هل يستسلم المصريون للموت عطشا ؟؟ (3)

هل يستسلم المصريون للموت عطشا ؟؟ (3)

هل يستسلم المصريون للموت عطشا ؟؟ 

( الحلقة الثالثة والأخيرة )

الثورة الشعبية .. أو حرب تحرير مصر

 

(( إزالة سد النهضة بالقوة ــ رغم الحماية المكثفة المفروضة عليه ــ لا يشكل إستحالة عسكرية ، مع إنتشار غير طبيعى لأدوات الدمار، فى عالم تشكل فيه تجارة السلاح المتطور أحد أعمدة الإقتصاد العالمى ورفاهية الدول الكبرى )).
(( اليهود أقوياء بكراهيتهم لنا ، ونحن ضعفاء بخضوعنا الذليل والمهين لهم ولنزواتهم وأطماعهم . فتدميرهم مصر بوسائل كثيرة على قمتها سد النهضة ليس دليلا على محبتهم لنا أو رغبتهم فى السلام معنا )) .
(( مصر أهم وأخطر من أن تتركها إسرائيل لحكم حفنة من الجنرالات الأغبياء الفاسدين )) 

–  سد النهضة هل يفجر ثورة شعبية فى مصر ؟؟ .
–  إسرائيل تدير مصر مباشرة بواسطة خبرائها فى المراكز السيادية. والهامش السيادى لنظام الجنرلات فى القاهرة لا يزيد عن الهامش السيادى للحكم الفلسطينى فى رام الله.
–  من أهداف الثورة : إعادة توحيد مصر بردم قناة السويس .
–  الأزهر الحر والمستقل هو إستقرار مصر ، ومخزونها الروحى ، وصمام الأمان الإجتماعى فيها .
–  ثلاث محاور استراتيجية لعمل الثورة المصرية القادمة .
–  ثوار مصر لن يكونوا منفردين ، فمن خلفهم عمق شعبى عربى وإسلامى ودولى .
–  ( إما بقاؤنا .. أو بقاؤكم ) . ولن يكون المصريون هم الهنود الحمر فى القرن الحادى والعشرين . وسوف تغادرون منطقتنا وأنتم بقايا “اليهود الحمر” .

 

إسرائيل تحكم مصر .. هذا واقع وليس مبالغة :

فالرئيس “هُبَل” بحكم القانون الإسرائيلى والشريعة اليهودية ، يعتبر مواطنا إسرائيليا يهودي الديانة ” لأنها تُوَرَّث عن طريق الأم” .{ جولدا مائير رئسة الوزراء السابقة، ومن أبرز المؤسسين لإسرائيل ، قالت وكأنها تقرأ الطالع: “سيتفاجأ العرب ذات يوم أننا أوصلنا أبناء إسرائيل إلى حكم بلادهم” !! }.

وحسب تصريحات كبار المسئولين الإسرائيليين فى أواخر حكم مبارك، فإن إسرائيل أحكمت قبضتها على مصر بعلاقات وثيقة مع الأجهزة (السيادية) وأجهزة الإعلام الوطني .

والآن إسرائيل تَحْكُم مصر بشكل مباشر “ويومى” كمستعمرة ، {غالبا.. عبر مكتب سرى هو الحكومة الحقيقة لمصر ، ويعمل من القاهرة . والعاصمة الإدارية الجديدة ستكون عاصمة حقيقية له } ، فالجنرالات الأصنام لا يمكنهم حتى إدارة بيوتهم . فالقسوة والفساد والتآمر ليست دلائل على إتقان فنون الحكم والإدارة ، خاصة فى بلد ضخم مثل مصر ـ الذى هو بدون مبالغة ـ الأهم من بين بلاد العرب وأفريقيا . ليس لقدرة مصر الإقتصادية أو لتورمها السكانى غير الحميد ، بل لقيمتها الجيوسياسية التى تؤثر حتى على مناطق شرق وجنوب أوروبا.

– فمصر أهم وأخطر من أن تتركها إسرائيل لحكم حفنة من الجنرالات الأغبياء الفاسدين .

فلا تكتفى إسرائيل بمجرد توجيه الأوامر . بل أن هيئة من كبار خبرائها المستعربين، يديرون وبشكل مباشر أهم المراكز السيادية المصرية ، خاصة فى الجيش والمخابرات والإعلام. ويمارسون السيادة على المعتقلات ومراكز التعذيب ، ويرتبون أهم عمليات الخطف والقتل السياسى .

النظام العسكرى فى القاهرة ، تحت الإدارة الإسرائيلية ، يحظى بهامش سيادى لا يزيد بحال/ وربما يقل/ عَمَّا تتمتع به سلطة الحكم الذاتى الفلسطينية فى رام الله.

مصر تأتى فى صدارة الإهتمام الإسرائيلى ، فى درجة لا تقل عن أهمية فلسطين. فالولايات المتحدة لا تقرر شيئا فى المنطقة العربية ـ خاصة فى مصرـ إلا بعد إستشارة إسرائيل وأخذ موافقتها . بمعنى أوضح فإن السياسة الأمريكية فى مصر والمنطقة العربية هى تابع لسياسة إسرائيل . وذلك بشهادات من شخصيات ذات ثقل فى الخارجية الأمريكية . وحتى البنتاجون يمارس نفس التبعية للقرار العسكرى الإسرائيلى .

 

سد النهضة .. هل يفجر ثورة شعبية فى مصر ؟؟

مصر فى حاجة إلى ثورة شعبية حقيقية لإنقاذها من الفناء . وجاء سد الهضة ليزيح الغطاء عن كارثية أوضاعها ، ويؤكد أن ليس ماء النيل فقط هو مسألة حياة أو موت للمصريين ، ولكن الثورة أيضا ، باعتبارها طريقاً وحيداً للنجاة ، رغم وعورتها وخطورتها وعدم تكافؤ القوى بين أطراف الصراع . لهذا نقول أن الإيمان الدينى فى مثل تلك المواجهات المصيرية عنصر حاسم فى تحقيق النصر.(قال حكيم الحرب الصينى صن تزو : إننا نكسب الحروب فى دور العبادة قبل أن نكسبها فى ميادين المعارك).

والحقيقة التى لا مفر منها هى أن مصر فى حاجة إلى إسترداد حريتها وإستقلالها من براثن الإحتلال الإسرائيلى ، المتستر خلف حكم هُبَل وجنرالات السؤ .

وكما قلنا فإن (سد النهضة) هو مشروع إسرائيلى بالكامل . وفكرته سبقت حتى قيادم إسرائيل كدولة على أنقاض فلسطين .

على شباب مصر قيادة شعبهم فى حرب تحرير لإسترداد مصر مرة أخرى . وإستعادة حقهم فى السيادة على بلادهم ، وإعادة بنائها بالشكل اللائق بتاريخها الأزلى .

إنها مهمة تقف على حافة المستحيل ، ولكنها ليست مستحيلة إذا ساندها شعب مؤمن بالله منذ أن تفتحت أعينه على مياه النيل وعظمة أرض مصر الخضراء .

الوقت ليس فى صالح مصر ومقاومة شعبها . فالخراب المحكم قادم بسرعة ( من سنتين إلى ثلاث سنوات) ، وسد النهضة اليهودى منتصب على حافة أثيوبيا مثل سوط عذاب ، مسلط على رقاب شعب وادى النيل فى السودان ومصر .

ومع ذلك تظل المقاومة الناجحة ممكنة رغم كل شئ ، حتى مع وقوع البلاء ، الذى قد يكون فى حد ذاته دافعاً إلى المقاومة والتوبة إلى الله ، واستعادة الإيمان الذى طرده العسكر واليهود من أرض الكنانة .

–  سد النهضة فكرته وبنائه وتشغيله جميعها إسرائيلية . وليس أى حل أمام شباب مصر سوى توجيه ضرباتهم إلى إسرائيل مباشرة ، وجعل(الأمن القومى الإسرائيلى) مهددا بنفس الدرجة التى هددوا بها الأمن القومى المصرى ، وأمن مصر المائى .

وكلما إشتدت ضربات شباب مصر الموجهة إلى إسرائيل ، ونهضت ثورته الجهادية الشعبية، كلما خفت قبضة الموت عن رقاب المصريين ، وتراخت قبضة سد النهضة.

 

أهداف ثورة مصر :

1 ــ مصر أولا :

– تمصير مصر(مصر للمصريين) ، فى إستمرار تاريخى لمسيرة الثورات الشعبية فى مصر . وذلك يستدعى بالضرورة إسقاط حكم جنرالات العار والخيانة . ومحاكمة كبيرهم هُبَل ، علناً وبالتفصيل بالغ الدقة ، لكشف كافة ألغاز وخفايا حكمه وغموض شخصيته وسيرته الذاتية ومؤامراته مع اليهود . قبل إعدامة .. لمرة واحدة على الأقل .

– السيطرة الكاملة على أرض مصر وثرواتها وقرارها السيادى . وبناء جيش حقيقى يليق بها وقادر على الدفاع عنها . وأجزة حكم تضمن السيادة الحقيقية للشعب صاحب القرار على أرضه وبلاده .

 

2 ــ   إعادة توحيد مصر بردم قناة السويس :

– إعادة توحيد أراضى مصر بإعادة الإتصال البرى الكامل مع سيناء. وذلك بردم قناة السويس التى كانت البلاء الأكبر على مصر منذ مصرع 120 ألف مصرى فى حفرها. وسببا لضياع إستقلال مصر واحتلالها وهزيمتها فى حروبها مع إسرائيل . بل كانت من العوامل المساعدة على قيام إسرائيل واستمرار وجودها وقوتها .

–  يجب نزع أى ملكيات أجنبة فى سيناء مهما كان طابعها إقتصادي أو ديني . وحظر نقل أى ثروات من سيناء إلى غير الأراضى المصرية بما فى ذلك النفط والغاز. وتوجيه تلك الثرات فى الأساس إلى سيناء نفسها ، لإعمارها وبناء قدراتها الدفاعية ومرافقها الخدمية والإدارية. وضم مدن القناة الحالية (السويس ، الإسماعيلية ، بورسعيد) إلى قطاع شرق مصر الذى مركز ثقلة سيناء. وتوطين سكان تلك المدن فى سيناء .

ونقل 15 مليون مصرى على الأقل للإقامة فى سيناء، لتعميرها والمساهمة فى أعمال الدفاع عنها باعتبارها البوابة الشرقية لمصر. وتشكيل “جيش حماية سيناء” من شباب سيناء المدربين والمسلحين على أعلى المستويات الممكنة .

وإعادة جميع ممتلكات أهالى سيناء إليهم ودفع التعويضات العادلة عما أصابهم من أضرار على يد الإحتلال الإسرائيلى بالنيابة ، الذى مارسه “هُبَل” وجنرالات السؤ . وتمليك الأهالى ما يستحقونه من أراضى سيناء وتثبيتهم فيها.

 

3 ــ  إعادة الأمل والثقة والترابط إلى الشعب :

بمكافحة الفقر، باعتبار أن (الفقر هو الكفر الأكبر) ـ ويقول المصريون إن الجوع كافرـ

لذا فإن إطعام الجوعى وإيصال حقوقهم إليهم والإنتصار لهم، هو أهم أعمال الإيمان وشهادة عملية على صحته. وأيضا من أهم وسائل علاج الثقة الضائعة والمعنويات الشعبية المنهارة.

لإستعادة معنويات الشعب ، ونشر ثقافة الثورة: { الإيمان الدينى ـ ثقافة الجهاد والإستشهاد ـ الإيثار ـ التعاون الإجتماعى ـ التراحم ـ حسن الخلق}، ليس هناك أفضل وأكثر فعالية من الجهاد وبداية العمل الثورى الجماعى بين جميع الفئات والطوائف والمذاهب ، تحت راية المبادئ الثقافية سابقة الذكر .

والسياسة الواعية للعمل الجهادى الشعبى / المسلح والثقافى والسياسى/ هى خير معين على تحقيق الترابط بين مكونات الأمة ، وإعادة ثقتها فى نفسها وفى قادتها . فمن خلال تلك الحرب الضارية يمكن بناء الأمة المصرية من جديد ، ونفض ما علق بها من أدران. ( قال البعض: إعطنى عدوا أعطك أمة قوية).

– فاليهود أقوياء بكراهيتهم لنا ، ونحن ضعفاء بخضوعنا الذليل والمهين لهم ولنزواتهم وأطماعهم . فتدميرهم مصر بوسائل كثيرة على قمتها سد النهضة ليس دليلا على محبتهم لنا أو رغبتهم فى السلام معنا .

– والمصريون على وشك أن يتم تصنيفهم دوليا شعبا إرهابيا، لأنهم يطمعون فى شربة ماء من النيل ، الذى كانوا يمتلكونه منذ ملايين السنين ، قبل أن يصبح اليهود أصدقاء لهم .

– ولم يدرك المصريون أن مصرهم ضاعت يوم ضاعت فلسطين . وأن مكة ضاعت يوم ضاعت القدس .

 

4 ــ إستعادة الأزهر .

الأزهر الحر والمستقل هو إستقرار مصر ، ومخزونها الروحى ، وصمام الأمان الإجتماعى.

ومن أخطر مهام الثورة المصرية القادمة ، إسترداد الأزهر من أيدى أعداء مصر وأعداء الإسلام . وإعادته من كونه جهاز حكومى يروج لدين الحكومات المصرية والسعودية ، إلى مؤسسة علمية إسلامية / مستقلة وحرة/ ، تعمل لخدمة شعب مصر ومصالحة .

الثورة من أخطر مهامها تحرير الأزهر وإصلاح مسيرته ، بل وإصلاح المناخ الدينى فى مصر .. فتعمل على :

ــ توفير الإستقلال السياسى والحرية الدينية والفكرية للأزهر والكنيسة .

ــ تحرير الأزهر من رجس الحكومات التى تعاقبت على حكم مصر، فلا مكان للحكومة داخل الأزهر . فالسيادة داخله هى لمجلس علماء منتخب من الأزهريين ، وشيخ الأزهر منتخب من ذلك المجلس.

ــ إعادة الإستقلال المالى للأزهر ، بإعادة أوقافه إليه فهى مورده المالى الوحيد . ويجب إعتبار التمويل الخارجى للأزهر جريمة وطنية كبرى . ولا تقبل تبرعات الشركات ولا رجال الأعمال، ولا تقبل المساهمات الحكومية فى ميزانية الأزهر ولا تقبل تبرعاتها . وتقبل التبرعات الصغيرة من الأفراد العاديين والفقراء. ويمكن للأزهر أن يجمع زكاة الأموال ويصرفها فى وجوهها الشرعية.

ــ مشيخة الأزهر تكون بالإنتخاب . ومناهج الدراسة وأبحاث العلماء والطلاب هى إختاص أزهرى داخلى بحت ، لا دخل للحكومة فيه . والتعاون العلمى بين الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية الإسلامية وغير الإسلامية لا حدود عليه من أى جهة سوى مشيخة الأزهر .

ــ التنافس بين الأزهر والكنيسة المصرية محصور فى مجال توثيق إرتباط الفرد مع خالقة . وليس فى السيطرة على الناس عبر إشعال الفتن والصراعات الدينية والمذهبية فيما بينهم . ومصر بخير مع إزدياد أعداد المؤمنين المتآخين ، وليس مع السباق المعمارى والعقارى فى بناء المساجد والكنائس . والتى كما رأينا، ترافقت زيادة عددها مع تراجع إيمان الناس ، وتوحشهم وتدنى أخلاقهم وسلوكهم الإجتماعى، وفقدان الأمن والأمان . وليس ذلك من الدين فى شئ .

 

 

ثلاث محاور استراتيجية لعمل الثورة المصرية القادمة

أولا ــ فى مصر :

إسقاط الإحتلال الإسرائيلى لمصر . وأكبر مظاهره وأهم مرتكزاته هو نظام الجنرالات الذى يقوده حاليا الجنرال الجاسوس “هُبَل “. وأهم الوسائل إلى ذلك هى :

{ العصيان المدنى ــ الثورة الشعبية السلمية ــ أو شبه المسلحة بقوة حماية شعبية وأجهزة عمل منظمة لإدارة كافة نشاطات الثورة المعلوماتية والثقافية والسياسية والعسكرية } .

 

ثانيا ـ فى أثيوبيا :

العمل المباشر ضد سد النهضة، وامتداداته داخل أثيوبيا وخارجها. أى المشروعات التى تعتمد على المياه المصرية والمنهوبة . وكذلك وسائل نقلها فى البر أو البحر. والشركات العاملة فى تلك التجارة التى هى بمثابة تجارة فى دم المصريين .

إزالة سد النهضة بالقوة ــ رغم الحماية المكثفة المفروضة عليه ــ لا يشكل إستحالة عسكرية. مع إنتشار غير طبيعى لأدوات الدمار، فى عالم تشكل فيه تجارة السلاح المتطور أحد أعمدة الإقتصاد العالمى ورفاهية الدول الكبرى .

 

ثالثا ــ  فى إسرائيل :

العمل المباشر ضد إسرائيل . سواء من داخلها أو من جميع محيطها الجغرافى المتاح للحركة . أو باستهداف إمتداداتها العربية والدولية.

وثوار مصر لن يكونوا وحدهم ، فمن خلفهم عمق شعبى عربى وإسلامى ودولى . ولن تستطيع إسرائيل وكلابها التهويل على كل هذا العمق البشرى الذى سوف يظهر تباعاً فوق ساحة المعركة الشاملة .

 

 إما بقاؤنا أو بقاؤكم :

الأهداف الإسرائيلية فى مصر ربما كانت هى الأكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل والأكثر فعالية لتحقيق أهداف الثورة، سواء فى التغيير الداخلى أو تهديد أمن إسرائيل . حيث أن أمن النظام المصرى لا يقل أهمية عن الأمن الداخلى لإسرائيل .

– جميع الإتفاقات والمعاهدات التى عقدتها أنظمة العسكر فى مصر مع إسرائيل تعتبر لاغية تلقائيا . مع فتح جميع السبل لإستعادة المنهوب من الحقوق والثروات المصرية ، سواء كانت عند إسرائيل مباشرة ، أو غير مباشرة عند عرب النفط .

–  كل متعاون مع إسرائيل فى أى مكان داخل مصر ، هو عميل للإحتلال ، ويجوزإستهدافه سواء كان عنصراً محليا أو عربيا أو أجنبيا .

– المصالح الإقتصادية لإسرائيل لها أهمية أولى بالنسبة لثوار مصر . وكذلك المصالح الإعلامية والمصالح الإقتصادية والمالية لدول القائمة السوداء الذين أسسوا ومولوا سد النهضة ، هى أهداف معادية كالأهداف الإسرائيلية تماما . ولكن ليس أفراد تلك الدول ، فهم يخضعون لتصنيف خاص يحدد خطورة كل منهم ، أو عدم خطورته .

–  وبعد نجاح الثورة يجب أن تصادر جميع ممتلكات دول القائمة السوداء فى مصر. وإلزامهم بدفع غرامات عن مخالفاتهم القانونية والمالية ، ودفع تعويضات للأهالى الذين أضيروا بمشاريعهم “السياحية” التى شردتهم وهدمت بيوتهم .

ويجب على الثورة إلغاء تمليك الأجانب أى أراضى أو عقارات فى مصر. ويجب إستعادة أى أراضى (وهبها) لهم نظام جنرالات السؤ . وتجميد أموالهم فى مصر إلى حين البت فى قضايا التعويضات . مع وقف التعامل الإقتصادى وتجميد أموال أى دولة تمتنع عن تسليم الأموال الى هربها مصريون إلى الخارج .

– إن تهديد أمن إسرائيل فى مصر لا يقل أهمية وتأثيرا من تهديد أمن إسرائيل داخل أراضى فلسطين المحتلة .

ومعادلة صراعنا مع إسرائيل هى (الأمن الوجودى لإسرائيل فى مقابل الأمن المائى للمصريين وإزالة سد النهضة وتوابعه ). لن يقبلها الإسرائيليون إلا بشكل محدود فى أوقات ضعف عابرة . لذا ستظل المعادلة الدائمة بيننا وبينهم هى (إما بقاؤنا أو بقاؤكم) . فلن يكون المصريون هم الهنود الحمر للقرن الحادى والعشرين .. فيجب أن ترحلوا قبل أن تنقلب الآية عليكم وتزولون عن منطقتنا وأنتم بقايا “اليهود الحمر” .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

الثورة الشعبية .. أو حرب تحرير مصر




العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 13

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 163 ) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2019 م .                   

20/09/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(13)

(( حلقة خاصة من حياة حقانى ))

عودة إلى أجواء فتح كابول عام  1992 ،

لمقارنتها مع أجواء الفتح عام 2019 .

تعيش كابل الآن ، في عام 2019م، مناخًا مشابهًا لأجواء الفتح في عام 1992م، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بالفروقات بين مرحلتين: مرحلة الفتح في ظل الأحزاب الفاسدة، وبين الفتح في ظل القوة الإسلامية الموحدة تحت راية الإمارة الإسلامية. لندرك مزايا الوحدة الجهادية التى وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان”. حيث تكاملت القيادة السياسية الكفؤة مع القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة. فلا مجال للفتن، ولا سيادة لاحتلال، ولا شريعة لغير الإسلام.. وذلك هو الفتح الحقيقي.

– حقاني بعد الفتح يتوسط لإطفاء الفتن المتنقلة في كابول، فيتعرض لمحاولة اغتيال يُتَهَم فيها مجددي مع حزب وحدت.

– مولوي نظام الدين: سوف نحظر الأحزاب، ولن نقيم علاقات مع دول الغرب ، وسنرتبط بنظام شورى ومناصحة مع الدول الإسلامية.

– في عام 1992م أفغانستان تنتقل من الجهاد إلى الفتنة العرقية والطائفية، على يد زعماء سياسيين خائنين.

– وزير الداخلية الشيوعي (الجنرال رفيع) يرتب مؤامرة مع حكمتيار لتسليمه العاصمة. والجنرالات ينقسمون طبقا للانتماء العرقي.

– نصحتُ مولوي حقانى بمنع حكومة مجددي من دخول كابل، وإلقاء القبض على قادة الأحزاب جميعا ــ وإلا فسوف تدفعون/ وتدفع أفغانستان/ ثمنا غاليا في المستقبل ــ

– تدمير الكوادر والخبرات البشرية كانت أكبر خسائر الأفغان والعرب.

..  وصية حقاني لتكوين جيش إسلامى في أفغانستان:

( وأضاف حقاني .. أن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعامًا أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش).

– العرب أكبر الخاسرين، وأسئلة عربية حارقة على طريق العودة: لماذا نفشل؟؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟ لماذا يخدعنا العدو بنفس الطريقة دوما ؟؟ ولماذا لا يفيدنا فشل تجربة لصناعة النجاح في تجربة تالية؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

مقدمة:

كان من المفترض في هذه الحلقة أن تكون عن الحملة الثانية على قاعدة جاور عام 1986 ـ وكانت حملة عنيفة ودامية، أوشك مولوى جلال الدين حقاني أن يكون أحد شهدائها ـ ويكفي أن عدد شهداء المجاهدين في جاورخلال تلك المعركة الدفاعية عن مساحة قليلة من الأرض يساوى تقريبا عدد شهدائهم عند فتح مدينة خوست عام 1991م في أكبر عملية هجومية للمجاهدين، يقودهم حقاني، فوق مساحات واسعة من الجبال والوديان والأراضي الزراعية.

ومن النتائج غير المباشرة لحملة (جاور1986م) كانت الدروس التي تعلمها المجاهدون العرب، فكانت سببًا مباشرًا لفوزهم في معركة جاجي في العام التالي 1987م بقيادة أسامة بن لادن. ذلك النجاح أدى إلى تشكيل تنظيم القاعدة الذي أثر كثيرا على مستقبل أفغانستان ومستقبل المجاهدين العرب في أفغانستان، أو العرب الأفغان كما أسماهم الإعلام المعادي لهم.

– أرجو أن نتمكن من العودة مرة أخرى إلى جاور وحملتها الملحمية عام1986م . ونقفز في حلقتنا هذه فوق كل تلك السنوات لنتكلم عن بدايات فتح كابول عام 1992م وتحول الأحزاب الجهادية إلى حكومة “إسلامية”، في خضم صراعات شخصية وحزبية وتدخلات خارجية. وهي مرحلة كشفت حقيقة تلك الأحزاب، وكشفت الأقنعة عن الوجوه الحقيقية لزعامات الأحزاب الجهادية، فإذا هم مجرد أدوات للقوى الخارجية وخطر على مصالح الشعب الأفغاني الذي ضحى بالدم والمال لأجل انتصار لم يطاله من ثماره شيء.

تعيش كابل الآن (2019) مناخا مشابها، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بمرحلة فتح العاصمة عام 1992م، لندرك مزايا الوحدة الجهادية التي وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان” . فتوفرت بالإمارة الإسلامية، وحدة القيادة السياسية الكفؤة مع وحدة القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة.

–  وزعماء أحزاب الجهاد ضد السوفييت، ظهر أن جهادهم كان لاستبدال الاحتلال السوفييتي بالاحتلال الأمريكي. إذ ظلوا زعماء في خدمة الاحتلال الأمريكي من خلال مناصب عالية في النظام الحاكم. واستمر الشعب الأفغاني في دفع الثمن الباهظ من دمائه وأمواله للنجاة من الاستعمار الجديد، دفاعًا عن دينه واستقلاله ومستقبل أبنائه.

–  في سباقهم نحو السلطة سقط منهم ماكانوا يتظاهرون به من مبادئ إسلامية وجهادية، ومدوا أيديهم لدول خارجية حتى تساعدهم في الوصول إلى الحكم.

وبعضهم أشعل حربًا أهلية في كابول وعلى مداخلها، طاعة لسادته الخارجيين. وحكومة المجاهدين الأولى تأسست بطلب حكومات أجنبية وبجوائز مالية دفعتها دول أخرى.

والحرب الأهلية بين المجاهدين، خطط لها ودفع ثمنها من مال وسلاح دول وصل ضباط مخابراتها إلى أطراف كابول، لإحراق العاصمة وتدمير العلاقات الأخوية بين فئات الشعب الواحد.

–  الملفت جدا للنظر أن القادة الميدانيين والمجاهدين واصلوا الفتوحات حتى أعتاب كابول، منتظرين وصول حكومتهم الجديده من بيشاور!! ، حيث تشكلها ـ نيابة عنهم ـ دول خارجية. لقد تعود المجاهدون وقتها على اعتزال العمل السياسي الخارجي، وكانوا يرون الجهاد هو قتال العدوّ في جبهات القتال فقط، وليس الجهاد في الساحات السياسية من أجل تحديد مستقبل بلادهم بأنفسهم واختيار حكومتهم الجديدة من المجاهدين الحقيقيين وليس عملاء الدول الخارجية.

والنتيجة أن ، حكومات ما بعد الفتح، كانت حكومات من العملاء، وخضعت لمطالب أمريكية بعدم استفراد المجاهدين بالحكم، وتشكيل حكم مشترك بين الشيوعيين وأحزاب المجاهدين، وإدارة حرب أهلية داخلية على أسس عرقية.

ولم تنته الفوضى والفتن إلا بوصول حركة طالبان إلى الحكم وإعلانها نظام “الإمارة الإسلامية”. فقررت أمريكا احتلال أفغانستان لتمرير مشاريعها الإستعمارية لنهب أفغانستان وتحويلها إلى تابع ذليل وليس دولة ذات سيادة، وشعب عزيز صاحب ثروات هائلة وأمجاد عظيمة يحفظها التاريخ.

–  القادة الميدانيون والمجاهدون أبطال الفتح تعاملوا مع حكومة العملاء القادمة من بيشاور على أنها قدر لا دافع له. والنتيجة حروب داخلية متصلة، وصولا إلى إحتلال أمريكي مباشر، كان قادة الأحزاب في طليعته ومن أركانه الأساسية.

والآن مع يوميات كنت قد كتبتها بعد فتح جرديز، ووصول المجاهدين إلى أعتاب العاصمة في انتظار تشكيل الوضع السياسي القادم، الذي كانت صناعته تتم بعيدًا عنهم، في باكستان على أيدي اللاعبين الكبار، أمريكا وحلفائها، خاصة السعودية وباكستان.

السباق نحو كابول: أكاذيب/ قتال/ تآمر :

أبريل 1992 :

أخبرني الجنرال صافي أنه تم اختيار مجددي رئيسًا للدولة وحكمتيار نائبا له. وفي المساء تتابعت أخبار الإذاعات عن تشكيل حكومة من أحزاب بشاور.

السبت 25 إبريل 1992 :

أشعر بحزن شديد من التشكيل الحكومي الجديد فى بيشاور، والتي أسميتها حكومة بطرس غالي الموجود وقتها في إسلام آباد { وهو مصري كان يشغل منصب سكرتير عام الأمم المتحدة وقتها} . أخبار بأن رئيس وزراء باكستان نواز شريف بذل مجهودًا كبيرًا في تشكيل تلك الحكومة. المفارقة هي أن المجاهدين قد وصلوا إلى أطراف كابول بينما تركوا أمر حكومتهم كي تشكلها لهم عناصر غربية في بيشاور !!.

هناك اشتباكات بين مسعود وحكمتيار. الأول يستخدم الطائرات في القصف وحكمتيار يتبع أسلوبًا غريبًا كانت نتائجه عليه سيئة جدا. كان يذيع على أجهزة اللاسلكي بيانات للإعلام بأنواعه عن معلومات مختلقة تمامًا، عن تقدم على الأرض، وإنجازات ومعارك لا أصل لها في الواقع. كان ذلك ديدنه طوال حياته الجهادية، ولكن ليس إلى هذه الدرجة التي نشاهدها الآن خاصة أنه يتكلم عن العاصمة وما حولها وليس عن مناطق نائية لا يصلها أحد. لذا  فسرعان ما تبين زيف إدعاءاته، وبسرعة انهارت هيبته ومصداقيته داخليا وخارجيا.

اليوم أخبار اللاسلكي من طرف حكمتيار تتكلم عن تقدم للحزب في أهم منشآت كابول مثل وزارة الدفاع ودار الأمان. وتكلم أيضا عن اشتباكات عنيفة مع قوات مسعود التي تساندها الطائرات. حكمتيار هدد بقصف المطارات حتى يمنع الغارات ضد قواته، وأيضًا لمنع حكومة مجددي من الوصول إلى كابول عن طريق الجو.

راديو لندن شكك في جدية تلك التهديدات لعدم قدرة حكمتيار على تنفيذها.

أخبار بيشاور تقول أن حكومة مجددي مكونة من خمسة عشر وزيرًا وأن مدة رئاسته للدولة هي شهر واحد (!!) يعقبه بعدها برهان الدين رباني لمدة أربعة أشهر، ثم تأتي انتخابات لاختيار مجلس شورى .. إلخ .

استسلمت كابول تمامًا هذه الليلة، علمنا ذلك في صباح الغد، وبهذا يكون تسلسل تساقط المدن الرئيسية قد تم كالتالي: استسلمت جرديز، وبعدها بثلاثة أيام استسلمت جلال آباد، وبعد ذلك بيومين استسلمت كابول .

الأحد 26 إبريل 1992 : 

في الثامنة والنصف صباحًا جلسنا مع حقاني في غرفته في مركز الدبابات (غرب جارديز من طرف منطقة زورمات).

قال حقانى يصف ما حدث في كابول:

استسلمت معظم كابول بالاختيار لأحمد شاه مسعود، فدخل المدينة واستولى على الأماكن الهامة بما فيها البنك المركزي ووزارة الخارجية ودار الأمان، والفرق العسكرية ومقار الميليشيات.

ــ أما عن حكمتيار فإنه كان قد رتب مؤامرة مع وزارة الداخلية {علمنا فيما بعد أنها كانت مع الجنرال رفيع وزير الداخلية الذي جاءه في طائرة هيلوكبتر وقابله في لوجر ورتبا معا برنامجا مشتركا للاستيلاء على كابول لصالح “البشتون” قبل أن يستولي عليها “الفرسوان” !!} .

{{ هكذا كان يفكر شيوعيو كابول وهكذا كان يفكر الأصولي الأكبر في تنظيمات بشاور الجهادية “حكمتيار” والقائد الميداني الأشهر مسعود . كانت المؤامرة تقضي بتسريب حكمتيار لأعداد كبيرة من رجاله إلى كابول بدون سلاح، وهناك تزودهم وزارة الداخلية بأسلحة خفيفة وأعلام الحزب لتعليقها فوق المقار الرسمية والعسكرية والإعلان عن استسلام كابول لحزب الإسلامي حكمتيار}}

وقد تم ذلك بالفعل ولكن لم يكن عسيرًا على أحمد شاه مسعود التخلص بسرعة من هؤلاء المهرجين.

وعندما أذاع الحزب عن سقوط المواقع الحيوية في العاصمة بين يديه كان قد تم بالفعل طرده من كل مكان. فأخذ الحزب يذيع بيانات كاذبة عن تقدمات وهمية لقواته في كابول وأخذت أجهزة اللاسلكي توجه أوامر حكمتيار لقواته في كابول بالتقدم الوهمي من مكان إلى آخر، في حين لم يكن له قوات على الأرض في تلك الأماكن حسب ما أفاد القادة الميدانيون حول كابول.

في اجتماع حقاني مع قيادات لوجر اتفقوا على البقاء على الحياد مع تحذير الطرفين حكمتيار ومسعود بأن القادة الميدانيين سوف يتدخلون ضد من يبدأ بالقتال ويفتح حمام الدم بين المسلمين ويجعلهم ألعوبة في يد الدول الخارجية.

يبدو أن مسعود قد أحكم قبضته على العاصمة إلى حد كبير. وبهذا تكون آمال حكمتيار قد تبخرت تقريبا، خاصة إذا تكرس الوضع القائم اليوم في كابول. حكمتيار يزداد عزلة برفضه حكومة بيشاور وإصراره الهستيري والفاشي على رفع “الرايات الخضراء” على كل كابول. برهان الدين رباني أصدر اليوم بيانا بأن مسعود أحكم قبضته على كابول وأن أي تحرك معاكس سوف يجابه بالقوة.

أمس أعلنت جماعة حكمتيار سيطرتها على مدينة جرديز(!!) وأشاعوا أنهم اعتقلوا عبد الرشيد دوستم. إنها سلسلة أخرى من الأكاذيب التي تبثها جماعات حكمتيار.

 صراع قادة الأحزاب على الكراسي :

الثلاثاء 28 إبريل 1992:

تحركنا صباحا من جرديز متوجهين إلى “لوجر” في رحلة أصبحت روتينا يوميا. الهدف هو متابعة الأحداث المتلاحقة في كابول. ومواقف الأطراف المختلفة منها، خاصة حقاني ومن حوله من قيادات في لوجر.

قابلنا هناك الجنرال صافي الذي قدم لنا موجزًا بآخر التطورات  جاء فيه:

(( بعد نصف ساعة من الحديث اللاسلكي بين مسعود وحقاني، قال مسعود:

ـ أوافق على وقف إطلاق النار ولكن حكمتيار يحشد قواته فهل إذا خرق الهدنة تقفون إلى جانبي؟.

فأجابه حقاني: نحن لا نقف مع أحد قبل أن تجلس مع حكمتيار وتوقعان اتفاقا مكتوبًا نشهد عليه جميعا، ومن خرج عنه سيقف كل العلماء والقادة ضده. قال مسعود: سأتصل مع الأستاذ رباني وأتشاور معه وأحدد معكم موعداً ومكانا للمقابلة ولكن لا أستطيع الاتصال به حاليا)).

( تعليق : كان واضحًا أن مسعود يماطل. فهو لا يشاور أحد في قرارته الحيوية، لا رباني رئيس التنظيم الذي يتبعه شكليا، ولا حتى مجلس الشورى، الذي كعادة مجالس الشورى “الإسلامية” يفعل ما يقرره الزعيم مع إبداء ملاحظات تجميلية).

= حكمتيار موجود في لوجر على مقربة من مكان شورى القادة الميانيين وقد أعلن لهم رفضه لحكومة مجددي، ولصلاحيات مسعود في كابول، ولكنه يوافق على وقف إطلاق النار.

( تعليق : وافق فقط على ما فيه مصلحته بصفته المهزوم في معارك كابول).

القادة الميدانيون قرب كابول يقولون: إن ضحايا القتال في كابول يفوق الحصر والمهاجرون جيوش جرارة.

ــ  مجددي في بيان إذاعي يعلن إعطاء الأمان لحكمتيار عند وصوله كابول.

(تعليق : لم يكن لمجددي أي قدرة على إصدار أي أمر. ومازال هو شخصيًا في بيشاور بينما كابول يسيطر عليها مسعود ودوستم وقوات الدفاع عن كابول التابعة للجيش).

 مولوي نظام الدين .. صوت الدين: 

ذهبنا نستطلع آراء مولوي نظام الدين فيما يجري من أحداث، وهو الذي يجهر دومًا بوجهات نظر لا يجرؤ غيره على قولها علنا. معبرًا عن بعض آرائه تلك قال نظام الدين:

ــ مسعود وحكمتيار كشفا عن معدنهما الحقيقي الذي كنا نعلمه سابقًا، ولكن الحقيقة الآن واضحة للناس جميعا.

ــ الزعماء السبعة “قادة الأحزاب ” مرفوضون ولن نضعهم في مناصب. فهم خانوا الأمانة في المال والسلاح والاتصال مع الدول الأجنبية، وسوف نلغي الأحزاب لأنها مدخل للأجانب وسبب لانقسام المسلمين.

ــ سوف نحل النّزاع القائم في كابول بالطرق الإسلامية، وعلى كل طرف أن يستبعد الشيوعيين من صفوفه.

ــ اشتباكات كابول بين مسعود وحكمتيار كانت لأجل الكرسي والجاه وليس لأجل الإسلام.

ــ تلك الاشتباكات أظهرت للجميع الضعف العسكري لحكمتيار على عكس ما كان يدعي.

ــ لن ندخل الغربيين إلى بلادنا ولن نبادلهم فتح السفارات.

ــ سنقيم مجلسا للمشاورة والمناصحة مع الدول الإسلامية.

ـ لست الآن واليا على خوست، بل لدينا مجلس شورى ولا نستطيع إقامة حكومة، فليس لدينا أموال للموظفين، ومن يعمل معنا حاليا يكون متبرعاً لفترة محدودة، وهذا يعرقل عملنا.

ــ سنعمل على إلغاء الأحزاب في الولايات الجنوبية الخمس أولا.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

 وصول حكومة الفتنة إلى كابل : 

قبل الظهر وصل مجددي إلى بولي شرخي “شرق كابول”. وكان الجنرال أعظمي في استقباله. يرافق مجددي قافلة هائلة من السيارات حركتها باكستان معه وتضم حرسه الخاص ويتراوح بين مئة إلى مئتي شخص، ثم هناك مئات السيارات تحمل آلاف الأشخاص باهتمامات متنوعة، منهم المخبرين الباكستانين ومنهم صحفيون، وأتباع جماعات إسلامية خاصة الجماعة الإسلامية التي اعتبرت نفسها من المنتصرين في تلك الحرب. وكان هناك القليل من العرب المتحمسين جاءوا بدافع الفضول.

– وكنت قد نصحت حقاني بأن يتكاتف القادة الميدانيون في منع مجددي وأفراد حكومته من دخول كابول. وقلت له أنه من المفروض الآن إلقاء القبض على مجددي وقادة الأحزاب كلهم.

فضحك حقاني :  أنت تريدنا أن نقتلهم.

فقلت بحنق :  أقل شيء أن تضعوهم في السجن. وإلا فإن أفغانستان وأنتم ستدفعون الثمن غاليا.

ضحك حقاني ولم يعلق.

مجددي: عفو عن الشيوعيين، وتشكرات بالجملة للغرب.

وحكمتيار يوافق على حكم مشترك مع الشيوعيين.

الأربعاء 29 إبريل 1992 :

صبغة الله مجددي الرئيس الجديد لدولة أفغانستان التي عادت (إسلامية!!) يعلن فى إذاعة كابول العفو الشامل عن أركان الحكم الشيوعي السابق(!!) ويدعو الضباط والموظفين العودة لممارسة أعمالهم كالمعتاد. كما وجه الشكر إلى أمريكا والسعودية وباكستان وصدر الدين آغا خان (!!) ـ زعيم الطائفة الإسماعيلية ـ وبطرس غالى السكرتير العام للأمم المتحدة لمساعدتهم “للجهاد!!” الأفغاني.

[ تعليق : قد نفهم مغزى تقديم مجددي شكره لأمريكا والسعودية وباكستان ولكن لماذا تقديم الشكر لصدر الدين أغاخان، أو بطرس غالي؟؟ أليس في ذلك إسرافا في تقديم التشكرات ؟ ].

باكستان تعلن اعترافها بالحكومة الجديدة ـ وإيران ترسل معونات غذائية إلى مزار شريف.   ( لماذا ليس إلى كابول؟؟).

جلست مع مجموعتنا العربية نتبادل الأحاديث الغاضبة حول مجددي وحكومته. تحدثنا عن ضرورة الجهاد ضد ذلك الأحمق الذي تولى الحكم. وفضح نفسه من بيانه الأول، لم يكن عندي شك أن القتال سوف ينشب لفتح كابول مرة أخرى.

( بالفعل فتحها طالبان في أكتوبر 1996 حتى أغلقها الأمريكان مرة أخرى في حرب2001م)

قابلنا حقاني بعد أن أجرى اتصالاته على المخابرة. فقال تعليقا على ما يجري:

((  لقد أقام مجددي حكمًا مشتركا مع الشيوعيين في كابول. وقد وافق حكمتيار على ما يجري بلا قيد أوشرط. وأعلن ذلك ممثله في كابول ورئيس اللجنة السياسية للحزب الإسلامي في بيشاور.

لقد سألتهم في الحزب الإسلامي: لماذا قاتلتم في كابول وقتلتم الآلاف هناك؟، لقد صَعَّدْنا الموقف مع مسعود من أجل استبعاد الميليشيات والشيوعيين، فقال مسعود لنا أن تلك هي مطالب حكمتيار، فرددنا عليه أنها مطالب الشرع ومطالب الجميع هنا. وبعد ذلك توافقون أنتم فجأة بلا قيد أو شرط أو مشورة معنا.

أما سياف فهو موافق على ما يحدث وأعلن ذلك بلا مواربة.

منصب رئيس الوزراء تم إعطاؤه لحزب إسلامي حكمتيار الذي اختار من بين مساعديه “الاستاذ فريد ” كي يتولى المنصب.

راديو لندن سأل قادة من الحزب الإسلامي عن العلاقة التي ستكون بين الأستاذ فريد كرئيس للوزراء من الحزب الإسلامي، وبين أحمد شاه مسعود الرجل الأقوى في كابول وهو من الجمعية الإسلامية، والقتال كان دائرًا بينهم حتى وقت قريب. فكان الرد: إن الرجلان هما من قومية الطاجيك وسوف لن يختلفا(!!) ..)).

( تعليق : نلاحظ الآن ــ بعدفتح كابول ــ الأحزاب الجهادية وقادتها الكبار يسارعون في التحالف مع الشيوعيين، وتصنيف الناس حسب عرقياتهم ـ وكل ذلك كان من أشد المحرمات التي كانوا يجرمونها في سنوات الجهاد).

في بداية اللقاء سألت حقاني: متى تبدؤون الجهاد؟؟ فقد توافرت شرائطه، فحكومة مجددي منافقة ويجب قتالها.

لكنه لم يتحمس للكلام في الموضوع وسحبني من يدي بعيدا عن المجلس. كانت معنوياته منخفضة كأكثر ما رأيت. قال لي بأن مجلس الشورى الجديد في كابول والمكون من خمسين شخصا، هو واحد منهم ولكنه لم يذهب. ولكنه قد يذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ثم غادرني متوجها إلى جهاز المخابرة لمحادثة قطب الدين هلال، من حزب إسلامي حكمتيار.

وَهْمْ الإصلاح من الداخل :

في أحد المباني الحكومية في مدينة “بولى علم”ـ لوجرـ قابلت الجنرال صافي. وكان يجلس وحيدا في انتظار تطورات كابول، والاتصالات اللاسلكية الدائرة بين جميع الأطراف. أخذ الجنرال يحدثني عن مسيرته السياسية.

قال: إنه عمل مع “السيد أحد جيلاني” لمدة أحد عشر عامًا مديرًا للأمن، ثم ثمان سنوات في مجال التدريب العسكري. وقال إنه ترك العمل معه احتجاجًا على تصرفاته، مثل اجتماعه في لندن عام 1990 مع السفير السوفييتي، حيث اشتكى للسفير ضيق ذات اليد، وتدخل أمريكا وباكستان ضده. فأعطاه السفير أموالا كثيرة. وفي عام 1991 اجتمع الجيلاني سرًّا مع نجيب الله في أحد الدول الأوربية. قال صافي: إنه لم يستطع تحمل ذلك فاستقال من عمله وانضم إلى حقاني.

كان لدى الجنرال تصورًا فريدًا للتعامل مع الوضع الجديد في كابول، فقال:

– إن أفضل طريقة هي الدخول سلميًا إلى كابول وتشكيل ضغط معنوي من داخلها، وتحويل الشيوعيين إلى أقلية، ثم العمل على اغتيالهم من خلال أجهزة وزارة الداخلية (التي يتولاها رجال سياف)، ومن خلال عمليات أخرى من خارجها. أما اقتحام العاصمة عسكريًا فسوف يكون فشلا داخليا وعالميا، والأفضل هو حصارها من الخارج.

{ ماحدث هو أن العاصمة افترست أخلاقيا الكثير ممن دخلها من “المجاهدين”. كما اغتال مسعود، المسيطر على القوى الأمنية والعسكرية، العديد ممن يركضون خلف وهم “الإصلاح من الداخل” ومن بينهم زملاء له في نفس التنظيم. واستوعب النظام الجديد على فساده وهشاشته، عمالقة الجهاد من علماء وقادة ميدانيين، وانزوى الصالحون منهم داخل بيوتهم في منافي باكستان. والموقف الشجاع الذي تردد هؤلاء العمالقة في اتخاذه لمواجهة الفساد في بدايته، حتى نمى واستفحل، وأحال البلد إلى ساحة رعب وخراب، تصدى له الشباب من طلاب العلوم الإسلامية “طالبان”.  الذين اقتلعوا بالقوة المسلحة وبمعاونة شعبية واسعة، نظام الفساد الذي فرضته على الشعب الأفغاني أمريكا ومنظومتها من القوى الإقليمية، من عملاء دائمين أو عاملين بالقطعة. لقد عاملت حركة طالبان بجفاء وشدة أحيانا، وبتوجس دائم تلك الطبقة من القادة الميدانيين القدماء بل والمجاهدين القدماء أحيانا، فيما عدا هؤلاء الذين ساندوا الحركة في بدايتها. كان لتصرف طالبان هذا ما يبرره، ولكنه تجاوز الإنصاف في حالات كثيرة وحرم الحركة من قوة مقاتلة مؤثرة وخبيرة كانوا في أشد الحاجة إليها. ودفعوا لأجل ذلك الخطأ أثمانا فادحة، سهلت على إعدائهم الخلاص منهم}.

بعد صلاة الظهر كلمت حقاني وهو مازال على سجادة الصلاة، أن يحترس عند ذهابه إلى كابول، لأن المجموعة الحاكمة هناك قد تعمد إلى اغتيال القادة الميدانيين المعارضين لها.

( تعرض حقانى بالفعل لمحولة اغتيال في كابول، أثناء مساعيه للصلح ووقف القتال بين سياف وحزب وحدت الشيعي. قتل أحد مساعدي حقاني في المحاولة التي نفذها حزب وحدت الذي سمح لموكب حقاني بالعبور إلى مناطق سياف ثم أطلق النار على الموكب عند عودته. أخبرني بعض رجال حقاني أن مجددي كان طرفا في المؤامرة).

 

العصبية بدل الأيدلوجية:

عند الباب قابلت الصديق القديم “رفيق أفغان”، وهو صحفي باكستاني على صلة وثيقة بالجهاد والمجاهدين منذ وقت مبكر. وهومتحمس نشط لحكمتيار وحزبه، شأن الإسلامين الباكستانيين المنتمين إلى الجماعة الإسلامية الباكستانية، أو القريبين منها. قام “رفيق” بتجربة مثيرة حقا، كنت مشدوها وأنا أستمع إليها.

قال رفيق: إنه كان مع حكمتيار في مقره في لوجار، عندما جاءت طائرة هيلوكبتر من كابول يستقلها الجنرال محمد رفيع وزير الداخلية، الذي اجتمع مع حكمتيار لترتيب برنامج مشترك في كابول خاصًا بقومية البشتون، لمواجهة برنامج آخر للطاجيك “الفرسوان”، يقوده مسعود مع جنرالات في الجيش والاستخبارات.

عند تهيؤ للجنرال رفيع للانصراف، خطر لرفيق أن يرافقه إلى كابول. عرض الفكرة على حكمتيار فوافق عليها، وكذلك وافق الجنرال رفيع.

قضى رفيق يومين يتجول في كابول ويسأل الناس في الشوارع عن رأيهم فيما يجري في بلدهم، ومن يفضلون أن يكون رئيسًا عليهم. فوجد أن المشاعر العرقية في أوجها، وأن البشتوني سواء كان شيوعيًا أو إسلاميًا، فإنه يختار حكمتيار. أما الطاجيكي مهما كان توجهه فإنه يختار مسعود.

عند عودته من كابول أوصله رجال الداخلية إلى آخر خطوط الدفاع عن المدينة. وعلى الجانب الآخر كان في انتظاره رجال حكمتيار، بعد تنسيق باللاسلكي بين وزارة الداخلية الشيوعية في كابول ومقر قيادة الزعيم الإسلامي الأصولي في لوجر!!.

لقد حل التعصب العرقي محل التعصب الأيدولوجي. إنها السياسة حيث يستبدل الناس عقائدهم بأسرع مما يستبدلون ثيابهم.

– لكن صورة العصبية القومية الكريهة استكملها الجنرال صافي، الذي ظهر أنه بشتوني متعصب أكثر من كل من رأيت. الجنرال وبلهجة الخبير ببواطن الأمور حدثني قائلا:

{ إن أمريكا وإيران لا يريدان حكمتيار. إيران تلعب لعبتها مع الطاجيك، وباكستان ارتكبت جناية برفع الطاجيك فوق البشتون. وفي لقاءات لي مع حميد جول وجنجوعة (من قيادات المخابرات الباكستانية) حذرتهما من مغبة تلك السياسة، وقلت لهما إننا نحن البشتون مرتبطون عاطفيا وثقافيا مع باكستان وليس الهند أو إيران }.

–  الطبيب الباكستاني الشاب “إحسان الله” ، كان مندهشًا من كل ما يجري. ومن رحلة صديقه القديم رفيق أفغان إلى كابول برفقة الجنرال رفيع، ومن كلام الجنرال صافي، ومن موافقة حكمتيار غير المشروطة على حكومة مجددي بعد أن خاض معارك قتل فيها المئات بحجة عدم قبولها.

قادة إسلاميون عرب :

– من أخبار بيشاور أن الوفد الإسلامي هناك والذي يضم محمد قطب والشيخ الصواف وآخرون اتصلوا بحكمتيار يطالبونه بوقف إطلاق النار.

عرب حكمتيار أشاعوا أن الشيخ الصواف اقتنع بموقف حكمتيار وأيّد استمراره في القتال. لم يكن ذلك معقولا حيث أن أمثال تلك الوفود، ذات الوزن الديني والأدبي، التي تستجلبها الحكومة السعودية عند كل أزمة، تعمل كفريق تدخل سريع لترويج مشروع سعودي محدد لايمكن لأحد في الوفد تجاوزه، إلا إذا جازف بقبول عواقب وخيمة في علاقاته مع “المملكة”.

النص التالي هو جزء مما كتبته في مذكرتى في ذاك اليوم:

(( عدنا إلى مقرنا في جرديز وبدأت في إعادة تقييم ما يحدث منذ سقوط مزار شريف وحتى مأساة كابول ومهزلة مجددي، والخيط الذي يربط ذلك كله. هل هي تطورات عفوية أم مسلسل ضمن خطة محكمة؟؟….. خلاصة القول: إن مرحلة الأحلام الوردية التي أعقبت فتح جرديز وحصار كابول ثم سقوطها قد تبخرت. وإذا سارت الأمور على هذا النحو ـ وهي غالبا ستفعل ـ فلن تكون أفغانستان قاعدة بالشكل المطلوب، ولا حتى مستقرا مثاليا. والنكسة المعنوية فيما يتعلق بالجهاد والدولة الإسلامية هي احتمال وارد ومن الصعب تفاديه)) .

–  لأول مرة، بعض المحلات بدأت العمل في جرديز. ولأول مرة، يفتح محل جزارة أبوابه، فأبتهج الشباب بالخبر السعيد.

– رئيس وزراء نوازشريف، مع وزير الاستخبارات السعودي، تركي الفيصل، وصلا إلى كابول. وأنباء عن توقف القتال هناك. يشاع في جرديز أن الطاجيك في كابول نهبوا أموال البشتون هناك.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

تدمير الخبرة القتالية للأفغان والعرب : 

الخميس 30 إبريل 1992 :

في لوجر عقدنا جلسة مطولة مع حقاني لمعرفة آخر التطورات في كابول.

قال حقاني:

إن مجددي تراجع عن التصريح الذي أدلى به حول العفو عن الشيوعيين ودعوتهم لممارسة وظائفهم المدنية والعسكرية. وقال لمن سألوه إن ما قصده هو أن يمارس هؤلاء أعمالهم الاعتيادية حتى يصل أعضاء الشورى من بيشاور لاستلام المؤسسات والوظائف حتى لايهجم الناس عليها ويسرقونها كغنيمة.

ثم وصف حقاني مجددي بأنه شجاع لأنه تقدم إلى كابول منفردًا لاستلام السلطة بدون قوة مسلحة تسانده. وقال حقاني إن الجيش والميليشيات في كابول مازالت بكامل قوتها، بسبب عدم تقدم أحد لاستلام المواقع والأسلحة.

وأن القادة الميدانيين اتفقوا مع مسعود على أن يدخل المجاهدين إلى المدينة بدون قتال، ولكن حكمتيار أصر على القتال حتى يدخل العاصمة فاتحًا ويستأثر بالسلطة، فردت عليه الميليشيات والجيش دفاعًا من النفس. وكانت النتيجة أن توقفت جماعات المجاهدين عن دخول كابول خوفا من القتال الدائر.

وقال حقاني: إنه يتصل بجميع قادة الأحزاب في بيشاور من أجل أن يدخلوا جميعًا إلى كابول، وبصحبة كل زعيم ألف أو ألفي مجاهد لحفظ الأمنيات في العاصمة، واستلام ثكنات الجيش وإخراج الضباط والميليشيات من المدينة، وأن يعمل هؤلاء المجاهدون تحت إمرة مسعود كقوة مسلحة لحماية الأمن، ثم يتحولون بالتدريج إلى جيش نظامي. ويمكن لمسعود كوزير دفاع أن يستعين في تنظيم الجيش بجنرالات مجاهدين مثل صافي”!!”.

وأضاف حقاني: إن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعاما أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش.

عن تشكيل حكومة مجددي قال حقانيي إنه كان من عمل سياف منفردًا وليس بإملاء خارجي. وأن باكستان كان لها مشروع آخر يركز على مولوى محمد نبي محمدي “حركة إنقلاب إسلامي”. لكن سياف بسرعة استدعى الزعماء أو من ينوب عنهم، وطرح مشروعه القاضي بتعيين مجددي رئيسا لمدة شهرين، مع مجلس شورى من المنظمات وقياداتهم. أما الوزراء فيكونون من أعضاء المنظمات وليس من  قادة المنظمات السبع. وتم توزيع المناصب على المنظمات كالتالي:

رئاسة الوزراء لحزب إسلامي حكمتيار، والتعليم لحزب إسلامى يونس خالص، والخارجية لحزب “محاز ملي” للسيد أحمد جيلاني، والدفاع لحزب الجمعية الإسلامية “برهان الدين رباني”، والداخلية لحزب الاتحاد الإسلامي “سياف”.

وبعد مجددي يتولى رباني الرئاسة، المؤقتة أيضا، لمدة أربعة أشهر، إلى حين تشكيل مجلس شورى موسع يشمل قادة ميدانيين وعلماء ورؤساء قبائل موالون للجهاد . هذا المجلس يختار أميرا مدة ولايته عام ونصف، وخلال هذه الفترة يقوم الأمير بإعادة إرتباط الأقاليم بالعاصمة، وإعادة المهاجرين ، ثم تشكيل مجلس شورى يمثل كل البلاد وعدد أعضائه من 250 إلى300 عضو. وهذا المجلس يختار أميرًا دائما للبلاد.

وسبب الانتظار كل هذه المدة الطويلة هو تجميع الشعب وربط أجزاء البلد حتى يشارك الجميع في عملية اختيار الأمير فلا تحدث اعتراضات ومشاكل.

تعليق:  كل ما هو براق أو متفائل أو منطقي في هذا الحديث الطويل، لم يتم تنفيذه. وكأن المطلوب دومًا هو تنفيذ الأسوأ وفعل الأقبح.

أهم ما قاله حقاني كان ما يتعلق بالجيش والاحتفاظ بالعناصر الخبيرة التي أفرزها الجهاد وتكوين الجيش الوطنى منها، وذلك بكل أسف لم يحدث وكان ذلك أسوأ هدر “متعمد” يستحيل تعويضه.

( بشكل موازي جرى تدمير الخبرة القتالية العربية التي تكونت فى أفغانستان بواسطة عمليات مطاردات أمنية واعتقالات متصلة، توجتها في النهايه الحرب الأمريكية على أفغانستان تحت ذريعة الحرب على الإرهاب).

أما الأسلحة والمقار العسكرية وغيرها، فقد تمت تصفية البنية التحتية العسكرية الأفغانية بشكل منهجي وكانت من أضخم البنى العسكرية في المنطقة، حتى قيل أن مخزون الذخائر الذي تركه السوفييت وراءهم في أفغانستان كان أضخم من مثيله في الهند. هذا الدمار تكفلت به الحرب الأهلية المفروضة على الشعب الأفغاني لتدمير بنيته العسكرية والصناعية التي بناها السوفييت في مستعمراتهم السابقة . أدوات الدمار كانت الأحزاب الأفغانية العميلة.

( نفس الأسلوب الذي استخدمته أمريكا لتدمير القوة الإيرانية التي خلفها نظام الشاه الموالي لها ووقعت تلك القوة في قبضة ثورة إسلامية معادية. وأداة التدمير كانت النظام العراقي العميل. نفس الأسلوب اتبعوه في تدمير قوة السودان بواسطة الحروب الأهلية في الجنوب والشرق والغرب بواسطة ميليشيات تمولها أمريكا وتوابعها الكنسية والنفطية ) .

صحيح أن كابول لم يتم نهبها بنفس الأسلوب البدائي الفج الذي تم في خوست وجرديز وباقي المدن، لكنها إما دُمِّرت بالقتال أو النهب المنظم الذي مارسه سادة كابول الجدد الذي لم يترك إمكانية بناء قوة الآن أو في الستقبل.

على سبيل المثال، معظم سلاح الطيران تقاسمه مسعود ودوستم، ملكية خاصة. احتفظوا ببعضه في أفغانستان، وجزء آخر عند حلفائهم في دول الجوار، أي طاجيكستان بالنسبة لمسعود، وأوزبكستان بالنسبة لدوستم. والصواريخ الثقيلة كلها نقلت إلى مخازن مسعود في جبال بنشير، وكذلك جزء كبير من الذخائر وقطع غيار الدبابات والآليات العسكرية الأخرى، إضافة لما نهبه من كابول. واحتفظ دوستم بما كان يملكه من ترسانة عسكرية ضخمة بصفته أهم قائد ميليشيات في البلاد تعمل بطريقة المقاولة لتنفيذ المهام الصعبة أو المستحيلة لصالح حكومة كابول .

(وربما أن الولايات المتحدة اقتبست ذلك النظام في التعامل مع الشركات العسكرية للمرتزقة في حروبها الأخيرة في أفغانستان والعراق).

– هذا بالنسبة للجيش الذي جرى تفكيكه ونهب معداته. وما حدث للبنوك كان لايقل بشاعة، إذ نقل مسعود إلى بنشير احتياط الذهب من البنك المركزي، وجميع الوثائق الرسمية للدولة، وجميع وثائق الاستخبارات نقلها مسعود إلى مكان ما، قد يكون بنشير أو دولة خارجية صديقة له.

– متحف الدولة لم يكن استثناء، فقد تم نهبه من الكبار والصغار، حتى أن قطع أثرية نادرة بيعت بأبخس الأسعار على أرصفة كابول.

– ما قاله حقاني عن أن تشكيل الحكومة كان من صناعة سياف وليست إملاء خارجيا، كان صحيحا ولكنه نصف الحقيقة فقط .

فالرجل تلقى ملايين الدولارات كأتعاب لتشكيل حكومة من الأحزاب السبعة يكون متفق عليها بينهم. وليس هناك أفضل من سياف رجل السعودية الأول ورجل الإخوان الأول، كي يصنع أفضل توليفة ترضى السعودية من ركام الفساد فى أحزاب بشاور وترضى هؤلاء السبعة الفاسدون المتنافسون .

أما توزيع الحقائب الوزارية على هذا أو ذاك فذلك تفصيل لا يهم السعودية أو أمريكا ـ المهم أن تتولى الأحزاب السبعة أمور الحكم في كابول قبل أن يقفز العلماء والقادة الميدانيون على العاصمة ويفرضوا واقعهم الخاص الذي سيكون للمخلصين دور كبير فيه، كما أنه سيتم في كابول، أي بعيدًا عن الأيدي الخارجية باكستانية كانت أم سعودية. وعندها قد يقع المحظور وتأتي حكومة إسلامية بعد جهاد ثلاث عشر عاماً. فتكون مشكلة عويصة تربك ولا شك خطط أمريكا في آسيا كلها، وفي وسط آسيا بشكل خاص. ( أي حل وطني حقيقي سوف يشكل تهديدًا للأطماع الأمريكية ويستلزم علاجه مجهودًا كبيرًا وقد كانت حركة طالبان حلا أفغانيا خالصا استدعى علاجه تدخل القوات الأمريكية وهو علاج باهظ التكاليف شديد الخطورة على أصحابه ) .

في مركزنا في جرديز سمعنا عبر الإذاعات أن حقاني ذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ولا ندري حقيقة الأمر، فحسب قوله أنه لن يذهب إلى كابول إلا مع قوة كبيرة وضمن برنامج موسع يضم الجميع لإستلام كابول .

( كما علمت بعد ذلك فإن حقاني تمركز بجزء من قواته في داخل كابول على طرفها الجنوبي في منطقة تدعى”تشهل ستون” ومعظم مجهوده كانت لإطفاء نار الاشتباكات الداخلية الدائرة بين جيع الأطراف، ضمن تحالفات تتبدل كل فترة بحيث أن الجميع تحالف مع الجميع ضد الجميع. وشارك فيها الجميع: مجاهدون وشيوعيون ، سنة وشيعة ، طاجيك وبشتون . لم يكن أحد مصراً على نقاء إنتمائه العقائدي أو السياسي أو العرقي. ولكن الجميع مصرون على استمرار القتال الداخلي متحالفا لأجل ذلك مع أي طرف ضد أي طرف. وحلفاء اليوم هم أعداء الغد وهم أصدقاء بعد غد .. وهكذا.

العرب أكبر التعساء :

– أتعس الأطراف وأجدرها بالرثاء كان الطرف العربي الذي استمر يقاتل إلى جانب حكمتيار من أجل إقامة دولة إسلامية عاصمتها كابول. فقاتل بهم حكمتيار حتى الرمق الأخير، وإستشهد معه أفضل الكوادر العربية ، بما فيهم العملاق ” أبومعاذ الخوستى” ـ الفلسطينى الأردني ـ الذي فوض أمره كاملا إلى حكمتيار قائلا ما معناه :

( أنا لست عالم دين، ولا أحب السياسة ولا أفهمها، ولكني أثق فيك وأسير خلفك وأضع المسئولية في رقبتك يوم القيامة ) .

فطمأنه حكمتيار ووعده خيرا !! .

وهناك عرب من شمال أفريقيا. قاتلوا إلى جانب سياف قتالا “سلفياعقائديا” ضد الشيعة فى كابول. وأبدعوا فى قتل الأطفال والنساء بالأسلحة الثقيلة أثناء محاولتهم التزود بماء الشرب في ظل حصار مضروب على منطقتهم. وعربنا يشاهدون سقوط القتلى ويضحكون قائلين لمن إستنكر عملهم : أن ذلك إعداد للجهاد في سبيل الله.

سياف لم يمنعهم أو ينكر عليهم، بل زودهم بكل ما يلزم من أدوات القتل، من هاونات ثقيلة ودبابات !! . هؤلاء العقائديون لم يتوقفوا عن القتل إلا بعد أن وجدوا صباح ذات يوم أن سياف قد تحالف مع هؤلاء الشيعة الذين كان يأمر بقتلهم بالأمس، فتركوه وغادروا أفغانستان كلها.

أما جماعة أبومعاذ الخوستي فقد استمروا في القتال متغافلين عن أن الميليشيا الشيوعية القندهارية التي أسسها القائد جبار والتى قاتلت/ضدهم تحديدا/ في جرديز، والآن تقاتل معهم جنبا إلى جنب وفي نفس الخنادق ، لصالح حكمتيار. كان ذلك غريبا حقا ، ولكن عربنا جادلوا المعترضين عليهم قائلين أن ميليشيا جبار تابت إلى الله وتبين لها الحق فانضمت إلى حكمتيار!!.

ولكن بعد استشهاد أبو معاذ وإنضمام دوستم وميليشياته إلى حكمتيار بعد إنتقالهم من معسكر مسعود ، تنبه هؤلاء العرب أنهم قد خدعوا فتركوا أفغانستان كلها وذهبوا.

أسئلة حارقة .. لماذا نفشل؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟.

الجمعة أول مايو1992:

اليوم نغادر جرديز في طريقنا إلى ميرانشاه . لقد انتهى دورنا هنا وطويت صفحة الجهاد في أفغانستان . كنت أشعر بحزن شديد وشريط الأحداث يمر برأسي من بدايته إلى نهايته. كنا نسير فوق طريق زدران ما بين خوست وجرديز. كل شبر في هذا الطريق لنا فيه ذكريات وأصدقاء .. شهداء ومعارك.. ماذا سيتبقى من كل ذلك؟؟ .. أين نحن الآن؟؟..إلى أين نسير؟؟… لماذا يبدو المستقبل ملبدا بالغيوم منذرا بالشر المستطير؟؟ .. وبأي شكل سوف نستأنف حياتنا ؟

ماذا عن الأسرة والأولاد .. والوطن ؟؟ .. هل نعود إليه أم نبقى في الجبال؟؟ .. لماذا نُعاقب؟؟…وبأي جريمة؟؟… لماذا قادتنا دائما فاسدون، وطنيون كانوا أم إسلاميون، قاعدون كانوا أم مجاهدون؟؟… لماذا الفاسدون دائما طافون على السطح والصالحون مترسبون في القاع ، أو في السجون، ولا يصعدون عاليا إلا على أعواد المشانق ؟؟… أين الخلل ؟؟ .. لماذا تجاربنا كلها فاشلة ؟؟… لماذا لا يفيدنا الفشل في تجربة كي نصنع نجاحا في تجربة تالية ؟؟ .. لماذا نكرر أنفسنا دوما ؟؟ .. ويستغفلنا عدونا بنفس الأساليب دائما ؟؟… هل نحن حمقى إلى هذا الحد ؟؟ .. أين العلماء، هل ماتوا أم إندثروا ؟؟… أم أن الموجودين هم أشباح العلماء وليس حقيقتهم ؟؟.. لماذا فقدوا الاحترام والتقدير والتأثير وأصبحوا مجرد أبواق لساسة فاسدين تافهين ؟؟… ما معنى تحرك إسلامي بلا علماء ؟؟ .. هل يمكن أن ينجح جهاد بدأ متفرقا وبلا قيادة واحدة ؟؟ .. هل ينجح جهاد بتمويل غير إسلامي؟؟… هل القادة يختارهم الناس، أم الإعلام الدولي، أم التمويل الخارجي؟

كنت أحتضن الطريق بناظري وكلي خشية أن لا أراه مرة أخرى .

– نزل أبو الحارث من سيارتنا وذهب إلى مركزه في الخطوط الأولى تحت أقدام “ستى كندو”. هو الآخر لا يرغب في ترك المكان، ولا يدري ماذا سيحدث ولا كيف سيستأنف حياته. لقد عزله مجلس الشورى رسميا عن قيادة المجموعة قبل إستسلام جرديز وتولى أبو معاذ الخوستى القيادة. ولم يمارس أبو الحارث أي دور في المجموعة بعد ذلك. كان ذلك الإجراء طيا لصفحة أفضل مجموعة عربية في جهاد أفغانستان الذي طويت صفحته رسميا بدخول حكومة مجددي إلى كابول في 28/ 4 /1992، أي بعد 14 عاما بالتمام والكمال على الإنقلاب الشيوعي في 27/4/ 1978.

لقد تم إهدار أثمن ثروات العرب المكتسبة من أفغانستان، وهي كوادرهم العسكرية، سواء في جماعة أبو الحارث أو القاعدة أو العرب غير المتحزبين. كنت أتمنى بشدة أن تبقى تلك القوة متجمعة في أفغانستان وأن نبني حولها تجمعا مدنيا. فنحمى بذلك ثروتنا البشرية التي يتربص أعداء الإسلام كى يفتكوا بها. ثم نقوم بعد ذلك بدور يناسب إمكاناتنا وإمكانات الوسط الأفغانى الذي نحيا فيه. ولكن للأسف فقدنا مستودع الخبرات الذي بنيناه بالدماء الغالية التى بذلت بسخاء في المعارك.

كان ذلك مشابها تماما لموقف حقانى في مطالبته الإبقاء على الكوادر الجهادية الأفغانية وبناء جيش أفغاني حولها. ولكن كان هناك إصرار أفغاني وإقليمي ودولي على حرق تلك الثروة البشرية في حرب أهلية، أو تهجيرهم بحثا عن الرزق في دول الجوار والخليج . لقد خسر المسلمون أهم ثرواتهم وخبراتهم في أفغانستان، وكان ذلك أفدح الخسائر.

قبل أن يغادرني متوجها إلى مركزه القديم، سألني أبو الحارث إن كنت سأذهب لزيارة كابول، فأجبته أنني سأترك كابول لأهلها.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 13 }




إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان (1)

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دور أفغانستان .

(1 من 4)

تعاون إسرائيلى أمريكى لإرساء إستراتيجية جديدة لصناعة الهيروين 

 

– المماطلة التفاوضية إستراتيجية خليل زاد .. لكسب (قنبلة الوقت) .

–  إستقلال أوروبى منشود فى مجال المخدرات الأفيونية ، وأمريكا تقف وحيدة . وحرب مخدرات بين ضفتى الأطلنطى غير مستبعدة مستقبلا .

– قضية المخدرات توضع ضمن الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لجنوب آسيا ، بما يتوافق مع أهداف الدولة الأمريكية .

– أمريكا تفسخ شراكتها مع أوروبا فى أفيون أفغانستان ــ ضمن خطتها الثابتة لفسخ الإتفاقات ــ وتبتكر إستراتيجية (قف وحيدا) ، مكتفية بإسرائيل شريكا أوحدا فى تجارة الهيرويين العالمية .

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

إنتهت الجولة الثامنة من المفاوضات بين أمريكا وحركة طالبان ، إنتهت ولكن بلا مفاوضات ـ مجرد عملية إلهاء متواصلة على هيئة جولات تفاوض عقيم وسط تصريحات وردية عن الإقتراب إلى حل (للنزاع) !! وقرب( إحلال السلام ) !!، فى حرب مصطلحات تسلب طالبان مشروعية جهادهم ، وتجفف منابعه الدينية ، إستنساخا لما حدث مع العرب فى فلسطين التى نجحوا فى تحويلها إلى شئ جديد إسمه (إسرائيل) . وتلك الإسرائيل أصبحت تظلل بلاد العرب جميعا من المحيط إلى الخليج . فابتلعت عدة بلدان ودمرت عدة بلدان آخرى ، وأصبحت مقدسات المسلمين جميعها داخل حدودها. تلك الحدود التى لا تظهرها الخرائط بل تحيطها جنازير الدبابات الإسرائيلية ، على حد قول مؤسسيها .

فى الأشهر الأخيرة أعلنت إسرائيل نفسها لاعباً أساسيا فى أفغانستان وأنها مع الولايات المتحدة يشكلان توأما سياسيا ملتصقا من الرأس حتى القدمين . وقالت بالصفاقة المعتادة أنها تقدم العون للجيش الأمريكى فى عدة مواقع من العالم “!!!” ، وأنها فى ركابه أينما سار ، بلا حاجه إلى دعوة من أى حكومة أو حتى أعلان عن ذلك التواجد. وبهذا بات واضحا أن      القواعد الأمريكية هى قواعد إسرائيلية بالضرورة . وأن الإتفاقات العسكرية مع أمريكا هى إعتراف وتطبيع وتعاون وثيق مع إسرائيل . ولعل ذلك يخرس الكثير من الألسن المنافقة .

قال الإسرائيليون بالعبرى الفصيح ، أنهم فى أفغانستان منذ اللحظة الأولى للغزو الأمريكى لذلك البلد ، وأنهم قدموا الحماية الأمنية لكرزاى أول “رئيس ديموقراطى” دخل أفغانستان على متن مروحية أمريكية . بل تواجد الإسرائيليون منذ الإحتلال السوفيتى فى الثمانينات وإلى الإحتلال أمريكى بمعاونة نفس القادة الأصوليين للأحزاب الجهادية (!!) .

نفس القادة الذين يجاهدون الآن لإبقاء الإحتلال الأمريكى ، وهم منهمكون الآن فى حجز مقاعد أمامية مع الإحتلال الإسرائيلى الذى سيملأ الفراغ الذى سيخلفه الإنسحاب العسكرى الأمريكى من أفغانستان(وليس الإنسحاب الإستخبارى). فقد كان ترامب صريحاً على غير العادة عندما قال أنه سيترك هناك وجودا إستخباريا قويا . ولكنه لم يذكر أن التلازم العسكرى بين أمريكا وإسرائيل ، يماثله تماما تلازما إستخباريا . فحيثما تواجدت CIA تواجد معها بالضرورة جهاز الموساد الإسرائيلى . ولكن العكس غير صحيح فى الحالتين ، بمعنى إن إسرائيل ممكن أن تعمل منفرده عسكريا وإستخباريا بدون الإلتزام بالتوأم الأمريكى الملتصق ، وهى مرونة لا يستطيع الأمريكى أن يتمتع بها.

 

 

إضاعة الوقت .. إستراتيجية خليل زاد :

خليل زاد يقود عملية إهدار متعمد للوقت بإطالة زمن المفاوضات مستخدما سياسة العصى والجزرة ، ولا يهدف مطلقا الوصول إلى حل . فالإدارة الأمريكية قررت (شراء الوقت ) فى عملية تظهر للمراقبين أنها تعثر فى المفاوضات ، أو تكرار ممل لجلسات طويلة بلا معنى أو نتيجة ، ويطوف خليل زاد بعواصم الإقليم ، ومنظمات دولية وإقليمية وإسلامية محاولاً ضمهم إلى موقفه المماطل الذى يضم نقطة جوهرية هى مفتاح للموقف كله ، ألا وهى مدة إنسحاب تمتد إلى ست أو خمس سنوات .

يحاول خليل زاد أن يجمع تحالفا دوليا سياسيا ومعنويا يضعط  به على طالبان للقبول بذلك المطلب (البسيط) فى مظهره والخطير فى حقيقته .

ولأنه يبدو بسيط المظهر فالأمل يراود خليل زاد فى إيقاع جميع العصافير بحجر واحد. يريد أن يربط معه فى ذلك المطلب الدول الإقليمية : الصين ، روسيا ، الهند ، إيران ، باكستان والهيئات الإسلامية خاصة منظمة المؤتمر الإسلامى .

يقول خليل أن هؤلاء يضمنون سلامة إنسحابنا من الهجمات . وبالطبع فإنه يريد (إحلال السلام بين الأفغان) أى تقاسم السلطة بين طالبان وبين نظام كابول بنفس المواصفات الحالية أى التبعية التامة للأمريكى وتسليمه ثروات البلد والتنازل له عن سيادة شعبها وحتى عن إسلامه .

– على الجانب الأفغانى المفاوض والذى يترأسه المقاتل الصلب( ملا برادر ) ، يؤكد على :

– ضرورة إنسحاب أمريكى شامل لجميع القوات الأجنبية بما فيها داعش ، ومرتزقة شركة بلاك ووتر (الإسرائيلية / الإماراتية ) .

– رفض وقف إطلاق النار، لأنه يعنى تفكيك القوات الجهادية ، وبالتالى ضياع فرصة المقاومة، فيتمكن العدو من أن يبقى فى البلد إلى الأبد .

– مدة الإنسحاب يجب ألا تتعدى  أشهرا قليلة وليس سنوات .

– ضمان سلامة القوات الأمريكية فى حال إنسحابها فقط . ولا يسرى ذلك على أى قوات لم تشرع فى الإنسحاب .

–  يشكو خليل زاد من جفاء المفاوض الأفغانى ، وأنه يتكلم من طرف أنفه مع الأمريكى . ومع ذلك فإن حديث المفاوض الأفغانى مع الأمريكى خليل زاد لم يوضح فهمه الحقيقى ( لقنبلة الوقت)، أى الخطورة الفائقة لعنصر الوقت الذى يسعى الأمريكى بكل طاقته لأجل المماطلة للحصول على المزيد منه . كما سنشرح خطورة ذلك لاحقا.

 تُظهر حركة طالبان حرصاً أساسيا لقضية إنسحاب القوات الأمريكية والمعتدية ، ولا يهمها من يشهد على تنفيذ ذلك الإتفاق من الجهات السابق ذكرها . ولا تعطى أهمية تذكر لكثرة الجهات التى يورطها خليل زاد فى الإتفاق ، رغم أن أمريكا لن يقيدها ذلك بشئ ولكنها سوف تستخدم كل هؤلاء الشهود فى الضط على حركة طالبان مستقبلا . وما حدث فى نقض الإتفاق النووى مع إيران غنى بهذا الدرس القيم ، وسلبية شهود الإتفاق شئ واضح أضر بإيران كثيرا، ولم يؤثر بأى شئ على عدوانية أمريكا وانتهاكها للإتفاق ولجميع القوانين الدولية.

وذلك يجعل الأمريكى يأمل فى أن يغفل طالبان عن(قنبلة الوقت) التى إن فقدها فقد تنسف ـ فعليا وليس مجازيا ـ البنيان الأمريكى / الإسرائيلى ، فى العالم وليس أفغانستان فقط .

 

 

معسكر تحالف الخلافات !!.

– لا تسير الأمور بسلاسة داخل المعسكر الأمريكى ، ولا بين أمريكا وحلفائها من إسرائيلين وأفغان وأوروبين ، ولا يعتبرون الخليجيين والعرب حلفاء ، بل مجرد أحذية للسير فى أوحال الحروب والأعمال القذرة ، وماكينات لدفع التكاليف . حتى أن الوضع داخل معسكر أمريكا وحلفائها يبدو وكأنه تحالف بين الخلافات . وأكثرها غير قابل للحل لكن الجميع فى حاجة إلى السير تحت وطأتها لأن البديل سيطحن الجميع ، والعالم كله قد يتغير وليس فقط لعبة المخدرات وتحالفاتها .

ــ بإعتبار ترامب قائدا للقطيع ، فمشاكله الداخلية ، خاصة مع الخابرات والجيش هى الأعقد والأخطر . لوبيات السلاح والنفط والمخدرات هى الأخرى تحديات قاتلة. وسيد اللعبة (إيباك) (لوبى الضغط الصهيونى)، يحاول التنسيق بين الجميع ، لتبقى السفينة الأمريكية طافية فوق أعاصير المحيطات الهائجة . ستغرق تلك السفينة حتما لأن مدة صلاحيتها إنتهت بالفعل ، ولكن السفينة الجديدة مازالت داخل حوض البناء فى القدس .

وماكينة صرف الوقت موجودة فى أفغانستان ، وتحت سيطرة طالبان . لو أحسنت إستخدامها ، ستغرق السفينة الأمريكية ، والكثير من السفن الكبيرة .

 

 

تشابك الخلافات الأمريكية :

الجيش الأمريكى هو بطل المأساة ، وضحية الخلافات وتضارب المصالح. ولديه رؤية جديدة لحل أصل المشكلة بناء على حقيقة خسارته للحرب عسكريا .

يعلم قادة الجيش جيدا أنهم فى أفغانستان لخوض حرب الأفيون الثالثة ـ تكملة لحربين شنتهما بريطانيا وباقى أوروبا وأمريكا ـ ضد الصين فى القرن التاسع عشر .

 فى البداية ،إتخذ الجيش والدولة كافة الإجراءات للفوز فى حرب سريعة وصاعقة كاملة الأرباح أى الأفيون والنفط وكافة الثروات المعدنية الهائلة فى ذلك البلد الفقير .

لم يحسن الأمريكيون تقدير الشعب الأفغانى ، وقاسوه على شعوب العرب . والنتيجة أن تخطى عمر الحرب 18 عاما فى إنتكاسه فضائحية لأطول حرب فى تاريخ أمريكا الإستعمارى وفى تاريخ إسرائيل القصير . بما يعنى أن إسرائيل قضت ربع حياتها فى قتال الأفغان ، ولم تعلن ذلك إلا منذ أشهر قليلة . وقد ظنت أنها ستنجح فى حرب مشتركة مع أمريكا و 50 دولة أخرى لإحتلال أفغانستان ، ثم تقاسُم أرباح الحرب مع الغول الأمريكى . وظنت أنها حرب ساعات أو أيام معدودة وينتهى كل شئ ، كما حدث فى فلسطين وباقى بلاد العرب الأمجاد .

إن الأفغان قاتلوا ضد إسرائيل 18 عاما ، أى أضعاف مضاعفة من المدة التى قاتل فيها العرب ضد يهود إسرائيل فى حروب يمكن إحصائها بالساعات بقياس زمن القتال الفعلى ، بدون الهدنات المعلنة وغير المعلنة ، والخيانات السرية والعلنية . حتى أصبحت الخيانة وساما يتباهى ويتغنى به بغايا السياسة العرب .

 – منذ عهد أوباما إلى عهد ترامب وهناك إجماع على ضرورة التخلص من الورطة العسكرية فى أفغانستان . وحاليا يجمع الحزبان الرئيسيان الجمهورى والديموقراطى على ضرورة الإنسحاب بسرعة من تلك الحرب .

الجيش تمكن من سحب معظم قواته . الأرقام الحقيقية محظورة ، وما يعلن غير صحيح لدواعى أمن القوات ومعنوياتها ، ولتفادى رفع معنويات طالبان .

ويعتقد بشكل عام أن تعداد القوات الأمريكية الآن تحت سقف السته آلاف جندى . والإنسحاب مستمر على دفعات مفاجئه وغير معلنة حتى بعد إتمامها .

فالقوات المتبقية الآن غير كافية لأى شئ حتى للدفاع عن نفسها ، أو عن قاعدة بجرام التى تشكل رأس الإحتلال الأمريكى العسكرى والإستخبارى والسياسى .

فالجيش الأمريكى فشل فى حمايتها ، وإضطر إلى توزيع عدد من قواته ومعداته الهامة على قواعد آخرى ليتجنب الإستهدافات المتزايدة. وبهذا تزلزل الإحتلال وزاد ضعفاً .

ذلك الوضع يمثل خطر على سلامة القوات الأمريكية ومعنوياتها بل وسمعة الجيش الأمريكى الذى هو عماد الهيبة العالمية لأمريكا، التى تنفق عليه أكثر من 700 مليار دولار سنويا كاستثمار لإكتساب سطوتها الدولية وحماية إرهابها الدولى الإقتصادى والسياسى والتخريبى .

وبما أن البنتاجون يدرك أنه يخوض حرب الأفيون ، فقد وضع خطة بديلة للإحتفاظ بأكبر قدر ممكن من ثروة الهيروين بعد الإنسحاب ، فأعلن عن إدخال المخدرات فى صلب الإستراتيجية العسكرية لجنوب آسيا .

– فبعد مؤتمر وزارى فاشل عُقِد فى جنيف حول أفغانستان فى نوفمبر 2018 صدر البيان الختامى بدون ذكر للمخدرات فى أفغانستان التى أكثروا من الحديث عنها قبل المؤتمر .

كان هناك خلافاً ، بل و(حرب مخدرات) وشيكة بين أوروبا وأمريكا. وكانت شرارة الخلاف واضحة فى أفغانستان .

الأمريكان وكأنهم تعمدوا إفشال مؤتمر جنيف لإبطال إتفاقاتهم الأفيونية مع الأوربيين ، كما أبطلوا معهم العديد من الإتفاقات الهامة بدأت بالمناخ ولن تنتهى بحرب الرسوم الجمركية على الواردات الأروبية . حتى قال ترامب يوما أن صادرات ألمانيا من السيارات تهدد الأمن القومى الأمريكى (!!) .

 

 

إستقلال أوروبى فى مجال المخدرات .. وأمريكا تقف وحيدة :

وليس بعيدا ذلك اليوم الذى سوف تستقل فيه أوروبا يإنتاج المخدرات الأفيونية الخاصة بها ، بتقنيات ومسميات جديدة . وسوف يكون ذلك إنفجارا هائلا فى سوق المخدرات الدولية له تبعات فلكية فى الإقتصاد والسياسة ، وربما حروب بالوكالة تكتسى بأسباب أخرى أكثر أخلاقية. وسوف تُغْلِق كليا أو جزئيا طرق تدفق الهيروين الأفغانى عبر تركيا والبلقان ، وعبر روسيا ، وطرق الكوكايين من أمريكا الجنوبية عبر الأطلنطى . ولكن طرق حشيش المغرب لا يبدو أنها ستكون مهددة نظرا لإعتبارات سياسية (وساطة إسرائيلية) ولمزايا ذلك المنتج من حيث الجودة والسعر. ومن الطبيعى فى مرحلة ما أن تضع دول أوروبا ثقلها وراء منتجاتها الأفيونية الجديدة لتسويقها دوليا نظرا لمميزاتها النوعية والإقتصادية .

ــ الجيش الأمريكى كان رده جاهزا فى الربع الأخير من عام 2018 ، بعد يقينه بفسخ الشراكة مع أوروبا ـ بل وإحتمال الحرب الأفيونية معها ، وبعد سحب إعتماده بالكامل من الحكومة الأفغانية الفاشلة فى كل شئ والفاسدة فى كل مجال . فأوقف (تقريبا) مساعداته المالية لها فى مجال مكافحة المخدرات . بل طلب منها حل وزارة مكافحة المخدرات ، فاستجاب الرئيس أشرف غنى وأصدر مرسوما بتوزيع صلاحيات تلك الوزارة بين وزارات أخرى فى الدولة من أجل تقويتها(!!)، وهو تعبير دبلوماسى عن حل وزارة عديمة القيمة سوى فتح بؤر جديدة للفساد الحكومى .

بلور الجيش الأمريكى إستراتيجيتة الجديدة لمكافحة المخدرات ، معطيا إياها عنوانا موحيا هو (قف وحيدا !!). وزارة الخارجية كتبت لها ديباجه مضلله كالعادة . ولكن جوهر الموضوع واضح ويصعب إخفاؤه . فقد صرحوا بدمج إستراتيجية مكافحة المخدرات مع إستراتيجية الإدارة الأمريكية العسكرية لجنوب آسيا . مع إعطاء القوات الأمريكية صلاحيات إستهداف معدات إنتاج المخدرات وشبكات تمويل “المتمردين ” ، حسب ديباجة الخارجية الأمريكية .

الجيش الأمريكى موقفه واضح وحاسم . لكن شركاء اللعبة الكبرى لا توافقهم تماما خطة الجيش بالإنسحاب المبكر من أفغانستان ، أو أن يتولى الجيش خطة للمخدرات لا تستدعى إحتلالا أوحربا لا نهاية لها . فشركاؤه الكبار فى الميدان الأفغانى وهما المخابرات الأمريكية CIA والمخابرات الإسرائيلية “الموساد” لهما رؤية مختلفة ، وخطط مغايرة .

فهما يطالبان ببقاء الجيش عامين أو أكثر حتى يتسنى لهم إتمام ترتيبات المرحلة الجديدة من إنتاج الهيروين ونقله من أفغانستان إلى العالم الخارجى .

المهم والأهم ، هو إتمام أكبر عملية فى التاريخ لغسيل أموال المخدرات !!. فالتوأم الإستخبارى فى حاجة إلى عدة سنوات وليس عدة أشهر والا فإن النتائج ستكون أكثر من مأساوية . وسوف تسقط السماء على كوكب الأرض بأجمعه ، بداية من الولايات المتحدة وإسرائيل وصولا إلى قرى أفريقيا وآسيا .

 

تنزيل المجموعة الكاملة من مقالات (إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان ) : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إسرائيل .. بعد إبتلاع بلاد العرب جاء دورأفغانستان 1

 




مشاريع (حيفا ــ نيوم ) : تصفير استراتيجى لروسيا وإيران

مشاريع (حيفا ــ نيوم ) : تصفير استراتيجى لروسيا وإيران

مشاريع ( حيفا ــ نيوم ) : تصفير استراتيجى لروسيا وإيران

– حيفا ــ وليس مضيق هرمز ــ هى المكان الأكثر ترجيحاً لنشوب الحرب العالمية الثالثة. مشروع “نيوم” تجهيز جدى لتلك الحرب . وقد تندفع إيران فى صحوة متأخرة صوب برنامج نووى عسكرى ، إذا سقط الردع الصاروخى بسبب مشروع نيوم .

– السودان فى القبضة الأثيوبية :

” جمهورية بورسودان ” عاصمة تصدير المياه المصرية المغتصبة خلف سد النهضة 

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

لم تفشل صفقة القرن ـ حتى الآن على الأقل ـ طالما أن الشق الإقتصادى لا يوقفه شئ سوى العقبات الطبيعية التى تقابل أى مشروع إقتصادى عملاق ، يغير جذريا من طبيعة منطقة هى الأكثر حساسية وخطورة فى العالم .

يقول البعض أن الجانب السياسى لا يجد النجاح المناسب ، لأن عدد الدول العربية التى حضرت مائدة البحرين كان قليلا . والأهم أن الجانب الفلسطينى لم يحضر ولم تظهر أياً من مكوناته ترحيبا علنيا بالمشروع .

وكالعادة فإن سطح البحر السياسى لا يعطى صورة واقعية عما يحدث فى الأعماق . فالدول العربية فيما يشبه الإجماع مندفعة فى طريق الخضوع لإسرائيل وقبول هيمنتها على الساحة الواقعة من المحيط إلى الخليج ، والتى كانت تدعى فى غابر الزمان وطنا عربياً (!!) . أما السلطة الفلسطينية فترحب دوما بالخضوع كموقف إستراتيجى سارت فيه منذ أرسلو وحتى قادم المستقبل أيا كان مداه .

والشعب الفلسطينى المحاصر والمغدور به من أقرب الأقربين، هو فى حاجة إلى مجرد لقمة الخبز ، ولن يعارض العمل فى مشروعات إقتصادية تحميها إسرائيل فى سيناء أو الضفة أو الأردن أو لبنان ، بأموال نفط صهاينة التطبيع الخليجى . فمنذ زمن طويل والعامل الفلسطينى مضطر إلى العمل تحت حراب الصهاينة فى المستعمرات التى بناها المحتل فوق أرض فلسطين .

إن ما يبذله الفلسطينيون الآن وبكل بُطوله هو أقصى ما يمكنهم من فعله . لأن الحل الحقيقى يستدعى إنخراط المسلمين جميعا ، لمواجهة الصعود الصهيونى على مستوى العالم .

أما إلقاء العبء كله واللوم كله على شعب فلسطين ، ضحية العرب والمسلمين، لهو لؤم ليس بغريب علينا .

 

من المعالم الجديدة للظهور اليهودى الكبير :

مراكز لتحولات شاسعة فى المنطقتين العربية والإسلامية والعالم.

أربعة مراكز مرشحة للسطوع مثل شمس تعمى أبصار من تعاموا عن الزحف الإسرائيلى، وهؤلاء الذين مهدوا له بالمال والدم . أربعة مراكز ذات أدوار جديدة غير معهودة .

1 ـ حيفا : عاصمة العالم لتجارة الطاقة (الغاز ـ النفط) ، إضافة إلى أدوار مثل : أن تكون المنفذ التجارى الدولى”الوحيد” لمشيخات الخليج على الأقل فى التجارة مع أوروبا وأمريكا ــ وتصفيرالأهمية النفطية والتجارية لمضيق هرمز وللخليج الفارسى ــ والتحول إلى عاصمة للفسق الترفيهى الخليجى .

2 ـ جيبوتى : عاصمة التجارة الدولية بين أوروبا وآسيا وشرق أفريقيا .(لإخراج دبى من قائمة مراكز التجارة الدولية).

3 ـ بورسودان : عاصمة العالم فى تجارة المياه العذبة (المياه المصرية المنهوبة خلف سد النهضة) .

4 ـ مشروع نيوم : أو مشروع الإنكشاف الإستراتيجى لإيران ، بتصفير الأهمية الإستراتيجية لسلاحها الصاروخى وقيمته كسلاح رادع . وبالتالى إطلاق يد إسرائيل فى إستخدام سلاحها النووى بهدف الإبتزاز الجماعى للعرب والمسلمين وفى مقدمتهم إيران .

أولا ـ حيفا : فى أدوارها الجديدة {عاصمة سوق الطاقة العالمية / تصفير القيمة الإستراتيجية لمضيق هرمز / تصفير القيمة الجيوسياسية لروسيا } ــ تحويل حيفا إلى عاصمة لفسق”الترفيه” الخليجيى.

– سوف يقف ميناء حيفا على رأس خط سكة حديد يمضى جنوبا وصولا إلى سلطنة عمان ، مارا على عواصم ومدن الخليج وجزيرة العرب.

خط قطار (حيفا ـ صلالة) سيضع جزيرة العرب فى السلة الإسرائيلية إقتصادياً .فهو نافذة الخليج والجزيرة على عالم البحر الأوروبى المدهش. والجنة الموعودة للفسق الخليجى فى دنيا البغاء اليهودى . وشواطئ العهر الإسرائيلى على البحر الأبيض ستنافس بجدارة مؤسسات الترفيه والرذيلة التى أبدعها بن سلمان على شواطئ البحر الأحمر بأجوائه الخانقه صيفا .

– ستصبح حيفا عاصة التجارة بين مشيخات النفط وكل من أوروبا وأمريكا. وفى ذلك إنتقاص تلقائى لقيمة دبى كمتنفس تجارى عالمى للخليج . وعموما فإسرائيل فى طريقها لمحو دبى كمركز تجارى عالمى وإعادتها مرة أخرى إلى عصر الصحراء الفسيح . ونقل دور دبى إلى موانئ فى شرق أفريقيا أهمها ميناء جيبوتى حيث تحتفظ إسرائيل بقاعدة عسكرية وبحرية.

– الأهم من كل ذلك ـ من وجهة نظر اليهود وأوروبا ـ هو تجميع غاز ونفط الخليج وجزيرة العرب ، عبر خطوط أنابيب برية ، لتصديره من ميناء حيفا إلى أسواق أوروبا تحديدا. بمعنى آخر أن تصبح حيفا مقبرة المكانة الجيوسياسية لروسيا فى أوروبا والعالم .

وحيث أن إسرائيل تضع يدها فعليا على كنوز الغاز فى مياه شرق المتوسط ، ليس فقط مقابل شواطئ فلسطين ، بل تعدتها إلى ممتلكات مصر بالكامل ، ومعظم ممتلكات لبنان وقبرص واليونان وتركيا . فسوف تتحكم فى  أسعار وحجم الإنتاج فى سوق الطاقة العالمى ، بل وتتمكن من فرض عقوبات وضرب أى دولة منتجة تحاول التمرد على قواعد السوق الجديدة للطاقة .

بالسيطرة على سوق الطاقة ستتمتع إسرائيل بقدرة خارقة على تشكيل الأوضاع السياسية لكثير من الدول ، بل وحتى التحكم فى المناخ السياسى الدولى ، والنظام العالمى ، بإذعان غربى كامل لتكتمل المشنقة الإقتصادية ” اليهودية” على رقاب البشر. وهى المشنقة التى تأخذ حاليا شكل عقوبات أمريكية و”حروب إقتصادية بالوكالة” ضد العديد من دول العالم ، فى إرهاصات لحرب إقتصادية يهودية شاملة لإخضاع العالم .

تلك الضربة القاضية لقيمة روسيا الجيوسياسية ، ستكون فى نفس الوقت ضربة خطيرة للإقتصاد الإيرانى إذ سيفقد السيطرة على ثروتة من النفط والغاز .

ولن تجد الدولتان روسيا وإيران علاجاً “سلميا”  سوى بالإتجاه شرقا نحو تجمع أسيوى تقوده الصين ويضم الهند وروسيا وإيران ـ لتعمل تلك الدول على مواجهة الهجوم اليهودى على ثرواتها ودورها العالمى .

وكما كان لخطوط نقل الغاز دورا مركزيا فى إشعال الحرب فى سوريا واندفاع عشرات الأطراف إليها بمن فيم إيران وروسيا ، فليس من المستبعد أن يتكرر السيناريو بشكل أكثر حدة ، لأن التهديد أخطر وأكثر جذرية. وبدلا من مضيق هرمز فقد تصبح حيفا هى المكان الأكثر ترجيحا لنشوب الحرب العالمية الثالثة.

وقد تندفع إيران فى صحوة متأخرة للغاية صوب برنامج نووى عسكرى ، لتغطية أمنها بعد أن تبخرت قدرة “شلالها الصاروخى” على الردع .

– تحويل مسار خطوط الطاقة (والتجارة الدولية) من مضيق هرمز ومياه الخليج (العربى!) إلى البحر المتوسط ، يسحب من إيران أحد أهم أوراق السيطرة الإستراتيجية ،المتمثل بقدرتها على التحكم فى المضيق ،وجعل المرور الحر فيه مشروط بأن تتمتع إيران بنفس الحق . وتلك ورقة فعالة فى اليد الإيرانية لأن أكثر من 30% من إمدادات النفط تمر من هرمز . أما “حيفا عاصمة الطاقة ” فى دورها الجديد فسوف تسحب تلك الورقة من يد إيران . أى أن تصفير دور هرمز فى عبور الطاقة ، سوف يضر بالإستراتيجية الإيرانية ، ويجرها نحو الإنكشاف الكامل إلى درجة الصفر الاستراتيجى ـ خاصة أذا تجمعت ورقة (حيفا الطاقة) مع مشروع نيوم ( الذى يضاعف مساحة إسرائيل) بما يبطل ورقة الردع الصاروخى ، التى هى أقوى الأوراق فى إستراتيجية إيران العسكرية فى مواجهة إسرائيل . بالورقتين معا (حيفا) و( نيوم ) إذا تم إنجازهما بنجاح ، ستصبح إيران فى وضع صفر إستراتيجية ـ و صفر ردع ـ وحالة إنكشاف كامل أمام قدرة إسرائيل النووية .

 

ثانيا / مشروع نيوم :

كالعادة هو مشروع حيوى لإسرائيل ، يبنى بأموال السعودية وعلى أراضيها وأراضى مصر والأردن . بينما يتقافز أحمق آل سلمان طربا مدعيا أن المشروع القاتل هو من بنات أفكار عقله المتخلف .

للمشروع نتائج كثيرة وكارثية على العرب والمسلمين ، ومن جميع النواحى العسكرية والإقتصادية والسياسية والإستراتيجية . فهو يغطى أرضا تعادل مساحتها مساحة فلسطين . ويطل على400 كم من ساحل البحر الأحمر . ويغطى ضفتى خليج العقبة بما فيها ألف كيلومتر مربع على طول ساحل العقبة من جهة سيناء. سيضم المشروع أهم الأهداف الإسرائيلية التى ترغب فى أبعادها عن الصورايخ المعادية (إيران / حزب الله) . وبمضاعفة ساحة إسرائيل وإنتشار أهدافها الحيوية لن يصبح الردع الصاروخى الإيرانى ساريا . سيكون مؤذيا ولكن ليس مدمراً ونهائيا ، كما هى حالته الآن .

– خطوط يافا ـ “النفطية /الغازية”ـ والحديدية ، ستقلب جذريا وضع ذلك الميناء من(كعب أخيل) ــ نقطة ضعف ــ لإسرائيل ، أشار إليه مراراً السيد حسن نصر الله ، قائلا إن إطلاق صاروخ واحد على مستودعات الأمونيا فيه، كاف لإحراق الميناء والمدينة .

بتلك الخطوط المزمع إنشاؤها ستكون يافا تهديدا خطيرا لروسيا وإيران وقيمتهما الجيوسياسية المستمد فى معظمها من قيمتهما فى سوق الطاقة كمنتجين وموردين كبار لأوروبا وأسواق آسيا الصناعية (الصين ، الهند ، كوريا ، اليابان ، تركيا ..) .

تحول نفط وغاز الخليج صوب حيفا ، سيجعل قيمة مضيق هرمز تقترب من الصفر بحيث لن يجدى إيران التلويح بإغلاقه فى وجه ناقلات النفط ، التى لن تدخل الخليج إلا لنقل نفط إيران نفسها ـ هذا إذا لم يفرض الغرب منعا كاملا عليه ، نظرا لإنتفاء قدرة إيران على تهديد شركاء أمريكا وإسرائيل ومنعهم من تصدير نفطهم عبر هرمز .

– ذلك دور يافا المتوقع لتركيع روسيا وإيران فما هو دور(دولة نيوم الجديدة) التى ستضيفها السعودية إلى إسرائيل فتضاعف مساحتها ، وتنفق فيها 500 مليار دولار على مشاريع تخدم إستيطان وإنتشار  إسرائيل فى ملحقها الجديد .

سوف تنقل إلى نيوم معظم المشاريع الإستراتيجية الإسرائيلية ، خاصة المشاريع والأسلحة النووية ، ومشاريع تطوير أسلحة دمار شامل من أنواع أخرى . كما ينتقل إلى نيوم أهم الشخصيات الإسرائيلية العلنية والسرية .

سينهى التكدس والإزدحام داخل إسرائيل ، وبنفس القدر ستنخفض قدرة الردع الصاروخى لإيران وحزب الله إلى درجة التلاشى . فتصبح إيران مكشوفة إستراتيجيا أمام التهديد النووى الإسرائيلى .

ولا ننسى أن أى ضربات إيرانية لأهداف إسرائيلية فى (نيوم)/ التى هى رسميا أرض سعودية/ سيعنى إعلان حرب على المملكة . التى يجرى تسليحها نوويا وصاروخيا ، لتشن بالوكالة عن إسرائيل حرب إبادة ضد يران وحلفائها أينما كانوا فى لبنان أو اليمن . وتبقى إسرائيل بعيدا عن الحرب ، سالمة وغانمة.

تنكشف إيران إستراتيجيا أمام إسرائيل بفقدان صواريخها لقيمة الردع الشامل وتحولها إلى مجرد مدفعية عادية . كما ستفقد حرية الحركة فى أعالى البحار حسب تهديد نتنياهو ، وحسب قرصنة بريطانيا فى جبل طارق . والخليج “العربى!” سيلحق بالبحر الأحمر وشرق المتوسط ليصبح هو الآخر بحيرة إسرائيلية .

وبالمثل يلحق مضيق هرمز بمضيق باب المندب ، ليكونا بوابات مائية تتحكم منها إسرائيل بحركة التجارة الدولية فى تلك البحار .

 

القدرة المائية لإسرائيل :

إلى جانب قدراتها النووية ، وسيطرتها على جوهرة البحار والمضائق حول الجزيرة الشهيدة {جزيرة العرب بمقدساتها التى باعها النفطيون العرب}. وبواسطة سد النهضة الأثيويى الذى مولته مشيخات البلاء النفطى ، أصبحت مياه النيل الأزرق فى قبضة إسرائيل ، وعندما تدخل مرحلة التصدير ستصبح إسرائيل صاحبة أكبر تجارة لتصدير الماء فى العالم ـ إلى جانب إمتلاكها ، بعد وصول خطوط الطاقة من جزيرة العرب والخليج إلى حيفا ، لأكبر قدرة على تصدير الطاقة فى العالم .

منفذ تصدير ذلك الماء المصرى المنهوب ، إما أن يكون فى جيبوتى المطلة على مضيق باب المندب أو أن يكون ميناء (بورسودان) فى جمهورية جيش الجنجويد والجنرال(حمدتو) .

وهذا يقربنا كثيرا من فهم الإنبعاث الجديد “للربيع العربى” سئ السمعة ، وبشكل مفتعل وأكثر إبتذالا فى السودان الشقيق .

فمثل ذلك المشروع المائى العملاق الذى إغتصب نصيب مصر والسودان من مياه النيل الأزرق يحتاج ، من أجل حمايته وتوفير الشروط الأمنية والسياسية له ،إلى جنرال مقتدر مثل السيسى . والجنرال ( حمدتو ) قدم نفسه كنموذج مكرر وأقل جودة لسيسى جديد . ولكن من المشكوك فيه أن يوجد فى السودان شعب مصرى آخر ، يستعذب ذل وعذاب الظالمين .

وفى كلا الخيارين : جيبوتى أو بورسودان ، فإن إحتلال اليمن ضرورى لتأمين منافذ تجارة المياة ، التى بالحسابات المجردة ستكون أكثر ربحا من أى تجارة دولية أخرى حتى من تجارة المخدرات نفسها .

أما حماية إحتلال إسرائيل للسعودية ومشيخات الخليج (العربى!!) فيلزمه إبادة شعب اليمن ، وهذا ما يجرى منذ خمس سنوات على يد جيوش مستعمرات الخليج النفطية .

قد يلزم تقسيم السودان لوضع ميناء تصدير الماء المنهوب فى إطار جمهورية جديدة عاصمتها بورسودان ، يرأسها أي “حمدتو” من جنرالات جنجويد السودان .

يؤكد هواجس تصدير مياه مصر المنهوبة فى خلال بورسودان ، أن أحداث (ثورتها!!) الحالية أظهرت أثيوبيا كقوة موجهة ومهيمنة ، وموضع ترحيب وإجماع من الجيش و”الثوار” وخرجت مصر من دور كان محجوزا لها تاريخيا .

الحجيج الثورى والعسكرى إلى أديس أبابا ، وكيل المديح لها بلا حساب ، يوحى أن كل طرف فى الخرطوم ينتظر “لقمة” سياسية أو مالية تأتيه من الأخت الكبرى ، ومشاريعها فى السودان وفى مقدمتها تصدير مياه سد النهضة عبر بورسودان .

لم يتحدث أحد من الإسلاميين “الحركييين أو الجهاديين” عن “المد الاثيوبى” ،  أو “الهلال الأثيوبى”، ربما لأن أثيوبيا لها شعارا غير الهلال ولا يجوز المساس به لأنه تحت الحماية الدولية. رغم أن كارثة سد النهضة التى ستحيق بشعب مصر، كافية لتستفز حتى عديمى المشاعر من أى كائنات ذوات أربع أو زواحف .

فماذا لو أن إيران أرسلت أحد الموظفين الصغار كى يتوسط بين فرقاء المهزلة الثورية فى الخرطوم ؟؟ . ما هى إسطونات الغيرة الإسلامية التى كانت سيعاد تكرارها للمرة المليون ؟؟ .

لم تتحرك المشيخات النفطية ضد دور أثيوبيا فى سودان “الثورة !!” لأنهم شركاء فى مخطط واحد يتعلق بسد النهضة وبالسودان وأفريقيا . وفى النهاية يشكل الجميع أحجار على رقعة الشطرنج الإسرائيلية . وحركتنا الإسلامية العربية لا ترتقى بالطبع إلى درجة لاعب ، وبالكاد قد تصبح بيدقا إحتياطيا مهملا إلى جانب الرقعة .

 

لماذا الحشد الأمريكى فى الخليج ؟؟.

– التواجد العسكرى الأمريكى فى مياه الخليج مهمته إضفاء الهيبة على إسرائيل و”مشروع قرنها” الطموح . فالواجب العسكري الأول للقوات الأمريكية فى مياه الخليج وشواطئه ، ليس حماية مضيق هرمز ، بل حماية النظام السعودى تحديدا . فقد يحدث شئ غير محسوب حيث لا ينبغى ترك شئ للمصادفات فيما يتعلق بسلامة نظام آل سعود الذى هو جزء عضوى من أمن إسرائيل . وهناك إحتمال له ما يبرره بوجود خطر من تجمع المسلمين فى موسم الحج الحالى .. فقد يتحول موسم “الحج والعمرة” إلى “حج وثورة” .. ضد إستعمار إسرائيل وأمريكا وآل سعود لمقدسات المسلمين .. “وما يعلم جنود ربك إلا هو” .

 

 

بقلم  :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

مشاريع ( حيفا ــ نيوم ) : تصفير استراتيجى لروسيا وإيران

 




شعر ونثر على أطلال المنامة : لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين

شعر ونثر على أطلال المنامة : لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين

شعر ونثر على أطلال المنامة .

مرة أخرى: لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين .

وكأن الشاعر أحمد مطر كان معنا ، ويكتب قصيدته عن ورشة نصبوها فى البحرين  لتمكين إسرائيل من بلاد العرب عامة وجزيرة العرب والخليج خاصة . أما عن فلسطين فلا تسأل . هناك تعويضات تدفع لأهلها ولحكومات عربية فى مقابل نسيان كل شئ ،، الدين ..الوطن .. الكرامة .. كل شئ .

الأمريكى الصهيونى “كوشنير” خصص 50 مليار دولار رشاوى لبيع فلسطين بشكل كامل ونهائى . المبلغ سيدفعه ليس اليهود بل صهاينة الخليج . فكانوا كما يقول مطر فى قصيدته : ( بلغ الرخص بنا .. أن نمنح الأعداء تعويضا .. إذا أخذوا أوطاننا منا غنيمة ) .

أوشك زلزال أن يخسف أرض جزيرة العرب حين تمطى ضخامة وزير خارجية البحرين وقال { إن إسرائيل وجِدَتْ لتبقى، وأن لها الحق فى أن تعيش داخل حدود آمنة ، وأن المنامة وعواصم عربية أخرى تريد التطبيع معها }. ثم قالت الأنباء أن الوفود الإعلامية الإسرائيلية تجولت بكل حرية وملأت المنامة . فكيف كان ذلك ومملكة البحرين جزيرة صغيرة نصفها وزير خارجية والنصف الآخر قاعدة أمريكية . فأين تَجَوَّل اليهود ؟؟.

يقول مطر وكأنه يرثى شعوب العرب على مؤتمر “الندامة” فى البحرين :

 

أى قيمة

للشعوب المستقيمة

وسجاياها الكريمة

فى بلاد هلكت

من طول ما دارت على آبارها

مثل البهيمة

واستقلَّت

وأساطيل العدو فيها مقيمة ؟!

***

أى قيمة

للقوانين العظيمة

وهى قفاز حريرى

لذى الكف الأثيمة

وأداة للجريمة ؟!

لقد إنتفخ الحكام ، وتَوَرَّمَت الجيوش بأموال الخيانة . فأكبر الرتب العسكرية فى جيوش العرب هى رتبة ” مُشير” ، وليس أعلى منها سوى رتبة “مُشين” التى يحصل عليها المشير عند نجاحة فى عبور حقول الألغام والوصول سالما بدباباته إلى القصر ليصبح رئيسا للدولة وطويلا آخر من طوال العمر . يقول مطر عن جيوش وحكام العرب :

 

أى قيمة

لجيوش يستحى من وجهها

وجه الشتيمة ؟؟ .

غاية الشيمة فيها

أنها من غير شيمة .

هزمتنا فى المصانع

هزمتنا فى المزارع

هزمتنا فى الجوامع

ولدى زحف العدو إنهزمت..

قبل الهزيمة !!

أى قيمة

لرؤى التجديد

والأوطان فى قبضة “أولاد القديمة ” ؟!

***

أى قيمة

لأولى الأمر

طوال العمر

والأوطان ، لولا أنهم عاشوا ،

لَمَا صارت يتيمة ؟؟!

***

أى قيمة ؟؟!

باطل هذا التساؤل

وطويل دون طائل

لم تعد فى هذه الأمة

للقيمة قيمة !

بلغ الرخص بنا

أن نمنح الأعداء تعويضاً

إذا ما أخذوا أوطاننا منا .. غنيمة !

 

صحيح .. أى قيمة !!  و ضخامة وزير خارجية البحرين يتحدث عن تطبيع بلاده مع  إسرائيل ، وعن رغبة باقى حكومات العرب فى أن تستبدل التطبيع الخفى بالتطبيع المعلن . وما التطبيع سوى “طبع الكف الصهيونى على قفا رئيس عربى” .

يتعجب مطر من خشية شعوب العرب من حكامهم هؤلاء .. فيقول :

 

مِمَّ نَخْشى ؟

أَبْصَرُ الحُكَّامِ زُهْـدا

يَحْسَبُ البَـصْقَـةَ قِرْشا .

أَطْوَلُ الحُكَّامِ سَـيفا

يَـتَّـقي الخِيفَةَ خَـوْفا

ويرى اللاشئَ وحْـشا !

أَوسعُ الحُكّامِ عِلْما

لو مَشى فى طَلَبِ العلّـمِ إلى الصّينِ

لما أَفلحَ أن يُصبِـحَ جَحْـشا !

***

مِمَّ نَخْشى ؟

ليستِ الدولةُ والحاكِمُ إلاّ

بِئرَ بترولٍ وكَـرْشا

دولةٌ لو مَسَّـها الكبريتُ .. طارتْ .

حاكمٌ لو مَسَّـهُ الدَّبوسُ .. فَـشَّـا

هل رأَيتُـمْ مِثلَ هذا الغِـشِّ غِـشَّـا ؟ !

 

 

فالسعودية ــ بلد المقدسات!! ــ هى دولة محورية للرئيس الأمريكى، كونها تحقق أمن إسرائيل وتوفر له السيولة النقدية من أموال الجزية التى تدفعها لقاء حمايتها من شعبها . ترامب / وبعد عنترياته الفاشلة أمام إيران فوق مياه الخليج / يصفونه بأرنب جبان (أرنبو) يتراجع أمام من يضربه فوق رأسه . وصديقه بن سلمان يراه ترامب كنزا من الأموال والحماقة النفطية . وصورتهما معا فى مؤتمر العشرين فى اليابان تصلح لأن تكون غلافاً لقصة الأطفال الشهيرة (أرنبو والكنز).

سلمان وإبنه مناحيم حولا الحرمين الشريفين إلى مقر دائم للمخابرات الإسرائيلية وفرق المستعربين. لم يعد هناك المزيد من المقدسات فى جزيرة العرب حتى يحتلها اليهود فأهدى لهم أمير المرتزقة فى أبو ظبى مسجد والده ليصبح مزارا للأفواج الرسمية والسياحية والإستخبارية القادمة من إسرائيل للعمل فى مستعمراتهم الجديدة فى (الخليج العربى!!). فما هو عربى أصبح إسرائيليا بالضرورة . وما هو مقدس لدى المسلمين أصبح مشاعا لليهود.

ويسال الشاعر مطر عن سبب خوفنا من الحكومات الذى لم يعد له معنى أو مبرر .. فيقول :

 

مِمَّ نَخْشى ؟

أَبْصَرُ الحُكَّامِ زُهْـدا

يَحْسَبُ البَـصْقَـةَ قِرْشا .

أَطْوَلُ الحُكَّامِ سَـيفا

يَـتَّـقي الخِيفَةَ خَـوْفا

ويرى اللاشئَ وحْـشا !

أَوسعُ الحُكّامِ عِلْما

لو مَشى فى طَلَبِ العلّـمِ إلى الصّينِ

لما أَفلحَ أن يُصبِـحَ جَحْـشا !

***

مِمَّ نَخْشى ؟

ليستِ الدولةُ والحاكِمُ إلاّ

بِئرَ بترولٍ وكَـرْشا

دولةٌ لو مَسَّـها الكبريتُ .. طارتْ .

حاكمٌ لو مَسَّـهُ الدَّبوسُ .. فَـشَّـا

هل رأَيتُـمْ مِثلَ هذا الغِـشِّ غِـشَّـا ؟ !

***

مِمَّ نَخشى ؟

نملةٌ لو عَـطَـسَتْ تَـكسَـحُ جَـيـشا

وهَـباءٌ لو تمطَّى كسلا يَـقْـلِبُ عَـرْشا !

فلماذا تَـبْطِشُ الدُّمية بالإنسانِ بَطْـشا ؟ !

إنهضوا ..

آنَ لهذا الحاكم المنفوشِ مِـثْـلَ الدِّيكِ

أن يَـشْبَـعَ نَـفْـشا .

إنهشوا الحاكِمَ نَـهْـشـا

واصنعوا من صَوْلجانِ الحُكْمِ رفْـشَـا

واحفِروا القَـبْـرَ عميقـاً

واجعَـلوا الكُرْسىَّ نَـعْـشا !

 

 

مم نخشى ؟؟ ..  سؤال له وجاهته فى مثل هذه الظروف التى تحياها الأمتين العربية والإسلامية ، فنحن مهددون بالزوال . لا ندافع عن ديننا .. لا بأس .. فقد أصبح ذلك لنا عادة .. ولكن لا ندافع عن وجودنا أيضا !! . لن يبقى عربى واحد ولا مسلم واحد فيما بين المحيط والخليج ، سوى نماذج منتقاة بطريقة علمية ليتفرج عليها سياح أوروبا فى زياراتهم للقسم الأوسطى من إمبراطورية اليهود العالمية .

وتلك صرخة شاعر آخر يطلقها مظفر النواب ، فى ظروف مضت ولكن مشابهة لما يجرى الآن من حشود لأساطيل عسكرية أمريكية فى مياه وشواطئ الخليج (العربى!).. فيقول :

 

ياحفاة العرب .. ياحفاة العجم ..

إدفعوا الهادر البشرى المسلح

صُكّوا على عنق السفن الأجنبية

إلووا مدافعها فى إدعاءاتها الزائفة

إحشدوا النفط

فالنفط يعرف كيف يقاتل حين تطول الحروب

وقد يتقن الضربة الخاطفة .

ياجنود العرب ..

ياجنود العجم ..

أيها الجند

ليس هنا ساحة الحرب

بل ساحة الإلتحام لدك الطغاة

وتصفية لدك بقايا عروش

توسخ فى نفسها خائفة .

ايها الجند

بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة

حطموها على قحف أصحابها .

إعتمدوا القلب

فالقلب يعرف مهما الرياح الدنيئة سيئة جارفة .

هل أرى .. كل هذا السلاح

لقد داس من داس ، متجها نحو يافا بنيرانه الجارفة .

جاء يوم الجماهير ، ما أخطأت ، إنها لمقاديرها زاحفة .

ليس وعدا على ذمة الدهر

غير الجماهير .. والعبقريات .. والعاصفة.

مرحبا أيها العاصفة .

 

 

لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين !!. فى مقابل كل أفغانى هناك تسعة أو عشرة من العرب . وفلسطين بكل جلالها وقدسيتها تعادل مساحتها ولاية واحدة أو ولايتين من ولايات أفغانستان التسع والعشرين . ومع ذلك عجزت ثلاث إمبراطوريات عظمى عن إحتلال أفغانستان أو الإستقرار فيها .. لماذا؟؟ . هل لأنهم ليسوا عربا ؟؟.أم لأنهم مسلمون حقيقيون بينما نحن بعيدون جدا عن ذلك ؟؟ .

حتى أكبر إمبراطوريات التاريخ وأطغاها تستعد الآن للرحيل الفضائحى من أفغانستان .

وهذا هو رئيسهم المخبول ترامب يلملم فضيحتة ويصرخ بالصوت الخافت بأنه أمر بإنسحاب نصف قواته من أفغانستان ليصبح عددها تسعة آلاف جندى فقط ، وكانت مئة وخمسون ألفا فى بداية الغزو. وأضاف ترامب نادما : ما كان لنا أن نبقى تسعة عشر عاما فى أفغانستان !!.

وقد فشل حتى الآن فى الوصول إلى أى “إتفاق شامل” مع مفاوضى طالبان فى الدوحة . والمفاوضات المجدبة ما زالت تدور غير بعيد عن قواعد القاذفات الأمريكية “B 52” .

بوصلة المسلمين جميعا تتجه صوب القدس . فقط حكام العرب وكلابهم ، لهم ألف بوصلة خربة ، لا تشير أيا منها لغير الفتنة . إكسروا تلك البوصلات على قحف أصحابها ، واتبعوا القلب ، فهو المرشد فى أوقات التيه (إستفت قلبك وإن أفتوك).

 

 

بقلم  :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

شعر ونثر على أطلال المنامة .

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 160) | شوال 1440 هـ / يونيو 2019 م .                

20/06/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 10 )

– مولوى حقانى يرسلنا لإستطلاع أماكن لإطلاق الصواريخ على المطار .

– دليلنا “كومندان المظلات”، كان أكثر الشخصيات غموضا واستهتاراً .. وإنسانية.

 – أول ضحايانا كانت طائرة “إليوشن” عملاقة. وبنهاية الحرب كانت خوست أكبر مقبرة للطائرات فى أفغانستان.

– بدلا من أجازة العيد حقانى يرسلنا فى داورية للتصدى لقوة عسكرية زاحفة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

لم يعد هناك مجال في التراجع ونظرت إلى وجه إخواني، فرأيت فيهما الإهتمام وعدم التردد.

فمضيت قدما وطلبت من الشيخ حقاني أن يرسل معنا دورية إستطلاع حتى نجد المكان المناسب للعمل ضد المطار .

قال: تتحركون صباحاً مع “قومندان المظلات”، وهو ضابط سابق فى سلاح المظلات من قبيلتنا وهو خبير بالمنطقة، تستطلعون المكان من أطراف (ليجاه) أولا فإذا لم تجدوا مكاناً مناسباَ نرسلكم إلى منطقة (باري) للبحث هناك.

قلت له إنه من الضروري رؤية باري أيضاً فمن الأفضل أن يكون لدينا أماكن متعددة للعمل. لم تكن لدى المجاهدين خرائط للمنطقة. رغم الغنائم الكثيرة التي غنموها. وربما كان السبب أنهم لم يدركوا أهمية الخرائط فأتلفوها.  وقد شاهدت في يوم فتح خوست بعد ذلك بسنوات  كيف أنه لا يعيرون إلتفاتا للوثائق، التي كانت بالأطنان في المراكز الحكومية المهجورة.

لقد رفعوا كل شيء إلا الأوراق ، فيما عدا حقاني الذي إهتم بتجميع وثائق (الخاد) التى وقعت بين يديه. وبدون الخرائط كان لا بد من بذل مجهود ضخم للتعرف على المنطقة، وإختيار المكان أو الأمكنة المناسبة.

وقد إستغرقنا خمسة عشر يوماً كاملة، حتى أطلقنا صاروخنا الأول، وكان (صاروخاً تاريخياً) بالنسبة لمعارك خوست. وكان ضربة صحيحة في المكان المناسب.

فتحطمت طائرة (إليوشن) عملاقة كانت في حالة هبوط على مدرج المطار. منذ تلك اللحظة  بدأت خوست تتحول على يد المجاهدين إلى أكبر مقبرة للطائرات في كل أفغانستان،وخسرت الحكومة الشيوعية على أرض مطار خوست حتى نهاية الحرب حوالي سبعين طائرة نقل عسكرية حسب ما أفادنا به الجنرال طيار (عبد الجبار)  الذي تم أسره عند فتح خوست وهو يحاول الإقلاع بآخر طائرة لمست عجلاتها أرض مطار خوست في مدة الحرب.

(كان فى الطائرة الجنرال “صلح أمل” المستشار العسكرى للرئيس نجيب . فى الواقع جاء عبد الجبار  من كابل خصيصا فى مهمة إنتحارية لإنقاذ الجنرال صلح أمل وإخراجه من خوست التى كانت قد تهاوت تقريبا ).

وكان صاروخنا الأخير هو الذي تسبب في أسر تلك الطائرة مع الجنرال (عبدالجبار) . كما كان صاروخنا الأول / وبأمر من حقانى/ هو الذي إفتتح ذلك النوع من العمل العسكري ـ تدمير الطائرات الشيوعية وهي على المدرج- والفارق الزمني بين الصاروخين

 هو ست سنوات فقط  لا غير!!.

 

المجاهدون العرب فى مدرسة حقانى :

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين  أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان . وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار ذلك العمل.

سواء في المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام1991حين فتحت المدينة.

بشكل عام ، كان معظم العمل العربى عشوائيا وغير مدروس . فقط من عملوا مع حقانى كان عملهم منتجا ومفيدا ، لأن حقانى وظفهم ضمن إستراتيجية عمله التى كانت دوما مدروسة وفعالة . وكان مشروعنا ضد المطار هو الأول لنا ، وقد تمكن حقانى بموهبته الفطرية أن يوظف إمكاناتنا بالشكل الأمثل . وأفضل نتائج العرب فى جهاد أفغانستان كانت للذين عملوا مع  حقانى ضمن مشروعه العسكرى ، كما حدث معنا ، ثم حدث مع مجموعة أبو الحارث الأردنى فيما يلى من سنوات. فكانوا هم الأفضل، نظرا لثباتهم فى العمل واستمراريتهم الطويلة. فلم يكونوا من(البدو الرحل) كمعظم الأفراد العرب الذين وفدوا إلى أفغانستان وتميزت حركتهم بالقلق وكثرة التنقل ، مع الإنفعال الحماسى وفقدان الرؤية المتزنة .

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين كما حدث في بعض الحالات أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان كما حدث في معظم الحالات. وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار هذا العمل. سواءفي المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام 1991 حين فتحت المدينة.

ذكرت فى تقرير صحفى ، نشَرَتْهُ صحيفة الإتحاد الظبيانية ، رحلتنا الإستطلاعية الأولى مع وهما المصريان عبد الرحمن وأبو حفص . وكما ذكرت سابقا فكلاهما إستشهد فى أفغانستان، الأول فى الغزو السوفيتى والآخر فى الغزو الأمريكى. أستعين هنا بأجزاء من ذلك التقرير .

 

رحلة خطرة مع قومندان المظلات :

 لم تكن فرقتنا من أبناء باكتيا، لهذا إستعنا بمجاهدي المنطقة في عملية الإستطلاع. (قومندان المظلات( واحد من خبراء المنطقة كان سابقاً قومندان في سلاح المظلات. وبعد أن خرجنا معه في رحلة إستطلاع أدركت أنه واحد من عجائب بلاد الأفغان. (قومندان صاحب) كما يدللونه أحياناً، في الخامسة والأربعين من العمر قوي البنية كمصارع محترف. ذو وجه مستدير وأنفٍ حاد وعينان زرقاوان تلمعان كعيني نمر. في رحلات الإستطلاع يحمل أفراد المجموعة عادة سلاحهم الفردي وكمية كبيرة من الطلقات والقنابل اليدوية فهم يقتربون كثيراً من مواقع العدو وإحتمال وجود كمائن في الطريق يثير الجميع.. ما عدا (القومندان).. فهو يعلق في كتفه بندقية سريعة الطلقات( كلاشنكوف ) ويعلق في رقبته خيط حريري أسود يتدلى منه قراب خنجر أفغاني تقليدي، وسوى ذلك لا يحمل معه أي ذخائر إضافية. في الطريق أدركت أن القومندان يتمتع بذكاء وسعة حيلة يندر أن تجد لها مثيلاً. كانت المهمة هي إستطلاع الجزء الغربي للمطار والمناطق المحيطة به. ولم يترك القومندان فرصة تمر بدون أن يستعرض قدراته التي هي في الحقيقة قدرات مدهشة ولكن طريقة الرجل تفقد الحليم صبره.

بدأت الرحلة بعد الفجر وغاص بنا القومندان في متاهات جبلية لمدة خمس ساعات من السير المنهك. والجميع صائمون ويتذرعون بالصبر. كنّا نتوقع رحلة أقصر من ذلك بكثير، فبالأمس كانت تبدو المسافات قريبة من فوق قمة الجبل في (ليجاة)، ولا ندري ماذا حدث اليوم وكيف إستطالت؟؟. عند الظيهرة وصلنا إلى آخر سلسلة الجبال من طرف وادي خوست وبدت الحافة الغربية لمدرج المطار واضحة للغاية وكذلك كمائن الحراسة ومواقع الدبابات. وبعض مواقع كتائب الجيش المكلفة بحراسة المدينة. أخذ الفريق يلاحظ ويدون ويرسم خرائط (كروكية) للمواقع.

وفجأة لاحظوا عدة مصفحات تتحرك بأقصى سرعتها من جانب المطار في إتجاه موقعنا مباشرة. بدأ الثلاثى يتشاورون بسرعة في إحتمالات تطور الموقف إذا ما جاءت مدرعات وحاملات جنود لمطاردتهم في المنطقة المكشوفة.إتخذوا قرارهم بالمناوشة والإنسحاب إلى سلسلة الجبال القريبة.

بدأوا الحركة بحرص لأخذ مواقع أفضل للمواجهة والمناورة. نظروا حولهم فلم يجدوا (القومندان) بدأوا يصيحون عليه ولا مجيب. عبدالرحمن أفصح بسرعة عما في نفسه قائلاً:هذا الرجل لا أرتاح إليه.. لقد إستدرجنا إلى كمين..سَرَى القلق في نفوس الجميع.. وحاول أبو حفص أن يهديء من مخاوف عبدالرحمن.

ولكن إختفاء الرجل في هذه اللحظة بالذات وتصرفاته الإستفزازية طوال الرحلة جعلت الجميع يعتقد في صحة ما قاله عبدالرحمن. مرت اللحظات ثقيلة وإستمرت المصفحات تقترب من بعيد وقد أثارت حولها سحباً عالية من التراب. وتواردت الظنون لتزيد القلق، فإذا كان هناك كمين فلن يقتصر على تلك الوحوش الفولاذية التي تنهب الأرض في طريقها إلينا. لا بد أن هناك شيئاً آخر قد يكون على مقربة منّا في الوادي أو… ربما على التلال القريبة. بدأت الأعين تبحث في كل شيء يحيط بنا في السهل في التلال، في الجبال القريبة.

وغياب القومندان جعل الشكوك تتأكد. وفجأة إنحرفت مسيرة المصفحات جهة الشمال وظلت تواصل المسير حتى إختفت داخل أجمة كثيفة من الأشجار حيث تتواجد قيادة المدرعات في (خوست). تراجعت المجموعة بهدوء حتى وصلت إلى بداية سلسلة الجبال كان الحر شديداً وشمس الظهيرة قد طردت من أجسامهم آخر قطرة ماء. وإبيضت شفاة الشباب وصار الكلام يخرج بصعوبة.في ظل أحد الأشجار الشوكية بدأ أحدهم ينظم الخرائط ويتأكد من صحة المواقع ويضع بعض علامات ورموز على الأوراق..لقد إنتهت رحلة الإستكشاف لهذا اليوم وعليهم التهيؤ للمسير.. ولكن كيف؟.. والدليل قد إختفى؟.

قرروا العودة من نفس الطريق الذي قدموا منه .أبديت  شكي في نجاح هذا العمل فليس من اليسير تذكر معالم هذا الطريق الطويل الذي إستغرق أكثر من خمس ساعات في متاهات جبلية يبدو أن قدما لبشر لم تطأها من قبل. ترددنا بعض الشيء ولكن لم يكن هناك حلاً آخر.

بدأنا المسير وسيطر على فكري وجود الماء، فنحن في حاجة شديدة إلى الماء والأودية القريبة كلها جافة ولمسيرة ساعة أو أكثر. فماذا لو ضللنا الطريق ولم نصادف الماء؟؟. بينما الصمت يلف المجموعة والأقدام تنتزع من الأرض إنتزاعاً وتوقف الجميع عن الكلام تحت وطأة العطش والجوع والتوتر. جاء صوت مألوف يصيح بمرح ليس له مبرر:

ـ أين تذهبون؟.. هل تتركونني؟.

يا للمفاجأة.. إنه (قومندان صاحب).. نظرنا خلفنا فإذا به يندفع من فوق قمة قريبة كجلمود من الصخر. كتم الجميع غيظهم.

ـ أين كنت؟

ـ لقد تركتكم تراقبون وذهبت لأستريح قليلاً في ظل الأشجار. لم يعرنا إهتماماً كبيراً وتقدم الركب وهو بادي النشاط والمرح..

ـ يبدو عليكم الإرهاق.. الإستطلاع يحتاج إلى رجال أقوياء.. مازلتم صائمون؟.تماسك الجميع

 بصعوبة وأخذ أبو حفص يزمجر وكذلك عبدالرحمن فأسرعت لتدارك الموقف:

ـ نحن متعبون ونريد طريقاً مختصراً للعودة إلى المركز.

ـ هذا شيء بسيط..هناك طريق يوصلنا إلى المركز بعد ساعة واحدة.. هل تحبون المسير فيه؟ ـ ساعة واحدة؟؟

علت الدهشة وجوه الجميع، فقد سار بنا أكثر من خمسة ساعات في الصباح، فلماذا لم يسلك بنا هذا الطريق المختصر؟.أصبح التوتر بادياً على الجميع .

ضحك القومندان وأدرك ما يدور في النفوس. فسار مسرعاً الخطى..

وأخذ يغني بمرح أغاني جبلية جميلة.. لكنها لم تفلح في الترويح عنّا.

دار بنا على سلسلة الجبال لمسافة كيلومترات قليلة ثم نزل فجأة إلى الوادي عبر أحد الشعاب الضيقة الوعرة.. نظرنا إلى جهة اليمين على بعد ثلاثة كيلومترات في الوادي هناك مركز قوي للعدو مهمته مراقبة المنطقة. لفت أبو حفص نظر(قومندان صاحب) إلى هذا الأمر، فلم يهتم كثيراً..عبدالرحمن تقدم بسرعة حتى صار خلف )القومندان( ثم بدأ يتكلم بالعربية التي لا يفهمها القومندان:

ـ إنه سيسلمنا هذه المرة بيده إلى كمين.

كان يبدو كلام عبدالرحمن صحيحاً. فقد أصبحنا في الوادي مرة أخرى وفي منطقة يسيطر عليها الجيش. مد الشباب أيديهم بهدوء وحرك كل منهم جزء الأمان في بندقيته لتصبح جاهزة للإطلاق.شعر القومندان بتوتر الشباب وبقعقعة السلاح من خلفه ظل يسير بلا مبالاة ويصدح صوته بأغنيات بدت لنا أشد نكرا من إنفجارات الصواريخ. ثم إنحرف يساراً في وادي كثيف الأشجار تفجرت منه ينابيع غزيرة. قفزنا إلى الماء لإطفاء حرارة أجسامنا التي كادت أن تشتعل من الحرارة وفقدان المياه. أوقفنا القومندان وأشار إلى نبع قريب يخرج ماءه من باطن الجبل وقال هذا أفضل.شربنا من الماء حتى أنهكنا الشرب..وإرتمينا على الحشائش بلا حراك وبلا حديث.أشار القومندان بإصبعه على إمتداد الوادي جهة الجنوب قائلاً:

على بعد ثلاثة كيلومترات ينتهي الوادي وتبدأ حدود المركز..

يمكنكم إكمال المسير إلى هناك فنحن الآن تقريبا في المعسكر.

نظرنا إلى حيث أشار.. لقد كان قوله صادقاً. فقد بدت بعض القمم التى نألفها… شعرنا بإرتياح شديد. بدأ (القومندان( يمارس هوايته في الصيد ويطلق النار على بعض الطيور والأرانب البرية التي تزخر بها المنطقة.

قال عبد الرحمن منهكا وهو ملقي على الحشائش بجانب جدول الماء:

ـ وددت لو تُكْسَر رقبته.

فرد عليه (أبو حفص):

ـ كان من الأفضل أن يقذفوه من طائرة ومعه مظلة لا تنفتح. ساد الصمت بيننا وبدأت أسمع غطيط فريق الإستطلاع . نظرت إليهم وقد غلبهم النوم و إحتضن كل منهم بندقيته فوق صدره تماما..إختفى القومندان بين شجيرات الجبل ، ومن حين إلى آخر نسمع طلقاته على الطيور والحيوانات البرية…

وأخذت أفكر في هذا الرجل.. من هو؟ وأي صنف من البشر يكون… لم أهتد إلى إجابة ما. ولكن الشئ المؤكد أن ذاكرتي لن يمحى منها شخصية قومندان المظلات، الأكثر تعقيدا وتهورا وإنسانية.

{ ملاحظة : لم أسأل أى أحد بعد ذلك عن مصير كومندان المظلات خشية أن تصدمنى الإجابة المعتادة : (لقد إستشهد).كان ذلك سيحزننى كثيرا، فمازلت أعتقد أنه شخصية نادرة وغير تقليدية. كان رجلا حقيقيا، صلبا وساخرا من الحياة. مندجا فى الطبيعة من حوله ، ولا يبالى إن جاء الموت إليه أو ذهب هو إليه. كنت أتمنى أن أراه كثيرا ونعمل سويا فى الجبهات، وأكتب عنه بالتفصيل . ولكن للأسف لم تكن الأحداث فى معظم الأحوال تترك لنا مجالا للإختيار} .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

البيان الأخير :  

نتائج عمليات مجموعتنا العاملة ضد مطار خوست حتى يوم 28 رمضان 1405هـ. بعد حوالى أسبوعين من العمليات كانت كالتالي :

1- تدمير طائرة هيلوكبتر ناقلة للجنود على مدرج المطار.

2ـ تدمير طائرة نقل كبيرة وإحراقها على المدرج وإصابة 47 من ركابها بين قتيل وجريح

جميعهم من العسكريين (الهندوس). وقد هاجرت عائلاتهم إلى كابول. وعاد بعضهم إلى الهند.  3- تدمير مبنى عسكري قرب المطار ومصرع أربعة من الضباط.

4- إصابة عدد من الطائرات إصابات غير معلومة.

5- إصابة عدد من العسكريين العاملين في الدفاع عن المطار وإدارة المطار بإصابات وخسائر في الأرواح غير معلومة. 6- إغلاق المطار في وجه الملاحة الجوية لمدة أسبوع.

– هذا ولم تقع أي خسائر في صفوف مجموعتنا ، أو فى صفوف المجاهدين المساندين لنا وهو ما تكرر فى عملياتنا الأكبر والأعقد ضد مطارى خوست فى عامى 1990 ، 1991 تحت قيادة جلال الدين حقانى فى حملاته المظفرة لفتح المدينة، ضد إرادة العالم وضد إرادة أحزاب بيشاور “الجهادية”!!.

في رحلة إستطلاعنا الأولى لم نكتشف سوى شخصية قومندان المظلات العجيبة، أما ما يتعلق بعمليتنا على المطار فلم نعثر على المكان المناسب بسبب بعد المسافة. فأرْسَلَنا مولوى حقاني إلى منطقة (باري) لقربها من المطار. ولكنه كان يخشى علينا من خطوط الدفاع الجبلية للشيوعيين وقدرتها على إصابتنا بنيرانها أثناء العمل.

خاصة من قوة العدو على جبل (تورغار) الذي يعتبر مركز دفاعات العدو الجبلية وأكثرها إرتفاعاً وتحصيناً. لهذا إرتبط جبل تورغار بسلامة المطار وإرتبط الإثنان تورغار والمطار بسلامة المدينة.

لقد كان حقاني يعلم ذلك، وهي حقيقة لمسناها لأول وهلة منذ عملنا في ذلك المشروع. وهكذا كان التسلسل الذي إتخذته الأحداث عند فتح المدينة كان إستيلاء المجاهدين على جبل تورغار مقدمة لا بد منها لإغلاق مطار المدينة بشكل نهائي (بواسطة عملياتنا العربية)، ثم فتح المدينة فى حملة عسكرية كبرى قادها حقانى بنفسه. وسنرى تلك الموهبة العسكرية والشجاعة الأسطورية لذلك الرجل، والتى تجلت فى حملته النهائية لفتح مدينة خوست .

إلتحقنا في (باري) مع مجاهدين من قبائل وزيرستان قدموا من الجانب الباكستاني من الحدود، يرأسهم عالم إسمه(عجب نور)، والده أيضاً عالم يدعى (عجب خان) من المشاهيرالذين قاتلوا الحملات البريطانية على بلاد الأفغان. عجب نور كان يمثل قيادة روحية لهذه الجماعة بل للقبيلة كلها. وهو يحضر إلى الجبهة من وقت إلى آخر ولكنه يترك الأمورالعسكرية لإثنين من قواده هما (سميرجول) ومولوى عبدالحليم. سميرجول وهو أول من تعرفنا عليه من المجموعة وصارت مجموعتنا تعمل تحت إمرته ، و كان لنا إستقلالية في العمل ولكن مع إرتباط  إداري مع (سميرجول)، حتى أن غنائم المجموعة كان لنا فيها نصيب. ولكنا رفضنا إستلام شئ منها، تعففاً وحفاظاً على الأجر كاملاً حسب فهمنا لبعض الأحاديث النبوية.

وفي شهر رمضان غنمت المجموعة عدة بنادق كلاشنكوف، من جنود فروا من الخدمة وسلموا أنفسهم، وكان نصيب كل مجاهد 400 روبية باكستانية .

مولوي عبد الحليم،  كان الأكثر طيبة والأكثر صلابة وإنضباطاً وظلت علاقتنا به قائمة حيث بقينا نزوره من وقت إلى آخر في مدينة خوست بعد فتحها، التي يرأس معهدها الديني المسمى (منبع الجهاد).

وقد بترت ساقه أثناء محاولة غير ناجحة للإستيلاء على جبل تورغار،حين إنفجر لغم فوق الجبل أودى بحياة شاب عربي . فحاول مولوي عبدالرحيم أن يسحبه فإنفجر فيه لغم آخر بتر ساقه.

الثلاثاء 30 رمضان 1405هـ ـ 19 يونيه1985م :

في السابعة صباحاً سمعنا طائرات نقل كبيرة  تهبط في المطار.. لقد غيرالعدو أسلوبه وأصبح ينزل في مواعيد لم تكن معتادة قبلاً.. بالأمس نزل قرب العصر.. واليوم في السابعة صباحاً..

ولما لم يجدنا هناك. حيث لم يحدث إطلاق على طائراته الكبيرة التي أصبح يدرك جيداً أنها المستهدفة من ضرباتنا.. وليس أي نوع آخر من الطائرات حتى الهيلوكبتر الرهيبة من طراز “مي-24” كنا لا نطلق عليها صواريخنا الثمينة للغاية. بدأ نزول الطائرات الكبيرة يتتابع بكثرة غيرعادية حتى وصلت في تقديري إلى عشرين  خلال هذا اليوم.. إعتبرت ما حدث  هو عملية (إقتحام للمطار) عندما شعر العدو بعدم وجودنا.

اليوم أراد أن ينهي أكبر قدرممكن من الرحلات الجوية.وظهر  أن العدو يجهزلعملية كبيرة وأن ما يصل إلى المطار هو (مستلزمات العملية) من رجال وعتاد. عملية ( إقتحام المطار) من جانب العدو لهذا اليوم شعرت أنها وسام تقدير لعملنا في أيام رمضان الماضية.

في الرابعة عصراً  بدأنا في إعداد أدوات كهربائية لعملنا المقبل.. قررنا زيادة عدد الصواريخ المستخدمة.. سواء بالتوقيت أو بالمصايد. في الليل علمنا أن غداً عيد الفطر.. وأن مولوى حقاني موجود في ليجاه.

وأن عدداً كبيراً من أفراد مركز “سمير جول” سوف يغادرون صباحاً إلى قراهم.. إنها دعوة لطيفة لنا كي نأخذ إجازة العيد..سألناهم هل ذلك هو المطلوب حقاً؟ ضحك الرجل وقال: نعم.. سنرجع لإستئناف البرنامج معكم بعد العيد إن شاء الله. وافقنا معه على مشروع الإجازة وطلبنا منه أن يرافقنا غداً إلى (ليجاه) لرؤية مولوى حقاني. فوافق على أن يرسل معنا (مجيد) بالسيارة، أما هو فسوف يقابل حقاني في وقت آخر.

أول شوال 1405 هـ ــ 20 يونيه 1985 :

خرجنا من أفغانستان من منطقة غلام خان الحدودية، ثم دخلناها مرة أخرى من نقطة (صدقي) على بعد حوالي عشرة كيلومترات ثم واصلنا التحرك مع  (مجيد) في سيارته حتى وصلنا منطقة (ليجاه). في الطريق كنت أفكر فيما سأكتبه للجريدة من موضوعات، والشخصيات العجيبة التي سأتكلم عنها.

سيكون منهم ولا شك( درويش) الذي أسميه (المقدوني)نظراً لملامحه الإغريقية- ثم ذلك البدوي (كوجامير) ,الذي يجتذب القذائف, ثم قومندان المظلات.

سأكتب بالطبع عن حملة سوفييتية محتملة على باكتيا وهذا ما جئت حتى أبحث إحتمالاته مع مولوي جلال الدين. كان يغمرني شعور كاذب بالراحة الناتجة من شعوري أنني في إجازة !!.

هديرالطائرات الآتي من بعيد كأنه لا يعنيني، والإنفجارات القادمة من أرجاءالجبال كأنها تحدث في عالم آخر.. إنني الآن في إجازة العيد..ترجلنا من السيارة فى ليجاه وأنا أستنشق الهواء النقي بعمق.

يبدو كأن لا أحد هنا؟.. هكذا تساءلنا بتعجب ودهشة لم نرى أحداً رغم أننا وسط مراكز المجاهدين. زالت الدهشة بأن ظهر واحدا منهم كي يخبرنا بإنزعاج بأن العدو يحتشد عند مدخل الوادي لإقتحام ليجاه. وأن حقاني تقدم مع رجاله إلى الأمام. عادت أجواء الحرب التي حاولت أن أتناساها.. طلبنا من مجيد أن يتقدم بنا صوب مدخل الوادي حتى نلحق بمولوى جلال الدين.

قرب مدخل الوادي وجدناه في حوالي عشرين من رجاله.. نزلنا من السيارة وأمرحقانى مجيد بالعودة بسيارته لأن المكان خطر. بقينا معه وسألناه عن رأيه عمليات المطار، فقال بأن نتائجها كانت جيده جدا.

فقد وصله بالأمس تقرير من داخل المدينة عن الخسائرالحادثة من جراء قصفنا للمطار. “وهي الخسائر التي دونتها في نهاية تقريررحلتنا مع قومندان المظلات”. وقال أن هناك إصابات كثيرة غيرمحددة سواء في الطائرات أو الأفراد.. ولكن الهندوس أصيبوا بنكسه ضخمة في الطائرة الأولى التي أصيبت. قال أنه يتوقع حملة روسية كبيرة على خوست.

وأن العدو قد يهاجم اليوم.. ثم سألنا: هل أنتم صائمون؟، قلنا: له بل هو اليوم الأول للعيد. فقال أنهم ما زالوا صائمين. كان هادئ  الأعصاب منظم التفكير، بعد تلك الجلسة التي إستمرت حوالي نصف الساعة، طلب منا المشاركة في صد الهجوم على ليجاه لأن معظم المجاهدين قد غادروا إلى قراهم في أواخر رمضان. شعرت بغصة في حلقي من جراء الإنتقال الفجائي من الحالة النفسية لإجازة العيد إلى حالة مواجهة إنتحارية مع القوات الشيوعية.ولكن في دقائق زالت أوهام الإجازة، وتعاملنا مع واقع المعركة. تحركنا  مع دورية من المجاهدين تحركت شرقاً بين الجبال لننزل في وادي خوست.خلال الطريق الذي وضعنا فيه قومندان المظلات منذ شهر تقريباً.

كانت الأنباء تقول أن تحشداً للعدو يقف قريباً من تلك النقطة وقد يتقدم من خلال ذلك الطريق. كنت منذ عام83 في الأورجون  قد عزمت على ألاّ أشارك في مثل تلك الدوريات .

ولكنها إرادة الله.. وسَرَّى عن نفسي وجود إخواني معي ، علَّنا نستطيع أن نتبادل التعليقات والضحك أحياناً في موضع شرّ البليّة. كنا حوالي العشرين شخصاً.. نحن الثلاثة على الأقل لا نعلم من هو قائد المجموعة، وما هي المهمة المطلوبة. أما طريقة المسير، والمفروض أننا نسيرفي منطقة خطيرة يحتمل تواجد العدو بها.  ومع ذلك فإن مسير مجموعتنا لا يختلف عن المسير في سوق ميرانشاة.وصلنا إلى أقصى نقطة بسلام وإحتمينا بهضبة صغيرة.. ثلاثة من المجموعة معهم منظار مقرب، من النوع الرخيص يؤذي العين أكثرمما يقرب الأشياء.

ذهبوا بعيداً بحوالى مئتى متر فوق هضبة أخرى لمراقبة تحركات العدو..وكانوا يبلغونا بنشرة الأنباء بواسطة الصوت المرتفع!!، فكنا نستمع نحن والعدو فى نفس اللحظة . جلست مع زميلاي تحت الجرف نضرب كفاً بكف.. فجأة وجدنا إلى جوارنا زوجاً من العناكب السامة الضخمة..إنشغلنا بالإشتباك معهم حتى قضينا عليهم قضاءاً مبرماً. بعد ساعة أو أكثرصاحت مجموعة الإستطلاع بفرح. لقد رحل العدو إلى المدينة.. عدنا أدراجنا بنفس الطريقة..إلتقينا مع حقاني مرة أخرى.. أخبرنا أيضاً أن القوة كلها قدعادت إلى قواعدها بعدما شعرت أن هناك مجاهدون كثيرون في خط الدفاع الأول. نحن أيضاً إنسحبنا أدراجنا.. وتواعدنا مع حقاني أن نعود بعد إجازة العيد كي نستأنف العمل ضد المطار.لم نجد سيارات تأخذنا إلى بشاور فإضطررنا للمبيت في ميرانشاة. تقابلنا مع الشخ (فتح الله حقاني) نائب جلال الدين..توقعت أن أجده غاضباً نتيجة المعاملة السيئة التي عاملت بها نائبه عند زيارته لنا.. لكنه لم يتطرق إلى ذلك، بل أثنى على عملنا.. كان مرحاً دائم الإبتسام.. سألته عن حال عينه التى أصيبت أثناء إعداد طريق (ليجاه).. قال إنها بخير ولكن تحتاج إلى عملية جراحية، وأنه قد يسافر إلى السعودية في موسم الحج ثم يجري عملية جراحية هناك.قال أنه يرى بها قليلاً جداً ولكنها لا تؤلمه.

في الصباح أمكننا العثور على سيارة تأخذنا إلى بشاور. في أيام الأعياد يكون الإنتقال بين مدن باكستان صعباً للغاية. فأكثر السائقين يفضلون قضاء العيد مع أسرهم في القرى.

عبدالرحمن وأبوحفص بقيا في بشاورللبحث خلف أجهزة (الرومت كنترول) وأجهزة الإتصال اللا سلكي.

بينما تابعت سفري إلى إسلام آباد كى أقضي مع الأسرة أول أعيادنا في باكستان.. ومن حسن الحظ أن أول يوم لوصولي كان هو أول يوم للعيد في باكستان الذي يتأخر عادة من يومين إلى أربعة أيام عن أعياد باقى أمة المسلمين.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

جلال الدين حقانى 10

 




تنظيم القاعدة .. لا مرحباً بكم فى أفغانستان (3)

القاعدة عدو عاقل أم صديق مجنون؟

تنظيم القاعدة .. لا مرحباً بكم فى أفغانستان 

(3 ــ الأخيرة)

– قبل الحرب .. تيار معادى لأسامة بن لادن داخل حركة طالبان ، يقوده وزير خارجية ، يتشكك فى “القاعدة” والتواجد العربى المرافق لها.

– ظهرت شكوك داخل الحركة بأن أمريكا أرسلت بن لادن إلى أفغانستان لإيجاد ذريعة لضرب حركة طالبان.

– بن لادن فى جلساته الخاصة :

(الإخوة الطالبان جزاهم الله خيراً لا يدركون أبعاد الواقع ولا مصالح المسلمين خارج أفغانستان، ونحن أقدر منهم على ذلك) ــ ( لأدخلنهم حرباً هى خير لهم من الدنيا وما فيها ).

– إغتصب بن لادن صلاحيات أمير المؤمنين ، والقاعدة إحتلت موقع شعب أفغانستان.

– داعش والقاعدة يوَّجِّهان الطعنات للإمارة الإسلامية فى أدق مراحل الجهاد .

– قد تواجه القاعدة إتهاماً بالخيانة العظمى إذا عُرِضَتْ قضيتها أمام المحكمة الشرعية فى قندهار .

 

 

شكوك صقور طالبان :

الجناح المعارض داخل صفوف طالبان كان على رأسه وأهم رموزه “ملا محمد حسن” وهو عضو قوى فى مجلس شورى حركة طالبان، تولى وزارة الخارجية لفترة، وكان يرى بأن بن لادن أصبح هو الذى يحدد السياسة الخارجية للإمارة، فتواجده فى البلاد ونشاطه الإعلامى قد أثار ردود أفعال أمريكية وباكستانية وسعودية. ثم بالتأثير الأمريكي تحركت أوروبا والأمم المتحدة. حتى لم يعد فى إمكان “الإمارة” أو وزارة الخارجية ضبط إيقاع العلاقات الخارجية خارج الدوامة التى أثارها ذلك الرجل.

فى رأى ذلك الجناح من الصقور أن بن لادن يجب أن يعاقب (أو أن يطرد) لرفضه مراراً طاعة توجيهات”أمير المؤمنين” بالإمتناع عن إجراء المقابلات الإعلامية.

الملا محمد حسن كان الأكثر جرأة فى تيار الصقور حين عبر صراحة فى مجالسه بأن هؤلاء العرب “الوهابيون” لا داعى لهم، فهم خصوم (لنا) فى الأساس، فهناك خصومة مذهبية لاحل لها بين الوهابية والصوفية، ثم أن هؤلاء كانوا يدعمون سياف وحكمتيار وقت الجهاد، فهم من الإخوان المسلمين أعداء طالبان ، والعرب قاتلوا مع حكمتيار ضد حركة طالبان، وقتلوا منهم الكثيرين، ثم يتساءل عن السبب فى تحمل (مصائبهم).

ومن هنا ظهرت إتهامات تشكك فى بن لادن وأنه (مبعوث من أمريكا) لإيجاد ذريعة لضرب حركة طالبان (!!). كانت تلك نظرية تآمرية موجودة بالفعل بين صفوف طالبان لتفسير ظاهرة بن لادن التى داهمت حركتهم على غير إنتظار فحددت مصيرها.

فى صفوف العرب كان للمعاضة أسباب أخرى، فقال الصقور أن بيان بن لادن ( إعلان الجهاد على الأمريكيين) جاء قبل سيطرة حركة طالبان على العاصمة كابول والذى جعلها حكومة شرعية للبلاد، الأمر الذى يستدعى إدخال تعديلات جوهرية. فهناك الآن حكومة شرعية لابد من الخضوع لسلطانها وأوامرها . وبرامج مثل (إعلان الجهاد) لابد أن يتم بالمشاورة مع حاكم البلاد (أمير المؤمنين) وطبقاً لتصوراته، أو بالأحرى قدرته على الإحتمال.

وإذا لم يتم هذا التنسيق فسيحدث الصدام عاجلاً أو آجلاً بين “بن لادن” والعرب معه وبين (الإمارة). بينما العرب مجرد ضيوف وهم الطرف الأضعف. فإما أنهم سيُرغمون على مغادرة البلاد أو أن يصمت بن لادن، وتوقفت جميع نشاطاته الأخرى (خاصة معسكرات التدريب).

حدث إجماع عربى فى آخر عامين لهم فى أفغانستان بأن عليهم، وعلى ابن لادن بشكل خاص، الإنتباه إلى أن أفغانستان هى آخر جزء على وجه الأرض يقبل بإقامتهم بشكل طبيعى وبدون أن يكونوا مهددين خارجياً أو داخلياً.

ولم يكن ثمة خلاف بينهم على أن تقدير أمور الدوله وإدارتها هو من صلاحيات ومسئوليات الملا “محمد عمر” أمير المؤمنين ، وأنه ليس من حق بن لادن الخروج على هذه السلطة أو عصيانها أو تكوين (دولة موازية) داخل أفغانستان.

 

كان بن لادن يوافق ظاهريا على ذلك. ولكنه برْهَنَ على أنه الشخص الوحيد فى أفغانستان الذى يرى لنفسه الحق وأن عنده القدرة على أن يفعل ما يريد. فتمكن بذلك من قيادة الركب الإسلامى فى أفغانستان .. إلى الهاوية .

بن لادن فى جلساته الخاصة كان يقول : (الإخوة الطالبان جزاهم الله خيراً لا يدركون أبعاد الواقع ولا مصالح المسلمين خارج أفغانستان.. ونحن أقدر منهم على ذلك) ــ وقال أيضا: (لأدخلنهم حرباً هى خير لهم من الدنيا وما فيها).

تصريحاته تلك فى جلساته المحدودة كانت ترجمتها السياسية أن الرجل وضع يده على القرارات السيادية فى أفغانستان ، خاصة ما يتعلق بأهم محورين: الأول هو العلاقات الخارجية للإمارة الإسلامية ، والثانى هو قرار الحرب التى يرى فيها أفقاً خلاقاً هو الأفيد للإمارة الإسلامية ولشعب أفغانستان ( وخير لهم من الدنيا وما فيها).

 

– الملا محمد عمر كَبَحَ المَوْجَة المعادية لابن لادن وللقاعدة فى أفغانستان ، والمعادية للعرب بسبب تجييشهم العداء الوهابى ضد الصوفية التى يتبعها معظم سكان أفغانستان من الأحناف .

الإهتمام العالمى بتنظيم القاعدة وزعيمه (بن لادن) أصبح هيستيرياً ، خاصة بعد ضرباتهم الثلاث ضد أهداف أمريكية ، بدءاً بعمليتى أفريقيا ضد سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام ثم ضرب المدمرة الأمريكية (إس إس كول) فى ميناء عدن ، وصولا إلى قمة الإثارة فى(غزوة منهاتن) وإسقاط بُرْجَي التجارة هناك .

 فى باكستان وبلاد العرب عموما إكتسب بن لادن وتنظيمه شعبية كبرى . إنتقل جزء كبير منها إلى أفغانستان . ولكن ظل قطاعاً مهما من قيادات كوادر طالبان متشككين فى تلك القصة كلها ، وشعروا أن أفغانستان قد أُختُطِفَت من بين أيديهم ، وإنتقلت إلى “بن لادن” وليس الملا عمر ، وإلى تنظيم القاعدة وليس حركة طالبان . وأن الأحداث أصبحت خارج سيطرة الإمارة وأنها تسير بسرعة نحو كارثة كما حذر كثيرون .

 فى أحد خطاباته الشهيرة  قَسَّمَ بن لادن العالم إلى فسطاطين ـ أحدهما إيمان لا كفر فيه والآخر كفر لا إيمان فيه . كلام حماسى جميل ، ولكن مكتب الملا عمر، أمير المؤمنين فى هذه البلاد كان على بعد دقائق ، ومع ذلك لم يذهب إليه لإستشارته ، فى موضوع تصنيف العالم بهذا الشكل الذى يمهد لحرب عالمية مركزها أفغانستان .

عمليا .. إغتصب بن لادن صلاحيات أمير المؤمنين ـ وإحتلت القاعدة مكانة شعب أفغانستان .

وفى المشهد الأخير من المسرحية نشبت حرب أحرقت أفغانستان وأسقطت نظام الإمارة الإسلامية. وإنتقل بن لادن إلى(أبوت آباد)، المدينة العسكرية فى باكستان، ورحلت القاعدة خارج أفغانستان لتُعَمِمْ تجاربها فى تصنيع الحروب والكوارث ، وفرض الإنتكاس على الشعوب ومحاولاتها الناجحة أو السائرة فى طريق النجاح.

بدأت المسيرة الجديدة فى العراق على يد قائد القاعدة الميدانى (أبو مصعب الزرقاوى). ثم إنتقال مأساوى آخر صوب سوريا على يد عشرات القادة الجهاديين ، لدفع الشعبين فى العراق وسوريا إلى ما وقع فيه شعب أفغانستان من “حرب هى خير لهم من الدنيا وما فيها”. ثم ذلك التطور العبقرى بتحويل القاعدة إلى توأم ملتصق بداعش . وكان عهد الزرقاوى فى العراق هو الخطوة الأولى الكبري نحو ظهور الداعشية التى صارت أهم منتجات الجهاد القاعدى الوهابى ، وأكثرها تأثيرا فى السياسة العالمية. ونادرا ما تظهر القاعدة فى ميدان إلا وتظهر معها داعش ، والعكس صحيح. فيما يبدو أنه توزيع أدوار ضمن برنامج واحد فى أى بلد منكوب.  ورغم تكامل الأدوار، إلا أن التنافس موجود ضمن التحالف الواحد.

فتحول قطاع من منتسبى القاعدة إلى “داعش” ، الأكثر حيوية ودموية ومعاداة للشعوب.

 

وفى كل مكان ذهبت إليه القاعدة كان قادتها يرون أنهم الأفضل إدراكا لمصالح المسلمين .

كانت القاعدة/ ومازالت/ فى اليمن وليبيا والصومال وأماكن عديدة فى أفريقيا وبلاد العرب . وظل الفشل والتدهور من نصيب كل تلك التجارب ، وكان للقاعدة وقيادتها نصيب أوفر من المسئولية عن معارك هى “أفضل للمسلمين فى الدنيا والآخرة” .

فى الدنيا يريحهم الموت وفى الآخرة لهم الجنة . وتلك هى بإيجاز مصالح المسلمين التى لا تدركها غير القاعدة وشقيقتها داعش وأمثالهما من مكونات الشركة الدولية لإبن دحلان وكفيله بن زايد ، أفرع (شركة بلاك ووتر الجهادية) التى تشغل مكانا مرموقا فى إستراتيجية مشتركة بين إسرائيل وأمريكا .

 

 

القاعدة وداعش ..تحرك مشترك فى أفغانستان :

– إذا كان الشك يلف دور القاعدة فى مخطط دولى ضد أفغانستان وحركة طالبان ، فى إشعال حرب عالمية (ضمت 48 دولة) ضد أفغانستان فى عام 2001 . فإن تلك الشكوك بدأت تنبعث من جديد ، بعد نشاطات للقاعدة خلال السنوات التى أعقبت سقوط الإمارة ، وإحتلال أمريكا لأفغانستان . ولأن للقاعدة ماضٍ قديم نسبيا مع حركة طالبان ـ بدأ منذ عام 1996 وعودة بن لادن وطلائع القاعدة مطرودين من السودان ، فإن تعاملهم مع حركة طالبان كان أكثر سلاسة ، مرتكزين على أصدقاء قدماء ومواقف قديمة محسوبة لصالح القاعدة خاصة فى القتال حول كابول.

عملت القاعدة وداعش على مسارين مختلفين يقودان الى هدف واحد هو إسقاط جهاد شعب أفغانستان . تحت نفس الذرائع القديمة {معرفة أفضل للواقع ــ وحرب هى أفضل للشعوب من أى حياة} .

– بدأت الحرب الأمريكية على أفغانستان فى العاشر من أكتوبر 2001 ، وبعد شهرين إستكمل الأمريكيون مع حلفائهم الأجانب والمحليين السيطرة على أفغانستان وإسقاط حكم الإمارة الإسلامية . ويمكن تسميتها بالفترة الأولى . ومن ضمنها تأتى الأيام الأخيرة قبل سقوط قندهار فى يد الغزاه الأمريكيين والميليشيات المحلية . وأداء القاعدة العسكرى فى تلك الفترة جدير بالملاحظة والنقاش. وتضم تلك الفترة تجربة جبال “تورابورا” المثيرة والتى كانت أمل بن لادن فى هزيمة الأمريكيين.

– الفترة الثانية : إستخدام القاعدة لعناصر على دراية جيدة بالوسط الجهادى الأفغانى. واستمرت تلك الفترة عدة أشهر إلى أن إستشهد أو أعتقل معظم هؤلاء الكوادر، بعد قيامهم بمجهود كبير فى دعم مقاومة جديدة ضد الأمريكيين.

– مهما كانت تفاصيل نشاط القاعدة القتالى فى هاتين الفترتين فإنه بالإجمال يندرج / فى أفضل حالاته / تحت باب صَدَقَة يبذلها القاتل على روح القتيل ، حيث كان الأجدى عدم القيام بجريمة القتل فى الأساس.

– الفترة الثالثة محاولة القاعدة بناء تنظيم قتالى خاص بها فى أفغانستان بعيدا عن قيادة الإمارة الإسلامية ، وعلى عكس أوامرها المشددة.

– وتلك كانت أخطر الفترات ، إذ أحْيَتْ الشكوك القديمة فى دوافع وجود “القاعدة” .

وكان تنظيم داعش ينشط فى نفس الاتجاه ، برعاية من جيش الإحتلال الأمريكى ومن أعلى المستويات الأمنية فى حكومة كابول ومن سلطات الأمن الباكستانية . العملية كانت ممتدة إلى أن تسارعت وتيرتها مؤخرا بسبب الأزمة التى وصلت إليها المفاوضات بين الأمريكيين والإمارة الإسلامية .

وظهر للعيان إرتباط أهداف القاعدة مع برنامج داعش فى أفغانستان تحت رعاية الإحتلال الأمريكى . وملخص الخطة الأمريكية هو أظهار ضرورة إستمرارية الإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، بذريعة حماية شعبها ، وحماية دول المنطقة من المنظمات الإرهابية التى تنشط فى أفغانستان ، وفى مقدمتها داعش والقاعدة .

– وتلك كانت خطة بديلة بعد أن تمكنت الإمارة الإسلامية من إفشال المحاولة الأمريكية بجعل هدف المفاوضات هو إرساء السلام فى أفغانستان بين حركة طالبان وحكومة كابول العميلة .

 إذ أصرت حركة طالبان على أن إنسحاب القوات المحتلة هو الطريق الوحيد للسلام . وأن الحكومة العميلة هى مشكلة محلية سيكون حلها سهلا بزوال الإحتلال . كما شاع نبأ عن تسوية المئات من أعمدة النظام الحاكم لأوضاعهم مع الإمارة الإسلامية ، لضمان سلامتهم بعد إنسحاب القوات المحتلة . وتعاون هؤلاء مع الإمارة فى العمل ضد الإحتلال لم يعد سراً، كونه الوسيلة الوحيدة لإثبات حسن نيتهم بعد سنوات قضوها فى خدمة الإحتلال .

– بمساعدة الإحتلال الأمريكى جاء آلاف الدواعش من تركيا إلى أفغانستان بعد أن إنتهت مهمتهم فى سوريا .

– القاعدة من جهتها ، ومنذ سنوات، تسرب عبر إعلامها مفهوم إنها حليف لحركة طالبان ومشارك لها فى جهادها.

تغاضت الإمارة الإسلامية عن إدعاءات القاعدة بإعتبارها دعايات حزبية معتادة تستخدم الأكاذيب لتقوية وضع التنظيم . ولكن القاعدة تمادت فى الفترة الأخيرة ، تماشيا مع إنهيار الموقف الأمريكى فى التفاوض . وتعلقه بورقة مكافحة الإرهاب بحجة تواجد القاعدة وداعش فى أفغانستان كتبرير لتواصل إحتلاله لأفغانستان. وهى الذريعه التى تعلق بها فى سوريا والعراق بعد فشل مشاريعه المباشرة للإحتلال كوسيلة للسيطرة على الثروات النفطية للبلدين .

بدون مناسبة رفعت القاعدة مستوى إعلانها عن تحالف وهمى مزعوم مع حركة طالبان. وعبر مؤسسة “السحاب” الإعلامية بثت شريط فيديو أغضب الإمارة الإسلامية التى شككت فى دوافعه وتوقيته . خاصة وأن الشريط المذكور ركز على مسألة التحالف ، ثم أن “السحاب” أرسلت الفيلم مباشرة إلى مجلة أمريكية هى(لونج وور جورنال) ولم ترسله فى البداية إلى الإمارة أو المواقع العربية . “السحاب” نشرت الشريط مع بداية الجولة السادسة من المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة . وقد تداول الإعلام الغربى بكثافة ذلك الشريط المشبوه ، مُرَكِزاً فى تعليقاته على أكذوبة “التحالف” بين القاعدة وطالبان.

إحتوى الشريط على مقاطع قديمة لعمليات عسكرية ناجحة لحركة طالبان ، إدعى الشريط أنها عمليات مشتركة بين طالبان والقاعدة . وكان ذلك كذباً إستفزازيا لأن “السحاب” حذفت التعليقات الأصلية من الشريط وكانت بلغة الباشتو ، ووضعت تعليقات بلغة الأوردو مكانها .

هذا  النوع من التلاعب هو من الأعمال الروتينية فى أوساط المنظمات الطفولية ، وكان يمكن مواصلة التغاضى عنه لولا توقيت المفاوضات ، ولولا التركيز الإستفزازى حول أكذوبة “التحالف” الذى إستفاد منه العدو وروجه إلى أقصى مدى ممكن .

 

 

تفكيك النشاط التنظيمى للقاعدة فى أفغانستان :

تمكنت الإمارة الإسلامية فى تفكيك النشاط التنظيمى للقاعدة فى أفغانستان . وكان ذلك سهل(نسبيا) ولم تستخدم فيه القوة . والسبب هو أن عدد أفراد التشكيل العسكرى للقاعدة كان محدودا، وجميع عناصره هم من أفغان . وقائدهم الميدانى”جول”، كان مجاهدا على خلق كريم وشجاعة أفغانية . إذ فشلت القاعدة فى إيجاد شخصيات دموية كالتى جندتهم فى العراق وسوريا على رأس فروعها هناك . فتمكنت الإمارة من إقناع(جول) بتفكيك مجموعتين تابعتين للقاعدة كانتا تحت قيادته ، وتسليم جميع الأسلحة إلى الإمارة .

ــ جَرَتْ محاولات أقل أهمية لبدء عمل تنظيمى للقاعدة بواسطة عرب”متطوعين” لتجنيد عناصر من حركة طالبان سراً ، وإحداث إنشقاق فى الحركة، ولكن الإمارة عالجتها بسرعة.

ــ الوضع مع داعش كان مختلفاً لأن أكثر عناصر داعش لم يكونوا أفغاناً بل كانوا من الدول المجاورة لأفغانستان . كما أن سفك دماء المسلمين ، والسعى إلى الإنشقاق ورفع السلاح فى وجه المسلمين هو ثقافة داعشية ثابتة . وفى ظروف معينة تمكنوا من تجنيد بعض القيادات الميدانية التى لها خلافات تنظيمية مع الإمارة ،وشنوا دعايات تكفيرية ضد الإمارة وضد معظم الشعب الأفغانى . فكان لابد من إستخدام القوة ضدهم ، وقتالهم فى أى مكان يظهرون فيه ، نظرا لخطورتهم على سلامة السكان ، وأمن مجموعات المجاهدين.

 

سيكون على قيادات القاعدة عند مثولهم أمام المحكمة الشرعية فى قندهار بعد التحرير :

– الإجابة عن الكثيرمن الأسئلة حول إشعال الحرب مع الأمريكيين عام 2001 بدون إذن أو تشاور أو حتى إخطار الإمارة . وتحميل القاعدة كافة المسئوليات عن ذلك.

– تفسير عملية ترتيب إنشقاقات داخل حركة طالبان، وشق صفوف المجاهدين وإضعافها بتعدد التنظيمات المسلحة أثناء إحتدام القتال ضد جيوش الإحتلال. بما يجعل من ذلك جريمة ترتقى إلى درجة الخيانة العظمى .

– بث دعايات كاذبة / بإدعاء وجود تحالف بين القاعدة وحركة طالبان/ لإحداث شبهات تخدم المحتلين وتضر بالموقف التفاوضى للإمارة وموقفها السياسى الداخلى والخارجى . حيث أن نسبة معتبرة من الشعب الأفغانى تعتبر تنظيم القاعدة مسئولا عن إشعال الحرب ، وعن سؤ إستخدام للأرض الأفغانية وشروط الضيافة وآدابها ، ناهيك عن تبعات الإخلال بالبيعة الشرعية الى قدمتها القاعدة للإمارة .

بالمحاكمة الشرعية سيتضح ما إذا كان تنظيم القاعدة عدوا عاقلا يعى تماما ما يفعله ، أو أنه صديق أحمق يجب الحجر عليه وتجنبه.

 

بقلم  :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

القاعدة عدو عاقل أم صديق مجنون؟ 3




السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟!

(2)

في الحقيقة كثيرة هي العوامل التي ساهمت في نشوء السلفية الجهادية بفكرها الراديكالي.

فمن تلك الأسباب ضعف المؤسسة الدينية في التوجيه وقصور التعليم عموما وكذلك واقع انهزام المسلمين أمام الإحتلال الغربي وتسلط الدول الأجنبية على ثروات الأمة وفشو البطالة وعدم نجاح مشاريع الإصلاح السياسي والدعوي…إلخ

حالات العالم الإسلامي تختلف من بلد لآخر في الدوافع والأسباب غير أنه هناك قاسم مشترك بين جميع الدول هو سوء التعامل مع المخالف فما دام هناك تعامل بشدة وعنف فطبيعي أن تكون ردة الفعل مشابهة على غرار القاعدة الفيزيائية (لكل فعل ردة فعل)

وفي الغالب كان ظهورها كردة فعل لما واجه الحركة السلفية الدعوية والسياسية الإسلامية الأم في كثير بلدان من (قمع واطهاد) في المغرب مثلا كان أول ظهورها بعد القضاء على حركة الشبيبة الإسلامية أواخر سنة 1975م وما أصاب مؤسسيها من نفي وسجن ومطارة (الشيخ عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال ورفاقهما…) مع أنهم لم يكونوا يتبنون العمل المسلح وليس من أدبياتهم، فنشأ بعدهم من يتبنى فكرة المواجهة المسلحة مع النظام وتبني أدبيات دخيلة على المجتمع المغربي ونشط لذلك مشايخ ودعاة ورطوا الشباب المتحمس ولبسوا عليهم دينهم.

(فكان آنذاك 1975\1980 بداية شرارة الجهاد الأفغاني ضد الروس مما جعل متنفس لمن يريد الذهاب للقيام بتلك الفريضة الغائبة! حتى إن الشيخ عبد الكريم مطيع يذكر أن السعودية حينها عرضت عليه الذهاب للعمل والتحريض للجهاد في أفغانستان وباكستان فرفض بسبب قناعته أن المعركة آنذاك لمصالح أمريكية، والعرب وقودها و مجرد خيول يُركب عليها !)

طبعا ذهب الكثير من سلفية المغرب الذين تبنوا الفكر الجهادي، قتل من قتل وعاد من سلم إلى المغرب وكان منهم من يريد تأسيس تنظيمات مسلحة ضد النظام، ومنهم من بدأ يعمل بشكل فردي وعشوائي _إغتيال هنا أو هناك، بعضها علني والبعض الآخرسري مثل حركة المجاهدين المغاربة التي كانت تنشط في الخارج وداخل المغرب أغتيل أميرها ومؤسسها في فرنسا (النعماني) سنة 1985في ظروف غامضة!

وهكذا توالت التنظيمات والحركات في مختلف المدن المغربية ويكتنفها الكثير من الغموض بدءا بأهدافها ومصادر تمويلها إلى المستقطبين لها، غير أنها كانت دائما ماتستهدف النظام ومفاصله من شرطة وأعوان وقضاة .!

أذكر وأنا صغير لايتجاوز عمري 6 سنوات بين 1998\2000 كنت أذهب رفقة اخي محمد إلى مسجد دوار بوجدي وكانت تسمى يومئذ (ب قندهار لكثرة الملتزمين فيها والنشاط الدعوي) بتولال مكناس وكانت المدينة بل المغرب بكامله في ذلك الوقت يشهد انفتاحا علميا ودعويا تنشط فيه كل الحركات الإسلامية وكانت هذه القرية تضم مجموعة من الملتزمين التقليديين وأغلبهم بسطاء التعليم والثقافة يرأسهم أحد الإخوة السلفيين(أبو خليل) مسؤول بالفطرة وليس القانون عن إدارة المسجد في القرية ويقوم بمجهود الدعوة و وتحفيظ القرآن الكريم، وكذلك يستدعي بعض مشايخ السلفية آنذاك لإلقاء الخطب والمحاضرات (العنترية) التي أذكر من إحداها حديث الإخوة أن الشيخ الفيزازي قبل أن يبدأ محاضرته خاطب الحضور الكريم من بسطاء التعليم وشباب يتراوح عمرهم بين 15/25سنة من امه تخاف عليه ليأخذ حذاءه ويذهب إليها !

طبعا لأن المادة لاتلائم الجيل الناشئ…! ومما لا يخفى كيف كانت هذه الطائفة من الملتزمين تشدد على الناس وتنفرهم بتصرفات طائشة في أسلوب الدعوة، لها قصص وطرائف شبيهة بالواقع السوري كما سيأتي معنا لاحقا غير أن الأول لم يتوفر لديه السلاح.!
وأيضا كان يأتيهم أسد المنابر الشيخ أبو حفص رفيقي.ومعظم وعاظ ومنظري ماعرف بالسلفية الجهادية بعد تفجيرات 16 ماي 2003 والتي أيضا لا تخلوا من الغموض لامن طرف المنفذين لها ولا من هم المخططين…!

ويبقى السؤال هل لو كان هناك خطاب وتوجيه ديني رشيد رسمي أو غير رسمي وحسن تعامل مع الأفكار الخاطئة وعلاجها بنظيرها بدل البطش والقهر هل كانت ستختلف النتيجة!؟ في نظري “نعم” وفي الجزائر حادث الإنقلاب الماكرعلى حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية الذي اكتسحت الساحة دعويا وحققت انتصارا ساحقا في الإنتخابات آنذاك .
مما جعل المناخ مناسبا لبروز أشد الجماعات تطرفا وراديكالية(محمد أمين والزوابري) أتت على الأخضر واليابس .!

وفي تونس كان للعلمانية الشرسة وممارساتها القمعية العنيفة ضد الحركة الإصلاحية الإسلامية ودعاتها الدور الرئيسي في تغلغل فكر الغلو والتكفير بين صفوف المتدينين ممن كانوا في سجون النظام وكذلك عقب خلع بن علي وفد مجموعة من الدعاة (الحازمي)ونشطوا في تلقين الشباب المبتدأ والمتحمس العديد من الأفكار والمفاهيم المغلوطة والمنحرفة التي كان لها انعكاسا سلبيا على الجانبين الدعوي والسياسي بل وكانت بمثابة دق الإسفين وسط مجتمع حديث عهد بحرية. وليبيا ومصر قبلهم.. وكذلك كثير دول أخرى.
ومما ينبغي الإشارة إليه مسألة اقتران السلفية الجهادية بالخليج عموما وبا لسعودية خاصة سواء من ناحية الدعم اللوجستي أو الفكري أو المذهبي “فقهيا” وخاصة خارج المملكة وكأنهم يدعمون أي نشاط تخريبي في العالم الإسلامي فقط لا يكون داخل مملكتهم أو يهدد مصالحهم !
طبعا الخليج يحمل أدبيات عريقة عتيقة من إرث الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجيل الذي تلاه من أئمة نجد وإخوان من أطاع الله ولايتناسب مع هذا الإرث ويصلح له خير من السلفية الجهادية فهي كثيرا ما تعتمد على الوجبات (فتاوى) السريعة الجاهزة بدون عناء لحل أي معضلة قد تواجه الفرقة الناجية !

ولإن كانت الدعوة النجدية قدمت أفكار وفتاوى نراها ليست سليمة ولها إرتباطها السياسي وفي سياق معين يومئذ… فإن السلفية الجهادية قد ترجمت تلك الأفكار والفتاوى عمليا على أرض الواقع تحت رعاية جهات بعيدة عن حسن النوايا قبل ثورات الربيع العربي وأثنائه..!

وبالتأكيد أي فجوات إجتماعية تجعل المناخ مناسبا لتدخل جهات عديدة تعتني بتفتيت وإضعاف الدول الإسلامية لغايات عديدة.!
مثلا في حرب أفغانستان ضد الروس معلوم أن السعودية خصوصا والخليج عموما كانوا يدعمون بشكل مباشر وبعد خروج الروس، كذلك استمر الدعم للحرب الأهلية فيها وللجماعات هناك إلى أن دخل الامريكان لإسقاط حكم طالبان المتمردة على المصالح الأمريكية. أوقفت السعودية دعمها وألغت اعترافها بشرعية حكمها!

ثم في العراق كذلك كان الدعم السعودي للجماعات السلفية بشكل مباشر وغير مباشر يعمل على قدم وساق. ثم في ثورة سوريا دعمت السعودية وساهمت في إنشاء العديد من الجماعات السلفية الجهادية وغيرها عبر أموالها الرسمية وداعميها المحسنين.!

والقائمة تطول بذكر نماذج العلاقة بين الخليج والسلفية الجهادية من شمال إفريقيا إلى جنوبها ثم البوسنة والهرسك إلى الشيشان مرورا بألبانيا ثم كشمير ودول شرق أسيا وأسيا الوسطى. ومما لاشك فيه أن من وراء دول الخليج دول أجنبية لها مصالحها مثل إسرائيل …أزالها الله وكسر جبروتها… ثم أمريكا ثم بريطانيا ثم فرنسا كل يدلي بدلوه خلف ستار الداعم الخليجي _السعودي وهو أيضا يجند لمهامه مشيخات (مأجورة )ودعاة تكون حلقة وصل بينه وبين شباب الأمة مما يعني إن أحسنا الظن مع استبعاد ذلك أن السلفية الجهادية قد تكون مجرد مطية (بغال التحميل) تخدم مصالح الأسياد خدم الغرب الذي يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا…
والضحية دائما الشباب اللاهث خلف السراب مغمض العينين يقوده أعمى .!

بينما جيوشهم المتمرسة والصاعقة أثخنتهم (الكبسة وشرب البيبسي) ولعل هذا ما خلصت إليه حركة حماس في قطاع غزة حينما استأصلت (جند أنصار الله ) السلفية.!

وفي تصوري أن السلفية الجهادية ما دخلت بلدا أو ثورة إلا أفسدتها وزادت طينتها بلة… وهذا يعد من عظيم انجازاتها.!

يقول د. فريد الأنصاري رحمه الله (وعليه فقد كان لهذا وذاك مما ذكرنا من موازين مُختلَّة أثرٌ بالغٌ على انحراف التيار السلفي وانزلاقه إلى اتجاهات أخرى وُظِّفَت أحيانًا لضرب الإسلام نفسه، فمع أواخر القرن العشرين الميلادي لم يلبث جيل الخلف من المدرسة السلفية أن تغيَّرتْ أحوالُه، واضطرب اتجاهه بسبب تعرضه لفتن مذهبية وأخرى سياسية، فشطّت به رياح الأهواء إلى ضربٍ من الانحراف المنهجي، والتعصّب المذهبي، واستصنام المشايخ والزعماء، مما أدى فيما بعد إلى أن تكونت منه تيارات وفرق شتى، كان لها أكبر الأثر في توتر الساحة الدينية بالمغرب وإرباك مسيرة الصحوة الإسلامية إرباكًا شديدًا). الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب (ص122)

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)




جلال الدين حقانى 9

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 9

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 159 ) | رمضان 1440 هـ / مايو 2019 م .                   

18/05/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 9 )

– سياف أفشل المشروع  الطموح لتصنيع الذخائر .

– حقانى يتجنب منزلق قرية (بابى)، التى تبتلع القادة والعلماء بعيدا عن ساحات الجهاد .

 – مهرجان النيران فى (جاجى) يهدر أموال العرب ويبعدهم عن جبهات الجهاد الحقيقية .

–  مجموعتنا الخاصة تتجه إلى جاور .. فى زيارة خطيرة لم تَخلُ من المرح .

–  بسعادة غامرة إحتفل المجاهدون بوصول أول أطفال العرب إلى جبهة القتال .

–  حقانى يحذر أحزاب بيشاور من أن العدو قد يحاول فى عملية واحدة إغلاق منفذى “جاور” و “جاجى” ، ليفتح الطرق البرية إلى مدينة خوست .. ولم يهتم أحد .

– حقانى يقول لنا: لماذا لا تغلقون أنتم المطار؟؟، وكان الأمر أكبر كثيراً مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

من نافلة القول أن نذكر فشل مشروعنا الطموح بتصنيع الذخائر الأساسية. وهو المشروع الذى تحمس له حقانى وعدد من ضباط الإتحاد التابعين لسياف . وفشل المشروع عائد لسياف شخصيا الذى يخشى كثيرا من أى مشاريع جهادية جادة قد تكشف زيفه ، وتكشف حقيقةتوجهاته المرتبطة بأعداء أفغانستان ، الذين يعمل حاليا تحت رايتهم فى كابل عاملا على تثبيت أركان الإحتلال الأمريكى.

منزلق بابى :

لعل من أهم معالم عام 1983م في مسيرة الجهاد في أفغانستان هو ظهور إسم (بابي) في قاموس الجهاد.

تكلمت مع حقاني في بيشاور عن رغبتي في إحضار عائلتي إلى باكستان كي أتفرغ للعمل مع المجاهدين . ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي نثير فيها هذا الموضوع . فأخبرني أن الحكومة الباكستانية وزعت على قادة الأحزاب وقادة الجبهات المشهورين قطعا من الأرض في منطقة خارج بيشاور تدعى بابي على بعد حوالي 20 كيلومترا في الطريق إلى إسلام آباد .

ثم عرض حقانى أن آخذ قطعة الأرض الخاصة به لأنه لا يحب أن يستقر في بيشاورلأن ذلك سوف يغرقه في مشاكلها  ، وقد تُوْكَل إليه مهام إدارية في الإتحاد تجعله بعيدا عن الجبهات.  وأخبرني أن مولوي أرسلان له قطعة أرض مجاورة له وأنه شرع في بنائها .

أجبته أنني سوف أكون مسرورا بأن أكون جارا لمولوي أرسلان ولكنني مشغول بالنسبة     لدراسة الأولاد ، فأولادي عددهم كبير ومعظمهم في سن الدراسة . لذا سوف أبحث إمكانية    الإقامة في إسلام آباد عندما أتأكد من وضع المدارس العربية فيها .

علمت بعد ذلك أن بعض(فاعلي الخير) من السعودية قد إشتروا من حكومة باكستان مساحة واسعة في منطقة بابي ووهبوها لسياف كي يقيم عليها قرية جهادية يستوعب فيها رجاله وموظفيه وقادته، ومشاريعه الجهادية!! ومدارس ومستوصفات علاجية ، وحتي جامعات .

وهكذا مع الوقت إبتلعت بابي ليس فقط أموال العرب التي أغدقوها بغير حساب للتنمية و للتعمير، ولكنها إبتلعت عشرات من قادة الجبهات المقتدرين والعلماء الذين دخلوها ولم يخرجوا منها إلاإلى المقابر أو إلى أفغانستان لتولي بعض المناصب في(الحكومة الإسلامية)  بعد الفتح وهي الحكومة التي أدارت الحرب الأهلية بين المسلمين حتى أزاحتها حركة طالبان .

كنت أرى في بابي مجرد(سيرك) يديره مهرجي الجهاد لمجرد سلب أموال العرب وإبعادهم عن المساهمة الجادة في الجهاد ، وكانوا يحيطونها بجو كاذب مضلل . ويضخون في أسماعهم يوميا عشرات الأكاذيب والإفتراءات ، ويرفعون لديهم أقواما ويضعون آخرين .

حتى صارت الصورة التي يتم بثها من بيشاور ـ بواسطة سياف بصفته الجديدة المهيبة ـ وكبار المسئولين حوله، هذه الصورة لا تَمُتْ بصِلَة لصورة الجهاد الحقيقية ولا تساعد بأية حال على معرفة القضية الحقيقية في أفغانستان .

كان سياف وغيره من القادة لا يرغبون إطلاقا في أن يتعمق العرب في صلاتهم الميدانية بأفغانستان والجهاد هناك ، لأن ذلك سوف يفضحهم ويوضح أوجه الزيف في العملية كلها .

كان المطلوب هو أن يحضر العرب إلى بيشاور كي يستمعوا إلى الأكاذيب ويشاهد تمثيليات محبوكة يديرها القادة ومساعديهم ، مع مزيد من الهياج العاطفي المحموم التي تثيره الأشرطة والمجلات الإسلامية التي ضخمت الحديث حول مواضيع فرعية ، أهمها (الكرامات) التي كثراللغط حولها في أحاديث قليل منها صحيح وأكثرها كاذب.

الكتاب الإسلاميين فى حديثهم عن هؤلاء القادة من الأفغان “الذين يذكرونهم بالصحابة” تمادوا في هذا الإتجاه المدمر، ليس فقط للجهاد في أفغانستان بل لتاريخنا الإسلامي ورموزنا الإسلامية الكبيرة.حتى قال أحدهم عن سياف إنه عُمَر الثالث  في زهده وتواضعه!!. إلى هذه الدرجة وصل التضليل والعمى.

والويل كل الويل لمن يعترض أو حتى يتحفظ . فهو إما(عدو للجهاد)،وقد نلت هذه التهمة  مرارا، أو هو زنديق ينكر الكرامات ، أو هو يطعن في نزاهة رواة تلك الكرامات وهم من هذه الفئة التي إن قابل أمثالهم البخاري لأخذ عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 وأن من يرد هذه فقد رد تلك !!.

سمعت هذا التهريج وأمثاله بأذني من شخصيات إسلامية كبيرة وعلى قرائنا المستقبليين أن يتخيلوا درجة الإنحطاط الفكرى التي كنا فيها، وانخرطنا بها، في أعاصيرالجهاد على

أرض أفغانستان. كانت “بابي” هي بوتقة كل ذلك الغثاء ، والهوس الجماعي باسم الجهاد . كانت(حملة إسلامية) لتضليل الأمة الإسلامية  ولمنعها من الرؤية السليمة وبالتالي منعها من ردة الفعل الصحيحة .

حملة أوقدها أعداء الأمة وإنساق فيها بعفوية وصدق وإخلاص عدد من كبار رموز الأمة التي دفعتهم الساحة الأفغانية إلى مقدمة الصفوف من بين أوساط الإسلاميين .

 جاجى .. مهرجان بالنيران :

ولا تذكر(بابي) إلا وذكرت معها شقيقتها (جاجي) ذلك الموقع الحدودي الذي مارس فيها سياف تضليلا عسكريا على جهلاء العرب المتحمسين حتى الموت والمتحرقين للشهادة في سبيل الله، وأكثرهم لم يسمع في حياته صوت طلقة أو يلمس بيده بندقية . كانت ضغوطات العرب على سياف كي يذهبوا إلى الجبهات آخذة في التصاعد مع تزايد أعداد العرب الوافدين إلى أفغانستان .

تعمد سياف في البداية إرسال المتحمسين العرب إلي جبهات (مضمونة سياسيا) أي تقودها شخصيات غير طموحة سياسيا ومرتبطة بالإتحاد. فكان الإتجاه الأساسي نحو   جبهات جلال الدين حقاني . ولكنه كان يخشى من قوة حقانى وشعبيته لذا تفتق ذهن سياف عن جبهة أخرى قريبة من كابل هي جبهة (شكردرة) التي يقودها الشاب الذكي الطموح “محمد صديق شكري”الذي كان في طور التلميذ على يد أستاذه وقائده سياف.

ولم يلبث القلق أن إنتاب سياف من نباهة “شكرى” الذي أتقن العربية بسرعة وبدأ يتكلمها بطريقة سياف ويحاكيه في إلقائه وكأنه صورة طبق الأصل، فحاز إعجاب زواره من الشباب العرب ، وعقد صداقة متينة مع الدكتورعبد الله عزام وروى له عدة “كرامات” لا أصل لها، ولكنها حازت إعجاب الشيخ، فأوردها فى كتابه عن الكرامات، والمسمى “آيات الرحمن فى جهاد الأفغان”بعد أن أقسم “شكرى” على صحتها !! .

كما زادت زياراته له في بيته في إسلام آباد وفي تجمعات العرب، خصوصا المركز الإسلامي في بيشاور، فزادت شعبية شكري كثيرا.

وبدأت التبرعات تنهال على جبهته مباشرة على شكل هِبَات عينية تسلم إليه  شخصيا. شعر سياف بالخطر فكان لا بد له من أن يتواجد بنفسه فى سيرك جديد للألعاب النارية يرضى نزوات الشباب العرب.فتفتقت عقليته المتوقدة عن(جاجي) كأول سيرك جهادى للألعاب الجهادية،مخصص للسياح العرب.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 فى عام1984ــ الإنحراف يتأصل :

جاجي كانت نجم عام 1984 بلا منازع بالنسبة للشباب العربي وجماهير المسلمين المتحمسة .

 لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لي وبالنسبة لقلة نادرة من العرب ، ولا بالنسبة لأكثيرية الأفغان سواء القادة أو (الكومندانات) أو حتى الأفراد العاديين . كنت أراها تهريجا وتضليلا وإستنزافا لأموال العرب والإحتيال عليهم .

طريقة سياف في قيادة الإتحاد جعلتني أتشكك في إمكانياته لأن يكون قائدا حقيقيا للجهاد وللشعب الأفغاني . لم يكن أكثر من (قائد آخر) مثل هؤلاء الذين سبقوه.

نفس المنهج ونفس العقلية ، إلا أنه أكثرهم قدرة  على الخداع والمراوغة ففازعلى الجميع. وأمسك بسيف الشرعية وإستولى على الأموال المتدفقة على الإتحاد بصفته رئيسا لذلك الإتحاد الوهمى. ولكنها تحولت إلى أموال شخصية ساعدته في تقوية مركزه وزيادة عدد أتباعه. ولم يُصَبْ منها شيء إلى داخل الجهاد في الجبهات لأن الإنفاق على الجهاد تمويلا وتسليحا كان قد أصبح مهمة أمريكية.

وسياف ـ أو غيره من قادة الأحزاب ـ غير مستعد بالمرة أن يضحي بغنائمه من أموال العرب كي ينفقها على الجهاد نيابة عن الولايات المتحدة.

في ذلك الوقت كانت المخابرات العسكرية الباكستانية تشدد قبضتها يوما بعد يوم على  أمور القتال داخل أفغانستان ، وكانت حتى ذلك الوقت تستخدم(الأحزاب الجهادية) في بيشاور كقناة رئيسية للدخول إلى أفغانستان والتعامل مع(القومندانات)المحليين .

وسوف نرى أن هذه القناة تم الإستغناء عنها تقريبا في وقت لاحق وتحول الباكستانيون إلى الإتصال المباشرمع كل(قومندان)علي حدة، فتهمشت الأحزاب وتحول الزعماء إلى مجرد بيادق على رقعة اللعبة السياسية.

في بيشاور لم يكن الدور الأمريكي قد إتضحت لنا أبعاده الحقيقية حتى ذلك الوقت. وكنا نظنه هامشيا ، وكذلك دور باكستان والسعودية .

قبل أن يتوجه سياف إلى جاجي في زيارته الأولى لها،كنت في مَكْتَبِهِ مع الصديق المنياوي كي نطلعه على آخر تطورات البحث حول مشروع التصنيع العسكري . وكنا نعتزم قضاء بعض الوقت في الجبهات ـ عند مولوي جلال الدين حقاني ـ صديقنا الدائم .

كانت مفاجأة لنا عندما علمنا أن سياف قد أسس مركزا عسكريا في جاجي وأنه ينوي نقل مقر إقامته إلى هناك .

كان ذلك أملنا منذ البداية . ولاحظت أن سياف كان متحفظا قليلا وهو يزف إلينا البشرى رغم علمه بإلحاحنا عليه منذ سنوات كي يتخذ تلك الخطوة . وقال بأنه لن ينقل مقر إدارة الإتحاد إلى جاجي ـ كما طلبناـ إلا بعد أن يتأكد من صلاحية الموقع ومناعته . ودعانا إلى مرافقته إلى هناك فوعدناه باللحاق به فيما بعد .

دارت رأسي ولا أكاد أصدق … هل يفعلها سياف أخيرا …. تلك هي فرصته الأخيرة كي يصبح قائدا حقيقيا للجهاد … وأن يصبح الإتحاد إتحادا حقيقيا للمجاهدين وليس إتحادا ورقيا بين الساسة . ولكن لماذا يتحرك منفردا؟ … تساءلنا في إنزعاج ، لكونه يدخل إلى باكتيا ـ تلك المنطقة الحساسة ـ بدون قادتها الكبار ، وعلى رأسهم حقاني وأصحابه الآخرين مولوي أحمد جول ومولوي أرسلان وعشرات آخرين ؟؟ .

جزئية أخرى من الصورة في بيشاور آنذاك رأيناها عند العصر. لقد وصلتنا دعوة من بعض الأصدقاء لحضور إجتماع في (بيت باكتيا) وهو منزل إتخذه مولوي خالص كاستراحة لقادة محافظة باكتيا ومجاهديها عند زيارتهم لبيشاور . ذهبت مع المنياوي إلى هناك بصحبة مولوي(عبد الرحيم أخونزانده)الذي صار وزيرا للعدل بعد فتح كابل. فوجدنا البيت مزدحما بشكل غيرعادي . كان هناك ما بين خمسين إلى سبعين من قادة الداخل ليس فقط من باكتيا وباكتيكا ولكن أيضا من غزني ولوجر وغيرها من المحافظات .

كانت الوجوه عابسة والكلام يدور بنبرات غاضبة مع تلويح عنيف بالأيدي والقبضات . كان الجو ملبدا وينذر بالخطر . فسألنا مولوي عبد الرحيم عن موضوع الإجتماع وسبب هذا التوتر ، فأخبرنا بأن فتنة على وشك أن تقع .

هؤلاء هم من قادة الجبهات من حزب خالص”حزب إسلامي” وجميعهم جاء يشكو ويتوعد ، فالضغط العسكري السوفييتي الواقع عليهم يتصاعد بينما ما يصلهم من إمكانات لا يكاد يفى بالحد الأدنى من المطالب . و يسمعون عن الملايين التي يصبها العرب في بيشاور على سياف. وهذا الأخير لا يهتم إلا بحزبه الخاص ، ولا يعير إهتماما لباقي المجاهدين . وحزب خالص أفلس تقريبا ـ أو يكاد ـ بسبب إرتهانه الكامل (للإتحاد)من الناحية المالية . وهكذا صارحهم  خالص أنه لا يملك أكثر مما أعطاهم، وطالبهم بالذهاب إلى سياف .

والأخير أهملهم بل ترك بيشاور من جراء ضغطهم وضغط مجموعات مماثلة قدمت من الداخل تطالب بالدعم في مواجهة موسم قتالي هو الأشد والأسوأ من نوعه منذ دخول السوفييت (وقد  تأكد لي صحة هذا التقييم من مصادر مستقلة متعددة). إذن جاجي كانت لسياف مهربا من ضغوط الداخل ،لا تَوَّجُهاً إلى الداخل ، أى أنها هروب إلى الأمام كما يقولون .

كما أنها توَّجُه نحو مزيد من الإنفصالية الحزبية وليست خطوة إتحادية . وهاهم قواد باكتيا وما حولها يهددون وينذرون ، وكانت أهم البنود العملية المطروحة على جدول أعمالهم هي إقتراح بمهاجمة قوافل (جماعة سياف) ،أي الإتحاد، أينما وُجِدَتْ !!.

لقد إقتربت الفتنة وشمرت عن ساعديها ، فما العمل ؟ .

كان الوضع سيئا في الداخل ، وإستخدم الروس بتوسع أسلوب مهاجمة قوافل إمداد المجاهدين بواسطة الطيران وقوات الكوماندوز . وإستطاعوا تدمير عدد لا يستهان به من تلك القوافل ، بل وعطلوا مسيرها في بعض الطرق ، أي أن المجاهدين بدأوا يخسرون طرق إمدادهم وهذا من مؤشرات خسارة الحرب.  ولم يقف الأمر عند ذلك بل أن نشاط الكوماندوز السوفييتي  (سباتزناز) قد توسع واشتمل على أسلوب الهجمات المباغتة على مراكز المجاهدين في العمق وتدميرها وقتل من فيها حيث أنه يضرب في أماكن وتوقيتات غير متوقعة وبعد الحصول على  معلومات تفصيلية عن الأهداف المقصودة .

وذلك بفضل نمو نشاط جهاز الإستخبارات الأفغاني”خاد” ونجاحه الواسع في إختراق الجبهات القتالية ، فضلا عن بيشاور المهلهلة. تدفقت علينا أخبار تلك العمليات مثل الصواعق أو السيل المنهمر حتى تخيلنا أن النهاية تقترب.

فمركز مطيع الله قرب الأورجون تم تدميره وقتل من فيه بواسطة قوات الكوماندوز السوفييتية المحمولة بطائرات الهيلوكبتر .

وعدة معسكرات قريبة من الحدود على الجانب الأفغاني تم تدميرها بنفس الطريقة. وإستخدم الكوماندوز السوفييتي الأراضي الباكستانية نفسها في الهجوم على بعض تلك المعسكرات،خاصة في محافظة كونر،  فكانت المفاجأة تامة بأن كان الهجوم قادما من الجهة غير المتوقعة.وقد تواطأ بعض قادة المعسكرات في قليل من تلك  الهجمات أي أن بعضهم كان عميلا(للخاد)وباع المعسكر ومن فيه .

وبعضهم كرر نفس الخيانة أكثر من مرة قبل أن يتم إكتشافه،وبعضهم إستمر في مواقع أخرى ولم تتم معاقبته على الإطلاق .

كانت قوافل الإمداد إلي المحافظات الشمالية ضخمة للغاية وتتكون من عشرات البغال والخيل والإبل، وقد دمر الروس الكثير مها بواسطة كمائن مذهلة. وكانت تلك القوافل تكتشف بواسطة الجواسيس المنبثين على طرق الإمداد خاصة في المطاعم العامة “السماوات”،أو بواسطة طائرات الإستكشاف، وأحيانا أخرى يتم رصدها من بيشاور وينتقل معها جاسوس محترف ضمن أفراد القافلة نفسها التي تضم إلى جانب أفرادها الأصليين المخصصين للحماية أفرادا عاديين من عابري السبيل أو المسافرين إلى نفس المناطق التي تقصدها القافلة .

لم يكن ذلك كل شيء، فقد ظهرت الإشتباكات  بين المجاهدين.وبعد أن كانت محصورة تقريبا في شمال أفغانستان بدأت تزحف حتى وصلت كابل . وإنتقل الصراع السياسي بين أعداء بيشاور إلى كابل فإشتبك رجال حكمتيار (حزب إسلامي) مع رجال برهان الدين رباني (الجمعية الإسلامية) ، ودخل رجال سياف لأول مرة رغم حداثة تشكيلهم السياسي فقاتلوا ضد رجال حكمتيار.

كما علمنا أن أفرادا من الإستخبارات الأفغانية (خاد) قد دخلت في صفوف المجاهدين حول كابل، ويصبون الزيت علي النار، وبينهم أفراد كانوا ضباطا سابقين في الدولة إنضموا حديثا إلى المجاهدين وتولوا مهام قيادية حول كابل، ثم بدأت لعبتهم الكبرى في إشعال الفتنة الداخلية.

والغريب أن الزعماء في بيشاور كانوا يدافعون بإستماتة عن هؤلاء المندسين  ويشهدون لهم بالإيمان والإستقامة وبأنهم يعملون معهم منذ زمن طويل وأنهم إنضموا إليهم علانية عندما إكتشفت الدولة أمرهم . فاختلطت الحقائق وتداخلت الصفوف وأصبح صعبا معرفة  الحقيقة أو ومعرفة من يعمل مع من؟.

كانت كابل تحظى بأكبر حشد من الرجال والأسلحة بناء على طلب باكستان من الأحزاب الأفغانية . فهكذا تقضي الإستراتيجية التي وضعها الجنرال أختر عبد الرحمن مدير المخابرات العسكرية وأقوى رجل في الدولة بعد ضياء الحق . وحسب أقوال الزعماء في ذلك الوقت فإن  عدد رجالهم تراوح  ما بين 20 إلی30 ألف مجاهد للحزب الواحد .

سياف رغم حداثته إستطاع حشد ثلاثين ألفا حول كابل، حسب تصريحاته الشخصية . وبالطبع تم ذلك على حساب الآخرين فكان من المنطقي أن تحدث الإشتباكات .

في كتابه (فخ الدب) ذكر الرائد (محمد يوسف) رئيس فرع أفغانستان في الإستخبارات العسكرية أن سياف طلب منه أن يتولى بمفرده مهمة الدفاع عن المنفذ الحدود في (جاجي).

وكان يرغب ألا يشاركه حزب آخر في تلك المهمة . ويبدو أن الإستخبارات الباكستانية أوكلت إليه المهمة الرئيسية وتركت للآخرين دورا ثانويا.

كانت المنطقة هامة جدا كمنفذ حدودي تعبر منه الإمدادات من باكستان إلى عدد كبير من الولايات الأفغانية ، وذكر(محمد يوسف)أن جاجي كان يعبر منها ما نسبته 40% من الإمدادات. لقد إندفع سياف إلى مقدمة الصفوف بذهابه إلى جاجي.فهو يدافع عن منفذ هام ومنطقة استراتيجية في إعتبارات باكستان ،وكان قبلها قد حجز لنفسه مكانا بارزا في كابل، تطبيقا لنفس الإستراتيجية الباكستانية، وإن أدى ذلك إلى قتال داخلي حول كابل . وفوق ذلك كله حققت له جاجي مركزا متفوقا لدى العرب فأصبح زعيمهم الأكبر ومثلهم الأعلى ومهوى الأفئدة والأموال. ومن هنا فإن العلاقات الداخلية بين الدول (الحليفة) أمريكا / باكستان / السعودية كلما تعرضت إلى(مشاكل عائلية)فإنها تنعكس في  موقف كل دولة من حليف الدولة الأخرى .

فعندما غضب ضياء الحق من السعودية قال  لسياف في أحد  المواقف : (إن الأموال لا تصنع الزعماء ، فإن لم تفعل ما أقول فسوف أعيدك من حيث أتيت).

ولا يمنع هذا من أنه أضطر أحيانا إلى تأديب فتاه المدلل حكمتيار عندما رفض الأخير مقابلة الرئيس الأمريكي فقال له ضياء الحق : ( نحن الذين صنعناك ويمكن أن ندمرك في  ثوان) وأبلغه ذلك عن طريق مدير المخابرات .

وقد عانى حكمتيار من فترات التوتر في العلاقات الأمريكية الباكستانية،حيث وجه إليه الأمريكان حملات إعلامية شديدة وتصريحات عنيفة من مسؤوليهم .

كانت المنافسة الباكستانية مع حلفائها تدور في الخلف ولكنها كانت عنيفة في بعض الأحيان إلى درجة سالت فيها بعض الدماء.

 فى زيارة خطيرة لم تَخْلُ من المرح ــــ  مجموعتنا الخاصه تتحرك إلى خوست :

/ بحلول عام 1985 / إستقر الوضع في بشاور طبقاً للتخطيط الأمريكي الجديد. ولم يؤثر ذلك بأي شكل على (الأنصار العرب) في بشاور أو بلاد العرب.

كما لم تظهر لنا أي دلالة على أن الدكتور عبدالله سوف يغير قليلاً أو كثيراًمن أسلوب  عمله السابق. فى شهر مايو تحركت نحو ميرانشاه مع عدد من أفراد لجنتنا)شبه السرية)في طريقنا إلى خوست حتى نرى طبيعة الوضع هناك.

ونقرر ماذا نستطيع عمله من مشاركة مباشرة في القتال. وطبقاً لظروفنا )التعيسة(وعددنا التافه. غادرت مع (أبو حفص) و (عبد الرحمن المصرى) وكلاهما من مصر ومعنا أبو عبيدة العراقي ولم يكن عضواً في (اللجنة) بل صديقاً حميماً لعبدالرحمن “وحذره مراراً من العمل معي طبقا لما يسمعه عنى فى بيشاور”. ولما لم يستجب له قرر أن يصاحبنا كي يراقب الأمورعن كثب. ولم أر بأساً في ذلك، ثم أصبحنا أصدقاء فيما بعد. إصطحبت معي أبنائي خالد وعبدالرحمن.

الأول كان في الحادية عشر تقريباً والآخر في السادسة. وأظنهما أول أطفال العرب دخولاً إلى أفغانستان. وكانت فرحة المجاهدين بهما عظيمة عندما وصلا إلى جاور. وأصبحت لهما شهرة كبيرة في المنطقة، وسرقا الأضواء مِنّا نحن الأربعة الكبار. نزلنا في إحدى مغارات جاور. وإستقبلنا فيها شهر رمضان.

{ وعلى بعد خطوات من ذلك المكان، وبعد  ثلاث سنوات تقريباً قُتل إبني خالد مع إثني عشر شابا عربيا بقنبلة طائرة روسية . وقبل ذلك بثلاثة أشهر كان قد إستشهد صديقى عبد الرحمن المصرى فوق جبل تورغار بواسطة لغم روسى . وفى عم 2011 استشهد أبو حفص المصرى بصاروخ طائرة أمريكية}.

كان حقاني في ليجاة في ذروة النشاط، يحاول التجهيز لاستقبال هجوم سوفييتي كبير كان يعتقد أنه قريب. وأرسل تحذيرات شفوية وكتابية إلى قادة الأحزاب في بشاور، يحذرهم من الهجوم المرتقب ويعرب عن خشيته من أن يحاول السوفييت إغلاق منافذ (جاجي) و (جاور) في هجوم واحد يفِكّون من خلاله الحصار المضروب حول مدينة (خوست( ويفتحون الطريقين المؤديين إليها طريق (زدران) وطريق (منجل).

لكن لم يستجب له أحد بطبيعة الحال، فلم يكن ذلك من سياسة الأحزاب ولا سياسة الحكومة الباكستانية. فقط عندما تقع الكارثة تسحب باكستان قادة الأحزاب وترغمهم على فعل شيء ما وإخراج ما لديهم من أسلحة وأموال، وأن يطلبوا من أعوانهم التنسيق فيما بينهم.

كان ذلك فقط إجراءاً إستثنائياً في حالة وقوع الكوارث. أما قبل ذلك فلا.. لم تكن مصالح باكستان أو قيادات الأحزاب تتفق مع وجود قيادة قوية متحدة للمجاهدين في الجبهات، فباكستان ستفقد معها القدرة على السيطرة والتحكم وفق سياسة فرق تسد التي ورثوها عن أسيادهم البريطانيين.  أما قادة الأحزاب فمكانهم الطبيعي تحت أقدام سادتهم في العاصمة الباكستانية يتلقون منهم المال والسلاح.. والأوامر، ولا مكان لهم في ميادين الحرب. وأي إتحاد بين قيادات الداخل، وحتى أي تنسيق طويل المدى كانوا ينظرون إليه على أنه مؤامرة موجهة  ضدهم مباشرة. وهكذا إتهمنا سياف بالتآمر عام 84 عندما إقترحنا العمل عسكرياً في كل ولاية باكتيا، تحت زعامته وبجميع القادة المخلصين في الداخل بصرف النظر عن الإنتماءات الحزبية. ولكنه في حملة1985 ضد جاجى،  هرب وترك مواقعه، ولم تتحرك باقي المنظمات

إلاعندما أصبح أمن باكستان مهدداً بالخطر، وإقتربت القوات السوفييتية إلى بعد مئات الأمتار من جاجي وخمسة كيلومترات من (جاور(. فهمنا وقتها ــ وللأسف لم يوافقنا سوى قليلون جداً – أن الأحزاب الأفغانية تخدم باكستان  قبل أن تخدم الجهاد، بل أنها تضر بالجهاد من أجل سياسة باكستان.

كان عبدالرحمن المصرى وأبوحفص كلاهما قد شارك في معارك الشتاء الماضي في (شريناو) إلى الجنوب من (جاجي)،تحت قيادة مولوي (فتح الله حقاني) وكانت معركة قاسية، بسبب ثلوج الشتاء وقلة التجهيزات، وشدة الهجوم الحكومي.

تعلم الإثنان طريقة تشغيل وإستخدام صواريخ )الكاتيوشا 107مليمتر( من فوق الصخور وبدون جهاز إطلاق.

وكان الإثنان قد خدما سابقاً في الجيش المصري، أبوحفص كضابط إحتياط، وعبد الرحمن المصرى كلاعب كرة قدم غير حريص على واجباته العسكرية.

وإشتهر الإثنان  بالإمتياز في لعب كرة القدم، حتى نالا شهرة بين عرب بشاور،وبالتالى تمتعا بلياقة بدنية عالية جداً، ثم فطرة شجاعة إلى درجة الجنون. وقد لاحظ الأفغان ذلك في معركة (شريناو) حتى أطلقوا عليهما لقب (العرب المجانين).

صالون حلاقة بالإكراه فى مغارات جاور :

كان الجو حاراً فاقترح عبدالرحمن المصرى ، وكان أكثر المجموعة حيوية ومرحاً مهما كانت المواقف لذلك كان أقرب الإخوة إلى قلبي، إقترح وقتها أن نحلق رؤوسنا بالموس، بدعوى أنه فعل ذلك العام الماضي وشعر بتحسن كبير.

وفعلاً حلقنا جميعاً حتى الأطفال، وكنّا نحن الستة في مغارة واحدة. وبعد إتمام العمل جاء أحد المجاهدين، وعندما  رآنا جميعاً برؤوس لامعة فقع من الضحك وذهب ينادي زملاءه حتى يشاهدوا منظرنا العجيب، ستة من المخلوقات الغريبة حليقة الرؤوس داخل مغارة معتمة، ياله من منظر رهيب.

نصحه عبدالرحمن ألا يفعل ولا ينادي أحداً، لكنه أصر، فقام إليه مع أبي حفص وأبي عبيدة وشدوا وثاقه إلى أحد الكراسي وصبوا الماء البارد على رأسه.. ثم حلقوا شعره بالموس، ولم يفده الصراخ حتى صار رأسه لامعاً مثلنا.. ففضل أن يمكث معنا في المغارة.

سبب الطفلان إزعاجاً لي، كانا كثيرا الشجار ليلاً ونهاراً، عبدالرحمن عصبي، وخالد خبير في إثارة المشاكل لأخيه. في تمرينات الرماية تفوق خالد بسرعة مدهشة، عبدالرحمن ما زال يغمض عينيه عند الضغط على الزناد إضافة إلى حاجته إلى شخص يسنده من الخلف حتى لا يسقط أرضاً أو أن يؤذيه إرتداد الكلاشنكوف. بالطبع لا يصيب الهدف ولكنه يتعارك دائماً مع الذي يسنده من الخلف لأنه هو الذي إهتز وأضاع منه الهدف. إنتقلنا جميعاً إلى (ليجاه( لمقابلة مولوي جلال الدين هناك حتى نعلم منه ما هو الموقف الآن في المنطقة وماذا ينوي أن يفعل. وصلنا هناك وبدأت مشكلة الأولاد مرة أخرى، ليس بسبب أخطار الحرب ولكن لرغبتهما في المشاركة فى الجهاد!!. وتوَّقَد حماسهما عندما وصلنا قمة جبل مرتفع حيث مدفع (زيكوياك) مضاد للطائرات مع طاقمه. خالد مُصِرّ على أن يطلق عدة طلقات وأن يتعلم على المدفع.

وبالفعل سمحوا له بذلك لفرط فرحتهم بوصول الأطفا إليهم  فى ذلك المكان الخطير. عبدالرحمن أطلق هو الآخر من نفس المدفع، فلم يكن ليسمح أن يتفوق عليه أخاه الأكبر. تحركنا فوق الجبل ووقف أحد المجاهدين يشير لنا على مواقع العدو القريبة من حافة الوادي. طالبته بالإحتراس في حركته ولكنه ضحك وأشار بيده مستهيناً بالعدو وإستمر في الشرح حتى وصلت قذيفة دبابة قريباً منّا. فإختطفت عبدالرحمن وأسرعت بالإنحدار إلى الجانب الآخر من الجبل.

إستمر القصف ونحن نتناوب حمل الغلام حتى وصلنا ونحن نعاني من خدوش فى الأرجل، ولكن .. وذلك هو العجيب ، كان عبدالرحمن فى غاية السعادة لتلك المغامرة التي مازال يذكرها حتى اليوم. ولم يكن أخوه خالد أقل سعادة وهو الذي يطير فرحاً إذا حدث أي شيء غير عادي، إنزعج منه الآخرون.

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

حقانى يقول: لماذا لا تغلقون أنتم المطار ؟؟.

فوق جبال ليجاه  وقت الضحى، جلسنا مع الشيخ جلال الدين فوق قمة أحد الجبال المشرفة على الوادي. كان شهر رمضان في أيامه الأولى.وحقاني في إجتماع مع  قادته.

تركناه حتى يفرغ  من محادثة رجاله وجلسنا نتناوب النظر إلى وادي خوست بمنظار مقرب كنت أمتلكه وكان فريداً من نوعه وقتها.

فالمناظير المقربة وأجهزة الإتصال اللاسلكي الصغيرة كانت قليلة جداً وسيئة النوعية. أحد المتبرعين أرسل منظاراً فلكياً !! وجدناه فوق الجبل، حاولنا إستخدامه فوجدناه لا يصلح لشيء ، أوْصَيْتُ بإرجاعه إلى الإمارات من حيث أتى. حلقت طائرة ضخمة تطير على إرتفاع منخفض فوق الوادي كي تهبط في مطار المدينة الذي لا نراه من موقعنا.و لم تلبث أن جاءت طائرة أخرى وهبطت، أصابتني الدهشة، كيف تستطيع الطائرات أن تهبط هكذا بحرية في المطار؟. سألت الشيخ حقاني هذا السؤال بعد ذلك بدقائق.

فقال بأن القوات الحكومية قد سيطرت على جبل تورغار منذ شتاء العام الماضي بهدف تأمين المطار من هاونات المجاهدين. فذكرت له أن الصواريخ الجديدة مداها كبير (9كيلومتر) ويمكنها إصابة المطار حتى لو كان تورغار مع الحكومة، وتساءلت لماذا إذن لا تغلقون المطار؟.

وبمهارة فائقة رد الشيخ بجدية : ولماذا لا تغلقونه أنتم؟. لقد أثرت تلك الكلمة إلى حدٍ كبير في (مستقبلي العسكري!!) فى أفغانستان، ولم أدرك ساعتها عمق ذلك التأثير، فقط قبل نهاية الحرب فهمت إلى أي درجة كانت تلك الكلمة حساسة، وأن الأمر كان أكبر كثيرا مما تصورت .

تحميل مجلة الصمود عدد 159 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى 9

 

 




بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (2)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (2)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان

(2)

طالبان للنفطيين العرب : لكم طريقكم .. ولنا طريق .

 

إلتجأ الأمريكيون إلى شيوخ النفط وأمراء المرتزقة من عرب” الخليج العبرى”، عسى أن يشكلوا لوبى ضغط على المفاوضين من طالبان . مستغلين تاريخ الإسناد الخليجى القديم للمجاهدين الأفغان ضد السوفييت ، ومستغلين هيبة الحرمين الشريفيين ، وأخيرا فاعلية السلاح الذى نادرا ما يخطئ ، وهو حقيبة السمسونايت الشهيرة المشحونة بالدولارات النفطية.

لقد جرت مياه كثيرة من تحت الجسور . وسالت أنهار من الدماء فى أفغانستان ، وتطورت حركة طالبان لمجابهة تحديات لم يشهد مثلها أحد . ولكن النفطيون  العرب لا يتغيرون أبدا . إختبروا مع وفد طالبان كل التكتيكات القديمة للرشوة بالسمسونايت ، أو الرشوات الدينية بإستغلال الحرمين الشريفين فى خدمة تمرير السياسة الأمريكية ، على أنها طقوس من فرائض إسلامية .

 

حتى أن الوسطاء النفطيون توجهوا إلى وفد طالبان بمزيج من الخبث والبلاهة متسائلين :

– لماذا تتكلمون مع الأمريكان بهذه الخشونة ؟؟ السياسة والدبلوماسية ليست هكذا ؟؟ نحن نتكلم معهم بكل أدب ولطف .

 – ثم لماذا ترفضون وجود قواعد أمريكية فى بلادكم ؟؟ .. نحن نتمنى بقاءهم عندنا .

فكان رد الوفد الطالبانى : ( لكم طريقكم .. ولنا طريق ) .

أما عن خشونة كلام مفاوضى طالبان مع الوفد الأمريكى ، فقد كانت مجرد غيرة على الحقيقة. فكلما تكلم الأمريكى بوقائع كاذبة ، تصدى له من بين الوفد الأفغانى من يقول له بوضوح وصراحة أفغانية : (أنت كاذب .. بل الحقيقة هى كذا ..).

 المتآمر الخليجى كان يرى فى ذلك (قلة دبلوماسية) . ربما أن الجانب الأفغانى المفاوض لم يدرك حقيقة أن السياسى الأمريكى إذا تجنب الأكاذيب فلن يجد ما يقوله، وسوف يبقى صامتا طيلة الوقت ، فكيف يجرى التفاوض عندها ؟ . فالتفاوض يحتاج إلى طرفين أحدهما أمريكى يكذب دوما ، والآخر أفغانى يقول له : (أنت كاذب ).. وهكذا يستمر التفاوض .

تبقى للمتآمر النفطى أن يستخدم سلاح التوريط . وهو يدرك كرم الأفغانى وإحترامه للضيف . وفى أحد الجلسات فوجى الوفد المفاوض الأفغانى بدخول وفد من حكومة كابول إلى جلسة التفاوض ، لينضم إلى الجالسين ، ويفتح أوراقه هو الآخر .

بالإجماع صاح وفد طالبان فى وجه الوفد الحكومى مطالبين أفراده بمغادرة المكان على الفور. فغادروا مهيضى الجناج مكسورى الخاطر .

المضيف الخليجى حاول التدخل دفاعا عن (ضيوفه) الحكوميين .

ولكن الكرم الأفغانى لم يقبل بالكرم المنافق لمتآمرى النفط . وشدد للمرة المليون على أنه لا تفاوض مع العملاء فى كابول إلا بعد رحيل الإحتلال . وما تبقى من مسائل بعد التحرير هى شأن أفغانى بحت،لا مكان فيه للأمريكان ـ وبالطبع لا مكان فيه لكلاب الأمريكان أو أبقارهم ـ

– ثم كانت جلسة تفاوض فى إسلام آباد وقت زيارة بن سلمان لتلك العاصمة. وكان من المتوقع أن يحضر ولى العهد تلك الجلسة ليمارس رسالته المقدسة فى خدمة الأمريكيين. فاعتذر الوفد الطالبانى عن الجلسة ، مبررا إعتذاره بأن له قادة مازالوا رهن الإعتقال .

– بعضهم العبريون العرب يرسل جيوش المرتزقة لقتل الأفغان . وجميعهم يساهم فى تمويل حلف شمال الأطلنطى ، الذى لا يستهدف سوى المسلمين ، والناتو ركن أساسى متحالف مع الأمريكيين فى الحرب ضد أفغانستان . فإذا كان مثل هؤلاء النفطيون العرب وسطاء .. فمن هم الأعداء ؟؟ .

وأى وسيط هذا الذى يحرض على قتل أحد أطراف التفاوض؟؟. إذ يحرض بن زايد على قتل قادة طالبان حتى يلين موقفهم التفاوضى ، كما فعل هو نفسه فى اليمن بقتل “المشايخ” وقادة حزب الإصلاح .

تشجع الأمريكى ، ولجأ إلى لهجة الوعيد والتهديد ، فأظهر ” العين الحمراء” للمفاوض الأفغانى المتمسك بموقفه ، بشجاعة وبلا خضوع لعدو غاشم أو صديق خائن .

قال المفاوض الأمريكى ما معناه : إننا إذا إنسحبنا بلا إتفاق سنترك شعبكم فريسة لجيوش (المرتزقة). وهم قساة لا يلتزمون بقانون ، ولا يخضعون لمحاكمة، وهم غير محسوبين على الجيش الأمريكى أو الدولة الأمريكية .

فى نفس الوقت كان الرد الأفغانى يشرح نفسه عبر عمليات المجاهدين ، بطول أفغانستان وعرضها . وجاء تتويج الرد فى قاعدة(شورآب) بولاية هلمند .

عن التهديد الأمريكى بتفويض الحرب فى أفغانستان رسميا إلى جيش المرتزقة، جيش ( بن زايد / برنس/ إسرائيل ) . وعن الرد الأفغانى فى طول أفغانستان وعرضها وفى قلب قاعدة شورآب المنيعة . سيكون لنا أحاديث عديدة قادمة ــ بإذن الله ــ

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان . (2)