1

الرأى الرسمى الدعائى .. و الرأى الحقيقى

الرأى الرسمى الدعائى .. و الرأى الحقيقى

الرأى الرسمى الدعائى .. والرأى الحقيقى.

 

الدول والأحزاب ـ وربما كل الكيانات النشطة فى المجتمع ـ تكون واقعة تحت ضغوط تجبرها على إظهار رأى رسمى تجاه المسائل الهامة، فى مقابل رأى حقيقى لا تفصح عنه إلا بشكل جزئى فى بعض الأحيان . والسبب هو أن الرأى الحقيقى قد يتسبب فى أضرار كبيرة يمكن تجنبها إذا إسْتُبدِل برأى آخر رسمى ، أقل ضرراً .

– والأمثلة على ذلك لا تكاد تحصى . وهى أوضح فى الكيانات الضعيفة التى تعمل وسط كيانات أقوى وأكبر ، لها مصالح مختلفة أو متعارضة مع الكيان الضعيف .

كأن تكون حركة معارضة تعيش فى المنفى فى دولة تتيح لها قدراً من الحرية وتفرض عليها كمية من الضغوط . قد تقبل بها حركة المعارضة ، إذا لم تمتلك بدائل أفضل ، أو كان التصدى العلنى لذلك التعارض فى المصالح سوف يكلف أنصارها أثماناً باهظة قد تصل الى تدمير حياتهم، خاصة إذا كانوا فى حالة هجرة واسعة.

وسائل  الإفصاح عن المواقف :

حركة المعارضة (أو الدولة) تعلن مواقفها الرسمية عبر وسائل الإعلام التابعة لها وبواسطة موظفيها الرسميين . وهى ترفض أن يحاسبها أحد على غير مواقفها الرسمية المعلنة ، وتعتبر أى رأى آخر مكذوب وغير معترف به .

أما الرأى الحقيقي لحركة المعارضة (أو الدولة ) فقليلا ما يتطابق مع رأيها الرسمى . ولكن التعبير عنه له مسارات أخرى مختلفة . أشهرها قنوات الإعلام الخارجي ـ أو الكُتَّاب الأجانب ـ أوعبر قنوات إعلامية لدولة صديقة .

وفى كل تلك الحالات تمتلك حركة المعارضة (أو الدولة)الحرية فى إنكار كل ما لا يناسبها نشره بين جمهورها، والقول بأنه خطأ فى الفهم ، أو غير صحيح أو مدسوس عليها ، أو حتى مؤامرة إعلامية . وتصر على أن الروايات الرسمية للأحداث هى الحقائق الوحيدة .

المصداقية شئ آخر :

يخوض المجاهدون دوما حربا غير متكافئة مع أعدائهم ، خاصة فى ميدان الإعلام الذى يمتلك العدو فيه تفوقا ماديا لا يمكن إدراكة . الوسيلة الوحيدة لمواجهته والتفوق عليه هى إلتزام الإعلام الجهادى بالمصداقية . وهى العنصر الذى يستحيل على العدو الحصول عليه، رغم أنه أحيانا قد يفرج عن بعض الحقائق . ولكن منهجه الإعلامى يعتمد تماما على الأكاذيب . لهذا يضع العدو إعلام  المعركة تحت سلطة الجيش، ويُخْضِع له جميع الإعلام الداخلى والخارجى . وفى حال تمتع الإعلام الجهادى بالمصداقية فإنه يكسب الرأى العام المحلى وثقة الإعلام الخارجى، حتى ولو لم ينشر رسائله. فإذا خسر الإعلام الجهادى مصداقيته فإن المجاهدين يخسرون جزءا هاما من معركتهم . من أسباب فقدان المصداقية ليس فقط ترديد الأكاذيب والمبالغات، بل أيضا الإفراط فى العواطف بدون تثقيف  وتوعية صحيحة للجمهور ومواجهته بالحقائق، وتوضيح التحديات والإشارة إلى سبل مواجهتها. أو المبالغة فى الصبغة الحزبية(عبادة الحزب)وعبادة الفرد(الزعيم)، وعدم القبول بالنقد أو الإعتراف بالخطأ ، أوالإستكبار عن ممارسة النقد الذاتى والإعلان عن تصحيح الممارسات الخاطئة أو المسارات التى ثبت فشلها.أو الدخول فى معارك سياسية أو عقائدية لا تفيد قضية الجهاد ، أو أنها مفروضة عليه بحكم التحالفات الخارجية ومتطلبات التمويل.

موقف الجمهور من الإعلام “الرسمى” الدعائى، والإعلام”الحقيقى” :

الجمهور الموالى لحركة المعارضة (أو للدولة) هو المستهدف الأساسى من الروايات الرسمية للمواقف والأحداث . بغرض الحفاظ على ولائه وإخلاصة ودعمه للحزب أو الجماعة المعارضة (أو للدولة صاحبة الشأن). كما أن الرأى الرسمى (الإعلام)، له أجهزته وموظفوه وهم درجات . درجة عليا تبتكر الأكاذيب وتوظفها فى حرب نفسية مؤذية للخصم. وجزء متدنى المستوى من الأجهزة والموظفين مهمتهم الترويج والترديد والدفاع بالباطل .

وحديثاً أطلقوا على هؤلاء لقب (الذباب) الألكترونى.أقلهم من الهواة وأكثرهم ذباب مأجور .

– قطاع قليل جدا من الناس يهتم بالمواقف (الحقيقية) رغم صعوبة الحصول عليها. ولكن بعد البحث والفحص يمكن العثورعلى مصادر تسريب حقائق التنظيم أو الدولة. (التسريب إما أن تقوم به الجهة صاحبة العلاقة ، أو تقوم به جهة أو جهات معادية لها بغرض التشهير والإحراج  لهذا يكون مخلوطاً بقدر لا بأس به من الأكاذيب والحقائق الناقصة بهدف الإساءة إلى الطرف الآخر والإضرار بمصالحة) لهذا فالعثور على الحقيقة الصافية هو أمر عسير للغاية وقد يكون خطيراً للغاية . وعلى عكس المتوقع فإن الباحث عن الحقيقة يكون هو المدان من الأغلبية الساذجة، ومن أصحاب النفوذ السياسي والمالي .

لماذا البحث عن الحقيقة ؟

البحث عن الحقيقة إما أن يكون مرض فى حد ذاته لدى أقلية من الناس .

ـ أو أنه أمر ضرورى من أجل إستكشاف الطريق الصحيح لمسيرة الحركة أو الحزب أو الجماعة (أو الدولة). فتلك كيانات تتعلق بها مصائر كبرى لشعوب ، ولا تقبل الإعتماد على الأكاذيب والمغالطات الفجة التى هى عماد الإعلام الرسمى.

التمييز بين الدعاية “الرسمية” وبين”الحقائق” :

من وسائل التمييز بين بروباجندا (الدعاية) الرسمية وبين الحقائق :

1 ـ مقارنة الأقوال الدعائية بالوقائع على الأرض . مع العلم أن الكيانات المذكورة قد تغطى أكاذيبها بشئ من الحقيقة للتضليل  كأن تعمل حكومة ما، على إقتلاع الإسلام من بلادها ، وفى نفس الوقت تقوم بإعمال تظهر وكأنها خدمة للدين ، حتى لا يتكتشف الجمهور الخديعة إلا بعد فوات الأوان. ولدينا الأمثلة الشهيرة من تركيا إلى مصر والسعودية وباكستان وغيرهم.

2ـ معرفة ثوابت العلاقات بين الدول فى الإقتصاد والسياسة والعمق التاريخى(الصحيح وليس المزور) . ومقارنة المواقف المعلنة بالحقائق الثابتة ، مع ترجيح الثوابت إلى أن يظهر العكس. لإحتمال تغيير المواقف مع تغير المصالح . فالسياسة تعترف بالمصالح أولا وقبل كل شئ. والمصالح تتغير وليست ثابتة .

3 ـ معرفة وجهة مصالح تلك الكيانات (أحزاب ـ جماعات ـ دول). وأى تصريحات تناقض تلك المصالح الواضحة ، يمكن إعتبارها من الدعايات “الرسمية” وليست من الحقائق .

4 ـ معرفة مقدار التأثير الخارجى على السياسة الداخلية أو المحلية . ولمَنْ هذا التأثير الخارجى ومداه ، ومصدره إن كان إقليميا أو دولياً. فليس هناك كيان فى العالم قادر على فعل كل ما يريد، أوتحقيق كل برامجه فى مدى زمنى يناسبه هو فقط . فكل كيان له قدر من المحدودية ، ومقدار من الحرية يعتمد أساساً على قواه الذاتية ، ويعتمد ثانيا على قوة تحالفاته فى الداخل وفى الدوائر المحيطة به .

فمن أجل الحصول على القوة فى إتخاذ القرار المستقل ، لابد من تجميع قوى كافية فى مجالات عديدة . فالمسألة أكبر من مجرد قرار شخصى أو داخل المجموعة صاحبة القرار . رغم أن القرار الشجاع المتبصر له دور كبير فى تغيير التاريخ .

إنهم يحبون طالبان .. وهذا هو الدليل :

حاولت تطبيق تلك القواعد عند الحديث عن موقف جماعة عربية جهادية من الإنسحاب الأمريكى من أفغانستان .

ــ فقلت أن الجماعة ليست مُرَحِّبَة ولا سعيدة بالإنسحاب . وذلك بناءً على ما فهمته من كتابة مصدر مقرب من الجماعة، ولكنه لا يعبر عنها رسميا . واعتبرت ذلك المصدر أحد منافذ تسريب شئ من الحقيقة من بين ركام “البروباجندا” الحزبية، التى تناقض ثوابت لا يمكن تجاهلها، ومن تلك الثوابت:

ــ أن جبهة حلفاء التنظيم المذكور ومؤسسيه هم ـ بالإعترافات المعلنة : الولايات المتحدة ـ تركياـ مشيخات النفط خاصة قطر والإمارات ، ثم إسرائيل مهندس اللعبة قبل أن تبدأ مع الربيع العربى. ومن تلك الجبهة يستمد التنظيم كل شئ (من الإبرة إلى الصاروخ). نفس تلك الجبهة بأكملها تقاتل ضد حركة طالبان وشعب أفغانستان منذ 20عاما (18عاما فقط بالنسبة لتركيا) .

ورغم إنسحاب أمريكا الشكلى فتلك الجبهة نفسها ترتب صفوفها لإعادة الكّرَّة فى جولة حرب جديدة مع نشاط عسكرى أكبر لباكستان وتركيا . وتسعى أمريكا إلى تحريك دول من آسيا الوسطى ، وجذب روسيا من جديد إلى المحرقة الأفغانية .

فكيف يمكن أن نتصور أن موقف تلك الجماعة / من المحبة والصداقة لحركة طالبان /هو موقف حقيقى؟. ولكن ما سبب إتخاذهم لهذا الموقف المزدوج؟. يمكن القول أنها الرغبة فى الإستفادة من السمعة الطيبة لحركة طالبان، للتغطية على أخطاء وجرائم كثيرة إرتكبها التنظيم المذكور. وأنها أيضا مراعاة للجمهور الكبير المحب للأفغان والسعيد بإنتصاراتهم.

مرة أخرى أقول : الصياح المرتفع بلا حدود .. وإطلاق الأكاذيب بلا رادع ، وتكرارها بلا كلل أوملل.. وإنكار الحقائق الثابتة بلا حياء أو خجل ، كل ذلك لا يمكن أن يُحَوِّل الأكاذيب إلى حقائق. وسوف تفشل كما فشلت قديما أساليب السحرة فى تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب .

(أما الزَبَدُ فيذهب جُفاءً) .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري  
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الرأى الرسمى الدعائى .. والرأى الحقيقى




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 34

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 34

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 185 | ذوالقعدة 1442 ھ – يونيو 2021 م.   

27-06-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 34 )

بداية المفاجآت التكتيكية المذهلة، التي أدت إلى فتح خوست.

 

 

(( وجود حقاني وسط المجاهدين في مكان بالغ الخطورة في الخط الأول أشعرهم بالذنب لأنهم استدرجوه إلى ذلك الموضع بلا ضرورة، والآن قائدهم وعالمهم معهم تحت قصف لايرحم بكل أنواع الأسلحة والطائرات حتى يستعيدوا تلك الجبال. وهو يصيح فيهم غاضبًا (لا تراجع في هذه المعركة ولا تنازل عن أي موقع نفتحه). فاستمات الجميع وقاتلوا بفدائية مطلقة.)

– طلب حقاني من البدو مواصلة العمل والاستيلاء على المواقع وعدم إطلاق النارإلا عند التأكد من الهدف.

– عندما تدخل الطيران لإحباط الهجوم على “فارم باغ”  أصاب مواقع العدوّ، فعجل ذلك في انهيار مقاومته، حيث أن الضرب الجوي طال أعماقا لم يكن قد وصلها هجوم المجاهدين.

– مع سقوط فارم باغ أدرك العدو أن ما يحدث هو أخطر من مجرد هجوم ثانوي. ولكن الوقت كان فات ولم يعد ممكنا تفادي الكارثة.

– أبطال المفاجأة الساحقة كان الأخوان (خليل وإبراهيم ) شقيقًا جلال الدين حقاني. فَهُما أصحاب مبادرة الهجوم والاستيلاء على “فارم باغ”.

– “عملية الهروب الكبير”من أخطر العمليات التي نفذها البدو ـ كصفقة تجارية مع ضباط ميليشيا فارون ـ ولكنها أعطت تأثيرًا مدمرًا على نفسيات العدو.

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

استعاد المجاهدون سلسلة جبال ماليزي بعد معركة غير عادية (إذا أردنا تفادي وصفها بالجنونية). فوجود حقاني وسط المجاهدين في مكان بالغ الخطورة في الخط الأول أشعرهم بالذنب لأنهم استدرجوه إلى ذلك الموضع بلا ضرورة، إذ أنهم استولوا على الموقع بسهولة عند الفجر. والآن ظهر قائدهم وعالمهم معهم تحت قصف لا يرحم بكل أنواع الأسلحة والطائرات حتى يستعيدوا تلك الجبال. وهو يصيح فيهم غاضبًا ( لاتراجع في هذه المعركة ولا تنازل عن أي موقع نفتحه). استمات الجميع وقاتلوا بفدائية مطلقة. وبالفعل لم يكن أحدًا منهم يقبل بأقل من الموت في سبيل استرجاع تلك الجبال. كانت روح جديدة تنبعث في خوست بعد أن ظن الجميع أن تلك الروحانيات الجهادية قد رحلت إلى غير رجعة، بعدما تزايدت الانحرافات والشوائب. سنرى ماذا فعل مجاهدو ماليزي وإخوانهم في سائر المواقع التي فتحوها، وقد نفذت ذخائرهم، وحقاني قد نفذت مخزوناته ولم يتبق لديه شيء.

 نعود إلى ذلك الموقف الرهيب في ماليزي. وحقاني نفسه في المقدمة معتبراً إياها معركة حياة أو موت. ولم يكن أحد من المجاهدين حتى هذه اللحظة يعلم سر حقاني الكبير في ذلك الوقت وهو أن معركة خوست قد بدأت بالفعل من ماليزي. وكان الجميع يظنون أنها ستبدأ في وقت ما من غرب تورغار. السر الآخر الذي لم يكشفه حقاني لأحد من أقرب رجاله، وهو أن مالديه من ذخائر لايكاد يكفي لمعركة محدودة بالخط الأول من الجبهة، وليس لمدينة وامتداداتها المترامية وحاميتها وميليشياتها المتخمة بالسلاح والذخائر.

ضغطوا على أعصابه قائلين أن السوفييت سيقصفون خوست بالقنابل الذرية إن هو استولى عليها وكانت إجابته ( سوف نتوكل على الله ونفتح خوست). وعندما وجد مخازنه لايوجد بها ما يكفي لمعركة كبيرة، كان تعليقه ( سنمضي إلى الفتح متوكلين على الله).

ملاحظة غريبة عن سلاح الإمداد لدى حقاني، وأنه كان يخصص له أكثر رجاله علما وتقوى وزهدا. معتمدا على المدد الغيبي وبركة الرجال المخلصين. كان ذلك هوالحال منذ عرفت حقاني عام 1979 وكان قائد الإمدادات عنده هو مولوي أحمد جول ) شهيد معركة ليجاه 1985. وفي معركة خوست كان يشرف على الإمداد من المخازن إلى المشتريات الشاب العابد الناسك مولوي سيف الرحمن. ومعه عدد محدود من الزهاد العلماء.

 

 

الثلاثاء 2 رمضان 1411ـ (18مارس1991):

عند الفجر تحركت جماعة الكوتشي مرة أخرى صوب قمم جبال ماليزي.

كان الضباب كثيفًا للغاية والمطر يهطل برفق. وصلوا بالفعل إلى القمة ومن هناك اتصلوا بحقاني: نحن الآن قرب قمة الجبل.. نرى أشباحاً تتحرك، ولا ندري هل هم من إخواننا أم من عسكر الحكومة ؟؟ .. هل نواصل ؟؟.

طلب منهم حقاني مواصلة العمل والاستيلاء على المواقع وعدم إطلاق النارإلا عند التأكد من الهدف.

عندما بدأ عساكر الحكومة في الفرار من الجبهة الأخرى من الجبل انكشفت هويتهم فأطلق البدو النار عليهم من الخلف .

قبل الظهر انقشع الضباب وأصبحت الرؤية ممكنة . فتمكن العدو من تصويب رشاشاته الثقيلة ونيران دبابة من حصن باشيم (بمعنى جاهزون) ، على جبل ماليزي من الخلف، وعلى الطريق الواصل إليه.

اكتشف البدو أن “باشيم” قادر على شل حركتهم فاتصلوا بالقيادة قائلين: “إن الاستمرار فوق ماليزي مستحيل بدون الاستيلاء على باشيم” .

وقد كان …

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

الأربعاء 3 رمضان ـ (19 مارس 1991):

قام البدو بدعم من دبابات كتيبة العمري بالهجوم على “باشيم” والاستيلاء عليها بسهولة.

وقد كان موقعا أرضيا في منطقة زراعية ومكونا من منازل ريفية مدعومة بالخنادق ورشاشات ثقيلة ودبابة أو إثنين.

كان “باشيم” يهدد أيضا الطريق بين “ماليزي ” و”لاكان” بواسطة الدبابة التي كانت ترى جزء ضيقاً من الطريق عبر فرجة بين هضبتين . وقد تمكنت الدبابة من تدمير سيارة ( بيك اب ) للمجاهدين .

وبث العدو ـ أو المتعاونون معه ـ عدة ألغام مضادة للدبابات في نفس المكان فدمروا شاحنة للمجاهدين ، وتسببوا في إرباك المرور على ذلك الطريق لعدة أيام . وكان ذلك قبل العمليات بفترة قصيرة .

 

الدبابات في المعركة :

– منذ الإستيلاء على “باشيم ” بدأت المبادرات التكتيكية الذكية والمقدامة  تحدد مسار العمليات العسكرية وتحقق النصر النهائي في المعركة .

فما حدث بعد الاستيلاء على ماليزي لم يكن متطابقا مع تخطيط مسبق، بل كان عماده الاستخدام الجريء والمبدع للدبابات بقيادة الأخوين خليل وإبراهيم أشقاء حقاني. كان تحت تصرفهما ثمان دبابات هم كل ما يمتلكه حقاني . أرسلا منها اثنتان لدعم هجوم لكتيبة سلمان الفارسي “5 رمضان” فشل الهجوم وتحطمت الدبابتان.

استمر العمل بالدبابات الست المتبقية في مواجهة أربعين دبابة للعدو ـ وكان العدد المتوقع لدبابات العدو أقل من ذلك بكثير، وقد استبعد المجاهدون ذلك الرقم “أربعون” وكان معلوما لديهم منذ مدة  طويلة، ولكن الأداء الضعيف لدبابات العدو ، واقتصارها على الدفاع معظم الوقت ، واحتفاظ العدو بأفضل دباباته ـ حوالي نصف العدد ـ كمخزون استراتيجي بعيدا عن مواقع الاشتباكات . كل ذلك أوهم المجاهدين بأن الدبابات الصالحة للعمل لدى العدو هي عشرين دبابة أو أقل .

على كل حال كان استخدام العدو للدبابات يفتقر إلى الشجاعة والإبداع فكان أداء دبابات المجاهدين على قلتها أفضل كثيرا وأكبر فعالية من دبابات العدو الأربعين، وكان لها رهبة كبيرة في نفوس العدو .

فاستدعى العدو من كابول أطقماً لمكافحة الدبابات مزودة بصواريخ سلكية حديثة. نجحت تلك الأطقم في تدمير دبابتين لكتيبة سلمان الفارسي في هجومها الفاشل.

وبعد ذلك لم يظهر لتلك الأطقم أي تأثير في إصابة دبابات المجاهدين .

– تطور آخر في استخدام العدو للدبابات ظهر عندما اضطر إلى سحب قواته إلى ماوراء نهر شمل، وحشد العدد الأكبر من الدبابات على حافة النهر لمنع المجاهدين من عبوره ـ وكان فيضان النهر في ذروته.

وركزت دبابات العدو نيرانها على دبابات المجاهدين. فتكثف استخدامهم للذخائر بشكل كبير، حتى حدث عندهم عجز في الذخائر ـ فطلبوا المدد السريع من كابول .

 

من الثغرة .. البدو يخدعوننا :

–  سقوط “ماليزي ” ثم “باشيم” فتح ثغرة خطيرة في خط دفاع العدو وتحديدا في المفصل ما بين الجبهة الجنوبية والجبهة الشرقية .

حدث ذلك في وقت مبكر من بداية المعركة. وقد أثر ذلك سلباً على مستوى العمليات ثم على المستوى النفسي، وهو الأهم .

–  من تلك الثغرة قام عدد من الكوتشي بالتسلل عميقا حتى حدود المطار الجديد ، في غارات غاية في الجرأة ، أشاعت جوا من اليأس والانكشاف في صفوف العدو .

وفي أحد الليالي اتصلوا بنا لاسلكيا طالبين وقف رمايتنا على “المطارالجديد” لأنهم قد استولوا عليه بالفعل !!.

أثار ذلك دهشتنا الشديدة، وكرر السؤال مرارا حاجي إبراهيم ـ المترحم والمساعد في مشروع المطار ـ فأكدوا له أنهم استولوا على المطار، فأوقفنا الرماية بالفعل إلى قرب الفجر ولكن لاحظنا أن هناك طائرات تستخدم المطار. فاتصلنا بالكوتشي فقالوا إنهم تركوا المطار والآن يمكننا قصفه.

تعجبنا لتلك القصة وتحرينا عنها بعد فتح المدينة، فقال لنا البدو إنهم كانوا في عملية تسلل قرب المطار واستشهد لهم شخص هناك وفاوضوا العدو على سحبه، فقبل بشرط أن يطلبوا منا وقف قصف المطار لفترة محدودة. وبالفعل خدعونا بتلك الطريقة حتى سحبوا شهيدهم، واستخدمت عدة طائرات أرض المطار!!.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

البدو ..في عملية الهروب الكبير :

–  ليس ذلك هو الحدث الأهم، بل إن “عملية الهروب الكبير ” كانت من أخطر العمليات التي نفذها البدو ـ كصفقة تجارية مع ضباط ميليشيا فارون ـ ولكنها أعطت تأثيرا مدمرا على نفسيات العدو، بما أدى إلى استسلام مواقع حكومية هامة جدا مثل جبل كوكاراك ثم موقع ” أليسار” وبالتالي موقع جاجي ميدان على الحدود الباكستانية.

وكان ذلك أكبر دعم تلقته عمليتنا “المطار الجديد” حيث كانت لنا راجمتان قريبتان جدا من جبل كوكاراك وموقع “أليسار”. كان ذلك موضعا إجباريا بالنسبة لنا ـ وكثيرة هي الأوضاع الإجبارية التي كنا مرغمين على قبولها في تلك العملية ـ كان علينا القبول بالعديد من المجازفات الخطيرة حتى نتمكن من العمل ضد ذلك المطار الجديد من داخل “الجبهة الشرقية” التي وصفنا أحوالها.

–  قص لي القائد “جولاب” بعد فتح خوست قصة تلك المغامرة . فقال بأن ضباط الميليشيا الذين فروا إلى ميرانشاه بعد المحاولة الفاشلة “لبيع” الخط الدفاعي الجنوبي، اتفقوا مع مجموعتين من البدوعلى تهريب عائلاتهم من خوست إلى ميرانشاه لقاء جائزة مالية كبيرة. اشترك في الصفقة مع “جولاب ” القائد البدوي الآخر “أورانج” .

لم يكن من السهل فإخراج عدة مئات من النساء والأطفال والشيوخ من بين مواقع عسكرية مكدسة ومتلاصقة، وحقول ألغام ربما كانت الأشد كثافة في كل البلاد.

بدأت العملية في اليوم الثاني من المعارك، وكان جولاب وجماعته مشغولون في الهجوم على ماليزي . فتعثر برنامج الهروب في ذلك اليوم، وتشتت الهاربون في الحقول والأراضي الجرداء المهجورة، وتعرضوا لما يشبه الضربات التحذيرية من المدفعية والطيران .

وفي اليوم الثالث للمعارك ـ وكانت جماعة جولاب مشغولة أيضا في فتح موقع “باشيم ” ، توسعت عملية الهروب وزاد عدد المشاركين فيها ، فلم تعد تشمل عائلات ضباط الميليشيا فقط ، بل انضمت إليها “الجماهير” من سكان خوست فأصبح الهاربون بالآلاف .

وزادت “الضربات التحذيرية” فتشتت هؤلاء الهاربون بشكل مأساوي في اتجاه الشرق والجنوب الشرقي . وكنا نتابع المنظر من موقع ترصدنا في الشرق ـ في منطقة خرمتوـ وكنا نهلل ونكبر ، تماما كما فعلت كل الذين تابعوا هذا “الانهيارالكبير” في جبهة العدو .

ظننت وقتها أن معركة خوست على وشك الانتهاء. ويبدو أن ضباط العدو في جبل “كوكاراك” توصلوا إلى نفس النتيجة فلم يلبث أن سلموا مواقعهم “لمجاهدي ” المنطقة  ذلك الجبل كان أشد تحصينا من “تورغار” الرهيب بسبب وجود مجموعة من التباب أمامه وخلفه، جميعها محصنة ومحمية بالجنود والألغام . فكان اقتحام ذلك كله معضلة عويصة. خاصة وأن الموقع لم يتعرض للاستنزاف كما حدث لتورغار في الجنوب.

لم نكن وقتها قد بدأنا العمل ضد المطار الجديد نظرا لتوقف الحركة في المطار بسبب الأمطار والضباب . كنت أخشى كثيرًا من هاونات كوكاراك عندما تتدخل ضد راجماتنا التي كانت قريبة من الجبل بدرجة خطيرة ويسهل على العدو تحديد مواقعنا أثناء العمل الليلي ولديه من الهاونات ما يكفي لجعل حياتنا قطعة من الجحيم .

وقبل استسلام الجبل، استعرض العدو قوته أمامنا أثناء النهار، فكانت هاوناته الثقيلة مصدر خطورة كبيرة على مواقعنا، والوضع ليلا سيكون أسوأ بلا شك.

ولكن الله سلم، وعندما بدأنا العمل الفعلي ضد المطار لم يكن هناك كوكاراك، فكانت معجزة حقيقية أبعد من كل تصور.

ولم يلبث موقع “أليسار” أن استسلم بعد ذلك بثلاثة أيام. وكان عبارة عن هضبة مليئة بالخنادق، تحرسها دبابة متخندقة، وعلى قمة الهضبة موقع حصين لمدفع شلكا مضاد للطائرات ومجموعة من الهاونات، أما الألغام فكانت جنونا حقيقيا، فالساحة الواسعة حول الموقع مليئة بالألغام والشراك الخداعية وقذائف المدفعية المفخخة والأسلاك الشائكة . وجثث لحيوانات عديدة من أبقار وأغنام وحمير قد مزقتها الألغام فأضفت على المكان مسحة جنائزية مرعبة، خاصة  مع النباتات والأشواك البرية الكثيفة التي كست المكان.

عملية الهروب استمرت حوالي ثلاثة أيام متتابعة، ينجح البعض ويتعثر آخرون  ولكنها أعطت التأثير المدمر على نفسية جيش العدو.

كان توقيت عملية الهروب الكبير غير مرتبط بتوقيت العمليات بل كان متفقا عليه سلفاً قبل أن يعلم المنفذون (جولاب ـ أورانج ) بتاريخ بدء العمليات، الذي لم يكشفه حقاني لأحد سوى في الساعات الأخيرة.

في الفترة التي كان قائد موقع أليسار يرفض التسليم للمجاهدين رغم استسلام كوكاراك  الأضخم والأقوى ـ طلبت من صديقنا “يحي المصري” أن يشتبك معهم بالهاون والمدفع عديم الارتياد، مع التركيز على الدبابة التي كانت نشطة واستفزازية. وبالتأكيد شعر قائد الموقع بضعف خطنا الأول، وبتفاهم ” المجاهدين” معه، فخشيت أن يحدث تواطؤ علينا، ولم يكن خطنا الأول يطلق طلقة واحدة على العدو.

نجح يحيى ببراعته في إزعاج أليسار حتى أن الدبابة فرت من الموقع وتراجعت إلى الخلف لتصبح أبعد من مدى أسلحة “يحيى” . لاحظنا أن الدبابة مرتبكة ولا تدري ماذا تفعل . توقعت أن تكون القيادة نفسها مرتبكة وليس لديها خطة لمواجهة الموقف، وأن القيادة في خوست ليس لديها القدرة على التدخل لمنع انهيار الجبهة الشرقية .

واصلنا الضغط على “إليسار” بواسطة “يحيى المصري” وأسلحته العجيبة وعاونه بعض الشباب في إظهار قوتنا ، ليس فقط ضد أليسار بل ضد موقع آخر في مواجهتنا من ناحية الغرب وهو موقع “أيوب خيل” وكان به دبابتان للعدو، مع قوة لا بأس بها من الجنود والهاونات.

كان يحيى وجماعته يتنقلون، جريا ، من موقع إلى آخر لضرب أليسار وأيوب خيل حتى ظهر للعدو أن قوتنا كبيرة بأكثر من حجمها الواقعي بكثير.

اقتنع قائد موقع أليسار أن لافائدة من المماطلة فبدأ جديا في مفاوضات التسليم مع مجموعات المنطقة، وبدأوا في تطهير ممرات في حقول الألغام حول أليسار.

كانت غنائم مجموعات المنطقة هائلة من الذخائر والأسلحة، ورغم أن مجاهدي منطقتنا لم يقاتلوا ولم يخطر في بالهم أن يفعلوا ذلك، إلا أن الغنائم التي سقطت بين أيديهم بدون قصد كانت كثيرة جداً.

وهذا يتماشى مع القاعدة التي أشرنا إليها سابقا من أن “المتربصين ” كانوا أوفر حظا من المجاهدين، ونصيبهم من الغنائم دائما أكبر مهما كانت نتيجة المعركة وأيا كان المنتصر.

 

الخميس  4 رمضان ـ 20 مارس 1990 :

من باشيم” كانت المفاجأة وبداية الانتصار:

استيلاء المجاهدين على باشيم كان بداية سلسلة من المفاجآت التكتيكية المذهلة ، أدت في النهاية إلى فتح خوست .

أول وأهم تلك المفاجآت كان التقدم من “باشيم” صوب”فارم باغ” والاستيلاء عليها.

“فارم باغ” منطقة زراعية كثيفة الأشجار تحتوي على قاعدة عسكرية إدارية كبيرة بها احتياطي الدبابات الخاص بالمنطقة الجنوبية كلها .

لم يتصور أحد أن يسقط ذلك الموقع الهام بتلك السهولة الكبيرة . والسبب في ذلك عنصران:

الأول: عنصر المباغته ، الذي نفذه المجاهدون بشكل مثالي.

الثاني : حالة الانهيار المعنوي والاضطراب التي أشاعتها عملية “الهروب الكبير” التي تحدثنا عنها سابقا.

 

من ناحية المفاجأة :

–  غير المجاهدون أسلوبهم في العمل فجأه .

فبدلا من أسلوب القضمات المتتابعة التي تفصلها فترات زمنية طويلة نسبيا ، حسب حجم الهدف ، نراهم الآن يتبعون أسلوب الهجوم المتواصل بدون فاصل زمني .

 اليوم الأول أخذوا ماليزي ـ واليوم الثاني أعادوا الاستيلاء عليها من الحكومة . ثم في اليوم الثالث يستولون على “باشيم ” . وهاهم في اليوم الرابع يهاجمون بشكل غير متوقع هدفا يحسب له ألف حساب ، يهاجمون أكبر قاعدة جنوب نهر شمل.

–  لم يتم قبلا أن هاجم المجاهدون هدفا كبيرا بهذا الحجم ، بدون تمهيد مدفعي، ولكنهم فعلوا ذلك هذه المرة.

–  لم يهاجم المجاهدون في التوقيتات المعتادة وهي إما فجراً، للاستفادة من ضوء الفجر في نزع الألغام ـ أو قبل الغروب لتفادي ضربات الطيران . وبدلا عن ذلك هاجموا ضحى، رغم أن الطيران كان في حالة هيجان هستيري غير مسبوقة طوال معارك خوست القديم منها والحديث.

و عندما تدخل الطيران لإحباط ذلك الهجوم على “فارم باغ”  أصاب مواقع العدو نفسه، فعجل ذلك في انهيار مقاومته حيث أن الضرب الجوي طال أعماقا لم يكن قد وصلها هجوم المجاهدين.

فعندما تحرك الطيران كان المجاهدون قد لامسوا الخط الأول للعدو واخترقوه ، فكان مستحيلا بالنسبة للطيران أن يميز بين قواته وقوات المجاهدين .

استخدم العدو القنابل العنقودية، وغطى كل باشيم وفارم باغ ، بالطبع شمل ذلك قواته نفسها ، والأدهى أنه ركز قنابله الثقيلة حتى الفسفوري منها على هضبة عالية وحيدة في فارم باغ ، كان واضحا أن لها دوراً رئيسيا في الاتصالات والسيطرة ـ وظل مركزا مجهوده على تلك الهضبة سائر اليوم.

لا ندري السبب، ربما كانت تحتوي على معدات هامة يخشى العدو من وقوعها في أيدي المجاهدين ، ولكن الواضح أنه بذلك العمل قد قصم ظهر الدفاع عن فارم باغ التي غادرتها قواته بسرعة بدون أي مقاومة تذكر.

وكنا نتابع تلك التطورات من موقع ترصدنا في “خرمتو ” ونتابع الاتصالات اللاسلكية للمجاهدين وأحيانا للعدو.

–  ساعد على تحقيق المفاجأة اكتشاف المجاهدين “لمدق ترابي” يربط ” باشيم” مع “فارم باغ”  كان ذلك طريقا للإمداد. لذا لم يكن ملغوما أو بالأحرى لم يكن العدو قد لغمه بعد . وربما كان يستعد لاستخدامه لأجل استرداد “باشيم ” في هجوم مضاد كان قيد التجهيز ولم يفرغ بعد من الحشد له.

فحتى هذه اللحظة كان العدو ينتظر الهجوم الرئيسي من الطرف الشرقي لجبل تورغار . حيث حشود المجاهدين علي حالها وكان يظن أن كل ما يحدث في ( ماليزي ـ باشيم ـ فارم باغ ) مجرد هجوم ثانوي لتشتيت انتباهه .

ولكنه مع سقوط فارم باغ أدرك أن ما يحدث هو أخطر من مجرد هجوم ثانوي.

ولكن الوقت كان فات ولم يعد ممكنا تفادي الكارثة لأن فارم باغ يمر منها طريق ترابي خلفي يربطها بكل خط الدفاع الجنوبي الواقع على الجبال . ذلك الطريق كان يستخدم لتمرير الإمدادات بأنوعها وتقديم الدعم لأي موقع عند الضرورة.

 اكتشف المجاهدون ذلك الطريق التراتي “المدق” واستخدموه على الفور لتطويق خط الدفاع الجنوبي للعدو والهجوم من الخلف على مواقعه المنيعة ، وعبر مسالك ومدقات أمنه وغير ملغومة .

اكتشاف تلك المدقات والاستفادة السريعة والجسورة منها كان أروع المفاجآت التكتيكية في كل المعركة .

–  بقي أن نقول أن أبطال تلك المفاجآت الساحقة كان الأخوان (خليل وإبراهيم ) شقيقا جلال الدين حقاني فهم أصحاب تلك المبادرة .

فبعد إسنادهما للهجوم على باشيم بواسطة دبابتين ” كانتا تحت أمرتهما. وباكتشافهما المدق الواصل بين باشيم إلى فارم باغ، تقدما عليه بنفس الدبابتين وبدعم مجموعة محدودة من المشاه فسقطت فارم باغ بسهولة أذهلتهما، حيث فرت دبابات العدو عبر نهر شمل وتبعها المشاة.

وأحرقت الطيران المنطقة كلها . ولكنه فشل في إصابة الدبابتين وأظن أن أحدا من المجاهدين لم يصب بجروح في العملية.

وسرعان ما اكتشف الأخوان أن المدق الترابي العجيب يربط فارم باغ بخط الدفاع الجنوبي كله فطلبا دعما سريعا من المشاة فاستجاب لهم شقيقهما الأكبر وبدأ في اليوم التالي تقدم جسور لتطويق دفاعات العدو وتحطيمها من الخلف .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 34

 




33 استراتيجية  للحرب (  مقدمة / نحو المعركة الفاصلة  )

33 استراتيجية  للحرب (  مقدمة / نحو المعركة الفاصلة  )

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب

(  مقدمة / نحو المعركة الفاصلة  )

نحو المعركة الفاصلة

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان .. وليس بالسلاح فقط تُدعم الحروب .. صراع العقول أحد أهم المعارك التي يجب الإعداد لها على أرقى مستوى .. من يمتلك فيها القدرة على رؤية الصورة الكاملة وتحديد مكوناتها الأساسية والفرعية ومن ثم العمل على إعادة تفكيكها .. يمكنه أن يفسح المجال أمام مكوناته لشن غارات على روابط العدو الرئيسية والحساسة لتهشيمها ومنع عودتها كجزء من الصورة مرة أخرى ..

الفرقة ضعف .. والخذلان المتبادل خيانة .. وقلة الوعي جهل أقرب للحماقة .. وبهذه الحيل شتت الأعداء القوة الإسلامية ومازالوا يفعلون .. علينا أولاً أن نوحد هدفنا كأمة ومن ثم تحديد سبل هزيمته .. ولن يتم هذا بدون دعم متبادل من مكونات الأمة ..

لا تكتمل الصورة بشكل صحيح دون النظر أيضاً للصورة المقابلة لصورة الأعداء .. لسنا وحدنا ضد العدو القابع في شمال الكوكب .. هناك كثيرون عانوا ويعانون من القهر .. والتاريخ العنصري للمستعمر الأوربي والأمريكي مليء بالقهر والغطرسة والسلب والنهب لبقية شعوب العالم .. هذا القهر يجب أن يجمع المقهورين ويحشد جهودهم لإضعاف العدو ومن ثم هزيمته ..

الثقة المتبادلة بين أبناء الأمة حجر زاوية في الصراع .. البحث عن الروابط التي تجمع الناس وتحشدهم ضد العدو واجب الوقت .. ما يجمعنا بسكان الكوكب المقهورين أكبر بكثير مما يجمع دعاة الإلحاد والإباحية والحرية الكاذبة ..

لازال الكثير من أبناء الأمة أسرى لأنظمة الحكم وعلماء الملوك والأمراء وهيئاتهم الشرعية .. لكن أيضاً كثير من الغشاوة رفعت عن أبصارهم وقريباً يتحررون .. فأين يذهبون؟ ولمن؟وماذا يفعلون؟ من يوجه؟ ومن يعد؟ ومن يدعم؟ .. هل امتلك المجاهدون مثابة يأوي إليها الراغبون في التحرر الحقيقي؟ .. ألم ترقى التجربة الجهادية وأخواتها الإسلامية بعد؟!! .. على المجاهدين أن يبذلوا الوسع للانسجام مع أمتهم ومن ثم التعاون مع الناس الراغبين فعلاً في الحلم الإنساني بالتحرر من براثن الشيطان وخدامه .. ولقد حان الوقت لنهاية الحرب الأزلية في معركة زماننا الفاصلة .. ولن يتحقق ذلك إلا بالانصهار مع مجتمعاتنا ودعوة المستضعفين في العالم للتحرر ..

لا أبالغ حينما أقول أن الحملة الحالية هي الأكثر شراسة على المسلمين وعلى البشرية كلها.. ولقد خدعت فيها الدول كما خدعت الأحزاب والتيارات الراغبة في التغيير .. حينما خضعت لتقسيمات العدو وانقادت لها .. فرضيت بتقسيماته الجغرافية والقبلية وحتى الدينية والمذهبية .. كما نجح العدو الشيطاني بتقسيم الحرب إلى سلسلة من المراحل خاض معاركه فيها وقد حيد دعم الأجزاء التي قسمها لبعضها البعض وانفرد بكل جزء ليعيد تشكيله بما يخدم مصالحه.. ثم يتابع مع بقية الأجزاء لاحقاً قبل أن تنضج وتفهم حقيقة ما حدث؟! …. وهكذا تكرر تأكيد صحة القول المأثور “أُكلت يوم أكل الثور الأبيض” .. فهل نضج العالم المقهور والمستضعف بعد ليقف ويقاوم .. إنها معركة مشتركة مفروضة ويجب أن يخوضها كل المستضعفين في العالم .. إنها أشبه بحرب عصابات عالمية تدور رحاها على سطح الكوكب بكامله ضد مصالح التحالف ( الشيطاني – الصهيوصليبية ) لتتحرر الأمم والشعوب وتملك قرار الاختيار وصناعة مستقبلها دون ضغوط أو وصاية ..

بحيرا الراهب ينبه عم رسول الله صلَّ الله عليه وسلم من خطر اليهود على ابن أخيه أما ورقة بن نوفل فيبشر أمنا خديجة بنبوة زوجها ويكشف لهما عن طبيعة الصراع ويبدي لهما حرصه على نصرته ودعمه .. وكلا من بحيرا وورقة بن نوفل مسيحي .. المدقق لهذين الحدثين يجدهما صورة ناجحة للتعاون المحمود الذي ساهم بدرجة ما في نصرة الدين الوليد ..

 

في السرد الموجز التالي نموذج لما مارسه العدو في واحدة من معاركه ضد البشر:

حشد العدو ( الشيطان وحزبه ) طاقته وجهوده تحت شعارات براقة منذ اليوم الأول لبزوغ الدعوة للصد عنها؛ فقال “أتترك دين الآباء والأجداد” .. وحينما شبت الدعوة حاصرها في أحد الشعاب ثلاث سنين فلم يرتد منهم أحد .. فجمع شباب من مختلف العشائر ليقتلوا النبي صلَّ الله عليه وسلم فيتفرق دمه فلا يثأر له أحد .. فغافلهم النبي صلَّ الله عليه وسلم وهاجر إلى أنصاره .. فحشد العدو الجيوش وألبوا القبائل وشكلوا أحلاف فهزمهم الله وأظهر دينه عليهم .. وانطلق الإسلام خارج جزيرته فوجد أرضاً خصبة فامتد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وحكم العالم لأكثر من ألف عام .. ونما على حضارته وعلومه كثير من أهل العصور المظلمة ..

حينما هَزم الرعيل الأول العدو ودحروه انكمش حتى يعيد دراسة الموقف ثم يبتدع خطة جديدة وعناصر جديدة غير تلك التي انهزمت .. فتسلل إلى قلعة الإسلام كما سبق وأن تسلل إلى الجنة التي طرد منها .. فواصل التحريش والتحريض وإيقاظ الفتن وبث الدسائس ومارس الخذلان والتثبيط واجتهد في البدع والتحريف وقلعة الإسلام صامدة .. ولما نجح في التفريق بين أبنائها تصدعت أسوارها .. وحينما اشتعلت المعارك بينهم ضعف صفهم .. ولما سقط نظام الخلافة السياسي نال منهم عدوهم ومزق وحدتهم وسلبهم خيرات بلادهم ..

وواصل العدو برامجه ضد الإسلام كدين والمسلمين كأمة واجتهد في عزلهم عن بقية البشر .. فحد من انتشار الإسلام وقلص من توسعاته وحجم فتوحاته .. وابتدع فرقاً وطرقاً أسروا الدين في ظلال من صنعهم .. وحتى التيار الذي يفتخر بصحة اعتقاده عزل نفسه عن الأمة لكثرة انتقاده لعثراتها دون أن يقدم بديل حقيقي .. وأسوء ما فعله العدو هو الطابور الخامس الذي وضعه في سدة الحكم ..

ومؤخراً عمل العدو على التخلص من القيادات الدينية والسياسية والجهادية إما بالحبس أو القتل أو التهجير .. كما حشدوا قوتهم وخاضوا حرباً لا هوادة فيها ضد التيار الأكثر فتكاً وتأثيراً .. فلما لاح لهم في الأفق أوهام النصر شنوا حملتهم على التيارات الأقل خطراً “المعتدلة!!” .. ولم يفوتهم أن يحضروا لحرب الدول ( أفغانستان ) التي يمكن أن تشكل نهضة لأي روح للإسلام .. خاصة بعد أن سقطت بين أيدهم أغلب الدول الإسلامية وتسلط على المسلمين خونة من بني جلدتهم .. يكفي أن يطلب منهم اليوم حاكم واشنطن أن يحرفوا الدين أو يرسلوا الأموال أو يسجنوا الصالحين أو يقتلوا الأحرار؛ يكفي أن يطلب فيلبوا !! ..

فإن انتهوا منها فالدور قادم للقضاء على الصور المعارضة لهم من المسيحية واليهودية وهي كعقائد ونظام هشة جداً .. وإن استغل العدو المسيحية اليوم في التحريض كما استخدمها من قبل لكنها غداً ستكون غرضاً يسعون للقضاء عليه ..

ومع أوهام السيادة المطلقة يواصل ساكن البيت الأبيض ووكيل إبليس مقامرته بتهديده للعالم أجمع حتى لأقرب حلفاءه الأوروبيين .. يطالبهم جميعا بتسديد الفواتير .. كما يحاصرهم بفرض القيود أو فض المعاهدات والاتفاقات .. وللصين وروسيا حظ وافر من تهديداته ووعيده .. والحبل على الجرار .. والحقيقة أنه أحمق مُسير يسدي خدمة عظيمة لأحرار العالم .. عليهم أن يقلبوا السحر عليه ويحاصروه هم ويعادوه هم ويفشلوا مقامرته .. هذا إن كان بالعالم أنظمة حرة وانتفت عنهم النفعية والأنانية .. وإلا فالشعوب قادمة تهدر لتهدم الأنظمة وتبني نُظمها رغم فداحة التضحية .. إنها الملاحم ..

 

تحريض الخصوم وتشكيل الأحلاف .. الحصار الاقتصادي .. الحرب بالوكالة .. القصف بعيد المدى .. إشاعة الفرقة والفتن في الصف الداخلي .. شراء الذمم .. الرؤى العقيمة لأمثال “مالتوس” ومن بعده “نادي روما” .. استخدام النساء .. حصان طروادة ….الخ كلها حيل ومناورات قديمة استخدمها العدو ويعاود تكرارها بما يناسب كل عصر ..

ولقد مارس العدو نفس المخططات مع بقية شعوب وعرقيات العالم .. ماذا فعل في شرق أسيا أو جنوبها؟ .. أو في المنطقة الإسلامية من العالم من المحيط للمحيط؟ .. أو في أفريقيا السمراء ؟ .. أو حجم الإبادة في أمريكا الشمالية وأستراليا؟ أو الشرايين المستنزفة في أمريكا الجنوبية ؟ ..

في الهند مثلاً قام باستنزاف أرضها وسرقة خيراتها ومازال .. وسخر شعبها فصنع منه كتائب عسكرية تقاتل دونه .. ثم قام بتقسيمها لعدة دول ليحقق عدد من أهدافه الاستراتيجية: ومنها إيقاف المد الإسلامي لشبه القارة الهندية .. ومنها غرس العداوة بين مكوناتها على أسس طبقية ودينية .. ومنها إبقاؤها سوق توفر الخامات لدعم الصناعة الغربية .. وتحول هو إلى حكم وقاض لفض النزاعات التي أوجدها ..

صورة أخرى أقل حجماً من الدول ولكن العداء واحد والخداع واحد .. ويمكن أن يطلق عليه “جزاء سنمار”؛ ما يفعله ابني زايد وسلمان ومن قبلهما ما فعله الملك عبد الله آل سعود  وبقية الحثالة في مصر بالإخوان المسلمين والتيارات السلفية بالجزيرة التي ثبتت لعقود الأنظمة الملكية في الخليج .. ولو تمكن المجرم حفتر ضحاً في ليبيا لوأد خدامه من الجامية قبل المساء .. وليس عجيباً أو مستغرباً أن الدول التي تعاني من ضغوط العدو اليوم هي نفسها التي اصطفت بشكل ما معه في مواجهة التيارات الجهادية .. التيارات الجهادية التي قاومت العدو المشترك ( الصهيوصليبي ) لسنوات وبقيت تحول بشكل غير مباشر بين هذه الدول والعدو الغادر ..

لقد كان العدو ماهراً في ترتيب أولوياته .. ولطالما كانت الفرقة والتحزب والعنصرية شر يقود مسيرة الناس .. لقد رتب العدو صفه وضع استراتيجيته .. ولطالما سقط الناس في متاهة الوقيعة وغفلوا عن الخطر المحدق بها .. ولبيان ذلك: على مستوى الجماعات استفرد العدو بالتظيمات الجهادية ثم انفرد بالإخوان .. وعلى مستوى الثورات أجهض بعضها ورتب صراعاً داخلياً في بعضها والتف على البقية .. وعلى مستوى الدول حاربها وقسمها فبالأمس غزا العدو أفغانستان واليوم يمارس ضغوطه على تركيا وإيران وغدا سيأتي الدور على البقية التي لم تعي طبيعة الصراع وخطورته ..

لقد نبهنا الحق سبحانه وتعالى لقضية استراتيجية في الصراع مع جند الشيطان وحزبه وبين لنا أيضاً سبل المقاومة والانتصار قال تعالى:{ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {120} البقرة .. كما بين سبحانه حالهم عند القدرة فقال تعالى: { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ {8} براءة.. وأرشدنا أن دائهم يداوى بقوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ {56} فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ {57} الأنفال .. وقوله تعالى: { وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ {12} أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ {13} قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ {14} وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {15} براءة .. اليوم لا غنى لمسلم عن فقه سورتي الأنفال والتوبة ..

إبليس يقود المعركة ووضع فيها خلاصة خبرته للقضاء على الجنس البشري بتحويله إلى حيوانات همها المأكل والمشرب والجنس .. هذا ظن إبليس وأتباعه .. ولطالما كان خائب الظن .. وسيخيب ظنه اليوم أيضاً إذا انتبه جند الله لحقيقة الصراع وأحسنوا توجيه وتوحيد أمتهم وكل أمة مهددة بالخطر .. في اصطفاف تاريخي ضد قوى الشر والظلام ..

القضية أكبر بكثير من الأسماء التي تتطلع للمجد والسيادة .. ويعيشون وهم السلطة والزعامة .. فلن يكون ابني زايد وسلمان سادة أبداً فهما عبدان لعبيد الشيطان .. قريبا جداً لن يكون هذا التساؤل غريباً: متى يبدل آل سعود ألوان علم المملكة؟ .. علينا بضرب العبيد ولكن الواجب أن يكون التركيز الأكبر على عبيد الشيطان .. ولنستفد من تجربة عدونا في التقسيم والتجزئة والقتال ولنوجه طعناتنا الآن لكاهن الشيطان المتسلط على الأرض .. علينا بتركيز الضرب على الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها في كل مكان .. في هذه المرحلة يعد إسرافاً صرف شيئاً من الجهود في اتجاه آخر ..

فهل نحن اليوم مستعدون عملياً للتحالف مع أبناء أمتنا المخلصين وتحريض البقية الباقية المقهورة من أتباع الأديان السماوية وأيضاً المستضعفين في الأرض من أبناء آدم ضد الشيطان وحزبه؟..

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب ( مقدمة / نحو المعركة الفاصلة )

 




داعش فى أفغانستان .. جزء من الحرب الجديدة

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 173 ) | ذو القعدة1441هـ / يوليو 2020م .  

04-07-2020

 

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة

الولايات المتحدة لا تمنح سلاما لأحد، بل تصنع حروبا جديدة

 

الولايات المتحدة لا تمنح سلاماً لأحد، بل تمنح أنواعاً مستجدة من الحروب. إنها لا توقف حرباً أبدا، بل تستبدل حرباً بحرب ـ وغايتها من كل أنواع الحروب هو أخضاع الآخرين لأهدافها، بسرقة الثروات، ومحوالثقافات وتفريغ الدين من محتواه ـ وطمس هوية الشعوب، وإنهاء أى نزعة للإستقلال أو المقاومة.

وفى النهاية تريد أمريكا من عدوها الإستسلام التام لمشيئتها. فإن لم تخضعة بنوع من الحروب إستبدلته بأنواع أخرى إلى أن تحقق أهدافها.

ومنذ الإحتلال السوفيتى لأفغانستان، شنت الولايات المتحدة حروبها على الشعب الأفغانى، وتنقلت من أسلوب قتالى إلى أسلوب آخر.

1 ـ خلال الإحتلال السوفيتى كانت الإستراتيجية الأمريكية هى إخراج السوفييت من أفغانستان، مع مراعاة ألا ينتصر المجاهدون.

2 ـ فى فترة حكم مجددى وربانى كانت الحرب الأهلية والفوضى الداخلية تناسب كثيرا مصالح الولايات المتحدة ـ فتركت الفوضى على سجيتها وأخذت تقوى مصالحها فى أفغانستان (تدفق كثيف ورخيص للأفيون، التمهيد للشركات النفطية فى أفغانستان، خاصة خط انابيب تابى لنقل الطاقة من آسيا الوسطى إلى الهند لتجهيزها بأقتصاد أقوى ينافس الصين).

3 ـ ظهرت حركة طالبان فأربكت المشهد الأفغانى فى وجه الأمريكان. فى أهم ثلاث نقاط:

أ ـ تمكنت الإمارة من تحجيم الحرب الأهلية والسيطرة على معظم البلد.

ب ـ رفضت تمرير خط أنابيب تابى وفق الشروط الأمريكية التى تهضم حقوق الشعب الأفغانى، ورفض أمريكا تطبيق الشروط المعمول بها فى المشاريع المشابهة حول العالم.

ج ـ حظر زراعة الأفيون فى أفغانستان، وما يعنيه ذلك من خسارة مئات المليارات من الدولارات كانت تصب فى بنوك الولايات المتحدة.

د ـ فشل “تحالف الشمال” فى تحدى الإمارة الإسلامية حتى أوشك على الإنتهاء عام 2001 حين تداركته الجيوش الأمريكية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

فلم يعد أمام أمريكا أى حل آخر سوى أن تتولى إخضاع أفغانستان بقواتها المسلحة

4 ـ فى بداية حكم أوباما عام2009 تأكد الجيش الأمريكى من إستحالة الإنتصار فى حرب أفغانستان، خاصة بعد عملية “الخنجر” ضد ولاية هلمند، والتى لم تحقق أهدافها، وقد كانت السهم الأخير فى الجعبة العسكرية ألأمريكية.

خلال فترتي حكم أوباما كان بلاده ممزقة بين عجز عن الإنتصار، وبين عدم القدرة على التخلى عن موارد أفيون أفغانستان. ومشكلة أخرى واجهته ولا تقل خطورة وهى إحتياج إسرائيل إلى بقاء الجيش الأمريكى فى أفغانستان،

لأن إنسحابه منها قبل إستكمال سيطرة إسرائيل على المنطقة العربية (الشرق الأوسط !!) سوف يؤدى حتما إلى سقوط مشروعها، ويشجع شعوب المنطقة على التمرد على السيادة الإسرائيلية. فبدأت إسرائيل تتدخل بشدة فى أفغانستان، وتقاتل إلى جانب الجيش الأمريكى. وتحديدا فى مجالات الحرب الجوية والإستخبارية، وخبرات إسرائيل فى مقاومة حروب التحرير فى فلسطين ولبنان والمنطقة العربية، وفرق الموت والقوات الخاصة.

5 ـ مع بداية حكمه جاء ترامب مشبعاً بفكرة خصخصة الحرب، أى جعلها من أعمال الشركات القتالية (المرتزقة).

ومقتنعا بالفكرة الإستعمارية ” لشركة الهند الشرقية ” فى القرن الثامن عشر، والتى أخضعت الهند وأداراتها لصالح بريطانيا، وحولتها إلى مزرعة عظمى للأفيون وصدرت المحصول إلى الصين. وفى حربين عنيفتين أجبرت الإمبراطور على فتح بلاده للأفيون البريطانى القادم من الهند، واستولت على موانئ وجزر صينية لصالح بريطانيا وصالح عصابات التهريب الدوليين.

تلك التجربة الإستعمارية لبريطانيا فى الهند كانت متطاقة مع تصور ترامب لدور بلاده فى أفغانستان. ومنذ ذلك الوقت تم إعتمادها كاستراتيجية أمريكية فى أفغانستان ـ فكان معناها عسكريا هى أن حرب أمريكا فى أفغانستان هى حرب جيوش المرتزقة.

وتعتبر ” داعش” أحد العناصر الرئيسية فى (حرب المرتزقة) المطبقة حاليا فى أفغانستان ـ ولكنها ليست الوحيدة فى ذلك المجال الواسع والخطير.

 

 

داعش جزء من سياسة “عرقنة” أفغانستان:

العراق هى نموذج للتخريب الذى يعمل الإحتلال الأمريكى على تطبيقه فى أفغانستان.

فبعد حرب جهادية ناجحة، تحولت العراق إلى مستنقع للفتن من الصعب الخروج منه. ليست فقط على أساس (سنى ـ شيعى)، بل وحتى (سنى /سنى) وعلى أسس عرقية (عرب ـ أكراد ـ تركمان…). والآن يجلس الإحتلال الأمريكى بقوات محدودة من قواته وقوات الحلفاء، فى وضع مريح فى العراق، ومنها يعيث فسادا فى كامل المنطقة، بينما يتقاتل العراقيون فيما بينهم. وقيادات محلية وسياسية معظمهم يؤيد بقاء الإحتلال لخشيتة من المنافسين الآخرين، حفاظا على مكاسبه المالية التى يجنيها من التعاون مع الإحتلال ومشاريعه الإقتصادية. وتلك صورة طبق الأصل لما يسعى إليه الأمريكيون فى أفغانسستان.

ومن أسباب نجاح أمريكا فى إدارة فتنة داعش فى العراق:

أ ـ أمراض أصابت القيادة الإسلامية: فهى إما غير موجوده أصلا. أو أنها ضعيفة لا وزن لها ـ أو أنها فاسدة أتلفها المال والانخراط فى اللعبة السياسية التى أتلفت معظم القيادات الإسلامية وغير الإسلامية، فتحولت إلى التنافس على المناصب والمكاسب، وتقبيل أحذية المستعمر.

ب ـ أمراض أصابت التنظيمات الجهادية نفسها: مع ضعف القيادة ـ وغياب تأثيرها ـ تفكك التنظيم وفقد تأثيره على الشعب. وتكاثرت فيه مراكز القوى حول قيادات صغيرة طامحة إلى المال والسلطة.

– يمكن القول أن الإستراتيجية الأمريكية هى”عرقنة” أفغانستان، أى تحويلها إلى عراق أخرى، بإستخدام أهم أدواتها فى العراق وهُمْ الدواعش.

 

 

حرب الإغتيالات وفرق الموت:

وهى امتداد طبيعى، وعميق الإرتباط بحرب الدرونز وحرب داعش، وحرب المرتزقة من شركات دولية ومحلية.
وتلك سياسة إستعمارية قديمة لإخضاع الشعوب، عن طريق إغتيال قياداتها.

صادفت تلك السياسة درجات متفاوته من النجاح والفشل، وهى مؤثرة فى جميع الحالات، ليس على النتائج النهائية للحرب، ولكن ربما تسببت فى إطالة أمدها وتأخير إنتصار المجاهدين فترة من الزمن.

ــ تقوم الطائرات بدون طيار ـ فى أفغانستان ـ بدور جوهرى فى حرب الإغتيالات ضد قادة المجاهدين وكوادر المتعاونين معهم.

ـ ويقوم المرتزقة ـ غالبا بدعم من طائرات “الدرونز” بعمليات إغتيال ضد القيادات، والكوادر الجهادية.

ـ للدواعش دورهم فى حرب الإغتيالات. وإن كانت معظم أعمالهم أقرب إلى نشاطات فرق الموت التى تبث الرعب الشديد فى نفوس المدنيين. كما تستهدف إشعال فتنة مذهبية أو عرقية لحرف مسيرة الجهاد فى إتجاه الحرب الأهلية. وهو ما نجحوا فيه كثيرا فى عدد من الدول العربية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

الحرب الإقتصادية:

حروب أمريكا تخدم إقتصادها فى نهاية الأمر. وبشكل أدق تخدم إقتصاد بنوك اليهود فى أمريكا، المصب النهائى لتدفق أموال تجارة المخدرات التى عمودها الفقرى أفيون أفغانستان.

ولأن الأفيون هدف إقتصادى أول. ونفط آسيا الوسطى (وأفغانستان) هدف إقتصادى ثان.

فإن مافيا المخدرات (الإسرائيلية / الأمريكية) وشركات النفط الكبرى هما الضاغط والممول للحرب الدائرة فى أفغانستان. وفى فترات الهدؤ العسكرى تتحرك خزائن المال العملاقة لتلك المؤسسات لدفع الرشاوى فى كل إتجاه لتأمين فترة إستقرار قادمة تتيح إزدهارا لأعمالها فى الأفيون والنفط.

– أما إذا تمكنت الإمارة الإسلامية من العودة منفرده لحكم أفغانستان ـ بدون شراكة مع المافيات الأمريكية السياسية ـ فإن الولايات المتحدة قد جهزت لها حقولا من الألغام الإقتصادية، تشل حركتها وتضمن عودتها مرغمة إلى السيطرة الأمريكية.

 

 

وكما فعلت أمريكا مع العديد من دول العالم ـ وحتى دول كبرى ـ

فإن أهم أسلحتها للدمار الإقتصادى الشامل هى:

أ ـ تحطيم العملة المحلية: عملة أفغانستان تحت تغطية الدولار الأمريكى، والدولار مستند فى قوته على تجارة الهيروين دوليا، وعلى تجارة النفط عالميا بالعملة الأمريكية. إذا سحبت أمريكا تغطيتها للعملة الأفغانية فسوف تنهار تلك العملة فى الحال. وقد تُغْرِق أمريكا السوق الأفغانى بمليارات من العملة المزيفة التى ستطيح بقدرة الشعب على الشراء نتيجة تضخم الأسعار.

ب ـ حصار إقتصادى: بمنع التعامل مع الدولة المستهدفة، وتهديد من يكسر ذلك الحظر بفرض حظر أمريكى عليه. وهذا ما تعانى منه دول فى الجوار الأفغانى مثل إيران. ودول عربية مثل العراق وسوريا ولبنان. ودول بعيدة مثل فنزويلا وكوبا. والقائمة طويلة، وتلك مجرد أمثلة.

ج ـ إسقاط البنوك المحلية الأفغانية: (ومعظم نشاطها قائم على غسل أموال المخدرات) ومصادرة ممتلكاتها وأرصدتها فى الخارج.

د ـ حظر وعقوبات: ضد الإمارة ومسئوليها. ومطالبتها بتعويضات عن حادث 11 سبتمبر.

وهناك إجراءات آخرى. لاداعى لذكرها طلباً للإختصار.

 

 

حرب ثقافية ودينية:

وهى أخطر التحديات أمام الإمارة الإسلامية، فى حال نجاح وصولها إلى السلطة بشكل مستقل عن شركاء المستعمر ـ والحديث عن تلك الحرب يطول ومعظم تفاصيلها واضح تماما للإمارة وللمثقفين وجمهور الشعب الأفغانى. غايتها النهائية إستبدال فرائض الإسلام وترك الجهاد ضد تسلط الكافرين على المسلمين وبلادهم، والتحول إلى ثقافة جديدة متصالحة مع المستعمر وخاضعة له ومرحبة بإعتناق كافة ما يأتى به من قيم ومبادئ وقوانين مخالفة للدين.

 

 

خلاصة ما سبق:

1 ـ داعش جزء أساسى من حروب المرتزقة التى تشنها أمريكا عبر القارات، هذا رغم أن داعش مصمم خصيصاً للمنطقة الإسلامية.

2 ـ لداعش قدرة خاصة على حرف مسيرة جهاد وثورات المسلمين.

3 ـ دور داعش فى أفغانستان أكثر أهمية فى الوقت الحالى، حيث تعمل أمريكا على حرف مسار الجهاد إلى وضع يشابه وضع العراق من حيث الفتن الدينية والعرقية، وتحول القيادات الشعبية ـ فى معظمها ـ إلى التعاون مع المحتل.

– وحيث أن داعش جزء من الإستراتيجية العسكرية والسياسية للإحتلال الأمريكى فى أفغانستان، فإن داعش تديرها القيادة العليا لتلك الحرب وهى الإستخبارات الأمريكية والموساد الإسرائيلى، مع جهاز خاص مرتبط بحكومة كابول يرأسه حنيف أتمر، وحكمتيار، أضافة إلى عدد محدود من الأسماء.

ونظرا لأن داعش كيان دخيل وبلا جذور إجتماعية أو مذهبية فإنه غير قادر على التمدد فى التربة الإجتماعية لأفغانستان ولا يمكنه التواجد بغير إسناد الإحتلال الأمريكى.

– خطورة داعش حاليا هى أن أفغانستان تعيش المرحلة النهائية من جهاد منتصر، حيث تتكاتف جهود الأعداء مع ضعاف النفوس وأصحاب الهمم الخائرة، لإنهاء مسيرة الجهاد قبل أن يحقق حسما لا لبث فيه، بتحطيم الأصنام كافة ثم رفع الأذان فى سماء كابل.

تحميل مجلة الصمود عدد 173 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

داعش فى أفغانستان..جزء من الحرب الجديدة




بين  CIA و الجيش الأمريكى صراع أفغانى أم عالمى ؟؟

بين  CIA و الجيش الأمريكى صراع أفغانى أم عالمى ؟؟

بين  CIA و الجيش الأمريكى صراع أفغانى أم عالمى ؟؟

جهاد الأفغان يكشف الصراع المرير بين الجيش الأمريكى والمخابرات الأمريكية .

صراع العمالقة : البنوك ضد الصناعيين ــ ( أو CIA ضد الجيش )

العناوين: 

– نظام المرتزقة الدوليين بدأ ينهار فى أفغانستان ، سواء مرتزقة بن زايد أو مرتزقة داعش ، أو “جلم جم” الأوزبكية .

– بعد الكورونا ستَرْكَع عشرات الحكومات وملايين البشر أمام أبواب البنوك الأمريكية طلباً للقروض بأى شروط ، فى غزوة ربوية نادرة المثال . فى هذه المرة لن تكون صكوكا للقروض بل صكوكا لإستعباد البشر ، ومن بينهم المسلمين بالطبع ( إلا إذا فرض المجاهدون الحقيقيون ــ بسلاحهم ــ واقعاً آخر يناسب دينهم وأمتهم وباقى خلق االله . أى خرجوا من وصاية “عقيدة بيريز” على عقولهم ودينهم) .

– الكورونا فوضى عالمية .. تمهد لحكومة عالمية .

-سكان أقل = إستقرار أكثر لليهود  ـــ  وكيسنجر ينصحهم : أبيدوا العرب !!.

– بعد الكورونا : أمام الفقراء طريقان للموت : إما الموت جوعا ، أو الموت عند محاولة الحصول على طعام .

– بعد الكورونا : ستتلقى الحكومات معونات لإبادة شعوبها ، وللتنازل عن ثروة البلاد وسيادتها .. ودينها .

– بين أمريكا والصين ، مباراة “بنج بونج” بالفيروسات .

– بعد الكورونا : الغزو الأمريكى للخليج قادم . ورأس الرمح قد يكون بلاك ووتر .. و “بن دحلان” قد يصبح من النخبة السياسية الجديدة .

 

 

القوى العظمى التى تجرأت على غزو أفغانستان ، خرجت منها مدحوره خائبة ، وسقطت من عرش العظمة إلى مزابل التاريخ ، وبعضها غادر التاريخ نهائيا . ولأنها كانت قوى عالمية مهيمنة فقد تغيرت صورة العالم كله ، عدة مرات، بإنتصار شعب أفغانستان .

الولايات المتحدة تخوض نفس التجربة المريرة ، بشكل أعمق وأقسى وإستطاعت أن تجر العالم كله معها إلى هاوية الهزيمة ، بل والوقوف به على حافة الإنهيار ـ وربما الزوال .

 ليس خروج الغزاة من أفغانستان مثل دخولهم إليها . والعالم الذى شارك بدرجة أو بأخرى فى جريمة الغزو ، يشارك أيضا بدرجة أو بأخرى ـ فى عواقب هزيمة الغزاة الدوليين .

وباء الكورونا ـ الدولى ـ كشف الصورة التى وصلت إليها أمريكا ـ والعالم ـ بعد هزيمة واضحة فى أفغانستان فى حرب إستمرت 18 عاما ، ومازالت أمريكا تنفخ فى نيرانها كى تستمر بصورة أخرى .

لكن العالم كله إكتشف فى (مرآة الجهاد الأفغانى) ـ الصورة الحقيقية لأوضاعه ، ولحقيقة القوى التى تقوده من واقع بائس إلى مستقبل مجهول، ينتهى إما إلى زوال الحضارة (الغربية) التى إتبلعت العالم ، أو أن يزول العالم كله هلاكا حقيقيا وليس مجازيا فقط .

 

 

صراع فى أفغانستان

بين CIA والجيش الأمريكى

( راجع مقال حول نفس الموضوع فى مجلة الصمود العدد  170 ــ إبريل 2020  )

فى أفغانستان ظهرت علائم ذلك الصراع وتأثيراته (الإيجابية) على المجاهدين . إذ أتاح لهم فرصاً يستحليل تخيلها . وهذا ما دفع ترامب لأن يهرول لتوقع إتفاق(الخداع الإستراتيجى) مع (مكتب الدوحة السياسى!!)، كى يؤجل الهزيمة الفاضحة لبعض الوقت .

ورغم خطورة ذلك الصراع ونتائجه الفادحة على الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان إلا أنه كشف عن صراع أعمق فى صلب البنيان الأمريكى ـ والعالمى ـ وبالتالى يهدد الدولة الأمريكية نفسها ، والنظام الدولى بالتالى .

–  فى أفغانستان صراع مصالح بين كبار قادة الجيش والإستخبارات . الكفة العليا فيه للإستخبارات حيث أختار البيت الأبيض أن تدير الإستخبارات تلك الحرب بالشراكة مع الجيش. ولكنها شراكة غير متكافئة، وضع الجيش فيها هامشي إلى حد ما .

ومع الخسارة فى الميدان دب الفشل فى صفوف الجهتين ، وبدأت القيادات العليا والمتوسطة ـ وصولا إلى الجنود ـ يعملون لمصالحهم الخاصة فى إطار حرب خاسرة (عسكرياً) وفاسدة (أخلاقيا) .

“الحكومة الدُمْيَة ” فى كابول يتقاسمها طرفى الصراع ، فكان الولاء مزدوج أحيانا. ولكن جبهة حلفاء CIA فى أوساط النظام أوسع وأقوى .

ولكن من الطبيعى أن يكون نفوذ الجيش الأمريكى أقوى داخل الجيش الأفغانى المحلى فهو الذى ينفق عليه ويسلحه ويدربه ويربى قياداته. وفى أوساط الميليشيات المحلية يحتفظ الجيش الأمريكى بنفوذ مشابه . وبدرجة أضعف له نفوذ داخل أجهزة المخابرات والشرطة التى ولاؤها الأساسى هو للمخابرات الأمريكية CIA .

 

 

( CIA & الموساد) تحالف إندماجى :

كشفت حرب أفغانستان إلى حقيقة تهميش دور الجيش الأمريكى فى التركيبة الأمريكية الحاكمة ، سواء داخل الولايات المتحدة أو على مستوى العالم كله .

بل أن دور الجيش الأمريكى فى أفغانستان ، كمساند للمخابرات الأمريكية وليس قائداً لها أو حتى شريك متكافئ معها ، هو مجرد جزئية من الصورة العامة لعلاقات القوى بين هذين الجهازين العملاقين . مع حقيقة أن كلاهما مجرد أدوات فى يد القيادة (الحقيقية) للولايات المتحدة والعالم .

 (والقيادة الحقيقية) ليست القيادة(الرسمية) فى البيت الأبيض برؤسائه الهزليين . بل القادة الحقيقيين لأمريكا والعالم ، والذين يديرون الجيش والإستخبارت هم اليهود أصحاب(الصناعة البنكية المالية).

قبل الحديث عن العلاقات الخاصة جدا بين المخابرات الأمريكية CIA وبين قادة أمريكا (الحقيقيين) أباطرة البنوك العملاقة . نتحدث عن أحد التفصيلات الهامة فى تركيبة CIA ، التى ظهرت فى أفغانستان ، ثم إتضح أنها ظاهرة عالمية وليست خصوصية متعلقة بالحرب على أفغانستان .

تلك هى العلاقة الإندماجية بين CIA والموساد الإسرائيلى . وكلاهما يخوض فى أفغانستان الحرب الأطول فى تاريخ بلده ، وأكثر تلك الحروب فشلاً . ولكن قيادة العالم الحقيقية نجحت فى تصدير ذلك الفشل إلى العالم ونظامه غير المنتظم .

 سعى مرابو أمريكا ــ عمالقة الصناعة البنكية ــ إلى نظام عالمى جديد يظهر عبر حرب عالمية (ثالثة) قاتلة، متبخترة المسير،  متدرجة الشدة، متنوعة الأسلحة .

بدأت من أفغانستان عام 1989(فور إتمام إنسحاب الجيش السوفيتى) ومستمرة حتى الآن . وتدحرجت لتشمل العالم كله بمصائبها التى طالت الصديق كما العدو ، وهى الآن فى مرحلة الأوبئة الفيروسية .

فهؤلاء القوم لهم صديق واحد هو أنفسهم، أما باقى المخلوقات فهم إما حمير للركوب ، أو أبقار للحليب والذبح (أنظر عرب النفط) .

ذلك الإندماج الإستخبارى ( CIA & موساد) هو الذراع العملياتى لأباطرة المال اليهودى (فى نيويورك ولندن) بزعامة عائلتى روكفلر/ روتشيلد . ومعلوم أن السيطرة على أفيون أفغانستان ـ (90% من إنتاج العالم) ـ  يمثل دخلهم المالى الأعظم على مستوى العالم .وذلك هدف لا يمكن أن يتنازل عنه الأباطرة وبنوكهم الوحشية .

 ومادامت تلك الشياطين تسعى خلف المخدرات ومزارعها وأسواقها أينما كانت، فإن من يمثل ذراعهم الضاربة هو التحالف الإستخبارى الإندماجى (CIA & الموساد)، الذى سريعاً ما ينشئ أفرعاً محلية وإقليمية تسانده فى مسارح عملياته الرئيسية.

– فى أى مسار سلكته أموال المخدرات وفى أى مستودع إستقرت ، فإنها فى نهاية المسيرـ وبشكل حتمى ـ لابد أن تصب فى البنوك اليهودية العملاقة .

فى أفغانستان قليلون يمكن التعرف على علاقتهم التنظيمية بالإندماج الإستخبارى سابق الذكر، ولكن لا يمكن أن يخطئ الإنسان أداء أذرعهم القتالية.

فلديهم قواتهم الخاصة (أمريكية وإسرائيلية)، وهى قليلة العدد نسبيا ومتخصصة بالعمل عالى المستوى ، قياديا وتقنيا . أما “الحمير” التى يركبونها فى الميدان ، وينقلون عليها أثقال أعمالهم القذرة .. فهم مرتزقة على ثلاثة أنواع :

1 ـ المقاتلون المرتزقة الدوليون المحترفون .

2 ـ المقاتلون المرتزقة من ميليشيات شبه دينية أو شبه وطنية .

3 ـ التشكيلات المدنية ، من مرتزقه الثورات الملونة: أحزاب/ صحفيون / كتاب/ باحثون/ مجتمع مدنى / قيادات إجتماعية / نجوم إعلام ورياضة وفنون / شخصيات ثقافية ودينية.. إلخ.

الأنواع الثلاث متواجدون ونشطون فى أفغانستان . ونظرا لأن الحرب الدامية هى طابع التواجد الإستخبارى الإندماجى المشار إليه ، فإن “المرتزقة” المقاتلون هم الأكثر جذباً للإنتباه ، سواء المرتزقة الدوليون (بلاك ووتر) أو مرتزقة الميليشيات شبه الدينية (داعش)، أو شبه الوطنية (جلم جم الأوزبكية) .

 

 

الارتزاق :

 رؤية يهودية ـ مأزق عملياتى ـ تهديد وجودى !!

الإرتزاق له دعم قوى من الرؤية اليهودية الدينية . فجميع البشر هم مجرد حمير لخدمة اليهود . وأفضل خدمة يقدمونها لليهود هى الحرب لأجلهم وخوض معاركهم،  كما يحدث الآن فى أفغانستان واليمن وسوريا وليبيا .. إلخ .

اليهودى يرى نفسه مخلوقاً أوحداً ، وأنه أرقى الكائنات . وبما أن رسالته هى ركوب مليارات البشر، فإن السيطرة عليهم تقتضى تقليص عددهم إلى مقدار مناسب لطاقتة المتوفرة للضبط والربط والسيطرة .

وإن خاض حرباً خاضها عن بعد ، من خلف جدر أو من قرى محصنة. لهذا إزدهرت صناعتة واستخدمه للطائرات بدون طيار فى المعارك وفى التجسس. وإستخدام الأقمار الصناعية فى أغراض التجسس ، و الحرب السيبرانية (ضد أنظمة الكمبيوتر). ومؤخرا الحرب(الفيروسية/الجرثومية) وقبلها إعتماد (القنبلة النيترونية)كبديل حضارى للقنبلة الذرية، فهى تقتل البشر وتترك المنشئات والبنوك والمناجم والنفط ، ولا تلوث محصول الأفيون .

–  يروح اليهود لعبادة الذهب ، لتصبح هى الدِيْن الوحيد للبشرية. لأنهم كبار مالكيه ، ومحتكرى أسرار تجميعة وتخزينة .

المرتزقة هم فصيل من(عُبَّاد الذهب)، فهم يقتلون الآخرين ، ويضحون بأرواحهم فى سبيل الحصول عليه . وهم عبيد لمن يعطيهم الذهب، لذا يشكلون خطرا شديدا على أسيادهم إذا حصل أى خلل فى عقد التشغيل. أى لم يحصلوا على ما يكفى من الذهب ، أو أن مخاطر العملية زادت كثيرا عن مكاسبها المتوقعة .

أو أن أعمال”السيد” أصابها خلل ، و”السيد” إعتراه ضعف واضطربت أحواله ولو قليلا . فسريعاً ما ينتقل ولاء المرتزقة إلى سيد آخر، أقوى ويمكنه أن يدفع أكثر .

– شئ من ذلك حدث فى أفغانستان فاضطرب نظام المرتزقة ، وظهرت مخاطرهم وانتشر إزدواج الولاء لأكثر من سيد فى نفس الوقت. أو حتى الإنتقال بالكامل من جهة إلى أخرى أكثر كرماً . والبعض أنشأ أعمالا إجرامية خاصة ليجلب ثروته مستقلا . فالخُلُقْ الأكثر شيوعاً لدى المرتزقة هو إنعدام الأخلاق . ويكفى أن يصبح القتل هو الوسيلة الأساسية ـ أو الوحيدة ـ للحصول على الثروة .

بعضهم باع سادته وزملائه . وبعضهم باع سلاحة ، وأسرار شركته وقتل إخوانه الذين قاتل سابقا إلى جانبهم . وبعضهم إمتلك تجارة المخدرات الخاصة به .

–  إنها (أخلاق الذهب) أخلاق المرتزقة ـ وإذا تفشى ذلك الوباء فمن المستحيل أن ينتصر الجيش الذى يستأجرهم ، أو أن ينجو هو نفسه من الهلاك .

نهاية الطريق ، هو نهاية الإمبراطورية التى يشكل المرتزقة العمود الفقرى لمقاتليها. والعبرة هنا هى أن أبوظبى لن تكون فى مأمن من شرورهم .. ولا حتى واشنطن وتل أبيب .

فعندما تدق ساعة التغيير لإزاحة أنظمة(الخليج) فإن الأداة الأنسب هى (بلاك ووتر) وإخوانها . وهى ملكية مشتركة ما بين بن زايد ، وإريك برنس (الأمريكى) مع الموساد الإسرائيلى .

أنظمة الخليج إهتزت مع إنهيار أسعار النفط ، بالتوازى مع “جائحة” كورونا(!!) . ويبدو حتميا التخلص من تلك الأنظمة التى لم يعد لها محل من الإعراب. وأداة التغيير الأسهل هى(بلاك ووتر) نفسها. لتصبح المنطقة بعدها متطابقة مع المقاييس الإسرائيلية، التى إمتدت حدودها من شواطئ المتوسط إلى شاطئ خليج”العرب!!”.

 

 

صراع العمالقة :

البنوك ضد الصناعيين ــ ( أو CIA ضد الجيش ).

صراع العمالقة فى الدولة الأمريكية حول المسيرة والمصير ، يدور بين عمالقة المال { أى صناعة العملة الورقية وبمعنى أدق طباعتها } .

(عن مهزلة طباعة الدولار الأمريكى ، راجع كتاب: إستعباد العالم ـ نهب على الطريقة اليهودية ــ فالنتين كاتاسونوف ــ الإستاذ فى جامعة العلاقات الدولية ـ موسكو) .

وعلى الجانب الآخر الصناعيين ، وعلى قمتهم أصحاب الصناعات العسكرية ، عماد القوة العسكرية الأمريكية .

عمالقة المال متحالفون مع المخابرات المركزية CIA . وعمالقة الصناعة متحالفون بطبيعة الحال مع الجيش راعيهم وزبونهم الأساسى .

رغم أن العملاقين المتصارعين متفقان على ضرورة السيطرة على شعوب الأرض بإستخدام كافة الأساليب المتاحة مادامت ناجحة ، فإن الخلاف يدور حول الطريق الأمثل لتحقيق ذلك .

  يرى المرابون أن الطريق الأمثل للسيطرة على العالم يكون بالقوة المالية {قوة الدولار وإحتكار طباعته وفرضه على العالم كعملة تداول أساسية لكافة الإقتصادات والبنوك} . بينما الدولار ماهو إلا ورقة ملونة ليس لها غطاء من أى شئ له قيمة فى ذاته . ولكن به تحصل أمريكا على ما تريد من منتجات العالم ، بدون أن تكون فى حاجة حقيقية لأن تنتج أى شئ.

والمفارقة أنها كلما أنتجت أقل وكان عجزها التجارى أكبر كلما زادت أرباح بنوكها التى تُرَاكِم ثروات هائلة من إقراض العالم أوراقاً ملونة إسمها “دولار” ـ مع التمتع بالسلع المجانية المتدفقة من كل العالم . فلماذا الصناعة والتعب، والتلوث البيئى ، ومشاكل العمال والتصدير؟؟ . تكفيهم مشكلة إدارة مطابع العملة. وحتى الأوراق وأحبار الطباعة ، يمكن إستيرادها من خارج الولايات المتحدة ودفع أثمانها بالدولار الورقى المزيف.

–  لكن الجيش يرفض ذلك التوجه لأنه يعرضه للخطر. فإنتقال الصناعة إلى ما وراء البحار ـ وفى آسيا تحديدا ـ يحرم الجيش من قدرات صناعية وتكنولوجية ، أو تجعل تلك القدرات بعيدة جغرافيا عن متناوله، بحيث يمكن عرقلة تدفقها بسبب أعداء أو أحداث دولية مفاجئة ( مثل وباء كورونا مثلا) . وفى ذلك تهديد واضح للأمن القومى الأمريكى .

–  إنه صراع بين قوتين ، واحدة تريد بناء الدولة على قوة الربا (والدولار المزيف بتصريح من الدولة). وبين قوة أخرى تريد إقتصادا قائما على الصناعة، والرأسمالية الصناعية القديمة التقليدية.

 المخابرات CIA مع الطرف الأول ـ والجيش مع الطرف الثانى . والصراع دائر خلف الكواليس فوق الأرض الأمريكية . ولكنه إنكشف بشكل فاضح على الأرض الأفغانية . فنيران المجاهدين سريعاً ما تنير الطريق ، فيتضح الحق من الباطل .

– الكفة تميل إلى جانب عمالقة المال اليهودى ، ورؤيتهم لتحويل الولايات المتحدة إلى مجرد دكان مرابى (البنوك العظمى هى الشكل المعاصر لدكان المرابى القديم).

ترامب أكثر ميلا للمرابيين وسؤعلاقته مع الجيش واضح. ويحاول ترضية الجنرالات ببعض الشعارات والقليل من الإجراءات ، بعضها خطير مثل الضربة البيولوجية للصين (رغم أنها ضربة إقتصادية فى الأساس) . ومثل مناداته بشعار أمريكا أولا الذى أحد معانيه إستعادة الصناعات الأمريكية المهاجرة فى آسيا ، لعلاج مشكلة البطالة من جهة (وفى ذلك مكسب إنتخابى) ومن جهة أخرى إسترضاء جنرالات الجيش الراغبين فى إعادة الصناعات الهامة إلى الأراضى الأمريكية .

 

 

“كورونا فوبيا” .. سلاح بنكى :

المرابون رحبوا بالضربة البيولوجية وبتوسيعها إلى نطاق عالمى ، لإحداث إنهيار إقتصادى شامل يتقدمون فى نهايته لشراء المشاريع الهامة التى أفلست بفعل الكورونا. فكل أزمة أو كارثة أو حرب ، تأتى بأرباح للمرابين. ويتناسب حجم مكاسبهم مع حجم الكارثة التى ضربت الآخرين .

فأزمة (كورونا) تحمل خرابا واسعاً لإقتصاديات العالم ، وللمشاريع الإقتصادية. فسكان الأرض حبسهم الفيروس ــ وبالأحرى الإرهاب الإعلامى الذى رافق “الجائحة!!” وروج لها ــ فأحدث خرابا إقتصاديا لا يمكن علاجه بدون قبول إملاءات البنوك اليهودية الأمريكية .

المرابون وجهازهم الإعلامى الدولى ، أصاب العالم أجمع بالرعب غير المبنى على أساس واقعى . وتلك ظاهرة تحتاج إلى الكثير من التأمل فى تطور سطوة السيطرة النفسية على العالم التى حققها إعلام المرابين وشبكاتهم العالمية ، بما فيها مؤسسات دولية مفروض أنها محايدة ، حملة شاركت فيها معظم الحكومات خوفا من عقاب أو أملا فى معونة أم حتى لمجرد الحصول على عبارات مديح .

كل ذلك له ترجمة فى الأرباح ، وفى ضياع ثروات الأمم لصالح بنوك المرابين فى “منهاتن” التى غزاها العرب ذات يوم من سبتمبر 2001 !!.

– بعد الكرونا .. ستركع الحكومات وملايين البشر، لإستجداء القروض من البنوك ، فى غزوة ربوية نادرة المثال . فى هذه المرة لن تكون صكوكا للقروض بل صكوكا لإستعباد البشر ، ومن بينهم المسلمين بالطبع ( إلا إذا فرض المجاهدون الحقيقيون ــ بسلاحهم ــ واقعا آخر يناسب دينهم وأمتهم وباقى خلق االله ـ أى خرجوا من وصاية “عقيدة بيريز” على عقولهم ودينهم) .

سيستلمون القروض بالدولارات الملونة، فى مقابل ثروات بلادهم التى لا تقدر بثمن ، والأهم هو ضياع إستقلالهم ، والدخول من أوسع الأبواب إلى عبودية القروض الربوية . وكلما فقدت الحكومات سيادتها وفقدت الشعوب دينها وحريتها، كلما تحقق الأمل الأسمى للماسونية ، وهو قيام حكومة عالمية “أمريكية” ، تمحو الأديان السماوية وتستبدلها بثقافة عالمية موحدة . لا إيمان فيها بخالق ، ولا مكان فيها لخلق كريم .

 

 

سكان أقل = إستقرار أكثر لليهود  ..

 وكيسنجر ينصحهم :  أبيدوا العرب .

تخفيض سكان كوكب الأرض هدف أساسى يساعد على قيام الحكومة العالمية ، ويقوى سيطرتها ، ويخفف من أعبائها .

ذلك هدف أساسى للماسونية ، أو كما عبر عنه هنرى كسينجر وزير خارجية أمريكا السابق (77ــ 1975) والمفكر الماسونى البارز : { تقليص أعداد البشر هو المحور ذو الأفضلية الأولى فى السياسة الخارجية الأمريكية تجاه بلدان العالم الثالث }.

ولم يغفل الماسونى الكبير عن تقديم أحد جواهر نصائحه ، فقال : {على الغرب أن يبيد العرب فى أى حرب عالمية قادمة }.. هكذا بلا خجل أو مواربة !! .

كيسنجر نفسه فى حديث له عام 2017 تحدث عن ضرورة إسقاط العقبتين : روسيا وإيران ، على يد أمريكا وإسرائيل ، وذلك { .. لتتمكن أمريكا الماسونية من بناء عالم جديد لن يكون فيه مكان سوى لحكومة واحدة تتمتع بالقوة الخارقة } .

ومن ضمن نبوءاته تلك : { الحرب العالمية على الأبواب ، وإيران ستكون هى ضربة البداية فى تلك الحرب التى سيكون على إسرائيل خلالها أن تقتل أكبر عدد ممكن من العرب وتحتل نصف الشرق الأوسط}.. مرة أخرى إبادة العرب !!.

  الكورونا وباء معظمه مبالغات وأقله مرض قاتل . ولكن تأثيراته المالية يصعب حصرها ، ولن تكون مسبوقة فى أى كارثة عالمية بما فيها الحروب العالمية . أما خسائر الأرواح من المرض نفسه فهى حتى الآن قليلة بحيث لا يمكن أن يسمى (وباء) أو حتى “جائحة” حسب بلاغة منظمة الصحة العالمية. إذ يستحيل قياسة بوباء الإنفلونزا الأسبانية التى ظهرت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى وتسببت فى مقتل 50 مليون إنسان بينما الحرب العالمية نفسها أهلكت 20 مليوناً فقط !! .

 

 

 كورونا :  فوضى عالمية تمهد لحكومة عالمية .

بعد زوال التأثيرات الطبية للكورونا ، من المتوقع حدوث إضطرابات إجتماعية عنيفة نتيجة الجوع والفقر الذى أحدثه ـ أو فاقمه ـ الوباء كنتيجة متعمدة لسياسة الإعتقال المنزلى لمعظم سكان العالم . فمواطنو الطبقات الوسطى سيهبطون إلى مرتبة الفقراء . والفقراء أنفسهم أمامهم طريقان للموت: إما الإستسلام للموت جوعا ، أو الموت وهم يحاولون الحصول على أى طعام من أى مصدر كان . سيأكل الناس بعضهم بعضا(بالمعنيين الحرفى والمجازى) وتعم فوضى عارمة.

بعض الفوضى ستتوجه صوب(الأنظمة) التى ستحصل على دعم “دولى” حقيقى فى التصدى المسلح لشعوبها، أى لإبادتها فى حقيقة الأمر . كما ستتلقى قروضا من بنوك اليهود فى مقابل التنازل عن ثروة بلادها وسيادتها .. ودينها !!.

ومؤخرا تنبأت ـ هيئات دولية بإضطرابات إجتماعية وسياسية فى بلدان العالم الثالث ومن بينها بلاد العرب . ليس بتأثير مرض كورونا ـ بل بتأثير إعتقال البشر وقطع أرزاقهم وتحطيم حياتهم ، بدعوى حمايتهم من فيروس”شبح” لا يكاد “العلماء” يقطعون بشئ من أمره ، ولا يعرفون له علاجاً ولا لقاحاً !!.

 

 

أمريكا والصين ، مباراة “بنج بونج” بالفيروسات .

يجزم البعض بأشياء كثيرة مرعبة ـ مثل أنه وباء”عنصرى ـ يستهدف أجناسا بعينها” ، مصنوع مخبريا وتم نشره فى أماكن مدروسة بدقة ، وأن طبيعته متبدلة ، وأن فيروسات أخرى دخلت إلى الخدمة العالمية فى نفس الفترة ، وجميعها (مستحدث) وله طبيعة مختلفة . وأن حرب الكورونا بدأتها أمريكا ضد الصين فى “ووهان” ، فردت الصين بضربة (ربما فى نيويورك). وهكذا دخلت الدولتان فى مباراة (بنج بونج) الكرة فيها “فيروسات” الكورونا ، والطاولة كامل ساحة البلدين مضافا إليهما أوروبا (المنافس الإقتصادى الأكبر بعد الصين الذى يتحدى الإستفراد الأمريكى بإقتصاديات العالم ، وإدارة الدنيا).

وكما بدأت علاقات البلدين بمباريات (البنج بونج) التقليدية ، سوف تدخل العلاقات فى مرحلة نوعية جديدة، بمباراة غير تقليدية بحزمة من فيروسات كورونا . هذا إذا لم تنفلت قوانين اللعبة أو أن يحاول أحدهما تغييرها أثناء المباراة.

– حكومة أمريكا مرشحة صهيونياً لتكن هى (حكومة العالم)، ولكن القوة الفعلية والإدارة الحقيقية ستكون للمرابين اليهود . فالحكومة الأمريكية ستخرج من أزمة كرونا مدينة أيضا أو ذات عجز هائل فى الميزانية ، وفى حاجة إلى مزيد من الترليونات لتضاف إلى دينها العام الذى تجاوز 20 ترليون دولار .

ستنفق الحكومة الأمريكية 100 مليار دولار على هامش أزمة الكورونا، ولديها أكثر من 22 مليون عاطل ـ ومثلهم من طالبى إعانة البطالة/ كل ذلك مشفوعا بعبارة (للمرة الأولى). أذن إنطمست إنجازات ترامب الإقتصادية التى باهى بها الأمم ، وأشبع شعبه مناً وأذى .

 

 

إسرقوا العرب :

فى ظل الأزمة المالية ، أمام الحكومة الأمريكية وأمام ترامب المتهالك على الرئاسة ، تبدو عملية السطو على نفط السعودية والخليج أمراً لا مفر منه.

ولا يحتاج ترامب إلى إختراع حجج جديدة، فهو قد حذر الأبقار بأنه سوف يذبحهم بعد أن تجف ألبانهم. الآن وقد جف كل شئ ، سيعود النفط وبلا مواربة أو نفاق إلى مالكه الأمريكى . الغزو الأمريكى قادم ، ورأس الرمح قد يكون (بلاك ووتر)!!. وبن دحلان قد يصبح من النخبة السياسية فى القطاع اليهودى الجديد ، بعد أن كان مجرد عنصر من المستعربين ، وضابط إرتباط بين بن زايد والموساد.

حتى إحتلال “الخليج” سيكون إستخباري (CIA & موساد) والجيش الأمريكى مجرد عصى غليظة للتخويف . والصناعة الوحيدة المرخص بها فى جزيرة العرب ستكون صناعة الترفيه الداعر بإدارة آل سعود .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

19-4-2020

 

بين CIA و الجيش الأمريكى صراع أفغانى أم عالمى ؟؟

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 20

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)                     

معركة طريق زدران كما يرويها حقاني

 

العناوين: 

– رد حقاني قائلاً:  لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن.

  انهار الوضع بطريقة مأساوية لأن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

– خسر الروس 300 قتيل والجيش الأفغاني 200 قتيل، وعدد شهدائنا كان 100.

– استخدم العدوّ المساجين كدروع بشرية لفتح ثغرات في حقول الألغام.

– أحضر الروس قوات من سيبيريا للقتال في مناطقنا الثلجية. قوات العدو كانت غزيرة جدًّا وتملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة.

نصحني حقاني بعدم الكتابة عن تفاصيل موقف الأحزاب من المعركة .. لماذا ؟؟

– ادّعى السوفييت أنها أول حملة يشاركون فيها، والتلفزيون السوفيتي يتابعها لأول مرة.

– الإذاعة البريطانية تدعي وجود 50 خبيرًا أمريكيًا مع المجاهدين، من بينهم صديقنا عثمان الصعيدي.

 

  تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجمعة 8/يناير/88 :

عاد إلى ميرانشاه الدكتور “محمد حسن” الذي كان يعمل في نقطة الإسعاف العربية في “نكا” وأخبرنا بأنه قابل في الطريق كل من أبوخالد وأبوحفص وأبوجهاد والآخرين. بعد صلاة العشاء ذهبت مع عبدالرحمن وآخرين لمقابلة حقاني، وكان هناك تميم العدنانى الذي يحرص على ملازمة الشيخ، ومساعدته في مقابلة العرب وجمع التبرعات له. وأخيرًا وصل الشيخ حقاني والضمادات تحيط بركبته ولكنه يستطيع المسير بصعوبة نسبية، كتبت فى مفكرتي عن حقاني في ذلك اللقاء : 

سلمنا عليه، كان مرهقًا… ويبدو محطمًا بشكل لم أشاهده من قبل… لكنه كان نشط الذهن متجلدًا…بدأنا في حديث مطول حول ما دار في تلك المعركة، أخذت أسجل كتابيا ما يقول حقاني، بينما اعتنى عبدالرحمن بتسجيل الحديث في شريط كاسيت مازلت أحتفظ به إلى الآن. يقول حقاني عن تلك المعركة: جمع الشيوعيون قوات ضخمة روسية وأفغانية بهدف فك الحصار المضروب حول خوست منذ ثمانية سنوات ونصف السنة، ومنذ ثمانية أشهر قبل الحملة الأخيرة، كان مطار خوست يقصف بواسطة المدفعية والصواريخ فاشتد الحصار على المدينة. بدأت المعركة في جبال “ستي كندو”، ولكن القصف الجوي والمدفعي طال كل قرى المنطقة، والتي كانت آمنة من القصف منذ مدة طويلة، فقتل عدد كبير من النساء والأطفال، وانشغل المجاهدون بنقل عائلاتهم إلى خارج المنطقة في ظل ظروف الشتاء القاسية والثلوج المتراكمة.

وكان أمرًا صعبًا أدّى إلى نقص كبير في عدد المدافعين عن المنطقة. ويواصل حقاني: لقد وصلت إلى أرض المعركة بعدما كانت القوات الشيوعية قد صعدت جبل “ستي كندو” ورغم كثافة تلك القوات وضعف المجاهدين إلا أن العدو لم  يستطع التقدم لمسافة تذكر، وبات مصير الحملة مهددًا، إلى أن قام العدو باستعمال طريق فرعي داخل الجبال يبدأ من منطقة سيد كرم في جرديز وينتهي في منطقة تدعى” ميرجان دكان” على الطريق الرئيسي خلف منطقة سرانا. وبهذا تخطى العدو نقاط مقاومتنا القوية وأصبحنا نحن مطوقين أو مهددين من جهتين، وبدأ موقفنا يضعف وهاجمنا العدو أرضيا من جهتين وضغط علينا إلى داخل سرانا وأبعدنا عن الطريق الرئيسي فاستطاع أن يستخدمه. وأثناء مروره من الطريق الفرعي المذكور دفع أمامه مجموعات من المساجين السابقين الذين اسخدمهم دروعًا بشرية تمر أمامه في الطريق خوفًا من الألغام أو كمائن المجاهدين، ذلك بالرغم أن الطائرات قد قصفت المنطقة بكثافة كبيرة حتى أن السكان هجروها بالكامل. وكان هناك عدد من الجواسيس وعملاء العدو سهلوا له العملية كلها، وأرشدوه الى الطريق وأعلموا الروس بعدم تواجد قوات للمجاهدين يمكنها تهديد القوات المتقدمة. بالنسبة لخسائر العدو في تلك المعارك فهي ليست معلومة لنا بدقة حتى الآن، فالجنود الأسرى لايعلمون سوى بخسائر وحداتهم، بينما ساحة المعركة واسعة جدًا ومدة المعركة كانت طويلة. أكثر الخسائر البشرية، كما شاهدنا، كانت في الجنود الروس لأنهم جاهلين بالمنطقة، ولم يتعرفوا على تكتيكات المجاهدين في القتال ومواقع حقول الألغام التي زرعناها. ونحن في انتظار أخبار تأتينا من كابول حول خسائر العدو من المتعاونين معنا هناك، والآن يمكنني تخمين أن الروس خسروا 300 قتيلًا والجيش الأفغاني خسر 200 قتيلًا. وكنا قد حصلنا على قائمة بحوزة ضابط روسي قتيل تحتوي على أسماء من قتلوا من وحدته وكانوا 85 شخصًا.أما عدد الشهداء عندنا فلا يزيد عن مئة شخص.

– لقد أسقطنا للسوفييت خمسة طائرات من بينها 3طائرات ميج، وطائرة هيلوكبتر واحدة، وطائرة نقل واحدة ، كما دمرنا لهم مابين 70 / 75 آلية مابين سيارة ودبابة، وحطمنا له مابين 25 /30 مدفعاً نتيجة هجمتين لنا على معسكر المدفعية في جارديز (قرب قرية غلجاى). عن القوات الشيوعية التي شاركت في الحملة، قال حقاني:

إنّ الفكرة عنها ليست كاملة ولكن ماهو معروف أن القوة تشكلت من فرق أفغانية مختلفة، مع قوات روسية كانت هي الأغلبية من قوات الحملة. وقد شاركت قوات روسية قدمت خصيصاً من منطقة “سيبريا” حتى تكون قادرة على العمل في منطقتنا الباردة والجليدية في ذلك الفصل الشتوي.

أما الفرق الأفغانية التي شاركت بعض قطاعاتها في الحملة فهي:

فرقة غزني”فرقة 14″، فرقة جرديز”فرقة12، “و الفرقة السابعة، و فرقة قارغاه “فرقة 8” ، مع قوات روسية من كابول وغزني وجرديز. ويمكن القول بأن القوات كانت كثيفة جدًا بشكل غير عادي وكانت تملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة. بالنسبة للموقف الآن فإن المجاهدين من أهل المنطقة مازالوا يواصلون عملياتهم ونأمل أن يتمكنوا من تنظيم صفوفهم، والعدو لم ينشئ مواضع دفاعية “بوسطات” على الطريق ولكن فقط نقاط حراسة. ولا ندري المدى التي ينوون الاحتفاظ فيه بالطريق لأنه مشكلة كبيرة عليهم، ويكفي أن تعلم أنهم خلال 37 يومًا من القتال لم يستطيعوا أن يخترقوا الطريق. ولكنهم عندما هاجموا مراكزنا “سرانا” شغلونا وفتحوا نصف الطريق في يومين.

وللأسف فإن مجاهدي المنظمات الأخرى قد هربوا وتركوا المنطقة خالية وهذا هو السبب الرئيسي لفتح الطريق.

عن كمية الإمدادات التي وصلت إلى خوست فهي غير معلومة لأن العدو يسير بها ليلاً  في قوافل من السيارات  مطفأة الأنوار حتى لا نعلم حجمها. وتوقع حقاني أن يكون من أهداف القوة الشيوعية طرد المجاهدين من مراكزهم حول خوست لتأمين المدينة، ثم الوصول إلى القواعد الرئيسية خاصة جاور كما يمكنهم قصف ميرانشاه للضغط على باكستان حتى تتدخل لتقييد نشاط المجاهدين كما يحدث في منطقة “طورخم” الحدودية على طريق بشاورـ جلال آباد. قلت لحقاني أنه في الظروف الحالية يبدو أنه غير ممكن عمل شيء كثير ضد القوة بسبب الشتاء، واضطراب المجاهدين وبالتالي فإن القتال الرئيسي سوف يكون في الربيع والصيف، فما هي فكرته حول المعارك القادمة؟

رد حقاني قائلاً:” لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن، لأنهم مازلوا يجهلون المنطقة بينما نعرفها نحن وإذا تركناهم فسوف يتعرفون على المنطقة جيداً وعلى حقيقة أوضاع المجاهدين، وسوف يقيمون نقاطًا منيعة لحماية الطريق، بينما حراساتهم على الطريق الآن مازالت ضعيفة“.

وفي الأمس ضرب مجاهدونا قوافل العدو على الطريق، وقد ظل العدو يقصفهم بالمدفعية طوال الليل. وسألت حقاني:” لكن لماذا لم يحاول المجاهدون مهاجمة خوست والاستيلاء عليها قبل تلك الحملة ؟”. أجاب قائلاً: “كانت دفاعاتها ما تزال قوية، وبها قوات روسية وأفغانية وأرضها منبسطة لا تناسبنا في ضعفنا الراهن”.

– ثم سألت حقاني:  هل لهذه المعركة صلة بالوضع السياسي لأفغانستان؟ فأجاب قائلا:

بالطبع لقد اهتمّ السوفييت بهذه الحملة أكثر من أي حملة أخرى في حرب أفغانستان حتى أن وزير خارجيتهم كان  يدلي بتصريحات حولها. وكانت أول معركة يتابعها التلفزيون السوفيتي بالصورة والخبر. وأدعوا أن هذه أول معركة يشاركون فيها!

 وأعلن السوفييت أن خمسين مستشارًا أجنبيًا كانوا يقاتلون إلى جانب المجاهدين. ويبدو أنهم نقلوا ذلك عن الإذاعة البريطانية التي ذكرت أن خمسين خبيرًا أمريكيًا كانوا مع المجاهدين، وأن واحد من هؤلاء المستشارين قد أسر، ويدعى عثمان، واثنان آخران قد قتلا. “ملحوظة”: (عثمان المذكور هو صديقنا عثمان الصعيدي وقد تعرفت عليه بعد المعركة بعدة أشهر، والذي حدث هو أنه كان ضمن مجموعة من العرب في سرانا، وقد ضل طريقه مع اثنين آخرين من العرب. وأبلغ المجاهدون بالمخابرة أن الثلاثة قد فقدوا وأنهم عثروا على جثة اثنين منهما وأن عثمان ربما يكون قد أسر.

ولكن صديقنا عثمان، الشاب الصعيدي الظريف لم يأسر أو يقتل قط طوال حرب أفغانستان. كما أنه ليس أمريكيًا ولم يشاهد أمريكا طوال حياته، وكان يفخر دائمًا بقوله بأنه مسلم من “صعيد ستان”. وكان أول من اخترع ذلك الإصطلاح. أما مراسل الإذاعة البريطانية في ميرانشاه، وهو أفغاني، وكان على صلة ممتازة بعمال أجهزة اللاسلكي لدى مكاتب المجاهدين، وكانوا أهم مصادرة الخبرية، وذلك مقابل مبالغ نقدية جيدة، المراسل النشيط سمع بالخبر فأضاف إليه التوابل المناسبة مثل وجود خمسين مستشارًا أمريكيًا وربما كان يقصد العرب في منطقه “ساتي كندو” و”سرانا”.

وقال أيضًا بأنّ عثمان كان يدرب المجاهدين على استخدام صواريخ “ستنجر”، وهذا غير صحيح قطعًا لأن صديقنا عثمان لم يلمس في حياته ذلك الصاروخ ناهيك عن استخدامه).

 

– عن ملاحظاته حول الأسلحة التي استخدمتها القوات الشيوعية في حملتها تلك قال حقاني:

” لقد استخدم السوفيت حوالي ألف قطعة مدفعية وقد استخدموا في بعضها ذخائر انشطارية، وكذلك قنابل طائرات عنقودية، بعض أنواع المدافع كان جديدًا ويستخدم لأول مرة ومن عيارات كبيرة طويلة المدى مثل عيارات 150مليمتر، 170 مليمتر”. فسألته: ولكن لماذا انهار الوضع بهذه الطريقة غير المتوقعة؟ فأجابني قائلاً: السبب الأساسي في ظني هو أن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

في اليوم التالي وضعت نفسي داخل أحد الباصات العامة في طريقي إلى إسلام آباد. كنت في حالة نفسية كمن وجد نفسه في غياهب “بحر الظلمات”. سحبت أوراقًا من جيبى كتبت فيها الملاحظتين التاليتين تعبيرًا عن مشاعري وقتها. قلت في الملاحظة الأولى:

– “أكثر الرجال نبلاً وشجاعة هم هؤلاء الذين يجدون في أنفسهم القدرة على خوض حرب

عادلة تمامًا، ولكنها يائسة”. أما في الملاحظه الثانيه فقد جاء فيها :  “أجد نفسي في موقف يشبه موقف جلال الدين حقاني، مع الفارق، فكلانا هزمه أصحابه”.

 

الانسحاب المفاجئ :

فجأة انسحبت القوات الشيوعية، وتركوا حتى مرتفعات “ستي كندو” الاستراتيجية وتم ذلك الانسحاب في 24 يناير 1988. أتعجب من حماقة هؤلاء الروس، يقدمون أثماناً باهظة وخسائر جسيمة فى مقابل مكاسب تافهة هاهم الآن قاتلوا “37” يوماً في مقابل استخدام الطريق لمدة 24 يوما فقط، أي أنهم قاتلوا يومًا ونصف في مقابل كل يوم استخدموا فيه الطريق!!. وفي معركة “جاور” عام 86 قاتلوا لمدة شهر تقريبًا كي يمكثوا في القاعدة يومًا ونصف أي أنهم قاتلوا عشرين ساعة في مقابل كل ساعة مكثوها في جاور! لماذا ؟؟ كم أهدروا في هذه المعارك وأمثالها من أرواح الجنود وآلاف الأطنان من العتاد والمهمات في مقابل لاشيء تقريباً. لاعجب إذن أنهم خسروا الحرب . فالحرب لايكسبها من يفكر بحذائه بدلاً من عقله. ولننظر إلى الرابح الحقيقي في تلك الحرب، وهم “أصدقاؤنا” الأمريكان. لقد كسبوا الحرب ولكنها لم تكلفهم سنتاً واحداً.

لأن “المملكة” دفعت كل الفواتير. كما لم يريقوا فيها قطرة دم واحدة، لأن الأفغان و”المتطرفون” العرب أراقوا ما يكفي وزيادة.

بينما ربح الأمريكان الأذكياء ليس حرب أفغانستان فقط ولكن نفط الخليج، واحتلوا جزيرة العرب، مهبط الوحي، ومن ثم سيطروا على العالم أجمع كقوة قاهرة فوق كل الخلائق!!. لقد خسر الروس لأنهم فكروا بأحذيتهم بينما نحن سحقتنا تلك الحرب لأننا لم نفكر أصلاً. فكما  قال بعض إخواننا من حكماء الحركة الإسلامية “إن التفكير يناقض الإيمان!!”. ولله في خلقه شؤون، فلا عجب فيما يحدث لنا الآن.

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

31 يناير 1988 : 

في الثامنة والنصف صباحًا في اليوم الأخير من يناير قابلت حقاني في غرفته المخصصة لاستقبال ضيوفه المرتبطين معه بأعمال. قال حقاني: إن سلسلة من الاجتماعات تبدأ اليوم بين قادة المجاهدين في خوست، وبين قادة الأحزاب أيضًا ، وذلك لمدة يومين. والموضوع الرئيسي فى الاجتماعات المنتظرة هو تشديد الحصار حول خوست. أما بالنسبة “لجرديز” فإن الثلوج تمنع حاليًا تصعيد العمليات حولها. المفاجأة التي لم أتوقعها هو ما قاله حقاني من أن أوضاع خوست سيئة، فلم يتم تعزيز القوة المدافعة عنها بأفراد أو معدات جديدة!!. أما كمية الإمدادات التي وصلت فهي غير معلومة، ولكن المعنويات هناك منخفضة وتوترت العلاقه بين العسكريين وبين المدنين. فالأهالي بدأوا يهاجرون بعد أن سخطوا على الحكومة التي لم تطهر نطاق المدينة الخارجي من مجموعات المجاهدين التي مازالت تقصفهم بالقنابل. وقد كانوا يتوقعون من القوة التي وصلت أن تحل تلك المشكله نهائيًا ولكنها جاءت وغادرت فجأة بدون أن تفعل شيئاً.

كان واضحاً أن الروس يريدون فقط تسجيل أنهم إستطاعوا الوصول إلى خوست، والاستفادة من ذلك سياسياً، ولكنهم لم ينفذوا أي برنامج عسكري لتحسين أوضاعهم في المنطقة. فلم يطهروا ماحول خوست من مراكز للمجاهدين، وقواعد قوية مثل جاور، كما لم يحاولوا إغلاق المنافذ الحدودية التي هى قريبة نسبياً مثل “صدقي” و”غلام خان”.

– من المفجآت الجديدة التي أوردها حقاني، وصول أنواع جديدة من الأسلحة للمجاهدين،  سوف يتم “تجربتها”ضد خوست، حيث أن الطريق المؤدية إلى داخل أفغانستان مغطاة بالثلوج. ومن الأسلحة الجديدة التي وصلت كانت مدافع ميدان صينية من عيار 85 مليمتر.

وذخائركثيرة لمدافع الميدان الروسية التي بحوزة المجاهدين، من عيار 122 مليمتر. كذلك صواريخ من نفس العيار ذات مدى 20كيلومتر، 30كيلومتر. وهي صواريخ كان لها دور كبير وبارز منذ ذلك الوقت حتى نهاية الحرب. واضح من الأسلحة الجديدة أنها تجهيزات لحصار المدن، وقصفها من خارج نطاقها الدفاعي الذي يصل في بعض الحالات إلى 30 كيلومتر كما هو الحال في كابل. والصواريخ الجديدة هو صواريخ “صقر” مصرية الصنع. مع أعداد محدودة من قواذف رباعية لتلك الصواريخ من صناعة الصين. وكما ذكرنا فقد كان سلاحاً فعالاً اعتمد عليه المجاهدون كثيراً لدرجة طمست عندهم الرغبة في اقتحام المدن.

ناهيك عن أوامر الاستخبارات الباكستانية، التي لا يمكن تجاوزها، والتي تقضي بعدم محاولة الاقتحام، مع الضغط على المدن بالقصف الصاروخي والمدفعي، طبقاً لبرنامج تحدده الاستخبارات الباكستانية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية وحالة الضغط المتبادلة بين واشنطن وموسكو. – وقد وصل إلى المجاهدين أيضاً كميات محدودة من صواريخ ميلان الفرنسية المضادة للدبابات. – كما وصلتهم “الأفعى المتفجرة” لفتح ثغرات في حقول الألغام، ولكن بعدد محدود جداً كما أنها لم تكن عملية. عن الوضع المالي المترتب على المعركة قال حقاني بأنه مازال مديناً. فقد كلفته المعركة كثيراً خاصة النقليات، فالمسافات بعيدة، والبرد والثلوج تضاعف المشاكل أما خطورة القصف وأحوال الحرب فقد جعلت أصحاب السيارات يبالغون كثيراً في أسعار النقل. فعلى سبيل المثال كان إيجار سيارة بيك آب من نقطة الحدود عند “بغر” وحتى “نكا” تكلف أربعة آلاف روبية باكستانية.

هذا لنقل الأشخاص، أما نقل الذخائر، فإن  صاروخ كاتيوشا واحد كان يكلف نقله من بغر إلى نكا ألفي روبية باكستانية. (كان سعر الصاروخ وقتها في سوق السلاح خمسمائة روبية فقط! أما بعد نهاية الحرب فقد كان التجار يجمعونه من” المجاهدين” بسعر خمسين روبية!! وهو سعر الحديد الذي يحويه الصاروخ!! ولاعجب!!).

قال حقاني إن مساعدات وصلته من رابطة العالم الإسلامي والهلال الأحمر السعودي، وكذلك تميم العدناني الذي بذل جهداً كبيراً في جمع التبرعات من الداخل والخارج، أما أبوعبدالله (اسامة بن لادن) فلم يقدم مساعدات له.

– أخبرني حقاني أيضًا أنه فور وصوله إلى ميرانشاه، بعد إصابته طلب الرئيس ضياء الحق مقابلته. فقال لهم حقاني إنه سيفعل لو أن فترة بقائه في باكستان زادت عن أسبوعين، لأنه ينوي العودة إلى زدران مرة أخرى، ولما ظهر له الآن أن فترة بقائه سوف تطول فقد طلب منهم تحديد موعد المقابلة.

– في نهاية الحديث أخبرت حقاني عن استعدادي للعمل في مجلته المنشودة على أن تكون صوتًا للمجاهدين في مواجهة الكاذبين في بشاور، أسعده ذلك. ولكني قلت له إنني لن أكتب في المجلة لأن كتاباتي سوف تسبب لكم المشاكل، فضحك من ذلك. ثم استشرت حقاني حول كتابة ونشر قصة وتفاصيل المعركة الأخيرة، وموقف الأحزاب منها، فقال إن الضرر الذي سينتج من ذلك العمل هو أضعاف الفوائد الناتجة عنه، لعدة أسباب: أولاً: إنّ العدو سوف يستفيد من ذلك كثيرًا لأنه يعرف أنك تكتب من داخلنا. والسبب الثاني: هو أن زعماء الأحزاب سوف ينسون معركتهم مع الروس وسوف يتوجهون بالحرب ضدك مباشرة لأنك فضحتهم وسوف يصورون المسألة للناس على أنك عميل للروس، وقد جئت إلى هنا كي تكذب على قادة الجهاد وتوقع بينهم. وافقته على ماذهب إليه، فقد كان رصيد تجاربي السابقة يؤيد ما يقول.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (20)

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 17

جلال الدين حقاني 17

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 167 ) | جماد الأولي 1441 هـ / يناير 2020 م . 

11/01/2020

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 17 )

(1986) -أفغانستان تحت النظام الجديد،دولة يمتلكها جهاز إستخبارات .

 

حقاني يقول في مواجهة مؤامرة دولية لفرض تسوية ظالمة على  شعب أفغانستان:

{ إن أفضل طريقة لإفشال التسوية السياسية هي تصعيد عملياتنا ضد القوات السوفيتية والحكومية. فالسوفييت يشترطون على باكستان أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أفغانستان أثناء فترة انسحاب القوات الروسية. وليس في مقدور أحد أن يوقف جهادنا حتي تتحقق الشروط الإسلامية في حكم أفغانستان.التسوية المطروحة ليست مقبولة لدينا. وبقاء الشيوعيين على كراسي الحكم بعد انسحاب الجيش الأحمر مستحيل. فالشعب الأفغاني سيقتلهمم فردًا فردًا، والجيش الأفغاني سينضم للمجاهدين لأن السوفييت هم الذين يكرهونه على قتالنا. وجهادنا مستمر حتى لو أغلقت الحدود، فاعتمادنا أولًا وأخيرًا على الله. ولعلنا في المرحلة القادمة نتخلص مما علق بحركة الجهاد من شوائب في المرحلة السابقة }.

حقاني العقبة الرئيسية أمام التسوية الدولية، والعدو الأول لنظام كابل ورئيس الدولة الجديد.

فيما يلي رؤيتي للموقف السياسي آنذاك (في يونيو 1986 بعد انتهاء الحملة الثانية على جاور وتنحية بابرك كارمل عن رئاسة الدولة في كابل وتعيين نجيب الله رئيسًا جديدًا بدلًا عنه)، كما جاءت في مقال نشرفي صحيفة الاتحادالإماراتية تحت عنوان (دولة للجواسيس).. ونبدأ بملاحظات مسبقة حول ذلك المقال:

1ـ كان من المفروض أن تكون معركة جاور الثانية، محورًا لمرحلة جديدة في القضية الأفغانية، لحلها سياسيًا باتفاق بين السوفييت والولايات المتحدة. بما يضمن مصالحهما معًا في أفغانستان، والتي تلتقي في نقطة رئيسية واحدة هي استبعاد المجاهدين (الحقيقيين) من الوصول إلى حكم ذلك البلد.

2ـ كان من المفروض أن تبقى القوات السوفيتية والحكومية في قاعدة جاور/على أقل تقدير/ إلى حين انتهاء جولة المفاوضات بين حكومتي باكستان وأفغانستان والمقررة فى 5 /5/1986  حتى تكون ورقة ضاغطة لتمرير المطالب السوفيتية من موضع قوة .

ولكن معركة جاور أخذت مسارًا مختلفا. لقد تصور السوفييت أنها ستكون ضربة خاطفة بقوة أرضية وجوية لا قِبَلْ لا أحد بها (من 30 إلى 50ألف جندي، مع غطاء جوي يضم أحدث الطائرات السوفيتية).

لكن حقاني قاد المعركة ضدهم بحيث استغرقت 21 يومًا ولم تتمكن قوات الجيش الأحمر من البقاء أكثر من (8ـ 18 ساعة ) ثم غادروها مسرعين تاركين مهمات كثيرة خلفهم وكأنهم كانوا متلهفين على الفرار. ولولا أصابة حقاني بضربة نابالم لانتهت الحملة السوفيتية بعبارة (لم ينج أحد) فقد كان سهلا عليه حصارهم وإبادتهم في جاور.

3 ـ نظام كابول كان في حاجة إلى بقاء جاور تحت الاحتلال إلى حين الاحتفالات بعيد الانقلاب الشيوعي في 27 أبريل ولكن القوات المهاجمة فرت في 20 أبريل فضاعت فرصة دعائية كان النظام الشيوعي في أشد الحاجة إليها.

4 ـ القيادة السوفيتية كانت في حاجة إلى مدة احتلال أطول لقاعدة جاور إلى حين الفراغ من مشاورات داخلية في الحزب الشيوعي لاتخاذ قرار نهائي بانسحاب (مُشَرِّف) من أفغانستان.

5 ـ نجاح حقاني في إفشال المخطط السوفيتي في جاور، جعل الحلّ السياسي الدولي مهدّدًا بالفشل التام، إلا إذا استطاعت القوّتين الدوليتين من القيام بحملة أخرى ضد حقاني وفتح الطريق البري إلى خوست لتوفير غطاء أدبي للقيادة السوفيتية، وللحفاظ شكليا على كرامة الجيش الأحمر المنهزم والذي أهين بشدة في قاعدة جاور ومدينة خوست. فكانت هي المدينة الوحيدة التي لم يتمكن الجيش الأحمر من الدخول إليها عن طريق البر. لهذا فإن المعركة القادمة كان عنوانها (طريق زدران) الواصل بين جرديز (عاصمة باكتيا) وبين خوست التي يحاصرها حقاني، بحيث أن الجيش الأحمر بكل جبروته فشل في الوصول إليها لعدة سنوات.

6 ـ معركة جاور الثانية (1986) كانت أكبر معركة فعلية يخوضها الجيش الأحمر حتى انسحابه من أفغانستان. لأن معركة (طريق زدران)التالية، وسوف نمر عليها لاحقا، كانت مؤامرة دولية لحفظ ماء وجه السوفييت وتمكنيهم من الانسحاب (بكرامة).

7 ـ استعد السوفييت لمرحلة انسحابهم من أفغانستان والمرحلة التالية، باختيار رئيس جديد للدولة هو نجيب الله رئيس جهاز الاستخبارات(خاد) الذي هو الفرع الأفغاني للمخابرات السوفيتية (كي جي بي) أي أنهم سيتركون أفغانستان رهينة لتواجد استخباري سوفيتي، يمثل احتلالا غير مرئي ولكنه قاسٍ وفعال.

وهذا ما ينادي به حاليا الرئيس الأمريكي(ترامب) الذي قال بأنه سينسحب من أفغانستان تاركاً خلفه تواجدا قويا للمخابرات الأمريكية CIA. إنها نفس الخطة السوفيتية مع تعديلات تتوافق مع ظروف مستجدة ومع طبيعة استئصاليه خبيثة للإحتلال الأمريكي.

اصطلاح تواجد استخبارى لا يعني فقط شبكات تجسس، بل يشمل أيضا تشكيلات مسلحة تتبع الاستخبارات بشكل رسمي، مع تشكيلات أخرى غير رسمية تمارس الأعمال الأشد وحشية ضد المدنيين بدون أن تتحمل الاستخبارات أو الحكومة تبعات تلك الأعمال. وهذا هو المعمول به حاليا في أفغانستان.

8 ـ أصيب المجاهدون بضربة معنوية بدخول القوات الشيوعية إلى(جاور) التي هي بالنسبة لهم أكبر من مجرد قاعدة عسكرية وإدارية، بل هي رمز اعتزاز وقوة. وقد استشهد في المعركة ما يقارب 130 شهيدًا وعدة مئات من الجرحى والمعوقين (و ذلك أكبر قليلا من خسائر المجاهدين عند فتح مدينة خوست في عام 1991، الذي هو الإنجاز العسكري الأكبر في حرب أفغانستان ضد الشيوعية).

– في الأيام الأخيرة من شهر إبريل 1986 وقع حادث انفجار مفاعل شيرنوبل النووي في أوكرانيا ـ الاتحاد السوفيتي ـ فاعتبرها الأفغان انتقامًا إلهيًا من المعتدين السوفييت. فبدأوا مع حقاني في التجهيز النشط لمرحلة القتال التالية والتي توقعها حقاني في جبال ستي كندوـ عند بداية الطريق البري إلى خوست والقادم من كابول . وهي معركة طريق زدران التي وقعت بعد حوالي عام ونصف في شتاء(1987 ـ 1988) وكانت موضوع لكتاب أسميته (خيانة على الطريق). وهي الخيانة التي تعرض لها حقاني ورجاله.

9 ـ في جولة مفاوضات جنيف(5/5/1986) شروط التسوية المعروضة للبحث رفع منها مطلبًا كان يدعوه بأن تكون  أفغانستان بعد التحرير ” دولة إسلامية محايدة” . ووضع بدلا عنه بنداً آخر يقول (توفير ضمانات دولية لتنفيذ اتفاقية التسوية فى أفغانستان ) .

ويتطابق ذلك مع ما يطالب به الاحتلال الأمريكي حاليا من استبعاد نظام الإمارة الإسلامية بدعوى أنه غير مقبول دوليا. ويترافق ذلك مع مطلب بتشكيل حكومة مشتركة بين حركة طالبان (بعد فك ارتباطها بالإمارة الإسلامية) وبين نظام كابول العميل.

وهكذا تتوارث إمبراطوريات الاحتلال عدائها للإسلام في أفغانستان، والعمل على استبعاده من الحكم بل ومن الحياة والثقافية الشعبية الأفغانية.

وذلك هو الجوهر “الحضارى” للصراع الدائر في أفغانستان بين الإسلام والحضارة الهمجية للغرب المتوحش.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

دوله للجواسيس

(1968) أفغانستان تحت النظام الجديد ـ دولة يمتلكها جهاز استخبارات

– دكتور نجيب الرجل الأقوى في أفغانستان ورئيس جهاز الإستخبارات (خاد) يصبح رئيساً للدولة.

– ركاكة التنظيمات الشيوعية في أفغانستان يجعل الإنسحاب السوفيتي مغامرة غير مضمونة. * التسوية السياسية مبادرة من باكستان أم صفقة دولية؟.

– المنظمات الأفغانية في حالة ترقب والمجاهدون لن يوقفوا القتال.

 

(رسالة أفغانسان ــ مصطفى حامد ــ في 10/5/ 1986 )

أزاح السوفييت (بابراك كارمل) عن رئاسة الجمهورية في أفغانستان لإفساح الطريق للتسوية السياسية, وفتح صفحة جديدة لنظام شيوعي جديد في كابول ولكن بتنقيحات أكثر.

فبابراك كارمل لم يكن مقبولاً داخل أو خارج أفغانستان بصفته الحاكم الذي جاء محمولاً فوق الدبابات السوفيتية في الإنقلاب, أو الغزو الذي حدث في السابع والعشرين من ديسمبر 1979 و الذي قتل فيه حفيظ الله أمين الذي كان يسعى إلى خط ماركسى مستقل عن موسكو.

كما أن تغيير كارمل قبل أيام من إنعقاد دورة المحادثات السابعة في جنيف بين ممثلي دولتي أفغانستان وباكستان قد زاد من إمكانية تحويل هذه المباحثات إلى مباحثات مباشرة، وسهل عملية إعتراف باكستان بالنظام القائم في كابول. ويبقى تسهيل آخر لا بد أن تقوم به موسكو وهو تقديم جدول زمني للإنسحاب يكون مقبولاً من حكومة إسلام آباد التي تطالب بفترة انسحاب مقدارها ستة أشهر بينما تطالب موسكو بفترة قد تمتد إلى عامين.

ولا يبدو من الصعب التوصل إلى حل وسط بهذا الخصوص. ولا شك أن اعتراف باكستان بالحكم الشيوعي في كابول سوف يفتح صفحة جديدة في القضية الأفغانية لن تكون بأي حال أقل تعقيداً من المرحلة الماضية .

 

رئيس الجواسيس :

في كابول تربع الدكتور نجيب على كرسي الرئاسة  كونه سكرتيراً لحزب (بارشام), إلى جانب رئاسته لجهاز الاستخبارات الأفغانية (خاد) وهذا هو الجانب الأهم. فالدكتور نجيب الذي ولد في محافظة باكتيا عام 1947 وتخرج من كلية الطب بجامعة كابول إنخرط في تيار الحركة الشيوعية في أفغانستان. وبعد إنقسام الحزب الشيوعي المسمى الشعب الديموقراطي إلى جناحيه (خلق) و(بارشام) كان الدكتورنجيب في جناح (بارشام) الذي يترأسه (كارمل) ولكن الروس ضغطوا على (نور محمد طراقي) رئيس حزب خلق ورئيس أفغانستان بعد الإنقلاب الشيوعي في إبريل 1978 وأرغموه على قبول دكتور نجيب في الحكومة وفي اللجنة المركزية للحزب. ولكنه اتهم فيما بعد بخيانة الحزب وأطلقت عليه النار فأصيب بجروح وغادر أفغانستان حتى الغزو السوفيتي الذي عين (كارمل) وحزب بارشام متسلطين على الحكم في البلاد. وتولى دكتور نجيب تشكيل جهاز المخابرات الأفغاني (خاد) عام 1981 ونجح في مهمته نجاحاً ملمواساً نتيجة لتعاونه التام مع جهاز الإستخبارات السوفيتي (كي جي بي)حتى عرف نجيب بأنه الرجل الأول للإستخبارات السوفيتية في أفغانستان، وبالتالي أصبح نجيب الرجل الأقوى في الدولة حتى في ظل حكم كارمل. وفي إمكان نجيب تدمير أي شخصية في الدولة من حيث أنه يمتلك مفاتيح الأسرار الخاصة لجميع المسئولين. والتي يمكن إستخدامها في الوقت المناسب لحرق أوراق أياً منهم. ومن المعروف في كابول منذ تولى نجيب إنشاء( خاد) وإدارتها أنه ليس في وسع مسئول حكومي كبير الإستمرار في منصبه بدون تقديم الرشاوي لرجال الاستخبارات السوفيتية وللدكتور نجيب، رجلهم الأول في أفغانستان.

 

دولــة خـــاد:

وفي تعيين نجيب رئيس جهاز الإستخبارات خاد، رئيساً للدولة إشارة كافية إلى الأهمية التي يعلقها السوفييت على هذا الجهاز في مستقبل أفغانستان.فالدور الأول لإخضاع البلاد للنظام الماركسي سيكون منوطاً بجهاز الإستخبارات وليس القوات المسلحة، التي سيكون دورها في المستقبل وكما هو الآن حالياً، يتمثل في تأمين الحدود مع باكستان وإيران.

أما العمليات العسكرية ضد جيوب المقاومة فستكون بإرشاد وإدارة خاد ستقوم بالتمهيد لهذه العمليات بواسطة عمليات للتجسس وإختراق منظمات المجاهدين وشراء الأعوان والجواسيس والتعامل مع قبائل الباتان والبلوش على الجانب الباكستاني والعمل على شرائهم لصالح مخططات موسكو. لا شك أن النظام الأفغاني القادم سيعتمد أساساً على هذا الجهاز. ومن المرجح أن يعمل بالنيابة عن الجهاز الأم (كي جي بي) في دول الشرق الأوسط والدول الإسلامية الأخرى. وتولية نجيب رئيس جهاز الإستخبارات رئيساً للدولة يعني ببساطة أن أفغانستان ستصبح دولة يمتلكها جهاز مخابرات، وليست دولة تمتلك جهازاً للمخابرات. وهذا يقترب كثيراً من الصورة في المعسكر الشرقي بوجه عام.

 

صراع الرفاق:

ولكن هل يعني تولية رجل قوي مثل نجيب زمام السلطة في كابول نهاية للصراع الداخلي بين (بارشام) وخلق؟.  من المشكوك كثيراً أن يحدث ذلك. فالتقارير الواردة من كابول تفيد بأن مواجهات مسلحة قد حدثت بين الفريقين.وقد تتسع هذه المصادمات بعد إنسحاب الجيش الأحمر الذى يمسك بيده الموازين. بل أن المعارك العنيفة التي حدثت في  خوست (جاور) مؤخراً فى شهر أبريل الماضي شهدت صداماً مسلحاً بين وحدات عسكرية موزعة الولاء بين ضباط خلق وضباط بارشام.ولا شك أن توسيع رقعة الصدام بين الأجنحة الماركسية سيهدد النظام بأسره خاصة وأن الحرب الأهلية في أفغانستان لن تتوقف بالتسوية، فقطاعات قوية ومؤثرة من الشعب مصرة على إستمرار الجهاد ضد الحكم الشيوعي وإستبداله بحكم إسلامي مهما كان الثمن.

كما أن حزب بارشام الحاكم مقسم إلى ثلاث مجموعات يرأس إحداها رئيس الوزراء سلطان علي كشمند، وكان  من المرشحين لتولي منصب الرئاسة بعد تنحية كارمل. وحزب خلق الذي يعتبر أكثر شعبية من البارشام يعاني هو الآخر من عدة إنقسامات داخلية. وهكذا تصبح الكتلة الشيوعية في البلاد في حالة من الركاكة بحيث قد تدفع السوفييت إما إلى إلغاء برنامج التسوية السلمية من أساسه أو المغامرة بالإنسحاب على أمل أن يتمكن نجيب من السيطرة علي الوضع. على أمل آخر هو أن ينهار وضع المجاهدين بسرعة بعد تخلي باكستان عنهم وكذلك دول الخليج وباقي الأصدقاء.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

خيوط نجيب:

 الرهان على (نجيب) له ما يبرره من جانب السوفييت فخيوط القوه التي يمسكها بيده، بالإستعانة بجهازه لا تدانيها قوة أخرى حزبية أو عسكرية. وجميعها خيوط مؤثرة في ظروف أفغانستان الحالية. * فقد عمل نجيب فترة من الزمن في وزارة شئون القبائل وخلالها أقام علاقات جيدة مع كثيرمن الرؤوس القبلية وتجمعت لديه دراية كافية عن شئون القبائل الأفغانية ، وهي القوة الرئيسية المعارضه للنظام الماركسي والمؤيدة للمجاهدين.

– كما أن نجيب على علاقة جيدة مع عدد من القبائل على الجانب الباكستاني وضمن ولاءها له، كما تربطه علاقة قوية بالحزب (القومي الديموقراطي الباكستاني) النشط في مناطق الحدود والذي يرأسه (خان عبد الوالي خان) وهو حزب ذو علاقات تاريخية بموسكو ونيودلهي وكابول.

– إستطاع نجيب خلال رئاسته (لخاد) من إختراق تنظيمات المقاومة الأفغانية في بشاور, بدرجات مختلفة، ولكن إلى درجة تسمح له بممارسة دور ملموس داخل بعض من هذه المنظمات. ومع هذا فإن حالة الضياع السياسي التي تعيشه هذه المنظمات لا يتحمل دكتور نجيب وجهازه السري غير جانب صغير منه أما المسئولية الكبرى فيتحملها أصدقاء المقاومة الأفغانية وتدخلاتهم العميقة في شئون هذه المنظمات.

 

صفقة أم مبادرة؟

تقول إحدى النظريات التي تفسر عملية التسوية السياسية في أفغانستان. أن تلك التسوية هي من ضمن صفقة كونية بين السادة العظام. وأن موافقة السوفييت على إطلاق يد أمريكا في دول الشرق الأوسط مما يلي الحدود السوفيتية وحتى شواطيء الأطلنطي قد قوبل بموافقة أمريكية على جعل أفغانستان دولة شيوعية خاضعة لموسكو والسماح للجيش الأحمربالخروج من ورطته هناك. والنظرية الأخرى تقول بأن المبادرة كلها إتخذتها الحكومة الباكستانية منفردة وعلى غيرموافقة أمريكا نتيجة لرؤية خاصة ترى أن مصالحها القومية تتحقق من خلال هذه التسوية. وأن المرحلة التي إستفادت منها باكستان من هذه الحرب قد إنتهت وأصبح إستمرارهذه الحرب وتواجد الجيش الأحمر في أفغانستان يشكل مخاطر صرفة على باكستان. وأن زمن الإستفادة قد ولى وحان وقت المغرم. أصحاب الرأي الأخير يعززونه بالقول بأن التوازنات السياسية داخلياً أملت على الحكومة الحالية في باكستان هذا الموقف. وأنها بذلك قد إنتزعت بمهارة آخر سهم في جعبة أحزاب المعارضة. فالسهم الأول كان الأحكام العرفية التي كانت المعارضة تتجمع حول شعارمقاومتها. فأقامت لذلك تحالفاً فيما بينها أسمته (حركة استعادة الديموقراطية) ولكن بعد رفع الأحكام العرفية وعودة الأحزاب لم يعد هناك مجالاً لعمل هذه الحركة. وكان آخر سهم لتجمع هذه الأحزاب الذي يقودها حزب الشعب اليساري هو القضية الأفغايية والمناداة بحلها سلمياً حتى لا تتعرض باكستان لخطر البطش السوفيتي وتدخلات المهاجرين الأفغان في السياسة الباكستانية . الآن وبعد التسوية لم يعد أمام المعارضة أي قضية جوهرية للحديث عنها,حيث أن القضايا الأساسية المتبقية لا يكاد تظهر فيها فروقاً بين وجهات نظر الحكومة والمعارضة وهذه القضايا مثل الصداقة للولايات المتحدة وإستمرار توازنات القوى الإقتصادية والإجتماعية في الداخل بدون تغير إلى جانب الإعتراف بالدور الأبوي للمؤسسة العسكرية.

 

تشاؤم وتفاؤل:

 المعارضون في باكستان لمبدأ التسوية لديهم تخوفات قوية لها ما يبررها منها أن السوفييت يمارسون نفس التكتيك القيصري القديم في إبتلاع المناطق الإسلامية وذلك بحصارها وقطع خيوطها عما خلفها من ممالك إسلامية عن طريق إرهاب هذه الممالك وتخويفها حتى توقع مع الروس معاهدة تعترف بالأمر الواقع وتنشد السلامة والصداقة مع الروس.

ولكن هذه المعاهدات وفي كل مرة تنتهي حالما يفرغ الروس من هضم الجزء الإسلامي الذي إبتلعوه ثم يهاجمون الذي يليه ويحتلونه وهكذا…هؤلاء المتشائمون يرون أن هدف الروس من إبتلاع الأراضي الإسلامية هو توسيع الرقعة والإستيلاء على المواد الخام والقوة البشرية ولكن الهدف النهائي والأهم هو الوصول بأطراف الإمبراطورية إلى المياه الدافئة.

 

يقول هؤلاء أيضا:

أنه لم يتبق في هذا المخطط بعد أفغانستان إلا ضربة واحدة في باكستان وبعدها يطل الروس على المحيط الهندي من بلوشستان. يقول هؤلاء : إن الضربة التالية والأخيرة ستكون علينا وأن توقيع معاهدة التسوية في جنيف

إنما هو توقيع صك على نهاية باكستان وتسليمها إلى الروس. وهم يرون أن اليسار الباكستاني سيكمل المهمة ويمهد لدخول الروس كما فعل اليسار الأفغاني قبلاً وكان المخلب الذي أسال دماء الأفغان لصالح الروس. وأن الشيوعيين سيقومون بدور حصان طرواده للجيوش الروسية في طريقها إلى المياه الدافئة. وقال أحدهم بيأس معلقا على مفاوضات جنيف أنها فى أحسن صورها كامب ديفد أخرى ولكن في جنيف. أما المتفائلون فيدافعون عن قبول الحكومة الباكستانية للتسوية السلمية قائلين بأن الشيوعيين الأفغان ليس لديهم القدرة على الصمود في وجه الشعب الأفغاني المسلم الذي لن يقبل بهم.

وهم لن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم بدون حماية الجيش الأحمر حتى أن الجيش الأفغاني  رصيداً للجهاد وسوف ينضم بأفراده ومعداته للمجاهدين وهذا سيعوض لهم إمدادات السلاح التي ستقطع عنهم بإغلاق الحدود الباكستانية.

 

إسلامية محايدة:

بدأ الحديث عن تسوية سياسية في أفغانستان يأخذ طابعاً جدياً عام 1983 ومنذ ذلك الوقت طرحت الحكومة الباكستانية أربعة شروط لهذه التسوية وهي :

1- إنسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان.

2-عودة المهاجرين الأفغان إلى ديارهم.

3-عودة أفغانستان دولة محايدة إسلامية.

4-وقف التدخلات الخارجية في شئون أفغانستان الداخلية.

ولكن منذ بداية الأزمة وحتى تولي جورباتشيف زمام السلطة في الكرملين لم يبدي السوفييت أي تهاون فيما يتعلق بإلغاء البند الثالث. فقد أصروا على أن تكون أفغانستان خاضعة لحكم شيوعي موالي لموسكو. فهذا الموضوع غير خاضع للتفاوض بأي شكل. وما سوى ذلك يمكن التفاهم حوله. وفي قائمة شروط التسوية التي طرحت على مؤتمر جنيف الأخير حول أفغانستان لم يعد لهذا البند وجود واستبدل بشرط آخر يقول بتوفير ضمانات دولية لتنفيذ إتفاقية التسوية في أفغانستان الإتفاق على تسوية سلمية بدون ضمان نظام الحكم القادم بأنه (محايد وإسلامي) يعتبر تخلياَ تاماً عن المقاومة الأفغانية والشعارات الإسلامية التي طرحتها. أو كما قال أحد المجاهديين :

إنهم قد باعونا في جنيف. فالشعب الأفغاني لم يقدم مليوني شهيد وخمسة ملايين مهاجر في جهاده ضد السوفييت والنظام الذي أقاموه في كابول لكي يقبل بعد سبعة سنوات من القتال بنفس النظام الذي رفع في وجهه السلاح منذ البداية.

 

عودة للبداية: 

ليس هناك أدنى شك في أن الشعب الأفغاني يرفض تسوية من هذا النوع . وإجماع المجاهدين داخل أفغانستان هو إستمرار القتال ضد الشيوعية المحلية المتملثة في حزبي خلق وبارشام. يقول أحد قادة المجاهدين في الداخل:  (إن إغلاق الحدود مع باكستان سيخلق لنا مشاكل جمة. وعلى أي حال نحن لا يمكننا القبول بهذه التسوية وسنعود إلى القتال بواسائلنا الأولى بدون الإعتماد على أحد). ويتخوف قادة المجاهدين في الداخل من عودة المهاجرين في ظل حكومة ماركسية في كابول لأن هؤلاء الناس تحت ضغط الحاجة سيعتمدون على الحكومة ويخضعون لسلطانها. وأن حكومة كابول سوف تجند هؤلاء العائدين في صفوف الجيش الذي ستستخدمه في التنكيل بالمسلمين. كما أنها ستأخذ منهم أبناءهم وترسلهم إلى روسيا لكي يتحولوا إلى الشيوعية هناك ويعودون إلى أفغانستان خداماً لموسكو وحرباً على شعبهم. وهذه هي السياسة التي إتبعها

الروس أيضاً في المناطق الإسلامية المحتلة في آسيا الوسطى.

 

السمان والعجاف:

ومهما يكن فإن إختلاف زعماء المنظمات الأفغانية المتمركزة في بشاور وعدم أتفاقهم حتى على الحد الأدنى من البرامج المشتركة قد أضاع على الجهاد الأفغاني فرصة تحقيق تفوق وسيطرة داخل أفغانستان بحيث يتمكن المجاهدون من بسط نفوذهم على البلاد، أو حتى إستئناف مقاومة منظمة ضد النظام الشيوعي الجديد. لقد إنقضت سبع سنوات على بداية المقاومة الأفغانية وحتى الآن ،كانت بحق سبع سنوات سمان من حيث الإمكانات المادية الكبيرة التي توفرت لدى المنظمات. ولكنها جميعاً تبخرت بدون ترسيخ جذورمقاومة منظمة في الداخل وعلى إتساع البلاد.. وبعد التسوية تبدأ السنوات العجاف بالنسبة للمقاومة الأفغانية بدون أن تجد رصيداً يعتد به من السنوات السمان. فلا يمكن للمنظمات الأفغانية مجتمعة أو منفردة الإدعاء بأنها قد إستعدت للمرحلة القادمة أو حتى أنها تمتلك تصوراً لما يمكن أن تكون عليه المقاومة. وتكتفي المنظمات في بشاور بإعلان الإحتجاج اللفظي على التسوية الجارية في جنيف بينما  دلائل العجز لا تخفى على العيان. ولا شك أن المواقف الفعلية لهذه المنظمات ستنجلي بعد إتضاح مصير مفاوضات جنيف فمازال يحدو الجميع أمل بأن يحدث شئ ما وتفشل هذه المفاوضات. بلا شك أن ذلك سيرضي عامة الشعب الأفغاني والمجاهدين، ولكن بعض المنظمات الأفغانية في بشاور على إستعداد للقبول بالتسوية  عند ضمان نجاحها بل إن البعض لديه الإستعداد للمشاركة فيها إذا وجهت إليه الدعوة بطريقة مناسبة.

 

تصعيد العمليات:

يقول جلال الدين حقاني: الذي مازال يعاني من حروق أصيب بها في معارك خوست الأخيرة:

(إن أفضل طريقة لإفشال التسوية السياسية هي تصعيد عملياتنا ضد القوات السوفيتية والحكومية.فالسوفييت يشترطون على باكستان أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أفغانستان أثناء فترة إنسحاب القوات الروسية. وليس في مقدور أحد أن يوقف جهادنا حتي تتحقق الشروط الإسلامية في حكم أفغانستان .التسوية المطروحة ليست مقبولة لدينا. وبقاء الشيوعيين على كراسي الحكم بعد إنسحاب الجيش الأحمر مستحيل. فالشعب الأفغاني سيقتلهمم فرداً فرداً والجيش الأفغاني سينضم للمجاهدين لأن السوفييت هم الذين يكرهونه على قتالنا. وجهادنا مستمر حتى لو أغلقت الحدود فإعتمادنا أولاً وأخيراً على الله. ولعلنا في المرحلة القادمة نتخلص مما علق بحركة الجهاد من شوائب في المرحلة السابقة).

ليست المنظمات الأفغانية في بشاور وحدها في حالة ترقب لما يحدث في أفغانستان. بل إن الشعوب الإسلامية بأسرها  تنظر وتترقب موقف هذا الشعب المسلم في أفغانستان ، الذي على خلاف ما عداه- لم يخضع لبطش الإحتلال أو تخديرات التسويات السياسية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 17

 




فوهة البندقية .. نبع السلام

فوهة البندقية .. نبع السلام

مقدمة :

فى شهر سبتمبر من عام 1991 ، نُشِرَ هذا المقال فى مجلة منبع الجهاد التى كان يصدرها مولوى جلال الدين حقانى من معهد منبع العلوم فى ميرانشاة . وقتها كان قد تبَقَّى حوالى نصف العام على فتح كابل (فبراير 1992) . ونشط معظم العالم لمحاصرة الإنتصار الإسلامى فى أفغانستان ، تقودهم أمريكا ومنظومتها الدولية ، من أمم متحدة ومجلس أمن وهيئات إغاثة دولية ، كما نشط حلفاؤها الإقليميون من الباكستان إلى السعودية وباقى منظومة العملاء الذين مازالوا ناشطين إلى الآن .  ومعهم قادة الفساد والإنحراف فى أحزاب بيشاور الذين تجهزوا ، بل تسابقوا، سراً وعلنا ، لحجز مقاعد لهم فى الحكم القادم إلى كابل الذى رسمت ملامحة الولايات المتحدة على أساس أن يكون حكما مشتركا بين الإسلاميين “الحزبيين” عملاء أمريكا  وبين الشيوعيين ، بشرط ألا ينفرد المجاهدون بالحكم ، بل يشارك معهم من إستدعوا جيوش الإحتلال وقاتلوا إلى جانبها . فيستوى فى الحكم المجاهد الذى بذل الدم والمال ، مع من إستدعى المحتل وقاتل إلى جانبه بالسلاح والميليشيات والجنود .

فهل يعيد التاريخ نفسه ؟؟ . أم أنها ظاهرة تتكرر إذا تكررت نفس الظروف؟؟.

أوشكت كابل أن تجيب على السؤال ، وأن تفتح أحضانها لأبنائها المجاهدين الفاتحين .

…………..

 

فوهة البندقية .. نبع السلام

 ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم اعمالكم) .

إذا كان السلم يعنى : إقرار الظالم على ظلمه فهو مرفوض شرعا وعقلا . وقد مرت بالمسلمين فترة من الزمن أرغموا فيها على تجرع كأس المهانة والذل .

وقبلوا بظلم الكافرين لهم . لكن ذلك لا يعنى جواز التنازل التام لهؤلاء الكافرين وإقرارهم على ظلمهم وعقد سلم معهم هو فى حقيقته إستسلام وإهدار لحقوق المسلمين فى الدنيا ، بل وتفريطا فى الدين الذى إرتضاه لهم خالقهم .

فالسلم الحقيقى لا يكون إلا بإقرار الحق بمفهومه القرآنى الصحيح لا بمفهومات منحرفة إخترعتها مؤسسات الكفر كى تفرضها على الضعفاء كرها وبقوة السلاح . وما المؤسسات الدولية التى تحاول أن تغتصب لنفسها صفة الشرعية والقانون إلا إدوات فى أيدى الأقوياء الذى يفرضون شريعتهم الظالمة على الشعوب المستضعفة بقوة الإرهاب الدولى .

وأحرى بالمجاهدين والشعب الأفغانى بشكل خاص بعد أن منَّ الله عليهم بالنصر المؤزر على أكبر قوة ملحدة فى التاريخ ، ألا ينخدعوا بدعاوى السلام الزائف التى تروجها أبواق الكفر الظالمة كى تهضم حقوقهم وتترك بلادهم مستباحة للملحدين المارقين .

وبفضل الله ثم إيمان الشعب الأفغانى وبطولاته وتضحياته التى لا تحصى ، سقطت إمبراطورية الشر فى الإتحاد السوفياتى ، وتحررت شعوب فى قارات الدنيا كلها من نيران الشيوعية الملحدة، لكن إرادة الظلم والكفر الدولية تريد لهذا الشعب المجاهد أن يظل رازحاً تحت نيران الشيوعية فأى عدل وأى شريعة يدَّعونها لأنفسهم ؟؟ ونحن لا نعجب فى أن تتكاتف قوى الكفر الدولية كى تمنع الشعب الأفغانى المسلم من إقامة دولته الإسلامية المستقلة على أرض بلاده ولكننا نعجب لإناس من بنى جلدتنا ويدينون بما ندين به يسعَوْن جهدهم لإقرار شريعة الكفر على البلاد تحت دعوى السلام الزائفة .

فالذين خارت عزائمهم والذين يلهثون خلف بريق السلطة ولو بمشاركة الكافرين فيها ، وهؤلاء الذين يتمرغون على أعتاب القوى الكبرى بحثاً عن دور حقير يشترونه بثواب الآخرة ، كل هؤلاء ليسوا منا ولسنا منهم .

فنحن على يقين من نصر الله لعباده المؤمنين المجاهدين وإن قل عددهم وعتادهم ، وحتى إن إجتمعت الدنيا عليهم ورمتهم عن يد واحدة .

أما عن السلام فى أفغانستان فشعبنا يعرف الطريق إليه جيدا .. الطريق إلى السلام ينبع من فوهة البندقية ويبدأ بخضوع الكافرين لحكم الله خضوعا تاما ، عندها فقط يبدأ السلام وتعود الطمأنينة كما كانت فى ربوع أفغانستان المسلمة .

أما التسليم للكافرين أو مقاسمتهم السلطة فإنه لن يكون إلا إذا تمكن الكافرون من إبادة شعبنا المسلم عن بكرة أبيه .

وحتى هذا لن يرهبنا فنحن نؤمن بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، فهل يتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ؟ .

فإلى بنو جلدتنا الذين يتمرغون على الأعتاب ، وإلى اللاهثين خلف سراب القوة والسلطة بأى شكل وتحت أى ظروف نقول لهؤلاء جميعا إن إخوانكم فى “خوست” “وتخار” قد عرفوا الطريق الصحيح وأجابوا على دعاوى التسليم بالشكل الملائم .

وهم الآن يدقون أبواب “جرديز” التى بدأت تترنح تحت وطأة ضرباتهم . وها هى “جلال آباد” تنتظر الفاتحين ومثلها “قندهار، وغزنى ، وهيرات “. أما كابل فهى لن تسلم قيادها إلا لمن يستحق .. لن تسلم “كابل” إلا لأبنائها الفاتحين الذين يقتحمون الأهوال ويصرعون الباطل الدولى تحت أسوارها العنيدة .

أما الذين تحملهم حراب الباطل وقوى الطاغوت الدولى إلى كراسى الحكم فإن شعبنا سيلقى بهم فى هاوية التاريخ ، حيث يرقد أسلافهم من “أمان الله” إلى “تراقى ” إلى “كارمل” .

فالشعب الذى حمل السلاح منذ أكثر من عقد من الزمان دفاعاً عن دينه لن يكون من السهل خداعه وسرقة إنتصاره قبل دقائق قليلة من حصوله عليه .

وكم من ظالمين ومارقين دفنهم الأفغان فى جبال الهندكوش !!.

وكم من نظام دولى كافر لفظ أنفاسه على أرضنا!! . وكم من قوة عظمى دخلت بلاد الأفغان ولم تخرج منها أبدا !! .

هناك دفنت جيوش الإمبراطورية البريطانية قبل أن تغيب عنها الشمس ، وهناك ضاع الجيش الأحمر وتحللت الأمبراطورية السوفيتية وضاعت شمسها إلى الأبد .

ولكن يبدو أنها لن تكون الإمبراطورية الأخيرة التى يقضى عليها أبطال الأفغان المجاهدين .

” وسيعلم الذين كفروا أى منقلب ينقلبون ” .

 

نقلا عن ( مجلة منبع الجهاد ) السنة الثانية – العدد13 / ربيع الأول 1412 هـ 1 سبتمبر 1991 م

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

فوهة البندقية .. نبع السلام

 




هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟

هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟ 

معظم العناصر المقربة لدى الجماعات ( الجهادية ) وقياداتها وليدة السجون التعسفية والمعتقلات الغير إنسانية. وهذا مما يؤكد أن القسوة والشدة غالبا ماتنتج مثيلهما كما ونوعا…

وهذا أمر يظهر جليا في مواقف وممارسات هذه الشخصيات في واقع المجتمعات المتواجدة فيها.! نجد ضمن  أدبياتها التنديد بالظلم (الحكرة) والاستبداد ومارأته من تعذيب جسدي ونفسي وغير ذلك من معاناتها ومايعتري نفسيتها من شعور بضرورة الإنتقام والأخذ بالثأر أو المفاصلة الأبدية على أقل الأحوال حتى في الحياة الطبيعية التي من المفروض أن تكون بعيدة عن التشنجات النفسية فتجد أحدهم إذا كان هناك مسلم يود مشاركته في عمل دنيوي او أخروي سواء.

بدأ معه (سلسلة بنت سليسلة) من الإمتحانات العقدية والفكرية والمواقف السياسية ليتبين صدق عريكته… وكذلك  إحداهن إذا عرض عليها أحدهم الزواج يكون او سؤال عنه وعن حاله هل أنت صاحب ( منهج ) بمعنى هل تعاني مانعانيه ( أزمات نفسية ) فإن كان من نفس الفصيلة فبها ونعمة وإلا فلست أهلا للإرتباط. وقس على ذلك سائر المسائل  الإجتماعية ..!

يصبح المعيار عند هذه الفئة  (الموافقة او المواءمة الفكرية) ولايكفي أن تكون مجرد مسلم ينطق الشهادتين ويحافظ على الصلوات الخمس ومهذب السلوك.

بل يجب أن تحقق ركن من أركان الفكر ( السلفي الجهادي ) الكفر بالطاغوت وفق تصورهم فتعلن رأيك في كل ما يطرح لك من مسائل أي كان نوعها فقهية كانت أو عقدية أو فكرية لكي تثبت عدالتك .! أو تكون لك سابقة سجنية تدل  (تزكية) على سلامة المنهج لديك.!

أما دون ذلك فتظن بك الظنون.!

ناهيك عن النظرة الدونية للمجتمعات الإسلامية بدعوى أنهم أخلدوا للراحة على حساب الدين ( ضعف الإلتزام ) والانتصار للمظلوم.!

فهم الإخوة الخواص وغيرهم العوام!

وهم المجاهدون وغيرهم القاعدون!

وهم أنصار الشريعة وغيرهم خاذلي الشريعة !

وهلم جرة من الثنائيات العجيبة .

وإن كان هذا لا يظهر بلسان المقال صراحة ( إلا عند فئة قليلة ) ولكنه يبرز جليا على لسان حالهم عند الاحتكاك والملامسة عن قرب والله المستعان … بينما الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

أن البلاء والمحن والمصائب لم تقع ولم يتضرر منها غير هاؤلاء المسلمين المساكين الذين لم تنتكس فطرتهم ولم تتلوث أفكارهم بأولئك (الوكلاء) المتطوعين (في سبيل الله) بلا مقابل ولو لحفظ اعراضهم..!

في إحدى الأيام إثر معركة من معارك ريف اللاذقية دار حديث بيني وبين قائد ( مهاجر ) من قواد جبهة النصرة آنذاك (قبيل التدخل الروسي المباشر سنة 2015) وهو الأخير حول مفهوم الأمة والعمل المشترك مع جميع أبنائها وضرورة تجاوز الحزبية وأن هذه التنظيمات جزء من الأمة السورية فلا ينبغي أن تسلب حقها في الرأي والعمل الجماعي لمصالحها ولا تمارس الوصاية عليها خصوصا أن هذا (جهاد) شعب بكامله يحمل مختلف المستويات علميا وفكريا وعسكريا واجتماعيا وفيه من الخير الكثير ..!

فقال نعم ولكن نحن طليعتها و يجب أن تكون خلفنا نوجهها لأننا أعرف بأعدائها والمنافقين فيها ..!

نحن لانقصيها

ولكن نقويها حتى يشتد ساعدها فهي لم تعتاد الجهاد ومقارعة الطواغيت أشعرني وكأننا داخلين دمشق خلال ساعتين وبعدها القدس الشريف بينما جميعنا حذر من تساقط قذائف الهاون الطائشة .!

ثم تابع حديثه هل نرضى أن يؤمنا عوام أو مرجئة  أودعاة الحداثة والدولة المدنية ؟

طبعا الجواب ….؟

أليست هذه العقلية وهذا النمط من التفكير عائق كبير في اندماج هذه الفئة ومشاركتها مع فعاليات الأمة الطامحة في التغير والإصلاح …؟

فلما سألت عن شخصه علمت انه أحد خريجي السجون العربية فعلمت من أين اتي الرجل.!

فهؤلاء حقيقة نشؤوا وتربوا في ظروف  مشحونة جدا فمن الطبيعي أن تنعكس على ممارساتهم الحياتية.. وهم في حاجة للعلاج النفسي والفكري أولا  مما يضمن سهولة  اندماجهم في المجتمع بدل تسليطهم على رقاب المسلمين بما يحملوا من عقد وصراعات نفسية.!

نذكر على سبيل المثال.

الصف الأول لتنظيم الدولة (داعش ) قد نشأ وتكون في سجن بوكا وسط صحراء أقصى جنوب العراق الذي حشرت فيه أمريكا آلاف المعتقلين السنة العراقيين كان من بينهم البغدادي نفسه…

وأبو علي الانباري وغيرهما من مجلس شوراهم فيما بعد. كما انضم لهم ضباط كبار من حزب البعث مثل أبو منصور و أبو أيمن العراقي و أبو أحمد فرقان و حجي بكر.

بل و مؤسس جماعة التوحيد التي تحولت فيما بعد الى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ” أبو مصعب الزرقاوي ” كان لتجربة سجن سواقة..بالأردن الذي مكث فيه عدة سنوات رفقة شيخه ابو محمد المقدسي اميره سابقا في التنظيم (جماعة التوحيد او ماعرف ببيعة الإمام 1996) ايام الأردن قبل الإنتقال إلى العراق دور محوري في تحوله الفكري لما لاقاه ضمن المؤسسة السجنية.! وغيرهم  الكثير  كان لتجربة السجن دورا فاعلا وحاسما في تحولهم الفكري الأيديولوجي.!

فلا تسمع غير أن فلان خريج سجن صيدنايا او فرع فلسطين (سوريا)

والأخر خريج سجن غوانتناموا (أمريكا)

والأخر خريج سجن أبو غريب او بوكا او التاجي (العراق)

ثم عد ما تشاء من السجون العربية على وجه الخصوص .!

ثم تفقد أغلب الشخصيات القيادية في كل الجماعات ( الجهادية ) تجد عليها خاتم المحنة او المنحة السجنية! حتى تكاد لا تجد شخصية بارزة في الجماعات الجهادية إلا ولها قصة مع السجون والمطاردة بل يعدها أحدهم مفخرة تدل على سلامة الفكر وصفاء المنهج حتى وصفها بعضهم بالفريضة .؟!

وقرب هذا المعنى يذكر القيادي في حركة أحرار الشام ابو يزن رحمه الله؛ أنهم لم يستوعبوا سبب إخلاء النظام السوري سبيل عدد كبير من سجناء السلفية الجهادية بداية الثورة إلا بعد تحولهم إلى كيانات وجماعات مسلحة ضمن الثورة .! [اه]

وللأسف كانت السجون المحضن و المصنع عالي الجودة لتخريج الغلو والإنحراف الفكري.! بل وكثيرا ماكان يتم تجنيد المخبرين والعملاء من داخل السجون والمعتقلات.! هذا ما أكده لي محمد أحد خريجي جامعة الموصل حين إلتقيته قدرا لعدة أسابيع ( في سجن الهيئة إدلب لحادث سيأتي ذكره لاحقا…)

هو الأخير لم يسلم من الحشر الأمريكي لأبناء السنة وسط الصحراء العراقية  ؟!

والجدير بالذكر السجون العربية التي تخضع للبرنامج او النموذج  الأمريكي في التعامل مع النزلاء بالتعذيب الجسدي والنفسي نذكر منها على سبيل المثال فرع فلسطين وصيدنايا (سوريا ) وكذلك العقرب وبو زوبع (مصر) وماشهدته معتقلات و سجون المغرب بين 2003/2008 إثر أحداث “16 ماي” وما بعدها من ملاحقة لخلايا إرهابية على حد وصفهم في تمارة والمعاريف والزاكي 1\2  والقنيطرة وأذكر عن الأخير حادث هروب 9 من النزلاء (صيف سنة 2008) أصحاب الأحكام القاسية والطويلة كان نتيجة غياب برامج التأطير والتأهيل المعرفي والفكري.!

إذ لا غرابة أن تجد قائد (أمير) تنظيم جهادي لا يحسن القراءة والكتابة ! ناهيك عن إستيعاب النصوص الشرعية او فهم مقاصد الشريعة.!

وفي كثير حالات كانت الإستخبارات الأمريكية ترسل نزلائها (السجناء) الى سجون عربية لإتمام مهمة التحقيق بنجاح. كما حدث مع ابن الشيخ الليبي وأبو هاني المصري وغيرهما رحم الله الجميع…

هذا كان له الأثر و دور رئيسي وفعال في دمج الحكومات العربية بالعدو الصهيوأمريكي في مخيلة السجين مما أنتج مجموعة من الأفكار والقناعات ليس التخلص منها بالأمر السهل…

إذ يلزم ذلك برامج مصالحة مع الذات وجبر ضرر الضحايا وإدماج حقيقي…

لا أزعم أو أقول هنا كما قد يتوهم البعض أن كل سجين إسلامي هو بالضرورة مغال او منحرف متنطع أو مشروع خراب. فهذه الفئة تبقى نادرة قليلة وسط العديد من السجناء الذين لهم حصانة فكرية أو نضج عقلي يمكنهم من اجتناب هذه المزالق  لكن العبرة ليست دائماً بالأرقام والأعداد إذا علمنا أن من خرجوا من بوكا السابق الذكر او غيره من سجون  أحدثوا كل هذا الضجيج في العالم لم يكن عددهم بالكبير.

ليس بالضرورة أن يكون كل سجين او معتقل مظلوما.!

هناك أناس طيبون مظلومون

وأيضا هناك آخرون مذنبون  كما يقول المثل .. صاحب الذنب يستحق العقوبة .. لكن الإشكال أن كل طرف يفسر قضيته حسب وجهة نظره دون مراعاة نظرة الطرف الثاني ( الخصم ) وهنا يحصل اللبس والغلط في تنزيل الأحكام …!

وهذا أمر يحتاج إلى  تمعن وتبين وتحري الدقة بين الطرفين للوصول إلى الحقيقة. اما التظاهر بالمظلومية واللعب على العاطفة الإنسانية هذا قد يسلكه الظالم (دموع التماسيح) والمظلوم معا.! والتاريخ مليء بهكذا قصص ومواقف من مختلف  الجماعات والأيديولوجيات…!

مثل اليهود الصهاينة أخزاهم الله.

يتظاهرون بالمظلومية وأنهم مورست في حقهم المذابح والمحارق ( الهولوكوست ) كذبا وخداعا للناس قد يكون منهم من ظلم وعذب وطرد وحرق لكن ليس بالعدد والصورة التي يروجوها ليغطوا عن جرائمهم الشنيعة ضد خصومهم ..!

يقول أفلاطون إنه لا يعرف معنى العدالة، ولكنه يعرف معنى غياب العدالة.! ربما يبدو هذا مدخلاً فلسفياً مناسباً للحديث عن الظلم، ذلك أن المظلوم عادة ما يفكر في أشياء كثيرة عندما يتعرض للظلم .. كما يقول ابو الطيب ؛ الظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن تَجِد ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ

إلا أن قليلاً مِن البشر مَن يعترف بأنه ظلم ذات يوم نفساً بشرية، أو طيراً، أو حيواناً، أو حجراً، ذلك أنه حتى الظالم يشعر بفداحة هذا الفعل، ويحاول إبعاد نفسه عنه.

ومع هذا فقلّ أن تجد مَن لم يباشر هذا الفعل بشكل من الأشكال، إلى درجة أن الإنسان قد يظلم نفسه أحياناً على حساب مراعاة مشاعر الآخرين، وتقديم مصلحتهم على مصلحته، إما لإحساسه بالمسؤولية عنهم، أو لتقمصه دور المخَلِّص الذي عليه أن يضحي من أجل الآخرين، مقدماً نفسه قرباناً على مذبح الفضيلة.

الإحساس بالظلم شعور ينشأ عند الإنسان منذ الطفولة، فالطفل يشعر بأن والديه يظلمانه عندما يحرمانه من اللعب طوال اليوم،  ويحددان له وقتاً للدراسة.. وآخر للعب.. وثالث للنوم.. وهكذا.

والشاب يشعر بالظلم عندما يمنعه والداه من البقاء خارج المنزل حتى أوقات متأخرة من الليل، والفتاة تشعر بالظلم عندما تتدخل والدتها في اختيار ملابسها، وتحرص على معرفة من تصاحب من زميلاتها في المدرسة، وتسأل عن أسرهن وتتحرى عن أخلاقهن وسيرتهن..

وتكون قمة الشعور بالظلم عندما يكون للأهل الرأي الأول والأخير في اختيار الزوجة للابن، أو الزوج للبنت عندها تصبح الحياة جحيماً لا يطاق، إذ يمثل هذا التدخل قمة الأنانية والظلم من وجهة نظر الأبناء.

هكذا تتكون منظومة الظلم عبر مراحل العمر المختلفة، وتنتقل مع الإنسان من مرحلة إلى أخرى، تبدأ مثل دائرة صغيرة على وجه بحيرة راكدة، ثم تكبر شيئاً فشيئاً، مكونة حولها دوائر كثيرة، حتى تغطي سطح البحيرة كله..!

هل يشعر الظالم بأنه يظلم بالقدر نفسه الذي يشعر به المظلوم عندما يتعرض للظلم؟ ربما يبدو هذا السؤال هو الآخر فلسفياً تنظيرياً أكثر منه واقعياً.

فحين يوقفك شرطي المرور، على سبيل المثال، في الشارع، بتهمة قيادة سيارتك بطيش وتهور، وتعتقد أنت أنك لم تقد سيارتك بطيش وتهور، وإنما حاولت أن تتفادى سيارة أخرى كانت على وشك أن تصطدم بك.

هنا يصبح للعدالة وجهان؛ وجه يراه شرطي المرور ولا تراه أنت، ووجه تراه أنت ولا يراه شرطي المرور الذي يخرج دفتره لمخالفتك،  ويصبح القاضي بعد أن تُحوَّل القضية إلى المحكمة، هو الفيصل الذي يحكم بين ما يراه الطرفان.

برغم أنه لم يشهد الواقعة، ويصبح تقرير شرطي المرور ودفاعك أنت عن نفسك هما ما يوجه كفة ميزان العدالة، وإلى أي ناحية تميل إلى ناحيتك أنت الذي تعتقد يقيناً أنك مظلوم، أم ناحية التقرير الذي أعده شرطي المرور الذي يعتقد هو الآخر يقيناً أنه لم يظلمك..

ولذلك فإننا كثيراً ما رأينا أناس (مجاهدين ) يتظاهرون بالمظلومية حسب وجهة نظرهم اما اذا نظرت في وجهة نظر الجهة (مجتمع او فرد ) التي تضررت جراء أفكارهم وأعمالهم قد تجدهم حقيقة “ظالمين” لهذا كان الحديث النبوي الشريف كما عند الإمامين البخاري ومسلم «قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار» وتعبير «قاضٍ» يصدق على كل من يكون بيده إصدار حكم يرجح كفة على كفة، مثل شرطي المرور.. والمدرس.. والمدير، وغيرهم ممن تترتب على أحكامهم نتائج يستفيد منها طرف، ويتضرر طرف…

العدالة تاج يسبح في فضاء من الأحكام المختلفة، يحاول كل حكم منها أن يضع هذا التاج على رأسه، وقليل من الأحكام من يحظى بارتداء هذا التاج، مثلما هم قلة أولئك الذين يستطيعون توجيه هذا التاج الوجهة الصحيحة.

القضاة صنف منهم، وهناك أصناف كثيرة تؤدي أدواراً تشبه أدوار القضاة، حتى لو لم تحمل أسماءهم، والله الهادي للصواب…

 

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟

 




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (152) | صفر 1440 هـ / أكتوبر 2018 م.      

16/10/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 2 )

 

– مصرع كافر قبيلة ” إبراهيم خيل” .

–  راهب الجهاد ” الشيخ محمود” يستشهد فوق بندقيته أثناء الصلاة .

– الشهيد الغريب “السيد أحمد” … سيد الهاون .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

هذا هو إلهى .. فأطيعوه :

الطريق القادم من جرديز ما أن ينتهى من سلسلة جبال (ساتى كاندو) المكسوة بغابات الصنوبر ، حتى تبدأ مناطق تسكنها قبائل “زدران” وتستمر حتى بداية وادى خوست لذا أطلقوا على الطريق إسم تلك القبائل فصار إسمه طريق ( زدران) .

رغم أن العديد من قادة الجيش الماركسيين الكبار هم من أبناء هذه القبيلة ، إلا أن العلماء وشيوخ القبيلة وأفردها ، لم يوافقوا على ما يحدث ، وكان قرار القبيلة أن الحكومة الجديدة (كافرة) ولهذا قرروا مقاطعتها ، وألا يسمحوا لها بالمرور من أراضيهم ، أى أنهم قطعوا الإتصال بين جرديز وخوست .

تحت أقدام “ساتى كاندو” تبدأ منطقة يسكنها فرع من زدران يدعى”إبراهيم خيل” ـ يعنى قوم إبراهيم ـ تصادف أن يكون منهم القائد العسكرى فى جرديز وقتها هو ضابط شيوعى شاب ومتحمس للغاية يدعى إبراهيم ، وكان قائدا لسلاح المدرعات فى الولاية ، فذهب إلى قبيلته كى يقنعهم بفتح الطريق .

قصة الضابط إبراهيم مع قبيلته كانت على العكس تماما من قصة نبى الله إبراهيم مع قومه. كان الضابط إبراهيم كافرا وقبيلته من المؤمنين . بالحجة حاول أن يقنعهم بالكفر ، ولما فشل حاول إجبارهم عليه بقوة الدبابة ــ إلهه الجديد كما زعم ــ فكانت نهايته المأساوية .

شيوخ القبيلة رفضوا مرور الجيش من أراضيهم لأن الحكومة كافرة لا تؤمن بالله . الضابط إبراهيم ناقشهم طويلا وهددهم بأن الحكومة ستفتح الطريق بالقوة إذا لم يفتحوه طوعاً ، وأن بيوتهم ستدمر وتحرق ، وأن لا طاقة لأحد بهذه الحكومة وجيشها الجبار .

أصر شيوخ القبيلة على موقفهم ، فتحداهم الضابط إبراهيم قائلا: تقولون أننا الشيوعيون لا نؤمن بالله .. فأين هو إلهكم ؟ .

فردوا عليه قائلين : إن الله هو خالق كل شئ ، ولكن لا أحد يستطيع رؤيته .

ضحك إبراهيم مستهزئا وقال بأن عنده إله قوى وجبار أقوى من إلههم ولكن يمكن رؤيته ، وسيحضره معه صباحا كى يريهم إياه ، وطلب منهم إنتظاره فى وقت محدد من صباح الغد .

فى الوقت المحدد حضر الضابط المغرور ممتطياً ظهر دبابة سوفياتية من طراز (تى62) وهى الدبابة الأثقل لدى الجيش وقتها .

كان رجال القبائل يخشون الدبابات كثيرا ، وهذا كان أول إحتكاك لهم مع واحدة من تلك الوحوش التى لا تصرعها طلقات بنادقهم العتيقة ، وكان مجرد صوتها يثير خوفهم . وصل إبراهيم وصوت دبابته يهز الجبال ، وقد تجمهر شيوخ القبيلة والكثير من أفرادها المبهورين الخائفين ، وإبراهيم منتصب القامة فوق دباباته وكأنه قهر بها العالم . ثم أخذ يروح بها ويجئ ويستدير ويعتدل ، ويطلق القذائف على قمم الجبال القريبة والبعيدة فيرتج المكان والأبدان .

إمتقعت وجوه الحاضرين ، ولا أحد منهم ينطق ببنت شفة . نزل إبراهيم منتشيا مزهوا من على ظهر دبابته ، ووقف متحديا شامخاً أمام شيوخ القبيلة ، وتكلم بزهو المنتصر :

ــ هذا هو إلهى !! هل رأيتم كم هو قوى وجبار ؟؟ . إنه سيفتح لنا هذا الطريق ، وإن لم تطيعوه فإنه سيدمركم .

وقف الشيوخ واجمون صامتون ، ثم طلبوا منه إمهالهم ساعة للتشاور قبل إعطائه الرد. غادروا المكان للتداول فى مكان آخر . وبعد قليل عادوا من مجلس تداولهم ، وتقدم أكبرهم سناً حتى يبلغ الضابط الشاب بنتيجة بحثهم . قال الشيخ :

ــ يا إبراهيم لقد بحثنا الأمر ، وقد تأكد لدينا أنك أيضا كافر مثل حكومتك ، ولن نترككم تمرون من هذا الطريق مهما حدث . أما إلهك هذا فليس سوى كومة من صفيح ، فخذه معك وإرحل من هنا .

فبهت الذى كفر ، واستشاط الضابط المغرور غضبا ، وثار مهددا متوعدا :

ــ سنمر من هذا الطريق بالقوة وسنحرق قراكم ، سآتى بالجيش غدا صباحاً فى مثل هذا الوقت من ضحى الغد ، إحضروا كل القبيلة وسأرى من منكم يستطيع منعى .

وغادر إبراهيم المجلس غاضبا ، وركب إلهه الفولاذى وغادر به إلى جرديز .

دقت طبول الحرب فى”إبراهيم خيل” وكل قبائل زدران ، إستعدادا لصراع غير متكافئ بين أجساد الرجال وبنادقهم العتيقة وبين جيش جرديز ودباباته الفولاذية التى لا تقهر .. وموعد اللقاء الرهيب كان ضحى الغد .

شارك حقانى ورجاله فى ذلك الكمين . وبسبب إنشغاله فى ترتيب أمر الكمين والمشاركة فيه تأجل ذهابنا إلى لقائه فى سرانا ليوم أو إثنين .

لم يكن لدى القبائل أدنى فكرة عن أن هناك سلاح يمكن أن يواجه الدبابة ، ولا عن أى طريقة لمواجهتها . إنهم يواجهون المستحيل ، وكانوا حقا يذهلوننا بذلك . عندما كنا نسألهم فى مواقف مشابهة “ماذا ستفعلون؟؟ “، فكان ردهم دوما وبكل هدؤ وثقة ” توكل بخداى” ـ أى التوكل على الله !! ــ كنا نظن أن تلك مجرد كلمة . ولكنها عند الأفغان سلاحهم السرى الذى لايقهر …  والدليل ؟؟ :

فى ضحى اليوم التالى للقائه مع شيوخ قبيلته “إبراهيم خيل” ، جاء الضابط إبراهيم مع قافلة عسكرية ضخمة مهمتها فتح الطريق بالقوة ، وإيصال المؤن إلى مدينة خوست . فبدأ سيل من الدبابات ومئات الجنود المدججين بالسلاح فى سياراتهم المصفحة . ورجال قبيلة زدران يرون الزحف المرعب يزلزل جبال ستى كندو وترجف منه جبال إبراهيم خيل .

نزل الجيش من جبال ستى كندو وبدأ التقدم عبر منطقة “إبراهيم خيل”. فدوت صيحة جماعية من رجال القبائل المستحكمين خلف الصخور: “الله أكبر” !! صيحة زلزلت هى الأخرى جبال “ستى كندو” و”إبراهيم خيل” ، وغطت على زمجرة عشرات الدبابات والمصفحات والشاحنات العسكرية ، وطائرات الميج النفاثة التى تمزق الفضاء .

والنتيجة !!.. لم تعبر القافلة .. ودُمِّرتْ عن آخرها .. ولم ينجو جندى واحد ولا ضابط واحد حتى إبراهيم كان من بين القتلى . دبابة روسية واحدة قديمة جدا من طراز”تى ـ 34″ إستطاعت الفرار ووصلت منفردة إلى خوست كى تنقل نبأ الفاجعة .

كيف حدث كل ذلك ؟؟.. لا أحد يدرى لا من القتلى ولا من الأحياء ، ولا من الذين قابلناهم بعد ذلك نسألهم الخبر .

وكنا قريبين من المنطقة وقت المعركة ، وقد ذهبنا لرؤية آثارها وأخذنا الكثير من الصور لحطام القافلة العسكرية ، وكان ذلك أثناء زيارتنا الأولى لأفغانستان فى يونية 1979 . لقد كانت أفغانستان كلها ومازالت .. معجزة .

كتبت عن زيارتنا لمكان المعركة فى كتاب 15 طلقة فى سبيل الله .. فقلت :

ما زلت أتذكر زيارتنا لموقع المعركة ، بعد إنتهائها بيوم واحد تقريبا . لقد وقعت القافلة المتوجهة نحو خوست في كمين قاس .. كانت آثاره المدمرة واضحة . أكثر من عشرين شاحنة إحترقت تماما وجثث السائقين و معاونيهم قد تحولت إلى تماثيل بشعة من الفحم الذي تبرز منه عظام آدمية بيضاء إضافة إلى أكثر من عشر مصفحات محترقة ، وقد سقطت جثث الجنود خلف مزاغل إطلاق النار و بعضهم  إحترق داخل المصفحة  أو على أسفلت الطريق العام .

جثة أخرى لعسكري ـ أو ضابط ـ زحف إلى خارج الطريق وأسند ظهره إلى صخرة ومات تحتها . لقد تعفن الجسد وأصبح أسودا مثل الفحم بينما إنكشفت عظام الجمجمة واليدان فوق البطن وعظام الفك مفتوحة عن إستغاثة يائسة . عدد آخر من المدرعات ترك الطريق العام ونزل إلى الوادي الصخري المجاور حيث يسير نهر شمل بمياة قليلة لكنها شديدة الإندفاع .

فتعطلت بين الصخور وغرزت فيها العجلات والجنازير ، وهكذا ضاعت عدة دبابات في الوادي أيضا . وفوق الجسر منظر غريب آخر ، مصفحتان إقتحمتا الحاجزالحديدي كي تسقط في الوادي من إرتفاع ثلاثة أمتار تقريبا ، وكأن السائقين فوجئوا بالكمين فقرروا الفرار بهذه الطريقة ، والأغلب أنهم قتلوا. من المناظر الغريبة أيضا  إحدى ناقلات الجنود وقد إخترقت طلقة الحديد السميك المجاور لمزغل إطلاق النار فقتل الجندي وسقط فى مكانه.

نظرنا إلى المكان الذي جاءت منه تلك الطلقة الغريبة ، وكيف إستطاعت اختراق حديد بتلك السماكة ، وهذا غير ممكن إلا بطلقة ـ أو قذيفة ـ مضادة للدروع وهو الشيء الذي لا يمتلكه المجاهدون في ذلك الوقت . كان في الإتجاه المقابل للمزغل جبل صلد مرتفع لم تحدث من جهته أية عملية إطلاق لأن الكمين كله جاء من جهة واحدة عبر الوادي حيث تشرف عدة تلال متفاوتة الإرتفاع أما الجانب المقابل فهو جبل مرتفع لا يتيح للقوة أية فرصة للإختباء، فكأنها تقف أمام حائط كي يطلق عليها المجاهدون النارمن الجهة المقابلة، فسحقت القوة بالكامل وهي في وضع سيء.

إكتملت الصورة بكثير من الجثث التي تحللت وأصبحت أشبه بالرماد المحترق وقد تناثرت فوق الطريق وكأنها كتل بارزة من الإسفلت ، وقد تجمعت الكلاب حولها تنهش منها ما تشاء ، بينما جلست كلاب أخرى متكاسلة على جانبي الطريق وقد أصابتها التخمة . وفي وسط هذه اللوحة المأساوية وجدت كتابا ضخما وقد تلوثت صفحاته المصقولة بالدماء ، لقد كان ديوان شعر باللغة الروسية ، مزينا برسومات رومانسية غير متقنة لضباط وجنود مع فتيات جميلات ، حولهم العديد من الزهور والأشجار وزجاجات الخمر والطيور .

خمنت أن الديوان كله يتحدث عن ضباط وجنود ذهبوا إلى الجبهة للقتال وتركوا خلفهم الأهل والعشيقات ومتع الحياة . أضافت الدماء التي لطخت الصفحات خاتمة مأساوية لحياة إنسان فقد حياته على أرض غريبة.  لقد قتل وهو يطلق النار على الأبرياء بينما يقرأ أشعارا الغزل ولوعة الفراق ـ كمثل نيرون الذي أحرق روما وهو يغني أشعارا ـ لقد سقط الجندي الروسي ـ ولا ندري أين جثته وسط هذا الحشد المتفحم  ، فقد حياته بلا معنى . وبعد يوم وفاته بإحدى عشر سنة تقريبا سقطت الشيوعية وإنهارت دولة السوفييت فوق نفس الجبال في أفغانستان .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

راهب الجهاد .. “الشيخ محمود” .

كل ما حولى كان أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة . الأرض ، الناس ، الأحداث ، لم يخطر على بالى شئ منها. فكنت أحاول إستجماع نفسى حتى أفهم ما حولى . كل ما رأيته فى رحلتى الأولى (يونيه 1979) كان معلومات تأسيسية ، وما تلى من سنوات كنت أبنى عليها فتزداد حصيلة فهمى لتلك العناصر . ولكن وحتى مغادرتى لأفغانستان فى نوفمبر 2001 لم أستكمل هذا الفهم . ولا أظن أنه ذلك ممكننا ، فكل ساعة فوق أرض أفغانستان ومع هؤلاء الناس ، وما يصنعونه من أحداث لا يمكن الوصول فيه إلى نهاية ، ويظل دوما فريدا ومفيدا .

ـــ فى عصر أحد الأيام ، رأيت بادشاه (يعنى الملك) ــ إبن عم حقانى ــ العامل على الرشاش البلجيكى الثقيل المضاد للطائرات ، وكان يحمل مدفعه من فوق القمة نازلا به إلى الوادى. شعرت بالسرور لأننى كنت لا أشعر بصداقة مع ذلك المدفع ، ولا مقتنعاً بفكرته ، وتسبب لى ذلك “بحفلة” تقريع من حقانى سيأتى ذكرها فيما بعد .

ولكن تعجبت أن “بادشاه” وافق على إخراج مدفعه من الخدمة ، وبهذه السهولة . سألت حقانى عن السبب ، وكان يهبط من منزله صوب الوادى . فقال أنه يأخذ المدفع إلى “الشيخ محمود” حتى يتفحصه . فسألته عمن يكون ” الشيخ محمود” .

فقال أنه من المجاهدين الأوائل الذين حملوا السلاح ضد حكم دواد ولم يترك سلاحه إلى اليوم . ولمدة ثلاث سنوات لم يغادر الجبهة ولكنه جاء منذ أيام إلى “سرانا” مريضا . فاشتاق إلى السلاح وكان متعجبا من وجود رشاش ثقيل عندنا يشتبك مع طائرات العدو ، فأراد مشاهدته فأرسلته إليه فى الوادى حتى لا يتكبد عناء الصعود وهو مريض .

ــ نزلت مع حقانى إلى الوادى حتى ألقى التحية على “الشيخ محمود” الأسطورة الذى لم يضع سلاحه منذ أن رفعه على “الكافرين” منذ أكثر من خمس سنوات .

رأيته مسندا ظهره على الجبل . فظهر وكأنه جزء منه ، بكيانه الضخم الصلب . كَفَّاهُ خشنتان كقطع من جذع شجرة صنوبر على سفوح ( ساتى كاندو). جبهته بارزه وحاجباه كثيفان تطل من تحتها عينان تلمعان بحدة وسرور . كان يقلب بكفيه الخشنتان المدفع الثقيل ، وكأنه طفل يتلقى هدية العيد من والده المحب . جلس إلى جانبه حقانى وهو يبتسم شارحاً للشيخ العملاق أسرار ذلك السلاح الجبار { وكنت أرى فى ذلك المدفع أفشل مشروع للدفاع الجوى ، ويراه حقانى تحديا يمرغ أنف الكافرين فى التراب ـ والآن ـ أظن أن كلانا كان على حق . كنت أنظر إلى الناحية التكتيكية لسلاح منفرد سريع العطب . وحقانى نظر إلى الجانب المعنوى لوجود سلاح فريد فى المنطقة ، رآه رافعا لمعنويات المجاهدين ومتحديا لجبروت الكافرين } .

ألقيت السلام على الشيخ محمود ، ومد إليّ يدا ثقيلة خشنة وألقى على وجهى نظره ثاقبة سريعة ، شعرت أنه فهم فى تلك الومضة كل ماهو محتاج إلى معرفته عنى ، أو أنه إطلع فى ومضة واحدة تاريخ حياتى كله من الولادة وحتى الممات . ثم عاد الشيخ يتفحص المدفع الملقى على ركبتيه ، وكأنه يداعب طفله الأول .

رغم قوته وكيانه المهيب كان يبدو مريضا ومنهكا . دفعنى الفضول لمعرفة أسرار هذه الشخصية التى رفعت سلاحها للجهاد ، منفردا وحيدا ، ضد دولة بجيشها ..وهو الآن فرح ليس فقط بالسلاح الجبار الملقى على ركبتيه ، بل لأن قبائل باكتيا وأفغانستان كلها لحقت به إلى الجهاد . الشيخ محمود كان واحدا من هؤلاء العظماء السبعة ــ  قائدهم حقانى ونائبه أحمد جول ــ الذين إفتتحوا الجهاد فى باكتيا ـ وسيطروا على قاعدة عسكرية قرب غابات الأورجون بالتكبير وبضع طلقات من بنادقهم القديمة.

– كانت زيارتنا الأولى لأفغانستان قد إنتهت ، عندما تعافى الشيخ محمود ، وذهب إلى موقع المجاهدين الذى كنا فيه حيث التماس الدائم مع العدو .

توضأ الشيخ محمود ، ووقف يؤدى صلاة العصر . وفجأة داهمت طائرات الهيلوكبتر الموقع ، وبدأت بإطلاق مدافعها الرشاشة على من فيه .

إختبأ الجميع بين الصخور ، إلا الشيخ محمود الذى ظل واقفا يكمل صلاته ، حتى أصابته طلقة فى رأسه فتهاوى كتلة واحدة شهيدا بين يدى ربه ، متمددا وصدره فوق بندقيته التى كانت حاجزا أمام مصلاه ، فبدا وكأنه يحتضنها فى وداع أخير . فكان شهيد المحراب الذى لم ينحن يوما لغير خالقة . وكان الشهيد الوحيد فى ذلك اليوم ، وإن لم يكن آخر الشهداء .

–  بالنسبة لى كان مذهلا ذلك الصنف من الناس ، الذى يقف منتصباً للموت ولا يظهر خوفاً أو تردداً ـ لماذا ؟؟ كنت أرى أن ذلك على ما فيه من بطولة وعزة إلا أنه عمليا قد يؤدى إلى القضاء على جميع المجاهدين فى ساعات أو أيام قليلة ، وتنتهى قصة الجهاد ويبقى “للكافرين” سطوتهم على الدنيا وما فيها . ولكن يكمن فى ذلك أحد أسرار الشخصية الأفغانية . كان التحدى جزءً من فطرتهم الإيمانية ، والشجاعة جزء من تكوينهم النفسى ، والمرونة والتكيف جزء من ذكاء فنون البقاء لديهم .

وهذا الخليط إمتزج فى النهاية ليخرج المجاهد الأفغانى الذى يتحدى العالم ، ويسقط أغنى وأقوى دول العالم ، الواحدة تلو الآخرى . بلا وجل ، ولا تعب ، ولا تردد ، ولا جمود .

 

السيد أحمد .. سيد الهاون :

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان ، (هاون السيد أحمد) كان السلاح الثقيل الثالث الذي شاهدناه  في حالة إشتباك .

“السيد أحمد” ــ من شمال أفغانستان ــ رامي الهاون في مجموعة مولوي عبد الرحمن ، وهى أول مجموعة قتالية نلتحق بها فى أفغانستان (كان مولوى عبد الرحمن يمزح ضاحكا : عندنا مجموعة من 12 مجاهدا يتكلمون أربع لغات مختلفة !! ) . وقد أرسلنا إليه حقانى إليهم بعد أن وصلت بنادقنا التى إشتريناها من غنائم جماعة مطيع الله فى الأورجون . مولوى عبد الرحمن شاب فارع الطول ذو إبتسامة ساخرة لا تكاد تفارق وجهة . كان يرتدى نظارة طبية بعد أن فقد إحدى عينيه خلال إشتباك مع العدو .. وعلى يد الرجلين ( مولوى عبد الرحمن ، والسيد أحمد) تلقيت بعض الدروس التي أفادتني طول مدة الحرب . كما أنها ظلت مستخدمة بين المجاهدين على  نطاق واسع .

أول هذه الدروس كان تأخير وقت الإشتباك إلى قرب غروب الشمس حتى لا يعطي للطيران فرصة للتدخل ضده . (فى فبراير 1990 خرج حقانى عن هذه القاعدة أثاء هجوم ضخم وناجح للإستيلاء على جبل تورغار ــ المفتاح الجنوبى للمدينة ومطارها ــ بعد صلاة الجمعة مباشرة والشمس فى كبد السماء!! . سنعود إلى ذلك فى موضعه ) .

الدرس الثاني كان دقة إختيار الأهداف … فقد كان (سيد أحمد) يتناقش مسبقا مع قائده (عبد الرحمن) في تحديد الأهداف التي سيوجه إليها نيرانه أثناد العملية قبل أن تبدأ .

الدرس الثالث كان الإقتصاد فى الذخيرة ، فقد كان لكل هدف طلقة واحدة ولم نسمع يوما أن (سيدأحمد) قد أخطأها .

بقي أن نعرف أن (سيد أحمد) كان مختصا في سلاح الهاون أثناء خدمته في الجيش الأفغاني وقبل أن يفر من وحدته ويلتحق بالمجاهدين . أخذ معه سلاحة ( الهاون عيار 82 مليمتر ) وظل يستخدمه أثناء إلتحاقه بالجهاد . والغريب أنه يقصف وحدته العسكرية المستحكمة في قرية (دارا) القريبة من جرديز على أول الطريق الذاهب إلى خوست .

ومن هذا نفهم لماذا لم يكن يخطئ الهدف أبدا ، فهو إلى جانب مهارته الفنية ، يحفظ تماما مواقع الأهداف ومسافاتها . ونفهم أيضا  لماذا يناقش إختيار الأهداف مع قائده عبد الرحمن ،  وكان يصر على عدم قصف خيام الجنود ، وكان دائما يقول:( إنهم ليسوا شيوعيين وقد كنت بالأمس واحدا منهم ، وكلهم ينتظرون الفرصة للإلتحاق بإخوانهم المجاهدين ولكن الضباط الشيوعيين يحرسونهم جيدا ويقتلون فورا كل من يشكون في نواياه من الجنود) .

لقد ظل المجاهدون طوال مدة الحرب يفرقون بين الجندي الأفغاني المغلوب على أمره وبين الضابط الشيوعي الذي يأمره ويتحكم فيه بل ويستعبده . وكل هؤلاء الجنود تقريبا كانوا من مزارعي الأرض في مناطق شمال أفغانستان الناطقة بالفارسية .

وكان ذلك ضمن مخطط الشيوعيين لإشعال الكراهية بين القوميات التي يتركب منها المجتمع الأفغاني . فالجنود والضباط في كل قومية يقاتلون في مناطق القوميات الأخرى . أما الضباط الشيوعيين (الحزبيين) فإنهم يقاتلون في كل مكان لأنهم يكرهون الجميع .

–  لقد إستشهد (السيد أحمد) بعد ذلك بعدة أشهر بواسطة قذيفة مدفعية . كان عائدا إلى المعسكر بعد زيارة لقبر أحد الصالحين يدعى “خدى بابا” الموجود على جانب طريق جبلى ، منحدر وضيق يقع على طريق المجاهدين، من قمة الجبل إلى مركزهم الخلفى تحت الجبل . قرأ الفاتحة وهَمَّ بالإنصراف. ولكن هبطت قذيفة مدفع قادمة من جرديز ، لتأخذ السيد أحمد فقط ، ولم تعقبها قنابل أخرى.

ما زلت أعتقد أن ذلك الشاب هو نموذج للمجاهد المثالي خلقا وعملا . كان من السادة ـ أي سلالة تنتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان سيدا نبيلا بكل معاني الكلمة ، هادئا دمث الطباع محبوبا من الجميع متواضعا . يتصرف بثقة من تعود على السيادة والقيادة هذا عن أخلاقه . أما مهنيا فلم أر مثله في أفغانستان شخصا يعشق سلاحه ويهتم به كما تهتم الأم بطفلها الرضيع . لقد حفر مغارة خاصة صغيرة تستوعب مدفعه وذخائره القليلة . أما بطانيته التي ينام عليها فكان يخصصها لتغطية ماسورة المدفع التي ينظفها يوميا من الأتربة ، عدا التنظيف الحتمي بعد الإشتباك والرماية . وأثناء التحرك بالسلاح إذا أمطرت السماء ، كان يتخلى عن ردائه “الباتّو” كي يلف به الماسورة حتى لا تطالها الأمطار، أما هو فلن يصدأ إذا تبلل جسده بالمطر أو لفحته الرياح.

كان فى مقتبل الشباب ، نحيل الجسم خفيض الصوت محبوبا من الجميع . يحيط به الشباب يمازحزنه أثناء الطعام ( أو ما يشبه الطعام). ويتسابقون على إصطحابه أثناء عمليات الرماية. ولكن مولوى عبد الرحمن كان يحدد العدد تفاديا للخسائر من جراء القصف المعاكس الذى كان العدو يسرف فيه جدا . فالضباط كانوا يعرفون أن الرامى هو السيد أحمد ، الجندى السابق الذى كانوا يستعبدونه بغبائهم العسكرى وقسوتهم ، يشاهدونه الآن وهو يقتلهم بكل حرية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

16/10/2018

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى