1

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 32

مجلة الصمود الإسلامية عدد 183 أبريل 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 183 | رمضان المبارك 1442 ھ – أبريل 2021 م .   

27-04-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (32)

– استعدنا سيارتنا القديمة المتهالكة من عند حقاني، وتوجهنا فورا إلى مركز أبوالعباس. كان البدو قد احتلوا جميع مغاراته واتخذوها فندقا لهم ولأغنامهم.

– زاد الأمر سوءا استشهاد “أبو الشهيد القطري” الذي كان من أفضل الكوادر العاملين في “مشروع المطار 90” وكنت أتوقع أن يكون من أعمدة المشروع الجديد.

– شاركنا في المشروع “ابن عمر” وهو ضابط سابق في سلاح الدبابات في جيش “اليمن الجنوبي”. وهو من ذلك النوع من الشباب الذين تذكرك رؤيتهم بطاعة الله.

– كان وقتاً عصيباً خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام هي مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتَصَنُّع اللامبالاة وبالضحكات.

– الوحدات التي أرسلها حقاني إلى الجبهة الشرقية، سريعا ما عادت وهي تشكو وتتذمر.

– وَعَدَنا حقاني بوضع 3 دبابات تحت تصرفنا. ولكن ما إن صار الموقع جاهزا حتى بدأ العد العكسي لبدء العمليات، ولم يَعُد لأحد قدرة على سحب دبابة واحدة خارج البرنامج المقرر.

– أخبرني حقاني أن العمليات القادمة ستكون كبيرة وقال إنه يعتمد على “وزير” وجماعته في التصدي للمطار الجديد، ويريد مني أن أرتب العمل كله بنفس الطريقة السابقة.

– تأكدت أن هناك “مؤامرة باكستانية” للإبقاء على المطار الجديد مفتوحًا وإفشال المعركة القادمة، أو جعلها معركة محدودة لا تؤدي إلى فتح المدينة.

– كان البدوي الشاب يهدد جنود العدو بالذبح فيضحكون منه. هذه المرة كان أكثر تحديدًا إذ أخبرهم أنه قادم إليهم في الرابعة من صباح فجر الغد ويطالبهم بالانتظار وعدم الهروب. كان التهديد دقيقًا بدرجة مميتة. لحُسْنِ الحظ أن العدوّ ضحك ولم يأخذ التهديد بجدية، فلربما تغيّر تاريخ أفغانستان المعاصر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

غادرت إلى بشاور وتركت إدارة المشروع لكوادر القاعدة، أبو تميم وأبو الشهيد، حتى أحاول تحريك جبال بشاور واتخاذ قرار بتصعيد مشاركتهم لمطاردة المطار الجديد، والعمليات البرية الأخرى إن إمكن. بالطبع فشلت في مسعاي ذاك، وانسحبت القاعده تدريجياً من “دزجات ستان”، خاصة بعد استشهاد أبو الشهيد القطري. وأورد هنا تقرير صادر من نقطة الترصد وموجه إلى أبو تميم الذي كان يتولى الإدارة وقتها، وهو بتاريخ 23/9/90 وأورده هنا ملخصاً..

 

تقرير من الترصد

ليلة السبت كان التالي: نزلت حوالي 8 طائرات وكانت الأولتين في المطار القديم، ونجحوا في النزول وتنزيل الحمولة، والصعود كذلك، أما باقي الطائرات فنزلت في المطار الجديد، وكانت الطائرة الثالثة هي التي أصيبت بل قسمت قسمين، ورأينا الدبابة تسحبها في اتجاه مبنى قرب المدرج.

1 – الأمر الأول هو أن المهمة صعبت قليلاً: أ ـ نصف القوة الليلة الماضية لم تشتغل معنا : شاه خان، ومركز رقم 9، ومجبور لم يرمي بسبب وجود حوالي 5 سيارات في مركزه. ب ـ أصبح للعدو مطارين فهو ينتهز الفرص ويغير التكتيك من حين لآخر، مما يصعب المهمه، كذلك انسحاب مركزين مهمين من العمل على المطار القديم (شاه خان ورقم 9).

2 – الأمر الثاني: لاحظنا وبكل تأكيد أن الإنزال يتم بسرعة رهيبة جدًا جدًا لا تتجاوز 8 دقائق على الأكثر بحيث أن الطائرة تنزل وتلف في المطار ثم تفتح الباب السفلي (الخلفي) وترمي بكل حمولتها على مدرج المطار وهي تمشي على المدرج بدون توقف وعند الانتهاء، مباشرة تطير. والذي يؤكد هذا الكلام هو أننا رأينا في نقطة تنزيل المطار الجديد التي على اليمين منذ حوالي 5 أيام البضائع متناثرة في نقطة التنزيل، مما يؤكد أن الطائرة تسير وعملية التفريغ تتم بدون إعاقة، فلو كانت الطائرة تنزل في مكان واحد لرأينا أنها مكدّسة في مكان واحد، لكن الملاحظة خلاف ذلك، كذلك الحمولة في المطار القديم تنزل بسرعة أسرع من المطار الجديد.

3 – الأمر الثالث: عمليات التموين من العدو وعمليات الإرهاق بالنسبة للمجاهدين، وذلك بتحليق أكثر من طائرة من نوع “جاموسة”، تغطية الأصوات بالجِتْ (يقصد الطائرات النفاثه)، وإنارة المطارين القديم والجديد في نفس الوقت والتظاهر بالإنزال في أحد المطارات.

أما الإرهاق فحدث عنه ولا حرج، نرى المجاهدين في بداية الليل يشتغلون بكل نشاط ولكن بعد الساعة الواحدة يكون بعض قطع المدفعية قد توقف عن العمل.

– ثم في آخر التقرير يقدم كاتبه (وهو غير معروف) فكره لتوزيع النيران المتوفرة على مدرج المطارالقديم، يتضح منه وجود ثلاث راجماتBM12  وراجمة واحدة فردية لجماعة أبو الحارث وهي قوة جيدة على أية حال، ولكن مناورات العدو جعلت المعلومات مشوشة، حتى التصنت اللاسلكي لم يكن يستطيع تحديد المطار الذي سوف يستخدمه العدو.

على أية حال لم يستمر العدو طويلاً في تلك المناورات بل توقف عنها سريعًا وأقتصر على استخدام المطار الجديد. حتى أن الكثير من المجاهدين أكدوا أن العدو لم يستخدم إطلاقًا المطار القديم منذ أن توقف عن استخدامه في آخر ليلة عمليات لنا في العاشر من سبتمبر. وأميل إلى تصديق ذلك، وبذلك يكون ترصدنا قد وقع فريسة تمويهات العدو، الذي لم يستخدم سوى مطار واحد فقط هو المطار الجديد منذ يوم الثلاثاء 11/9/90.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

الطريق إلى فتح خوست

كما ذكرت سابقا فإن من عملوا معي في مشروع “المطار90” على قدر إعجابهم بأداء العرب في العملية، ونتائجها على الأرض، إلا أنهم انصرفوا من الجبهة انصرافا جنائزيا كأنهم فشلوا في المعركة وخسروا الحرب كلها.

كان حزنهم كبيرًا لأن المجاهدين الأفغان لم يستفيدوا من إغلاق المطار لمدة شهر وكان المشهور أن ذلك سيؤدي إلى سقوط خوست.

ثانيا – ما شهدوه من تكاسل شبه متعمد وترك العدو يكمل عمله في المطار الجديد بدون أي تدخل ـ تقريباـ من جانب المجاهدين. وقد كان مدفعًا واحدًا أو دبابة واحدة كافية لإيقاف المشروع وتدمير المعدات الصفراء اللون التي تعمل طول النهار ـ وكنا على استعداد للقيام بالعملية لكن أحد لم يزودنا بما هو مطلوب، رغم تفاهته وقتها.

وكما هي العادة اشتدت الحرب النفسية في بشاور على من شاركوا معنا في العملية، بدعوى أن الأفغان غير جادين لا في الجهاد ولا في إقامة دولة إسلامية ـ وكانت تلك هي النغمة السائدة في التوأم السيامي “القاعدة والجهاد المصري” وتبنتاها تنظيمات الشام (سوريا)، ثم تنظيمات الشمال الأفريقي التي غمرت الجميع بالتكفير.

زاد الأمر سوءًا استشهاد “أبوالشهيد القطري” الذي كان من أفضل الكوادر العاملين في “مشروع المطار90” وكنت أتوقع أن يكون من أعمدة المشروع الجديد، وقد استشهد أثناء محاولة تفجير قذيفة هاون تالفة من مخلفات الحرب. وكنا قد احتفظنا بها في مكان مهجور لتفجيرها عندما تسنح الفرصة، وحتى لا يأخذها البدو من جامعي الشظايا، فتؤدي بحياة بعضهم. ولكنها أودت بحياة واحد من أفضل شبابنا وأنبلهم خلقًا وأكثرهم شجاعة.

كان أبو الشهيد قد تولى قيادة مركز أبوالعباس بعد انصرافي، وإلى حين تصفية المركز، بعد أن انتهت العملية التي كان “أبو العباس” قلبها النابض.

أثناء العملية (المطار 90) ورغم خطورتها الاستثنائية، إلا أننا لم نفقد فيها أي شخص لا شهيد ولا جريح، ولكن تصفية المعسكر أفقدتنا أهم كادرعندنا!!

من المفارقات أن “أبوالشهيد” عبر ذات ليلة مظلمة من وسط حقل ألغام في جبل الترصد ووصل إلينا بلا خدش، وبدون أن يدري حقيقة ما قام به. إنها مفارقات الحرب المحزنة.

وهاهو الشاب النبيل يحاول الحفاظ على حياة أطفال البدو من جامعي الشظايا حول معسكرنا ـ من خطر قذيفة هاون صدئة من عيار 82 مليمتر. ولكن القذيفة تصيبه بشظية في جبهته فيلقى ربه بعد دقائق. حقاً.. ما أهون هذه الحياة!

في أول يوم من العام “1991” كنت في ميرانشاه مع ابني الأكبر وليد “20 عاما”، وبسرعة لحقت بي العائلة كاملةـ ماعدا عبد الرحمن الذي كان الوحيد بينهم الذي كان مازال مرتبطاً بالتعليم في مدرسة باكستانية. سكنت أسرتي في نفس منزلنا السابق ـ وأصبح لنا جيران هذه المرة. فالبيت المجاور يسكنه حاليا مولوي “عزيزجان” مدير المدرسة الدينية “منبع الجهاد ” وهو صديق قديم وعزيز، وشخصية جهادية تاريخية. (توفي بالسرطان بعد ذلك بأعوام قليلة).

حاجي إبراهيم ـ زميلي في المجلة وفي العمليات ـ كان سعيدًا للغاية أن نعود مرة أخرى إلى الجبهة في مشروع جديد للمطار الجديد.

أبو الحارث كان جاهزا “لاحتلال” مركز أبوالعباس وإدارته بأفراد من جماعته. استعدنا سيارتنا القديمة المتهالكة من عند حقاني في ميرانشاه، وتوجهنا فورا إلى مركز أبوالعباس. كان البدو قد احتلوا جميع مغاراته واتخذوها فندقا لهم ولأغنامهم.

وافقوا على المغادرة في غضون ساعات ـ فهذه هي حياتهم ـ وكان المركز في حاجة إلى أكثر من يوم لتنظيفه، فقام شباب أبو الحارث بالمهمة خير قيام كعادتهم دومًا في المهام جميعا، سهلة كانت أم صعبة. ومعسكرات القاعدة أمدتنا بالفرش وأدوات الطبخ، ثم بقايا صواريخ “كاتيوشا” من فائض عمليتنا السابقة.

ما لبث “أبوالعباس” أن صار أحد مراكز أبوالحارث، وتولى هو إدارته وكانت بعض إداريات المركز تأتي من مقر جماعتهم الرئيسي في غرب جبل تورغار.

كان الدفاع عن جبل “تورغار الصغير” عملهم الدفاعي الرئيسي في خوست وقتها، وكان ذلك مبعث ارتياح حقاني وباقي المجاهدين. فالجماعة أصحاب قوة وبأس، وشبح بيع الجبل قد انتفى تمامًا، وهو الخطر الماثل بقوة منذ أن باع أحدهم تورغار عام “1984”. وجبل “تورغار الصغير” هو مقدمة الدفاع عن “تورغار الكبير” الذي لا يمكن للقوات الحكومية أن تهاجمه بدون التقدم من الأصغر فالأكبر.

على تورغار الكبير كان لجماعة أبوالحارث تواجد ملحوظ، ويستخدمون من فوقه راجمة صواريخ فردية، يقصفون بها مواقع حكومية متعددة، وقد طوروا قاعدتها فصارت رمايتها أكثر دقة. ومع ذلك لم تقم جماعة أبوالحارث بما كنت أتوقعه منهم بتحويل جبل تورغار إلى بارجة نيران حقيقية.

كنت حزينا لتدهور القيمة التكتيكية لذلك الجبل بعدما انتقل إلى أيدي المجاهدين. كنت أتصور أن دبابة واحدة فوق الجبل ومجهزة هندسيا بشكل مناسب، يمكنها تدمير كافة الأسلحة الرئسية للعدو في خط دفاعه الأول الذي مازال يمثل مشكلة. تلك الدبابة يمكنها أيضا النيل من مراكز العدو الحساسة التي مازالت في العمق.

ضغطت كثيرًا على حقاني وأبو الحارث لتوفير دبابة لهذا الغرض. وشرعنا بالفعل في حفر موقع لها في موضع متحكم فوق تورغار.

شاركنا في المشروع “ابن عمر” وهو ضابط سابق في سلاح الدبابات في جيش “اليمن الجنوبي”. وهو من ذلك النوع من الشباب الذين تذكرك رؤيتهم بطاعة الله.

وافق “ابن عمر” على تجهيز الموقع واستخدامه ضد دبابة العدو (التي حاولت جماعة القاعدة تدميرها). ومن الموقع الذي كنا نجهزه قال ابن عمر إنه يستطيع تدمير دبابة العدو من الطلقة الأولى أوالثانية على الأكثر.

وكنا نطالع دبابة العدو من موقع تورغار المرتفع. ونحن نجهز بالمتفجرات موقع دبابتنا الموعودة، وكان حقاني قد وافق على المشروع وقال إنه سيزودنا بها بعد تجهيز الموقع (وَعَدَنا في الحقيقة بوضع 3 دبابات تحت تصرفنا)، ولكن ما أن صار الموقع جاهزا حتى بدأ العد العكسي لبدء العمليات، وعندها لم يكن لأحد قدرة على سحب دبابة واحدة خارج البرنامج المقرر. وكانت الدبابات تابعة كلها لكتيبة “العمري” التي يديرها أشقاء حقاني إبراهيم ثم خليل (الذي يرفض دومًا تزويدنا بإبرة خياطة وليس دبابة).

عندما انتقلنا إلى “الجبهة الشرقية” جاء معنا ابن عمر وقضيت معه أياما نتفحص الجبال والسهول شبرًا شبرًا. لتحديد ملامح استخدام محتمل للدبابات من جانبنا ضد العدو، وكانت اكتشافاتنا مذهلة.

وصاحبنا “ابن عمر” كان ذو خبرة وخيال خصب في استخدام سلاحه التخصصي. تحمسنا كثيرًا لأفكارنا الجديدة، سواء ما هو ضد المطار الجديد أو ماهو ضد مواقع العدو في سهل خوست المواجه لنا، أو مرابض مدفعية العدو خلف مطاره الجديد، أو مخازن أسلحته السرية التي اكتشفناها مؤخرًا، ولا يعلم أحد عنها شيئا، حيث أنها ظهرت فقط من منطقتنا الجديدة بعد صبر وجهد في المتابعة.

 

طريق بين الألغام

جنوب جبل تورغار ساحة واسعة جدًا مليئة بالأعشاب والأشجار البرية. كانت كثيفة النباتات بشكل ملفت للنظر، ربما لأن أحدًا لا يجرؤ على استخدام تلك المنطقة المحرمة، التي زاد من وحشيَّتِها كثافة الألغام التي بثها العدو بشكل مدروس ومنظم أحيانًا، وبشكل عشوائي أحيانًا أخرى.

كانت أشبه بمناطق “السافانا” الأفريقية، ولكن بدل من الحيوانات المفترسة، يوجد هنا الألغام الحقيرة القاتلة التي تهون إلى جانبها أي ضواري أفريقية.

القاعدة هنا: كل شيء ملغوم، خاصة الأشياء الجميلة التي تجذب النظر، أو الجاذبة لاهتمام شخص يجوب المنطقة، مثل شجرة ظليلة أو بركة ماء صغيرة، أو مدق ترابي قديم.

كان يجب اختراق تلك المنطقة وشق طريق خلالها حتى نحقق اتصالا بين مركز أبو الحارث ومركز أبوالعباس، وبالتالي يتحقق اتصال ذو قيمة تكتيكية كبيرة بين (بوري خيل) ومناطق حيوية شرقا وشمالا مثل دروازجي ولاكان ومناطق جنوبيه مثل (توده شني). إذن تكتمل شبكة حيوية بطرق هي الأقصر والأكثر أمنا في المنطقة.

تحدثت مع أبو الحارث في الفكرة، فاستوعبها وتحمس لها، وشرعنا في إجراءات التنفيذ. كان علينا أن نطارد -وبصبر- ذلك التراكتور الوحيد الذي يخدم المنطقة بأسرها، وهو مزود بسكين خاص لتسوية التربة، وهو ما نحتاج إليه لتمهيد الطريق. وأخيرًا حجزنا دورنا لاستلام التراكتور في يوم محدد.

وكان علينا أن نستكشف الطريق الذي سيسلكه قبل أن يحضر إلينا، فهو ليس كاسحة ألغام، وليس مهندس طرق. لابد أن نحدد له الطريق المطلوب، والأهم أن نطمئنه أنه خال من الألغام.

كان المشاة القادمون إلينا من مركز أبوالحارث وما جاوره يسيرون على الحافة الصخرية للجبال، متحاشين منطقة “السافانا”.

لا أحد يعرف شيئا عن طريقة توزيع الألغام في “السافانا”. نحن إذن أمام خيار واحد لا غير وهو أن نسير في المنطقة بأنفسنا، نختار الطريق المفترض و”نضمن” خلوه من الألغام!!

سرت مع أبو الحارث في منطقة “السافانا” عدة مئات من الأمتار، نسبر الأرض بأعيننا، وأحيانا بقطعة من خشب، كان وقتا عصيبًا خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام كانت مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتصنع اللامبالاة وبالضحكات أحيانًا، حتى وصلنا إلى مدق للمشاة كان يستخدمه مجاهدو المنطقة. فحمدنا الله بأننا قد أنجزنا أهم فقرة في إعداد الطريق.

ولم نلبث أن أحضرنا التراكتور، ومجموعة من شباب مركز أبو الحارث لمساندته في تلك المهمة التاريخية، ولردم بعض الخنادق العميقة التي حفرتها الأمطار والسيول..وأخيرًا صار لدينا طريقًا عسكريًا جديدًا وانقلابيًا.

أول القيادات العسكرية مرورًا في الطريق كان مولوي “نظام الدين” نائب حقاني، الذي جاءنا متهلل الوجه يبارك لنا ذلك الطريق ويقول بأنه “مفيد جدا للمجاهدين”. ولكن لا هو ولانحن أدركنا ـ حتى تلك اللحظة ـ أنه سيكون مفيدًا إلى هذا الحد بتحويل محور الهجوم الرئيسي من بوري خيل (غرب تورغار) إلى ماليزي (شرق تورغار).

 

الطريق الطويل إلى خرمتو

بعد أسبوع أو أكثر من انتقالنا إلى “أبو العباس” تبين أن أموراً كثيرة قد تبدلت وأن عودة العمل ضد المطار القديم بالصورة السابقة أضحى مستحيلًا. وليس أمامنا سوى العمل على مطار واحد هو المطار الجديد. وحتى هذا ظَهَرَ أنه أمر صعب جدا ومحفوف بالمخاطر. فجميع الوحدات التي أرسلها حقاني إلى الجبهة الشرقية، سريعًا ما عادت وهي تشكو وتتذمر.

ذهب جولاب ومجموعته من البدو وسريعا ما رجعوا من هناك، وتلك هي أفضل مجموعة قتالية في خوست، وربما في كل أفغانستان. وقَبْلَهُ ذهب مجبور ـ من كتيبة (غوند) أبوجندل ـ ومعه مدفعي هاون غرناي ثم رجع. وتلاه إبراهيم شقيق حقاني ـ قائد “غوند” العمري ـ ومعه مدفعي هاون غرناي ثم رجع. لم يبق سوانا!!. ومن نحن؟؟

من قدماء مشروع “المطار90 ” كان معي حاجي إبراهيم الأفغاني، وأبو تميم الذي هو معنا بشكل مضطرب في انتظار بدء أي عملية أرضية حتى ينضم إليها. أي أنه ليس معنا في حقيقة الأمر.

ثم أبو الحارث الذي أصبح ضيف شرف في مجموعته الذي أسسها وتبتعد عنه واقعيا، ومن أجل صداقتنا يستنزف كل رصيده الأدبي في المجموعة كي يستخلص لنا بعض أفرادها، وحتى هؤلاء غير مضموني البقاء في المشروع إذا بدأت أي عمليات أرضية، فمن يمكنه كبح جماحهم حتى يستمروا في عمية مدفعية، أو في الأغلب مجرد عمليات إمداد لمواقع مدفعية!!

ما حول “أبو العباس” أصبح خاليا. منطقة “دزجات ستان” أضحت منطقة أشباح. الجميع رحلوا بعدما رحل المطار القديم. كابوس يجثم على صدري: ماذا لو عاد العدو لاستخدام المطار القديم فجأة؟؟ يمكنه المناورة بحرية بين المطارين، وهذا أفضل له، وأصعب علينا.

نحن في حاجة إلى شهرين حتى نعيد بناء قوة نيران معقولة للعمل ضد المطار القديم. أما لبناء قوة نيران تعمل في وقت واحد ضد المطارين فنحتاج إلى معجزة مستحيلة التحقيق، فأيدينا خالية بكل معنى الكلمة، ولا نملك سوى مجرد تصورات!!

كنت أتابع مع حقاني تطورات الموقف العام وتطورات مشروعنا والمشاكل الكثيرة التي تعترضه. فطلب مني مقابلة “وزير” قائد مجموعة البدو التابعين لحزب “السيد أحمد جيلاني” وكان لنا علاقة قديمة معه منذ عام 1988 ولكنها انقطعت بعد استشهاد صديقي عبد الرحمن.

أخبرني حقاني أن حكومة باكستان تزود “وزير” بالصواريخ حتى يعمل ضد المطار الجديد. أثار ذلك ارتيابي وزاد من فضولي في مقابلة وزير والحديث معه.

لم أصارح حقاني بشكوكي، فكنت أعرف أنه يرفض معظمها، وإن كانت علاقته مع الباكستانين قد توترت بشكل متصاعد منذ مصرع ضياء الحق وعزل “حميد جول” قائد الاستخبارات. وكنت أعلم أن علاقته مع مدير الاستخبارات الجديد “أسد دوراني” متوترة بشكل خاص. فقد “استدعاه” دوراني بشكل غير لائق فرفض حقاني الذهاب إليه قائلا لزبانية الاستدعاء: “إن كان دوراني يريدني فليأت هو إلي مقابلتي بعد تحديد موعد مسبق”. مرت الأزمة ولكن ظل الجمر متقداً تحت الرماد.

أخبرني حقاني أن العمليات القادمة ستكون كبيرة ـ ولكنه لم يحدد الهدف منها ـ وقال أنه يعتمد على “وزير” وجماعته في التصدي للمطار الجديد، ويريد مني أن أرتب العمل كله بنفس الطريقة السابقة في” المطارالقديم”.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

صواريخ.. ثمن الخيانة

بعد رحلة ممتعة عبر منطقة “خارصين” التي كانت اكتشافًا جديدًا بالنسبة لي، وصلنا في سيارتنا القديمة إلى مركز القائد “وزير” قبل المغرب بقليل.

وكان معي “حاجي إبراهيم” و”أبو تميم”. وجدنا المركز يعج بالنشاط، وعشرات من البدو الأصحاء ينقلون أكداسًا كبيرة من صواريخ الكاتيوشا الجديدة داخل صناديقها الخشبية.

كانت المعنويات مرتفعة للغاية، خاصة “الكومندان وزير” الذي قابلنا بابتسامة عريضة وترحاب واضح وانشراح كبير، وكل ذلك ليس من عادة البدو غالبًا، إلا في المناسبات الخاصة.

“وزير” أخبرنا بصراحة تلقائية وبدون أن نسأل، بأن تلك الصواريخ الجديدة زودته بها حكومة باكستان كي يعمل بها ضد المطار الجديد. سلمناه رسالة خطية من حقاني، وفيها أننا مكلفون بالعمل ضد “المطار الجديد” ويرجوه التعاون والتنسيق معنا نظرًا لسابقتنا الناجحة في “المطار القديم”.

قرأ “وزير” الرسالة وأعاد الترحيب بنا وسألنا عما نريد أن نفعله. فشرحنا له النقاط الرئيسية في العمل ضد المطار بشكل مركز على هيئة نقاط.

وكلما أوضحنا نقطة، رد علينا بحماس وبابتسامة عريضة بأن هذا بالضبط ما قرر فعله وأتفق عليه مع “حقاني”. شعرنا أن الرجل سحب البساط كله من تحت أقدامنا، فهو يعرف كل ما نعرفه ويمتلك من الوسائل مالا نحلم بامتلاك جزء يسير منه.

ليس لدينا شيء سوي حفنة من الصواريخ، وأفراد ثابتون أقل من أصابع اليد الواحدة. فسألت إبراهيم وتميم إذا كان أحدهم يود أن يضيف شيئا قبل أن ننصرف، فقالا بأن لا شيء لديهم. فاستأذنا وانصرفنا.

بعد فترة من الصمت ونحن سائرون في المجاهل صوب “توده شني” قلت لزميلاي، أنه ليس من المهم أن نشارك نحن في العملية مادام هناك من يمكنه القيام بها. وافقاني على مضض، فكلاهما يشعر أن هناك شيئا ما غير صحيح. أما أنا فكنت على ثقة في أعماقي نفسي أن الذخائر الضخمة التي شاهدناها وتلك التي في المخازن ولم نشاهدها، هي (ثمن الخيانة) أي ثمن ألا يشارك وزير في ضرب المطار. بينما يعتمد المجاهدون في خطتهم على “وزير” في إغلاق المطار، يكون وزير انسحب من المعركة تاركا “المطار” كي يستجلب من كابول كل مستلزمات النصر في المعركة القادمة.

اجتمعنا مع حقاني مرة أخرى وأخبرناه عن “النتائج الوردية” لمقابلتنا مع وزير ولكنه نفى أن يكون قد اتفق معه على تفاصيل العمل التي ذكرناها!! فتأكد لدي أن هناك “مؤامرة باكستانية” للإبقاء على المطار الجديد مفتوحًا وإفشال المعركة القادمة، أو على الأقل جعلها معركة محدودة لا تؤدي إلى فتح المدينة.

زاد حماسي للمشروع، ونجحت في نقل جزء من ذلك الحماس إلى صديقي “أبوحفص” في القاعدة، فانبسطت أيديهم معنا ـ قليلا ـ ووصلنا عدد من الأشخاص وكمية من الصواريخ، فتحسن وضعنا نسبياً، وأصبحت على ثقة من أننا في معركة المطار الجديد لسنا منفردين. ولكن أكثر تخوفنا وحذرنا من أننا قد نتلقى ضربة مباشرة إلى أشخاصنا داخل الجبهة أو خارجها ـ خاصة في ميرانشاه. وأثبتت الأحداث صحة تلك التخوفات.

 

 

بطولات البدوي الشجاع

في منطقة ماليزي، كان البدو من جماعة جولاب يشغلون الخط الأول الذي كان على مسافة قريبة جدًا من جبال الخط الأول للعدو. وكانت الاشتباكات متقطعة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والهاونات.

كان مكانًا خطرًا. وصديقنا القديم “الحاج محمد أفريدي” الذي تعرفنا عليه في عمليتنا السابقة “المطار القديم ” كان نجمًا ساطعًا في الخط الأول.

ونجح في تثبيت مدفعه “الدوشكا” وإلى جانبه العلم الأبيض وخاض جولات مشهودة ضد العدو، اختلطت فيها صليات الرشاشات مع صليات الشتائم المهينة التي يصبها جنود العدو غير المهذبين على بطلنا الشاب الذي كان يتهددهم بالذبح مثل النعاج في القريب العاجل.

خلف جبل الخط الأول ساحة واسعة يخترقها مجرى سيل جاف وعميق اتخذه البدو”مقرا إداريا” حفروا فيه مغارات للراحة والنوم والمخازن. وعلى حافته وضعوا راجمة صواريخ بجوارها حفر عديدة للذخائر والطعام.

كتب حقاني رسالة إلى جولاب كي يسلمنا الراجمة، وأن يسمح لطاقم من عندنا باستخدامها من نفس موقعها ضد المطار الجديد. وافق البدو بترحاب، خاصة وأننا أوضحنا لهم أننا سنستخدم الراجمة ليلا فقط ضد المطار، أما أثناء النهار فيمكنهم استخدامها إذا احتاجوا إليها في عملياتهم، بشرط أن لا يستخدموا شيئا من ذخائرنا، فوافقوا بروح رياضية.

لم نكن نعلم وقتها -وربما أن حقاني لم يكن قد قرر بعد- أن تبدأ حملة تحرير خوست من ذلك المكان الذي يشغله البدو، وعلى أيديهم.

عندما قرر حقاني وتحددت ساعة الصفر للهجوم على جبال العدو وخط دفاعه الأول في ماليزي، كان الأمر غاية السرية ولم يعلم به سوى أفراد قلائل. فقط في اليوم السابق للعملية كان رجال البدو في ماليزي قد علموا بتفاصيل ماهو مطلوب.

العدو كان على أتم الاستعداد، ولكن جهة الغرب من تورغار، أما ماليزي وغيرها فكانت في إطمئنان تام. هذا لولا ملاسنة بالشتائم والرشاشات خاضها العدو ضد الشاب “الحاج محمد أفريدي ” ويبدو أن عناصر العدو كانوا يستمتعون بذلك الروتين القتالي مع الشاب البدوي المتحمس لدرجة الجنون. فكانوا يشتمونه على جهاز المخابرة ويصفونه “بالبدوي الأحمق”.

كالعادة كان البدوي يهددهم بالذبح في القريب العاجل، فيضحكون منه. ولكنه هذه المرة كان أكثر تحديدًا، فبعد السباب التقليدي أخبرهم البدوي الفصيح أنه قادم إليهم في الرابعة من صباح فجر الغد، ويطالبهم بالانتظار وعدم الهروب.

ضحك ضباط العدوّ وأغرقوا في الضحك، ولكنهم ندموا كثيرًا في صباح الغد، فقد كان التهديد دقيقًا بدرجة مميتة. ولحسن حظ المجاهدين أن العدو لم يأخذ ذلك التهديد مأخذ الجد فلربما تغير تاريخ أفغانستان المعاصر.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (32)

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

بسم الله الرحمن الرحيم

15- استراتيجية الاستخبارات

الإشارات التي يطلقها الناس تبين حركتهم التالية لمن يلتقطها ويقرأها؟ .. حينما سأل الأسد العجوز الثعلب الواقف على فوهة الكهف: لماذا لا تدخل؟ قال الثعلب: كنتُ دخلت لو لم أرى الكثير من آثار الخطوات الداخلة إلى الكهف دون أي خطوات خارجة .. بعد غزو العراق للكويت قال بوش الأب لصدام حسين: دعنا نرسم خطاً .. حينما سأل مراسل أمريكي الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله عن خطوته القادمة فقال له: الجواب ما تراه لا ما تسمعه .. ووفى بها كما وفى من قبل هارون الرشيد .. عندما عُرض على سيد العصر في الوفاء الملا عمر رحمه الله بيع الصنم قال: لأن ينادى علي يوم القيامة أين عمر هادم الصنم؟ أحب إلى من أن ينادى علي أين عمر بائع الصنم؟ .. ووفى بها كما وفى من قبل محمود الغزنوي .. ما نقوله أو ما تخطه أيدينا يجعلنا كتاب مفتوح فكل إناء يفيض بما فيه ..

أربعون عام وأفغانستان “قاهرة الامبراطوريات” تقاوم بكبرياء .. في نهاية عام 1838 غزا الانجليز أفغانستان لأنها ستؤمن مصالح بريطانيا ضد الروس .. كما أن نجاح الحملة مضمون فرجال القبائل الأفغانية يحملون أسلحة بدائية .. والجيش الإنجليزي سيقدم نفسه على أنه محرر لأفغانستان من الغشم الروسي .. وكجالب للتقدم والتحضر والدعم  .. وسيضعون وكيلاً لهم يرعى مصالحهم ( الشاه شجاع ) ملكاً على أفغانستان .. وعندها يغادر الجيش ويصبح النفوذ البريطاني غير مرئي للشعب الأفغاني .. هكذا كانت رؤية مخطط الحرب الانجليزي ( ماكناتن ) فما الذي حدث حتى أبيد الجيش البريطاني عن بكرة أبيه؟!! ..

الذي رأه الشعب الأفغاني ولم يلحظه قائد الحملة ( ماكناتن ) أن الشاه بداً مع كبر سنه خاضعاً للمحتل .. الحاكم السابق لأفغانستان ( دوست محمد ) يعد جيشاً في الجبال لطرد المحتل .. أهان المحتل القبائل في الجنوب وسلب أراضيهم من أجل الطعام .. استدعى قائد الحملة مايربوا على 12 ألف هم عائلاتهم وخدمهم وجنود إضافيين .. شاهد الأفغان أيضاً في شوارعهم عادات غريبة “الخمور – سباق الخيل – المسرح …إلخ” .. خفض المحتل رسوم العبور في المناطق القبلية التي تُدفع للقبائل إلى النصف .. اتبع المحتل سياسية فرق تسد بين القبائل في محاولة فاشلة برشوة سياسية لأحد قادة القبائل ..

أما الحاكم البريطاني ( مكناتن ) فكل الذي رأه أن ( الشاه شجاع ) بلا شعبية فقرر عدم مغادرة أفغانستان للحفاظ على مصالح بريطانيا .. لم ينصت للأصوات التي حذرته من نشر العادات الغربية في الشارع الأفغاني .. تعلل بأن كل شيئ سينسى ويغتفر عندما يغادر الجيش وما أن يشعر الأفغان بفوائد الحضارة الإنجليزية حتى يزداد امتنانهم .. تجاهل نصيحة ( الشاه شجاع ) حول اغتيال خصومه ..

في نهاية 1841 أحرق الشعب الأفغاني ( الكسندر بورنيس ) المسؤول عن السياسة البريطانية بكابل في بيته الذي أكلته النيران .. وانتشرت الثورة على الإنجليز .. فعقد ( مكناتن ) علناً اتفاقية يخرج بموجبها الجنود الإنجليز ومرافقيهم من أفغانسان في مقابل تأمين الأفغان الطعام لهم خلال انسحابهم .. وفي نفس الوقت أعد حيلة تساعد على بقاء النفوذ الإنجليزي في أفغانستان .. فأرسل سراً عارضاً رشوة سياسية على أحد زعماء القبائل بجعله حاكماً على البلاد وسيموله بسخاء للقضاء على الثورة ..ولتأكيد الاتفاق ذهب ( مكناتن ) للقاء الزعيم القبلي ( أكبر خان ).. ولأن معدن الأفغان نفيس قبض ( أكبر خان ) على ( مكناتن ) وأرسله للسجن .. وفي الطريق احتشد الأفغان وقاموا بتقطيع ( مكناتن ) لأشلاء وساروا بأطرافه في كابل وعلقوا جذعه على خطاف الجزار في سوق كابل ..

وأجبرت القبائل الأفغانية ذات التسليح البدائي الإنجليز القوة العظمى ذات التسليح الحديث والمهول على الانسحاب من طريق ( كابل – جلال آباد ) 160 كم فقط .. وخلال الطريق وبمعية الله قضى الأفغان والطقس السيء على 17000 جندي إنجليزي مع عائلاتهم وخدمهم .. مسطرين بالدماء نهاية الحملة الأولى الفاشلة للإنجليز على أفغانستان التي لم تتجاوز سنتين وأشهر قليلة ..

في 13 يناير 1842 وصل إلى الحدود الأفغانية الهندية بجلال آباد حصاناً يشق طريقه وسط الثلوج باتجاه البوابة .. كان راكبه نصف الميت هو الدكتور ( ويليام برايدون ) الناجي الوحيد من الحملة البريطانية الملعونة لأفغانستان .. فهل اتعظ الأمريكان؟ ..

لقد أغلق ( مكناتن ) عينيه وأصم أذنيه فلم يرى الاشارات كما لم يسمع التنبيهات والنصائح .. ولو أنه تواصل مع الهنود الذين عاشوا بأفغانستان لأخبروه أن الشعب الأفغاني من أكثر الشعوب كبرياء واستقلالية على وجه البسيطة؛ وأن منظر القوات الأجنبية في طرقاته هي إهانة لا تغتفر .. وأن محاولة تغيير عادتهم لما يراه هو تحضراً عندهم فسق وفجور وخروج عن العرف والتقاليد .. أما سلبه لأموالهم وأرضهم هو خط أحمر لا تحمد عقبى تجاوزه .. وأسوء ما هداه إليه عقله تخيله أن المال وجاذبية المصلحة الذاتية تشتري له الولاء بين الأفغان .. أن ترى من منظورك أنت!! وتفهم كما تحلم أنت!! وتريد أن تجبرهم على تبني مشروعك!! وتديرهم كما يحلو لك!! فأين هم من كل ذلك بل أين أنت؟ إنه عمى البصيرة لنفس مريضة وهكذا المحتل دوماً وكذلك الطغاة قال الله تعالى  عنهم {… قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ {29}..

الأفغان غير قابلين للتطويع بل تكمن عزتهم في المواجهة والصراع .. وهذا هو أسلوب حياتهم: إله يعبدونه .. دين يفخرون برفع لواءه .. وأرض صلبة يعشقونها ويحرسونها .. وجبال وعرة يمتطون قممها ويروضونها .. وهواء نقي يتنفسونه .. فمن يجرؤ على أن يسلبهم حريتهم أو يعكر عليهم صفو حياتهم ..

لقد مر على أفغانستان الاسكندر المقدوني فلم يهنأ فيها .. وتبعه الإنجليز فما عاد منهم إلا برايدون .. ودَفن الروس في أرضها أشلاءً أطلق عليها يوماً الاتحاد السوفيتي .. واليوم تجتهد أمريكا في الفرار لتبقى متحدة وهيهات فلعنة أفغانستان أصابتها .. كما أصابات الإمبراطوريات قبلها .. إنها مقبرة الغزاة فمن يجرؤ على العودة؟ .. بل راياتها السود تخرج فاتحة للغرب قريباً إن شاء الله ..

وبقيت كلمة: ليس بالسلاح وحده ننتصر وإنما بهذا الدين .. القدرة على تحقيق النصر ليست بحداثة السلاح وتطوره .. ولا بالصواريخ والطائرات والدبابات .. ولا بالتقنية الحديثة .. ولا باسم الامبراطورية إنجليزية أو روسية أو أمريكية .. إنما بهذا الدين الذي عمرت به قلوبهم .. وبهذه اليد الصابرة المحتسبة التي تمسك بالسلاح .. هؤلاء هم الأفغان المسلمون .. البلد والشعب الذي أذل أعتى الامبراطوريات .. لا أحد يقدر عليهم طالما أن الله معهم ..

في لعبة السياسة من الأهداف الاستراتيجية “شخصية متخذ القرار” سواء كان شخص أو مجموعة .. ادرس بعمق شخصية القائد وبطانته المؤثرة في القرار .. تعرف عليهم عن قرب .. حدد نقاط ضعفهم .. ليس بالضرورة أن تكون النساء أو المال .. ربما رغبته في إثارة الإعجاب أو حرصه على إخفاء بعض المظاهر الجسمانية أو حلمه بأن يقبل به المجتمع السياسي كند .. أو توقه لأن تقبله الطبقة الاجتماعية الأعلى كعضو .. أو حرصه على احترام نفسه …إلخ .. فحتى أقوى الرجال لديهم نقاط ضعف إنسانية ..

الجزء الثاني في اللعبة هي إعطاء هذه القيادة ما تريده بشدة لتنال منها ما تريد .. فرجل المخابرات يمنح إعجابه لمن يطلب الإعجاب ليجعله يستمر في الثرثرة والإدلاء بالمعلومات أو لتوجيهه بشكل غير مباشر لما يضره أو لتخويفه فلا يقوى على الخطوة التالية .. كما أن القيادة التي ترغب في أن ترفع من طبقتها الاجتماعية فربما تداوى ببعض المال أو بالزواج من إمرأة من الطبقة الأعلى .. وهكذا يمكن اكتساب ثقتها ومن ثم إدارتها عن بعد لحتفها .. هكذا فعلت أوروبا بنابليون “عبقري الحرب” حتى قضت عليه .. فحينما تقضي على القائد تتوه القوات .. وقديما قيل “اضرب الراعي تتفرق الخراف” ..

 

وبقيت نقطة:

في اللعبة الدولية الحديثة حينما تحاول بعض الشعوب أن تفلت من وطأة الامبراطوريات المستعمرة تلجأ الأخيرة إلى الخيار شمشون “علي وعلى أعدائي” وتنفذ ذلك من خلال الحكمة الإنجيلية “اضرب الراعي تتبدد خراف الرعية” فتقوم بإثارة الفتن الداخلية فتُدخل البلاد في متاهة وحالة من الفشل تتبدد معها الثروات وتضيع كثير من الفرص .. وللخروج من هذا المأزق لجأت لإعادة صياغة الحكمة السابقة – فالإنجيل على كل حال محرف ولا يضره زيادة البلل – كالأتي: “اكسب الراعي تكسب خراف الرعية” .. أليس هذا ما تعيشه اليوم بلادنا الإسلامية؟ ..

 

الاساس في نشأة أجهزة الاستخبارات هو رغبة القيادة في معرفة:

أولاً: نفسية القيادة المعادية ونفسية بطانتها والمؤثرين في اتخاذ القرار .. فمن المهم أن نعرف كيف تفكر وما هي المرجعية التي تحكم مسيرتها .. والضوابط العامة والخاصة لشخصية القائد وأعوانه المتنفذين .. وخلاصتها أن تجعل الخصم كتاب مفتوح يمكنك توقع تصرفاته بدقة عالية ..

ثانياً: الحصول على المعلومة الخام لتحركات العدو ليس العسكرية فقط وإنما السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية .. إلخ فكل خطوة يخطوها في كل منها هي مؤشر على مجموعها النهائي .. وهو الهدف الذي تسعى الدولة لتحقيقه وربما الذي كلفت بتحقيقه! ..

ثالثاً: رؤية الاشارات التي تنبئ بالخطوة القادمة للعدو .. جرت العادة أن لدى البشر رغبة مكبوتة في كشف نواياهم ولهذا فمن خلال ملابسهم ومن خلال لغة الجسد وتصرفهم بعقلانية أو بعصبية أو بدعابة أو حتى بالرقص ( البشير ) ورؤية بث عيونهم .. أو بتحديدهم أيام خاصة للقاءات الإعلامية .. أو صياغة عبارات لها دلالة خاصة أو مستوحاة من كتبهم ( المقدسة ) أو لها معنى ودلالات من خلال الحكم والأمثال والقصص الشعبية والأساطير القديمة .. فكل هذه رسائل يكشفون بها عن نوايهم .. وربما عن حيلهم! ..

التعرف على نفسياتهم تجعلهم كتاباً مفتوحاً .. المعلومة الخام هي الواقع العملي .. رؤية الاشارات تكشف النوايا .. وكلها تكسبنا الرؤية والاحساس بالأمن أو الخطر .. وتجعلنا نتنبأ بالخطوة أو الخطوات القادمة ..

 

نصائح مخابراتية:

– في العمل المخابراتي المطلوب من عنصر المخابرات إحضار المعلومة الخام كما هي .. على أن يدون تحليله الشخصي في تقرير منفصل ..

– نوعية المعلومة أهم من كميتها .. خاصة النفسية منها .. فمعلومة صغيرة تفيد بأن الخصم شخص عصبي يسهل استفزازه .. فنحن أمام شخص نادراً ما يفكر بطريقة صحيحة ويمكن سوقه والسيطرة عليه وإفقاده توازنه لاتخاذ المزيد من القرارات الخاطئة ..

– الأزمات تكشف نقاط ضعف العدو خاصة تلك التي يجتهدون في إخفاءها .. ووضع الخصم في موقف دفاعي يجعل رد فعله فاضحاً لأكبر مخاوفه التي سيبذل الوسع في سترها ..

– المعلومات القيمة هي ثمرة شبكة من الأصدقاء والحلفاء .. الأبواب الخلفية التي يدخلون ويخرجون منها تساهم في الحصول على أثمن المعلومات كما تساهم في تسوية الكثير من النزاعات .. ولا غنى عن هذه الشبكة غير الرسمية ..

– جرت العادة أن تضم شبكة المعلومات الرسمية: بخلاف أصحاب النفوس الضعيف يمكن ضم الشخصيات المناهضة للعدو وترغب في التعاون .. المنبوذون والمهمشون .. الأقليات الطامحة للتحرر والاستقلال .. القبائل التي تم إذلالها .. كل من له ثأر مع نظام العدو وله رغبة في القضاء عليه ..

– لا يمكن الاعتماد على نوع واحد من الشبكات .. كما لا يمكن الاعتماد على معلومات يأتي بها عنصر واحد ..

– قراءة مؤلفات القادة تجعلهم كتاباً مفتوحاً للمدقق .. مثل هذه المؤلفات تحتاج إلى دراسة عميقة ..

– العدو ليس أحمقاً ولا جامداً لا يتفاعل أو يتغير .. هو أيضاً يمارس نفس ما تفعله .. والصراع بين عقلين متجدد ومتغير .. إن عمق المعرفة بنفسية العدو لا تغني عن حداثة المعلومة خاصة إذا كان العدو يعتمد على المؤسسات وليس على الأشخاص الذين يتواجدون على قمتها لفترة من الزمن ..

– اعرف عدوك جيداً قبل اتخاذ أي خطوة .. فالقائد الانجليزي ( مكناتن ) تغافل باستعلاء عن فهم الشعب الأفغاني ولم يرى عزة نفسهم وكبريائهم وبالتالي لم يلمح بريق سيوفهم إلا عندما شرعت في تمزيق جسده ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -15- (استراتيجية الاستخبارات)

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

بسم الله الرحمن الرحيم

14- الحرب الهجومية

 

تشابه عناوين مبادئ الحرب بين المسلمين وغيرهم لا يعني أن جوهر الحرب متشابه .. فالفارق في المضمون والغاية كبير جداً .. جوهر الصراع عند غير المسلمين هو المصلحة .. ومحركها الجشع والحسد .. وغايتهم سرقة ثروات الأخرين واستعبادهم .. ولا يختلف بقايا أهل الكتاب عن غيرهم في ذلك .. فنصوص التوراة المحرفة تدفعهم لابادة خصومهم .. وما يمنعهم أحيانا عوامل ليست أخلاقية كما يزعمون .. ربما تكافئ القوى .. ربما الحاجة الاقتصادية لهذه الأيدي .. ومنعهم مؤخراً استغلالهم كحقل تجارب أو قطع غيار بشرية .. قال كبيرهم “لا يوجد صداقةأو عداوة دائمة ولكنها المصالح” ..

المسلمون[1] حينما خرجوا جهاداً في سبيل الله حملوا رسالة الحب والخير والحرية للبشرية .. وهدفهم من الحرب ومازال تحطيم أغلال العبودية لغير الله .. وتصحيح العقيدة فيعبدوا الله الواحد الأحد .. ولصبغة مسيرتهم إليه سبحانه وتعالى بشريعته .. ودربهم بمنهجه .. إن جوهر الصراع قائم على تحرير العقل .. برفع كل الحجب المادية والنفسية عنه ليتلقى الرسالة ويختار الطريق ..  

 

قبل الشروع في العمل العسكري يجب أن ننتبه للفارق الكبير بين الدين الاسلام كمحرك وضابط للنظام الذي يتبعه وبين بقية الأنظمة الحاكمة الأخرى بالعالم .. فالغاية في الاسلام هي أن تدين البشرية بالوحدانية لله والعمل بشريعته سبحانه وتعالى ولذلك استهدف الاسلام العقل والروح ووجه إليهما رسالته .. وخاطبهما بالحكمة والموعظة ووفر لهما  كل سبل الاقناع الدعوية والجهادية .. وعلى العكس من هذا استهدفت كافة القوى الأخرى الجانب المادي فهددت وجود الإنسان وما يملك وعمدت إلى الاستيلاء على الارض وما بها من خيرات وثروات أو الابادة للبشر أو استعبادهم ..هذه المقدمة هامة حتى نفهم ويفهم خصومنا أيضا منهج الإسلام في الصراع مع الأخر ( كل من لا يدين بالاسلام من: أهل الكتاب أو الوثنيين أو اللادينين وغيرهم ) ..

 

مبادئ الهجوم:

1- الغاية والمهمة والمحافظة عليهما:

في ضوء الدين الإسلامي وفهم غايته يدار الصراع {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ {193} البقرة.. {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {39}الأنفال .. تقوم القيادة السياسية بتحديد المهمة وتسندها للقيادة العسكرية وتراقبها لتظل محافظة عليهما ..

تقوم القيادة العسكرية بالأتي:

أ- تقيم المهمة في إطار فهم التأثير المطلوب إحداثة ومقارنة ذلك مع الإمكانات المادية والتقنية المتاحة .. وفي ضوء ذلك تقوم بالعمل على استكمال النقص أو بناء القوة المناسبة لتنفيذ المهمة .. “إعرف نفسك ونقاط قوتك ونقاط ضعفك” ..

ب- بالتوازي مع البند ( أ ) تقوم القيادة العسكرية بتقدير الموقف، حيث يقوم القادة بدراسة العدو دراسة شاملة لتحديد جوانب القوة والضعف .. “إعرف عدوك ونقاط قوته ونقاط ضعفه” ..

ج- التخطيط لتنفيذ المهمة وإحداث الأثر المطلوب .. وذلك وفقاً للظروف التي ستخوض فيها المعركة: “الوقت والمناخ وطبوغرافية الأرض …إلخ” .. وتهيئة القوات للقتال معنويا .. والقيام بالحشد الإداري .. وفق خطط زمنية محددة لتصل للجاهزية عند ساعة الصفر ..

د- المتابعة للمحافظة على الغاية باستمرار سواء عند التخطيط أو الإدارة .. ومراجعة المهام مع القرارات التنفيذية للمحافظة على الاتجاه وعدم الانحراف نحو أهداف أخرى ..

 

2- المعلومات:

لا يتوقع النجاح في أي معركة دون توفر معلومات متجددة وحديثة عن العدو وإمكاناته وتحركاته .. لتحديد نقاط قوته وضعفه ومعرفة نواياه .. ويتم جلب هذه المعلومات من خلال:

– الاستطلاع: لجلب المعلومات في ميادينه الثلاث البري والجوي والإلكتروني من خلال الدوريات والطيران والأقمار الصناعية وغير ذلك للحصول على معلومات تكتيكية وعملياتية واستراتيجية ..

يستهدف الاستطلاع التكتيكي جلب المعلومات الدقيقة عن تحركات ومواقع العدو قبل التماس معه مباشرة “حجم القوات .. المواقع .. الأسلحة .. الثغرات .. الحواجز (الموانع) .. طرق الامداد .. مقرات القيادة .. مراكز الرصد .. أرض المعركة .. مصادر المياه … إلخ” ..

أما الاستطلاع العملياتي فيستهدف عمق العدو بغية كشف نواياه ويجمع معلومات حول “الاحتياطي وأماكن حشده .. قواعد العدو الجوية .. بطاريات الدفاع الجوي .. طرق امداد .. مراكز التموين والمستودعات الخلفية .. طبوغرافيا مسرح العمليات .. انتشار الأنساق الخلفية” ..

ويستهدف الاستطلاع الاستراتيجي جميع المعلومات عن أهداف العدو الحيوية الاقتصادية والعسكرية في العمق الاستراتيجي مثل ” المطارات .. المصانع الحربية .. الجسور الرئيسية .. مصافي النفط .. محطات توليد الكهرباء .. السدود والموانع المائية .. محطات الردار .. مراكز تكديس الأسلحة والذخائر والعتاد …إلخ” ..

– الاستخبارات: وذلك من خلال العيون التي تعمل على اختراق العدو وتقوم بالحصول على المعلومات من الخرائط أو العملاء المجندين من صفوف العدو .. ويمكن أيضاً من خلال خطف عناصر كبيرة للعدو واستجوابها .. وكذلك استجواب الأسرى .. وأيضاً من خلال الاختراقات على مستوى القيادة السياسية للعدو .. أو التفاهم مع بعض القبائل أو سكان المنطقة .. وتجمع المخابرات أيضا المعلومات على المستويات الثلاث التكتيكي والعملياتي والاستراتيجي ..

 

3- المفاجأة:

وهي مباغتة العدو ومبادئته بطريقة مبتكرة تخالف توقعاته .. في الزمان أو المكان أو التكتيك أو التعبئة أو السرعة الحركية .. وتصدمه وتربكه وتمنحنا مزيداً من الوقت لاستثمار الصدمة في التغول في عمق العدو والوصول للهدف المطلوب تحقيقه .. استثمار الصدمة يعني ألا يسمح للعدو باستعادة السيطرة أو تنظيم دفاعه بل تدفعه الصدمة لاتخاذ قرارات ارتجالية خاطئة تحت الضعط طوال الوقت ..

إن أهم العناصر لتحقيق المفاجأة هو إخفاء نوايانا ( التنفيذية ) بسرية أعمال التحضير للمعركة ويساعد على نجاح ذلك خطة الخداع الإعلامية “عملية التضليل بالمعلومات” .. وخطة الخداع التكتيكية “إخفاء اتجاه المجهود الرئيسي” .. وكذلك الأمن والسرية “باستمرار الحركة العادية للقوات والتغطية على التحركات الحقيقة والسيطرة على الاتصالات من خلال شفرة قوية” .. كما تساندها أعمال القوات الخاصة والاستخبارات “العمل خلف خطوط العدو أو احداث انشقاقات مفاجئه في صف العدو” .. وأيضاً تساهم نوعية السلاح والمعدات وعدد القوات المستخدمة في الهجوم والروح المعنوية العالية والانضباط في التنفيذ في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية ..

وبقيت كلمة: “المفاجأة والمبادأة والخداع ثلاثة مبادئ يصعب فك الارتباط بينها .. فكل منها داخلاً في الأخر ومنتج له” ..

 

4- الأمن ( الحراسة والسرية ومكافحة التجسس ..إلخ ):

الأمن يعني عدم إعطاء العدو الفرصة للمباغتة وله شقين: الأول تعليمي للقيادات والجنود والشعب .. والثاني إجراءات عملية لها أجهزة محددة المهام .. فحماية الثغور تحرس وجود القوات من تسللات العدو الاستطلاعية والهجومية .. ومكافحة التجسس تحرم العدو من تشكيل طابور خامس من المنافقين الذين يمارسون أعمال التخريب المادي والمعنوي وتحد من الاغتيالات ونقل المعلومات .. كما أن تحصين القادة والجنود بالثقافة الأمنية يساهم في صون المعلومة من أن تقع بيد الأعداء .. وفي الهجوم يتولى الأمن حماية التحركات وضمان سريتها لمباغتة العدو أو لتفادي الوقوع في كمين .. كما يحمي القوات من أي إغارة على نقاط التجمع أو أثناء وقفات الاستراحة ..

الأمن والاستطلاع يكمل أحدهما الأخر وهما وجهان لعملة واحدة  ( المعلومات ) .. ويجب التنسيق وتبادل المعلومات بينهما فالأمن عمل داخلي وعلى مشارف المحيط الخارجي والاستطلاع عمل خارجي وفي عمق العدو ..

 

5- التكنولوجيا:

قد تصل الحرب إلى حالة من الجمود تحرم طرفيها الحسم في ميدان القتال .. وهذه الحالة يتم التغلب عليها من خلال التطوير في الأسلحة والمعدات وبالتالي في المناورة قريبة وبعيدة المدى .. وفي هذا العصر بلغ التقدم العلمي مبلغاً غير مسبوق فلم تتطور الأسلحة والمعدات الحربية العاملة في الميدان فقط .. ولكن التقنية أضافت للصراع عناصر مساعدة من خارج مسرح العمليات حققت تفوقاً يضمن توفير المعلومة بل وتحديد الأهداف وإصابتها من خارج ميدان العمليات .. وبدون اللجوء إلى استنزاف العنصر البشري .. من خلال الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار في الاستطلاع والقصف ومضادات الدبابات والطيران المحمولة على الكتف والصواريخ السابحة متوسطة وبعيدة المدى والعابرة للقارات وتقنيات التجسس والاختراق عن بعد من خلال شبكة الانترنت …إلخ .. وبقدر ما تنفق الدول على تقدمها العلمي بقدر ما تجعله عنصراً حاسماً في الحرب الهجومية والدفاعية .. وهذا موضوع القرن الذي يجب أن تبذل فيه الجماعات المجاهدة وسعها فلا تكتفي باستخدام مصنوعات العدو أو وسائل اختراقه وإنما تعمل على بناء جهاز من النابهين موضوعهم التقنية الحربية ..

 

6- التدريب:

تقدر خبرة الجيش والجنود بتاريخهم العسكري وبرقي التدريب واعتماده على التمارين العملية الهجومية المتنوعة .. مثل التسلل والإغارة والكمائن ومناورات الهجوم المختلفة .. كذلك التدريب على مقلدات الأسلحة ووسائل المحاكاة فهي فضلاً عن توفيرها للذخائر ذات الكلفة العالية فإنها تعمل على برمجة الجندي حال تعرضه لظرف مشابهة .. هذه النقطة غاية في الأهمية حيث يكون رد فعل الجندي آلياً في الميدان بعيداً عن الخوف والتردد كما تجعله واثقاً من نفسه ورفاقه والسلاح الذي بين أيديهم .. وبقدر ما تهتم القيادة باعداد وتدريب جنودهم بقدر ما تظهر كفائتهم العملية في ميدان القتال ..

إن الهدف الرئيس من التدريب هو إدخال الجنود في تجارب قريبة لما سيواجهونه لإثناء تقدمهم في أرض المعركة بحيث يلمون بنسبة مقبولة عن ظروف القتال ومناخه وتكون عقولهم حاضرةً لأي مفاجئة محتملة .. وقديما قالوا العرق في  التدريب يوفر الدماء في الميدان ..

 

7- الحشد:

هو حشد الجهود “المادية والمعنوية” في الوقت والمكان الصحيحين لإنجاز المهمة .. ومجال الجشد يكون في: البشر والتجهيزات والأسلحة والذخائر والتموين والخدمات الطبية وبقية الإداريات …إلخ  .. والحشد بطبيعته لا يبلغ المثالية والنقص الناتج في بعض النواحي الثانوية لا يضر طالما تمكنا من تحقيق تفوق في الجوانب الرئيسية ..

هذه التعبئة يتم ضبطها بالتوافق مع عدد من المبادئ مثل: الاقتصاد بالقوة ونسبة القوات والزخم والانتشار .. نظراً لأن الموارد المادية المتاحة لأي دولة محدودة فالحشد يكون محكوما بالاقتصاد .. كما أنه محكوم أيضلً بنسبة القوات في حالتي الدفاع والهجوم مع قوات العدو حيث يجب حشد العدد النسبي .. والحشد لا بد أن يوفر الإمدادات النارية والبشرية المطلوبة في المعركة حتى لا يفقد الهجوم زخمه وتكون النتائج عكسية .. كما أن الحشد يجب أن يتم توفيره في نقطة التعبئة التي تنسجم مع حالة الانتشار للقوات ..

 

8- الزخم:

أحد العناصر الهامة في العملية الهجومية إذ يجب المحافظة على زخم وعنفوان القوة النارية حتى تنتهي القوات المتقدمة من احتلال الهدف .. وأي توقف للزخم الناري قد يفشل العملية الهجومية ويحدث خسائر في القوات المتقدمة .. ولهذا فقصف القوات الجوية والمدفعية الخفيفة والثقيلة والضرب المباشر للدبابات والمدرعات المتقدمة مع المشاة ورشقات الأسلحة الرئيسية المصاحبة للوحدات المتقدمة والمتمركزة على منصات أرضية حاكمة عليها أن تستمر في صب نيرانها بشكل مكثف أثناء عملية التقدم على خطوط العدو الأمامية ثم تبادر برفع النيران عبر الهدف لتسمح لقوات الهجوم باقتحام الهدف وتطهيره وتأمينه ..

الدقة في التوقيتات وحسن تواصل وحدات الإسناد وسلاح الجو مع قائد عملية الاقتحام يقلل من الأخطاء والفوضى التي تصاحب الاقتحام خاصة عند طلب رفع النيران عبر الهدف لتسمح لقوة الاقتحام باحتلال الهدف ..

 

9- الواقعية:

وهو التعامل مع الواقع بدون تجميل .. أن نعرف من نحن ومن عدونا وطبيعة الأرض والمتاح من امكانات …إلخ في ضوء هذه المعرفة تبنى الخطة وفق ضوابط أخرى .. فلا يجب أن تكون خطة الهجوم طموحة جداً أو كثيرة التعقيدات حتى يمكن للجنود فهمها وتنفيذها في الواقع .. كما أن الإمكانات المتاحة المتوفرة تحت أيدينا تلزمنا بتحديد نوع الهجوم ( مباشر أو غير مباشر ) .. الفرق بين الأهداف والأمنيات هو الفرق بين النجاح والفشل فكلما كان الهدف المطلوب تحقيقة واقعياً ومتناسب مع قدراتنا كانت نسبة التوفيق أعلى .. ويجب أن تسير العمليات العسكرية لتحقيق المناخ اللازم للوصول إلى فاصل المفاوضات ( والتي قد تكون إملاءات المنتصر ) .. وقمة المهارة أن تفرض على عدوك الواقع الذي يجعله يلجأ للمفاوضات دون قتال .. علينا أن ندرس ( فتح مكة ) بعمق لندرك أن الصراع حتمي كما أن المفاوضات التي تعقبه هي التي تنهي حالة الحرب ..

 

10- المرونة:

إن المرونة ضرورة لمواجهة المفاجأت المحتملة التي قد تصادف خطة الهجوم .. ولذلك لابد من دراسة كافة السيناريوهات المتوقعة وإعداد خطط بديلة تجابه المخاطر المحتملة .. ولذلك من المهم أن تكون الخطط بسيطة وغير معقدة ليصلح التنقل بينها بمرونة دون حدوث أي  اضطرابات .. تتحقق السيطرة بساطة الخطة والمرونة في الانتقال بين البدائل .. الخطط المعقدة وعدم وضع خطط بديلة عندما تواجه ظرف غير متوقع تفقدنا السيطرة على الجنود ومن ثم على الوضع بالكامل ..

 

11- استثمار الفرص .. واستثمار النصر:

المفاجأة التي يتسبب فيها الهجوم المفاجئ تؤدي إلى انهيار سريع في معنويات العدو وتصيبه بحالة من الهلع تجعله يفر من موقعه بشكل فوضوى .. هذا الوضع يجب استثماره فيتم تطوير الهجوم لتعميق خسارة العدو وكسر إرادته وعدم منحه الوقت لإعادة تنظيم قواته .. هذا من أساسيات خطة الهجوم ..

تتم عملية استثمار النجاح عادة بوحدات الاحتياط فتدفع في الاتجاه المطلوب ضربه أو دعمه بحسب رؤية القيادة في الميدان .. الاستثمار لا يجب أن يتجاوز حدود المسموح به بدون توفير غطاء مدفعي وجوي .. والا سيتم تعريض القوات لمخاطر كبيرة ..

 

12- إعادة التنظيم:

ما أن تنتهي العملية الهجومية بدفع العدو للخلف واحتلال المنطقة المستهدفة تبدأ مرحلة غاية في الخطورة .. فلا بد من استعادة السيطرة على الوحدات المتقدمة وإعادة توزيعهم بسرعة ودقة لصد أي هجوم معاكس .. كما تبدأ الأعمال الإدارية لإعداد الموقع للدفاع حال تقرر البقاء فيه فترة أطول .. أعمال الحفر والتحصين وترتيب الواجبات الدفاعية وتوزيع أقواس الرماية للأسلحة الرئيسية .. وتبديل القوات بقوات حصلت على قدر من الراحة .. وإرسال الداوريات للاستطلاع  وللكمائن المتقدمة .. والتنسيق مع المجاورين …إلخ سلسلة الأعمال الدفاعية ..

كذلك إخلاء الجرحى والشهداء وإرسال الأسرى للخلف وتعويض المصروف من الذخائر واستكمال الخسائر من الأسلحة .. وإرسال التقارير عن الوضع وانتظار الأوامر الجديدة ..

 

– – – –

[1] كتاب الصراع ورياح التغيير الجزء الثاني فصل الاستراتيجية صفحة 199 .. وأنصح بقراءة فصل الاستراتيجية ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

عنوان المقالة : سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -14- (الحرب الهجومية)

 

 




العسكرى الأسْوَد ، لليوم الأسوأ

العسكرى الأسْوَد ، لليوم الأسوأ

العسكرى الأسْوَد ، لليوم الأسوأ 

 الشاعر “أمل دنقل” تكلم منذ نصف قرن عن أحداث أيلول الأسود . حين قتلت البندقية الأردنية المهاجر الفلسطينى والفدائى الفلسطينى . وكأن الأحداث بَعَثَت شِعْرَهُ حياً ليصف هذه المَرَّة “جيش العروبة البطل” الذى طَبَّعَ وطَبَّلَ للعدو ، وقتل الشعب بإسم ذبح الإرهاب ، وهدم المساجد بإسم التوسعة والتنمية ، وباع لليهود الغاز والنيل والأرض . فلما لم يتبق شئ ليبيعة ، واستفذ كل أوراق الخيانة ، إلتفت إلى فقراء الشعب مهددا بنزول الدبابات لتهدم بيوتهم التعيسة المنتشرة فوق أكثر من خمسة آلاف قرية من بواقي مصر التى بارت أراضيها عطشاً . وادعى أن بيوت الفقراء تعدت على أراضى الوطن الغالى، وسوف يُضَحِى عسكر الخيانة بالدم لتحريرها من الفلاحين . وربما رأى جنرال الفضيحة أن العدو أولى بتلك الأشبار من الطين المتبقى من أرض مصر، ليقيم عليها مستعمرات جديدة تستوطنها أجياله القادمة من يهود أبرياء بلا أرض، بينما فى مصر أرض طينية بائرة وبلا شعب .. نعم بلا شعب .. فكيف يتبقى شعب فى بلد حكمه العسكر سبعون عاما ؟؟. أنهم حُطامُ بَشَر .. وأشباح شعب عاش هنا .

يقول الشاعر “أمل دنقل” تعليقا على ما حدث فى الأردن عام 1970

قلت لكم مراراً

أن الطوابير التى تمر ..

فى إستعراض عيد الفطر والجلاء

(فتهتف النساء فى النوافذ إنبهارا )

لا تصنع إنتصارا .

إن المدافع التى تصطف على الحدود فى الصحارى

لا تطلق النار .. إلا حين تستدير للوراء .

إن الرصاصة التى ندفع فيها .. ثمن الكسرة والدواء

لا تقتل الأعداء ..

ولكنها تقتلنا .. إذا رفعنا صوتنا جهاراً ،

تقتلنا ، وتقتل الصغارَ !!

 

ـ 2 ـ

قلت لكم فى السنة البعيدة

عن خطر الجُنْدِي ..

عن قلبه الأعمى ، عن همته القعيدة .

يحرس من يمنحه راتبه الشهري ..

وزيه الرسمى ..

ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء

والقعقعة الشديدة .

لكنه حين يَحِنْ الموت ..

فداء الوطن المقهور والعقيدة ..

فر من الميدان

وحاصر السلطان

وإغتصب الكرسي

وأعلن “الثورة” فى المزياع والجريدة !

 

ـ 3 ـ

قلت لكم كثيراً

إن كان لابد من هذه الذرية اللعينة

فليسكنوا الخنادق الحصينة

(متخذين من مخافر الحدود .. دوراً )

لو دخل واحدا منهم هذه المدينة :

يدخلها .. حسيراً

يلقى سلاحه .. على أبوابها الأمينة ..

لأنه .. لا يستقيم مرح الطفل ..

وحكمة الأب الرزينة

مع المسدس المدلى من حزام الخصر ..

فى السوق

وفى مجالس الشورى

::::

قلت لكم ..

لكنكم ..

لم تسمعوا هذا العبث

ففاضت النار على المخيماتْ

وفاضت الجثث !

وفاضت الخوذات والمدرعاتْ .

(سبتمبر 1970 )

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

العسكرى الأسْوَد ، لليوم الأسوأ