جلال الدين حقانى 16

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 16

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 166 ) | ربيع الثاني 1441 هـ / ديسمبر 2019 م .

06/12/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 16 )

ولننظر الآن إلى بعض أسرار حملة جاور 1986 ــ والتي أرسلتها فى يونية 1986 إلى صحيفة الاتحاد الإماراتية، بعد انتهاء المعركة، وتوافر معلومات إضافية وصلت إلى الشيخ جلال الدين حقاني عبر شبكة استخباراته الخاصة من المتعاونين معه في مدن خوست و جارديز و كابول العاصمة.

رسالة أفغانستان

مصطفى  حامد  10 /6/86

ـ أسرار من حملة جاور (1986) ـ

 

– إعدام المسئولين الأفغان المسئولين عن عملية الكوماندوز الفاشلة. * مدفعية خوست قصفت القوات الأفغانية والسوفيتية بدلاً من قصف المجاهدين. * القوات الأفغانية تسقط طائرتين سوفيتين فوق مدينة خوست. * خاض السوفييت21 يوما من المعارك العنيفة في مقابل 18 ساعة قضوها في جاور. أصبحت 8 ساعات فقط نتيجة مقاومة طالبان .
–  بطولة طالبان في جاور: كمين من عشرة شباب يؤخر آلاف الجنود الشيوعيين والسوفييت لمدة عشر ساعات. فاستشهد منهم ثلاثة وجرح سبعة جروحا خطيرة.
– قائد طائرة وزير الدفاع الأفغاني حاول اللجوء بطائرته إلى باكستان. * قصة الكمين الأخير الذي دافع عن جاور وأخر القوات المهاجمة يوماً كاملاً.
من أجل الوصول إلى قاعدة جاور دفع السوفييت بقوات أفغانية مقدارها ثلاثون ألف جندي من مختلف الأسلحة البرية يساندها خبراء سوفييت في قطاع المدفعية والمعدات الإلكترونية بالإضافة إلى ستة آلاف من جنود الكوماندوز السوفييت الذين يشاركون في تدعيم المواقع الجبلية التي استولى عليها الجيش الأفغاني. وللسيطرة على موقع (جاور) عن طريق جبل مرتفع يقع إلى الشمال الغربي منها ويدعى (رغبلي). لقد تمكن المجاهدون من تطهير هذا الجبل عدة مرات ولكن الكوماندوز السوفييت مدعومين بسلاح الجو والمدفعية أعادو احتلاله وتمسكوا به.
وأدى ذلك في نهاية المعركة إلى استيلائهم على (جاور) نفسها. أما المجهود الجوي فقد بدأ يأخذ طابعاً عنيفاً منذ الثلاثين من مارس الماضي، حيث تراوحت الطائرات المغيرة على (جاور) منذ ذلك التاريخ وحتى سقوطها في19/4/86، ما بين ثمانين إلى مئة وثلاثين طلعة طيران يومياً. وقد استخدم الروس طائراتهم الحديثة التي يقودها طياروهم، فاستخدموا طائرات (توبولوف26) القاذفة الاستراتيجية التي تنطلق من قواعد على الحدود السوفييتية مع أفغانستان لكي تقذف قاعدة (جاور) التي تبلغ مساحتها واحد كيلومتر مربع فقط !!..

الطائرة المعجزة :

أما الدور البارز والمؤثر فقد كان لطائرات السوخوي الحديثة، خاصة (سوخوي-25) ، (سوخوي 27) وهي طائرات ما زال العالم يجهل الكثير عنها حتى أن صورها غير معلومة على وجه الدقة. وقد صور المجاهدون هذه الطائرات أثناء عمليات (جاور) الأخيرة وكشفوا الكثير عن أسرار هذه الطائرات من ناحية القدرات التكتيكية التي أثارت الدهشة. وقد أفاد المجاهدون الذين واجهوا هذه الطائرات بواسطة رشاشاتهم الثقيلة. والتي تعتبر عديمة الجدوى أمام هذه الطائرات ، أن الأنواع الحديثة من طائرات السوخوي يمكنها إبطاء سرعتها أثناء عملية القصف حتى تصبح مثل سرعة طائرات الهيلوكبتر وهذا يعطي الطيار فرصة التصويب الدقيق واختيار الهدف.
كما أن زاوية استدارتها قليلة جداً، بحيث يخيل إليهم أنها تنعكس على نفس الخط الذي أقدمت عليه ويمكنها القصف في طريق الذهاب والعودة.
وبعض العاملين على الرشاشات يؤكد أن بعض هذه الأنواع مصفح من الأسفل بحيث لا تخترقه طلقات الرشاشات الثقيلة حتى عيار ( 14,5 مليمتر). وكانت تلك الطائرات تهاجم مواقع المدفعية وتدمرها بدون خوف. ولكنها كانت تفر إذا استخدم المجاهدون ضدها قذائف (آر بي جي) المضاد للدبابات.

نصر أم هزيمة؟

وقد أفادت التقارير الواردة من داخل مدينة خوست أن عدد الطائرات التي أُصيبت في هذه المعركة وسقطت في وادي خوست أو عند محاولتها الهبوط في مطار المدينة وهي تشتعل قد بلغ6 طائرات هيلوكبتر و8 طائرات نفاثة، هذا بالإضافة إلى الطائرات التي أُصيبت وأُسقِطَتْ فوق جاور أو قريباً منها وبلغت3 طائرات هيلوكبتر وثلاث طائرات نفاثة.
كما أُصيبت أيضاً طائرتي نقل( أنتينوف) وهما جاثمتان على أرض المطار نتيحة لقصف مدفعي على المطار من جانب المجاهدين. وأشارت التقارير أيضاً أن القصف الصاروخي الذي صبه المجاهدون على القوات المهاجمة والمساندة لها في الوادي قد أوقع بها خسائر فادحة ما زالت لم تحصَ بشكلٍ دقيقٍ حتى الآن. وحسب تلك المصادر فإن القوات الحكومية التي دخلت (جاور) لم تستطع المكوث فيها لأكثر من ثمانية عشر ساعة فقط بعد معركة امتدّت واحد وعشرين يومًا.
ويرجع ذلك إلى قوة القصف الصاروخي للمجاهدين على القاعدة نفسها عندما دخلتها القوات الحكومية. والسبب الآخر والأهم هو خشية هذه القوات من هجوم مضاد يشنه المجاهدون فيقطعون خطوط مواصلات هذه القوة ويقضون عليها. ففضلت هذه القوات العودة على عجلٍ حتى أنها لم تُحكم تلغيم القاعدة. وتركت الألغام والمتفجرات وانسحبت على عجل. هذا وقد كشفت بعض أسرار عملية الكوماندوز الفاشلة والتي راح ضحيتها أكثر من خمسمائة جندي كوماندوز حكومي بين قتيل وأسير وحاول السوفييت بهذه العملية الاستيلاء على جاور بضربة مفاجئة من الخلف والجوانب.
ولكن كمائن المجاهدين كانت جاهزة في الأماكن المتوقع هبوط هذه القوات بها بناءً على معلومات تسربت إليهم عن العملية. وقد أفادت التقارير التي جمعها المجاهدون من داخل مدينة خوست نفسها بأن الضبّاط المسئولين عن هذه العملية بما فيهم طيارين، قد تسرّبوا إلى المناطق  المرشحة للإنزال حول قاعدة جاور وعاينوها بأنفسهم بالاستعانة ببعض الجواسيس وذلك قبل تنفيذ العملية.
 ولكن التصدي المبكر للمجاهدين أجهض العملية وحولها إلى كارثة كانت الأكبر من نوعها لسلاح الكوماندوز الذي ظل متمتعا بسمعة عسكرية جيدة بالنسبة لباقي قطاعات الجيش الأفغاني من ناحية الكفاءة والفعالية. وقد تعرضت قوة الكوماندوز إلى كارثة تاريخية في حرب أفغانستان ومن بين عشر طائرات هيلوكبتر شاركت في نقل هذه القوات دمر المجاهدون ست طائرات، ثلاثة منها في  مواضع الهبوط وثلاثة أخرى تحطمت قبل وصولها إلى خوست. أما أفراد القوة فلم ينج منهم أحد من القتل أو الأسر. وعلى أثر هذه الكارثة ألقي القبض على الضباط الذين استطلعوا الموقع قبلاً وتم توجيه الاتهام إليهم بالتخابر مع المجاهدين وتم تكبييلهم بالقيود الحديدية وعصب أعينهم وأرسلوا إلى كابول للمحاكمة. وأعدم بعضهم رميًا بالرصاص أمام الجنود في خوست. وهناك عدة اتهامات أخرى بالخيانة وجهت لعدد من الضباط الأفغان وتم إعدام بعضهم في حوادث متفرقة.
تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

الطوبجي الأعمى

إحدى هذا الحوادث كان في سلاح المدفعية. فقد تم تشكيل قوة أفغانية سوفيتية للتقدم نحو جاور من جناحها الشرقي وأثناء التقدم طلبوا من المدفعية تسليط نيرانها على أحد المواقع التي يكمن فيها المجاهدون ولكن المدفعية سلطت نيرانها على القوة المتقدمة وأوقعت بها خسائر فادحة.
وادعى ضباط المدفعية أنهم قصفوا المواضع التي حددتها القوة المتقدمة نحو جاور. ولكن هذا لم يعفيهم من الاتهام بالخيانة وإرسالهم إلى كابول بنفس الطريقة السابقة.

مفاجئة ليلية

في تلك الأيام المرهقة لمعارك جاور كانت الطائرات السوفيتية تقصف قاعدة جاور وما حولها ليلاً ونهاراً وكان إلقاء المشاعل ليلاً وقصف الطائرات قد تحول إلى مشهد روتيني. وفي إحدى الليالي فتحت المدفعية المضادة للطائرات  في مدينة خوست نيرانها على الطائرات الموجودة في سماء المنطقة. وأصابت طائرتين سقطتا على أطراف الوادي. وبعد التحقيق تبين أن العيار الذى أصيبت به الطائرات ليس له نظير لدى المجاهدين.
وتبع ذلك إلقاء القبض على ضباط من سلاح المدفعية المضادة للطائرات وإعدامهم في محاكمات عسكرية   تمت في خوست أيضاً.

طيار الجنرال

من أبرز الحوادث التي تمت في صفوف ضباط الجيش والتي أوضحت روح التمرد في الجيش على الأوضاع القائمة هو ما حدث مع وزير الدفاع الأفغاني الجنرال (نظرمحمد) الذي جاء إلى خوست في طائرة هيلوكبتر خاصة لكي يشرف على سير العمليات  ضد (جاور).
ولكن الطيار الخاص لوزير الدفاع تمكن من الإقلاع من مطار خوست متوجهاً صوب الحدود الباكستانية في محاولة للفرار. ولكن دوريات سلاح الجو التي كانت في سماء المعركة لاحقت الهيلوكبتر الهاربة واشترك في المطاردة عدد من الطائرات النفاثة وطائرات الهيلوكبتر.  فاضطر الطيار الفار من الهبوط في مكان قريب من الحدود الباكستانية وحاول الفرار سيراً على الأقدام. ولكن طائرات الهيلوكبتر حاصرته وألقي القبض عليه، وتمت محاكمته في خوست أمام محكمة ميدانية وأعدم رمياً بالرصاص أمام الجنود.
بطولة طالبان في جاور:
عشرة من طلاب المدارس الدينية من المجاهدين في قاعدة (جاور) رفضوا الانسحاب من القاعدة بعد أن طوقتها القوات الحكومية وبدأت في التقدم بحذر نحوها. كانت المجموعة في شكل كمين بالأسلحة الخفيفة وقاذف (آربي جي) واحد مع عشرة قذائف. وتمكن هؤلاء العشرة من فوق كمينهم الجبلي من تأخير القوات الكثيفة التي تقدمت نحو القاعدة مدة يوم كامل.
وتم توجيه جميع الأسلحة من مدفعية وطيران على أفراد هذا الكمين حتى أصيب سبعة منهم بجروح خطيرة واستشهد منهم ثلاثة.  وفي الليل تمكن المجروحون من الانسحاب بكامل أسلحتهم عبر الجبال حتى وصلوا إلى الحدود الباكستانية، وعند موقف سيارات الأجرة سقط المجاهدون السبعة  فاقدي الحركة. وتجمع الناس وحملوهم إلى مستشفى مدينة ميرانشاه الحدودية، وما زال الصامدون السبع تحت العلاج وفي (صحة معنوية) عالية ** طلاب المدارس الدينية ( أو طالبان ) بهذا الكمين البسيط في أحد مضائق الطريق إلى جاور وقريبا منها، تمكنوا إذا من تخفيض مدة بقاء القوات الشيوعية بالقاعدة الى أقل من عشرة ساعات.على اعتبار أن جاور انسحب منها المجاهدون لمدة 18 ساعة فقط ، استهلك منها هذا الكمين عشر ساعات على الأقل.

المخاطر قائمة :

قاعدة جاور التي أقامها مجاهدي باكتيا بقيادة حقاني تتحكم في طرق إمداد المجاهدين في سبعة عشر ولاية أفغانية, وقد فقد حقاني, الذي جرح في قاعدة جاور أثناء هذه المعركة, ثلاثة وتسعون شهيداً من رجاله بالإضافة إلى مئتين وثمانية من الجرحى. أما باقي الجماعات التي تدافعت للمساعدة في الدفاع عن القاعدة وحماية تلك المنطقة الاستراتيجية فقد استشهد منهم ما يقارب الأربعون رجلاً. ورغم هدوء المعارك حالياً  فإن جميع الاحتمالات ما زالت قائمة. (أ.هـ)
تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

قوات غير عادية :

10 مايو 86 ـ ميرانشاه ـ
في حديثی معه قدر حقاني عدد القوات التي شاركت في الحملة بحوالي 50 ألف جندي. وهي حسب ما أفاد به الأسرى ورسائل المتعاونين في خوست وكابول، كالتالي:
– الفرق العسكرية رقم 7، 8، 12، إلى جانب الفرقة 25 المتمركزة بشكل دائم في خوست، إضافة إلى اللواء الحدودي التاسع.
– قطعات من الفرق رقم 14، 20، 9، مع جزء من قوة حماية كابول.
– لواء الكوماندوز رقم 37، ولواء الكوماندوز 38.
– لواء من القوات الروسية الخاصة.
– كتيبة ميكانيكية من القوات الروسية.
– 250 طائرة ما بين قاذفة ومقاتلة وهيلوكبتر وطائرات نقل عسكرية.
– شاركت القاذفات الاستراتيجية التي تحركت من داخل الأراضي الروسية مباشرة لقصف قاعدة جاورـ كما فعلت ذلك مرات عدة في معارك مختلفة في بانشير وغيرها وهي طائرات (توبلوف 16-22-26). قال حقاني: إن السوفييت استخدموا في تلك المعركة أربعة أنواع من الطائرات سوخوي، وخمسة أنواع من طائرات ميج المقاتلة. أما محمد يوسف في كتابه فخ الدب فقال عن القوات الشيوعية التي شاركت في المعركة بأنها إلى جانب قوات خوست الأساسية (فرقة 25 واللواء الحدودي)، فقد حشد السوفييت ما يلي:
الفرقة 7، الفرقة 8 من كابول – الفرقة 12 من جارديز – الفرقة 14 من غزني – ونقلت ثلاث كتائب ( 1500رجل) ليكونوا رأس حربة للتقدم في الجبال (كانوا من القوات الخاصة لكنه نسي أن يذكر ذلك) وعلق يوسف قائلاً: كان سيصاحب العملية المظلة الجوية المعتادة وإسناد المدفعية والصواريخ مع عشرات من طائرات الهيلوكبتر المقاتلة والناقلة للجنود.
إن استطاعة الجيش الأفغاني أن يشن مثل هذه العملية دليل قاطع على استعادته لقدرته العسكرية. فقيامهم بمثل هذه العملية قبل ثلاث سنوات فقط كان أمراً غير وارد، وقال يوسف أيضاً( إن أعظم انتصار حققوه أثناء هذه المعارك )يقصد المجاهدين. كان هو القضاء الكامل على كتيبتين من اللواء 37 قوات خاصة. هذا وقد قدر يوسف القوات الشيوعية بحوالي 30 ألف شخص . ( انتهى )
– استغرق تطهير جاور من الألغام عدة أيام.. واستطاع العدوّ أن يدمر مغارتين. أما تفجير باقي المغارات فلم يؤدِ إلا إلى توسعتها  ، فقد انهار جزء من السقف والأجناب فتوسعت المغارات بدلاً من أن تهدم. أما المسجد الجديد المحفور في نفس الهضبة فلم يمسه أحد بسوء.
وقد أعجبني منهم هذا التصرف، لكونه ينم عن ذكاء سياسي. فالجنود الأفغان لن يعجبهم تدمير المسجد وقد يدفعهم الغضب إلى الفرار خاصة والحدود قريبة جداً، وكذلك قبائل المنطقة سوف يتأجج عداؤها أكثر إذا سمعت بذلك. في أثناء فترة العمليات أفاد الأسرى من الضباط أن الشائع لديهم هو أن القوات السوفييتية والحكومية سوف تهاجم منطقة (زدران) بعد الانتهاء من جاور بهدف فتح الاتصال البري بين خوست وجرديز عبر أقصر وأفضل طريق بري بينهما وهو الطريق المار بمنطقة قبيلة زدران.
وبدلاً عن ذلك فإن القوات الشيوعية بعد انسحابها من جاور بدأت تعود إلى كابول والسبب هو شدة الخسائر التي منيت بها بشكلٍ لم تكن تتوقعه. وقال لي حقاني وقتها أنه غير متأكد من النوايا الحقيقية للعدو، ويخشى أن يكون ذهابهم إلى كابول هو للخداع حتى يتراخى المجاهدون ويتمكن العدو من شن هجوم مفاجيء على زدران.

الدفاع الثابت.. والدفاع المتحرك

 وقتها اقترحت على حقاني أن يضع خطة للدفاع عن الطريق( بين خوست وجرديز) ثم يختار مواقع متحكمة على الطريق من بين الجبال المشرفة عليه، نتعاون معه في تجهيزها هندسياً بحيث نعد مواقع قوية ومحمية للأسلحة التي سوف تستخدم. مع حفر مواضع مبيت للأطقم البشرية وحفر مخازن كافية وفي مواضع مناسبة. وافق حقاني على الفكرة واستحسنها وقال بأن ذلك يستدعي معدات تعمل بضغط الهواء حتى يمكن استخدام المتفجرات أثناء حفر الأماكن المطلوبة. فقلت له إنني سأحاول شراءها بمساعدة الدكتور عبدالله عزام. وبالفعل كتبت له رسالة شارحاً له الموقف وضرورة أن نعمل بسرعة في تجهيز دفاعات الطريق قبل أن تدهمنا الأحداث. ولكنه تجاهل الأمر فقد كانت علاقتي به قد وصلت إلى أدنى مستوى لها بعد كتاباتي في “الاتحاد” بطريقة أغضبت سياف كثيراً.. وبالتالي الإخوان المسلمين والدوائر السعودية في بشاور وهي عناصر لصيقة ومؤثرة على أفكار الشيخ   عزام ومشاريعه.
بالطبع لم تسمح الإمكانات المالية لإخواننا في الإمارات أن تغطي مثل هذا المشروع. وأستطيع الآن القول بأن ذلك المشروع لو نُفِذ لربما تغير تاريخ الحرب في أفغانستان. الذي تغير فعلاً في تلك المناطق ومعاركها الدامية. لذلك كنت كثيراً ما أفكر فى مجهودات أبوعبدالله (أسامة بن لادن) لو أنها توجهت في مكانها الصحيح، ومنها ذلك الطريق لكانت أجدى بمراحل كثيرة من تسخيرها لإقامة فنادق جبلية للزعيم الوهمي سياف. وحتى أن تلك الإنشاءات نفسها أدت لنشوب معركة العرب في جاجي عام (1987) لا لشيء إلا للدفاع  عن تلك المنشآت التي أصبحت مستهدفة من العدو. .. الخنادق ومواضع الرماية والمخازن المقترحة لم تكن تعني مشروعاً للدفاع الثابت عن الطريق. ولكن تعني تحصين النقاط المتحكمة حتى يتمكن المجاهدون العمل منها لمدة طويلة في مواجهة نيران العدو( وتثبيت قوات العدو المتقدمة) ولكن الكمائن المتحركة لها دور أساسي في (إبادة قوات العدو التى عرقلتها كمائننا المحصنة)، وذلك طبقا للخطة العامة للدفاع .
ولكن حتى تلك الكمائن لابد من تجهيزها بمراكز خلفية قوية ومجهزة بالعتاد والطعام في مخازن على مسافات مناسبه من الخطوط الأولى للقتال. ولعلنا تعلمنا من معركة جاور أهمية الكمائن المتحركة.. فهناك الكمين الشهير ضد طائرات الهيلوكبتر التي كانت تنقل جنود الكوماندوز، ثم أخيراً كان هناك كمين طلاب العلم العشرة الذين حشروا القوة في الوديان الضيقة المؤدية لجاور لمدة يوم كامل. وكانت فترة كافية لشن هجوم معاكس ضد تلك  القوات في وضعها البائس هذا وربما كانت تحطمت القوة وفشلت في الوصول إلى جاور. ولكن ذلك لم يحدث.. وبكل أسف.  وطريق (جرديز/خوست) المار بأراضي قبيلة زدران هو طريق مثالي للكمائن على طول تسعين كيلومترتقريباً.. وقد تأملته عدة مرات جيئة وذهاباً وكنت واثقاً أن هذا الطريق يستعصي على أي جيش أن يعبره بغير (مؤامرة) أو صفقة مع تلك القبائل أو مجموعات المجاهدين العاملة قريباً منه. وهذا ما حدث فعلاً. كما كنت واثقاً أيضاً بأن مئة من الرجال ذوى التصميم تساندهم بعض التجهيزات الهندسية الجيدة يمكنهم تحطيم أعتى الجيوش ومنعها من استخدام هذا الطريق.
– تناولنا في مكان سابق الأهداف السياسية التي تسعى إليها موسكو من تلك الحملات العنيفة والمكلفة، رغم أنها قررت الانسحاب من أفغانستان وأبلغ السوفييت الولايات المتحدة بذلك العزم وكانت مرحلة جديدة من العلاقات بين الدولتين قد بدأت بوصول جورباتشوف إلى رئاسة الكرملين.
مرحلة يتأخر فيها السوفييت عدة خطوات إلى الخلف لصالح منافسهم الأمريكي. يتبقى السؤال. كم خطوة إلى الخلف؟.. وهنا نقطة الصراع بينهما.. صراع معلن أو خفي .. اقتصادي أو عسكري.. سياسي أو نفسي. ولكنه في كل الأحوال ومهما كانت صورته فهو صراع على أراضي الغير وفي سبيل السيطرة على هؤلاء الأغيار وكانت أفغانستان في مقدمة ذلك الصراع وفوق قمته. كانت الدماء تسيل أنهاراً فوق جبال أفغانستان من أجل التوصل إلى تحديد دقيق لنسبة توزيع النفوذ بين السوفييت وأمريكا في تلك البلاد.. بل في العالم أجمع ضمن مرحلة جديدة من توازن القوى. .. ولما كان سفك دماء المسلمين مطلوباً في حد ذاته، من كلاهما، فقد عمل كل منهما بطريقته الخاصة على زيادة كثافة هذا النزيف وتوسيع الجرح الدافق بالدم.

المفاوضات : سرية .. وعلنية .

بدأ الروس بعد معركة (جاور) إسراع الخطى نحو الخروج من أفغانستان ونشطت مباحثات  جنيف. وإن كانت هناك مفاوضات أخرى سرية لم تتم إليها الإشارة إلا بعد ذلك بسنوات، وبدون كشف تفاصيل كثيرة، وهي نشاطات (يهودية) ووساطات بين الأطراف المعنية قام بها ( الملياردير) اليهودي (هامر) الأمريكي الجنسية والمقرب كثيراً للنظام الشيوعي في موسكو منذ عهد ستالين. وكما شاهدنا في أزمات دولية كثيرة فإن القاعدة العامة هي أن هناك نوعين من التفاوض حول الأزمات، أحدهما رسمي وعلني وربما في إطار المنظمات الدولية وهو عديم القيمة تقريباً. وفي الظلام تدور مفاوضات أخرى هي المفاوضات الحقيقية  ومنها تخرج القرارات  بالسلم أو بالحرب.وهذا النظام المزدوج في العمل السياسي شاهدنا بعض أمثلته في المنطقة العربية. على شكل اتصالات علنية بطيئة وشكلية بين العرب وإسرائيل من خلال الأمم المتحدة وواسطتها. بينما هناك اتصالات حقيقية في الظلام تخرج لنا منها فجأة وبدون سابق إنذار اتفاقات تأخذ طريقها إلى النتفيذ بسرعة البرق..
كانت مفاوضات جنيف على الأبواب في (5/5/86) ، أي الشهر التالي لمعركة (جاور) التي انتهت في (22/4/86) كان من المفروض أن تؤدي تلك الحملة إلي تحسن كبير في الموقف التفاوضي للسوفييت. ولا أظنهم قد حصلوا على ما يريدون. لقد أظهروا في تلك الحملة أن لديهم قدراً هائلاً من قوة النيران والأسلحة الفتاكة ولكنهم في الوقت نفسه أظهروا فعالية أقل وعدم قدرة على كسب المعارك. فهم قد دفعوا ثمناً باهظاً جداً لاحتلال هدف صغير جداً وفوق ذلك لم يستطيعوا الحفاظ عليه حتى تحين لحظة التفاوض التي كانت قريبة جداً. إذن لتفاوضوا وقتها من موضع قوة بينما فوهات دباباتهم تطل على أرض باكستان.

دولة للجواسيس:

بعد الحملة مباشرة بدأ الروس في ترتيب (البيت من الداخل) في أفغانستان وتنظيم أوراقهم الأفغانية. فعزلوا الرئيس الأفغاني (بابراك كارمل) الذي لم يكن مقبولاً خارج البلاد, ناهيك عن داخلها، لكونه دخل العاصمة كابول على ظهر الدبابات السوفيتية. ثم وضعوا مكانه ( نجيب الله) مدير جهاز الأمن (خاد)، وفي ذلك إشارة كافية على العهد القادم في أفغانستان كما يريده  السوفييت.
كما يعتبر أيضا تهدئة لخواطر قبائل (البشتون) الذين يمثلون أغلبية السكان والحكام  التقليديون للبلاد. ثم عمل السوفييت على توحيد الحزبين الشيوعيين خلق وبارشام في حزب  واحد أسموه (حزب الوطن). وحاولوا توسيع قاعدة الحكم وضم شخصيات مستقلة ومحايدة، وإن كانت هامشية.رؤيتي للموقف السياسي آنذاك كتبته في تقرير نشرته صحيفة الاتحاد تحت عنوان (دولة للجواسيس)..
تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 16 }

 




حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 14 }

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 14

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 164 ) | صفر 1441 هـ / أكتوبر 2019 م .                     

16/10/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(14)

طائرة تصيب حقاني بقذيفة نابالم أمام مغارات جاور، فيسقط وسط النيران، لينقذه حارسه الشاب (علي جان).

– لولا اختراق حقاني للحصار والوقوف إلى جانب رجاله لسقطت جاور بسهولة.

– عندما أوشك أبوعبيدة البنشيري ( نائب بن لادن فيما بعد) أن يستسلم للقوات السوفيتية بسبب ضابط باكستاني.

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

 

شتاء 1985 ــ 1986 :

مازال الثلج يكسو جبال باكتيا. وجارديز الأكثر ارتفاعًا والأقسى برودة تعرضت لهجوم صاروخي مفاجىء على المطار وقاعدة عسكرية أخرى فتم تدمير أربعة طائرات هيلوكبتر ومقتل عشرات من العسكريين. كانت مفاجأة كاملة لم تحدث قبلًا في مثل هذه الظروف  الجوية فالثلج عدو تقليدي للمجاهدين كما إنه صديق تقليدي للسوفييت.( كان الشهيد إسماعيل شقيق حقاني هو المسؤول عن قطاع جرديز في ذلك الوقت. وقد نجح إسماعيل فى إبقاء جبهته نشطة وصامدة. فلم ينجح السوفييت في اختراق جبال ستي كندو وعبورها إلى خوست من خلال طريق زدران).

بعد المعارك التي انتهت في سبتمبرالماضي بدت باكتيا كما لو أنها في حالة ركود مؤقت أو تحضير لجولة جديدة. وهو ما حدث بداية شهر إبريل أي بفارق ستة أشهر فقط عن الحملة الكبرى السابقة فبدأت حملة أشد وأعنف ولكنها أكثر تركيزًا… ليس الهدف الآن هو عموم الولاية أو فتح طرقها الرئيسية والسيطرة عليها أو فك حصار خوست.. الهدف من حملة هذا العام (جاور)  و”جاور” فقط… لماذا ؟… كانت حملة السوفييت ضد جاور توصف وقتها بأنها أعنف حملات السوفييت منذ احتلالهم أفغانستان. وعقيد الاستخبارات محمد يوسف ذكر في كتابه فخ الدب بأنها كانت واحدة من أشرس معارك الحرب.  كما ذكر محمد يوسف في كتابه فإن (جاجي) كانت تعتبرأكثر أهمية باعتبارأن 40% من إمدادات المجاهدين كانت تمر منها. فلماذا لم يخصص السوفييت ضد جاجي حملة مماثلة ؟.. وحتى حملتهم في العام التالي (87) ضد جاجي لايمكن مقارنتها بحملة (جاور).  فحملة جاجي في عام 1987 كانت حملة سوفيتية ضد العرب هناك الذين تجمعوا حول أبو عبد الله (أسامة بن لادن ) في أول بداياته للعمل العسكري في أفغانستان.

الأهمية غير العادية التي اكتسبتها (جاور) ليس كونها قاعدة تحمي منفذاً للعبور، كما هو وضع (جاجي) ولكن الأهمية الحقيقية تكمن في كونها (قاعدة) فعلية لعمليات نشطة للغاية ومؤثرة في كل منطقة خوست.( كانت نموذجا مثاليا للقاعدة الخلفية في حروب العصابات).

وقد أكسبها حقاني بحيويته وخبرتة العسكرية ومكانتة الدينية خطورة مضاعفة، خاصة وأنها مقر قيادتة الرئيسية لكل نشاطاتة في باكتيا. وكانت نشاطاتة تمتد شمالاً إلى جارديزعاصمة الولاية وله بالقرب منها قاعدة (سيرانا)، التي تعتمد في إمداداتها على جاور في خوست. ويمتد نشاط حقاني شرقاً إلى (جاجي ميدان) بالقرب من منفذ جاجي كما يمتد غرباً إلى مدينة (الأورجون) عاصمة باكتيكا.

وأخطر الاحتمالات وراء نشاطات حقاني هو تهديده لمدينة خوست ذات الأهمية الاستراتيجية والسياسية. فالرجل هو المُنفِّذ والمُحرِّض الأول لعملية الحصار ثم عمليات (القضم) لأطراف خوست، وتهديد طرق التهريب إليها. أما الطريق الواصل إلى (خوست) من (جارديز) عاصمة الولاية، فهو الوحيد من الطرق الحيوية في الدولة الذي لم تطأه قدم جندي سوفييتي، (كان ذلك في ظني أحد الدوافع الرئيسية لحملة شتاء 87/88 لفتح ذلك الطريق ودخول السوفييت برياً إلي خوست).

وأعتقد الآن بعد إنقضاء هذة الأحداث بسنوات، أن هدف السوفييت الرئيسي كان القضاء على دور حقاني وقاعدته ذات النشاط الحيوي في  كل ولاية باكتيا فائقة الأهمية، وتهديده لمدينة خوست، التي يعتبر أمنها جزءً لايتجزأ من أمن النظام الحاكم. أما الاستيلاء على قاعدة جاور بشكل دائم فهو أمر لا أظنة خطر على بال السوفييت، لأن البقاء فيها والدفاع عنها وعن طرق إمداداتهم إليها بريًا او حتى جويًا سوف يكون أمرًا عسيرًا بل مستحيلاً.

ولكن الشيء الذي ورد على أذهانهم  وحاولوا تحقيقة هو الاستفادة السياسية من ذلك الانتصار التكتيكي المؤقت ورفع معنويات الشيوعيين الأفغان، ثم تحقيق موقف تفاوضي أفضل في مفاوضات جنيف المقررة في مايو 86.

شيءٌ آخر أراه الآن في معركة (جاور) ولم يكن واضحًا لديّ وقتها وهو الاحتمال الكبير لتواطؤ باكستاني، بأوامر أمريكية بالطبع، لترك السوفييت يحصلون على بعض  المكاسب الدعائية والسياسية تقوي مركز جورباتشوف عند اتخاذه لقرارت تراجع كبيرة في أفغانستان وربما في مناطق عالمية أخرى. صحيح أن للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو قد أقرت في ديسمبر الماضي مبدأ الانسحاب من أفغانستان، ولكن كرامة الجنرالات السوفييت تحتاج إلى الكثير من المداهنة. فالجيش هو العمود الفقري للنظام هناك. والمساس بكرامة الجيش في أفغانستان وعدم تمكينه أن يتخلص (بشرف) من ورطته هناك قد تؤدي إلى انقلاب في الكرملين وظهور خط متشدد يدعم جنرالات الجيش الأحمر وهو ما تعرض له جورباتشوف فعلاً في أغسطس 1990.

 

 

ومن الدلائل التي قد تكون دليلًا على التواطؤ ما يلي :

1ـ أن الجيش الباكستاني لم يدافع عن أجواء بلاده وأراضيها رغم أنه أثناء معركة جاور، وقبلها بقليل دفع نحو الحدود بقوات إضافية ووضع بطاريات صواريخ (كروتال) مضادة للطائرات قريبًا من الحدود بشكل ظاهر للمارة. ومع ذلك اخترقت الطائرات السوفييتية الأجواء الباكستانية في المنطقة مئات المرات، بل كان خط هجومها الأكثر استخدامًا ضد جاور يأتي من داخل أراضي باكستان نفسها. وهي الجهة الصديقة التي لا يتوقع المجاهدون هجمات جوية من طرفها. كما أن أسلحتهم المضادة للطيران في مواقعها الثابتة على قمم الجبال لم تكن مهيأة للتعامل مع هذا الاتجاه. بعض هذه الطائرات السوفييتية قصفت في عمق الأراضي الباكستانية ولكن لم تصدر أية بيانات رسمية من باكستان، وتكتموا الأمر.

اضطرت باكستان فيما بعد المعركة لتغطية تواطؤها على كرامة جيشها، بأن تمنح حق الدفاع عن النفس لوحداتها العسكرية. فأسقط الجيش الباكستاني فى ذلك العام عدة طائرات سوفييتية. وبعض المصادر أفادتني وقتها أن الطيارين الباكستانيين الذين تصدوا للطائرات الأفغانية والسوفييتية فعلوا ذلك بدون أوامر وجرت معاقبتهم. وهذا مؤكد على الأقل في حادث واحد أسقط فيه طيار باكستاني يقود طائرة (اف16) طائرة سوخوي أفغانية. ومُنِعَ ذلك الطيار بعد ذلك من التحليق في منطقة الحدود ضمن عقوبات أخرى، منها إبعاده إلى محافظة السند.

2ـ  كان الطيران السوفييتي هو السلاح الرئيسي لدى الغزاة في حملة جاور. وكما ادعى (محمد يوسف) في كتابه فإنه كان يعتبر (جاور) و (جاجي) نقاط دفاع أمامية عن حدود باكستان في مواجهة أي محاولة اختراق سوفييتي. ومع ذلك لم تعزز باكستان الدفاع الجوي عن جاور رغم الغارات الجوية التي لم يسبق لها مثيل في حرب أفغانستان والتي استمرت قرابة ثلاثة أسابيع متواصلة بلا انقطاع. يقول محمد يوسف:( لو كانت الولايات المتحدة وباكستان لم تترددا لسنوات طويلة “بتزويدنا” بسلاح فعال مضاد للطائرات لكان من المؤكد “أننا” سنصد الهجوم بسهولة نسبية إن المجاهدين لو كانوا محصنين جيدًا في جاور ومعهم صواريخ ستينجر، لم يكونوا ليهزموا أبدًا ، ليس عندي أي شك في ذلك).

وأقول لو أن محمد يوسف فتح مخازنه وأخرج عدة عشرات من صواريخ (سام7( ووزعها على المجاهدين فوق قمم الجبال لحصل على نتائج لا بأس بها. بدلاً من العمل المضحك الذي قام به ليحفظ كرامته في أعين المجاهدين. فهو يعتبر نفسه القائد الفعلي والميداني للجهاد في أفغانستان. فاضطر كي يغطي تواطؤ حكومته أن يرسل عدداً من ضباطه فوق جبال جاور كي يطلقوا 13 صاروخاً من صواريخ (بلوبايب) البريطانية المضادة للطائرات، التي لم تصب شيئاً ولكن أُصيب الضابط الباكستاني الذي أطلقها، وكوفيء بوسام قلده له ضياء الحق تقديراً لشجاعته. أما عشرات الأرواح التي أُزهِقَتْ في جاور فلم تنل منه سوى تعزية باردة.

3ـ طبقاً لخطة أشرفت عليها الاستخبارات الباكستانية وزعت المهام على باقي مجموعات المجاهدين للدفاع عن (جاور). فبينما حقاني يدافع عن القاعدة ومحيطها القريب، تقوم مجموعات بحماية الطرق الجبلية المؤدية إلى جاور من الشمال (مجموعة يقودها نائب مطيع الله) ومجموعة أخرى تحمي طرق التقدم من الشمال الشرقي وهي من حزب حكمتيار. كل واحدة من تلك المجموعات تمتلك جهازاً لاسلكياً قوياً تحتفظ به في مركزها الخلفي. وهناك جهاز ثالث من نفس النوع موجود في جاور نفسها.

والذي حدث أن كلا المجموعتين قد انسحبتا فجأة من مواقعها بلا أدنى سبب وتركت الطرق إلى جاور مفتوحة. والأدهى من ذلك أن القوات الحكومية والسوفييتية كانت واقفة مترددة عن التقدم لكونها تتوقع مقاومة ضارية من المجاهدين على محاور التقدم الجبلية المناسبة تماماً للكمائن. فإذا بها (أي القوات الحكومية) تتلقى اتصالاً لاسلكياً مجهولاً يحثها على التقدم ويقول( لماذا تقفون هكذا.. إن جاور خالية والطريق مفتوح أمامكم). يقول حقاني الذي أبلغني بالحادث بعد شهر من المعركة بأن هذا الاتصال اللاسلكي قد تم من أحد الأجهزة الثلاثة، ولم يكن بالقطع جهاز جاور. وإذا قارنّا ذلك الحادث الخائن. بعملية سحب قوات المجاهدين من حول طريق (خوست) (جارديز) في الحملة السوفييتية شتاء العام التالي )1977( وبأوامر من المخابرات الباكستانية) كما أخبرنا بذلك صراحة بعض قادة المجاهدين(!!. إذا قارنّا الحادثين نرى التشابه قائماً.. وأن باكستان باعت حقاني في الحالتين لاعتبارات خاصة بالسياسة الدولية.

في النصف الثاني من مارس علمت من حقاني بوجود جسر جوي كثيف ينقل قوات سوفييتية وحكومية إلى خوست. وأن غارات جوية عنيفة ضد(جاور) ومواقع أخرى للمجاهدين قد أوقعت بعض الخسائر. كان وصول الجنود السوفييت يعني حتمية وقوع معارك في المنطقة.

فكتبت إلى صحيفة الاتحاد بأن معارك شديدة على وشك أن تُستأنف مرة أخرى في منطقة خوست. ولكنهم تجاهلوا الخبر، كما تجاهلوا معظم ما أرسلته من أخبار وتقارير مصورة عن حملة جاور. ومع بداية أبريل أصبحت الأنباء أكثر خطورة. حشد العدو قوات كبيرة من بينها كمية لم يسبق لها مثيل من قوات الكوماندوز السوفييتية.

بات واضحاً أن (جاور) وليس أي شيء آخر هي هدف الحملة. ولمع إسم جبل”رغبلي” و هو إسم غير مشهور. فقد دارت معارك دامية بين المجاهدين وقوات الكوماندوز السوفييتية، حيث تناوب الطرفان احتلال الجبل عدة مرات ولأول مرة يحدث قتال قريب بهذا الشكل مع الكوماندوزالسوفييت.غَنِمَ المجاهدون من جماعة حقاني بعض أسلحة الكوماندوز واستولوا على بطاقاتهم العسكرية،وأثار ذلك موجة من الغبطة والحماس في صفوف المجاهدين.ولكن السوفييت إستطاعوا في النهاية السيطرة على (رغبلي) وإحاطة أنفسهم بسياج كثيف من الألغام.

ويعود ذلك النجاح إلى قوة الإسناد المدفعي المستمر الذي لم يترك لحظة للمجاهدين كي يستقروا فوق بوصة واحدة من قمة رغبلي. كان اختيار رغبلي خطوة موفقة للقوات المهاجمة فهو ينتصب شامخًا على استقامة وادي جاور من جهة الشمال على مسافة خمسة كيلو مترات منها تقريباً، وبحيث يكشف معظم التحركات داخل (جاور). وبسقوط (رغبلي) في أيدي السوفييت وقعت جاور في أسوأ ورطة شاهدتها طوال الحرب.

فقد قُهِرَت (جاور) من (رغبلي). وهناك وضع السوفييت عدة قطع مدفعية للرماية على جاور.  وأقاموا نقاط ترصد وتوجيه لنيران المدفعية والطائرات.تولت المدفعية والطيران تحطيم مقاومة جاور وعزلها عن خط إمدادها القادم من باكستان عبر نقطة(صدقي) الحدودية التي تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن جاور. وتم هذا العزل منذ الحادي عشر من أبريل. هذا العزل لم يكن محكماً ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا قامت قوات أرضية بقطع الطريق.

وكان ذلك هدف عمليات (الإبرار الجوي) الذي قام به السوفييت. ولكنهم استخدموا فيه قوات الكوماندوز الأفغانية لعلمهم مدى خطورة العملية، فتلك القوات سوف تكون في وضع يشبه الحصار حتى تلتحم بها القوة الرئيسية الزاحفة صوب جاور من محورين. من الشمال من منفذ ليجاه الذي يصلح لمرور المركبات وهو طريق هيأه حقاني لقواته. ثم منفذ آخر في الشمال الشرقي على بعد حوالي ثلاث كيلومترات شرق ليجاه ويصلح للمشاة فقط.ويمر من بين الجبال ليلتقي بطريق جاور الخلفي وعلى مسافة كيلومترين فقط من حدود باكستان. وهنا تكمن خطورة وضع قوات الكوماندوز المحمولة جواً لأن هناك أعداد كبيرة من المهاجرين الأفغان المسلحين ـ من أبناء المنطقة على استعداد للقتال ضدهم.

والأرجح أنهم سيتمكنون من إبادتهم ما لم تدركهم قوات المشاة الرئيسية بسرعة وبكثافة. وعلى كل حال لقد وقعت قوات الكوماندوز في الفخ وأُبيدت أو أُسرت. وأثبت ذلك (بُعد نظر) السوفييت في توفير رجالهم للعمليات المضمونة!!. أُنْزِلَتْ قوات الكوماندوز (الأفغانية) خلف قاعدة جاور يوم الخميس (3/4/86)، وكان حقاني متواجداً وقتها في بشاور. وعندما سمع بالنبأ توجه (يوم الجمعة4/4/86) إلى قاعدة (جاور) بدون المكوث طويلاً في ميرانشاة. وكان المجاهدون قد أفشلوا يوم الخميس عملية الكوماندوز، بتدمير عدد من طائرات الهيلوكبتر التي حملتهم ، وقتلوا عدداً من ضباطهم وجنودهم في كمين أعدوه مسبقاً في مكان الإنزال.

ولكن عدداً كبيراً من جنود الكوماندوز مع ضباطهم صعدوا عدداً من التلال واستحكموا فيها وخافوا من الاستسلام للمجاهدين وشرعوا في مقاومة يائسة عنيفة. وقد واصل بعضهم التقدم وسط الجبال حتى نزل في قرية جنوب جاور تدعى (خاروق) تفصلهاعن جاور سلسلة جبلية. وقد تمكنت تلك القوات المبعثرة من تهديد طريق جاور القادم من حدود باكستان.لم يكن المجاهدون في جاور على علم بهذه القوات التي قطعت عليهم الطريق من الخلف؛ لعدم وجود أجهزة اتصال لاسلكية تربط مجموعات المجاهدين. ولكن أثناء عبور أحد سيارات التموين القادمة من ميرانشاه، فوجىء السائق بجنود الكوماندوز واقفون على الطريق ويشيرون إليه بالتوقف.

ظنهم في البداية من المجاهدين ولم يصدق نفسه بأنهم من القوات الشيوعية إلا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة، وبعد أن كان قد أبطأ بسيارته قريباً منهم أسرع فجأة بأقصى سرعة بسيارته، بينما تلاحقه طلقات الجنود. وعندما وصل إلى جاور أنذرهم بالكارثة التي حلت بالطريق. فاتصلوا لاسلكياً مع ميرانشاه فاستنفر المجاهدون قواتهم مع متطوعين من المهاجرين وتوجهوا بالسيارات حتى نقطة الحدود في (صدقي) ثم ترجلوا هناك وتقدموا على حذرٍ، حتى وصلوا منطقة الكوماندوز ثم حدث الاشتباك الذي سقط فيه عدد من المجاهدين،ومنهم قائد أول مجموعة  تقدمت منهم وكان يُدعى (أنور) وهو شقيق مولوي عبدالرحمن (إبن عم حقاني) وتمكن المجاهدون من تطهير الطريق وواصلوا حصار ومطاردة الكوماندوز المتبقين في بقاع عشوائية متفرقة. وأثناء ذلك كانت المجموعة الرئيسية الأولى التي حطمت الطائرات كانت ما تزال مشتبكة ومحاصِرة لباقي القوات المعتصمة بتلال المنطقة. وقد اخترق حقاني الحصار وعبر إلى جاور “يوم الجمعة 4/4/1986” وقد ساعد وصوله كثيراً في تماسك المدافعين؛ لأنه كثيراً ما يؤدي الشعور بالحصار إلى حالة من الذعر والفرار الجماعي غير المنظم. كانت جاور وقتها ما زالت تحت قصف جوي ومدفعي نادر المثال، وتماسك الرجال تحت ذلك القصف وفي مواجهة كوماندوز سوفييتي فوق جبل رغبلي (5 كيلومترات) شمال جاور , ثم عملية إنزال وتطويق بقوات كوماندوز أفغانية “على بعد7 كيلومترات جنوب القاعدة” فى ظروف كهذه يكون التماسك مسألة خارقة ما أظنها كانت ممكنة بغير وجود حقاني بنفسه في وسط رجاله في ذلك الوضع المأسوي العسير. ولكن حقاني أُصيب في نفس يوم وصوله كما سنرى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

مصائب بالجملة :

يوم السبت 6\4\86 م,وبعد فشل عملية الكوماندوز, وقعت أشهر مأساة خلال القتال حين انهارت مغارة مخصصة لاستقبال الضيوف إثر إصابتها مباشرة بقذيفتي طائرة. وكانت المغارة محفورة بشكل غير مناسب في جزء منفصل وضعيف من الجبل.

وقُتِلَ في المغارة حوالي ثلاثة عشر رجلاً من بينهم قائد القاعدة الضابط نقيب الله وعدد من قادة المجموعات البارزين و المجاهدين القدماء.ثم تلاه سقوط مغارة أخرى بعد قليل ونجا منها شخصان من بينهما أبوالحسن المدني(وائل جليدان) مدير الهلال الأحمر السعودي آنذاك ثم مدير فرع رابطة العالم الإسلامي فيما بعد.

وظلت معظم الجثث بين الأنقاض حتى بعد إنتهاء المعركة وإنسحاب السوفييت من جاور. وقُتل في المغارة ابن عم لحقاني (زير بادشاه) وهو من أقدم وأشجع مجاهدي الولاية. وبينما إبنه الأكبر إسماعيل يبحث عنه بين الأنقاض إستشهد هو الآخر بقذيفة مدفع. كل ذلك حدث فى يوم وصول حقانى إلى جاور، كانت قذائف المدافع المنهمرة فوق جاور لا تتوقف إلا في فترات الإغارة الجوية.

كان حقاني واقفاً إلى جوار المغارة المهدمة وهو يلاحظ عمليات الحفر بحثاً عن جثث القتلى، وإذا بالطيران يفاجيء الجميع بغارة أخرى ويقصف نفس المكان بقنابل النابالم. إنفجرت إحداها على مسافة قريبة. ونتيجة لموجة الإنفجار فقد حقاني الوعي وسقط وسط ساحة من النيران.

لكن حارسه الشخصي (علي جان) وهو شاب في العشيرنات.. تقدم وسط النيران وجذب حقاني بعيدًا. وكانت النيران قد أمسكت بكلاهما. وتمالك الشاب نفسه بصعوبة حتى لا يسقط هو الآخر مغشيًا عليه كما أخبرني بذلك. تم إطفاء النيران الممسكة بحقاني الذى نقلوه إلى مستشفى ميرانشاه مغشيًا عليه.

وبسرعة انتشرت إشاعة بأنه قُتِلَ. ولكن الإشاعة لم تستمر طويلًا.. فقد أفاق حقاني وتم تضميد جروحه. ولكنه لازم الفراش حتى نهاية المعركة. مولوي (نظام الدين حقاني) نائب جلال الدين تولى إدارة المعركة تحت إرشادات حقاني.

وتحول بيت حقاني في ميرانشاه إلى خلية نحل تستقبل قادة ميدانيين، ورجال قبائل ومهاجرين وقادة أحزاب من بشاور.. ومحمد يوسف ورجاله من الاستخبارات الباكستانية. وكان العقيد يوسف كما يظهر في كتاباته يَعتقد أنه المحرك الأول للأحداث في أفغانستان والباقي ليسوا سوى عرائس خشبية. على كل حال.. وصل العقيد يوسف إلى ميرانشاه في نفس يوم سقوط جاور في أيدي الشيوعيين كما ذكر هو في كتابه..  ( أما فريق الألعاب الباكستانية”البلوبايب” فقد قام بعمله وأُصيب في  يوم الجمعة18/4/86).

قبل سقوط جاور بعدة أيام كنت قد وصلت إلى ميرانشاه عازمًا دخول (جاور) وتغطية المعركة صحفيًا.. والمشاركة ميدانيًا بما يمكن عمله.كان يصحبني عبدالرحمن المصرى الذي كان قد تزوج منذ أشهر قليلة من فتاة أفغانية نشأت في كابول لعائلة أصلها من (جارديز).

أبوحفص المصري وصل أيضاً وبهذا اكتملت (الفرقة الرابعة مطارات) . وبالطبع قفز إلى خواطرنا فكرة ضرب المطار وعرقلة الجسر الجوي الكثيف الذي أقامه العدو في المطار ويستخدمه بلا مضايقات. في البداية زرنا حقاني في بيته وكان قد مضى على إصابته يومين أو ثلاثة وكان منهكًا ويتألم بشدة من حروق أصابت رقبته وصدره وبطنه، كان لا يستقبل سوى أهم الضيوف نظرًا لحالته، لذا لم نثقل عليه، وأخبرناه أننا في الطريق إلى جاور. فأوصانا بالمرور عليه عند العودة كي ننقل له صورة الحال ونناقش معه الوضع.

عند نقطة العبور في (صدقي) لم تقابلنا المشاكل المعتادة من ميليشيات صدقي القبلية المشهورة بسوء الخلق. حتى أن أحدهم لم ينهض ليرى محتويات السيارة، كان الخوف واليأس مسيطرًا عليهم.. فقد تحولوا فجأة إلى نقطة مواجهة مع الجيش السوفييتي!! بعد أن كانوا مجرد نقطة ابتزاز للمساكين من المهاجرين ونقطة إتاوات على المهربين.

مجرى السيل إلى جاور طوله عشرة كيلو مترات تقريبا يتسع في نقطة واحدة حتى يصل الى مئتين متر ويضق في عدة أماكن حتى لايتعدى مترين حيث تشرف عليه كتل صخرية صلدة، إلى الشرق من مجرى السيل توجد عدة مدقات للمشاة يمكن عبورها والوصول الى وادي خوست عبر الجبال أما جاور نفسها فتأتي في نهاية مغلقة لمجرى السيل، ويمكن متابعة السير منها عبر قمم صعبة إلى وادي خوست الذي يبعد عشرة كيلو مترات أخرى ولكنها أكثر مشقة، في هذة الحالة سوف يمر المسافر على جبل رغبلي قبل أن يهبط الى الوادي ويقع رغبلي إلى الشرق لمسافة مئتى متر عن مدق المشاة.

إلى شرق جاور هضبة ترابية ارتفاعها عشرة أمتار تقريبًا وسطحها الأعلى شبه منبسط  طول هذه الهضبة حوالي كيلومتر واحد وعرضها من عشرين إلى خمسين مترًا.في تلك الهضبة حفر حقاني مغاراته.

ويمكن أن نقول أن هذه كانت المسافة الفعالة في القاعدة.. ومنها انبعثت كل نشاطاتها وبالتالي انصبت على رأسها كل تلك المصائب. على الجانب الغربي من الوادي الجاف يوجد جبل صخري مكسو بالشجيرات ويتدرج الجبل في الارتفاع بشكل سريع حتى يبلغ أقصى مداه في قمة ارتفاعها (1850متر فوق سطح البحر) وحولها قمم أقل ارتفاعًا فوق هذا الجبل ركز حقاني عددًا من أسلحتة المضادة للطائرات وإلى جوار كل مدفع حفرة صغيرة مسقوفة تستخدم للمبيت. مع بعض السواتر البسيطة حول المدفع.

إلى الشرق من جاور توجد عدة قمم أقل ارتفاعًا تركزت عليها عدة قطع مدفعية أخرى، منها مدفع مضاد، سويسري الصنع من طراز أرلكان ( 20مليمتر) وهو أحدث وأقوى ما لدى المجاهدين آنذاك ..اشترى المحسنون العرب عشرة مدافع من هذا الطراز(حسب قول أسامة بن لادن).

كان نصيب جاور مدفع واحد وفي جاجي عند سياف ثلاثة أخرى وإثنان لحكمتيار في مواقعه قرب جاجي واستأثرت باكستان بالباقي وهي خمسة مدافع أي نصف الكمية!!.. كانت المدافع المضادة للطائرات تشكل قوسين حول جاور من الشرق والغرب.. في الطرف المسدود للقاعدة توجد أهم أجزائها. حيث مغارة للضيوف، وهي التي أصيبت.

وتقع في الواجهة طرف الشرق. ثم حفرتان للإذاعة، وأخرى للدبابة، واثنتان أو ثلاثة للمهمات. أما إلى الغرب فهناك المطبخ والمخبز، والمسجد القديم الذي استبدل بمسجد آخرعبارة عن حفرة طويلة مفروشة بأفضل ما يمكن الحصول عليه، وعلى واجهتها مئذنة مكونة من تروس متدرجة الأقطار بارتفاع متر تقريباً، مأخوذة من مخلفات المعدات السوفيتية المحطمة .

– وصلنا إلى جاور وشبح المأساة يخيم عليها.. فالقصف الجوي والمدفعي لا يمكن وصفه أو وقفه.. لا يوجد شبر على سفوح الجبال أو الوادي لا يحتوي أثر انفجار القنابل والشظايا الحديدية القاتلة.

لقد استقر العدوّ تمامًا على قمة رغبلي ومدافعه في وادي خوست خلف رغبلي لا يمكن أن تطالها أسلحة المجاهدين، وأسراب الطائرات التي لا تنقطع تبدو كأنها محصنة ضد طلقات مدافع المجاهدين، التي تم تدمير بعضها تمامًا، ويحاول المجاهدون استبدالها بأخرى، ولكن لا جدوى… ولأول مرة أشاهد طائرات (السوخوي 25) وهي تقدم عروضًا جوية في غاية المهارة وكأنها تقدم استعراضًا في(الأكروبات). لقد كان رماة المدافع المضادة للطائرات في وضع لا يحسدون عليه، وكلما أصيب مدفع زاد العبء على الآخرين. والمدفع الواحد تهاجمه ثلاث طائرات مرة واحدة وأحيانا خمسة طائرات. فإذا اشتبك مع إحداها فإنه في ظرف ثوان يكون قد يكون قد تلقى سيلًا من الصواريخ من عدة جهات مختلفة. لقد قتل كثيرون من رماة تلك المدافع الذين قاتلوا ببسالة ليس لها نظيرفي معركة منعدمة التكافؤ.

لم يكن أحدهم يستطيع النوم على الإطلاق، ما لم يهبط من موقعه إلى أسفل الوادي كي ينال قسطاً قصيراً من النوم داخل إحدى المغارات في شبه إغماء، لأنه لولا ذلك الإرهاق الزائد ما کان ليمكنه النوم.

وهذا ما حدث معنا. لم نكن نعبأ بقذائف المدفعية، فهي لن تنفذ إلينا من سقف المغارة على أى حال.. لذلك كنا ننام في فترة القصف المدفعي الذي لا يلبث أن ينقطع لثوان لتأتي نوبة الطيران.. عندها نستيقظ ونمسك قلوبنا بأيدينا حتى لا تنخلع.. فالسقف فوقنا ليس قوياً لدرجة تمكنه من المقاومة، والمغارات ذات أبواب متسعة وتمتد في الجبل مستقيمة ومتعامدة تماماً على الوادي، معنى ذلك أن لها قابلية كبيرة لاستقبال الشظايا القاتلة .

أما إذا سقطت قذيفة على المدخل فإن ضغط الهواء مع الشظايا كفيل بتحويل الجميع إلى كتل من اللحم المفروم والمشوي. القنابل العنقودية التي ترميها الطائرات كنَّا نراها لأول مرة وأُلقيت على أطراف جاور، وفوق جاور نفسها هطلت القذائف الثقيلة حتى ألف رطل وأخرى متشظية، وقنابل تهبط بالمظلات وتلقيها الطائرات من ارتفاع منخفض ضماناً لدقة الإصابة، حتى أن جبال جاور أصبحت مكسوة بحلة بيضاء من تلك المظلات الحريرية الأنيقة.

وصواريخ جو أرض استخدمت بكثرة ضد مواضع المدفعية المضادة للطائرات. عند وصولنا كانت أعمال البحث عن الجثث تحت حطام المغارة ما زالت مستمرة. والكثير من أقارب الضحايا حضروا للبحث عن جثث ذويهم لنقلها كي تُدفَن في ميرانشاه.هؤلاء أيضاً سقط العديد منهم ضحايا في جاور نفسها أو في الطريق إليها بواسطة قصف الطائرات والمدافع.

في أحد مغارات جاور وكانت تستخدم كسجن مؤقت للأسرى وجدنا مجموعة من ضباط الاستخبارات الباكستانية، كانت أشكالهم وهيئتهم مميزة تمامًا عن المجاهدين، وكانوا محاطين بهالة من المجاهدين للترحيب والحماية. كنّا نحاول دومًا ألا نتواجد معهم في مكان واحد..

وكانوا يتعرفون على جنسياتنا كعرب من هذه المعاملة الجافة، إلى جانب ملاحظات أخرى خاصة بالملابس، أما ملامح معظمنا فكانت قريبة من الأفغان. وعندما رأيت صورة محمد يوسف على مقدمة كتابه (فخ الدب) فإنني أظن أنه كان واحد من هؤلاء. ولكنه ذكر في كتابه عن معركة جاور أنه لم يكن هناك وقتها إنما وصل إلى ميرانشاه في يوم سقوط جاور، وأظنه كاذباً في ذلك. وبعد زيارتهم تلك بيوم أو يومين بدأت مغامرتهم الفاشلة مع (بلوبايب).

بلغت شدة القصف على القاعدة إلى درجة أنها جعلت التحرك فيها حتى على الأقدام، عملاً محفوفاً بالمخاطر. أما السيارات القادمة من ميرانشاه فبعضها قد دمرته الطائرات، أربعة سيارات اصطادتها الطائرات في الطريق. لم تكن السيارات قادرة إذا عبرت الطريق أن تدخل جاور  إلا لدقيقتين أو ثلاث عند الضرورة القصوى مثل نقل جريح مثلاً. وعادة كانت تدخل أحد الثنيات الجبلية الضيقة ويترجل ركابها ويسيرون على الأقدام حتى جاور. من نتائج ذلك أن الطعام أصبح قليلاً في القاعدة. وأن عملية طهية كانت صعبة جداً.

فكان يؤكل على حالته التي جيء بها من ميرانشاه سواء كان مطبوخًا أو غير ذلك. الأسوأ من ذلك أن قمم الجبال عُزِلَتْ تقريبًا عن القاعدة في الوادي وأطقم المدفعية في الأعلى أصبح لا يصلهم الطعام إلا نادراً ولا يستطيعون الصعود أو الهبوط إلا بصعوبة. وهي رحلة أصبحت خطرة للغاية قد تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة تشهد خلالها من غارتين إلى خمس غارات للطيران.. سوى قصف المدافع المستمر. قام أبوحفص وأبوعبيدة البنشيرى بتلك الرحلة وعادا كي نجلس في أحد المغارات، نتباحث فيما ينبغي عمله، وكان معنا عبدالرحمن أيضاً. قال أبوحفص وأبوعبيدة أن وضع طاقم المدفع على القمة هو وضع أكثر من مأسوي. فقد استشهد طاقم أو إثنان على نفس المدفع. ومساعد الرامي الحالي استشهد والرامي نفسه جريح وجائع ومنهك.. ناهيك عن كونه الهدف الأول للطائرات التي تهاجمه جماعات من إثنين إلى خمسة طائرات في الدفعة الواحدة. وقد حضر أبوحفص وأبوعبيدة عدة غارات من ذلك النوع أثناء زيارتهما القصيرة وقالا إن المجاهدين يرفضون الصعود إلى الأعلى من شدة الخوف.

وصاحب المدفع لا يستطيع النزول لأنه ليس هناك من يحل محله. وقد صعد إليه إمام مسجد جاور وعدد من طلاب العلوم الدينية كي يشدوا أزره ويقوموا بالدعاء له وطمأنته.. ولكن للأسف ليس منهم من يستطيع استخدام ذلك المدفع. رغم ثباتهم العظيم وشجاعتهم. ولكن لا يستطيعون أكثر من تقديم مساعدات بسيطة مثل إعداد مخازن الذخيرة للمدفع، ومحاولة جلب الطعام والماء للرامي. لقد قام أبوحفص وأبوعبيدة باستخدام المدفع نيابة عن الرامي أثناء مدة زيارتهما القصيرة، ( وصلا إلی جاور فی 11/4/86م )، واشتبكا مع الطيران عدة مرات.

وكان رأيهما أن المدفع أصبح عديم الفائدة أمام هذه الأسراب المهاجمة من الطائرات. وأن القذائف تسقط على بعد أقدام قليلة من المدفع وأن عملية تدميره ليست سوى مسألة وقت وأن بقاءه إلى الآن معجزة حقيقية.

خسر المجاهدون 15 مدفعا مضادا للطائرات في كل المعركة. في ذلك الوقت كان ذلك المدفع يعمل منفرداً فقد أُصيبت جميع المدافع الأخرى. وهناك محاولة لاستبدال أحدهم أو إصلاحه. كما كان هناك مدفع يعمل أحياناً ويحتاج إلى الإصلاح. ولكن أين هي الطواقم؟.. لقد استشهد رجال الطواقم الأصلية، وتم استبدالهم عدة مرات والجميع يُصاب أو يُقتل والمدافع تدمر أو تعطب.. وهكذا.. وفي الأخير يرفض المجاهدون تكرار المحاولة أكثر من ذلك. فما الحل؟.. اقترح الإثنان أن يصعدا معاً لتشغيل ذلك المدفع الذي يعمل حالياً.. واقترحا أن أقوم مع عبدالرحمن وبمساعدة حقاني بتشغيل مدفع آخر أو أكثر.. وأنه مع أصدقائنا من العرب المتعاونين مع مجموعتنا يمكننا تشغيل مدفعين أو ثلاثة.

 

 

اعترضت على اقتراحهما جملة و تفصيلًا.. وشرحت الأسباب، وهي كالتالي :

(1) إن جاور قد فقدت قيمتها ودورها في الظرف الراهن. وليس هناك أي معنى أو مبرر لإبقاء المجاهدين داخل المغارات أو خلف المدافع المضادة للطائرات. فبهذه الطريقة يتلقون فقط القنابل فوق رؤوسهم بدون القدرة على فعل شيء. إضافة أن خسائرنا في الأرواح مستمرة يومياً بلا هدف ولا إنجاز. بينما نخسر أفضل وأشجع العناصر.

(2) لا معنى إطلاقاً للدفاع حتى آخر رجل عن مجموعة قمم وهضاب ليس لها قيمة. والأجدى أن نقاتل بطريقة توقع أعلى خسائر في الخصم، وأن نتحول من الثبات إلى الحركة. ففي حالة الثبات سوف يبيدنا العدو تماماً بدون حتى أن نقتل منه أحد, كما يحدث في الوضع الراهن, بينما إذا تحركنا في مجموعات صغيرة، فإن مدفعيات العدو وطيرانه ونقاط ترصده فوق جبل رغبلي سوف تفقد الكثير جداً من فاعليتها.

(3) ما دام العدو مصراً على الوصول إلى جاور فأمامنا فرصاً ذهبية عديدة. فهدف العدو معلوم وهذه ميزة كبيرة، وطرق التقدم التي سوف يسلكها إلى جاور معلومة لنا تماماً، فليس علينا سوى مقاومته بالكمائن الصغيرة المتحركة وإيقاع أكبر الخسائر بين صفوف المشاة. أما عن المدرعات والدبابات، التي لا يستطيع مشاة العدو العمل بدونها  فلها طريق واحد لا غير هو طريق ليجاة الذي أعده المجاهدون وهو طريق  من السهل جداً إغلاقه بالألغام والكمائن.وفوق ذلك كله يمكننا أن نمنع قوة العدو، إن وصلت إلى جاور، من الانسحاب مرة أخرى، أي نغلق خلفها الباب ونحاصرها.. وإذا تمكن بعض المشاة من الإفلات عبر الجبال وبدون استخدام المدقات الطبيعية للمشاة والتي ستكون تحت ملاحظة كمائن المجاهدين، فإن الآليات لن تستطيع ذلك حتما ويمكن أسرها أو تدميرها.

(4) لقد استدْرَجَنا العدو إلى حرب مواجهة تناسبه تماماً.. ونحن نجلب التعزيزات وندفعها إلى (حفرة) جاور لتموت بلا ثمن . بينما  خوست كلها وما حولها من خطوط دفاع آمنة تماما تتابع بانبهار ذلك العرض الشيق من النيران في سماء جاور. ولو أن المجاهدين وجهوا ضربة قوية إلى خوست وما حولها والعدو منصرف بكليته نحو (جاور) لاستطاعوا اختراق دفاعاته وتهديد تواجده في خوست نفسها. وتلك أفضل طريقة لتخفيف الضغط عن جاور على أقل تقدير، هذا إذا لم تفشل الحملة  كلها، إذا أجبرناها على تغيير هدفها الأصلي من  الهجوم للاستيلاء على جاور كي يصبح هدفها دفاعياً عن خوست ومواقعها الهامة.

(5) حتى مطار المدينة لم يحاول أحد جدياً عرقلة الجسر الجوي المرتكز عليه. وهجمات المجاهدين على المطار بالصواريخ ضعيفة ولا تؤدي الهدف منها. وحتى لو كانت هناك طائرات على المدرج فإن تكتيكات المجاهدين لا تمكنهم سوى من عملية واحدة خلال فترة طويلة تمتد لأيام أو أسابيع وقد يفقدون بعض الرجال، وليس هناك أية غنائم ترتجى من هذا العمل. لذا فنادرًا أن يقبل القيام به أحد. وشرحت لهم أن هذا بالضبط هو دورنا الآن في الظرف الراهن، فطريقتنا في العمل، والمعدات التي وفرناها الآن تتيح لنا عدة هجمات على المطار في اليوم الواحد. ويمكن أن نستمر كذلك لشهر أو أكثر إذا توفرت الذخائر وتوافرت حماية للمنطقة مكونة من مجموعة واحدة قوية من المجاهدين.

وكما يحدث غالباً، لم نتفق، وأصر الشباب على الصعود إلى الجبل والصمود خلف المدفع مهما كانت النتائج  وحتى نرتب نحن موضوع المطار. رددت عليهم بأن (جاور) ليست المكان المناسب لنا، وعلينا أن نساعد بالطريقة والمكان الذي يؤدي خدمات أكثر للمجاهدين ونكون فيه أكثر فائدة. ولكن فشلت في إقناعهم وتكرر معنا نفس الموقف عدة مرات خلال السنوات القادمة.

وفي كل مرة كانت المشكلة حول كيف ومتى وأين نقاتل إلى جانب إخواننا المجاهدين الأفغان؟ ورغم أننا تحولنا مع الزمن إلى أصدقاء قريبين – ومع ذلك- لم نتفق!!.

ـ صعد إخواننا إلى الجبل ورجعت إلى ميرانشاه لمناقشة حقاني وكان معي عبدالرحمن الذي أيدني تماماً فيما قلت، كنّا نفكر سوياً بنفس الطريقة في معظم الأحوال. في منزل حقاني وجدنا صعوبة في مقابلته نتيجة الزحام من شخصيات كلها هامة، وشعرنا بالحرج لإلحاحنا على مقابلته رغم معاناته من الحروق والإرهاق الزائد من المناقشات مع الضيوف. شرحت له ما وجدناه مع وجهة نظري في الموقف. وطالبته بإخلاء جاور تماماً من الرجال والمعدات، وأيضاً من الدبابة والمصفحة حتى لا يستولي عليها العدو إذا دخل إلى جاور.

خاصة وأنها لم تعد تستخدم الآن، وكان نائبه نظام الدين قد استخدم الدبابة ضد جبل رغبلي وكان ذلك مفيداً في البداية.. وبعد ذلك أصبح ذلك مستحيلاً تحت مظلة الطيران الرهيبة التي تغطي جاور بشكل دائم تقريباً. رد حقاني قائلاً أنه بخصوص الكمائن المتقدمة للدفاع عن جاور فهي موجودة فعلاً ومكونة من رجال حزب إسلامي حكمتيار وحزب إسلامي (يونس خالص) من أتباع مطيع الله. وأن مهمة حقاني حسب الخطة العامة هو الدفاع عن جاور نفسها.  أما عن سحب رجاله من داخل جاور فهو يخشى أن يشيع ذلك مناخ الهزيمة فإذا شعر باقي المجاهدين بذلك فسوف ينسحبون  أيضاً عائدين إلى بيوتهم في ميرانشاه القريبة. ولأجل ذلك عارض مولوي يونس خالص فكرة تفريغ جاور من المعدات أو سحب الدبابة والمصفحة منها، فسألته عن موضع المطار في الخطة، فرد أنه لا يدري إذا كان هناك من يعمل ضد المطار من بين المجاهدين هناك، وهم مجموعات تابعة (لجيلاني) و (محمدي).

ـ شغلت باقي اليوم في الاتصال بمكتب صحيفة الاتحاد في إسلام آباد كي أمليهم تلفونياً أخبار المعركة. وكانوا يرسلونها في نفس اليوم إلى أبوظبي. أما عبدالرحمن فأخذ يجهز لعملية سريعة ضد المطار اتفقنا على أن نقوم بها سوياً مع بعض أصدقائنا العرب مثل أبوعبيدة العراقي الذي وصل ميرانشاه، وأبوصهيب وهو شاب مصري أبدى رغبته، وهو صديق لعدد من أفراد مجموعتنا ولكنه وثيق الصلة بسياف ومن المبايعين له. وكنّا لا نرى بأساً في أن يعمل معنا وهو على هذه الدرجة من القرب من سياف. ولم يكن ذلك عملاً صائباً تماماً. في الصباح التالي لم تتم تجهيزاتنا للعمل ضد المطار، في الغد يمكننا أن نتحرك، ولكن مع من؟… لا أحد هنا من قادة المنطقة المعنية كنّا نبحث عن (سميرجول) أو (عبدالمنان).. ولكن لا أحد منهما أو من مجموعتهما في ميرانشاه، من العسير جداً أن نعثر على أحد. مرافقنا الخاص الشيخ محمد طالب استشهد في معارك حملة العام الماضي وترك فراغاً كبيراً في العمل.. فهو عضو ارتباط ممتاز مع مجموعات خوست.. وكنا نشعر بالحزن لفقده خاصة أنه رزق بمولود بعد استشهاده بعدة أيام, وكان ذلك هو مولوده الأول.

 

أبو عبيدة يهدد بالاستسلام للروس !!

فجأة داهمنا خبر سيء آخر لقد أصيب أبوحفص وأبوعبيدة في موقع (الزيكوياك) المضاد للطائرات. ومعهما عدد من الضباط الباكستانيين (فريق البلوبايب) وعدد من الأفغان كانوا في الموقع. كما أن الموقع نفسه قد دُمَر تماماً. وأصبحت جاور الأن بلا دفاع جوي. فی البداية أصيب ابوعبيده (يوم الخميس 17/4) ولكن لحسن الحظ أن إصابته كانت خفيفة، ولم يفقد روحه المعنوية المرتفعة, وربما يعود السبب في ذلك إلى خفة ظل أبوعبيدة. فقد وصل إلى المستشفى وهو يضج بالضحك لما حدث ويحدث. لقد حمل المجاهدون كل هؤلاء الذين أصيبوا عند المدفع وأنزلوهم إلى الوادي حيث كدسوا الجميع في سيارة (بيك آب).

وكان صديقنا قد نزل بمساعدة من أبوحفص . وكانت معاناته داخل السيارة أشد من معاناته من الجروح ـ بل ومن القصف الجوي ـ فكل شخص داخل السيارة يحمل فوق رأسه وأرجله وبدنه أجزاء من الآخرين ودماء مختلطة من الجميع أما مطبات الطريق فحدث ولا حرج ، ناهيك عن خطر قذائف مدفعية العدو أو صواريخ الطائرات التي تترصد أي تحرك لسيارات المجاهدين .. بعد كل ذلك هل من مزيد؟..  نعم هناك المزيد.. يقول أبوعبيدة.. أنه فوق كل تلك المصائب فإن أحد الضباط الباكستانيين أطلق من بطنه ريحاً كريهةً زكمت الأنوف وخنقت الأنفاس.. فصاح أبوعبيدة بأعلى صوته ( لأ مش كده.. أنا أنزل أسلم نفسي للروس أحسن ) … وانفجر أبوعبيدة ضاحكاً خاصة وأن الضابط الباكستاني لم يرضخ للتهديدات  وواصل إطلاق الغازات الخانقة!!. وربما من أجل ذلك قلده ضياء الحق وسام الشجاعة رغم أنه لم يسقط أي طائرة سوفيتية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد

 




بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان .. (4)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (4)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان 

(4)

المرتزقة .. حيوانات بشرية لا تكسب حربا .

الهجوم على القواعد الجوية الكبرى يؤثر على نشاط المرتزقة وعلى صناعة الهيروين .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

المفاوض الأمريكى يرفع عصا المرتزقة فى وجه المفاوض الأفغانى . وأنه فى حال سحب القوات الأمريكية فإن جيش المرتزقة هو الذى سيتولى الحرب .

وفى ذلك نوع من التهويل للتأثير على أعصاب الأفغان . فالمرتزقة هم القوة الأساسية التى تقاتل الشعب الأفغانى منذ عدة سنوات . ما زاد فى عهد ترامب هو إعلانه فى إستراتيجيته تجاه أفغانستان أنه رفع جميع العوائق امام مقاتليه كى يستخدموا أقصى درجات العنف لإنهاء مقاومة الشعب الأفغانى ، ودفع حركة طالبان قسراً صوب طاولة المفاوضات ، وبالأحرى طاولة الإستسلام . والنتيجة هى أن إنسحاب القوات الأمريكية لن يغير شيئا فى طبيعة القوات التى تقاتل لحسابها فى أفغانستان ، ولن يقلل من الكوارث الواقعة على رأس المدنيين .

الشئ الآخر هو أن قوات المرتزقة هى قوات قتل وليست قوات قتال ، خاصة إذا كان فى مقابلها حركة جهادية ذات تصميم وعزيمة وخبرة قتالية طويلة وتحظى بدعم شعبى كامل .

المرتزقة قوات قتل من الدرجة الأولى، فى حال إنفردت بالمدنيين العزل ، فيصبح أفرادها وحوشا بلا رحمة ، لا تربطهم صلة بالبشر ، وتفعل بالمدنيين مالا يمكن تصوره من أعمال .

من الطبيعى أن يكون البطش بالمدنيين هو الهدف الأول لجيش المرتزقة طبقا للإستراتيجية الأمريكية التى تناسب تماما التركيب النفسى للجندى المرتزق .

فحركة طالبان ما كان لها أن تخوض حربا جهادية طويلة لأكثر من 18 عاما حتى الآن وبدون دعم خارجى ـ بل على العكس فى ظل حصار إقليمى ودولى كامل ـ إلا بدعم شعبى لا نظير له ، بحيث يلبى جميع إحتياجات حركة مقاومة جهادية متصاعدة ضد أقوى جيوش الأرض فى أوسع تحالف شهدته حرب بعد الحروب العالمية .

كانت خسائر الشعب الأفغانى فى الأرواح باهظة ، وأكبر بكثير جدا مما يعلنه الأمريكيين . الذين أيضا تكبدوا خسائر فى الأرواح والمعدات أكبر بكثير مما أعلنوه حتى الآن .

يدرك الأمريكيون أن لا فائدة من محاولة ردع مقاتلى طالبان ، ناهيك عن هزيمتهم ولكن أملهم الوحيد فى ردع الإحتضان الشعبى لطالبان ، والتصدى لتبعات حرب طويلة وقاسية وباهظة التكلفة .

الشعب الأفغانى هو المستهدف من حرب أمريكا وجيوش مرتزقتها . والحرب تجرى الآن وستظل كذلك تحت رقابه CIA ، وقوة محدودة من القوات الخاصة والجنرالات الجيش، للمحافظة على إتجاه الحرب ضمن إطار الإستراتيجية الأمريكية العليا ، التى ليس من مصلحتها بحال أن يتحول جيش المرتزقة فى أفغانستان إلى صورة طبق الأصل عن (شركة الهند الشرقية ) فى القرن التاسع عشر ، التى تحولت إلى دولة تحكم الهند فعليا بدرجة عالية جدا من المرونة فى إرتباطها بالمركز البريطانى . فالظرف الدولى الحالى مخالف تماما لما كان سائدا منذ قرنيين من الزمان .فالحرب فى أفغانستان مرتبطة بخارطة الحروب والأزمات الدولية التى تديرها الولايات المتحدة ، وهى أشد إرتباطا بالحملة الأمريكية الإسرائيلية فى بلاد العرب من العراق والشام وحتى اليمن مرورا بجزيرة العرب بنفطها ومقدساتها. ومرتبطة بالخطر الذى يعترض ذلك المخطط والرابض على الشاطئ الشرقى للخليج العبرى ، ألا وهو إيران(الرافضة) للمشروع الأمريكى كلة ولأصل التواجد الصهيونى فى بلاد العرب والمسلمين.

    – للمرتزقة فى أفغانستان سلاح طيران خاص بهم ، ويشمل تشكيلة منوعة من الطائرات ، مع تركيز خاص على طائرات الهيلوكبتر التى تعتبر العمود الفقرى لعملياتهم الأرضية ومعها بالطبع تلك “الدرون” متعددة المهام .

لإستكمال التحطيم النفسى للمدنيين فإن هجمات المرتزقة على القرى تتم فى الليل غالبا . وبعد تدمير الأبواب وتجميع السكان فى الساحة الرئيسية للقرية يبدأ الإحتفال بالضرب والقتل والنهش بالكلاب المفترسة ، تم تدمير المسجد والمدرسة ومعدات الزراعة ، ثم إنتخاب أسرى والطيران بهم بعيدا .

صار ذلك جدولا نمطيا للتعامل الأساسى . وهناك أيضا القصف الجوى المفاجئ على القرى ، أو ضربها بمدفعية الجيش “الوطنى” ، وكثيرا ما أزيلت قرى بالكامل بهذه الطريقة .

الطائرات بدون طيار لها دور محورى فى الإستطلاع والمراقبة إلى جانب عمليات الإغتيال الجوى وترويع الأهالى وقتلهم فى مواقع شتى على الطرقات وفى الحقول ، وضرب الأسواق ، وجرارات الزراعة ..  وفى ذلك موجز غير مكتمل عن حرب المرتزقة فى أفغانستان .

ولكن كيف يواجه مجاهدو طالبان ذلك التحدى ؟؟ .

  – نتيجة لضعفها المخزى على الأرض تعتمد الإستراتيجية الأمريكية على سلاح الطيران ، بحيث يعجز المشاة عن أى تحرك بدون غطاء جوى أو دعم جوى قريب وسريع .

ـ العمليات الأرضية الخطيرة يقوم بها الجيش “الوطنى” !! وبالتالى يتكبد دوما معظم الخسائر فى الأرواح . وكذلك حراسة المدن الكبرى ، أو تأمين الطرق لحركة الجيش الأمريكى(وهى نادرة حاليا ) أو إستكشاف الطريق لقوات المرتزقة فى العمليات الأرضية والغارات المفاجئة.

    فرص تحقيق نجاحات لقوات المرتزقة عند مهاجمة مجموعات من طالبان ، هى عندما تكون تلك المجموعات صغيرة أو منعزلة ، أو محدودة التسليح بحيث لا تحمل صواريخ مضادة للدروع  RPG .

    وأحيانا تمكنت وحدات طالبان الصغيرة من إسقاط المروحيات التى تحمل جنود المرتزقة المعززين بقوات خاصة (وطنية)!! وإسقاط تلك الطائرات يمثل كارثة للعدو لأن خسائر الأرواح تكون كبيرة .

وفى العديد من الحالات فإن الوحدات الصغيرة من مجاهدى طالبان كانت فى موقف القتال لآخر طلقة وآخر نقطة دم فى مقابل هجوم متفوق للمرتزقة المحمولين بالمروحيات  . فيتحقق للمرتزقة نصراً تكتيكيا مدفوع الثمن بالكامل ، بحيث يعتبر خسارة فى الحساب الإجمالى .

وبهذا لن يتحقق أبدا نصراً ميدانيا متكاملا على مجاهدى طالبان ، ويظل الطريق المضمون والممهد أمام المرتزقة هو تدمير المدنيين وحياتهم ومعاشهم .

فيركز المرتزقة على الإنتقام من القرى التى تستضيف المجاهدين أثناء عبورهم أو مبيتهم. حسب ما يردهم من معلومات الرصد الجوى (بدون طيار)، أو شبكة الجواسيس المحليين الذين تفتقر معلوماتهم إلى الدقة ولا تخلوا من عنصر المكيدة وتصفية الحسابات الشخصية أو القبلية.

 

 

المرتزقة .. حيوانات بشرية لا تكسب حربا :

لا يمكن للمرتزقة أن يكسبوا حرباً ـ خاصة فى أفغانستان ـ كما أنهم لم يكسبوا أى حرب فى السابق ـ ولننظر إلى تجربة فرنسا مع فرقتها الأجنبية التى هى سلاح المرتزقة لديها والمكونة من جنود مستعمراتها السابقة . ولها شهرة عالمية فى الوحشية المفرطة ، وعدم التقيد بأى قوانين أو أعراف إنسانية . وهدفهم دوما ـ كما هو الآن ـ إرعاب الشعوب وردعها عن مجرد التفكير فى مقاومة الإستعمار.

كان للفرقة الأجنبية الفرنسية تجارب كثيرة منها فيتنام فى أواسط أربعينات القرن العشرين . إذ أفاقت فرنسا من هزيمتها المخزية فى الحرب العالمية الثانية، فرجعت إلى مستعمراتها السابقة فى الهند الصينية لإعادتها إلى حظيرة الإستعمار الفرنسى . كان الجنرال الفيتنامى ” جياب ” هو النجم الساطع فى تلك الحرب والقائد العسكرى الأشهر . يقول الجنرال جياب عن المرتزقة الذين قاتلهم وإنتصر عليهم بجيش من الفلاحين البسطاء لكن المتحمسين للدفاع عن وطنهم .

قال الجنرال ما معناه : { إن فرنسا إعتبرت هؤلاء المرتزقة غاية فى الإمتياز أنهم يخوضون حرب الآت لا حرب جنود . التدريب الآلى حولهم إلى آلات حرب لا جنود . الحرب تجارتهم لكنهم لا يعرفون لماذا يقاتلون . إنهم يعتمدون على السلاح والتدريب الآلى أكثر من إعتمادهم على روح الجندية } .

{ إن ما يفتقده الإستعمار ليس السلاح ، وفى هذا الخصوص هم يتمتعون بتفوق كامل علينا ، إن ما يفتقدونه هم الرجال الراغبون فى القتال } .

{ إعتمد جنرالات فرنسا على السلاح والمسائل الفنية ولم يعرفوا شعبنا بشكل جيد ، ولم يدركوا أنهم يقاتلون أمة بكاملها وجيش شعبى يشن حربا شعبية } .

فهل الجنرال جياب منذ أكثر من سبعة عقود كان يصف الوضع فى فيتنام أم كان يصف الحال فى الحرب الأفغانية الدائرة حاليا ضد الإستعمار الأمريكى وفرقته الأجنبية من مرتزقة شركات (بن زايد/ برنس / إسرائيل)، أشهر وأقوى جيوش المرتزقة فى القرن الحادى والعشرين .

 

  – يراعى مجاهدو طالبان مبدأ الإنتشار وعدم تركيز القوات تفاديا لسلاح الجو المعادى ، ولعدم إمتلاك طالبان لوسائل مناسبة للدفاع الجوى ، خاصة الصواريخ المحموله على الكتف . والتى فى حال توفرها بأعداد حتى ولو كانت قليلة فسوف تضع حداً لمعظم نشاطات المرتزقة وبذلك تتوفر حماية أكثر للمدنيين ولقوات طالبان معاً .

معظم قوات المجاهدين تتشكل من مجموعات متحركة تتكون ما بين عشرة إلى عشرين مجاهدا ، وذلك لتقليل الخسائر من الضربات الجوية أو عمليات الإنزال الجوية للمرتزقة .

تلك المجموعات المتحركة تتمتع بقدرة كبيرة على التحول من الإنتشار إلى التركيز و بسرعة كبيرة بدرجة تمكنها من التجمع لمهاجمة أهداف كبيرة للغاية كمدينة رئيسية مثل غزنى أو قندوز . وهم قادرون على ما هو أكبر من ذلك، ولكن بعد حل بعض القضايا التكتيكية والسياسية ، سيمر علينا بعضها عند مناقشة عملية الإستيلاء المؤقت على مدينة غزنى فى الصيف الماضى (2018) .

  – هناك وسائل عديدة تتبعها قوات طالبان لمقاومة قوات المرتزقة المحمولين جوا ، منها كمائن المتفجرات بعد إشارات تضليلية بوجود قوات لطالبان فى المكان .

وبالمثل توريط تلك القوات فى كمائن وحصار يكلفها خسائر باهظة وإستنفار عسكرى كبير لاستخراج من يتبقى منهم .

  – تبقى الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف هى العلاج الأفضل والأنجح. وهى مشكلة سياسية قبل كل شئ ، فالدول المنتجة لذلك السلاح لا تجرؤ على تحدى النفوذ الأمريكى. والسوق السوداء التى تذخر بكل شئ تعانى من متابعة إستعمارية دقيقة لتنظيفها من ذلك النوع من الأسلحة تحديدا .

 ويظل أفضل ما هو موجود لدى مجاهدى طالبان لمواجهة المرتزقة هو مبدأ مرونة وسرعة الحركة ، والقدرة على التجمع ثم الإنتشار والعكس .

ويلى ذلك فى الأهمية الكمائن وأفكارها المبتكرة . ثم أطالة أمد الإشتباك مع المرتزقة حتى تتدخل نجدات من مجموعات المجاهدين الأخرى . عندها تكون هزيمة المرتزقة حقيقة لا جدال فيها ما لم يتمكنوا من الإنسحاب بأقصى سرعة فى مروحياتهم .

  – حل أضافى ذو طابع إستراتيجى ، وهو الهجوم على القواعد الجوية الرئيسية حيث يتجمع المرتزقة والطائرات المروحية وتلك التى بدون طيار وبالطبع أنواع الطائرات المختلفة المقاتلة وقاذفة القنابل .. ومعامل تحضير الهيروين .

وتشديد الضغط على تلك القواعد مؤثر فى المجهود العسكرى للمرتزقة وسلاح الطيران وصناعة الهيروين ـ لذلك فهو عمل ذو أهمية إستراتيجية ويحتاج إلى تجهيزات أكثر تطورا وتكتيكات أكثر تعقيدا .

  – عامل إستراتيجى آخر للتأثير على المجهود الضار للمرتزقة ، وحماية المدنيين من هجماتهم . هو تشديد الهجمات على المدن لإرغام النظام على حشد قواه ـ بما فيها المرتزقة وسلاح الطيران ـ للدفاع عن المدن ـ حيث أن الإحتفاظ بالمدن الرئيسية هو الورقة الأساسية التى يمسك بها المحتل ونظامه السياسى العميل فى العاصمة كى يساوم بها فى أى مفاوضات نهائية مع المجاهدين . معتمدا على عدم قدرتهم على مهاجمة المدن أو عدم قدرتهم على الإحتفاظ بها إذا تمكنوا من إقتحامها (كما حدث فى غزنى وقندوز) .

     بالطبع يمكن الإستيلاء على مدن كبرى والإحتفاظ بها فى ظل الظروف الحالية بعد توفير شرائط معينة عسكرية وسياسية . خاصة وأن الإحتلال الأمريكى المباشر بقوات أمريكية ، أو بواسطة شركات المرتزقة وجيوشها ، يخضع أساسا لموازين الربح الإقتصادى المرتبط فى أفغانستان على عامل الهيروين . وحيث أن الأفيون ومزارعه يقع بشكل متزايد فى أيدى مجاهدى طالبان ، أى سيطرتهم أكثر على المادة الخام لتصنيع الهيروين .

     والمطلوب هو مزيد من السيطرة على مزارع الأفيون لحرمان العدو منها . وعدم إعتراض الأفيون عند خروجه من البلاد حتى لا يعود إلى مصانع العدو أو إلى خطوط نقله إلى قاعدة بجرام الجوية عبر المطارات الداخلية ، أو بواسطة التجار المتعاونين مع المحتلين، والذين يجب تشديد العقوبات عليهم وإعتبارهم قوات معادية .

     وسائل خنق صناعة الهيروين وتجارته هى هدف أساسى للمجاهدين فى تلك الحرب . وذلك يشمل صناعة تبيض الأموال المرافق لتلك الصناعة وتوأمها اللصيق بها.

  – وهنا يجب الحديث بشئ من التفصيل عن دور “بنك كابول” بإعتباره ركيزة أساسية فى  تلك الحرب.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان .. (4)

 




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (152) | صفر 1440 هـ / أكتوبر 2018 م.      

16/10/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 2 )

 

– مصرع كافر قبيلة ” إبراهيم خيل” .

–  راهب الجهاد ” الشيخ محمود” يستشهد فوق بندقيته أثناء الصلاة .

– الشهيد الغريب “السيد أحمد” … سيد الهاون .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

هذا هو إلهى .. فأطيعوه :

الطريق القادم من جرديز ما أن ينتهى من سلسلة جبال (ساتى كاندو) المكسوة بغابات الصنوبر ، حتى تبدأ مناطق تسكنها قبائل “زدران” وتستمر حتى بداية وادى خوست لذا أطلقوا على الطريق إسم تلك القبائل فصار إسمه طريق ( زدران) .

رغم أن العديد من قادة الجيش الماركسيين الكبار هم من أبناء هذه القبيلة ، إلا أن العلماء وشيوخ القبيلة وأفردها ، لم يوافقوا على ما يحدث ، وكان قرار القبيلة أن الحكومة الجديدة (كافرة) ولهذا قرروا مقاطعتها ، وألا يسمحوا لها بالمرور من أراضيهم ، أى أنهم قطعوا الإتصال بين جرديز وخوست .

تحت أقدام “ساتى كاندو” تبدأ منطقة يسكنها فرع من زدران يدعى”إبراهيم خيل” ـ يعنى قوم إبراهيم ـ تصادف أن يكون منهم القائد العسكرى فى جرديز وقتها هو ضابط شيوعى شاب ومتحمس للغاية يدعى إبراهيم ، وكان قائدا لسلاح المدرعات فى الولاية ، فذهب إلى قبيلته كى يقنعهم بفتح الطريق .

قصة الضابط إبراهيم مع قبيلته كانت على العكس تماما من قصة نبى الله إبراهيم مع قومه. كان الضابط إبراهيم كافرا وقبيلته من المؤمنين . بالحجة حاول أن يقنعهم بالكفر ، ولما فشل حاول إجبارهم عليه بقوة الدبابة ــ إلهه الجديد كما زعم ــ فكانت نهايته المأساوية .

شيوخ القبيلة رفضوا مرور الجيش من أراضيهم لأن الحكومة كافرة لا تؤمن بالله . الضابط إبراهيم ناقشهم طويلا وهددهم بأن الحكومة ستفتح الطريق بالقوة إذا لم يفتحوه طوعاً ، وأن بيوتهم ستدمر وتحرق ، وأن لا طاقة لأحد بهذه الحكومة وجيشها الجبار .

أصر شيوخ القبيلة على موقفهم ، فتحداهم الضابط إبراهيم قائلا: تقولون أننا الشيوعيون لا نؤمن بالله .. فأين هو إلهكم ؟ .

فردوا عليه قائلين : إن الله هو خالق كل شئ ، ولكن لا أحد يستطيع رؤيته .

ضحك إبراهيم مستهزئا وقال بأن عنده إله قوى وجبار أقوى من إلههم ولكن يمكن رؤيته ، وسيحضره معه صباحا كى يريهم إياه ، وطلب منهم إنتظاره فى وقت محدد من صباح الغد .

فى الوقت المحدد حضر الضابط المغرور ممتطياً ظهر دبابة سوفياتية من طراز (تى62) وهى الدبابة الأثقل لدى الجيش وقتها .

كان رجال القبائل يخشون الدبابات كثيرا ، وهذا كان أول إحتكاك لهم مع واحدة من تلك الوحوش التى لا تصرعها طلقات بنادقهم العتيقة ، وكان مجرد صوتها يثير خوفهم . وصل إبراهيم وصوت دبابته يهز الجبال ، وقد تجمهر شيوخ القبيلة والكثير من أفرادها المبهورين الخائفين ، وإبراهيم منتصب القامة فوق دباباته وكأنه قهر بها العالم . ثم أخذ يروح بها ويجئ ويستدير ويعتدل ، ويطلق القذائف على قمم الجبال القريبة والبعيدة فيرتج المكان والأبدان .

إمتقعت وجوه الحاضرين ، ولا أحد منهم ينطق ببنت شفة . نزل إبراهيم منتشيا مزهوا من على ظهر دبابته ، ووقف متحديا شامخاً أمام شيوخ القبيلة ، وتكلم بزهو المنتصر :

ــ هذا هو إلهى !! هل رأيتم كم هو قوى وجبار ؟؟ . إنه سيفتح لنا هذا الطريق ، وإن لم تطيعوه فإنه سيدمركم .

وقف الشيوخ واجمون صامتون ، ثم طلبوا منه إمهالهم ساعة للتشاور قبل إعطائه الرد. غادروا المكان للتداول فى مكان آخر . وبعد قليل عادوا من مجلس تداولهم ، وتقدم أكبرهم سناً حتى يبلغ الضابط الشاب بنتيجة بحثهم . قال الشيخ :

ــ يا إبراهيم لقد بحثنا الأمر ، وقد تأكد لدينا أنك أيضا كافر مثل حكومتك ، ولن نترككم تمرون من هذا الطريق مهما حدث . أما إلهك هذا فليس سوى كومة من صفيح ، فخذه معك وإرحل من هنا .

فبهت الذى كفر ، واستشاط الضابط المغرور غضبا ، وثار مهددا متوعدا :

ــ سنمر من هذا الطريق بالقوة وسنحرق قراكم ، سآتى بالجيش غدا صباحاً فى مثل هذا الوقت من ضحى الغد ، إحضروا كل القبيلة وسأرى من منكم يستطيع منعى .

وغادر إبراهيم المجلس غاضبا ، وركب إلهه الفولاذى وغادر به إلى جرديز .

دقت طبول الحرب فى”إبراهيم خيل” وكل قبائل زدران ، إستعدادا لصراع غير متكافئ بين أجساد الرجال وبنادقهم العتيقة وبين جيش جرديز ودباباته الفولاذية التى لا تقهر .. وموعد اللقاء الرهيب كان ضحى الغد .

شارك حقانى ورجاله فى ذلك الكمين . وبسبب إنشغاله فى ترتيب أمر الكمين والمشاركة فيه تأجل ذهابنا إلى لقائه فى سرانا ليوم أو إثنين .

لم يكن لدى القبائل أدنى فكرة عن أن هناك سلاح يمكن أن يواجه الدبابة ، ولا عن أى طريقة لمواجهتها . إنهم يواجهون المستحيل ، وكانوا حقا يذهلوننا بذلك . عندما كنا نسألهم فى مواقف مشابهة “ماذا ستفعلون؟؟ “، فكان ردهم دوما وبكل هدؤ وثقة ” توكل بخداى” ـ أى التوكل على الله !! ــ كنا نظن أن تلك مجرد كلمة . ولكنها عند الأفغان سلاحهم السرى الذى لايقهر …  والدليل ؟؟ :

فى ضحى اليوم التالى للقائه مع شيوخ قبيلته “إبراهيم خيل” ، جاء الضابط إبراهيم مع قافلة عسكرية ضخمة مهمتها فتح الطريق بالقوة ، وإيصال المؤن إلى مدينة خوست . فبدأ سيل من الدبابات ومئات الجنود المدججين بالسلاح فى سياراتهم المصفحة . ورجال قبيلة زدران يرون الزحف المرعب يزلزل جبال ستى كندو وترجف منه جبال إبراهيم خيل .

نزل الجيش من جبال ستى كندو وبدأ التقدم عبر منطقة “إبراهيم خيل”. فدوت صيحة جماعية من رجال القبائل المستحكمين خلف الصخور: “الله أكبر” !! صيحة زلزلت هى الأخرى جبال “ستى كندو” و”إبراهيم خيل” ، وغطت على زمجرة عشرات الدبابات والمصفحات والشاحنات العسكرية ، وطائرات الميج النفاثة التى تمزق الفضاء .

والنتيجة !!.. لم تعبر القافلة .. ودُمِّرتْ عن آخرها .. ولم ينجو جندى واحد ولا ضابط واحد حتى إبراهيم كان من بين القتلى . دبابة روسية واحدة قديمة جدا من طراز”تى ـ 34″ إستطاعت الفرار ووصلت منفردة إلى خوست كى تنقل نبأ الفاجعة .

كيف حدث كل ذلك ؟؟.. لا أحد يدرى لا من القتلى ولا من الأحياء ، ولا من الذين قابلناهم بعد ذلك نسألهم الخبر .

وكنا قريبين من المنطقة وقت المعركة ، وقد ذهبنا لرؤية آثارها وأخذنا الكثير من الصور لحطام القافلة العسكرية ، وكان ذلك أثناء زيارتنا الأولى لأفغانستان فى يونية 1979 . لقد كانت أفغانستان كلها ومازالت .. معجزة .

كتبت عن زيارتنا لمكان المعركة فى كتاب 15 طلقة فى سبيل الله .. فقلت :

ما زلت أتذكر زيارتنا لموقع المعركة ، بعد إنتهائها بيوم واحد تقريبا . لقد وقعت القافلة المتوجهة نحو خوست في كمين قاس .. كانت آثاره المدمرة واضحة . أكثر من عشرين شاحنة إحترقت تماما وجثث السائقين و معاونيهم قد تحولت إلى تماثيل بشعة من الفحم الذي تبرز منه عظام آدمية بيضاء إضافة إلى أكثر من عشر مصفحات محترقة ، وقد سقطت جثث الجنود خلف مزاغل إطلاق النار و بعضهم  إحترق داخل المصفحة  أو على أسفلت الطريق العام .

جثة أخرى لعسكري ـ أو ضابط ـ زحف إلى خارج الطريق وأسند ظهره إلى صخرة ومات تحتها . لقد تعفن الجسد وأصبح أسودا مثل الفحم بينما إنكشفت عظام الجمجمة واليدان فوق البطن وعظام الفك مفتوحة عن إستغاثة يائسة . عدد آخر من المدرعات ترك الطريق العام ونزل إلى الوادي الصخري المجاور حيث يسير نهر شمل بمياة قليلة لكنها شديدة الإندفاع .

فتعطلت بين الصخور وغرزت فيها العجلات والجنازير ، وهكذا ضاعت عدة دبابات في الوادي أيضا . وفوق الجسر منظر غريب آخر ، مصفحتان إقتحمتا الحاجزالحديدي كي تسقط في الوادي من إرتفاع ثلاثة أمتار تقريبا ، وكأن السائقين فوجئوا بالكمين فقرروا الفرار بهذه الطريقة ، والأغلب أنهم قتلوا. من المناظر الغريبة أيضا  إحدى ناقلات الجنود وقد إخترقت طلقة الحديد السميك المجاور لمزغل إطلاق النار فقتل الجندي وسقط فى مكانه.

نظرنا إلى المكان الذي جاءت منه تلك الطلقة الغريبة ، وكيف إستطاعت اختراق حديد بتلك السماكة ، وهذا غير ممكن إلا بطلقة ـ أو قذيفة ـ مضادة للدروع وهو الشيء الذي لا يمتلكه المجاهدون في ذلك الوقت . كان في الإتجاه المقابل للمزغل جبل صلد مرتفع لم تحدث من جهته أية عملية إطلاق لأن الكمين كله جاء من جهة واحدة عبر الوادي حيث تشرف عدة تلال متفاوتة الإرتفاع أما الجانب المقابل فهو جبل مرتفع لا يتيح للقوة أية فرصة للإختباء، فكأنها تقف أمام حائط كي يطلق عليها المجاهدون النارمن الجهة المقابلة، فسحقت القوة بالكامل وهي في وضع سيء.

إكتملت الصورة بكثير من الجثث التي تحللت وأصبحت أشبه بالرماد المحترق وقد تناثرت فوق الطريق وكأنها كتل بارزة من الإسفلت ، وقد تجمعت الكلاب حولها تنهش منها ما تشاء ، بينما جلست كلاب أخرى متكاسلة على جانبي الطريق وقد أصابتها التخمة . وفي وسط هذه اللوحة المأساوية وجدت كتابا ضخما وقد تلوثت صفحاته المصقولة بالدماء ، لقد كان ديوان شعر باللغة الروسية ، مزينا برسومات رومانسية غير متقنة لضباط وجنود مع فتيات جميلات ، حولهم العديد من الزهور والأشجار وزجاجات الخمر والطيور .

خمنت أن الديوان كله يتحدث عن ضباط وجنود ذهبوا إلى الجبهة للقتال وتركوا خلفهم الأهل والعشيقات ومتع الحياة . أضافت الدماء التي لطخت الصفحات خاتمة مأساوية لحياة إنسان فقد حياته على أرض غريبة.  لقد قتل وهو يطلق النار على الأبرياء بينما يقرأ أشعارا الغزل ولوعة الفراق ـ كمثل نيرون الذي أحرق روما وهو يغني أشعارا ـ لقد سقط الجندي الروسي ـ ولا ندري أين جثته وسط هذا الحشد المتفحم  ، فقد حياته بلا معنى . وبعد يوم وفاته بإحدى عشر سنة تقريبا سقطت الشيوعية وإنهارت دولة السوفييت فوق نفس الجبال في أفغانستان .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

راهب الجهاد .. “الشيخ محمود” .

كل ما حولى كان أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة . الأرض ، الناس ، الأحداث ، لم يخطر على بالى شئ منها. فكنت أحاول إستجماع نفسى حتى أفهم ما حولى . كل ما رأيته فى رحلتى الأولى (يونيه 1979) كان معلومات تأسيسية ، وما تلى من سنوات كنت أبنى عليها فتزداد حصيلة فهمى لتلك العناصر . ولكن وحتى مغادرتى لأفغانستان فى نوفمبر 2001 لم أستكمل هذا الفهم . ولا أظن أنه ذلك ممكننا ، فكل ساعة فوق أرض أفغانستان ومع هؤلاء الناس ، وما يصنعونه من أحداث لا يمكن الوصول فيه إلى نهاية ، ويظل دوما فريدا ومفيدا .

ـــ فى عصر أحد الأيام ، رأيت بادشاه (يعنى الملك) ــ إبن عم حقانى ــ العامل على الرشاش البلجيكى الثقيل المضاد للطائرات ، وكان يحمل مدفعه من فوق القمة نازلا به إلى الوادى. شعرت بالسرور لأننى كنت لا أشعر بصداقة مع ذلك المدفع ، ولا مقتنعاً بفكرته ، وتسبب لى ذلك “بحفلة” تقريع من حقانى سيأتى ذكرها فيما بعد .

ولكن تعجبت أن “بادشاه” وافق على إخراج مدفعه من الخدمة ، وبهذه السهولة . سألت حقانى عن السبب ، وكان يهبط من منزله صوب الوادى . فقال أنه يأخذ المدفع إلى “الشيخ محمود” حتى يتفحصه . فسألته عمن يكون ” الشيخ محمود” .

فقال أنه من المجاهدين الأوائل الذين حملوا السلاح ضد حكم دواد ولم يترك سلاحه إلى اليوم . ولمدة ثلاث سنوات لم يغادر الجبهة ولكنه جاء منذ أيام إلى “سرانا” مريضا . فاشتاق إلى السلاح وكان متعجبا من وجود رشاش ثقيل عندنا يشتبك مع طائرات العدو ، فأراد مشاهدته فأرسلته إليه فى الوادى حتى لا يتكبد عناء الصعود وهو مريض .

ــ نزلت مع حقانى إلى الوادى حتى ألقى التحية على “الشيخ محمود” الأسطورة الذى لم يضع سلاحه منذ أن رفعه على “الكافرين” منذ أكثر من خمس سنوات .

رأيته مسندا ظهره على الجبل . فظهر وكأنه جزء منه ، بكيانه الضخم الصلب . كَفَّاهُ خشنتان كقطع من جذع شجرة صنوبر على سفوح ( ساتى كاندو). جبهته بارزه وحاجباه كثيفان تطل من تحتها عينان تلمعان بحدة وسرور . كان يقلب بكفيه الخشنتان المدفع الثقيل ، وكأنه طفل يتلقى هدية العيد من والده المحب . جلس إلى جانبه حقانى وهو يبتسم شارحاً للشيخ العملاق أسرار ذلك السلاح الجبار { وكنت أرى فى ذلك المدفع أفشل مشروع للدفاع الجوى ، ويراه حقانى تحديا يمرغ أنف الكافرين فى التراب ـ والآن ـ أظن أن كلانا كان على حق . كنت أنظر إلى الناحية التكتيكية لسلاح منفرد سريع العطب . وحقانى نظر إلى الجانب المعنوى لوجود سلاح فريد فى المنطقة ، رآه رافعا لمعنويات المجاهدين ومتحديا لجبروت الكافرين } .

ألقيت السلام على الشيخ محمود ، ومد إليّ يدا ثقيلة خشنة وألقى على وجهى نظره ثاقبة سريعة ، شعرت أنه فهم فى تلك الومضة كل ماهو محتاج إلى معرفته عنى ، أو أنه إطلع فى ومضة واحدة تاريخ حياتى كله من الولادة وحتى الممات . ثم عاد الشيخ يتفحص المدفع الملقى على ركبتيه ، وكأنه يداعب طفله الأول .

رغم قوته وكيانه المهيب كان يبدو مريضا ومنهكا . دفعنى الفضول لمعرفة أسرار هذه الشخصية التى رفعت سلاحها للجهاد ، منفردا وحيدا ، ضد دولة بجيشها ..وهو الآن فرح ليس فقط بالسلاح الجبار الملقى على ركبتيه ، بل لأن قبائل باكتيا وأفغانستان كلها لحقت به إلى الجهاد . الشيخ محمود كان واحدا من هؤلاء العظماء السبعة ــ  قائدهم حقانى ونائبه أحمد جول ــ الذين إفتتحوا الجهاد فى باكتيا ـ وسيطروا على قاعدة عسكرية قرب غابات الأورجون بالتكبير وبضع طلقات من بنادقهم القديمة.

– كانت زيارتنا الأولى لأفغانستان قد إنتهت ، عندما تعافى الشيخ محمود ، وذهب إلى موقع المجاهدين الذى كنا فيه حيث التماس الدائم مع العدو .

توضأ الشيخ محمود ، ووقف يؤدى صلاة العصر . وفجأة داهمت طائرات الهيلوكبتر الموقع ، وبدأت بإطلاق مدافعها الرشاشة على من فيه .

إختبأ الجميع بين الصخور ، إلا الشيخ محمود الذى ظل واقفا يكمل صلاته ، حتى أصابته طلقة فى رأسه فتهاوى كتلة واحدة شهيدا بين يدى ربه ، متمددا وصدره فوق بندقيته التى كانت حاجزا أمام مصلاه ، فبدا وكأنه يحتضنها فى وداع أخير . فكان شهيد المحراب الذى لم ينحن يوما لغير خالقة . وكان الشهيد الوحيد فى ذلك اليوم ، وإن لم يكن آخر الشهداء .

–  بالنسبة لى كان مذهلا ذلك الصنف من الناس ، الذى يقف منتصباً للموت ولا يظهر خوفاً أو تردداً ـ لماذا ؟؟ كنت أرى أن ذلك على ما فيه من بطولة وعزة إلا أنه عمليا قد يؤدى إلى القضاء على جميع المجاهدين فى ساعات أو أيام قليلة ، وتنتهى قصة الجهاد ويبقى “للكافرين” سطوتهم على الدنيا وما فيها . ولكن يكمن فى ذلك أحد أسرار الشخصية الأفغانية . كان التحدى جزءً من فطرتهم الإيمانية ، والشجاعة جزء من تكوينهم النفسى ، والمرونة والتكيف جزء من ذكاء فنون البقاء لديهم .

وهذا الخليط إمتزج فى النهاية ليخرج المجاهد الأفغانى الذى يتحدى العالم ، ويسقط أغنى وأقوى دول العالم ، الواحدة تلو الآخرى . بلا وجل ، ولا تعب ، ولا تردد ، ولا جمود .

 

السيد أحمد .. سيد الهاون :

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان ، (هاون السيد أحمد) كان السلاح الثقيل الثالث الذي شاهدناه  في حالة إشتباك .

“السيد أحمد” ــ من شمال أفغانستان ــ رامي الهاون في مجموعة مولوي عبد الرحمن ، وهى أول مجموعة قتالية نلتحق بها فى أفغانستان (كان مولوى عبد الرحمن يمزح ضاحكا : عندنا مجموعة من 12 مجاهدا يتكلمون أربع لغات مختلفة !! ) . وقد أرسلنا إليه حقانى إليهم بعد أن وصلت بنادقنا التى إشتريناها من غنائم جماعة مطيع الله فى الأورجون . مولوى عبد الرحمن شاب فارع الطول ذو إبتسامة ساخرة لا تكاد تفارق وجهة . كان يرتدى نظارة طبية بعد أن فقد إحدى عينيه خلال إشتباك مع العدو .. وعلى يد الرجلين ( مولوى عبد الرحمن ، والسيد أحمد) تلقيت بعض الدروس التي أفادتني طول مدة الحرب . كما أنها ظلت مستخدمة بين المجاهدين على  نطاق واسع .

أول هذه الدروس كان تأخير وقت الإشتباك إلى قرب غروب الشمس حتى لا يعطي للطيران فرصة للتدخل ضده . (فى فبراير 1990 خرج حقانى عن هذه القاعدة أثاء هجوم ضخم وناجح للإستيلاء على جبل تورغار ــ المفتاح الجنوبى للمدينة ومطارها ــ بعد صلاة الجمعة مباشرة والشمس فى كبد السماء!! . سنعود إلى ذلك فى موضعه ) .

الدرس الثاني كان دقة إختيار الأهداف … فقد كان (سيد أحمد) يتناقش مسبقا مع قائده (عبد الرحمن) في تحديد الأهداف التي سيوجه إليها نيرانه أثناد العملية قبل أن تبدأ .

الدرس الثالث كان الإقتصاد فى الذخيرة ، فقد كان لكل هدف طلقة واحدة ولم نسمع يوما أن (سيدأحمد) قد أخطأها .

بقي أن نعرف أن (سيد أحمد) كان مختصا في سلاح الهاون أثناء خدمته في الجيش الأفغاني وقبل أن يفر من وحدته ويلتحق بالمجاهدين . أخذ معه سلاحة ( الهاون عيار 82 مليمتر ) وظل يستخدمه أثناء إلتحاقه بالجهاد . والغريب أنه يقصف وحدته العسكرية المستحكمة في قرية (دارا) القريبة من جرديز على أول الطريق الذاهب إلى خوست .

ومن هذا نفهم لماذا لم يكن يخطئ الهدف أبدا ، فهو إلى جانب مهارته الفنية ، يحفظ تماما مواقع الأهداف ومسافاتها . ونفهم أيضا  لماذا يناقش إختيار الأهداف مع قائده عبد الرحمن ،  وكان يصر على عدم قصف خيام الجنود ، وكان دائما يقول:( إنهم ليسوا شيوعيين وقد كنت بالأمس واحدا منهم ، وكلهم ينتظرون الفرصة للإلتحاق بإخوانهم المجاهدين ولكن الضباط الشيوعيين يحرسونهم جيدا ويقتلون فورا كل من يشكون في نواياه من الجنود) .

لقد ظل المجاهدون طوال مدة الحرب يفرقون بين الجندي الأفغاني المغلوب على أمره وبين الضابط الشيوعي الذي يأمره ويتحكم فيه بل ويستعبده . وكل هؤلاء الجنود تقريبا كانوا من مزارعي الأرض في مناطق شمال أفغانستان الناطقة بالفارسية .

وكان ذلك ضمن مخطط الشيوعيين لإشعال الكراهية بين القوميات التي يتركب منها المجتمع الأفغاني . فالجنود والضباط في كل قومية يقاتلون في مناطق القوميات الأخرى . أما الضباط الشيوعيين (الحزبيين) فإنهم يقاتلون في كل مكان لأنهم يكرهون الجميع .

–  لقد إستشهد (السيد أحمد) بعد ذلك بعدة أشهر بواسطة قذيفة مدفعية . كان عائدا إلى المعسكر بعد زيارة لقبر أحد الصالحين يدعى “خدى بابا” الموجود على جانب طريق جبلى ، منحدر وضيق يقع على طريق المجاهدين، من قمة الجبل إلى مركزهم الخلفى تحت الجبل . قرأ الفاتحة وهَمَّ بالإنصراف. ولكن هبطت قذيفة مدفع قادمة من جرديز ، لتأخذ السيد أحمد فقط ، ولم تعقبها قنابل أخرى.

ما زلت أعتقد أن ذلك الشاب هو نموذج للمجاهد المثالي خلقا وعملا . كان من السادة ـ أي سلالة تنتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان سيدا نبيلا بكل معاني الكلمة ، هادئا دمث الطباع محبوبا من الجميع متواضعا . يتصرف بثقة من تعود على السيادة والقيادة هذا عن أخلاقه . أما مهنيا فلم أر مثله في أفغانستان شخصا يعشق سلاحه ويهتم به كما تهتم الأم بطفلها الرضيع . لقد حفر مغارة خاصة صغيرة تستوعب مدفعه وذخائره القليلة . أما بطانيته التي ينام عليها فكان يخصصها لتغطية ماسورة المدفع التي ينظفها يوميا من الأتربة ، عدا التنظيف الحتمي بعد الإشتباك والرماية . وأثناء التحرك بالسلاح إذا أمطرت السماء ، كان يتخلى عن ردائه “الباتّو” كي يلف به الماسورة حتى لا تطالها الأمطار، أما هو فلن يصدأ إذا تبلل جسده بالمطر أو لفحته الرياح.

كان فى مقتبل الشباب ، نحيل الجسم خفيض الصوت محبوبا من الجميع . يحيط به الشباب يمازحزنه أثناء الطعام ( أو ما يشبه الطعام). ويتسابقون على إصطحابه أثناء عمليات الرماية. ولكن مولوى عبد الرحمن كان يحدد العدد تفاديا للخسائر من جراء القصف المعاكس الذى كان العدو يسرف فيه جدا . فالضباط كانوا يعرفون أن الرامى هو السيد أحمد ، الجندى السابق الذى كانوا يستعبدونه بغبائهم العسكرى وقسوتهم ، يشاهدونه الآن وهو يقتلهم بكل حرية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

16/10/2018

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى