شعر ونثر على أطلال المنامة : لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين

شعر ونثر على أطلال المنامة : لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين

شعر ونثر على أطلال المنامة .

مرة أخرى: لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين .

وكأن الشاعر أحمد مطر كان معنا ، ويكتب قصيدته عن ورشة نصبوها فى البحرين  لتمكين إسرائيل من بلاد العرب عامة وجزيرة العرب والخليج خاصة . أما عن فلسطين فلا تسأل . هناك تعويضات تدفع لأهلها ولحكومات عربية فى مقابل نسيان كل شئ ،، الدين ..الوطن .. الكرامة .. كل شئ .

الأمريكى الصهيونى “كوشنير” خصص 50 مليار دولار رشاوى لبيع فلسطين بشكل كامل ونهائى . المبلغ سيدفعه ليس اليهود بل صهاينة الخليج . فكانوا كما يقول مطر فى قصيدته : ( بلغ الرخص بنا .. أن نمنح الأعداء تعويضا .. إذا أخذوا أوطاننا منا غنيمة ) .

أوشك زلزال أن يخسف أرض جزيرة العرب حين تمطى ضخامة وزير خارجية البحرين وقال { إن إسرائيل وجِدَتْ لتبقى، وأن لها الحق فى أن تعيش داخل حدود آمنة ، وأن المنامة وعواصم عربية أخرى تريد التطبيع معها }. ثم قالت الأنباء أن الوفود الإعلامية الإسرائيلية تجولت بكل حرية وملأت المنامة . فكيف كان ذلك ومملكة البحرين جزيرة صغيرة نصفها وزير خارجية والنصف الآخر قاعدة أمريكية . فأين تَجَوَّل اليهود ؟؟.

يقول مطر وكأنه يرثى شعوب العرب على مؤتمر “الندامة” فى البحرين :

 

أى قيمة

للشعوب المستقيمة

وسجاياها الكريمة

فى بلاد هلكت

من طول ما دارت على آبارها

مثل البهيمة

واستقلَّت

وأساطيل العدو فيها مقيمة ؟!

***

أى قيمة

للقوانين العظيمة

وهى قفاز حريرى

لذى الكف الأثيمة

وأداة للجريمة ؟!

لقد إنتفخ الحكام ، وتَوَرَّمَت الجيوش بأموال الخيانة . فأكبر الرتب العسكرية فى جيوش العرب هى رتبة ” مُشير” ، وليس أعلى منها سوى رتبة “مُشين” التى يحصل عليها المشير عند نجاحة فى عبور حقول الألغام والوصول سالما بدباباته إلى القصر ليصبح رئيسا للدولة وطويلا آخر من طوال العمر . يقول مطر عن جيوش وحكام العرب :

 

أى قيمة

لجيوش يستحى من وجهها

وجه الشتيمة ؟؟ .

غاية الشيمة فيها

أنها من غير شيمة .

هزمتنا فى المصانع

هزمتنا فى المزارع

هزمتنا فى الجوامع

ولدى زحف العدو إنهزمت..

قبل الهزيمة !!

أى قيمة

لرؤى التجديد

والأوطان فى قبضة “أولاد القديمة ” ؟!

***

أى قيمة

لأولى الأمر

طوال العمر

والأوطان ، لولا أنهم عاشوا ،

لَمَا صارت يتيمة ؟؟!

***

أى قيمة ؟؟!

باطل هذا التساؤل

وطويل دون طائل

لم تعد فى هذه الأمة

للقيمة قيمة !

بلغ الرخص بنا

أن نمنح الأعداء تعويضاً

إذا ما أخذوا أوطاننا منا .. غنيمة !

 

صحيح .. أى قيمة !!  و ضخامة وزير خارجية البحرين يتحدث عن تطبيع بلاده مع  إسرائيل ، وعن رغبة باقى حكومات العرب فى أن تستبدل التطبيع الخفى بالتطبيع المعلن . وما التطبيع سوى “طبع الكف الصهيونى على قفا رئيس عربى” .

يتعجب مطر من خشية شعوب العرب من حكامهم هؤلاء .. فيقول :

 

مِمَّ نَخْشى ؟

أَبْصَرُ الحُكَّامِ زُهْـدا

يَحْسَبُ البَـصْقَـةَ قِرْشا .

أَطْوَلُ الحُكَّامِ سَـيفا

يَـتَّـقي الخِيفَةَ خَـوْفا

ويرى اللاشئَ وحْـشا !

أَوسعُ الحُكّامِ عِلْما

لو مَشى فى طَلَبِ العلّـمِ إلى الصّينِ

لما أَفلحَ أن يُصبِـحَ جَحْـشا !

***

مِمَّ نَخْشى ؟

ليستِ الدولةُ والحاكِمُ إلاّ

بِئرَ بترولٍ وكَـرْشا

دولةٌ لو مَسَّـها الكبريتُ .. طارتْ .

حاكمٌ لو مَسَّـهُ الدَّبوسُ .. فَـشَّـا

هل رأَيتُـمْ مِثلَ هذا الغِـشِّ غِـشَّـا ؟ !

 

 

فالسعودية ــ بلد المقدسات!! ــ هى دولة محورية للرئيس الأمريكى، كونها تحقق أمن إسرائيل وتوفر له السيولة النقدية من أموال الجزية التى تدفعها لقاء حمايتها من شعبها . ترامب / وبعد عنترياته الفاشلة أمام إيران فوق مياه الخليج / يصفونه بأرنب جبان (أرنبو) يتراجع أمام من يضربه فوق رأسه . وصديقه بن سلمان يراه ترامب كنزا من الأموال والحماقة النفطية . وصورتهما معا فى مؤتمر العشرين فى اليابان تصلح لأن تكون غلافاً لقصة الأطفال الشهيرة (أرنبو والكنز).

سلمان وإبنه مناحيم حولا الحرمين الشريفين إلى مقر دائم للمخابرات الإسرائيلية وفرق المستعربين. لم يعد هناك المزيد من المقدسات فى جزيرة العرب حتى يحتلها اليهود فأهدى لهم أمير المرتزقة فى أبو ظبى مسجد والده ليصبح مزارا للأفواج الرسمية والسياحية والإستخبارية القادمة من إسرائيل للعمل فى مستعمراتهم الجديدة فى (الخليج العربى!!). فما هو عربى أصبح إسرائيليا بالضرورة . وما هو مقدس لدى المسلمين أصبح مشاعا لليهود.

ويسال الشاعر مطر عن سبب خوفنا من الحكومات الذى لم يعد له معنى أو مبرر .. فيقول :

 

مِمَّ نَخْشى ؟

أَبْصَرُ الحُكَّامِ زُهْـدا

يَحْسَبُ البَـصْقَـةَ قِرْشا .

أَطْوَلُ الحُكَّامِ سَـيفا

يَـتَّـقي الخِيفَةَ خَـوْفا

ويرى اللاشئَ وحْـشا !

أَوسعُ الحُكّامِ عِلْما

لو مَشى فى طَلَبِ العلّـمِ إلى الصّينِ

لما أَفلحَ أن يُصبِـحَ جَحْـشا !

***

مِمَّ نَخْشى ؟

ليستِ الدولةُ والحاكِمُ إلاّ

بِئرَ بترولٍ وكَـرْشا

دولةٌ لو مَسَّـها الكبريتُ .. طارتْ .

حاكمٌ لو مَسَّـهُ الدَّبوسُ .. فَـشَّـا

هل رأَيتُـمْ مِثلَ هذا الغِـشِّ غِـشَّـا ؟ !

***

مِمَّ نَخشى ؟

نملةٌ لو عَـطَـسَتْ تَـكسَـحُ جَـيـشا

وهَـباءٌ لو تمطَّى كسلا يَـقْـلِبُ عَـرْشا !

فلماذا تَـبْطِشُ الدُّمية بالإنسانِ بَطْـشا ؟ !

إنهضوا ..

آنَ لهذا الحاكم المنفوشِ مِـثْـلَ الدِّيكِ

أن يَـشْبَـعَ نَـفْـشا .

إنهشوا الحاكِمَ نَـهْـشـا

واصنعوا من صَوْلجانِ الحُكْمِ رفْـشَـا

واحفِروا القَـبْـرَ عميقـاً

واجعَـلوا الكُرْسىَّ نَـعْـشا !

 

 

مم نخشى ؟؟ ..  سؤال له وجاهته فى مثل هذه الظروف التى تحياها الأمتين العربية والإسلامية ، فنحن مهددون بالزوال . لا ندافع عن ديننا .. لا بأس .. فقد أصبح ذلك لنا عادة .. ولكن لا ندافع عن وجودنا أيضا !! . لن يبقى عربى واحد ولا مسلم واحد فيما بين المحيط والخليج ، سوى نماذج منتقاة بطريقة علمية ليتفرج عليها سياح أوروبا فى زياراتهم للقسم الأوسطى من إمبراطورية اليهود العالمية .

وتلك صرخة شاعر آخر يطلقها مظفر النواب ، فى ظروف مضت ولكن مشابهة لما يجرى الآن من حشود لأساطيل عسكرية أمريكية فى مياه وشواطئ الخليج (العربى!).. فيقول :

 

ياحفاة العرب .. ياحفاة العجم ..

إدفعوا الهادر البشرى المسلح

صُكّوا على عنق السفن الأجنبية

إلووا مدافعها فى إدعاءاتها الزائفة

إحشدوا النفط

فالنفط يعرف كيف يقاتل حين تطول الحروب

وقد يتقن الضربة الخاطفة .

ياجنود العرب ..

ياجنود العجم ..

أيها الجند

ليس هنا ساحة الحرب

بل ساحة الإلتحام لدك الطغاة

وتصفية لدك بقايا عروش

توسخ فى نفسها خائفة .

ايها الجند

بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة

حطموها على قحف أصحابها .

إعتمدوا القلب

فالقلب يعرف مهما الرياح الدنيئة سيئة جارفة .

هل أرى .. كل هذا السلاح

لقد داس من داس ، متجها نحو يافا بنيرانه الجارفة .

جاء يوم الجماهير ، ما أخطأت ، إنها لمقاديرها زاحفة .

ليس وعدا على ذمة الدهر

غير الجماهير .. والعبقريات .. والعاصفة.

مرحبا أيها العاصفة .

 

 

لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين !!. فى مقابل كل أفغانى هناك تسعة أو عشرة من العرب . وفلسطين بكل جلالها وقدسيتها تعادل مساحتها ولاية واحدة أو ولايتين من ولايات أفغانستان التسع والعشرين . ومع ذلك عجزت ثلاث إمبراطوريات عظمى عن إحتلال أفغانستان أو الإستقرار فيها .. لماذا؟؟ . هل لأنهم ليسوا عربا ؟؟.أم لأنهم مسلمون حقيقيون بينما نحن بعيدون جدا عن ذلك ؟؟ .

حتى أكبر إمبراطوريات التاريخ وأطغاها تستعد الآن للرحيل الفضائحى من أفغانستان .

وهذا هو رئيسهم المخبول ترامب يلملم فضيحتة ويصرخ بالصوت الخافت بأنه أمر بإنسحاب نصف قواته من أفغانستان ليصبح عددها تسعة آلاف جندى فقط ، وكانت مئة وخمسون ألفا فى بداية الغزو. وأضاف ترامب نادما : ما كان لنا أن نبقى تسعة عشر عاما فى أفغانستان !!.

وقد فشل حتى الآن فى الوصول إلى أى “إتفاق شامل” مع مفاوضى طالبان فى الدوحة . والمفاوضات المجدبة ما زالت تدور غير بعيد عن قواعد القاذفات الأمريكية “B 52” .

بوصلة المسلمين جميعا تتجه صوب القدس . فقط حكام العرب وكلابهم ، لهم ألف بوصلة خربة ، لا تشير أيا منها لغير الفتنة . إكسروا تلك البوصلات على قحف أصحابها ، واتبعوا القلب ، فهو المرشد فى أوقات التيه (إستفت قلبك وإن أفتوك).

 

 

بقلم  :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

شعر ونثر على أطلال المنامة .

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 160) | شوال 1440 هـ / يونيو 2019 م .                

20/06/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 10 )

– مولوى حقانى يرسلنا لإستطلاع أماكن لإطلاق الصواريخ على المطار .

– دليلنا “كومندان المظلات”، كان أكثر الشخصيات غموضا واستهتاراً .. وإنسانية.

 – أول ضحايانا كانت طائرة “إليوشن” عملاقة. وبنهاية الحرب كانت خوست أكبر مقبرة للطائرات فى أفغانستان.

– بدلا من أجازة العيد حقانى يرسلنا فى داورية للتصدى لقوة عسكرية زاحفة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

لم يعد هناك مجال في التراجع ونظرت إلى وجه إخواني، فرأيت فيهما الإهتمام وعدم التردد.

فمضيت قدما وطلبت من الشيخ حقاني أن يرسل معنا دورية إستطلاع حتى نجد المكان المناسب للعمل ضد المطار .

قال: تتحركون صباحاً مع “قومندان المظلات”، وهو ضابط سابق فى سلاح المظلات من قبيلتنا وهو خبير بالمنطقة، تستطلعون المكان من أطراف (ليجاه) أولا فإذا لم تجدوا مكاناً مناسباَ نرسلكم إلى منطقة (باري) للبحث هناك.

قلت له إنه من الضروري رؤية باري أيضاً فمن الأفضل أن يكون لدينا أماكن متعددة للعمل. لم تكن لدى المجاهدين خرائط للمنطقة. رغم الغنائم الكثيرة التي غنموها. وربما كان السبب أنهم لم يدركوا أهمية الخرائط فأتلفوها.  وقد شاهدت في يوم فتح خوست بعد ذلك بسنوات  كيف أنه لا يعيرون إلتفاتا للوثائق، التي كانت بالأطنان في المراكز الحكومية المهجورة.

لقد رفعوا كل شيء إلا الأوراق ، فيما عدا حقاني الذي إهتم بتجميع وثائق (الخاد) التى وقعت بين يديه. وبدون الخرائط كان لا بد من بذل مجهود ضخم للتعرف على المنطقة، وإختيار المكان أو الأمكنة المناسبة.

وقد إستغرقنا خمسة عشر يوماً كاملة، حتى أطلقنا صاروخنا الأول، وكان (صاروخاً تاريخياً) بالنسبة لمعارك خوست. وكان ضربة صحيحة في المكان المناسب.

فتحطمت طائرة (إليوشن) عملاقة كانت في حالة هبوط على مدرج المطار. منذ تلك اللحظة  بدأت خوست تتحول على يد المجاهدين إلى أكبر مقبرة للطائرات في كل أفغانستان،وخسرت الحكومة الشيوعية على أرض مطار خوست حتى نهاية الحرب حوالي سبعين طائرة نقل عسكرية حسب ما أفادنا به الجنرال طيار (عبد الجبار)  الذي تم أسره عند فتح خوست وهو يحاول الإقلاع بآخر طائرة لمست عجلاتها أرض مطار خوست في مدة الحرب.

(كان فى الطائرة الجنرال “صلح أمل” المستشار العسكرى للرئيس نجيب . فى الواقع جاء عبد الجبار  من كابل خصيصا فى مهمة إنتحارية لإنقاذ الجنرال صلح أمل وإخراجه من خوست التى كانت قد تهاوت تقريبا ).

وكان صاروخنا الأخير هو الذي تسبب في أسر تلك الطائرة مع الجنرال (عبدالجبار) . كما كان صاروخنا الأول / وبأمر من حقانى/ هو الذي إفتتح ذلك النوع من العمل العسكري ـ تدمير الطائرات الشيوعية وهي على المدرج- والفارق الزمني بين الصاروخين

 هو ست سنوات فقط  لا غير!!.

 

المجاهدون العرب فى مدرسة حقانى :

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين  أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان . وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار ذلك العمل.

سواء في المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام1991حين فتحت المدينة.

بشكل عام ، كان معظم العمل العربى عشوائيا وغير مدروس . فقط من عملوا مع حقانى كان عملهم منتجا ومفيدا ، لأن حقانى وظفهم ضمن إستراتيجية عمله التى كانت دوما مدروسة وفعالة . وكان مشروعنا ضد المطار هو الأول لنا ، وقد تمكن حقانى بموهبته الفطرية أن يوظف إمكاناتنا بالشكل الأمثل . وأفضل نتائج العرب فى جهاد أفغانستان كانت للذين عملوا مع  حقانى ضمن مشروعه العسكرى ، كما حدث معنا ، ثم حدث مع مجموعة أبو الحارث الأردنى فيما يلى من سنوات. فكانوا هم الأفضل، نظرا لثباتهم فى العمل واستمراريتهم الطويلة. فلم يكونوا من(البدو الرحل) كمعظم الأفراد العرب الذين وفدوا إلى أفغانستان وتميزت حركتهم بالقلق وكثرة التنقل ، مع الإنفعال الحماسى وفقدان الرؤية المتزنة .

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين كما حدث في بعض الحالات أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان كما حدث في معظم الحالات. وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار هذا العمل. سواءفي المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام 1991 حين فتحت المدينة.

ذكرت فى تقرير صحفى ، نشَرَتْهُ صحيفة الإتحاد الظبيانية ، رحلتنا الإستطلاعية الأولى مع وهما المصريان عبد الرحمن وأبو حفص . وكما ذكرت سابقا فكلاهما إستشهد فى أفغانستان، الأول فى الغزو السوفيتى والآخر فى الغزو الأمريكى. أستعين هنا بأجزاء من ذلك التقرير .

 

رحلة خطرة مع قومندان المظلات :

 لم تكن فرقتنا من أبناء باكتيا، لهذا إستعنا بمجاهدي المنطقة في عملية الإستطلاع. (قومندان المظلات( واحد من خبراء المنطقة كان سابقاً قومندان في سلاح المظلات. وبعد أن خرجنا معه في رحلة إستطلاع أدركت أنه واحد من عجائب بلاد الأفغان. (قومندان صاحب) كما يدللونه أحياناً، في الخامسة والأربعين من العمر قوي البنية كمصارع محترف. ذو وجه مستدير وأنفٍ حاد وعينان زرقاوان تلمعان كعيني نمر. في رحلات الإستطلاع يحمل أفراد المجموعة عادة سلاحهم الفردي وكمية كبيرة من الطلقات والقنابل اليدوية فهم يقتربون كثيراً من مواقع العدو وإحتمال وجود كمائن في الطريق يثير الجميع.. ما عدا (القومندان).. فهو يعلق في كتفه بندقية سريعة الطلقات( كلاشنكوف ) ويعلق في رقبته خيط حريري أسود يتدلى منه قراب خنجر أفغاني تقليدي، وسوى ذلك لا يحمل معه أي ذخائر إضافية. في الطريق أدركت أن القومندان يتمتع بذكاء وسعة حيلة يندر أن تجد لها مثيلاً. كانت المهمة هي إستطلاع الجزء الغربي للمطار والمناطق المحيطة به. ولم يترك القومندان فرصة تمر بدون أن يستعرض قدراته التي هي في الحقيقة قدرات مدهشة ولكن طريقة الرجل تفقد الحليم صبره.

بدأت الرحلة بعد الفجر وغاص بنا القومندان في متاهات جبلية لمدة خمس ساعات من السير المنهك. والجميع صائمون ويتذرعون بالصبر. كنّا نتوقع رحلة أقصر من ذلك بكثير، فبالأمس كانت تبدو المسافات قريبة من فوق قمة الجبل في (ليجاة)، ولا ندري ماذا حدث اليوم وكيف إستطالت؟؟. عند الظيهرة وصلنا إلى آخر سلسلة الجبال من طرف وادي خوست وبدت الحافة الغربية لمدرج المطار واضحة للغاية وكذلك كمائن الحراسة ومواقع الدبابات. وبعض مواقع كتائب الجيش المكلفة بحراسة المدينة. أخذ الفريق يلاحظ ويدون ويرسم خرائط (كروكية) للمواقع.

وفجأة لاحظوا عدة مصفحات تتحرك بأقصى سرعتها من جانب المطار في إتجاه موقعنا مباشرة. بدأ الثلاثى يتشاورون بسرعة في إحتمالات تطور الموقف إذا ما جاءت مدرعات وحاملات جنود لمطاردتهم في المنطقة المكشوفة.إتخذوا قرارهم بالمناوشة والإنسحاب إلى سلسلة الجبال القريبة.

بدأوا الحركة بحرص لأخذ مواقع أفضل للمواجهة والمناورة. نظروا حولهم فلم يجدوا (القومندان) بدأوا يصيحون عليه ولا مجيب. عبدالرحمن أفصح بسرعة عما في نفسه قائلاً:هذا الرجل لا أرتاح إليه.. لقد إستدرجنا إلى كمين..سَرَى القلق في نفوس الجميع.. وحاول أبو حفص أن يهديء من مخاوف عبدالرحمن.

ولكن إختفاء الرجل في هذه اللحظة بالذات وتصرفاته الإستفزازية طوال الرحلة جعلت الجميع يعتقد في صحة ما قاله عبدالرحمن. مرت اللحظات ثقيلة وإستمرت المصفحات تقترب من بعيد وقد أثارت حولها سحباً عالية من التراب. وتواردت الظنون لتزيد القلق، فإذا كان هناك كمين فلن يقتصر على تلك الوحوش الفولاذية التي تنهب الأرض في طريقها إلينا. لا بد أن هناك شيئاً آخر قد يكون على مقربة منّا في الوادي أو… ربما على التلال القريبة. بدأت الأعين تبحث في كل شيء يحيط بنا في السهل في التلال، في الجبال القريبة.

وغياب القومندان جعل الشكوك تتأكد. وفجأة إنحرفت مسيرة المصفحات جهة الشمال وظلت تواصل المسير حتى إختفت داخل أجمة كثيفة من الأشجار حيث تتواجد قيادة المدرعات في (خوست). تراجعت المجموعة بهدوء حتى وصلت إلى بداية سلسلة الجبال كان الحر شديداً وشمس الظهيرة قد طردت من أجسامهم آخر قطرة ماء. وإبيضت شفاة الشباب وصار الكلام يخرج بصعوبة.في ظل أحد الأشجار الشوكية بدأ أحدهم ينظم الخرائط ويتأكد من صحة المواقع ويضع بعض علامات ورموز على الأوراق..لقد إنتهت رحلة الإستكشاف لهذا اليوم وعليهم التهيؤ للمسير.. ولكن كيف؟.. والدليل قد إختفى؟.

قرروا العودة من نفس الطريق الذي قدموا منه .أبديت  شكي في نجاح هذا العمل فليس من اليسير تذكر معالم هذا الطريق الطويل الذي إستغرق أكثر من خمس ساعات في متاهات جبلية يبدو أن قدما لبشر لم تطأها من قبل. ترددنا بعض الشيء ولكن لم يكن هناك حلاً آخر.

بدأنا المسير وسيطر على فكري وجود الماء، فنحن في حاجة شديدة إلى الماء والأودية القريبة كلها جافة ولمسيرة ساعة أو أكثر. فماذا لو ضللنا الطريق ولم نصادف الماء؟؟. بينما الصمت يلف المجموعة والأقدام تنتزع من الأرض إنتزاعاً وتوقف الجميع عن الكلام تحت وطأة العطش والجوع والتوتر. جاء صوت مألوف يصيح بمرح ليس له مبرر:

ـ أين تذهبون؟.. هل تتركونني؟.

يا للمفاجأة.. إنه (قومندان صاحب).. نظرنا خلفنا فإذا به يندفع من فوق قمة قريبة كجلمود من الصخر. كتم الجميع غيظهم.

ـ أين كنت؟

ـ لقد تركتكم تراقبون وذهبت لأستريح قليلاً في ظل الأشجار. لم يعرنا إهتماماً كبيراً وتقدم الركب وهو بادي النشاط والمرح..

ـ يبدو عليكم الإرهاق.. الإستطلاع يحتاج إلى رجال أقوياء.. مازلتم صائمون؟.تماسك الجميع

 بصعوبة وأخذ أبو حفص يزمجر وكذلك عبدالرحمن فأسرعت لتدارك الموقف:

ـ نحن متعبون ونريد طريقاً مختصراً للعودة إلى المركز.

ـ هذا شيء بسيط..هناك طريق يوصلنا إلى المركز بعد ساعة واحدة.. هل تحبون المسير فيه؟ ـ ساعة واحدة؟؟

علت الدهشة وجوه الجميع، فقد سار بنا أكثر من خمسة ساعات في الصباح، فلماذا لم يسلك بنا هذا الطريق المختصر؟.أصبح التوتر بادياً على الجميع .

ضحك القومندان وأدرك ما يدور في النفوس. فسار مسرعاً الخطى..

وأخذ يغني بمرح أغاني جبلية جميلة.. لكنها لم تفلح في الترويح عنّا.

دار بنا على سلسلة الجبال لمسافة كيلومترات قليلة ثم نزل فجأة إلى الوادي عبر أحد الشعاب الضيقة الوعرة.. نظرنا إلى جهة اليمين على بعد ثلاثة كيلومترات في الوادي هناك مركز قوي للعدو مهمته مراقبة المنطقة. لفت أبو حفص نظر(قومندان صاحب) إلى هذا الأمر، فلم يهتم كثيراً..عبدالرحمن تقدم بسرعة حتى صار خلف )القومندان( ثم بدأ يتكلم بالعربية التي لا يفهمها القومندان:

ـ إنه سيسلمنا هذه المرة بيده إلى كمين.

كان يبدو كلام عبدالرحمن صحيحاً. فقد أصبحنا في الوادي مرة أخرى وفي منطقة يسيطر عليها الجيش. مد الشباب أيديهم بهدوء وحرك كل منهم جزء الأمان في بندقيته لتصبح جاهزة للإطلاق.شعر القومندان بتوتر الشباب وبقعقعة السلاح من خلفه ظل يسير بلا مبالاة ويصدح صوته بأغنيات بدت لنا أشد نكرا من إنفجارات الصواريخ. ثم إنحرف يساراً في وادي كثيف الأشجار تفجرت منه ينابيع غزيرة. قفزنا إلى الماء لإطفاء حرارة أجسامنا التي كادت أن تشتعل من الحرارة وفقدان المياه. أوقفنا القومندان وأشار إلى نبع قريب يخرج ماءه من باطن الجبل وقال هذا أفضل.شربنا من الماء حتى أنهكنا الشرب..وإرتمينا على الحشائش بلا حراك وبلا حديث.أشار القومندان بإصبعه على إمتداد الوادي جهة الجنوب قائلاً:

على بعد ثلاثة كيلومترات ينتهي الوادي وتبدأ حدود المركز..

يمكنكم إكمال المسير إلى هناك فنحن الآن تقريبا في المعسكر.

نظرنا إلى حيث أشار.. لقد كان قوله صادقاً. فقد بدت بعض القمم التى نألفها… شعرنا بإرتياح شديد. بدأ (القومندان( يمارس هوايته في الصيد ويطلق النار على بعض الطيور والأرانب البرية التي تزخر بها المنطقة.

قال عبد الرحمن منهكا وهو ملقي على الحشائش بجانب جدول الماء:

ـ وددت لو تُكْسَر رقبته.

فرد عليه (أبو حفص):

ـ كان من الأفضل أن يقذفوه من طائرة ومعه مظلة لا تنفتح. ساد الصمت بيننا وبدأت أسمع غطيط فريق الإستطلاع . نظرت إليهم وقد غلبهم النوم و إحتضن كل منهم بندقيته فوق صدره تماما..إختفى القومندان بين شجيرات الجبل ، ومن حين إلى آخر نسمع طلقاته على الطيور والحيوانات البرية…

وأخذت أفكر في هذا الرجل.. من هو؟ وأي صنف من البشر يكون… لم أهتد إلى إجابة ما. ولكن الشئ المؤكد أن ذاكرتي لن يمحى منها شخصية قومندان المظلات، الأكثر تعقيدا وتهورا وإنسانية.

{ ملاحظة : لم أسأل أى أحد بعد ذلك عن مصير كومندان المظلات خشية أن تصدمنى الإجابة المعتادة : (لقد إستشهد).كان ذلك سيحزننى كثيرا، فمازلت أعتقد أنه شخصية نادرة وغير تقليدية. كان رجلا حقيقيا، صلبا وساخرا من الحياة. مندجا فى الطبيعة من حوله ، ولا يبالى إن جاء الموت إليه أو ذهب هو إليه. كنت أتمنى أن أراه كثيرا ونعمل سويا فى الجبهات، وأكتب عنه بالتفصيل . ولكن للأسف لم تكن الأحداث فى معظم الأحوال تترك لنا مجالا للإختيار} .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

البيان الأخير :  

نتائج عمليات مجموعتنا العاملة ضد مطار خوست حتى يوم 28 رمضان 1405هـ. بعد حوالى أسبوعين من العمليات كانت كالتالي :

1- تدمير طائرة هيلوكبتر ناقلة للجنود على مدرج المطار.

2ـ تدمير طائرة نقل كبيرة وإحراقها على المدرج وإصابة 47 من ركابها بين قتيل وجريح

جميعهم من العسكريين (الهندوس). وقد هاجرت عائلاتهم إلى كابول. وعاد بعضهم إلى الهند.  3- تدمير مبنى عسكري قرب المطار ومصرع أربعة من الضباط.

4- إصابة عدد من الطائرات إصابات غير معلومة.

5- إصابة عدد من العسكريين العاملين في الدفاع عن المطار وإدارة المطار بإصابات وخسائر في الأرواح غير معلومة. 6- إغلاق المطار في وجه الملاحة الجوية لمدة أسبوع.

– هذا ولم تقع أي خسائر في صفوف مجموعتنا ، أو فى صفوف المجاهدين المساندين لنا وهو ما تكرر فى عملياتنا الأكبر والأعقد ضد مطارى خوست فى عامى 1990 ، 1991 تحت قيادة جلال الدين حقانى فى حملاته المظفرة لفتح المدينة، ضد إرادة العالم وضد إرادة أحزاب بيشاور “الجهادية”!!.

في رحلة إستطلاعنا الأولى لم نكتشف سوى شخصية قومندان المظلات العجيبة، أما ما يتعلق بعمليتنا على المطار فلم نعثر على المكان المناسب بسبب بعد المسافة. فأرْسَلَنا مولوى حقاني إلى منطقة (باري) لقربها من المطار. ولكنه كان يخشى علينا من خطوط الدفاع الجبلية للشيوعيين وقدرتها على إصابتنا بنيرانها أثناء العمل.

خاصة من قوة العدو على جبل (تورغار) الذي يعتبر مركز دفاعات العدو الجبلية وأكثرها إرتفاعاً وتحصيناً. لهذا إرتبط جبل تورغار بسلامة المطار وإرتبط الإثنان تورغار والمطار بسلامة المدينة.

لقد كان حقاني يعلم ذلك، وهي حقيقة لمسناها لأول وهلة منذ عملنا في ذلك المشروع. وهكذا كان التسلسل الذي إتخذته الأحداث عند فتح المدينة كان إستيلاء المجاهدين على جبل تورغار مقدمة لا بد منها لإغلاق مطار المدينة بشكل نهائي (بواسطة عملياتنا العربية)، ثم فتح المدينة فى حملة عسكرية كبرى قادها حقانى بنفسه. وسنرى تلك الموهبة العسكرية والشجاعة الأسطورية لذلك الرجل، والتى تجلت فى حملته النهائية لفتح مدينة خوست .

إلتحقنا في (باري) مع مجاهدين من قبائل وزيرستان قدموا من الجانب الباكستاني من الحدود، يرأسهم عالم إسمه(عجب نور)، والده أيضاً عالم يدعى (عجب خان) من المشاهيرالذين قاتلوا الحملات البريطانية على بلاد الأفغان. عجب نور كان يمثل قيادة روحية لهذه الجماعة بل للقبيلة كلها. وهو يحضر إلى الجبهة من وقت إلى آخر ولكنه يترك الأمورالعسكرية لإثنين من قواده هما (سميرجول) ومولوى عبدالحليم. سميرجول وهو أول من تعرفنا عليه من المجموعة وصارت مجموعتنا تعمل تحت إمرته ، و كان لنا إستقلالية في العمل ولكن مع إرتباط  إداري مع (سميرجول)، حتى أن غنائم المجموعة كان لنا فيها نصيب. ولكنا رفضنا إستلام شئ منها، تعففاً وحفاظاً على الأجر كاملاً حسب فهمنا لبعض الأحاديث النبوية.

وفي شهر رمضان غنمت المجموعة عدة بنادق كلاشنكوف، من جنود فروا من الخدمة وسلموا أنفسهم، وكان نصيب كل مجاهد 400 روبية باكستانية .

مولوي عبد الحليم،  كان الأكثر طيبة والأكثر صلابة وإنضباطاً وظلت علاقتنا به قائمة حيث بقينا نزوره من وقت إلى آخر في مدينة خوست بعد فتحها، التي يرأس معهدها الديني المسمى (منبع الجهاد).

وقد بترت ساقه أثناء محاولة غير ناجحة للإستيلاء على جبل تورغار،حين إنفجر لغم فوق الجبل أودى بحياة شاب عربي . فحاول مولوي عبدالرحيم أن يسحبه فإنفجر فيه لغم آخر بتر ساقه.

الثلاثاء 30 رمضان 1405هـ ـ 19 يونيه1985م :

في السابعة صباحاً سمعنا طائرات نقل كبيرة  تهبط في المطار.. لقد غيرالعدو أسلوبه وأصبح ينزل في مواعيد لم تكن معتادة قبلاً.. بالأمس نزل قرب العصر.. واليوم في السابعة صباحاً..

ولما لم يجدنا هناك. حيث لم يحدث إطلاق على طائراته الكبيرة التي أصبح يدرك جيداً أنها المستهدفة من ضرباتنا.. وليس أي نوع آخر من الطائرات حتى الهيلوكبتر الرهيبة من طراز “مي-24” كنا لا نطلق عليها صواريخنا الثمينة للغاية. بدأ نزول الطائرات الكبيرة يتتابع بكثرة غيرعادية حتى وصلت في تقديري إلى عشرين  خلال هذا اليوم.. إعتبرت ما حدث  هو عملية (إقتحام للمطار) عندما شعر العدو بعدم وجودنا.

اليوم أراد أن ينهي أكبر قدرممكن من الرحلات الجوية.وظهر  أن العدو يجهزلعملية كبيرة وأن ما يصل إلى المطار هو (مستلزمات العملية) من رجال وعتاد. عملية ( إقتحام المطار) من جانب العدو لهذا اليوم شعرت أنها وسام تقدير لعملنا في أيام رمضان الماضية.

في الرابعة عصراً  بدأنا في إعداد أدوات كهربائية لعملنا المقبل.. قررنا زيادة عدد الصواريخ المستخدمة.. سواء بالتوقيت أو بالمصايد. في الليل علمنا أن غداً عيد الفطر.. وأن مولوى حقاني موجود في ليجاه.

وأن عدداً كبيراً من أفراد مركز “سمير جول” سوف يغادرون صباحاً إلى قراهم.. إنها دعوة لطيفة لنا كي نأخذ إجازة العيد..سألناهم هل ذلك هو المطلوب حقاً؟ ضحك الرجل وقال: نعم.. سنرجع لإستئناف البرنامج معكم بعد العيد إن شاء الله. وافقنا معه على مشروع الإجازة وطلبنا منه أن يرافقنا غداً إلى (ليجاه) لرؤية مولوى حقاني. فوافق على أن يرسل معنا (مجيد) بالسيارة، أما هو فسوف يقابل حقاني في وقت آخر.

أول شوال 1405 هـ ــ 20 يونيه 1985 :

خرجنا من أفغانستان من منطقة غلام خان الحدودية، ثم دخلناها مرة أخرى من نقطة (صدقي) على بعد حوالي عشرة كيلومترات ثم واصلنا التحرك مع  (مجيد) في سيارته حتى وصلنا منطقة (ليجاه). في الطريق كنت أفكر فيما سأكتبه للجريدة من موضوعات، والشخصيات العجيبة التي سأتكلم عنها.

سيكون منهم ولا شك( درويش) الذي أسميه (المقدوني)نظراً لملامحه الإغريقية- ثم ذلك البدوي (كوجامير) ,الذي يجتذب القذائف, ثم قومندان المظلات.

سأكتب بالطبع عن حملة سوفييتية محتملة على باكتيا وهذا ما جئت حتى أبحث إحتمالاته مع مولوي جلال الدين. كان يغمرني شعور كاذب بالراحة الناتجة من شعوري أنني في إجازة !!.

هديرالطائرات الآتي من بعيد كأنه لا يعنيني، والإنفجارات القادمة من أرجاءالجبال كأنها تحدث في عالم آخر.. إنني الآن في إجازة العيد..ترجلنا من السيارة فى ليجاه وأنا أستنشق الهواء النقي بعمق.

يبدو كأن لا أحد هنا؟.. هكذا تساءلنا بتعجب ودهشة لم نرى أحداً رغم أننا وسط مراكز المجاهدين. زالت الدهشة بأن ظهر واحدا منهم كي يخبرنا بإنزعاج بأن العدو يحتشد عند مدخل الوادي لإقتحام ليجاه. وأن حقاني تقدم مع رجاله إلى الأمام. عادت أجواء الحرب التي حاولت أن أتناساها.. طلبنا من مجيد أن يتقدم بنا صوب مدخل الوادي حتى نلحق بمولوى جلال الدين.

قرب مدخل الوادي وجدناه في حوالي عشرين من رجاله.. نزلنا من السيارة وأمرحقانى مجيد بالعودة بسيارته لأن المكان خطر. بقينا معه وسألناه عن رأيه عمليات المطار، فقال بأن نتائجها كانت جيده جدا.

فقد وصله بالأمس تقرير من داخل المدينة عن الخسائرالحادثة من جراء قصفنا للمطار. “وهي الخسائر التي دونتها في نهاية تقريررحلتنا مع قومندان المظلات”. وقال أن هناك إصابات كثيرة غيرمحددة سواء في الطائرات أو الأفراد.. ولكن الهندوس أصيبوا بنكسه ضخمة في الطائرة الأولى التي أصيبت. قال أنه يتوقع حملة روسية كبيرة على خوست.

وأن العدو قد يهاجم اليوم.. ثم سألنا: هل أنتم صائمون؟، قلنا: له بل هو اليوم الأول للعيد. فقال أنهم ما زالوا صائمين. كان هادئ  الأعصاب منظم التفكير، بعد تلك الجلسة التي إستمرت حوالي نصف الساعة، طلب منا المشاركة في صد الهجوم على ليجاه لأن معظم المجاهدين قد غادروا إلى قراهم في أواخر رمضان. شعرت بغصة في حلقي من جراء الإنتقال الفجائي من الحالة النفسية لإجازة العيد إلى حالة مواجهة إنتحارية مع القوات الشيوعية.ولكن في دقائق زالت أوهام الإجازة، وتعاملنا مع واقع المعركة. تحركنا  مع دورية من المجاهدين تحركت شرقاً بين الجبال لننزل في وادي خوست.خلال الطريق الذي وضعنا فيه قومندان المظلات منذ شهر تقريباً.

كانت الأنباء تقول أن تحشداً للعدو يقف قريباً من تلك النقطة وقد يتقدم من خلال ذلك الطريق. كنت منذ عام83 في الأورجون  قد عزمت على ألاّ أشارك في مثل تلك الدوريات .

ولكنها إرادة الله.. وسَرَّى عن نفسي وجود إخواني معي ، علَّنا نستطيع أن نتبادل التعليقات والضحك أحياناً في موضع شرّ البليّة. كنا حوالي العشرين شخصاً.. نحن الثلاثة على الأقل لا نعلم من هو قائد المجموعة، وما هي المهمة المطلوبة. أما طريقة المسير، والمفروض أننا نسيرفي منطقة خطيرة يحتمل تواجد العدو بها.  ومع ذلك فإن مسير مجموعتنا لا يختلف عن المسير في سوق ميرانشاة.وصلنا إلى أقصى نقطة بسلام وإحتمينا بهضبة صغيرة.. ثلاثة من المجموعة معهم منظار مقرب، من النوع الرخيص يؤذي العين أكثرمما يقرب الأشياء.

ذهبوا بعيداً بحوالى مئتى متر فوق هضبة أخرى لمراقبة تحركات العدو..وكانوا يبلغونا بنشرة الأنباء بواسطة الصوت المرتفع!!، فكنا نستمع نحن والعدو فى نفس اللحظة . جلست مع زميلاي تحت الجرف نضرب كفاً بكف.. فجأة وجدنا إلى جوارنا زوجاً من العناكب السامة الضخمة..إنشغلنا بالإشتباك معهم حتى قضينا عليهم قضاءاً مبرماً. بعد ساعة أو أكثرصاحت مجموعة الإستطلاع بفرح. لقد رحل العدو إلى المدينة.. عدنا أدراجنا بنفس الطريقة..إلتقينا مع حقاني مرة أخرى.. أخبرنا أيضاً أن القوة كلها قدعادت إلى قواعدها بعدما شعرت أن هناك مجاهدون كثيرون في خط الدفاع الأول. نحن أيضاً إنسحبنا أدراجنا.. وتواعدنا مع حقاني أن نعود بعد إجازة العيد كي نستأنف العمل ضد المطار.لم نجد سيارات تأخذنا إلى بشاور فإضطررنا للمبيت في ميرانشاة. تقابلنا مع الشخ (فتح الله حقاني) نائب جلال الدين..توقعت أن أجده غاضباً نتيجة المعاملة السيئة التي عاملت بها نائبه عند زيارته لنا.. لكنه لم يتطرق إلى ذلك، بل أثنى على عملنا.. كان مرحاً دائم الإبتسام.. سألته عن حال عينه التى أصيبت أثناء إعداد طريق (ليجاه).. قال إنها بخير ولكن تحتاج إلى عملية جراحية، وأنه قد يسافر إلى السعودية في موسم الحج ثم يجري عملية جراحية هناك.قال أنه يرى بها قليلاً جداً ولكنها لا تؤلمه.

في الصباح أمكننا العثور على سيارة تأخذنا إلى بشاور. في أيام الأعياد يكون الإنتقال بين مدن باكستان صعباً للغاية. فأكثر السائقين يفضلون قضاء العيد مع أسرهم في القرى.

عبدالرحمن وأبوحفص بقيا في بشاورللبحث خلف أجهزة (الرومت كنترول) وأجهزة الإتصال اللا سلكي.

بينما تابعت سفري إلى إسلام آباد كى أقضي مع الأسرة أول أعيادنا في باكستان.. ومن حسن الحظ أن أول يوم لوصولي كان هو أول يوم للعيد في باكستان الذي يتأخر عادة من يومين إلى أربعة أيام عن أعياد باقى أمة المسلمين.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

جلال الدين حقانى 10

 




تنظيم القاعدة .. لا مرحباً بكم فى أفغانستان (3)

القاعدة عدو عاقل أم صديق مجنون؟

تنظيم القاعدة .. لا مرحباً بكم فى أفغانستان 

(3 ــ الأخيرة)

– قبل الحرب .. تيار معادى لأسامة بن لادن داخل حركة طالبان ، يقوده وزير خارجية ، يتشكك فى “القاعدة” والتواجد العربى المرافق لها.

– ظهرت شكوك داخل الحركة بأن أمريكا أرسلت بن لادن إلى أفغانستان لإيجاد ذريعة لضرب حركة طالبان.

– بن لادن فى جلساته الخاصة :

(الإخوة الطالبان جزاهم الله خيراً لا يدركون أبعاد الواقع ولا مصالح المسلمين خارج أفغانستان، ونحن أقدر منهم على ذلك) ــ ( لأدخلنهم حرباً هى خير لهم من الدنيا وما فيها ).

– إغتصب بن لادن صلاحيات أمير المؤمنين ، والقاعدة إحتلت موقع شعب أفغانستان.

– داعش والقاعدة يوَّجِّهان الطعنات للإمارة الإسلامية فى أدق مراحل الجهاد .

– قد تواجه القاعدة إتهاماً بالخيانة العظمى إذا عُرِضَتْ قضيتها أمام المحكمة الشرعية فى قندهار .

 

 

شكوك صقور طالبان :

الجناح المعارض داخل صفوف طالبان كان على رأسه وأهم رموزه “ملا محمد حسن” وهو عضو قوى فى مجلس شورى حركة طالبان، تولى وزارة الخارجية لفترة، وكان يرى بأن بن لادن أصبح هو الذى يحدد السياسة الخارجية للإمارة، فتواجده فى البلاد ونشاطه الإعلامى قد أثار ردود أفعال أمريكية وباكستانية وسعودية. ثم بالتأثير الأمريكي تحركت أوروبا والأمم المتحدة. حتى لم يعد فى إمكان “الإمارة” أو وزارة الخارجية ضبط إيقاع العلاقات الخارجية خارج الدوامة التى أثارها ذلك الرجل.

فى رأى ذلك الجناح من الصقور أن بن لادن يجب أن يعاقب (أو أن يطرد) لرفضه مراراً طاعة توجيهات”أمير المؤمنين” بالإمتناع عن إجراء المقابلات الإعلامية.

الملا محمد حسن كان الأكثر جرأة فى تيار الصقور حين عبر صراحة فى مجالسه بأن هؤلاء العرب “الوهابيون” لا داعى لهم، فهم خصوم (لنا) فى الأساس، فهناك خصومة مذهبية لاحل لها بين الوهابية والصوفية، ثم أن هؤلاء كانوا يدعمون سياف وحكمتيار وقت الجهاد، فهم من الإخوان المسلمين أعداء طالبان ، والعرب قاتلوا مع حكمتيار ضد حركة طالبان، وقتلوا منهم الكثيرين، ثم يتساءل عن السبب فى تحمل (مصائبهم).

ومن هنا ظهرت إتهامات تشكك فى بن لادن وأنه (مبعوث من أمريكا) لإيجاد ذريعة لضرب حركة طالبان (!!). كانت تلك نظرية تآمرية موجودة بالفعل بين صفوف طالبان لتفسير ظاهرة بن لادن التى داهمت حركتهم على غير إنتظار فحددت مصيرها.

فى صفوف العرب كان للمعاضة أسباب أخرى، فقال الصقور أن بيان بن لادن ( إعلان الجهاد على الأمريكيين) جاء قبل سيطرة حركة طالبان على العاصمة كابول والذى جعلها حكومة شرعية للبلاد، الأمر الذى يستدعى إدخال تعديلات جوهرية. فهناك الآن حكومة شرعية لابد من الخضوع لسلطانها وأوامرها . وبرامج مثل (إعلان الجهاد) لابد أن يتم بالمشاورة مع حاكم البلاد (أمير المؤمنين) وطبقاً لتصوراته، أو بالأحرى قدرته على الإحتمال.

وإذا لم يتم هذا التنسيق فسيحدث الصدام عاجلاً أو آجلاً بين “بن لادن” والعرب معه وبين (الإمارة). بينما العرب مجرد ضيوف وهم الطرف الأضعف. فإما أنهم سيُرغمون على مغادرة البلاد أو أن يصمت بن لادن، وتوقفت جميع نشاطاته الأخرى (خاصة معسكرات التدريب).

حدث إجماع عربى فى آخر عامين لهم فى أفغانستان بأن عليهم، وعلى ابن لادن بشكل خاص، الإنتباه إلى أن أفغانستان هى آخر جزء على وجه الأرض يقبل بإقامتهم بشكل طبيعى وبدون أن يكونوا مهددين خارجياً أو داخلياً.

ولم يكن ثمة خلاف بينهم على أن تقدير أمور الدوله وإدارتها هو من صلاحيات ومسئوليات الملا “محمد عمر” أمير المؤمنين ، وأنه ليس من حق بن لادن الخروج على هذه السلطة أو عصيانها أو تكوين (دولة موازية) داخل أفغانستان.

 

كان بن لادن يوافق ظاهريا على ذلك. ولكنه برْهَنَ على أنه الشخص الوحيد فى أفغانستان الذى يرى لنفسه الحق وأن عنده القدرة على أن يفعل ما يريد. فتمكن بذلك من قيادة الركب الإسلامى فى أفغانستان .. إلى الهاوية .

بن لادن فى جلساته الخاصة كان يقول : (الإخوة الطالبان جزاهم الله خيراً لا يدركون أبعاد الواقع ولا مصالح المسلمين خارج أفغانستان.. ونحن أقدر منهم على ذلك) ــ وقال أيضا: (لأدخلنهم حرباً هى خير لهم من الدنيا وما فيها).

تصريحاته تلك فى جلساته المحدودة كانت ترجمتها السياسية أن الرجل وضع يده على القرارات السيادية فى أفغانستان ، خاصة ما يتعلق بأهم محورين: الأول هو العلاقات الخارجية للإمارة الإسلامية ، والثانى هو قرار الحرب التى يرى فيها أفقاً خلاقاً هو الأفيد للإمارة الإسلامية ولشعب أفغانستان ( وخير لهم من الدنيا وما فيها).

 

– الملا محمد عمر كَبَحَ المَوْجَة المعادية لابن لادن وللقاعدة فى أفغانستان ، والمعادية للعرب بسبب تجييشهم العداء الوهابى ضد الصوفية التى يتبعها معظم سكان أفغانستان من الأحناف .

الإهتمام العالمى بتنظيم القاعدة وزعيمه (بن لادن) أصبح هيستيرياً ، خاصة بعد ضرباتهم الثلاث ضد أهداف أمريكية ، بدءاً بعمليتى أفريقيا ضد سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام ثم ضرب المدمرة الأمريكية (إس إس كول) فى ميناء عدن ، وصولا إلى قمة الإثارة فى(غزوة منهاتن) وإسقاط بُرْجَي التجارة هناك .

 فى باكستان وبلاد العرب عموما إكتسب بن لادن وتنظيمه شعبية كبرى . إنتقل جزء كبير منها إلى أفغانستان . ولكن ظل قطاعاً مهما من قيادات كوادر طالبان متشككين فى تلك القصة كلها ، وشعروا أن أفغانستان قد أُختُطِفَت من بين أيديهم ، وإنتقلت إلى “بن لادن” وليس الملا عمر ، وإلى تنظيم القاعدة وليس حركة طالبان . وأن الأحداث أصبحت خارج سيطرة الإمارة وأنها تسير بسرعة نحو كارثة كما حذر كثيرون .

 فى أحد خطاباته الشهيرة  قَسَّمَ بن لادن العالم إلى فسطاطين ـ أحدهما إيمان لا كفر فيه والآخر كفر لا إيمان فيه . كلام حماسى جميل ، ولكن مكتب الملا عمر، أمير المؤمنين فى هذه البلاد كان على بعد دقائق ، ومع ذلك لم يذهب إليه لإستشارته ، فى موضوع تصنيف العالم بهذا الشكل الذى يمهد لحرب عالمية مركزها أفغانستان .

عمليا .. إغتصب بن لادن صلاحيات أمير المؤمنين ـ وإحتلت القاعدة مكانة شعب أفغانستان .

وفى المشهد الأخير من المسرحية نشبت حرب أحرقت أفغانستان وأسقطت نظام الإمارة الإسلامية. وإنتقل بن لادن إلى(أبوت آباد)، المدينة العسكرية فى باكستان، ورحلت القاعدة خارج أفغانستان لتُعَمِمْ تجاربها فى تصنيع الحروب والكوارث ، وفرض الإنتكاس على الشعوب ومحاولاتها الناجحة أو السائرة فى طريق النجاح.

بدأت المسيرة الجديدة فى العراق على يد قائد القاعدة الميدانى (أبو مصعب الزرقاوى). ثم إنتقال مأساوى آخر صوب سوريا على يد عشرات القادة الجهاديين ، لدفع الشعبين فى العراق وسوريا إلى ما وقع فيه شعب أفغانستان من “حرب هى خير لهم من الدنيا وما فيها”. ثم ذلك التطور العبقرى بتحويل القاعدة إلى توأم ملتصق بداعش . وكان عهد الزرقاوى فى العراق هو الخطوة الأولى الكبري نحو ظهور الداعشية التى صارت أهم منتجات الجهاد القاعدى الوهابى ، وأكثرها تأثيرا فى السياسة العالمية. ونادرا ما تظهر القاعدة فى ميدان إلا وتظهر معها داعش ، والعكس صحيح. فيما يبدو أنه توزيع أدوار ضمن برنامج واحد فى أى بلد منكوب.  ورغم تكامل الأدوار، إلا أن التنافس موجود ضمن التحالف الواحد.

فتحول قطاع من منتسبى القاعدة إلى “داعش” ، الأكثر حيوية ودموية ومعاداة للشعوب.

 

وفى كل مكان ذهبت إليه القاعدة كان قادتها يرون أنهم الأفضل إدراكا لمصالح المسلمين .

كانت القاعدة/ ومازالت/ فى اليمن وليبيا والصومال وأماكن عديدة فى أفريقيا وبلاد العرب . وظل الفشل والتدهور من نصيب كل تلك التجارب ، وكان للقاعدة وقيادتها نصيب أوفر من المسئولية عن معارك هى “أفضل للمسلمين فى الدنيا والآخرة” .

فى الدنيا يريحهم الموت وفى الآخرة لهم الجنة . وتلك هى بإيجاز مصالح المسلمين التى لا تدركها غير القاعدة وشقيقتها داعش وأمثالهما من مكونات الشركة الدولية لإبن دحلان وكفيله بن زايد ، أفرع (شركة بلاك ووتر الجهادية) التى تشغل مكانا مرموقا فى إستراتيجية مشتركة بين إسرائيل وأمريكا .

 

 

القاعدة وداعش ..تحرك مشترك فى أفغانستان :

– إذا كان الشك يلف دور القاعدة فى مخطط دولى ضد أفغانستان وحركة طالبان ، فى إشعال حرب عالمية (ضمت 48 دولة) ضد أفغانستان فى عام 2001 . فإن تلك الشكوك بدأت تنبعث من جديد ، بعد نشاطات للقاعدة خلال السنوات التى أعقبت سقوط الإمارة ، وإحتلال أمريكا لأفغانستان . ولأن للقاعدة ماضٍ قديم نسبيا مع حركة طالبان ـ بدأ منذ عام 1996 وعودة بن لادن وطلائع القاعدة مطرودين من السودان ، فإن تعاملهم مع حركة طالبان كان أكثر سلاسة ، مرتكزين على أصدقاء قدماء ومواقف قديمة محسوبة لصالح القاعدة خاصة فى القتال حول كابول.

عملت القاعدة وداعش على مسارين مختلفين يقودان الى هدف واحد هو إسقاط جهاد شعب أفغانستان . تحت نفس الذرائع القديمة {معرفة أفضل للواقع ــ وحرب هى أفضل للشعوب من أى حياة} .

– بدأت الحرب الأمريكية على أفغانستان فى العاشر من أكتوبر 2001 ، وبعد شهرين إستكمل الأمريكيون مع حلفائهم الأجانب والمحليين السيطرة على أفغانستان وإسقاط حكم الإمارة الإسلامية . ويمكن تسميتها بالفترة الأولى . ومن ضمنها تأتى الأيام الأخيرة قبل سقوط قندهار فى يد الغزاه الأمريكيين والميليشيات المحلية . وأداء القاعدة العسكرى فى تلك الفترة جدير بالملاحظة والنقاش. وتضم تلك الفترة تجربة جبال “تورابورا” المثيرة والتى كانت أمل بن لادن فى هزيمة الأمريكيين.

– الفترة الثانية : إستخدام القاعدة لعناصر على دراية جيدة بالوسط الجهادى الأفغانى. واستمرت تلك الفترة عدة أشهر إلى أن إستشهد أو أعتقل معظم هؤلاء الكوادر، بعد قيامهم بمجهود كبير فى دعم مقاومة جديدة ضد الأمريكيين.

– مهما كانت تفاصيل نشاط القاعدة القتالى فى هاتين الفترتين فإنه بالإجمال يندرج / فى أفضل حالاته / تحت باب صَدَقَة يبذلها القاتل على روح القتيل ، حيث كان الأجدى عدم القيام بجريمة القتل فى الأساس.

– الفترة الثالثة محاولة القاعدة بناء تنظيم قتالى خاص بها فى أفغانستان بعيدا عن قيادة الإمارة الإسلامية ، وعلى عكس أوامرها المشددة.

– وتلك كانت أخطر الفترات ، إذ أحْيَتْ الشكوك القديمة فى دوافع وجود “القاعدة” .

وكان تنظيم داعش ينشط فى نفس الاتجاه ، برعاية من جيش الإحتلال الأمريكى ومن أعلى المستويات الأمنية فى حكومة كابول ومن سلطات الأمن الباكستانية . العملية كانت ممتدة إلى أن تسارعت وتيرتها مؤخرا بسبب الأزمة التى وصلت إليها المفاوضات بين الأمريكيين والإمارة الإسلامية .

وظهر للعيان إرتباط أهداف القاعدة مع برنامج داعش فى أفغانستان تحت رعاية الإحتلال الأمريكى . وملخص الخطة الأمريكية هو أظهار ضرورة إستمرارية الإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، بذريعة حماية شعبها ، وحماية دول المنطقة من المنظمات الإرهابية التى تنشط فى أفغانستان ، وفى مقدمتها داعش والقاعدة .

– وتلك كانت خطة بديلة بعد أن تمكنت الإمارة الإسلامية من إفشال المحاولة الأمريكية بجعل هدف المفاوضات هو إرساء السلام فى أفغانستان بين حركة طالبان وحكومة كابول العميلة .

 إذ أصرت حركة طالبان على أن إنسحاب القوات المحتلة هو الطريق الوحيد للسلام . وأن الحكومة العميلة هى مشكلة محلية سيكون حلها سهلا بزوال الإحتلال . كما شاع نبأ عن تسوية المئات من أعمدة النظام الحاكم لأوضاعهم مع الإمارة الإسلامية ، لضمان سلامتهم بعد إنسحاب القوات المحتلة . وتعاون هؤلاء مع الإمارة فى العمل ضد الإحتلال لم يعد سراً، كونه الوسيلة الوحيدة لإثبات حسن نيتهم بعد سنوات قضوها فى خدمة الإحتلال .

– بمساعدة الإحتلال الأمريكى جاء آلاف الدواعش من تركيا إلى أفغانستان بعد أن إنتهت مهمتهم فى سوريا .

– القاعدة من جهتها ، ومنذ سنوات، تسرب عبر إعلامها مفهوم إنها حليف لحركة طالبان ومشارك لها فى جهادها.

تغاضت الإمارة الإسلامية عن إدعاءات القاعدة بإعتبارها دعايات حزبية معتادة تستخدم الأكاذيب لتقوية وضع التنظيم . ولكن القاعدة تمادت فى الفترة الأخيرة ، تماشيا مع إنهيار الموقف الأمريكى فى التفاوض . وتعلقه بورقة مكافحة الإرهاب بحجة تواجد القاعدة وداعش فى أفغانستان كتبرير لتواصل إحتلاله لأفغانستان. وهى الذريعه التى تعلق بها فى سوريا والعراق بعد فشل مشاريعه المباشرة للإحتلال كوسيلة للسيطرة على الثروات النفطية للبلدين .

بدون مناسبة رفعت القاعدة مستوى إعلانها عن تحالف وهمى مزعوم مع حركة طالبان. وعبر مؤسسة “السحاب” الإعلامية بثت شريط فيديو أغضب الإمارة الإسلامية التى شككت فى دوافعه وتوقيته . خاصة وأن الشريط المذكور ركز على مسألة التحالف ، ثم أن “السحاب” أرسلت الفيلم مباشرة إلى مجلة أمريكية هى(لونج وور جورنال) ولم ترسله فى البداية إلى الإمارة أو المواقع العربية . “السحاب” نشرت الشريط مع بداية الجولة السادسة من المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة . وقد تداول الإعلام الغربى بكثافة ذلك الشريط المشبوه ، مُرَكِزاً فى تعليقاته على أكذوبة “التحالف” بين القاعدة وطالبان.

إحتوى الشريط على مقاطع قديمة لعمليات عسكرية ناجحة لحركة طالبان ، إدعى الشريط أنها عمليات مشتركة بين طالبان والقاعدة . وكان ذلك كذباً إستفزازيا لأن “السحاب” حذفت التعليقات الأصلية من الشريط وكانت بلغة الباشتو ، ووضعت تعليقات بلغة الأوردو مكانها .

هذا  النوع من التلاعب هو من الأعمال الروتينية فى أوساط المنظمات الطفولية ، وكان يمكن مواصلة التغاضى عنه لولا توقيت المفاوضات ، ولولا التركيز الإستفزازى حول أكذوبة “التحالف” الذى إستفاد منه العدو وروجه إلى أقصى مدى ممكن .

 

 

تفكيك النشاط التنظيمى للقاعدة فى أفغانستان :

تمكنت الإمارة الإسلامية فى تفكيك النشاط التنظيمى للقاعدة فى أفغانستان . وكان ذلك سهل(نسبيا) ولم تستخدم فيه القوة . والسبب هو أن عدد أفراد التشكيل العسكرى للقاعدة كان محدودا، وجميع عناصره هم من أفغان . وقائدهم الميدانى”جول”، كان مجاهدا على خلق كريم وشجاعة أفغانية . إذ فشلت القاعدة فى إيجاد شخصيات دموية كالتى جندتهم فى العراق وسوريا على رأس فروعها هناك . فتمكنت الإمارة من إقناع(جول) بتفكيك مجموعتين تابعتين للقاعدة كانتا تحت قيادته ، وتسليم جميع الأسلحة إلى الإمارة .

ــ جَرَتْ محاولات أقل أهمية لبدء عمل تنظيمى للقاعدة بواسطة عرب”متطوعين” لتجنيد عناصر من حركة طالبان سراً ، وإحداث إنشقاق فى الحركة، ولكن الإمارة عالجتها بسرعة.

ــ الوضع مع داعش كان مختلفاً لأن أكثر عناصر داعش لم يكونوا أفغاناً بل كانوا من الدول المجاورة لأفغانستان . كما أن سفك دماء المسلمين ، والسعى إلى الإنشقاق ورفع السلاح فى وجه المسلمين هو ثقافة داعشية ثابتة . وفى ظروف معينة تمكنوا من تجنيد بعض القيادات الميدانية التى لها خلافات تنظيمية مع الإمارة ،وشنوا دعايات تكفيرية ضد الإمارة وضد معظم الشعب الأفغانى . فكان لابد من إستخدام القوة ضدهم ، وقتالهم فى أى مكان يظهرون فيه ، نظرا لخطورتهم على سلامة السكان ، وأمن مجموعات المجاهدين.

 

سيكون على قيادات القاعدة عند مثولهم أمام المحكمة الشرعية فى قندهار بعد التحرير :

– الإجابة عن الكثيرمن الأسئلة حول إشعال الحرب مع الأمريكيين عام 2001 بدون إذن أو تشاور أو حتى إخطار الإمارة . وتحميل القاعدة كافة المسئوليات عن ذلك.

– تفسير عملية ترتيب إنشقاقات داخل حركة طالبان، وشق صفوف المجاهدين وإضعافها بتعدد التنظيمات المسلحة أثناء إحتدام القتال ضد جيوش الإحتلال. بما يجعل من ذلك جريمة ترتقى إلى درجة الخيانة العظمى .

– بث دعايات كاذبة / بإدعاء وجود تحالف بين القاعدة وحركة طالبان/ لإحداث شبهات تخدم المحتلين وتضر بالموقف التفاوضى للإمارة وموقفها السياسى الداخلى والخارجى . حيث أن نسبة معتبرة من الشعب الأفغانى تعتبر تنظيم القاعدة مسئولا عن إشعال الحرب ، وعن سؤ إستخدام للأرض الأفغانية وشروط الضيافة وآدابها ، ناهيك عن تبعات الإخلال بالبيعة الشرعية الى قدمتها القاعدة للإمارة .

بالمحاكمة الشرعية سيتضح ما إذا كان تنظيم القاعدة عدوا عاقلا يعى تماما ما يفعله ، أو أنه صديق أحمق يجب الحجر عليه وتجنبه.

 

بقلم  :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

القاعدة عدو عاقل أم صديق مجنون؟ 3




السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟!

(2)

في الحقيقة كثيرة هي العوامل التي ساهمت في نشوء السلفية الجهادية بفكرها الراديكالي.

فمن تلك الأسباب ضعف المؤسسة الدينية في التوجيه وقصور التعليم عموما وكذلك واقع انهزام المسلمين أمام الإحتلال الغربي وتسلط الدول الأجنبية على ثروات الأمة وفشو البطالة وعدم نجاح مشاريع الإصلاح السياسي والدعوي…إلخ

حالات العالم الإسلامي تختلف من بلد لآخر في الدوافع والأسباب غير أنه هناك قاسم مشترك بين جميع الدول هو سوء التعامل مع المخالف فما دام هناك تعامل بشدة وعنف فطبيعي أن تكون ردة الفعل مشابهة على غرار القاعدة الفيزيائية (لكل فعل ردة فعل)

وفي الغالب كان ظهورها كردة فعل لما واجه الحركة السلفية الدعوية والسياسية الإسلامية الأم في كثير بلدان من (قمع واطهاد) في المغرب مثلا كان أول ظهورها بعد القضاء على حركة الشبيبة الإسلامية أواخر سنة 1975م وما أصاب مؤسسيها من نفي وسجن ومطارة (الشيخ عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال ورفاقهما…) مع أنهم لم يكونوا يتبنون العمل المسلح وليس من أدبياتهم، فنشأ بعدهم من يتبنى فكرة المواجهة المسلحة مع النظام وتبني أدبيات دخيلة على المجتمع المغربي ونشط لذلك مشايخ ودعاة ورطوا الشباب المتحمس ولبسوا عليهم دينهم.

(فكان آنذاك 1975\1980 بداية شرارة الجهاد الأفغاني ضد الروس مما جعل متنفس لمن يريد الذهاب للقيام بتلك الفريضة الغائبة! حتى إن الشيخ عبد الكريم مطيع يذكر أن السعودية حينها عرضت عليه الذهاب للعمل والتحريض للجهاد في أفغانستان وباكستان فرفض بسبب قناعته أن المعركة آنذاك لمصالح أمريكية، والعرب وقودها و مجرد خيول يُركب عليها !)

طبعا ذهب الكثير من سلفية المغرب الذين تبنوا الفكر الجهادي، قتل من قتل وعاد من سلم إلى المغرب وكان منهم من يريد تأسيس تنظيمات مسلحة ضد النظام، ومنهم من بدأ يعمل بشكل فردي وعشوائي _إغتيال هنا أو هناك، بعضها علني والبعض الآخرسري مثل حركة المجاهدين المغاربة التي كانت تنشط في الخارج وداخل المغرب أغتيل أميرها ومؤسسها في فرنسا (النعماني) سنة 1985في ظروف غامضة!

وهكذا توالت التنظيمات والحركات في مختلف المدن المغربية ويكتنفها الكثير من الغموض بدءا بأهدافها ومصادر تمويلها إلى المستقطبين لها، غير أنها كانت دائما ماتستهدف النظام ومفاصله من شرطة وأعوان وقضاة .!

أذكر وأنا صغير لايتجاوز عمري 6 سنوات بين 1998\2000 كنت أذهب رفقة اخي محمد إلى مسجد دوار بوجدي وكانت تسمى يومئذ (ب قندهار لكثرة الملتزمين فيها والنشاط الدعوي) بتولال مكناس وكانت المدينة بل المغرب بكامله في ذلك الوقت يشهد انفتاحا علميا ودعويا تنشط فيه كل الحركات الإسلامية وكانت هذه القرية تضم مجموعة من الملتزمين التقليديين وأغلبهم بسطاء التعليم والثقافة يرأسهم أحد الإخوة السلفيين(أبو خليل) مسؤول بالفطرة وليس القانون عن إدارة المسجد في القرية ويقوم بمجهود الدعوة و وتحفيظ القرآن الكريم، وكذلك يستدعي بعض مشايخ السلفية آنذاك لإلقاء الخطب والمحاضرات (العنترية) التي أذكر من إحداها حديث الإخوة أن الشيخ الفيزازي قبل أن يبدأ محاضرته خاطب الحضور الكريم من بسطاء التعليم وشباب يتراوح عمرهم بين 15/25سنة من امه تخاف عليه ليأخذ حذاءه ويذهب إليها !

طبعا لأن المادة لاتلائم الجيل الناشئ…! ومما لا يخفى كيف كانت هذه الطائفة من الملتزمين تشدد على الناس وتنفرهم بتصرفات طائشة في أسلوب الدعوة، لها قصص وطرائف شبيهة بالواقع السوري كما سيأتي معنا لاحقا غير أن الأول لم يتوفر لديه السلاح.!
وأيضا كان يأتيهم أسد المنابر الشيخ أبو حفص رفيقي.ومعظم وعاظ ومنظري ماعرف بالسلفية الجهادية بعد تفجيرات 16 ماي 2003 والتي أيضا لا تخلوا من الغموض لامن طرف المنفذين لها ولا من هم المخططين…!

ويبقى السؤال هل لو كان هناك خطاب وتوجيه ديني رشيد رسمي أو غير رسمي وحسن تعامل مع الأفكار الخاطئة وعلاجها بنظيرها بدل البطش والقهر هل كانت ستختلف النتيجة!؟ في نظري “نعم” وفي الجزائر حادث الإنقلاب الماكرعلى حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية الذي اكتسحت الساحة دعويا وحققت انتصارا ساحقا في الإنتخابات آنذاك .
مما جعل المناخ مناسبا لبروز أشد الجماعات تطرفا وراديكالية(محمد أمين والزوابري) أتت على الأخضر واليابس .!

وفي تونس كان للعلمانية الشرسة وممارساتها القمعية العنيفة ضد الحركة الإصلاحية الإسلامية ودعاتها الدور الرئيسي في تغلغل فكر الغلو والتكفير بين صفوف المتدينين ممن كانوا في سجون النظام وكذلك عقب خلع بن علي وفد مجموعة من الدعاة (الحازمي)ونشطوا في تلقين الشباب المبتدأ والمتحمس العديد من الأفكار والمفاهيم المغلوطة والمنحرفة التي كان لها انعكاسا سلبيا على الجانبين الدعوي والسياسي بل وكانت بمثابة دق الإسفين وسط مجتمع حديث عهد بحرية. وليبيا ومصر قبلهم.. وكذلك كثير دول أخرى.
ومما ينبغي الإشارة إليه مسألة اقتران السلفية الجهادية بالخليج عموما وبا لسعودية خاصة سواء من ناحية الدعم اللوجستي أو الفكري أو المذهبي “فقهيا” وخاصة خارج المملكة وكأنهم يدعمون أي نشاط تخريبي في العالم الإسلامي فقط لا يكون داخل مملكتهم أو يهدد مصالحهم !
طبعا الخليج يحمل أدبيات عريقة عتيقة من إرث الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجيل الذي تلاه من أئمة نجد وإخوان من أطاع الله ولايتناسب مع هذا الإرث ويصلح له خير من السلفية الجهادية فهي كثيرا ما تعتمد على الوجبات (فتاوى) السريعة الجاهزة بدون عناء لحل أي معضلة قد تواجه الفرقة الناجية !

ولإن كانت الدعوة النجدية قدمت أفكار وفتاوى نراها ليست سليمة ولها إرتباطها السياسي وفي سياق معين يومئذ… فإن السلفية الجهادية قد ترجمت تلك الأفكار والفتاوى عمليا على أرض الواقع تحت رعاية جهات بعيدة عن حسن النوايا قبل ثورات الربيع العربي وأثنائه..!

وبالتأكيد أي فجوات إجتماعية تجعل المناخ مناسبا لتدخل جهات عديدة تعتني بتفتيت وإضعاف الدول الإسلامية لغايات عديدة.!
مثلا في حرب أفغانستان ضد الروس معلوم أن السعودية خصوصا والخليج عموما كانوا يدعمون بشكل مباشر وبعد خروج الروس، كذلك استمر الدعم للحرب الأهلية فيها وللجماعات هناك إلى أن دخل الامريكان لإسقاط حكم طالبان المتمردة على المصالح الأمريكية. أوقفت السعودية دعمها وألغت اعترافها بشرعية حكمها!

ثم في العراق كذلك كان الدعم السعودي للجماعات السلفية بشكل مباشر وغير مباشر يعمل على قدم وساق. ثم في ثورة سوريا دعمت السعودية وساهمت في إنشاء العديد من الجماعات السلفية الجهادية وغيرها عبر أموالها الرسمية وداعميها المحسنين.!

والقائمة تطول بذكر نماذج العلاقة بين الخليج والسلفية الجهادية من شمال إفريقيا إلى جنوبها ثم البوسنة والهرسك إلى الشيشان مرورا بألبانيا ثم كشمير ودول شرق أسيا وأسيا الوسطى. ومما لاشك فيه أن من وراء دول الخليج دول أجنبية لها مصالحها مثل إسرائيل …أزالها الله وكسر جبروتها… ثم أمريكا ثم بريطانيا ثم فرنسا كل يدلي بدلوه خلف ستار الداعم الخليجي _السعودي وهو أيضا يجند لمهامه مشيخات (مأجورة )ودعاة تكون حلقة وصل بينه وبين شباب الأمة مما يعني إن أحسنا الظن مع استبعاد ذلك أن السلفية الجهادية قد تكون مجرد مطية (بغال التحميل) تخدم مصالح الأسياد خدم الغرب الذي يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا…
والضحية دائما الشباب اللاهث خلف السراب مغمض العينين يقوده أعمى .!

بينما جيوشهم المتمرسة والصاعقة أثخنتهم (الكبسة وشرب البيبسي) ولعل هذا ما خلصت إليه حركة حماس في قطاع غزة حينما استأصلت (جند أنصار الله ) السلفية.!

وفي تصوري أن السلفية الجهادية ما دخلت بلدا أو ثورة إلا أفسدتها وزادت طينتها بلة… وهذا يعد من عظيم انجازاتها.!

يقول د. فريد الأنصاري رحمه الله (وعليه فقد كان لهذا وذاك مما ذكرنا من موازين مُختلَّة أثرٌ بالغٌ على انحراف التيار السلفي وانزلاقه إلى اتجاهات أخرى وُظِّفَت أحيانًا لضرب الإسلام نفسه، فمع أواخر القرن العشرين الميلادي لم يلبث جيل الخلف من المدرسة السلفية أن تغيَّرتْ أحوالُه، واضطرب اتجاهه بسبب تعرضه لفتن مذهبية وأخرى سياسية، فشطّت به رياح الأهواء إلى ضربٍ من الانحراف المنهجي، والتعصّب المذهبي، واستصنام المشايخ والزعماء، مما أدى فيما بعد إلى أن تكونت منه تيارات وفرق شتى، كان لها أكبر الأثر في توتر الساحة الدينية بالمغرب وإرباك مسيرة الصحوة الإسلامية إرباكًا شديدًا). الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب (ص122)

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)




جلال الدين حقانى 9

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 9

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 159 ) | رمضان 1440 هـ / مايو 2019 م .                   

18/05/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 9 )

– سياف أفشل المشروع  الطموح لتصنيع الذخائر .

– حقانى يتجنب منزلق قرية (بابى)، التى تبتلع القادة والعلماء بعيدا عن ساحات الجهاد .

 – مهرجان النيران فى (جاجى) يهدر أموال العرب ويبعدهم عن جبهات الجهاد الحقيقية .

–  مجموعتنا الخاصة تتجه إلى جاور .. فى زيارة خطيرة لم تَخلُ من المرح .

–  بسعادة غامرة إحتفل المجاهدون بوصول أول أطفال العرب إلى جبهة القتال .

–  حقانى يحذر أحزاب بيشاور من أن العدو قد يحاول فى عملية واحدة إغلاق منفذى “جاور” و “جاجى” ، ليفتح الطرق البرية إلى مدينة خوست .. ولم يهتم أحد .

– حقانى يقول لنا: لماذا لا تغلقون أنتم المطار؟؟، وكان الأمر أكبر كثيراً مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

من نافلة القول أن نذكر فشل مشروعنا الطموح بتصنيع الذخائر الأساسية. وهو المشروع الذى تحمس له حقانى وعدد من ضباط الإتحاد التابعين لسياف . وفشل المشروع عائد لسياف شخصيا الذى يخشى كثيرا من أى مشاريع جهادية جادة قد تكشف زيفه ، وتكشف حقيقةتوجهاته المرتبطة بأعداء أفغانستان ، الذين يعمل حاليا تحت رايتهم فى كابل عاملا على تثبيت أركان الإحتلال الأمريكى.

منزلق بابى :

لعل من أهم معالم عام 1983م في مسيرة الجهاد في أفغانستان هو ظهور إسم (بابي) في قاموس الجهاد.

تكلمت مع حقاني في بيشاور عن رغبتي في إحضار عائلتي إلى باكستان كي أتفرغ للعمل مع المجاهدين . ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي نثير فيها هذا الموضوع . فأخبرني أن الحكومة الباكستانية وزعت على قادة الأحزاب وقادة الجبهات المشهورين قطعا من الأرض في منطقة خارج بيشاور تدعى بابي على بعد حوالي 20 كيلومترا في الطريق إلى إسلام آباد .

ثم عرض حقانى أن آخذ قطعة الأرض الخاصة به لأنه لا يحب أن يستقر في بيشاورلأن ذلك سوف يغرقه في مشاكلها  ، وقد تُوْكَل إليه مهام إدارية في الإتحاد تجعله بعيدا عن الجبهات.  وأخبرني أن مولوي أرسلان له قطعة أرض مجاورة له وأنه شرع في بنائها .

أجبته أنني سوف أكون مسرورا بأن أكون جارا لمولوي أرسلان ولكنني مشغول بالنسبة     لدراسة الأولاد ، فأولادي عددهم كبير ومعظمهم في سن الدراسة . لذا سوف أبحث إمكانية    الإقامة في إسلام آباد عندما أتأكد من وضع المدارس العربية فيها .

علمت بعد ذلك أن بعض(فاعلي الخير) من السعودية قد إشتروا من حكومة باكستان مساحة واسعة في منطقة بابي ووهبوها لسياف كي يقيم عليها قرية جهادية يستوعب فيها رجاله وموظفيه وقادته، ومشاريعه الجهادية!! ومدارس ومستوصفات علاجية ، وحتي جامعات .

وهكذا مع الوقت إبتلعت بابي ليس فقط أموال العرب التي أغدقوها بغير حساب للتنمية و للتعمير، ولكنها إبتلعت عشرات من قادة الجبهات المقتدرين والعلماء الذين دخلوها ولم يخرجوا منها إلاإلى المقابر أو إلى أفغانستان لتولي بعض المناصب في(الحكومة الإسلامية)  بعد الفتح وهي الحكومة التي أدارت الحرب الأهلية بين المسلمين حتى أزاحتها حركة طالبان .

كنت أرى في بابي مجرد(سيرك) يديره مهرجي الجهاد لمجرد سلب أموال العرب وإبعادهم عن المساهمة الجادة في الجهاد ، وكانوا يحيطونها بجو كاذب مضلل . ويضخون في أسماعهم يوميا عشرات الأكاذيب والإفتراءات ، ويرفعون لديهم أقواما ويضعون آخرين .

حتى صارت الصورة التي يتم بثها من بيشاور ـ بواسطة سياف بصفته الجديدة المهيبة ـ وكبار المسئولين حوله، هذه الصورة لا تَمُتْ بصِلَة لصورة الجهاد الحقيقية ولا تساعد بأية حال على معرفة القضية الحقيقية في أفغانستان .

كان سياف وغيره من القادة لا يرغبون إطلاقا في أن يتعمق العرب في صلاتهم الميدانية بأفغانستان والجهاد هناك ، لأن ذلك سوف يفضحهم ويوضح أوجه الزيف في العملية كلها .

كان المطلوب هو أن يحضر العرب إلى بيشاور كي يستمعوا إلى الأكاذيب ويشاهد تمثيليات محبوكة يديرها القادة ومساعديهم ، مع مزيد من الهياج العاطفي المحموم التي تثيره الأشرطة والمجلات الإسلامية التي ضخمت الحديث حول مواضيع فرعية ، أهمها (الكرامات) التي كثراللغط حولها في أحاديث قليل منها صحيح وأكثرها كاذب.

الكتاب الإسلاميين فى حديثهم عن هؤلاء القادة من الأفغان “الذين يذكرونهم بالصحابة” تمادوا في هذا الإتجاه المدمر، ليس فقط للجهاد في أفغانستان بل لتاريخنا الإسلامي ورموزنا الإسلامية الكبيرة.حتى قال أحدهم عن سياف إنه عُمَر الثالث  في زهده وتواضعه!!. إلى هذه الدرجة وصل التضليل والعمى.

والويل كل الويل لمن يعترض أو حتى يتحفظ . فهو إما(عدو للجهاد)،وقد نلت هذه التهمة  مرارا، أو هو زنديق ينكر الكرامات ، أو هو يطعن في نزاهة رواة تلك الكرامات وهم من هذه الفئة التي إن قابل أمثالهم البخاري لأخذ عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 وأن من يرد هذه فقد رد تلك !!.

سمعت هذا التهريج وأمثاله بأذني من شخصيات إسلامية كبيرة وعلى قرائنا المستقبليين أن يتخيلوا درجة الإنحطاط الفكرى التي كنا فيها، وانخرطنا بها، في أعاصيرالجهاد على

أرض أفغانستان. كانت “بابي” هي بوتقة كل ذلك الغثاء ، والهوس الجماعي باسم الجهاد . كانت(حملة إسلامية) لتضليل الأمة الإسلامية  ولمنعها من الرؤية السليمة وبالتالي منعها من ردة الفعل الصحيحة .

حملة أوقدها أعداء الأمة وإنساق فيها بعفوية وصدق وإخلاص عدد من كبار رموز الأمة التي دفعتهم الساحة الأفغانية إلى مقدمة الصفوف من بين أوساط الإسلاميين .

 جاجى .. مهرجان بالنيران :

ولا تذكر(بابي) إلا وذكرت معها شقيقتها (جاجي) ذلك الموقع الحدودي الذي مارس فيها سياف تضليلا عسكريا على جهلاء العرب المتحمسين حتى الموت والمتحرقين للشهادة في سبيل الله، وأكثرهم لم يسمع في حياته صوت طلقة أو يلمس بيده بندقية . كانت ضغوطات العرب على سياف كي يذهبوا إلى الجبهات آخذة في التصاعد مع تزايد أعداد العرب الوافدين إلى أفغانستان .

تعمد سياف في البداية إرسال المتحمسين العرب إلي جبهات (مضمونة سياسيا) أي تقودها شخصيات غير طموحة سياسيا ومرتبطة بالإتحاد. فكان الإتجاه الأساسي نحو   جبهات جلال الدين حقاني . ولكنه كان يخشى من قوة حقانى وشعبيته لذا تفتق ذهن سياف عن جبهة أخرى قريبة من كابل هي جبهة (شكردرة) التي يقودها الشاب الذكي الطموح “محمد صديق شكري”الذي كان في طور التلميذ على يد أستاذه وقائده سياف.

ولم يلبث القلق أن إنتاب سياف من نباهة “شكرى” الذي أتقن العربية بسرعة وبدأ يتكلمها بطريقة سياف ويحاكيه في إلقائه وكأنه صورة طبق الأصل، فحاز إعجاب زواره من الشباب العرب ، وعقد صداقة متينة مع الدكتورعبد الله عزام وروى له عدة “كرامات” لا أصل لها، ولكنها حازت إعجاب الشيخ، فأوردها فى كتابه عن الكرامات، والمسمى “آيات الرحمن فى جهاد الأفغان”بعد أن أقسم “شكرى” على صحتها !! .

كما زادت زياراته له في بيته في إسلام آباد وفي تجمعات العرب، خصوصا المركز الإسلامي في بيشاور، فزادت شعبية شكري كثيرا.

وبدأت التبرعات تنهال على جبهته مباشرة على شكل هِبَات عينية تسلم إليه  شخصيا. شعر سياف بالخطر فكان لا بد له من أن يتواجد بنفسه فى سيرك جديد للألعاب النارية يرضى نزوات الشباب العرب.فتفتقت عقليته المتوقدة عن(جاجي) كأول سيرك جهادى للألعاب الجهادية،مخصص للسياح العرب.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 فى عام1984ــ الإنحراف يتأصل :

جاجي كانت نجم عام 1984 بلا منازع بالنسبة للشباب العربي وجماهير المسلمين المتحمسة .

 لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لي وبالنسبة لقلة نادرة من العرب ، ولا بالنسبة لأكثيرية الأفغان سواء القادة أو (الكومندانات) أو حتى الأفراد العاديين . كنت أراها تهريجا وتضليلا وإستنزافا لأموال العرب والإحتيال عليهم .

طريقة سياف في قيادة الإتحاد جعلتني أتشكك في إمكانياته لأن يكون قائدا حقيقيا للجهاد وللشعب الأفغاني . لم يكن أكثر من (قائد آخر) مثل هؤلاء الذين سبقوه.

نفس المنهج ونفس العقلية ، إلا أنه أكثرهم قدرة  على الخداع والمراوغة ففازعلى الجميع. وأمسك بسيف الشرعية وإستولى على الأموال المتدفقة على الإتحاد بصفته رئيسا لذلك الإتحاد الوهمى. ولكنها تحولت إلى أموال شخصية ساعدته في تقوية مركزه وزيادة عدد أتباعه. ولم يُصَبْ منها شيء إلى داخل الجهاد في الجبهات لأن الإنفاق على الجهاد تمويلا وتسليحا كان قد أصبح مهمة أمريكية.

وسياف ـ أو غيره من قادة الأحزاب ـ غير مستعد بالمرة أن يضحي بغنائمه من أموال العرب كي ينفقها على الجهاد نيابة عن الولايات المتحدة.

في ذلك الوقت كانت المخابرات العسكرية الباكستانية تشدد قبضتها يوما بعد يوم على  أمور القتال داخل أفغانستان ، وكانت حتى ذلك الوقت تستخدم(الأحزاب الجهادية) في بيشاور كقناة رئيسية للدخول إلى أفغانستان والتعامل مع(القومندانات)المحليين .

وسوف نرى أن هذه القناة تم الإستغناء عنها تقريبا في وقت لاحق وتحول الباكستانيون إلى الإتصال المباشرمع كل(قومندان)علي حدة، فتهمشت الأحزاب وتحول الزعماء إلى مجرد بيادق على رقعة اللعبة السياسية.

في بيشاور لم يكن الدور الأمريكي قد إتضحت لنا أبعاده الحقيقية حتى ذلك الوقت. وكنا نظنه هامشيا ، وكذلك دور باكستان والسعودية .

قبل أن يتوجه سياف إلى جاجي في زيارته الأولى لها،كنت في مَكْتَبِهِ مع الصديق المنياوي كي نطلعه على آخر تطورات البحث حول مشروع التصنيع العسكري . وكنا نعتزم قضاء بعض الوقت في الجبهات ـ عند مولوي جلال الدين حقاني ـ صديقنا الدائم .

كانت مفاجأة لنا عندما علمنا أن سياف قد أسس مركزا عسكريا في جاجي وأنه ينوي نقل مقر إقامته إلى هناك .

كان ذلك أملنا منذ البداية . ولاحظت أن سياف كان متحفظا قليلا وهو يزف إلينا البشرى رغم علمه بإلحاحنا عليه منذ سنوات كي يتخذ تلك الخطوة . وقال بأنه لن ينقل مقر إدارة الإتحاد إلى جاجي ـ كما طلبناـ إلا بعد أن يتأكد من صلاحية الموقع ومناعته . ودعانا إلى مرافقته إلى هناك فوعدناه باللحاق به فيما بعد .

دارت رأسي ولا أكاد أصدق … هل يفعلها سياف أخيرا …. تلك هي فرصته الأخيرة كي يصبح قائدا حقيقيا للجهاد … وأن يصبح الإتحاد إتحادا حقيقيا للمجاهدين وليس إتحادا ورقيا بين الساسة . ولكن لماذا يتحرك منفردا؟ … تساءلنا في إنزعاج ، لكونه يدخل إلى باكتيا ـ تلك المنطقة الحساسة ـ بدون قادتها الكبار ، وعلى رأسهم حقاني وأصحابه الآخرين مولوي أحمد جول ومولوي أرسلان وعشرات آخرين ؟؟ .

جزئية أخرى من الصورة في بيشاور آنذاك رأيناها عند العصر. لقد وصلتنا دعوة من بعض الأصدقاء لحضور إجتماع في (بيت باكتيا) وهو منزل إتخذه مولوي خالص كاستراحة لقادة محافظة باكتيا ومجاهديها عند زيارتهم لبيشاور . ذهبت مع المنياوي إلى هناك بصحبة مولوي(عبد الرحيم أخونزانده)الذي صار وزيرا للعدل بعد فتح كابل. فوجدنا البيت مزدحما بشكل غيرعادي . كان هناك ما بين خمسين إلى سبعين من قادة الداخل ليس فقط من باكتيا وباكتيكا ولكن أيضا من غزني ولوجر وغيرها من المحافظات .

كانت الوجوه عابسة والكلام يدور بنبرات غاضبة مع تلويح عنيف بالأيدي والقبضات . كان الجو ملبدا وينذر بالخطر . فسألنا مولوي عبد الرحيم عن موضوع الإجتماع وسبب هذا التوتر ، فأخبرنا بأن فتنة على وشك أن تقع .

هؤلاء هم من قادة الجبهات من حزب خالص”حزب إسلامي” وجميعهم جاء يشكو ويتوعد ، فالضغط العسكري السوفييتي الواقع عليهم يتصاعد بينما ما يصلهم من إمكانات لا يكاد يفى بالحد الأدنى من المطالب . و يسمعون عن الملايين التي يصبها العرب في بيشاور على سياف. وهذا الأخير لا يهتم إلا بحزبه الخاص ، ولا يعير إهتماما لباقي المجاهدين . وحزب خالص أفلس تقريبا ـ أو يكاد ـ بسبب إرتهانه الكامل (للإتحاد)من الناحية المالية . وهكذا صارحهم  خالص أنه لا يملك أكثر مما أعطاهم، وطالبهم بالذهاب إلى سياف .

والأخير أهملهم بل ترك بيشاور من جراء ضغطهم وضغط مجموعات مماثلة قدمت من الداخل تطالب بالدعم في مواجهة موسم قتالي هو الأشد والأسوأ من نوعه منذ دخول السوفييت (وقد  تأكد لي صحة هذا التقييم من مصادر مستقلة متعددة). إذن جاجي كانت لسياف مهربا من ضغوط الداخل ،لا تَوَّجُهاً إلى الداخل ، أى أنها هروب إلى الأمام كما يقولون .

كما أنها توَّجُه نحو مزيد من الإنفصالية الحزبية وليست خطوة إتحادية . وهاهم قواد باكتيا وما حولها يهددون وينذرون ، وكانت أهم البنود العملية المطروحة على جدول أعمالهم هي إقتراح بمهاجمة قوافل (جماعة سياف) ،أي الإتحاد، أينما وُجِدَتْ !!.

لقد إقتربت الفتنة وشمرت عن ساعديها ، فما العمل ؟ .

كان الوضع سيئا في الداخل ، وإستخدم الروس بتوسع أسلوب مهاجمة قوافل إمداد المجاهدين بواسطة الطيران وقوات الكوماندوز . وإستطاعوا تدمير عدد لا يستهان به من تلك القوافل ، بل وعطلوا مسيرها في بعض الطرق ، أي أن المجاهدين بدأوا يخسرون طرق إمدادهم وهذا من مؤشرات خسارة الحرب.  ولم يقف الأمر عند ذلك بل أن نشاط الكوماندوز السوفييتي  (سباتزناز) قد توسع واشتمل على أسلوب الهجمات المباغتة على مراكز المجاهدين في العمق وتدميرها وقتل من فيها حيث أنه يضرب في أماكن وتوقيتات غير متوقعة وبعد الحصول على  معلومات تفصيلية عن الأهداف المقصودة .

وذلك بفضل نمو نشاط جهاز الإستخبارات الأفغاني”خاد” ونجاحه الواسع في إختراق الجبهات القتالية ، فضلا عن بيشاور المهلهلة. تدفقت علينا أخبار تلك العمليات مثل الصواعق أو السيل المنهمر حتى تخيلنا أن النهاية تقترب.

فمركز مطيع الله قرب الأورجون تم تدميره وقتل من فيه بواسطة قوات الكوماندوز السوفييتية المحمولة بطائرات الهيلوكبتر .

وعدة معسكرات قريبة من الحدود على الجانب الأفغاني تم تدميرها بنفس الطريقة. وإستخدم الكوماندوز السوفييتي الأراضي الباكستانية نفسها في الهجوم على بعض تلك المعسكرات،خاصة في محافظة كونر،  فكانت المفاجأة تامة بأن كان الهجوم قادما من الجهة غير المتوقعة.وقد تواطأ بعض قادة المعسكرات في قليل من تلك  الهجمات أي أن بعضهم كان عميلا(للخاد)وباع المعسكر ومن فيه .

وبعضهم كرر نفس الخيانة أكثر من مرة قبل أن يتم إكتشافه،وبعضهم إستمر في مواقع أخرى ولم تتم معاقبته على الإطلاق .

كانت قوافل الإمداد إلي المحافظات الشمالية ضخمة للغاية وتتكون من عشرات البغال والخيل والإبل، وقد دمر الروس الكثير مها بواسطة كمائن مذهلة. وكانت تلك القوافل تكتشف بواسطة الجواسيس المنبثين على طرق الإمداد خاصة في المطاعم العامة “السماوات”،أو بواسطة طائرات الإستكشاف، وأحيانا أخرى يتم رصدها من بيشاور وينتقل معها جاسوس محترف ضمن أفراد القافلة نفسها التي تضم إلى جانب أفرادها الأصليين المخصصين للحماية أفرادا عاديين من عابري السبيل أو المسافرين إلى نفس المناطق التي تقصدها القافلة .

لم يكن ذلك كل شيء، فقد ظهرت الإشتباكات  بين المجاهدين.وبعد أن كانت محصورة تقريبا في شمال أفغانستان بدأت تزحف حتى وصلت كابل . وإنتقل الصراع السياسي بين أعداء بيشاور إلى كابل فإشتبك رجال حكمتيار (حزب إسلامي) مع رجال برهان الدين رباني (الجمعية الإسلامية) ، ودخل رجال سياف لأول مرة رغم حداثة تشكيلهم السياسي فقاتلوا ضد رجال حكمتيار.

كما علمنا أن أفرادا من الإستخبارات الأفغانية (خاد) قد دخلت في صفوف المجاهدين حول كابل، ويصبون الزيت علي النار، وبينهم أفراد كانوا ضباطا سابقين في الدولة إنضموا حديثا إلى المجاهدين وتولوا مهام قيادية حول كابل، ثم بدأت لعبتهم الكبرى في إشعال الفتنة الداخلية.

والغريب أن الزعماء في بيشاور كانوا يدافعون بإستماتة عن هؤلاء المندسين  ويشهدون لهم بالإيمان والإستقامة وبأنهم يعملون معهم منذ زمن طويل وأنهم إنضموا إليهم علانية عندما إكتشفت الدولة أمرهم . فاختلطت الحقائق وتداخلت الصفوف وأصبح صعبا معرفة  الحقيقة أو ومعرفة من يعمل مع من؟.

كانت كابل تحظى بأكبر حشد من الرجال والأسلحة بناء على طلب باكستان من الأحزاب الأفغانية . فهكذا تقضي الإستراتيجية التي وضعها الجنرال أختر عبد الرحمن مدير المخابرات العسكرية وأقوى رجل في الدولة بعد ضياء الحق . وحسب أقوال الزعماء في ذلك الوقت فإن  عدد رجالهم تراوح  ما بين 20 إلی30 ألف مجاهد للحزب الواحد .

سياف رغم حداثته إستطاع حشد ثلاثين ألفا حول كابل، حسب تصريحاته الشخصية . وبالطبع تم ذلك على حساب الآخرين فكان من المنطقي أن تحدث الإشتباكات .

في كتابه (فخ الدب) ذكر الرائد (محمد يوسف) رئيس فرع أفغانستان في الإستخبارات العسكرية أن سياف طلب منه أن يتولى بمفرده مهمة الدفاع عن المنفذ الحدود في (جاجي).

وكان يرغب ألا يشاركه حزب آخر في تلك المهمة . ويبدو أن الإستخبارات الباكستانية أوكلت إليه المهمة الرئيسية وتركت للآخرين دورا ثانويا.

كانت المنطقة هامة جدا كمنفذ حدودي تعبر منه الإمدادات من باكستان إلى عدد كبير من الولايات الأفغانية ، وذكر(محمد يوسف)أن جاجي كان يعبر منها ما نسبته 40% من الإمدادات. لقد إندفع سياف إلى مقدمة الصفوف بذهابه إلى جاجي.فهو يدافع عن منفذ هام ومنطقة استراتيجية في إعتبارات باكستان ،وكان قبلها قد حجز لنفسه مكانا بارزا في كابل، تطبيقا لنفس الإستراتيجية الباكستانية، وإن أدى ذلك إلى قتال داخلي حول كابل . وفوق ذلك كله حققت له جاجي مركزا متفوقا لدى العرب فأصبح زعيمهم الأكبر ومثلهم الأعلى ومهوى الأفئدة والأموال. ومن هنا فإن العلاقات الداخلية بين الدول (الحليفة) أمريكا / باكستان / السعودية كلما تعرضت إلى(مشاكل عائلية)فإنها تنعكس في  موقف كل دولة من حليف الدولة الأخرى .

فعندما غضب ضياء الحق من السعودية قال  لسياف في أحد  المواقف : (إن الأموال لا تصنع الزعماء ، فإن لم تفعل ما أقول فسوف أعيدك من حيث أتيت).

ولا يمنع هذا من أنه أضطر أحيانا إلى تأديب فتاه المدلل حكمتيار عندما رفض الأخير مقابلة الرئيس الأمريكي فقال له ضياء الحق : ( نحن الذين صنعناك ويمكن أن ندمرك في  ثوان) وأبلغه ذلك عن طريق مدير المخابرات .

وقد عانى حكمتيار من فترات التوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية،حيث وجه إليه الأمريكان حملات إعلامية شديدة وتصريحات عنيفة من مسؤوليهم .

كانت المنافسة الباكستانية مع حلفائها تدور في الخلف ولكنها كانت عنيفة في بعض الأحيان إلى درجة سالت فيها بعض الدماء.

 فى زيارة خطيرة لم تَخْلُ من المرح ــــ  مجموعتنا الخاصه تتحرك إلى خوست :

/ بحلول عام 1985 / إستقر الوضع في بشاور طبقاً للتخطيط الأمريكي الجديد. ولم يؤثر ذلك بأي شكل على (الأنصار العرب) في بشاور أو بلاد العرب.

كما لم تظهر لنا أي دلالة على أن الدكتور عبدالله سوف يغير قليلاً أو كثيراًمن أسلوب  عمله السابق. فى شهر مايو تحركت نحو ميرانشاه مع عدد من أفراد لجنتنا)شبه السرية)في طريقنا إلى خوست حتى نرى طبيعة الوضع هناك.

ونقرر ماذا نستطيع عمله من مشاركة مباشرة في القتال. وطبقاً لظروفنا )التعيسة(وعددنا التافه. غادرت مع (أبو حفص) و (عبد الرحمن المصرى) وكلاهما من مصر ومعنا أبو عبيدة العراقي ولم يكن عضواً في (اللجنة) بل صديقاً حميماً لعبدالرحمن “وحذره مراراً من العمل معي طبقا لما يسمعه عنى فى بيشاور”. ولما لم يستجب له قرر أن يصاحبنا كي يراقب الأمورعن كثب. ولم أر بأساً في ذلك، ثم أصبحنا أصدقاء فيما بعد. إصطحبت معي أبنائي خالد وعبدالرحمن.

الأول كان في الحادية عشر تقريباً والآخر في السادسة. وأظنهما أول أطفال العرب دخولاً إلى أفغانستان. وكانت فرحة المجاهدين بهما عظيمة عندما وصلا إلى جاور. وأصبحت لهما شهرة كبيرة في المنطقة، وسرقا الأضواء مِنّا نحن الأربعة الكبار. نزلنا في إحدى مغارات جاور. وإستقبلنا فيها شهر رمضان.

{ وعلى بعد خطوات من ذلك المكان، وبعد  ثلاث سنوات تقريباً قُتل إبني خالد مع إثني عشر شابا عربيا بقنبلة طائرة روسية . وقبل ذلك بثلاثة أشهر كان قد إستشهد صديقى عبد الرحمن المصرى فوق جبل تورغار بواسطة لغم روسى . وفى عم 2011 استشهد أبو حفص المصرى بصاروخ طائرة أمريكية}.

كان حقاني في ليجاة في ذروة النشاط، يحاول التجهيز لاستقبال هجوم سوفييتي كبير كان يعتقد أنه قريب. وأرسل تحذيرات شفوية وكتابية إلى قادة الأحزاب في بشاور، يحذرهم من الهجوم المرتقب ويعرب عن خشيته من أن يحاول السوفييت إغلاق منافذ (جاجي) و (جاور) في هجوم واحد يفِكّون من خلاله الحصار المضروب حول مدينة (خوست( ويفتحون الطريقين المؤديين إليها طريق (زدران) وطريق (منجل).

لكن لم يستجب له أحد بطبيعة الحال، فلم يكن ذلك من سياسة الأحزاب ولا سياسة الحكومة الباكستانية. فقط عندما تقع الكارثة تسحب باكستان قادة الأحزاب وترغمهم على فعل شيء ما وإخراج ما لديهم من أسلحة وأموال، وأن يطلبوا من أعوانهم التنسيق فيما بينهم.

كان ذلك فقط إجراءاً إستثنائياً في حالة وقوع الكوارث. أما قبل ذلك فلا.. لم تكن مصالح باكستان أو قيادات الأحزاب تتفق مع وجود قيادة قوية متحدة للمجاهدين في الجبهات، فباكستان ستفقد معها القدرة على السيطرة والتحكم وفق سياسة فرق تسد التي ورثوها عن أسيادهم البريطانيين.  أما قادة الأحزاب فمكانهم الطبيعي تحت أقدام سادتهم في العاصمة الباكستانية يتلقون منهم المال والسلاح.. والأوامر، ولا مكان لهم في ميادين الحرب. وأي إتحاد بين قيادات الداخل، وحتى أي تنسيق طويل المدى كانوا ينظرون إليه على أنه مؤامرة موجهة  ضدهم مباشرة. وهكذا إتهمنا سياف بالتآمر عام 84 عندما إقترحنا العمل عسكرياً في كل ولاية باكتيا، تحت زعامته وبجميع القادة المخلصين في الداخل بصرف النظر عن الإنتماءات الحزبية. ولكنه في حملة1985 ضد جاجى،  هرب وترك مواقعه، ولم تتحرك باقي المنظمات

إلاعندما أصبح أمن باكستان مهدداً بالخطر، وإقتربت القوات السوفييتية إلى بعد مئات الأمتار من جاجي وخمسة كيلومترات من (جاور(. فهمنا وقتها ــ وللأسف لم يوافقنا سوى قليلون جداً – أن الأحزاب الأفغانية تخدم باكستان  قبل أن تخدم الجهاد، بل أنها تضر بالجهاد من أجل سياسة باكستان.

كان عبدالرحمن المصرى وأبوحفص كلاهما قد شارك في معارك الشتاء الماضي في (شريناو) إلى الجنوب من (جاجي)،تحت قيادة مولوي (فتح الله حقاني) وكانت معركة قاسية، بسبب ثلوج الشتاء وقلة التجهيزات، وشدة الهجوم الحكومي.

تعلم الإثنان طريقة تشغيل وإستخدام صواريخ )الكاتيوشا 107مليمتر( من فوق الصخور وبدون جهاز إطلاق.

وكان الإثنان قد خدما سابقاً في الجيش المصري، أبوحفص كضابط إحتياط، وعبد الرحمن المصرى كلاعب كرة قدم غير حريص على واجباته العسكرية.

وإشتهر الإثنان  بالإمتياز في لعب كرة القدم، حتى نالا شهرة بين عرب بشاور،وبالتالى تمتعا بلياقة بدنية عالية جداً، ثم فطرة شجاعة إلى درجة الجنون. وقد لاحظ الأفغان ذلك في معركة (شريناو) حتى أطلقوا عليهما لقب (العرب المجانين).

صالون حلاقة بالإكراه فى مغارات جاور :

كان الجو حاراً فاقترح عبدالرحمن المصرى ، وكان أكثر المجموعة حيوية ومرحاً مهما كانت المواقف لذلك كان أقرب الإخوة إلى قلبي، إقترح وقتها أن نحلق رؤوسنا بالموس، بدعوى أنه فعل ذلك العام الماضي وشعر بتحسن كبير.

وفعلاً حلقنا جميعاً حتى الأطفال، وكنّا نحن الستة في مغارة واحدة. وبعد إتمام العمل جاء أحد المجاهدين، وعندما  رآنا جميعاً برؤوس لامعة فقع من الضحك وذهب ينادي زملاءه حتى يشاهدوا منظرنا العجيب، ستة من المخلوقات الغريبة حليقة الرؤوس داخل مغارة معتمة، ياله من منظر رهيب.

نصحه عبدالرحمن ألا يفعل ولا ينادي أحداً، لكنه أصر، فقام إليه مع أبي حفص وأبي عبيدة وشدوا وثاقه إلى أحد الكراسي وصبوا الماء البارد على رأسه.. ثم حلقوا شعره بالموس، ولم يفده الصراخ حتى صار رأسه لامعاً مثلنا.. ففضل أن يمكث معنا في المغارة.

سبب الطفلان إزعاجاً لي، كانا كثيرا الشجار ليلاً ونهاراً، عبدالرحمن عصبي، وخالد خبير في إثارة المشاكل لأخيه. في تمرينات الرماية تفوق خالد بسرعة مدهشة، عبدالرحمن ما زال يغمض عينيه عند الضغط على الزناد إضافة إلى حاجته إلى شخص يسنده من الخلف حتى لا يسقط أرضاً أو أن يؤذيه إرتداد الكلاشنكوف. بالطبع لا يصيب الهدف ولكنه يتعارك دائماً مع الذي يسنده من الخلف لأنه هو الذي إهتز وأضاع منه الهدف. إنتقلنا جميعاً إلى (ليجاه( لمقابلة مولوي جلال الدين هناك حتى نعلم منه ما هو الموقف الآن في المنطقة وماذا ينوي أن يفعل. وصلنا هناك وبدأت مشكلة الأولاد مرة أخرى، ليس بسبب أخطار الحرب ولكن لرغبتهما في المشاركة فى الجهاد!!. وتوَّقَد حماسهما عندما وصلنا قمة جبل مرتفع حيث مدفع (زيكوياك) مضاد للطائرات مع طاقمه. خالد مُصِرّ على أن يطلق عدة طلقات وأن يتعلم على المدفع.

وبالفعل سمحوا له بذلك لفرط فرحتهم بوصول الأطفا إليهم  فى ذلك المكان الخطير. عبدالرحمن أطلق هو الآخر من نفس المدفع، فلم يكن ليسمح أن يتفوق عليه أخاه الأكبر. تحركنا فوق الجبل ووقف أحد المجاهدين يشير لنا على مواقع العدو القريبة من حافة الوادي. طالبته بالإحتراس في حركته ولكنه ضحك وأشار بيده مستهيناً بالعدو وإستمر في الشرح حتى وصلت قذيفة دبابة قريباً منّا. فإختطفت عبدالرحمن وأسرعت بالإنحدار إلى الجانب الآخر من الجبل.

إستمر القصف ونحن نتناوب حمل الغلام حتى وصلنا ونحن نعاني من خدوش فى الأرجل، ولكن .. وذلك هو العجيب ، كان عبدالرحمن فى غاية السعادة لتلك المغامرة التي مازال يذكرها حتى اليوم. ولم يكن أخوه خالد أقل سعادة وهو الذي يطير فرحاً إذا حدث أي شيء غير عادي، إنزعج منه الآخرون.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

حقانى يقول: لماذا لا تغلقون أنتم المطار ؟؟.

فوق جبال ليجاه  وقت الضحى، جلسنا مع الشيخ جلال الدين فوق قمة أحد الجبال المشرفة على الوادي. كان شهر رمضان في أيامه الأولى.وحقاني في إجتماع مع  قادته.

تركناه حتى يفرغ  من محادثة رجاله وجلسنا نتناوب النظر إلى وادي خوست بمنظار مقرب كنت أمتلكه وكان فريداً من نوعه وقتها.

فالمناظير المقربة وأجهزة الإتصال اللاسلكي الصغيرة كانت قليلة جداً وسيئة النوعية. أحد المتبرعين أرسل منظاراً فلكياً !! وجدناه فوق الجبل، حاولنا إستخدامه فوجدناه لا يصلح لشيء ، أوْصَيْتُ بإرجاعه إلى الإمارات من حيث أتى. حلقت طائرة ضخمة تطير على إرتفاع منخفض فوق الوادي كي تهبط في مطار المدينة الذي لا نراه من موقعنا.و لم تلبث أن جاءت طائرة أخرى وهبطت، أصابتني الدهشة، كيف تستطيع الطائرات أن تهبط هكذا بحرية في المطار؟. سألت الشيخ حقاني هذا السؤال بعد ذلك بدقائق.

فقال بأن القوات الحكومية قد سيطرت على جبل تورغار منذ شتاء العام الماضي بهدف تأمين المطار من هاونات المجاهدين. فذكرت له أن الصواريخ الجديدة مداها كبير (9كيلومتر) ويمكنها إصابة المطار حتى لو كان تورغار مع الحكومة، وتساءلت لماذا إذن لا تغلقون المطار؟.

وبمهارة فائقة رد الشيخ بجدية : ولماذا لا تغلقونه أنتم؟. لقد أثرت تلك الكلمة إلى حدٍ كبير في (مستقبلي العسكري!!) فى أفغانستان، ولم أدرك ساعتها عمق ذلك التأثير، فقط قبل نهاية الحرب فهمت إلى أي درجة كانت تلك الكلمة حساسة، وأن الأمر كان أكبر كثيرا مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 9

 

 




بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (2)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (2)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان

(2)

طالبان للنفطيين العرب : لكم طريقكم .. ولنا طريق .

 

إلتجأ الأمريكيون إلى شيوخ النفط وأمراء المرتزقة من عرب” الخليج العبرى”، عسى أن يشكلوا لوبى ضغط على المفاوضين من طالبان . مستغلين تاريخ الإسناد الخليجى القديم للمجاهدين الأفغان ضد السوفييت ، ومستغلين هيبة الحرمين الشريفيين ، وأخيرا فاعلية السلاح الذى نادرا ما يخطئ ، وهو حقيبة السمسونايت الشهيرة المشحونة بالدولارات النفطية.

لقد جرت مياه كثيرة من تحت الجسور . وسالت أنهار من الدماء فى أفغانستان ، وتطورت حركة طالبان لمجابهة تحديات لم يشهد مثلها أحد . ولكن النفطيون  العرب لا يتغيرون أبدا . إختبروا مع وفد طالبان كل التكتيكات القديمة للرشوة بالسمسونايت ، أو الرشوات الدينية بإستغلال الحرمين الشريفين فى خدمة تمرير السياسة الأمريكية ، على أنها طقوس من فرائض إسلامية .

 

حتى أن الوسطاء النفطيون توجهوا إلى وفد طالبان بمزيج من الخبث والبلاهة متسائلين :

– لماذا تتكلمون مع الأمريكان بهذه الخشونة ؟؟ السياسة والدبلوماسية ليست هكذا ؟؟ نحن نتكلم معهم بكل أدب ولطف .

 – ثم لماذا ترفضون وجود قواعد أمريكية فى بلادكم ؟؟ .. نحن نتمنى بقاءهم عندنا .

فكان رد الوفد الطالبانى : ( لكم طريقكم .. ولنا طريق ) .

أما عن خشونة كلام مفاوضى طالبان مع الوفد الأمريكى ، فقد كانت مجرد غيرة على الحقيقة. فكلما تكلم الأمريكى بوقائع كاذبة ، تصدى له من بين الوفد الأفغانى من يقول له بوضوح وصراحة أفغانية : (أنت كاذب .. بل الحقيقة هى كذا ..).

 المتآمر الخليجى كان يرى فى ذلك (قلة دبلوماسية) . ربما أن الجانب الأفغانى المفاوض لم يدرك حقيقة أن السياسى الأمريكى إذا تجنب الأكاذيب فلن يجد ما يقوله، وسوف يبقى صامتا طيلة الوقت ، فكيف يجرى التفاوض عندها ؟ . فالتفاوض يحتاج إلى طرفين أحدهما أمريكى يكذب دوما ، والآخر أفغانى يقول له : (أنت كاذب ).. وهكذا يستمر التفاوض .

تبقى للمتآمر النفطى أن يستخدم سلاح التوريط . وهو يدرك كرم الأفغانى وإحترامه للضيف . وفى أحد الجلسات فوجى الوفد المفاوض الأفغانى بدخول وفد من حكومة كابول إلى جلسة التفاوض ، لينضم إلى الجالسين ، ويفتح أوراقه هو الآخر .

بالإجماع صاح وفد طالبان فى وجه الوفد الحكومى مطالبين أفراده بمغادرة المكان على الفور. فغادروا مهيضى الجناج مكسورى الخاطر .

المضيف الخليجى حاول التدخل دفاعا عن (ضيوفه) الحكوميين .

ولكن الكرم الأفغانى لم يقبل بالكرم المنافق لمتآمرى النفط . وشدد للمرة المليون على أنه لا تفاوض مع العملاء فى كابول إلا بعد رحيل الإحتلال . وما تبقى من مسائل بعد التحرير هى شأن أفغانى بحت،لا مكان فيه للأمريكان ـ وبالطبع لا مكان فيه لكلاب الأمريكان أو أبقارهم ـ

– ثم كانت جلسة تفاوض فى إسلام آباد وقت زيارة بن سلمان لتلك العاصمة. وكان من المتوقع أن يحضر ولى العهد تلك الجلسة ليمارس رسالته المقدسة فى خدمة الأمريكيين. فاعتذر الوفد الطالبانى عن الجلسة ، مبررا إعتذاره بأن له قادة مازالوا رهن الإعتقال .

– بعضهم العبريون العرب يرسل جيوش المرتزقة لقتل الأفغان . وجميعهم يساهم فى تمويل حلف شمال الأطلنطى ، الذى لا يستهدف سوى المسلمين ، والناتو ركن أساسى متحالف مع الأمريكيين فى الحرب ضد أفغانستان . فإذا كان مثل هؤلاء النفطيون العرب وسطاء .. فمن هم الأعداء ؟؟ .

وأى وسيط هذا الذى يحرض على قتل أحد أطراف التفاوض؟؟. إذ يحرض بن زايد على قتل قادة طالبان حتى يلين موقفهم التفاوضى ، كما فعل هو نفسه فى اليمن بقتل “المشايخ” وقادة حزب الإصلاح .

تشجع الأمريكى ، ولجأ إلى لهجة الوعيد والتهديد ، فأظهر ” العين الحمراء” للمفاوض الأفغانى المتمسك بموقفه ، بشجاعة وبلا خضوع لعدو غاشم أو صديق خائن .

قال المفاوض الأمريكى ما معناه : إننا إذا إنسحبنا بلا إتفاق سنترك شعبكم فريسة لجيوش (المرتزقة). وهم قساة لا يلتزمون بقانون ، ولا يخضعون لمحاكمة، وهم غير محسوبين على الجيش الأمريكى أو الدولة الأمريكية .

فى نفس الوقت كان الرد الأفغانى يشرح نفسه عبر عمليات المجاهدين ، بطول أفغانستان وعرضها . وجاء تتويج الرد فى قاعدة(شورآب) بولاية هلمند .

عن التهديد الأمريكى بتفويض الحرب فى أفغانستان رسميا إلى جيش المرتزقة، جيش ( بن زايد / برنس/ إسرائيل ) . وعن الرد الأفغانى فى طول أفغانستان وعرضها وفى قلب قاعدة شورآب المنيعة . سيكون لنا أحاديث عديدة قادمة ــ بإذن الله ــ

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان . (2)




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد ( 156 ) | جمادى الآخير 1440 هـ / فبرابر 2019 م .            

23/02/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 6 )

– مغامرات مع المجموعة الأولى من المتطوعين المسلمين فى أفغانستان .

– طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب ، وتدمر مواقع العدو المقابلة لنا .

– حقانى فى قرية شاهى كوت يجهز لفتح قرية تعمير فى وادى زورمات فى أهم مواجهة مع السوفييت فى ولاية باكتيا .

– حقانى يُجْرَح فى معركة تعمير مع  40 مجاهدا ، لكن فكرة فتح المدن ترسخت لديه ، أما قابلية السوفييت للهزيمة فقد أصبحت من البديهيات .

– دبابات ورشاشات ثقيلة وملابس شتوية وأطعمة ، من غنائم معركة تعمير فى الوقت الحرج لدخول الشتاء .

– التوجه صوب خوست : كان التحول الإستراتيجى الأهم فى مسيرة حقانى العسكرية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

مجموعات المتطوعين المسلمين كانت موضوعا حساسا فى الحرب الأفغانية ، وأصبحت أكثر حساسية بعد نهاية الحرب وإنقلاب الغرب والعرب على هؤلاء المتطوعين ، الذين تحول الكثير منهم إلى منحى أكثر عنفا وتطرفا فقهيا . وذلك موضوع هام للغاية مازال يكتب فيه الكثير من الآراء المتضاربة التى يخضع أكثرها لحسابات ومصالح سياسية وإقتصادية ، حيث أن موضوع” الجهاد الإسلامى” بعد أن إختطفته أيدى غير إسلامية صار عاملا مؤثرا فى النظام الدولى ككل.

حقانى كان الأكثر نجاحا فى التعامل مع تلك الظاهرة وأول من إحتك بها وسخرها بشكل إيجابى ، كانت الظاهرة يدة تماما على الأفغان ، والعرب  والمسلمين . وكان الجميع يراقبون بدهشة فى محاولة للتبع والفهم .بالغريزة القتالية الحادة تمكن حقانى من إدراة من قدم إلية من المتطوعين من جنسيات مختلفة ، وتمكن من إسخراج أفضل مالديهم من عطاء قتالى ، وقد كان كثيرا متدفقا بسخاء مع دماء شابة قدمت من أجل التضحية فقط

 

مغامرات مع أول مجموعة جهادية دولية :

ــ  وكنت مع رشيد والشباب الباكستانيين الذين معنا وعددهم حوالي خمسة أشخاص تقريبا .

 كنا جميعا مرشحين بجدارة كي نكون ضمن تعداد القتلى في ذلك اليوم . إذن لخسرت أفغاستان أول مجموعة (دولية) من المتطوعين المسلمين ، ولا أدري كم كان ذلك سيؤثر على مسيرة  الجهاد الطويلة في أفغانستان ،  سلبيا أم إيجابيا، فالمهم أننا لم نقتل . وفي الواقع أن الصاروخ (سام7) قد وضعنا جميعا في مأزق خطير فقد حملنا الصاروخين ، وتسللنا إلي سفح جبلي منبسط مواجه لسهل جرديز ، وكمنا لمروحيتين (مي ـ24) كانتا تصبان  الحمم على الخط الأول للمجاهدين . كان أحد الصاروخين جاهزا للإستخدام وكان رشيد هو الذي يحمله وكنت أقوم بدور مساعد الرامي  ، بينما الشباب الآخرون يحملون الصاوخ الثاني ويقومون بالحماية من قريب . كما ذكرنا مر صاروخنا مرور الكرام من خلف ذيل الهيلوكبتر الأخيرة . فواصلت الطائراتان سيرهما إلى نهاية الوادي وإنحرفت الأولى عائدة إلى المدينة أما الطائرة الأخرى فقد إستدارت راجعة نحونا . توجست شرا من تلك الإستدارة ، أما رشيد فقد جن جنونه وإنتابته عصبية شديدة حتى أنه فشل في تركيب البطارية الخاصة للصاروخ الثاني . وهي عادة تركب بسهولة.

 ونتيجة للعصبية إستعصت، فتجمع الشباب حول الصاروخ ولكني طالبت بمغادرة المنطقة بسرعة . رفض رشيد ورفض الآخرون ، بل أنهم أعطوني بنادقهم حتى  يتفرغون لهذا الصاروخ وبطاريته المشاكسة. كان تكدسا خطرا ومحزنا. حلقة من الشباب تصارع صاروخا كأنه بغل جامح . لم أرفع نظري عن الهيلوكبتر وبات واضحا ـ لي فقط ـ أنها  تتوجه إلينا . ومن جانبي أرسلت إلى المجموعة بيانات مقتضبة وتحذيرات ولكن لا مجيب . مسحت المنطقة بعيني لإختيار المكان المناسب كى أتواجد فيه خلال الأزمة القادمة لا محالة بعد ثوان .

 وعدت بنظري إلي الطائرة. وخيل إلي أن نظراتي إلتقت بنظرات الطيار ويالها من نظرات ، إن أحدنا على وشك أن يقتل الآخر ، ولن أكون أنا سوى القتيل .

 لم أرفع نظري عن خصمي وأنا أصيح في جماعتنا بصوت كالرعد ولكن بلغة إنجليزية سليمة  (إجرى)!! . وتابعت القول بالعمل وجريت في إتجاه متعامد على خط إقتراب الطائرة ـ ولا أدری هل كان ذلك بناء على تفكير سليم مسبق أم أن قدماي قد إكتسبتا خبرة ـ إضافة إلى غريزة فطرية قوية  في الهروب السديد وإختيار المكان المناسب في الوقت المناسب . تحركت بسرعة لا بأس بها إذا وضعنا في الإعتبار أنني كنت صائما كما أنني كنت أحمل على كتفاي بنادق المجموعة كلها تقريبا . أما باقي المجموعة  فقد تحركوا إلي أعلى السفح حيث كتلة ضخمة سوداء من الصخور ، لقد غامروا بالتحرك في نفس خط تحرك الطائرة ، ولكنهم نجحوا في الحصول على مكان أفضل من الذي فزت به . فقد وجدت نفسي محشورا في شق ضيق حفرته مياه السيول وعمقه أقل من قدم ولكنه طويل جدا ومتعرج .

ولمدة عدة قرون وهي المدة التي تخيلتها للمعركة غير المتكافئة بيني وبين الهيلوكبتر وكانت معركة من جانب واحد كما هو واضح ..معركة صراع بقاء ومنافسة بين أفضل تكنولوجيا عسكرية في عالم طائرات الهيلوكبتر وبين غريزة الإنسان في التخفي والإختباء النابعان من حب  البقاء . لقد تغطيت بالرداء الأفغاني (الباتو) وحاولت المناورة بالزحف وتغيير مكاني بين كل زخة نيران ترشقها الطائرة على جانبي الحفرة . وبعد كل تغيير أتلقى عددا آخر من الزخات كدليل على أن رامي الرشاش يراني بوضوح كامل . ومن حسن الحظ أن هذا الطيار (الحاقد) كان قد أفرغ صواريخه جو/ أرض في رماياته السابقة على مجاهدينا في الخط الأول، وإلا فإنني وإخواني عند الصخرة كنا قد فزنا بمنازل الشهداء في يوم الثالث من رمضان عام 1401هـ ، وياله من يوم مبارك، ولكننا لم نكن في المستوي اللائق لنيل درجة الشهادة ، لا في ذلك اليوم ولا في أي يوم جاء بعده حتى لحظتنا هذه.

 نجحنا في مغادرة المكان بعد إنصراف الطائرة التي أفرغت كل مخزونها من الطلقات حتى أصبحت خالية من الذخيرة . ولكن لم نلبث أن وقعنا فی ورطة مع القصف المدفعي حتی عادت الطائرات بعد ساعة أو أكثر .

ولكن القوات الحكومية تجمدت في أماكنها ثم تراجعت تماما بعد العصر . وحامت الطائرات النفاثة فوق مواقعنا لكنها لم تشارك في الإحتفال لسبب مجهول . وهكذا فشلت التكنولوجيا ـ متمثلة في صاروخ سام7 ـ في أن تتوائم معنا . وتكرر ذلك معنا في السنوات التالية مع أجهزة أخرى ومناسبات مختلفة. ولم تمض سوى أيام حتى إكتمل الدرس أمام أعيننا ، وظهر سلاح آخر ـ ضد الطيران أيضا لا يعتمد على التكنولوجيا ولكن إعتمد على عوامل غيبية نعجز عن فهمها . ولنضع هذا الحادث  إلى جانب حادثة (سام7) ثم نقارن .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

طائرات تدعمنا من حيث لا نحتسب !!.

في التاسعة صباحا من ذلك اليوم الرمضاني المشرق كان جميع من في المركز نائمين،حيث لا نوم تقريبا أثناء الليل . كنا في خيمة أعلى الجبل  . صوت الطائرة النفاثة المنقضة فوق الخيمة أثار فزعنا ونقمتنا .

 أحد المجاهدين دخل الخيمة غاضبا وإستل مسدسه وأطلق عدة طلقات في أعقاب الطائرة ، فلم أتمالك نفسي من الضحك . وحتى الآن أبتسم كلما تذكرت الموقف . دارت الطائرة وهي تتمايل حول قمة جبلنا ولكن على إرتفاع مناسب ربما تفاديا لمسدس صديقنا.  إنصرف الطيار بعد أن إستعرض مهارته في إغاظتنا . إختفى ولم يرم علينا قنابله رغم أننا لا نشك في أنه رآنا . لعبت الوساوس في رأسي وسألت رشيد عن رأيه فيما حدث ، وبالأحرى فيما سوف يحدث .

وجدته هو أيضا في قلق ويتوقع شرا . فإقترحت أن نفعل شيئا تحسبا للأمر.  من أعلى الجبل (الحائط) نزل بسرعة رجل يحمل رسالة من رشيد إلي المجاهدين في المركز بالإنتشار وتجهيز الدوشيكا للطوارئ . وبعد عشرين دقيقة تماما من إختفاء الطائرة الأولى ظهرت ثلاث طائرات واضحة الفخامة ذات لون رمادي ـ على غير عادة الطائرات الشيوعية ذات اللون الفضي ـ تعرف رشيد على الطائرات بأنها من طراز (ميج ـ 23) .

مرت الطائرات من فوق خيمتنا البيضاء ثم شكلت حلقة تدور حول قمة جبلنا . لم يعد هناك مجال للتخمين ، لقد جاء (الكبار) للقضاء علينا . لم تكن الطائرة الأولى سوى صبي شقي نقل الخبر إلى إخوانه الكبار . كل من يحمل سلاحا منا أطلق في إتجاه الطائرات، نعرف أننا لن نصيبها ، ولكننا سوف نقتل على أية حال..  هكذا تصورنا .  كمن رشيد مع صاروخ سام7, ولكني لم أكن مستعدا لتكرار المأساة ورأيت أن الكلاشنكوف أكثرمصداقية، وبدأت في إستخدامه ضد الطائرات .

 بعد عدة دورات إختفت الطائرات الثلاثة في إتجاه الغرب ، ولعدة دقائق حبسنا فيها الأنفاس، فنحن على يقين بأنهم سوف يعودون ولكن كي يقصفونا مباشرة بلا أي لف أو دوران .

وأخذت أتلو كل ما أعتقد أنه ينفعني عندما ألقى الله بعد دقائق معدودة . سمعنا صوت طيران بعيد نسبيا ثم تكبيرة هائلة من القمة القريبة يطلقها مجاهد أخذ يتقافز طربا،صائحا (زنده باد إسلام)، ثم صوت إنفجارات تأتي من جهة الوادي. أسرعنا إلى القمة القريبة فكان منظرا لا يصدق . الطائرات الثلاث التي نتوقع أن تقصفنا تقوم بعمل غير معقول !! إنها تقصف مواقع العدو على جبل(جوجارى) على بعد حوالي عشرة كيلومترات فدمرتها شر تدمير . كانت مواقع العدو تستخدم للترصد وحماية المدخل الشرقى للوادي ، فالجبل منيع ومرتفع ويقع معظمه في الوادي بحيث يسهل الدفاع عنه وتموين قواته.

كانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها عملية قصف جوي بهذا الجمال. كان منظر الطائرات رائعا وهي تدور ثم تنقض على هدفها ثم أعمدة الدخان والنار تتصاعد من الإنفجارات ، وما أن تفرغ طائرة من إنقضاضها حتى تتبعها الثانية ثم الثالثة .

ولا يمكن تصور حالة الذعر التي أصابت القوات الشيوعية فوق الجبل ، لأن آخر ما كانت تتوقعه هو أن تتعرض لقصف جوي . وقد وصلتنا في اليوم التالي معلومات عن خسائر العدو

وأقل ما توصف به أنها كانت فادحة . ذلك هو العامل  الغيبي الذي لم يحطم طيران العدو ، بل حوله إلي العمل لصالحنا .

ولم أشهد حادثا مثل هذا بعد ذلك . ولكن شاهدت فيما بعد كيف مكننا الله من تدمير طائرات العدو وهى على الأرض (أى وهى فى أضعف حالاتها) ، ولذلك قصص أخرى .

لم نلبث إلا عدة أيام حتى تحولنا إلى شاهي كوت وهي قرية ساحرة جنوب وادي زورمات ومقابلة تماما لمركز تعمير ـ الهدف القادم للمجاهدين ـ  شاهي كوت قرية جبلية ولكنها وفيرة المياه وأشجار الفاكهة وذات جمال يطول وصفة ويطول وصفها . ويمكن القول أنها إحدى الجنات المجهولة التي تزخر بها أفغانستان. بيوتها جميعا طالها الدمار الكامل أوالجزئي . كانت أشجار التوت والمشمش تملأ الطرقات الضيقة وأفنية البيوت المهجورة .

وكميات هائلة من الثمار مطروحة أرضا لا تجد من يلتقطها . وجدنا في القرية أسرة واحدة فقط . مجاهد واحد مع زوجته وطفل وطفلة، كلاهما تحت السادسة من العمر يقفان في ذهول وسط الطرقات المقفرة ، والحقول المليئة بالأعشاب البرية الموحشة.

كان منظر الطلفين لا يقل وحشة وحزنا عن منظر القرية المدمرة . تخيلت هذا المكان قبل الحرب وكم كان مرح الأطفال وسعادتهم في وسط كل هذه الأشجارالمثمرة الظليلة وجداول الماء التي تروي العطش ولا يرتوي منها النظر . تخيلت أطفالي لو جاءوا معي إلى هذا المكان. تبسمت لهذا الخاطر كم ستكون صعوبة أن أجمعهم مرة أخرى من فوق الأشجار وجداول الماء ، وحتى من الحقول المهجورة ذات الأعشاب الوحشية .

زارنا مولوى جلال الدين في القرية وعقد جلسة شورى موسعة مع مجاهدي المنطقة وما تبقى من السكان ، وأخبرني عن وفد ذهب إلى باكستان كي يقنع أهالي شاهي كوت بالعودة التدريجية على أن يعود الرجال أولا مع بعض النساء لزراعة الأرض. أفلحت مجهودات التشبث بالأرض لفترة محدودة ثم إنهارت للأسباب التي ذكرناها .

وقد عدت مرة أخرى إلى شاهي كوت عام 1988م ، ولم أجد فيها سوى المجاهدين فقط وبدون أثر لحياة مدنية للسكان . إنها سياسة الأرض المحروقة ، و تفريغ الأرض من السکان ، والتي تكاتف على تنفيذها السوفييت وقادة الأحزاب في بيشاور مع (منظمات الإغاثة الإنسانية) بسياساتها الخبيثة . بالتدريج بدأت تتضح فكرة الهجوم على مركز تعمير. وكما ذكرنا فإن الروح المعنوية كانت في قمتها . فضربات المجاهدين ناجحة بإستمرار والمبادرة العسكرية في يدهم دائما ، والعدو في حالة إحباط وهجماته فاشلة ، وسلاحه الجوي يبدو كأنه فقد تأثيره حتى تعود الناس على الإفلات منه وتحمل تواجده كضيف ثقيل … ضار أحيانا. عقدت العديد  من جلسات الشورى داخل بيوت شاهي كوت المدمرة، تمتعت خلالها بأكل أكبر وأشهى كمية من فاكهة المشمش والتوت . كنت مسرورا أكثر من أي شخص آخر، ليس من أجل الفاكهة فقط ، ولكن لكوني أرى إتحادا حقيقيا بين المجاهدين ، إتحاد يتخطى القبيلة والحزب. لم أكن واهما في ذلك فقد أثبتت معركة تعمير أن ما كنت أراه كان حقيقة.

فالمعركة كانت أكثر من رائعة ، وكانت أكبر تحدي للسوفييت في باكتيا . القتال كان في منتصف وادي زورمات فسيح الأرجاء ، حيث الغلبة العسكرية لمن يسيطر على الجو ويمتلك الدبابات . المعركة أثبتت العكس . الكفة كانت (للمسلمين المُتَحِدين) الشجعان الفدائيين . تجمع قادة المجموعات في أيام وليالي رمضان يتناقشون ، وتجمعت الإمكانات وكانت الحصيلة مذهلة بمقياس ذلك الوقت. تجمعت لدى المجاهدين ست دبابات إضافة إلى عدة مدافع ميدان عيار 122مم ومدافع جبلية عيار 76مم .إضافة إلى عدد كبير من المجاهدين شاركوا في الهجوم. لقد تأخر الإتفاق كثيرا ولم تنفذ العملية إلا بعد عيد الأضحى. وإنتهاء جميع المناسبات الدينية التي تستدعي إجازة إجبارية من العمليات، لذلك لم أستطع حضورها.  وأبلغني رشيد بنتائجها تليفونيا. كما تلقيت رسالة كتابية من حقاني حول نتائج المعركة. بعثت بها إلى جريدة الإتحاد مع شرح موجز لأهمية نتائج المعركة والتحديات الخطيرة التي تمثلها.

لقد تركت تلك المعركة تأكيدا في نفوس من خاضوها بأن الروس قابلون تماما للهزيمة. وهي نتيجة كان من العسير إقناع الناس بها، فبقيت حكرا على المقاتلين فقط . لذلك إختلفت كثيرا حسابات خطوط القتال مع حسابات بيشاور والمتعاونين معها . وأظنني تبنيت وجهة النظر الأولى وتصادمت بشدة مع معتنقي الرأي البيشاوري . كونت رأيا مفاده أن المساعدات يجب أن تصب مباشرة في الداخل وأن يتواجد المتطوعون العرب هناك ، كي يقوموا بمهمة مزدوجة . فمن جهة يساعدون على إقامة إتحاد حقيقي بين المجاهدين الحقيقيين ، ومن جهة أخرى ينظمون أنفسهم ويقاتلون إلى جانب إخوانهم الأفغان. وكنت أرى أن دور الإخوان المسلمين مازال ضروريا لتنظيم العمل العربي نفسه .

 

 

عن معركة تعمير(1981 ) مرة أخرى :

إستمرت المعركة خمسة أيام متواصلة . حوصر فيها الموقع ، وحاولت قوة عسكرية من جرديزالقريبة أن تفك الحصار فأوقعها المجاهدون في كمين ودمروها .إستمرت المعركة أربعة أيام إضافية فتح فيها المركز.

 وأمامي الآن قائمة الغنائم وكانت :

دبابتين سليمتين من طراز (تي ـ54) ــ ومدفعين من عيان 76مم ــ مع 3 رشاشات ثقيلة  من طراز دوشكا . و 7 صناديق قنابل يدوية و 122 ألف طلقة كلاشنكوف و 6 رشاشات خفيفة. مع عدة سيارات محملة بالأغذية والملابس الشتوية(كان الشتاء على الأبواب).

وقد جرح حقاني في هذه المعركة ومعه 44جريحا آخر .

أما عدد الشهداء فكان ثلاث عشر شهيدا . إستمر المجاهدون في وادي زورمات أكثرمن شهرين ـ قبل وبعد العمليات ـ وقطعوا تماما الطريق بين جرديز وغزني وقطعوا أيضا إتصال جرديز مع كابل . أي أن جرديز قضت فترة من الحصار البري الكامل . وفشل الروس في تطهير وادي زورمات الفسيح طوال عدة أشهر بل فشلوا في صد هجمات المجاهدين على مواقع رئيسية في ذلك الوادي وفي مقدمتها  مركز تعمير . هل كان ذلك يعني شيئا آخر سوى أن السوفييت ليسوا سوى نمور من ورق وأنهم قابلون للهزيمة ؟ ..لقد ولدت فى تعمير وترعرعت فكرة فتح المدن الكبيرة ، وبعد أن كانت طيفا شاحبا قبلها ، أصبحت بعد تعمير فكرة معقولة . لم تبارح تلك الفكرة الطموحة ذهن جلال الدين حقاني. وسوف نتحدث عن نمو تلك الفكرة وتطورها في برامجه العسكرية حتى حقق أكبر إنجاز عسكري في حرب أفغانستان متمثلا في فتح مدينة خوست . هذا الكلام يتعلق كثيرا بما ذكره محمد يوسف في كتابه فخ الدب وإدعاءاته كضابط مخابرات ـ بأن أفكار الدفاع الثابت عن القواعد الإستراتيجية للمجاهدين كانت فكرته ، وأنه ساند مشروعا للهجوم على خوست عام 1985م قام به المجاهدون ولكنه تكلل بالفشل . وسوف نتعرض لكل ذلك في حينه .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

التحول الإستراتيجى الأهم:   التوجه إلىى خوست .

من أهم التحولات فى العمل العسكرى لحقانى كان نقل ثقل عمله العسكرى من جرديز عاصمة ولاية باكتايا إلى منطقة خوست الحدودية والتى تضم أهم المراكز العسكرية والإستخبارية فى أفغانستان  فى ذلك الوقت . وفرت خوست لحقانى خطوط إمداد أقصر  مرتكزة على المدينة الحدودية ميرانشاة ، وفيها سوق للأسلحة والذخائر ، مع توافر مشتقات النفط والأغذية ومقدار بسيط للخدمة الطبية ، تعاظم مع السنوات وتوافد بعض منظمات الإغاثة “الإسلامية”.

ما أن هبطت الثلوج في جرديز فى شتاء 1981حتى نزل حقاني إلى الجنوب وبدأ نشاطه العسكري في خوست ، حيث البرودة أقل قسوة ويمكن للمجاهدين العمل فيها أثناء الشتاء فتمكن من الإستيلاء على حصن (دابجي) الذي يتحكم في أحد الممرات الطبيعية الواصلة بين وادى خوست والأراضي الباكستانية .

أتاح هذا النصر حرية حركة أوسع للمجاهدين من خلال ذلك المنفذ .ولكن الإستفادة منه لم تكن كبيرة للغاية لسببين:

الأول بعده النسبي عن ميرانشاه  الباكستانية والتي كانت المعقل الصديق خلف الحدود ، حيث

الإمداد ومراكز القيادة والإدارة لمنظمات المجاهدين . والسبب الثاني والأهم أن قبائل من منطقة (ميرعلي) الباكستانية القريبة من ذلك المنفذ الحدودى لم تكن متعاونة مع المجاهدين ،وكانت تتلقى دعما ماليا وتسليحا من حكومة كابل الشيوعية .

وفي هذه الأيام ـ وقت كتابة هذه الأسطر ـ أشعربالأهمية العالية لفتح حصن (دابجي) بأكثر مما كنت أشعر به فى وقت حدوثه.

عقيد الإستخبارات(محمد يوسف) عبر في كتابه وبشيء من الإحتقار لتلك الفتوحات الحدودية .

 وقال عنها أنها كانت محببة لدى (قومندانات) ـ قادة ـ المجاهدين الميدانيين لكونها قريبة من

مراكز الإمداد داخل الحدود الباكستانية كما أنها تضمن لهم الثناء والمكافأة من الحكومة الباكستانية والسمعة العالية في الخارج عبر وسائل الإعلام . كان ما يقوله العقيد صحيحا في بعض الحالات، سوف يرد معنا ذكر بعضها. ولكن فتح  (دابجي) لم يكن من تلك الحالات. أقول … أدركت الآن أهمية تلك الفتوحات الحدودية وضرورتها لتأمين منافذ آمنة ومحمية يستخدمها المجاهدون في العبور . وقد عاصرنا في العامين الأخيرين (1993م ـ 1994م)

 مأساة المجاهدين في طاجيكستان وهم لا يجدون تلك المنافذ ، فقد إتخذ الروس من نهر جيحون (آمو داريا) عائقا طبيعيا أقاموا خلفه نقاط الحراسة والدوريات مانعين المجاهدين من

 العبور .

وخلال هذين العامين لم يكن العبور ممكنا إلا بدفع رشوات محترمة للضباط الروس ، مع وجود مخاطر دائمة أثناء عبور المجاهدين الذي يستمر أحيانا بطول ستين كيلومترا على طوال النهر وتحت ملاحظة الروس حتى ينحرف المجاهدون شمالا إلي عمق البلاد .

كانت الحدود الأفغانية دائما تستعصي على الإغلاق لطبيعتها الجبلية وطولها الذي يستحيل تغطيته . وليس الحال كذلك ـ بكل أسف ـ في حالة طاجيكستان في جهادها الراهن . لهذا لم يشعر (العقيد) بأهمية ذلك العمل، فقد وصف محاولات الروس إغلاق الحدود الأفغانية مع باكستان بأنها مثل محاولة إغلاق صنبور المياه بوضع اليد على فوهته . لقد حاصر حقاني حصن دابجي لمدة شهر ونصف  ومنع كل النجدات القادمة من خوست ودمرها.

 وفي النهاية فرت حامية الحصن في جنح الظلام تاركين العديد من القتلى والجرحى وكميات من الأسلحة والعتاد من بينها دبابتان من طراز (تي ـ 34) ومصفحة واحدة . وقد بذل جلال الدين حقاني جهودا كبيرة حتى أقنع السلطات الباكستانية بنقل تلك الدبابات عبر الأراضي الباكستانية وإدخالها مرة أخرى إلى أفغانستان عبر ممر (صدقي(أو ممر(غلام خان) القريب منه وكلاهما يؤديان إلى مناطق نشطة وحساسة عسكريا . وكان لتلك المعدات تأثير كبير في عدد من الصدامات الهامة مع القوات الشيوعية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 156 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

23/02/2019

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 6




أشعار على ضوء “البلورة السحرية” لـ ديمقراطية عجل بني اسرائيل

أشعار على ضوء “البلورة السحرية” لـ ديمقراطية عجل بني اسرائيل

أشعار على ضوء “البلورة السحرية” لـ ديمقراطية عجل بني اسرائيل

نتابع مع شاعر العراق والعرب ، أحمد مطر . فى هذه المقطوعات الشعرية الثلاث :

أنشودة .. إعتذار .. المنتحرون 

 

( إحمد مطر قسَّم تركتنا الحضارية بين الشعوب وبين الحكام : فلهم الدولة ، وللشعب مزمار وطبلة . الشاعر مطر يرى أن هذه الأنظمة ما كان لها أن تعيش يوما واحدا لولا عون العدا . ولكن الرئيس ترامب يرى أن مدة صلاحيتها بدون عونه أسبوعان كاملان . وهو بالطبع أدرى) .

أنشودة

شعبُنا يومَ الكِفاحْ

رأسُهُ .. يتبعُ قَولَهْ !

لا تَقُلْ : هات السلاحْ .

إن للباطلِ دَوْلَةْ .

ولنا خصْرٌ ، ومِزمارٌ ، وطَبَلةْ

ولنا أنظمةٌ

لولا العِدا

ما بَقيتْ فى الحُكمِ لَيلَة !.

 

 

( أحمد مطر أدرك خطأه أخيرا . فقدم الإعتذار الواجب ، ولكن ل .. )

إعتذار

صِحْتُ مِن قَسْـوةِ حالى :

فوقَ نَعْلى

كُلُ أصحابِ المعالى !.

قِيلَ لى : عَيْـبٌ

فَكرَّرتُ مقالى .

قِيلَ لى عَيـْبٌ

وكرَّرتُ مقالى .

ثُمَّ لما قيلَ لى : عَيـْبٌ

تَنَبـَّهتُ إلى سوء عباراتي

وخَـفَّـفْـتُ إنفعالى .

ثُمَّ قَـدَّمْتُ إعتذاراً

.. لِنِعَالى ! .

 

 

 ( أحمد مطر يبحث عن المسئول عن قتل الشعوب . وأخيرا عثر عليه ويطلب له عقابا فريدا . ويرى أن الشعوب تواطأت مع الحاكم فى تصنيع المجزرة ، وفى وضع رقاب الضحايا تحت السكين … فهل ما يقوله الشاعرصحيح ؟؟ .. فلنراجع ملفات الضحايا من جديد.. لنتأكد !! ) .

 المنتحرون

إسْكُتوا

لا صَوْتَ يَعْلو

فوق صوتِ النائحةْ

نحن أمواتٌ

وليستْ هذه الأوطانُ إلاّ أضرحةْ

قُـسِّمَتْ أشلاؤها

بين دِبَابٍ و نُسُورْ

واُقيمتْ فى زواياها القصورْ

لِكِلابِ المشْرَحةْ !.

***

نحنُ أمواتٌ

ولكنَّ إتِّهام القاتلِ المأجورِ

بُهتانٌ و زورْ .

هو فردٌ عاجزٌ

لكنَّنا نحنُ وضعنا بيديهِ الأسلحةْ

ووضعنا تحت رجليهِ النحورْ

وتواضَعنا على تكليفهِ بالمذبحةْ !.

***

أيها الماشونَ ما بينَ القبورْ

أيها الآتونَ من آتي العصورْ

لعَنَ الله الذي يتلو عَلينا الفاتِحةْ .

 

– – –

موقع مافا السياسي 

www.mafa.world

 

ديمقراطية عجل بني اسرائيل




الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

 

–  بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب.

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية.

– تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

– تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة.

– أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها.. وهكذا تفعل على الدوام.

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟

– من أهداف أمريكا الكبرى: تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى.

– ما هى قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان؟

– وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية، إلى أن يتوقف الجهاد.

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض. فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان.

– لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد. فهو يعبر عن النظام الأمريكى، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب. رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى.

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة. فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن. فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم. وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات. وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا.

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما)، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه. ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة. لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون.

 

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب:

1 ـ إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا، وعلى رأسها أفغانستان، ومن ضمنها العراق وسوريا. ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة. وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله.

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية (أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية. أو لطرد منافسين من مناطق معينة (إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة.

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول. وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل. وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية. لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم.

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة. ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا، أو مستقيلا، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام.

 

الحرب والمفاوضات:

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب. ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك.

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء. فالمفاوضات مليئة بالعروض (أو المشاريع) الملغمة، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك. وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى. فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه. واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد.

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا، فى ” فرساى” بالقرب من باريس، بشأن الإستسلام والتعويضات. وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية).

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب، إذا كان هناك حرب أخرى.

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً. وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها. بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء. فهناك مثلا:

ضغوط عسكرية: بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة.

ضغوط سياسية: من داخل أفغانستان وخارجها، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها.

 ضغوط مذهبية: مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين.

 ضغوط نفسية: ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج.

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال.

فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان. وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014. ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط، ولوبى المخدرات، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا، واستمرت الحرب.

وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان. وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها. أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها.

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها؟ قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019). بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

– تنازلات أمريكية “مؤلمة! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية)، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا؟

فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل: تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا.. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ”!

إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل. فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله.

الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل.

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا. ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات. فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله.

الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى، إلى (صفقة) سياسية، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة. وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا.

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه. وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية. فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا)، فلا أحد يأخذ منها شيئا، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف.

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان، فما هى أهدافه المتبقية فى عملية التفاوض؟

الهدف هو ذاته لم يتغير، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا، وتطبيقها للشريعة شكليا، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته:

فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية.وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب.

ولا يصل إلى السياسة فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام.

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء. ويترك لجماعة التنفير من الدين، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام.

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق.

دخول تلك الشركات إلى دولة ما، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد:

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات: لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى. ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها.

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى: أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث. تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية، وشئون الأسرة، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل، كل ذلك بمنظور غربى بحت، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية. ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين. ويكون هم الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة.

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية”: وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما:

الأولى: تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد. وتوزيع مشاريع الدولة على الشركات المتعددة الجنسيات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية. والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية: الحفاظ على الأمن الداخلى: لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة. لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر (كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ).

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة لتلك الشركات والدول الحامية لها.

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم.

وأهم الأدوات اللازمة لذلك، هى الأجهزة المسلحة أى: جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره. جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى: تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج (الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة).

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن”. وأهم الأجهزة المساندة هى: الجهاز التشريعى (مجلس النواب) والجهاز الإعلامى، والجهاز القضائى، والجهاز الدينى(علماء النتاجون، وبغال الإفتاء) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ).

الثالثة: القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها:

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة.

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما.

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا.

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر.

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان؟

المطلوب أشياء كثيرة.. أهمها ما يلى:

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان. وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة. أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة.

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة (UNODC) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون.

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة. مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها. وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت، (طبقا لقاعدة أمريكا فوق الجميع، وكل شئ لأمريكا فقط، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا. وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان.

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان. والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى. مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين.

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام، والمحافظة على أقلية من عملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها.

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته. ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى.

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة.

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية. وهى هيئات إستخبارية فى الأساس، وأدوات غزو سياسى وثقافى.

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى.

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال. وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام. وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد. والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال.

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم. وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان.

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى، والإلتزام بالتجارة الحرة، أى عدم حماية الصناعات المحلية، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي. وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى، حسب ما سبق ذكره.

 

لا نهائية المفاوضات:

أولا: من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة. كما أن التفاوض يعنى صفقة، والصفقة إذا كانت عادلة، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر. بينما تحرير أفغانستان لايخضع للتفاوض أو المساومة، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد.

فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن. فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم. عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام 1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية.

ثانيا: ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض. فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها.

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه، جميعها شئون أفغانية بحتة، يجرى بحثها داخليا، وتنفيذها جماعيا، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص. والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام.

 

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض؟

إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض، لمصالح قد تراها، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام، إلى أن يخرج آخر جندى محتل. لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً. فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض، أو (لبناء الثقة! ). أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين… إلخ.

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة. إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية. ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات المقاتلة وتفتر الهمم، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم. فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات.

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى. وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة، مزقت أوصاله طيلة سنوات. ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود.

ملاحظات حول توقيت التفاوض:

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية.

 

 

فى أفغانستان:

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها. فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون. وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية. وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب، وإن كان هو أقواها، ولكن ذلك لا يبرر بقائه، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين. وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون.

وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى. وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة.

 

فى الداخل الأمريكى:

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد. فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله.

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة.

 

فى المنطقة العربية:

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها.

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران. بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم. لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية.

قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية. فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




بين إيران والولايات المتحدة حرب ولا كل الحروب (2من2)

بين إيران والولايات المتحدة حرب ولا كل الحروب (2من2)

نقلا عن موقع الحوار المتمدن   29/7/2018

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

بين إيران والولايات المتحدة

حرب ولا كل الحروب

 ( 2 من 2 )

 

الحظرعلى النفط الإيرانى .. مكاسب متعددة الإتجاهات

يعتمد الإقتصاد الإيرانى على الدخل النفطى بنسبة 60% تقريبا. وبالحسابات الأمريكية فإن حرمان إيران من تلك النسبة من التمويل كافية لإحداث أزمة معيشية كبرى وانتفاضة شعبية تطيح بالنظام أو تأتى به إلى طاولة التفاوض مستسلما ومستجيبا لأيه شروط .

الشروط الأكبر : هو الدخول فيما دخل فيه جيرانه العرب من التسليم بالقدرة الإسرائيلية وسيطرتها المطلقة على بلاد العرب من المحيط إلى الخليج ومن البحر الأبيض إلى خليج عدن بما فى ذلك جزيرة العرب بمقدساتها ونفطها، واليمن بتاريخه وموقعه الاستراتيجى على باب المندب ومياه المحيط الهندى .

ومعروف أن إيران هى الدولة الوحيدة فى العالم التى لا تعترف بحق إسرائيل فى الوجود . وذلك يزعج أنظمة العرب ومثقفيهم أكثر مما يزعج حكام إسرائيل والولايات المتحدة .

 

الشرط التالى فى الأهمية : هو تفكيك عناصر القوة الذاتية فى إيران وعلى رأسها التقدم العلمى والتكنولوجى والصناعى ، والإكتفاء الزراعى والترابط الثقافى والدينى . ورمز كل ذلك والمدخل إليه هو إزالة البرنامج النووى بالكامل كمنشآت وعلماء ومعاهد بحث وتعليم . والمثال المصرى نموذج مثالى تسعى إسرائيل تطبيقه فى كل بلاد العرب والمسلمين . وإذا تم تطبيقه فى إيران ، فكل ما بعد ذلك سهل وميسور .

أزمة كبرى من هذا النوع فى تلك المنطقة التى تزود العالم بقسم هام من إحتياجاته النفطية،  سوف تؤدى على الفور ـ حتى ولو لم يغلق مضيق هرمز ـ إلى زيادة كبيرة فى أسعار النفط . والأنظار تتجه بذعر نحو سعر لبرميل النفط قد يصل إلى 200 دولار أو يزيد .

ضربة تحت الحزام :

الأزمة الأمريكية مع إيران أدت بالفعل إلى زيادة أسعار النفط بمقدار عشرة دولارات للبرميل ، حسب ما جاء فى رسالة توبيخية من مسئول إيرانى كبير موجهة إلى ترامب طالبا منه التوقف عن “التغريد” الذى رفع أسعار النفط عشرة دولارات للبرميل .

محاولات ترامب تعويض السوق الدولية عن نفط إيران بزيادة إنتاج السعودية ودويلات الخليج وأعضاء أوبك ليست ممكنه عمليا وهو يعلم ذلك ، ولكنه يخدع حلفائه بأنه يضع مصالحهم فى الإعتبار . وهو فى الحقيقة يسعى للإضرار بجميع منافسيه الكبار (الإتحاد الأوروبى ـ اليابان ـ الهند ـ الصين ) وجميعهم مستورد نهم للنفط .

بينما أمريكا نفسها أصبحت من كبار المنتجين للنفط . لذا فهى من كبار المتربحين من الأزمة، لذلك فشركاتها النفطية هى من كبار داعمى ترامب وسياساته الهجومية الطائشة . وينضم إليهم مستخرجى النفط الصخرى الذى تنتعش صناعته ويصبح إقتصاديا مع الإرتفاعات الكبيرة فى أسعار النفط .

طرف غير ظاهر فى الصورة ولكنه المستفيد الأكبر من تلك الأزمة، وكل أزمه أخرى فى العالم ، ذلك هو العملاق البنكى الدولى الذى يقدم القروض لذوى الإحتياجات الخاصة من المتورطين فى أزمات إقتصادية أو حروب تقليدية أو هجينة . فالطلب على القروض يتزايد مع إرتفاع أسعار النفط وحاجة معظم المستوردين إلى تمويل . إذن القطاع البنكى الدولى هو أكبر المستفيدين فى تلك الأزمة وبالتالى الداعمين لمشعلها ترامب.

من سوء حظ ترامب ، ونتيجة غير مقصودة من حملته لتأزيم الوضع النفطى الدولى عبر حصار إيران ، أن منافسه الأكبر(روسيا الإتحادية) سوف تكون مستفيدة بشدة من الأزمة . فهى أكبر منتج للنفط خارج نطاق منظمة (أوبك)، والأزمة سوف تملأ خزائنها بالدولارات النفطية. يمكن أن نتخيل أن ذلك الموضوع كان على طاولة البحث فى(هلسنكى) بينه وبين بوتين . وحاول أن يَمُنْ عليه بتلك الفوائد من الأزمة قيد التصنيع، وفى المقابل عليه أن يدفع (فهكذا الصفقات كما يفهما السمسارالدولى) والدفع ليس دولارات بل بصفقات سياسية / استراتيجية . وليس أقل من أن ينفض يده من تحالفاته فى الشرق الأوسط ، مع سوريا وإيران تحديدا . لكن بوتين لا يقيس الاستراتيجيا بمنطق الصفقات والمغامرات .

فالرجل البارد الحاد لا يستخفه المهرج الأمريكى ، فما يحدث مع إيران وفى الشرق الأوسط هو مغامرة كبرى ومجازفة خاسرة للغاية على المدى البعيد . ولا يدرى أحد ماذا سيخرج من تحت رمال الصحراء العربية فيما بعد حريق النفط .

ومن بين مليار ونصف المليار من الإحتمالات ، كم عدد الإحتمالات الصادمة لأصحاب صفقة القرن ؟؟ . فماذا فى عمق المحيط الإسلامى ؟؟. لا أحد يدرى ، فصفقة القرن مجازفة خطيرة فى أعماق الزمن ، وأعماق محيطات من البشر الرافضين المجهولين ، الذين قد يخرجون من قمقم الحرب.

تلك المفاجئات القادمة من المحيط البشرى هل تتجمع مستقبلا حول من باع وقبض الثمن؟؟ ، أم تتجتمع حول من قاوم وحارب وضحى ودفع الثمن؟؟ .

أيا ما كان .. فلا أمريكا ولا إسرائيل ولا الحكام العرب سيكون لهم أى مكان فى خريطة المستقبل القادم من المجهول . بل أن إيران سيكون لها الورق الرابح ، والمستقبل البعيد يبدو مضمونا لها ، وربما كان القريب كذلك ، طالما أن أعداءها بهذا القدر من الغباء والغرور.

أزمة النفط  لتمويل :

 صفقة القرن .. سكة حديد الرياض حيفا .. ومشروع نيوم .

“إيران سوف تفلس ، وتأتى مذعنة إلى طاولة الإستسلام” تلك أحلام اليقظة لدى المقامر السمين . ويتصور أيضا أن الأزمة سوف تعيد إعمار الخزائن السعودية الخاوية . أى وفق تعبيراته إعادة شحن أضرع البقرات الخليجية بالحليب . فالمطلوب منها جميعا ـ ومن السعودية تحديدا ـ تمويل صفقة القرن كاملة ـ بما فى ذلك المشاريع الكبرى المتعلقه بها ـ وأهمها مشروع السكة الحديد الذى تريده إسرائيل ليربط منطقة الخليج بموانئ فلسطين .

يطلقون عليه أحيانا خط (الرياض ـ حيفا). ستكون موانئ إسرائيل إطلالة لمشيخات الرمال على نسائم البحر الأبيض ، ومنفذا للتجارة الأوربية مع الخليج ـ ومن المؤكد أن خطوط النفط والغاز الخليجية ستجد طريقها إلى موانئ فلسطين ، لتصبح إسرائيل أكبر مركز فى العالم لتوريد الطاقة من غاز ونفط ـ حيث أنها تمتلك كنوز الغاز فى البحر الأبيض، سواء تلك التى فى نطاق المياه الفلسطينية أوغيرها(لبنان، قبرص، اليونان وحتى تركيا) ، أو تلك التى وهبها جنرالات مصر العظام لإسرائيل فى صفقات سمسرة هى ضمن مفاجآت المستقبل . خط السكة الحديد (الرياض ـ حيفا) هو إندماج إقتصادى وسياسى وأمنى وعسكرى بين إسرائيل وبقرات الخليج . وهى “رؤية” و”مصلحة مشتركة” تجمع الجزار مع بقراته السمان .

مشيخات الرمال عليها توفير التمويل اللازم لصفقة القرن ، ونفقات الوضع الجديد للفلسطينيين، فى دولة (غزة وسيناء) وما يلزمها من مساكن ومشاريع للعمل، وميناء ومطار ونفقات الإدارة الذاتية الفلسطينية ، وأموال تدفع لإسرائيل فى مقابل أن تعتنى بالأمن والدفاع والسيادة المطلقة على تلك الدولة . كل تلك التكاليف من سيدفعها سوى السعودية وباقى القطيع.

هناك كيانات فى الضفة الغربية ، لها نفس الإحتياجات تقريبا . مع نفقات هؤلاء الذين إنتقلوا للإقامة فى الأردن ، مضافا إليها ما يجب دفعه لإسرائيل مقابل الدفاع والأمن والسيادة على كل هؤلاء فى الضفة الغربية والأردن . ومن سيدفع تعويضات “لليهود المساكين” الذين غادروا الدول العربية متوجهين إلى دولتهم إسرائيل ، تاركين ممتلكاتهم وثرواتهم الهائلة !!. بل ومن سيدفع للفلسطينيين الذين / قد و ربما / يثبت أنهم قد غادروا فلسطين بشكل جبرى بعد قيام “إسرائيل” ، وكان لديهم وثائق وشهود عيان ، ومبرر يقبله ” قانون القومية الإسرائيلية” الجديد. إنها السعودية ورفيقاتها الخليجيات فى كل الأحوال ، وأموال يوفرها بيع شركة أرامكو (فقط عدة ترليونات من الدولارات)، والتى/ ربما وقد/ تكفى لتعويض اليهود المساكين واسترضائهم وطلب السماح منهم على المشاكل التى سببها لهم إحتلالهم لبلادنا طول تلك السنين، وقتل أولادنا من الإرهابيين المقاومين . وبناء مشروع نيوم للتوسعة على فقراء اليهود، مشروع يحتوى على قواعد لأسلحتهم النووية ومرافئ بحرية لأسطولهم الحربى فى البحر الأحمر وخليج العقبة .

وبما أن” ولى العهد” غير الأمين، سيتولى القوامة على المسجد الأقصى، ليكون له مقام (القداسة) العليا على مقدسات المسلمين ، فسوف يكون لزاما عليه بحكم هيبة منصبه الرفيع أن يدفع لإسرائيل تكلفة هدم المسجد الأقصى ، وتكاليف بناء هيكل سليمان مكانه . ويمكن أن يتكرم نيافته ببناء مسجد طبق الأصل عن المسجد الأقصى فى العاصمة الفلسطينية فى قرية “أبوديس”، ويمكن أن يستخدم نفس (الأحجارالمقدسة) التى كانت فى المسجد الأقصى . فتكون العملية مجرد إزاحة بسيطة فى المكان لن تؤثر على قدسية المسجد، ولن تؤثر فى العلاقات الأخوية بين المسلمين واليهود، واسألوا مفتى المملكة. قال جنرال أمنى عربى ( لا فرق بين أبو ديس والقدس!! ) فوافقة عميل إعلامى على الفور، فهذه هى معالم المرحلة.

مشروع نيوم إدعى”ولى العهد” أنه من نتاج عبقريته ، وأنه سينفق عليه نصف ترليون دولار( ستتوفر من بيع 5%من أسهم شركة أرامكو النفطية ، عماد ثروة المملكة) ، ليكون من معالم (رؤيته!!) المسماة (2030) . المشروع إختصارا مشروع إسرائيلى بحت، وليس إقتصادي بقدر ما هو استراتيجى وعسكرى ـ وبعده الدينى أكثر خطورة من كل ذلك . فامتداده على البحر الأحمر (400 كم) يضعه على مرمى حجر من المدينة المنورة عن طريق البر . أما البحر فحدث ولا حرج ، فأى طراد إسرائيلى صغير يمكنه بالصواريخ تسوية الكعبة بالأرض ، وكذلك المسجد النبوى . فقد تحول البحر الأحمر إلى بحيرة إسرائيلية ، تتحكم ـ بشكل كبير ـ فى مضيق باب المندب ، خاصة من الموانى الأرتيرية ومن جيبوتى وجزر يمنية فى البحر الأحمر، بينما تستكمل السعودية والإمارات السيطرة على شواطئ اليمن ـ لصالح إسرائيل ـ فتلك الدول تعمل من الباطن كجيوش مستعمرات للتمويه على التواجد العسكرى الإسرائيلى ونفوذه السياسى والثقافى فى بلاد المقدسات الإسلامية . ويسمون ذلك أحيانا (شراكة!!) أو رؤية ومصالح مشتركة (!!) وذلك مزيج من الدهاء الدبلوماسى اليهودى والبغاء السياسى الخليجى .

الأساطيل الغربية فى المنطقة ، جميعها محسوبة لصالح المشروع الإسرائيلى ، وبالتالى (مشروع القرن) ـ وكلها تسيطر على الخليج (العربى!!) لصالح إسرائيل ومصالح الدول المشاركة فى القوة البحرية . وهنا تظهر إيران فى شكل مأزق جيوستراتيجى ـ فهى المشاكس المقيم فى المكان الخطأ .. الحساس المتفجر .

السيطرة إذن على مضيق هرمز غير كاملة لإسرائيل وحلفائها من أصحاب الأساطيل. والمضيق من السهل إغلاقه بالنسبة لإيران وما تمتلكه من وسائل كثيرة لإتمام ذلك بكفاءة . وقد أظهرت جزء من تلك القدرة ، ولكن على المضيق الآخر ـ فى باب المندب ـ بأن أصابت الصورايخ البحرية للحوثيين ناقلتى نفط سعوديتين قرب باب المندب . وتكتم الجميع على التفاصيل ولكن الرسالة واضحة ولا يمكن تغطيتها.

تقول إيران بصواريخها البحرية فى اليمن ـ كما قالت على شواطئ لبنان عام 2006 عندما ضربت حاملة الصواريخ الإسرائيلية (ساجر5) ـ بأن الصواريخ البحرية التى تطلق من البر ـ يمكنهات تحييد فاعلية سفن الأسطول الحربى الحديث . إذ أن إحتلال اليابسة المطلة على جانب المضيق ـ كما هو الحال فى باب المندب ـ لم يعد كافيا لتحقيق سيطرة وحماية ناجزة . فعلى الإحتلال أن يمضى عميقا فى اليابسة على الجهتين ـ بإحتلال أجزاء واسعة على حواف القارتين آسيا وأفريقيا . ولو فعلت إسرائيل ذلك بقواتها لأصبحت فلسطين خالية من اليهود .

وحتى قوات أذيالها فى السعودية والخليج لن تكفى لشئ من ذلك ، فحتى ميناء الحديدة فى اليمن عجزوا عنه . وميناء عدن قنبلة موقوته ستمزق جنودهم فى وقت ما . وليس هناك جنود للإيجار متوفرين لدى أشباه الدول التى تؤجر جيوشها . فالمهام أوسع بكثير من القدرات البشرية التى يمكن توفيرها .

صواريخ أرض ـ بحر سيكون لها دور هام فى حسابات حرب النفط بين أمريكا وإيران . (الصاروخ ضد ناقلة النفط ) ستكون نقلة مثيرة جدا فى أى قتال حول مضائق نقل النفط .

وإذا توسعت الحرب إلى حدها الأقصى فسوف تتصدر معادلة ( الصواريخ ضد المدن) فى إسرائيل . وتشغيل المنظومات الصاروخية لن يكون إيرانيا فقط بل سيكون لبنانيا (حزب الله) وسوريا وربما أيضا عراقيا .

والروس فى سوريا لن يكتفوا بإحصاء أعداد الصواريخ التى تمر فوق رؤوسهم من جميع الإتجاهات . فلا بد أن يوجهوا صواريخهم إلى إتجاه ما . فلن يتركوا الساحة ، التى جاءوها أصلا حتى لا تدفعهم المشيخات وتركيا وإسرائيل خارج سوق الغاز العالمى ، والأوروبى بشكل خاص . وكما حاربت روسيا فى سوريا لأجل الحفاظ على مكانتها الجيوسياسيه فسوف تحارب مرة أخرى ، إذا كان هناك حرب قادمة . وقد قالها بوتين ( نحن نحارب فى سوريا دفاعا عن روسيا .. وإذا سقطت سوريا فسوف ندافع عن روسيا من خلف أسوار الكرملين ).. إنه رجل بارد ، وحاد جدا .

العمل الإسلامى و”مأزق القرن” :

يمكن التنبؤ بمواقف جميع الأطراف فى الأزمة الحالية بين أمريكا وإيران ، ولكل منهما تحالف إقليمى ودولى معروف ـ اللغز المبهم هو الحركة الإسلامية الجهادى منها والسياسى . ماهو موقفها الآن من هذه الأزمة ؟ . وما موقفها إذا إشتعلت الحرب ؟ .. وفى أى إتجاه سوف تصوب بنادقها ؟. ولماذا لم تتكلم حتى الآن رغم أن العالم كله فى ضجيج من الكلام إلى قعقعة السلاح؟.

هل ستظل ملتزمة بالسعودية وقطر إلى النهاية ، فتواصل السير خلفهم من الإصطفاف الحالى ضد إيران وحتى القتال المحتمل ضدها ؟ . أين “الإسلاميون” من صفقة العصر؟ ومن الأزمة الكبرى بين (أمريكا وإسرائيل وإمارات الخليج) فى تكتل واحد متحفز ضد إيران ؟.

وسوى الهمهمات الخافتة لم يفصح أحد منهم عن أى رأى ، رغم أشهر من الصراع حول فلسطين والأقصى ، والنفط والمقدسات ، وصفقة العصر، والإفتاء الشرعى ضد الجهاد فى أفغانستان ؟؟؟ .

هل هم معنا .. أم أنهم ـ مازالوا ـ مع الجانب الآخر؟؟؟ . وهل حجزوا لأنفسهم أماكن فى الرحلة من الرياض لفتح حيفا من فوق المقاعد الوثيرة للقطار الإسرائيلى؟؟.

لا شك أن موقف العمل الإسلامى ـ والحركة الإسلامية ـ سيحدث دويا ضمن المفاجآت فى خِضَمْ معركة القرن الدائرة الآن .

ويبدو أن (صفقة القرن) قد وضعت العمل الإسلامى فى (مأزق القرن) .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world