصابت إيران لتُوقِعُها فى عزلة سدت ما تبقى من منافذ لم يتمكن منها الحصار الأول (حصار الإتفاق النووى). فأصبح الإقتصاد الإيرانى يتنفس تحت الماء.. وبدون رئة.

بالإضافة إلى ذلك تعيش الصين على حافة الحرب الساخنة بسبب التهويلات العسكرية التى تفرضها أمريكا فى بحر الصين الجنوبى، مع تحديات بعض الدول المحيطة بالصين .

– إستُبْعِدَت إيران من إحتفالية السراب فى الدوحة . إيران من جهتها تعيش تحت تهديد عسكرى دائم بالحرب الساخنة ـ سواء بتهديد أمريكى أو إسرائيلى ـ والأساطيل الغريبة فى الخليج الفارسى فى تزاحم لا تشهده شوارع القاهرة فى ساعة الذروة. فالجيوش “المستأجرة والحليفة والصديقة”  مكدسة على الشاطئ الغربى للخليج ، وكأنهم يستعدون لشن عملية “نورماندى” على شواطئ إيران .

إستبعاد إيران من إحتفالية السراب فى الدوحة، كان قرارا أمريكيا بدافع الإنتقام . بخلاف ما تقتضيه الروابط التاريخية والسياسية والإقتصادية بين إيران وأفغانستان . وذلك يضعف الإتفاق ولا يضعف إيران .

– الطرف الثالث المستبعد من إتفاق السراب كان (روسيا الإتحادية) فى تجاهل آخر فادح وخطير لحقائق الجغرافيا والتاريخ . فأمريكا التى لم تستطع إستبعاد تأثير روسيا فى كوبا وفنزويلا ونكاراجوا ، تعمل على تجاهلها فى أخطر مناطق آسيا الوسطى بالقرب من الحدود الروسية نفسها .

أمريكا تتخبط بشدة ، أو أنها تتصرف تحت وطأة هزيمة ساحقة فى أفغانستان . تؤثر على إجمالى موقفها مع الصين وروسيا وإيران وآسيا الوسطى والعالم . وذلك على أعتاب الموعد القاتل فى 2030 حين يصبح حجم إقتصاد الصين ضعف حجم الإقتصاد الأمريكى ، بما يعنى أن تستلم الصين من أمريكا راية قيادة العالم !! . أمريكا تريد القول بأن الحرب العالمية ودمار العالم أهون عليها من تسليم قيادة النظام الدولى للصين .

– روسيا تعانى من عقوبات إقتصادية أمريكية ومطاردة لصادراتها من السلاح فى أسواق العالم ـ وتهديد جدى لدورها فى سوق تصدير الغاز الطبيعى لأوروبا .

وذلك يمس الإقتصاد الروسى كما يضر بمكانتها السياسية فى العالم . وعلى أعتاب إحتفالية السراب فى الدوحة ، حركت الولايات المتحدة البيدق التركى ليزيد الساحة السورية إشتعالا تحت أرجل الروس . فتدفق الجيش التركى عبر الحدود صوب إدلب لتثبيت حزام أمنى لتركيا داخل سوريا . فكانت نيران إدلب تبعث الدفء فى أوصال مهرجان إحلال السراب فى الدوحة ، كونها تدفع روسيا بشدة خارج ترتيبات أمريكا لأفغانستان فى قادم السنين .

– فى لَقْطَةِ الصف الأول للإحتفالية، والتى توسطها رئيس خارجية قطر وإلى يمينه الوزير الضخم (بومبيو)، يتجلى التصور الأمريكى لمستقبل أفغانستان والمنطقة. كما توضح عيوب وثغرات ذلك التصور ، الذى يتجاهل حقائق المنطقة الجغرافية والتاريخية والسياسية . فبينما ينزوى ملا (عبدالغنى برادر)، رئيس وفد طالبان المفاوض ، بعيدا عن نقطة المنتصف التى إحتلها القطرى والأمريكى، يجلس فى الصداره وزراء خارجية باكستان وتركيا. وكلاهما من المشاركين الكبار فى غزو أفغانستان عام 2001 . فالقوات التركية مازالت هناك. والمخابرات الباكستانية تقوم بالأدوار التى تستعصى على التحالف الإستخبارى بين CIA والموساد فى أفغانستان وباكستان .

الشاويش”أوغلو”وزير خارجية تركيا تواجد ضمن صدارة الصف الأول فى اللقطة الشهيرة. فبلاده رحبت بتوسيع وتنشيط دورها العسكرى فى أفغانستان، مع تلميح بالإستعداد لزيادة عدد قواتها هناك، وتمديد فترة بقائها “حسب ماهو ضرورى” !!.

 وزير الخارجية الباكستانى كان من المتصدرين . ولولا الحساسية التاريخية بين الهند وباكستان لحضر كذلك وزير الخارجية الهندى ، فبلاده مرشحة أمريكيا لأداء دور عسكرى كبير فى أفغانستان إستكمالا للدورالتركى{ ومكملا  للدور الباكستانى كما سيأتى توضيحة لاحقا. وفى ذلك ميزة إعجازية تليق بالإمبراطورية الأمريكية التى تتقن فن إستخدام الأديان فى بناء الجغرافيا السياسية}. نظام كابل، وبلا خجل ، يطالب بقاعدة عسكرية هندية دائمة!!.

وزير خارجية إسرائيل ــ الغائب الحاضر دوما ــ يظهر فى تلك اللقطة ، ولكن فى شخص بومبيو الذى يمثل إسرائيل أكثر مما يمثل الولايات المتحدة . رغم أن حضور الوزير الإسرائيلى كان سيجعل المؤتمر أكثر صراحة ووضوحاً وأقل نفاقاً وإسرافاً فى التصنع . فالحرب فى أفغانستان ـ ومنذ سنوات ـ هى حرب إسرائيلية أكثر منها أمريكية. وتلك حقيقة ينبغى لهم التستر عليها ، على الأقل فى الوقت الراهن إلى أن تستتب أفغانستان لهم .. ولكن هيهات !! .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

7-3-2020

 

 

مؤتمر الدوحة حول أفغانستان

 




ضباب مفاوضات الدوحة يخفى تراجع قضية الإنسحاب

ضباب مفاوضات الدوحة يخفى تراجع قضية الإنسحاب

مكاسب الجهاد .. وهزائم التفاوض :

ضباب مفاوضات الدوحة يخفى تراجع قضية الإنسحاب

ــ  أهم مؤامرات التفاوض هى إستبعاد الإمارة الإسلامية عن أى دور فى أفغانستان ، وفصلها عن قوتها الضاربة ــ  حركة طالبان ــ التى سوف تفرض عليها قيادة يختارها خليل زاد وعصابته.

ــ  ترامب والدوحة يجعلان “المفاوضات” و”السلام” هما القضية الأولى ،  ويدفعان بالإنسحاب العسكرى إلى هامش مفاوضات لا نهائية قادمة .

-الإمارة رفضت من حيث المبدأ فكرة ذهاب وفد إلى الولايات المتحدة .

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

الثامن من سبتمبر 2019 كان يوما مميزا فى تاريخ أفغانستان الحديث، ويحتاج إلى المزيد من الوقت حتى يتكشف عمق الزلزال الذى فجره الرئيس الأمريكى (ترامب) بإعلانه وقف المفاوضات مع مكتب الدوحة ، والذى يمثل الإمارة الإسلامية فى أفغانستان بصفته مكتبها السياسى .

الحجة الرئيسية التى قدمها ترامب كمبرر للإنسحاب من المفاوضات هو عملية “القرية الخضراء ” التى شنها مجاهدو حركة طالبان على واحد من أكبر مراكز”التجسس والترفيه” للقوات الأمريكية والحليفة . مركز وصفته بعض مصادر الأخبار بأنه موقع أمنى يقع بالقرب من مقر (مهمة الدعم الحازم) التى يقودها حلف الناتو فى أفغانستان .

قال ترامب أن طالبان إعترفوا بالعملية التى ( أسفرت عن مقتل أحد جنودنا العظماء و11 آخرين ) حسب تعبيراته . ثم إنتقد ( عدم إستطاعتهم ـ أى طالبان ـ قبول وقف النار خلال مباحثات السلام المهمة ) وفى المقابل قادرون على قتل 12 بريئا (!!!) .

وختم ترامب تغريدته بالتساؤل { إلى متى سيستمرون فى القتال ؟؟} .

الفقرة الأكثر أهمية فى كلام ترامب هى قوله أنه كان مقرراً أن يلتقى ذلك اليوم الأحد (8سبتمبر) فى ” كامب ديفيد ” ـ بشكل منفصل وسرية تامة (!!) ـ كلاً من الرئيس الأفغانى أشرف غنى و”القادة الرئيسيين لطالبان”  وادَّعَى أنه ألغى الإجتماع فور سماعه عن نبأ الهجوم الإستشهادى على “القرية الخضراء” فى كابول .

كامب ديفد ” و” المفاوضات السرية ” ، و” القادة الرئيسيين لطالبان ” مصطلحات أحدثت صدمة كهربائية عالية ، فى الكثير من الأوساط الأفغانية وتلك المُتابِعَة لقضية أفغانستان ـ فهذه هى المرة الأولى التى يقترن فيها إسم أفغانستان مع إسم(كامب ديفد) سئ السمعة بين شعوب العالم الإسلامى ، والمرتبط بخيانة فلسطين والإرتماء فى أحضان أمريكا وإسرائيل ، فكان (أنور السادات ) هو الخائن الأول فى مسيرة كامب ديفد . وتساءل متابعون عن من يقصدهم ترامب “بقادة طالبان الرئيسيين”؟؟. فمن هؤلاء الذين حازوا رضا ذلك الرئيس المتعصب دينيا وعرقيا، ورائد العدوان والبلطجة السياسية فى العالم ؟؟ ، والذى أعلن رفع أى قيود من أمام قواته عند قتل الأفغان .

هذه هى كامب ديفد فأين هو “أنور” أفغانستان ؟؟. وهل سيفاجئ ترامب الجميع (بأنور سادات) من أفغانستان ويوقع معه معاهدة سلام (ملزمة للأفغان فقط)؟؟. ثم تأتى أمريكا بعدد لا يحصى من الدول والهيئات العالمية والإقليمية ، بداية من منظمة التعاون الإسلامى وصولا إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة . يهرولون نحو أمريكا خوفا منها وطمعا فى ما لديها . ولن يمنع ذلك أمريكا من فرض فهمها الخاص على ذلك الإتفاق ، كما فعلت بجميع إتفاقاتها مع الحلفاء والأصدقاء والأعداء على حد سواء . فلا قانون دولى أو أخلاقى أو إنسانى يمكن أن يكبح إنفلات الأمريكا وعدوانها على الجميع . وقتها لن يقف أحد مع الأفغان ، وسوف يتبخر شهود الزور على إتفاق أمريكا مع (قادة طالبان الرئيسيين) الذين لم تتكشف أسماؤهم حتى الآن . وربما يفصح ترامب عن إسم من إختاره لإكمال مسرحية ” كامب ديفيد” والقيام بدور أنور السادات . أما “أشرف غنى” رئيس أفغانستان فقد يكون مؤديا للدور الذى قام به مناحيم بيجن رئيس وزراء إسرائيل ، والذى شارك السادات فى بطولة مسرحية السلام والمصالحة بين المصرى والإسرائيلى . وهى المسرحية التى يعيش المسلمون حتى هذه اللحظة تبعاتها الثقيلة .

هل ينتظر ترامب إنتخابات الرئاسة الأفغانية هذا الشهر حتى يحدد إسم مناحيم بيجن القادم إلى كامب ديفد؟ ، كما ينتظر إنتخابات إسرائيل لتحديد إسم ملك اليهود الذى سيلعب دور البطولة فى صفقة القرن الإسرائيلية أمام خونة الإسلام فى جزيرة العرب .

وهل يشير ذلك إلى إرتباط بين صفقة القرن الإسرائيلية وبين كامب ديفد الأفغانية ، فالمسرحيات جاهزة ، والباقى هو كشف أسماء أبطالها ؟؟ .

ترامب لم يترك مجالا للشك فى أنه يريد (نتنياهو) زعيما لإسرائيل يقود إقتحامها لجزيرة العرب كهدف أول ، وأن يحكم قبضته على أفغانستان ليخضع منها إيران وآسيا الوسطى وباقى العالم كما جاءت به نبوءات سياسيين أمريكين وأوربيين ، بأنهم يريدون تحويل أفغانستان إلى إسرائيل أخرى. “تونى بلير” رئيس وزراء بريطانيا السابق تنبأ أن حلف الناتو سيحكم العالم خلال القرن الحادى والعشرين من قاعدة “شورآب” العسكرية فى هلمند .

ومؤخرا .. أنباء عن كرم سعودى بتمويل نفقات حملة إنتخابات الرئاسة فى أفغانستان والتى من المفترض أن تجرى فى هذا الشهر (سبتمبر) رغم عدم وجود دلائل على نجاحها أو ثقة فى إتمامها . ولكن أموال السعودية جاهزة دوما لخدمة إسرائيل وأمريكا فى كل مكان وزمان.

طبعا الدولارات النفطية للسعودية وقطر والإمارات جاهزة لصناعة (أنور سادات) جهادى فى أفغانستان . فهم من صنعوا (أنور سادات) مصر ، وأنفقوا عليه بشكل شخصى مئات ملايين الدولارات كرشاوى ، إشتروا بها (أهم زعيم لأهم دولة عربية) فتح أبواب الدول العربية بل والعالم الإسلامى أمام إسرائيل تفعل به ما تشاء . وحقائب أموالهم هى التى جعلت من سياف (أميراً للجهاد فى أفغانستان).

– السعودية ظهرت مؤخرا على الساحة الأفغانية ، بعد أن تركت لسنوات المجال الأفغانى لغريمتها قطر ، التى ملأت فراغ التآمر بجدارة وإحترافية أفضل من الغَشَم السعودى . حتى أصبحت الدوحة التى تجتهد لتشكيل وضع سياسى جديد فى أفغانستان يجمع بين “طالبان” وبين عملاء أمريكا . كما نجحت السعودية فى الجهاد السابق ، وعلى يد مدير مخابراتها ” تركى الفيصل” الذى شَكَّلْ حكومة المجاهدين بقيادة صبغة الله مجددى والتى كانت حكومة إئتلافية بين أحزاب بيشاور “الجهادية” ، وبقايا القيادات الشيوعية فى أفغانستان.

فهل يكرر التاريخ نفسه بصورة جديدة ، فتدخل أفغانستان فى نفق أسود صنعته لها الدوحة كما دخلت قبلا نفقا صنعته لها الرياض؟؟.

إذا كان الأمر كذلك فإن ترامب لم ينسحب من المفاوضات وإنما تريث حتى تسفر إنتخابات كابول وتل أبيب عن أسماء أبطال مسرحيتي صفقة القرن الإسرائيلية وصفقة كامب ديفد الأفغانية التى ستفتتح ـ لو تمت ـ فصلا داميا فى تاريخ المسلمين ، وتحضر لهم نفقاً أشد سوادا من نفق (كامب ديفد) المصرية الإسرائيلية .

قد نجد بعض معالم الخلاص فى بيان صادر بإسم الإمارة الإسلامية جاء ردا على الرئيس المغرور دونالد ترامب الذى قال بأنه { ألغى مفاوضات السلام مع حركة طالبان } .

 

1 ـ يقول بيان الإمارة فى فقرته الأولى :

{ كانت لدينا مفاوضات مفيدة مع فريق التفاوض الأمريكى وأكتملت الإتفاقية . كما كان فريق تفاوض أمريكا راضيا عن التقدم الحاصل حتى يوم أمس ــ أى يوم السبت السابع من سبتمبر ــ وكانت الجهتان مشغولتان إستعدادا لإعلان الإتفاقية وتوقيعها } .

واضح من تلك الفقرة أن هناك إتفاقا مكتملا ينتظرالتوقيع الوشيك ، وسوف تتبعه خطوات تاليه خطيرة ومحددة بتوايخ ثابته كما سيظهر من الفقرة التالية عن التفاوض الأفغانى/ الأفغانى فى 23 سبتمبر(!!) . وسوف نناقش ذلك فى موضعه.

– يقول خليل زاد فى حواره مع قناة طلوع : { تم إطلاع المسئولين الحكوميين الأفغان على الإتفاق ، ولم يتم تسليمهم متن الإتفاق } .

وقال أيضا : { لقد وصلنا إلى إتفاق مع طالبان وننتظر موافقة ترامب عليه } .

.. { لم يتضح من سيوقع الإتفاق مع طالبان من طرف الولايات المتحدة } .

..{ هناك إمكانية ضعيفة لقيام ترامب بتغيير الإتفاق } .

وخلاصة ما جاء حول هذه النقطة فى بيان الإمارة وحوار خليل زاد هو :

1 ـ هناك إتفاق مكتمل بين الجانبين المتفاوضين ، ينتظر التوقيع النهائى .

2 ـ حكومة كابول ليس لديها نص الإتفاق ، ولديها إحاطه شفوية فقط .

3 ــ أمريكا هى التى ستُقِر ذلك الإتفاق .

مع العلم فإن “خليل زاد” تكلم كثيرا عن رفض بلاده لنظام الإمارة الإسلامية أوعودة الإمارة إلى أفغانستان ، ولكن بلاده تعترف بطالبان.

فهل يعنى ذلك أنه يريد من طالبان أن تتخلى عن الإمارة الإسلامية ؟؟ . وفى أى مرحلة يريد أن يتم ذلك؟؟ ومَنْ سيقود حركة طالبان إذا ما أصبح يربطها إتفاق سلام مع الولايات المتحدة ، بتوقيع من مكتب الدوحة وليس الإمارة ؟؟. ومن هى الجهة التى ستختار القيادة الجديدة لطالبان ؟؟. ومن هو “تركى الفيصل” الجديد الذى يمكنه أن يجرى عملية جراحية سياسية معقدة كهذه ؟؟. وكم ستكلف طبقا للأسعار الجديدة وحالة التضخم وتدنى سعر الدولار؟؟ وقد كان سعر حكومة مجددى ــ مثلا ـ هو 150 مليون دولار أتعابا لسياف الذى رتب العملية ميدانيا .

ولماذا لا تُنشر تفاصيل الإتفاق علنا قبل التوقيع عليه ؟؟. فتأثير الإتفاق يشمل شعبا بكامله ، بل الشعوب الإسلامية كلها. حتى يبدى قادة المجاهدين الميدانيين رأيهم فى الإتفاق قبل التوقيع عليه لضمان تأييدهم له .

 

2 ـ الفقرة الثانية فى بيان الإمارة :

وجاء فيها: { كما قررنا تاريخ 23 سبتمبر من العام الجارى ، اليوم الأول لجلسة المفاوضات بين الأفغان بعد توقيع وإعلان الإتفاقية مع الأمريكيين .

… وقد دعمت دول المنطقة والعالم والمنظمات الدولية هذا المشروع أيضا } .

وفى التعليق نقول :

الإمارة قد إعتبرت منذ البداية أن حكومة كابول هى جزء من الإحتلال الأجنبى . وأصرت على أن يكون أى تفاوض منحصر بالطرف الأصلى المسئول عن إشعال تلك الحرب وإستمرارها ، أى الولايات المتحدة .

وإعتبرت الإمارة أن رحيل قوات الإحتلال بكاملها من كل أفغانستان هو الخطوة الأولى لإقرار (السلام ) فى أفغانستان . وأن التفاوض مع نظام كابول هو شأن داخلى لا شأن للمحتلين به .

ولكن البيان تحدث عن مفاوضات بين الأفغان فى الثالث والعشرين من سبتمبر ، بينما الإحتلال مازال جاثما فوق أرض أفغانستان ولم يرحل .  فأمر الإنسحاب مازال معلقا . والإحتلال قائم طالما هناك جندى أجنبى واحد على أرض أفغانستان، ولا قيمة لأى إتفاق يتم التوقيع عليه مع أمريكا مالم يؤكده على الفور إنسحاب فعلى وكامل لقوات المعتدين .

والكلام فى مفاوضات الدوحة هو عن رحيل جزئى للقوات الأمريكية، مترافق مع تأكيدات تصدر من واشنطن بأن قواتها ستظل فى أفغانستان ولن ترحل عنها بشكل كامل .

– حسب الكلام الأمريكى المضلل فإنهم سوف يسحبون خمسة آلاف جندى من 15 قاعدة عسكرية فى مدة 135 يوما . ويقول الأمريكيون أن لهم  18000 جندى فى أفغانستان ــ غير قوات الحلفاء والمستأجَرين). ومع ذلك لا ذكر لأى برنامج إنسحاب لباقى القوات ، ونرى إنتقالا متسرعاً بلا مبرر صوب الحديث عن مفاوضات بين الأفغان ، فى ظل دعم دولى ، فأين كان ذلك الدعم خلال السنوات الثمانية عشر الماضية؟.

وهل أيَّد أحد من تلك الجهات جهاد شعب أفغانستان ضد الإحتلال الأمريكى المدعوم بقوات من حوالى خمسين دولة؟؟. وهل يصلح أن يكون دعم تلك الجهات مصدرا لأى شرعية تتعلق بأفغانستان؟؟ .

–  إن توقيع إتفاقية مع الأمريكيين لا يعنى أن تلك الإتفاقية سوف تنفذ ـ ومعروف هو موقف أمريكا من جميع إتفاقات الدولية بلا إستثناء ـ فهى لا تلتزم بأى إتفاق ، بينما تُلزِم الآخرين بما ترغب فى إلزامهم به ، حتى لو كان خارج الإتفاق المشترك أو القانون الدولى .

إتمام إنسحاب قوات الإحتلال إنسحابا كاملا ، يجب أن يسبق الحديث عن أى موضوع آخر ، مثل الحوار الأفغانى الداخلى . لأن ذلك يعنى التنازل عمليا عن شرط إنسحاب قوات الإحتلال وفتح الباب أمام مفاوضات لا نهاية لها مع المحتل الأمريكى (لإقناعة بالإنسحاب الكامل) فى مقابل المزيد من التنازلات نقدمها إليه ، بما يجعل التبعية له مؤكدة وإنسحابه الكامل مستحيلا ـ كما هو الحال فى العراق ـ

فمن الضرورى عدم تجزئة مفاوضات الجلاء ، فجميع القوات المعتدية يجب أن يشملها إتفاق واحد وجدول إنسحاب واحد . فتعدد الإتفاقات هو تحايل لإستمرار الإحتلال والدخول فى مفاوضات لا نهاية لها ، تستقر خلالها أوضاع جديدة ويترسخ الإحتلال فى صورة جديدة . وأى بحث لموضوع أفغانى داخلى والبلد واقع تحت الإحتلال معناه قبول الوصاية السياسية للمحتلين على الوضع القادم فى أفغانستان . كما أن الإتفاق مع الأمريكيين حول مسائل مستقبلية هو وقوع فى شبكة الوصاية الأمريكية ، وإشرافها على سياسة أفغانستان فى المستقبل ، أى خضوع إختيارى لإحتلال سياسى وإقتصادى بدون قتال أو جيوش .

–  يقول خليل زاد: (سنخرج من 15 قاعدة عسكرية فى غضون 135 يوما) ــ وهذا يدخلنا فى لعبة خداع الأرقام التى يبرع فيها الأمريكيون ــ

فكم سوف يستغرق الإنسحاب الكلى، هذا إن كان هناك إنسحاب كلي ؟؟ .

حيث قال خليل زاد فى تصريحه { أنه لم يُحَدَّد موعد لخروج كافة القوات من أفغانستان } .

إذاً عن أى إتفاق يتحدثون؟؟ ، وعلى أى إتفاق سوف يوقعون ، طالما هناك إحتلال مستمر لأجل غير محدد؟؟ . فلماذا الغموض وتلك الهرولة بينما مجاهدونا هم الأقوى فى كابول نفسها ؟؟ . فليس فى صفوفنا من هو خائف من الإنتصار. ولا من هو متعجل لأداء فريضة الحج إلى كامب ديفد أو حتى يرغب فى سماع ذلك الإسم النكد ؟؟. وليس أفغانيا ولا مسلما من يتوق إلى جائزة نوبل للسلام ، فى مقابل الإستسلام .

ومع كل ذلك أبقى خليل زاد الباب مفتوحاً أمام ترامب كى يعبث فى بنود إتفاق يخلو من أى إتفاق حول النقطة الرئيسية للتفاوض وهى جلاء قوات الإحتلال . فقال خليل زاد ( إن هناك أمكانية ضعيفة لقيام ترامب بتغيير الإتفاق ). بما يعنى أن يد ترامب طليقة فى تغيير ما يشاء من بنود الإتفاق .

– وليس معلوما حتى الآن، من سيوقع ذلك الإتفاق فى الجانب الأمريكى . ومن فى الإمارة سيوقع على إتفاق تم إعداده فى أجواء الدوحة التى تفتقد تماما إلى الشفافية والمصداقية ؟؟.

فأمريكا لن توقع إتفاقا مع الإمارة الإسلامية التى لا تعترف بها ولا تريد عودتها إلى حكم أفغانستان . معنى ذلك أن التوقيع سيكون مع مكتب الدوحة بصفته ممثلا لحركة طالبان وليس ممثلا للإمارة الإسلامية . وذلك إن حدث سيجعل منه عمليا مكتبا قياديا لحركة طالبان ، ورئاسة المكتب قيادة لحركة طالبان . ومن تضعه الدوحة رئيسا للمكتب (كما وضعت السعودية سابقا سياف أميرا للجهاد ) سيكون واقعيا رئيسا لحركة طالبان وستفرضه أمريكا على المجتمع الدولى والمنظمات الدولية والإسلامية ، ومن السهولة أن تدخله ضمن حكومة جديدة فى كابل { حكومة برأسين أو حتى ثلاثة رؤوس حسب تعبير المجاهدين ، أى نظام حكم ممزق ومتعدد القيادات كما هو الحال الآن فى كابل } حكومة تحظى بإعتراف دولى كما حدث مع كرزاى فى بداية تسلمه لحكم أفغانستان فى مؤتمر بون بألمانيا ، الذى تبعته سلسلة من مؤتمرات “المانحين” الذين إبتزت منهم أمريكا المليارات لدعم حكومتها العميلة فى كابل . وكانت فى الواقع تجمع من “المانحين” تكلفة حملتها العسكرية على أفغانستان .

 

إنتصار بالجهاد .. وهزيمة بالسياسة :

فالإنتصار الباهر فى ساحة المعركة قد يتحول إلى هزيمة ماحقة على طاولة التفاوض كما حدث للمجاهدين فى أعقاب إنتصارهم على السوفييت . وتلك مخاوف موجودة منذ أن ظهرت فكرة التفاوض مع الأمريكيين فى غير موعدها ، وأقيم مكتب سياسى فى غير مكانه الصحيح ، ليؤدى دوراً غير الذى كان يفترض به أن يؤديه. وإذا لم تؤخذ الأمور بالدقة والعناية اللازمة ، فقد ينتهى المطاف ليصبح ذلك المكتب مدخلا خلفياً لبقاء الإحتلال الأمريكى وبديل عن الإمارة الإسلامية نفسها ، وموطنا لظهور مجددى آخر على رأس حكومة من تأليف خليجى، يوفر الأمريكيين لها تأييدا دوليا شاملا .

– إن قام مكتب الدوحة بالتوقيع على الإتفاق ــ وليس مجلس شورى الإمارة أو أمير المؤمنين ــ فيعنى ذلك عمليا إستبعاد الإمارة عن مسرح أفغانستان ، وفصل الإمارة عن مكتب قطر وعن حركة طالبان . وهكذا تتحق واحدة من أكبر الأهداف الأمريكية ، وتنجح فى أحد خدعها التفاوضية الكبرى .

أما من يرفض ذلك التخطيط الأمريكى الذى سوف تعترف به معظم دول العالم والمنظمات الدولية ومنظمة التعاون الإسلامى ، فسوف يواجه عزلة شاملة وربما قوات إسلامية ودولية لكسر شوكته واستخدام القوة (لإقرار السلام ، ووقف العنف !!). يرافق ذلك برنامج لإعادة الإعمار بهدف إجتذاب الشعب بعيدا عن طالبان والجهاد . وبعد إخماد جذوة طالبان سيتوقف الإعمار ويعود كل شئ إلى أسوأ ما كان عليه . وميادين الفساد الحكومى سوف تشهد وجوها جديدة كانت محسوبة على الجهاد ، كما شهدت بعد رحيل السوفييت وجوها كئيبة مغبرة من قادة “الأحزاب الأصولية” ، الذين تحولوا إلى أعوان للإحتلال وأعمدة للفساد والفوضى .

 

3 ـ الفقرة الثالثة من بيان الإمارة :

– يقول البيان :

( قدم لنا خليل زاد دعوة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ترامب لزيارته فى أواخر شهر أغسطس فى العام الجارى . نحن أجلنا السفر إلى حين توقيع الإتفاقية فى الدوحة ) .

{ رغم أخبار تفيد بأن الإمارة الإسلامية رفضت فكرة ذهاب وفد إلى أمريكا من أساسها } .

وكأنه من حيث المبدأ من المقبول أن يذهب ” قادة رئيسيون من طالبان” لزياة ترامب!! .  فى حين أن وقف إطلاق النار غير متفق عليه (حسب خليل زاد) والإنسحاب الكامل نفسه غير محسوم وتحول إلى قضية مائعة ، كمقدمه لتناسيه تماما والإنشغال بخطوات تالية ، منها التفاوض مع النظام العميل تحت مسمى الحوار الأفغانى . فتتحول القضية من جهاد فى سبيل الله إلى (حوار وطنى) للمصالحة و”إحلال السلام” و”نبذ العنف” تحت إشراف الولايات المتحدة ورئيسها ترامب المحب للسلام ، الذى يتحدث عن جدارته الشخصية بالحصول على جائزة نوبل للسلام ، وقد تكون المصالحة الأفغانية مضافاً إليها صفقة القرن اليهودية مدخلان لتحقيق أمنيته (حتى لا ينفرد عدوه أوباما ، الرئيس الأمريكى السابق، بذلك الشرف الذى حصل عليه مقدما فى مقابل جنايات سوف يفعلها بالمسلمين خلال حكمه الذى لم يكد يبدأ ).

وكأن ترامب لم يعط القدس هدية وعاصمة أبدية لإسرائيل ، ولم يحذف شعب فلسطين من لائحة شعوب العالم ،  ولم يمنح إسرائيل هضبة الجولان السورية ، ولا يساندها فى تهويد الخليل وجميع أراضى فلسطين ، ولم يفتح لها طريقا بطول جزيرة العرب وعرض كل بلاد العرب ، ولم يحارب اليهود إلى جانبه فى بلاد المسلمين من أفغانستان إلى اليمن مرورا بسوريا والعراق وليبيا .

(الزيارة) المذكورة إلى ترامب ، تفتح ملفاً مستقبلياً من العلاقات مع الولايات المتحدة . والتى تنبأ “خليل زاد” ولم يستبعد أن حركة طالبان (وليس الإمارة الإسلامية التى لا يعترف بها ولا يطيق ذكر إسمها ) سوف تصبح صديقا للولايات المتحدة . ويقصد حركة طالبان التى يتمناها منفصلة عن الإمارة الإسلامية وتخضع لقيادة تختارها وتثق بها الولايات المتحدة ومشيخات النفط .

– ثم يكيل خليل زاد المديح بدون مناسبة لحركة طالبان ، فيقول أنه (إكتشف بعد تسعة أشهر من المفاوضات أن طالبان ليسوا تحت إمرة دولة أجنبية وأنهم ـ إلى حد كبير محبون لبلادهم) . لم يكن طالبان فى حاجة إلى تلك الشهادة التى لم تكتشف جديدا ـ غير أنها نوع من المداهنة والتزلف إلى طالبان لسحبهم لاحقا بعيدا عن الإمارة الإسلامية كى تظلهم قيادة مصنوعة بأموال النفط ، قيادة جديدة يسعدها زيارة ــ عدو الإسلام والمسلمين ــ ترامب فى وكر كامب ديفد . ولا يفصلها عن الإنخراط فى نظام كابل سوى إزاحة الإمارة عن الطريق ، فتصبح طريقهم مفتوحة ليس فقط إلى  كامب ديفد بل إلى إسرائيل نفسها .

ولكن ترامب الفظ الغليظ بدأ فى إبتزاز طالبان حتى قبل توقيع الإتفاق ، فأعلن (وقف مفاوضات السلام !!). بالتأكيد هو يطالب بالمزيد . وليس أقل من وقف إطلاق نار دائم غير مشروط بغير وقف العنف وإحلال السلام (أى بقاء الإحتلال إلى الأبد). ويأخذ على طالبان قتلهم 12 شخصا “بريئا” ــ مع أن القتلى ضباط إحتلال وليسوا تلاميذ فى حضانة أطفال ــ ومن بينهم (جندى أمريكى عظيم)ــ عظيم فى أى شئ ؟؟ــ

إنه يستدرج طالبان إلى منطقة التفاوض “من أجل السلام” ، الذى أولى خطواته وقف إطلاق النار، وثانيها تفاوض أفغانى داخلى لرسم طريق المستقبل والعلاقات مع أمريكا و(شكل التواجد العسكرى الأمريكى ) وليس التخلص منه. فيتم وقف الجهاد ، وتخطيه برشاقة ، بتغيير عدد محدود جدا من المصطلحات ، مثل : الجهاد ـ والنظام الإسلامى ـ وتحكيم الشريعة .

كل ذلك فى مقابل مكتب مكيف فى الدوحة إلى جوار أكبر قاعدة عسكرية أمريكية فى الشرق الأوسط . لقد أعطت قطر للأفغان مكتبا للتفاوض فى الدوحة .. وتسعى إلى سلبهم وطنهم أفغانستان . فياله من إنتصار سياسى للمتفاوضين !!! .

 

من المناسب سماع مقترحات ، ربما تناسب الموقف الحالى .. مثل :

1 ــ إغلاق مكتب قطر فورا .. فمازال فى الدوحة سراديب عميقة من التآمر المتصل . و 80% من مساحة أفغانستان التى تسيطر عليها الإمارة الإسلامية فيها متسع لعمل مكتب سياسى ، إلا إذا كان الهدف هو البحث عن حل ، لا هو أفغانى ولا هو إسلامى ، كالذى نراه الآن من (إتفاقات مكتملة وجاهزة للتوقيع) بدون أن يدرى أحد عن محتواها الحقيقى شئ . وتؤدى إلى إستبعاد الإمارة الإسلامية من التواجد فى أفغانستان ، واستنساخ أشباح حديثة لحكومة مجددى ونهج أنورالسادات ، وإستكمال المؤامرة الأمريكية الخليجية على أفغانستان .

2 ــ إستدعاء جميع أعضاء المكتب إلى أفغانستان كمجاهدين عاديين . وحبذا لو تفاوضت الإمارة مع حكومة قطر من أجل إطلاق سراح معتقليها الذين تم الإفراج عنهم من جوانتانامو كى يعتقلوا فى الدوحة داخل معتقل المكتب السياسى . ومن هناك إنضموا إلى عملية التفاوض . فكيف يتفاوض أسير مع سجانيه من أجل حرية وطنه المحتل؟؟ . ونتمنى لو أتيح للإمارة إدخال ملا برادر إلى أفغانستان ، حيث بيئته الطبيعية لممارسة البطولة ، والتفاوض الصحيح مع الأمريكيين، فى ميدان الحرب باللغة التى يفهمونها.

3 ــ تعليق أى مفاوضات مع أمريكا وعملائها المحليين . والإصرار على إنسحاب كامل غير مشروط لجميع القوات الأجنبية من أفغانستان ، وبدون تفاوض أو إتفاق مسبق . ورفض أى حديث مع المحتلين حول أى وضع داخلى فى أفغانستان بعد التحرير.

4 ــ نشر الإتفاق الذى كان على وشك التوقيع بين أمريكا ومكتب قطر ، للتأكد من تماثل نسخة الإتفاق الذى كان من المزمع التوقيع عليه مع الأمريكيين ، مع النسخة التى بحوزة الإمارة وتتكلم بمقتضاها. فربما كان هناك (أخطاء فى الترجمة) يخشى أن تؤدى إلى تبعات سياسية وقانونية .

ــ إن إستعجال العدو لعقد إتفاق ، والركض وراء السلام جاء فقط عندما تحققت هزيمة الجيش الأمريكى وهروب معظم قواته من أفغانستان . فتعداده هناك الآن قد لا يتعدى ألف أو ألفَي جندى. والتفاوض يدور حول سراب ، فليس هناك جيش أمريكى بالشكل المتخيل . فالمعركة على الأرض الأفغانية تديرها المخابرات الأمريكية ويقوم بها الجيش المحلى وقوات المرتزقة الذين تمولهم أبو ظبى ، التى مع باقى مشيخات النفط تتوسط وتضغط وتتآمر لأجل (سلام) هو إستسلام كامل لأمريكا ، وفتح الأبواب لليهود حتى يستولوا على أفغانستان ، لتصبح أفغانستان إمارة خليجية وليست إمارة إسلامية .

وأكبر أهداف التفاوض هو دق إسفين التفرقة بين الإمارة الإسلامية وبين قوتها الضاربة ــ حركة طالبان ــ حتى تنتهى الإمارة سياسيا وتقع طالبان فى مصيدة قيادة منتقاة ، يختارها خليل زاد وعصابته.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

مكاسب الجهاد .. وهزائم التفاوض : ضباب مفاوضات الدوحة يخفى تراجع قضية الإنسحاب