1

استراتيجية (الصبر القاتل)

استراتيجية (الصبر القاتل)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 185 | ذوالقعدة 1442 ھ – يونيو 2021 م.   

27-06-2021

 

استراتيجية (الصبر القاتل)

– جاهد الأفغان وانتصروا على أمريكا والنظام الدولي. وسينتصرون في معركة بناء دولتهم الإسلامية القوية، والمستقلة عن كل المواصفات الأمريكية.

– استراتيجية (الصبر القاتل) تتبعها الإمارة الإسلامية، فتترك عدوها يتنفس لبعض الوقت، إلى أن تنجز مهاماً كانت تُنْجَز عادة بعد الفتح واقتحام العاصمة.

– لم تنجح أمريكا في حرب المعتقدات وتغييرالسلوك والعادات الاجتماعية وتحويل المجتمع الأفغاني إلى صورة مشوهة للمجتمع الغربي كما حدث في معظم البلاد الإسلامية.

– مرة أخرى: بقوة الإيمان، ثم بقوة السلاح، فرض شعب أفغانستان إرادته فوق أراضيه؛ فتضاعفت مساحة الإمارة الإسلامية وأسلحتها وأعداد شعبها في الأراضي المحررة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

تتساقط المناطق التي تسيطر عليها الحكومة بسرعة أذهلت حتى المراقبين الحكوميين.

والنشرات الصادرة عن أنصار الإمارة الإسلامية مزدحمة بأسماء المناطق وكميات الغنائم، والقادة العسكريين المستسلمين أو الصرعى والقوات التي تبخرت من الوجود لأسباب مجهولة.

حتى تكاثرت الأصوات التي تطالب الإمارة الإسلامية بالإجهاز على النظام بضربة نهائية وأن تدخل المدن والعاصمة. ولكن للإمارة الإسلامية خططها واعتباراتها. فهي تنشب أصابعها القوية في عنق النظام بدون أن تجهز عليه، مما أثار دهشة واستغراب أكثر المراقبيين.

– العجيب والجديد هو استراتيجية (الصبر القاتل) التي تتبعها الإمارة الإسلامية، فتترك عدوها يتنفس لبعض الوقت إلى حين ان تنجز مهام كانت في الحروب المماثلة، تنجز بعد الفتح واقتحام العاصمة. الإمارة أنجزت الكثير جدا من تلك المهام الآن. مستفيدة من تشبث أعدائها الأغبياء بإمداد النظام بمقومات الصمود. تلك المواد شيدت لها الإمارة الإسلامية طرقاً ومسارات ومخازن، لتحصل عليها بعد وقت قصير من وصولها.

النظام الحاكم، بفساده، يؤدي دورا وطنيا لأول مرة في تاريخه. إذ يخصم نسبة من المعونات كأتعاب له، ثم يمرر الباقي إلى المجاهدين. والنسبة المحتجزة يشتريها المجاهدون، مستفيدين من يقظة ضمير الفاسدين ، لحل مشاكل متوقعة بعد الفتح.

-قال خبير عسكري حكومي: طالبان تستخدم استراتيجية خطيرة. فهم الآن يسيطرون على المدن الأخرى تاركين العاصمة وحيدة حتى اللحظة الأخيرة.

وجاء في تحليل عسكري آخر، إن طالبان لا تتعجل إسقاط المدن حتى تتيح لمقاتليها فرصة لترسيخ أوضاع المناطق المحررة، بعد التقدم السريع في الفتوحات والأراضي المحررة، والقوات الحكومية المنضمة إلى الحركة.

إذن المهمة هي ترسيخ الأقدام وتنظيم المناطق المحررة وتجميع الغنائم الهائلة. أما المدن فطالبان متواجدون بداخلها عملياً بدون استلام السلطة رسميا، معتبرين ذلك عملا مؤجلا لحين الاستفادة من الوقت الحالي والفرص المتاحة فيه.

– ولا ننسى أن أمريكا والناتو ملتزمون بدعم النظام في جميع الأوجه، للصمود ودعم الاحتياجات العسكرية والمدنية، وكلها إمدادات تحتاجها طالبان الآن. ومازال الاحتلال يتكفل بها، وتصل إلى طالبان بسرعة. وذلك عنصر مؤثر في عملية الإعلان عن تولي الإمارة الإسلامية للسلطة رسميا في المدن عامة والعاصمة كابول بشكل خاص.

– لا أحد يدافع عن النظام الذي يقتله الفساد وصراع الأجنحة على السرقات. مع الشعور باقتراب السقوط تراهم يبيعون كل شيء للإمارة الإسلامية، حتى المعلومات السرية التي تؤدي إلى ضرب شبكات التجسس واغتيال الشخصيات المحورية التي تدير الأعمال المضاده لطالبان.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

في أمريكا غموض وتناقض

تثير أمريكا جوا من الغموض والتناقض حول نواياها في أفغانستان. يرجع ذلك إلى معضلات تواجه تلك الدولة العظمى التي دخلت بالفعل في مرحلة الهبوط والأفول الحضاري نتيجة مجموعة من المشكلات العويصة. وهزيمتها في أفغانستان فاقمت من تأثير ذلك الخليط من المعضلات القديمة والجديدة. مضافا إليها تفاعلات الهزيمة العسكرية وهي تفاعلات نفسية ومعنوية، وضربة عميقة لجنون القوة، والثقة غير المحدودة بالقدرات المادية المتوفرة لتلك الدولة، وفشل كل تلك القدرات، وانهيارها غير المنطقي أمام قوة صغيرة متخلفة ماديا ، ولكن لديها قوة معنوية لم يتصور الأمريكان أن لها كل ذلك التأثير. حتى أنها أفشلت العوامل المادية التي وضعوا كل اعتمادهم ـ وإيمانهم ـ وثقتهم بها. بل كانت هي دافعهم الأول لمحاربة أفغانستان لاغتصاب ثروات شعب لا يدري حتى بوجودها في أرضه ـ أو أنها بهذا القدر المهول.

 

في أفغانستان.. الإسلام هو العدو

أدرك الأمريكيون ـ بعد فوات الأوان ـ كما أدرك السوفييت قبلاً ، أن سلاح الأفغان الأساسي هو الإيمان الديني. ولأجل استعباد ذلك الشعب، فلابد من انتزاع الدين منه. وقد واظبوا على ذلك طول الحرب التي كانت الأطول في التاريخ الأمريكي، حتى الآن.

والسبب الأساسي في إطالة مدة الحرب ـ رغم اتضاح فشلها منذ وقت مبكرـ كان لإتاحة فرصة زمنية أطول لاقتلاع الإسلام من أفغانستان، أو الفصل بين الشعب وبين الإسلام.(كان رأي أحد العسكريين الأمريكان أنهم في حاجة إلى سبعين سنة لاستبعاد الإسلام من أفغانستان). وأهم الأسلحة في ذلك هو التعليم، وإنتاج جيل غير مُؤمِن، يحكم البلد لصالح القوى الأجنبية وأطماع الطبقة المتعلمة الجديدة. وهو ما حصل في البلاد العربية التي بفعل التعليم الغربي تبدلت فيها الثقافة والمعتقدات، وجاءت طبقة قائدة، معادية أو لا مبالية بالدين، وبعد عقود أعلنوا الردة عنه ولكن بأسماء مبتكره مثل التقدم أو الترفيه والتطوير والانفتاح والتسامح.

إضافة إلى التعليم أصبح انتزاع الإسلام من الشعب معتمدا على الفضائيات التلفزيونية وشبكة الإنترنت، ثم باقي وسائل التخريب الثقافية،التي يقوم عليها أعداء الدين وعملاء المستعمر، يساندهم الغرب بالمال والجوائز والإشادة الإعلامية والسياسية، باعتبارهم طلائع المدنية الغربية.

لم تنجح أمريكا في حرب المعتقدات وتغييرالسلوك والعادات الاجتماعية وتحويل المجتمع الأفغاني إلى صورة مشوهة للمجتمع الغربي كما حدث في معظم البلاد الإسلامية.

ولكنها خلقت في ذلك المجال مشكلة كبيرة ستواجه الإمارة الإسلامية بعد عودتها إلى السلطة. وهي مشكلة تطهير المجتمع من آثار الغزو الثقافي والفكري الاجتماعي الذي رافق الغزو الأمريكي. خاصة وأن الغزو العسكري ضم (قوات إسلامية) تقوم بفتنة المسلمين الأفغان، وكسب ثقتهم ومودتهم لقبول الاحتلال وبرامجه خاصة في المجال الديني والثقافي.

 

مسلمون تحت راية الصليب

-من هنا كان خطورة وجود “مسلمين” تحت راية الحملة الصليبية على أفغانستان ـ وكان ذلك ضمن أهداف تواجد القوات التركية والإماراتية والأردنية ـ خلال العشرين سنة (الأولى) من الاحتلال. وفي مطلع “العشرين سنة الثانية” ظهرت خطورة إضافية لتلك القوات في أعقاب الانسحاب الكبير(وليس الكامل) للقوات الأمريكية من أفغانستان.

-فتقوم القوات التركية، بصفتها عماد قوات الناتو في أفغانستان، بالمهام الاستعمارية الجديدة التي كلفتها بها أمريكا. وهي أقرب إلى الاستعمار بالوكالة. ولما رأت تركيا المهمة أكبر من حجمها وقدراتها، طالبت بإشراك باكستان معها عسكرياً داخل أفغانستان بشكل علني، وليس فقط في مجال العمل الاستخباري السري.

– مرة أخرى: بقوة الإيمان، وقوة السلاح، فرض شعب أفغانستان إرادته فوق أراضيه. فتضاعفت مساحة الإمارة الإسلامية وأسلحتها وأعداد شعبها في الأراضي المحررة.

 

مؤامرة حلف الناتو الإسلامي

في أول زيارة خارجية بعد انتخابه رئيساً، رمى ترامب عدة قنابل ثقيلة على المسلمين.

الأولى اعتباره القدس عاصمة موحدة لإسرائيل.

الثانیة طرح مشروع (صفقة القرن) لإنهاء قضية فلسطين لصالح إسرائيل وتعويض الفلسطينيين ببرامج رشاوى اقتصادية يتحمل عرب النفط تكاليفها.

الثالثة والأخطر هي تكوين تحالف عسكري بين إسرائيل والعرب (والمسلمين السُنَّة) يكون موجهاً ضد “المسلمين المتشددين”. استبعد كثيرون أن يكون هذا الكلام قابل للتطبيق مهما كان التوافق السياسي بين إسرائيل وحكومات العرب والمسلمين ـ سراً أو علنا ـ ولكن أن يكون هناك تحالف عسكري ضد أطراف إسلامية أخرى، استبعد كثيرون ذلك الاحتمال.

 

الشريعة والحرية.. في مقابل السفارة والمطار

تحايل عجيب تحاول أمريكا تمريره على المجاهدين الأفغان وإمارتهم الإسلامية. فتقول إنها قد تُحَرِّك قواتها لحماية السفارة الأمريكية في كابول. وأنها قد كلفت القوات التركية بحماية مطار كابول والبعثات الدبلوماسية في العاصمة.

ليصبح الانسحاب مجرد استبدال لقوات الاحتلال وتغيير في واجبات المحتلين. وتتصور أمريكا أن الشعب الأفغاني يمكن أن يساوي بين حريته الدينية والسياسية وبين وجود سفارة أمريكية، وسفارات أوروبية لم تقدم له شيئاً في تاريخها سوى المصائب. بل إن بعضها كان منطلقا لعمليات احتلال أجنبي أو إدارة حرب داخلية. ومعظمها ـ على الأقل ـ منخرط بشِدَّة في نشاطات تهريب المخدرات وغسيل الأموال.

وأن الأفغان قد يتوهمون أن دولتهم لن تقوم لها قائمة بغير وجود سفارات في كابول، خاصة سفارات الدول التي شاركت في الحرب على بلادهم. بعض السياسيين الأفغان يتوهمون ذلك ويتصورون أنه بدون تواجد بلادهم في الأمم المتحدة فلن يكون لها اعتبارعلى كوكب الأرض.

-فكما جاهد الأفغان وانتصروا على أمريكا والنظام الدولي. سينتصرون في معركة بناء دولتهم الإسلامية القوية، والمستقلة عن كل المواصفات الأمريكية: بلا سفارات للمعتدين، ولا مطار للتهريب الدولي، ولا أمم متحدة متواطئة، ولا معونات اقتصادية أو”إنسانية!!” من المستعمرين اللصوص.

فلدى الأفغان أغنى الكنوز الطبيعية على سطح الأرض، وحولهم دول كبرى تتلهف على التعاون والمشاركة الاقتصادية العادلة والمتكافئة. فالإمارة هي الأقدرعلى إدارة البناء الاقتصادي ومشاريع التكافل والعون الإسلامي في أفغانستان، وليس أي مؤسسة صليبية جاءت وهي تحمل الإنجيل في يد ورغيف الخبز في اليد الأخرى، والقنبلة والمسدس في أياديها الثالثة والرابعة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

استراتيجية (الصبر القاتل)

 




التربية السياسية (5) : مفاهيم سياسية وتعريف بالسياسة الشرعية

التربية السياسية (5) : مفاهيم سياسية وتعريف بالسياسة الشرعية

المقال الخامس من سلسلة التربية السياسية

المعادلة السياسية بين تغيب الفكرة عن الفكر السياسي

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

 

الفكر السياسي، هو قدرة العقل لإيجاد نفسية عقلية، تتربى على طريقة الجمع للفكرة السياسية، واستخدام مكونات الفكر (عناصر الفكر السياسي)، والتي تشمل: الثابت والمتحول والمتحرك وربطهم بالفعل السياسي، وإنتاج التراكمية للفعل السياسي وهي الممارسة السياسية، إن الفكر السياسي قائم على معادلة حسابية سياسية، والتي تتكون من عملية تفعيل للفكرة؛ بهدف استنباط الصالح واستبعاد الفاسد، وهي تتألف من: التشخيص، والتحليل، والعلاج…، إن ما تمر به الأمة اليوم أقرب إلى الهرطقة السياسية، لفقدناه بوصلة الفكرة السياسية؛ والتي تؤدي إلى جمع طاقات الأمة العربية والإسلامية، على إنتاج فكر سياسي يجمع الأمة بطاقاتها وقدراتها؛ لإحداث ثورة سياسية تعتمد على فكرة موحدة، تكون هي الجامعة بين شعوب المسلمين.

 

إن غياب الإطار الجامع الفاعل للأمة العربية في لحمة واحدة، وامتلاكه لمفاعيل القوى وهو مقاومة الظلم والاستبداد، الناتج عن النظام الدولي الجديد، وتحقيق مصلحة الأمة من خلال إعلاء قيمة الهدف المتوج بالمصلحة العامة، وهي وحدتها لتمكينها بالوقوف كجبهة موحدة ضد أي قانون جائر وأي عمل عدوانى ضد أي قطر عربي إسلامي، هذا الغياب جعلها فريسة سهلة لأعدائها وعلى رأسهم النظام الدولي الجديد، والذي يترأسه المشروع الصهيو أمريكي في المنطقة، والذي من كبرى أهدافه؛ إماهة المشروع الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، وجعله جزء لا يتجزأ من النسيج العربي والإسلامي، وبهذا يتحقق أطماع المشروع الصهيوني المارق في الأمة، والذي يعمل على تفرقها والنيل من وحدتها، ويبقيها أقطار تلعن بعضها بعض، ويلعب على مصالحها الفردية، وجعل أكبر أهداف الأقطار والأمصار الحفاظ على عروشهم وشرعياتهم، تارة بالديمقراطية الزائفة، وتارة بالانقلابات العسكرية، وتارة بالقتال الداخلي، ليؤدي بدورها وظائف أكبر مما نتوقع، إن عملية التشخيص المبكر؛ ستكون أهم خطوة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية المجيدة، ولو دققنا النظر وتركنا الطاقة العقلية التشخيصية تعمل وتفكر، واستخدمنا جميع أدوات التشخيص، لوجدنا أن النظام الدولي الجديد؛ هو أساس بعثرة وتفرقة الأمة، وذلك من خلال القوانين الدولية، هذا الجانب الأهم والأبرز في عملية التشخيص، كما أن القائمين على النظام الدولي الجديد، هم الذين صاغوا هذه القوانين لتحافظ على ميراثهم الدولي كزعامة، وأن يبقوا في دائرة تمثيل القوة الآمرة والناهية في بيت الطاعة الدولي هذا جانب ثان، ومن جانب آخر حافظوا على حق التدخل الدائم والمستمر في جميع أنحاء العالم، ليبسطوا هيمنتهم والاستحواذ على مقدرات الأمة …، وكذلك ليحققوا الهدف الأكبر وهو العلو الصهيوني في المنطقة، فالتشخيص سيقودنا إلى أن النظام الدولي الجديد؛ كأنما صيغ باحتراف من قبل صائغيه وذلك ليحققوا الهدف المذكور آنفاً.

 

لاحظنا من خلال التشخيص السابق أن النظام الدولي الجديد، لا يعمل لصالح العالم بأسره؛  وعلى رأسه الأمة العربية والإسلامية، وإنما يعمل من أجل الهيمنة والسيطرة على مقدراتها، ولو ذهبنا لتحليل الوضع القائم في واقعنا المعاصر، لوجدنا أن الأمة العربية والإسلامية، لديها عنوانين رئيسيين تعمل كإطار جامع، وهما: جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولو بحثنا جيداً في أهدافهما، سنجد لديهم أهدافاً قيمة وثمينة، ولكن على أرض الواقع لا تمتلك قوة لتطبيقها، وأن مفاعيل القوى التي تستند عليها غير فاعلة، ومن ثم تكون أهدافها ذراً للرماد في عيون الشعوب، وذلك لأن النظام الدولي بسط قوته، وأفقدها دورها في الأمة، ومن ثم لا ترقى أن تكون سنداً رئيسياً لأي قضية عربية أو إسلامية.

 

لنمضي بتحليل الواقع قليلاً… ويتضمن التحليل بسؤالين، ما هو دور جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في ما حدث في الوطن العربي والإسلامي من أحداث؟ وما دورها في القضية الفلسطينية؟ الإجابة على السؤالين طبعاً؛ كان لها دوراً طفيفاً كعقد الاجتماعات، والشجب والاستنكار هذا أقصى ما تملك من قوة، وهذا دور مطلوب منهما حتى يخفف حدة توتر الشعوب اتجاه النظام الدولي الجديد، وما قامت به أمريكا في العراق؛ وروسيا في سوريا دليل على ضعف المنشود منهما…، كما أن واقع الأمة العربية والإسلامية، هو واقع التسابق للارتماء في أحضان النظام الدولي الجديد، وذلك بهدف حماية مملكاتهم وعروشهم…، إن ما يحدث من أحداث أليمة في الوطن العربي، يهدف إلى النيل من الوحدة الفعلية والحقيقة للأمة العربية والإسلامية، كما أن مفاعيل القوة باتت متناحرة في أهدافها الجيوسياسية، فالأمة بجمعها ووضوح هدفها السياسي، هي القادرة للوقوف ضد صلف النظام الدولي الجديد، لأن شرعيته على الأمة العربية غير صحيحة، وهو فاقد للشرعية التي أدت للوصاية الدولية على الحق العام للأمة العربية والإسلامية.

 

بعد عمليتي التشخيص والتحليل للوضع القائم، يسهل علينا كتابة العلاج والذي يتمثل في إنتاج فكر سياسي واعي وجامع، يؤسس لإسناد الأمة لمفاعيل قوية وحقيقة، تستهدف الإطاحة بالنظام الدولي الجديد؛ من خلال هدم أقوى مرتكزاته في المنطقة؛ الكيان الصهيوني العنصري الإحلالي على أرض فلسطين، وإفشال المخططات الناتجة عن الحركة الصهيونية، وهي المشروع الأساسي في إبقاء النظام الدولي الجديد كمهيمن رئيسي في المنطقة، فالنظام الدولي الجديد فاقد لشرعيته في أمتنا، وذلك لتعزيزه للفساد والظلم والاستبداد بل هو المستعمر الجديد بثوب القوانين الدولية.

 

إن القلم والورقة واستخدام الخطة في الفكر السياسي لمقارعة الخطة من قبل الأعداء، هي السمة التي ستميز المرحلة القادمة في تفعيل طاقات الأمة جمعاء، وهي التي ستحدث الفعل السياسي الذي سيرقى للمواجهة والمجابهة، والوقوف بصلابة أمام قوى الغازي على الأمة، ومن هنا ندعو جميع طاقات الأمة لتعزيز البنية الاتحادية في الفكر، والذي يبني الوعي الفكري الذي يجابه التحديات المفروضة على الأمة، ولتقف هذا الطاقات سداً منيعاً أمام فرض حالة التجزئة والتشظي للأوطان، والكل يسعى من خلال إدراك الهدف المنشود، ليراكم قوى الفعل السياسي لتصبح ممارسة سياسية وازنة في إسقاط قوانين وقواعد النظام الدولي الجديد، والذي يهدف إلى تعزيز القومية الصهيونية لأن تكون ضمن القوميات العالمية، وإيجاد راحة في إدماجها في الأمة العربية والإسلامية، والتي شاهدنا صورا منها في الأيام الأخيرة، ومن هنا أدعو لتكوين العصابات السياسية في الأمة لتعمل ضد المشروع الصهيوني، وهدم مشروع القومية اليهودية في منطقتنا العربية والإسلامية.

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

التربية السياسية (5) السياسة الشرعية وعلاقتها بالفكر السياسي

 




التربية السياسية (1) : مفاهيم سياسية وتعريف بالسياسة الشرعية

مفاهيم سياسية وتعريف بالسياسة الشرعية

سلسلة مقالات في التربية السياسية

المقال الأول بعنوان: مفاهيم سياسية وتعريف بالسياسة الشرعية

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمد r، جاء بالرسالة الخاتمة، والحنيفة السمحة، والمحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، هذه الرسالة المحمدية، التي قدمت للبشرية أرقى النماذج السياسية في إدارة الموقف، وفي وضع أهداف العمل السياسي، فصلاة الله وسلامه على النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه؛ ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

إن السياسة الشرعية من أهم الجوانب التي عنى بها الإسلام؛ من خلال وضع المبادئ العامة، التي تهدف إلى إقامة العدل والإحسان، ومبدؤها المساواة في الحقوق لكل شرائح المجتمع المسلم، من خلال الآيات المحكمة؛ وأيضاً من خلال سنة رسول الله r والشورى.. وترك الباقي لكي  تجتهد فيه الأمة الإسلامية حسب الظروف التي تمر بها، ولقد كان من أوائل ما قام به الرسول r في صلح الحديبية، وأرسى قواعد المنهج السياسي؛ المستند لخطة وهدف، ليتسنى للعقل المسلم أن ينتهج ما انتهجه رسول الله r، كما سيتضح معنا في هذه الدراسة.

 

 تعريف السياسة في اللغة:

السياسة مشتقة من السياسة، وهي في اللغة: مصدر ساس يسوس، مادتها (س، و، س)، وهذه المادة تدل على أصول، جاء في (المصباح المنير): ساس زيد الأمر يسوسه أي: دبره وقام بأمره. وجاء في (لسان العرب) لابن منظور الأفريقي: السَّوس: الرئاسة، يقال: ساسوهم سوسًا، وإذا رأسوا الشخص، قيل: سوسوه، وأساسوه. ونقول: ساس الأمر سياسة أي: قام به على أكمل وجه.

ونقول: سوسه القوم أي: جعلوه يسوسهم. ويقال: سوس فلانٌ أمر بني فلانٍ أي: كلف سياستهم، والسياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه، ومن هذا يتضح أن كلمة السياسة تطلق في اللغة بإطلاقاتٍ كثيرة، ومعناها في جميع إطلاقاتها يدور على تدبير الشيء، والتصرف فيه بما يصلحه، هذا هو تعريف السياسة في اللغة، ومما سبق يتضح لنا من التعريفات أن السياسة هي تدبير ورعاية وتأديب وإصلاح الشيء.

 

تعريف السياسة في الفقه.

أما تعريف السياسية الشرعية في اصطلاح الفقهاء، فللفقهاء فيه أقوال: قيل في تعريف السياسة: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي أي: دليل تفصيلي من كتابٍ، أو سنة، أو إجماع، أو قياس.

 وعرفها البعض أيضا بأنها: هي ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه النبي r ولا نزل به وحي.

فمضمون الحاكم في سياسة المجتمع هي مشروعيته، أي شرعيته في سياسة وإدارة الحكم، فيجب أن تكون من شريعة  الله هي الحاكمة، وأن يكون الدين كله لله بلا تجزئة، ” وبين الشرعية والشريعة جناس كامل… لفظاً ومعنى! كلاهما مصدر من فعل واحد شرع، وهو فعل يفيد البدء في السير على أساس من سبق التنظيم، ومنه الشارع، وهو الطريق المعد للسير، والمشروع وهو الفكرة المنظمة، والتشريع وهو التنظيم بقواعد عامة.

 

التعريف بالشريعة في اللغة.

 وتطلق الشريعة بمعنى المورد أو المشرب، وقد جاء في مختار الصحاح: شرعة الماء هو مورد الشارب، ويقول الأزهري: ولا تسميها العرب شرعة حتى يكون الماء عداً لا انقطاع له كماء الأنهار أو يكون ظاهراً معينا يستقي منه برشاء (أي دلو).

وتطلق كذلك بمعنى الطريقة المستقيمة، أو على حد تعبير الفيروز آبادي في القاموس: الظاهر المستقيم من المذاهب، ومن هذا المعنى قول الله: ” ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ” الجاثية: 18، ومن معانيها كذلك كما قال بن ملك: الطريق الظاهر، راجع القاموس المحيط- مختار الصحاح.

 

التعريف بالشريعة في الفقه:

واصطلاحاً: الشرع والشريعة والدين والملة بمعنى واحد ، والشريعة أوسع من الفقه، إذ لا يدخل فيه اصطلاحاً جانب الاعتقاد ولا جانب الأخلاق، فالأول يدخل في علم الكلام والثاني يدخل في علم الأخلاق.

والمعنى اللغوي ظاهر بالنسبة للشريعة وما لها من سمات، فشريعة الله مورد لمن شاء أن يرتوي إيماناً وخلقاً وحكماً، وهو مورد ظاهر معين؛ لا يبعد على طالب، ولا ينأى عن راغب وهي طريق مستقيم لا عوج فيه ولا أمت.

وعرف البعض أيضًا السياسة الشرعية بأنها: هي ما يراه الإمام، أو يصدره من الأحكام، والقرارات زجرًا عن فسادٍ واقع، أو وقاية من فسادٍ متوقع، أو علاجًا لوضعٍ خاص.

وأيضًا عرف البعض السياسة الشرعية بأنها: تدبير شئون الدولة الإسلامية التي لم يرد بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير، وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة، وأصولها العامة.

يقول الشيخ عبد الرحمن تاج: أن عدم دلالة شيء من النصوص الواردة في الكتاب والسنة على أحكام السياسة الشرعية تفصيلًا لا يضر، ولا يمنع من أن نصفها بوصف السياسة الشرعية، أما الذي يضر، ويمنع من ذلك، أن تكون تلك الأحكام مخالفة مخالفة حقيقيةً لنص من النصوص التفصيلية، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، هذه النصوص التفصيلية التي أريد بها تشريع عام للناس في كل زمان، وفي كل مكان. فمتى سلمت السياسة الشرعية، أو أحكام السياسة الشرعية من هذه المخالفة للنصوص التفصيلية، وكانت متمشية مع روح الشريعة، ومبادئها العامة؛ كانت نظامًا إسلاميًّا، وسياسة شرعية نأخذ بها، وبأحكامها.

 

مكونات الفكر السياسي:

1- (الثابت والمتحول والمتحرك):

وعلى ما تقدم يتم تفسير مكونات النظام السياسي والذي يؤدي إلى الفكر السياسي، والمتمثلة بالثابت (الشريعة) والمتحول (الواقع) والمتجول أو المتحرك(المعطيات السياسية)، الهدف منه المصلحة العليا العامة، ويقاس بإنشاء الخطة السياسية، والتي من أجلها يسوس السياسيون الأمر، فتتجلى الحكمة والمبادئ الإسلامية (الأخلاق) في ربط مكونات العملية، كفاصل لتحقيق مصلحة عامة، تضمن نتائج أفضل مما كان عليه حال الواقع، فالخروج عن استبعاد أي مكون من مكونات العملية السياسية المذكورة آنفاً، أو النظر للأهداف الشخصية، وترك الهدف العام كمصلحة جامعة وعامة، أو إتباع  الهوا النفسي لتعصب قومي، أو قطري، أو قبلي، أو حزبي أو تنظيمي، يشكل عامل ضار بالقرار السياسي؛ لما ينتجه من الإضرار العام بمصلحة المجتمع، فيكون ارتكب مخالفة للسياسة الشرعية، والتي تسبب إعطاء فرصة للعدو من التمكن وبسط سيطرته أو من تفلت الشعب أو التابعين.

 

2- الفعل السياسي:

 فهو النشاط الحركي الذي يقوم بها الإنسان لتحقيق أهداف خطته السياسية، والتي تهدف المصلحة العليا والكلية الجامعة للمجتمع والشعب وهي إقامة نظام سياسي موحد يرقى لتحقيق الحق والعدل والمساواة بين طبقات المجتمع والعمل من أجل نهضة الأمة الإسلامية ورفعتها لتكون الأنموذج الجديد ونظام دولي يضاهي النظام الدولي الجديد المارق على الأمة والوقوف ضد الظلم والاستبداد ليتحقق العدالة المجتمعية في صفوف شرائح عموم الأمة، وهذا الفعل السياسي خاضع للإدارة السياسية، وهو جزء من الخطة السياسية، وهو يتبع للإشراف والمتابعة ومن ثم للمراقبة، وليس لأصحابه القائمين عليه حصانة ما؛ فهم مجرد أُجَراء عند الأمة لتنفيذ مهمة معينة، ولهم برنامج سياسي أو خطة ذات كلفة وتوقيت وجودة معينة لتحقيق أقصى استفادة من وجودهم؛ حتى ولو كان نشاط حركي من الخطة الكلية والتي تهدف لعودة الأمة العربية والإسلامية لقيادة العالم.

فالفعل السياسي، هو يختص بحركة الفرد سواء كان هذا الشخص حاكماً أو حكومةً أو حزباً أو تنظيماً أو فرداً، فيكون نشاطهم الحركي للفعل السياسي منطلقة الثابت (الشريعة)، فلا يجوز تجاوز الهدف الرئيسي للشريعة والدين وهي إعلاء المصلحة العامة والإبعاد عن الفساد الذي يؤدي للخلل بالنظام السياسي الجامع للأمة أو الشعب،  فالثابت هو الذي بوجه المبادئ السياسية العامة والخاصة ولا يجوز بالمطلق أن تكون المبادئ السياسية هي التي توجه الثابت وإلا سنقع في غلط كبير، فالأمة بعلمائها وفقهائها وسياسيوها مطلوب منهم ان يدوروا مع الكتاب والحق حيث دار ليس مع الحاكم ولا السلطان ولا الجماعة ولا تنظيم.

الفعل السياسي يخضع لخطة كاملة، فأصل الفعل السياسي هو نتاج المتحول (الواقع) والمتحرك (معطيات سياسية) والذي يخضع للعملية الإدارية وإنشاء الخطة على التحليل الجزئي في نظام كلي للأحداث، ومنها تم إنشاء علم فقه الواقع واستنتاج المعطيات التي يتم دراستها في الخطة السياسية والتي يكون لها هدفها الذي يسعى الكل بتحقيقه من خلال المهمات والأنشطة الحركية السياسية والتي تؤدي بدورها للفعل السياسي، فالفعل السياسي هو نتاج هدف الوعي بالواقع وتفنيد المعطيات السياسية وإدراك التشابك بين الواقع والمعطيات السياسية.

 

3- الممارسة السياسي:

الممارسة السياسية هي نتاج تحقيق كل عناصر الفكر السياسي من فهم العناصر والمكونات التي بني عليها الفكر السياسي والمتألفة من الثابت أي الفهم التام والكامل للقاعدة الثابتة في السياسة وهي القرآن والسنة والذي يمثلوا أحكام الدين والتي تؤدي على فهم حقيقي، وإدراك الواقع (المتحول) من خلال فقه يستند على المعطيات السياسية والتي تمثل المتحرك، فالممارسة السياسية هي نتاج نجاح الخطة السياسية والتي كان أساسها العنصر البشري الذي التزم بنشاطه الحركي ليحقق أهداف خطته، ومن ثم تعرف الممارسة السياسية هي نتاج تراكمية الفعل السياسي الذي يؤدي إلى تحقيق هدفه ومن ثم بناء خطة سياسية متطورة عن السابقة وعليه تكون الممارسة السياسية لها دور في تطوير المنظومة السياسية.

 

 

المراجع والحواشي….

المرجع 1-  [السياسة الشرعية مصدر للتقنين للدكتور عبد الله محمد محمد القاضي، طبعة 1410 – 1989 دار الكتب الجامعية الحديثة بطنطا صـ32] .

(2) الاستاذ الدكتور مصطفى كمال وصفي، المستشار بمجلس الدولة في كتابه: النظام الدستوري في الإسلام – مقارنا بالنظم العصرية، طبعة 1394ه، 1974م،

(3)راجع الامام الشاطبي، الموافقات، ج1، ص88، واصطلاحات الفنون، لمحمد على التهانوى، المجلد الأول، ص 835، طبعة الأساتنة عام 1317ه.

  (4) الدكتور على جريشة اصول الشريعة مضمونها وخصائصها ص 8.

(5) [السياسة الشرعية للدكتور يوسف القرضاوي الطبعة الأولى 1419هـ – 1989م مكتبة وهبة بمصر صـ15، وما بعدها] .

(6) نظام الدولة في الإسلام للدكتور صلاح الصاوي الطبعة الأولى 1418 – 1998 دار الهداية بمصر صـ39.

 

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world