ثورة قادمة .. أم "ربيع " عائد؟؟

ثورة قادمة .. أم ” ربيع ” عائد ؟؟ (1)

نقدم لكم المجموعة الاولي من أجوبة ابوالوليد المصري ( مصطفي حامد ) علي إستفسارات متابعين موقع مافا السياسي . 

ثورة قادمة .. أم “ربيع ” عائد؟؟

(1)

 

عناوين :

– الثورة تعنى بناء أجهزة جديدة وفق عقيدة الثورة ، خاصة أجهزة الجيش والأمن .

– الوقوف على أبواب وزارات الدفاع لن يجلب تغييرا، ولن يأت بغير مسكنات يعقبها أبشع نواع الإنتقام . كما حدث فى التجربة المصرية .

– ما نراه ليس ثورات ، بل “إنتفاضات ألم” لا قيادة لها ولا برنامج ولا تصور للمستقبل . فلا ثورة بلا قيادة، وتنظيم ثورى ، وبرنامج ثورى لنهضة شاملة .

– النظام الديموقراطى هو الأكثر قسوة ونفاقا، وتظهر حقيقته عندما يتعرض لأزمة إقتصادية خطيرة ، فيتحول إلى الفاشية أو النازية أو البلطجة الدولية المسلحة كما تفعل أمريكا الآن .

 إلى  ثوار مصر والعالم العربى :

– كيف نسدد الديون الفلكية التى تستهلك معظم ميزانية الدولة ، التى لاملجأ لها إلا المزيد من الإقتراض وبيع أصول الوطن؟؟ .

– ما هو الموقف من مئات المليارات من الدولارات المهربة إلى الخارج . ولماذا لم يتابع الإخوان تلك القضية أثناء مدة حكمهم ؟؟.

– لماذا لا تحتوى مطالب الثوريين العرب الكشف عن الإتفاقات غير المعلنة والتى تمس الأمن القومى بين دولهم وكل من أمريكا وإسرائيل ومشيخات النفط .

– ما هو الموقف من قضية فلسطين وسيطرة إسرائيل على المنطقة العربية وتمددها إلى العمق الإسلامى فى أفريقيا وآسيا ؟؟.

– إلى متى تظل الثورات العربية غارقة فى محليتها وكأنها تعيش فى جزر معزولة عن العالم ؟؟ .

– ما هو موقف الثورة العربية من قضية إسترجاع حقوق السودان ومصر فى مياه النيل رغم أن أبعاد تلك الكارثة ستكون أخطر من “نكبة فلسطين” ؟ .

– لماذا لا يوجه ثوار مصر” لَوْماً أخويا” إلى المجرمين الذين خططوا ومولوا بناء سد النهضة ؟؟.

– لو تصدى الرئيس مرسى لمشروع سد النهضة، وجمع الشعب خلفه لصار زعيما تاريخيا لمصر. ولكنه إكتفى بصلاحيات رئيس مجلس محلى، كى يستمر فى الحكم.

– سيأتى يوم يقف فيه المرابى اليهودى على رأس المواطن المصرى مطالباً إياه بسداد ديونه أو الرحيل عن أرض مصر .     

ما يحدث فى السودان والجزائر أثار الكثير من التساؤلات والمشاعر المتناقضة ما بين الأمل بإنبعاث جديد للربيع العربى(!!) بينما البعض يأمل فى ثورة مكتملة تقتلع ما هو قائم وتستبدله بما هو أفضل . وآخرون غلب عليهم التشاؤم قائلين:” ما هو آت مثل ما قد  ذهب ، فلا الربيع زارنا ولا الثورة تعرف لنا طريقا” .

فى أجواء القمع يتعلق البعض بفكرة الديموقراطية على أنها سبيل الخلاص ، على الأقل الخلاص من كابوس العسكر .

فكيف نرى ما يحدث فى السودان والجزائر .. هل هو”ربيع عربى يعود مرة ثانية .. أم أنها ثورة عرفت الطريق إلينا أخيرا.

بعض الأصدقاء أرسلوا الأسئلة التالية ..

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

 

السؤال الأول :

ما يحدث فى السودان والجزائر هل هو ثورات فعلية ؟

ــ  فمن أجهضوا الثورات سابقا هم من يعملون فى السودان لتخريبها .

ــ وما دور مصر ؟ هل يمكن أن تلعب دورا لتخريب ثورة السودان ؟

السؤال الثانى :

فى السودان نزلنا إلى الشارع وثرنا على البشير بمطالب كل حر يريد أن يعيش فى بلده ولا يعيش فى خدمة رؤساء فى مقابل لقمة خبز .

ــ أرى العسكر يبتلعوننا كما إبتلعوا مصر الحبيبة ، وقد يأتى لنا سيسى سودانى .

السؤال الثالث :

  ماذا ترى من الثورة فى السودان وتسليمها للجيش وهو نفس ما حدث فى مصر؟. كنا فى مصر سعداء بالجيش ـ كما يفعل السودانيون ـ ونحن الآن لا نستطيع أكل الفول .

ــ فكلما قلنا ثورة يركب علينا من يقول ديموقراطية . نريد ثورة تمكننا من العيش .

 

1 ) جواب ابو الوليد المصري : 

 مقدمة ضرورية للحديث :

لم تحدث أى ثورات فى العالم العربى فى القرن العشرين ، بالمعنى الحقيقى للثورة الذى يعنى إعادة بناء الدولة على أسس عقائدية وإقتصادية وسياسية جديدة ، تحقق مصالح الأغلبية من السكان ، ونظام إجتماعى يضع المواطن فى موضع السيادة الحقيقية فى وطنه مع تحقيق عدالة إجتماعية ومشاركة فعالة فى القرارات بأنواعها وفى نشاطات بناء الدولة الجديدة ، تلك الدولة التى يشترط فيها إمتلاك قرارها السياسى والتمتع بالإستقلال عن الهيمنة الخارجية .

وعماد الدفاع عن النظام الثورى هو جيش جديد ، مبنى على عقيدة الثورة للدفاع عن دولتها ضد الخطر القادم من الخارج . ثم أجهزة جديدة للأمن الداخلى ، مبنية على عقيدة الثورة للدفاع عنها ضد المخاطر الداخلية التى تهدد المواطن وحقوقه وسلامته وإنجازاته التى حققها بالعرق والدم .

عقيدة الثورة .. عقيدة المجتمع :

نتكلم عن عقيدة الثورة التى ستصبح عقيدة المجتمع وأجهزة الدولة خاصة الجيش وأجهزة الأمن الداخلى . فما هى تلك العقيدة ؟؟ .

إذ لا توجد ثورة بدون عقيدة تجمع الأغلبية الساحقة من المجتمع . وتلك العقيدة هى التى يعاد صياغة الدولة وأجهزتها حولها . وفى حال كتابة وثائق جامعة للدولة والمجتمع كالدستور والقوانين ، تكون هى الحاكمة على مواده وعلى روح الدستور والقوانين .

العقيدة الدينية هى أقوى رابط للمجتمعات وقوة أنظمتها وديمومتها، كما قال إبن خلدون . وهى عقيدة تستطيع إستيعاب إحلام جميع البشر من مسلمين وغير مسلمين ، ومن ذوى الميول الأضيق مثل القومية أو الوطنية التى تعنى إنتماءا ثقافيا وعاطفيا وليست عقيدة  تحاول إزاحة الدين بشعارات القومية أو الوطنية فتكون النتيجة التمزق والصراع والضعف ثم التبعية للمستعمر وفقدان الأراضى والمقدسات والثروات . وتلك تجارب عاشها المسلمون والعرب وما زالوا يدفعون أثمانها دما وكرامة ومستقبل أوطان وأجيال .

معلوم مما سبق أن الثورة تعنى بناء أجهزة جديدة ، فالأجهزة القائمة فى أى مجتمع مبنية وفقا لفلسفة النظام القائم . ولا يمكن إستخدامها لخدمة نظام ثورى جديد ذو عقيدة مختلفة.

– وذلك هام جدا عند تعامل الثورة مع الجيوش وأجهزة المخابرات القائمة، التى ينبغى إستبدالها بأجهزة جديدة مبنية على عقائد الثورة ، حيث أن الجيش وأجهزة الأمن الداخلى هى جزء من النظام القمعى الفاسد بل هى أقوى مكوناته وضامنة بقائة . ومن أكبر علامات فشل ما يسمى تجاوزاً بالثورات العربية هو الوقوف على أبواب وزارات الدفاع لإستجداء التغيير، فلا يحصلون سوى على مسكنات من إصلاحات شكلية ، إلى أن تأتى عاصفة الإنتقام لتعصف بالشعب وقواه النشطة وبكل طموحاتة فى حاضر معقول أو مستقبل أفضل (أنظر التجربة المصرية) . ذلك أنها ليست ثورات بل مجرد “إنتفاضات ألم” لا قيادة لها ولا برنامج ولا فهم صحيح للواقع ولاتصور متكامل للمستقبل ، لذا يسهل الركوب عليها وتسخيرها لقوى معادية وفى إتجاهات تدميرية مجدبة (أنظر تجربة سوريا) . والنتيجة الحتمية هى كارثة تحمل تغييرا أسوأ مما كان واقعا قبل تلك الثورة الكاذبة . وإذا كان القانون الوضعى لا يحمى المغفلين فإن قانون صراع الأمم يسحق المغفلين بلا رحمة .

أما الجهاز الإعلامى وهو الأقدر على تشكيل الرأى العام ونشر عقائد الثورة وأفكارها ، فيجب الإستيلاء عليه وإستخدامه بشكل فورى ومباشر منذ لحظة نجاح الثورة . ويأتى بعد ذلك تغيير الجهاز البيروقراطى للدولة. وهو الأبطأ والأصعب فى الإستجابة .

 

الفكر الثورى .. والقيادة الثورية :

– من المعلوم بالضرورة من تجارب الشعوب فى الثورات ـ مهما كانت عقائدها ـ أنها تستلزم وجود فكر ثورى ـ يحمل العقيدة الثورية للدولة القادمة .

ذلك الفكر تحمله جماعة منظمة ، لها مهام متعددة منها الدعاية للثورة وعقيدتها ، وتجميع الناس وتنظيمهم كقوة قادرة على التغيير فى اللحظة المناسبة لتفجير الثورة ، والصراع مع النظام القائم (سلميا،أوعنيفا مسلحا)، مستخدمين صورة الصدام الملائمة للمجتمع وظروفه وتاريخه القديم والحديث .

– يرأس ذلك التنظيم الثورى أو تلك الجماعة، قائد ذو مواصفات خاصة لتلك المهمة النادرة . فهو إما أنه منبع الفكرة أو المبدأ أو عقيدة الثورة . أو أنه خير من يمثل تلك الفكرة ويعرضها بشكل خلاق وملهم لأتباعه وللمجتمع.

وهو مهندس الثورة ، وقائد عملية التخطيط والتقدم على مراحل ، وصاحب توقيت المواجهة الحاسمة عندما تنضج الظروف . فللتوقيت دور حاسم للغاية ، وليس فى مقدور أى أحد تحديد اللحظة الحاسمة سوى القيادة ثاقبة الرؤية عظيمة الخبرة ، لأن الخطأ فى التوقيت يعنى نكسة قد تحتاج إلى وقت طويل للشفاء من آثارها .

يتقدم القائد وتنظيمه الثورى صوب الصراع مع النظام الفاسد على محورين :

الأول : نزع غطاء الشرعية عن النظام القائم ، والطعن فى جدارته ونزاهته وإستقلاله وإخلاصه للمبادئ والعقائد والوطن . وشرح جرائمه فى إدارة الدولة داخليا وخارجيا ، وتفريطه فى ثوابتها وعقائدها ومصالحها الإستراتيجية .

الثانى : إجتذاب الشعب إلى الثورة وعقائدها ومبادئها ، وشرح برامجها لإعادة بناء المجتمع والدولة لتحقيق مصالح وطموحات مواطنيها . فيتقدم الناس ليس لمجرد الخروج الغاضب ضد أشخاص أو نظام ، بل أيضا لأجل تحقيق برنامج ثورى واضح ، تعكسه شعارات الثورة وأدبياتها وأحاديث قياداتها وكوادرها. ويصل الناس من الإيمان بالبرنامج الثورى إلى درجة الإستعداد للموت فى سبيل تحقيقه .

فلابد من شرح موجز واضح لبرنامج الثورة السياسى والإقتصادى والإجتماعى . وتصورها للخطوط العامة التى ستعمل عليها بعد الوصول إلى الحكم من أجل الخروج من الأزمات الداخلية والخارجية وتحرير المواطن من أزماته المستحكمة . وطريقة إشراكه فى حكم الدولة وتحقيق المساواة السياسية والإجتماعية وعدالة توزيع الثروات. ويوضح رؤية الثورة لتحقيق إستقلال فعلى، وسيادة وقوة حقيقية للدولة.

فالأمر ليس مجرد تحريض الناس على إسقاط نظام فاسد ، بل إثارة حماس الناس لبناء غد وفق رؤية واضحة المعالم (فى السياسة الداخلية والخارجية، والإقتصاد والعدالة الإجتماعية).

إنها قاعدة النفى والإثبات الشهيرة : نفى الواقع الفاسد وإثبات رؤية المستقبل المشرق.

فالنفى منفردا غير كاف إذ يبقى الظلام مخيما على حياة الناس.

( مثل : لا نريد العسكر ولكن ليس لدينا بديل، فيعود الباطل مرة أخرى كبديل صورى ــ حكومة مدنية أو حكومة وفاق وطنى ــ مع بقاء جوهر الفساد والقمع والعسكرة المستترة ــ أنظر تجربة حكومة عدلى منصور فى مصر التى جاء بها العسكر بعد إسقاط حكم الإخوان وكانت غطاء لحكم العسكر وخير تمهيد لعودتهم القاسية).

والإثبات بدون نفى هو مجرد حلم بلا معنى ، وشراكة بين الحق والباطل تنتهى دوما بغلبة الباطل.

( فمن المستحيل إقامة شراكة بين الثورة وأعدائها فى إطار نظام مشترك أو حكم إئتلافى ــ أنظر إلى الشراكة بين الثوار والمجلس العسكرى فى مصرــ ومجئ الإخوان إلى الحكم بلا صلاحيات سيادية ، وتحت وصاية المجلس العسكرى ــ وعندما إستعاد المجلس العسكرى حقة الطبيعى فى الإستفراد بحكم مصر وسحب ما منحه للإخوان والثوار، وما تنازل عنه مؤقتا من صلاحيات ، نرى الإخوان يسمون ذلك الإنقلاباً “!!” . أما سفك العسكر لدماء الشعب والتغول على الحريات فذلك حق تاريخى لأى حاكم فى مصر يستخدمه وقتما يشاء ).

– يتصور معظم الناس إن نجاح الثورة هو بداية فورية للنعيم المقيم وتحقيق جميع الأحلام فى ليلة واحدة أوعدة أيام . فى الحقيقة إن نجاح الثورة هو مجرد إعلان لبدء المعارك الأصعب. فالأوضاع الإقليمية والدولية ــ فى كل بلد يحلم بالثورة والتغيير ــ قد تمت هندستها بحيث تمنع الثورة فى الأساس ، أو أن تأخذها فى مسارب خاطئة إذا إنفجرت . أو تقمعها بالقوة فى حال وصولها بالفعل إلى زمام السلطة السياسية .

– فالحفاظ على الثورة والكفاح لتحقيق أهدافها هى مرحلة أصعب بكثير من مرحلة الإعداد للثورة والوصول بها إلى النجاح.

إذاً الصعوبات موجودة ومتزايدة ، سواء قامت الثورة أو لم تقم . الفارق هو أن الشعب مع الثورة يخوض معاركه الصحيحة من أجل حريته وبناء مستقبل إجياله القادمة . فيحقق ذلك وهو يقاتل حراً طليق الإرادة ، وسيداً على أرضه وقراره وحاضره ومصيره . لأجل ذلك يتحمل الصعاب ويبنى مجتمعا جديدا ودولته القوية رغم المعارك والصراعات المريرة . فليس هناك هدنة أو رفاهية بدون عرق ودماء ودموع .

فالعبيد يعانون ويتألمون ويموتون ، والأحرار يعانون ويتألمون ويستشهدون .. ولكن البون شاسع بين الحالتين ، تماما كالفرق بين العبودية والحرية .

 

الليبرالية الديموقراطية .. النظام الأكثر توحشاً ونفاقاً :

لا أحد يمكنه أن يجادل فى حق الشعوب فى التمتع بحقوقها الطبيعية من الحرية والكرامة والحياة الكريمة التى توفر لكل مواطن كرامته وآدميته والمساواة فى فرص الحياة والحصول على خدمات كاملة فى التعليم والصحة ، وأكبر قدر من تسهلات السكن اللائق .

والتمتع بحماية الدولة لأمنه وسلامته وضمان حقوقه التى منها حق التعبير عن الرأى وممارسة العبادات والتجمع والمشاركة الحرة فى الحياة السياسية .

وحق المواطن فى محاسبة المسئولين بنفسه مباشرة أو عبر من يمثلونه فى هيئات شعبية رقابية وتشريعية . تلك الحقوق لا أحد يجادل فى ضرورة توفيرها للمواطنين .

 

ولكن أن يطلق على ذلك تعريف(الديموقراطية ) فهنا مجموعة إعتراضات :

لأن الديموقراطية لا تحقق بالضرورة ما سبق ذكره من حقوق للأفراد.

ولأن مرجعية التفسير هى حق لمن صنع تعريف(الديموقراطية)، وذلك يضع الغرب المستعمر فى موضع الريادة المعنوية والمرجعية السياسية .

فالديموقراطية نظام وضعه صفوة الأغنياء ليتحكموا فى الأغلبية الفقيرة وخداعهم بوهم الحريات الشكلية . فتبقى الثروة والقرار فى يد الأغنياء، واللغو والعبث متاحين للفقراء.

لذا فإن الغرب يضع نفسه حَكَماً على أى تجربة تَدَّعى الديموقراطية فى البلاد المتخلفة، ليعطيها ترخيصا وموافقة، أو أن يسحب منها اللقب.

فيمنح الغرب شهادة إجازة بالديموقراطية لذيوله من الدول المستسلمة، أو لدول وثيقة التحالف معه مثل إسرائيل العنصرية الفاشية . فإدعاء الديموقراطية هو إعتراف بسيادة الغرب ومرجعيته. وهو موقف المنهزم المتمتع بشعور كاف من الدونية .

ليس صحيحا أن ما ينعم به الغرب من حريات وإزدهار إقتصادى وعلمى هو نتيجة الديموقراطية . بل السبب المباشر هو إستنزاف ثروات الشعوب لعدة قرون ، وسفك دماء تلك الشعوب وإحتلال أراضيها ونهب مواردها من المواد الخام ، وتحويل دولها إلى سوق يستهلك منتجاته الصناعية .

وسريعا ما يُسْقِط الغرب قناع “الديموقراطية الزائف” عندما تَقِل موارده أو يتعرض لأزمات إقتصادية عنيفة . فيتحول إلى قوة تدميرية ضد كل من يعترض سبيله فى داخل بلاده وخارجها مظهراً وجهه الحقيقى البشع . لدينا ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية كنموذجين لذلك، وحاليا نرى الولايات المتحدة تتحول إلى نظام عنصرى فى الداخل ، وبلطجى يهدم كل ما عقده من إتفاقات أو ساهم فى صناعته من قوانين ومؤسسات دولية ، لأنه شعر أن وضعه الإقتصادى بدأ يتراجع لصالح قوى إقتصادية صاعدة فى مقدمتها الصين .

فنراه ينهب ثروات الآخرين بوقاحة ، ويبتز أقرب تابعيه ويفرغ خزائنهم من الأموال. ويفرض عليهم صفقات سلاح لا ضرورة لها . ويفرض حصارا وعقوبات على منافسيه أو أعدائه .

ويهدد الجميع بجيوشه وأسلحته التى لا نظير لها. تلك هى أكبر ديموقراطية فى العالم”!!” وهى أكبر موزع لشهادات حسن السير والسلوك ، والإقرار بالديموقراطية لمن ينصاع ويقدم خدماته بلا سؤال أو نقاش .

فى المجال الداخلى : تلك الديموقراطية العظمى تحولت إلى نظام عنصرى يعادى الأقليات العرقية والدينية خاصة المسلمين . ولا تعترف بغير الكتلة البشرية ذات المواصفات الخارقة (انجلوساكسونى / أبيض / بروتوستانتى )، وغير ذلك ليسوا بشراً بل هم مجرد حمير للركوب (أوأبقار للحلب والذبح) ، تماما كما ينظر أشقائهم اليهود إلى “الأغيار” من الأمم غير اليهودية.

(الديموقراطية) هى ذلك الطلاء البراق الزائف للنظام الرأسمالى الذى آخر تطوراته هى الليبرالية الجديدة . وموجزها إبتلاع ثروات العالم لصالح شريحة رقيقة ممتازة من البشر ، وطحن مليارات البشر الذين لا داعى لتواجدهم فوق الكوكب إلا فى حدود تقديم الخدمة الشاقة والمجانية لتلك الأقلية .

فذلك الشئ المدعو ديموقراطية ليس موجودا فى الحقيقة داخل أكبر الدول الديموقراطية سوى فى بريق زائف يخفى أشد درجات الوحشية وتَسَلُطْ الأقلية فائقة الثراء على كل مفاصل المجتمع كما تشاء وبدون رقيب ، وبدون أن تكشف وجهها صراحة. إلا أن بعض الأصوات فى الغرب بدأت تشير وتتكلم . لكن الأغلبية مازالت تسير مثل قطيع الحمير .. تماما كما أراد لهم اليهود أصحاب الليبرالية الإقتصادية الجديدة التى تنزح ثروات العالم بسرعة لصالح عدة مئات من المخلوقات اليهودية فوق البشرية .

والآن هل يعلم دعاة الديموقراطية إلى أى المهالك يسيرون؟؟. فالدعوة إلى خديعة الديموقراطية إما إنها تأتى عند جهل أو عن بيع وشراء فى بورصة للضمائر . ومَن أبرع مِن أصحاب الليبرالية الجديدة فى شراء الأفراد والأحزاب والحكومات ؟؟ .

الديموقراطية ليست ثورة . ولا يمكن أن تكون شعار ثورة للضعفاء إلا بالتدليس على الشعوب بأنها تضمن حقوقهم الطبيعية التى حرمهم منها المستبدون.

وعندما يصل الشعب إلى حيث أشار قادته المنادين بالديموقراطية فلا يجد غير الجنرالات والبيادة العسكرية والمشانق والمعتقلات والمنافى .

ونرى الموضوع يتكرر، ولأن(صرخات الألم) التى يدعونها ثورات / بلا قيادة ولا برنامج ثورى ولا رؤية مستقبلية/ فإنها بعد كل المشقه تعود إلى بيت الطاعة حيث معتقلات العسكر والمناظر الكئيبة لجنرالات العار والخيانة ، أبطال المجازر وبيع الأوطان .

بعد تلك المقدمة (المختصرة!!) لموضوع معقد بطبيعته ، يمكن بالإحتكام إليها أن ندرك معظم الإجابات عن التساؤلات الواردة فى صدر الحديث ، فنقول عن السؤال الأول :

 

 ــ ما يحدث فى السودان والجزائر هل هو ثورات فعلية ؟

واضح أنها ليست ثورات فعلية حسب الشرح الوارد فى المقدمة. واستخدام وصف ثورة فى تلك الحالات هو تعبير مجازى وليس حقيقى . ويمكن البحث لها عن أى تعريف آخر سوى تعريف الثورة . كأن نقول مثلا أنها صرخة ألم طال كبته . ولكنها أبعد ما تكون عن الجاهزية لتغيير النظام الحاكم ، نظرا لإفتقارها إلى{ القائد/ وتنظيم الثورى العقائدى/ ورؤية المستقبلية المتكاملة} . فهى تدور حول الإصلاحات الشكلية والرتوش الديموقراطية الفارغة ، مثل الحكومة المدنية أو حكومة الوفاق الوطنى أو الحريات العامة. وكأنها تقول للنظام الحاكم :    ( إخدعنا لو سمحت) . أو كما قال الجنرال شفيق عن “ثوار” التحرير فى مصر، ما معناه : (إنهم أطفال فى حاجة إلى بعض حلوى” البنبون”!!). فأعطاهم الجيش بعض حلوى الديموقراطية التى فرحوا بها ، ثم أكلهم بوحشية.

 

ــ  فمن أجهضوا الثورات سابقا هم من يعملون فى السودان لتخريبها .

هذا صحيح بالنسبة للعوامل الخارجية . إقليميا مازال هناك مشيخات الخليج والسعودية مضافا إليهم جنرالات مصر. ودوليا هناك أمريكا ، رئيس العالم ، وخلفها الإتحاد الأوروبى . ولا ننسى بالطبع إسرائيل التى أصبح لديها القول الفصل فى جميع شئون الدول العربية .

 

ــ وما دور مصر ؟ هل يمكن أن تلعب دورا لتخريب ثورة السودان ؟

وماذا يمكن لجنرالات العار والخيانة أن يفعلوا غير ذلك؟؟.

 

 

السؤال الثانى يقول :

ــ فى السودان نزلنا إلى الشارع وثرنا على البشير بمطالب كل حر يريد أن يعيش فى بلده ولا يعيش فى خدمة رؤساء فى مقابل لقمة خبز .

ــ أرى العسكر يبتلعوننا كما إبتلعوا مصر الحبيبة ، وقد يأتى لنا سيسى سودانى .

 

2 ) جواب ابو الوليد المصري : 

الحرية لا تمنح بل تؤخذ بثمن غال من الدماء. أوكما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم ( وللحرية الحمراءِ بابٌ .. بكل يدٍ مُضرَّجةٍ يُدَقُ). فالأنظمة الحاكمة سرقت منا جميع الحقوق بما فيها حق الصراخ من الألم . نحن نخدمهم وهم يخدمون أعدائنا .

العسكر يبتلعون السودان كما إبتلعوا مصر . وقد جاءكم عبد الفتاح كما جاءنا عبد الفتاح ، فانتظروا بناء (مسجد الفتاح العليم) فى إيحاء بألوهية جنرال حقير.

الثورات المطلبية لا تصل إلى شئ وقد أعربت عن سذاجتها بدعواتها إلى الديموقراطية والليبرالية بينما الحل هو ثورة مكتملة الأركان ذات عقيدة وقيادة وبرنامج ثورى متكامل ، وليس مجرد شعارات فارغة أو أحزاب خاوية لم تثبت أى جدارة أو نجاحا مهما تطاول بها الزمن . أو زعامات تافهة تعرض نفسها فى سوق النخاسة السياسية، ولسان حالها يقول للدول الخارجية ذات الشأن (ضعونا فى الحكم ، تجدوا ما يسركم).

 

السؤال الثالث :

  ماذا ترى من الثورة فى السودان وتسليمها للجيش وهو نفس ما حدث فى مصر؟. كنا فى مصر سعداء بالجيش ـ كما يفعل السودانيون ـ ونحن الآن لا نستطيع أكل الفول .

ــ فكلما قلنا ثورة يركب علينا من يقول ديموقراطية . نريد ثورة تمكننا من العيش .

 

3 ) جواب ابو الوليد المصري : 

جيوشنا ليست جيوشنا .. بل هى جيوش الأعداء، ومجرد ميلشيات محلية تبطش وتقمع وتنهب لصالح المستعمر الخارجى. وعند الضرورة تعمل كقوة مرتزقة لصالح المشاريع الإسرائيلية والأمريكية كما هو حادث الآن فى اليمن وليبيا. وعندما تحتاج إسرائيل إلى أراضى إضافية أو موانئ إستراتيجية أو قواعد عسكرية ، أوحقول غاز ونفط فى البر أو فى البحر،أو أنهار جارية ، يبيعونها إياها بكل أريحية، مباشرة أوعبر وسيط خليجى نزيه يضع بصمته القذرة على أوراق الصفقة بالنيابة عن سيده الإسرائيلى.

وطبقاً للنظام الإقتصادى العالمى الجديد فإن الأغنياء جدا هم الذين من حقهم الحياة أما السيادة المطلقة فهى محجوزة للصهاينة . وطبقا لذلك النظام فلن تجد سيادتك فى مستقبل ليس ببعيد حتى طبق الفول المدمس . فالمطلوب صراحة التخلص من حوالى 95 مليون مصرى لا لزوم لهم . ليبقى حوالى خمسة ملايين من القادرين على خدمة الجنرال الصنم ومن يأتى من بعده . فهكذا يمكن أن تستقر إسرائيل على عرش العرب بدون خشية من إنبعاث المارد المصرى الذى توفى منذ زمن طويل.

الديموقراطية هى خديعة القرن ، ومجرد وهم لا وجود له ، أو أنها كما قال غاندى عن الحضارة الغربية : (إنها فكرة جيدة ، لو أنها طُبِّقَت).

 

 

وحديث مع ثوار مصر والعالم العربى

حول المسكوت عنه من قضايا أساسية :

والآن دورنا لنسأل الثوار العرب عن بعض القضايا الجوهرية التى يتجاهلونها، مكتفين بالضجة حول الفرعيات . ومهما كانت أهمية القضايا المعيشية التى تطحن المواطن ، وضياع جميع حقوقه وإهدار كرامته ، فكل ذلك نتيجة لأساسيات لا يتم الحديث عنها وطرح رؤية أو مشاريع للتصدى لها مع الشعب. فهى الأصل الذى إذا تم علاجة لتم حل باقى المشكلات المعيشة والسياسية والحقوقية  للمواطن.

وثوار مصر معنيون بذلك قبل غيرهم، نظرا لدور مصر “الطليعى” فى بناء أو تهديم العالم العربى . ولن نطيل عليهم :

– كيف نسدد الديون الفلكية التى تستهلك معظم ميزانية الدولة، بحيث أنها فى حاجة دائمة إلى الإقتراض لإطعام الشعب؟؟ . فوقعت مصر فى بئر لا قرار له، ونهايته هى إفلاس الدولة بعد أن تستنزف بيع أصولها، فيعيش شعب مصر فى بلد لم يعد يملكها ، وربما يطالبه اليهود (المالك الجديد لمصرعرفنا ذلك أم جهلناه) بدفع أُجْرَة عن الأرض التى يقف عليها؟؟.هذا إن سمحوا له بالبقاء فيها .

ما هو برنامجهم الإقتصادى، وأى نهج سوف يسلكون لإعادة بناء الإقتصاد؟؟ . ماهى خريطة علاقاتهم السياسية الدولية والإقليمية؟؟.كيف سيعالجون الخلل الفادح فى توزيع الثروات داخل الوطن؟؟ . وكيف سيحققون العدالة فى المجالات كافة : الإقتصادية ، الإجتماعية ، السياسية ، الحقوقية ؟؟.ماهو برنامجهم لمكافحة الفساد واسترداد مال الشعب المنهوب الذى مازال موجودا داخل البلد ؟؟ .

– ما هو الموقف من الأموال المهربة إلى الخارج بواسطة كبار المسئولين ورجال الأعمال المرتبطين بهم ؟؟ وهى تقدر بمئات المليارات من الدولارات . ولماذا لم يتابع الإخوان تلك القضية (ولو دعائيا وسياسيا) خلال مدة حكمهم القصيرة ؟؟.

– لماذا لا تحتوى مطالب الثوريين العرب الكشف عن الإتفاقات غير المعلنة مع الدول الخارجية/ إسرائل وأمريكا ومستعمراتهما الخليجية/ خاصة الإتفاقات العسكرية والسياسية والإقتصادية ، والتى تمس الأمن القومى المصرى والعربى؟؟.

– ما هو الموقف من قضية فلسطين ، وسيطرة إسرائيل على المنطقة العربية، وتمددها إلى كامل جزيرة العرب واليمن ،وصولا إلى العمق الإسلامى فى شواطئ أفريقيا الشرقية وأفغانستان ، والشواطئ العربية للبحر الأبيض ، وجانبى البحر الأحمر؟؟. ومتى تكون الحركة الثورية العربية معنية بشئ من ذلك ولو سياسيا ودعويا ، ولو من أجل الحشد والتثقيف الثورى لكوادرها ولشعبها؟؟.

–  وإلى متى تظل الثورات العربية غارقة فى قضاياها المحلية وكأنها غير معنية بما يحدث حتى على أقرب حدودها ، أو كأن وطنها معزول بجدار غير مرئى عن أى شئ خارج حدودة الرسمية؟؟. أقوياء العالم يقولون أن العالم أصبح قرية واحدة( فى قبضتهم المحكمة) ، ولكن الثوار العرب يرون قريتهم الوطنية هى كل العالم (الذى يعجزون عن السيطرة عليه).

– ما هو الموقف من منع مياه النيل عن مصر بواسطة سد النهضة ؟؟ . وما هى الخطة لإسترجاع الحقوق المائية للسودان ومصر فى مياه النيل الزرق؟؟ ، وهى مسألة حياة أو موت بالنسبة للشعب المصرى ، رغم أن الثوار يعاملونها بمستوى أقل من أى مشكلة معيشية فرعية مثل أسعار السلع الغذائية حتى البصل والبطاطس ، رغم أن أبعاد تلك الكارثة ستكون أخطر بمراحل من “نكبة” فلسطين، وهى المشكلة الأخطر على الإطلاق فى حياة مصر والمصريين.

ولماذا لا يعاملون الدول التى ساهمت فى المشروع الإجرامى لسد النهضة كأعداء لشعب مصر والشعوب العربية ، بإعتبار شعب مصر هو الكتلة البشرية الأكبر من بين العرب؟؟. ولماذا لا يوجه ثوار مصر لوماً “أخويا” لهؤلاء المجرمين ، أم أن المصالح المالية تمنعهم من ذلك؟؟.. وإذا كان الثوار يمكنهم بيع مصر بثمن بخس كهذا ، فلماذا يلومون الجنرالات الخونة الذين يبيعون مصر بثمن أعلى بكثير مما يرضى به الثوار؟؟.

ولماذا لم يَتَبَنْ الإخوان قضية التصدى لبناء سد النهضة الذى كانت بدايته مع بداية حكمهم للمحروسة ؟؟، حين أعلنت الحبشة شروعها فى بناء السد فى أعقاب زيارة الرئيس مرسى لها. ولكنه لم يجرؤ على طرح برنامج تصدى لأخطر قضية واجهت مصر منذ بدء الخليقة . وكان يمكنه إن فَعَل ذلك أن يحشد الشعب خلفه فى معركة حقيقية  تمكنه من عزل خونة المجلس العسكرى بقوة الحشد الشعبى وحماسته فى الدفاع عن مياه النيل التى هى وجوده كله . لو أنه فعل ذلك لتولى حكم مصر من موقع الزعامة المقتدرة كما فعل عبد الناصر عندما تبنى قضايا وطنية جماهيرية مثل الجلاء وتأميم قناة السويس فأصبح زعيما هزم كل منافسية. ولكن الرئيس مرسى آثر السلامة والصمت، مكتفيا بصلاحيات رئيس مجلس محلى، لمجرد أن يستمر فى الحكم . مع التأكيد على أنه يتعرض لظلم وحشى من جانب جنرالات العار والخيانة فى مصر.

ومازال الإخوان يتجاهلون التحدى المصيرى الذى يمثله سد النهضة ، ويحشدون شعب مصر خلف مشاكل معيشية وحقوقية و”معركة” تعديلات دستورية جعلوها معركة وهى لا ترقى إلى مستوى غبار تافه فى معركة حقيقية لايتكلمون عنها ، بل يتهربون من مجرد طرحها للبحث، ناهيك عن جعلها موضوعا للحشد الثورى . هذا إن كانوا فعلا ثوريين ، وهو زعم لا برهان عليه. وباقى قيادات الثورة فى مصر هم زعمات تسعى إلى مطالب محدودة وغير جذرية وبعيدة تماما عن التحديات الوجودية التى تتحدى مصر وشعبها. والجميع يراعى مطالب ومواقف الجهات “الراعية” لهم فى الخارج ، وحريصون على عدم تجاوز مصالح هؤلاء الداعمين . فليس لشعب مصر قيمة لدى هؤلاء الثوار، أو ثقة لهم فيه . وفى هذا يقفون على أرضية واحدة مع جنرالات العار والخيانة من الصهاينة الحاكمين لمصر .

–  يقولون أن شعب مصر لا يثور ، ربما كان ما ذكرناه واحدا من الأسباب، فالشعب يشعر أن لا فرق كبير بين الحاكمين وبين المعارضين “الثوار” ، فالكل طالب سلطة ويسعى نحو غنائم الحكم . والكل يغامر بالنيابة عن محور خارجى يدعمه . ونتيجة الصراع تقع على رأس الشعب الذى تَحَمَّل مصيبة الصراع بين العسكر والإخوان الذى نتج عنه المزيد من القيود الإسرائيلية المباشرة ، أو عبر أبقار مشيخات النفط وخنازيرها “الداشرة”.

– وسيأتى يوم يقف فيه المرابى اليهودى على رأس المواطن المصرى يطالبه بدفع ديونه التى لا حصر لها ، أو أن يعمل لديه عبداً لتسديد ما فى رقبته من دين ، أو أن يغادر أرض مصر إلى تِيْه أبدى ، فى أى صحراء يشاء ، ماعدا صحراء سيناء التى أصبحت مِلْكاً لبنى إسرائيل ، ومليئة بمشاريع ” قرن” إسرائيلية لا حصر لها .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

ثورة قادمة .. أم "ربيع " عائد؟؟

 

 




بجرام قاعدة لأسلحة الدمار الشامل : هيروين وصواريخ نووية .

بجرام قاعدة لأسلحة الدمار الشامل : هيروين وصواريخ نووية

بجرام قاعدة لأسلحة الدمار الشامل :

هيروين وصواريخ نووية 

– القواعد الجوية الأمريكية فى أفغانستان ، تتحول إلى قواعد نووية إضافة إلى سلاح الهيروين للدمار الشامل .

– النشاط تحت أرض قاعدة بجرام الجوية أكبر وأهم من الذى فوق سطحها .

– لابد من تحريك طلاب الجامعات والمدارس فى مسيرات راجلة وراكبة صوب القواعد الجوية الأمريكية لإجبارها على الرحيل .

– الإنغماسيون يُدْخِلون جنرالات العدو إلى القوقعة ، ويجبرونهم على ترك الإتصالات المباشرة ، وقريبا قد يلجئونهم إلى إستخدام الحمام الزاجل .

– المواجهات على الأرض ناجحة ، ومواجهات الجو فى حاجة إلى عمل سياسى مفتقد . 

– متى يرحل الإحتلال الأمريكى عن أفغانستان؟؟ ، وهل هو قادر على النزول من فوق الحراب الأفغانية؟؟.

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

لماذا تتحمل الولايات المتحدة رحلة الآلام والهزيمة فى أفغانستان،وبدون أى أمل فى الإنتصار؟. حتى أوهام النجاحات الجزئية والإبقاء على شئ من مكاسب الإحتلال تتباعد وتتلاشى يوما بعد يوم ، بحيث أن الإنسحاب سيكون مصحوبا فقط بعبارة : ( إلى الجحيم بدون قيد أو شرط) . وقد صف مسئول روسى كبير حرب الأمريكيين فى أفغانستان بأنها (حرب يائسة) .

جورج بوش هنأ نفسه مبكرا جدا بإنتصار ساحق فى أفغانستان لمجرد نجاحه فى رشوة بعض المتحولين والمرتدين والأوباش ونهازى الفرص . وبكل نزق أبدى إستغرابه من تورط الروس فى ذلك البلد لمدة عشر سنوات فى حرب طاحنة . ولم يدرك وقتها أنه نزل ليسير فى طريق ممهد على قاع بحر عميق ــ كما فعل فرعون ــ ولم ينظر إلى الأمواج على جانبيه إلا بعد أن أطبقت عليه وعلى جيشه ، فصار عبرة على مر الزمن تتكرر مع أى فرعون مغرور .

 

نظرية حبة الكرز الإسرائيلية :

فى صحيفة إسرائيلية أورد أحد الكتاب نظرية لتفسير تناقضات السياسة الأمريكية ـ موضحا أن كلمة السر فى ذلك هو(إسرائيل) ــ التى تُستَخدَم لتبرير أى قرار سياسى يتخذه ترامب ويكون متناقضا وغير مفهوم . يقول الكاتب أن مصالح إسرائيل هى (حبة الكرز)، فوق طبق القشدة الذى هو الكتلة الأكبر من المصالح الشخصية للرئيس ترامب وعصابته الأقرب. وضرب الكاتب مثلاً بما أسماه بموقف ترامب المتسامح من تصفية الصحافى السعودى المعارض ، بعد إستخدام ما أسماه(مبيض الغسيل) الإسرائيلى الذى هو ناجح وفعال فى تمرير المواقف غير الأخلاقية فى سياسات ترامب . ولكن المصالح الشخصية موجودة دوما. وتحدث الكاتب عن التواجد الأمريكى فى سوريا قائلا أنه يحقق مصلحه أولى لإسرائيل ، كما يحقق ذخرا إستراتيجيا لأمريكا نفسها لأن الإنسحاب الأمريكى من سوريا سيكون(هدية باهظة الثمن وعديمة المنطق لبوتين وإيران ) .

– فى أفغانستان أيضا توجد كرزة(إسرائيلية) وطبق قشدة للحاكم الأمريكى والعصابات الداعمة له . ولولا تلك التركيبة لما إستطاع ترامب أو سابقيه أن يبرروا جلوسهم ، بشكل غير مريح ، فوق حراب البنادق فى أفغانستان . فهجمات مجاهدى طالبان أزدادت حدة فتوسعت مساحات الأرض المحررة ، كما إزدادت أعداد السكان المنعتقين من نيران المحتل وأعوانه.

والهجمات النوعية بلغت حدا خطيراً وصل إلى إغتيالات جماعية لكبار القادة الأمنيين والعسكريين. وكاد قائد قوات الإحتلال نفسه ( جنرال ميلر) أن يكون ضحيه لهجوم “إنغماسى” فى قندهار .

ومعسكرات التدريب الحكومية أصبحت غير آمنة ، والمدربون مرشحون على الدوام للتحول إلى ضحايا على يد المتدربين الأفغان ، أو نتيجة لهجمات صاعقة قادمة من خارج ميدان التدريب . والنتيجة أن فقدت القوات الأمريكية روحها الهجومية على الأرض ، وأهم ما يشغلها هو الحفاظ على حياة الجنرالات وكبار الضباط .

 

المواجهات على الأرض ناجحة ..

والمواجهات فى الجو فى حاجة إلى عمل سياسى مفتقد .

 وبشكل كبير فقدت القوات البرية للعدو قدرتها على الحركة ، إلا بمصاحبة سلاح الطيران الذى مازال يحظى بقدرة كاملة على الحركة (ماعدا المروحيات التى تقلص نفوذها إلى حد ما) ويرجع ذلك إلى تخاذل فى الإرادة السياسية لدول الإقليم فى مواجهة عربدة الإحتلال الأمريكى ، مع ضعف فى الأداء السياسى للأجهزة المختصة فى الإمارة ، وتراجعها بكثير وراء التطور الكبير للجهاز الجهادى المقاتل. وينبغى أن تعيد حركة طالبان البحث فى موضوع الإنفصال بين العمل السياسى والعمل العسكرى ، والعمل على دمجهما معا فى جهاز واحد يتولى المقاتلون كل مهامة ، بلا سياسيين محترفين سوى فى مجال الإستشارات غير الملزمة . فتكون اللجنة العسكرية ذات شعبتين : شعبة العمل العسكرى ، وشعبة العمل السياسى . وكلاهما بقيادة القائد العسكرى للحركة. واللجنة العسكرية هى التى ترسم الإستراتيجية العسكرية وتشرف على متابعة تنفيذها ، وتفعل نفس الشئ لإستراتيجية العمل السياسى ، فتتابع تنفيذها على الجبهة السياسية ، بحيث تتكامل مع الشق العسكرى ولا تنفصل عنه .

ومعلوم أن العمل السياسى الناجح يزيد العمل العسكرى نجاحا ، والعكس صحيح ، فالعمل السياسى المتخلف والمتخبط يعرقل العمل العسكرى ويهدد نجاحاته ، وينعش آمال العدو فى الإنتصار النهائى رغم وضعه المتهاوى فى الجبهات . فالمعركتان العسكرية والسياسية ملتصقتان ويشكلان معركة كبرى واحدة . لذا تحتاج السياسة إلى حيوية المقاتلين ، ويقتلها جمود “القواعد” من السياسيين . فليس فى الجهاد روتين مكتبى لموظفين كسالى ، بل هناك جبهات للقتال السياسى كما أن هناك جبهات للقتال بالسلاح . فالقائد المجاهد يذهب إلى التفاوض كما يذهب إلى مهمة عسكرية ، ينتهى منها ثم يعود إلى إشتباك آخر بالسلاح فى جبهة القتال ، وليس إلى قاعة الإنتظار فى موقف دائم للتفاوض الأزلى ، بلا جدول ولا خطة استراتيجية طويلة المدى ، ولا تقييم متواصل للأداء وتصحيح المسار إذا إنحرف . التغيير المستمر لقيادات العمل السياسى ضرورى لتجديد الدماء فى عروقه فلا يتجمد . ولا يتم ذلك إلا بإعادتهم إلى جبهات القتال بعد كل فترة غياب عنها. ودائرة العمل السياسى هى دائرة مكونة من المقاتلين العاملين فى السياسة . فلا مجال للعمل السياسي الوظيفى الغارق فى الروتين . فالعمل السياسى رغم أنه فى الغالب يتم فى بيئة مدنية ، إلا أنه ليس عملا يدور داخل مضافات للثرثرة ، تدير شبكة علاقات عامة تضر ولا تنفع ، بل ترشح من خلالها الأسرار .

 

الإنغماسيون يدخلون العدو إلى القوقعة :

بعد العمليات “الإنغماسية” الأخيرة تقوقع جنرالات أمريكا ، وأصبح مجرد ظهورهم يشكل تهديدا لحياتهم ، كما إقتصرت إتصالاتهم مع رعاياهم من جنرالات الجيش الأفغانى على الإتصالات المؤمَّنَة عبر الإنترنت وغيره ، وربما يضطرون مستقبلا إلى إستخدام الحمام الزاجل .

تقلصت مساحة الأرض المحتلة ، فتحررت أكثر من 70% من أراضى البلاد رغم إصرار المحتل لأسباب معنوية وسياسية على تكرار أن النسبة هى 50% فقط . وتوسعت مساحة الأرض المحررة فتقلصت مساحات نهب الإستعمار من المناجم . وضياع مساحات كبرى من مزارع الأفيون ، إضافة إلى وضع مصانع الهيروين فى القواعد الجوية الأساسية (خاصة قاعدة بجرام فى شمال كابل) تحت الضغط العسكرى ، ما جعل الأرباح تتدنى كثيرا ، وجعل عمليات التصنيع والنقل تعانى من الصعوبات والإختزال .

 زاد الطين بِلَّة أن الهزائم المتوالية والكبيرة لجيش الإحتلال والجيش العميل شجع ذئاب المخدرات من إستعادة مواقعهم القديمة فى أفغانستان ، وينتزعون المزيد من غنائم الأفيون من بين براثن الذئب الأمريكى النازف والمثخن بالجراح .

–  وهنا نعود إلى سؤال : لماذا لا يرحل الأمريكيون من أفغانستان ؟. فإما أنهم يستمتعون بالجلوس فوق الحراب الأفغانية ، أو أن الحراب وصلت إلى أحشائهم ، وأصبح إنتزاعها صعبا ويعنى الموت .

فالإقتصاد الأمريكى الذى هو فقاعة عظمى سوف تنفجر فى أى أزمة حقيقية قادمة . وذلك محتمل فى ظل الإضطراب الدولى الذى تسبب فيه أمريكا بمقامرة خطرة لإبتزاز العالم وسرقته تحت ظل القوة العسكرية الأمريكية المتورمة ، مثل ورم سرطانى خبيث لا يدل على قوة بقدر ما يدل على ضعف حقيقى وتهديد بموت الجسد الأمريكى نفسه .

ــ الحروب والتهديد بها وترويج السلاح الأمريكى من خلالها ، تعتبر مصدرا أساسيا لموارد الدولة الأمريكية ، التى أصبحت حياتها معلقة بالحروب وبيع السلاح تحت لهيب الحرب أو التهديد بها ، إلى جانب ترويج الهيروين كمصدر للموارد المالية هو الأهم ، تستفيد منها الأجهزة العسكرية والإستخبارية الأمريكية . فإذا رحل الأمريكيون من أفغانستان فماذا سيعوض(دولة الشيطان) عن موارد الهيروين المقدرة بمئات المليارات من الدولارات ؟؟. فى هذه النقطة تحديدا تندمج المصلحة الأمريكية مع المصلحة الإسرائيلية . فالكرزة الإسرائيلية مع القشدة الأمريكية تتحدان فى أفغانستان ويشكلان طبخة واحدة فى مصلحة لا تنفصم . فكما أن نهاية مسار أموال الهيروين تصب فى البنوك اليهودية ، سواء فى أمريكا أو فى إسرائيل . فمن المعلوم أن أكبر البنوك المخصصة لغسيل أموال المخدرات موجودة فى كلا البلدين مضافا إليهما بريطانيا . وذلك ركن متين لإقتصاد تلك الدول .

ــ تنسكب القشدة الأمريكية فوق الكرزة الإسرائيلية فى موضوع آخر هو سباق التسليح النووى والحرب الباردة التى بدأت تشتعل تدريجيا. فأمريكا تتملص من معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى(500 ــ 5500 كم) التى عقدتها سابقا مع الإتحاد السوفيتى. وتحت سلطة الإحتلال يسهل نشر تلك الصواريخ المزودة برؤوس نووية فى مواقع سرية داخل أفغانستان ، لتهديد الدول الثلاث الصين وروسيا وإيران . ومن المرجح أن قواعد إطلاق تلك الصواريخ قد تم الإنتهاء من بنائها فى ملاجئ تحت الأرض فى قواعد جوية أفغانية، خاصة قاعدة بجرام فى شمال كابل . وذلك يعرض أفغانستان لرد فعل نووى من الدول التى قد تقصفها أمريكا نوويا. حتى أوروبا تعترض على برنامج أمريكا لإشعال حرب باردة والتهديد بأخرى نووية ضد روسيا ، وذلك سيجعل أوروبا مرة أخرى ميدانا لحرب عالمية بعد أن ظنت أنها أصبحت آمنة بعد الحرب العالمية الثانية. لذلك تحتج حكومات أوروبا على إلغاء أمريكا لإتفاقية الأسلحة النووية قصيرة ومتوسطة المدى . أما حكومة الإحتلال فى أفغانستان فهى سعيدة ، ترتع وتلعب فى حقول الفساد المنتنة .

 

إزدحام تحت أرض بجرام :

يبدو أن عمق الأرض فى قاعدة بجرام أكثر إزدحاما من سطحها . فهناك معامل الهيروين المتطورة والتى تنتج أفضل ما يمكن تصنيعه من هيروين بنقاوة مئة بالمئة . ومعلوم أن كمية الهيروين المنتجة فى بجرام تزيد عن إستهلاك العالم كله من تلك المادة القاتلة ، لذا فهناك مخزون إستراتيجى يكفى العالم لعدة سنوات موضوع تحت الحماية المشددة فى بجرام وخارج بجرام ، ومن أفغانستان وصولا إلى الأراضى الأمريكية . لذا تحظى قاعدة بجرام بسرية بالغة وإجراءات أمن مشددة ، حتى أن الكثير من أجزاء القاعدة محظور على معظم العاملين الأمريكيين ، سوى قلة قليلة من أصحاب العلاقة بنشاطها السرى، من تحت الأرض ومن فوقها . وليس مستغربا فى هذه الحالة أن تجتمع الصواريخ النووية مع الهيروين فى قاعدة جوية واحدة تمتلك قُبَّة صاروخية لوقاية تلك الكنوز الإستراتيجية .

هناك قواعد أقل أهمية من بجرام تشهد نفس النشاطات أوبعضها . ولكن على أقل تقدير لابد أن تتضافر جهود الدول المحيطة بأفغانستان من أجل إرغام الإحتلال الأمريكى على قبول تفتيش دولى على القواعد الجوية الأمريكية فى أفغانستان ، وفى مقدمتها قاعدة بجرام .

فإذا عجز ” الضمير الدولى ” ومصالح الدول الكبرى فى الإقليم عن إرغام الإحتلال بالجلاء عن أفغانستان ، فعلى الأقل لابد من ضمان ألا تتحول القواعد الجوية للإحتلال إلى مصادر تهديد وجودى بقنابل نووية وقنابل الهيروين ضد تلك الدول . ولعل ذلك يكون مجالا لعمل (المكتب السياسى) للإمارة عندما يتحسن موقعه الجغرافى والسياسى ، ويصبح أقرب إلى أفغانستان فى دوره الوظيفى المفترض .

 

طلاب الجامعة ضد قواعد الدمار الشامل :  

لابد من الإستفادة من دور طلبة الجامعات والمدارس الثانوية فى التحرك المدنى ضد الإحتلال ، بالتظاهرات والإضرابات والمسيرات الراكبة أو الراجلة ، صوب القواعد الجوية الأمريكية فى أفغانستان . هناك بالطبع تهديد العمل الإرهابى من داعش ورعاتها فى كابل من ضباط جيش الإحتلال والمخابرات الأمريكية ، ومؤسسيها المحليين ، مثل حنيف أتمر وحكمتيار وأشرف غنى . ولكن قوات طالبان يمكنها تأمين تلك المسيرات وتسهيل عملها والتجهيز لها والإستفادة من تأثيرها السياسى داخليا وخارجيا .

نزول الولايات المتحدة من فوق الحراب الأفغانية ، قد يعنى لها نزيفا وموتا سريعاً ، فأمريكا تعانى من أزمة فى أساس بنيانها الإقتصادى والإجتماعى والأخلاقى ، وشعور بحتمية السقوط جعل القوى الحاكمة (البنوك اليهودية ، الجيش والمخابرات ، والصناعات العسكرية والإحتكارات النفطية وإحتكارات المخدرات ) أكثر وحشية وحماقة .

ما يعانية نظام الهيمنة الغربى بقيادة الولايات المتحدة على العالم ، أكبر من مجرد أزمة ، بل هو إحتضار ناتج عن الوصول إلى نهاية الشوط ، والعجز عن التملص من النهاية الحتمية وموت الحضارة الغربية ـ التى كبلت العالم أجمع بحبال من السيطرة الإقتصادية والمالية والثقافية ـ بحيث ذاب معظم العالم فى( أَسِيدْ) حضارة الغرب فاقدا مزاياه الأصلية ، ولم يشكل شيئا آخر سوى ضخ ما تبقى فى عروقه من عصارة حياة إلى عروق الغرب ، كى يحافظ على رفاهيته وقوته. والآن حان وقت الحساب . فلا الغرب بقيادة أمريكا قادر على الإستمرار . ولا باقى حضارات العالم تمتلك أقداما خاصة بها تمكنها من الوقوف ومتابعة السير .

فقط المسلمون هم من يمتلكون هذه الفرصة إذا ثبت أنهم مسلمون حقا، ودافعوا عن دينهم وأوطانهم وإستقلالهم وثرواتهم . هنا يأتى شعب أفغانستان فى مقدمة الجميع . يفهم الأمريكيون ذلك ، لذلك لا يرغبون فى النزول من فوق الحراب الأفغانية( فى الحقيقة يعجزون عن فعل ذلك). كلبهم المسعور ووزير دفاعهم (متيس) قال نكتة لا ينطبق بها إلا مجنون فقد ميزان العقل، إذ يقول أن بلاده تعمل على حل(القضية الأفغانية) ولكنها لا ترغب فى ترك أفغانستان. إنه كالمصاب بشظية قاتلة فى بطنه ويرغب فى الشفاء بدون إجراء عملية جراحية . لقد إختار الموت فى حقيقة الأمر.

الهروب صوب الحروب بشتى أنواعها الساخنة والباردة ـ الإقتصادية والنفسية والثقافية ــ هو الحل الوحيد المتاح أمام دولة الشيطان (فى الولايات المتحدة)، وإلا فالبديل الأوحد هو السقوط  ولا شئ آخر غيره .

تلك مجازفة مجنونة وحمقاء ( أى الحروب الدائمة وتأزيم أوضاع العالم) ، لذا أختاروا لها ترامب ـ المؤهل بغبائه وجنونه أن يقود بلاده نحو كل الحروب ، ويقود نظام العالم إلى السقوط . وقد يكون ذلك هو السبيل الأوحد لتحرير الإنسانية التى عذبها الغرب “وحضارته” المنحطة لعدة قرون سوداء من تاريخ البشر .

إن حراب الأفغان لن ترفع جثة الإحتلال الأمريكى لفترة أطول ـ فلابد من طمره فى التراب الأفغانى ليكون فى ذلك بداية تحرير أفغانستان والعالم ، وإشراق إنسانية الإسلام من جديد ، بعيدا عن ” أنظمة” العبودية للغرب ، تتابع من نظام قديم إلى نظام جديد ، حيث لا جديد فيه سوى نوع القيد الذى يكبلنا به .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

بجرام قاعدة لأسلحة الدمار الشامل : هيروين وصواريخ نووية .

 




جلال الدين حقانى 3

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 3

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (153) | ربيع الأول 1440 هـ / نوفمبر 2018 م. 

20/11/2018

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 3 )

– الغنائم .. نعمة ومشكلة . وكانت فى حاجة إلى إجتهاد جديد

– حكمة حقانى وبعد نظره ، كانت سببا فى تفادى القتال الداخلى ، والوصول إلى فتح كامل لمدينة خوست وإقتحام جرديز .

– عمليات ” الغلول” والكبيرة المنظمة ، كانت ذات بعد سياسى لتعطيل الفتح وإستبداله بالفتن القَبَلِيَّة .

– حقانى كان “بنك إقتراض” معتمد لدى المجاهدين وتجار القبائل ، فتمكن من عبور أزمات التسليح والإمداد .

– الطلقة الثالثة ثابتة .. فى المدفع البلجيكى المضاد للطائرات !! .

– جاهد حقانى لإسقاط أسطورة الطيران الذى لا يقهر. والحفريات التى قام بها أفشلت أسلحة العدو المتقدمة .

– قصة السلاح الأول المضاد للدروع (ضد الدبابة) وكيف غنمه المجاهدون واستخدموه فى نفس المعركة .

– البراعة السياسية لحقانى لا تقل عن موهبته العسكرية ، وكانت سببا لعبوره من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

عندما تركنا موقع ” مطيع الله ” فى الأورجون ، كان الرجال يجمعون الغنائم فى خيمة واحدة ، مليئة بالأسلحة وأجهزة اللاسلكى وصناديق الذخيرة . وعندما وصلنا إلى مركز”سرانا” عند مولوى جلال الدين حقانى ، كانت عملية مشابهة تجرى فى مكان قريب من المركز ، بعد المعركة الكبرى فى منطقة إبراهيم خيل .

 

حديث فى سرانا عن بخارى وسمرقند :

شارك حقانى ورجاله فى المعركة إلى جانب رجال”ابراهيم خيل ” الذين هم أحد بطون قبيلة زدران . كانت الغنائم كبيرة جدا وذاع نبأ النصر والغنائم بسرعة كبيرة فى الولايات القريبة ومنها ولاية غزنى . قابلت “مولوى” شاب قادم من هناك ، وصل إلى قمة الجبل حيث يقيم حقانى . كان يجيد العربية ، وكالعادة أدهشه وجود عربى فى ذلك المكان . وبدأ الحديث معى وهو مازال متقطع الأنفاس .

دار بيننا حواراً شيقا ، ورغم قصره إلا أنه لمس عدداً من النقاط الحساسة ، منها سؤال عن “مذهبى” لم أدرك مغزى وخطورة السؤال إلا بعد ذلك بسنوات . وهو الآن أصبح ذو أبعاد أخطر بعد ظهور الحركات الوهابية المسلحة . وإنتقال داعش إلى أفغانستان لتكون خير عون للإحتلال الأمريكى .

عندما سألت المولوى الشاب عن برنامجهم للجهاد . قال أنه بعد تحرير أفغانستان سوف يتوجه المجاهدون لتحرير بخارى وسمرقند من إحتلال الروس .أصابتنى إجابته بصدمة ، أولا لأن هناك من المسلمين من يتذكر إلى الآن تلك الأسماء التاريخية (المندثرة). وثانيا بينما الجهاد مازال يحبو بصعوبة فى خطواته الأولى ، فإن ذلك الشاب يتحدث عن تحرير بخارى وسمرقند ، وليس جرديز القريبة أو خوست الأبعد قليلا .

سألته عن سبب قدومه إلى سرانا ، فقال إنه يريد سلاح ” ضد الدبابة” . كنت أعتقد أن الطائرة هى أخطر سلاح فى العالم . وقد تأكد لى ذلك فى بداية طريقنا إلى أفغانستان ، عندما شاهدنا الطائرات وهى تدمر عددا من القرى ، ولم نشاهد أى دبابات .

قال شارحا السبب : أن الطائرات تقصف وتمضى فى حال سبيلها ، أما الدبابات فتجلس فى القرى ومعها الجنود الذين يقتحمون البيوت ويعتدون على الأموال والأعراض.

ثم قال: سمعت أن مولوى حقانى حصل فى غنائم المعركة الأخيرة على سلاح”ضد الدبابة” ـ هكذا كان إسم ذلك السلاح بين المجاهدين فى ذلك الوقت ـ وجئت للحصول على واحد منها .

تعجبت لسرعة إنتقال الأخبار بين الولايات رغم عدم وجود وسائل إتصال حديثة . وهكذا من قرية مجهولة بين جبال باكتيا إلى قرية فى صحراء غزنى يطير الخبر خلال ساعات .

 

نعمة الغنائم ، ومشاكلها :

بعد تجميع الغنائم كان يجرى تخميسها ، بحيث يحصل المجاهدون على أربعة أخماس الغنائم ، ويذهب الخمس الباقى إلى “بيت المال” أو قيادة الجبهة . ولهذا النظام مرتكز شرعى صحيح إلا أن تطبيقه كان يحتاج إلى إجتهاد جديد ، لأنه فى ظروف الحرب الحديثة ومعداتها كان التقسيم يؤدى إلى ضياع جزء كبير من إمكانيات قتالية هامة ، وإلى عجز مالى كبير لدى قيادة الجبهات إذا حاولت شراء المعدات الثقيلة الهامة من مدافع ودبابات وذخائر. لذا كان معظم تلك المعدات الهامة يذهب ليباع فى أسواق السلاح الحدودية . وعند محاولة شرائها مرة أخرى كانت أسعارها تتضاعف ، هذا إن وجدت أصلا ، لأن جهات معنية بإفشال الجهاد وعرقلة مسيرته ، كانوا يجمعونها بأى سعر ثم يخفونها عن الأنظار. لم تكن تلك مشكلة عادية إذ أوشكت بالفعل على كبح إنتصارات المجاهدين ووقف الجهاد قبل التحرير الكامل . أى إجبارهم على الدخول فى مساومات تقسيم السلطة بين السوفييت والأمريكيين .

وكانت الغنائم وتوزيعها وظهور الإحتياج إلى الأسلحة الثقيلة وذخائرها من المشكلات الكبيرة التى واجهت القيادات الجادة المخلصة من أمثال حقانى . وظهرت فى وقت لاحق مشكلة “الغلول” أى سرقة الغنائم أو إختطافها بالقوة . أحد الأحزاب إتخذ من تلك الجريمة منهجا ثابتا لرجاله فى الجبهات ليضعهم أمام خيارين إما الدخول معهم فى صدام مسلح وفتنة بين المجاهدين أو الرضوخ للأمر الواقع حفاظا على وحدة المجاهدين .كان حقانى يفضل الخيار الثانى . تكونت مجموعات خلف الحدود الباكستانية بأعداد كبيرة لإختطاف الغانائم من أيدى المجاهدين . وعملية الغلول كانت تحدث عادة فى الدقائق القليلة الحاسمة قبل نهاية المعركة ، بحيث تضع المجاهدين الحقيقيين أمام خيارين : إما ترك المعركة وإفشالها حتى يمنعوا غربان الغلول ، أو إنهاء المعركة والرضا بالقليل من الغنائم التى تبقت.

معركة فتح خوست التى بلغ فيها المجاهدون بقيادة حقاتى قمة تطورهم العسكرى ، شهدت أيضا قمة التطور فى فن جريمة الغلول . ولولا حكمة حقانى وبعد نظره لوقعت مجازر كانت ستؤدى حتما إلى فشل الفتح سواء فى خوست أو فى جرديز . وفيها تبدت بوضوح الأبعاد السياسية لعمليات الغلول، وأنها تهدف إلى حرف المجاهدين عن الفتوحات وتحويلهم إلى الفتن القبلية بديلا عنها ( ولنقارن ذلك مع فتنة داعش الآن ، والتى تفرض الفتن الطائفية والعرقية كبديل عن جهاد العدو المحتل ) . وليس سرا أن نقول أن بصمات الحكومة الباكستانية كانت واضحة ، وكذلك أحزاب بيشاور ، خاصة حزب حكمتيار الذى هو تشكيل باكستانى أكثر منه أفغانى ، أى خاضع لإدارة كاملة من المخابرات الباكستانية (ISI). ذلك الحزب كانت له اليد الطولى فى عمليات الغلول داخل أفغانستان ، ومع ذلك فقد كان الأسرع دوما إلى إصدار بيانات من بيشاور تنسب أى إنتصار داخل أفغانستان إلى الحزب الذى كان يحظى بدعم كامل من الإعلام الباكستانى . بالطبع كانت هناك مجموعات إجرامية مستقلة كانت تعمل فى خطف الغنائم ، بل وعمليات سرقة وقتل بهدف السرقة ، ولكن ضررها كان محدودا جدا مقارنة بالعمل المنظم ذو العمق السياسى لعمليات الغلول . حتى العمليات الإجرامية محدودة الحجم كانت ذات دلالات سياسية أحيانا ، مثل البحث عن العرب تحديدا، لقتلهم فى الجبهات أو على الحدود أو فى العمق الباكستانى . ولكن إهتمام المتطوعين العرب بمثل هذه الأشياء كان وقتيا ومحدودا ، فلديهم برامج أخرى ، وكانوا يفتقدون إلى قيادة مركزية جامعة . فالعربى الذى يغتال أو يستشهد كان موضع إهتمام أصدقائه المقربين فقط ، أو على الأكثر الجماعة أو التنظيم الذى يتبع له. وكثرة شهداء أى تنظيم كانت تحمل دعاية مباشرة له ، لذا كانت خير وبركة من وجهة نظر تنظيمية .

حركة طالبان فيما بعد طبقت إجتهادا جديدا إذ إحتجزت كل الغنائم “لبيت المال” ، فى مقابل ما يحصل عليه المجاهدون من إمدادات قتالية وأحيانا مكافآت مالية . وفى هذا التطبيق بعض الصعوبات أيضا ، مع أنه حل جانبا هاما من المشكلة .

 

حقانى .. بنك معتمد :

سألت حقانى عن سلاح ” ضد الدبابة ” وكم قطعة غنموها . فأجاب أن نصيب “بيت المال” كان قطعتان فقط ، واحد منها سليم تماما والآخر محترق بحيث لم يتبق منه سوى الهيكل الحديدى ، وقد ذابت كل القطع البلاستيكية . وقد رأيته وكان مشوهاً بالفعل .

فسألته كيف سيتصرف مع المولوى القادم من غزنى ، قال أنه سيشترى قطعة سليمة من أحد المجاهدين ، ويعطيها له . كنت أعلم أن حقانى لا يمتلك نقودا فى الوقت الراهن ، ولكننى إستحيت أن أسأله كيف سيشترى ذلك السلاح؟؟.

بعد قليل رأيت مجاهدا جبليا خشنا يخرج من غرفة حقانى وهو يمسك ورقة صغيرة فى حجم نصف الكف ، وهو يحملق فيها مذهولاً وعلى وجهه إبتسامة سعادة ودهشة .

سألت عن سر هذه الورقة المدهشة . فعلمت أن ما فى يده هو إيصال بالمبلغ الذى تعهد حقانى بسداده ثمنا لسلاح (ضد الدبابة) الذى باعه إليه ذلك الرجل .

أدركت وقتها مدى الثقة التى يتمتع بها حقانى بين رجاله ، لدرجة أن هذا المجاهد الفقير إعتبر أن تلك الورقة هى مال حقيقى حصل عليه . وأثبتت الأيام أن ثقة الرجال بذلك القائد هى أكبر من ذلك بكثير . جانب من هذه الثقة يعود إلى كونه عالم دين وهى منزلة محترمة جدا إجتماعيا. جانب آخر من الثقة يعود إلى مميزاته الأخلاقية العالية وقدراته القيادية الفريدة . فهو صادق ودود مع رجاله وحازم فى قيادته . وكان الأشجع على الدوام ، وهى صفة ذات منزلة كبيرة بين رجال القبائل ، وهى تلى مباشرة منزلة عالم الدين . تلك المميزات لحقانى مكنته من تعويض النقص فى الذخائر والأسلحة والمهمات من طعام ووقود ، معتمدا على مصداقيته فى الأسواق القبلية ، حيث منحة التجار قروضا وصلت إلى ملايين عديدة فى بعض الأوقات ، أو باعوه بالأجل جميع متطلبات جبهته ، معتمدين أنه رجل صادق أولا ، ثم أنه منتصر دوما ويربح الغنائم الكثيرة وقادر على السداد .

 

حقانى فى أكاديمية الجهاد :

بالتدريج كانت قوة المجاهدين تزداد ، والمعارك تكبر من ناحية الحجم والشدة. قدرات حقانى القيادية كانت تنمو معها بإستمرار . فهو الرجل ذو التعليم الدينى ، والذى لم يخدم يوما فى الجيش، كان يتعلم الحرب بالممارسة ، وبالملاحظة العميقة والذكية ، وبالإستفادة من أى معرفة تأتيه من أى جانب كان ، حتى من أسراه العسكريين .

كان يجلس مطولا مع الأسرى ، خاصة الضباط منهم . ويسألهم كثيرا عن كل شئ يتعلق بحياتهم العسكرية وأحوال الجيش المعنوية والقتالية وعن الأسلحة الموجودة لديهم وتكتيكاتهم فى القتال ويطلب منهم تقديم خدمات لتدريب المجاهدين على بعض الأسلحة الجديدة ، وعن إصلاح تلك الأسلحة إن أمكن .

قرب نهاية رحلتنا الأولى ، جاء إلى “سيرانا” حوالى عشرة من الضباط متوسطى الرتب ، فروا من جرديز ، حاملين معهم ثروة من المعلومات الداخلية ، تقود إلى نتيجة واضحة وهى أن النظام يتهاوى ، وأن الجيش بدأ فى رفض الحرب القائمة . وأن تمردا حدث فى أحد الألوية فى كابول . وتمردا آخر لضباط فى جرديز مع جنودهم ، كانت منهم تلك المجموعة .

بعضهم كانوا ضباطا فى سلاح الدبابات ، فطلب منهم حقانى الذهاب إلى موقع المعركة الأخيرة ، لبحث إمكانية إصلاح شئ من الدبابات والمدرعات والمعطوبة هناك . أمضوا هناك قرابة اليوم وعادوا بنتيجة سلبية ، بأن لا شئ هناك قابل للإصلاح . فالمجاهدون إنتزعوا من الدبابات كل شئ يمكن لهم خلعه ، ثم أحرقوا باقى الدبابة . شعر حقانى بالأسف وأنا أيضا شعرت بالأسف ، لأن المجاهدين على شجاعتهم الكبيرة ، فى حاجة إلى الكثير من التعليم والتدريب ، وأيضا الأمكانات الحديثة . بإختصار كانوا فى حاجة إلى عناصر بشرية إسلامية إضافية ، وتخيلت وقتها أن المتطوعين العرب هم ذلك العنصر المفقود . ولكن بعد سنوات تمنيت لو أن العرب لم يأتوا إلى أفغانستان ، إذ خلقوا مشكلات أكثر وقدموا إيجابيات أقل مما توقعت.

 

“إبراهيم خيل” خطوة مبكرة لفتح خوست :

–  لم يقص عليَّ حقانى تفاصيل معركة (إبراهيم خيل) ، معتبرا إياها مجرد واحدة أخرى من المعارك . وهى لم تكن كذلك بالضبط ، لأنها منعت الجيش الحكومى ، وحتى السوفيتى فيما بعد، من مجرد التفكير فى المرور بالقوة من ذلك الطريق . أى أن معركة “إبراهيم خيل” كانت البداية المبكرة والخطوة الأولى لفتح مدينة خوست بعد مشوار طويل (أكثر من عشر سنوات) من المعارك الحافلة بالبطولة والإنتصار، كما لم تخلوا من الهزائم والخيانة .

والعبرة هى : إن أى إنتصار جزئى هو خطوة ضرورية على طريق الإنتصار الكامل.أقول ذلك لأنه فى فترة لاحقة شاع فيها اليأس والإنهزامية بين المتطوعين العرب بعد أن طالت المدة وكثرت عوامل الإحباط ، فكانوا يستصغرون شأن أى إنتصار جزئى قائلين ( إن ذلك النصر الصغير لن يحرر أفغانستان). إن النصر فى حروب العصابات هو عملية تراكمية طويلة. فالإستثمار الإيجابى لعملية كسب الوقت (بالتجهيز والتنظيم والتدريب) هو محور أساسى لتلك الحروب .

–  كان لابد من إتفاق “سياسى” وبالأحرى ضخ الكثير من الأسلحة والأموال بين أيدى القبائل لشراء ولائها ، لضمان عبور دائم وآمن لقوات الجيش على ذلك الطريق الحيوى ، ولكن كان حقانى هو العقبة الكبرى . وظل ذلك الوضع قائما حتى شتاء(1987 ـ 1988) حين تمكن الروس من كسر ذلك الحاجز بقوة الخيانة التى كان نجمها الساطع (عبد الرسول سياف) زعيم حزب الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، متحالفا مع الجنرال نظر محمد وهو من قبائل زدران ، وشغل يوما منصب وزير الدفاع فى الحكومة الشيوعية. وفى تلك المعركة أصيب حقانى فى المعركة بجرح كبير فى ركبته ، وتمكن مرافقوه من حمله بصعوبة من خلال الثلوج حتى يتم علاجه بعيدا عن نيران العدو .

العدو بحماقته ساهم فى تخليد ذكرى هزيمته المدوية فى “إبراهيم خيل”، بأن جعل الدبابة الوحيدة التى نجت من المحرقة ، رمزا على بوابة أحد القيادات العسكرية فى بداية طريق خوست . واضعا تحتها لافتة حجرية كتب عليها (الدبابة البطلة!!)،حسب طريقة التمجيد السوفيتية . وكتبوا على اللافتة تاريخ المعركة التى نجت منها الدبابة منفردة وكسيرة الجناح .

إغلاق هذا الطريق كان ركيزة أساسية لمعارك فتح خوست بأن وضع المدينة تحت حصار برى إستمر حتى شهر مارس من عام 1991 حين إقتحم المجاهدون المدينة بعد معركة ضارية إستمرت ثلاث أسابيع.

خلال تلك المدة كان إمداد المدينة يعتمد فى الأساس على الإمداد الجوى عبر مطار المدينة . ومن هنا كانت أهمية إغلاق المطار وإخراجه من الخدمة ، قبل ستة أشهر تقريبا من إقتحام المدينة ، فى معارك ليلية بالراجمات إستمرت ما يقرب من شهر.(عن معركة إغلاق المطار قال عرب محبطون أن تلك العملية لن تحرر أفغانستان ـ رغم أن الذين قاموا بها كانوا عربا نسقوا جيدا مع مجموعات المدفعية والمراقبة اللاسلكية الأفغانية).

فتح المدينة تم بنجاح تام بقيادة حقانى فى مارس عام 1991 . فقيادتة كانت سببا مباشرا لذلك الفتح ، بعد معارك جزئية ضارية إستمرت لسنوات ، دفع فيها مئات الأبطال أرواحهم فى الجبال المحيطة بالوادى وفى السهول والقرى المحيطة بالمدينة .

وأبرزت معركة فتح خوست قمة التطور فى قدرات حقانى كقائد هو الأبرز فى كل الحرب ضد السوفييت بإنجازاته العسكرية التى توجها بفتح خوست ثم إقتحام مدينة جرديز ، التى بعدها بأيام تهاوت كابول نتيجة تصدعاتها الداخلية وتحلل جيشها وإنقلاب المكونات المتحالفة داخل النظام الشيوعى .

– لابد أن نشير هنا .. وسنعود لاحقا ومرارا.. إلى التأكيد على أن موهبة حقانى العسكرية والقيادية ، كان تماثلها مهاراته السياسية فى التعامل مع القبائل . وتلك نقطة خطيرة سنعود إليها مرارا . لأنها سر كبير فى بقاء وإستمرارية حقانى . عكس كثير من الأبطال الكبار الذين طوتهم المؤامرات الداخلية والخارجية . حتى أصبح حقانى قوة لا يمكن تجاوزها فى باكتيا ، وبالتالى كل أفغانستان . ومن ذلك إستمد قوة سياسية فى المجال السياسى الخارجى أيضا، فاستطاع أن يخرج من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

– ونضيف أيضا أن نجاح حركة طالبان والإمارة الإسلامية ، وقدرتها على الإستمرار والإنتصار ، يرجع أساسا إلى براعتها التى لا تضاهى فى التعامل مع المجتمع القبلى فى أفغانستان. و تلك النقطة تحديدا جعلت من حقانى وحركة طالبان نسيجا واحدا إسلاميا وأفغانيا أصيلا ، لا يمكن عزله أو إقتلاعه من التربة الأفغانية أو تعمد نسيانه أو تجاهله، من الآن وإلى قيام الساعة .

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

فى مواجهة الطائرات : الطلقة الثالثة .. ثابتة :

الطيران معضلة دائمة تواجه حرب العصابات فى كافة مراحلها . خاصة فى مرحلتها الأولى حيث تنعدم الخبرة اللازمة، إلى جانب نقص الأسلحة الثقيلة الملائمة “لتخويف” الطائرات ، أو إسقاطها بفضل الدعاء إلى الله .

أول تجربة مباشرة عاصرتها مع الطيران ، فى مرحلة الحرب الأولى كانت عند حقانى فى مركز سرانا . حيث حطم نظرتى لسلاح الطيران بشكل غير متصور . كنت أعرف أن الحرب التقليدية تحسم فى السماء أولا فمن يسيطر عليها يكسب المعركة . ونتيجة لتجربة بلادنا فى حرب 1967 روج النظام المصرى بشدة لقدرة الطيران الخارقة فى كسب الحروب ، وكتبوا عن قدرات الطيران الحديث أشياء كثيرة، بعضها صحيح وبعضها مبالغ فيه لتبرير هزيمتهم المخزية . بهذه الخلفية عن الطيران بما فيها من صواب وخطأ وتشويش ـ وجدت نفسى أصطدم مع “العقيدة العسكرية ” لحقانى .

أخذنى حقانى إلى أعلى قمة فى الجبل كى يطلعنى على قمة تطورهم التسليحى ، وقدراتهم “لمكافحة ” طيران العدو . كان سلاح ” الدفاع الجوى” ـ إن جازت التسمية ، وهى قطعا لا تجوز ـ عبارة عن مدفع صنع فى بلجيكا لحساب ” الجيش الملكى الأفغانى” عام 1941 حسب ما هو منقوش على لوحة على سطح السلاح ـ الرامى على المدفع شخص واحد هو “بادشاه” أى الملك ، وهو إبن عم حقانى ، وشخصية لم يصادفنى لها نظير فى كل ما تلى ذلك من سنوات .

متوسط الطول ذو جسد صلب قد من صخور “ساتى كاندو” . عيونه زرقاء مثل شاهبين ثاقبين . كان مشهورا بالشجاعة ، وفى ذلك مبالغة كبيرة ، لأنه فى الحقيقة لم يسمع يوما عن شئ إسمه خوف ، كان هكذا بالفطرة . كان واحدا من أبناء عمومة حقانى الذين وقفوا إلى جانبه بكل ما يملكون . ونتيجة لصفاته سالفة الذكر كان هو الأنسب فى كل أفغانستان الذى يمكن أن يقف ذلك الموقف الذى شاهدته . هو ومدفعه العتيق متمركزان تماما على خط الأفق على قمة الجبل . فأصبحا معلما بارزا تراه جميع طائرات العالم . تلك كانت مواصفات الرجل .

أما مميزات المدفع الذى يعمل عليه (بادشاه) فهى أنه يتعطل فى الطلقة الثالثة ، فينحشر المظروف فى ماسورة السلاح ، بكل دقة وبلا تأخير أو تقديم فى عدد الطلقات . لم يعجبنى شئ مما رأيت أو سمعت . فقد رأيت أن “بادشاه” سوف يستشهد عاجلا وليس آجلا . وذلك المدفع المستهلك سيكون سببا لهلاكه ، وجاذبا للطائرات صوب مقر القيادة الذى يقيم فيه حقانى . وبذلك يتعرض هو أيضا للخطر .أما القرية على القمة القريبة المقابلة ، فهى هدف سهل سنراه محترقا ومدمراً  كما شاهدنا القرى والطيران يحرقها ونحن فى الطريق .

أنزلوا المدفع قليلا إلى السفح فى منطقة تم تمهيدها كطريق للمشاه . وبدأ حقانى ورجاله فى التمرين على الإطلاق تحت إشراف (بادشاه) الذى كان سعيدا ونشيطا وهو يشرح ويعطى الإرشادات . ثم يأخذ قضيبا طويلا من الحديد كى يخرج الطلقة (الثالثة) المحشورة فى ماسورة المدفع .

الجميع كانو ا سعداء ، ولم أكن كذلك . تكلمت مع صديقى أحمد حول مخاوفى من قصة المدفع . ذهبنا للحديث مع “بادشاه” بجانب مدفعه على خط الأفق . واقترحنا عليه أن نقيم له محيطا من الأحجار للوقاية من شظايا القنابل . وبدأنا على العمل  الهندسى وصنعنا دائرة من الصخور حول المدفع متسعة تكفى للحركة الدائرية الكاملة ثم وضعنا بين الصخور أفرع من نباتات وأشجار للتمويه .

بعد ذلك المجهود المرهق . سألنا “بادشاه” عن رأيه فقال أنه عمل جيد وجميل . فنزلنا نحو جدول الماء بالأسفل من أجل الوضوء وغسل وجوهنا من العرق والأتربة . وما أن بدأنا الصعود حتى كان “بادشاه” قد حمل مدفعه إلى خارج الإستحكامات ، قائلا أنها تعيق حريته .

بدأ أول إشتباك مع الطائرات عندما كنت قريبا من القمة . طائرة “ميج” سوفيتية إسقطت قنبلتان على الجانب الآخر من الجبل ، أحدها لم تكن بعيدة عن المدفع .أخذت الطائرة تدور حول الموقع فى دائرة واسعة ، و”بادشاه” غير مبالى بها منشغلا بإخراج الطلقة الثالثة المحشورة فى المدفع .

كان السفح يخلو من أى خندق أو حتى مجموعة صخور مناسبة للإختباء ، كان يجب أن أنزل حتى مجلس الإجتماعات حيث مجموعة جيدة من الصخور فجريت نحوها . عندها شاهدنى حقانى متلبسا بتلك الجريمة . وما أن إبتعدت الطائرة عن الموقع لتدور فى حلقة واسعة حول المكان حتى صرخ غاضبا يؤنبنى قائلا : أنت عربى .. لماذا لا تطلق النار على الطائرة ؟؟  لماذا تجرى ؟؟ ..

كنت مذهولا من كلامه، حيث كنت أعتقد بأننى أتصرف بطريقة صحيحة ، وأن العثور على مكان مناسب يأتى أولا ، ثم بعدها إطلاق النار .. إن كان ضروريا ، فما بالك وأنا لا أرى له أى ضرورة ، لأنه ما أن رفعت رأسى إلى السماء حتى كانت الطائرة الميج قد أصبحت فوق القرية بدون أن تقصفها ثم مضت بعيدا .. لم يستغرق الأمر وقتاً ، فما جدوى إطلاق النار فى أعقاب طائرة نفاثة؟؟. ليس هناك فرصة لإصابتها ، وما لدينا من طلقات هو قليل بالفعل ، فلماذا نصرفه بدون إحتمال ، ولو بنسبة ما ، من أمكانية التأثير ؟؟.

كان حقانى غاضبا ، وأنا مندهشا ، والدخان يتصاعد من خلف الجبل و”بادشاه” منهمك مع الطلقة الثالثة .

تذكرت على الفور ما قاله المولوى الشاب من “غزنى” إذ قص على قصته عندما كان جالساً مع أمه على سطح البيت . وإذ بالطائرات النفاثة تنقض على القرية وتمطرها بالقنابل فانتفض الشاب واقفا ، ساحبا أمه للإحتماء بشئ أسفل الدار . فانتهرته بشدة قائلة له : ألا تخجل من نفسك !! أنت مولوى حافظ لكتاب الله وتخاف من كافر .. إجلس !!. فجلس معها إلى أن إنتهت الغارة . ثم نزلا ليعالجا النتائج .

ذلك التحدى بلا حدود هو أحد مكونات الشخصية الأفغانية والمجاهدين بشكل خاص . فى البداية ظننت أنه أمر لا معنى له حتى ظهر تأثيره المدمر على نفسيات العدو . البعض أفرط فى التحدى فكانت الخسائر كبيرة . من حسن الحظ أن حقانى لم يكن كذلك بل كان مهتما جدا بإجراءات الحماية ، قدر إهتمامه بإجراءات الهجوم .

فعندما كنا أسفل الوادى تحت الأشجار فى مكان اللقاء الأول الذى ألقينا فيه الخطب ، كان حقانى يأمر رجاله بالوقوف تحت الأشجار وفى الظل حتى لا تراهم الطائرات . وكان من وقت إلى آخر يرفع رأسه إلى السماء ويجول بعينيه فى محيط المكان .

إذن فما هى المشكلة .. ولماذا غضب منى هكذا ؟؟.  أكتشفت لاحقا أنه كان يخشى من تفشى حالة الخوف وانتقالها بين الرجال بالعدوى . لأن إمكانية التصدى للطائرات هى عمليا معدومة . فلو إكتشف الرجال ذلك فربما ضربهم اليأس وأنصرفوا عن الجهاد ، لأنه مستحيل عمليا بسبب الطائرات .

{ مثل هذه الحالة ضربت سكان القرى فى أفغانستان فى بداية الغزو الأمريكى حيث فشلت خبرة طالبان القديمة فى معالجة التفوق التكنولوجى للطيران الأمريكى ، فتكبدوا خسائر كبيرة ، وتعرضت القرى المحيطة بهم لضربات إنتقامية من الطيران الأمريكى } .

بالتجربة والخطأ وبطول الممارسة وبذل الدماء تعلم المجاهدون الأفغان كيف يواجهون الطيران . أفضل السبل حسب ما رأيت كان إستخدام الأرض لمواجهة الهجوم القادم من السماء ـ الوسيلة الأفضل هى الخنادق والمغارات ، بعد ذلك تأتى إستخدام التضاريس الطبيعية مثل الصخور ومجارى السيل ، والأجمل كانت التضاريس متفاوته الإرتفاع فى الجبال . فكثيرا جدا جاءت القنابل قريبة للغاية من المجاهدين ولكن على مستوى من الأرض أعلى أو أقل إرتفاعا ، فيضيع تأثيرها فى الحالتين . ونادرا ما كانت القنابل تأتى بشكل مباشر على رأس الأفراد . وعموما كانت الطائرات هى أقل أدوات الحرب التى أوقعت قتلى بين المجاهدين ، بالمقارنة مع الوسائل الأخرى . ولكنها كانت الأكثر تأثيرا معنويا على المجاهدين أكثر من أى سلاح آخر لدى العدو . بينما خسائرها للمدنيين فى القرى كانت هائلة فى الأرواح والماديات .

 

حقانى وتحييد سلاح الطيران الطيران :

لابد أن نذكر هنا ، كيف أسقط حقانى هيبة الطيران بأساليب مختلفة فى فترات زمنية مختلفة ، وربما فى نفس الفترة الزمنية لكن فى مناسبات مختلفة .

أذكر مجهوده فى ذلك خلال معركة “ليجاه” فى جنوب خوست عام 1982 كان هدف العملية هو إزالة موقع حصين للجيش الحكومى يمنع المجاهدين من دخول وادى خوست الفسيح حيث المدينة ومطارها وحزامها الأمنى الأول . كانت بداية العملية ناجحة ، وأوشك العدو على الإنهيار لولا حقول الألغام التى أوقفت زحف المجاهدين .

أخذ الطيران يقصف بشدة ، وبدأت النفاثات الروسية فى حرق الشعاب . وكانت تؤدى عروضا إستعراضية فى بعض الأحيان ، مظهرين المهارة وفرحة الإنتصار ، وكان ذلك يبعث على الغيظ والقهر . كان لدى المجاهدين رشاش وحيد من طراز”دوشيكا ” ولم يُجْدْ نفعا ، حتى إلتزم الصمت عندما ركزت عليه الطائرات . المروحيات بدورها كانت تهاجم فى مجموعة من أربعة أو خمسة طائرات دفعة واحدة . توقف المجاهدون حتى عن الرماية عليها بالبنادق عندما شعروا بعدم جدوى ذلك . النتيجة : نحن صامتون ونزحف من صخرة إلى أخرى أو بين الشجيرات ، بينما المروحيات فوق رؤوسنا تماما .

وما أن نجتمع للصلاه أو لتناول لقيمات من الخبز ، حتى يداهمنا الطيران ويحَوِّلْ راحتنا إلى دروس فى الزحف بين الأعشاب والتسلل يين الصخور .

ضاعت منا المبادرة تماما . وحقول الألغام أوقفت الزحف إلى الأمام . لم يكن حقانى معنا وقتها ، ولم يدر أحد ماذا علينا أن نفعل .

جاء حقانى إلى ليجاه برفقة أربعة من رجاله ، وصعد على الفور إلى القمة المواجهة لتجمعنا الرئيسى . وكان تسليحه الشخصى وقتها هو (RPG) . وكان يستخدمه كمدفع مضاد لطائرات الهيلكوبتر تحديدا .كانت النفاثات تدور مرتفعة حول الموقع ، وجلس حقانى مع رجاله فوق القمة ـ ولم تحضر المروحيات فى ذلك اليوم . لكن بجرأته وتحديه إنبعثت حياة جديدة فى المجاهدين . وكان قد أحضر معه كاشف عن الألغام إشتراه من سوق الأسلحة فى مدينة ميرانشاة الحدودية . فتجمع حوله المجاهدون ليشاهدوا هذا المخلوق العجيب ، وهو يشرح لهم طريقة عمله وهم فرحون كالأطفال فى أول أيام العيد . جربوا الجهاز فوق قطع معدنية مدفونة فأعطى أشارة ، فهللوا فرحين . ومع ذلك لم يفد ذلك الجهاز بشئ حيث أنه يعطى إشارات على الدوام لأن الأرض مليئة بالشظايا ، فعادوا مرة أخرى إلى الكشف اليدوى عن الألغام . ولكن هذه المرة تحت حماية جوية يقف على رأسها حقانى معه مدفعه المضاد للدبابات الذى يستخدمه لمكافحة المروحيات . عادت الحياة إلى رامى مدفع الدوشكا وبدأ يمارس نشاطه من جديد . والمجاهدون يطلقون نيران بنادقهم على الطائرات إذا كانوا فى وضع ملائم . وهكذا إنبعث من جديد مشروع فتح حصن ليجاه . بعد أن أسقط حقانى بشجاعته فقط “هيبة ” الطيران بواسطة تسليحه الشخصى الجديد ، قاذف “RPG ” الذى لم يسقط أى طائرة . ولكن إسقاط هيبة السلاح وخوف الناس منه أهم بكثير من تدمير السلاح نفسه . أسقط المجاهدون الأفغان هيبة الدبابة ثم هيبة الطائرة حتى قبل أن يتمكنوا من إمتلاك وسائل تدميرها فعليا. إيمان وشجاعة القيادة والمجاهدين كانا أدوات النصر وإسقاط هيبة العدو ، وجميع أسلحته .

تواصلت مجهودات حقانى لتحييد سلاح طيران الخصم . وكان أعظم خطواته وأبعدها أثرا هو برنامج للحفريات تواصل لسنوات حتى سقوط مدينة خوست . لذلك تحول إلى مشروع إستراتيجى وكان له أهمية كبرى فى فتح المدينة المنيعة . وقد أعترف العدو بتلك الحقيقة ، حتى أن رئيس الدولة(نجيب الله) كان يخرج على الهواء فى الإذاعة مخاطبا حافرى مغارات خوست ، وكانوا فى أغلبهم من ولاية (ميدان وردك ) ، ويطالبهم بالقدوم إلى كابول وسوف يقدم لهم ما يطلبونه من أموال ، قائلا أن مغاراتهم أبطلت مفعول طائراته وصواريخه. ولكن الوقت كان قد فات وتبقى القليل جدا من الوقت حتى يقتحم المجاهدون خوست ، وتَبَقَّى من عمر النظام كله حوالى عام واحد .

إبطال سحر الدبابة :

إبطال التأثير النفسى للدبابة كان خطوة كبرى فى العام الأول للجهاد . وكانت هى الخوف الأكبر للأهالى والمدنيين على السواء . ولذلك قصة شهيرة فى ولاية باكتيا سمعناها ممن خاضوا التجربة . سمعنا القصة فى ليلة مقمرة فوق أحد سطح بيت قروى أثناء تحركنا نحو جرديز مع مولوى حقانى ، وكان ذلك فى عام1986، وكان حقانى معنا فى تلك الجلسة المقمرة التى لم تتكرر بعد ذلك( حضر تلك الجلسة كل من أبو حفص المصرى ، وأبو عبيدة البنشيرى وعبد الرحمن المصر ى ، وقد تجمعنا من أجل المشاركة فى عمليات قرب جرديز . ولم يكن تنظيم القاعدة قد تشكل بعد )  . وفى تلك الجلسة أخبرنى حقانى عن بعض أسرار معركة جاور الأخيرة ، وسوف نذكرها فى موضعها . كما حكى مجاهدو القرية عن تجربتهم فى الحصول على سلاح “ضد الدبابة” لأول مرة ، وكانت كالتالى :

 كانت القرية  مصدر قلق للحكومة الشيوعية لتمركز القائد “شاكرين” ومجموعته يهددون منها الطريق الرئيسي والمراكز الحكومية المنتشرة على طوله، لذا قصفها الطيران عدة

 مرات وهجرها معظم السكان لكن “شاكرين” لم يتوقف، فقررالعدو شن حملة  لإقتحام القرية وكانت الخطة  أن تتقدم القوات على محورين الأول من الطريق الرئيسي نفسه ثم تنحرف الدبابات والمشاة نحو القرية حيث يوجد مدق ترابي يصلح لمرور الآليات.

والمحور الثاني تتقدم عليه قوة أخرى عبر وادي شمل حيث ينزل المشاة ويتسلقون الجبال ثم يتوجهون صوب القرية، وهناك تلتقي القوتان وتهاجمان القرية في وقت واحد.

كانت الخطة جيدة،( ولكن على الورق وليس على الأرض). فعند التنفيذ وصلت القوة  القادمة  من إتجاه شمل أولاً. وأبلغ بدو الجبال شاكرين بتقدم القوات نحوه فخرج مسرعاً مع رجاله ونصب كميناً للقوة فدمرها وأسر وقتل جميع من شارك فيها. ولم يكد يفرغ من عمله حتى كانت القوة الأخرى قد وصلت بدباباتها إلى الطريق العام وبدأت تتقدم نحو القرية عبر المدق الجبلي، شعر الرجال بالذعر لتقدم الدبابات المفاجيء نحو قريتهم. ولكنهم كانو قد غنموا سلاحاً عجيباً منذ قليل أخبرهم الجندي الذي يحمله أنه سلاح (ضد الدبابة) فطلبوا من الجندي أن يتقدم معهم لإستخدامه ضد الدبابات المتقدمة لكن الخوف أصاب الجندي  ورفض أن يتحرك خطوة واحدة حتى ولو قتلوه. فطلبوا منه أن يشرح لهم كيفية إستخدام ذلك السلاح فشرح لم وأوصاهم بالتصويب على خط التقاء البرج مع جسم الدبابة.

أحد المجاهدين إلتقط السلاح وتقدم به نحو الخطر القادم ومن الطلقة الأولى طار برج الدبابة في الهواء وإشتعلت فيها النيران. ولم تقف المفاجأة عند ذلك الحد، فالطابور المتقدم من الدبابات والمدرعات التي تحمل الجنود، وجميعها محشورة في مدق ضيق لا يصلح  للمناورة. ذلك الطابور صدمته المفاجأة، إذ كان الضباط على يقين بأن ليس لدى المجاهدين أي  سلاح مضاد للدبابات، وإعتمدوا على حقيقة أن مجرد صوت الدبابة كفيل بأن يدفع، أشجع الرجال لأن يفر من ساحة المعركة.

لذا قفز جميع الضباط والجنود من داخل الآليات رافعين أيديهم إلى أعلى معلنين الإستسلام لشاكرين ورجاله. ( وكانت قصة مازال يتداولها المجاهدون إلى الآن).

كان توفيقاً من الله ألا تصل القوات المهاجمة في وقت واحد حسب الخطة المقررة. وأن يتمكن شاكرين من القضاء على الطابور الأول وتسليح رجاله بقاذف (RPG) ليكون سلاحه الرئيسي ليس لتدمير دبابة واحدة للشيوعيين بل لتدمير وأسر القوة المتقدمة كلها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world




نظرة حول الداخل السوري (الجزء الرابع)

نظرة حول الداخل السوري (الجزء الرابع)

نظرة حول الداخل السوري

( الجزء الرابع )

فرض الوضع السوري ومجرياته على عموم الأمة والنخب تحديا كبيرا للخروج بمشروع بديل تسير على ضوئه جموع المسلمين في مسار التحرير الطويل والشاق لاسترداد حصونها الضائعة ومناطقها المحتلة خصوصا مسرى النبي الكريم “فلسطين”، بدلا من المشاهد المحبطة والأحداث المؤلمة وتضارب المشاريع المتعارضة التي تمخض عنها الصراع الدامي والحرب الأهلية في سوريا، والتي أبانت عن ثغرات خطيرة في جسم الأمة على مستوى التصور والممارسة.

 

ننطلق في مقالنا من مبدأ أن المسلمين هم حملة رسالة للانسانية وأصحاب مشروع كوني أساسه الرحمة (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين). كما ان الحالة التي عليها البشرية في زماننا تعكس وضعا ينم عن الابتعاد عن الحق ومقتضياته في زمن ساد فيه الباطل بأبشع صوره وأقبح عناوينه. هذا الحال يستوجب من المسلمين موقفا يتجسد فيه التلاقي والتكامل لاستئناف المسار الصحيح ومواجهة الأزمات التي تضغط على جسد الأمة بدأ من الأخطر منها الى اقلها خطرا (الأولويات).

 

لقد أدخلت المنطقة الاسلامية في مرحلة جديدة تحمل في طياتها كل الشرور والتهديدات لشعوبها بشتى انتماءاتهم، ضمن ما يعرف بحمى الحروب الداخلية على الأسس المذهبية والعرقية والدينية داخل الأمة -ليس بالمعنى الديني فقط بل بالمعنى الجغرافي” المواطنة” أبناء الوطن الواحد- سهل هذا السيناريو الذي ينم عن خلل كبير في التركيبة الاجتماعية للمنطقة جعلها قابلة لأن تكون على هذه الصورة من التمزق والكراهية والعداء لبعضها البعض.-سهل- مهمة الغزاة في الوصول الى أهدافهم الاستعمارية، حيث اصطلحوا اثر ذلك على فكرة ” تجميد الصراع” ما يعني سحب جنودهم لوجود البدائل التي تحقق ابعاد المشروع الصهيوأمريكي من أبناء الأمة بالمعنى العام( الذين يتقاسمون نفس القطر والبلد والمنطقة).

 

الحالة الكردية تمثل نموذجا في بحثها عن مشروع الفيدرالية الموهوم تحت كنف أمريكا، حيث تسبب الموقف الكردي في فتح ثغرة على شعوب المنطقة والمسلمين على عكس ما اخبرنا به التاريخ عن سلفهم “الناصر صلاح الدين الأيوبي” الذي اثر وحدة الامة على المشاريع القومية والتوجه بهم نحو استرجاع المقدسات”حطين” والأراضي التي سقطت في يد الصليبيين.

 

يسير مخطط التقسيم واذكاء الصراعات على الأسس المذهبية والعرقية في المنطقة بالتوازي مع محاصرة الخطاب الواعي على كل المستويات ومنع وصوله الى الناس، فهل السبب أن عقلية الأمة ليست مستعدة لاستيعاب هذا النوع من الخطاب أم أن هناك قوى خفية تلعب دورها في بناء جدار يمنع ذلك، والعمل على ملاحقته-الخطاب الواعي- وخنقه ف في كل الاتجاهات وتشويهه حتى لا يجد القابلية في نفوس الأخرين. يمكن القول أن استراتيجية الاعلام المضاد مع المشروع الاسلامي المتوازن والحضاري تكمن في: اقحامه في دائرة التكفير والتشويه لتوريطه. وافقاده المصداقية في الشارع كونه سيلعب دورا فاعلا مستقبلا في المنطقة في التوعية والحصانة.وايجاد قوى تحريضية على هذا الفكر لضربه في مهده قبل أن يستفحل وهذا دور المخابرات العالمية وأيديها…

تبقى فريضة الجهاد والاستمرار في خط المقاومة لطرد الغزاة وفق الضوابط الشرعية والتي لا تتعارض مع المبادئ الانسانية هي الأمانة التي يجب أن يتقاسم الجميع مسؤولية حملها بغض النظر عن انتمائهم وتوجههم طالما يعتبرون المنطقة والعالم الاسلامي وطنا لهم، وذلك بعيدا عن العنف الأعمى أو مشاريع خروج جزء من الأمة على الأمة على أي أساس كان، أو أن نصبح معاول هدم او ان ننجرف وراء تيارات التكفير والتفجير العشوائي.

 

يجب مناصرة المقاومة الشرعية في كل مكان وتأييدها ومناصرة أصحابها والدخول معهم لأن حصن الأمة في تبني المقاومة الشرعية.بالمقابل نقف على النقيض من تيارات التكفير الأعمى وممن امتطوا صهوة الجهاد لتنفيذ رؤيتهم الضيقة وممارسة اجتهاداتهم الخاطئة والحاق الأذى بالمقاومة الشرعية بسبب تصرفاتهم.

نحن مع الجهاد وضد الارهاب ومع بناء الانسان والاوطان جنبا الى جنب مع التكامل في طرح المشروع الاسلامي الحضاري الانساني الذي يركز على الجسد والروح والقلب والعقل. لنا خصوصيتنا بلا انغلاق، انفتاح على العصر  الذي نعيشه بلا ذوبان، نرتبط بأصولنا وننفتح على عصورنا وأزماننا.

 

لقد أعطتنا الشريعة فرصة واسعة في تغيير الأدوات والصور على أن تبقى المضامين نفسها حسبما يصلح للزمان والمكان.

لا شك أن هذا النوع من المشاريع سيواجه من قبل المشروع الدولي على كافة الأصعدة فحينها لا يسعنا الا المواجهة والثبات.

ان جبهة العداء لأمتنا ومنطقتنا وشعوبنا لا تخاف من جماعات الغلو ولا يضايقها التنظيمات التي تحمل طابع التكفير والالغاء ولغة خطاب مواجهة العالم وحرب الانسانية: هذه المجموعات تدعم وتغذى من امريكا سواء علمت أم جهلت بسبب خيوط التواصل المتعددة…هذا النوع من المجموعات ضرورة حيوية لبقاء المشروع الصهيوامريكي -في وحشيته وهيمنته- حيث تعطي الأفعال التي تقوم بها الشرعية والمصداقية للهجمة الأمريكية على الاسلام والعروبة والخيرات والنفط: فهم فتوى المرور وجسر العبور الجيوش الاحتلال الامريكي في عالمنا الاسلامي، اذ تقوم-امريكا- بتضخيمهم وتزيد من حجمهم  وتضفي عليهم الصفات الأسطورية ما يجعلهم أندادا حقيقيين لهم في عقل الشباب السطحي في ذهنه والمغرر به: وهذا لا يعني أنهم يمارسون العمالة المباشرة بل هم فيهم من الحماس والصصدق والعاطفة نحو أمتهم،  لكن النظرة الضيقة السطحية في فهم ما يجري جعلت أمريكا قادرة على احتوائهم عن بعد وتوجيههم في مسار محدد والاستفادة منهم ومن افعالهم….والأمور ينظر اليها بنتائجها وما تؤول اليه.

 

بقلم:  أديب أنور

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




فتى إسمه عبد الله

فتى إسمه عبد الله ..!!

فتى إسمه عبد الله ..!! .

رد مصطفي حامد  على صديق قديم :   

قديم نعم ، أما صديق فلا .

هل معارضة المنهج السلفى يعتبر إنحرافا ؟؟.. إذن نحن أمة منحرفة بنسبة 99.99% من منتسبيها . الحمد لله الذى عافى بعض الناس من نعمة العقل .

ــ إرفع عنا سيف الإرهاب السلفى، ودعنا نتكلم عن رؤيتك البوليسية لما أعانيه من “إنحراف” . كنت أتمنى لو أنك قرأت ما كتبته منذ ثمانينات القرن الماضى ثم التسعينات ثم الكتب الأربعة عشر التى بدأت تسجيلها منذ عام 1994 .

ــ لا أعرف ماذا قرأت فى كل هذا الكم من الكتابات ، رغم يقينى أنك من تلك الفئة التى لا تكتب ولا تقرأ إلا ما تسمعه بالصدفة من فتاوى بعض شيوخ الطرق السلفية .

أخبرك بما لا تعلم / وإلى أن تتعلم القراءة / فإن لا شيء مختلفا فيما أكتبه الآن عما كتبته فى العقود الماضية . وليتك قرأت منه شيئا ، وهو متاح فى موقعى الأليكترونى الذى إكتشفت فضيلتك بحاسة الشم البوليسية لديك ، أنه مدعوم من (المخابرات المجوسية !!).لا أدرى كيف علمت؟ ومتى علمت؟ ومن أعلمك؟ ، فمن الواضح أنك لاتعلم شيئا .

فالتلقين شئ مختلف عن العلم . فالببغاء لا يعلم شيئا ولكن يمكن تعبئته بكلمات يرددها ولا يفهم معناها ،عافى الله الببغاء من أن يصبح مثل بعض الناس ، الذين يسترون جهلهم بهوس مصطنع بمنهج ” السلف”.

رغم أنه مجهود ضائع وفى غير موضعه ، فإننى سأتكلم فى الفضاء الإفتراضى ( وليس معك ) حول ثلاث نقاط وردت فى رسالتك المتذاكية بشكل مقرف ، تلك النقاط هى :

1 ـ إبنى عبد الله متزوج من رافضية . ( وهذا ما جعلك لا تتعجب مما أكتبه اليوم !!)

2ـ أن عبدالله على علاقة بالمخابرات (المجوسية !!) .

3 ـ أنه أسس مجموعة قوية على الشبكة بدعمهم المالى .

4 ـ أن النشر أدى إلىإفلات كتبى ومقالاتى من ( التضييقات الحادة المفروضة علي ) .. ثم تتساءل بذكاءك الواضح بكلمة {لماذا ؟ } .

 

أقول مستعوضا الله فى مجهودى الضائع :

1 ـ نعم إبنى عبد الله متزوج من إيرانية شيعية ، وقد عاشت معه فترة فى مصر بعد عودتنا إليها عام 2011 ، إلى أن إستحال ذلك عليهما نتيجة رفض السلطات المصرية إتمام الإجراءات الرسمية لهما ، فاضطرا للعودة معا إلى إيران . فما هو إعتراض فضيلتكم على ذلك الزواج من الناحية الشرعية أو حتى السياسية ؟؟ .. ومنكم نستفيد .

2 ـ هل عبد الله على علاقة بالمخابرات (المجوسية؟؟) .

أقول: إنإنقاذ العائلات العربية من المطاردات الأمريكية لهم بعد نشوب الحرب على أفغانستان واضطرار العرب إلى الفرار ، كان مهمة عسيرة وعظيمة المخاطر . بعضهم عبر مباشرة من الحدود مع إيران ، وآخرون وصلوا إلى باكستان ليقعوا فريسة لأشد عمليات المطاردة التى تحتاج إلى كتاب مستقل لتوصيف وحشيتها وشدتها على الجميع رجالا ونساءا وأطفالا. وسقط فى تلك المطاردات الكثير من القتلى والأسرى، بالطبع النساء والأطفال كانوا هم الأشد معاناة .

عبد الله كان فى أواخر سن المراهقة أو قريبا من ذلك ،حين قام بدور بطولى فى تهريب العديد من الأسر العربية إلى إيران عبر الحدود الباكستانية ، كان من ضمنهم بعض أخواته وأطفالهن وأزواجهن ، مع عائلة أسترالية مكونه من سيدة (كانت زوجتى آنذاك) ومعها ثلاثة من أطفالها وحفيدة صغيرة، بذل عبدالله معهم مجهودا فدائيا حتى أخرجهم من أفغانستان تحت القصف الأمريكى ومطاردة العصابات . وقد قدم له الأخوة المجاهدون الأوزبك ، وقائدهم العظيم الشهيد محمد طاهر ، دعما كبيرا ولم يتخلوا عنه أوعن حمولته البشرية الضعيفة . وهذا موقف أدين لهم شخصيا به ، فقد كانوا نعم الرجال الشجعان الصادمين فى الأهوال التى لا يقدر عليها بشر ، حيث تخلى ونكص آخرون من الكبار والمشهورين .

 فكيف فعل عبد الله ذلك ؟؟ . كان يجيد اللغة الفارسية التى تعلمها قبل الحرب الأخيرة فى مدرسة إيرانية مخصصة لأبناء المهاجرين فى طهران. وقد ساعده حزب النهضة الطاجيكي فى الإلتحاق مع أشقائه بتلك المدرسة .ثم عمل عبدالله معى لفترة كمصور من الباطن لصالح قناة الجزيرة التى عملت كمراسل لها فى قندهار ، فأضاف الكثير إلى شبكة علاقاته الإجتماعية الواسعة .

  ــ فى الواقع فإن بعض رجال الدين شيعة تحمسوا لإيواء العرب فى إيران وحمايتهم وعدم تسليمهم . وقد جابهتهم معارضة معاكسة ، فظهرت كتابات رأيناها على بعض الجدران فى طهران تدعوا إلى إبعاد “العلماء الشيعة الطلبانيين” إلى أفغانستان !! .وأقول أيضا أن هؤلاء قدموا دعما هاما غير منظور للعرب فى زاهدان وطهران .

عبد الله ، الشاب الصغير ، فى عمر الزهور وشجاعة الأسود ، بعد أن عاصر عام2001 أبشع عمليات القصف الجوى الأمريكى على أفغانستان، ومطاردات العصابات المجرمة من الباحثين عن الجوائز الأمريكية نظير أسر العرب أو قتلهم ، نجا بصعوبة هو ومن معه من النساء والأطفال (عرب وأستراليين) . ثم عبر الحدود إلى باكستان ، وبعد عدة أشهر نجح فى الإتصال بعدد من السكان البلوش الإيرانيين السنة فى مدينة زاهدان الحدودية، ورتب معهم بيوتا للعرب المنهكين الذين عبروا الحدود مع المهربين. فاختبأ العرب المرعوبين فى بيوت البلوش الذين قدموا لهم كل دعم ممكن من جهد المقلين ، إلى أن ضج العرب من الكلفة النفسية للإختباء فى أماكن ضيقة ومزدحمة . فطلب قادتهم من عبدالله الإتصال بالمسئولين الإيرانيين للتفاوض”للإستسلام” . وتم ذلك بسهولة لأن العرب كانوا مثل النعامة التى تدفن رأسها فى الرمال بينما جسمها كله مكشوف . فالإخوة العرب قد أنعم الله عليهم بنعمة “الموبايل” الذى منه يتم الحديث بكل حرية عن كل شئ . ورغم ظروف الهروب كان لدى مسئوليهم أمولا نزلوا يتجولون بها فى الأسواق يشترون ما شاءوا من ملابس ومتاع وطعام وموبايلات ..

السلطات الإيرانية إستقبلتهم بهدؤ وعرضت عليهم تسهيل عبورهم إلى خارج البلاد ، ورفضت طلبات الإقامة الدائمة لأن الأوضاع فى المنطقة كانت خطرة جدا ، وأمريكا توزع تهديدات من العيار الثقيل على دول المنطقة وسكانها ، مهددة بأشد ضربات الإنتقام إن هم وفروا “ملاذات آمنة للإرهابين العرب الفارين من أفغانستان” .

بعض العرب وافقوا على أن تشرف السلطات الإيرانية على عبورهم للحدود ، أو أن تسليمهم لحكوماتهم حسب رغبة بعضهم ، خاصة الجدد الذين وفدوا إلى أفغانستان فى وقت متأخر وليس لهم “سوابق” جهادية . فأسكنوهم فى فندق كبير فى طهران إلى أنتسلمتهم حكوماتهم تحت إشراف الأمم المتحدة كنوع من الضمانة .

بعض العرب فروا خوفا من أن تسلمهم إيران لحكومات بلادهم على خلاف ما يرغبون هم فيه . فتفرقوا فى مدن مختلفة كى يختبئوا فيها على طريقة النعامة الشهيرة . وتم إلقاء القبض عليهم فى فترة لاحقة ، وحدث القليل من الإشتباكات المسلحة ، فأودعوا السجون .

ــ العرب الجاهلون باللغة والبلاد والسكان ، كثيرا ما استعانوا بالفتى عبد الله فى إنجاز مطالبهم ، حتى صارشبيها بعمدة العرب فى مدينة زاهدان . وبعد حوالى عشر سنوات كان له دور كبير فى إخراجى وأسرتى من إيران بعد شروعى فى الإضراب عن الطعام ، ولجوء زوجتى وحفيدى إلى السفارة المصرية فى طهران . كان ذلك فى وقتها حدث الساعة ، وحظى بتغطية إعلامية دولية لكونه مسيئا لإيران .

ــ تم إبعاد عبد الله مع باقى الأسرة من إيران. وكان وقتها متزوجا من فتاة إيرانية (رافضية!!) وقفت هى الأخرى إلى جانب زوجها وجانبنا ، وانضمت إلى أسرتنا فى الإسكندرية بعد فترة وجيزة من مغادرتنا طهران .ولكن السلطات المصرية ضيقت عليها وعلى زوجها حتى رحلا .وفى طهران جوبه عبدالله بالإعتراض على عودته ، وهو المحكوم بالإبعاد مثل باقى العائلة ، فلجأ إلى القضاء . ولكونه متزوج من إيرانية سمحوا له بالإقامة بحكم من المحكمة.

هذا هو عبد الله وزوجته (الرافضية) وسر علاقته بالمخابرات (المجوسية) . جريمته أنه شاب بطل، ومغامر جسور، أنقذ حياة أخواته وعائلات عربية وغير العربية ، معرضا نفسة لخطر الموت عشرات المرات فى اليوم الواحد . لكن للأسف لم يكن هو الآخر سلفيا، فتحول فى نظرهم إلى عميل لمخابرات “المجوس” !! .

وهكذا هى الشهامة السلفية مع من لا يتبعون منهجهم الصحيح “!!” .

ــ عموما تم رصد نشاطات عبد الله ، وتسجيله فى القائمة السوداء لدى الأمريكيين ، بسبب ما قام به فى زهدان ، وعبوره لحدود مع العرب (وغير العرب) الفارين من أفغانستان إلى باكستان ثم إلى إيران .

ــ ثم أضيف مرة أخرى إلى القائمة السوداء بسبب نشاطاته فى نشر كتبى على شبكة الإنترنت كما سيأتى ذكره .

 

نصل إلى نقطة الإنترنت وحكايته :

تقول بقدراتك البوليسية الخارقة أن عبد الله أسس مجموعة قوية على الشبكة بدعمهم المالى ( أى المخابرات المجوسية !! ) .

لا أدرى كيف علمت أنها شبكة قوية ؟ وكيف علمت بحاجتها إلى دعم مالى ؟ وكيف “أنهم” دعموه ؟. تلك معلومات إستخبارية فاشلة كمن يرددها .

فالشبكة المذكوره كانت عبارة عن مجموعات من الشباب (الهاكر) عبر العالم ، الذين إستهوتهم عناوين سلسلة الكتب /وعنوانها (أدب المطاريد ، من حكايات المجاهدين العرب فى أفغانستان)/ ولفت نظرهم إنزعاج أجهزة الإستخبارات الدولية وملاحقتها للكتب ، وحذفها من كل موقع تواجدت فيه .

 بالتعاون مع عبدالله المغامر الجسور ،وبشهامة يفتقدها الكثير من إخواننا إياهم ـ المهتمون بقضايا ليس من بينها الأخلاق الحميدة أو الشهامة ـ تولى هؤلاء الشباب ، صغار السن المندفعون ، ترويج تلك الكتب بكثافة كبيرة وبعناد أكبر. حتى أن بعضهم شرع فى ترجمتها إلى عدة لغات أجنبية للتوزيع الداخلى ، وبدون الرجوع إلى المؤلف بالطبع . وقد دفع البعض حياتهم ثمنا لذلك ، إذ تم قتلهم بدم بارد ، من جراء هذا النشاط (الإرهابى) ، وترويجهم لكتب إرهابية (تحرض على التشدد على حد قول موقع سعودى ) .

لقد عملوا كل ذلك بلا طلب من أحد أو تمويل من أحد . فقط شعروا بما تحتويه هذه السلسلة من (أدب المطاريد) فقرأوها بسرعة عجيبة ، وتفاعلوا معها فى مواقعهم الأليكترونية ، وناقشوها أحيانا فيما بينهم ، وأطلقوا تعبير “لعبة القط والفأر” على مطاردة أجهزة المخابرات لتلك الكتب ومروجيها . وشعروا أن الكتب تتكلم عنهم وتعادى من يكرهونهم ، وتعبر عن مشاعرهم ،فدفعوا لذلك أثمانا غالية من دمائهم وأموالهم … وهذا كل شئ.

أرجوا أن أكون قد أشبعت نهمك البوليسى فى هذه النقطة .

ــ تتعجب فضيلتكم مستخدما كلمة (لماذا؟؟) عن نشر كتبى رغم “التضييقات الحادة” المفروضة على شخصى الضعيف . وكان من المفروض أن تبدى تعاطفا معى على أساس حقوقى الطبيعية فى التعبير الحر عن آرائى . ولكن فضيلتكم / وإخوانك فى المنهج/ ضد أى حرية للرأى ، خاصة وأن آرائى مخالفة بشدة لمنهجكم الذى أراه ضارا بالإسلام والمسلمين . مع إعترافى بحق كل شخص فى إتباع ما يشاء من مناهج ، على شرط ألا يمارس البلطجة الفكرية والمذهبية على باقى عباد الله الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا .

ــ إخوانك ـ وقد قابلتهم فى مصر ، عند عودتى ، متجهمين فى وجهى وغاضبين . وكانت أول جملة مفيدة أسمعها منهم فور خروجى من مطار القاهرة الدولى فى 28 أغسطس 2011 ، هى : (إن كتبك فيها “نفس” شيعى) . سبحان الله “نفس” !! .أى”نفس” هذا ؟؟. وما زلت أتحدى تلك الشريحة العبقرية أن تخرج من جميع كتبى جملة واحدة تحمل معنى شيعيا . فقط أزعجهم إعجابى فى كتاب (حرب المطاريد) بروعة الأداء العسكرى والسياسى لحزب الله فى حربه مع إسرائيل عام  2006 . مثل ذلك الأداء الرائع ظهر فى حروب عديدة لأمم أخرى لها ديانات شتى / أو حتى لا دين لها / فهل الإشادة بعمل بطولى متقن يعنى بالضرورة إعتناق ديانة أو عقيدة القائمين عليه؟؟ .

ولكنه المنهج السلفى .. فيا له من منهج !!.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world