أخرجوا المشركين من جزيرة العرب : أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة

" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " | أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة |أصدره بن لادن من جبال "تورا بورا" فى أفغانستان

آخر تحديث : 19/03/2021 

” أخرجوا المشركين من جزيرة العرب “

أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة

أصدره  بن لادن من جبال “تورا بورا” فى أفغانستان

 

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

 

الفهرس :

الفصل الأول :

صدام بين مشروعين :

بن لادن : فى مشروع تحرير جزيرة العرب .

شيمون بيريز: فى مشروع الشرق الأوسط الجديد . 

– أسباب إغتيال بن لادن.

– عوامل فشل مشروع بن لادن.

–  حوارات وملاحظات حول بيان (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).

–  إقتراحات تنظيمية أعقبت البيان .

 

الفصل الثانى :

الجهاد : الغاية .. الإستراتيجية .

قضايا عملية وجوهرية أخرى .

– تحرير المقدسات الإسلامية غاية جهادية جامعة للمسلمين .

– لماذا لم ننجح فى الإستفادة من تجاربنا الإسلامية الكبرى ؟؟ .

 – حركة جهادية فى سبيل من ؟؟.. ولماذا ؟؟.

الفصل الثالث : 

توحيد الهدف الشرعى للجهاد .

وتوحيد الإستراتيجيات نحو تحرير المقدسات .

– أولا ـ مجهود دعوى موجه للمسلمين.

– ثانيا ـ  العمل السياسى فى المرحلة الأولى.

– ثالثا ـ الإستراتيجية العسكرية للمرحلة الأولى .

– تطورات هامة فى الحروب الإستعمارية ضد الشعوب .

التطور الأهم : حرب تديرها أجهزة المخابرات. ص

سمات التطور فى أساليب الحرب كما تديرها المخابرات:

— التطور الأول ـ الطائرات بدون طيار .

— التطورالثانى ـ المخابرات تقاتل بالمرتزقة .

— التطورالثالث ـ الإغتيال نشاط أساسي فى مقاومة حروب العصابات .

— التطورالرابع ـ فرق الموت قوة ملازمة لحرب الإستخبارات .

— التطورالخامس ـ صدمة الرؤية الليلية .

— التطور السادس ــ صدمة التنصت والرصد والمتابعة والإنقضاض.

 

الفصل الرابع :

طالبان كيف واجهوا تحديات حرب الإستخبارات ضد الحركة الجهادية ؟؟ .

– الفشل فى وضع استراتيجية عربية للجهاد . 

– كيف عثر المجاهدون الأفغان على استراتيجية للحرب ضد السوفييت ؟؟ .

– كيف عثر مجاهدو طالبان على إستراتيجية للحرب ضد الامريكيين؟؟ .

 

أساليب مواجهة طالبان لتحديات الطيران والحصار الإستراتيجى ؟؟ :

1ـ  التسلل كبديل عن الإقتحام .

2ـ إستيطان المدن كبديل عن حصارها .

3ـ القوات الخاصة كبديل عن القوات كبيرة العدد .

4 ـ جهاز الدعوة والإرشاد .

5ـ قوات التوابين .

6ـ التطوير التكنولوجى.

–  السيادة الوطنية والسيادة الإسلامية.

–  الجندى المسلم يقاتل تحت راية العدو الصائل.

الفصل الخامس :

 نص بيان أسامة بن لادن: [ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ] .

 

بقلم : مصطفي حامد (ابوالوليد المصري)

 

 

الفصل الأول

صدام بين مشروعين :

بن لادن ــ  فى مشروع تحرير جزيرة العرب .

شيمون بيريز ــ  فى مشروع الشرق الأوسط الجديد .

أهم بيان أصدره أسامة بن لادن فى حياته الجهادية الحافلة والعاصفة ، رغم قصر مدتها . بيان بعنوان”أخرجوا المشركين من جزيرة العرب”. وصفه بن لادن فى السطر الأول بأنه “رسالة من أسامة محمد بن لادن إلى إخوانه المسلمين فى العالم كافة وجزيرة العرب خاصة ” .

ولعله أحد أهم البيانات التى صدرت عن الحركة الجهادية الحديثة ، أو أنه أهمها على الإطلاق، فهو البيان الذى قتل صاحبه . بمعنى أن إغتيال بن لادن (أو إختطافه) فى أول مايو2011 كان بسبب ذلك البيان أكثر من كونه”عقابا” على ما قام به من أعمال ضد الولايات المتحدة ، وهى :

– عملية ضرب سفاراتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام 1998 .

– عملية ضرب السفينة العسكرية الأمريكية ( يو إس إس كول) فى مياه عدن (2000).

– عملية منهاتن ضد مبنى التجارة العالمى (2001).

–  الملفت فى البيان أنه لم يقتصر كما جرت عادة بيانات الجماعات السلفية ، بأن تؤكد كفر الحاكم لعدم تطبيقه الشريعة . ولكن البيان توسع فى شرح المخالفات الشرعية وفساد سياسة النظام فى مختلف الشئون الإقتصادية ، وحالة الإعلام المكرسة لعبادة الفرد ، وحالة الجيش وما كشفته أزمة الخليج من ضعفه (وقلة أفراده وعجز قواده، رغم ما أنفق على الجيش من أرقام فلكية لا تعقل !! ولا تخفى)،كما جاء فى البيان.

ثم سياسة القمع الأمنى وإستيراد كبار المجرمين من دول عربية كمشاورين أمنيين للوزير الداخلية الأمير نايف . ثم يتساءل البيان (هل يريد النظام أن يضرب الشعب من المدنيين والعسكريين بعضهم ببعض كما حصلت فى بلدان مجاورة ؟؟) .

– أهم النقاط فى البيان هى التحديد الدقيق للعدو الذى يواجه الأمة الإسلامية وهو التحالف الأمريكى الإسرائيلى . ثم يحدد أخطر الضربات وأكثرها إيلاما والتى وجهها ذلك العدو للمسلمين وهى { إحتلال بلاد الحرمين” عقر دار الإسلام ومهبط الوحى ومنبع الرسالة. وبها الكعبة المشرفة قبلة المسلمين أجمعين ـ وذلك من قبل جيوش النصارى من الأمريكيين وحلفائهم}.

 

ثم يدعم بن لادن موقفه من وحده المسلمين بالأدلة الشرعية المتوفرة بين يديه فيقول:

{الصواب فى مثل الحالة التى نعيشها هو كما قرره أهل العلم، ومن ذلك ماذكره شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله، وهو تكاتف جميع أهل الإسلام للعمل على دفع الكفر الأكبر الذى يسيطر على بلاد العالم الاسلامى، مع تحمل الضرر الأدنى فى سبيل دفع الضرر الأكبر ألا وهو الكفر الأكبر ، وإذا تزاحمت الواجبات قدم آكدها . ولا يخفى أن دفع هذا العدو الأمريكى المحتل هو أوجب الواجبات بعد الإيمان ، فلا يقدم عليه شئ كما قرر ذلك أهل العلم } .

 

أسباب إغتيال بن لادن :

1 ـ قَوْلُه بوحدة الأمة

2 ـ لإفساح الطريق للحركة الداعشية

3 ـ لإبعاد تأثيره عن الربيع العربى.

4 ـ لإستفراد عقيدة بيريز بالحركة الإسلامية.

5 ـ لتصعيد قيادات إسلامية بلا تاريخ ولا مؤهلات.

إلتزم بن لادن فى بيانه بمخاطبة الأمة الإسلامية كوحدة واحدة ، على عكس ما هو شائع حاليا من خطاب طائفى إستئصالى . فبظهور إصطلاح” أهل السنة والجماعة” كمصطلح سياسى  بديلا عن الإسلام كدين ، وكتعبير وحيد عن الإسلام ، إنحصر فهم ونشاط الحركة الإسلامية ـ فيما بعد بن لادن ـ على موضوع الفتنة الطائفية والقتال الداخلى قبل كل شئ . إصطلاح” أهل السنة والجماعة” لم يستخدمه بن لادن فى بيانه هذا ولا مرة واحدة. فقد إستخدم إصطلاح” الأمة” أو أنه خاطب “إخوانه المسلمين” فى العالم كافة . فلم يكن طائفياً ، ناهيك أن يكون إستئصالياً.

–  بيان (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) كان مشروعاً جهادياً خطيرالأثر، لو أن بن لادن أحسن قيادته . ولكن وكما سنرى فإن البيان حمل عوامل الفشل والسقوط حتى قبل إطلاق أول رصاصة.

– صدر بيان (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) عام 1996، أى بعد ثلاث سنوات من إطلاق شيمون بيريز ـ رئيس وزراء إسرائيل ـ لمشروعه”الشرق الأوسط الجديد”عام 1993 ـ الذى هو أخطر المشاريع التى ضربت المسلمين ، بعد إحتلال اليهود لفلسطين والقدس.

لن نقارن “بيان بن لادن” مع كتاب شيمون بيريز، من حيث عمق الإعداد ودقته. حيث بيريز يحكم دولة مسنودة بأكبر القوى فى العالم . والأغلب أن مراكز الأبحاث اليهودية التى هى التى أعدت المشروع الذى وضع بيريز إسمه عليه .

ليس ذلك ما يعنينا ، ولكن الأهم هو ملاحظة الآتى :

1 ـ الصدام جوهرى بين المشروع الإسلامى الذى يحملة بيان بن لادن، والمشروع اليهودى الذى يحمله كتاب” الشرق الأوسط الجديد” لشمعون بيريز.

فبينما بن لادن يرى المسلمين كتلة واحده فى العالم . يراهم بيريز كتلتين متناقضين متصارعتين حتى الموت ، وهما كتلة “سنية” وكتلة أخرى “شيعية” .

2 ـ “بيريز” يرى فى الكتلة السنية حليفاً عسكرياً لإسرائيل فى صراعها مع الشيعة وإيران . وبن لادن يرى المسلمين أمة واحدة تعمل ضد التحالف الأمريكى الصهيونى .

3 ـ يرى بيريز مجالات عظمى “للتعاون” بين إسرائيل والعرب”السنة” بأن يعطيه العرب أموالهم ، لتقوم إسرائيل بإستثمارها فى مشاريع تديرها لتقيم دولة يهودية عظمى تحكم العالم.

ويرى بن لادن أن المسلمين ـ كأمة واحدة ـ عليهم الجهاد بالنفس والمال لطرد أمريكا وإسرائيل من بلاد الحرمين الشريفين ، ومن فلسطين وتحرير المقدسات الإسلامية.

– لهذه الأسباب تحتم على الأعداء التخلص من بن لادن ، وإخلاء الساحة منه بالقتل (أو الإختطاف) لأن وجوده سيشكل عقبة صعبة جدا أمام مشروع الصهيونى للشرق الأوسط .

على رأس المستفيدين من إقصاء بن لادن يجئ الإخوان المسلمين. وذلك واضح فى مسار الأحداث منذ صدور المشروعين: الإسلامى لأسامة بن لادن، والصهيونى لشمعون بيريز. فبعد بيريز وقبل بن لادن، جاء إجتماع التنظيم العالمى للإخوان المسلمين فى عَمَّان لإطلاق مشروع “تحرير إيران”وإدخال أهلها إلى المذهب السنى.

وهو تطبيق أساسي لمشروع بيريز، تتابعت بعده مشاريع كثيرة ليس فقط من الإخوان بل من جماعات كثيرة تبنت “المذهبية المتوحشة” كبديل عن الإسلام الذى جاء رحمة للعالمين . وعلى القمة يأتى بلا جدال تنظيم داعش الذى حظى بدعم (اليهود والنصارى). وأيضا الإخوان المسلمين الذين أداروا أعماله فى أفغانستان ضد المجاهدين والشعب الأفغانى بتوجيه الزعيم الإخوانى حكمتيار . وعملوا على إستخدامه فى سوريا ضمن منظومة غزو سوريا لصالح مشروع بيريز لعبور سوريا وربط إسرائيل مع تركيا بخطوط أنابيب وطرق سريعة.

بن لادن دعم الزرقاوى عند ظهوره فى العراق . بناء على معرفة سابقة فى أفغانستان لم تكن عميقة ، ولكن كافية لتصور وجود أرضية مشتركة من فهم الإسلام كدين للرحمة ، وأمة الإسلام كأمة واحدة كالبنيان المرصوص . فلما تبين له حقيقة التيارالجديد المتلبس(بالسلفية الجهادية) والذى أغرق فى (الوحشية المذهبية) سحب تأييده للزرقاوى . ولم ينساق بن لادن المُحاصَر فى(آبوت آباد) فى باكستان لإغراء التيار الكاسح الجديد لتخريب الإسلام بالمذهبية المتوحشة التى لا تُقَسِّم الأمة فقط ، بل تفصل بينها بأنهار من دماء وخنادق من نيران.

[[ السلفية الجهادية ، فى معظمها، تبنت إنحراف “المذهبية المتوحشة”. وبصرف النظر عمن بدأ أولا، فإن العراق تحول إلى ساحة صراع مذهبى مجنون بين المنحرفين فى السنة والشيعة، وظهور دواعش من بين الشيعة المتطرفين . وكأن الهدف لم يعد الجهاد فى سبيل الله لطرد العدو الصائل ، بل تحول إلى سباق بين فئات منزوعة العقل والوجدان، حول من سيكون الأسبق إلى تدمير الأمة المسلمة، والإبقاء على العراق محتلا ]].

– كان لابد من قتل بن لادن ، إضافة للأسباب السابقة ، لأنه تمتع بأعلى مصداقية فى الوسط الجهادى ، وبأعلى درجة من الجاذبية القيادية (كاريزما).

– ثم إنه إحتفظ بسلسلة تمويل خاصة به ، رغم أنه فقد كل أمواله، مابين أموال مُصَادَرَة فى السعودية ، وأموال سَطا عليها نظام البشير فى السودان مستغلا إبعاد بن لادن ـ بلا عودة ـ من السودان إلى أفغانستان .( يلاحظ أن المسيرة التى بدأت بإخراج بن لادن من السودان أدت إلى دخول إسرائيل ذلك البلد عبر عملائه من عسكر الجنجويد).

وجود زعيم جهادى بهذه المواصفات كان سيمنع ظهورـ أو سيشكل تحديا خطيراً ـ لظهور زعمات باهتة لا تتمتع بأى موهبة أو سابقة جهادية أو”كاريزما”، من أمثال من ظهروا مع رواج “المذهبية الدموية” وبعد إختفاء بن لادن قسريا .. بالقتل أو بالإختطاف.

– زاد من حوافز الأمريكيين حذف بن لادن من المسرح الإسلامى ، ماكشفت عنه أوراق فى مقره فى أبوت آباد ، من أنه كان ينوى أن يرمى بثقله فى أحداث الربيع العربى متصورا أنها ثورات شعبية تبحث عن حلول لمشاكل لا يمكن تحقيقها إلا بإقامة نظام إسلامى حقيقى . ولو نفذ بن لادن شيئا من ذلك لفسدت المؤامرة الأمريكية بتحويل بوادر الثورات الشعبية العربية إلى مجرد فتن طائفية تحرق العرب وتزرع الفتنة بين المسلمين إلى الأبد ، لتنجح إسرائل فى بناء “شرقها الأوسطي الجديد” على أنقاض الإسلام والوجود العربى فى المنطقة.

– إصطلاح أهل السنة والجماعة لم يعد إصطلاحاً علميا للبحث الفقهى ، بل صار شعاراً لمرحلة دشنها شيمون بيريز بدعم من جماعات إسلامية تاريخية لتفتيت الأمة ، وبذر الشقاق والفتنة والقتال فيما بينها ، لإفساح الطريق للمشاريع التى تؤسس لإمبراطورية يهودية فى كامل الوطن العربى تحت إسم “الشرق الأوسط الجديد”. وهذا مناقض ومتصادم جذريا مع تصورات بن لادن فى بيان {أخرجوا المشركين من جزيرة العرب}، وقبل ذلك متصادم مع الإسلام ورسالته.

 

عوامل فشل مشروع بن لادن :

بذور الفشل حملها مشروع بن لادن لإخراج المشركين من جزيرة العرب. نقطتان إحتوى عليهما نفس البيان وهما :

1 ـ الموقف من أجهزة قمع الدولة “جيش وشرطة” معتبراً إياهم جزءً من قوى الشعب .

2 ـ إستبعاد النفط من معركة تحرير جزيرة العرب .

السبب الثالث للفشل وكان تنظيميا ولم يجئ ذكره فى البيان وهو :

3 ـ الإحتفاظ بتنظيم القاعدة كأداة لتنفيذ مشروع من المفروض أنه مشروع أمة تحتوى عددا لا حصر له من أساليب وتنظيمات العمل .

وفيما يلى نستعرض دور تلك العوامل الثلاث فى إفشال مشروع بن لادن لتحرير جزيرة العرب من الإحتلال الأمريكى / الصهيونى .

 

الموقف من أجهزة ” قمع الدولة” :

يرى بن لادن أن عناصر أجهزة القمع لدى النظام هم جزء من أبناء الشعب المسلم، ويَنْهَى المسلمين عن الدخول فى قتال داخلى بين أبناء الأمة المسلمة .

ناسيا أن أكثر القتال ضد السوفييت والنظام الشيوعى فى أفغانستان كان ضد أجهزة الدولة من (أبناء الشعب الأفغانى) الذين دربهم ويديرهم الشيوعيون لقمع باقى الشعب وفرض الشيوعية عليه . فكيف ما كان جهادا وفريضة فى أفغانستان يتحول إلى محظور فى السعودية؟؟ ، بل ويظهر أن له نتائج وخيمة يذكرها البيان . ويعدد تلك النتائج كالتالى حسب نص البيان :

1 ـ إستنزاف الطاقات البشرية حيث أن معظم الإصابات والضحايا ستكون من أبناء الشعب المسلم .

2 ـ إستنزاف الطاقات المالية .

3 ـ تدمير البنية التحتية للدولة .

4ـ تفكك المجتمع .

5 ـ تدمير الصناعات النفطية حيث أن تواجد القوات العسكرية الصليبية والأمريكية فى دول “الخليج الإسلامى” براً وبحراً وجواً هو الخطر الأعظم والضرر الأضخم الذى يهدد أكبر إحتياطى بترولى فى العالم . { ويُلاحَظ أنه لم يصف الخليج بأنه عربى أو فارسى، بل وصفه بالخليج الإسلامى }.

6 ـ { تقسيم بلاد الحرمين وإستيلاء إسرائيل على الجزء الشمالى منها ، حيث تقسيم بلاد الحرمين يعتبر مطلباً ملحاً للتحالف اليهودى الصليبى لأن وجود دولة بهذا الحجم وهذه الطاقات تحت حكم إسلامى صحيح ـ قادم بإذن الله ـ يمثل خطورة على الكيان اليهودى فى فلسطين ، حيث أن بلاد الحرمين تمثل رمزاً لوحدة العالم الاسلامى نظرا لوجود الكعبة المشرفة قبلة المسلمين جميعا} حسب ما جاء فى البيان.

 

للتعليق على مخاوف تقسيم جزيرة العرب نقول :

أن هذا التردد وتلك الإزدواجية كانت من أسباب الدمار الذاتى للنداء التاريخى بإخراج المشركين من جزيرة العرب . فما كان فريضة وجهادا فى أفغانستان (ثم فى سوريا والعراق، بعد بن لادن/ من عام 2011 حتى اليوم فى 2021 / ما أن يقترب من السعودية حتى تتبدل المعايير وتنعكس.

فتقسيم بلاد الحرمين نتيجة “الجهاد المسلح ضد الغزاة المحتلين” كما يقول البيان كان خطراً ماثلا، كما كان تقسيم أفغانستان خطرا ماثلا عند الجهاد ضد السوفييت.

وبالمثل عند قيام الإمارة الإسلامية عام 1996 قام شيوعيين فى الشمال وعملاء للغرب، بمحاولة إنفصال ، قضت عليها الإمارة الإسلامية .

والآن فى جهاد الإمارة ضد الإحتلال الامريكى ، تعمل إسرائيل وتركيا ودوستم وعملاء آخرين، لفصل كامل شمال أفغانستان من أقصاه الشرقى إلى أقصاه الغربى . ومع ذلك فالقتال ضد الإحتلال (أمريكا /الناتو/ إسرائيل/ تركيا) مستمر وسوف يندثر مشروع إنفصال الشمال ، بل أن القتال ضده دائر منذ سنوات.

فلماذا السعودية ؟؟ لماذا يتوقف الجهاد حتى لا ينفصل الشمال الذى قد تأخذه إسرائيل (وقد أخذت إسرائيل السعودية كلها الآن بدون قتال ، وخاصة الشمال الذى تضع السعودية فيه المليارات لتأسيس منشآت إسرائيلية بدعاوى إنها للإقتصاد والحضارة والبيئة ، فى مشروع تبنيه المملكة لصالح مضاعفة مساحة إسرائيل بإسم مشروع نيوم فى شمال غرب المملكة.ألم يكن أولى أن يبدأ الجهاد بلا مخاوف لا أساس لها ؟؟. وقد دفعنا أضعاف تكاليف الجهاد نتيجة التردد فالتقاعس فالإستسلام فالتسابق صوب الخضوع الذليل لليهود والنصارى الذين يديرون الآن ليس المملكة  فحسب، بل ويديرون مواسم الحج والعمرة، كما يديرون أنشطة تخالف أبسط تعاليم الدين فى مكة والمدينة ـ وسائر المملكة المستسلمة ـ وسائر جزيرة العرب التى يطبق فيها بهدؤ مبدأ إخراج المسلمين من جزيرة العرب وليس إخراج المشركين.

 

للتعليق على مسألة تحييد النفط فى المعركة نقول :

إن موقف بن لادن من أجهزة قمع الدولة ، ومن قضية النفط كان هادِماً لمشروعه بالكامل ، ومانعا لأى فرصة نجاح . لهذا تغاضى العدو بتمرير بدائل “عسكرية” بعيدة عن أرض الصراع ، تضمن سلامة هذين الهدفين الحيويين بالنسبة للإحتلال الأمريكى وللنظام السعودى (أى النفط وأجهزة قمع الدولة التى تحمى النفط وتحمى النظام).

ودفع العمل العسكرى إلى خارج جزيرة العرب (موضع الصراع الرئيسى). ولأول مرة فى التاريخ البشرى يدور الصراع من أجل تحرير دولة غنية وحساسة إستراتيجيا ودينيا ، أن يدور خارج حدود تلك الدولة ، وبعيدا عنها بآلاف الأميال . البدائل كانت الضربات الثلاثة : ضربة مزدوجة لسفارات أمريكية فى أفريقيا ــ وضرب المدمرة الأمريكية فى ميناء عدن ــ ثم غزوة منهاتن التى كانت نهائية فى القضاء ـ على بن لادن والقاعدة وأفغانستان والعراق ، والعالم العربى فى أحداث”الربيع”، وقيام إمبراطورية إسرائيل التى أسموها (الشرق الأوسط الجديد) .

دعوة بن لادن كانت رائعة مبدئيا، ولكن نتيجة (الخطأ) الإستراتيجى التى صاحبها فى نفس البيان ، إنتهت على ما يعرفه الجميع ، بما هو أكبر من فشل ، بل أكبر من مجرد كارثة .

–  كان بن لادن يمتلك ثروة معرفية كبيرة فيما يتعلق بشئون النفط فى المملكة، وإطلاع كبير على أوضاع الإقتصاد وأحوال التجار والمقاولين .

ولكن يأتى الحرمين الشريفين فى صدارة مطلقة فى سلم الأولويات لما هو موجود فى المملكة. والنفط هو التالى فى الأهمية ليس فقط للمملكة وشعبها وللمسلمين ، ولكن أيضا للإقتصاد الأمريكى والغربى .

كانت جزيرة العرب عظيمة وهامة للمسلمين بدون نفط . واستعادة قيمتها الإسلامية بتحرير المقدسات وطرد المشركين إذا كان يستلزم التضحية بالنفط ، فذلك خيار مقبول .. وبلا مناقشة.  فلا يمكن مقارنة الدين بأى شئ آخر، حتى ولو كان النفط . ولا يمكن تصور معركة أساسية لتحرير جزيرة العرب ولا يكون النفط موضوعها الأساسى ، وفى صدارة موضوعات الحرب.

النفط العربى هو ثروة أمريكية فى الأساس، فهو أبعد من أن يكون ثروة إسلامية “كما هو المفترض دينيا” ولا هو ثروة عربية . والفُتات الذى قذفوا به للعرب ضاع معظمه فى نزوات الحكام والأمراء ، وصَفْوَة المتملقين وقادة أجهزة القمع والدعاية والوعظ والإرشاد إلى المنكرات ، والترويج للفقه السعودى على أنه الإسلام الحقيقى الصحيح. وقد أنفقوا على تلك الكذبة عشرات المليارات من الدولارات بشهادة سادتهم فى الغرب الصليبى.

 

النهب الأمريكى :  نفط هنا .. وأفيون هناك .

لقد جاءت الجيوش الأمريكية ـ وحلفاؤها الغربيون ـ إلى جزيرة العرب للإستحوازعلى النفط ـ كما ذهبوا إلى أفغانستان للإستحواز على كنوز الأفيون التى هى أضعاف كثيرة من ثروات النفط . بل أن عائدات تجارة المخدرات فى العالم والتى تسيطر عليها أمريكا وإسرائيل، تزيد عن مجموع عائدات تجارة النفط والأسلحة والذهب مجتمعين. وربما هى الآن أكثر من ذلك.

وجاهد الشعب الأفغانى مدركاً تلك الحقيقة .. وكان المجاهدون أمام خيارات :

1ـ حرق الأفيون أو منع زراعته مطلقا . وذلك عمليا غير ممكن لعوامل جغرافية وقبلية وإقتصادية .

2ـ ضرب إمكانية العدو فى الوصول إلى حقول الخشخاش (بتحريرالأراضى)، وضرب مواصلاته البرية التى تربطه بتلك المناطق .

3ـ منع السكان من التعاون مع العدو فى ذلك المجال . وتهديد التجار من تغليب مصالحهم المالية على واجباتهم الدينية والوطنية .

4 ـ ضرب معامل تصنيع الهيروين بالهجوم على القواعد الجوية للعدو حيث توجد المعامل. وعرقلة النقل الجوى من وإلى تلك القواعد حسب قدرات الدفاع الجوى لدى المجاهدين .

5ـ تحَمُّل ضربات العدو الجرثومية والبيولوجية ضد الحقول والقرى غير المتعاونة .

–  تلك ملامح إستراتيجية المجاهدين الأفغان إزاء الأفيون، الموضوع الإقتصادى الأشد أهمية و الدافع الأول لنشوب الحرب . فماذا كانت إستراتيجية بن لادن بالنسبة لموضوع النفط الذى له مكانة شبيهه بذلك فى حرب تحرير جزيرة العرب؟؟ .

لا شئ سوى النهى .. والتشديد فى النهى عن المساس بالثروة النفطية .

 

وحسب قول البيان :

{ إن إنتشار القتال فى تلك الأماكن يعرض البترول لمخاطرالإحتراق، مما يؤدى للإضرار بالمصالح الإقتصادية لدول الخليج ولبلاد الحرمين بل وأضرار جسيمة للإقتصاد العالمى . ونقف هنا وقفة ونهيب بإخواننا أبناء الشعب المجاهدين بأن يحافظوا على هذه الثروة وبأن لا يقحموها فى المعركة لكونها ثروة إسلامية عظمى وقوة إقتصادية كبرى هامة لدولة الإسلام القادمة بإذن الله}.

ليس هذا فقط بل أن بن لادن فى بيانه التاريخى يحذر الأمريكيين ، ويدعوهم للحفاظ على ثروة النفط /التى هى فى الأساس ثروة الأمريكيين وعماد قوتهم الصناعية والإقتصادية ومكانتهم الدولية/ فيخاطبهم قائلا :

{كما نحذر وبشدة الولايات المتحدة الأمريكية المعتدية من إحراق هذه الثروة الإسلامية فى نهاية الحرب خوفاً من سقوط هذه الثروة فى أيدى أصحابها الشرعيين ، وإضرارا بمنافسيها الإقتصاديين فى أوروبا والشرق الأقصى وبخاصة اليابان المستهلك الرئيسى لبترول المنطقة }.

 أى أن على الولايات المتحدة الحفاظ على النفط لصالح السعوديين ، وصالح منافسيها الإقتصاديين فى الشرق الأقصى واليابان(!!) .

هذا تأكيد لا رجعة فيه على تحييد النفط وتأمينه خارج المعركة. فماذا تبَقَّى من أهداف تُرغِم العدو على الإنسحاب؟؟ . لم يذكر البيان شيئا .

ولكن توجيهات لاحقة أكدت على المجاهدين بعدم مقاومة رجال الأمن أو الجيش إذا ما تعرضوا لهم بالإعتقال ، لأن رجال الأمن مسلمون وجزء من الشعب المسلم .

وهل لم يكونوا كذلك فى أفغانستان وقد قاتلهم بن لادن والمتطوعون العرب بكافة السبل وبكل فدائية؟؟. فماذا حصل فى السعودية ؟؟. النفط له حرمة وعصمة، وكذلك الطواغيت النفطيين من شرطة وجيش وكل أجهزة القمع .. فأى جهاد وأى تحرير بعد الإستسلام للأمن وتجَنُب أهم الأهداف الإستراتيجة فى الحرب وهو النفط ؟؟ .(هذا أقرب إلى المثل العربى عن بخيل قَدَّم خبزا لجائع، ثم طلب منه ألا يأكل من الرغيف المكسور، ولا يكسر الرغيف السليم . فبقي الجائع كما هو جائعا).

لم يتبق أمام الشباب غير بعض الصدامات فى أسواق وشوارع ضد مدنيين ذوى بشرة بيضاء ، قضى عليها الأمن بسهولة (وأمن) . وإنتهت بذلك قضية إخراج المشركين من جزيرة العرب.

–  ولكن قصة الجهاد الخارجى لتحطيم قوة أمريكا إستمرت مع الضربات الثلاث المذكورة . ثم عمليات أكثر من شكلية فى سنوات تالية . وبعد إختفاء بن لادن دخلت القاعدة فى الموجة الغالبة لجهاد الفتنة تحت رعاية وإرشاد ورثة شيمون بيروز للجهاد الطائفى والإستئصال المذهبى بين المسلمين، لتمكين الإمبراطورية اليهودية فى بلاد العرب .. والعالم الإسلامى .

وهكذا ضاع سُدَى نداء أسامة بن لادن فى نهاية البيان : { إن إجتماعكم من أجل تحرير مقدسات الإسلام هو خطوة صحيحة نحو توحيد كلمة الأمة تحت راية كلمة التوحيد} .

 

حوارات وملاحظات حول بيان { أخرجوا المشركين من جزيرة العرب }.

حوالى ثلاثة أشهر إستغرقها الحوار حول مجرد فكرة إصدار بيان يدعو المسلمين إلى الجهاد من أجل تحرير جزيرة العرب من المشركين .

كانت الجلسات تعقد فى جبال تورا بورا بهوائها المنعش وتحت أشجار الصنوبر بينما مدينة جلال آباد القريبة غارقة فى الرطوبة وتخنقها حرارة الصيف .

صياغة البيان إستغرقت أكثر من نصف تلك المدة، نتيجة حرص بن لادن الشديد على كل حرف فى البيان ، ومراجعة الإستشهادات الشرعية والأدبية. كان صبوراً غاية الصبر ، حتى يئس مَن حوله ـ أو كادوا ـ من أن يصدر بيان ما .

وأخيرا تمت كتابة البيان، وأرسل بن لادن شخصا لينشره من باكستان حسب خطة توزيع متفق عليها . وقبل أن يصل الرجل إلى المنفذ الحدودى فى تورخم، أدركه رجل آخر أرسله بن لادن يطلب منه العودة . كان هناك تعديل طفيف فى أحد تعبيرات البيان . بعد إجراء التعديل أعيدت الكَرَّة فى اليوم التالى ، وخرج الرجل ومعه البيان من بوابة العبور إلى باكستان. ولكن فى نفس اليوم جاء الخبر من كابول أن طالبان قد إستولوا على العاصمة أى أن البلاد أصبح لها حكومة شرعية. فظهر على الفور إقتراح فى “تورابورا” بأن هذا التغير الكبير فى الوضع السياسى للبلاد يستدعى إعادة النظر فى موضوع خطير كذلك الذى يحتوى عليه البيان ، بإعلان الجهاد على الولايات المتحدة الأمريكية ـ ومن حولها من حلفاء ـ لإخراجها من جزيرة العرب .

وأن تنفيذ البيان سيأتى بإنعكاسات شديدة على أفغانستان ستتحملها الحكومة الإسلامية الجديدة . وفى ذلك ظلم لها وتوريط غير لائق قد يؤدى إلى فساد العلاقة بين العرب والحكم الجديد .

كان الوقت قد تأخر على ذلك الإعتراض . ولكن ما تلى من أحداث خاصة العمليات الخارجية (خارج جزيرة العرب) ضد أمريكا لإرغامها على الخروج من جزيرة العرب ـ لم تسفر عن شئ يؤيد ذلك الإتجاه، ولكنها راكمت نذر الخطر على العرب فى أفغانستان ، وعلى الإمارة الإسلامية التى لم تتراجع أمام الضغوط والتهديد ورفضت تسليم بن لادن أو طرد العرب من أراضيها.

إعتراضات مبكرة

أهم الإعتراضات المبكرة على البيان جاءت من الجماعات الإسلامية المستوطنة فى لندن وبعض دول أوروبا . أكثرها جدية إعتراضان هما :

1 ـ الإعتراض على تحييد أدوات القمع السعودية . وما تلى ذلك من توجيهات من بن لادن بعدم مقاومة عمليات الإعتقال .

دعم هؤلاء إعتراضهم بالفتاوى المتداولة آنذاك فى لندن والمخصصة لدعم الجماعة الإسلامية الجزائرية فى وقتها ، وهى الفتاوى القائلة بتكفير الحاكم وجميع أعوانه، وعلى وجه الخصوص الجيش والأجهزة الأمنية .

بِغَضْ النظر عن الفتاوى والفتاوى المضادة، فان موقف البيان فى هذه النقطة تحديدا وإعتباره أجهزة قمع الدولة جزءا من الشعب المسلم ولا يجب مجابهتها ، كانت خطوة أولى وحاسمة للهزيمة فى المعركة. بل وعدم إمكان نشوبها بشكل حقيقى، سوى محاولات عديمة الجدوى.

2 ـ  المحظور الآخر الذى فرضه البيان على حركة المجاهدين كان حظر إستهداف النفط والتشدد فى ذلك. وبالتالى لم يعد هناك أهداف حساسة يمكن الوصول إليها . سوى أفراد متناثرين قد يظهرون على صورة مدنيين فى المدن ـ وهو هدف غير كاف لتشكيل ضغط حقيقى ـ كما أن رجال الأمن مستعدين لتلك العمليات بسرعة وعنف .

كان علماء المملكة قد وضعوا ثقلهم الشرعى كله لحظر الجهاد عموما، لأنه يحتاج إلى إذن ولي الأمر ـ الملك ـ وكانوا أشد تأكيدا على حظر إستهداف النفط لأنه عماد حياة الدولة والمواطنين وقال أحدهم فى تصريح تاريخى : لولا النفط لم يستطع أحد ، حتى نحن العلماء ، من إستلام رواتبهم !! .

حرصا وخوفا على النفط والرواتب . وحرصا على حياة الإخْوَّة المسلمين فى أجهزة القمع فى الجيش والأمن وإدارات السجون والتعذيب ، لم يكن هناك من منفذ سوى الخروج بالجهاد خارج جزيرة العرب ـ لتحرير جزيرة العرب !! .

أول عملية خارجية كانت ضرب السفارات الأمريكية فى نيروبى ودار السلام . ثم أعقبها إنتقام أمريكى بصواريخ “كروز” على معسكرات العرب وبعض أهداف أفغانية .

حتى علق أحد العرب بمرارة قائلا : يبدو أن القاعدة تريد تحرير جزيرة العرب بدماء الأفغان .

الآن وبعد ربع قرن من تلك الجدالات : حارب الأفغان لمدة عشرين سنة لإخراج الأمريكان من أفغانستان . بينما غاصت جزيرة العرب بمقدساتها تحت وطأة الإحتلال الأمريكى الإسرائيلى . وسيطراليهود مباشرة على المقدسات الإسلامية فى جزيرة العرب ـ فى مكة والمدينة، إضافة إلى القدس التى نسيها العرب وتناساها المسلمون .

 

إقتراحات تنظيمية أعقبت بيان (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب):

أهم المقترحات التنظيمية التى تلت إصدار البيان ، كان مصدرها عرب أفغانستان وليس عرب لندن أصحاب الفتاوى النارية .

كان عرب أفغانستان القريبون من بن لادن على قدر من الدراية بطبيعة بن لادن فى القيادة . وطبيعة علاقته بتنظيم القاعدة .

1 ـ فالرجل كان يميل إلى قيادة شديدة المركزية خاصة فى المسائل التى يراها هامة فيتحول جميع من حوله إلى مُتَلقِّين للأوامر .

2 ـ نظرته إلى تنظيم القاعدة على أنه تنظيمه الخاص ـ ويؤكد ذلك بإصراره على أن يكون المنفق الوحيد على التنظيم. وبالتالى إنعدمت المعارضة على جوانب الإنفاق، لأنها حق الأمير فى التصرف فى ماله الخاص ، إذ لا يوجد مال عام فى التنظيم . لهذا تمحورت المقترحات التنظيمية للمرحلة الجديدة على هاتين النقطتين تحديدا(أى المركزية الشديدة فى القيادة ، وخصوصية الإنفاق على التنظيم).

وكان أشهر تلك الملاحظات هو ما إحتوت عليه مذكرة قدمت إلى بن لادن تحت عنوان(النصائح الوردية فى المسألة الإستراتيجية ) وهى مذكرة يصعب الحصول عليها حاليا . ولم تنشر رغم وجودها ضمن وثائق (أبوت آباد) التى حصل عليها الأمريكيون من منزل أسامة بن لادن عند الهجوم عليه فى أول مايو 2011 ــ وسبب عدم نشرها مجهول ــ وكانت مرسلة بإسم كاتبها (مصطفى بن حامد آل حامد ).

 

– من أهم ما جاء فى (النصائح الوردية) كان ما يلى :

أولا : ضرورة حل تنظيم القاعدة، أو أن يتنازل بن لادن عنه لصالح أحد كبار معاونيه . فمن الخطورة بمكان أن يصبح مشروعاً بهذه الضخامة مشروعاً لتنظيم محدود العدد والقدرات. فإخراج المشركين من جزيرة العرب هو مشروع الأمة الإسلامية جميعا ، ويتخطى كثيراً إمكانات سكان جزيرة العرب أنفسهم . فإذا جاءت دعوة الحشد من تنظيم معين فسوف تقف باقى التنظيمات ـ أو أغلبها ـ على الحياد وبعضها سيكون عدوانياً ومُعَرْقِلاً، ويعتبرونها محاولة من بن لادن والقاعدة لإحتواء تنظيماتهم وسحب الأفراد منها.

وبالفعل بدأت بوادر ذلك منذ اللحظة الأولى من نشر البيان .

ثانيا: إقتراح بأن  يدير بن لادن دعوة (إخراج المشركين من جزيرة العرب) كمشروع للأمة الإسلامية جميعا وليس العرب فقط أو تنظيم محدد . ويدير بن لادن أعماله التنظيمية بواسطة جهاز من المساعدين من أصحاب التخصصات المطلوبة فى الإدارة وشتى نواحى العمل المطلوب للمشروع الجهادى للإمة الإسلامية .

ثالثا : بصفته قائد لأهم مشروع جهادى للأمة ، تكون من مهامة توزيع الواجبات على الجميع وبحيث لا يستثنى أحدا ، وحسب قدرات كل جهة مشاركة .

وقال مثالا على ذلك : أن هناك من تصل مساهمتة إلى الإستعداد للعمل الإستشهادى . وهناك من يمكنه الدعم الإعلامى والثقافى ، وهناك من يمكنه أن يدعم ماليا حسب قدرته .

ثم هناك أكثرية لا يمكنها أن تقدم غير الدعاء . وهذا لايقل أهمية ـ بل ربما تزيد أهميته ـ عن كل ماسواه من مساهمات .

والتوجيهات لكافة الفئات فى شتى المناطق تكون إجمالية وليست تفصيلية بمعنى أن رسم الإستراتيجيات لكل منطقة تقع ضمن مهام القيادة العامة (بن لادن) .

رابعا : تمويل مشروع بهذه الضخامة ليس فى إمكان بن لادن وليس ذلك مطلوبا منه، ولكن يمكنه القيام بدور أمين”بيت المال” الذى يتلقى أموال التبراعات والزكاة الشرعية من الأمة، لتمويل تلك المعركة العظمى على إمتدادها الجغرافي الكبير .

 

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

 

الفصل الثانى :

مشاكل الحركة الجهادية العربية

الجهاد : الغاية .. والإستراتيجية.

وقضايا عملية وجوهرية أخرى

يشعر المخلصون المنخرطون فى العمل الجهادى العربى أنه وصل إلى مأزق يجب البحث عن مخرج منه . فتعددت الإجتهادات بحثا عن أسباب الأزمة وسبل الخروج منها . وفيما يلى بعض نماذج البحث ومحاولات تحديد أسباب الفشل واقتراحات للخروج من الأزمة.

يقول أحد القادة الجهاديين :

1 ـ تنقَّلَتْ التجارب الجهادية بين الخطأ والصواب.

2 ـ أغلب الكتابات أكتفت بالنقد السلبى دون أن تتوسع فى العلاج .

3 ـ العدو لا يترك فرصة لقيادة شابة تمثل مخرجاً إلا إغتالها أو أفسدها .

4 ـ فى اليمن كانت التجربة الجهادية أكثر نضجا ووعياً ورحمة بالمجتمع ، وحظيت بمباركة داخلية من قبائل اليمن . وحققوا نجاحات طيبة فى ممارساتهم الشرعية والإجتماعية والسياسية أحرجت المحيط الإقليمى والدولى . فتحالفوا على إخراجهم من المُكَلّا عسكريا ، وأرهقوهم بأعداد غير معقولة من الجواسيس . وهذا دلالة على وجود خطأ كبير فى البناء الداخلى .

5 ـ مطلوب كتابة (إرشادات مرورية) لمسيرة الشباب تدلهم على المسار المناسب لكل بيداء يخطون .. فى العراق وسوريا واليمن .. وأيضا للشباب فى الصومال وتركستان والمغرب ومالى وشبه القارة الهندية وفلسطين .أعتقد ان الشباب يفتقدون الطبيب الحكيم الماهر فى التشخيص ، والحاذق فى كتابة وصفات العلاج وحجم جرعاتها وتوقيتها لكل مريض .

أحد الشباب من كوادر الحركة الجهادية ،

يذكر بعض أسباب عدم نجاح الحركة الجهادية إلى اليوم ، منها :

1 ـ غياب العالِم عن القيادة بحيث يضبط الممارسة الشرعية والسياسية ويُحْكِم الفتوى .

2 ـ ضبابية الأهداف وإتساعها .

3 ـ عدم وجود مخططين أصحاب تجربة فى التخطيط ووضع الإستراتيجيات ، وترتيب مراحل تنفيذها .

4 ـ البناء الداخلى لهذه التنظيمات لم يكن محكماً فقد ضمت المخلصين ، وغيرهم خاصة جواسيس السعودية من طلبة العلم المزعومين ـ (حدث فى العراق وسوريا) ـ حيث شطحت تجربتهم بسبب الغلو فى الممارسة الشرعية ، والتيه السياسى ، وإنعدام الإستراتيجية ، وفساد البنية الداخلية .

وفى سوريا أضافوا لما سبق : الأنانية الشخصية وسرقة إنجازات غيرهم ، وإنقلبوا لقتال شركائهم فخسروا كل شئ تقريبا .

5 ـ العائدون من أفغانستان إلى تلك الميادين (سوريا ـ العراق) نقلوا خبرتهم القتاليه فقط ، بعيدا عن الفهم السياسى والإجتماعى .

 

تحرير المقدسات الإسلامية

غاية جهادية جامعة للمسلمين

فى محاولة للمشاركة فى إستكشاف الوضع المتأزم الحالى وسبل الخروج منه ، نقول :

تحديد الغاية من الجهاد :

الخطوة الأولى لضبط مسيرة العمل الجهادى هى توحيد الغاية من ذلك الجهاد. والإتفاق عليها بين معظم العاملين. والغاية الآن واضحة ولا يكاد يوجد خلاف حولها ، وهى تحرير المقدسات الثلاث مكة والمدينة والمسجد الأقصى . بما يعنى تحديدا :

إخراج المشركين من جزيرة العرب ،  وإخراج اليهود من فلسطين.

–  تحرير مكة والمدينة لا يتم إلا بإخراج المشركين من جزيرة العرب ، وتحديدا إخراج الجيوش الصليبية والإسرائيلية وقطعان الإستخبارات من كامل أراضى الجزيرة، الممتدة من اليمن وحتى حدود العراق والشام ، ومن شواطئ الخليج “الإسلامى” إلى شواطئ البحر الأحمر . وتلك هى حدود جزيرة العرب .

–  وتحرير المسجد الأقصى لا يتم إلا بتحرير أرض فلسطين بالكامل ( من نهر الأردن إلى البحر المتوسط ).

وبما أن القاعدة الفقهية تقول أن ما لايتم الوجب إلا به فهو واجب . فإن إزالة أى عقبة تعترض عمليات التحرير ، يكون من الواجب إزالتها.

غنى عن القول أننا بصدد عمل جهادى طويل المدى عظيم التكاليف والتضحيات . بحيث يستلزم تقسيم العمل فيه إلى مراحل إستراتيجية متتابعة :

1 ـ  صراع مع  القوى الأعظم فى العالم عسكريا وإقتصاديا وعلميا .

2 ـ صراع مفتوح فى الزمان والمكان إلى أن يشاء الله بالنصر .

3 ـ طاقات العرب لا تكفى، فالمعركة إسلامية شاملة لأن أكبر وأقوى الأمم قد إتحدت فى إغتصاب فلسطين، وفى إحتلال جزيرة العرب بجميع وسائل الحرب والإقتصاد والدعاية والحرب النفسية والإعتقادية.

–  فوحدة المسلمين هى السلاح الأهم للنصر ، كونها مطلب شرعى أولا، ثم أن حشد القوى هو مبدأ إستراتيجى فى جميع الصراعات الكبيرة والصغيرة .

وحدة المسلمين هى المطلب الإستراتيجى الأهم فى كل تلك المعركة . ولا نتكلم عن وحدة منظمات وجماعات بقدر الحديث عن توحيد قلوب وعقول المسلمين خلف أهداف هذه المعركة.

 – فى الحروب الحديثة لم يعد للمسافات أهميتها القديمة ـ رغم أنها مازالت مهمة ـ وفى هذه المعركة لن يكون هناك شعب مسلم بعيد عن ساحة الصراع الأساسية (جزيرة العرب وفلسطين)، فالجميع قريب بالمجهود والمشاعر والوعى . ولكن المسئولية الأكبر ملقاة على عاتق سكان تلك الساحات ثم الأقرب فالأقرب .

– ومن ناحية جغرافية يكون المسلمون فى تركيا وإيران ( وهما أهم قوتين إسلاميتين على حدود بلاد العرب ) كلاهما أقرب جغرافيا لساحة الصراع حتى من بعض دول المغرب العربى. وكلاهما يختزن طاقات وإمكانات هائلة لاغنى عنها فى معركة المقدسات.

– حشد طاقة المسلمين فى داخل  المنطقة العربية وفى جوارها القريب (تركيا ، وإيران)، وفى المجال الإسلامى العميق الواصل إلى أندونيسيا وغرب أفريقيا. يحتاج ذلك الحشد إلى مجهود هائل فى مجال العمل الدعوى الدينى ، وفى مجال العمل السياسى.

 

الفشل هو أفضل مدرسة لتعليم النجاح . لهذا يجب علينا أن سأل أنفسنا السؤال التالى :

لماذا لم ننجح  فى الإستفادة من تجاربنا الكبرى؟؟

من أسباب فشل الجهاديين العرب فى الإستفادة من التجربة الجهادية الأولى (ضد السوفييت) كان عجزهم عن إستيعاب الجانب السياسى العالمى للحرب . وما أدركوه كان قشرة لا فائدة فيها وتغلب عليها الحماسة وقصر النظر ـ كالعادة فى معظم الأعمال .

أما الجانب السياسى الداخلى فقد كان غائبا عن إدراكهم بالكامل ، سوى ما حاولة بعض الإخوان المسلمين من تصوير قادة الإخوان فى أفغانستان على أنهم محورالسياسة والعمل الجهادى. دعمهم فى ذلك القدرة الإخوانية فى الإعلام سواء الجهادى فى بيشاور أو باكستان والعديد من الدول العربية ـ وكان التنظيم الدولى وقتها يحظى برضا وتمويل سعودى كبير من أجل دعم جهاد أفغانستان، ولكن فى الإتجاه الخاطئ الذى يحفظ مصالح أمريكا ويستر نواياها الخفية فى إحتلال افغانستان بعد رحيل السوفييت عنها .

2 ـ لم يدرك الجهاديون العرب حقيقة أن الحرب تكسبها الشعوب ، قبل أن تكسبها الجيوش. وأن الحرب فى الأساس هى صراع إجتماعى قبل أن تكون صراع عسكرى .

طبعا الكتل الاجتماعية المتصارعة تُحَرِّكُها المعتقدات، كما تحركها المصالح الإقتصادية والمطامع السياسية، والحقوق الإجتماعية فى العدالة والمساواة والكرامة .

ولكن العرب الأفغان لم يفهموا سوى أن الحرب عبارة تنظيمات(أوجماعات) وأسلحة ، وتمويل ، وقيادة ، وشعارات نارية مهما بعدت عن الواقع وكانت غريبة عن المجتمع وإهتماماته (مثل شعار تطبيق الشريعة فى بلاد العرب ، أو إقامة دولة لأهل السنة والجماعة ، أو الجهاد العالمى بمعنى القتال فى كل مكان ممكن فى أى وقت متاح).

مفاهيم مؤثرة فى الجانب الإجتماعى من الحرب :

1 ـ معتقدات المجتمع ، لابد من إحترامها والمحافظة عليها . على الأقل عدم تحقيرها أو المطالبة بتغيرات جوهرية فيها إلا فى حدود تصحيح الممارسات اليومية طبقاً للمبادئ العامة التى لاخلاف عليها بين علماء الدين . وتفعيل القاعدة التى ذكرها الإمام النووى فى شرح صحيح مسلم : (إجتمعت كلمة أهل العلم على أن المُخْتَلَفْ فيه لا إنكار فيه) .

لكن المجاهدين العرب دخلوا المجتمعات التى جاءوا لدعم جهادها ، كما لو أنهم فتحوا بلاد الكفار . فدخلوها دخول المتوحشين المستكبرين ، الجاهلين بالحالة الدينية والإعتقادية التى جعلوها هدفاً ، وخلقوا منها حربا موازية للحرب الأولى مع الإحتلال ـ إن كان هناك إحتلال ـ حربا إستحدثوها ضد الشعب الذى لا يستجيب لهمجيتهم الجديدة. وكما يتضح لنا الآن ـ فإن الإنتصار فى مثل هذه الحالة هو المستحيل بعينه. والهزيمة نتيجة منطقية بدون الحاجة لشماعات لتعليق الحجج الواهية ، مثل كثرة الجواسيس، أو الإفتقار إلى إستراتيجية ،أو إتهام العدو بالوحشية لأنه إنتصر على الغزاة العرب، الذين هزموا أنفسهم برعونتهم وجهلهم قبل أن يهزمهم أحد.

 

من القواعد الإجتماعية لحرب الأنصار :

قوات الأنصار التى تدخل أرض المعركة لمساعدة الجهاد المحلى عليها الإنتباه إلى ما يلى :

– أن لا تسعى إلى أن تكون هي قيادة الجهاد . فقادة الأنصار يبقون على الدوام قادة قوات دعم. أما قادة الجهاد فهم من المجتمع المحلى ، إختارهم الناس لإسباب عديدة بعضها إجتماعى أى لإصولهم الإجتماعية ، أو لمكانتهم الدينية ، أو لسجاياهم الأخلاقية مثل الشجاعة والكرم .

– محاولة تحميل شخصيات محلية غير كفؤه على ظهر الحركة الجهادية ، سيجعل الشعب يعادى الحركة ، وينظر إليها كدخيل أجنبى أو محتل إضافى .

فالشخصيات المحلية الضعيفة إذا إختارها الأنصار ستكون معتمدة على الدعم الخارجى ، ولا تضع وزناً لشعبها ، بل مستعدة للعمل ضده من أجل الحفاظ على مكاسبها ومكانتها الجديدة كقيادة شهيرة على النطاق المحلى وربما الدولى أيضا .

إذا نظر الشعب إلى قيادته”الجهادية” على أنها مصنوعة من الخارج بالمال والسلاح والعون السياسى . فسوف يصبح الإرتزاق خُلُقاً عاماً وممارسة شعبية رائجة وتنتشر عمليات التجسس لصالح أعداء الجهاد . فيلجأ الشباب إلى العمل فى الميليشيات الحكومية أو الإستعمارية للحصول على(فرصتهم) فى المال الحرام، أو حتى فرصة لمجرد العيش .

لا ننسى أن الحركة الجهادية العربية ـ قد وقعت منذ وقت مبكر جدا ـ تحت سيطرة الممولين النفطيين، فجلب لها ذلك توجها سياسيا مضادا لمصالح الأمة الإسلامية. فحاولوا التغطية على ذلك بالمبالغة فى الصراخ الحماسي ليس للإسلام ولكن للفقه النفطى ـ للحصول على شعبية سهلة لا تحتاج إلى تعليم أو إيضاح ، بل تحتاج إلى مجرد الصراخ بالأكاذيب، وإستئجار الرعاع فى الشوارع ، الذين حل محلهم الآن رعاع مواقع التواصل الإجتماعى.

كانت حركة الإخوان المسلمين ـ كعادتها دوما ـ رائدة فى ذلك الإنحراف الذى منبعة الحاجة إلى المال . وتشتد الحاجة إلى المال مع توَرُّم الجماعة وتَضَخُم عدد أتباعها وتحولها إلى مؤسسة إعالة إجتماعية للمتعطلين . وحاجتها إلى أجهزة دعائية ـ وليست دعوية ـ عالية الصوت.

بالعقيدة النفطية الجديدة ـ وسياسة “الإسلام النفطي” أصبحت الجماعة جزء من طابور الإحتلال الأوروبى ـ أو جزء من الإحتلال اليهودى لبلاد العرب تحت مسمى”الشرق الأوسط الجديد”.

لم يكن حال التنظيمات الجهادية أفضل حالا ، بل كانت أقل شهرة ووضوحاً . ولكنها تابعة تماما للمسيرة الإخوانية رغم العديد من المشاحنات التى تظهر من وقت إلى آخر .

ساهم الإخوان كثيرا فى حشد التيار الجهادى العربى لحرب أفغانستان ضد السوفييت. ثم حجبوا الجهاديين عن حرب أمريكا فى أفغانستان ، ماعدا حالات ضئيلة من التفلت الشخصى .

وقادة الإخوان المسلمين الأفغان هم نجوم بارزون فى نظام الإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، وهو الإحتلال الذى من أعمدته الأساسية إسرائيل وتركيا “الحليف الرئيسى للإخوان المسلمين”.

وكما قامت حركة الإخوان بدور البطولة فى الحشد للحرب فى سوريا ، بدعم كامل من قطر والسعودية وتركيا وإسرائيل ، تحت دعوة هستيرية لإقامة دولة قائمة على الإستئصال المذهبى، نسبوها إلى أهل السنة والجماعة. والسبب الحقيقى للحرب هو أن النظام فى سوريا يمثل خندقا ومانعا إستراتيجياً يفصل تركيا عن إسرائيل . وكان المطلوب ردم هذا الخندق بإقامة نظام يغير دور سوريا إلى جسر إستراتيجى بين تركيا وإسرائيل حتى تعبر عليه المشاريع التى حددتها إسرائيل منذ عقود ، والخاصة بالماء والغاز، والطرق البرية بين إسرائيل وأوروبا عبر تركيا. وفوق كل ذلك أن يتم تحويل إتجاه الحرب مع إسرائيل لتصبح حربا بين أشلاء أمة ممزقة طائفيا إلى سنة وشيعة ، بينما إسرائيل طرف منحاز للسنة ضد الشيعة . فأى خيانات تلك ؟؟. ثم يتكلمون عن فشل الحركات الجهادية العربية وهزائمها !!. حتى كاد أن يتلاشى الفارق بين الفشل والخيانة.

 

حركة جهادية فى سبيل من ؟؟.. ولماذ؟؟ :

الإجابة على ذلك توضح جذور الفشل الحالى ، وجذور أى فشل قادم إذا إستمرت المسيرة العمياء على نفس النهج تحت قيادة عملاء اليهود .. ولو كانوا بأسماء وشعارات إسلامية .

 تلك الفوضى الدامية التى غرقت فيها سوريا جذبت إليها كل دولة شعرت بالتهديد على نفسها أو مصالحها. فجذبت حرب سوريا كل من إيران وروسيا ، ثم حزب الله الذى هو مرتبط مصيريا وجغرافيا مع سوريا . بل أن لبنان كلها مرتبطة بمصير سوريا، فهى أحد المكونات الجغرافية لسوريا الكبرى قبل الإحتلال الفرنسى/البريطانى للمشرق العربى ، طبقا لإتفاقية سايكس بيكو .

– تجاهل التعقيد والتداخل الشديد فى الواقع الإجتماعى والدينى والمذهبى والسياسى فى بلاد الشام الكبير(سوريا / لبنان/ الأردن/ فلسطين) كان من أسباب الفشل المأساوى للجماعات الجهادية هناك . خاصة الأنصار الجهاديين العرب ـ وغير العرب ـ الذين تدفقوا إلى سوريا بشعارات مغلوطة للمعركة ، لكنها رائجة بقدر قوة الإعلام التى روجها، والدول التى ساندتها بالمال والسلاح والسياسة والإعلام .

كل ذلك لم يجعل من الباطل حقاً . فكان الفساد ، وإنفصال العمل الجهادى عن الشعب ، وتعفن التنظيمات الجهادية المحلية والوافدة . وكثرة الأيادى العابثة فيها ما بين تركيا إلى مشيخات النفط ، وحتى إسرائيل عبر أذرعها العربية أو مستعربيها فى أجهزة الإستخبارات .

إختصارا.. كان جهاد سوريا دخيلا على مطالب ورؤية الشعب، الذى حاول التعلق بأوهام الربيع العربى فى الحرية والكرامة الشخصية ولقمة الخبز. ولكن الحركة الجهادية المحلية والوافدة سارت فى مسار مخالف تماما لم يخطر فى بال الشعب ولا ضمن قائمة إهتماماته . وأدخلته فى حرب أهلية لم يكن يريدها بأى حال . كل ذلك بفعل (الأنصارالجهاديين)، ثم يتساءلون بكل براءة  ” لماذا  لم ننجح” ؟؟ .

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

الفصل الثالث :

توحيد الهدف الشرعى للجهاد ، وتوحيد الإستراتيجيات نحو تحرير المقدسات .

 

المرحلة الإستراتيجية الأولى :

أولا ــ  مجهود دعوى مُوَّجَّه للمسلمين ــ

الواجب الإستراتيجى الأول هو توحيد صفوف المسلمين.وكما قلنا أنها مهمة دعوية وسياسية. ومن أهم خطواتها :

1 ـ إلغاء الإتجاه نحو “المذهبية المتوحشة” والتصدى لعقيدة شيمون بيريز التى تسللت إلى الحركة الإسلامية ـ الدعوية والجهادية ـ وقد عملت إسرائيل وأمريكا ودول أوروبا على تأكيد تلك العقيدة بين المسلمين . بحيث تحرق الأمة نفسها بدون الحاجة إلى مجهود كبير من تلك الجهات ( اليهودية /الصليبية ) .

ترى عقيدة بيريز أن إسرائيل كيان طبيعى فى المنطقة العربية وأن العداء الحقيقى هو بين السنة والشيعة ـ وبين العرب وإيران . وهذا يجعل من إسرائيل حليفا “لأهل السنة والجماعة” ضد الشيعة وإيران . وأيضا ضد التطرف الدينى عند بعض السنة (أى من يرفضون عقيدة بيريز) .

2ـ أساس التحالف بين جماعات المسلمين الدعوية والجهادية هو العمل من أجل تحرير المقدسات الإسلامية الثلاث ، وإخراج المشركين من جزيرة العرب .

3 ـ الوقف الفورى لجميع الإشتباكات بالسلاح أو الكلام على أساس الوحشية المذهبية الناتجة عن تطبيق عقيدة بيريز فى الوسط الإسلامى .

4 ـ إعادة ترتيب التحالفات الداخلية والخارجية على أساس شرعى واحد وهو تحرير المقدسات وتحرير جزيرة العرب من المشركين .

وعدم إنتهاج أى سبيل للعنف والإكراه فى سبيل إقناع الآخرين . ولكن من يعمل ميدانيا ، بإخلاص ونشاط لتثبيت عقيدة بيريز بين المسلمين، فهو بلا شك هدف معادى ومحارب .

5 ـ تنصرف عقيدة الولاء والبراء ـ على دليل عملى أكبر هو تحرير المقدسات الإسلامية وجزيرة العرب من المشركين. فلا موالاة على أساس المذهب أو القبيلة يمكن أن تتقدم الموالاة على ذلك الهدف الأعظم لكل مسلم صحيح الإسلام .

ويجب ان يرتقى ذلك الهدف إلى درجة الخيار بين الحياة والموت . فلم يسبق لأمة الإسلام منذ أن إستقام أمرها، أن عاشت وكعبتها فى قبضة الكافرين. بل ومسجد نبيها ومسجدها الأقصى .

فأى مسلمين نحن ؟ .. وأى زمان هذا الذى يتحمل وزر حياتنا فيه ؟ .

 

ثانيا ــ  العمل السياسى فى المرحلة الإستراتيجية الأولى :

المجهود السياسى داخل المنطقة العربية والموجه لغير المسلمين .

وهدفه تأكيد إنتمائهم إلى المنطقة ، وأن تحرير مقدسات المسلمين يعنى أيضا تحريرمقدسات المسيحيين فى فلسطين . ويعنى إستفادتهم من نتائج تحرير البلاد من السيطرة الإقتصادية والسياسية للمستعمرين وعملائهم . وأنهم غير مكلفين بخوض المعركة ميدانيا ، ولكن مساعداتهم أيا كانت ستكون موضع تقدير وامتنان. وأن جميع حقوقهم الدينية والسياسية والإقتصادية ستكون مكفولة ومدعومة بكامل طاقة المسلمين .

أما غير أهل الكتاب من سكان المنطقة فيجرى التأكيد لهم أن من حقهم الحفاظ على عقائدهم طبقا للمبدأ الإسلامى ( لا إكراه فى الدين). وأن لهم حقوق مثل باقى المواطنين فى بلاد المسلمين.

 

المجهود السياسى مع الدول غير الإسلامية :

توضيح أن المسلمين يعملون لإستعادة حقوقهم الدينية داخل أراضيهم . ولم يعتدوا على أحد خارج تلك الحدود . بل ويعتبرون أنفسهم فى حالة صداقة أو تحالف مع أى قوى غير إسلامية تكون فى حالة إشتباك مع نفس الجهات التى يقاتلها المسلمون . ويؤيدون كل الشعوب التى تسعى لإستعادة حقوقها السياسية والإقتصادية والمعنوية من هؤلاء الطواغيت والمتجبرين ، وسيقدمون لهم أى دعم يكون فى مدى قدراتهم .

 

ثالثا ــ  الإستراتيجية العسكرية للمرحلة الأولى :

التفاصيل ستكون معقدة وتفصيلية ولا يمكن نشر معظمها . فمسارح العمليات  فى المنطقة العربية التى هى النطاق المباشر فى ذلك الجهاد ، كل بلد منها سيكون له إستراتيجية عمل عسكرى تنقسم إلى أفرع حسب تنوع الطبيعة السكانية والجغرافية والسياسية من منطقة إلى أخرى فى البلد الواحد . فهى إذن على درجة من التشعب فى البلد الواحد ناهيك عن تلك الساحة العربية الشاسعة. وبالتدريج تنضم بلدان وشعوب أخرى تحمل إستراتيجيات العمل فيها قدرا ملموسا من التشعب والتعقيد . رغم أن جوهر العمل الإستراتيجى فى حد ذاته يجب أن يتجنب التعقيد ويتوخى البساطة ، ولكن التعقيد الذى نقصده يرجع إلى الإتساع الجغرافى والسكانى وتنوعه الشديد، ويرجع التعقيد أيضا إلى إختلاف الأهداف المعادية المتاحة فى كل ميدان وطرق التعامل  معها.

 

ومن الملاحظات الهامة :

أن المراكز السكانية والحضارية الأساسية فى العالم العربى تحيط بفلسطين. تلك المراكز هى سوريا الكبرى (ومن ضمنها لبنان والأردن) والعراق ومصر. تلك المراكز أيضا تلامس جزيرة العرب. ومعها الجيران البحريين لجزيرة العرب فى السودان و الصومال وأرتيريا. ثم الورقة الكبرى وهى اليمن، صمام أمان جزيرة العرب وخزانه البشرى وحارسه العسكرى.

نلاحظ أن إسرائيل قد أحرقت بالحروب المذهبية أهم قواعد الدعم العسكري لجزيرة العرب وفلسطين ، وهى اليمن والعراق وسوريا. ثم غزت مصر والسودان وحكمتهما بواسطة القوات المسلحة المحلية ، التى إستوطن فيها عملاء إسرائيل ويهود مستترون . لهذا فإن العمل الإسلامى عامة والجهادى على الخصوص، تجمعة كارثة واحدة تدفعه دفعا صوب الإتجاه العقائدى والإستراتيجى الموحد للأمة الإسلامية. وهو إتجاه توحيد / كل العرب وكل المسلمين/ وحشد جميع القوى المتاحة، من أجل تحرير المقدسات الإسلامية جميعا : مكة والمدينة والقدس.

ستكون أى إستراتيجية لتحرير المقدسات متأثرة بالدروس المستفادة من الحركة الجهادية فى أفغانستان ، وما شهدته من تطويرات غاية الأهمية فى العمل العسكرى للأعداء ، وفى المقابل التطويرات التى أدخلتها الإمارة الإسلامية وحركة طالبان على عملهم العسكرى لمواجهة تلك التطورات المعادية ، ثم التغلب عليها فى نهاية المطاف. ومن الضرورى دراسة كل ذلك بإهتمام وعمق لأخذ الدروس والإستعداد لمعارك كبرى قادمة.

 

تطورات هامة فى الحروب الإستعمارية ضد الشعوب :

قبل الشروع فى العمل السياسى . وتطبيق المرحلة الأولى لحرب تحرير المقدسات ينبغى أولا(محاولة تخمين) القوى والإمكانات المتاحة قبل دخول تلك المرحلة . وذلك فى ظل أقسى ظروف الرقابة الأمنية . وتطورها التكنولوجى البعيد عن تصور كثيرين ، إضافة إلى الخبرات الأمنية المكتسبة ، والقوى الأمنية المنخرطة فى محاربة المسلمين ، خاصة فى مثل ذلك المشروع الحيوى والمصيرى .

الحركة الجهادية العربية لم تكد تستوعب شيئا عن الظروف السياسية التى أحاطت بجهاد أفغانستان ضد السوفييت فى ثمانينات القرن الماضى .

ولم تستوعب أيضا طبيعة الحرب التقليدية للجيش السوفيتى وقتها ، وما أدخله فى تطوير للحروب الإستعمارية المضادة لحركات التحرير الشعبية ، أو الجهادية الإسلامية .

قبل إقتحامهم حرب أفغانستان إستفاد السوفييت إلى أقصى حد من التجارب والدروس المكتسبة من حرب الولايات المتحدة ضد شعب فيتنام .

– وبالمثل إستفاد الأمريكيون فى كل الدروس المكتسبة من تجربة السوفييت فى حرب أفغانستان  فى نواحى التسليح والتكتيكات والتطور التكنولوجى . والأهم من كل ذلك توظيف البيئة السياسية الإستراتيجة لخدمة مشروعهم الإستعمارى . يشمل ذلك البيئة المحلية الأفغانية ، والبيئة السياسية فى دول الجوار ، والبيئة السياسية فى الدول الإسلامية عموما.. ثم البيئة الدولية جميعاً .

هذا ما تفعله الدول الكبرى . وهو ما يجب ان يفعله المجاهدون على قدر طاقتهم وقدراتهم. (واتقوا الله ويعلمكم الله)، لقد كان ما حصل عليه المجاهدون من علم فى خنادق القتال شيئا يفوق الخيال ، ويزيد من إيمان المؤمنين بإنتصارهم إن هم جاهدوا فى الله حق جهادة.

فلدى المجاهدين قدرات هائلة فى التأثير السياسى لو أنهم فهموا الخريطة السياسية الداخلية جيدا ، ثم ما لدى الجيران والعالم من إمكانات فى السياسة والإقتصاد والأخطارالإستراتيجية المشتركة ، وفى ذلك دعم غير محدود لدفع قضية المجاهدين قدما حتى فى مجالهم القتالى .

من المنطق، العمل فى مساحات الاتفاق والمصالح المشتركة مع جميع الأطراف إن أمكن . وقبل كل شئ ـ وكما قال “صن تزو” (إعرف نفسك .. وإعرف عدوك .. ولا تخشى من ألف معركة). ولا داعى لتكرار الحقيقة البائسة وهى أن المجاهدين العرب قد جهلوا أنفسهم وجهلوا عدوهم .. ثم يُهزَمون فى المعركة الواحدة ألف مرة !! .

فلا تلوموا أحداً .. ولوموا أنفسكم !!.

 

التطور الأهم :  حرب حديثة تديرها أجهزة المخابرات وليس الجيوش .

وهى آخر أشكال الحروب الإستعمارية وحروب مكافحة الإسلام وقمع الحركات الشعبية الجهادية . إنها حرب تقودها أجهزة المخابرات وليس جنرالات الجيوش . فالجيش يأتى ضمن المشهد الخلفى كقوة طوارئ وإسناد أو تصعيد جوى فوق العادة ، أو إنقاذ عاجل لقوات “صديقة” محاصرة . أو بلدة تحت الحصار أو جرى إقتحامها بما يفوق القدرتها على الدفاع.

ولكن تظل  المخابرات هى من يدير الحرب على الأرض وفى الجو .

 

سمات التطور فى أساليب الحرب كما تديرها المخابرات :

 

التطور الأول ـ الطائرات بدون طيار :

أصبحت هى النجم الأهم فى حروب الإستخبارات ـ وحتى حروب الجيوش النظامية ـ وفى محاربة قوات المجاهدين أصبحت طائرات(درون) هى السلاح الأهم، وتستخدم لتنفيذ مهام كثيرة من الإستطلاع إلى الإغتيال والقصف الصاروخى .

وهى سلاح يصعب رصده ومقاومتة .. وبالتالى يصعب الوقاية منه إلا بعد إكتساب خبرات ميدانية .. وإلا بعد الحصول على وسائل مقاومة لذلك السلاح . بل يكاد يكون من الضرورى الحصول على سلاح مشابه وإستخدامه ضد العدو ، ليحدث قدرا من التوازن .

وغنى عن القول أن الجهاز السياسى للمجاهدين تقع على عاتقه مسئولية توفير وسائل مقاومة ونظائر جوية لذلك السلاح الخطير . وقد سبق القول بأن شركة أمازون للتسويق الألكترونى ليست هى العنوان المناسب لتوفير مثل تلك الإحتياجات.

إذن فمشكلة الدرون هى مشكلة عسكرية ـ سياسية ـ أمنية ـ إقتصادية . إلى هذا الحد وصل الترابط والتنوع فى العمل الجهادى المطلوب . ومفروغ منه القول بأن الصراع مع أجهزة أمنية ذات قدرات عالمية خلال القيام بمهام متشابكة كهذه، هو عمل يدل على مدى الدقة المطلوبة ، ومدى التطور التنظيمى المطلوب فى الحركات الجهادية الشعبية .

وهذا يعنى أن التنظيمات الجهادية بتركيباتها الحالية يجب إحالتها إلى الإستيداع ، لتصبح من الآثار التاريخية التى عفا عليها الزمن، وكانت حليفة للفشل على الدوام ، وخادماً للأعداء فى صورة (بغال تحميل). يجب بناء حركة جهادية حديثة ، حتى لا يكون المستقبل مجرد تكرار مأساوى للماضى الجهادى الفاشل للسلفية الجهادية العربية.

 

التطور الثاني ــ الإستخبارات  تحارب بالمرتزقة  :

 على الأرض تقاتل أجهزة الإستخبارات بمجموعات المرتزقة . وهى مجموعات شديدة التنوع والمهام . وأهم قوات المرتزقة المستخدمة فى حرب أفغانستان هى :

1 ـ قوات الشركات الدولية للمرتزقة: 

مقرها الرسمى فى أبوظبى وهى مِلْكِيَّة مشتركة بين أبوظبى وإسرائيل . وقد أسسها {أريك برنس} مؤسس شركة “بلاك ووتر” للمرتزقة ، وهى ذات سمعة دولية سيئة للغاية رغم أن هناك شركات كثيرة فى العالم أكثر وحشية. لكنها أبعد عن الرصد الإعلامى وتعمل فى بلاد أشد هامشية من بلادنا .

الجيش الأمريكى يستخدم المرتزقة فى إدارة العديد من أعماله، وفى أداء الكثير من المهام العسكرية ـ وذلك إتجاه يتوسع فى العالم تدريجيا حتى يبلغ غاية مداه بتحويل الجيوش إلى شركات خاصة تبحث عن الربح ، بدلا عن الجيوش الوطنية الحالية ، التى تحمى الحدود والأمن القومى للدول الوطنية . حتى أن الدول الوطنية نفسها مستهدفة بالإزالة من جانب البنوك اليهودية التى تدفع نحو خصخصة العالم ، أى جعله ملكية خاصة للشركات اليهودية. وتتحول الدول الحالية إلى مجرد “ساحات إقتصادية”، مفتوحة لنشاط الشركات العظمى والبنوك اليهودية العالمية.

 

2 ـ كتائب المرتزقة شبه النظاميين :

مكونة من عناصر محلية تدربها المخابرات التى تدير الحرب الأفغانية(إتحاد من الموساد وCIA) ويطلقون على تلك الكتائب أسماء غامضة أو مجرد أرقام تبدأ برقم صفرـ على خطى “جيمس بوند” ـ تناسب ثقافة هليوود السينمائية لرفع معنويات الجنود ، وإخافة المدنيين (وهى لم تنجح فى أى منهما ) .

ـ أصعب مهام تلك القوات الخاصة هو الإشتباك مع قوات المجاهدين المحتشدة . لهذا تتفادى ذلك المأزق ما أمكن . وتلجأ إلى الأسهل وهو مهاجمة الأهداف المدنية فى القرى والأسواق والطرق العامة . وتشارك فى الغارات الليلية على القرى ، وهو أسلوب يزعج القرى كثيراً ، ويستفز ردود فعل أشد عنفاً يشنها مجاهدو طالبان على مراكز تلك القوات وقواعدها العسكرية .. وأيضا إغتيال قادة تلك المجموعات خلال ممارستهم الحياة المدنية فى كابول والعواصم الإقليمية. وسنتحدث عن (الإغتيال) كسياسة عسكرية هامة ومحورية فى تلك الحرب.

 

3 ـ تشكيلات المرتزقة المحليين (الأربكية) :

وهم مرتزقة محليون من السفلة مطاريد القبائل وأصحاب النشاط الإجرامى فى القتل والسرقة وفرض الإتاوات. هؤلاء يدربهم خبراء الناتو ، وشبكات الإستخبارات الدولية ، وضباط من الجيش النظامى . ويتلقون رواتب منتظمة من الإحتلال عن طريق الحكومة المحلية ، وكذلك الإمداد بالأسلحة والذخائر. وهم ميليشيات محلية مقيمة بشكل دائم فى مناطقها.

ويساندون العمليات ضد المجاهدين عند الضرورة . ومهامهم الثابتة إرعارب السكان لزجرهم عن مساعدة مجاهدى طالبان.

 

4 ـ مجموعات الإغتيال والتجسس :

لأهمية عمليات الإغتيال فى تلك الحرب ، تقوم بها طائرات(درون) من الجو كما تقوم بها مجموعات أرضية . وكلاهما مرتبط بالمجهود الإستخبارى لجمع المعلومات . وهو مجهود جوى وأرضى أيضا . أى بطائرات “درون”، والجواسيس على الأرض ـ كما تشترك فيه الأقمار الصناعية وبرامج التجسس على الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر.

التجسس من أهم النشاطات الحربية منذ قديم الأزل . وتناوله الكثير من المؤرخين العسكريين وجنرالات الحرب . وماكتبه فليسوف الحرب الصينى”صن تزو” عن التجسس ، مازال يعتبر مرجعاً تقليديا فى ذلك النشاط الخَطِرْ، الذى لا غنى عنه فى الحرب أو السلم .

 

التطور الثالث ـــ الإغتيال نشاط أساسى فى مقاومة حروب العصابات :

الإغتيال هو سلاح تاريخى لمقاومة الدعوات الدينية والإصلاحية . وقد وصف القرآن نشاط اليهود فى مجال الإغتيالات :(إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ) آل عمران ـ21 .

– نشر الدعارة مجهود إستعمارى ، لتخريب الأخلاق والإلتزام الدينى ، وأيضا وسيلة لجمع المعلومات عن الجميع، العدو والصديق ، وترويج الإشاعات وتجنيد الجواسيس.وبشكل غير مباشر تعتبر سندا لعمليات الإغتيال .

 

التطور الرابع ــ فرق الموت ، قوة ملازمة لحروب الإستخبارات :

وهم مجموعات حكومية ، مهمتهم إرتكاب مجازر جماعية لمجرد نشر الفزع بين السكان. ويستهدفون مناطق مشكوك فى ولائها للإحتلال، فيقتلون الشباب وشيوخ المساجد وطلاب العلم الشرعى والأطباء والممرضين والتجار . وتفجير العيادات الطبية ومخازن الطعام والمحاصيل الغذائية والمساجد والمدارس وإهانة كبار السن، وإختطاف أسرى من السكان الأبرياء .

ويستخدم هؤلاء طائرات الهيلوكبتر لمداهمة القرى ليلا . أوأثناء النهار تحت حراسة جوية مكثفة من طائرات بدون طيار ومروحيات. وأحيانا بعد إنتهاء فرق الموت من غارتهم تكمل مدفعية الجيش دك القرية بالصواريخ والمدافع.

كل ذلك لتحطيم معنويات السكان ودفعهم إلى الهجرة من مناطقهم، إما إلى المدن أو إلى خارج البلاد ، أو إجبارهم على التعاون مع الإحتلال كميليشيات أو جواسيس .

 

التطور الخامس ـ صدمة الرؤية الليلية :

إكتسب العدو قدرة غير محدودة على الرؤية الليلية بإستخدام أجهزة خاصة للأفراد والمعدات والطائرات ، فكانت صدمة تكتيكية كبيرة للمجاهدين . وقلبت مفاهيم ثابتة فى حرب العصابات كون الليل صديق للثوار للسيطرة ليلا على الأرض التى يسيطر عليها العدو نهاراً .

الآن أصبح العدو قادرا على السيطرة الأرضية ليلا ونهاراً . والأسوأ حسب ما شهدناه فى بداية الحرب ، كان إستخدام الهليوكبتر فى الليالى المظلمة لأسلحتها بدقة متناهية ، بينما يعجز المجاهدون حتى عن مجرد تحديد مكانها . وزاد الطين بِلَّة إستخدام الطائرات درون صواريخها من بعد كبير، وارتفاعات كبيرة ، بحيث لا يتمكن المجاهدين من سماع صوتها. فضاع من المجاهدين ميزتين كبيرتين:

– خسارة ميزة إستخدام الليل كصديق يستر تحركاتهم ، فصار الليل مناسباً للعدو أكثر من مناسبته للمجاهدين .

– خسارة الإستكشاف الصوتى للطائرات المسيرة (درون).

تأثير الخسارتين يقترب من كونه تغييراً فى إستراتيجية حروب العصابات الكلاسيكية ـ وترجيحا

لدخول المجاهدين إستراتيجية الإقتراب اللصيق بالعدو، وإستخدام قاعدتين سيأتى ذكرهما عن (التسلل بدلا من الإقتحام ) وقاعدة (إستيطان المدن بدلا عن حصارها) .

ثم الدخول فى مواجهة تحديات (التطويرالتكنولوجى) . فكما إقتحم المجاهدون مجال حروب طائرات الدرون، ثم الصواريخ، إقتحموا كذلك مجال الرؤية الليلية . وفى هذه المرة حصلوا عليها بطرق :

1 ـ الغنائم .

2 ـ الشراء المباشر من العدو .

3 ـ بالتسلل داخل الوحدات المسلحة للعدو.

4 ـ الشراء من السوق السوداء الخارجية.

سنأتى بشئ من التفصيل فيما بعد ،على وسائل المجاهدين فى مواجهة التحديات المستحدثة .

 

التطور السادس ــ صدمة : التنصت والرصد والمتابعة والإنقضاض.

إستخدام أجهزة الإتصال الحديثة خاصة أجهزة (الموبايل) تتيح للعدو أفضل فرصة للتنصت على محادثات المجاهدين وكشف أسرارهم ـ ورصد أماكنهم وتحركات قيادتهم وقواتهم وقوافلهم ـ ومتابعة ذلك كله إلى أن تحين لحظة الإنقضاض والقتل والتدمير، والتى غالباً ما تتم بالطائرات بدون طيار ـ أو غيرها من وسائل الإنقضاض السريع .

وأكثر الأمثلة مأساوية فى هذا الصدد كان إغتيال الملا منصور(أمير المؤمنين) .

 

إجراءات المواجهة :

ـ إشراك قسم التطوير الفنى فى إيجاد وسائل فنية للمواجهة .

ـ التحريك الدائم للوحدات المقاتلة / مع تقليل حجمها إلى أقصى حد/ وتوزيعها على مساحة واسعة/ وبحيث يمكن إعادة تجميعها عند الضرورة فى أقصر وقت ممكن .

ـ التوسع فى برنامج الحفريات مع تعدد المداخل والمخارج قدرالإستطاعة. فى المناطق المنبسطة وفى الأرياف، وحتى الجبال .

ـ تقليل إستخدام وسائل الإتصال إلى أدنى حد . وتغيير مناطق إستخدامها بعد كل مرة .

ـ استخدام شيفرات خاصة للكلام بين الوحدات برموز غير معلومة لمن هو خارجها .

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

الفصل الرابع :

طالبان كيف واجهوا تحديات “حرب الإستخبارات” ضد الحركة الجهادية؟؟

يشتكى جهاديون عرب من الحاجة إلى واضعى إستراتيجية للحرب و تقسيمها إلى مراحل. والشكوى فى غير محلها، فالشعوب تنهض للدفاع عن نفسها ، فى إتجاه فطرى ضد مصادر الخطر. وتلك مسألة لا تحتاج إلى أخصائيين . ثم يظهر القادة العسكريين وتتبلور معهم إستراتيجية العمل ، حتى ولو لم يكونوا خبراء إستراتيجيين .

وأبسط قواعد وضع الإستراتيجية وأكثرها عملية هى : (إذا كنت لا تعرف لنفسك إستراتيجية ، فتحرك فى عكس إتجاه إستراتيجية العدو ، تحصل على إستراتيجية ناجحة لعملك ).

فى وقت الجهاد ضد السوفييت توصل الكثير من القادة الميدانيين الأفغان إلى تحديد إستراتيجية عمل ناجحة لمناطقهم . لكن التدخل الخارجى منع وحدة المجاهدين كما منع تبلور رؤية إستراتيجية شاملة لأفغانستان كلها ، وأكثر من عرقل ذلك هى باكستان وجهاز إستخباراتها ISI الذى إستخدم قدراته على التمويل والإمداد بالسلاح ، ثم بإغتيال مناوئيه من قادة الداخل، والوقيعة بينهم، لإفشال أى مشروع لا يناسب مصالح باكستان .

ومع ذلك فإن التصورات الإستراتيجية التى وضعها ونفذها قادة جهاديون ميدانيون كان لها القول الفصل فى رحيل الجيش الأحمر عن أفغانستان .

 

الفشل فى وضع إستراتيجية عربية للجهاد:

أسباب فشل الجهاديين العرب فى وضع إستراتيجية عسكرية للمعارك التى شاركوا فيها يرجع إلى أسباب هامة منها :

1 ـ أنهم كانوا وافدين على تلك الميادين ، وقدراتهم محصورة فى الأعمال التكتيكية الميدانية .

2 ـ الميادين التى شاركوا فيها(سوريا /العراق/ اليمن) كان العدو قد حدد مسارها الإستراتيجى العسكرى والسياسى ، وفرضه على المقاتلين المحليين والوافدين ، كما فعلت المخابرات الباكستانية فى أفغانستان وقت الحرب ضد السوفييت .

3 ـ حتى إنتفاضات “الربيع العربى” كان العدو متحكما فى مسارها، فمنعها من الوصول إلى مرحلة الثورة الحقيقية . فبقيت مجرد إضطرابات أضرت الوضع الداخلى وزادت من جرعات القمع والفقر وضياع كرامة الشعب ، على عكس ما كانت تطمح إليه الشعوب عند إنطلاق خديعة “الربيع العربى” .

4 ـ مسارح العمليات التى تم حشد الحركة الجهادية فيها كانت تحت سيطرة الولايات المتحدة وعملائها النفطيين، وبمشاركة إسرائيل وتوجيه إستراتيجى وضعه شيمون بيريز ضمن رؤيتة المسماة “الشرق الاوسط الجديد”. فلا مجال لأى إجتهاد إستراتيجى داخل قفص حديدى محكم دخله “الجهاديون” لأداء مهمة محددة لهم سلفاً، وهى الحرب الطائفية وإشاعة أجواء الفتنة والصراع المسلح بين المسلمين لتوفير مناخ عمل آمن لمشروع بيريز.

5 ـ الجهاديون بدورهم كانت رؤيتهم الإستراتيجية فى جميع مسارح العمليات ثابتة لم تغيير وهى ما حددته لهم عقيدة بيريز من الحروب الطائفية . ولكنهم عندما صادفوا الفشل والهزيمة بحثوا عن شماعات لتعليق الفشل ، فكانت شماعة الإفتقاد إلى إستراتيجية وإلى قيادة وإلى تنظيم محكم وهى عناصر هامة ولكنها فى حاجة إلى إرادة مستقلة قبل أى شئ . وهذا غير متوفر فى الحركة الجهادية السلفية.[[ هناك إستثناءات قليلة فى عدة أماكن، منها مجموعات صغيرة تابعة للقاعدة فى اليمن. ومجموعات أخرى فى الصومال. كانوا تحت قيادات هى أقرب إلى فكر بن لادن الذى جاء فى بيانه سابق الذكر. تلك المجموعات رفضت طريق الفتنة ورسمت طريقها الخاص، ثم سارت فيه بدرجات متواضعة من النجاح، كونها تعرضت للحصار وتجفيف المنابع والتشنيع ثم الهجوم الميدانى ، حتى من إخوة الأمس ]].

ولكن إذا فقد المقاتلون تعاطف وتجاوب الوسط الإجتماعى فلا فائدة فى أى شئ آخر . وإلا فإن جيوش الإحتلال الأمريكى لأفغانستان لم يكن ينقصها أى عنصر للنجاح سوى تجاوب الشعب معها . لهذا فشلت رغم حرب تخطت العشرين عاما.

 

كيف عثر المجاهدون الأفغان على إستراتيجية للحرب ضد السوفييت ؟؟

 أدرك المجاهدون الأفغان بسرعة أن سبب تدخل الجيش الأحمر كان لتثبيت أركان النظام الإنقلابى الشيوعى فى كابول ، والذى فشل فى توفير حد أدنى من إمكانات البقاء نتيجة للتناقض التام بين المبادئ الشيوعية وعقائد الإسلام الراسخة فى أفغانستان، ثم لجوء الإنقلاب الشيوعى إلى إستخدام عنف عسكرى مفرط ضد المحتجين ضده . فظهرت حالات الجهاد فى الجبال تحت قيادة علماء وشخصيات إسلامية .

توقع الكرملين أن سقوط نظام كابول الشيوعى بهذه الطريقة سيكون فاتحة لسقوط باقى أحجار الدمينو فى الكتلة الشرقية . فتدخل للحفاظ على نظام كابول معتبراً إياها مسألة حياة أو موت للإشتراكية كنظام عالمى يسيطر على مساحة واسعة من العالم ومئات الملايين من البشر.

لم يكن هناك أى هدف إقتصادى واضح للغزو الأحمر . وإن كان السوفييت قد نهبوا الغاز الطبيعى فى الشمال . ولكنه لم يكن عائدا إقتصاديا متعادلاً مع تكاليف غزو كبير بذلك الشكل .

كانت الإستراتيجية المناسبة للمجاهدين ـ وقد حدثت تلقائيا ـ هى إنتشار المقاومة المسلحة فى كل مكان بحيث يعجر النظام الشيوعى من حكم البلد ، وتعجز قوات الجيش الأحمر عن جلب الإستقرار بالقوة المسلحة على كامل المساحات الكبيرة الثائرة .

– الإستراتيجية السوفيتية المعاكسة لإخماد أعمال الجهاد المسلح كانت إغلاق منافذ الحدود لمنع تهريب السلاح والذخائر إلى مراكز المجاهدين . كان معلوماً أن باكستان هى مصدر تلك الأسلحة وأن منافذ عبور الأسلحة محدودة ومعروفة .

وأهمها كان موجودا فى محافظة باكتيا ويمر منها حوالى 60% من الإمدادات أو أكثر . فتحولت باكتيا إلى بؤرة الصراع والمنطقة الأولى فى تلك الحرب . ومنها بدأ الحسم العسكرى وسقوط النظام رغما عن أنف السوفييت والأمريكيين معاً .

وفيها سقطت مدينة خوست الحدودية وهى واحدة من أهم مدن البلاد ـ ثم تبعتها مدينة جرديز التى تصدعت دفاعاتها بقوة هجمات المجاهدين ـ وبعدها بحوالى أسبوع سقطت العاصمة وقد سبقتها معظم المدن الهامة فى البلاد .

ذلك أن سقوط المدن هو إيذان بسقوط النظام الذى يعتبر الحفاظ عليها ورقة قوة لإرغام المجاهدين على إقتسام السلطة معه ، وعدم الإستفراد بحكم البلاد وفرض نظام إسلامى علها .

وهكذا عمل المجاهدون عكس إستراتيجية العدو فى عدة نقاط :

1 ـ إبقاء المقاومة مشتعلة على أوسع نطاق .

2ـ الإبقاء على ممرات محافظة باكتيا مفتوحة أمام قوافل الإمداد .

3ـ إفشال نظرية أمن النظام بالحفاظ على وجوده وشرعيته بالحفاظ على المدن فى قبضته .

كيف عثر مجاهدو طالبان على إستراتيجية للحرب ضد الأمريكيين ؟؟

هدف الغزو الأمريكى لأفغانستان كان إقتصاديا بحتاً، وهو إعادة زراعة الأفيون الذى أوقفته الإمارة الإسلامية . كان مؤسس الإمارة (الملا محمد عمر) على علم بتلك النوايا قبل حوالى عامين . ولكن أكثر المسئولين فى الإمارة وأغلبية الشعب ظنوا أن حادث 11سبتمبر هو السبب. وساعد على رواج ذلك الإدعاء هَوْل الحملة الإعلامية التى رافقت الحادث والصور التلفزيونية المبهرة لحادث إصطدام الطائرتين بالبرجين العملاقين فى مانهاتن . ولكن فى أقل من عام أدرك معظم الشعب الأفغانى السبب الحقيقى للغزو الأمريكى لبلادهم عندما شاهدوا عودة طاغية لزراعة نبات الخشخاش الذى كان قد إختفى من الأرياف ، ليقفز إنتاج الأفيون من185 طن فى آخر عام من حكم الإمارة، إلى أكثر من ثلاثة آلاف طن فى الموسم الأول فى ظل الإحتلال .

وإكتشف العالم خدعة 11سبتمبر عندما تصايح المختصون بأن إنتاج الهيروين قفز أربعين ضعفاً مرة واحدة فى ظل الإحتلال !! .

وعلى الفور تحددت الملامح الإستراتيجية للمعركة بإعتبارها حرب أفيون فى الأساس .فأصبحت منطقة المركز هى ولايات الجنوب، وعلى قمتها ولاية هلمند التى كانت تنتج 80% من محصول الخشخاش، تليها جلال آباد فى الشرق بنسبة15% تقريبا . ثم نسبة قليلة متناثره فى الغرب والوسط . بالطبع النسب تغيرت مع سنوات الإحتلال لكن هلمند ظلت فى المقدمة .

وإنتاج مسحوق الهيروين أخذ مكاناً هاماً فى القواعد الجوية، خاصة قاعدة بجرام شمال كابول التى طار منها الهيروين إلى العالم. والعاصمة كابل أخذت موقعها الإقتصادى فى عملية غسيل الأموال عبر مطار العاصمة وبنك الدولة.

–  الإستراتيجية العسكرية للمجاهدين كانت تلقائيا إنتزاع غنيمة الحرب من بين فكى جيوش الإحتلال . فكانت الخيارات هى :

1 ـ تحرير حقول زراعة الخشخاش من سيطرة الإحتلال وأعوانه .

2 ـ قطع طرق نقل الأفيون من المزارع إلى القواعد الجوية (براً وجواً) .

3 ـ منع التجار من التعاون مع الإحتلال أو بيع المحصول له .

4 ـ العمل ضد القواعد الجوية بالقصف الصاروخى والعمليات الإستشهادية .

ظل ذلك هو هيكل إستراتيجية المجاهدين العسكرية . مع توسعات إستدعتها طبيعة الإنتصارات وتوسع السيطرة على الأرض . وإدخال أساليب قتال جديد وقوات مقاتلة جديدة .

–  من المفيد مقارنة تلك الإستراتيجية العسكرية الدامية لمنع الإحتلال من تحقيق مكاسب مادية من الحرب ، وقطع سبل إستغلاله لتلك الثروة . وبين إستراتيجية بن لادن لإبعاد الضغط العسكرى عن النفط ، الذى هو السبب الأساسى لوجود القوات الأمريكية فى بلاد الحرمين الشريفين ـ إضافة للأسباب الدينية المعروفة ـ التى إتيحت لهم وللصهاينة عندما إستسلم شعب جزيرة العرب/ وكأن أمر الحرمين لا يعنيه بشئ ، ولا حتى أمر جزيرة العرب/ معتمدا على مدخراته المالية التى سيحملها على كاهله ويرحل، حيث العيش الرغيد أينما تيسر ، ربما فى أمريكا نفسها .

ويمكن هنا القول أن بن لادن حدد الغاية من الحرب بشكل صحيح، ولكنه أخطأ فى رسم طريقة الوصول إلى هدفه (أى الإستراتيجية) .

وننظر الآن كيف واجه مجاهدو حركة طالبان التغييرات التى أدخلها العدو فى أسلحة الحرب وتكتيكات القتال . وكيف غير المجاهدون أساليب قتالهم وتشكيلاتهم القتالية عما كان معمولا به فى حربهم ضد السوفييت.

سوف نمر على أهم التطورات العسكرية المجاهدين فيما يلى من موضوعات :

1 ـ حرب الجبال.

2 ـ حرب الأرياف.

3 ـ حرب المدن.

4 ـ القوات الخاصة.

5 ـ سلاح الدعوة والإرشاد.

6 ـ مجموعات التوابين (المجموعات السرية المضادة لقوانين الدولة ) .

7 ـ أقسام التطوير التكنولوجى .

التسلسل التقليدى فى حروب العصابات وتدرجها من تحرير الجبال إلى تحرير الأرياف والقرى وفى الأخير تحرير المدن . ذلك التسلسل لم يعد إلزاميا أو حتى ممكناً . وذلك لأسباب إتضحت فى جهاد شعب أفغانستان ضد الإحتلال الأمريكى .

– فى العادة كانت تبدأ حرب العصابات من مناطق الجبال المجاورة لدولة صديقة للعصابات بحيث يسهل عبورهم لنقل الإمدادات والأفراد ونقل الجرحى .

ولكن فى الحرب ضد الإحتلال الأمريكى وجدت حركة طالبان نفسها واقعة فى حصار إقليمى محكم وعدائى . وهو جزء من حالة دولية معادية لها بسبب الخوف من الأمريكيين الذين إنخرطوا فى عمليات عقاب يمكن تطال أى دولة فى العالم وتسبب لها أذى إقتصادياً ، إن هى لم تؤيد غزو أفغانستان ، طبقا لشعار بوش فى حملته تلك (من ليس معنا فهو ضدنا ومع الإرهاب).

فكانت الحركة الجهادية مستقلة فى جميع شئونها الحربية والسياسية والإدارية . وعلاقتها مع شعبها قوية بحيث يستحيل الفصل بين المجاهدين (طالبان) وبين الشعب .

إستخدم العدو كامل طاقته لإحباط الجهاد والسيطرة على الشعب وإخضاعه . وقابله المجاهدون بالمثل ، فبقاء الجهاد وإستمراره ثم نجاحه يتوقف على سيطرة المجاهدين على العدو بشتى السبل لإنتزاع وسائل القوة من بين يديه (سلاح ـ إمدادات ـ أموال) وإستخدمها ضده لإرغامه على الفرار والرحيل .

– تأثيرات سلاح الجو الأمريكى أملت العديد من التغييرات فى سلوك المجاهدين وخططهم العملياتيه والإستراتيجية .

لم يكن طيران العدو فقط ضخم العدد ومتنوع ، قادر على العمل فى جميع الأجواء ، مطلق الحرية لعدم وجود وسائل لمقاومته ، أو إعتراضات إقليمية أو دولية . بل كان كل ما يفعله بالأفغان مبرراً بـحادث سبتمبر . بحيث لم يجد أحد غضاضة فى تقديم العون للمعتدى.

منذ الأيام الأولى أدرك الأفغان أنهم أمام سلاح طيران مختلف تماما عما ألفوه فى الحرب السوفيتية . وإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية هو الهدف الأول لطيران أمريكا وحلفائها. وتكرار القصف على نفس الهدف بفاصل عشرة دقائق لقتل من تجمعوا لإنقاذ الضحايا . وضرب وسائل النقل على الطرقات . وإستهداف الأفراح بشكل خاص وتحويلها إلى مجازر . ولم يستثنوا تجمعات العزاء ، أو التجمعات القبلية .واستخدام الذخائر الثقيلة التى تحدث زلازل ويسمع صداها من بُعْد عشرات الكيلومترات، ناهيك عن القذائف المصنوعة من اليورانيوم المنضب أو النَشِط.

كان الطيران سلاحاً للقتل الشامل للبشر ، وليس لتحقيق أى هدف عسكرى قد يأتى ضمنا كأثر ثانوى . سلاح طيران العدو كان أساسيا فى ضبط المسيرة القتالية للمجاهدين من حركة طالبان. وحتى الأهالى منذ أيام الحرب الأولى ـ ورغم تعاطفهم مع أبنائهم الطالبان ـ طالبوهم بأحد إختيارين : إما حمايتهم من الطيران الأمريكى ، أوالعمل بعيداً عن قراهم .

وبين هذين الخيارين تعاملت حركة طالبان مع التهديد الجوى . وعمليات التحرير التى كانت متاحة على الأرض ، سواء فى الجبال أو الأرياف، كانت تنفذ ولكن بشروط يجرى ذكرها .

بوجه عام إنتقلت مواجهة الطيران إلى الأرض بدلا من الفضاء، بأن تُقْصَف القواعد الجوية بالصواريخ . وبإغتيال الطيارين فى شوارع العاصمة، أو أينما ساروا على الأرض . وبهجمات نوعية داخل القواعد الجوية نفسها، أو بعناصر إستشهادية من القوات الخاصة، الذين مناسبات عديدة أحدثوا خسائر هائلة فى الطيران (قاعدة شورآب الجوية فى هلمند، ومطار جلال آباد ، وقاعدة بجرام ، وهى عمليات تكررت عدة مرات).

– سلاح الجو المعادى ـ إضافة إلى الحصار المحكم الذى تعيش فيه الحركة الجهادية لطالبان . جعل الهجمات الكبيرة وعمليات التحرير الواسع ، محدودة ومحسوبة بدقة . ومع الوقت أخلى الإحتلال مناطق كثيرة من تواجده المباشر ، وكذلك فعل الجيش العميل ، ومن الطبيعى أن تملأ حركة طالبان الفراغ الحادث ، وأن تقضى بالقوة على أى تواجد عسكرى أو إدارى حكومى فى تلك المناطق .

 

مواجهة (طالبان) لتحديات الطيران والحصار الإستراتيجى :

إتخذت حركة طالبان عدة إجراءات لمواجهة الظروف والتحديات الإستثنائية التى تقابل حركتها الجهادية وهى تحديات (سلاح الطيران الأمريكى) و(الحصار الإستراتيجى على المجاهدين). تلك الإجراءات على بساطتها الظاهرة إلا أن تأثيرها كان عميقا على مسار الحرب ورجحان كفة المجاهدين على كتلة اعدائهم ،الأقوى فى العالم عسكريا وإستخباريا. وجبهتهم بقيادة الولايات المتحدة تضم ـ إسرائيل وحلف الناتو الحلف العسكرى الأوحد والأكبر فى العالم ومن البقايا غير المنقرضة لمرحلة الحرب الباردة (1945 ـ 1990) .

التطويرات التى أدخلها مجاهدو طالبان :

1 ـ إستخدم أسلوب التسلل كبديل لعمليات الإقتحام .

2 ـ إستيطان المدن .. كبديل عن حصارها.

3 ـ إستخدم القوات النوعية (القوات الخاصة) .. كبديل عن المجموعات كبيرة العدد .

4 ـ إستخدام جهاز الدعوة والإرشاد ، كسلاح معنوى فعال فى أوساط الشعب وأوساط الأعداء المحليين .

5 ـ إستخدام طاقة ( وحدات التوابين ) الذين يطاردهم النظام ، فى العمل ضد الإحتلال وأعوانه.

6 ـ التطوير التكنولوجى للذخائر والمعدات والأسلحة.

 

وبقليل من التوضيح نقول :

1 ـ التسلل .. بديلا عن الإقتحام :

هذه الطريقة أحدثت تأثيرا مدمرا فى العدو ، خاصة فى معسكرات التدريب ، والوحدات المقاتلة ، وقوات الشرطة والأمن . ومن أهم تأثيراتها ضياع الثقة داخل تلك التشكيلات المسلحة . وبشكل خاص الثقة بين المدربين الأجانب والمتدربين الأفغان . فانسحبت العديد من الدول من برامج التدريب أو قللتها كثيرا بعد خسائر عالية جدا من أرواح ضباطها ومدربيها على يد متسللين أفغان سواء من حركة طالبان أو من المواطنين الغيارى على دينهم ووطنهم .

تمكن المتسللون من تنفيذ عمليات إغتيال هامة خلال عملهم كحراس أمنيين . بعض العمليات كانت إستشهادية وبعضها الآخر تمكن منفذوها من الإلتحاق بوحدات طالبان القريبة إلى أماكنهم. وأحيانا وفَّرَ المجاهدون تغطية وحماية لتلك العمليات، وكانت ضمن مخطط هجومى أكبر .

الهجمات على مدن هامة ــ والإستيلاء عليها لعدة أيام ــ تمت بعمليات تسلل وليس عمليات إقتحام بالقوة لنطاقاتها الدفاعية فكان سقوطها مفاجئا ومذهلا وقليل الضحايا من الطرفين. ولولا تدخل الطيران الأمريكى الذى قصف المدنيين وأحياء التجار والأسواق ، لبقيت مدن هامة محررة إلى الآن ، خاصة مدينتى قندز وغزنى ، وبمعنى أصح : لكان النظام قد سقط منذ سنوات.

وبمعنى أوضح لقد راهن الأمريكيين أن على منعهم طالبان من الإستيلاء على المدن وبالتالى إسقاط النظام، سوف يدفع طالبان إلى الرضا بتقاسم السلطة فى ظل الإحتلال وبشروطه. ولكن إطالة أمد الحرب فاقم تأثيرات الحرب السيئة على الوضع الداخلى الأمريكى، الذى تفسخ وفشلت طقوسه الديموقراطية ، ويقف الآن على شفا حرب أهلية مدمرة إنقسم فيها الشعب إلى قسمين متعادلين عدديا ومسلحين حتى الأسنان.

والجميع يعلم أن زمن أمريكا كقوة عظمى قد مضى إلى غير رجعة . والسؤال الآن هو : متى تسقط الولايات المتحدة كما سقط الإتحاد السوفيتى؟؟ .

 

2 ـ إستيطان المدن .. بديلا عن حصارها :

تجديد عبقرى آخر يناسب ظروف التفوق الجوى وتطور سلاح الطائرات المسيرة “بدون طيار”. كان حصار المدن فى الحرب السوفيتية يستمر لسنوات ويكلف معارك لا حصر لها ضد الأطواق الدفاعية. إستلزم ذلك عددا كبيرا من المجاهدين لسنوات طويلة، وذخائر يتحكم المنافقون فى إمداد المجاهدين بها ، غالبا لمنع إقتحامهم المدن، لأن الهدف الدولى كان الوصول إلى تفاهم أمريكى / سوفيتى ، وليس تحرير أفغانستان أو أن يحكمها الإسلام .

والآن نفوذ طالبان داخل المدن الهامة يزيد بالفعل عن نفوذ النظام الحاكم . وأتاح تواجدهم فى المدن إمكانية القيام بأعمال لا حصر لها لسد إحتياجات المجاهدين.

وفى داخل المدينة إكتسبوا خبرات إستخبارية لا تقدر بثمن، لأنهم فى حالة صراع مسلح دائم مع الأجهزة الإستخبارية للعدو .

لا تنقطع عمليات طالبان داخل المدن ، حتى وصلت إلى تطهير مواقع إستخبارية للأعداء وإبادة من فيها . وتسيير دوريات لهم فى العاصمة ، فيظهرون بشكل إستفزازى فى أحياء رئيسية وهم مسلحون ، ويشتبكون أحيانا مع الجيش فى شوارع العاصمة ، حتى قال أحد الجنرالات مندهشا: إنهم يطلقون علينا راجمات الصواريخ من داخل الحوارى الضيقة !! .

 

3 ـ القوات الخاصة .. كبديل عن القوات كبيرة العدد .

لا يعنى ذلك إلغاء القوات الجهادية كثيفة العدد . ولكن توفير تلك القوات وتجنيبها الضربات الجوية . وإستخدامها بحساب ودقة . القوات الخاصة أسهل فى التسلل إلى أى هدف عسكرى سواء كان قواعد عسكرية كبيرة ، أو مراكز أمنية وإدارية للعدو داخل المدن .

المدن بهذه الصورة أصبحت ساحة واسعة لتعويض الكثير من الأنشطة الجهادية التى قيَّدتها ظروف الحرب الحديثة . فعمليات الإغتيال أتاحت ضرب سلاح الطيران بشكل غير مباشر عبر إغتيال الطيارين والفنيين الجويين . وإغتيال جنرالات وضباط كبار فى الجيش فى المدن. وإختراق الدوائر الحكومية حتى أرفع مستوياتها ، وكذلك القيادات العسكرية والأمنية . وعقد صفقات لشراء أسلحة مع كبار الضباط والعاملين فى القواعد العسكرية . إلى آخر نشاطات لا حصر لها ، أتاحها التسلل إلى المدن بديلا عن سياسة الحصار التى كانت متبعة فى الحرب السوفيتية .

ونتيجة لهذا فإن الإستيلاء طالبان على المدن الكبرى ـ خاصة العاصمة ـ لا يمثل بالنسبة لهم مشكلة عسكرية كبيرة فى حد ذاته . ولكن حساباته السياسية معقدة نظراً لإرتباطه بأوضاع داخلية وخارجية متشابكة ومعقدة .

 

4 ـ جهاز الدعوة والإرشاد :

سلاح معنوى فعال للغاية . لهداية الأفغان وإعادتهم إلى سبيل الرشاد بعيدا عن غواية العدو وتهديدات النظام .

أعداد متزايدة من الجنود، وتدفق مستمر للعاملين فى صفوف الأعداء عادوا إلى شعبهم ومجاهديهم ، نتيجة (إدراكهم الحقائق) حسب تعبير جهاز الدعوة والإرشاد. المئات شهريا فى مختلف الجبهات ، ومن مختلف فئات العاملين فى النظام أو فى صفوف العدو يغيرون موقفهم بفضل مجهودات ذلك الجهاز الذى صار أداة حقيقية فعالة فى الحرب الجهادية فى أفغانستان .

العائدون إلى دينهم ووطنهم ، عادوا ومعهم بعضاً من قوة النظام ، على هيئة سلاح أو عتاد ، أو معلومات وأموال .. أو ..أسرار عليا للدولة .

 

5 ـ قوات التوابين { المجموعات السرية المضادة للدولة وقوانينها } :

وهى أحدى ثمار مجهودات جهاز الدعوة والإرشاد . وأيضا مجهودات المجاهدين وشجاعتهم وتضحياتهم التى تأسر قلوب الفتيان الجسورين المتمردين .

عاد هؤلاء إلى خدمة دينهم وشعبهم . وكانوا لسنوات فى صراع مع النظام والإحتلال ولكن على طريقتهم الخاصة . وبشكلٍ ما ، كانوا عصابات تهدم نظام الإحتلال بكافة السبل التى تمكنوا منها ، بلا قيود تردعهم عن التنكيل بأعدائهم . فاستطاعوا بطرقهم الخاصة تجريد “الكبار من أموالهم” وسحب الأسلحة من مخازن أشد القواعد العسكرية حراسة .

فى عملياتهم العسكرية ما بين كر وفر ، لم يكن للحدود الدولية أى إعتبار، غير القدرة على الإستفادة منها، وليس إحتجازهم أو الحجرعلى”حريتهم”. تَحْمِلَهُم رياح غدوها شهر ورواحها شهر، لايخشون شيئا، ويخشاهم كل شئ .

قدموا كل ما كان فى طاقتهم إلى المجاهدين ، من الأسلحة إلى المعلومات ، إلى المعدات القتالية الحساسة والممنوعة فى كل قانون ، والمحجوبة عن كل أسواق السلاح . فعلوا ذلك بسهولة وطيبة خاطر وتضحيات هائلة تُدْخِل السرور والأمل فى قلوبهم ولكن لا تردعهم . وكانوا أدرى من غيرهم بالمسارات السرية للعدو ، التى يحصل من خلالها على المعلومات ، أو يمارس تهريب المخدرات ، أو يرتب لعمليات الإغتيال والتجسس والإفساد الداخلى وشق الصفوف .

إختصاراً ــ كانوا “قوات خاصة للغاية” فى جميع المجالات ــ وعوناً مباشراً وغير مباشر لمعظم النشاطات الجهادية . ويشكلون للإحتلال وحكومته مشكلة متفاقمة لاحل لها ، وأحد التجديدات الثورية فى الحروب غير التقليدية نفسها.

 

6 ـ التطوير التكنولوجى :

كانت طائرات الدرون هى التحدى الأكبر للمجاهدين . فدخلوا مجال الحصول عليها ثم مجال تصنيعها ، وتوصلوا إلى أساليب للسيطرة الألكترونية على بعضها والإستيلاء عليها سليمة .

ثم صنعوا طائرات(درون) خاصة بهم ، ويستخدمونها فى نفس المجالات التى يستخدمها فيها العدو. فى الهجوم الجوى والإستطلاع وجمع المعلومات والإغتيال. والآن يضربون المثل قائلين أن رئيس الدولة لا يستطيع أن يسير فى حديقة القصر الجمهورى خوفا من (درون) طالبان.

ثم عملوا بإجتهاد لصناعة صواريخ أرض أرض ـ وتتحسن صواريخهم سريعا . ويفخرون بها رغم عدم دقتها. ويقولون أنها فعالة جدا، ويمكن أن تصيب الأهداف الكبيرة جدا فى حجم القواعد الجوية . ويقولون أنهم يقللون مسافة الخطأ ـ ويتقدمون بإضطراد، وقد تقدموا كثيرا جدا بالنسبة إلى بدايتهم ، حيث كانت صواريخهم الأولية تطير ، ولكنها تعود سريعاً لتسقط فوق منصة الإطلاق .. .. وسبحان مُغَيِّر الأحوال .

 

السيادة الوطنية والسيادة الإسلامية :

إنقلبت الموازين فى البلاد الإسلامية بتأثير الفترة الطويلة من الإستعمار الأوروبى ، والغزو الثقافى الذى مازال عاصفاً بسبب سيطرة اليهود على إعلام العالم، وتغذيتهم للتيارات الفكرية والسياسية سعيا إلى “العولمة”، أى محو الثقافات جميعا ماعدا الثقافة اليهودية .

–  فى مشروع بن لادن تجلى التحيز الوطنى على حساب المعيار الإسلامى عند مواجهة جيوش الظالمين . فهم معصوموا الدم إذا كانوا من السعوديين ، ومستباحون إن كانوا من جنسية أخرى.

– طواغيت السعودية إستخدموا النزعة الوطنية لتبرير تصرف الحاكم السعودى المنحرف بالمقدسات الإسلامية ، على أنها من قضايا “السيادة الوطنية”. وقبلاً صادروا النفط لصالح العائلة الحاكمة بحجة سلطة دينية خاصة للملك بصفته (ولي الأمر واجب الطاعة) بما يتيح له نهب أموال المسلمن والإستيلاء على الثروات العامة للأمة.

–  إذا عادت الأمة إلى جهادها فإن السيادة الحقيقية ستكون لله ورسوله والمؤمنين . أما الوطن والمواطن والشعب فسيادتهم مكفولة فى إطار تلك السياده العليا لله ورسوله . وأى تجاوز خارج ذلك الإطار السيادى هو طغيان يستوجب إعادته إلى القانون الإسلامى بالسبل الممكنة. فلا يجوز التعدى على حقوق فئة من المسلمين لصالح فئة أخرى باغية تتسلح بدعاوى جاهلية عن تفوق عرقى أو تكاثر عددى ، لكى تصادر بالعدوان والغلبة حقوق الآخرين التى يضمنها لهم الشرع فى الثروات العامة والمياه والأراضى.

فالثروات الإسلامية مثل موارد الطاقة والمناجم هى ملك للأمة الإسلامية عامة، وليست خاضعة للسيادة الوطنية المزيفة . فلا يجوزالتصرف فيها بما يضر مصالح الأمة الإسلامية أو يهضم حقوق المستضعفين من الناس.  وجميع المذاهب فيها ما يكفى من الضوابط لأوجه إستفادة الأمة وشكل ملكيتها لتلك الثروات . فإذا تعذر تصرف جماعى للأمة فى ثرواتها لعدم وجود كيان سياسى موحد للأمة (دولة إسلامية جامعة)، فأقل تقدير هو عدم تسليم تلك الثروات للعدو ليبنى قوته منها كما يحدث الآن مع النفط والغاز والمناجم . فهذا عدوان على الأمة ، والتصدى له فريضة تشمل الأمة كلها لمنعه، بلا أى إعتبار(لسيادة وطنية) هى غطاء للنهب الإستعمارى.

–  وتحديدا فإن التصدى للنهب الإستعمارى لثروات النفط والغاز، هو فريضة متفرعة من فريضة الدفاع عن المقدسات الإسلامية التى يقف وراءها العدوان الغربى والصهيونى.

ــ  سيادة الأمة تشمل شرائعها كما تشمل مقدساتها ، وتشمل ثرواتها الطبيعية ، وأراضيها وأجوائها وبحارها . وهى سيادة معيارها الشريعة الإسلامية ، وليست حقوقا منفصلة عن الشريعة أو تقف فى مواجهتها كمُتَحَدٍ أو منافس.

الجندى المسلم يقاتل تحت راية العدو الصائل :

يتفرع من الموضوع السابق مسألة الحكم الشرعى فى الجندى (المسلم) الذى يقاتل تحت راية الغزاة الكافرين . كما حدث فى أفغانستان خلال الحملات الإستعمارية. وحدث للمسلمين فى أوقات الحروب الصليبية والحملات المغولية ، حيث ضمت جيوش الغزاة أعداداً كبيرة من المسلمين وحتى من الأمراء والقضاة . لذا حفل فقه تلك المرحلة بالإحكام الشرعية حول تترس الجيوش الغازية بالأسرى والسكان المسلمين . وحكم مهاجمة المدن المحصنة التى يحتلها العدو ويدافع عنها ضد جيوش المسلمين .

 

وملخص تلك الأحكام :

–  أن الجندى يأخذ حكم الراية التى يقاتل تحتها ، وليس حكم ديانته الرسمية.

–  أن التصدى لقوات العدو الصائل ، لا يمنعه تترس العدو بالمسلمين أو بمدنهم المحتلة.

 [ والتفاصيل متوفرة فى كتب الفقه المعتبرة لدى السنة والشيعة ].

 

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

 

الفصل الخامس : (النص الكامل)

بيان إعلان الجهاد

( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب )

رسالة من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه المسلمين في العالم كافة وجزيرة العرب خاصة ..

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون}، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}.

الحمد لله القائل {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}. [هود: 88].
الحمد لله القائل: {كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}. [آل عمران: 110].
والصلاة والسلام على عبده ورسوله القائل: ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).[رواه أبو داود والترمذي والنسائي].

أما بعد :-

فلا يخفى عليكم ما أصاب أهل الإسلام من ظلمٍ وبغيٍ وعدوانٍ من تحالف اليهودِ والنصارى وأعوانهم، حتى أصبحت دماء المسلمين أرخص الدماء، وأموالهم وثرواتهم نهباً للأعداء، فها هي دماؤهم قد سُفِكَت فلسطين، والعراق، وما زالت الصور الفظيعة لمجزرة قانا في لبنان عالقة بالأذهان، وكذلك المجازر في طاجكستان، وبورما، وكشمير، وآسام، والفلبين، وفطاني، والأوجادين، والصومال، وإريتريا، والشيشان، وفي البوسنة والهرسك، حيث جرت مذابح للمسلمين هناك تقشعرُ لها الأبدان، ويهتز من هولها الوجدان، وذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع، بل وبتآمر واضح من أمريكا وحلفائها بمنعهم السلاح عن المستضعفين هناك تحت ستار الأمم المتحدة الظالمة، فانتبه أهل الإسلام إلى أنهم الهدف الرئيسي لعدوان التحالف اليهودي الصليبي، وزالت كل تلك الدعايات الكاذبة عن حقوق الإنسان تحت الضربات والمجازر التي ارتُكِبْت ضد المسلمين في كل مكان.

وكان آخر هذه الاعتداءات أن أُصيبَ المسلمون بمصيبة من أعظم المصائب التي أُصيبوا بها منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهي احتلال بلاد الحرمين –  عقر دار الإسلام، ومهبط الوحي، ومنبع الرسالة، وبها الكعبة المشرفة قبلة المسلمين أجمعين-  وذلك من قبل جيوش النصارى من الأمريكيين وحلفائهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

في ظلال هذا الواقع الذي نعيشه، وفي ظل الصحوة المباركة العارمة التي شملت بقاع العالم، والعالم الإسلامي خاصة، ألتقي اليوم معكم بعد طول غياب فرضته الحملة الصليبية الظالمة التي تتزعمها أمريكا على علماء الإسلام ودعاته خشية أن يحرضوا الأمة الإسلامية ضد أعدائها تأسياً بعلماء السلف رحمهم الله كابن تيمية والعز بن عبد السلام. وهكذا قام هذا التحالف الصليبي اليهودي بقتل واعتقال رموز العلماء الصادقين والدعاة العاملين –  ولا نزكي على الله أحداً-  فقام بقتل الشيخ المجاهد/ عبد الله عزام، واعتقال الشيخ المجاهد/ أحمد ياسين. في مسرى النبي عليه الصلاة والسلام، والشيخ المجاهد/ عمر عبد الرحمن في أمريكا، كما اعتقل بإيعازٍ من أمريكا عددٌ كبيرٌ جداً من العلماء والدعاة والشباب في بلاد الحرمين من أبرزهم الشيخ/ سلمان العودة والشيخ/ سفر الحوالي وإخوانهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد أصابنا بعض ذلك الظلم بمنعنا من الحديث مع المسلمين، ومطاردتنا في باكستان والسودان وأفغانستان؛ مما أدى إلى هذا الغياب الطويل، ولكن بفضل الله تيسر وجود قاعدة آمنة في خُرسان، فوق ذرى الهندوكوش، تلك الذرى التي تحطمت عليها –  بفضل الله –  أكبر قوة عسكرية ملحدة في الأرض، وتلاشت عليها أسطورة القوى الكبرى أمام صيحات المجاهدين – الله أكبر- واليوم من فوق نفس الذرى من أفغانستان نعمل على رفع الظلم الذي وقع على الأمة من التحالف اليهودي الصليبي، وخاصة بعد احتلاله مسرى النبي عليه الصلاة والسلام واستباحته بلاد الحرمين، ونرجو الله أن يمن علينا بالنصر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وها نحن اليوم نبدأ منها الحديث والعمل والتذاكر لبحث سبل الإصلاح لما حل بالعالم الإسلامي عامة، وببلاد الحرمين خاصة، ونريد أن نتدارس السبل التي يمكن بسلوكها إعادة الأمور إلى نصابها، والحقوق إلى أصحابها، بعد أن أصاب الناس ما أصابهم من خطب عظيم وضرر جسيم في أمور دينهم ودنياهم، أصاب الناس بجميع فئاتهم، أصاب المدنيين كما أصاب العسكريين ورجال الأمن، أصاب الموظفين كما أصاب التجار، وأصاب الصغار والكبار، أصاب طلاب المدارس والجامعات كما أصاب المتخرجين من الجامعات العاطلين عن العمل، وهم بمئات الألوف، بل أصبحوا يشكلون شريحة عريضة في المجتمع.

أصاب أهل الصناعة كما أصاب أهل الزراعة، وأصاب أهل الحضر والمدر، كما أصاب أهل البادية والوبر، والكل يشتكي من كل شيء تقريباً، وبات الوضع في بلاد الحرمين أشبه ببركان هائل يكاد أن ينفجر فيقضي على الكفر والفساد مهما كانت مصادره، وما انفجارا الرياض والخبر إلا نذر لهذا السيل الهادر الذي تولد عن المعاناة والكبت المرير، والقهر، والظلم الفادح والبغي المذل والفقر.

وقد شُغل الناس بأمور معاشهم شغلاً عظيماً، الحديث عن التردي الاقتصادي وغلاء الأسعار وكثرة الديون وامتلاء السجون هو حديث الجميع فحدث عنه ولا حرج، فهؤلاء موظفون من ذوي الدخل المحدود يحدثونك عن ديونهم بعشرات ومئات الألوف من الريالات، ويشتكون من التدني الهائل والمستمر لقيمة الريال الشرائية مقابل معظم العملات الرئيسية، بينما يحدثك كبار التجار والمقاولين عن ديونهم بمئات وآلاف الملايين من الريالات على الدولة، وقد بلغت الديون الداخلية للمواطنين على الدولة أكثر من ثلاثمائة وأربعين ألف مليون من الريالات تزداد يومياً بسبب الفوائد الربوية ناهيك عن ديونها الخارجية، والناس يتساءلون أحقاً نحن أكبر دولة مصدرة للنفط، بل ويشعرون أن هذا عذاب من الله على هم لأنهم سكتوا عن ظلم النظام وتصرفاته غير الشرعية ومن أبرزها عدم التحاكم إلى شرع الله، ومصادرة حقوق العباد الشرعية، وإباحة بلاد الحرمين للمحتلين الأمريكيين، وإيداع العلماء الصادقين ورثة الأنبياء السجون ظلماً وعدواناً. هذا المصاب العظيم قد تنبه له أهل الفضل والخير من المختصين في أمور الدين، كالدعاة والعلماء، وكذلك من المختصين في أمور الدنيا كالتجار والاقتصاديين والوجهاء، فبذلت كل فئة جهدها للتحرك السريع لتدارك الموقف. والجميع مجمعٌ على أن البلاد تسير نحو هوة سحيقة ومصيبة فظيعة لا يعلم مداها إلا الله، وعلى حد تعبير كبار التجار [إن الملك يقود البلاد إلى ستين داهية]، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كما أن العديد من الأمراء يشاركون الشعب همومه ويعبرون في مجالسهم الخاصة عن اعتراضهم على ما يجري في البلاد من إرهاب وقمع وفساد. وإن تنافس الأمراء المتنفذين على المصالح الشخصية قد دمر البلاد، وأن النظام قد مزق شرعيته بيده بأعمال كثيرة أهمها:

1- تعطيله لأحكام الشريعة الإسلامية، واستبدالها بالقوانين الوضعية، مع دخوله في مواجهة دامية مع العلماء الصادقين والشباب الصالحين, ولا نزكي على الله أحداً.

2- عجزه عن حماية البلاد وإباحتها السنين الطوال لأعداء الأمة من القوات الصليبية الأمريكية التي أصبحت السبب الرئيسي في نكبتنا بجميع نواحيها وبخاصة الاقتصادية نتيجة الإنفاق الثقيل عليها بغير حق، ونتيجة للسياسات التي تفرضها على البلاد وخاصة السياسة النفطية حيث تحدد الكمية المنتجة من البترول والسعر بما يحقق مصالحهم الاقتصادية ويهمل مصالح البلاد الاقتصادية، ونتيجة لصفقات الأسلحة باهظة التكاليف التي تفرض على النظام حتى أصبح الناس يتساءلون: ما فائدة وجود النظام إذاً؟.

فبذلت كل فئة جهدها للتحرك السريع لتدارك الموقف، وتلافي الخطر، فنصحوا سراً وجهراً، ونثراً وشعراً، زرافات ووحدانا، وأرسلوا العرائض تتلوها العرائض، والمذكرات تتبعها المذكرات، وما تركوا سبيلاً إلا ولجوه ولا رجلاً مؤثراً إلا وأدخلوه معهم في تحركهم الإصلاحي، وقد كانوا متوخين في كتاباتهم أسلوب الرفق واللين بالحكمة والموعظة الحسنة داعين إلى الإصلاح والتوبة من المنكرات العظام والمفاسد الجسام التي شمل فيها التجاوز مُحْكَمَات الدين القطعية وحقوق المواطنين الشرعية.

ولكن –  للأسف الشديد-  لم يجدوا من النظام إلا الصدود والإعراض، بل والسخرية والاستهزاء، ولم يقف الأمر عند حد تسفيههم فقط، بل تعززت المخالفات السابقة بمنكرات لاحقة أكبر وأكثر، كل ذلك في بلاد الحرمين!! فلم يعد السكوت مستساغاً، ولا التغاضي مقبولا.

ولما بلغ التجاوز ما بلغ، وتعدى حدود الكبائر والموبقات، إلى نواقض الإسلام الجليات، قامت مجموعة من العلماء والدعاة الذين ضاقت صدورهم ذرعاً بما أصم آذانهم من أصوات الضلال، وغشي أبصارهم من حجب الظلم، وأزكم أنوفهم من رائحة الفساد.
فانبعثت نذر الرفض، وارتفعت أصوات الإصلاح داعية لتدارك الموقف، وتلافي الوضع، وانضم إليهم في ذلك المئات من المثقفين، والوجهاء، والتجار، والمسؤولين السابقين، فرفعوا إلى الملك العرائض والمذكرات المتضمنة المطالبة بالإصلاح، ففي سنة 1411 هـ إبّان حرب الخليج رفعت إلى الملك عريضة وقعها حوالي أربعمائة شخصية من هؤلاء تدعوه لإصلاح أوضاع البلاد، ورفع الظلم عن العباد، غير أنه تجاهل النصح، واستهزأ بالناصحين، وظلت الأوضاع تزداد سوءاً على سوء .

وحينئذٍ أعاد هؤلاء الناصحون الكرة من جديد بمذكرات وعرائض أخرى كان من أهمها مذكرة النصيحة التي سُلِمَتْ للملك في محرم 1413 هـ والتي شَخَّصت الداء ووصفت الدواء، في تأصيل شرعي قويم، وعرض علمي سليم، فتناولت بذلك الفجوات الكبرى في فلسفة النظام، ومواضع الخلل الرئيسية في دعائم الحكم، فبينت ما يعانيه رموز المجتمع وقياداته الداعية للإصلاح –  كالعلماء والدعاة وشيوخ القبائل والتجار والوجهاء وأساتذة الجامعات-  من تهميشٍ وتحييد، بل ومن ملاحقة وتضييق.

وأوضحت حالة الأنظمة واللوائح في البلاد، وما تضمنته من مخالفات شملت التحريم والتحليل تشريعاً من دون الله.

وتعرضت لوضع الإعلام في البلاد الذي أصبح وسيلة لتقديس الأشخاص والذوات، وأداة لطمس الحقائق، وتزييف الوقائع والتشهير بأهل الحق، والتباكي على قضايا الأمة لتضليل الناس دون عمل جاد، وتنفيذ خطط الأعداء لإفساد الناس وإبعادهم عن دينهم، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، قال تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور، آية: 19].

وتطرقت إلى حقوق العباد الشرعية المهدورة والمصادرة في هذه البلاد.

وتناولت الوضع الإداري، وما يحكمه من عجز، ويشيع فيه من فساد.

وأبانت حالة الوضع المالي والاقتصادي للدولة، والمصير المخيف المرعب الذي ينتظره في ظل الديون الربوية التي قصمت ظهر الدولة، والتبذير الذي يبدد أموال الأمة إشباعاً للنزوات الشخصية الخاصة !! ثم تُفرض الضرائب والرسوم والمكوس و غير ذلك على الشعب ؟!!! وقد قال صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي زنت وتابت وأقام عليها الحد: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسٍ لغُفِرَ له( [رواه أحمد].مما يبين عظَمَ ذنبِ صاحب المكس، بينما لا زال بعض الناس يدعون على المنابر لصاحب المكس، المجاهر بكبيرة الربا المشرّع لها، وذلك كفرٌ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكشفت عن حالة المرافق الاجتماعية المزرية داخل البلاد، والتي استفحلت بعد المذكرة وتفاقمت، وبخاصة خدمات المياه أهم مقومات الحياة.

وعرضت حالة الجيش وما كشفته أزمة الخليج، من قلة أفراده، وضعف إعداده، وعجز قائد قوَّاده، رغم ما أنفق عليه من أرقام فلكية لا تعقل!! ولا تخفى؟.

وعلى مستوى القضاء والمحاكم بينت المذكرة تعطيل العديد من الأحكام الشرعية واستبدالها بالقوانين الوضعية.

وعلى صعيد سياسة الدولة الخارجية كشفت المذكرة ما تميزت به هذه السياسة من خذلان وتجاهل قضايا المسلمين، بل ومن مناصرة ومؤازرة الأعداء ضدهم وليست [غزة –  أريحا ] والشيوعيون في جنوب اليمن عنا ببعيد، وغيرهما كثير.

ولا يخفى على أحد أن تحكيم القوانين الوضعية، ومناصرة الكافر على المسلم معدودة في نواقض الإسلام العشرة، كما قرر ذلك أهل العلم، وقد قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، وقال تعالى أيضاً {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} [النساء: 65].

ومع أن المذكرة عرضت كل ذلك بلين عبارة، ولطف إشارة، مذكرة بالله، واعظة بالحسنى، في أسلوب رقيق ومضمون صادق ورغم أهمية النصيحة في الإسلام، وضرورتها لمن تولى أمر الناس، ورغم عدد ومكانة الموقعين على هذه المذكرة، والمتعاطفين معها، فإن ذلك لم يشفع لها، إذ قوبل مضمونها بالصد والرد، ومُوقْعُوها والمتعاطفون معها بالتسفيه والعقاب والسجن.

وهكذا ظهر بكل وضوح حرص الدعاة والمصلحين على سلوك سبل الإصلاح السلمية حرصاً على وحدة البلاد، وحقناً لدماء العباد. فلماذا يوصد النظام جميع سبل الإصلاح السلمية ويدفع الناس دفعاً نحو العمل المسلح ؟!!! وهو الباب الوحيد الذي بقي أمام الناس لرفع الظلم وإقامة الحق والعدل. ولمصلحة من يقحم الأمير سلطان والأمير نايف البلاد والعباد في حرب داخلية تأكل الأخضر واليابس، ويستعين ويستشير من أشعل الفتن الداخلية في بلاده، وجيّش أبناء الشعب من الشرطة لإجهاض الحركة الإصلاحية هناك، وضرب أبناء الشعب بعضهم ببعض، وبقي العدو الرئيسي في المنطقة وهو التحالف اليهودي الأمريكي في أمن وأمان، بعد أن وجد أمثال هؤلاء الخائنين لأمتهم ينفذون سياساته لاستنزاف طاقات الأمة البشرية والمالية داخلياً.

وهذا الذي يستشيره وزير الداخلية الأمير نايف لم يتحمله الشعب في بلده لشدة قذارته وبغيه على شعبه، فأقيل من منصبه هناك، ولكنه جاء ليجد صدراً رحباً لدى الأمير نايف!!! للتعاون على الإثم والعدوان، فملأ السجون بخيرة أبناء الأمة، وذرفت لذلك العيون، عيون الأمهات اللواتي سُجِنَ أبناؤهنّ بغير حق ظلماً وزوراً وبهتاناً، فهل يريد النظام أن يضرب الشعب من المدنيين والعسكريين بعضهم ببعض كما حصل في بعض البلدان المجاورة ؟!!! لا شك أن هذه سياسة العدو التحالفي الإسرائيلي الأمريكي وهو المستفيد الأول من ذلك. ولكن بفضل الله فإن الغالبية العظمى من الشعب من مدنيين وعسكريين متنبهون لهذا المخطط الخبيث، ويربؤون بأنفسهم أن يكونوا أداة لضرب بعضهم بعضاً، تنفيذاً لسياسة العدو الرئيسي التحالف الأمريكي الإسرائيلي عبر وكيله في البلاد النظام السعودي.

ولذا اتفق الجميع على أنه [لا يستقيم الظل والعود أعوج] فلا بد من التركيز على ضرب العدو الرئيسي الذي أدخل الأمة في دوامات ومتاهات منذ بضعة عقود بعد أن قسمها إلى دول ودويلات، وكلما برزت حركة إصلاحية في الدول الإسلامية دفع هذا التحالف اليهودي الصليبي وكلاءه في المنطقة من الحكام لاستنزاف وإجهاض هذه الحركة الإصلاحية بطرق شتى وبما يتناسب معها، فأحيانا يجهضها بجرها إلى الصدام المسلح محدداً الزمان والمكان لهذه المعركة فيقضي عليها في مهدها.

وأحياناً يطلق عليها رجاله من وزارة الداخلية والذين تخرجوا من كليات شرعية ليشوشوا على المسيرة الإصلاحية وليشتتوا الأمة والشعب عن هذه المسيرة، وأحيانا يستزلون أقدام بعض الصالحين للدخول في حرب كلامية مع علماء ورموز الحركة الإصلاحية ليستنزف طاقة الجميع ويبقى الكفر الأكبر مسيطراً على الأمة مظللاً لها، وتستمر المناقشات في الفروع بينما توحيد الله بالعبادة والتحاكم إلى شريعته مغيب عن الواقع، وفي ظل هذه المناقشات والردود يلتبس الحق بالباطل وكثيراً ما تنتهي إلى عداوات شخصية يتحزب الناس مع هذا أو ذاك مما يزيد الأمة انقساماً وضعفاً إلى ضعفها، وتغيب الأولويات في العمل الإسلامي، فينبغي التنبه إلى هذه الحيل الشيطانية وأمثالها التي تنفذها وزارة الداخلية. والصواب في مثل هذه الحالة التي نعيشها هو كما قرره أهل العلم، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو تكاتف جميع أهل الإسلام للعمل على دفع الكفر الأكبر الذي يسيطر على بلاد العالم الإسلامي، مع تحمل الضرر الأدنى في سبيل دفع الضرر الأكبر ألا وهو الكفر الأكبر. وإذا تزاحمت الواجبات قدم آكدها، ولا يخفى أن دفع هذا العدو الأمريكي المحتل هو أوجب الواجبات بعد الإيمان، فلا يٌقَدَمُ عليه شيء كما قرر ذلك أهل العلم، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: “وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين،ن فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يُشترط له شرط، بل يُدفع بحسب الإمكان”. [كتاب الاختيارات العلمية، ملحق بالفتاوى الكبرى: 4/608]، فإذا تعذر دفع هذا العدو الصائل إلا باجتماع المسلمين بقض هم وقضيضهم وغثهم وسمينهم، كان ذلك واجباً في حقهم مع التغاضي عن بعض القضايا الخلافية والتي ضَرَر التغاضي عنها في هذه المرحلة أقل من ضرر بقاء الكفر الأكبر جاثماً على بلاد المسلمين، ولذا قال شيخ الإسلام مبيناً هذه المسألة منبهاً على أصل عظيم ينبغي مراعاته وهو العمل على دفع أعظم الضررين بالتزام أدناهما واصفاً حالة المجاهدين والمسلمين وإن كان فيهم عسكر كثير الفجور، فإنه لا يعفى من ترك الجهاد ضد العدو الصائل.

فقال رحمه الله بعد أن ذكر شيئاً من أحوال التتار وما هم عليه من تبديل شرائع الله؛ فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه، كان الواجب أيضاً قتالهم دفعاً لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها، ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما اخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور فإنه لا بد من أحد أمرين إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه”. [مجموع الفتاوى 28/506].

وبرغم أن المفاسد العظام قد فشت، والمنكرات الجسام قد طغت، ولا ينكر وجودها أعمى أو أصم ناهيك عن أن ينكرها سميع بصير حتى وصلت إلى الظلم العظيم وهو الشرك بالله ومشاركة الله في تشريعه للناس، قال تعالى: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمُ عظيمٌ} [لقمان: 13]، فشرعت التشريعات الوضعية تبيح ما حرم الله كالربا وغيره حتى في البلد الحرام عند المسجد الحرام، حيث إن بنوك الربا تزاحم الحرمين مجاهرة لله بالحرب معاندة لأمر الله القائل: {وأحل الله البيع وحرم الربا…} الآية [البقرة275 ]وقد توعد الله سبحانه وتعالى صاحب كبيرة الربا في كتابه الكريم بوعيد لم يتوعده أحداً من المسلمين في كتابه فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله…} الآية [البقرة: 278- 279].هذا للمسلم المرابي، فكيف لمن جعل من نفسه نداً لله وشريكاً يشرع ويحلل لعباد الله ما حرم ربهم عليهم، برغم ذلك كله نرى الدولة تستزل أقدام بعض الصالحين من العلماء والدعاة، وتجرهم بعيداً عن إنكار المنكر الأعظم والكفر الأكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والذي ينبغي في مثل هذه الحالة أن يبذل الجميع قصارى الجهد في تحريض وتعبئة الأمة ضد العدو الصائل والكفر الأكبر المخيم على البلاد والذي يفسد الدين والدنيا ولا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، ألا وهو التحالف الإسرائيلي الأمريكي المحتل لبلاد الحرمين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وتذكير المسلمين بتجنب الدخول في قتال داخلي بين أبناء الأمة المسلمة؛ وذلك لما له من نتائج وخيمة، من أهمها:

1- استنزاف الطاقات البشرية حيث إن معظم الإصابات والضحايا ستكون من أبناء الشعب المسلم.

2- استنزاف الطاقات المالية.

3- تدمير البنية التحتية للدولة.

4- تفكك المجتمع.

5- تدمير الصناعات النفطية حيث إن تواجد القوات العسكرية الصليبية والأمريكية في دول الخليج الإسلامي براً وجواً وبحراً هو الخطر الأعظم والضرر الأضخم الذي يهدد أكبر احتياطي بترولي في العالم، حيث أن هذا التواجد يستفز أهل البلاد ويعتدي على دينهم ومشاعرهم وعزتهم وقد دفعهم نحو الجهاد المسلح ضد الغزاة المحتلين وإن انتشار القتال في تلك الأماكن يعرض البترول لمخاطر الاحتراق مما يؤدي للإضرار بالمصالح الاقتصادية لدول الخليج ولبلاد الحرمين بل وأضرار جسيمة للاقتصاد العالمي. ونقف هنا وقفة ونهيب بإخواننا أبناء الشعب المجاهدين بأن يحافظوا على هذه الثروة وبأن لا يقحموها في المعركة لكونها ثروة إسلامية عظمى وقوة اقتصادية كبرى هامة لدولة الإسلام القادمة بإذن الله، كما نحذر وبشدة الولايات المتحدة الأمريكية المعتدية من إحراق هذه الثروة الإسلامية في نهاية الحرب خوفاً من سقوط هذه الثروة في أيدي أصحابها الشرعيين وإضراراً منها بمنافسيها الاقتصاديين في أوروبا والشرق الأقصى، وبخاصة اليابان الذي يعتبر المستهلك الرئيسي لبترول المنطقة.

6- تقسيم بلاد الحرمين واستيلاء إسرائيل على الجزء الشمالي منها، حيث إن تقسيم بلاد الحرمين يعتبر مطلباً ملحاً للتحالف اليهودي الصليبي؛ لأن وجود دولة بهذا الحجم وهذه الطاقات تحت حكم إسلامي صحيح قادم بإذن الله يمثل خطورة على الكيان اليهودي في فلسطين، حيث إن بلاد الحرمين تمثل رمزاً لوحدة العالم الإسلامي نظراً لوجود الكعبة المشرفة قبلة المسلمين أجمعين، وكذلك فإن بلاد الحرمين تمثل قوةً اقتصاديةً هامةً في العالم الإسلامي؛ لوجود أكبر احتياطي بترول في العالم فيها، كما أن أبناء الحرمين يرتبطون بسيرة أجدادهم من الصحابة رضوان الله عليهم ويعتبرونها قدوة لهم ومثلاً في إعادة مجد الأمة، وإعلاء كلمة الله من جديد، بالإضافة إلى وجود عمق استراتيجي ومدد بكثافة بشرية مقاتلة في سبيل الله في اليمن السعيد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفا ينصرون الله ورسوله، هم خير من بيني وبينهم)[رواه أحمد بسندٍ صحيح] مما يسبب خطورة على تواجد التحالف اليهودي الصليبي في المنطقة.

7- وإن أي قتال داخلي مهما تكن مبرراته مع وجود قوات الاحتلال الأمريكي يشكل خطأ كبيراً حيث إن هذه القوات ستعمل على حسم المعركة لصالح الكفر العالمي.

إخواننا في القوات المسلحة والحرس الوطني والأمن حفظكم الله ذخراً للإسلام والمسلمين:

يا حماة التوحيد وحراس العقيدة، يا خلف أولئك السلف الذين حملوا نور الهداية ونشرَوهُ على العالمين، يا أحفاد سعد بن أبي وقاص والمثنى بن حارثة الشيباني والقعقاع بن عمرو التميمي، ومن جاهد معهم من الصحابة الأخيار. لقد تسابقتم للانضمام إلى الجيش والحرس رغبة في الجهاد في سبيل الله “لتكون كلمة الله هي العليا” ولتذودوا عن حياض الإسلام وبلاد الحرمين ضد الغزاة والمحتلين وذلك ذروة سنام الدين، إلا أن النظام قلب الموازين، وعكس المفاهيم، وأذل الأمة وعصى الملة، ففي الوقت الذي لم تسترجع الأمة بعد قبلتها الأولى، ومسرى نبيها عليه الصلاة والسلام بعد الوعود التي قطعها الحكام منذ ما يقرب من نصف قرن باسترجاعها حتى ذهب ذلك الجيل، وجاء جيل جديد تبدلت معه الوعود وسُلِمَ الأقصى لليهود، ولا زالت جراحات الأمة تنزف دماً هناك منذ ذلك الوقت، رغم هذا كله، إذ بالنظام السعودي يفجع الأمة بما تبقى لها من مقدسات مكة المكرمة والمسجد النبوي بأن جلب نساء جيوش النصارى للدفاع عنه، وأباح بلاد الحرمين للصليبيين –  ولا عجب في ذلك بعد أن لبس الملك الصليب – وفتحها بطولها وعرضها لهم، فامتلأت بقواعد جيوش أمريكا وحلفائها؛ لأنه أصبح عاجزاً أن يقف بدون مساعدتهم، وأنتم أعلم الناس بهذا التواجد وحجمه وأهدافه وخطورته، فخان بذلك الأمة، ووالى الكفّار وناصرهم وظاهرهم على المسلمين، ولا يخفى أن ذلك معدود في نواقض الإسلام العشرة، وقد خالف بإباحته الجزيرة العربية للصليبيين الوصية التي أوصى بها رسول الله أمته وهو على فراش الموت حيث قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).[رواه البخاري].وقد قال أيضاً: (لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) [صحيح الجامع الصغير].

وإن الادعاء بأن تواجد القوات الصليبية على أرض الحرمين ضرورة ملحة ومسألة مؤقتة للدفاع عنها قضية قد تجاوزها الزمن، وخاصة بعد تدمير العراق تدميراً وحشياً أصاب البنية العسكرية والمدنية، وأظهر مدى الحقد الصليبي اليهودي على المسلمين وأطفالهم، وبعد الإصرار على عدم استبدال تلك القوات الصليبية بقوات إسلامية من أبناء البلاد وغيرهم، ثم إن هذا الادعاء أُزيل من أساسه وهُدِمَت أركانه بعد التصريحات المتتالية لأئمة الكفر في أمريكا، وكان آخرها تصريح وزير الدفاع الأمريكي وليام بيري بعد انفجار الخبر للجنود الأمريكيين هناك بأن وجودهم في بلاد الحرمين إنما هو لحماية المصالح الأمريكية، وقد ألف الشيخ سفر الحوالي – فرج الله عنه-  كتاباً من سبعين صفحة، ساق فيه الأدلة والبراهين على أن تواجد الأمريكيين في الجزيرة العربية هو احتلالّ عسكريّ مخططّ له من قبل. وإن هذا الإدعاء هو خدعة أخرى يريد النظام أن تنطلي على المسلمين كما انطلت خدعته الأولى على المجاهدين الفلسطينيين وكانت سبباً في ذهاب المسجد الأقصى، وذلك أنه لما هب الشعب المسلم في فلسطين في جهاده الكبير ضد الاحتلال البريطاني عام 1354 هـ الموافق لعام 1936 م، عجزت بريطانيا أن تقف أمام المجاهدين أو أن توقف جهادهم، ثم أوحى إليهم شيطانهم أنه لا سبيل إلى إيقاف الجهاد المسلح في فلسطين إلا بواسطة الملك عبد العزيز والذي في استطاعته خداع المجاهدين، وقد قام الملك عبد العزيز بمهمته تلك حيث أرسل ابنيه فالتقيا مع قادة المجاهدين في فلسطين وأبلغاهم بتعهد الملك عبد العزيز بضمان وعود الحكومة البريطانية بأنها ستخرج إذا أوقفوا الجهاد وستلبي مطالبهم، وهكذا تسبب الملك عبد العزيز في ضياع القبلة الأولى للمسلمين، ووالى النصارى ضد المسلمين، وخذل المجاهدين بدلاً من تبني قضية المسجد الأقصى، ونصرة المجاهدين في سبيل الله لتحريره، واليوم يحاول ابنه الملك فهد أن تنطلي الخدعة الثانية على المسلمين، ليذهب ما تبقى لنا من مقدسات، فَكَذَب على العلماء الذين أفتوا بدخول الأمريكان، وكذلك على الجمع العظيم من علماء وقيادات العالم الإسلامي في مؤتمر الرابطة في مكة المكرمة بعد أن استنكر العالم الإسلامي دخول القوات الصليبية بلاد الحرمين بحجة الدفاع عنها، حيث قال لهم إن الأمر يسير، وأن القوات الأمريكية وقوات التحالف سوف تخرج بعد بضعة أشهر، وها نحن اليوم ندخل في السنة السابعة بعد مجيئهم، والنظام عاجز عن إخراجهم، ولا يريد أن يعترف لشعبه بعجزه، فاستمر يكذب على الناس، ويدعي أن الأمريكيين سيخرجون، وهيهات هيهات، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، والسعيد من اتعظ بغيره.

وبدلاً من أن يدفع النظام الجيش والحرس ورجال الأمن لمواجهة المحتلين، جعلهم حماة لهم، إمعاناً في الإذلال ومبالغة في الإهانة والخيانة ولا حول ولا قوة إلا الله، ونذكر أولئك النفر القليل من الجيش والشرطة والحرس والأمن الذين يستزلهم النظام، ويضغط عليهم ليعتدوا على حقوق المسلمين ودمائهم بقوله تعالى في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب( [رواه البخاري]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول: يا رب هذا قتلني، فيقول الله له: لم قتلته، فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، ويجيء الرجلُ آخذاً بيد الرجل، فيقول: أي ربِ إن هذا قتلني، فيقول الله: لم قتلته، فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه  (رواه النسائي بسندٍ صحيح]، وفي لفظٍ عن النسائي أيضاً: ( يجيء المقتول يوم القيامة متعلقاً بقاتله،ن فيقول الله، فيمَ قتلت هذا، فيقول: في ملك فلان).

واليوم قد بدأ إخوانكم وأبناؤكم من أبناء الحرمين الجهاد في سبيل الله لإخراج العدو المحتل من بلاد الحرمين، ولا شك أنكم ترغبون في القيام بهذه المهمة لإعادة العزة للأمة وتحرير مقدساتها المحتلة، غير أنه لا يخفى عليكم أن المرحلة تستدعي اتباع أساليب قتالية مناسبة نظراً لعدم التوازن بين قواتنا النظامية المسلحة وقوات العدو، وذلك بواسطة قوات خفيفة سريعة الحركة، تعمل في سرية تامة، وبعبارة أخرى شن حرب عصابات يشارك فيها أبناء الشعب من غير القوات المسلحة. وتعلمون أنه من الحكمة في هذه المرحلة تجنيب قوات الجيش المسلحة الدخول في قتال تقليدي مع قوات العدو الصليبي، ويستثنى من ذلك العمليات القوية الجريئة التي يقوم بها أفراد من القوات المسلحة بصورة فردية، أي بدون تحريك قوات نظامية بتشكيلاتها التقليدية، بحيث لا تنعكس ردود الأفعال بشكل قوي على الجيش ما لم تكن هناك مصلحة كبيرة راجحة، ونكاية عظيمة فادحة في العدو، تحطم أركانه وتزلزل بنيانه، وتعين على إخراجه مهزوماً مدحوراً مقهوراً، مع الحذر الشديد من أن تُسْفَكَ في ذلك دماء مسلمة.

والذي يرجوه إخوانكم وأبناؤكم المجاهدون منكم في هذه المرحلة هو تقديم كل عون ممكن من المعلومات والمواد والأسلحة اللازمة لعملهم، ويرجون من رجال الأمن خاصة التستر عليهم، وتخذيل العدو عنهم، والإرجاف في صفوفه، وكل ما من شأنه إعانة المجاهدين على العدو المحتل.

وننبهكم إلى أن النظام قد يلجأ إلى افتعال أعمالٍ ضد أفراد القوات المسلحة أو الحرس أو الأمن، ويحاول نسبتها للمجاهدين؛ للوقيعة بينهم وبينكم، فينبغي تفويت هذه الفرصة عليه.

وفي الوقت الذي نعلم أن النظام يتحمل المسؤولية كاملة في ما أصاب البلاد وأرهق العباد، إلا أن أساس الداء ورأس البلاء هو العدو الأمريكي المحتل، فينبغي تركيز الجهود على قتله وقتاله وتدميره ودحره والتربص به والترصد له حتى يُهْزَمَ بإذن الله تعالى. وستأتي المرحلة –  بإذن الله –  التي تقومون فيها بدوركم بحسم الأمور لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، والضرب بيد من حديد على المعتدين، وإعادة الأمور إلى نصابها، والحقوق إلى أصحابها، والقيام بواجبكم الإسلامي الصحيح، وسوف يكون لنا حديث مستقل بإذن الله حول هذه القضايا.

أخي المسلم في كل مكان وفي جزيرة العرب خاصة:

إن الأموال التي تدفعها ثمناً للبضائع الأمريكية تتحول إلى رصاصات في صدور إخواننا في فلسطين، وغداً في صدور أبناء بلاد الحرمين.

إننا بشراء بضائعهم نقوي اقتصادهم، بينما نزداد نحن فقراً وضنكاً.

أخي المسلم في بلاد الحرمين:

هل يُعقل أن تكون بلادنا أكبر مُشتري للسلاح في العالم من أمريكا، كما أنها أكبر شريك تجاري للأمريكان في المنطقة، الذين يحتلون بلاد الحرمين، ويساندون بالمال والسلاح والرجال إخوانهم اليهود في احتلال فلسطين، وقتل وتشريد المسلمين هناك؟!!!.
إن حرمان هؤلاء المحتلين من العوائد الضخمة لتجارتهم معنا، إنما هو مساعدة هامة جداً في الجهاد ضدهم، وهو تعبيرٌ معنويٌ هام في إظهار غضبنا عليهم وكرهنا لهم، ونكون بذلك قد ساهمنا في تطهير مقدساتنا من اليهود والنصارى، وأرغمناهم على مغادرة أراضينا مهزومين مدحورين، مخذولين بإذن الله.

وننتظر من النساء في بلاد الحرمين وغيرها أن يقمن بدورهنّ في ذلك بمقاطعة البضائع الأمريكية.

وإذا تضافرت المقاطعة الاقتصادية مع الضربات العسكرية للمجاهدين، فإن هزيمة العدو تكون قريبة بإذن الله، والعكس صحيح.. فإذا لم يتعاون المسلمون مع إخوانهم المجاهدين ويشدوا من أزرهم بقطع التعامل الاقتصادي مع العدو الأمريكي، فإنهم بذلك يدفعون إليه بالأموال التي هي عماد الحرب وحياة الجيوش، وبذلك يطول أمد الحرب، وتشتد الوطأة على المسلمين.

إن كل أجهزة الأمن والاستخبارات في العالم لا يمكنها أن ترغم مواطناً على شراء بضائع أعدائه.

فالمقاطعة الاقتصادية لبضائع العدو الأمريكي هي سلاح فعّال للغاية لإضعاف العدو والإضرار به، ومع ذلك فهو سلاح لا يقع تحت طائلة أجهزة القمع.

وقبل الختام لنا حديثٌ هامٌ، وهامٌ جداً مع شباب الإسلام، رجال المستقبل المشرق لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، حديثنا مع الشباب عن واجبهم في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ أمتنا، هذه المرحلة التي لم يتقدم فيها لأداء الواجبات في جميع الاتجاهات إلا الشباب حفظهم الله، فبعد أن تردد بعض الذين يُشار إليهم بالبنان عن أداء الواجب للذود عن الإسلام، ولإنقاذ أنفسهم وأموالهم من الظلم والبغي والقمع والإرهاب الذي تمارسه الدولة، مع استخدام الإعلام لتغييب وعي الأمة، تقدم الشباب حفظهم الله لرفع راية الجهاد عالية خفاقة ضد التحالف الأمريكي اليهودي الذي احتل مقدسات الإسلام –  في الوقت الذي تقدم غيرهم؛ نتيجة لإرهاب الدولة لهم، أو من زلت أقدامهم طمعاً في دنيا فانية، تقدموا ليضفوا الشرعية على هذه الخيانة العظمى والمصيبة الكبرى على احتلال بلاد الحرمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله-  ولا غرو ولا عجب من هذا الإقدام، وهل كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلا شباباً، وهؤلاء الشباب هم خير خلف لخير سلف، وهل قتل فرعون هذه الأمة أبا جهل إلا الشباب؟.

يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: فما تصنع به، قال: أُخبرتُ أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا، فتعجبتُ لذلك، قال: وغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه.

الله أكبر.. هكذا كانت همم الفتيان رضي الله عنهم، وهكذا كانت همم آبائنا، فهذان فَتَيان صغيرا السن كبيرا الهمة والجرأة والعقل والغيرة على دين الله، يسأل كل واحد منهما عن أهم مقتل للعدو ألا وهو قتل فرعون هذه الأمة وقائد المشركين في بدر أبي جهل، وكان دور عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو دلالتهما على أبي جهل، وهذا هو الدور المطلوب من أهل المعرفة والخبرة بمقاتل العدو، بأن يرشدوا أبناءهم وإخوانهم إليها، وبعد ذلك سيقول الشباب كما قال سلفهم: “والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا”.

وفي قصة عبد الرحمن بن عوف مع أمية بن خلف يظهر مدى إصرار بلال رضي الله عنه على قتل رأس الكفر، حيث قال: “رأس الكفر أمية بن خلف.. لا نجوت إن نجا”.

وقبل أيام.. نقلت وكالات الأنباء تصريحاً لوزير الدفاع الأمريكي الصليبي المحتل، قال فيه إنه تعلم درساً واحداً من انفجاري الرياض والخبر، وهذا الدرس هو عدم الانسحاب أمام الإرهابيين الجبناء.

فنقول لوزير الدفاع إن هذا الكلام يضحك الثكلى التي مات وحيدها، وظاهر منه حجم الخوف الذي يعتريكم، فأين هذه الشجاعة الزائفة في بيروت بعد حوادث التفجير عام 1403 هـ الموافق لعام 1983 م والتي جعلتكم شذر مذر وقطعاً وأشلاءً بمقتل 241 جندياً أغلبهم من المارينز، وأين هذه الشجاعة الزائفة في عدن بعد حادثي انفجار جعلاكم تخرجون لا تلوون على شيء في أقل من أربع وعشرين ساعة.

ولكن فضيحتكم الكبرى كانت في الصومال، فبعد ضجيج إعلامي عنيفٍ لعدة أشهر عن قوة أمريكا بعد الحرب الباردة، وتزعمها للنظام العالمي الجديد، دفعتم بعشرات الألوف من القوات الدولية منها ثمانية وعشرون ألف جندي أمريكي إلى الصومال.
ولكن بعد معارك صغيرة، قُتل فيها بضع عشرات من جنودكم، وسُحِلَ طيار أمريكي في أحد شوارع مقديشو، خرجتم منها مهزومين مدحورين تحملون قتلاكم، وتجرون أذيال الخيبة والخسران والهوان، ولقد ظهر كلينتون أمام العالم يتهدد ويتوعد بأنه سينتقم، بينما كان ذلك التهديد تمهيداً للانسحاب، وقد أخزاكم الله وانسحبتم، وظهر جلياً مدى عجزكم وضعفكم، ولقد كان منظركم وأنتم تنهزمون في هذه المدن الإسلامية الثلاث [بيروت، وعدن ومقديشو] يدخل السرور على قلب كل مسلم، ويشفي صدور قومٍ مؤمنين.

وأقول: لئن كان أبناء بلاد الحرمين قد خرجوا لقتال الروس في أفغانستان والصرب في البوسنة والهرسك، وهم يجاهدون اليوم في الشيشان وقد فتح الله عليهم ونصرهم على الروس المتحالفين معكم، ويقاتلون بفضل الله أيضاً في طاجكستان.. أقول: “لئن كان أبناء الحرمين عندهم شعورٌ وإيمانٌ بضرورة الجهاد ضد الكفر في كل مكان، فهم أكثر ما يكونون عدداً وقوةً وحماسةً على أرضهم التي ولدوا عليها للدفاع عن أعظم مقدساتهم –  الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين أجمعين-  ويعلمون أن المسلمين في العالم أجمع، سينصرونهم ويؤازرونهم في قضيتهم الكبرى، قضية كل المسلمين، ألا وهي تحرير مقدساتهم، وأن هذا هو واجبُ كل مسلم في العالم”.

وأقول لك يا وليام: “إن هؤلاء الشباب يحبون الموت كما تحبون الحياة، وقد ورثوا العزة والإباء والشجاعة والكرم والصدق والإقدام والتضحية كابراً عن كابر، وإنهم لصبرٌ في الحرب صدقٌ عند اللقاء، وقد ورثوا هذه الصفات عن أجدادهم في الجاهلية وجاء الإسلام فأقر تلك الأخلاق وكم لها”، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعثت لأتمم صالحَ الأخلاق( [صحيح الجامع الصغير]، وعندما أراد الملك عمرو بن هند أن يذلّ عمرو بن كلثوم أخذ عمرو بن كلثوم السيف وقطع رأس الملك، رافضاً للذل والهوان والضيم، وأنشد قصيدة منها:

إذا ما المَلْكُ سَامَ الناسَ خسفاً أبينا أن نُقِرَّ الذلَ فيـنا

بأي مشيئة عمـرو بنَ هنـدٍ تريدُ بأن نكون الأرذلينا

بأي مشيئة عمـرو بنَ هنـدٍ تطيعُ بنا الوُشَاةَ وتزدْرينا

فإن قناتنا يـا عمـرو أعـيت على الأعداء قبلك أن تلينا

هؤلاء الشباب يؤمنون بالجنة بعد الموت، ويؤمنون بأن الأجل لا يقدمه إقدامهم على القتال ولا يؤخره تأخرهم، كما قال تعالى: {وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً..} الآية[آل عمران: 145]، ويؤمنون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا غلام إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفعت الأقلام وجفت الصحف( [صحيح الجامع الصغير].

ويتمثلون قول الشاعر :

إذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العجز أن تموت جباناً

هؤلاء الشباب يؤمنون بما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم عن عظيم أجر المجاهد والشهيد، حيث يقول الله عز وجل: {والذين قُتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويُصلح بالهم، ويُدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 4- 6]، ويقول تعالى أيضاً: {ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة: 154]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماءِ والأرض( [صحيح الجامع الصغير]، ويقول أيضاً: (أفضل الشهداء الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتَلبطون في الغرف العلا من الجنة، ويضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حساب عليه) [أخرجه أحمد بسندٍ صحيح]، ويقول أيضاً: (الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم مسّ القرصة( [صحيح الجامع الصغير]، ويقول أيضاً: (إن للشهيد عند الله خصالاً: أن يُغْفَرَ له من أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويُحلى حلية الإيمان، ويُزوج من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويُشفع في سبعين إنساناً من أقاربه) [أخرجه أحمد والترمذي بسندٍ صحيح].
هؤلاء الشباب يعلمون أن أجرهم في قتالكم مضاعفٌ عن أجرهم في قتالِ غيركم من غير أهل الكتاب، ولا همّ لهم إلا دخول الجنة بقتلكم، لا يجتمع الكافرُ وقاتلُه في النار.

وهم يرددون ويرتلون قوله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قومٍ مؤمنين} [التوبة: 14].وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحرض المسلمين في بدر (والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يقاتلهم اليوم رجلٌ فيُقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة(، وقوله لهم بعد ذلك: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض).

وهم يرتلون أيضاً قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب…} الآية [محمد: 4].وهؤلاء الشباب لا يحبون الكلام معكم، والعتاب لكم، لسانُ كل واحدٍ منهم يقول لكم:

ليس بيني وبينكم من عتابِ سوى طعن الكلى وضرب الرقابِ

وهم يقولون لك ما قال جدهم أمير المؤمنين هارون الرشيد لجدك نقفور عندما تهدد وتوعد المسلمين في رسالته إلى هارون الرشيد، فرد عليه هارون الرشيد برسالته التي جاء فيها “من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما ترى لا ما تسمع”، ثم سار بجيوش الإسلام إلى ملاقاة نقفور وجيشه، فهزم الله نقفور هزيمة منكرة.

فهؤلاء الشباب الذين تقول عنهم إنهم جبناء، يقولون لك: “لا يُقَعْقَعُ لنا بالشِّنان ولا يُلَوَّحُ لنا بالسِّنان، والجواب ما ترى لا ما تسمع” فهم يتنافسون على قتلكم وقتالكم، كتنافس الأوس والخزرج في قتال المشركين.

اذا إن إرهابنا للامريكان وهم يحملون السلاح على أرضنا هو أمرٌ واجبٌ شرعاً ومطلوبٌ عقلاً، وهو حقٌ مشروعٌ في أعراف جميع البشر، بل والكائنات الحية، ومثلكم ومثلنا كمثل أفعى دخلت دار رجلٍ فقتلها، وإن الجبان من يترككم تمشون على أرضه بسلاحكم آمنين مطمئنين.

وهؤلاء الشباب يختلفون عن جنودكم، فمشكلتكم هي كيفية إقناع جنودكم بالإقدامِ إلى الحرب، أما مشكلتنا فهي كيفية إقناع شبابنا بانتظار دورهم في العمليات والقتال.

فلله درُ هؤلاء الشباب، فهم أهلٌ للمدح والثناء، حيث وقفوا لنصرة الدين يوم أضلت الدولة كبار الناس، واستزلتهم لإصدار فتاوى ليس لها سندٌ في كتاب الله، ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بتسليم اليهود المسجد الأقصى وإباحة بلاد الحرمين لجيوش النصارى، وقد قال جدهم عاصم بن ثابت رضي الله عنه عندما طلب منه الكفار المفاوضة وعدم القتال :

ما علَّتِي وأنا جَلْدٌ نابلُ والقوس فيها وَتَرٌ عنابلُ

الموت حقٌ والحياةُ باطلُ إن لم أقاتلكم فأمي هابلُ

إن الشباب يعتبرونكم مسؤولين عن كل ما يقوم به إخوانكم اليهود في فلسطين ولبنان من قتلٍ وتشريدٍ وانتهاكٍ لحرمات المسلمين، حيث إنكم تمدونهم بالمال والسلاح جهاراً نهاراً، وإن أطفال العراق والذين قد مات منهم أكثر من ستمائة ألف بسبب نقص الغذاء والدواء نتيجة حصاركم الظالم على العراق وشعبه هم أطفالنا، فأنتم تتحملون بذلك مع النظام السعودي دماء هؤلاء الأبرياء، كل ذلك يجعل كل عهد لكم معنا منقوضاً، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام اعتبر صلح الحديبية لاغياً بعد أن ساعدت قريشٌ بني بكرٍ على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقاتل قريشاً وفتح مكة، وقد اعتُبِرَ العهدُ مع بني قينقاع منقوضاً؛ لأن يهودياً منهم آذى امرأة في السوق، فكيف بقتلكم مئات الألوف من المسلمين، واستباحتكم لمقدساتهم، وبذلك يظهر أن الذين يزعمون أن دماء جنود هذا العدو الأمريكي المحتل لبلاد المسلمين معصومة، إنما يرددون مُكرهين ما يمليه النظام عليهم خوفاً من بطشه وطمعاً في السلامة، والواجب على كل قبيلة في جزيرة العرب أن تجاهد في سبيل الله وتطهر أرضها من هؤلاء المحتلين، وعَلِمَ اللهُ أن دماءهم مهدورة وأموالهم غنيمة، ومن قتل قتيلاً فله سَلَبُه . وقد قال تعالى في آية السيف: {فإذا انسلخ الأشهر الحُرُم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد… } الآية[التوبة: 5].والشباب يعلمون أن هذه المهانة التي لحقت بالمسلمين باحتلال مقدساتهم لا تزول ولا تدك بغير الجهاد والمتفجرات، وهم يرددون قول الشاعر:

جُدُرُ المذلة لا تُـــدَك بغير زخات الرصـــاصِ

والحر لا يُلْقِى القيــادَ لكل كَفَّارٍ وعــــاصي

وبغير نَضْحِ الــــدم لا يُمْحَى الهوانُ من النواصي

وأقول لشباب العالم الإسلامي الذين جاهدوا في أفغانستان, والبوسنة والهرسك بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم وأقلامهم، بأن المعركة لم تنتهِ بعد، وأذكرهم بحديث جبريل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب (فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يكن إلا أن وضع سلاحه، فجاءه جبريل، فقال: أوضعت السلاح؟ والله إن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائرٌ أمامك أُزلزلُ بهم حصونهم، وأقذف في قلوبهم الرعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار…} [رواه البخاري].

وهؤلاء الشباب يعلمون أن من لم يُقتلَ يموت، وإن أشرف ميتة عندنا هي القتل في سبيل الله، ويرددون قول جدهم الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وخاصة بعد قُتْلِ الأبطال الأربعة الذين فجروا الأمريكيين في الرياض، أولئك الشباب الذين رفعوا رأس الأمة شامخاً، وأذلوا أعداءها من الأمريكيين المحتلين بعمليتهم الشجاعة تلك:

وأما عن أمهاتنا وأخواتنا ونسائنا وبناتنا فهن يتخذنّ من الصحابيات الجليلات رضي الله عنهنّ قدوة لهنّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتبسن من سيرتهنّ الجرأة والتضحية والإنفاق لنصرة دين الله عز وجل، ويتذكرنّ جرأة وصلابة فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها في الحق أمام أخيها عمر بن الخطاب قبل أن يسلم، وتحديها له بعدما علم بإسلامها بقولها له: “أرأيت إن كان الحق في غير دينك يا عمر” ويتذكرن موقف أسماء بنت أبي بكر يوم الهجرة، حيث شقّت طاقها نصفين وعلقت بأحدهما السفرة التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معهما في رحلتهما إلى المدينة، وسُميت بذلك ذات النطاقين، ويتذكرنّ موقف نسيبة بنت كعب وهي تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد حتى أصابها اثنا عشر جرحاً بينها جرحٌ أجوفٌ في عاتقها، ويتذكرنّ بذل الصحابيات وإنفاقهنّ لحليهنّ لتجهيز جيوش المسلمين الغازية في سبيل الله، وقد ضربت نساؤنا في هذا العصر مثلاً رائعاً في الانفاق في سبيل الله، وفي تحريض أبنائهنّ وإخوانهنّ وأزواجهنّ على الجهاد في سبيل الله، وذلك في أفغانستان، وفي البوسنة والهرسك، والشيشان… وغيرها. فنسأل الله أن يتقبل منهنّ ويفرج عن أبنائهنّ وآبائهنّ وأزواجهنّ وإخوانهنّ، وأن يزيدهنّ إيماناً ويثبتهنّ على هذا الطريق، طريق التضحية والفداء لتكون كلمة الله هي العليا.

إن إخوانكم في بلاد الحرمين وفلسطين يستنصرونكم، ويطلبون منكم مشاركتهم في جهادهم ضد أعدائهم وأعدائكم من الإسرائيليين والأمريكيين بالنكاية فيهم بكل ما من شأنه أن يخرجهم مهزومين مدحورين من المقدسات الإسلامية، كلٌ بحسب استطاعته، قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر…} الآية [الأنفال: 72].

فيا خيل الله اركبي.. وهذا أوان الشّدِّ فاشتدُّوا، اعلموا أن اجتماعكم وتعاونكم من أجل تحرير مقدسات الإسلام هو خطوة صحيحة نحو توحيد كلمة الأمة تحت راية كلمة التوحيد .

ولا يسعنا ونحن في هذا المقام إلا أن نرفع أكف الضراعة، سائلين المولى عز وجل أن يرزقنا السداد والتوفيق في الأمر كله.

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد ) .. نشر في تاريخ 17/03/2021 

www.mafa.world

 

 

" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " | أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة |أصدره بن لادن من جبال "تورا بورا" فى أفغانستان




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 30

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد ١٨١ | رجب ١٤٤٢ ھ – فبراير ٢٠٢١م . 

02-03-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)

حقاني يقول: الخونة من الأحزاب لم يشاركوا في معركة الليل وفي الصباح اعتذروا.

سياف / حكمتيار / الجنرال تاناي، وراء الخيانة الجديدة وإفشال الهجوم على”شيخ أمير”

 

– فشلت مفاوضات (حكمتيار/ شاه نواز)، ورفضت إدارة خوست الاستسلام. وحقاني رفض وقف القتال أثناء المفاوضات حتى لا تماطل الحكومة.

– بدأ حقاني يصلي صلاة الحاجة ثم صلاة العصر، ثم غاب في دعاء طويل، فتأكدتُ أن الهجوم سيكون الليلة.

– جماعة حكمتيار وجماعة سياف رفضتا التقدم لمتابعة الهجوم، وحقاني يرجوهم المتابعة ويقسم لهم بأن دباباته قد دخلت شيخ أمير، ومجاهديه متمسكون بمواقعهم التي احتلوها.

–  في الصباح قال لي حقاني: أخبار الأمس غير جيدة فهؤلاء الخائنين من الأحزاب لم يشاركوا في معركة الأمس.. واليوم صباحاً اعتذروا.

–  انقضت ليلة (حكمتيار وشاه نواز) بمأساة دامية وانتكاسة للعمل العسكري في خوست.

–  الجنرال عجب مزاري للمجاهدين:  إنني مسلم مثلكم فلماذا تقتلونني؟.

   أنا مسلم.. ولكنني أشرب الخمر.. إذا وجدته.. أما الزنا.. فهو ديدني!!.”

– لم نستطع النوم من شدة البرد، فكان لكل ثلاثة أو أربعة بطانية واحدة ، وبدأت الغارات الجوية في منتصف الليل .

– القيادة السياسية المتخاذلة أو الخائنة تتآمر على العمل العسكري الناجح لتحطيمة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

الخميس 8 مارس 90 :

بدأت الغارات الجوية مع أول ضوء وبكثافة، كأن الحرب قد نشبت. كانت ضربة وقائية، فحكومة كابل تعلم ما يدور في خوست، وبأن المشاورات جارية بين شاه نواز وقيادة المدينة من أجل التسليم.

ومهمة تلك الغارات إظهار القوة، وتثبيت قيادة الحامية في خوست وتهديدهم في نفس الوقت إن هم استسلموا، فالعقاب الجوي سوف يكون سريعاً ورادعاً ليس فقط بالطائرات بل أيضاً بصواريخ سكود.

جلسنا أمام المغارة نحتس أكواب الشاي، وجلس إلى جانبي الشيخ نظام الدين، ثم جاء حقاني وآخرون. وكانت فرصة للحديث قبل أن يستأنف برنامج المقابلات “الجماهيرية”مع أصحاب السيارات التي مازالت محتشدة، ومن المتوقع أن تتزايد هذا اليوم فقد ذهب بعضهم لاستجلاب المزيد من “النهابين”.

بدأت الحديث الذي قطعناه عدة مرات بسبب الغارات الجوية القريبة للغاية من مركزنا، ومع ذلك لم يفكر أحد من “المشايخ” أن يترك موضعه ليأوي إلى المغارة القريبة، وكنت مرغماً على مسايرتهم، خاصة وأن حقاني موجود .

قال حقاني إن أحد أعوان” شاه نواز” سيذهب لمقابلة قيادة خوست كي يطلب منهم التسليم، وقد اتصل بنا “نظر محمد” قائد جماعة جلب الدين في خوست، وطلب منا إيقاف المعارك إلى حين انتهاء المفاوضات.

فقلنا لهم: إن العمليات دائرة فعلاً وإيقافها فيه ضرر شديد ونحن غير مستعدين لإيقاف العمليات إلا لفتره محدودة جداً. فطلبوا مهلة حتى غروب الشمس، فوافقناهم على ذلك وشرحنا لهم أن ذلك أفيد لهم في المفاوضات حتى لا تعمد حكومة خوست إلى المماطلة.

فذكرت له ما كتبته صحف باكستان على لسان مولوي عبيد الله مندوبه في بشاور أول أمس وأنه صرح لهم بأن المجاهدين قد حفروا خندقاً للتقرب من المواقع الحكومية في شيخ أمير وأن العمل في ذلك الخندق قد اكتمل الآن وأن الهجوم سيبدأ بعد يوم أو أكثر. فاندهش حقاني وقال ضاحكاً: كيف يقول ذلك؟ إن كل ذلك صحيح لقد كشف أسرارنا.

فرددت قائلاً: ربما لأجل ما قاله مولوي عبيد الله، فإن شاه نواز تعجل في القيام بالانقلاب. فضج الجالسون بالضحك.

في الساعة الخامسه قابلت الضابط عمر الذي أخبرني بأن طلبة الكلية العسكرية التابعة لحقاني قد حضروا حتى يقوموا بدور حفظ الأمن في حال استلام المدينة، وكان الطلبة في كامل زينتهم العسكرية وزيهم العسكري الموحد.

وقد استقرت مجموعة منهم في أحد المغارات على طرف معسكر خليل قرب مركز المدفعية التابع للكوتشي.

ثم أنباء متداولة تقول: إن المجاهدين قد أسقطوا طائرة نفاثة صباح اليوم بواسطة مدفع الشلكا وبعضهم يقول طائرتين.

قضينا ليله باردة في المسجد، الأغطية غير كافية، كان لكل ثلاثة أو أربعة بطانية واحدة. أكثرنا لم يستطيع النوم لأجل البرد . بدأت الغارات الجوية منذ منتصف الليل.

 

 

الجمعة 9 مارس 90 :

على منطقتنا بدأت غارات الطيران قبل السابعة صباحاً، معظم القذائف المستخدمة كانت عنقودية. قبل التاسعة كنا فوق مركز الترصد لمتابعة عمليات اليوم بعد أن انتهت المهلة المحددة لوقف العمليات، فقد فشلت مفاوضات “شاه نواز حكمتيار”، ورفض قادة المدينة الاستسلام لوزير الدفاع.

فوق الجبل أحضروا منظار روسي ضخم لم أشاهد مثله قبلاً، وهو مخصص للتوجيه المدفعي كما يظهر من كثرة التدريجات الدقيقة لتحديد الزوايا.

لقد جهزوا للمنظار الجديد موقعاً تحت أجمة من الأشجار الشوكية على الجانب المواجه للعدو ولكنها قريبة من خط القمة، كان من الخطر جداً التحرك في ذلك المكان، خاصة وأن حقاني سيكون خلف المنظار لمتابعة العمليات وإعطاء التعليمات.

شعرت بالقلق لمعرفتي أن ضبط الحركة في المكان سوف يكون صعباً جداً. وقد تنشأ عن ذلك عواقب قد تكون غاية الخطورة.

نبهت عبد العزيز، وهو رابض خلف الصخور السوداء القريبه من الأشجار، فقال: إنه أصدر تعليماته وسوف يبذل جهده مع المجاهدين وحرس حقاني لضبط حركتهم فوق القمة وحول الأشجار التي فيها المنظار وسيجلس فيها حقاني نفسه.

أول الأخبار كان غير سار، فطائرات النقل العسكرية تهبط في المطار بحرية، السبب أن مدفع المجاهدين معطل، والشلكا فوق تورغار لاتصل إلى الطائرات.

ليس هناك تركيز في العمل ضد المطار، وكأن المسألة موسمية، كنت أتوقع أن يكون وقف الملاحة الجوية في المطار مسألة حتمية بعد سقوط تورغار ولكن اتضح أن الأمر ليس كذلك، فليس أمام الحكومة حل آخر سوى استخدام المطار وتحمل أي خسائر تنجم عن ذلك. أما المجاهدون فليس لديهم قدرة على التركيز لفترة طويلة على عمل ما، والمدفعيه دائماً مشتتة بين مهام متنوعة مع العمليات على أرض الجبهة  وليس للمطار نصيب خاص، كنت أتصوّر تخصيص عدد من قطع المدفعية للمطار فقط لمنع استخدامه .

ومنيت نفسي أن عمليات اليوم قد تسفر عن تقديم جديد على الأرض يؤدي إلى إغلاق المطار نهائياً. الساعة 3 عصراً: (سقط صاروخي سكود في وقت واحد تقريباً، أحدهم في منطقه باري قرب المدخل من طرف خوست، والآخر عند وادي ليجاه من نفس الطرف).

كان التكدس رهيباً في تلك المراكز، فقد ازدحمت إلى جانب المجاهدين بعدة مئات من حاملي البنادق المنتظرين سقوط المدينة واستسلامها.

ومئات أخرى خاصموا الجبهات عدة سنوات ثم عادوا فجأة بأسلحة ثقيلة وخفيفة. تساءلت هل لفتح المدينة أم للصراع على النهب؟ لم يتوقف الطيران طول اليوم عن قصف كل مكان تقريباً. ولم أدر لحظة سقوط صارخ سكود في باري بأنني فقدت اثنين من أصدقائي القدماء، أحدهما عبد الرحمن طالب العلم في قبيلة جُرْبُز، وزميله محمد أمين وكانا يعملان مع مجموعتهما على راجمة صواريخ. وكانت الإصابة مباشرة قضت على المجموعة كلها وعددهم ثمانية.

وأدت غارات الطائرات إلى سقوط إحدى المغارات على مجموعة من طلبة الكلية العسكرية فقتل منهم أربعة ، رغم أن القنابل لم تصب المغارة بشكل مباشر، لكن الارتجاجات الناجمة على الانفجار أدت إلى سقوط كتل صخرية من سقف المغارة.

من مفاجئات هذا اليوم العجيب هو ظهور الجنرال عجب مزاري على جهاز المخابرة في اتصال مباشر مع المجاهدين حيث دارت ملاسنات شديدة وتهديدات متبادلة لا تخلو من الطرافة. ولأول مرة ألمس عن هكذا قرب حاله ذلك الجنرال الرهيب، الذي لاأشك في شجاعته ولكن أشك تماماً في توازنه العقلي والنفسي.

وهذه صورة للحوار مع ذلك الجنرال المخبول ، كما كتبتها في جزء من مقال لمجلة منبع الجهاد تحت عنوان “وعاد عجب”.

( اختفى الجنرال عجب عن مسرح الأحداث عدة أشهر حتى سرت إشاعة بأنه قتل، حتى جاء يوم الجمعة التاسع من مارس، ليلتقط المجاهدون مخابرة لاسلكية بين “عجب مزاري” في خوست وقيادة كابول كان تداخل المجاهدين في سياق المخابرة وأصبح الحديث مباشراً بينهم وبين “الجنرال عجب” فدعوه إلى التسليم للمجاهدين قبل أن يمسكوه أسيراً أو أن يقتلوه وهو في صفوف الشيوعيين .

فأجاب عجب بعصبية:

“أنتم تحلمون، لن نستسلم، سنقاتل وننتصر عليكم. سأستولي على تورغار قريباً، فلا تغتروا بما حققتموه، انظروا ماذا حدث لكم في “جلال آباد” ثم إنني مسلم مثلكم فلماذا تقتلونني؟.

أنا مسلم.. ولكنني أشرب الخمر.. إذا وجدته.. أما الزنا.. فهو ديدني!!.”

ظل عجب يرغي ويزبد في سياق غير مترابط كمريض عقلي أصابته هستريا. قطع المجاهدون حوارهم مع الجنرال المخبول ولكنهم تابعوا التصنت على اتصالاته اللاسلكية مع كابل التي كانت هي الأخرى هستيرية مخبولة، طوال اليوم وهو يصرخ على جهاز اللاسلكي: هالو… هالو… سأعطيكم الأحداثيات إني أراهم من هنا، كل الجبال تعج بالأشرار.. أين صواريخ سكود؟ أرسلوا الطيران فوراً… أقول فوراً … هناك هجوم وشيك.

وجاء رد كابل: لانستطيع أن نلبي طلباتك بالنسبة لصواريخ سكود، فهذا الأمر ليس بيدنا(!!). فرد عليهم الجنرال عجب: أنتم تجلسون خلف مكاتبكم وبين نسائكم وأنا هنا في الخط الأول وسط الجحيم… قلت أطلقوا سكود… أريد الطيران فوراً.

فردت كابل: سنحاول… سنحاول.

وفي المساء سقط صاروخاً سكود فوق الجبال كترضية للجنرال الهائج.. أما الطيران فلم يكد يتوقف عن العمل. ولكن حركة المجاهدين فوق الجبل وفي عمق الوادي لم تتوقف هي أيضاً مما يزيد الجنرال هياجاً ويجعله يصرخ أكثر وأكثر على جهازاللاسلكي وهو يلعن قادته في كابل ويصبح كالمجنون:

ــ إنهم في كل مكان… فوق كل الجبال… أريد سكود… اضرب سكود وفقاً للأحداثيات التي أعطيتها لك…

ارسل الطيران فوراً… أكرر… فورا.

ومازال الجنرال يصرخ… وكابل تحاول تهدئته وهي متيقنة أن زمام الموقف قد أفلت من يدها ـ إهـ

ولكن عندما علم حقاني أن عجب مزاري في الخط الأول توقع هجوماً مفاجئاً لذا أرسل محذراً جميع الوحدات من هذا الاحتمال. ثم أخبرني بأن هدف العمليات القادمة هو تحقيق اتصال على الأرض بين المجاهدين في شرق وغرب تورغار وذلك سيؤدي إلى وقف استخدام المطار ولكن ذلك لم يتحقق إلا بعد عام تقريباً عندما فتحت المدينة. ومضى يوم الجمعة بدون هجمات أرضية للمجاهدين.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

 

السبت 10 مارس 90 (13 شعبان 1410) :

استمر المطر طوال الليل .. ريح شديدة عند صلاة الفجر من  جهة الغرب، القمر مكتمل ويوشك على الغروب.

في السابعة صباحا تكومنا في غرفتنا الضيقة نحتسي الشاي بالحليب مع بعض التمر السعودي.

انقشعت الغيوم أمام الرياح الباردة.  بدأت الغارات الجوية الساخنة في السابعة والنصف وكانت “نادر شاه كوت” أول الضحايا.

مازال عجب مزاري يواصل نداءاته الهستيرية من الخط الأول الذي يكسبه مناعة في وقاحته مع رؤسائه في كابل. مازال يطلب صواريخ سكود التي يظهر أن الموافقة عليها هي في أيدي “الخبراء السوفييت” الذين مازال عدة آلاف منهم يعملون مع النظام.

في التاسعة والنصف أخبرني زميلي حاجي إبراهيم أنه علم من المجاهدين أن اليوم ستكون عملية كبيرة ضد المدينة بهدف فتحها، كنت أستبعد ذلك وأتوقع فقط أهداف مرحلية محدودة كما هي عادة حقاني، وكما أخبرني بالأمس عن فكرة خط دفاعي للمجاهدين أمام تورغار من الشرق الي الغرب.

وقال إبراهيم أيضاً حكومة خوست على علم بأن موعد العملية هو اليوم، ليس ذلك أيضاً بالشيء الغريب، فقط عليهم الاستماع إلى الموجة رقم 4444 حيث إذاعة الكوتشي التي لاتكذب أبداً.

الساعة 10.37 : سقط سكود فيما بين شيخ أمير وباري، أعقبه غارة بالطائرات النفاثة على نفس الموقع، وبعد دقائق غارة على وادي ليجاه. إنهم يقصفون كل مراكز الخطر المتوقع. في الثانية عشر ظهراً وصلت إلى مركزنا قرب القمة سيارة “رانج روفر” ذات ألوان فاقعة أحمر وأبيض كانت تحمل الطعام للمركز، طلبنا من السائق أن يغطيها بشيء حتى لا تجذب الطائرات إلى الموقع، ولكنه تكاسل وقال إنه سيعود في الحال.

فقمت مع حاجي إبراهيم بتغطيتها ببعض الأقمشة، وبعد حوالي ساعة عاد السائق بعد أن أنهى جلسته مع رجال الموقع، فعاتبته مع إبراهيم وأوضحنا له خطورة المكان لكونه مقر للقيادة، فقدم لنا تبريره القاطع قائلاً: لكن العدو حدد هذا الموقع بالأمس وطلب ضربه بصواريخ سكود!!.  ثم أخذ سيارته وانصرف بها.

آخر إحصائيات ضحايا الأمس 16 شهيداً… بدون أي عمليات… والسبب شدة الزحام في المواقع والفوضى التي ضربت أطنابها في كل مكان نتيجة لذلك.

ومن مظاهر الفوضى كان عدم الاهتمام بالمطار فهبطت فيه ليلة أمس أربعة طائرات نقل عسكرية !!.

الساعة 4.30: وصل حقاني إلى موقعنا ومعه الضابط عمر وضابط” كبير خان”وهما من رجاله القدماء، بدأ حقاني بأداء صلاة الحاجة، ثم صلاة العصر التي أعقبتها بدعاء طويل، أكد لي ذلك أن اليوم هو يوم العمل وأن المعركة ستكون هذا المساء وربما ليلاً لكون القمر بدراً.

الساعة 5.13:   ضربات الطيران تؤكد ما أخبرني به حاجي إبراهيم من أن العدو يعرف بأن الهجوم موعده اليوم، فالطائرات تقصف منطقة باري بقنابل النابالم، ثم ضربت دبابة خليل مرتين بالقذائف العنقودية ثم قصفت منطقة”ديرملك” بقذائف الألف رطل ثم ضربتان بالعنقودي على منطقة باري، كل ذلك خلال دقائق معدودة.

الساعة 6.00 : طائرات الهيلوكبتر تقصف بالصواريخ مواقع المجاهدين القريبة من قرية شيخ أمير.

الساعة 6.11:   بدأت الشمس تميل خلف الجبل وانحسر الضوء عن غرب الوادي. وآخر أشعة تودع المدينة، الأنتينوف تقصف مكاناً ما، ودخان يتصاعد من جبل “جاني خيل” اليوم لا يبدوا حاسماً ولابد من التأجيل إلى الغد. ( أتوقع سكود ليلاً… وحالة الطقس غداً لها تأثير كبير، أرجو أن يكون الجو غائماً بالغد)  هكذا كتبت في مذكرتي في ذلك الوقت.

الليلة هي ليلة الرابع عشر من شهر شعبان. في التاسعة ليلاً قرروا فجأة المضي في العملية، التي ظننت أول الليل أنها قد تأجلت إلى الغد.

وفي خلال سبعين دقيقة فتح المجاهدون موقع الشلكا، إلى الشرق من دبابة خليل، ثم اقتحموا شيخ أمير وسيطروا على حوالي خمسة مواقع للعدو هناك.

الساعة 10.20: في الليل فقط يمكن مشاهدة ذلك المنظر، خيط من النيران الحمراء تظهر من جهة الشمال صاعدة إلى أعلى .. وتستمر عدة ثواني ثم تختفي.

إنها صواريخ سكود انطلقت من كابل في طريقها إلينا، واحد… ثم الثاني… ثم الثالث… ثم الرابع..وصاح حقاني محذراً رجاله “ستر وإخفاء… سكود قادم” وبعد ثوان طويلة جداً سقطوا الواحد تلو الأخر… وكنت أتوقع واحدا علينا، حسب معلومة سائق السيارة الحمراء التي زارتنا اليوم… لكن الله سلم… سقطت الصواريخ بين شيخ أمير وباري حيث لا أحد هناك.

أما الصاروخ الخامس والأخير فقد سقط قرب منتصف الليل. لقد استجابت كابل لتوسلات الجنرال عجب… ولكن هذا كله لم يفد بشيء، بينما جنت القوات الحكومية مكاسب لم تكن لتحلم بها لولا الفوضى العارمة التي ضربت المنطقة. وإلا فإن خوست كان يمكن أن تسقط خلال شهر على الأكثر، ولننظر ماذا حدث.

الجو بارد جداً بسبب ريح نشطة. استمر حقاني إلى ما بعد الثالثة صباحاً محاولاً دفع المهاجمين لاستكمال مهمتهم. لقد توقفت جماعة حكمتيار بقيادة “فايز محمد” وجماعة سياف بقيادة “بير محمد” ورفضا التقدم والمشاركه في الهجوم. وظل حقاني يرجوهما التقدم ويقسم لهما أن الدبابات قد دخلت “شيخ أمير” وأن جماعته بقيادة “شيرين جمال” مازلوا متمسكين بالمواقع التي احتلوها لكن هؤلاء رفضوا كل أمر وخيبوا كل رجاء وتوسل قدمه حقاني إليهما، وقد اضطر شيرين جمال إلى ترك مواقعه صباحاً بسبب الإرهاق وشدة قصف العدو وعدم تقدم المجموعات الأخرى لاستلام ما تحت يده من مواقع فاسترد العدو شيخ أمير في الصباح الباكر. أما في موقع الشلكا فقد اجتاحه مجاهدو حقاني تدعمهم الدبابات وما كادوا يدخلون الموقع حتى لحق بهم مئات من صيادي الغنائم وفرق النهب المسلح التي جاءت من ميرانشاه وراحوا ينهبون كل شيء وتبعثروا في المنطقة، ولما تقدمت جماعة حقاني لمتابعة الهجوم لتحقيق اتصال مع مجاهدي شرق تورغار، سبقتهم جماعات النهب المسلح ظانين أنهم في الطريق إلى المدينة التي قد استسلمت وراحوا يتسابقون نحوها بجنون، وهنا راح العدو يحصدهم بكل أنواع الأسلحة، وفي ضوء القمر تساقط قتلى وجرحى وآخرون بترت أقدامهم بالألغام. وحتى الصباح كان هَمْ الجميع هو نقل الجثث والجرحى والبحث عن المفقودين ما أن طلع الصباح حتى كان الجميع قد عادوا من حيث انطلقوا مساء الأمس، ولم يتبق في يدهم شبر واحد من مكاسب الأمس، ولا شيء، من الغنائم المنهوبة.

وهكذا انقضت ليلة “شاه نواز حكمتيار” بمأساة دامية وانتكاسة كبيرة للعمل العسكري للمجاهدين في خوست ظلوا يعانون من نتائجها السلبية لعدة أشهر بعد ذلك.

بعد انتصاف الليل أصابني الإرهاق الشديد وكنت قريباً من موقع حقاني الذي يواصل الاتصال مع مجموعاته التي تعاني من أشد المآزق. ذهبت إلى غرفة عبد العزيز الضيقة فوجدتها أكثر من مزدحمة، وقد ارتمى المجاهدون فيها كيفما اتفق وقد أشعلوا بخاري للتدفئة وراحوا في نوم عميق وهم ملقون أحدهم فوق الآخرين وكأنهم في مقبرة جماعية. بصعوبة شديدة وجدت لي موقعاً في تلك المقبرة، وقد وضعت قدماي فوق بعض الرؤوس والصدور وتقبلت مرغماً عدة أقدام في صدري ورأسي وأحذية فوق البطن والفم… ومع ذلك غطست في الشخيرضمن السيفونية الجماعية التي صاحبتها أصوات الغازات المنطلقة من بطون النائمين نتيجة الطعام السيء في المراكز.

شعرت بفرحة كبيرة وأنا أسمع أذان الفجر. وأيقظ النائمون بعضهم البعض، فكل شخص لابد أن يوقظ خمسة أو ستة آخرين بينما هو يرفع قدم هذا من فوق رأسه ويد ذاك من فمه، ويجر قدميه ويديه من تحت وفوق الآخرين أو أكداس الذخيرة وصناديق الطعام العفن.

 

الأحد 11 مارس 90:

ضباب كثيف بين الجبال في الصباح الباكر، ومع ذلك بدأ الطيران في قصف بوري خيل قبل السابعة بعشرين دقيقة.سألت حقاني عن أخبار الأمس، وكان غاضباً فقال:

“أظن أنها غير جيدة… فهؤلاء الخائنين من الأحزاب لم يشاركوا أمس في المعركة… واليوم صباحاً اعتذروا” .

ثم غادر حقاني الموقع… فذهبنا إلى عبد العزيز عند المخابرة حتى نعرف منه الموقف الأخير. فقال بأن المجاهدين مازالوا في مواقعهم التي دخلوها بالأمس في شيخ أمير ، ولكن بعضهم ينسحب الآن بسبب الإرهاق وشدة القصف عليهم.

الساعة 7.55:   كان الضباب الكثيف يلف كل شيء، وتوقعت أن يساعد ذلك المجاهدين في تعزيز مواقعهم بالأمس وعدم الأنسحاب منها لكن ذلك لم يحدث.

فقد أخبرني حاجي إبراهيم أن شيرين جمال بدأ يخلي مواقعه في “شيخ أمير” وهو آخر من يغادرها الآن وليس معه إلا عدد قليل من المجاهدين.

كانت دبابة دخلت في العمق والسائق لا يدري أين هو بسبب الظلام… وعندما عاد قال لقد عرفت أنني أخطأت الطريق عندما وجدت أكثر من أثني عشر RPG يقذفون دبابتي فاستدرت بسرعة وعدت إلى شيخ أمير، وكان خلف دبابتي عدد من المجاهدين يحتمون بها في تقدمهم.

وحتى تكتمل المصائب فإن طائرات النقل العسكرية إستخدمت المطار أمس بكثرة، فليس أقل من سبع طائرات هبطت وأقلعت بدون أن يضايقها أحد.

 

 

كتابات في الضباب

كان صباح ذلك اليوم (الأحد 11 مارس 90)  ضبابياً بارداً، وليلة الأمس شهدت نكسة كبيرة لعمل كان متقدماً بشكل مذهل، وتلك النكسة قدمت من بشاور بفعل مؤامرة حقيرة.. حقيرة في ذاتها، حقيرة بمن فيها من السفلة… وإن كان أحدههما زعيم حزب جهادي كبير…والآخر كان زعيم جيش شيوعي كبير… ولكن كلاهما التقى وتحالف مع الآخر من أجل تخريب الجهاد في أفغانستان… وكانت البداية لهما في خوست، فدبت الفوضى، بين المجاهدين، وظهر ما خفي من فتن. فهؤلاء قادة حكمتيار وسياف يتركان زملائهم وسط نيران العدو ـ وقد انتصروا وسيطروا ـ على شيخ أمير، ولكنهم يرفضان التقدم للقيام بالمشاركة المتفق عليها.

ولا أذكر أن خوست شهدت مثل هذه الخيانات المكشوفة من رجال الأحزاب منذ عامين ، أي منذ خيانة الأحزاب الذين أمروا رجالهم بترك الطريق مفتوحاً أمام القوات الروسية المتقدمة على طريق زدران نحو خوست، بينما حقاني يقاتل في مقدمة الطريق عند جبال”ساتي كندو”. وقد تركوا قبل ذلك ، في عام 86، القوات الشيوعية تلتف حول قواته المدافعة عن جاور وفتحوا لها الطريق بلا قتال أيضاً.

أقول: في ذلك الجو الضبابي كتبت ملاحظتين متعلقتين بأحداث الأمس ، الأولى عن الهجوم المضاد ـ والثانية عن القيادة جاء فيهما:

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

أولاً ـ الهجوم المضاد :

يقول العسكريون: إن أنسب وقت للهجوم المعاكس هو عندما يفقد هجوم العدو زخمه، وهذا صحيح تماماً. فهي مرحلة حرجة للغاية تكون القوات فيها منهكة. تماسكها وانضباطها فيأضعف حالاته، ولم تستحكم في الأرض بعد، ويضاعف من حالتهم المذرية مقدار صلابة الدفاع الذي جابهته لمنع تقدمها.

وعلينا أن نلاحظ أن الهجوم المعاكس الذي يشنه المُدافع في تلك اللحظة لابد أن يراعي البدء بالهجوم وإنهائه قبل وصول قوات احتياط العدو، التي لا تعاني من السلبيات السابق ذكرها لكونها لم تخض المعركه بعد.

نذكر هذه الملاحظه تعليقاً على معركة الأمس . فخلال ساعة احتل المجاهدون الأهداف التي حددوها، ونتيجة الإرهاق والبرد والرماية المعاكسة  ترك معظمهم أو كلهم مكتسبات ليلة الأمس بدون حتى أن يشن العدو هجوماً برياً مضاداً.

وذلك يبين حالة المهاجم حتى ولو كان منتصراً، فهو مرهق وقابل غالباً، للكسر إذا جوبه بهجوم مضاد ذو قوة مناسبة. ونضيف سبباً أخر وهو أن عدم وصول التعزيزات إلى المهاجمين في الوقت المناسب، أضعف كثيراً قدرتهم على الصمود، لقد خانهم زملاؤهم.

 

 

ثانياً ـ القيادة:

مرة أخرى، وكل مرة، القيادة هي أول عناصر الإعداد المادي أهمية، ويركز العدو أن يبدأ بالسيطرة عليها فيسهل عليه توجيه العمل كله وقطف ثماره.

فالعمل العسكري لا يمكن أن يؤتي ثماره كاملة إذا كان لدينا قائد عسكري جيد وجنود شجعان ولكن لدينا قيادة سياسية متخاذلة أو خائنة، وهذا ما تثبته خوست الآن. القيادة السياسية المتخاذلة أو الخائنة تتآمر على العمل العسكري الناجح لتحطيمه، حتى تسير القضية في مسار التخاذل أو الخيانة.

وانقسام القيادة السياسية يتبعه تشرذم العمل العسكري وتفشي الصراعات فيه، وفي حالة كهذه فإن أقصي ما يمكن أن تفعله قيادة عسكرية مخلصة وذات كفاءة هو تجميع الشراذم العسكرية في برنامج مشترك لتحقيق الحد الأدنى من الأهداف.

ومع ذلك يتعرض البرنامج المذكور إلى فشل متكرربفعل تحريضات القيادات السياسية في المنفى، وراء الحدود، والتي تحرص على إضعاف الشعب سياسياً حرصها على إفشال العمل العسكري وإبقائه تحت الحد الأدنى بما يكفل لها حرية العمل في اتجاه مضاد لرغبات شعبها بحجة أن الحلول العسكرية غير ممكنة.

هذا المجهود المدمر الذي تقوم به تلك القيادات يتم تحت إشراف القوى الممولة لها، الدول الكبرى، ثم إشراف الدولة المضيفة التي تعمل بالتزام تام بأوامر الدول الكبرى، ولكنها تطمح في قيام نظام سياسي ضعيف وتابع لها في دولة الجوار التي تدور الحرب على أرضها.

 

 

ملاحظة : الانتصار ممكن.

الانتصار في خوست ممكن رغم عدم تحول المجاهدين إلى نمط الحرب النظامية . لقد أثبتوا شيئاً جديداً، وهو إمكان قوة مقاتلة في حرب العصابات في المرحله الثانية من تطورها، حيث تمزج بين أساليب حرب العصابات وأساليب الحرب النظامية، أن تنتصر على جيش حكومي متحصن في المدن، معتمدة على عوامل هي:

فارق المعنويات ـ الشجاعة الفردية ـ الابتكار التكتيكي ـ وفوق ذلك كله إحكام الحصار حول المدينة.

ونلاحظ أن عمليات التخريب الداخلي في المدينة يمكن أن يكون مؤثرة بشدة، وقد استخدمه المجاهدون في خوست إلى حد ما.

توقفت في ذلك اليوم عند تلك الخواطر الضبابية وكنا في العاشرة والنصف صباحاً ومازال من غير الممكن مشاهدة الجبال التي حولنا ـ ضباب في ضباب ـ فكانت النفسيات منقبضة، ولكن تمكن المنسحبون من العودة بسلام بدون الوقوع تحت مطاردة العدو فكان ذلك نعمة عظمى. غادرنا حقاني وغاب وسط الضباب بدون تعليق.

أخبار أخرى عن إلغاءالبرامج، لتؤكد أن حالة الإضراب والتشويش مازلت قائمة، بينما العدو يواصل ضرباته الجوية والصاروخية، كان نصيبنا منها غارة بالقنابل العنقوديه جاءت في مقدمة الجبل جهة المدينة، أما بوري خيل حيث قاعدة كتيبة سلمان الفارسي فقد ضربت بصواريخ سكود في الرابعة والنصف عصراً ثم قذائف ثقيلة في نفس المنطقه رمتها الطائرات لكنها انفجرت  بصوت مكتوم وخرج منها غاز أبيض كثيف. قدرت وقتها أنها قنابل غازات سامة أو جرثومية، وقد رموا بعضها في مدخل وادي ليجاه، لقد تكرر استخدام تلك القنابل بشكل ملحوظ في هذه الأيام.

موجة الإحباط هذه ساهم فيها تورغار الرهيب، أو الذي كان رهيباً وقت أن كان مع القوات الحكومية، أما عندما أصبح معنا فإنه أصبح حملاً أسوداً وديعاً. هكذا كنت أفكر بغيظ من هذا الخمول والسلبية التي أصبحت تلف هذا الجبل فكتبت الملاحظة التالية، فما أكثر الملاحظات الضبابية التي سطرتها اليوم.وهذه ملاحظة عن تورغار كتبتها ساعة الأصيل علي صوت صاروخ سكود المدوي، والأصوات المشبوهة للقنابل المكتومة ذات السحب البيضاء.

 

ملاحظات حول تورغار:

هذا الجبل مع المجاهدين منذ شهر الآن، ومع ذلك لايؤدي دوره فقد كانت الحكومة تستخدمه بفاعليه أكثر. وهو يحتاج إلى:

1ـ طريق دائري يصل قمة الجبل مع توده شني شرقاً وبوري خيل غرباً.

2ـ إصلاح الدبابات التي غنمها المجاهدون فوق الجبل واستخدامها في المساندة النيرانية لبرامج الهجوم التي يقوم بها المجاهدون  مثل برامج الأمس. كما يمكنها من أعلى تدمير أي هدف في المدينة، خاصة مناطق المدفعية والمخازن.

3ـ لابد أن يلعب الجبل دوراً بارزاً في إغلاق المطار، حتى بدون الانتظار لفتح المناطق أمام الجبل أوعلى الشريط المقابل له.

4ــ لابد من تسليم تورغار لهيئة عمليات تجعله جاهزاً لتحقيق هذه الأهداف. لقد حاولت بعد ذلك أن تقوم جماعة أبو الحارث بهذا الدور النشط فوق تورغار. ثم حاولت أن تقوم جماعة القاعدة بهذا الدور، ولكن فشلت تلك المحاولات. وقبل فتح خوست بفترة وجيزة هيأنا الجبل لاستخدام الدبابة من فوقه بشكل نشط، وتمت التجهيزات لكن العمل نفسه، أي استخدام الدبابة ، لم يتم بسبب انشغال جميع الدبابات في أعمال أخرى، ولم يخصص حقاني أولوية لتلك الفقرة. أما استخدام تورغار في إغلاق المطار فقد استخدمناه نحن في تلك المهمة ولكن بشكل غير مباشر كما سيتضح في حينه .

استخدم العدو هذا اليوم قذائف موجهة تطلقها الطائرات، أطلقوا منها خمسة قذائف ضد المجاهدين حول شيخ أمير وقد إلتقطت جماعة عبد العزيز أحاديث الطيارين مع بعضهم البعض ومع القيادة العسكرية في المدينة بخصوص استخدام هذا النوع المتطورمن القذائف.

وقد صاح جنرالات المدينة فرحاً في أجهزه اللاسلكي. وجاءنا تقرير المجاهدين الذين استخدمت ضدهم هذه القذائف بأن أحوالهم “خير خيريت” لاجرحى عندهم ولا شهداء. هكذا تضيع أموال موسكوا هباءً ، وتتبخرت هيبة التكنولوجيا العسكرية في أفغانستان. فلا صواريخ سكود ـ ولا القنابل العنقودية ـ ولا القذائف الكيماوية ـ ولا تلك الموجهة والذكية، حققت اليوم أية خسائر في صفوف المجاهدين. بينما حققت فوضى الأمس في” يوم الفوضى العالمي” حققت أعلى نسبة خسائر تشهدها المنطقة منذ فترة طويلة، سته عشر قتيلا في ليلة واحدة بدون تحقيق أي إنجاز . بينما تم فتح تورغار الرهيب بخسارة شهيد واحد وثلاثة جرحى .

فهل يمكن إذن أن نستنتج بأن الفوضى وعدم الإنضباط هي أشد فتكاً بالمجاهدين من أي تكنولوجيا عسكرية متطورة ؟ أظن أن هذا جائز جداً، وعليه تبرهن أحداث عديدة.

صديقنا الجديد سيد جمال مستخدماً قاذفه الصاروخي الرباعي عدل كفه الميزان ليلاً عندما أحرق طائره نقل عسكرية في المطار كانت محملة بالذخائر. وقد تفجرت الطائرة( رقم 2131)  وكانت طائرة أخرى في الطريق إلى المطار، فشاهد الطيار عرض النيران المخيف هذا فوق المدرج، فسأل قيادة التوجيه الأرضي: ما هذا؟ ماذا يحدث في المطار؟. فأجابته القيادة:( لا تسأل عن ذلك). فاستدار الطيار وعاد إلى كابل.

 

 

الاثنين 14 مارس 90 :

بعض السحب الثقيلة في سماء المنطقة ولكنها لم تمنع الطائرات من أن تبدأ في السابعة والنصف بعدد من القذائف المكتومة ذات السحب البيضاء والرمادية ، وقذائف موجهة من الطائرات حسب ما جاء في أحاديث الطيارين.

كان في زيارة موقعنا اليوم طبيب باكستاني متدين ودمث الخلق فذكرت له شكوكي من تلك القذائف المكتومة الصوت ذات الدخان الكثيف. وطلبت منه أن يلاحظ الحالات المرضية التي تعرض عليه هذه الأيام من بين المجاهدين، فربما كنا نتعرض لحرب بيولوجية أو كيماوية، فذكر بأن تخصصه الطبي لا يساعده في تتبع ذلك الموضوع.

ولم أقابل ذلك الدكتور بعد ذلك، وأيضاً لم أسمع بأي إصابة مرضية غير عادية بين المجاهدين، ولكني مازلت أعتقد أن تلك القنابل كانت غير عادية، ولكن رعاية الله للمجاهدين كانت هي الأخرى غير عادية . وقد شاهدنا بعد ذلك الكثير من الضربات الكيماوي بغاز الخردل، ولكن ذلك لم يسفر عن أية أعراض غير عادية بين المجاهدين.

وجد العدو جثة لأحد المجاهدين أثناء إعادة احتلاله للمناطق التي فقدها في الحملة الأخيرة، ولم يكن أحد من المجاهدين قد انتبه لفقدان ذلك الشهيد .

ـ دبابة خليل أصابتها عدة شظايا وقد سحبت إلى الخلف لإعادة إصلاحها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 181 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (30)




لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين ، دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين

دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

 

ماذا سيحدث فى مايو 2021 ، عندما تنتهى مهلة إنسحاب جيوش الإحتلال من أفغانستان حسب إتفاق الدوحة للسلام ؟؟. فهل تنسحب القوات الأمريكية وتوابعها؟؟.أم أنها ستماطل وتطالب بإتفاق دوحة “جديد”، لعلاج الثغرات فى الإتفاق “القديم”، كما يفعلون مع الإتفاق النووى الإيرانى ؟؟. أم أنهم سيبقون فى أفغانستان على الصورة العراقية، حيث سفارة أمريكية تحكم، وقوات أمريكية تفعل ما تشاء فى العراق وما حولها. وحكومة فى العاصمة لا تحكم أحداً، وتعجز عن التحكم فى أطماع الشركاء المتشاكسين فيها، حيث يجاهد كل منهم من أجل مصالحه الشخصية تحت حماية شعارات طائفية وعرقية؟.

فهل ستكون أفغانستان هكذا بعد  جهاد عقدين من الزمان ؟. وماذا يقول إتفاق الدوحة للسلام؟. فهل نَظَّم الإنسحاب وجعله محددا فى جدول زمنى وخرائط توضح حركة القوات المنسحبة؟ أم أنه كان سابحاً فى فضاء لا حدود له ولا يفضى إلى سلام محدد أو حتى حرب محدودة ؟ .

–  كان العدو الأمريكى منهزماً وينسحب بالفعل ، فسارعنا إلى عقد إتفاق الدوحة الذى أسماه المحتل “إتفاق سلام” وليس إتفاق إنسحاب. سلاماً مع قوات مازالت تحتل البلد، ومع حكومة هى ظل الإحتلال . فكيف يكون سلام المجاهدين مع ظل المحتل؟ وبأى شكل؟.

النتيجة هى أن المحتل إلتقط أنفاسه ، ليعيد توزيع أثقال الحرب وتغيير شكلها وأهدافها. فبعد أن كانت فقط حرب أفيون، ستصبح أيضا حرباً لتشكيل نظام دولى جديد ، تبقى فيه أمريكا هى القائد الأوحد . وتنقل معركتها لحصار الصين منافسها الأول فأدخلوا أفغانستان فى برنامج حصار الصين، وقطع إحتمال تمديد (مشروع الحزام والطريق) عبر أفغانستان صوب البحر المتوسط ، عبر إيران والعراق وسوريا (أو الأردن) ثم شواطئ فلسطين المحتلة (أو لبنان).

 

– إتفاق الدوحة فى أبعاده الواسعة كان “إتفاق حرب” ، أتاح لأمريكا  فرصة لعمل الآتى :

1 ـ تغيير هيكلية الحرب فى أفغانستان، وإعادة توزيع الأعباء والغنائم مع الدول والشركاء الرئيسيين فى المرحلة الجديدة.

2 ـ إعادة تنظيم القوى المحلية الأفغانية التى ستقاتل لصالح الأمريكيين فى المرحلة الجديدة. وتشكيل قناع سياسى محلى لتغطية وجه الإحتلال. لتبقى أمريكا والناتو يحاربان فى أفغانستان بإعتبارهما قوة شرعية تخوض حربا مشروعة ضد قوات (إرهابية). لتستمر الحرب إلى مدى غير محدود بحيث تحقق أمريكا أهدافها ، وهى :

أولا ـ إبقاء أفغانستان كمزرعة أفيون ومصنع لهيروين العالم .

ثانيا ـ عدم إعطاء شعب أفغانستان فرصة للعيش الكريم، أو بناء دولة إسلامية مؤثرة فى بقعة من أهم بقاع العالم إقتصاديا وإستراتيجياً.

ثالثا ـ وبدلا من أن تتحول أفغانستان إلى حلقة إرتباط إقتصادى بين جهات آسيا الأربعة، تتحول إلى ساحة صراع دولى ، لحصار الصين وكبح قواها الإقتصادية وقطع أحد أهم طرق إتصالها البرى مع العالم.

رابعا ـ عزل الصين عن إيران وتحجيم إتصالها البرى مع روسيا وآسيا الوسطى.

– وجاء تفجير المركز الحدودى فى إسلام قلعة بين أفغانستان وإيران للتذكير بما يمكن أن تفعله أمريكا لفرض تصورها للعلاقات بين دول منطقة. ذلك بإستخدام العمل العسكرى والإرهابى والضربات الإستخبارية النوعية. فى رسالة ثلاثية إلى(الإمارة الإسلامية) وإلى كل من الصين وروسيا، ولإرعاب دول آسيا الوسطى.

– أمريكا تسعى نحو الحروب المستمرة . فالحرب أساس إزدهارها الإقتصادى وعقيدة وجودها.  وتجهز لكل شعب برنامج خاص للعدوان عليه . فأثناء إنشغال الشعب الأفغانى بالحرب مع السوفييت ، كانت أمريكا تجهز له حرب ما بعد السوفييت ، فكانت الحرب الأهلية . وخلالها كانت تجهز لحرب إستيلائها على كنوزالأفيون والثروات المعدنية لأفغانستان وميزات موقعها الجغرافى . وأمريكا الآن ـ إنتهت أو تكاد ـ من تأسيس مرحلة الحرب القادمة فى أفغانستان، مرحلة حرب ما بعد “إتفاق سلام الدوحة”.

 

 

ألمانيا والهند .. موعد مع الوجوه الكالحة :

فى أول شهر مايو القادم سوف تسفر الوجوه الكالحة لتظهر جلياً طبيعة الحرب التى جرى تجهيزها للمرحلة التالية . حرب قاعدتها أفغانستان وفروعها تصل إلى بكين وموسكو وطهران وتنغمس فيها بشكل أوضح عواصم جديدة تواقة إلى لعب أدوار أكبر على رقعة الشطرنج الدولية، وعلى المسرح الأفغانى تحديدا . فى المقدمة قد تأتى الهند كمفاجأة المرحلة، حيث باكستان مرشحة للقيام بإنعطاف كامل لموقفها من جارتها اللدود فى الهند ، بما يشابه إستدارة العرب أمام إسرائيل. وبدء تعاون غير متوقع بين البلدين فى ميادين كانت موضع صراع وتنافس بينهما مثل الميدان الأفغانى وآسيا الوسطى .

– هناك مشروع/ بإشراف إسرائيلى/ لربط نيودلهى مع إسلام آباد، بطريق برى وسكة حديد تصلهما بآسيا الوسطى وتركيا، ثم إسرائيل لاحقاً. تلك الطرق ستربط أفغانستان مع إسرائيل ، حيث تنتقل البضائع الإسرائيلية إلى أسواق أفغانستان بواسطة تركيا فى بداية الأمر.

–  الدور المُرَشَح للهند يقلل كثيراً من فوائد إتصال روسيا بالمحيط الهندى عبر ميناء تشبهار فى إيران. وتقليل القيمة التجارية لذلك الميناء بإنسحاب الهند منه، إعتمادا على فتح طرق برى أمام تجارتها مع آسيا الوسطى عبر باكستان. إسرائيل والولايات المتحدة سيفتحان أمام الهند سبل الوصول إلى أسواق أوروبا عبر تركيا وموانئ البحر المتوسط فى مقابل تقليص تجارتها مع روسيا، فيذبل ميناء تشبهار مسببا خسائر كبيرة لإيران وروسيا معا.

– ألمانيا مرشحة أيضا لدور طموح فى أفغانستان، لتستعيد أمجادها العسكرية على أراضى المسلمين وبدمائهم، لعلها تحظى برضى اليهود الذين إستهلكوها ماليا وأدبيا بأكذوبة “الهولوكوست”،التى أدى بعض”كبارعلماءالمسلمين” فريضة الصلاة بين مقابر يهودها الهالكين، ولم يجدوا فى ذلك بدعة ولا ضلالة، ولاشِركاً قُبورياً.

 ستكون ألمانيا شريكا للمشروع الإنفصالى الذى ترعاه إسرائيل فى الشمال، ويكفيها ذلك فخرا.

ألمانيا فى حاجة إلى مغامرة عسكرية يجد فيها يمينها المتطرف بديلا عن حرب أهلية. وفى الحقيقة فإن معظم دول الغرب بما فيها أمريكا لديهم إحتياج لحرب خارجية تقيهم حرباً أهلية داخلية، وحبذا لو كانت الحرب ضد المسلمين حتى تجتمع حولها القلوب والإرادات بسرعة.

– قوات ألمانيا التى تحتل شمال أفغانستان ـ ومنذ سنوات ـ تمهد لمشروع إسرائيلى طموح لفصل الشمال الأفغانى وتقسيمه بين عرقيتين ، هما عرقية طاجيكية (بتأييد ألمانى هندى)، وعرقية أوزبكية بتأييد قوات تركيا المشاركة فى إحتلال الشمال .

 فى فترة “السلام” التى أعقبت إتفاق الدوحة كانت تجهيزات أمريكا وإسرائيل فى أعلى درجاتها للحرب الجديدة . فالاتفاقات على المستوى الإستراتيجى تتابعت فى نشاط محموم ، لإكتساب شركاء وبناء أحلاف (قوة أمريكا فى المجال الدولى ترجع إلى قدرتها على إنشاء التحالفات).

–  أفغانستان حلقة هامة جدا للحرب القادمة للسيطرة على العالم. فأمريكا لا تريد التنازل أو مقاسمة أى قوة أخرى فى المركز الأول المسيطرعالميا. وإسرائيل بالنيابة عن القوى المالية اليهودية ـ تتصرف عمليا على أنها قيادة العالم ، وأن أمريكا مجرد رديف لها فى تلك الحرب ، لخدمة نفس البنوك التى لولاها لما كانت هناك أمريكا التى يعرفها العالم الآن ، ولا قامت إسرائيل فى الأساس .

البيئة السياسية الدولية يعاد تشكيلها، بما يناسب الحرب الجديدة فى أفغانستان ـ والتى كانت مرحلة “السلام” ما بعد إتفاق الدوحة، مجرد فترة عمل مريح نسبيا لتجهيز ما يلزمها من تحالفات دولية وإقليمية وقوى داخلية فى أفغانستان نفسها .

 

 

إلتزام وحيد الطرف:

–  يقارن بيان رسمى للإمارة الإسلامية ، مواقف الأطراف فى مرحلة ما بعد “إتفاق سلام الدوحة”، الذى هو فى حقيقته حرب تقع ما بين حربين، سابقة ولاحقة.

يقول نص البيان { فى المقابل فإن إدارة كابول بدأت بتنفيذ عمليات واسعة فى شتى الولايات ، حتى أن القوات الأجنبية قامت بدعمها فى بعض العمليات ، إضافة إلى ذلك فقد إستمرت فى مداهمتها على المدنيين ، ومازالت الغارات الجوية التى تشنها الطائرات الأمريكية ـ خلافاً للإتفاقية ـ مستمرة حتى الآن } .

ويقارن البيان تجاوزات المحتل والعملاء بإلتزام الإمارة فى الآتى : (تخفيض ملحوظ فى مستوى العمليات العسكرية ) ـ (وعدم الإعلان عن عمليات ربيع لهذا العام) ـ (وعدم تحرير وفتح مراكز المديريات واحدة تلو أخرى) ـ (ولم تنفذ عمليات كبيرة فى المدن الكبرى ، ولم يخطط للسيطرة على مركز أى ولاية ) .

وفى مقابل ذلك الإلتزام أحادى الجانب (بسلام الدوحة) يلاحظ نفس البيان الصادر فى 13فبراير 2021 ـ أن بنودا جرى الإتفاق عليها ولم ينفذها الطرف الآخر، الذى لم ينته من الحرب الأولى حتى أخذ يجهز للحرب التالية. من تلك المخالفات يذكر البيان { لم يطلق سراح جميع أسرى الإمارة الإسلامية فى غضون ثلاثة أشهر بعد بدء المحاثات الأفغانية حتى الآن . كما أن أسماء قادة الامارة الإسلامية وزعمائها لم ترفع من القائمة السوداء ، ولم ترفع عنهم الجوائز المعلنة}.

–  لا يمكننا تجاهل حقيقة أن أى إتفاق مع الولايات المتحدة هو عملية إنتحارية سياسياً. فهى لن تطبق أى شئ فى الإتفاقية سوى ما يحقق مصالحها فقط . وإذا تنازلت مؤقتا عن شئ لخصومها فإنها تعمل على إستعادته وإلغاء مفعوله فى أقرب فرصة .

ثم أنها سَتُلزِم الطرف الآخر بكل شئ تريده هى ، سواء كان مذكورا فى الإتفاق أو لم يكن. وسوف تفرض عليه عقوبات وحصار، ثم تُرْغِم باقى دول العالم على إتباع خطواتها فى عقاب الطرف المعتدى عليه ـ وما نووي إيران عنا ببعيد ـ

 

 

.. عن الأسرى

لم يفرج النظام عن أسرى الإمارة ـ ليس بمبادرة منه ـ بل لحاجة أمريكية إلى إستخدم الأسرى كورقة سياسية لفرض شروط معينة. وأيضا لإستخدامهم فى التفاوض على مصير الأسرى والمفقودين الأمريكيين والإسرائيليين .

وتطمع أمريكا فى تكرار عملية التفاوض السابق على أسيرها لدى طالبان وكانت المساومة على خمسة من معتقلى الإمارة فى جونتانامو،فماذا الآن والمساومة ستكون على عدة مئات؟ . غالبا لن يتكرر الخطأ مع ظهور قيادات قوية فى العمل السياسى للإمارة من أمثال ملا بردار ومولوى عبد الحكيم والعديد من أفضل الشباب فى الجهازين السياسى والإعلامى، ناهيك عن أبطال وعباقرة العمل العسكرى فى الميدان.

 

 

.. عن القائمة السوداء

المقايضة على رفع أسماء قادة وزعماء فى الإمارة من القوائم السوداء هى مقايضة مرتبطة مباشرة بإسرائيل ، طبقا لمعادلة الإعتراف بإسرائيل فى مقابل رفع الأسماء من القوائم السوداء. ولعل ما حدث مؤخرا مع الحكومة السودانية يحمل برهاناً كافياً على ذلك .

وبشكل مباشر إذا أراد أى نظام حكم فى العالم أن يحافظ على إستقلاله ومصالح شعبة فعلية أن يتوقع أن يصبح ضيفاً مستديماً على القوائم الأمريكية للإرهاب والمنع والحظر والمصادرة. وإقفال كافة السبل أمامه، سوى سبيل واحد هو الإستسلام بلا قيد أو شرط للثنائى الطاغوتى: أمريكا وإسرائيل.

فالطريق إلى النار محفوق بالشهوات والطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره .

وكما تصبر الشعوب لعشرات السنين على مكاره الجهاد (كُتِبَ عليكم القِتالُ وهو كُرْهٌ لكم). فيمكن لبعض السياسيين تَحَمُّل شئ من مَكارِه حظر التجوال والسفر .

 

 

عن الحصار الإستراتيجى على أفغانستان .

من مظاهر ذلك الحصار :

1 ـ إنشاء سور حديدى يفصل باكستان عن أفغانستان على طول الحدود . لحصار أفغانستان من أطول الحدود مع جيرانها ، ولفصل الشعب الواحد على جهتى الحدود لصالح عنصر خبيث  وافد على المنطقة.

2 ـ حملة عسكرية كبرى تقوم بها قوات المرتزقة والمحتلين للسيطرة على بدخشان وإغلاق ممر واخان الواصل بين أفغانستان والصين.

3 ـ تفجير الجمارك الحدودية فى إسلام قلعة ، يشير إلى أن التجارة بين الجارين الأفغانى والإيرانى أصبحت عملا خطيرا، وهدفا عسكريا لعمليات التخريب الأمريكية.

4 ـ تَحَوُّل فى موقف طاجيكستان إلى الإتجاه الأمريكى الجديد لحصار أفغانستان، بعد أن كانت محسوبة تقليديا كساحةً للنفوذ الروسى القديم .

5 ـ جذب أوزبكستان إلى المحور الأمريكى الإسرائيلى فى مشروع لتمديد  طريق للشاحنات والقطارات ، بين أوزبكستان وباكستان والهند. فى مشروع يمتد إلى تركيا بإشراف إسرائيلى. سيمر الطريق فى المنطقة الأوزبكية التى تجهزها تركيا للإنفصال عن أفغانستان.فهى أيضا ستكون ذات إرتباط خاص مع إسرائيل.

 

– إلى أن يأتى أول مايو المقبل ستكون تغييرات إستراتيجية كبرى مرشحة للحدوث على يد إدارة بايدن . لتكوين بيئة دولية مناسبة لشن حرب جديدة على أفغانستان ، بتحالفات جديدة وبرنامج متطور.

– فى النهاية ـ لم يتمتع الأفغان بالسلام ــ الذى كان حرباً جاءت بعد حرب وقبل حرب ــ بل كان “السلام” حرباً فى حد ذاته. فمن قال أصلا أن أمريكا تريد السلام أو رغبت  فيه يوما؟؟.

 لقد دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين ، دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.




الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. و لماذا لا يريدها العدو؟

الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. ولماذا لا يريدها العدو؟.

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة  الصمود السنة الخامسة عشرة – العدد ( 179 ) | جمادى الأولى 1442ھ – ديسمبر 2020 م .

31-12-2020

 

الإمارة الإسلامية :

لماذا هى مهمة؟.. و لماذا لا يريدها العدو؟.

 

– الإمارة مطلب وجودي لشعب أفغانستان، وأهمية استراتيجية لدول الجوار، وضرورة إنقاذ للأمة الإسلامية.

– تضع الإمارة اقتصاد البلاد فى خدمة مواطنيها. فلا يصبح المال العام (بيت المال) نهباً لفئة مغتصبة لحقوق المسلمين، تفعل ما تشاء في أمورهم، بدون رضاهم ولا اختيارهم.

– بالإمكانات الاقتصادية الهائلة سوف تبني الإمارة الإسلامية أفغانستان واقتصاد قائم على زراعة قوية تحقق الاكتفاء الذاتي للمواطنين، وصناعة تلبي احتياجات البناء لدولة حديثة.

–  بالمشاريع المشتركة مع دول الجوار والمنطقة، وتسويق الخامات في مقابل تأسيس بنية تحتية زراعية وصناعية، فإن إجراءات الحصار والعقوبات لن تجدي نفعًا.

– الشعب الأفغاني لا تخطر في باله أي أوهام انفصال. والقادة العملاء المغامرون مصيرهم الفناء، مالم يستسلموا للإمارة الإسلامية بدون قتال .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

ضاقت صدور الأمريكان كثيراً باسم “الإمارة الإسلامية” وطالبوا بتغييره قبل البداية فى مفاوضات الجلاء، المعروفة خطأ “بمفاوضات السلام”، وطالبوا مع أصدقاء لهم أن تُغَيِّرالإمارة اسمها، بحجة أن ما يسمى بالمجتمع الدولي لا يروق له اسم”الإمارة الإسلامية”وأن لقب جمهورية ملائم أكثر، لأنه يجعل الاندماج بين مجاهدي الإمارة الإسلامية وبين مرتدي ومنافقي نظام كابول أكثر سلاسة، ضمن دولة عصرية يرضى عنها المجتمع الدولي، أي أمريكا. فتعيش أفغانستان بلا مقاطعة اقتصادية، أوعقوبات اقتصادية ومنع من السفر، أو مطالبات قضائية بتعويضات عن حوادث إرهابية لا دخل للإمارة بها، أو دواعش يضربون الاستقرار الداخلي.

– يمكن أن تسمح أمريكا بوجود كلمة الإسلام ضمن اسم الجمهورية ، كبديل عن تطبيق الشريعة . فهكذا فعلت مع العديد من الدول التي أصبحت إسلامية بأسهل السبل وبدون أن يغضب منها لا المجتمع الدولي ولا أمريكا ولا “ناتو”، ولا دول”إسلامية” صديقة أو شقيقة .

– المشكلة ليست في صفة ” إسلامي” بل فى حقيقة التطبيق الإسلامى، وإعادة الحياة إلى قوانين الإسلام في المجتمع بكافة شؤونه الاقتصادية والاجتماعية . بمعنى أن تضع الإمارة اقتصاد البلاد في خدمة مواطنيها، وخدمة المؤسسات  التي تحمي المجتمع وتقوم بتطويره. فلا يصبح المال العام (بيت المال) نهباً لفئة مغتصبة لحقوق المسلمين، تغتصب المال وتستبد بالسلطة، تفعل ما تشاء في أمور المسلمين بدون رضاهم ولا اختيارهم.

ومعلوم أن الاقتصاد هو السلاح الأكثر فعالية في يد المستعمرين لإخضاع الدول والسيطرة عليها. حتى أن الحرب هي في الغالب مجرد وسيلة للسيطرة على اقتصاد الخصوم واستخدامه في كسر إرادتهم وفرض أي شيء عليهم، حتى ولو ضد معتقداتهم ومواريثهم الاجتماعية.

– بعد تجربة الاحتلال المريرة يدرك شعب أفغانستان معنى سيطرة العدو على اقتصاد البلد وثرواته. وشراء طبقة من الفاسدين يساندونه في إحكام قبضته على البلاد والعباد في مقابل رشاوى مالية ومناصب فارغة، حيث أن السلطة الحقيقية كلها في يد المحتلين.

 فيحتكر العدو ثروة البلاد، ويرمي بالفتات للخونة المتعاونين معه. ويتبقى للشعب العَوَز والفقر الذي هو توأم الكفر ومنشأ كل رذيلة. لهذا فإن إفقار الشعوب هو هدف يسعى إليه المحتل كما يسعى إليه الحاكم المستبد، لإفساد الشعب وتدمير الأخلاق لتسهل السيطرة عليه، وتحريك من يشاء كيفما يشاء، مستغلا حاجة الفقير إلى أبسط ضرورات الحياة. هذا بينما تحتكر قلة من الناس معظم الثروات، ويستأثرون بسلطة الحكم ومؤسساته الإدارية والمسلحة.

 

“الإمارة الإسلامية” ضرورة لشعب أفغانستان :

   إن عودة الإسلام الحقيقي إلى الحكم في أفغانستان هو ضرورة حياة وضرورة بقاء لشعب أفغانستان حاضراً ومستقبلاً. لإنقاذه مما يعانيه على يد الاحتلال وأعوانه، وإنقاذ الأجيال القادمة من أهوال النشأة في ظلمات الحرب على الدين التي تشنها جيوش الكفر.

شعور الشعب الأفغاني بحاجته إلى الإمارة الإسلامية وحكمها العادل كان حافزًا للوقوف خلفها كقيادة للجهاد ضد الاحتلال الأمريكي. وذلك هو العنصر المادي الحاسم في موضوع الانتصار، قبل أي عنصر آخر من مستلزمات الجهاد وتجهيزاته ووسائله. فالحرب عموما هي نشاط اجتماعي تكسبه الشعوب قبل أن تكسبه الجيوش. والمجتمع المنتصر هو الشعب صاحب العقيدة الذي يمتلك قيادة لها مميزات الإيمان والكفاءة والإخلاص.

– إعادة “الإمارة الإسلامية”، هو هدف لجهاد الشعب الأفغاني، وضرورة وجود لهذا الشعب . وهي جائزة الإخلاص لهذا الجهاد. ولن تتوقف على رضا أو موافقة أي طرف ـ خاصة الطرف المعتدي ـ الذي يريد أن يفرض على الأفغان الطريقة التي يستمر بها في السيطرة عليهم بعد رحيل جيوشه وبقاء عملائه في مواقعهم.

 

 

“الإمارة الإسلامية” ضرورة لدول الجوار الإقليمي:

أعلنت الإمارة الإسلامية عن خطتها في السياسة الخارجية، سواء لدول الجوار أو دول العالم . وأنها ترغب في علاقات متكافئة وسلمية، وتبادل للمصالح بشكل عادل الجميع.

وتشكل العلاقة مع الدول المجاورة لأفغانستان أولوية خاصة، نظرًا للترابط الشديد في التركيبات العرقية والتاريخ المشترك والمصالح المترابطة التي تحتاج إلى تعامل متوازن وعادل طبقا للمبادئ الشريعة الإسلامية، حيث جميع جيران أفغانستان هم من المسلمين. وحتى الصين الشعبية التي لا تدين بالإسلام فإن الجار الملاصق منها لأفغانستان هم المسلمين الإيغور الذين تقتضي مصالحهم ومستقبلهم تعاوناً مرناً وبعيد النظر بين البلدين. ينطبق نفس القول على مسلمي روسيا الاتحادية والهند فعلاقات أفغانستان مع تلك الدول إذا كانت قائمة على أسس صحيحة فإن مسلمي المنطقة جميعا سوف تعاد صياغة علاقاتهم بدولهم، ليعود المسلمون مرة أخرى ليمثلوا ضمير آسيا وأنشط عناصرها العلمية والثقافية والاقتصادية، بعد أن يتحرروا من الصورة البشعة الذي حصرهم فيها العدو الأمريكي الإسرائيلي بتصوير الإسلام على أنه خطر على الإنسانية وليس منقذا لها، ويصور المسلمين وكأنهم سفاكوا دماء وليسوا دعاة لرسالة دينية مقدسة جاءت لخير البشر جميعا وسعادتهم.

    وبقدر قوة الإمارة الإسلامية ونهضتها داخليا، ومع نشاط علاقاتها الخارجية مع دول المنطقة في مجالات الاقتصاد، فسوف ينعكس ذلك إيجابيا على أوضاع مسلمي المنطقة، فيندمج الكثير منهم في العلاقات التي تربط الإمارة بأوطانهم، خاصة في مجالات التبادل الاقتصادي، بما يتيح لهم فرصة للحركة الواسعة والتفاعل الثقافي والديني مع الإمارة .

    علاقة الإمارة مع الجوار ستكون ضمانة لتنمية اقتصادية وإعادة الإعمارعلى أسس التكافؤ والتعامل الاقتصادي العادل، بعيدا عن الاستغلال والنهب الاستعماري الغربي، وطريقاً لخلق سوق إقليمي كبير يستغني عن عملة الدولار التي أذل الأمريكيون بها العالم، وبعيداً عن قنوات البنوك الدولية الربوية التي سيطر بها اليهود على شعوب العالم. سوق قائم على التعامل بالعملات المحلية، أو بعملة موحدة مستقبلا، مع اعتماد مبدأ مقايضة السلع بدون استخدام العملات، وهو نظام قائم حاليا بشكل جزئي بين بعض الدول الهامة في المنطقة.

بثرواتها الطبيعية الهائلة سوف تبني الإمارة الإسلامية أفغانستان من جديد، وتبني اقتصادا قائما على زراعة تحقق الاكتفاء الذاتي لاحتياجات المواطنين، وصناعة تلبي احتياجات بناء دولة حديثة ومتطورة. وبالمشاريع المشتركة مع دول المنطقة وتسويق الخامات في مقابل تأسيس بنية تحتية زراعية وصناعية فإن إجراءات الحصار والعقوبات ضد الإمارة لن تجدي نفعا.

إن علاقة أفغانستان مع دول الجوار لها أهمية استراتيجية لجميع شعوب المنطقة، لتنميتها واستقرارها بعيدًا عن النزاعات الداخلية أو التدخلات الاستعمارية الخارجية.

وفي المستقبل قد تتوصل دول المنطقة إلى إنشاء مؤسسات تشرف على الشؤون العامة المتعلقة بالاقتصاد والنزاعات والمشكلات المستجدة ، كبديل عن المؤسسات الدولية الحالية التي أثبتت فشلها على الدوام وتحوّلها إلى أداة في يد أمريكا بشكل خاص والدول الاستعمارية عامة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

” الإمارة الإسلامية” ضرورة للعالم الإسلامي:

لا يقل احتياج العالم الإسلامي عن احتياج شعب أفغانستان لقيام”الإمارة الإسلامية”. فحالة تراجع المسلمين شاملة، سواء الحالة الدينية أو الأحوال السياسية والمعيشية. وتقترب معنويات شباب المسلمين من اليأس الناتج عن حالة الانهيار.

عودة الإمارة وإعادة حكم الإسلام إلى أفغانستان يمثل انبعاثا حقيقيا للأمل في الشرايين المتيبسة للأمة الإسلامية. فعودة الإمارة لن تكون عادية، بل تأتي بعد حرب طاحنة ومتصلة، كانت هي الأقسى في الحروب الجهادية جميعا، والحرب الأطول في تاريخ المستعمر الأمريكي.

– { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  } ـ 16 سورة البقرة  ـ

لم يكن من السهل القتال ضد الاحتلال الأمريكي وحلف الناتو، بكل ما معهم من أسلحة لم يسبق استخدمها في أي حرب، وكانت مهيأة في الأصل لحرب عالمية ضد قوى عظمى وليس دولة صغيرة ضعيفة تداولت عليها حروب المستعمرين.

خسائر الحرب على الجانب الشعبي كانت مهولة وأضعاف ما كانت عليه خلال الحرب ضد السوفييت. ولكن المستعمر الأمريكي تكتم على جميع المعلومات المتعلقة بالحرب، وأطلق الأكاذيب، خاصة ما يتعلق بخسائره العسكرية، وأعداد الأهالي الذين قتلهم.

ولكن على الجانب الآخر كان في تلك الحرب خيرعظيم يصعب حصره، كما يستحيل الحصول عليه في غير تلك التجربة القاسية. فنيران الحرب صهرت معادن الرجال فصنعت جيلا من الشباب والرجال ـ يمكن القول بكل اطمئنان ـ أنه لا نظير لهم في عالم اليوم وليس العالم الإسلامى فقط . فمعظم هؤلاء ـ من جنود الله على الأرض ـ لا يعرف أكثر الناس أسماءهم ولا صورهم . فعلاقتهم مع الله مباشرة، من مواقعهم تحت ظلال السيوف، وسط نيران الحرب ضد أقوى جيوش الأرض التي لم يسبق للشيطان أن امتلك مثلها في أي زمان.

لهذا فهزيمة أمريكا وإسرائيل والناتو في أفغانستان هي بداية الانهيار الفعلي لمملكة الشيطان على الأرض. وبداية حقيقية ليقظة المسلمين، وانبعاث الأمل في النفوس المحطمة لكل البشر المستعبدين، أيا كانوا، في أي أرض ومن أي دين.

– مآزق صعبة لا يوجد غير الإمارة لديه القدرة على العبور بالأمة الإسلامية منها . أوِّلُها كما ذكرنا أزمة اليأس، وفقدان الثقة في النفس، وابتعاد الشباب عن الدين .

– الأزمة الثانية هى تمزيق الأمة في صراع الإبادة بين المذاهب الإسلامية، وتقسيم الأمة الواحدة إلى طوائف متصارعة. فيسارع بعضهم لتقديم الولاء للكافرين مستقويا بهم على باقي المسلمين، سعيًا منه للتشبث بأذيال السلطة مستعينًا بقوة الكافرين وسلطانهم.

من هذا المدخل استولى الأعداء على الكثير من أراضي الأمة وثرواتها . بل وسرقوا شبابها واستولوا على عقولهم وضمائرهم. واستفاد العدو من إمكانات المسلمين لتدمير المسلمين أنفسهم حاضراً ومستقبلاً .

– من أسباب نجاح الإمارة الإسلامية في جهادها ضد الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي هو تفاديها محاولات توريطها في قتال داخلي، سواء مذهبي أو عرقي، فيحولها ذلك إلى واحدة من حركات الفتنة التي انتشرت في العالم الإسلامى لتدمير الأمة واستنزاف طاقتها داخليا، وتصرفها عن قتال العدو، فجَعْل هؤلاء المنحرفون من الفتنة منهجاً مقدساً وهدفاً لدين اخترعوه لأنفسهم . الدواعش من هؤلاء، إلى جانب أمثالهم من خريجي نفس المدرسة التخربية المنحرفة.

– بعد الاحتلال الأمريكي لم يتحارب السنة والشيعة في أفغانستان، بل قاتلوا جنباً إلى جنب تحت الراية المنتصرة للإمارة الإسلامية. إسرائيل وحلفاؤها اعتبروا ذلك عملا عدائيا يهدد احتلال اليهود لفلسطين ، فبقاء اليهود وتمدد سلطانهم على بلاد المسلين قائم على توسيع رقعة الفتنة الدامية بين السنة والشيعة، وإزكاء كل ما هو ممكن من الفتن العرقية والدينية والمذهبية.

– يرى البعض أن أفغانستان في ظل الاحتلال الأمريكي باتت مهددة بحركات انفصال عرقية ومذهبية يدعمها اليهود وأعضاء بارزون في حلف الناتو، بعضهم للأسف من المسلمين. ولكن تنامى قوة الإمارة على أرض أفغانستان، ورجاحة موقفها السياسي، جعل مشاريع الانفصال قائمة على غير أساس، ولا تحظى بدعم إقليمى سوى دعم متردد قادم من الهند يمكن وقفه بوسائل سياسية غالبا. ناهيك أن الأساسات العسكرية للانفصال  قائمة على قوات الاحتلال، وبالتالي سوف تنتهي تلك الأحلام بسرعة. فالشعب الأفغاني لا تخطر في باله أي أوهام انفصال. أما القادة العملاء المغامرون فمصيرهم الفناء مالم يستسلموا للإمارة الإسلامية بدون قتال.

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. ولماذا لا يريدها العدو؟.




السفارات .. لتحقيق مصالح وليس للمباهاة

السفارات .. لتحقيق مصالح وليس للمباهاة

السفارات .. لتحقيق مصالح وليس للمباهاة

–  تبادل فتح السفارات لا يتم الا عندما تتحقق منه فائدة عملية ، مع الأمن من شرور التدخل الخارجى .

–  عدم تبادل فتح السفارات مع أى دولة لا يعنى إعلان الحرب ، بل يعنى أن العلاقات معها غير عملية فى الوقت الراهن .

–  السفارة الأمريكية فى بغداد تدير العراق كله ، وتشعل الفتن وعمليات الإنفصال، وتشعل العداوة مع دول الجوار .

– عاصمة الإمارة الإسلامية هى التى تعطى الشرف لأى سفارة تسمح لها بالعمل. ولن ينال هذ الشرف أيا كان ـ وهو أبعد ما يمكن عن أمريكا زعيمة الشياطين ، ورأس كل خطيئة .

 

 

إفتتاح السفارات بين الدول ليس للتفاخر أوالمباهاة ، بل يخضع لمعايير المصالح المشتركة، خاصة فى الإقتصاد ،  أو العمل السياسى ، أو التبادل العلمى والثقافى.

إفتتاح سفارة فى بلد ما هو عمل مُكْلِف إقتصاديا ، ولابد من وجود فائدة عملية تبرر ذلك . فالسفارة ليست مقهى لتبادل الأحاديث وشرب الشاى، وليست نادى للعلاقات العامة. لهذا لا تقيم الدول سفارات لها فى الخارج إلا بحساب، وعندما تستدعى الضرورة ، أو تُرْجَى الفائدة.

فقيمة أى دولة لا تحددها كمية السفارات التى تقيمها فى الخارج ، أو تلك السفارات الأجنبية المقامة فوق أراضيها . كما أن قيمة الدولة غير متوقفة على تمثيلها فى الأمم المتحدة. بل قيمة الدولة نابعة من قوة بنيانها العقائدى والأخلاقى ، ثم بنيانها الإقتصادى والخدمات التى تقدمها لمواطنيها من تعليم وعلاج. ويحمى ذلك كله نظام دفاعى يحفظ المجتمع من الأخطار الخارجية ، ونظام عادل وكفء يحمى الأمن الداخلى من الجريمة .

– الإمارة الإسلامية تريد علاقات طبيعية مع جميع الدول(ماعدا إسرائيل بالطبع). ولكن تبادل التمثيل الدبلوماسي وفتح السفارات لن يتم إلا عندما تتحقق منه فائدة عملية ، مع الأمن من شرور التدخل الخارجى ، أو أن تتحول “سفارة ما” إلى وكر تجسس لهدم بنيان الإمارة وسلامة المجتمع.

–  وعدم تبادل فتح السفارات مع أى دولة لا يعنى إعلان الحرب عليها ، بل يعنى أن العلاقات معها  غير عملية ـ فى الوقت الراهن على الأقل ـ

 

شرط حفظ الأمن و الإستقلال :

 فى أفغانستان رأينا كيف أن سفارة الإتحاد السوفيتى كانت وراء الإنقلاب الشيوعى ، ثم الغزو السوفيتى لأفغانستان.

والسفارة الأمريكية فى كابول لا يقل دورها إجراماً ، كأحد إدارات الإحتلال الأمريكى لأفغانستان. وسوف يكون لها دور أكبر فى المستقبل ــ إذا سُمِح لها بالإستمرار ــ فى إدارة حرب سرية وتدخلات عسكرية وإستخبارية ، صرح مسئولون أمريكان بلا خجل بأنها ستحدث عند الحاجة إليها.

الدول الإستعمارية تستغل سفاراتها فى التجسس والتخريب والتأثير على الأوضاع السياسية ، وفتح مجالات السيطرة لشركاتها . ولا تراعى القوانين الدولية التى من المفروض أن تنظم العمل الدبلوماسى بين الدول .

فالقاعدة العامة هى تدخل السفارات الأمريكية فى شئون الدول المضيفة. فأمريكا لا تترك بلداً يدير شئونه بعيدا عن أوامرها . فإذا حاول الإستقلال دبرت ضده الثورات الملونة أو الإنقلابات العسكرية ، وعملت بأموالها على شراء السياسيين والكتاب والصحفيين ، ومَوَّلَت حركات التمرد ومؤسسات “المجتمع المدنى” التى تعمل كأجهزة تجسس أمريكية .

وتثير سفاراتها على الدوام أزمات حول ما تسميه” حقوق الأقليات” و” حقوق المرأة” إلى آخر الحقوق التى هى ذرائع للتدخل وإرباك الأحوال الداخلية. لتفسح لنفسها مجالا لتوجيه الوضع السياسى ، ومجالات تَدَخُّل أمام شركاتها لنهب البلد.

 

سفارات أمريكا .. للتدخل والتآمر

 من الأمثلة التاريخية التى لا تنسى ، ذلك الإنقلاب العسكرى الذى دبرته أمريكا على حاكم دولة “تشلي” فى سبعينات القرن الماضى . ذلك الإنقلاب الذى أزهق حياة عشرات الألوف من المدنيين ، وأعطى الثروات المعدنية للشركات الأمريكية ، وألغى كل الحقوق والحريات التى كان يتمتع بها الشعب . ولا توجد ثورة مضادة هدمت نظاماً مستقلاً إلا وكان للسفارات الأمريكية الدور الأساسى فيها . فهى ليست سفارات بقدر ما هى إدارات للتجسس وترتيب العمليات القذرة والتدميرية ضد الدول التى تستضيفها .

– الدول التى تريد الإستقلال والسيادة لشعوبها ، سوف تواجهها أمريكا بالحصار السياسى والهجوم الإعلامى ، والحرب الإقتصادية ، والإضطرابات الداخلية والتمردات المسلحة التى تقود إلى شلل الدولة وإسقاط النظام وقد يصل الأمر توريطها فى حرب مع دول مجاورة.

فإذا صمدت الدول المستهدفة ، فإنها تنجح فى تحقيق ما تريده من سيادة وإستقلال وحفظ الثروات العامة وتنميتها .

–  ومن الأمثلة المشهورة للدول التى بنت نفسها رغم الحصار السياسى والإقتصادى والتشويه الإعلامى ، كانت الصين الشعبية التى سلبوا منها إعتراف الأمم المتحدة ، ومقعدها الدائم فى مجلس الأمن الذى أعطوه لأحد جزرها المتمردة “فرموزا”. ورغم ذلك فالصين ـ وبعد عشرين عاما من الحصار التام ـ تنافس الولايات المتحدة على المركز الأول إقتصادياً .

وهناك الإتحاد السوفيتى الذى فرضت عليه أمريكا وحلفاؤها عزلة أسموها “ستاراً حديدياً” ولكنه تمكن من بناء دولة عظمى كانت هى القطب المواجه لأمريكا والتحالف الغربى كله لعقود عديدة. ولولا حماقة الإتحاد السوفيتى وغزوه لأفغانستان (وهو الغزو الذى مهدت له السفارة السوفيتيه فى كابل) لكان السوفييت الآن هم القوة الثانية وربما الأولى عالميا . ولكن الشعب الأفغانى قضى على الإتحاد السوفيتى فى حرب إستمرت حوالى عقد من الزمان فسقط السوفييت إلى الأبد .

والآن الولايات المتحدة تواجه الإنهيار فى عقر دارها ـ بعد حرب إستمرت حوالى عقدين مع شعب أفغانستان ـ ويهرول الجيش الأمريكى إلى بلاده الواقفة على شفير حرب أهلية. حرب ربما ينقسم فيها الجيش إلى جيشين، شمالى وجنوبى، كما فى الحرب الأهلية الأولى فى القرن التاسع عشر.

 

تبادل السفارات لتقوية الإقتصاد .. مع حفظ الأمن :

وأمامنا السفارة الأمريكية / بالغة الضخامة/ فى بغداد، والتى تدير العراق كله ، وتشعل فيه الفتن والحروب الأهلية ، وترعى هيمنة الشركات الأمريكية على العراق خاصة فى مجال النفط .

وتشرف على تخريب علاقة العراق مع دول الجوار فى إيران وتركيا وسوريا . وتدير جيش ضخم من العملاء والجواسيس فى مختلف المجالات. ويرى البعض أنها الحاكم الحقيقى للعراق.

وترتب السفارة عمليات إنفصال داخل العراق، يمكن تنفيذها فى أى وقت تراه مناسباً . أما القتال الداخلى الذى تشرف عليه فلا يكاد يتوقف.

–  تبادل فتح السفارات هو جزء من العمل السياسى للدولة، ويدار ضمن خطة متكاملة تراعى المصالح العليا فى الإقتصاد والأمن ، بعيدا عن العشوائية والإرتجال والتصريحات المنفلتة.

وأفغانستان هزمت ثلاث إمبراطوريات فى أقل من قرنين من الزمان . وهذه المرة بعد تنظيف الساحة الأفغانية من رجس الإحتلال الأمريكى سوف تشرع، تحت قيادة الإمارة الإسلامية، فى بناء دولتها القوية وحضارتها الإسلامية . ولن تبالى بأى تدخل من أمريكا أو حلفائها . فقد هزمتهم فى الحرب المباشرة ، وسوف تهزمهم فى أى مواجهة قادمة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة .

ولكن الإمارة ستكون أكثر حذراً فى إقامة أوكار تخريب تحت مسمى الإعتراف السياسى، وتبادل فتح السفارات. فالإمارة تبدى نواياها الطيبة للجميع .. ولكن خداعها غير ممكن .

–  فبعد أن هَزَمَت أفغانستان ثلاث إمبراطوريات عظمى ، فإن وجودها يعطى للعالم كله قيمة ومعنى. وعاصمتها هى التى تعطى الشرف والقيمة لأى سفارة تسمح ها بالعمل فوق أراضيها.

ولن ينال هذا الشرف أياً كان . فبعد عقدين من العدوان الظالم والهمجى يبدو هذا الشرف أبعد ما يمكن عن أمريكا … زعيمة الشياطين ، ورأس كل خطيئة.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

السفارات .. لتحقيق مصالح وليس للمباهاة

 

 




فى ذكرى الأم الكبيرة

فى ذكرى الأم الكبيرة والدة المجاهد العظيم "جلال الدين حقانى" رحمه الله

فى ذكرى فراقها الصعب .. فى الذكرى الثلاثين لوفاتها. إلى أمى الكبيرة وأم جميع المجاهدين الذين منحتهم دعائها وبركتها . والدة المجاهد العظيم “جلال الدين حقانى” رحمه الله ، وجَدَّة القائد الكبير “سراج الدين حقانى”.

 

فى ذكرى الأم الكبيرة

الخط الأبيض فوق الجدار الرمادى

 

واحدة من أمهات أفغانستان المسلمات المجاهدات . تَخَرَّج من تحت يديها مئات الرجال المجاهدين الذين رَعَتْ أبنائهم وزوجاتهم أثناء غيابهم فى ساحات الجهاد ، أو بعد شهادتهم فى سبيل الله .

جميع أبنائها من المجاهدين العظماء .. يكفى أن أحدهم هو جلال الدين حقانى وإخوانه إسماعيل  وإبراهيم وخليل . ومن أحفادها عدد لا يحصى من عظماء المجاهدين . يكفى أن أحدهم هو (سراج الدين حقانى) الذى إستلم مشعل الجهاد من يد والده العظيم، والعالم الجليل “جلال الدين حقانى” ، ليمضى بمسيرة الجهاد فى أفغانستان إلى آفاق عالية صدمت أعتى إمبراطوريات الشر. حتى صنفه الأمريكيون وحلفاؤهم الإسرائيليون بأنه أخطر شخصية جهادية فى أفغانستان فى الوقت الراهن . تماما كما كان ينظر السوفييت إلى والده رحمه الله.

 

الخط الأبيض فوق الجدار الرمادى :

سنبدأ حديثنا عن الأم العظيمة ـ أو الأم الكبيرة ـ التى تربى سراج الدين وإخوانه تحت يديها وبإشرافها . ومعهم مئات من أطفال المجاهدين والمهاجرين .

 

شهر أغسطس 1979 :

فى حى المهاجرين فى مدينة ميرانشاة الحدودية ، قابلت لأول مرة (الأم الكبيرة ) ، والدة جلال الدين حقانى فور رجوعى من مركز قيادته فى منطقة (سرانا) قرب مدينة جرديز . وبرفقتى إبن شقيقتها ، مولوى”سَرْوَرْ جان” . وفى بيتهم الصغير الضيق قليل الإضاءة رحبت بنا(الأم الكبيرة) وسألتنا بلهفة عن أخبار ابنها جلال الدين. وسَأَلَتْ عمن حوله من رجال، وكلهم إما أقارب أو من نفس القبيلة والجيران .

ثم تطرق الحديث إلى أطفال حقانى الصغار وهما(نصير الدين ، وشقيقه سراج الدين) وتكلمت الجَدَّة عن نشاطهما الجَمْ الذى يتعبها كثيرا ، خاصة إلحاحِهما عليها للإلتحاق بوالدهما فى الجهاد. فأخبَرَتْهُما أنهما مازالا صغيران ، ولابد من الإنتظار حتى يكبرا . فسألاها إلى أى حد يكبران حتى يسمح لهما بالجهاد؟ .

فأخذت حجرا من الكِلْس الأبيض ورسمت لهما خطاً على الجدار الطينى للغرفة وقالت لهما: (أن تكبرا حتى هذا الخط) . ثم تركتهما وذهبت . وبعد قليل أدركاها وهما يركضان ويقولان بحماس وأنفاس متقطعة : جدَّتى لقد كبرنا الآن ، ونريد الذهاب إلى الجهاد . ثم سحباها من يدها إلى حيث الجدار الطينى وخط التحدى المرسوم بالجير الأبيض ، ثم سحبا مقعدا ووقفا فوقه فصارا بمحازاة الخط . وقالا للجدة بلهجة الإنتصار: ها قد كبرنا دعينا إذن نذهب إلى الجهاد . من حسن حظى أننى شاهدت وقتها ذلك الخط الأبيض فوق الجدار الرمادى . وخطر لى أننى ما زلت تحت ذلك الخط بكثير .

 

الأربعاء ـ الأول من أغسطس 1990 :

معسكرنا الرئيسى لعمليتنا القادمة كان فى منطقة دروازجى على مسافة ليست بعيدة عن خط الدفاع الجبلى للعدو، الذى خلفه بعدة كيلومترات قليلة مطار المدينة الذى هو هدفنا القادم.

كانت أجواء معسكرنا مرحة ونشيطة فى ذلك الصباح، إلى أن ظهر فجأة الكومندان كريم في سيارته الصغيرة، ثم هبط منها وأقترب نحوى مسرعاً، ثم أخذنى من ذراعى وإنتحي بى جانباً بعيداً عن الآخرين، ثم همس فى أذنى بأنه غادر المعسكر ليلاً نحو جاور عقب سماعه نبأ وفاة إسماعيل شقيق حقاني.

كان النبأ مزعجاً للغاية فى ظروف إشتداد العمليات حالياً، مع تأثير ذلك على حقانى نفسه الذى فقد الكثيرين عن أفراد عائلته في الحرب، ولكن هذه هى المرة الأولى التي يفقد فيها أحد إخوته الثلاثه وأكبرهم سناً، وأقربهم إلى قلوب المجاهدين بعد حقانى نفسه، فقد كانت شجاعته وكفاءته العسكرية مضرب الأمثال وموضع إعتماد حقاني والمجاهدين.

كنت أعرف أن إسماعيل قد أصيب أثناء المعارك بجرح عميق في كف يده اليمنى وأنه إنتقل إلي ميرانشاه للعلاج، ولم يكن هناك ما يتوجب القلق في حالته، فالإصابة لا تعتبر خطيرة. إنصرف كريم، وكان لابد أن نذهب إلى حقانى لتقديم التعزيه له، لكن مكانه غير معلوم لدينا حالياً.

 

الجمعة 3 أغسطس 1990 :

فى الصباح ذهبت لتعزية الشيخ حقاني، وكان بصحبتى أبو الحارث وطلحة، وأبو شداد. سألنا عنه فدلُّونا علي مكانه فى مسجد المهاجرين. ذهبنا إليه فوجدناه يغادر المسجد فصافحناه مُعَزِّين ، فرد عليا بابتسامة رائقة ، وعيون مترقرقة بالدمع .

كان فى حالة من الحزن النبيل لم أشاهد مثلها من قبل.

صَحِبناه إلى منزله وذهبنا إلى القسم الخاص بالضيوف حيث هناك شقيقاه إبراهيم وخليل جالسان بين وفود المعزين فقدمنا لهما التعازى. ولما كانت دموع الرجال هنا محظورة ونادرة فقد كان وجهاهما جامدان، ولكن القامات التي كانت عادة ممتدة بقوه وفخر بدت محطمة .

وكأنها خرجا تواً من تحت إنقاض جبل إنهار فوقهما فطحنهما طحناً.

كان إسماعيل هو الأخ الثانى فى ترتيب إخوته الأربعة، أبيض البشرة  قوى البنية، لا يكاد يخرج من المعارك، عظيم الإختلاط بعوام المجاهدين.

تعرفت عليه منذ زيارتى الأولى عام 1979، لكننى لم أعمل معه أبداً، ولم نتقابل كثيراً. وكان يقابلنى دوماً بترحاب كبير كأننا أشقاء قد فرق الزمان بينهم. وكان يفاخر بى من حوله قائلاً لهم أننى معهم فى الجهاد منذ أيام طراقى!!.

 

أحزان الأم الكبيرة :

علمت أن إسماعيل قد توفى نتيجة لإصابته بتسسم فى الدم “غرغرينا” وأجمع الأطباء العرب أن المسئولية فى ذلك تقع على الطبيب الأفغانى الذى عالجه فى مستشفى ميرانشاه.

فقد قام الطبيب بإخاطة الجرح رغم القاعدة المشهورة لدى الأطباء بعدم فعل ذلك فى جروح الحرب لأنه يؤدى إلى الإصابة “بالغرغرينا” وهو ما حدث مع إسماعيل.

وكان الدكتور خالد الذى يعمل فى نفس المستشفى قد حذر سابقاً عدة مرات من أن ذلك الطبيب “حمار” ولايفقه شيئا فى الطب، وتسبب فى مقتل كثيرين، مما حدا بالدكتور خالد وآخرين إلى الشك فى أن ذلك الطبيب يتعمد قتل المجاهدين وأنه مازال شيوعياً ، خاصة وأنه قد هرب منذ فترة وجيزة من العاصمة كابل.

وكان الأفغان يطلقون على هؤلاء المهاجرين إسم (صقر بيست) إشارة الى أن سبب هجرتهم هو صواريخ “صقر 20” المصرية التى إستخدمها المجاهدون فطالت عمق العاصمة كابل فأدت إلي موجة جديدة من الهجرة ولكن فى أوساط المتعاطفين مع الحكومة الشيوعية ، خوفاً على حياتهم من الصواريخ وليس بسبب إسلامهم أو إنخراطهم في الجهاد.

وللأسف فإن هذا الطبيب القتَّال أو”الحمار” كما وصفه خالد قد تمكن من قتل الكثيرين بعد أن أثار الحمية القومية فى وسط الأفغان العاملين في المستشفى وحرضهم ضد الأطباء العرب “الوهابيين”، ثم أطلق أيدى المنحرفين منهم فى سرقة الدواء وبيعه في السوق السوداء، فإكتسب منهم تأييداً وحماية أبقته بعيداً عن أى مساءلة رغم الشكاوى الكثيرة التى تقدمت بها عائلات ضحاياه.

ولكن بعد مقتل إسماعيل على يديه تدخل حقانى وطرده من المستشفى. وقد كان رحيماً جداً في هذا القرار رغم أن آخرين، وكنت أحدهم ، نادوا بمحاكمته.

لقد أصيب إسماعيل “بالغرغرينا” فى ميرانشاه، وعندما تدهورت حالته تم نقله علي وجه السرعة إلى المستشفى العسكرى فى روالبندى. وقد نقلته طائرة هيلوكبتر باكستانية إلى هناك. ولكن الوقت كان قد فات فتوقفت أحدى كليتيه عن العمل ثم لحقتها الأخرى وما لبث أن توفى، فعادت الهيلوكبتر بجسده إلي ميرانشاه كى يدفن هناك.

الغريب أن والدة إسماعيل ” الأم الكبيرة” كانت تعالج منذ فترة في نفس المسشفى من إصابة متقدمة بمرض السرطان.

لقد كانت في الواقع تموت ببطء، ولكن ثاني أبنائها وأقواهم بنية كان الأسبق منها إلى الموت على بعد خطوات منها. وقد شاهَدَتْ بنفسها لحظاته الأخيرة فى المستشفى، ثم رافقت جثته في الطائرة إلى ميرانشاه كى تشرف على غسله وتكفينه، وتتلقى العزاء فيه ثم تموت هى بعد أيام.

لقد وجدت زوجتى نفسها مره أخرى وسط دوامه الموت المذهلة. ولكن هذه المرة مع هذا التجمع الأفغانى الذي فتح لنا قلبه وبابه وشاركنا أفراحه وأتراحه وكأننا جزء عضوى متكامل معه.  كان إسماعيل أحد غرف القلب الذى يضخ الحياة والحيوية فى هذا الجسد المجاهد، من رجال وأطفال ونساء. كما كان إخوانه الثلاثة الآخرون، هم باقى الغرف الأربعة لهذا القلب القوى النابض بقوة الإيمان وتدفق البطولة الفطرية التى لا تظهر صارخه إلا فى الأوقات التى يندر فيها الرجال، ثم تتوارى تواضعاً فى أوقات ترتفع فيها جميع الرؤوس بحيث يصعب تمييز معادن الرجال، فيطفوا الخبث غالب الوقت.

والأم الكبيرة ، شاء قدرها أن يكون إبنها الحبيب إسماعيل هو آخر من تشهد مصرعه من سلسلة طويلة يصعب حصرها من رجال العائلة والأقارب. تلك الأم أسطورة قد يساعد فك رموزها فى معرفة سر المعجزة التي حدثت فى أفغانستان، وقد تُقَرِّب إلي الأذهان فهم معجزة قام بها شعب يعيش في فقر مدقع وتخلف حضارى، ثم يتصدى لأكبر قوة عسكرية فى العالم فيهزمها.

ثم يتصدى للعالم كله فيما بعد ليفرض فوق أرضه إرادته ودينه، فى عالم طاغى لا يسمح بدين أو إراده مخالفة لإرادة الشيطان الدولى الأكبر.

كانت (الأم الكبيرة)صمام الأمان لهذا التجمع المهاجر، والذى يشمل اُسَرْ أبنائها وبناتها ، وأيضاً اُسَرْ الأقارب، وجميعهم في بيوت متقاربة في حى المهاجرين فى ميرانشاه.

كانت (الأم الكبيرة) هى أيضاً مسئولة”الجبهة الداخلية”فى غياب معظم الرجال معظم الوقت. وهناك رجال يتناوبون علي حراسة وخدمة الأسر والبيوت . ولكن الإشراف على النظام داخل البيوت وضبط حياة الأطفال وذهابهم إلى المسجد لحفظ القرآن، وفض المشاحنات بينهم وكذلك مشاجرات النساء التى قد تنشب أحياناً لسبب أو لآخر، ثم رعاية الحياة الخاصة للأطفال الأيتام وأمهاتهم ممن فقدن الأزواج فى ساحات الجهاد، كل ذلك جزء من واجبات الأم الكبيرة التى تمارسها بحزم ورحمة ، وعصا فى يدها تلوح بها فى وجه المخالفين والمخالفات ، ومسبحة فى اليد الأخرى تتلو عليها الأدعية والأذكار.

ليس هذا فقط ، بل أن الحملات التى قد تنطلق من أمام بيوت الحي بقيادة واحد أو أكثر من أولادها ، تشرف هى على العديد من شئونها الإدارية، وتجمع الأطفال من تحت عجلات السيارات قبل الإنطلاق. وقد تَطْرُق أحدهم بضربة عصا على الرأس أو الظهر لتذكيره بقوانين السلامة والبعد عن مواطن الخطر أثناء تحرك الموكب الذى قد يشمل عشرات المركبات التى تحمل الرجال المسلحين فى موكب مهيب متوتر بين عناق وداع وتكبيرات وأمل غامض وقلق مكتوم . فالعديد منهم قد تكون رحلته تلك هى آخر جولاته في الجهاد وفراقه الأخير للزوجة والأولاد والأهل.

كانت الأم الكبيرة الأكثر نشاطاً وحيوية بين كل هؤلاء وكأنها الروح الخفية التى تحرك وتدفع، وبقامتها النحيلة المنحنية قليلاً إلى الأمام وملامحها الطيبة الحازمة تدفع كل شئ نحو الحركة السريعة المنضبطة، ترمق أبناءها وجميع الرجال بعطف الأم الحنون وحزم المربية التى لا تسمح للضعف أن يتسرب إلى النفوس ناهيك أن تنطق به الملامح.

وكثيراً ما ودعتنى ودعت لى أيضاً عندما شاركت فى بعض تلك الحملات، وكانت تنطق أسمى مجرداً “مصطفى” مشفوعاً بكلمات كثيرة لا أفهم منها شيئاً ولكننى كنت أفرح وكأن أمى أطلت عليَّ بوجهها لتودعنى وداعاً أخيراً.

بعد ذلك كنت أتعمد مراقبتها أطول فترة ممكنة، وكانت عينى تدمع مرات كثيرة، من هيبة الوداع والرجال الذاهبين إلى الموت، والأم الصلبة التى تدفع أبناءها نحو الواجب، والرجال المتضاحكون المكبرون وقد جاشت صدورهم بإنفعالات شتى متضاربة.

كانت سيارتى هى الأخيرة في الموكب، وكنت أتعمد ذلك أحياناً حتى أشاهد الأم وأرى ماذا ستفعل بعد ذهاب الموكب بفلذات أكبادها، والرجال الذين أحبتهم وأحبوها كصانعة أبطال وأم.

مع بداية تحرك الموكب كانت ترفع كفيها المعروقتان نحو السماء وقد تعلقت مسبحتها الطويلة بكفها الأيمن وتبدأ فى دعاء طويل لا ينقطع حتى تغيب السيارة الأخيرة علي ناظريها.

ثم دمعت عيناها وطفرت منهما دمعتان ثم إستدارت نحو باب بيتها تدفع الأطفال أمامها وتغلق الباب.

كان غريباً جداً أن أراها تبكى وكأننى نسيت أنها أم ، وكأننى نسيت أننى قد بكيت أكثر منها أثناءالمشهد المهيب لتجهيز الوفد وتحركه.

كنت أتحرك بعد ذهابها نحو سيارتنا المنتظرة فى مكان بعيد، حامداً الله أنها لم ترانى متخلفاً عن الركب الذى مضى، وإلا نالتنى من عصاها ضربة على الرأس أو الظهر. وكنت أظن أن علاقتي القديمة بالأسرة والمنطقة ما كانت لتعفينى من عقوبة التقصير فى مرافقه الرجال إلى الجهاد، فالأم الكبيرة لاتحابى أحداً فى الحق مهما كان.

 

الأم مع جثة إبنها الشهيد :

دخلت الأم على كرسيها المتحرك إلي غرفة داخل البيت حيث كان إبنها إسماعيل يغسل ويُكَفَّن . فأشرفت بنفسها علي ذلك رغم أنها فعليا فى حاله إحتضار. وبعد أن فرغت من مهمتها أشرفت على إخراج جثه إبنها ووضعها فى غرفة واسعة حتى يراه الأقارب وأفراد الأسرة في وداع أخير.

خرج إسماعيل متكفناً بالبياض وقد كشفوا وجهه الأبيض وقد إزداد تألقاً وإشراقاً، حتى بهر أعين مودعيه وهى سمة الشهداء، و كأنهم يطمئنون من خلفهم أنهم أسعد حالاً بالشهادة والرحيل، منهم بالبقاء مع الأطفال والأهل.لقد أحاطوا وجهه بالورود والأزهار كما هى العادة. ودخل أطفاله الخمسة وزوجته لوداعه قبل أن يتوافد الرجال والنساء.

وجلست الأم الكبيرة علي كرسيها المتحرك قريباً من باب الغرفة وهى متصلبة الجسد جامدة الملامح حتى جاءت زوجتى ووقفت إلي جانبها، فنادت عليها الأم الكبيرة بدون أن تنظر نحوها( وفا..وفا) فأقتربت منها زوجتى وإحتضنتها، فمالت الأم الكبيرة برأسها على كتف زوجتى وإنتحبت بشدة .

فجاء أبناؤها ورجوها أن تسكت حتى لا يفلت زمام النساء وينطلق النواح فإستجابت لهم. وكان حقانى وإخواه إبراهيم وخليل يكافحون بشده لمنع النساء من الندب والنواح، وإستعانا بزوجتى ،كقوة طوارئ، لتهدئة النساء اللآتى يبكين حزناً أو مجاملة ومراعاة للتقاليد.

كان منظر زوجتى يثير الأسى ويدفع إلى البكاء، فالدمع يهطل من مقلتيها كأمطار الشتاء. فجروحها لم تندمل وقبر أبنها خالد يقع على بعد أمتار منها، والأحزان الجديدة من حولها أهاجت أحزاناً لم تنطفئ نيرانها بعد.

لقد طحنها الإرهاق والحزن معا حتى صارت تتحرك مثل آلة محطمة تقطع أمتارها الأخيرة نحو الإستيداع بعد رحله شاقه مهلكة. ومع ذلك نجَحَت بشكل باهر في كبح جِماح النادبات وهو أمر يستحيل حتى على مؤسسة دولية. والغريب أن يحدث ذلك وهى لا تتكلم لغتهم بل تخاطبهم بمزيج من لغات متعددة إضافة إلى أصوات إبتكرتها لتؤدى معانى مجهولة حتى لديها. ولم تستطيع هى أن تفسر لى سرّ نجاحها فى مهمتها المستحيلة، والأرجح عندى أنها بِلُغَتِها المبهمة تلك ، ودموعها المنهمرة بغزارة خارج السيطرة البشرية ، مع صوتها المنهك المتهدج قد أثارت شفقتهم، وربما خوفهم أيضاً، فشعروا أنهم أمام مأساة مجسمة أنستهم المصيبة التى جاءوا للنواح عليها، فلاذوا بالصمت الرهيب.

بعد دفن إسماعيل إستمر المأتم فى البيت عدة أيام كانت كلها طوارئ بالنسبه لزوجتى التى أدت نسبياً جزءاً من مهام (الأم الكبرة) التى أقعدها السرطان على كرسى متحرك ويكاد أن يطيح بها خارج حلبة الحياة.

ولكنها لم تكن فى صلابة (الأم الكبيرة) فسقطت مغشياً عليها فاقدة الوعي عدة ساعات، حتى ظنوا أنها على وشك الموت. وكنت وقتها فى الجبهة في إعدادنا الطويل الشاق لمشروع المطار. فطلبوا لها طبيبة من المدينة ولكنهم لم يجدوا ، فأضطروا إلى الإستعانة بطبيب عربى صديق لي ، يعمل فى مستشفي ميرانشاه. فأسعفها بالحقن والأدوية حتى أفاقت ثم نقلوها إلي منزلنا بأمر الطبيب حتى تخلد إلى الراحة التامة. ولكن ذلك لم يتحقق إذ ظلت تلازم الأم الكبيرة يومياً لمواساتها ورعايتها.

 

وفى صباح يوم 29 أغسطس :

جاءت سيارة من بيت حقانى، مع أحد أبنائه الصغار ليستدعى(وفا) على عجل لأن (الأم الكبيرة) تحتضر وتريد رؤيتها.

فذهبت زوجتى مسرعة إلى هناك وذهبت إلى غرفة (الأم الكبيرة) وفتحت الباب فوجدت النساء والبنات الصغيرات متحلقات حول سرير وقد تمددت فوقه (الأم الكبيرة) وهى مغطاة بملاءة بيضاء، ورأسها نحو الباب بحيث لا ترى الداخل والخارج من الغرفة، وما أن فتحت زوجتى الباب حتى نادت (الأم الكبيرة) عليها قائلة : ( وفا.. وفا).

فذهبت زوجتى إليها وإحتضنتها وقبلتها فوق جبينها وأخذت نسخة من القرآن الكريم كى تنضم إلى النساء والبنات فى تلاوة سورة(يس).

فى كل مرة كانت الأم الكبيرة تشعر بقدوم زوجتى إليها قبل أن تراها، فتنادى عليها . وكان ذلك غريباً على النساء من حولها فى بدايه الأمر، ولكنهن إعتدن على ذلك فيما بعد. لقد كان بينهما حب كبير وتعلق شديد . لقد كان الموت ينتزع من(وفا) أمها الثانية، وينتزع من (الأم الكبيرة) أحب بناتها إليها.

كانت النساء فى الغرفة تدوى بسورة “يـس” كدوى النحل، إلى أن إستأذن حقانى في الدخول لرؤية أمه، فهيأن له المكان وتسترن بملاءاتهن، فوقف إلى جانب سريرها بقامته النحيلة الفارهه ووجهه الباسم المنهك وعينه التي يلمع فيها الدمع المتجمد، وتبادل معها حديثاً خافتاً ثم ضحك عندما كلمته، ثم كلمها قليلاً ودعى لها ثم إنصرف.

لقد إخبرنى حقانى فيما بعد عن هذا الحديث الأخير بينهما، ومازال من وقتها محفوراً فى قلبى بسكين الألم، مثيراً في روحى إعجاباً ودهشة. قال لى حقانى:{ لقد وجدت أمى تبكى، فقلت لها مواسياً : يا أمى أتخافين الموت وهو علينا حق؟ تجلدى وأذكرى الله كثيراً وإستغفريه.

فردت عليه وهى تبكى:( يابنى أنا لا أبكى خوفاً من الموت فهو حق علينا، ولكننى أبكى لأننى كنت أتمنى أن أطمئن على مصير أفغانستان قبل أن أموت).

فَضَحِكْت لقولها، وقلت لها: إطمئنى يا أمى فالله لن يضيع جهادنا ودماء الشهداء، وإهتمى بنفسك الآن وأذكرى الله واستغفريه}.

لقد أدهشتنى تلك الأم وزادتنى ثقه بالنصر في معركة أفغانستان، بل ثقة في مصير الإسلام فى أفغانستان ، وأن تلك الأرض وشعبها سيظلان قلعة إسلامية فى سقف العالم إلى قيام الساعة.

فالإسلام فى مأمن فى مثل تلك الأرض التى تنبت فيها نساء من أمثال هذه (الأم الكبيرة) التى تستطيع أن تقدم للإسلام رجالاً أمثال حقانى وإسماعيل وإبراهيم وخليل ، رجالاً يَعْدِلُون العالم كله إيماناً وشجاعة وإقداماً.

هذا المزيج الرائع من البشر والإيمان والأرض يجعل أفغانستان دوماً فى ذروة الإنسانية، والمحضن الأقوى للإسلام على ظهر الأرض وفوق سقف العالم.

 

30 أغسطس 1990 :

مع ظلام ليلة أمس أعادوا زوجتى الى البيت كى تستريح ، ولكنهم إستدعوها مرة أخرى فى الصباح الباكر لحضور جنازة(الأم الكبيرة) التى تُوفّيت أثناء الليل.

فى بيت العائلة الكبير إستمرت ( وفا) فى أداء دورها الذى إستمر لأيام طويلة من الحزن، كقوة “إطفاء”لإخماد محاولات النواح أو الندب. ولم تواجه هذه المرة صعوبات كبيرة، فقد إنهَدَّت النساء من كثرة البكاء وعَمَّ الرجال والنساء شعور متجدد باليتم بعد فقد (الأم الكبيرة).

حتى الأطفال توقفوا عن شقاواتهم المعتادة، وقد إتسعت حدقات أعينهم البريئة وهم غير مصدقين أنهم فقدوا (الأم الكبيرة)، التى لم تكن لتسهوا عن رعايتهم حتى لو سهت الأمهات وسهي الآباء أو تشاغلوا.

حتى مواكب الحرب التى تحركت بعد ذلك من الساحة الصحراوية المواجهه لبيوت المهاجرين، إفتقدت الروح والحماس وبدت كمواكب جنائزية أو هكذا كنت أراها. وأظن أنها كانت كذلك فى أعين الرجال الآخرين بعد أن فقدوا(الأم الكبيرة) التى كان تشرف على تلك المواكب وتودعها.

وسألت نفسى هل يمكن أن تكون تلك المخلوقة الضعيفة بجسدها النحيل وأكفها المعروقة، وليس  لها من سلاح سوى مسبحة طويلة فى يدها اليمنى، وعصى قصيرة فى يدها اليسرى أن تعطى الشجاعة والأمل لكل هؤلاء الرجال الأقوياء المدججين بأدوات الحرب والصراع. من أين تستمد هذه المرأة الضعيفة قوتها؟ وكيف تفيض بها على هذا الجمع الكبيرمن الرجال الأقوياء الخشنين المتلاعبين بأسلحة الموت كما تلهوا الأطفال بالدمى الخشبية؟. ولكنهم مع ذلك متعلقين بذلك المخلق الضعيف كى يمنحهم الدعاء والبركة والأمل فى النصرعلى الأعداء.

ولماذا أشعر أنا أيضاً باليتم مرة أخرى وبعد أن تعديت الخامسة والأربعين . وأرى ساحة المجد هذه ، التى إنطلقت منها عشرات الحملات المسلحة قد تحولت إلى ما يشبه المقبرة الواسعة التي تنتظر الجثث، وأن المواكب التى كانت تهز مشاعرى سابقاً أصبحت فى نظرى باردة لا معنى لها وعملاً روتينياً لا تبهجه الحياة كما لا يفجعة الموت فأصبح كلاهما سواءً بسواء.

بلغ الحزن بحقانى مبْلَغاً كبيرا بوفاة شقيقة إسماعيل . وقال لى قبل فتح خوست ، الذى كان يدخر إسماعيل لأجله ، أنه رأى فى منامه شقيقة إسماعيل مبتسما سعيدا بينما هو يبكى ويقول له : ( لماذا تركتنى الآن .. لقد كنت محتاجا إليك ).

لقد تجددت فى نفسى بوفاة إسماعيل ووالدته فى غضون أيام قليلة، أحزان لم يمض عليها سوى عامان، فمنذ عام واحد فقدتُ ثلاثة من أحب وأهم شخصيات حياتى، وهُمْ صديقى عبدالرحمن، ثم تلاه أبنى خالد، ثم لحقه الصديق والأخ عبد المنان القائد الكوتشى ، المؤنس فى الملمات الجسام.

ولكن رحمة الله تداركتنى كما تداركت حقانى وإخوته وآلاف المجاهدين ، فتتالت الإنتصارات المهمة فى هذا العام،حتى توجها فتح مدينة خوست بعد ذلك بأقل حوالي سته أشهر . ثم فتح كابل وسقوط النظام الشيوعى بعد عام و نصف.

رحم الله “الأم الكبيرة”، و حفظ ذكراها، رمزا لجذوة الإيمان والجهاد فى أفغانستان .. والتى لاتنطفئ أبدا .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

26-08-2020

 

 

فى ذكرى الأم الكبيرة والدة المجاهد العظيم "جلال الدين حقانى" رحمه الله

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 24

حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 174) | ذو الحجة ١٤٤١ھ – أغسطس ٢٠٢٠م .  

01-08-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (24)

معارك جبل تورغار
– تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة. لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر  مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية.

– ساد الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك جهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

– انفجر الصاروخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول حقاني إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد .

– هل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم

 منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الأحد : 14 يناير 1990 ــ  16 جماد الثاني 1410هـ .

في رحلتنا إلى باري رافقنا الصديق عثمان الصعيدي، وهو شاب شهم فارع الطــول قضى سنوات عديدة في جهاد أفغانستان.

كان مركز القيادة مزدحماً، فقد توجهنا إلى (جبل الترصد) وهو جبل مرتفع على الحافة الجنوبيه الغربية لوادي خوست، يتخذه حقاني كموقع للقيادة في بعض الأوقات . وأقام فيه  مركزاً ثابتاً للاتصالات اللاسلكية، ومنه يتم التصنت على مكالمات العدو اللاسلكية في المدينة، وعلى مكالمات الطيارين أيضاً. وكان ذلك عملاً عظيم النفع، استفدنا منه في عمليتنا ضــد المطار بعد ذلك بعدة أشهر. ومن ناحية صحفية أيضاً كان ذلك المركز مصدراً فريـداً  للمعلومات خاصة التفاصيل الدقيقة لمحادثات صانعي القرار. وكان مسئولا اللاسلكي في الموقع هما “عبد العزيز” وهو ضابط سابق قوي البنية، هادئ  ولامع الذكاء. والآخر “فضل” وهو شاب من المجاهدين يتمتع بنفس مزايا صاحبه فيما عدا قوته الجسمانية، ولكنه يعوض ذلك بسعة الحيلة والدهاء.

كلاهما قدم خدمات جليلة للمجاهدين ثم لنا أيضاً أثناء عملية المطار. وفي الواقع فإن زياراتي للجبهة واحتكاكي القريب بالعمل هناك خلال الأشهر السبعة الأولى  من هذا العام أفادني بشكل كبير جداً في فهم أسلوب عمل المجاهدين وتفكير قياداتهم، خاصة حقاني، والإمكانات المتوفره لديهم. وأن أفهم بشكل أدق أسلوب وإمكانات العدو.

وقد مكني ذلك من كتابة عدد من الدراسات العسكرية حول تلك الموضوعات، كما أفادني في ترتيب وقيادة عمليتنا الأولى ضد المطار، ثم عمليتنا التالية أثناء فتح المدينــة في العام التالي (1991).

قص علينا عبد العزيز أحداث جيدة حدثت ليلة الأمس (بعد نكسات تورغار وإسماعيل خيل). قصف أحد مدافع المجاهدين مدرج المطار فأصاب طائرة كانت قد هبطت للتو فاشتعلت بـها النيران. وكان في الجو طائرتي نقل تحاولان الهبوط وشاهدتا الحدث، فطلبت منهما القيـادة الأرضية في المدينة الهبوط لنقل طاقم الطائرة المحترقة إلى كابل. فرد أحد الطيارين بأنه لا يمتلك أوامر بالهبوط كما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بلا حماية كافية. ولكن الطيار الآخــر هبط بطائرته ولم يكد يفعل حتى أصابته قذيفة هو الآخر، فاستنجدت القيادة الأرضية بالطيـارالثالث أن يهبط، فرد قائلاً: آسف لن أهبط . وكان آخر ما التقطه عبد العزيز هو قول القيادة الأرضية: سنحاول إصلاح الطائرة. في الرابعة عصراً جاءني حاجي إبراهيم راكضاً وهو يقول بلهفة إحضر فوراً هناك طائـرة سوف تهبط في المطار، كنت جالساً مع عثمان نراقب المدينة بالمنظار، ونتحدث في أمورشتي.

جرينا صوب عبد العزيز الذي كان يتابع المحادثات اللاسلكية بين الطيار والمدينة، بينما إبراهيم يترجم لنا. كانت طائرة عسكرية قد أصابها عطب وطلب الطيار إذناً بأن يقفز منـها بالمظلة، ولكن قيادة المدينة طلبت منه الهبوط في المطار. ويبدو أن تردد الطيار كان راجعاً إلي خوفه من مدفعية المجاهدين، ولكنه هبط أخيراً مستعيناً بمظلة خلفية لتهدئة سرعة الطائرة فوق المدرج. أخذ عبد العزيز يستنجد برامي المدفع “محمد بوستان الكوتشي” الذي أصاب طائرتين بالأمس فوق المدرج.ولكن ذلك استغرق وقتاً، وكم كان مثيراً عندما أخذت عده أجهزة لاسلكي تصيح بالرامي (بوستان) كي يقصف الطائرة الواقفة في منتصف المدرج تماماً.كانت شامخة قوية بعكس  طائرات النقل، التي تعود المجاهدين ضربها في المطار.كانت قاصفة مقاتلة مـن طراز(سوخوي ـ 7) وهو طراز قديم. بعد فترة انتظار مثيرة، وكان بوستان قد أغلق مخابرته فذهب إليه بعض المجاهدين لتنبيهه إلى ما يحدث على مدرج المطار، فبدأ العمل بينما عبد العزيز يصحح له الرمايات. وقد سقطـت عدة قذائف على مسافة غير بعيدة ولكن الطيار تحرك إلى أقصى الطرف الشرقي من المدرج ثم اتجه قليلاً إلى الشمال حتى صار آمناً من قذائف (بوستان). بعد ذلك سرت إشاعة بأن سبب إتلاف الطائرة هو يعود إلى صاروخان “ستنجر” أطلقا عليـها دفعة واحدة فأصابها أحدهما. ولكن آخرون نفوا ذلك وعزوا ما حدث للطائرة بأنه عطـل فني، وذلك ما تأكدت منه بعد أكثر من عام بعد فتح المدينة وقد شاهدت الطائرة بنفسي وتفحصـتها وركبت في مقعد السائق، وكان جسم الطائرة مصاب ببعض الشظايا الصغيرة ، في الغالب من نتائج رمايات بوستان التي سقطت قريبة منها.

– وبعد الفتح تسببت تلك الطائرة في مصرع واحد من مجاهدي الكوتشي (البدو)، فقد انحشر إثنان منهما في قمرة القيادة وأخذا يعبثان في كل ما تصل اليه أيديهم من أشياء وفجأة انطلق مقعد السائق عالياً في السماء ومعه المجاهدان الفضوليان، وعند ارتطامهما بالأرض مـرة أخرى قتل أحدهما فوراً وأصيب الآخر إصابات بليغة. أما صاحبنا الكوتشي البطل (محمد بوستان) فقد أجريت معه حديثاً لمجلتنــا “منبع الجهاد” واكتشفت أنه من جماعة صديقنا القديم، الشهيد عبد المنان، وكان بوستان شاباً ، برغم شاربه الكث، غاية في الحياء والتواضع بعكس ما يوحي به مظهره من خشونة وقوة بأس. وقد استشهد رحمه الله بعد ذلك بعدة أشهر نتيجة رمايات مدفعية العدو، وذلك قرب مدخــل (بوري خيل).

ومازلت مندهشاً لتلك البراعة الكبيرة من جانب البدو الأفغان في اتقان العمل على المدفعيـة وصواريخ ستنجر رغم عدم تلقيهم لأي تعليم كان.  أثناء الليل أيقظنا الحرس من غرفتنا فوق الجبل كي يسوقون لنا البشري بأن طائرة نقل للعدو حاولت الهبوط في المطار فأصيبت بنيران المدفعية واحترقت وقتل من فيها. وبذا يكون عدد الطائرات المصابة خلال 24 ساعة هو أربع طائرات منها واحدة سوخوي. وفي تلك الليالي المقمرة والصافية يكثف العدو محاولاته لإنزال طائرات النقل في المطار، وفي الواقع إنه لا يواجه نفس المقاومة العنيفة دائماً لذا فعنده احتمال للربح مع المجازفة. وقد ربح أحياناً كثيرة عندما كان يختار الوقت المناسب على حين غرة من المجاهدين وكان ذلك غالباً في الوقـت الواقع ما بين العاشرة ليلاً والصباح الباكر، وقد أفادتني تلك الملاحظات كثيراً فيما بعد.

 

 

الإثنين 15 يناير 1990 ـ17 جمادي الثاني 1410 هـ : 

وصل إلى معسكر القيادة في باري، والمسمى مركز خليل، وصل عدد من الجنود الفارين.

أحدهم كان فوق جبل تورغار، وأفاد بأن نتيجة قصف المجاهدين للجبل أمس قتل 9 أشخاص من بينهم 5 من الميليشيات وثلاثة من الضباط كما جرح تسعة آخرون. وهناك 6 جثث متناثرة على سفح الجبل لجنود الحكومة منهم فرد من الميليشيا ثيابه بيضاء لم تتمكن الحكومة من سحبهم.

– والذين يرتدون الثياب البيضاء من الميليشيات هم من سكان خوست والقبائل المحيطة بها ممن لهم عائلات بالمدنية. والثياب البيضاء تعني المباهاة والشجاعة والاستقرار في المنطقة، بعكس حالة الجندي الغريب القذر الخائف. ومن أخبار الأمس التي وصلتنا اليوم هو استشهاد أربعة مجاهدين في منطقة باري نتيجة لقنبلة طائرة سقطت فوق مغارتهم فانهارت عليهم.

– وقد مررت على تلك المغارة فيما بعد ولم تكن سوى حفرة واسعة في جرف ترابي غــير متماسك وقد سقطت القنبلة على سقفها مباشرة، وكان يمكن أن تنهار حتى بدون ذلك. و كنت مهتماً بالمغارات التي يحفرها المجاهدون من الناحية الهندسية ومن الناحية العسكرية، وقد  كان للمغارات دور رئيسي في عمليتنا ضد المطار، كما سنرى لاحقاً. وكما وفرت المغارات دفاعاً هاماً للغاية ضد غارات الطيران والقصف الصاروخي، فإن شبكة الطرق التي بناها المجاهدون في الجبال أكسبتهم مرونة كبيرة في الحركة ويسرت كثـيراًعمليات الإمداد والتموين لمقاتليهم.

في الصباح استطعنا الجلوس مع الشيخ حقاني، فقال إن المعارك قد بدأت منذ شهر ونصف (أي من ديسمبر الماضي) ولكنها اشتدت كثيراً في الأسبوع الأخير، وأنه من الأفضل لي أن أبقى حتى تنتهي المعارك. أما عن المجلة فسوف نطبعها في لاهور. ثم أخبرني أن اليوم سوف تبدأ معارك بهدف قطع الطريق بين خوست وجاجي ميدان في نقطتين لمنع عمليات التهريب القادم من باكستان. عدنا إلى نقطة الترصد، فشاهدنا نيراناً تنبعث من جبال جهة الشمال في مقابلنا، أخبرنــا عبد العزيز أن المجاهدين قد استولوا على عدة مراكز عسكرية “بوسـطات” في (ماشـغور) وأن الطيران تلقي أوامر بقصفها ولكنه اعتذر بأن هناك أمطار والرؤية غير واضحة. وأن الطيران تلقي أمراً بقصف الطريق بين لوجار وجرديز لتمهيد الطريـق لقوة عسكرية كي تمـر إلى جرديز. في الساعة الثانية والنصف ظهراً سقط إثنان من صواريخ سكود، واحدة خلف جبل تورغـار”حيث تتوقع الحكومة وجود تحشدات للمجاهدين هناك”، والأخرى طرف نـادر شـاه كوت، الأتربة والدخان المتصاعد من انفجار تلك الصواريخ يكون مهيباً ويرتفع في الجو مئات الأمتار في شكل عش الغراب كما يحدث في الانفجار النووي، كما أن فرقعات انفجارها هي الأضخم بين باقي القنابل والصواريخ. * أخبار أخرى من ماشغور، فالقتال الذي بدأ في السابعة صباحاً انتهى ظهراً بالاستيلاء على ثلاثة بوسطات، ومديرية (مركز إداري لمنطقة قروية) وأخذوا غنائم كثيرة جـداً من بينـها دبابتين، وقد أسروا جميع الجنود الذين فر منهم أربعة فقط. الحكومة قالت أنها خسرت كل الأسلحة التي في المواقع، وأنها استردت المواقع مرة أخـرى فيما بعد عدا المديرية، ولكن المجاهدين قالوا أنهم في كل المواقع التي أخذوها.

كانت قمة ماشغور هي الأعلى جهة الشمال كما هو جبل تورغار في الجنوب والمسافة بينهما من 30 إلى 35 كيلومتر في خط مستقيم يمر بمركز المدينة وسقوطه مع سقوط تورغار يعني كماشـة ضخمة من فكين في الشمال والجنوب، وهو مالم يحدت على أية حال حتى سقوط المدينة. وكتبت في مذكرتي وقتها إنه بسقوط ماشغور، وعند نجاح عمليات اليوم لقطع طريق التهريب من جاجي ميدان، وإذا سقُط تورغار يكون 70% من مهام فتح المدينة قد تم إنجازه .

لم أكن أعلم أن هناك عملية قريبة ضد تورغار بهدف الاستيلاء عليه، وكنا من وقت لآخـر نسمع صوت إطلاق نار كثيفة فوق تورغار وكنت أفسره بأنه نتيجة خوف الجنود وتوترهم، لكن الأغلب أنهم شاهدوا تحركات مريبة قريباً منهم فقد كان المجاهدون قبل كل هجوم يعملون خفية في نزع الألغام التي زرعتها قوات الحكومة وفتح طريق لهجماتهم القادمة. اليوم أيضاً التقط عبدالعزيز مخابرة من توغار إلى قيادة المدينة يهدّدهم فيها بالتسليم إذا لم تصله الإمدادات، فالأعصاب إذن متوترة، والإمدادات قليلة والإداريات مرتبكة، فهل حانـت ساعة السقوط؟. في الخامسة والنصف (عند الغروب) حدث اشتباك من مسافة قريبة فوق تورغار استخدمت فيه البنادق الآلية والرشاشات الثقيلة وصواريخ RBG هل هو هجوم حقيقي، أم عملية جس نبض يقوم بها المجاهدون؟ أم هو تحرك سريع من جانبهم بعد أن التقطوا رسالة تورغار إلى المدينة ويهدد فيها بالتسليم؟ وقبل أن أحصل على الإجابة سقط صاروخ سكود فيما بين جبل تورغار وجبل زرمانكي الواقع إلى غربه، وهو منطقة تجمع فعلية للمجاهدين، وتكثر فيها المغارات، وهناك مركز صديقنا”أبو الحارث”. واستخدام الحكومة لصواريخ سكود يعني أنها تواجه أزمة حقيقية. ولكن الخوف وتوتر الأعصاب يجعل بعض الأحداث العادية تظهر كأنها خطر حقيقي. لذا كان بعض استخدامهم لتلك الصواريخ  حمقاً وسفهاً. ولكن في أحيان أخرى كانت دقــة تصويبهم تثير الإعجاب. فعلى سبيل المثال فقد أصابوا مركز خليل في مدخل الشعب الضيق المؤدي إليه ثلاث مرات على الأقل بفارق أمتار قليلة في كل مرة ، تصادف في معظمها أن كان حقاني قد دخل لتوه إلى المعسكر !! فوجدت في العسير أن أفترض أنها مصادفة، ومن العسير أيضاً التشكيك في قدرتهم على الإصابه الدقيقة للغاية بتلك الصواريخ.

وما زالت أشك في أنهم  استخدموا ، أحياناً ، صواريخ موجهة مثل صواريخ كروز الأمريكية  وأن الأقمار الصناعية قامت بدور ما في الرصد والتوجيه.

 

الثلاثاء 16 يناير 1990 :

الاستيقاظ لصلاة الفجر في هذا الشتاء البارد وفوق هذا الجبل المرتفع تجربة صعبة، ولكنها لاتخلوا من جمال، خاصة إذا كان الجو غائماً والسحاب منخفض بحيث يضع الجبل ومن فيـه وسط غلالة رقيقة ساحرة الجمال من الأبخره الباردة المبللة. وتزداد النشوة بإمكانية التحرك الحر فوق الجبل فالعدو لن يرانا وبالتالي لاقصف ولا يحزنون. كنا في غرفة ضيقة مزدحمة بالفرش والأشخاص مع بخاري متهالك للتدفئة. الغرفة كلها تقريباً غائصة في بطن الجبل قريباً من خط الأفق. قطع الخشب المخصصة للبخاري تشغل حيزاً ملموساً من الغرفة، وبينه وبين السقف تعيش مجموعة من الفئران الصغيرة المـرحة، التي تقضي معظم ليلها في كر وفر بين النائمين بالغرفة. الزملاء في الغرفة تفرقوا مبكراً، وبقيت مع حاجي إبراهيم وعثمان الصعيدي لتناول إفطارالصباح المكون من الشاي الأخضر والخبز اليابس، وابتسم لنا الحظ بأن وجدنا بعض السكر عند عبد العزيز فتم لنا الاستمتاع بشاي الصباح الساخن في جو الصباح المتجمد.

صعدت مع عثمان لنلقي نظرة على المطار، كانت الطائرة السوخوي بلونها الفضي تقف قرب الأشجار في الطرف الشرقي في المطار، أما في الطرف الغربي فقد أحصيت سبعة طائرات مصابة ومحطمة، جميعها من طراز(AN-32) ذات المروحتين وبألوان عسكرية مبرقشه.

كتبت في مذكرتي بعدها: (بحيرة بجع بائس هذا هو مطار خوست بطائراته المحطمة). الجو مشرق أحياناً، والرمايات المدفعية متقطعة، حتى الحادية عشر صباحاً لم يظهر طيران العدو.

إذاعة كابول أذاعت اليوم بأن الإصلاح جاري في الطائرة السوخوي المعطلة في مطار خوست، وأنها مصابه بحوالي 23 شظية واحده منها في خزان الوقود. أبلغ عبد العزيز النبأ للمجاهد (محمد بوستان) الكوتشي الذي شرع في القصف مرة أخرى محاولاً إصابة الطائرة السوخوي. في نفس الوقت ظهر عمود من الدخان الأسود الكثيف تصاعد إلى الأعلى لمسافة كبيرة جداً، وكان ذلك من جهة الشرق، ربما بسبب عمليات إغلاق طريق جاجي ميدان. مرة أخرى تبادل إطلاق نار فوق ظهر تورغار في الساعة الثانية والنصف ظهراً ثم نقل إلينا عبد العزيز الخبر التالي: في الساعة الثالثة من صباح اليوم هاجم مجاهدي المنطقة الشمالية جبال ماشغور واستولوا على ثمان مواقع عسكرية ومواقع إدارية ومقر عسكري في ( باتشا زاده ) وأسروا عددا  كبيرا من الجنود وخمسة من أفراد الميليشيات، وتفاصيل الغنائم كثيرة جداً. وفقد المجاهدون سته شهداء واثني عشر جريحاً .وصلتنا صحيفة باكستانية، التي نقلت عن مصادر حكومية في كابل قولها :

{ أن رئيس الدائرة السياسية في وزارة الداخلية، الميجر جنرال أسد الله بيام يقوم بزيارة لمدينة خوست التي هي أسخن نقطه في البلاد الآن، وأنها تتعرض للهجوم الثاني عليها، فالهجوم الذي بدأ الخميس الماضي قد استؤنف يوم الإثنين وأن المجاهدين قد تكبدوا في تلك الهجمات 585 قتيلاً وجريحاً !! } .

ولم يتطرق المسئول الشيوعي إلى ذكر إصابة الطائرة السوخوي.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

الأربعاء 17 يناير 1990م :

الجو غائم ممطر طول الليل، وهكذا استقبلنا الصباح، إضافة إلى مفاجأة أخرى وهي أن السيارة التي تحمل الطعام إلى المركز لن تحضر لكونها معطلة. وهكذا لن نفطر وربما لن نتناول طعام الغداء أيضاً. لم يمنعنا ذلك من الاستمتاع بهذا الصباح المنعش، وبمتعة التجول فوق الجبل بدون الخشية من أن يكتشفنا العدو فنحن وهم لانكاد نرى لأبعد من أمتار قليلة، نتيجة السحب التي تلف المنطقة كلها. وكأن الجبال هي التي أصبحت تمر بين السحاب المثقل بقطرات الماء.

ونحن مازلنا أمام البخاري طلباً للتدفئة جاءنا حاجي إبراهيم بخبر غريب لكنه سار ومجهول المصدر، يقول الخبر أن الحداد أعلن في خوست لمدة ثلاثة أيام لمصرع ميجر جنرال عجب خان مزاري قائد (لواء سرحدي) والذي ظل يقاتل في المنطقة منذ ست سنوات، وأن 15 شخصاً آخر قد قتلوا معه والتفاصيل غير معلومة. لقد أدهشني ليس خبر مقتل عجب مزاري بل أدهشني أنه مازال حياً ويعمل في خوست أيضاً، لقد كان قائداً للحامية الحكومية فوق تورغار في وقت أن كنا نعمل في باري في أيامنا القديمة وحتى إستشهاد عبد الرحمن.

 

 

تورغار.. المحاولة الثانية

الخميس 18 يناير 1990 م :

بدأ الصباح بارداً كثيف السحب، وهذه بدورها تثاقلت حتى صارت تجر نفسها جراً فوق الجبال فضعفت الرؤية كثيراً.  المطر يتساقط ضعيفاً منعشاً لكنه كاف لتكوين أوحال تعرقل الحركة في الأماكن الترابية، ولكن الأسوأ هو أن ترتوي الملابس من ذلك المطر وفي مثل ذلك الطقس البارد مع شيء من الهواء يمكن أن يسقط المرء صريع الرجفة. ليس ذلك لمن يجلس مثلنا في هذا الصباح داخل الغرفة إلى جوار البخاري الذي احمرت أوداجه بالأخشاب المشتعلة داخله، ولكن بالنسبة للرجال الذين يتحركون الآن في ذلك الصباح المبكر من أجل الاستيلاء على أهم موقع عسكري في معركة خوست كلها: جبل تورغار.

همس لنا عبد العزيز أن اليوم يبدأ الهجوم على تورغار، استبشرت بالخبر واعتبرت أن طقس اليوم مناسباً تماماً لذلك العمل.  فطائرات العدو الأكثر إزعاجاً لن نسمع اليوم صوتها القبيح، والمجاهدون يمكنهم التقرب إلى بعد أمتار قليلة من خطوط العدو فوق الجبل قبل أن يكتشف تواجدهم. في الثامنة صباحاً بدأ المجاهدون قصفهم المدفعي ضد تورغار، ومدفعيات العدو في الوادي تقصف مواقع المجاهدين على غير هدى. الساعة الثامنة والنصف صعد الشيخ حقاني إلينا في نقطة الترصد وأخذ موقعه إلى جانب عبد العزيز ومساعده فضل وقد نصبوا عدداً من أجهزة اللاسلكي الكبيرة، وقد غطوها وغطوا أنفسهم بأغطية بلاستيكية، فرذاذ المطر ينهمر باستمرار.  حقاني وعدد من مساعديه يستخدمون عدداً من أجهزة اللاسلكي الصغيرة للاتصـال بالوحدات المختلفة. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حقاني عن قرب وهو يقود واحدة من العمليات الكبيرة . لقد تغير الوضع كثيراً عما كان عليه في عام 1981 وهي آخر مرة شاهدت فيها حقاني يقود عملية. وكانت ضد القلعة الحكومية في مدخل وادي ليجاه.

تسلحيه الشخصي يومها كان عبارة عن كلاكوف، وكان سلاحاً لا يحمله إلا الروس فقط ، وقد غنمه أثناء المعارك، وكان يحمل دوماً قاذف RBG، لمقاومة طائرات الهيلوكبتر.

ومازلت أذكره يوم دب الزعر والفوضى في معسكرنا بين شعاب ليجاه نتيجة ركوب الهيلوكبتر لموقعنا فقد صعد فوق الجبل القريب يتبعه حارسه الشخصي (علي جان) كي يطلق صواريخ RBG على الطائرات. كان الثبات تحت هجمات الهيلوكبتر أمراً عسير المنال وقتها، فقد كان لها تأثيراً كبيراً ورهبة، فلم يكن الناس قد تعودوا التعامل معها أو نجحوا في مقاومتها رغم وجود صواريخ (سام) بأعداد قليلة وقتها. لذا كان همّ حقاني وقتهــا بث الشجاعة والثبات في الرجال وتحطيم هيبة الهيلوكبتر ومقارعتها بالصواريخ  وقد نجح في ذلك إلى حد كبير.

في ذلك الوقت في ليجاه لم يكن في الموقع كله أي جهاز لاسلكي صغيراً كان أم كبيراً. وأيضاً معركة جاور كانت أحد أوجه ضعف المجاهدين فيها عدم وجود اتصالات لاسلكية بين المجموعات المختلفة.

ما أراها الآن شبكة اتصالات رائعة لها قدرة على ربط جميع الوحدات ببعضها وبالقيادة، وأيضاً القدرة على التصنت على اتصالات العدو الأرضية والجوية. كان الزحام شديداً في نقطه الترصد  والقيادة . فبالإضافة إلى الحرس الشخصي للشيخ حقاني ، هناك مجموعة أخرى مع سيارة خاصة لتنفيذ بعض المهام التي قد يكلفون بتنفيذها مثل متابعة أمر هام مفاجئ، أو إيصال بعض الأوامر بشكل مباشر بدون نشرها على الملأ في أجهزة المخابرة.

وزاد الزحام تطفل مجموعتنا (الصحفية) التي رافقني فيها عثمان الصعيدي وحاجي إبراهيم، وقد أخذنا نسجل معظم الاتصالات اللاسلكية. وكذلك فعلنا في عدد من المعارك التالية، ومازلت أحتفظ بتلك التسجيلات التي ربما صارت (تاريخية).

في فترة هدوء نسبي قال لي الشيخ: الرؤية غير جيدة بالنسبة للأسلحة الثقيلة والدبابات، ولكن الجو الممطر والضباب مفيد للمهاجمين فوق الجبل. كانت الملاحظة في محلها تماماً بل أن استمرار هذا الطقس قد حرم المهاجمين على الجبل من مساعدة الأسلحة الثقيلة، فكان عليهم أن يتعاملوا بمفردهم مع تحصينات قوية جداً لعدو مسلح حتى أذنيه، ومتفوق عددياً على المهاجمين، وتلك كانت مأساة ذلك اليوم الذي تمنيت أن يكون يوم الفتح.

الساعة 9.30 صباحاً الضباب يزداد كثافة والمطر مستمر، فهدأت الرمايات القليلة فوجدت فرصة لاستئناف الحديث مع حقاني، فسألته عن تأثير الاستيلاء على تورغار في مجرى معارك خوست فرد قائلاً:

هذا الجبل بالنسبة لهم مثل العين، يرصد تحركاتنا، ويوجه المدافع والطائرات ويضرب مواقعنا، فإذا أخذناه زال كل ذلك فيمكننا تقديم مدافعنا إلى الأمام وتحديد مواقعهم حول المطار وضربها، كما أن الرعب سوف يصبهم إذا استولينا على تورغار، فمن كثرة دعايتهم حوله وتبجحهم بإمكان صد المجاهدين عنه، جعل الناس عندهم من عسكريين ومدنيين يشعرون أن تواجدهم وحياتهم معلقة بهذا الجبل. ثم سألته عن سبب فشل عملية إسماعيل خيل الأسبوع الماضي  فذكر ثلاثة أسباب هي:

1ـ  عدم قيام الأحزاب المشاركة في العملية بالمهمام الموكلة لها.

2 ـ استشهاد وجرح قادة المجموعات الأربع التي تقوم بالهجوم. 

3 ـ انسحاب الدبابات (وكان عددها ثمانية) بدون أوامر، إثر إصابة قادة الهجوم.

وقال حقاني: إن الطائرات قد استخدمت مؤخراً قنابل ثقيلة جداً سقطت إحداها قرب دبابة فغطتها النيران.

وعن مصير عجب مزاري قال إن الأخبار غير مؤكدة ولكن مصادرنا في خوست تؤكد أنه قتل ولكن الحكومة تتكتم الأمر، كما أن مواقع ماشغور مازالت في أيدي المجاهدين.

قال حقاني بأن المجاهدين يتقدمون الآن في الطرف الغربي بجبل تورغار، بينما تقوم دبابة خليل في الوادي بقصف تحصينات العدو على تلك الحافة، ولكن العدو استفاد هو أيضاً من الظروف الجوية، ودفع بتعزيزات جديدة نحو الجبل، رغم كمائننا المتقدمة التي التفت  إلى خلف الجبل من جانبه الغربي وتقدمت إلى مسافة معينة، فلم تستطع تلك الكمائن أن تشاهد تعزيزات العدو أو تتصدى لها.

في الساعة العاشرة والخمسين دقيقه سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بعد عشر دقائق قرب جبل تورغار، ولكن لا إصابات، ولكن تكهرب الجو وساد التوتر عنـدما انقطعــت الاتصالات مع خليل (أخو حقاني) ودبابته في عمق الوادي الذي يقصـف بهـا من الخلف تحصينات تورغار، لذا كانت دبابة خليل تحت نيران كثيفة قاتلة.

الساعة 12.45: في غرفة عبد العزيز الضيقة شبه المظلمة جلسنا مع حقاني لتناول طعام الغداء، وكان قلقاً للغاية على أخيه خليل، لذا قطع تناول الطعام كي يتابع محاولة الاتصال.

الساعة 12.45 بدأت معركة بالرشاشات فوق سفح الجبل، الرمايات كثيـفة جـداً نسمعـها بوضوح. يقع مركزنا على بعد 4 كيلومتر غرب تورغار وإلى الجنوب قليلاً منه. للمجاهدين دبابه أخرى الآن تقصف، تحصينات الحافة الغربية بجبل تورغار ولكن من موقع على جبل زورمانكي الواقع غرب تورغار ومن إحدى هضابه منخفضة الارتفاع.

أثناء صعود المجاهدين نحو القمة يكون جزء من الطريق مكشوفاً لمدفعية العدو في الوادي، وقد ركز العدو رمايته على ذلك الجزء ولكن المجاهدين كانوا قد تجاوزوه والعدو غير منتبه نتيجة الغيوم والضباب الذي يلف الجبل وما حوله.

الزاحفون نحو القمة يشكون من رماية رشاش ثقيل لدى العدو ( زيكوياك) وأنه أوقف زحفهم ويطالبون من (فيروز) التدخل وإسكاته.

فأجابهم خليل بصوته، لقد بذلت غاية جهدي ورميت عليه كثيراً، فتقدموا أنتم وأسكتوه. كان المتكلم من فوق الجبل هو الدكتور نصرت الله قائد كتيبة سلمان الفارسي وهو يتحرك بساق واحدة منذ سنوات بعدما فقد الأخرى في أحد المعارك.

كان نصرت الله قد وصل إلى نقطة الذروة، فالباقي هو قفزة واحدة وأخيرة يكون بعدها مع  رجاله في خنادق الخط الأول للعدو والتي تحيط بقمة الجبل مثل السوار المحكم، وفي طرف الجبل تلك القمة المحصنة الرهيبة الشبيهة بغرفة ضخمة تخرج منها فوهات قاتلة لرشاشات ثقيلة، وقاذفات قنابل يدوية من النوع الشهير باسم (نارينجاك)، وهو سلاح غاية الفعالية في مثل تلك المواقف التي نشاهدها الآن، وكان ينقص المهاجمين امتلاك سلاح رائع من ذلك النوع.

تواصل الحوار لفترة بين نصرت الله (وفيروز) حتى بدأت رماية الرشاشات فوق الجبل تخفت فعمت الجميع مسحة من الحزن والألم. لقد وصل المهاجمون فوق الجبل إلى نهاية مغلق ولا يتسطيعون أداء قفزتهم الأخيرة التي لا تتعدى أمتار قليلة لا تزيد عن عشرة أمتار ولكنها تفصل بين النجاح والفشل، بين النصر والهزيمة ، بين فتح خوست في نهاية الأمر، أو البقاء في حلقة مفرغة قد تؤدي إلى هاوية لمسيرة جهاد استمر لأكثر من اثني عشر عاماً.

ساد نوع من الصمت الجنائزي فوق الجبل وما حوله وحتى جميع المواقع الأخرى هدأت هدأة الموت. وكان على حقاني أن يعالج ذلك الموقف الحرج، فأمسك بجهاز المخابرة كي يتوجه بخطاب عام لجميع الوحدات المقاتلة، وللجماعة المهاجمة فوق الجبل بشكل خاص.

وتكلم الشيخ بنبرة هادئة قوية فذكرهم بالله والاعتماد عليه وحده وعدم التعلق بالأسباب لأن النصر هو من عند الله وليس بالأسباب الظاهرية، وطالبهم بالإطمئنان إلى وعد الله والتوكل عليه.

وقال إنه لا بد من الاستمرار وإنهاء العمل هذا اليوم الذي قد لا نجد مثله فيما بعد فلا طائرات ولا مدافع تعمل ضدنا، ثم طلب من أفراد جميع المواقع أن يصلوا ركعتين لله ثم يدعــوه أن ينصر المجاهدين.

أنهى حقاني كلمته وتوجه إلى الصلاة وكذلك فعل كل من في الموقع ثم انهمـك الجميـع في الدعاء وأحياناً في البكاء.

الساعة 3.12 المجاهدون فوق الجبل يبدأون إطلاقاً شديداً للنيران الرشاشة مع قذائف مضادة للدروع . رشاش (زيكوياك) لدى العدو يصمت فجأة وأيضاً ينقطع الأتصال اللاسلكي مع المهاجمين تصورت وقتها أن الاقتحام قد تم وأنها الآن دقائق عصيبة فوق الجبل حيث لا وقت لأن يتحدث أحد مع أحد بغير زخات الرصاص.

المجاهدون يقصفون مراكز العدو في شيخ أمير لمنعه من التفكير في مهاجمة دبابة خليل من الخلف، وهو ما كان يخشاه حقاني ولأجل ذلك بث كمائن متقدمة للدفاع. حدث انفجار ضخم في مواقع العدو في شيخ أمير وحقاني يصيح مشجعاً المجاهدين ويبشرهم بالنصر.

عاد الاتصال اللاسلكي مع المهاجمين فوق الجبل وقالوا بأن عشرة من جنود العدو قد فروا إلى جانب المجاهدين فأمر حقاني بإرسالهم إلى الخلف. و فجأة تظهر طائرات الهيلوكبتر وتقصف وابلاً من الصواريخ على الحافة الغربيــة لجبـل تورغار حيث تتوقع وجود المجاهدين، فالرؤية مازلت متعذرة بسبب السحب والضبــاب ، هيلوكبتر آخر تأتي على ارتفاع منخفض من فوق مراكز العدو في شيخ أمير في أتجاه دبابة خليل، وتبدو أنها محاولة لتدمير الدبابة، لكن كمائن المجاهدين المتقدمة واجهتها بقذائف RPG فولت الطائرة بسرعة كبيرة وعلى ارتفاع منخفض للغاية، وهكذا تفعل طائرات الهيلوكبتر لتفادي الصواريخ المضادة للطائرات ولكنها بذلك تعرض نفسها لنيران الرشاشات والقذائف المضاده للدروع فيمكن إسقاطها إذا كان هناك أفراد يقظون وعلى استعداد للاشتباك. راجمات الصواريخ المعادية من طراز BM-41 تقصف مواقع المجاهدين حول تورغار.

– الساعة 3.56 رشاشات العدو الثقيلة والخفيفة فوق الجبل ترمي بلا انقطاع وجعلني ذلك متشككاً في أن الاقتحام لم يتم أو أنه فشل. كان الموقف غير واضح بالنسبة لي، فسألت الشيخ حقاني عن الموقف فوق الجبل فأخبرني بأن مقاومة العدو شديدة جداً.

سقط صاروخ سكود تلاه صاروخ آخر بفاصل ثوانِي قليلة، وعادت الهيلوكبتر تقصف الحافة الغربية لتورغار بوحشية بالغة.

– الساعة 4.45: صاروخ سكود آخر تلته غارة عنيفة بالهيلوكبتر، كأنها تستغل حالة الاضطراب التي تعقب إنفجار صاروخ سكود كي تنفذ مهمتها بأمان أكثر. الرشاشات الثقيلة فوق الجبل مازالت تعمل باتصال، وكذلك بنادق الكلاشنكوف.

– الساعة 5: الهيلوكبتر تواصل غاراتها، وربما تهبط خلف الجبل من جهـة المدينـة كي تنـقل الجرحى والقتلى. أصبح الجو مظلماً وجاء الخبر بأن الهجوم قد توقف، وأن هناك شهداء لم يذكر عددهم.

– الساعة 5.25: فوق تورغار إطلاق نار متواصل بجميع الأسلحة في حفل ابتهاج بفشل الهجوم عليهم، ونجاحهم مرة أخرى في الصمود أمام هجمات المجاهدين. لاشك أن ذلك يرفع معنويات العدو في خوست وكابل ويؤكد لهم قدرة النظام على الإمساك بالمــدن الهامة، وبالتالي يدعم الطرح الدولي بإقامة حكومة (شيوعية إسلامية) في كابل كي تخدم السوفييت وأمريكا معاً.

كتبت في مذكرتي تلك الكلمات: (يبدو أن العملية تحتاج إلى يوم آخر على الأقل ) مع إجراء بعض التعديلات مثل إعادة توزيع الدبابات لقصف مراكز العدو المتحصنة فوق الجبل، والطقس عامل هام، واستمراره ليوم آخر، بنفس الحال، سيكون معجزة لصالح المجاهدين. سألت حقاني عن استئناف الهجوم في الغد فأجاب قائلاً:( لاأعلم هل نستأنف الهجوم غداً أم بعد أيام ولابد أن نغير في الطريقة ونهجم من أكثر من طريق بعد أن نرفع الألغام، وأن نستخدم هاونات عيار120مليمتر لضرب مرابض الرشاشات الثقيلة، سوف نعيد النظر في البرنامج ).

بعد الغروب جلس الشيخ حقاني معنا في غرفة عبد العزيز لبعض الوقت وطلب مني النزول إلى مركز خليل لأن الجو هنا بارد. وبالفعل تجمعنا هناك في مغارة الضيافة وكانت دافئة،  وبعد العشاء بدأ أفراد وقادة ممن شاركوا في الهجوم يتوافدون لمقابلة حقاني وتقديم التقارير إليه. كان منهم من أصحابنا القدماء مولوي (أليف جول) والكومندان (شيرين جمال) الذي ظهر عليه الإرهاق وقد علته الأتربة حتى تغيرت ملامحه وقد أحضر معه جثث الشهداء وعددهم ثلاثة، مع أربعة من الجرحى منهم عربي واحد.

قال شيرين جمال بأن بعض أفراد العدو ظلوا يطلقون على المجاهدين نيران الرشاشات والقنابل اليدوية وقذائف RPG، فلم يستطع المجاهدين إتمام الاقتحام.

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

 

الجمعة 9 يناير 1990 م :

قضينا الليلة في غرفة أسفل الجبل، وفي الصباح صلينا الفجر خلف الشيخ نظام الدين. وجود البخاري في المسجد لم يفد في جعله دافئاً فالهواء المثلج يتسلل من الشقوق الواسعة في النوافذ التي أغلقت بكل ما تيسر من أقمشة وقطع بالاستيكية وأحجار.

ولإظهار نوع من الفخامة صنعت أرضية المسجد من الأسمنت، ولكنها في شتاء مثل هذا تصبح بارده مثل الجليد، حتي أن أكثرنا قد خلع رداءه (البتو) من فوق كتفيه ووضعه على الأرض تحت قدميه أثناء الصلاة حتى لا تتجمد أصابعه.

مصطفى اليمني وعدد من أفراد مجموعته التقوا بالشيخ حقاني صباحاً. ملامح البرنامج الجديد ذكرها لي حقاني عند لقائي معه فقال:

1ـ سنفتح طريق جديد للتقدم على تورغار وننظفها من الألغام.

2ـ ننوي مواصلة الضغط وعدم إعطاء العدو فرصة لالتقاط الأنفاس.

3ـ سنبدأ عمليات هجومية في ظروف يومين أو ثلاثه.

 قبل الظهر مرت طائرة فوق المركز ورمته بصاروخ جاء إلى الخلف قليلاً، ثم وصل (خليل الرحمن) ومعه أربعة أسرى من جنود الحكومة فجلست معهم وأخذت منهم بعض المعلومات عن أوضاع المدينة، سأذكر بعض ما ورد فيها بعد قليل.

جاء أبو الحارث وبعض الشباب من مجموعته فجلست معه حتى صلاة العصر نتحدث في معركة الأمس والبرامج المقبلة.

ثم صعدت على الجبل الذي يعلو المغارات ومشيت عليه منفرداً، أتذكر العالم القديم لأيامنا الذهبيه في تلك المنطقة. كان مركز خليل الذي هو الآن قلب المنطقة النابض، مجرد شعب مجهول ومهمل وقد تستخدمه إحدى المجموعات لأيام قليلة ثم تزهد فيه. وعلى بعد كيلومتر واحد جنوباً يوجد مركز منان الذي كان فيما مضى هو مركز الحيوية والقوة في كل جنوب خوست وجبالها. وعلى بعد عدة أمتار شمالاً كانت تقف فيما مضى إحدى الدبابات التي حطمها منان ورجاله في هجوم 1985 الذي وصلت فيه القوات الحكومية إلى مركز منان لأول وآخر مرة في طول مدة الحرب. وهذه الحفر البيضاء في سفح الجبـــل المواجه لنا شمالاً هي قنابل  مازلت أذكر متى ولماذا ضربتنا بها الطائرات عام 1987.

نظرت جهة مركز منان لأطالع الطريق المار بقربه قادماً من غلام خان، وأتذكر المشاهد الماضية وكنت غارقاً في تلك الذكريات الجميلة، ولا أعي كثيراً مما حولي. في تلك اللحظة، ظهرت أمام عيني كرة ضخمة من النيران الصفراء والحمراء، ثم دخان أسود يحيط بكرة اللهب، ثم يصعد ذلك كله بسرعة هائلة إلى الأعلى، بينما يتسع إلى الجانبين أيضاً بشكل كبير، كل ذلك وأنا لا أكاد أعي ماذا يحدث أمامي، وفجأة وصلني صوت انفجار رهيب ترددت أصداؤه بين الجبال والوديان، تحركت غريزياً وبلا وعي فجلست بسرعة خلف صخرة قريبة.

أفقت من تخيلاتي ومن دهشتي، وعادت حواسي إلى العمل، لقد كان ما رأيته هو صاروخ سكود لحظة ارتطامه بالأرض، وكان الصاروخ نزل على الطريق الذي تسلكه سيارات المجاهدين أو قريباً منه جداً.

وتذكرت أنني سمعت(علي جان) يتحدث على المخابرة وهو واقف إلى جانب سيارة حقاني المتأهب للرحيل ويخبر من على الطرف الآخر بأنهم على وشك الحركة، وأن شخصاً جاء راكضاً وتكلم عدة دقائق مع حقاني الجالس داخل سيارته، ثم انطلقت السيارة نحو ميرانشاه، وداخلني ما يشبه اليقين بأن تلك الدقائق كانت الفاصل بين الحياة والموت وأن حقاني كان هو المقصود بذلك الصارخ، إنه حادث طبق الأصل لما حدث في يوم الأحد 1/10/89 وقد سجلته في مذكرتي ورجعت إليه الآن وكان التطابق مدهشاً. إذن هما حادثان من نفس النوع وبنفس الطريقة، وهناك حادث ثالث عندما انفجر صاروخ سكود أيضاً في لحظة دخول حقاني إلى معسكر خليل عندما دخلت خلفه كرة من النيران والأحجار والدخان والأتربه لقد انفجر الصاوخ في المدخل تماماً بفارق ثواني عن دخول الرجل إلى المغارة. هذه ثلاثة حوادث ، أعتبرها محاولات اغتيال متعمدة، لصعوبة أن أصدق أن المصادفة يمكن أن تقع ثلاث مرات بأسلوب واحد أو متشابه.

وطرحت على نفسي عدة أسئلة محيرة ليس لها إلا إجابات لاتقل عجباً عن الحدث نفسه. فمثلاً:

كيف تتم مراقبه حقاني؟ هل يتم ذلك بمراقبة جهاز اللاسلكي الخاص به؟ أم هناك مركز تجسس في المنطقة يتابع حركة سيارته، أم هناك شخصاً في المجموعة القريبة منه يرســل معلومات مباشرة وفورية عن حركته؟..إلخ.

وأسئلة أخرى عن دقة إصابة صاروخ سكود. والمشهور عنه أنه غير دقيق ويستخدم فقط ضد الأهداف الكبيرة الثابتة. ولكن عدداً لا بأس به من الرمايات كانت في دقة غير عادية، وتم ذلك مرات متكررة بما ينفي عنصر المصادفة.

فهل أدخل الروس في تلك المرحلة صواريخ موجهة بعيدة المدى؟ خاصة وأنهم منذ سنوات قد استخدموا قذائف موجهة تطلقها الطائرات، بل شاهدنا منذ وقت قريب قصفاً جوياً على موقع المجاهدين قرب (شيخ أمير) قال الطيار أنه إستخدم فيه صواريخ موجهة، وقد التقــط عبد العزيز المخابرة.

ومن الثابت أن السوفييت بعد انسحابهم أبقوا على نوع من المشاركة النوعية في الحـرب، بعضها من داخل أفغانستان نفسها بواسطة عدة آلاف من الخبراء خاصة في شئون الصواريخ والطيران. وأشركوا طائرات من أحدث الأنواع التي مازالت في طور التجربة. وقد أعلنوا عن ذلك عند عرض طائراتهم الحديثه في أحد معارض الطيران في دبي في التسعينات.

وأظن أن بعض الغارات بالقنابل العنقودية، والتي شاهدتها في وادي خوست عامي 1990،1991 عند فتح المدينة قامت بها قاذفات استراتيجية روسية نظراً للحمولة غير العادية التي رمتهـا تـلك الطائرات بحيث غطت الغارة الواحده أكثر من 15 كيلومتر متواصلة من القنابل العنقودية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 174 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني : العالم الفقيه والمجاهد المجدد ( 24)




مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الأول )

 

فريضة الجهاد هى (ذروة سنام الإسلام )، لأنها تمثل وسيلة الدفاع الجماعى الذى تمارسه الأمة دفاعاً عن نفسها وعن حقوقها الدينية والمادية وحفاظا على حريتها ، ضد أى عدوان خارجى ، وضد أى إنحراف داخلى بممارسة ظلم شديد وإضهاد. إن القتال فى سبيل الله يشمل القتال لأجل حقوق المستضعفين كافة :{ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴿٧٥﴾ } – النساء.

– فأجتهد الطغاة من داخل الأمة وخارجها ، لطمس فريضة الجهاد ـ أو تضليلها لتأخذ غير مسارها الشرعى الصحيح . فاجتهدوا لمنعها تماما بشتى الذرائع . مثل أنها من أعمال العنف والإرهاب ـ مستفيدين فى ذلك من إنشاء جماعات إجرامية متهوسة يستخدمونها فى أعمال بشعة ينسبونها إلى الجهاد ، وذلك لتنفير الناس / مسلمين وغير مسلمين/ من الجهاد بل من الإسلام ذاته . ثم تشريع قوانين تجرم فعل الجهاد ، وينبرى مشايخ السلطة وعلماء السؤ لإطلاق فتاوى تطال الأصول الشرعية للجهاد وتبطله . وتمجد الظلم والظالمين سواء كانوا من الداخل أو من الخارج .

– بعد قرون متوالية من تجاهل الإسلام ، نسى الناس حقيقيته ، فهجروا الكثير من تكاليفه وأهمها الجهاد . والحكام إستخدموا ـ إسم الجهاد ـ لتوسيع سلطانهم على رعاياهم أو خارج الحدود ، إلى أراضى الجيران ـ حتى لو كانوا مسلمين أيضا.

– حرب فلسطين عام 1948 أوضحت شيئا عن مفهوم الجهاد ، وبدأت فى إيقاظ المشاعر الإسلامية الكامنة . لم تستمر الحرب طويلا، وسرعان ما خمدت ، ليظهر أنها كانت جزء من مسرحية لنقل ملكية فلسطين إلى اليهود كجزء من صفقة عالمية. وكان المجاهدون جزء من تمثيلة الحرب ، وضحية بريئة تخيَّلَت أن ما يحدث جهادا وليس مؤامرة على دينها ومقدساتها وبلادها .

– جاءت حرب أفغانستان ضد السوفييت واستمرت سنوات متتابعة وبعنف كبير، وسقط فيها آلاف الشهداء وكان العنصر الدينى فيها بارزا بل وحاسما . ومشاركة غير الأفغان كانت مشهودة وواضحة فأعطت للجهادة بعده كشعيرة تؤديها الأمة . وكانت المؤامرة على ذلك الجهاد واضحة . ولمس الشباب المجاهد أن ما يجرى هو أخطر وأعقد بكثير مما تخيلوه . وكانوا يفتقدون إلى الخبرة وإلى القيادة وإلى التنظيم . فابتلعتهم شباك العدو، وكانت قياداتهم غير مؤهلة لهذا الدور الذى تورطت فيه بالصدفة. وتأهيل الشباب وقادتهم، الفقهى والسياسى، لم يكن يمكنهم من أداء أكثر مما قاموا به بالفعل ــ أى بغال تحميل ــ تجاهد بكل حسن نية ولكن على غير بصيرة . فابتلعهم صراع دولى جبار لا يرحم، ولا يعطف على المغفلين بل يعتصرهم حتى آخر نقطة دم ، ثم يلفظهم إلى المقابر أو المعتقلات .

فيما يلى جزء من مقدمة كتاب ( 15 طلقة فى سبيل الله) عن تجربة العرب فى أفغانستان. أجعله منه مقدمة لما شرعت فى كتابته عن موضوعنا : (مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح)) :

كانت أفغانستان هي الحدث الأول على الساحة الدولية ـ وبالتالي الساحة الإسلامية ـ     وقرر الغرب بزعامة أمريكا أن يلعب بالورقة الإسلامية لإحراج منافسه السوفييتي . وأعطيت الأضواء الخضراء كي تنطلق أكبر حملة مساندة في العالم الإسلامي خلال هذا القرن لنصرة ـ الجهاد الأفغاني ـ بالأموال ، بدماء الشباب ، بالإعلام . وصارت أفغانستان قضية المسلمين الأولى .

وما أن أتم السوفييت إنسحابهم من أفغانستان ثم سقط النظام الشيوعي في كابل بعد ذلك بثلاث سنوات  تقريبا ، حتى إنقلبت الصورة رأسا على عقب وتبدلت المواقف والتحالفات . تحول الأعداء إلى أصدقاء ، والأصدقاء إلى أعداء ، وتحول المجاهد مجرماً مطارداً ، والمجرمون أصبحوا زعماء مسيطرين وزالت الإيديولوجيات وعم السلام تحت راية القطب الأوحد ولم  يتبق للعالم أجمع إلا عدو واحد هو  (الأصولية الإسلامية) !!. وجاءنا نظام (دولي جديد) يدافع عن حقوق الإنسان وحرية التجارة وينشر الديموقراطية، ولا يرى غير الإسلام عدوا لدودا يهدد طريقته المثلى, و يظهر في الأرض الفساد . أعلن ذلك النظام البشع عن ميلاده على أرض جزيرة العرب عندما وطأتها أرجل الجيوش النصرانية واليهودية ، في الحرب التي أسموها حرب تحرير الكويت. النصر الذي تحقق على أرض أفغانستان ضد الجيش الأحمر السوفييتي أدى إلى هيمنة أمريكية مطلقة  على العالم .

أما على الجانب الإسلامي فقد تحول إلى كارثة إسلامية شاملة ، في صورة حرب صليبية دولية ضد الإسلام  كان أول من دفع ثمنها هو الشعب الأفغاني نفسه الذي أوقدوا على أرضه حربا حزبية قومية تدمر أول ما تدمر آثار الجهاد بل آثار الإسلام في تلك البلاد ، التي شهدت أكبر نصر عسكري للمسلمين منذ عدة قرون . وأول من دفع ثمن النصر الإسلامي في أفغانستان ، هم هؤلاء المتطوعون العرب الذين نالوا النصيب الأوفى من الإضطهاد والملاحقة وتشويه السمعة ، سواء من الغرب أومن الحكومات الإسلامية, خاصة في باكستان, أو الحكومة الإسلامية في أفغانستان نفسها. وتلك أعظم المفارقات وأكثرها إيلاما.

ورغم تفوق تكنولوجيا السلاح في الغرب ، إلا أن حملاته الإعلامية أشد فعالية وتأثيرا من حملاته العسكرية . ومن الواضح أن المال  والإعلام هما السلاحان الرئيسيان في يد اليهود للسيطرة على الغرب ومن ثم العالم بأجمعه.  وقد تسلطت الآلة الإعلامية الدولية على رأس المتطوعين العرب في أفغانستان ، حتى صاروا أشد  فئات المجرمين الدوليين خطورة في نظر العامة وليس فقط الحكومات. لقد تشتت ذلك التجمع النادر المثال ولوحق  في أصقاع الأرض ، ومن تبقى حتى الآن في أفغانستان ـ لا يتعدى عدة عشرات ـ يعيش على خوف وتوجس من بوادر إنقلاب إفغانى ضدهم بتحريض أمريكي/ إسلامي  !!! ذلك المجهود الإعلامي الدولي ، والذي ساهم في جعل أفغانستان قضية العالم الأولى لأكثر من عشر سنوات ، أعمل معاول الهدم في الشعب الأفغاني نفسه وشوه صورته عالميا .

وهكذا فإن من  ساهموا في صنع ذلك النصر التاريخي الفريد على أرض أفغانستان قد تحولوا جميعا إلى مجرمين منبوذين على مستوى العالم أجمع  ـ يستوي في ذلك العرب والأفغان ـ بينما فازت أمريكا بصدارة العالم بلا منازع  وإلى حين إشعار آخر .

مصطفى حامد

معسكر الفاروق خوست

الأحد 7 أغسطس 1994م  

 

 

بين أفغانستان وفلسطين مع الشيخ عبدالله عزام .

وتستمر الصفحات الأولى من الكتاب المذكور على النحو التالى :

في البداية كنت أنظر حولي وأشعر بغصة ألا أجد أحدا من أبناء جيلي.  لذلك شعرت بالفرح عندما قابلت الشيخ عبد الله عزام لأول مرة في بيشاور في سبتمبر 1984م كان من نفس الجيل وإن كان أكبر مني بثلاث سنوات ، يومها شعرت أنني لست وحيدا . ولكن لسوء الحظ ، فإن اختلاف رؤيتنا للأحداث ومواقفنا منها أدى لأن تكون علاقتي معه فاترة ومتحفظة وإن سادها الإحترام المتبادل. هناك خيط مشترك يربط أبناء الجيل الواحد مع بعضهم البعض بسبب معايشتهم لنفس الظروف والأحداث . لهذا كان هناك قدرا مشتركا ـ لا بأس به ـ بيني وبين الشيخ عبد الله عزام تجاه قضية أفغانستان والموقف منها بشكل عام . وكان أكبر نقاط التنافر بين مواقفنا هو تقييم قادة الأحزاب الأفغانية ودورهم في القضية . فبينما مضى هو إلى أقصى حد في تمجيدهم خاصة الثلاثي: سياف ،حكمتيار،رباني، ذهبت أنا إلى الطرف المناقض تماماً .

–  كنت متفقا مع الشيخ عبد الله على أن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة أمام الأمة الإسلامية للدفاع عن دينها ومصالحها في مواجهة القوى المتكالبة عليها، وأن المعركة الرئيسية للمسلمين هي معركتهم مع اليهود والصليبية المتحالفة معهم .

وأن أفغانستان هي فرصة نادرة لمسيرة الجهاد التي ينبغي أن تستمر وتتصاعد وأن تكون أفغانستان هي المدرسة الكبرى للممارسة العملية على نطاق الأمة .

 

جيلنا كان وافر الحظ مع الحروب، فقد جاء جيلنا إلى الحياة مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وقبل أن يدرك ما حوله نشبت حرب 1948م بين اليهود والعرب وضاعت معظم فلسطين وظهرت إسرائيل كأبشع حقيقة سياسية في حياة العرب المعاصرين.

تلتها سلسلة من الإنقلابات في العالم العربي كرست عملية الإنتقال من التبعية للإستعمار البريطاني والفرنسي إلى التبعية الجديدة للإمبريالية الأمريكية. ثم حرب 1956م بين مصر من جانب وإسرائيل مدعومة بفرنسا وبريطانيا من جانب آخر . وفي عام 1967 كانت أبشع الهزائم العربية في التاريخ الحديث أمام إسرائيل وضاعت بقية فلسطين مع مساحات شاسعة من الأراضي المصرية والسورية .

وفي عام 1973م كانت حرب (التحريك) بين مصر وسورية من جانب وإسرائيل من الجانب الآخر وفعلا تحركت المنطقة نحو مسيرة طويلة  للتسوية السلمية مع إسرائيل لتنتهي بها إلى إستسلام كامل للهيمنة الإسرائيلية على كامل المنطقة العربية مع إعتراف بالقطب الأمريكي المسيطر الأوحد على الساحة الدولية. وفي أبريل 1978م كان الإنقلاب الشيوعي في أفغانستان تلاه الغزو السوفييتي في ديسمبر 1979م ، وبدأ نجم الجهاد في أفغانستان يبزغ على إستحياء حتى تلقفته الدوامة الدولية. ولمدة عشر سنوات كان الجهاد والمجاهدون في أفغانستان هم حديث الساعة عالمياً.

بدا لنا أن الفرصة سانحة وأن الراية التى رفعت فى جبال أفغانستان ينبغى أن تظل خفاقة حتى النصر وأن تواصل المسير فى الآفاق حتى تعود للمسلمين دولتهم وعزتهم.   هكذا كنا نحلم -وفي هذا الإتجاه حاولنا أن نعمل – أما النتائج فكانت شيئا آخراً .

كانت هناك عدة فروق بين الحرب في أفغانستان والحروب التي شهدتها المنطقة العربية مع إسرائيل . وهي فروق أدهشت الشعوب العربية وجعلت الإسلاميين فيها ينجذبون إليها . ـ لقد قام الأفغان ضد حكومة شيوعية مدعومة بقوة عظمى ومع ذلك لم يستسلموا بل تصاعدت مقاومتهم .

ـ رفع الأفغان شعار الجهاد فأجج ذلك مقاومتهم وأكسبهم تعاطف المسلمين في كل مكان . ولما كان جيلنا قد أدرك متأخرا أن الحروب العربية ـ الإسرائيلية إنما هي حروب من جانب واحد تواطأت فيها الحكومات العربية ـ التي لا تتولى السلطة إلا بموافقة ومساعدة القوى الغربية ـ وذلك لفرض الهزيمة على الشعوب العربية وتكريس سيادة إسرائيل على المنطقة .

لهذا صار لزاما على هذه الحكومات أيضا أن تعمل ضد الإسلام نفسه ، وتعمل على إضعافه أو إقتلاعه من المنطقة حتى يسهل إستقرار وسيطرة اليهود عليها . رغم صغر حجم إسرائيل وقلة سكانها من اليهود إلا أنها استطاعت أن تفرض إرادتها على دول المنطقة . وجيوشنا كانت سريعا ما تنهزم وتفر أمامهم في ميادين القتال وإذا قاتلت فلأيام معدودة يبدأ بعدها سيل من الإتفاقات وعهود السلام . والشعوب ضعفت عقيدتها وانهارت معنوياتها وأصبحت تقبل بأي شيء في مقابل إستمرارها في حياتها المهينة . ثم جاءت أفغانستان لتقدم صورة مناقضة تماما لتلك الصورة العربية الكئيبة . في أفغانستان شعب خشن ذو عزيمة وتصميم يقاتل لأجل الإسلام ، ويتحمل أهوالا  تعجز الجبال عن تحملها والأعجب أنه يحقق إنتصارات ضد أقوى جيوش الأرض : الجيش السوفييتي .

إنه الصورة المناقضة لحالنا ، والحلم الذي يراود المسلمين يتحقق أخيرا . لقد تخيلنا أن الأمل بدأ يتحقق ، ومن أفغانستان سوف تخرج جيوش الفتح الإسلامي.

لهذا جئت إلى أفغانستان ، وجاء غيري مئات وآلاف من الشباب ، لتبدأ ملحمة العرب في أفغانستان ، كواحدة من أغنى تجاربنا الإسلامية الحديثة.

عندما نشبت حرب فلسطين عام 1948 كان الجهاد مازال حيا في الذاكرة الشعبية للعرب ، وتبنته جزئيا وسائل الإعلام العربية في ذلك الوقت من خلال الأغاني والأناشيد الحماسية . وضع الإنجليز مخطط حرب فلسطين ، بهدف إخراج الهزيمة بشكل مسرحي ـ تشارك فيه  (حكومات الردة الوطنية) عن عمد ـ بهدف تحطيم معنويات الشعوب ودفعها تدريجيا للإستسلام لليهودية الدولية. وأعطى هذا المخطط ثمارا يانعة في السبعينات وحتى الإستسلام الكامل لليهود في التسعينات من هذا القرن .

لقد كانت حرب فلسطين عام 1948م تجربة غنية للعمل الإسلامي مليئة بالدروس والعبر. ولكن للأسف عندما خاض المسلمون في التجربة الأفغانية لم يستفيدوا من تلك الدروس  وكرروا الأخطاء ـ بل زادوا عليها ـ ثم تعرضوا لنفس النكسات والضربات الأليمة و بالطريقة نفسها تقريبا مع تحويرات تتناسب والتغيرات في الزمان والمكان والملابسات المحيطة .

لقد كانت بريطانيا هي القوة المهيمنة على كل الحكومات العربية والمحتلة لأكثر الدول العربية المحيطة بفلسطين ، ونفذت بريطانيا مخططها في فلسطين وفي الحرب الفلسطينية عام 1948م عبر الحكومات العربية التي دخلت الحرب بسبعة جيوش. وفي الحالة الأفغانية كانت أمريكا منذ عام 1981م هي القوة المهيمنة على الحرب الأفغانية , وتحركت مع مجموعة من الحكومات  خاصة الحكومة السعودية  والباكستانية. وكانت أدواتها على الساحة الأفغانية هي الأحزاب الأفغانية المسماة بالمنظمات الجهادية وعددها سبعة منظمات، وهو نفس عدد الجيوش التي دخلت حرب فلسطين تحت إمرة الجنرال جلوب باشا الإنجليزي.

وقد تحكمت المخابرات الأمريكية إلى درجة كبيرة بالعمل  القتالي في أفغانستان بواسطة جهاز المخابرات الباكستاني (ISI) والذى أنشأه ضياء الحق عام 1979م بهدف التدخل في أفغانستان التى تحولت إلى الشيوعية. في الحالتين دخلنا الحرب بقيادة جنرالات كفرة أو (أشباه مسلمين).

ومع هذا لم تستطيع الولايات المتحده أن تحكم سيطرتها على جهاد الشعب الأفغانى بنفس القدر الذى أحكمت به بريطانيا سيطرتها على الجيوش العربيه فى فلسطين. فالجيوش العربية الضعيفة التجهيز والمعنويات، والشعوب العربية المقهورة بحكومات مستبدة والبعيدة عن دينها، كان من السهل، ومازال، إيقاع الهزيمة بها وإرغامها على تجرعها حتى الثمالة، ثم القبول بالأمر الواقع. أما الشعب الأفغانى ذو الطبيعة القتالية، والتركيب القبلى، والمتمرس على القتال والمتعصب لدينه، فكان التحكم به صعبا، لذلك إستطاعت القوى الإسلامية المخلصة في أفغانستان رغم التعب الذي أصابها ، أن توقع الهزيمة بالسوفييت ثم أسقطت النظام الشيوعي في كابل.

كل ذلك رغماعن كل المحاولات الأمريكية للخروج بنتيجة لا غالب ولا مغلوب ثم تشكيل     حكومة علمانية تقود البلاد تحت نفوذ أمريكي سوفيتي مشترك . ـ كانت حرب فلسطين في حقيقتها هي (دعوة إلى وليمة الهزيمة).

بريطانيا هي صاحبة الدعوة والجيوش العربية السبعة هم ضيوف الشرف . فما هو دور المتطوعين المسلمين ؟ … ولماذا سمحت لهم بريطانيا بالمشاركة ؟

أولا : سمحت بريطانيا للإخوان المسلمين بالمشاركة العسكرية في فلسطين حتى يصبحوا شركاء في الهزيمة المنتظرة فلا يكون لهم فضل على الأنظمة ولا يزايدون عليها بإسم الإسلام .

ثانيا : إستطلاع عمق الشعور الجهادي داخل الجماعة وفي صفوف الشعوب العربية .

ثالثا : كشف العناصر الناشطة إسلاميا والفاعلة جهاديا وتقديمها إلى صفوف القتال للقضاء عليها . وقد كان المجاهدون من صفوف الإخوان يكلفون بأخطر المهام القتالية في ميدان القتال . ويعلم الإنجليز بخبرتهم العسكرية أن الإخوان كقوات فدائية سوف يصابون بأعلى الخسائر في لأرواح.وكان ذلك هو المطلوب .

رابعا : بعد إشراكهم في الهزيمة وتقديمهم قرابين بشرية لنيران اليهود ، تتكفل أجهزة الأمن المصرية ـ وغيرها ـ بتصفية الباقين في المعتقلات وعلى أعواد المشانق .فقبل قليل من إنتهاء الحرب صدرت الأوامر للجيش المصري بنزع سلاح كتائب الإخوان المسلمين.

فقام ضباط الجيش المصري بنزع سلاح زملائهم من وحدات الفدائيين المسلمين ، الذين قاتلوا إلى جانبهم وأنقذوهم من عشرات المآزق القاتلة ومن الهلاك في حصار الفالوجا وغيرها .

ثم وضع ضباط الجيش المصري زملائهم من كتائب الإخوان المسلمين في سجون الوحدات العسكرية حتى إستلمتهم السلطات المصرية ووضعتهم في معتقلات نائية بدون أن تسمح لهم حتى بالعودة إلى الوطن لزيارة عائلاتهم . أي من الجبهة إلى المعتقلات .

والغريب أن هؤلاء المتطوعين في فلسطين قد إستمر إعتقالهم وإضطهادهم حتى جاء الإنقلاب العسكري عام 1952م. (ثورة يوليو) فلفقت لهم القضايا وتم إعدام عدد منهم واعتقال آخرين تحت ظروف التعذيب الوحشي حتى قتلوا. ولم ينج منهم إلا أفراد قلائل فروا من  مصر قبل إعتقالات عام 1954م, ولم يتمكنوا من العودة إليها مرة أخرى رغم مرورعشرات السنين على حرب فلسطين. أما عناصر الإخوان الذين لم يشاركوا في القتال فقد سمح لهم السادات في بداية عهده بالعودة إلى مصر في إطار معين للحصول على لقب الرئيس المؤمن. وكان ذلك نصف الطريق المرسوم له من الغرب ، أما النصف الآخر فقد أنجزه بعد حرب أكتوبر 1973 م بحصوله على لقب بطل الحرب والسلام . عندئذ صار الطريق مفتوحاً أمامه لتوقيع إتفاقية الإستسلام مع إسرائيل بصفته الكاملة وهي: “الزعيم المؤمن بطل الحرب والسلام” .

أي أنه في حالتي الحرب 1948 والسلام 1977م كان الإسلاميون عرضة للإستغلال من جانب الغرب، وحكومات العلمانية الوطنية، في تنفيذ مخططاتهم ضد الإسلام في المنطقة العربية.

هذا ما حدث مع الإسلاميين في قضية فلسطين فماذا حدث معهم في قضية أفغانستان؟؟.

 

إن التشابه كان مدهشا بين الحالتين:       

لقد بدأ تسرب المجاهدين العرب إلى أفغانستان ، وكان هناك في البداية تضييقا على حركتهم نحو الحدود الأفغانية. وكان حكم الجنرال ضياء الحق في باكستان لا يرغب في تصعيد إجراءات منع العرب من النفاذ إلى أفغانستان من أجل الجهاد وذلك لأسباب داخلية كثيرة ، ولتحالفه في ذلك الوقت مع التيار الإسلامي في باكستان لمواجهة المد الشيوعي والعلماني المتحالف مع الهند وموسكو من أجل إسقاط نظام حكمه .

وقررت أمريكا مع زيادة تورطها في القضية الأفغانية أن تلعب بالورقة الإسلامية في مواجهة موسكو لإحراجها في كل العالم الإسلامي . وللإستفادة من دماء المسلمين المبذولة بسخاء في ميادين الجهاد وأموالهم المتدفقة لمساعدة المجاهدين كي تخوض أمريكا حلقة في إطار الحرب الباردة لا تكلفها شيئا تقريبا.

وقررت أمريكا أن تقوم الخزينة السعودية بتمويل الحرب في أفغانستان ، أما الدماء في المعارك فسوف يتسابق المجاهدون العرب والأفغان لبذلها في سبيل الله . أما أمريكا فدورها  التوجيه والتخطيط ثم جني الثمار ـ وحدها فقط ـ وإن إستدعى ذلك قتل شركائها. فقتلوا ضياءالحق ثم تميم العدناني ثم عبد الله عزام ثم دمروا التواجد الجهادي العربي في باكستان وأفغانستان بحملات بوليسية وإعلامية مركزة  .

 

والإشتراطات الأربعة التي وضعتها بريطانيا لمشاركة المجاهدين العرب في حرب فلسطين كانت هي نفسها الإشتراطات التي وضعتها أمريكا لاشتراك المجاهدين العرب في أفغانستان . ولنستعرضها مرة أخرى في الحالة  الأفغانية :

 

أولا :

تصورت أمريكا أن دعوة المتطوعين العرب للجهاد في أفغانستان هي دعوة على مائدة الهزيمة. لأن خيوط القيادة والتوجيه تنتهي إلى اليد الأمريكية والقرار الأمريكي ، ولأن اللاعبين الرئيسيين هم من الأتباع المخلصين إما لأمريكا مباشرة:  باكستان و السعودية ثم مصر.  أو أتباع مخلصون لأتباع آخرين مخلصين  مثل قادة المنظمات الجهادية الأفغانية , وكلهم تابع لهيئة الإستخبارات الباكستانية (آي،إس،آي). ويتلقى أوامره اليومية ومساعداته من أموال وأسلحة من أيدي موظفي الحكومة الباكستانية.

 ثانيا:

أرادت أمريكا أن تسبر غور التيار الإسلامي في المنطقة العربية بعد سنوات من الإنفراج النسبي في العلاقة معه ، وأن تكتشف عمق المشاعر الجهادية والناشطين جهاديا باعتبارهم أول خصومها في المنطقة وأكبر المخاطر على إسرائيل ومشروعها الشامل للسيطرة.

ثالثا :

أن القتال في أفغانستان لن يكون نزهة على أية حال ، والمتطوعون العرب المملوءون حماساً وغير المدربين وغير المنظمين لن يكونوا سوى فريسة سهلة للنيران السوفييتية. وهذه  أرخص السبل وأسرعها للقضاء عليهم قضاء إختيارياً لا يحرج أحدا من الحكومات . وعلى هذا الأساس سهلت الحكومات العربية خروج شبابها للجهاد في أفغانستان، وقدم بعضها تسهيلات كبيرة .

رابعاً :

إذا استطاع أحد من المتطوعين العرب أن ينجو من نيران الجيش الأحمر ، فإن جيوش المخابرات في أنظمة الردة سوف تتولى أمره  كالمعتاد . ويمكن تلخيص تلك الخطوات الأربعة بأربعة عناوين هي:

إستدراج ــ إستطلاع ــ إغتيال ــ تصفية . خطوات أربعة تكررت كما هي ضد المجاهدين العرب في فلسطين ثم في أفغانستان على أيدي نفس الفئات:  اليهود والصليبية والمرتدون . فكم من المرات سوف نلدغ من نفس الجحر؟ . دعنا نتأمل في بند التصفية لنرى مكوناته وكيفية تنفيذه في الحالتين :حرب فلسطين والحرب الأفغانية.

أ ـ لقد شملت التصفية في الحالة الفلسطينية في أول لحظة المقاتلين الإسلاميين ، وفور أن إنتهت الحرب، ولم يسمح لهم أن تطأ أقدامهم أرض الكنانة ، فقد إعتقلوا داخل الوحدات العسكرية العاملين معها .

ب ـ وبعد فاصل زمني قصير أصدرت الحكومة قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق مراكزها وإعتقال جميع المنتمين إليها .

جـ ـ ثم كانت الخطوة الأخيرة هي إغتيال قائد التنظيم ، الشيخ حسن البنا ، في أحد شوارع القاهرة أمام المقر الرئيسي للإخوان . وقد تمت الخطوات الثلاث خلال عدة أشهر. ومن المعلوم أن مشاورات مكثفة حول برنامج التصفية قد جرت بين الدول الثلاث: الولايات المتحدة ، بريطانيا ، فرنسا .

وبالطبع فإن إسرائيل والقوى اليهودية العالمية كانت هي الموجه الرئيسي لتلك الإجتماعات . إذن فأهداف التصفية ثلاث عناصر:

أ ـ المقاتلين    ب ـ التنظيم     ج ـ القائد

والقائمون على التصفية ثلاث فئات هم:

أ ـ اليهود  للتوجيه والتحريض.

ب ـ الصليبيون للتخطيط.

جـ – المرتدون  للتنفيذ والتمويل.

وقد يتعجب البعض من كون التمويل هو من نصيب المرتدين وليس الصليبيين أو اليهود. ولكن هذا ما حدث في الحالتين الفلسطينية والأفغانية . فميزانية الدولة المصرية تحملت تكاليف عملية تصفية الإخوان المسلمين عام 1948م  وما تلى ذلك من حملات. أما في الحالة الأفغانية فإن ميزانية الدولة السعودية قد تكلفت بسداد جميع الفواتير التي أمرت الولايات المتحدة الحكومة السعودية بسدادها.

ولننظر إلى برنامج تصفية المجاهدين العرب في أفغانستان لنرى أوجه التشابه والإختلاف     بين الحالتين .

أ ـ بدأت عملية التصفية بقتل الشيخ عبد الله عزام في بيشاور  نوفمبر 1989م  أي بعد إنسحاب الروس من أفغانستان بتسعة أشهر فقط . كان ضياء الحق قد اغتيل في أغسطس من نفس العام ، كما أغتيل مساعد الشيخ عبد الله عزام وهو تميم العدناني، أثناء علاجه فى أمريكا، قتلوه بالسم وظهرت الوفاة طبيعية  .

ب ـ أما تصفية المقاتلين والتجمع العربي في باكستان فكان من المفترض أن يعقب عملية إغتيال الشيخ عبد الله عزام مباشرة في صورة حملة إعتقال شاملة . ولكن حساسية وتعقيد الوضع السياسي في باكستان وأفغانستان والحرب الدائرة في أفغانستان جعلا العملية مستحيلة فأحجمت عنها حكومة باكستان ، ولم تتح الفرصة إلا بعد انتهاء الحرب الأفغانية فبدأت حملة شاملة ضد العرب في 5 /4/1993م أعقبتها حملات نفسية وبوليسية أسفرت عن نتائج ـ حتى وقت كتابة هذا الكتاب ـ هي :

– تصفية الجانب الأعظم من التواجد العربي الجهادي في أفغانستان ولم يتبق إلا أفراد قلائل مشتتون .

ـ تصفية التجمع العربي في بيشاور وتم إستبداله بمجموعات من الموظفين العرب العاملين مع هيئات الإغاثة العربية .

لقد سجنت الحكومة الباكستانية عشرات من المجاهدين العرب وأبعدتهم خارج البلاد ، وفرت عشرات الأسر العربية إلى الخارج وتم تلفيق عدة قضايا مخدرات لعدد من المجاهدين العرب. وتم البرنامج تحت رعاية مباشرة من السفير الأمريكي في باكستان مع لجان أمنية عربية و إسرائيلية .

 

برنامج التصفية في الحالة الأفغانية قد شارك فيه:

أ ـ إسرائيل والقوى اليهودية العالمية.

ب ـ الولايات المتحدة التي أصبحت القوة الأولى في العالم بعد هزيمة السوفييت في أفغانستان.

جـ ـ المرتدون وأهمهم الحكومة السعودية ، النظام المصري  ، الحكومة الباكستانية  كما شارك النظام التونسي والجزائري كقوى ثانوية تطالب برؤوس رعاياها في باكستان وأفغانستان. لقد تعهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بعد إنتصاره على العراق في مسرحيته الهزلية “حرب تحرير الكويت”, صرح بأن بلاده سوف تطارد “العرب الأفغان” ـ كما أسموهم ـ في صحاري العالم . إنها نفس السياسة ، فكما أن مجاهدي الإخوان في فلسطين دفعوا وما زالوا يدفعون الثمن حتى هذه اللحظة ، فإن المجاهدين العرب في أفغانستان العرب الأفغان سوف يطاردون في أقطار الأرض وليس في بلدانهم فقط .

وهناك أحداث تشير إلى أن عملية الملاحقة ضدهم فى العالم كله مستمرة. فأجهزة الإستخبارات في  أوروبا صرحت علانية أنها تراقب العرب الذين وفدوا إليها من باكستان بعد طردهم من هناك ، وأنها سوف تطارد المتطرفين منهم وتعتقلهم .

أما في البلاد العربية فالأمر لا يحتاج إلى تعليق فهناك حاليا قانون في مصر يتكفل بإعدام كل مصري جاهد في أفغانستان. ولم يتبق ملجأ لهؤلاء المجاهدين حاليا غير السودان واليمن .

وتعيش هاتان الدولتان في ظل حصار وتآمر دولي شديد ، فقد أشعلت أمريكا وحلفاؤها حربا أهلية في اليمن لتقسيمها ولكن خطتهم فشلت . أما السودان فيعيش في ظل حصار اقتصادي دولي خانق ، وحرب في الجنوب تمولها السعودية والصليبية الدولية .

إن مطاردة المجاهدين العرب ـ في فلسطين وأفغانستان ـ هو قرار لا يتقيد بمدة محددة . ورغم أن القانون الوضعي يسقط التهم بعد مرور فترة من الزمن ـ عشرون عاما ـ إلا أن مجاهدي فلسطين ما زالوا ممنوعين من دخول مصر حتى الآن ، رغم أنهم الأن تخطوا الخامسة والستين من العمر . ومنذ شهرين فقط سمحوا  لأحدهم أن يدخل مصر وهو في حالة احتضار كي يموت هناك بعد أيام من وصوله, وكانت حالة استثنائية نادرة . رأينا كيف أن الجهات التي تآمرت ضد المجاهدين العرب في فلسطين وأفغانستان هي نفس الجهات ، وأن مخططهم هو نفسه من حيث الجوهر . والعمل الإسلامي الجهادي كان واحدا من نفس الجوهر وهو خروج جماعات من شباب المسلمين لنصرة إخوانهم في الدين ، ولكن  خارج  الحدود الوطنية التي فرضتها عليهم الصليبية الدولية بعد إنهيار الدولة العثمانية آخر خلافة للمسلمين. ولقد جوبه هذا التحرك الإسلامي بقمع دولي.

لأنه من وجهة النظر الصليبية فإن العمل الإسلامي ينبغي أن يحترم الحدود الوطنية التي وضعها الصليبيون. وحتى إن أمكن ، ينبغي أن يكون للجهاد فهما وطنيا،فأطلقوا مصطلح “الجهاد الأفغاني” لإكساب الجهاد صبغة وطنية وذلك لأول مرة في تاريخ المسلمين.

والعجيب أن وسائل إعلام الجماعات الإسلامية إستخدمت المصطلح المشبوه كما هو . ولكن تدفق المتطوعين العرب قد أبطل المكيدة وأعطى الجهاد مفهومه الإسلامي الأممى الصحيح، كحرب عقائدية وليست حرباً وطنية .

والملاحظ أن المجاهدين العرب في أفغانستان لم يستفيدوا من دروس الجهاد في فلسطين، وأكثرهم لم يقرأ إلا قليلا عما حدث عام 1948 م. وبشكل عام فإن دراسة التاريخ وأخذ العبر منه ليست واردة عند هؤلاء الشباب . ومازالت تلك الثروة التاريخية الإسلامية  منذ عام 1948 وحتى الآن  لم توظف بعد في خدمة التحرك الإسلامي المعاصر وبالشكل المناسب . وفي بعض الجوانب كان واضحا أن العمل الجهادي العربي في أفغانستان أشد تخلفا بكثير من العمل الجهادي في فلسطين ، رغم الفارق الزمني الكبير بين الحدثين.

أما تكرار نفس الأخطاء فهو يدل على أننا قوم لا نقرأ، وإذا قرأنا فإننا لا نفهم، وإذا فهمنا فإننا لا نطبق ما فهمناه . لقد دخل المتطوعون العرب حرب فلسطين وهم في حالة تنظيمية رائعة ، خاصة إذا قورنت بحالة العرب في أفغانستان .

1 ـ  كانت القيادة الدينية والتنظيمية مركزة في يد الشيخ حسن البنا مؤسس ومرشد الجماعة . ولم تكن هناك أي مزاحمة أو شك في جدارته بمنصبه .

2 ـ  كانت الجماعة في وضع تنظيمي جيد ومحدد ، وتتمتع بقاعدة شعبية واسعة من الأنصار.

3 ـ كان للمجاهدين تنظيما منفردا وملحقا بالجماعة( النظام الخاص) وكان يتم إختيار أعضائه من أفضل شباب الإخوان إلتزاما وخلقا وقوة جسمانية .

 

وإذا قارنا تلك الصورة بمثيلتها في أفغانستان نجد أن: 

1 ـ كان الشيخ عبد الله عزام يؤدي وظيفتي التحريض والتجميع بالنسبة للشباب العربي . فمعظمهم قد أتى إلى أفغانستان نتيجة لخطب الشيخ البليغة والمؤثرة . واتجه هؤلاء صوب بيشاور للمشاركة في الجهاد .

2 ـ لم يسفر التجمع العربي في بيشاور عن أي كيان منظم  وكان الشكل الغالب لمهام التجمع الذي أحاط بالشيخ عبد الله عزام هو تقديم خدمات للجبهات في أفغانستان وتقديم المساعدات بشكل مباشر إلى هناك . إضافة لمشاريع وخدمات تعليمية وصحية في أنحاء متفرقة من أفغانستان .

ثم بدأت بالتدريج تظهر التجمعات القطرية للجنسيات العربية المختلفة وظهرت لها قيادات وأعقب ذلك سلسلة من الإنشقاقات في كل تجمع من هؤلاء. كان تنظيم هؤلاء الشباب العرب عملية مستحيلة ، فالإتجاهات الفكرية والفقهية متباينة أشد التباين ، وأفكارهم عن المستقبل الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية أشد تباينا وغموضا. وإذا أضفنا إلى ذلك الإختراقات الأمنية العميقة والكثيفة لهذه التجمعات أدركنا مدى المأساة التنظيمية التي عاشها المجاهدون العرب في أفغانستان ، وبالتالي محدودية تأثير الشيخ عبد الله عزام على هذا التجمع . وندرك كذلك ضعف تأثير هذا التجمع على أفغانستان وباكستان قياسا بالإمكانات الهائلة التي إمتلكها من العناصر البشرية والمالية .

3 ـ بينما كان المجاهدون من إخوان 1948م ، منتقون من أفضل عناصر التنظيم . كما أنهم تلقوا تدريبا في معسكرات الجيش المصري قبل التحرك نحو فلسطين ، فإن المجاهدين العرب في أفغانستان كانوا أبعد ما يكون عن أي نوع من أنواع الإنتقاء أو الإنتظام أو التدريب مع  إستثنائات قليلة للغاية. وبدأت برامجهم التدريبية تظهر بشيء من الجدية بعد عام 1987م .

كما بدأت بعض المجموعات تنظم نفسها ، خاصة الجماعات التي وفدت  من بلادها بغرض تدريب عناصرها ، وعملت أيضا على تجنيد مزيد من العناصر التي جاءت أفغانستان بدون إرتباطات تنظيمية سابقة. لقد شهدت بيشاور كثيرا من المعارك الكلامية والمهاترات والإتهامات والإنقسامات ، وتبادل الإشاعات وحروب المنشورات بين هذا الخليط المتنافر ، وكلما تقدم الوقت كانت تلك السلبيات تتضخم ، خاصة مع مجهودات هيئات الإستخبارات العربية العاملة وسط تلك الجماعات . وعندما جاءت النكبة لذلك التجمع في أبريل 1993م ، كان تعليق البعض أنها نعمة من الله، لأن تجمعاً بهذا الشكل إذا إستمر كان سيفرز كثيرا من المهازل والمصائب .

– وبالفعل عندما وصلت مأساة التجمع العربى فى بيشاور إلى ذروتها، ظهر تنظيم الخلافة الذي لجأ إلى الجبال في مناطق القبائل القريبة من بيشاور ، وأعلن تكفير كل من لم يبايع الخليفة وعين حكاما من طرفه في عدد من البلاد الإسلامية . وأرسل الخليفة فرمانا إلى سكان فلسطين يعلن أنه قادم لتحريرهم ويطالبهم بقطع شجر الغرقد حتى لا يختبئ خلفه اليهود .

وهدد عرب بيشاور بالقتل إن لم يبايعوا وأنه سوف يسبي نساءهم . ورغم أن القبائل قتلت مساعد الخليفة إلا أن حركته إنتقلت الآن إلى أفغانستان . هذا مثال لما كان يمكن أن يسفر عنه تجمع جهادي عشوائي بهذا الشكل تعبث به الأهواء وتنخر في عظامه أجهزة المخابرات الدولية والعربية.

(بعد ذلك بسنوات عاد الخليفه إلى بريطانيا التى يحمل جنسيتها بعد ما فشل مشروعه، وخذلته الأمة الإسلامية، فقد رفض الجميع مبايعته، من الأحزاب الأفغانية إلى القبائل إلى حركة طالبان إلي أسامه بن لادن ، فعاد إلى الدولة الأم .. بريطانيا التى لم توجه له أى تهمة ، حتى عن جرائم القتل التى إرتكبها فى عهد خلافته ) !!.

{ ملاحظة : ويمكن رصد نقاط التشابه بين تجربة الخلافة فى بيشاور وتجربة داعش فى العراق وسوريا. من نواحى كثيرة منها التدخل الإستخبارى . وعدم قدرة التجربة الجهادية الأصلية التى جاء إليها المتطوعون على تحقيق أحلامهم الهلامية . إضافة إلى المنطلقات السلفية والوهابية الغالبة على أوساط الجهاديين منذ حرب أفغانستان} .

 

 في التجربتين الفلسطينية والأفغانية كان للمجاهدين العرب أخطاء مشتركة من أهمها :

1 ـ وقوع المجاهدين فريسة مخططات الدول الصليبية الكبرى التي تمكنت من إستدراجهم إلى ساحات القتال وجعلوهم يعملون بها وفق شروطها، ثم إستولوا على نتاج قتالهم لصالح المخططات الصليبية في المنطقة . لقد نزل المجاهدون إلى ساحات قد خططها الصليبيون ووضعوا قواعد اللعب بها . كما إستولى الصليبيون على المفاتيح الرئيسية للعمل ، وتركوا للمسلمين مهمة الموت . وعندما جاءت ساعة الغنائم ـ في أفغانستان ـ ذهبت جميعها تقريبا إلى أيدي الصليبيين، ولم يجد المسلمون في أيديهم سوى الحرب الأهلية للأفغان  والمطارة والتشريد والتشويه للعرب.

2 ـ في الحالتين الفلسطينية والأفغانية كان التحرك الإسلامي الجهادي عاطفيا، لا يملك رؤية سياسية ولا إستراتيجية عمل جهادي متكامل .

3 ـ في الحالتين إنقطعت صلة المجاهدين بعد الحرب بالساحة التي قاتلوا عليها وإندمجوا في مسارات أخرى. وإنقطع تأثيرهم وتعاملهم مع الساحة التي دفنوا فيها إخوانا لهم .

فليس هناك أي برامج طويلة المدى لخدمة القضية الإسلامية  في تلك المناطق . وكأن الجهاد حادث عارض مبتور، أو فورة عاطفية سريعا ما تزول وتتلاشى  فلا منهج ولا خطة. وقد دفعت تلك الملاحظة بعض المتابعين إلى التشكك بأن قوى الغرب تمتلك القدرة على تحريك عواطف المسلمين متى شاءت كي يجاهدوا في الإتجاه الذي يخدم مصالح الغرب وفي التوقيت الذي يناسبه.

فحالات  الجهاد الأممی ـ وليس القطري ـ  وهما حالتى فلسطين ثم أفغانستان ثم البوسنة والهرسك منذ 1992م أي بنهاية الحرب الأفغانية وحتى كتابة هذه السطور، تثبت أن الغرب يمتلك هذه القدرة ، وهذا لا يطعن بأي حال في إخلاص المجاهدين وشجاعتهم وحسن نواياهم، ولكن ذلك كله لا يكفي بدون عقل يدبر ويخطط لاستثمار النتائج لصالح المسلمين أنفسهم وليس لصالح أعداء الإسلام.

4 ـ أخطأ الإخوان المسلمون عام 1948م في تقييم النظام المصري وحاول الشيخ حسن البنا أن يكسب الملك إلى صفة للعمل ضد الإنجليز.

وكان مجاهدوا الإخوان في فلسطين يعملون تحت إشراف مباشر من الجيش المصري  وكانت النتيجة أن الملك فاروق هو الذي أمر باغتيال الشيخ حسن البنا ، وأن الجيش المصري هو الذي ألقى القبض على مجاهدي الإخوان . وفي الحالة الأفغانية فإن الشيخ عبد الله عزام قد أحسن الظن في ضياء الحق ونظامه ، وأحسن الظن في نوايا الحكومة السعودية وموظفي إستخباراتها في باكستان، وظن الشيخ عزام ومعظم المتطوعين العرب أن أمريكا لا تستطيع أن تمد لهم يدا، وأن باكستان أعجز من أن تتصدى لهم . فماذا كانت النتيجة ؟ ،أغتيل الشيخ في بيشاور بأوامر أمريكية وأيدي باكستانية ومساعدة إستخباراتية سعودية . أما الشباب العربي فقد تعرض لحملات متلاحقة خلعتهم من المنطقة كلها ـ ولم تترك إلا قليلا من الصامدين حتى الآن، وكانت الإستخبارات السعودية هي صاحبة اليد الطولى في مراقبة الشباب العرب في أفغانستان ، الذين إعتمدوا إلى أكبر حد على تبرعات أهل الخير من السعودية.

وكانت تلك أكبر الثغرات التي دخل منها عملاء الحكومة السعودية. وكانت تلك المعلومات التى كدسوها ذات فائدة عظمى لباقي أجهزة المخابرات المتحالفة ضد المسلمين في أفغانستان بل وضد الإسلام في كل مكان.

….  …  …

ماسبق يرجع تاريخ كتابته إلى عام 1994، مأخوذاً من كتاب (15 طلقة فى سبيل الله)، وما جاء فيه حول تطبيقات تحول فيها المجاهدون المخلصون إلى (بغال تحميل) لأعدائهم .

فماذا يمكن أن أضيفه الآن بعد تلك لسنوات الطويلة وما جاءت به من أحداث جسام وحروب ودمار ، وما صاحبها من جهاد ، لم يخرج عن مفهوم (بغال التحميل) فيما عدا التجربة البطولية الناجحة لشعب أفغانستان فى جهاده ـ بقيادة حركة طالبان ـ ضد الإحتلال الأمركي؟؟. ذلك هو موضوع الجزء الثانى من هذه الدراسة .       

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

09-06-2020

مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 21

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 171 ) | رمضان 1441هـ / مايو 2020م .

04-05-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (21)

في مباحثات “راولبندي” مواجهة حادة بين حكمتيار وحقاني، حول الشورى وصلاحيات العلماء والمجاهدين في اختيار الأمير ورسم السياسات.

العناوين :

– السياسيون أم العلماء وقادة المجاهدين: من هم أصحاب الحلّ والعقد؟ ومن لهم الحق في تشكيل الحكومة؟ وتعيين الأمير؟ وتحديد سياسات الدولة؟

– حكمتيار هدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، قائلا: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) .

– حقاني يرد: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة.. فمن يكون؟ بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدين هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميرًا شرعيًا للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) .

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

مقدمة:

(نحن الآن في شهر فبراير من عام 1989)

كانت معركة طريق زدران هي بوابة لانسحاب السوفييت من أفغانستان انسحابًا “مشرفًا ” بعد تحقيق نصر متوهم بعبور الجيش الأحمر لذلك الطريق الاستراتيجي، الذي لم يتمكن خلال سنوات من الاحتلال من مجرد السير عليه.

كانت المعركة مؤامرة دولية، شاركت فيها أحزاب بيشاور ولكن المتضرر الأكبر كان مولوي حقاني الذي فقد أكثر من مئة مجاهد، وكاد أن يستشهد في تلك المعركة. وقبيلة زدران نفسها ـ التي ينتمي إليها ـ هاجرت بشكل واسع جدًا لأول مرة في تلك الحرب.

بدأ انسحاب السوفييت بعد إشهر قليلة من المعركة، وأتموا الانسحاب في فبراير 1989.

وبعد الانسحاب بحوالي شهر بدأت معركة جلال آباد التي كانت مؤامرة دولية أخرى شاركت فيها أحزاب بيشاور كما هي العادة. والهدف كان فرض هزيمة عسكرية كبرى على المجاهدين ، تكون مبرراً لقيادات بيشاور كي ينخرطوا في حل سياسي ينتهي بتشكيل حكومة مشتركة لا ينفرد فيها المجاهدون بحكم أفغانستان، ويبقي الشيوعيون في الحكم ومعهم عناصر موالية للولايات المتحدة.

في بداية عام 1989 بدأت في باكستان ـ مدينة راولبندي ـ مشاورات لتشكيل حكومة مؤقتة لأحزاب المجاهدين تكون طرفًا في الحل السياسي القادم. الذي تصوره المجاهدون الحقيقيون مواصلة للجهاد حتى إسقاط الحكومة الشيوعية في كابول. وكان مولوي حقاني علي رأس ذلك التيار. أما التيار الآخر والذي يمثله قادة أحزاب بيشاور فكان جاهزاً لأي حل دولي تتفق عليه أمريكا مع السوفييت.

مشاورات تشكيل تلك الحكومة لم يحضرها الإعلام الدولي وكانت مشحونة بالتدخلات الخارجية ـ خاصة من السعودية وباكستان ـ كي تأتي حكومة موافقة لمتطلبات أمريكا والحل السياسي الذي اتفقت عليه مع السوفييت.

كنت علي اتصال يومي مع مولوي حقاني لمعرفة مجريات مباحثات راولبندي ـ وكانت صحف باكستان زاخرة بتفاصيل كانت مفيدة لاستكمال صورة ما يحدث في تلك المباحثات الباعثة علي اليأس.

مولوي حقاني ضغط بشدة علي زعماء الأحزاب، يسانده عدد كبير من القادة الميدانيين المخلصين الأعضاء في شوري المؤتمر، يحدوهم الأمل بتوحيد جهود الأحزاب في عمل عسكري كبير يستكمل فتح أفغانستان ـ ولكن أسفرت اجتماعات راولبندي عن تشكيل حكومة يرأسها سيّاف رئيسًا للوزراء ـ ويشغل فيها مجددي رئاسة الدولة. أول أعمال الحكومة كانت إشعال حماسة كبري، بدعم من الإعلام الدولي، لمعركة في جلال آباد. المعركة شهدت أكبر خسائر بشرية في معركة واحدة خلال الحرب كلها. وكاد يتوقف الجهاد في كل أفغانستان كما توقعت الجهات الدولية التي ضغطت لتشكيل حكومة بهذا الشكل الهزيل. لكن حقاني واصل عملياته العسكرية المذهلة ـ ولولا فضل الله علي المجاهدين، وفتح مدينة خوست لظل الشيوعيون مكوناً رئيسيًا في حكم أفغانستان إلي اليوم.

– أهم حوارت مؤتمر راولبندي هو ما دار بين قادة الأحزاب السبعة بقيادة حكمتيار، وبين أعضاء الشوري في المجلس من علماء وقادة ميدانيين ويقودهم مولوي حقاني. لقد تبارزا بحدة حول عدد من أهم التحديات الفكرية والحركية التي مازلت تواجه العمل الإسلامي، ألا وهي:

1ـ من هم أصحاب الحل والعقد؟

2ــ من الذي يختار رئيس الدولة؟

3 ــ من يرسم سياسات الدولة؟

4 ـ أزمة الثقة واختلاف الرؤي بين السياسيين المحترفين وبين العلماء والمجاهدين.

 

الحكومة المؤقتة الثانية (حكومة راولبندي) :

– أصيب الجهاد الأفغاني بلعنة (الاحزاب السبعة) ، ورغم الانقسامات العديدة ومحاولات التوحيد الكثيرة… لم يزد العدد أويقل عن سبعة، البعض يتفاءلون بهذا الرقم، لا ندري من هو المتفاءل، هل هي الحكومة الأمريكية أو باكستان والسعودية، أم القادة السبعة أنفسهم. الحكومة المؤقتة الأولي، حكومة أحمد شاه، لم تنجح في توحيدهم، بل ولدت ميتة وعاشت الأحزاب السبعة لا هي حرة ولا هي مستقلة. يطلقون عليها اسم حزب أو تنظيم، ولكنه اسم علي غير مسمي، تماماً كاسم حكومة التي أطلقوه علي حكومة أحمد شاه ثم مجددي من بعده. الفرد هنا هو الأساس، وحوله عدد من الأقارب والأصدقاء والمتملقين يسميهم مجلس شوري.

وهو أيضاً اسم علي غير مسمي، والأفضل تسميته مجلس (الثرثرة) ، أما القرار فهو لزعيم الحزب. وحتى هذا الزعيم الأوحد له مستوى متدني للغاية في قراراته، أما مستوى القرارات الخاصة (بالسيادة) فهي لأصحاب السيادة، أي المخابرات الباكستانية التي ترسم الإطار العام وأكثر ملامح العمل التنفيذي، ومن فوقها تأتي المخابرات الأمريكية التي تتحكم في دولة باكستان بالضغط الاقتصادي (والإملاء) السياسي والتهديد الأمني، حتى لأمن رئيس الدولة.

فقرار تنصيب رئيس دولة باكستان، أو عزله، وربما قتله، هو قرار أمريكي من صميم اختصاصات السيادة الأمريكية والأمن القومي الأمريكي. فقد قتل ضياء الحق نسفًا، كما عينت (بي نظير بوتو) انتخابًا، بقرار أمريكي. وأمريكا أرادت حكومة (جهادية) جديدة أكثر حيوية من حكومة أحمد شاه المتوفاة. ولكن لا تريدها حكومة حقيقية، بل تريد حكومة لا تترك المجال خاليًا أمام حكومة كابل التابعة لمنافسها وغريمها القديم، الاتحاد السوفيتي. تريدها حكومة تكون ستاراً أفغانيًا للنفوذ الأمريكي، ومشجبًا لتعليق الهزيمة والخسائر والضعف حتى ينسب كل ذلك للجهاد وللشعب الأفغاني وحلفائه من المسلمين المجاهدين. كانت أمريكا تنادي بحكومة (ذات قاعدة عريضة) لا لشيء إلا لتمييع الطابع الإسلامي للمجتمع والدولة، ولاستعباد المجاهدين والرموز الإسلامية النشطة. كانت تريد حكومة من عملاء أمريكا والسوفييت، ومن أصحاب العقائد المعادية للإسلام أو المنكرة له. ومن اللطيف أن نذكر ذلك المأزق الذي وقعت فيه أمريكا بسبب ذلك الشعار الذي بمقتضاه لابد أن يشارك الشيعة في الحكومة، خاصة وأن لهم ثمان منظمات جهادية مستقرة في إيران، وهم معتبرون كقوة جهادية مسلحة، مع اختلاف في وزنهم العسكري وفعاليتهم، ولكنهم بلا جدال أفضل بكثير من قوي أفغانية هاجرت إلي الغرب وحملت جنسياته وجوزات سفره، أو هؤلاء الذين سوف يأتون من كابل لتمثيل (الشيوعيين الطيبين) ، أي الذين لم يشاركوا في قتل المسلمين وقد قررت منح هؤلاء “الطيبين” 19 مقعداً في مجلس الشوري الذي سوف يختار الحكومة المؤقته الجديدة. ولكن الخلاف حدث بالنسبة لتمثيل المنظمات الشيعية، وكانت أول أزمة كبيرة تواجه تشكيل الحكومة الجديدة، التي تقرر أن تعقد الجلسات من أجل تشكيلها في مدينة الحجاج الواقعة على الطرف الشمالي لمدينة راولبندي. كانت الخطة الأمريكية للخروج من ذلك المأزق تعتمد على تكتيك بسيط وفعال، وهو أسلوب “التطفيش”، أي إثارة أعصاب الخصم فيضطر إلى ترك الساحة غاضباً، وعندها يمكن تحميله ذنب ما حدث وأنه هو الذي رفض وترك. وذلك ما حدث فعلاً. لكن بما أن هناك أطرافاً أفغانية هي التي ستقوم بواجب التطفيش، وأن ذلك يستدعي دفع أتعاب معينة. فكان لابد أن تكون الخزينة الأمريكية بالنيابة “أي السعوديه”، جاهزة وقريبة جداً.

وقامت السفارة السعودية في إسلام آباد بالواجب المطلوب منها. فتابعت ما يحدث عن كثب ووزعت الأموال على كثيرين كي تحصل علي النتائج المطلوبة. وكان أهم مطلب هو استبعاد الشيعة الذين ينظر إليهم سياسياً كقوة موالية لطهران، وذلك سيشكل عقبة كبيرة لحكومة المجاهدين المحسوبة واقعياً ضمن النفوذ الأمريكي، وبالتالي السعودي والباكستاني. الخطوة الأولى: استدعاء الخصم “الشيعة” ،والخطوة الثانية: إثارة أعصابه لإجباره على ترك الساحة، الخطوة الثالثة: تحميله مسئوليه ما حدث. من أجل استدعاء الشيعة تم عرض مشاركتهم في تشكيل الحكومة وعرض عليهم مئة مقعد مجلس الشوري الذي سيشكل الحكومة. كان لكل حزب في بشاور 60 مقعد في مجلس الشورى، وبعد مساومات طويله ومباحثات بين باكستان وإيران، شارك فيها وزيرا الخارجية في البلدين نجحت الجهود ووافق قادة أحزاب بيشاور على منح الأحزب الشيعية الثمانية مئة مقعد في المجلس.

صبغة الله مجددي رئيس اتحاد المجاهدين في بشاور، الذي يتناوب الزعماء رئاسته في دورة مدتها ثلاثة أشهر لكل زعيم ذهب إلى طهران حاملاً النبأ السعيد إلى المنظمات الثمانية هناك وتم الاتفاق على حضورهم جلسات مدينة الحجاج في بندي لتشكيل الحكومة الجديدة. وما أن وصل المئة مندوب من طهران حتى بدأ فوراً تكتيك “التطفيش”. فقد استنكر زعماء بشاور ما حدث وادعوا أنهم لم يوافقوا عليه وأن مجددي تصرف من تلقاء نفسه، وأن الشيعة لايجوز أن يشغلوا كل تلك المقاعد. فكانت أول أزمة كبيرة واستعدّ الوفد الشيعي بقيادة “خليل الله خليلي” لمغادرة المؤتمر عائدًا إلى طهران. مجددي غضب بشدة من خيانة زملائه الذين وافقوا ثم أنكروا، مع أن ذلك كثيرًا ما حدث من أجل توريط بعضهم بعضًا، فيتفقون مع قائدهم سرًّا ثم يخذلونه علنًا مدعين أنهم لم يوافقوا.

حدث ذلك عندما قرّروا حل اتحادهم في بشاور وبناءً على طلب أمريكي أيضًا، وعندما ذهب ربّاني ثم خالص لمقابلة ريجان، وعندما…. الخ. بعض القادة الآخرين وأعضاء الشورى الذين لم تطالهم أموال السعودية احتجوا على نقض العهد بهذه الصورة المفضوحة. وكان لابد من تخطي تلك الأزمة وإقناع الوفد الشيعي بالبقاء، ثم تطفيشه في وقت لاحق، خاصة وأن الصحف الباكستانية انتقدت موقف أحزاب بشاور، ولمحت إلى النفوذ السعودي والأمريكي وراء ذلك التصرف. تشكلت هيئة “إطفائية” لمجلس الشوري لأن الأزمات توالت. وأن كانت البداية مع الشيعة، ولكن النّيران امتدّت إلى داخل مجلس الشورى، وبين أعضاء الشورى والزعماء السبعة. قاد هيئة الإطفائية جلال الدين حقاني، عضو مجلس الشورى ضمن وفد تنظيم يونس خالص.

وبعد مجهود كان حل المشكلة هو أن يأخذ الشيعة سبعين مقعدًا، ستون مقعدًا علنية حسب ما طالب به، وأصرّ عليه بعض زعماء أحزاب بشاور، ثم عشرة مقاعد ـ سرية ـ خمسه ضمن وفد مجددي في الشورى، وخمسة تبرعت بها منظمات أخرى، ومرت الأزمة الأولى. ولكن محورالمعتدلين (مجددي/ جيلاني/ محمدي) شعر بالخطر من التدخل السعودي وشعر أنه سيكون الضحية، فالأموال السعودية سوف تقلب موازين الشورى التي كانت في صالح المعتدلين.

وساعد على ذلك أن مجددي أثناء فترة رئاسته للاتّحاد، وكانت آخر فترة قبل مؤتمر راولبندي، كان قد ضمن أصوات الأحزاب الشيعية، لكونه هو الذي حمل إليهم النبأ السعيد بتخصيص مئة مقعد في الشورى مع وعد بسبعة حقائب وزارية. والجناح المعتدل لايعادي الشيعة بعنف مبالغ فيه كما يفعل الجناح الأصولي وبالتالي فإن تصويت الشيعة سوف يكون في صالح المعتدلين. كذلك فإن مجددي في فترة رئاسته منح 19مقعدًا في الشورى، “للشيوعين الطيبين في كابل”، وبموافقة جميع الزعماء الكبار، ولكن أحدًا لم يعترض كما حدث مع الشيعة، حتى أن كل الناس تقريبًا لم تشعر بأن حكومة كابول كان لها ممثليها، غير الرسميين، في مؤتمر راولبندي.

كذلك فإن كتلة ” المهاجرين الأفغان في الدول الغربية” وهي كتله تهتم بها أمريكا كثيرًا، وتراهن على أن تمسك في المستقبل (المتوسط) القيادة المطلقة لدولة أفغانستان، تلك الفئة حضرت المؤتمر وشاركت في المناصب الحكومية الهامة، فيما دون منصب الوزير. تم ذلك بدون ضجة أو إعلان، حتى أن العمل العسكري لتلك الحكومة رغم هزاله كان في يد واحد من هؤلاء يحمل الجنسية الاسترالية. {تلك الفئة من (الأفغان الغربيين) تولوا حكم أفغانستان بعد احتلال أمريكا لها عام2001 ويرأسهم حامد كرزاي، معظم الوزراء يحملون جنسيات أمريكية وغربية. وكثير منهم تنصر سرًا واحتفظ باسمه القديم كما هو}.

كتله صغيرة أخرى كانت ستقف إلى جانب المعتدلين وهم كتلة المستقلين، والتي تضم مولوي نصر الله منصور، وقاضي محمد أمين وقاد ورفيع الله مؤذن، ولهم جميعاً عشرون مقعداً فقط.

وكان توازن القوى في المجلس، قبل التدخل السعودي هو كالتالي:

عدد الأعضاء المعتدلين:

(محمدي) 60 عضواً + (جيلاني) 60 عضوا + (مجددي) 60عضوا + (الشيعة) 70عضوا (الطيبون) 19 عضوا = 289 عضوا.

الأصوليون:

(سياف) 60 عضوا + (حكمتيار) 60 عضوا + (رباني) 60عضوا + (خالص) 60عضوا =240 عضواً.

وقبل التصويت نجحت الأموال السعودية في تطفيش الشيعة، كما نجحت أيضاً في سحب “محمد نبي محمدي” ومندوبوه في الشوري إلى جانب (المتشددين) . وبعملية حسابية بسيطة نجد أن توازن الأصوات داخل المجلس أصبح كالتالي:

المعتدلون 159 عضواً.

المتشددون 300 عضواً.

بهذا الشكل ضمنت السعودية أن يكون مجلس الشورى رهن مشيئتها وأن تشكل هي الحكومة التي تريد. (وقد فعلت ذلك عندما فتحت كابل ولم يكن للمنظمات حكومة يدخلون بها العاصمة كقيادة شرعية. فتولى مدير المخابرات السعودية تركي الفيصل تشكيل تلك الحكومة التي كلفته 150 مليون دولار فقط توزعت بين سياف ومجددي “مئة لسياف، خمسين لمجددي”.

وقد كلف تركي الزعيم سياف بتشكيل الحكومة، فاختار مجددي رئيساً مؤقتاً للدولة ووزع المناصب على الزعماء الكبار أو من ينوب عنهم كما هي العادة في كل مرة) .

لكن حادثان عرقلا نسبياً ذلك التخطيط، الأول كان سوء تفاهم خطير بين مجلس الشورى والزعماء السبعة هدد بانهيار المسرح على رؤوس من فيه من الممثلين في مدينه الحجاج. الثاني هو نظام توزيع المناصب الوزارية ونظام التصويت والذي ابتكره جلال الدين حقاني (رئيس فريق الإطفائية) والذي أنقذ العملية برمتها من الانهيار عدة مرات حتى خرجت بنتيجتها النهائية، وذلك خير من انهيار المؤتمر وفشله في مهمته المعلنة.

وذلك إذا حدث سيعتبر فضيحة كبيرة.

جرف الحماس أعضاء مجلس الشورى في بداية جلساتهم. فقد طرح في البداية اقتراح بتجديد المدة لحكومة أحمد شاه، الذي قدم تطويرًا هامًا لحكومته تمثل في استحداث وزارة لشئون المرأة (!!) وبالطبع كان من المفروض أن تشغله امرأة، أثار ذلك استهجان أعضاء مجلس الشورى وأسقطوا حكومة أحمد شاه، من الجولة الأولى وبالضربه القاضية. وفتح ذلك شهية الأعضاء كي يمارسوا مهامهم بجدية فأثار ذلك ذعر القادة السبعة.

فمجلس الشورى يريد أن يحاسب الزعماء وأن يكون شريكاً حقيقياً في اتّخاذ القرار بشأن مستقبل البلاد بما في ذلك الحكومة الجديدة. إذًا فقواعد اللعبة على وشك أن تتغير، وهناك من يناقش أولياء الأمر ويحاسبهم، ويريد أن يشارك في صنع القرار.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

كان لابد للقادة أن يدافعوا عن كيانهم ضد “تعديات” الشورى، التي اختاروا رجالها، فتقدم حكمتيار وهدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، فقال لهم: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) . وهكذا اتحد المعتدلون والمتشددون في جهة واحدة من سبعة أشخاص، ضد (نواب الشعب!!)

الذين اختارهم القادة السبعة أنفسهم. وكانت لحظة مليئة بالمعاني العميقة ليس للأفغان فقط بل للمسلمين عامة والحركة الإسلامية خاصة. لحظات عبّرت عن نظرية الذات، أو الذوات المقدسة لأولياء الأمور حكامًا كانوا أم زعماء لمنظمات جهادية أو دعوية أو.. والخلاف الأبدي حول أصحاب الحل والعقد من هم ومن يختارهم وما هي صلاحيتهم ؟ ومن يحميهم من ولي الأمر من أن يقتلهم أو يسجنهم أو يشتريهم بالذهب والفضة والمناصب اللامعة؟.

لقد هاج المجلس وماج، وتصدى كثيرون للرد على وقاحات حكمتيار الذي يتكلم ذلك الكلام الجارح أمام مجلس فيه نسبه لا بأس بها من العلماء والمجاهدين ذوي الاحترام والهيبة. الوقت المخصص لكل عضو للتعبير عن رأيه هو خمس دقائق فقط. لذا لم يتمكن أحدهم من الاستفاضة أو إكمال التعبير عن وجهة نظره، حتى يجد أن الميكروفن قد أغلق، وأن هناك عددًا من الأصحاء من حراس المجلس يدفعونه بلطف وإصرار بعيدًا عن المنصة.

لكن حقاني كان الوحيد الذي استطاع في الوقت المحدد أن يرسل برقية حادة حملت كل نذر الخطر والجدية. قال حقاني: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة فمن يكون؟. بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدون هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه، هؤلاء الذين ضحوا في الجهاد هم أصحاب الحل والعقد بحكم الشرع وبأي حكم آخر. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميراً شرعياً للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) . كان التهديد أكثر من خطير، وساد الصمت أرجاء القاعة، ولم يزد القادة سوى أن طأطأوا رؤوسهم وتمتموا:” نعم… نعم”. ثم تحول المسار.

لقد أتقن الزعماء السبعة فن اللعبة وكم امتصوا مثل تلك الأزمة التي أثارها أمثال حقاني. إن حقاني يهدد بثورة هو محركها وقد يصبح قائدها.. وليس أفضل لامتصاص الثورة أو قتلها من تشكيل لجنة. فليكن حقاني زعيم لجنة لا زعيم الثورة، وليكن أفراد اللجنة من أخلص أتباع القادة.

كل زعيم يرسل عشرة من أتباعة المخلصين فتتشكل لجنة من سبعين عضواً يرأسها حقاني تكون مهمتها اقتراح الحلول الملزمة للخروج بشيء من ذلك المؤتمر الذي طالت أيام انعقاده في جلسات سرية أقصيت عنها الصحافه عمداً… والكل ينتظر ولادة متعثرة داخل مدينة الحجاج.

حقاني هو الآخر يعرف هؤلاء الزعماء جيداً وأنهم أسرع من ينقض العهد وينكر ماتعهد به، لذا طالبهم بتفويض مكتوب فوقعوا تعهداً يقول: { لإقرار الأمن والنظام في أفغانستان وإقامة حكم إسلامي فيها فقد فوضنا هذه اللجنه يتشكل الحكومة وأن هؤلاء السبعين يعتبرون “الشورى القيادية” وأن يقيموا حكومة انتقالية. وإذا أصدر هؤلاء السبعون أي قرار فإننا نقبلها ونحن مكلفون بالتنفيذ، وأن يباشر هؤلاء السبعون عملهم هذا ويتابعوا تنفيذة}.

التوقـيع: “رباني، سياف، حكمتيار، خالص، مجددي، محمدي، جيلاني”.

“وكان ذلك يوم الاثنين 20 فبراير1989 أي بعد 16 يوم من بدء العمل. لم يكن ممكناً فعل الكثير بمثل تلك اللجنة التي هي ملكية أكثر من الملك”.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 19

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد. (19)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 169 ) | رجب 1441 هـ / مارس 2020 م . 

12/03/2020

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 19 )

خيوط المؤامرة تتكشف على طريق زدران

 

 

– كان حقاني قد جرح منذ عدة أيام بقذيفة دبابة قتلت مرافقه .

– سياف يقول للمتطوعين العرب { لقد نصرتم حقاني أكثر من اللازم}.

ويقول للمتطوعين الأفغان { لقد انتهت المعركة .. ارجعوا}.

– لم يتأثر التجمّع العربي بدروس المعركة وظل يعمل بنفس الأساليب.

– تنظيم الجهاد المصري: لا يجوز شرعا القتال في أفغانستان لأنه لن يؤدي إلى قيام دولة إسلامية.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

 

ولكن أتيحت لى الفرصة كاملة للتعبيرعن مشاعري وآرائي عندما وصل ضابطي الإستخبارات. أمدني بالشجاعة شعوري بالإحباط الناتج عن موقفي الخاص والموقف العام، فبينما يوقفني هؤلاء “الأوباش” أثناء عودتي من الجبهة، يتقدم السوفييت إلى خوست وقد تصبح ميرانشاه هدفا تالياً.

وإن لم تُحْتَل فإنها قد تتعرض للتدمير بالقصف المدفعي والجوي.ألقى ضابط الاستخبارات نظرة على محتويات الصندوق، وفهموا ماذا تعني، فسألوني عن اسمي وعملي وكيف حصلت على هذه الأشياء ولماذا ؟.. إلخ.

قدمت نفسي باسم “عزالدين حميد” صحفي مصري.. قادم من باري من أحد مراكز حقاني وهو مركز “عيد جول”ــ كانوا يعلمون أسماء الجميع في باري وغيرها ـ وأن هذا الصندوق لهم أوصوني بإيصاله إلى مكتبهم في ميرانشاه.

ثم تحول الحديث إلى الأحداث الدائرة في خوست فوضعتهم تحت نيران النقد العنيف والاتهام المباشر.قلت لهما في البداية أنى رأيتهما في جاور أثناء معركة1986 .

فقال أكبرهما أنه كان هناك فعلاً، وعندما سألني عن محل إقامتي، فظهر أنه يسكن في شارع مجاور لبيتي في إسلام آباد، وأن أخوه يمتلك مطعماً هناك باسم  “المطعم الباكستاني الأفغاني”.. ثم سألني عن الأوضاع في خوست وباري وتحديداً في المطار، هل هبطت طائرات هناك، وهل صعدت قوات روسية فوق جبل تورغار؟.أخبرته بما أعلم ثم سألته بشيء من الحدة، لماذا تركتم السوفييت يدخلون خوست؟

فأجاب: لم نتركهم يدخلون، ولكن المجاهدين لم يستطيعوا منعهم.

فقلت له بل أنتم تركتموهم يدخلون، ولو أردتم منعهم لكانت هناك إجراءات أخرى.

فأجاب: لا يمكننا القتال بدلا عن الأفغان، فهذه هي حربهم.

فقلت له، إن وصول السوفييت إلى خوست يجعل مكاننا هذا وميرانشاه كلها في مرمى مدافعهم وصواريخهم، وهكذا تجد نفسك معنياً بالأمر!!. كان يمكنكم منع السوفييت من عبور ذلك الطريق فأنا أعرفه جيداً.. مئة أو مئتي مجاهد مدرب يمكنهم ان  يمنعوا أي جيش في العالم  من استخدام الطريق، إن حماية هذا الطريق مسأله تمس أمن بلادكم، حتى لو لم يرغب الأفغان في القتال دفاعاً عن أرضهم  وذلك شيء مستحيل  فكان من الممكن إرسال عدة مئات من رجال قبائل البشتون في باكستان للقتال هناك، ولايمكن للسوفييت تمييزهم عن البشتون الأفغان فهم من نفس القبائل التي تعيش وتتنقل على جانبي الحدود.

ولكن تركتم بدلاً من ذلك قادة شيوعيون من أمثال “نظر محمد” الذي يعمل مع سياف  كي يضع فى يد قواته المفتاح الاستراتيجي للطريق فوق جبال”ساتي كندو”ـ وقد سلمها فوراً إلى السوفييت مع كامل الأسلحة والذخائر التي بحوزته.

ظهر الاهتمام على وجه الضابط وسألني بحدة: أين “نظر محمد” الآن؟

ولم أدرِ سبب هذا الاهتمام، وهل هو حقيقي أم مصطنع، وهل هو حقا لايعلم أم أنه فوجئ بمعرفتي بأمر داخلي لايعرفه “الأجانب” عادة ؟

فأجبته قائلاً: كيف لي أن أعرف أين هو الآن؟ ربما عاد إلى كابل كي يحصل على أوسمة جديدة، وربما كان في ميرانشاه أو بشاور أو إسلام آباد¬ أو في “بابي” عند زعيمه سياف، ولكن ذلك لن يغير الأمر الواقع في شيء، فالجيش الأحمر في خوست الآن، ولابد أنه سيحاول إغلاق المنافذ الحدودية على الأقل، هذا إذا لم يفكر في اختراقها بقواته أو قصف مناطقكم الحدودية الآهلة بالسكان.

قال الضابط بهدوء وثقة صدمتي، وألقت على رأسي الملتهب “سطلاً” من الماء البارد:

لاتقلق من وجود السوفييت في داخل خوست، هذا أمر عادي وطبيعي. لن يغلقوا منافذ الحدود أو يقصفوا مناطقنا الحدودية، فقط سوف يعملون على تموين المدينة وتقوية دفاعاتها ثم يغادرونها، إنهم يفعلون ذلك دائماً.

أذهلني أنه لايتكلم كأنه يتوقع مجريات الحدث ولكن يخبرني عن شيء يعرفه بالتأكيد. وقفز إلى ذهني على الفور ماذكره لي “أبوأنيس” عما سمعه في السعودية عن هدف الحملة، وهو ما ينطبق تماماً مع مايذكره لي ضابط الاستخبارات الآن!!.

جزمت وقتها بصحة معلومة أبوأنس، وفهمت سر هدوء ذلك الضابط وثقته في نفسه في ظل ذلك الخطر الداهم على بلاده والرابض على مسافة قريبة من الحدود. إن مايجري الآن هو عمل عسكري في ظل صفقة سياسية كبرى، أو هو هزيمة مفروضة على المجاهدين، ونصر مصطنع للسوفييت. شعرت بقسوة وسفالة تلك الصفقات، والتي تهدر فيها أرواح المئات أو الآلاف، لا لشيء إلا لأنهم يعارضونها أو لايفهمونها. لقد باعتنا باكستان للسوفييت، وبأوامر من أمريكا، وسوف تنقلب علينا، نحن العرب بعد نهاية الحرب بأوامر من أمريكا أيضاً، فأين إدعاءات ضياء الحق والساسة في باكستان عن الجهاد في سبيل الله، والأخوَّة بين المسلمين؟؟.

لقد ركن المجاهدون إلى طواغيت السياسة، فذاقوا وبال أمرهم.

تهيأ الضابط للانصراف وهو يقول: لقد انتهت المعركة بدخول السوفييت إلى خوست، وأن على حقاني أن يعود إلى جاور للدفاع عنها تحسباً للأمر.

شعرت بالغيظ من عنجهيته في تقرير مصير المعارك ومحاولة إلقاء الأوامر بهذا الاستهتار إلى قادة كبار من وزن حقاني.

فأجبته بحنق محاولاً التشفي منه: أنت لاتعرف من هو حقاني، إنه سوف يستمر في القتال على الطريق وحول مركزه في سرانا حتى يدفع السوفييت إلى الخلف أو أن يُقتل هناك. لن يترك حقاني مكانه في المعركة طالما هو واقف على قدميه. إنه مثل فارس الجبال الذي يرفض الهزيمة ويقاتل حتى النفس الأخير مهما كانت المعركة تسير في غير صالحه.

توجه الضابطان إلى سيارتهما، بدون أن يتكلما عن موضوع احتجازي، فعلمت أن أمري لا يهمّهما في شيء، وربما ضاقا صدراً بما أقول، وأن قرار احتجازي هو من مسؤولية جهات حكومية أخرى في ميرانشاه.

بعد حوالى ساعة وصلت سيارة فخمة وضخمة في حراسة سيارتين من الحرس نزل منها ضابط ذو رتبة كبيرة من حرس الحدود، علمت أنه حاكم ميرانشاه.

تبادل حديث قصير مع جنود الميليشيا وأمر بوضع الصندوق في أحد السيارات التابعة له، ثم حدثني بالإنجليزية طالبا مني الركوب في أحد السيارات ثم توجهنا إلى قلعة ميرانشاه. وهي مقر الحكومة وفيها السجن الرئيسي. لم يضعوني في السجن لحسن الحظ ولكن أجلسوني على كرسى خشبى وسط الحديقة، وجلس القائد الكبير على كرسي آخر وألقى عدداً من الأسئلة ثم تركني ومضى، وجاء شخص بملابس مدنية ذو جسم سمين، عرفني بنفسه أنه ضابط بالجيش. وبدأ يسألني في أشياء كثيرة ولما علم بأني صحفي أزور أفغانستان من وقت إلى آخر سألنى بتعجب وسذاجة شعرت أنها طبيعية: وهل تستطيع المشي في الجبال؟

وزنه الضخم جعل السؤال طبيعيا ولا يدعو إلى الدهشة. تركني هو الآخر وبقيت وسط الحديقة الخضراء منزرعاً فيها فوق كرسي خشبي. حاولت أن أتسلى بجمال الأشجار والخضرة، ولكني لم أشعر بغير التقزز من المكان وكل من فيه، من بشر وشجر، وتمنيت أن أغادره في أقرب فرصة.

فى الواحدة والنصف جاء الفرج مجسداً في شخصين الأول” حاجى دين محمد “صديقي القديم والمحرك الحقيقي”لحزب إسلامي” التابع لمولوي خالص، وبرفقته صديقي “عبدالله خان” الذي استأجرنا بيته لجماعة أبوعبدالله (اسامة بن لادن)، وكان شاباً مهذباً رقيقاً مجاملا مضيافاً.لكنه مليء بالألغاز أيضاً، على الأقل بالنسبة لي.

لم يتعرف ” حاجي دين محمد” عليّ، فكلانا قد تغير وزاد الشعرالأبيض الذى يتلألأ فوق وجهه ورأسه، فلما عرفني زال تحفظه، وانطلق في سجيته المرحة، يلقى بالنكات والتعليقات الساخرة، فقال لي ضاحكاً: أنا لم أعرفك، لقد تغيرت كثيراً وزاد الشيب في لحيتك ورأسك!! هل تحب أن نتركك هنا في سجن القلعة ؟!! أنت لا تعرف سوى حقاني فقط ؟؟ هل نسيت أصدقاءك القدماء ؟

كان عتاباً ضاحكاً لا يخلو من تقريع، وقبل أن يغرقني الخجل تحول دين محمد بنيرانه الساخرة على قائد المنطقة نفسه.

وأدهشني تلك الصداقة التي بينهما والتي لا تستدعي شيئاً من التكلف حتى أن دين محمد قال للضابط : إن قبيلتكم “أفريدي”، مشهورة بسرقة الأسلحة والمتاجرة بها. ورد الضابط الكبير:إن أحزابكم تختلس الأسلحة وتبيعها، وبعضكم يلعب في تجارة المخدرات لم يكن حاجى دين محمد في حاجة لأن يقول للضابط الكبير غير:” هذا الأخ صديق قديم هل تريدون منه شيء ؟ “.

ضحك الضابط قائلاً: يمكنك أن تأخذه معك، وأيضاً الصندوق. والتقطت للضابط صورة فوتوغرافية شرط ألا أبتزه بها في المستقبل كما قال لي ضاحكاً. إنتهت إذن المشكلة، وبدون أية مشكلة !!.

ولا داعي للتذكير بما تعنيه” أمانات الصندوق الخشبي” وأنها كانت كفيلة الآن بأن تجعلني أشهر مشنوق بأمر محاكم أمن الدولة في بلدان كثيرة.

ظل كلام ضابط الاستخبارات العسكرية يطن في رأسي مثل خليه من النحل. فإذا صح ذلك الكلام، وهو غالباً صحيح حسب ما أصبحت أعتقد وقتها¬ فمعنى ذلك أنه لا معركة لنا في “باري”، وأننا يجب أن نعيد حساباتنا، وأن ننظر مع من نتعامل؟ فمن هو المجاهد؟ ومن هو عميل أجهزة المخابرات على أنواعها؟ وما هو موقعنا¬ كمتطوعين عرب في وسط هذه الأمواج والتطورات العنيفة التي لا تعرف الرحمة ؟ هل يطردوننا؟ أم يقتلوننا؟ أم يضعوننا في السجون؟ هل نتعرض نحن أيضاً إلى “إيلول أسود” من نوع إسلامي؟

هل امتطتنا القوى الدولية إلى غايتها القصوى بينما عجزنا نحن عن تحقيق شيء لإسلامنا؟! هل نحن بشر تعقل أم دواب تمشي بلا عقل وحتى بلا أعين؟

لأول مرة أرى خيانات هائلة الحجم مثل هذه، فإلى أي مدى تصل تلك الموجه؟ هل تطوى القضية الأفغانية كلها وتطوينا معها أيضاً؟

في بيت أبوعبدالله الجديد ـ مقر قيادته ومقر ضيافة جماعته، أخذت الصورة تكتمل بالتدريج. وعندما اتّضحت لم نصل جميعاً إلى نفس النتائج بدليل أن التجمع العربي لم يتأثر كثيراً في فكرة وحركته بدروس تلك المعركة الرهيبة، وظل كما هو تقريباً يتحرك بنفس الأساليب السابقة.

لقد عادت المجموعة التي أرسلها أبو عبدالله إلى منطقة ” دومندو ” التي تضم المضيق الاستراتيجي الممتد عدة كيلومترات والذي يدخل منه طريق ” زدران ” إلى وادي خوست الفسيح . في تلك المنطقة عدد من المراكز القوية.. للمجاهدين، وكان يمكنها فعل الكثير تجاه قوة عسكرية تسير أمامها في طريق ضيق متعرج بين الجبال، ولكن ماحدث كان شيئاً آخر. وصل الشباب إلى هناك، حيث كان متواجداً في نفس المنطقة “مطيع الله” القائد الشهير لدى جماعة خالص ، فطلبوا مقابلته ولكنه رفض!! ويمكن تفسير ذلك الرفض بتبريرات مختلفة، ولكن الشباب طلبوا مقابلة قائد آخر هو “خان سردار” وذهبوا إليه في بيته .. ولكنه لم يقابلهم بل أرسل لهم رسالة يشكرهم فيها على الحضور، ويخبرهم بأن أهل المنطقة قد باعوها للحكومة ولايسمحون للمجاهدين للعمل فيها!! وفي نهاية رسالته إليهم قال:” أرجو أن تكون هذه هي آخر ليلة لكم هنا”.

وبالفعل قضى شباب العرب ليلتهم في بيت “خان سردار” فلم يكن لديهم بديل آخر في ليالي الصقيع الشتوي. وغادروا صباحاً ليشاهدوا آثار الهزيمة أو الخيانة في الطريق، فالمجاهدون ينسحبون إلى الخلف نحو منطقة قبيلة “تاناى” ساحبين معهم أربعة راجمات صواريخ “B.M.12” لم يطلقوا منها طلقة واحدة.

فمن باع منطقة “دوامندو” الاستراتيجية؟ هل هم الأهالي؟ أم مجموعات المجاهدين؟. لاشك عندي أن “خان سردار” كان كاذباً.وأنه كان ينسحب طبقاً لأوامر قيادته الحقيقية أي المخابرات الباكستانية. وذلك لايمنع أن أهالي المنطقة أو من تبقى منهم قد تلقوا بعض الهدايا من القوات الغازية كما تفعل عادة فى مثل تلك الحالات، التي يلتزم فيها الأهالي بقواعد السلوك الحسن.

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

 

إصابة حقاني:

الذين عادوا من عند جلال الدين حقاني قالوا أنه قد جرح منذ خمسة أيام تقريباً، بينما كان يستطلع القوة المتقدمة مع أحد مرافقيه، فاجأتهما قذيفة دبابة قتلت المرافق وجرحت حقاني. قالوا أيضاً أن حقاني ينوي التوجهه إلى النقطة الحدودية “بغر” من أجل العلاج، وأن القوة السوفيتية تطارده في العمق بعد سرانا وعلى بُعد سبع  ساعات من الطريق العام.لم يكن ذلك صحيحا فلم تتعمق القوة السوفيتية أبعد من سرانا لعدم جدوى  ذلك وخطورته، وربما أيضاً لأنه خارج برنامج الخيانة المتفق عليه، فهناك أماكن لاتبعد كثيراً عن “سرانا” مثل منطقه “نكا” التي كانت مكتظة بالسكان والمجاهدين والإمدادات وهيئات الأغاثة بشكل غير عادي ولكنها لم تُقصَف بالطيران وكان ذلك مثيراً للدهشه والتساؤل!

ثم نقلوا عن حقاني رسالة إلى المتطوعين العرب تقول لهم بعدم ضرورة حضورهم نتيجة لبدء تهاطل الثلوج، ولعدم معرفتهم بمسالك المنطقة وعدم توافر الطعام والمأوى. ثم طلب منهم الدفاع عن جاور فقد يحاول العدو الوصول إليها، مستفيداً من عدم تواجد حقاني، مع حالة الانهيار والإحباط السائد بين المجاهدين مع ارتفاع معنويات العدوّ وقوات خوست والميليشيات الشيوعية بها.

– عقدنا ليلاً اجتماع في بيت أبو عبدالله، عَرَضَت فيه كل مجموعه تقارير عن منطقتها، وكان القرار في النهاية اتخاذ إجراءات للدفاع عن جاور على أن تبدأ تلك الإجراءات من جبل رغبلي الشهير والذي كان ركيزة الحملة الشيوعية الماضية، وقررنا إرسال دورية لدراسة المنطقة هناك لوضع خطة عمل.

– قبل المغرب وصل أبوحفص وأبوجهاد مع أبوخالد، والجميع أصبحوا الآن في تنظيم الجهاد المصري، وكان أبو حفص يحمل لي رسالة من الأهل في إسلام آباد، أخبروني فيها أنهم استلموا بعض الأموال من أصدقاء في أبوظبي.

أما أبو الحسن المدني فقد أفاد أن هناك ضغوطاً كبيرة على القادة السبعة الأفغان، قادة المنظمات كي يلقوا بثقلهم في المعركة، وأن أحدهم سوف يتم تعيينه قائداً عاماً لها.

ولاداعي للقول بأن شيئا من ذلك لم يحدث، وأنه ربما كان جزءاً من خطة تعمية على حقيقة مايحدث ودور باكستان وقادة الأحزاب الأفغانية فيه.

قال أبو الحسن أيضاً أن شباب كثيرون في طريقهم إلى هنا قادمون من السعودية من أجل المشاركة في المعركة!!.

– أخبار أخرى عن سياف في اجتماعه مع العرب في بشاور، وشبه مناوشة بين الطرفين إذ صرخ العرب في سياف، أمير الجهاد في أفغانستان كما يعتقدون، بأن يتحرك لنجدة حقاني فصاح فيهم كالعادة، أنتم نصرتم حقاني أكثر من اللازم وأعطيتموه أكثر من حجمه!!.

تأثر العرب وكان بعضهم قد زار حقاني وشاهده وهو جريح فقالوا له: لا وقت لمثل هذا الكلام، فحقاني يقاتل وحيداً وهو جريح وليس حوله أحد.

لم يتأثر سياف بتلك الصورة المؤثرة التي نقلوها، وفي اليوم التالي شاهد مجموعة من الأفغان المهاجرين في منطقته”بابي”وكانوا متوجهين نحو المعركة ولكنه أعادهم قائلاً: انتهت المعركة، لقد دخلت القوة إلى خوست … ارجعوا..

 

 

الثلاثاء 5/يناير/88 :

في الثامنة والنصف صباحاً عقد اجتماع آخر مع أبو عبدالله حضره من تنظيم الجهاد كل من أبوخالد وأبو حفص، لأبداء المشورة حول الموضوع.

كانت هذه أول مرة يزورنا فيها أبوحفص وأبوجهاد وهما من أفراد مجموعتنا القديمة، ولكنهم هذه المرة تحت إمرة أبوخالد وضمن تنظيم الجهاد، وقد أحاطا نفسيهما بغلاف سميك من السرية والغموض أثناء حديثهم معنا. ورغم أنهما أخذا بوجهه نظر”تنظيم الجهاد” في أحداث أفغانستان، وهي وجهة نظر كنت أراها غبية وقاصرة، وهى تقول بأن أفغانستان قد أنتهت، وأن القيادات قد باعت القضية، وأن هذا الجهاد لن ينجح، وأنه حتى لونجح فلن يؤدى إلى قيام دولة إسلامية ، وبالتالي لايجوز شرعاً القتال في أفغانستان، والأولى هو استغلال الفرصة في التدريب للقتال في مصر حيث القيادة الإسلامية الصحيحة التي تفهم الإسلام، وأن دولة الإسلام لن تقوم في” بلاد العجم” الذين ينقصهم فهم الإسلام، وتنتشر فيهم الصوفية والعقائد المنحرفة..

لقد إلتزم ذلك التنظيم بوجهة نظرة تلك بإستثناء أنه رمى بثقله العسكري في جلال آباد”1989م

بدعوى شرعية المعركة، وتناسوا أو غيروا وجهة نظر سمعتها منهم سابقاً بعدم شرعيتها لعدم جدواها وانحراف عقائد الأفغان وقياداتهم. وسبب هذا التغير في ظني هو أن أبوعبدالله قد رمى ثقله كاملا في معركة جلال آباد، فقفز خلفه كثيرون، وماكان تنظيم الجهاد ليتخلف عن القافلة! اعتقدت يومها أن الثقل المالي يسحب خلفه الثقل الأيدولوجي والبشري.

– تحركت مع قافله عربية يقودها أبو عبدالله إلى”جهاد وال”،  المركز الرئيسي لجماعة حكمتيار، وهو قريب من منفذ صدقي الحدودي وإلى الخلف من جاور بعدة كيلومترات. صعدنا إلى أحد جبال المنطقة ننظر إلى خوست بالمناظير المقربة، لم نشاهد شيئاً يذكر فكل شيء هادئ تماماً، باستثناء دبابات ثلاث تتحرك قريباً من حصن “جنداد”.

في خيمة تحت الجبل عقد أبوعبدالله إجتماعاً مع المجموعة التي أرسلها إلى جبل “مانى كاندو”، وهى على بعد ساعة ونصف من جاور.نقلت المجموعة إلى أبوعبدالله النقاط التالية:

1ـ جماعة حكمتيار في “مانى كاندو” صرحوا بأن الحكومة الباكستانية قد طلبت منهم إخلاء طريق “جرديز-خوست” بلا قتال، طبقاً لإتفاقية سياسية بين باكستان وحكومة كابل!.

2ـ طلبت باكستان أيضاً عدم إزعاج القوة وتركها في حالها طالما أنها  لم تتعرض لهم.

3ـ طلبت منهم باكستان عمل استحكامات على الشريط الحدودي للدفاع إذا تجاوزت القوة حدودها. لقد تم تنفيذ النقطتين الأولى والثانية حرفياً كما أمرت باكستان. انسحب المجاهدون من مواقعهم المتحكمة في الطريق بلا قتال، تاركين حقاني “يأكلها منفرداً” وأيضاً لم يتعرضوا للقوة بأي شكل في أي وقت. ولكن البند الثالث لم يتحقق وهو عمل استحكامات على الشريط الحدودي.

 

 

الخميس 7/يناير/88 :

اجتماع في العاشرة صباحاً مع أبوعبدالله وآخرين. طرحوا فكرة تواجد عربي صغير في باري، طلبوا مني المشاركة، فقلت بأني أريد رؤية حقاني أولاً ويمكنهم الاعتماد على عبدالرحمن في المساعدة. ذهبنا إلى غرفة المخابرة التابعة لمكتب حقاني كي نسأل عن أخباره فقالوا بأنه قد غادر “بغر” إلى جهة غير معلومة قد تكون أفغانستان وقد تكون باكستان. بعد العصر وصل أبو أسامة المصري”عبدالعزيز علي”، وكان موضوعه الرئيسي الذي وصل لأجله هو بحث إنشاء معسكر تدريب للشباب العربي القادم إلى الجهاد في أفغانستان. وكان أبوعبدالله بالتنسيق مع الدكتور عزام، قد استدعياه لذلك الغرض. وقبل أن يدخل في بحث موضوعه الأساسي مع أبوعبدالله أخبرنا بما يدور في بشاور وأصداء معركة الطريق هناك.

فقال بأن الشيخ الصواف قد اجتمع مع سياف يستحدثه على مساعدة جلال الدين في محنته الصعبة، فرد سياف بكذبة كبيرة حين قال، بأنه عرض على حقاني ـ باللاسلكي ـ أن يرسل له قوة كبيرة لمساعدته، ولكن حقاني رفض ذلك مشترطاً أن تكون القوة من أبناء المنطقة. ومن سوء حظ سياف أن تميم العدنانى الذي عاد لتوه من عند حقاني كان جالساً ، ورغم هيامه الشديد بسياف إلا أنه لم يطق صبراً على ما يسمع من أكاذيب، فانفجر قائلاً:

” أنا كنت عند جلال الدين ولم يصله شيء منك أو من أي أحد آخر، وقد أوصانى باستنفار العرب والعجم لنجدته”.

– علمنا أن الشيخ حقاني قد وصل إلى بيته في ميرانشاه، ذهبنا إلى هناك بعد العشاء، وتركنا له رسالة بأننا نرغب في جلسة مطولة معه في مساء الغد.

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

….

في الحلقة القادمة: حقاني يروي ما حدث في معركة طريق زدران.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد. (19)