1

استراتيجية (الصبر القاتل)

استراتيجية (الصبر القاتل)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 185 | ذوالقعدة 1442 ھ – يونيو 2021 م.   

27-06-2021

 

استراتيجية (الصبر القاتل)

– جاهد الأفغان وانتصروا على أمريكا والنظام الدولي. وسينتصرون في معركة بناء دولتهم الإسلامية القوية، والمستقلة عن كل المواصفات الأمريكية.

– استراتيجية (الصبر القاتل) تتبعها الإمارة الإسلامية، فتترك عدوها يتنفس لبعض الوقت، إلى أن تنجز مهاماً كانت تُنْجَز عادة بعد الفتح واقتحام العاصمة.

– لم تنجح أمريكا في حرب المعتقدات وتغييرالسلوك والعادات الاجتماعية وتحويل المجتمع الأفغاني إلى صورة مشوهة للمجتمع الغربي كما حدث في معظم البلاد الإسلامية.

– مرة أخرى: بقوة الإيمان، ثم بقوة السلاح، فرض شعب أفغانستان إرادته فوق أراضيه؛ فتضاعفت مساحة الإمارة الإسلامية وأسلحتها وأعداد شعبها في الأراضي المحررة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

تتساقط المناطق التي تسيطر عليها الحكومة بسرعة أذهلت حتى المراقبين الحكوميين.

والنشرات الصادرة عن أنصار الإمارة الإسلامية مزدحمة بأسماء المناطق وكميات الغنائم، والقادة العسكريين المستسلمين أو الصرعى والقوات التي تبخرت من الوجود لأسباب مجهولة.

حتى تكاثرت الأصوات التي تطالب الإمارة الإسلامية بالإجهاز على النظام بضربة نهائية وأن تدخل المدن والعاصمة. ولكن للإمارة الإسلامية خططها واعتباراتها. فهي تنشب أصابعها القوية في عنق النظام بدون أن تجهز عليه، مما أثار دهشة واستغراب أكثر المراقبيين.

– العجيب والجديد هو استراتيجية (الصبر القاتل) التي تتبعها الإمارة الإسلامية، فتترك عدوها يتنفس لبعض الوقت إلى حين ان تنجز مهام كانت في الحروب المماثلة، تنجز بعد الفتح واقتحام العاصمة. الإمارة أنجزت الكثير جدا من تلك المهام الآن. مستفيدة من تشبث أعدائها الأغبياء بإمداد النظام بمقومات الصمود. تلك المواد شيدت لها الإمارة الإسلامية طرقاً ومسارات ومخازن، لتحصل عليها بعد وقت قصير من وصولها.

النظام الحاكم، بفساده، يؤدي دورا وطنيا لأول مرة في تاريخه. إذ يخصم نسبة من المعونات كأتعاب له، ثم يمرر الباقي إلى المجاهدين. والنسبة المحتجزة يشتريها المجاهدون، مستفيدين من يقظة ضمير الفاسدين ، لحل مشاكل متوقعة بعد الفتح.

-قال خبير عسكري حكومي: طالبان تستخدم استراتيجية خطيرة. فهم الآن يسيطرون على المدن الأخرى تاركين العاصمة وحيدة حتى اللحظة الأخيرة.

وجاء في تحليل عسكري آخر، إن طالبان لا تتعجل إسقاط المدن حتى تتيح لمقاتليها فرصة لترسيخ أوضاع المناطق المحررة، بعد التقدم السريع في الفتوحات والأراضي المحررة، والقوات الحكومية المنضمة إلى الحركة.

إذن المهمة هي ترسيخ الأقدام وتنظيم المناطق المحررة وتجميع الغنائم الهائلة. أما المدن فطالبان متواجدون بداخلها عملياً بدون استلام السلطة رسميا، معتبرين ذلك عملا مؤجلا لحين الاستفادة من الوقت الحالي والفرص المتاحة فيه.

– ولا ننسى أن أمريكا والناتو ملتزمون بدعم النظام في جميع الأوجه، للصمود ودعم الاحتياجات العسكرية والمدنية، وكلها إمدادات تحتاجها طالبان الآن. ومازال الاحتلال يتكفل بها، وتصل إلى طالبان بسرعة. وذلك عنصر مؤثر في عملية الإعلان عن تولي الإمارة الإسلامية للسلطة رسميا في المدن عامة والعاصمة كابول بشكل خاص.

– لا أحد يدافع عن النظام الذي يقتله الفساد وصراع الأجنحة على السرقات. مع الشعور باقتراب السقوط تراهم يبيعون كل شيء للإمارة الإسلامية، حتى المعلومات السرية التي تؤدي إلى ضرب شبكات التجسس واغتيال الشخصيات المحورية التي تدير الأعمال المضاده لطالبان.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

في أمريكا غموض وتناقض

تثير أمريكا جوا من الغموض والتناقض حول نواياها في أفغانستان. يرجع ذلك إلى معضلات تواجه تلك الدولة العظمى التي دخلت بالفعل في مرحلة الهبوط والأفول الحضاري نتيجة مجموعة من المشكلات العويصة. وهزيمتها في أفغانستان فاقمت من تأثير ذلك الخليط من المعضلات القديمة والجديدة. مضافا إليها تفاعلات الهزيمة العسكرية وهي تفاعلات نفسية ومعنوية، وضربة عميقة لجنون القوة، والثقة غير المحدودة بالقدرات المادية المتوفرة لتلك الدولة، وفشل كل تلك القدرات، وانهيارها غير المنطقي أمام قوة صغيرة متخلفة ماديا ، ولكن لديها قوة معنوية لم يتصور الأمريكان أن لها كل ذلك التأثير. حتى أنها أفشلت العوامل المادية التي وضعوا كل اعتمادهم ـ وإيمانهم ـ وثقتهم بها. بل كانت هي دافعهم الأول لمحاربة أفغانستان لاغتصاب ثروات شعب لا يدري حتى بوجودها في أرضه ـ أو أنها بهذا القدر المهول.

 

في أفغانستان.. الإسلام هو العدو

أدرك الأمريكيون ـ بعد فوات الأوان ـ كما أدرك السوفييت قبلاً ، أن سلاح الأفغان الأساسي هو الإيمان الديني. ولأجل استعباد ذلك الشعب، فلابد من انتزاع الدين منه. وقد واظبوا على ذلك طول الحرب التي كانت الأطول في التاريخ الأمريكي، حتى الآن.

والسبب الأساسي في إطالة مدة الحرب ـ رغم اتضاح فشلها منذ وقت مبكرـ كان لإتاحة فرصة زمنية أطول لاقتلاع الإسلام من أفغانستان، أو الفصل بين الشعب وبين الإسلام.(كان رأي أحد العسكريين الأمريكان أنهم في حاجة إلى سبعين سنة لاستبعاد الإسلام من أفغانستان). وأهم الأسلحة في ذلك هو التعليم، وإنتاج جيل غير مُؤمِن، يحكم البلد لصالح القوى الأجنبية وأطماع الطبقة المتعلمة الجديدة. وهو ما حصل في البلاد العربية التي بفعل التعليم الغربي تبدلت فيها الثقافة والمعتقدات، وجاءت طبقة قائدة، معادية أو لا مبالية بالدين، وبعد عقود أعلنوا الردة عنه ولكن بأسماء مبتكره مثل التقدم أو الترفيه والتطوير والانفتاح والتسامح.

إضافة إلى التعليم أصبح انتزاع الإسلام من الشعب معتمدا على الفضائيات التلفزيونية وشبكة الإنترنت، ثم باقي وسائل التخريب الثقافية،التي يقوم عليها أعداء الدين وعملاء المستعمر، يساندهم الغرب بالمال والجوائز والإشادة الإعلامية والسياسية، باعتبارهم طلائع المدنية الغربية.

لم تنجح أمريكا في حرب المعتقدات وتغييرالسلوك والعادات الاجتماعية وتحويل المجتمع الأفغاني إلى صورة مشوهة للمجتمع الغربي كما حدث في معظم البلاد الإسلامية.

ولكنها خلقت في ذلك المجال مشكلة كبيرة ستواجه الإمارة الإسلامية بعد عودتها إلى السلطة. وهي مشكلة تطهير المجتمع من آثار الغزو الثقافي والفكري الاجتماعي الذي رافق الغزو الأمريكي. خاصة وأن الغزو العسكري ضم (قوات إسلامية) تقوم بفتنة المسلمين الأفغان، وكسب ثقتهم ومودتهم لقبول الاحتلال وبرامجه خاصة في المجال الديني والثقافي.

 

مسلمون تحت راية الصليب

-من هنا كان خطورة وجود “مسلمين” تحت راية الحملة الصليبية على أفغانستان ـ وكان ذلك ضمن أهداف تواجد القوات التركية والإماراتية والأردنية ـ خلال العشرين سنة (الأولى) من الاحتلال. وفي مطلع “العشرين سنة الثانية” ظهرت خطورة إضافية لتلك القوات في أعقاب الانسحاب الكبير(وليس الكامل) للقوات الأمريكية من أفغانستان.

-فتقوم القوات التركية، بصفتها عماد قوات الناتو في أفغانستان، بالمهام الاستعمارية الجديدة التي كلفتها بها أمريكا. وهي أقرب إلى الاستعمار بالوكالة. ولما رأت تركيا المهمة أكبر من حجمها وقدراتها، طالبت بإشراك باكستان معها عسكرياً داخل أفغانستان بشكل علني، وليس فقط في مجال العمل الاستخباري السري.

– مرة أخرى: بقوة الإيمان، وقوة السلاح، فرض شعب أفغانستان إرادته فوق أراضيه. فتضاعفت مساحة الإمارة الإسلامية وأسلحتها وأعداد شعبها في الأراضي المحررة.

 

مؤامرة حلف الناتو الإسلامي

في أول زيارة خارجية بعد انتخابه رئيساً، رمى ترامب عدة قنابل ثقيلة على المسلمين.

الأولى اعتباره القدس عاصمة موحدة لإسرائيل.

الثانیة طرح مشروع (صفقة القرن) لإنهاء قضية فلسطين لصالح إسرائيل وتعويض الفلسطينيين ببرامج رشاوى اقتصادية يتحمل عرب النفط تكاليفها.

الثالثة والأخطر هي تكوين تحالف عسكري بين إسرائيل والعرب (والمسلمين السُنَّة) يكون موجهاً ضد “المسلمين المتشددين”. استبعد كثيرون أن يكون هذا الكلام قابل للتطبيق مهما كان التوافق السياسي بين إسرائيل وحكومات العرب والمسلمين ـ سراً أو علنا ـ ولكن أن يكون هناك تحالف عسكري ضد أطراف إسلامية أخرى، استبعد كثيرون ذلك الاحتمال.

 

الشريعة والحرية.. في مقابل السفارة والمطار

تحايل عجيب تحاول أمريكا تمريره على المجاهدين الأفغان وإمارتهم الإسلامية. فتقول إنها قد تُحَرِّك قواتها لحماية السفارة الأمريكية في كابول. وأنها قد كلفت القوات التركية بحماية مطار كابول والبعثات الدبلوماسية في العاصمة.

ليصبح الانسحاب مجرد استبدال لقوات الاحتلال وتغيير في واجبات المحتلين. وتتصور أمريكا أن الشعب الأفغاني يمكن أن يساوي بين حريته الدينية والسياسية وبين وجود سفارة أمريكية، وسفارات أوروبية لم تقدم له شيئاً في تاريخها سوى المصائب. بل إن بعضها كان منطلقا لعمليات احتلال أجنبي أو إدارة حرب داخلية. ومعظمها ـ على الأقل ـ منخرط بشِدَّة في نشاطات تهريب المخدرات وغسيل الأموال.

وأن الأفغان قد يتوهمون أن دولتهم لن تقوم لها قائمة بغير وجود سفارات في كابول، خاصة سفارات الدول التي شاركت في الحرب على بلادهم. بعض السياسيين الأفغان يتوهمون ذلك ويتصورون أنه بدون تواجد بلادهم في الأمم المتحدة فلن يكون لها اعتبارعلى كوكب الأرض.

-فكما جاهد الأفغان وانتصروا على أمريكا والنظام الدولي. سينتصرون في معركة بناء دولتهم الإسلامية القوية، والمستقلة عن كل المواصفات الأمريكية: بلا سفارات للمعتدين، ولا مطار للتهريب الدولي، ولا أمم متحدة متواطئة، ولا معونات اقتصادية أو”إنسانية!!” من المستعمرين اللصوص.

فلدى الأفغان أغنى الكنوز الطبيعية على سطح الأرض، وحولهم دول كبرى تتلهف على التعاون والمشاركة الاقتصادية العادلة والمتكافئة. فالإمارة هي الأقدرعلى إدارة البناء الاقتصادي ومشاريع التكافل والعون الإسلامي في أفغانستان، وليس أي مؤسسة صليبية جاءت وهي تحمل الإنجيل في يد ورغيف الخبز في اليد الأخرى، والقنبلة والمسدس في أياديها الثالثة والرابعة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 185 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

استراتيجية (الصبر القاتل)

 




إنها أفغانستان أيها الغبي !

مجلة الصمود الإسلامية عدد 183 أبريل 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 183 | رمضان المبارك 1442 ھ – أبريل 2021 م .   

27-04-2021

 

إنها أفغانستان أيها الغبي !

– على أي رئيس لأمريكا ألا يتمادى في الخطأ، حتى لا يدمر بلاده في أطول الحروب خلال تاريخها القصير. إنها ليست الشرق الأوسط.. إنها أفغانستان أيها الغبي.

– تشكيل حكومة مختلطة بين نظام كابول والإمارة الإسلامية، هو مطلب يشمل جميع الشروط اللازمة لإحباط أهداف الجهاد وإعادة أفغانستان إلى وضعية المستعمرة الأمريكية.

– العلاقات الجيدة، والموقع المتوسط بين دول الإقليم، يعتبران الملجأ الأول للإمارة الإسلامية للوقاية من العقوبات الإقتصادية المتوقعة، والتي تمارسها أمريكا على الدول غير الخاضعة لها.

– تعتبر بدخشان هي (المغارة السرية لكنوز أفغانستان) من الأحجار الكريمة والذهب والخامات النادرة، ومنابع نهر جيحون التي تنسج إسرائيل من حولها خيوطاً معقدة من التآمر اليهودي.

– الهزيمة العسكرية أورثت أمريكا ضعفاً سياسياً بين حلفائها، وتراجعاً نسبياً في قدرتها على السيطرة داخل التحالف (خاصة المرتزقة ومراكز القوى المتصارعة داخل نظام كابل، وتَغَوّل النفوذ الإسرائيلي وطغيانه حتى على المصالح الأمريكية نفسها).

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

لم تلجأ الولايات المتحدة إلى التفاوض مع الإمارة الإسلامية إلا بعد أن واجهت هزيمة حتمية في ميدان المعركة، قادتها إلى قرب نقطة الجلاء الشامل عن أفغانستان وسحب جميع قواتها بدون مفاوضات.

وإذا اعتمدنا على الأرقام التي تذيعها أمريكا ـ مع تحفظنا الكامل على صحتها ـ فإن أمريكا بدأت حربها باستخدام مئة الف جندي من قواتها. أما قوات حلف الناتو فإنها بلغت حوالي ثلاثين ألف جندي.

فتكون أمريكا قد بدأت حربها بحوالي 130,000 جندي على أقل تقدير، وهو رقم يقترب من عدد قوات الجيش الأحمر الذي غزى أفغانستان في أواخر ديسمبر 1979. مع الفارق الهائل في مستوى تطور الأسلحة ـ خاصة سلاح الطيران ـ والذخائر التي استخدمها، مثل قنابل اليورانيوم، ذات قوة التدمير غير المعهودة مع التلويث الإشعاعي طويل الأمد. وأنواع لا حصر لها من القنابل والصواريخ، وصولا إلى (أم القنابل) ذات الأحد عشر طنا وهي أكبر قنبلة تقليدية في العالم.

تقول التقارير الأمريكية أن الرئيس أوباما خفض عدد قواته في أفغانستان حتى وصل إلى 8400 جندي بنهاية فترة رئاسته الثانية ـ أوباما كان قد وعد بإخراج قوات بلاده من أفغانستان (بحلول 2014) وكان قد اغتال بن لادن في أول مايو 2011.

ثم أجَّلَ أوباما موعد الانسحاب إلى نهاية 2014. ثم تجاهل أيضا ذلك الموعد، إلى أن تسلم الرئاسة منه ترامب، الذي أحدث تغييراً شاملا في استراتيجية الحرب على أفغانستان لتصبح بالكامل حرب تتولاها شركات (المتعاقدين) أي المرتزقة.

في البداية رفع ترامب عدد قواته في أفغانستان إلى 14000 جندي لتفادي انهيار القوات الأمريكية والحليفة لها. ولكن مع اكتمال التحول إلى نموذج حديث من حروب المرتزقة، لم يجد ضرورة لكل تلك الأعداد من الجيش النظامي، فخفض عدد قوات بلاده حتى وصل به إلى 2500 حسب تصريح الأمريكيين.

كان الجيش الأمريكي وحلفائه في مسيرة محتمة نحو هزيمة عسكرية، وخسارة متزايدة ليس في الأرواح والمعدات فقط، بل أيضاً في تحقيق أهداف العدوان. أي تحويل أفغانستان إلى أكبر مصنع للهيروين وتصديره إلى العالم.

بمجهود شعبي وجهادي انكمش ذلك الهدف تحت أرجل العدوان، وأصبح العائد المتبقى في أيدي الأمريكيين غير مُجْزٍ في مقابل حرب كبيرة بهذا الشكل. ومع ضعف الأمريكيين عسكرياً تدخل عدد كبير من المنافسين والطامعين والأعداء فيما تبقى من غنيمة الأفيون. فأصبحت الحرب (غير اقتصادية) بالنسبة للأمريكيين، ناهيك عن فضائح خسارة الجيش الأمريكي التي بدأت تتسرب إلى العالم، بعد حرب طويلة واستخدام أسلحة هي الأرقى والأخطر في العالم، ولكنها كانت الأكثر فشلاً في إخضاع شعب فقير معظم أفراده يعيشون على الحافة بين الحياة والموت. ويقوده في تلك الحرب الحديثة المعقدة شباب طلاب العلوم الشرعية، الذين ارتقوا في استيعاب فنون الحرب لدرجة جعلت من جيوش أمريكا والناتو يظهرون كجيوش من القتلة الفاشلين.

 

هروب نحو التفاوض

لجأت أمريكا إلى المفاوضات تحت ضغط فشلها العسكري، ومسيرتها المؤكدة نحو هزيمة عسكرية ستكون وبالاً على مكانتها الدولية.

وما كان ينبغي مسايرة الأمريكيين في طريق التفاوض، وكان الأولى مواصلة الضغط العسكري عليهم لإرغامهم على الانسحاب في ظلال الهزيمة العسكرية.

لكن أمريكا نجحت في تكتيل عدد كبير من الوسطاء وأدوات الضغط السياسي والدعائي في الداخل والخارج تدعو إلى التفاوض. وكان هدفها استدراج الإمارة الإسلامية بعيدًا عن ميدان الحرب نحو ميدان لا يجيدون السير فيه. فخبرات المجاهدين الأفغان منذ الغزو السوفيتي كانت محصورة تقريبًا في المجال العسكري، أما الجانب السياسي فكانت تتولاه عادة الدولة المضيفة للأحزاب أو الممولة لهم وتحتضن مجهودهم الدعائي والإعلامي.

ربما لأول مرة خلال قرن من الزمان أو أكثر، تتولى حركة جهادية التفاوض بالأصالة عن نفسها. لهذا كان من الطبيعي أن تحدث أخطاء. ولكن المجاهدين تعلموا الدروس بسرعة أدهشت الأمريكيين الذين ارتَدَّت عليهم الكمائن السياسية التي جهزوها للقضاء على الإمارة الإسلامية، وتبديد ثمار جهادها الناجح في العقدين الأخيرين. أكبر هذه الكمائن كان مؤتمر اسطنبول الأخير الذي رفضت الإمارة الإسلامية حضوره. فسقط الأمريكيون في الكمين الذي جهزوه بأنفسهم للإمارة الإسلامية.

المسافة الفاصلة بين موقف الإمارة الإسلامية من مؤتمر اسطنبول، وبين أهداف الولايات المتحدة من عقد ذلك المؤتمر توضح مدى الكارثة السياسية التي وقعت فيها الولايات المتحدة. يتضح ذلك فيما صرح به الدكتور محمد نعيم وردك المتحدث الرسمي للمكتب السياسي للإمارة مُذَكِّراً بثوابت الموقف السياسي للإمارة، وهي:

1 ـ استقلال البلاد.

2 ـ انسحاب القوات الأجنبية.

3 ـ إقامة نظام إسلامي.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

أما المطالب الأمريكية.. فمحاورها الأساسية هي:

1- تشكيل حكومة مختلطة بين نظام كابول والإمارة الإسلامية. وهو مطلب يشمل جميع الشروط اللازمة لإحباط أهداف الجهاد وإعادة أفغانستان إلى وضعية المستعمرة الأمريكية التي تدار وفقاً للنموذج المشوه الذي تدير به أمريكا دولة العراق، بأقل قدر من قوات الاحتلال، مع تحقيق كامل لجميع أهدافه السياسية والاقتصادية، ومطاردة أي مقاومة مسلحة، مع إشعال الصراعات الداخلية المذهبية والعرقية، وتغيير شامل لثقافة المجتمع وما تبقى فيها من آثار للإسلام، وإحلال الثقافة الغربية مكانها، تحت إدعاءات (الحقوق) ما بين حقوق امرأة ـ وطفل ـ وأقليات ـ وحريات تعبير واعتقاد. وترويج وحماية الفساد كمظلة عامة للمجتمع، أو بالأحرى ديانة جديدة تشمل كافة نواحي الحياة.

واضح أن النموذج الاستعماري في حكم العراق يتعارض بالكامل مع النموذج الإسلامي للإمارة الإسلامية المحدد في مطالب (د.نعيم): أي استقلال البلاد ـ انسحاب القوات الأجنبية ـ وإقامة نظام إسلامي.

2- ثاني الأهداف الأمريكية الكبرى من مؤتمر اسطنبول كان إلغاء مبدأ الانسحاب العسكري. وخروج المؤتمر بسلسلة قرارات أهمها إجبار الإمارة الإسلامية (وحركة طالبان) ولو بقوة السلاح للإنخراط في حكومة مشتركة مع نظام كابول العميل.

وكما تناسى أوباما وعوده بالانسحاب في 2014، يتناسى بايدن تعهد بلاده في اتفاق الدوحة بإنجاز انسحاب كامل لجيوشها من أفغانستان بحلول أول مايو2021.

3- ترغب أمريكا بالإبقاء على تواجد عسكري صغير نسبيًا ومتفوق نوعيًا وتكنولوجيًا، للإشراف على برامجها في أفغانستان ـ خاصة برامج النهب الاقتصادي. وبرامج إخراج الإمارة الإسلامية من دائرة التأثير فى شؤون قارة آسيا، بما يتناسب مع عظمة انتصارها العسكري، كما حُرِمَ المجاهدون سابقًا من الثمار السياسية لانتصارهم على السوفييت. وما يخيف أمريكا أكثر هو التطور الكبير للقوى الأسيوية خاصة الصين وإيران وروسيا، واتجاههم نحو استقلالية وندية في مواجهة أمريكا. وأن الضغوط الأمريكية على أفغانستان سيجعلها تقترب أكثر إلى محيطها الأسيوي وليس إلى تحالفها التقليدي مع أمريكا وأوروبا ودول النفط العربي.

يُقلق أمريكا كثيرًا وجود الإمارة الإسلامية على أحد أهم محاور طريق الحرير، يربط بين الصين وإيران. وموقعها المتوسط كأهم حلقة اتصال في آسيا بين دول الجنوب والشمال الأسيوي وشرق آسيا وغربها، بما يضمن تفوقاً فى الجغرافيا السياسية لأفغانستان، واحتمالات إمتلاكها لقوة عظمى في الاقتصاد والتأثير الثقافي، وإمكانية تشكيل مركز روحي وثقافي تلتف حوله الأقليات المسلمة في دول آسيا الكبرى، التي تحتفظ بعلاقات متوترة أو ملغومة مع مواطنيها المسلمين.

العلاقات الجيدة والموقع المتوسط بين دول الإقليم، يعتبران الملجأ الأول للإمارة الإسلامية للوقاية من العقوبات الاقتصادية المتوقعة، والتي تمارسها أمريكا على الدول غير الخاضعة لها، حتى لو استمرت الضغوط لعشرات السنين. الجغرافيا هنا تلعب دورًا مركزيا. وسياسة الإمارة الخارجية مع دول الإقليم ودول الجوار ستكون العنصر الحاسم لإبطال سلاح الحرب الاقتصادية التي سوف تشنها أمركيا على الإمارة الإسلامية التي تتمسك بجدية الالتزام بمبادئها.

4- التصور الأمريكي لحل مشكلة أفغانستان (وهو حكومة مشتركة) يضمن احتلالها للبلاد بأرخص التكاليف، وبلا مقاومة مسلحة، بل وتخريب مرتكزات الجهاد فتجعله، فكرة غير قابلة للتنفيذ مستقبلا. وقد نجحت في ذلك في الكثير من الدول الإسلامية والعربية. هذه المرة تتصور أمريكا أفغانستان محتلة بنظام فاسد ومجتمع فاقد الهوية، تَرَاجَعْ فيه الإسلام تحت ضغوط شتى من الحرب إلى الدعاية. دولة تدور في الفلك الأمريكي وتسيطر عليها إسرائيل. أي مجرد دولة شرق أوسطية ولكن في وسط آسيا.

5- على رأس المشاريع الاقتصادية / السياسية لأمريكا في أفغانستان يأتي التنظيم الجديد لتجارة المخدرات في ظل ظروف الهزيمة العسكرية وإعادة صياغة الاحتلال العسكري. فإلى جانب تسهيل استخدام ثوري للحشيش في العالم، شرعت منذ فترة داخل قواعدها الجوية في أفغانستان ابتكار مخدرات صناعية (خطيرة أو عالية الخطورة)، وأخرى نصف صناعية، لتعوض خسائرها في السوق الدولي للمخدرات نتيجة لتَزَاحُمْ المنافسين حتى من الحلفاء أنفسهم. الهزيمة العسكرية أورثت أمريكا ضعفاً سياسياً بين حلفائها وتراجع نسبي في قدرتها على السيطرة داخل التحالف (خاصة المرتزقة ومراكز القوى المتصارعة داخل نظام كابل، وتَغَوّل النفوذ الإسرائيلي وطغيانه حتى على المصالح الأمريكية نفسها).

6- ولاية بدخشان تحتل مكاناً في مقدمة الأهداف الاقتصادية والسياسية للاحتلال الذي يخطط له الأمريكيين في أفغانستان. فمن ناحية اقتصادية تعتبر بدخشان هي (المغارة السرية لكنوز أفغانستان) من الأحجار الكريمة والذهب، إلى الخامات النادرة. إلى منابع نهر جيحون الذي تنسج إسرائيل حول منابعه خيوطاً معقدة من التآمر اليهودي.

ومن ناحية الجغرافيا السياسية لبدخشان فإنها مرشحة لتغيرات خطيرة قد تقود الى حروب مدمرة ومزمنة، لأسباب منها تغيير الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان. وبين كل من الهند وباكستان مع ولاية بدخشان. وإغلاق ممر واخان في وجه طريق الحرير المزمع امتداده من الصين عبر أفغانستان صوب إيران وصولا إلى الخليج الفارسي وبحرالعرب.

وحاليا تشهد بدخشان حرباً طاحنة مرشحة للتصاعد وربما التوسع إقليميا أو حتى دوليا. فإسرائيل تُعامِل بدخشان على أنها الحدود الشرقية لإمبراطوريتها اليهودية العالمية التي مركزها القدس الشريف.

حدود بدخشان (الإسرائيلية) لها صفة العالمية، بدعم من القوة العسكرية الأمريكية. فهي تجاور بل (وتهدد!!) الصين، القوة الأولى الوشيكة للعالم. وتلاصق الهند، الدولة الأسيوية الأولى في عدد السكان، والثالثة اقتصادياً، والحليف الأسيوى الأوثق لإسرائيل بفضل الحكم الهندوسي المتطرف في نيودلهي. يزمعون (أمريكا وإسرائيل) اقتطاع جزء من الحدود الجبلية الجليدية بين الصين وكل من الهند وباكستان، وضمها إلى بدخشان. وبذلك ينقطع الاتصال البري بين الصين وهذين البلدين، كجزء من حصار الصين ومنع وصولها إلى مياه بحر العرب عن طريق باكستان.

مهما كانت المخططات الأمريكية (الإسرائيلية) طموحة ومحكمة وشيطانية، إلا أن من وضعوها سوف يسقطون فيها، ويغرقون في أفغانستان. مقبرة الإمبراطوريات الغازية ـ والحصن الأعظم للإسلام.

فما زالت بنادق البريطانيين، التي غنمها الأفغان في حروبهم ضد الحملات البريطانية، موجودة ضمن مقتنيات الكثير من العائلات الأفغانية ـ بل وقاتلوا بها ضد الانقلاب الشيوعي عام 1978.

والأسلحة السوفيتية التي غنمها المجاهدون من الجيش الأحمر كانت هي أساس المقاومة الجهادية التي صفعت وجوه الأمريكيين وحلفائهم عام 2001.

والأسلحة الأمريكية المكتسبة من غنائم الجهاد ضد الحملة الصليبية الأمريكية، هي نفسها التي تحرق تلك الحملة الآن، وتحرق أولا بأول مسيرة الحملة الإسرائيلية لاحتلال أفغانستان(تحت حماية أمريكا وحلف الناتو).

إمارة أفغانستان ليست إحدى إمارات النفط في الشرق الأوسط. وجهادها جهاد حقيقي نابع من إسلام حقيقي، يعتنقه ويدافع عنه بالأرواح رجال حقيقيون، وليسوا أشباه رجال.

على أي رئيس لأمريكا ألا يتمادى في الخطأ حتى لا يدمر بلاده في أطول الحروب خلال تاريخها القصير. إنها ليست الشرق الأوسط.. إنها أفغانستان أيها الغبي.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

إنها أفغانستان أيها الغبي !




هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

هولوكوست 11 سبتمبر .  ( من 1 إلى 8 )

مطلوب لجنة إستماع دولية لشهادة عبد السلام ضعيف .

أول مايو .. إلتزام مؤكد بالإنسحاب ، و11 سبتمبر موعد مخادع .

متى يتكلم الدكتور أيمن الظواهرى ؟؟ ـــ  أليس الصبح بقريب ؟؟

 

صنعت أمريكا من حادث 11 سبتمبر ، مأساة هولوكوست تريد تعليقها فى رقبة شعب أفغانستان، لإذلاله إلى الأبد، وإستنزافه ماليا، وتحقيرة سياسيا، كما تفعل إسرائيل مع ألمانيا بإستخدام أكذوبة الهوكولوست وإدعاء أن اليهود خسروا 4 مليون شخص فى محارق أقامها لهم الألمان النازيون.

ثم فرض اليهود حظرا قانونيا على التطرق إلى الحادث بما يخالف الرواية اليهودية. لدرجة وصلت إلى عقوبات بالسجن على شخصيات علمية كبرى فى أوروبا، حتى خرست ألسنة الأوروبيين ، إلا من الإساءة للمسلمين ونبى الإسلام .

– إدعت أمريكا كذباً أنها هاجمت أفغانستان واحتلتها وأسقطت نظامها الاسلامى ثأراً من القاعدة وزعيمها ، وانتقاماً من الإمارة لحمايتها لهم .

لم تذكر أمريكا أن سبب حربها على أفغانستان هو الأفيون أولا، ثم لتمرير خطوط نفط وغاز آسيا الوسطى عبر أفغانستان ، إلى أى إتجاه تريده أمريكا ـ سواء الهند أو غيرها .

– كما لم تذكر أمريكا أنها هى التى طلبت من السودان ـ حكومة البشير ـ أو على الأقل وافقت على ما ذهبت إليه تلك الحكومة من إبعاد بن لادن من الخرطوم إلى جلال آباد فى أفغانستان .

وحسب ما ورد فى كتابات مدير الاستخبارات السودانية وقتها فإن أمريكا أخبرت السودان أن فى ترحيل بن لادن إلى أفغانستان ، خيراً له وللسودان ولأمريكا وللجميع .

– لم تعلق أمريكا على ماقاله “قطبى المهدى” مدير إستخبارات السودان وقتها. كما أنها لم تذكر ولن تعلق على حادث شبيه تماما ـ ولكن فى الإتجاه المعاكس ـ وهو طلبها من الإمارة الإسلامية ـ بألا تسمح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان (فى يناير 2001) .

وكان ينوى مغادرتها بعد حفل تزويج نجله محمد ـ وكنتُ إستعد لمرافقته إلى خارج أفغانستان ـ وتحديدا إلى مناطق القبائل الحدودية ـ كمراسل لقناة الجزيرة التى سمحت بإستخدام معدات التصوير التابعة لها فى تسجيل الرحلة .

لكن أمريكا أرسلت إلى الإمارة فى قندهار ـ بواسطة عبدالسلام ضعيف سفيرالإمارة فى باكستان، بأن لا تسمح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان . لأن فى مغادرته تلك ضررا له ولأفغانستان ولمصالح الولايات المتحدة وأصدقائها . وصادف أن قرأت بنفسى تلك الرسالة المكتوبة على ورق عادى ـ غير رسمى ـ وبكل أساليب الغطرسة والوقاحة الأمريكية .

 

وحيث أن أمريكا تريد تحويل 11 سبتمبر إلى هلوكوست خاصا بها ، لحرق مستقبل أفغانستان وإمارتها الإسلامية . فإن المطلوب بشكل عاجل هو:

– تشكيل لجنة دولية للإستماع إلى شهادة عبد السلام ضعيف حول المذكرة الأمريكية المذكورة.

وتأمينه على حياته ـ وإستضافته تحت حماية دولية ـ ليقيم فى مكان آخر غير كابول .

– فإذا كان حادث 11سبتمبر من تنفيذ تنظيم القاعدة ـ وهذا ما لم تستطع أمريكا إثباته حتى الآن  وبإعتراف شخصيات أمريكية لها وزنها:

فلماذا عملت أمريكا على إبعاد بن لادن من السودان إلى أفغانستان عام 1996 ؟؟

ثم لماذا أصرت على عدم مغادرته أفغانستان فى يناير 2001 ؟؟ .

{ بالتأكيد لتحميل الإمارة مسئولية الكارثة الكبرى القادمة فى نيويورك ــ التى كانت معلومة لديها منذ فترة كافية، ومتوقعة منذ إخراجه من السودان }.

والخلاصة : ليس للإمارة الإسلامية دخل من قريب أو بعيد بحادث 11 سبتمبر . وترفض تعليق تلك الأكذوبة فى رقبتها ورقبة شعب أفغانستان. ومن الخطوات الهامة المفترضة سيكون الخروج من إتفاق الدوحة وما يحتوية من تلميح لمسئولية الإمارة عن الحادث ، وتكليفها بضمان أمن أمريكا وحلفائها بدعوى عدم السماح بإستخدام أرض افغانستان ضد أمنهم.

إن ذلك التهديد الأمنى لم يحدث أبدا فى الماضى، ولن يحدث مستقبلا . والإمارة لن تكون حارساً لأمن أمريكا وإسرائيل والناتو. لأن فى ذلك تسلط على أفغانستان وتكليفها بما لا تطيق، وتحميلها ذنوبا لم ترتكبها بل إرتكبها الأمريكيون أنفسهم.

 

أهم إلتزامات إتفاق الدوحة هو إنسحاب القوات الأمريكية وحلفائها من أفغانستان بعد مرور 14 شهرا من توقيع الإتفاق ـ أى فى أول مايو 2021 .

رفضت الإمارة الإسلامية خديعة تجاهل أمريكا لموعد إنسحابها، وإشغال الإمارة الإسلامية والعالم بمؤتمرات متتابعة لا تنتهى ، وكان المفروض أن يكون آخرها فى إسطنبول. وقد رفضت الإمارة حضور أى مؤتمر قبل إتمام إنسحاب القوات الأمريكية وحلفائها.

إتفاق الدوحة ملزم ، وليس من حق أمريكا والناتو تغيير الموعد المتفق عليه للإنسحاب . فأول مايو هو موعد إنسحاب آخر جندى محتل ، وإلا فإن الشعب الأفغانى سيكون مضطراً إلى طردهم بقوة السلاح.

وليس فى مقدور أمريكا أو الناتو، أو أى أحد، أن يقرر مستقبل أفغانستان. ولكن الإحتلال وأعوانه يتصنعون الغباء لأنهم لن يكونوا مشمولين فى ذلك المستقبل. إذ لا فرق بين جيش الإحتلال وبين حكومة أعوان الإحتلال الذين جلبهم بالطائرات. فإنهم أعداء الشعب وليسوا جزءاً منه بأى حال.

لاحظ البعض أن أول مايو كان ذكرى إغتيال بن لادن. وربما أرادت أمريكا التأكيد على تاريخ 11 سبتمبر، فأجلت إنسحابها إلى موعد كارثة صنعتها لنفسها كما صنعت مأساة بيرل هاربر حتى تدخل الحرب العالمية الثانية ضد اليابان . تأجيل الإنسحاب هو لإعطاء فرصة لتثبيت حكومة أمريكية على رقاب الأفغان بقوة السلاح . ولكن ما فشلت فيه أمريكا خلال عشرين عاما لن تنجح فيه لا فى عدة أشهر ، ولا فى ما تبقى لها من حياة.

 

متى يتكلم الدكتور أيمن الظواهرى ؟؟

يتناقص عدد شهود العِيان على بعض الأحداث المفصلة فى تاريخنا. حتى أوشكوا على الانقراض . والقليل منهم مستعد لأن يشهد بما يخالف مصالحه الشخصية أوالحزبية.

تكلمنا عن ضرورة حديث ملا عبد السلام ضعيف أمام لجنة إستماع دولية فيما يخص الطلب الأمريكى بعدم السماح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان فى يناير 2001 .

لا يقل أهمية ـ بل غالبا يزيد عليها ـ شهادة مطلوبة من الدكتور أيمن الظواهرى زعيم تنظيم القاعدة . شهادة بخصوص إجتماع أمير المؤمنين الملا محمد عمر بقادة المجموعات والتنظيمات العربية فى أفغانستان . إجتماع عقد فى قندهار وكان الدكتور الظواهرى يمثل تنظيم القاعدة .

أهم ما جاء فى الإجتماع حدود رسمها الملا عمر لعمل تلك المجموعات خارج أفغانستان. وتحذيره لهم من توجيه أى ضربة لأمريكا ، خشية من رد فعل باكستان(!!). ولكنه قال لو أن الضربات ضد إسرائيل فلن تستطيع باكستان أو غيرها الإعتراض على الإمارة (وكانت فلسطين تغلى بسبب تعديات يهودية على المسجد الأقصى).

–  و يمكن للدكتور الظواهرى الشهادة على مناقشتى مع بن لادن بخصوص تهديده لأمريكا بعملية كبرى ضحاياها سيكونون بالآلاف . وتحذيرى له من أن ذلك يعنى إعلان حرب أمريكية على أفغانستان ، بدون علم أمير المؤمنين ورغم تحذيراته. وكان الدكتور الظواهرى مشاركاً نشطاً فى ذلك النقاش . وهو النقاش الذى حضر”أبوالخير” آخر ثلث ساعة منه ، ولكنه أنكر بعد ذلك حدوث اللقاء أصلا !! .على الدكتور أيمن أن يتكلم قبل أن يندثر شهود وقائع كان حاضرا وفاعلا فيها، وبعضها يتعلق بمصير شعب أفغانستان، الذى تَحَمَّل وزر (حرب 11 سبتمبر) التى لا ناقة له فيها ولا جمل . وتريد أمريكا تحميله وزرها إلى الأبد ، بدعوى مسؤوليته عن إستخدام أرض أفغانستان ضد أمن أمريكا وحلفائها !! .

– يمكن لحركة طالبان

 أن تحصل على تلك الشهادات بطرقها الخاصة ، حفاظاً على الحقيقة.

 

وصاية على أفغانستان .. وعقوبات أبدية

لا تنوى أمريكا الإنسحاب من أفغانستان إلا بشرط بقاء النظام  العميل فى كابول بدون أن يواجه مقاومة جهادية مسلحة ، و ذلك بدمج الإمارة الإسلامية فى حكومة مشتركة مع عملاء كابل .

أمريكا أجلت إنسحابها من أول مايو إلى 11 سبتمبر 2021 .على أمل إكتساب وقت كاف لوضع الإمارة تحت ضغط سياسى أقليمى ودولى يرغمها على الأنصياع للإرادة الأمريكية .

 وفوائد أخرى للتأجيل ..هى :

– خداع العالم عن الطبيعة الإستعمارية لحربها فى أفغانستان، كحرب أفيون ـ لإعادة زراعته وتصنيعه إلى هيروين وتوزيعة إلى العالم، وتصويرها حرب إنتقام من حادث إرهابى.

 – من أهداف الحرب .. إلى جانب الأفيون .. كان العبور بخطوط نفط وغاز آسيا الوسطى (تابى) من أفغانستان إلى باكستان ومنها إلى الهند وميناء جوادرعلى بحر العرب .

– فتصبح حرب أفغانستان هى {حرب 11 سبتمبر} ــ بدأت بحادث منهاتن ، وإنتهت فى ذكراه العشرين . بدأت الحرب وانتهت ولكن تبقى “مظلومية أمريكا” التى ستطالب أفغانستان بدفع تكاليف(سبتمبر) إلى الأبد. فتتعهد بحماية الأراضى أمريكا وحلفائها، من أى عدوان يطالهم من أرهابيين قادمين/ مستقبلا/ من أفغانستان . فى شرط متعسف غير محدد بمكان أو زمان، أو جهة مسئولة تتحكم فى الشطط الأمريكى . بمعنى أن تبقى أفغانستان إلى الأبد تحت وصاية أمنية وسياسية ، وعرضة للعدوان ، وتلَقِّى عقوبات ـ تقدرها أمريكا كما تشاء، بمقدار ما تشاء.

 

أليس الصبح بقريب ؟؟

أعلنت أمريكا أنها لن تنسحب من أفغانستان فى أول مايو القادم حسب إتفاق الدوحة . فجر ذلك اليوم سيكون فجر الحقيقة . ستدق ساعة الجهاد لتصفية بقايا الحملة الصليبية التى شنتها أمريكا على أفغانستان ظلماً وعدوانا منذ عشرين عاماً. سيكون أول مايو هو يوم إفتضاح الغدر والعدوان الأمريكى، بإمتناع تلك الدولة الصليبية المعتدية عن سحب قواتها من أفغانستان تطبيقا لإتفاق وقعته على مرأى ومشهد من العالم أجمع.

– وبذلك أسقطت أمريكا إتفاق الدوحة ، فلم يعد ملزماً للإمارة الإسلامية. بل يلزمها الآن الإعلان رسميا عن سقوط الإتفاق ، وتحررها من شروطه الجائرة، خاصة تكليفها بحماية أمريكا وحلفائها من إرهاب مفترض ينطلق من الأراضى الأفغانية.

– بسقوط إتفاق الدوحة يلزم سحب المكتب السياسى من هناك. ولذلك أسباب عديدة معروفة .

– أما الإعلان عن المواقف السياسية للإمارة ، فهى نفسها آرائها الجهادية التى تعلنها فوق كل شبر من أفغانستان. وهى متاحة لمن أراد الإطلاع عليها.

– سقوط إتفاق الدوحة هو سقوط للحملة الصليبية على أفغانستان . ولا مكان فى أفغانستان بعد اليوم سوى لعلم واحد ، هو علم الإمارة الإسلامية .

إن موعدهم صباح أول مايو .. أليس الصبح بقريب ؟؟.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

 




الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

نفذت إسرائيل قدرا كبيرا من الإغتيالات ضد علماء الذَرَّة . ليس فقط فى إيران بل أيضا فى العراق التى شنوا حرب إبادة على علمائها، ومصر التى شتتوا علماءها النوويين ، وعلماء من تركيا و فلسطين و تونس وغيرها . كما إغتالت عددا كبيرا من الأطباء والمهندسين وخبراء التكنولوجيا المتقدمة ، طالما هم خارج إنظمة السيطرة اليهودية .

الإغتيال لن يستمر طويلا كإمتياز حصري لإسرائيل . بل إن ظهور مملكتها المسماة “الشرق الأوسط الجديد” / ومدخله المسمى بالتطبيع/ سوف يجعلها مستقبلا هى الأضعف فى ذلك النشاط. وطبقا للمنطق الإسرائيلى نفسه سيصبح الإسرائيليون مستهدفون ، ومعهم ذلك السرب الطويل العريض من اَوِّزْ التطبيع ، وقطعان الأبقار.

ولن يكون علماء العدو هم فقط المستهدفون، بل أيضا أصحاب نشاطات إقتصادية، ومروجون تجاريون، وقوادو إعلام . فإغتيال العدو وكلاب حراستة وطَبَّالي الزفة قد يتحول إلى نشاط شعبى. والإغتيال الإنتقائى أو حتى العشوائى سيكون عملاً أرخص وأسهل، وربما تحول ذات يوم إلى رياضة شعبية.

ليس ذلك رجما بالغيب بل بناء على سوابق تاريخية. لا نستطيع حصرها فى بلاد العرب من المغرب العربى إلى السودان والشام والعراق. لذا سنورد نماذج موجزة للغاية من مصر وشعبها المشهور بأنه مُسالِم فوق العادة .

 

– فى الحملة الصليبية الفرنسية على مصر . وإحتلالها مدينة دمياط الساحلية وتقدمها نحو مدينة المنصورة الحالية . إستجاب المصريون لدعوات الجهاد وعمَّ بكاء الناس فى مساجد المحروسة ، وتقدموا إلى ساحات القتال ضد الفرنجة (الفرنسيين) . وأبدعوا فى أساليب المقاومة الشعبية براً وبحراً. وخطفوا الكثير من جنود وفرسان الفرنجة، وأرسلوهم أسرى لرفع معنويات سكان المحروسة . وقال أحد المؤرخين القدماء عن تلك الفترة أن ما فعله العامة ضد الفرنجة كان أكثر مما عمله جيش السلطان الأيوبى . وإنتهت الحملة بهزيمة الفرنسيين وأسر مَلِكِهم .

– فى ثورة 1919 كانت حملة المقاومة الشعبية وحركة الفدائيين السرية فى مصر ضد جنود الإحتلال البريطانى ، عنصرا ضاغطا أثار ذعر جيش الإحتلال وذعر الخونة المحليين . وبعض قادة الثورة أصابهم الذعر أيضا ، فسارعوا إلى عقد إتفاق مع الإحتلال يضمن مصالحهم ويخلصهم من التبعة الثقيلة للمقاومة الشعبية . وتمت تصفية المجاهدين المقاومين بمجهود مشترك بين الإحتلال والقصر الملكى وعدد من قادة ثورة 1919 الأثرياء الإقطاعيين.

 

– وفى حرب 1948 كان أخطر ما واجهه اليهود هم الفدائيين الإسلاميين ـ خاصة من الإخوان المسلمين المصريين ـ فسارع إلى التنكيل بهم فريق من الإستعماريين (اليهود والبريطانيون والأمريكان) والقصر الملكى المصرى . وفى مقدمة الجميع كانت “الأجهزة السيادية” المصرية، إبتداء من”جيش التشريفات والموالد” إلى البوليس السياسى(الجد الأكبر للأمن الوطنى).

– خرجت المقاومة الشعبية العربية لمساندة الشعب الأفغانى وقت الغزو السوفيتى ، على هيئة آلاف الشباب المجاهد . فكان الموضوع المتفق عليه فى المفاوضات بين العملاقين (السوفيتى والأمريكى ) هو تصفيتهم أولا، ثم البحث عن حل لمشكلة أفغانستان ثانيا .

وما زال البحث عن علاج لفيروس الجهاد هو الشغل الشاغل لأعداء الأمة ، وعلى رأسهم إسرائيل ثم أمريكا، ثم كبار الأنذال منزوعى الشرف والسيادة .

 

– التدافع السريع للأحداث أصاب الأمة (العربية/الإسلامية) بالصدمة. فارتماء الأنظمة تحت أحذية اليهود كان غير مُتَخيَّل حتى فى كوابيس الرعب . ولكنه أصبح حقيقة مُتَبَجِّحَة ، فيُمَارَسُ إنحطاط الإستسلام فى ثياب الإنتصار والبطولة.

تكشفت للأمة حقائق السقوط السياسى والفراغ المعنوى . فتهاوت الرموز والمؤسسات الحكومية والتنظيمات الشعبية الإسلامية. والشعوب أصابها الشلل من هول الصدمة . والشباب فى معظمه فقد الثقة والإتزان . ومن المعلوم أن المخطط الصهيونى لتهويد “الشرق الأوسط” قديم ومكتوب منذ ما يزيد عن قرن ، ومعظمه ليس سريا. ورغم ذلك فأبعاد الكارثة مازالت مجهولة للأكثرية، لأن شعوبنا دوما حبيسة التجهيل والتضليل . وتلك مصادفة متفق عليها بين الحكام الطواغيت وبين المعارضة العلمانية والإسلامية. فبدون الجهل والتضليل ما كان لهذا الغثاء أن يستمر، سواء فى الحكم أو فى المعارضة.

وطبقا لذلك المشروع القديم (الشرق الأوسط الجديد)، فإن منطقتنا لن تعود إسلامية ولاعربية ، بل مجرد مستعمرة يهودية كبرى تسيطر فيها إسرائيل على كل شئ . وسوف تلاقى منطقتنا ما لاقته القارات التى”إكتشفها”الأوربيين، حيث تُفَرَّغ الأرض من السكان الأصليين/ بالإبادة والتهجير/ ليعاد تعبئتها بسكان جدد من أجناس مهاجرة ، وعبيد آخرين من غير العرب.

سيفهم الشباب بمرور الوقت أن عليهم ألا ينتظروا أحدا. وعليهم إعداد الزاد المعنوى للمواجهة بإحياء حقيقى للإسلام ، بعيدا عن المؤسسات الدينية الرسمية، وبعيدا عن علماء (نفاق الدولة)، وبعيدا عن الضلال السعودى ، المعروف بإسم السلفية الوهابية ، الدعوى منها والمسلح.

وأيضا.. بعيدا عن الجماعات الإسلامية القديم منها والجديد. فالجميع دخلوا فى منظومة “الشرق الأوسط الجديد” أو الإمبراطورية اليهودية الجديدة. دخلوها بعلم و”ذكاء” من البعض، وبحماس غبى من الأغلبية الصاخبة. فالصحوة التى بَشَروا بها ظهر أنها إغماءة الموت. ودولة الدَعْوَشَة الهستيرية التى تخبطوا بها ، كانت وَبَالاً وذبحا للمسلمين بشعارات الإسلام .

وفى كل الحالات ظهر أن الحماس العاطفى مع غياب العقل ومحاربة الوعى ، هو طريق الهلاك ، وسبيل لسيطرة الأعداء على الجموع المتهيجة ، التى تظن أنها على طريق الحق والصواب.

 

– ضمن محاولات الأعداء لتحطيم ما تحقق من نجاحات ، بعيداً عن السجن العربى الكبير،لا ننسى” نخاس” المرتزقة فى أبوظبى ، الذى نصح الأمريكيين بتنفيذ برنامج إغتيالات موسع ضد قادة طالبان ، كى يدخلوا إلى التفاوض وهم فى وضع ضعيف يستجيب لمطالب أمريكا.

وبالفعل يدور فى أفغانستان برنامج واسع جدا للإغتيالات يقوم به الإحتلال الأمريكى/الإسرائيلى. مستخدمين تكنولوجيا فائقة التطور ، من ضمنها الأقمار الصناعية وطائرات “درون” وأجهزة التنصت والتتبع ، وقائمة طويلة لا تكاد تنتهى من معدات كانت مجهزة لحرب عالمية ضد دول كبرى . وبالفعل فَقَدَ طالبان الكثير من المجاهدين والكوادر.

ولكنهم واجهوا حملة العدو بحملة إغتيالات مضادة، فكانت كفَّتَهم هى الأرجح، رغم الفارق التكنولوجى الهائل ومفعوله القَتَّال . فاغتال المجاهدون قادة نافذون، وجنرالات من الجيش والأمن والإستخبارات ، وفوق ذلك عناصر من الموساد الإسرائيلى وشقيقته الكبرىCIA. حتى فقد العدو توازنه وتناثرت صفوفة تطلب النجاة باللجوء إلى طالبان وإمارتهم الإسلامية.

عناصر قوة طالبان فى تلك الحرب كانت: سيطرتهم على معظم الأرض ـ ومحبة الشعب لهم وثقته فيهم ـ وخشية العدو من قوتهم وهيبتهم ـ وإختراقهم لأجهزة الدولة واستقطاب عناصرها المترددة أو التى غيرت نظرتها للحرب. وفى مقدمة عناصر النجاح تأتى قوة القيادة وكفاءتها العالية مع وحدة وتماسك التنظيم الجهادى (طالبان) وتلاحم قواعدهم الشعبية والقبلية.

– إذا كان من نصيحة للشباب العربى والمسلم فهى : أن أفغانستان هى مجد الإسلام والمسلمين، فتعلموا من الأفغان تنتصروا .. تعلموا منهم الدين وتعلموا منهم الجهاد.. وتعلموا منهم أصول الإنتصار فى حروب المواجهة ، وفى حروب الإغتيال الإنتقائى ، الذى يظن الأعداء أنهم سادته.

ويوم يأتى الشباب المؤمن سيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

 

 




هذا الحاضر .. إلى أى مصير يأخذنا ؟؟

هذا الحاضر .. إلى أى مصير يأخذنا ؟؟

هذا الحاضر .. إلى أى مصير يأخذنا ؟؟

( حرب دينية ) ولكن بتسمية جديدة هى (حرب ثقافية) .

 

ترامب غير إسم “الأهداف الدينية” إلى “أهداف ثقافية” . وهدد بتدمير 52هدفا منها داخل إيران وحدها ، وقال أنها رهائن لديه ، ربما ليمهد الطريق أمام طلب فدية بمليارات الدولارات للإفراج عنهم .

ولأول مرة تظهر “الأهداف الثقافية” على سطح إستهدافات ضمن حرب شاملة، تدار بالقطعة. ولكن فى النهاية سيتم تحقيق كافة الإستهدافات على مدى زمنى أطول. فمجرد الحديث عنها يدل على وجود مخطط جاهز لتدميرها . والمدخل سيكون بتقسيمها إلى مقدسات شيعية وأخرى سنية، تسهيلا للتنفيذ وتأكيدا لتقسيم أمة إستبدلت أمر الله : (واعتصموا)(ولا تفرقوا) ، بأمر معبودها من بنى إسرائيل شمعون بيريز: (تفرقوا)( تنابذوا بالألقاب)( وليقتل بعضكم بعضا).

وبذلك يضمن الأمريكى “ترامب” أن قطاعاً من(أهل السنة العرب) سيكونون من المؤيدين والداعين له بالنصر(!!). وعندما يستدير الأمريكى لضرب المقدسات الإسلامية الجامعة(المساجد الثلاث فى مكة والمدينة والقدس) فمن السهل عليه إتهام إيران والشيعة بتنفيذ الجريمة ـ وسيجد من حلفائه العرب من يُقسِم على عصمة أقوال (الإمام ترامب) وعلى وحدانية ديانة “شمعون بيريز” القائل بأن الخطر الأوحد فى الشرق الأوسط هو إيران . لذلك كُتِبَ على (أهل السنة العرب) الإتحاد مع إسرائيل للحرب ضدها .

 وإنجاز الأمريكى لهدفه ـــ سواء كان ترامب أو من يخلفه ــ فذلك يعتمد على تطورات الحملة الصليبية الكبرى على الإسلام والتى بدأها جورج بوش(الصغير) بغزو أفغانستان فى عام (2001) ثم العراق(2003) ثم حرب لبنان (2006) ثم موجة ثورات الربيع العربى الكاذب فى 2011 . ثم حرب ليبيا، فسوريا، فاليمن . والإستكمالات المتبقية من تلك الحملة أسوأ من مقدماتها ، مادامت منطقتنا العربية خالية من الشعوب ومليئة (بالأنظمة) .

 

أمة بلا مقدسات :

فى ظل آل سعود ، فإن أى عملية لإعادة أعمار المقدسات التى دمرها الأمريكى ، ستتحول فيها مكة والمدينة إلى منشآت ثقافية متطابقة مع رؤية الترفيه السعودية ، والتى تجمع بين التسلية وحفلات الطرب، وتجمعات شبابية مختلطة وصاخبة لأتباع للديانات الثلاث، ومعارض بالصوت والصورة عن تاريخ الديانات فى جزيرة العرب ، مع إبراز الدور “الرائد” للديانتين اليهودية والنصرانية ، وحقوق اليهود فى اليمن والجزيرة ، أو أى أرض سمع عنها أو مشى فوقها أى يهودى فى أى زمان .

أما المسجد الأقصى فبعد أن يدمره الأمريكى فإن اليهود لن يضيعوا وقتا فى بناء الهيكل مكانه ، شاكرين للأمريكى حسن صنيعة ، وشاكرين لأتباع ديانة شيمون بيريز ممن يسمون أنفسهم تبجحا “بالسنة العرب” حسن إلتزامهم بالأخُوَّة الصهيونية.

 ومع تحول نفط الخليج والجزيرة إلى ملكية بيوت المال اليهودية، بشرائهم شركات إستخراجة وتكريره فى البورصات . سيصبح الخليج جنة إستثمارية ليهود العالم، تتواصل جغرافيا مع عاصمتهم الدينية فى القدس ، على إنقاض الإسلام الذى أصبح خاليا من المقدسات ، وقد إستبدله آل سلمان بديانة الترفيه (الحديثة) على إنقاض ديانة الإسلام (القديمة) .

الجزيرة بدون مقدسات فى مكة والمدينة ، لن تعود جزيرة للعرب بل جزيرة لليهود مع حلفائهم (الصليبيين الجدد) الذين سيشترون النفط مع شركات أرامكو وأدنوك وأمثالهما .

– هذه الجزيرة لن تصبح إسلامية ، ولن تستمر عربية . وعلى الأقلية العربية أن ترحل عنها . وبما أن أحداً لن يقبلهم لاجئين أو مستثمرين (إذ لن يعود لديهم ما يستثمرونه ـ فالغرب سوف يصادر أموالهم، كما يهدد ترامب الآن بمصادرة أموال العراقيين لديه ومقدارها 35مليار دولار، فى مقابل منشآت مطار أمريكى واحد فى عين الأسد!!. أما عائدات بيع نفط العراق فتذهب إلى بنك الإحتياطى الفيدرالى الأمريكى فى نيويورك وليس إلى أى بنك عراقى) .

فإلى أين يذهب عرب الجزيرة بعد أن تصبح عبرية يهودية ؟.. المنفذ الوحيد المتاح هو صحراء الربع الخالى . وتلك رؤية أمريكية قديمة لمصير عرب السعودية والخليج . فعليهم إستعادة مهاراتهم التاريخية فى تربية قطعان الماعز ، ليبدؤا من الصفر دورتهم الحضارية.

– من الواضح أن شعب اليمن قد فُتِحَت أمامه أبواب هجرة واسعة إلى العالم الآخر . فمن ضمن سكانه الثلاثين مليونا ، هناك 24 مليون مريض وجائع وضائع .. يزحف إليهم الموت رويدا رويدا على يد أبناء سلمان وأبناء زايد ومرتزقة (حمدوك) ثائر الخرطوم(!!) الذى جلبته إلى الحكم رياح السموم التى هبت على السودان .

 

عاصفة السموم .. من الحبشة إلى مصر :

(نظام عسكر حمدوك) فى الخرطوم هو تجديد لشباب نظام البشير ليكون أكثر ديناميكية فى التفاعل مع عاصفة سموم عاتية تتجمع نذرها فى سماء وادى النيل (الحبشة ـ السودان ـ مصر). الحبشة كظل سياسى لإسرائيل ستكون الكهف الملعون الذى تهب منه رياح الخراب على مصر والسودان ـ ولاحقا على صنعاء ومكة ـ فى تكرار أكثر من محتمل لمأساة تاريخية، التى لولا القرآن ما تذكرها أو تذكَّرَهم أحد .

–  سد النكبة الأثيوبى سيحجز كل مياه النيل الأزرق عن مصر والسودان . وترفض الحبشة مبدأ تقاسم مياه ذلك النهر مع مصر التى تستمد منه 85% من إحتياجاتها المائية.

مفاوضات تضييع الوقت ، يخوضها نظام عسكر مصر مع نظام(نوبل للسلام) فى الحبشة ، حتى ينتهى تشييد الأمر الواقع ليفرض نفسه وقوانينه على مصر تحديدا .

أهم تلك القوانين : أن لا مياه مجانية . فللمياه أسعار دولية كما للنفط تسعيرة دولية . ولا شئ مجانيا كما بشرنا “سيسى” مصر .

إدفع تشرب .. إدفع تأكل .. إدفع تعيش . السلعة المجانية الوحيدة والمضمونة هو الموت، لذا فأكثر زبائنه هم الفقراء ، الذين هم ضحايا الجوع والمرض والحروب فى أوطانهم .. وهم ضحايا الحروب على أراضى الغير كمحاربين مرتزقة ضمن شركات بلاك ووتر (علمانية أو إسلامية ــ أمريكية أو خليجية ــ عربية أو إسرائيلية ــ لا فرق).

بدون مياه فلا زراعة فى مصر ، بل مجاعات متصلة ودائمة . وأمراض سارية وأوبئة فتاكة . ومجرى النيل”القديم” مجرد حفرة للقاذورات والسوائل المنتنة، ترعى فيها الأفاعى والفئران والبعوض . ومئة مليون مصرى عليهم الرحيل والبحث عن مأوى يعصمهم من الموت ويوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الذليلة .

وهنا مربط الفرس ــ أو مربط السيسى ــ إذ أن الجارة أوروبا ستكون هى المتضرر الأكبر والمستهدف الأول لطوفان الهجرة المصرى .

فإذا كانت تصرخ من (سرسوب) صغير من الهجرة السورية ، من مجرد ثلاث ملايين مهاجر سورى فى تركيا يتفلتون إلى أوروبا ـ فكيف بالمئة مليون مصرى يصنعون جسراً من القوارب تحجب مياه المتوسط ؟؟؟!!! . قد يُغْرِق السيسى جزءا منهم بأسلحته الفرنسية: “المسترال” حاملة المروحيات، ومقاتلات “الرافال” التى يمكن أن تحقق فى معاركها ضد قوارب المصريين فى البحر الأبيض ، نصرا عسكريا وحيدا وسهلا ، تتباهى به فى سوق السلاح الدولية. ولكن جزءا لا يستهان فى القوارب سوف يتفلت ويتساقط على سواحل الفردوس الأوروبى الممنوع .

– فكيف تمنع أوروبا شر الهجرة المصرية ، وتقطعه من جذورة ؟ .

– وهل هناك من حل واحد يمنع الهجرتان المصرية والسورية فى قوارب الموت إلى أوروبا؟.

نعم .. بالطبع يوجد ، ولم لا ومنطقتنا العربية قد هجرتها شعوبها وإستوطنتها الأنظمة . فلماذا لا يهاجر المصريون العطشى والجوعى إلى ليبيا ؟؟ . ولماذا لا يهاجر السوريون المشردون الجوعى إلى ليبيا أيضا ؟؟ .

المصريون يفتح لهم السيسى طريقا بقواته المتحالفة مع الجنرال حفتر نحو شرق ليبيا. والسوريون تحملهم سفن الأسطول التركى إلى غرب ليبيا .

ومع تحول ليبيا إلى معسكر دولى لمهاجرى مصر والشام .. قد لا تكون مكانا مكتمل الأمن والإستقرار. ولكن حتى مع حالته هذه، فلن يسمح بنفاذ باقى الهجرات الإفريقية عبر شواطئ ليبيا . خاصة مع فرض حصار دولى بحرى وجوى على “الجيتو” العربى فى ليبيا .

وبهذا تتحول نذر الحرب فى ليبيا بين مصر وتركيا إلى فرصة للسلام الإيجابى الذى يحل مآسى المهاجرين المصريين والسوريين . والذين فشلوا فى إقامة وحدة فى منتصف القرن العشرين قد ينجحون فى إنشاء سجن صحراوى كبير أو ( معزل بشرى ــ جيتو) فى القرن الحادى والعشرين ، ولو على أنقاض شعب عربى ثالث هو الشعب الليبى ، الذى طمحوا فى التحالف معة فى القرن الماضى فى وحدة تشمل السودان أيضا . ولكن مصالح أوروبا هذه المرة قادرة على تحقيق ما فشلت فيه أمنيات شعوب العرب وعبث حكوماتهم الخائرة .

“المهجر الليبى” المفترض ، يحصر سكانه بين مقبرتين عظمتين : مياه المتوسط شمالا ورمال الصحراء الإفريقية العظمى جنوبا . وشرقاً المقبرة المصرية التى إستعمرها اليهود .

وغرباً بلاد المغرب العربى غير المضيافة لجراد الموت إذا إستوطن ليبيا قادما من مصر والشام.

 

إسرائيل تتبرع لنا بأراضينا !!

–  إسرائيل ستتبرع ببعض رمال سيناء لتكون وطنا بديلا للفلسطنيين أو جزء منهم . فتتنفس غزة الصعداء بالتوسع غربا ، مع ميناء ومطار تديرهما إسرائيل مع منظومة للأمن تدفع تكاليفها مشيخات النفط .

 شمال  سيناء مستعمرة إسرائيلية، توهب للفلسطينيين لتوسيع زنزانة غزة . ولأهل النوبة تهب إسرائيل مستعمرة أخرى فى أقصى جنوب مصر تشمل عدة محافظات لتكوين دويلة (نوبية) أهم معالمها(السد العالى) طيب الله ثراه ، وربما تم منحها جزء من شمال السودان .

تلك الدويلة النوبية ستفصل مصر عن عمقها السودانى الذى كان جزءاً من وجودها. واليوم وقد ماتت مصر ، وتم طرد شعبها غربا إلى ليبيا بين “بحر الروم” والصحراء الأفريقية ، فما جدوى السودان لمصر ؟ وما نفع مصر للسودان ؟ .

وأى ماء (يتسرب) من سد النهضة ، سوف يحتجزه (سد النوبة العالى) لتتفاض بشأنه دويلة النوبة مع أى حاكم فرضه اليهود على مصر، سواء كان إسمه (سى سى) أو (سو سو). فالدولة ماتت ، والشعب هاجر وتبَقَّى فى مصر رئيس وجيش مرتزق وسجون مليئة بالهياكل العظمية مثل باقى قبور الفراعنه “العظام”. وبذلك المشهد البائس يسدل الستار على أطول حضارة بائدة شهدتها الأرض.

 

إلى أين ؟؟

 أمة هجرت دينها .. بل تحاربه بإخلاص .

 فبعد قرون عاش فيها العرب عالة على الإسلام .. تحولوا الآن إلى خطر عليه .

إلى أين يذهب أناس لاخلاق لهم ، دينهم ترفيه بن سلمان ونبيهم شيمون بيريز الإسرائيلى ؟؟.

من حاضر كهذا : أمة بلا دين .. وأنظمة حكم بلا شعوب .. فأى مستقبل ينتظرنا ؟؟.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

هذا الحاضر .. إلى أى مصير يأخذنا ؟؟

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 7

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 157 ) | رجب 1440 هـ / مارس 2019 م .            

22/03/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 7 )

 

– أول إذاعة متنقلة تستقر فى جاور ، التى تحولت إلى أهم القواعد الخلفية للمجاهدين .

– كنا مجموعة إستطلاع مُهْمِلَة ، وكاد العدو أن يطلق علينا النار ولكن الجنود رفضوا .

– طائرات الهيليكوبتر تطاردنا بن الصخور  و الأعشاب لعدة ساعات ، وحقانى يثور على أطقم الدوشيكا الذين فروا من أمام الطائرات .

– حقانى يستخدم بنفسه قاذف  RPG7 ضد الطائرات ، فأصبح إستخدام أسلوب”الأرجُل المُلْهَمَة” محظورا علينا .

– التحدى والمجابهة العنيفة هى بصمة حقانى العسكرية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

 

جاور .. بداية الأسطورة

فى يوم قائظ من صيف عام 1982 كنا نعبر منطقة للقبائل الحدودية ، حيث تحركت بنا سيارة (سوزوكي) صغيرة عبر الحدود من معبر (صدقي) . كان رشيد إلى جانبي والضابط عمر يقود السيارة وخلفنا خمسة من المجاهدين والجميع وجهتهم (جاور) … (جاور) ذلك الإسم الذي سمعته لأول مرة وبالطبع لم يدر بخلدي أنه ستكون له في السنوات القادمة تلك الأهمية الهائلة . أما الضابط عمر، فهو شاب من قبيلة زدران إلتحق بالمجاهدين وأصبح من رجال حقاني المقربين . بدأ حياته العملية معه مسئولا عن (جاور) .

كان رشيد يرى أن جاور مهمة ولكنه ما كان يثق كثيرا في كفاءة عمر . وفي السنوات اللاحقة أصبح الضابط  الشاب عمر مسئولا عن (الإستطلاع) وجمع المعلومات لدى حقاني . كما أشرف لفترة على بعض الأعمال الإعلامية كان أولها محطة الإذاعة المتنقلة . و كنا في الطرق كي نشاهدها في جاور .ويبدو أن مهمة جاور الأساسية في ذلك الوقت أن تكون مستقرا لتلك الإذاعة وتوفر لها الحماية من الطيران أو تخريب جواسيس العدو .أما مهام جاور كقاعدة خلفية فلم تكن واضحة كثيرا في ذلك الوقت ، ولكنها نبتت وإزدهرات بالتدريج كواحدة من أهم القواعد الخلفية للمجاهدين،ربما على نطاق أفغانستان كلها . ودارت فوقها واحدة من أعنف معارك السوفييت فى تلك الحرب وربما أعنفها على الإطلاق ، وذلك بعد حوالي أربع سنوات من  زيارتي الأولى لها أي عام 1986م . كانت جاور في خطوتها الأولى عبارة عن خيمة واحدة فوق ربوة مشجرة ، وعربة للإذاعة مختفية بين الصخور والشجيرات،وعدد من العمال منهمكين في تهيئة حفرة في الهضبة الترابية لإخفاء عربة الإذاعة التي لم يكن قد مضى على عملها سوى أيام وتقصفها الطائرات على غير  هدى، حتى ساعدتها المضادات الجوية في تحديد الموقع بدقة ، فبدأت الطائرات تحدد هدفها  بسهولة نسبيا. كانت تلك المضادات في ذلك الوقت عبارة عن مدفع واحد زيكوياك عيار 14.5 مم، أما الإذاعة فكانت تبث برامج معدة سلفا ومسجلة في مدينة ميرانشاه، وذلك بعد العصر ولمدة نصف ساعة . أخبرني حقاني وقتها أن حكومة باكستان قد سلمت المجاهدين أربعة أو خمسة محطات إذاعية متنقلة ، كانت محطة جاور واحدة منها . تذكرت محاولتنا الفاشلة في الحصول على محطة إذاعة من الشارقة منذ ثلاث سنوات . كنا في ذلك الوقت نتوقع تأثيرا دراميتكيا للإذاعة ، وأنها ستقود إلى ثورة عامة عندما يعلم الشعب بانتصارات المجاهدين . الآن هناك خمسة إذاعات على الأقل ولم نحصل على تلك النتيجة التي نتصورها .

فهل كان تصورنا الأول على خطأ ؟.

أظنه كان به كمية من المبالغة ولكنه لم يكن على خطأ كامل . فالمجاهدون في  عامهم الأول،

قبل المساندة الدولية, كان لهم تأثير أسطوري على النفوس . ولكنني إكتشفت متأخرا ـ كالعادة ـ أن بريق المجاهدين يخبوعندما تزداد المساندة الخارجية لهم خاصة من أطراف يكرهها

الشعب تقليديا . فباكستان ليست من الدول المحبوبة لدى الأفغان بل أنهاعدو تقليدي منذ الإحتلال البريطاني للهند . كذلك أمريكا والغرب كانوا مكروهين مثل الروس أو أكثر.

 وهكذا وجدت الدعاية الشيوعية المضادة تفهما ولو محدودا من الشعب الأفغاني ولولا المساندة

 العربية ـ خاصة المتطوعين العرب ـ لفقد المجاهدون في أفغانستان مصداقيتهم .

التواجد العربي في أفغانستان كان أكثر أهمية من أي سلاح عسكري أو أموال لأنه تواجد يتصل بصميم وجوهر الصدام، ألا وهو الجانب العقائدي والنفسي. لهذا كانت الحملة الصليبية رهيبة ضد هؤلاء المتطوعين العرب.

وكما هو معلوم دور أميركا في قيادة هذه الحملة ودور الأنظمة العربية في خوض غمار الحرب ضد من أسموهم (بالأفغان العرب) بدلا من (المجاهدين العرب)  أو (الأبطال العرب).

ما هي إلا أيام قليلة حتى تحركنا في مجموعة من عشرين مجاهدا بقيادة رشيد في مهمة إستطلاع إستغرقت يوما واحدا من المسير الشاق . شمل الإستطلاع منطقتين ، الأولى  منطقة (دراجي) في الشمال الغربي من جاور والأخرى منطقة (ليجاه) في الشمال الشرقي منها. بعد يومين من الرحلة فر ثلاثة جنود من حصن (ليجاه) وأفادوا بأنهم قد رأونا أثناء عملية الإستطلاع ، ووصفوا أفراد المجموعة بأن أحدهم كان يرتدي طاقية بيضاء(رشيد) وآخر كان يلتقط الصور الفوتوغرافية (كاتب هذه السطور) .وأفادوا أيضا بأن ضابط الموقع طالبهم بإطلاق نيران الرشاش الثقيل على هذه المجموعة .

 ولكنهم ـ أي الجنود الثلاثة ـ جادلوه في ذلك لأن المجموعة (أي نحن) إنما هي مجموعة مسالمة(!!) من عابري السبيل (!!) .

شعرب بالخجل وقتها من حالتنا كمجموعة إستطلاع مهملة . ولكنني رأيت دوريات کثيرة أسوأ  حالا من حالتنا تلك . على أية حال كان الإستطلاع على حصن (دراجي) جيدا ربما لأنه تم أثناء النهار . وتم عن مسافة قريبة . أما عند (ليجاه) فقد كنا في جبل مرتفع عن مستوي الحصن الحكومي (البوسطة) .

ولم نكن قريبين بما فيه الكفاية لذا إنتابتنا حالة من الإهمال والتسيب . ومع هذا فإن ظهورنا قرب ليجاه كان حدثا غريبا على حاميتها التي كان تعيش في هدوء منذ مدة طويلة. وكان ذلك حقا نذير شؤم عليهم.  أثار ذلك شجون الجنود ، أو أثار خوفهم فهربوا وأدلوا بمعلومات كانت كافية كي يأخذ مولوي جلال الدين حقاني قرارا بغزو ليجاه .  بعد عدة أيام تحركت مع مجموعة برئاسة رشيد مع مدفع هاون وسط  (82 مم) لمناوشة الحصن ، والبقاء هناك كطليعة لقوات الغزو التي سوف يحشدها حقاني . كنا في منتصف فصل الصيف وتم فتح حصن ليجاه مع نهاية الخريف،وتقهقر العدو تاركا جبال ليجاه تماما وبذلك سيطر المجاهدون على الممر الذي كانت تغلقه تلك البوسطة الحكومية في نهاية السلسلة  الجبلية . ولكن القوات الحكومية إتخذت موقعا في الوادي على بعد عدة كيلومترات من مدخل الممر. وعلى المدى الطويل إتخذ حقاني ذلك الأسلوب التدريجي البطيء حتى توصل إلي فتح خوست عام 1991م .

كانت إستراتيجة مناسبة تماما ـ كما أثبتت التجربة ـ للواقع العسكري والسياسي والإجتماعي للمنطقة .

كانت عمليات المجاهدين تدفع القوات الحكومية بالتدريج نحو الوادي تاركين الجبال تحت سيطرة المجاهدين ، وبعدها بدأت المعارك في الوادي نفسه . وهي بالطبع أكثر صعوبة بالنسبة للمجاهدين ، الذي إتبعوا نفس الأسلوب البطيء في القضم التدريجي وإنقاص الأرض من أطرافها . إن معركة دابجي التي أشرنا إليها أنهت سيطرة الحكومة على منفذ حدودي مع باكستان في نقطة تبعد حوالي أربعين كيلومترا عن مركز خوست وأتاح ذلك إمكانية أفضل للإمداد بالنسبة للمجاهدين . أما في ليجاه فإن سيطرة المجاهدين على جبالها فقد أتاح لهم إمكانية أفضل للتسرب إلى داخل الوادي والوصول إلى المراكز الإدارية والقيادية هناك.

وذلك السبب وراء الحملات العسكرية العنيفة التي قام بها السوفييت لإستعادة زمام الأمور وفرض توازن جديد في مصلحة القوات الشيوعية . وكانت أقوى تلك الحملات في أعوام

1983 ، 1985 ، 1986م. والأخيرة كانت من أشد ما شهدته أفغانستان من معارك حتى ذلك الوقت . كانت رحلتنا الإستطلاعية أول تدشين لنشاطات جاور . كما كانت عملية ليجاه أول حملة عسكرية تقوم بها جاور فيها بدور قاعدة الإنطلاق والتموين والإدارة . وإنتهى ذلك الدور بإسقاط مدينة خوست الذي أدى مباشرة إلى إنهيار كابل ونظامها الشيوعي بعد عام واحد من  فتح خوست . كان لمجموعتنا غارة يومية على حصن( ليجاه) وتتابع وصول الإمدادات ، فأصبح لدينا مدفعي دوشكا يعملان على التلال بهدف الحماية من غارات الطيران. وتزايد تدريجيا عدد المجاهدين واقترب مدفع الدوشكا أكثر حتى صار في مقدوره إصابة جنود الحكومة في الحصن وقد ضايقهم ذلك كثيرا. ولم تفد مدفعية الحكومة ولا غارات الطائرات النفاثة في تحسين وضع حامية الحصن. وتتابع ضغط المجاهدين وغارات الهاون المؤثرة. وزادت الإصابات في صفوف الجنود بينما لم نصب نحن بأية خسائر حتى ذلك الوقت . وتطور الأمر في أحد الأيام فوصلت عدة مصفحات إلى الحصن نقلت الجنود إلى الخلف . وخيل إلينا أن المعركة قد إنتهت. كنا خمسة أشخاص تقدمنا ، نحو الحصن في حرص شديد لسببين :

الأول: عدم تأكدنا بأن كل الجنود قد رحلوا والثاني: خوفنا من حقول الألغام التي نشرها العدو في المنطقة كلها ـ وليس فقط حول الحصن ـ . وأثار ذلك الذعر في صفوفنا . وما أن وصلنا إلى مسافة مائة متر من الحصن حتى أزت رصاصة فوق رؤوسنا . تصورنا أن أحد المجاهدين قد أطلقها لأننا لم نشاهد أية حركة في الحصن . ولكن تتابع الرصاص نبهنا إلى أن مصدره جاء من الحصن فاتخذنا سواتر قريبة وبدأنا في تبادل النيران .  كان معنا الضابط كمال وهو ضابط شاب رأيته لأول مرة في ليجاه كان هادئا للغاية ، وعنيدا لدرجة كبيرة . كان يحمل على كتفه مدفعا عديم الإرتداد بينما يحمل مساعده عدة قذائف فبدأ على الفور في الرماية على الحصن ، فانقطعت الرماية منه تماما . كان واضحا أن الإستيلاء على الحصن مسألة غاية في البساطة فلا أحد هناك غير ثلاثة جنود كما قدرنا ذلك من الرمايات ـ ولكن المشكلة كانت الألغام . لقد توقف زحف المجاهدين عدة أيام وهم يحاولون فتح ثغرة للنفاذ إلى الحصن . وكانت فترة كافية جهزت الحكومة فيها قواتها وجابهتنا فيها بهجوم مضاد شديد كان أسوأ ما فيه طائرات الهيلوكبتر .

مرة أخرى أواجه محنة الهيلوكبتر بعد معركة دارا في العام الماضي .لم تكن محنة ليجاه بنفس الشدة ولكنها دامت لفترة أطول. فقد تمكنت الطائرات وأظنها لا تقل عن ست طائرات من إسكات مدفعي الدوشكا. لم تصب المدافع ولكن الأطقم لم تستطع الثبات أمام الصواريخ التي صبتها الطائرات فوق رؤوسهم . أصبح معسكرنا بلا دفاع جوي . وصمتت النيران من جانبنا تماما, وتفرغنا عدة ساعات للجري في الشعاب والوديان وبين الشجيرات بينما الطائرات الستة تلاحقنا بالنيران من نقطة إلي أخرى . كنا أشبه بسرب من الجرذان تطارده ستة من القطط المتوحشة . وقرب العصر إنتهت المعركة غير المتكافئة . وقد تقطعت أنفاسنا ، وهبطت معنوياتنا بسبب عجزنا المهين أمام الطائرات. لم يمنع ذلك ظهور حالة من المرح و”التبريكات” بين المجاهدين،كانت مفاجأة سارة لنا ألا نجد أية خسائر في معسكرنا سواءفي الأفراد أوالمعدات.

لهذا قضينا ليلة مرحة حول أكواب الشاي الأخضرالذي لم أستمتع به تماما لكونه خال من السُكّر.  وصلت التعزيزات إلى حصن ليجاه ودبت فيه الحياة مرة أخرى واستدعى الأمر إستمرار المعركة عدة  أشهر أخرى حتى تم الإستيلاء التام عليه. ويمكن إرجاع السبب الأساسي إلى الألغام وكانت تلك الموقعة أول معايشة عملية بالنسبة لي لخطورة الألغام. وقد كانت أفغانستان حالة لم تتكررسابقا في تاريخ الحروب بالنسبة لبشاعة إستخدام الألغام إلى حد فاق أي حاجةعسكرية حقيقية.

أما الهيلوكبتر وكان ذلك هو لقائي الثانى معها، فقد زاد إحترامي لها كسلاح فعال ، وزادت

قناعتي أيضا بإمكان التغلب عليها وأنها مشكلة تتعلق بمتانة الأعصاب قبل أي شيء آخر. وإقتنعت بأن تأثيرها محدود جدا على مسيرة العمليات، خاصة إذا كانت تضاريس الأرض تماثل تلك التي كنا نقاتل عليها في باكتيا. أرض صخرية وعرة كثيرة الأشجار.  في مثل تلك الأرض لايحتاج المجاهد لأكثر من قدمين تجيدان إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب . وجدت ذلك الحل الأمثل ورأيته أفضل حتى من إستخدام الصواريخ المحمولة علی الكتف. وما زلت على قناعة بأن الإقدام المدربة أفضل ألف مرة من(ستنجر) الأمريكي. أما الرشاشات الثقيلة فهي كارثة حقيقية على مستخدميهاخاصة في مواجهة الهيلوكبتر. وهكذا كانت نصائحنا لإخواننا المجاهدين في طاجيكستان عندما  لمسنا ذعرهم من الطيران وبحثهم  الملهوف عن بقايا صواريخ (ستنجر) التي كانت أمريكا تسابق الزمن في سبيل جمعها من أفغانستان . وبالفعل إستطاع المجاهدون  الطاجيك مجابهة الطيران بنجاح أكثر هذا العام  (1994م) رغم عدم وجود(ستنجر) لديهم مع وجود عدد محدود جدا من صواريخ “سام7” الروسية، فقد تفادوا تأثير الطيران ، وأسقطوا عددا محدودا جدا من الهيلوكبتر كانت واحدة أو اثنتان منهما بواسطة “سام7”  ذلك الصاروخ الأحمق .(فمنذ حادثة دارا وأنا أشعر بكراهية شخصية تجاهه). لقد أدرك إخواننا الطاجيك أن الإستخدام الجيد لطبيعة الأرض هو خير سلاح في مواجهة الطيران خاصة في مراحل الجهاد الأولى وغياب التدريب الجيد على الرشاشات الثقيلة وعدم توافر الصواريخ المناسبة.   ولا يمكن إنكار أن صاروخ (ستنجر) كان فعالا في مواجهة الهيلوكبتر بشكل خاص ، حتى أن تأثيرها تقهقر كثيرا منذ ظهوره . ويجب ملاحظة أن الرادع المعنوي لأي سلاح أكبر بكثير من قيمته العملية . لهذا فبغَضْ النظر عن نسبة الإصابة التي حققها الصاروخ المذكور ولكن الهالة الدعائية حوله كانت أكبر بكثير من تأثيره العملي .وقد تأثر العدو كثيرا بتلك الدعاية وإنهارت قيمة الهيلوكبتر إلي درجة كبيرة . أما الطائرات النفاثة فقد ضاع جزء من فعاليتها لاضطرارها إلى الإرتفاع أكثر من مدى الصاروخ (6 كم تقريبا)  .أما نسبة الإصابة العالية التي روجها الإعلام الأمريكي فقد كانت محض تهويل ولم تكن أكثر من دعاية  لترويج السلاح في السوق الدولية إضافة إلى التأثير السياسي لتلك الدعاية . أما الرشاشات الثقيلة فقليلا ما استخدمت بشكل جيد في أفغانستان فهي تحتاج إلى طاقم على درجة عالية من التدريب. كما لا بد لها من الإستخدام الجماعي لتلك الأسلحة ، وما يستدعيه ذلك من كمية ضخمة من الذخائر ، وهذا شرط صعب أيضا . يضاف إليه صعوبة المناورة بتحريك تلك الأسلحة وذلك يجعلها هدفا ثابتا للطيران .

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

 

حقانى يثور على أطقم الدوشكا:

يستجيب مولوي جلال الدين بسهولة للتحدي . لم يكن من السهل بالنسبة له أن يقبل ما فعله الطيران بنا. فوجه تأنيبا شديدا لأطقم الدشكا . وأتبع ذلك بإجراءات عملية أخرى ، فأحضر واحدا من صواريخ سام7  وسلمه إلى الضابط كمال ،  وأحضر مدفعا من طراز زيكوياك

(5, 14مم)  ووضعه على جبل مرتفع خلف مواقعنا ، وأحضر عددا من قواذف “آر بي جي”

المضاد للدروع وأمر رجاله بإستخدامها ضد الهيلوكبتر وأيضا ضد النفاثات . لم يكتف حقاني بكل ذلك بل سلح نفسه بواحدة من تلك القواذف ، وكان يصعد بنفسه إلى أقرب قمة إليه عندما يسمع صوت الطيران قادما ، وكان يرمي على الطائرات بنفسه. ذكل تلك الإجراءات مجتمعة هي نموذج مثالي لروح التحدي والمواجهة العنيفة التي يتميز بها أسلوب حقاني في العمل العسكري . ويمكن القول أنها (بصمته العسكرية) . لقد فهم الرجال أن التراجع أمام الطيران ممنوع وأن الإستخدام (المُلْهَم) للأرجل غير مسموح به بعد الآن . شعر العدو بقوة موقعنا فتحولنا تلقائيا إلى هدف هام. وحرمنا ذلك من النوم والراحة وصرنا عرضة دائما للقصف المدفعي والغارات الجوية التي زادت حدتها بعدما رأت قوة النيران الصاعدة إليها . وبسرعة عزز العدو مواقعه حول حصن ليجاه وبدأت المواقع القريبة منه والقواعد الرئيسية داخل المدينة تقدم دعما مدفعيا للحصن. لقد وجدنا أنفسنا فجأة وسط الجحيم، بينما برنامجنا الهجومي قد تجمد بسبب الألغام. في حين تحول همنا الأول هو الدفاع عن أنفسنا ومركزنا . هذا التحول أدى إلي نشوب خلاف بين رشيد وحقاني لم يجتمعا بعده أبدا .

غادر رشيد الموقع ومن يومها لم أقابله في الجبهات . توافد عدد كبير من المجاهدين إلى

المنطقة بعدما أصبح متوقعا أن تهاجم القوات الحكومية مراكز المجاهدين . ووصل إلينا مدفع

 جبلي عيار 76مم فأصبحت نيران مدفعينا تصل إلى أبعد من الحصن نفسه وتطال طوابير

التعزيزات قبل أن تصل إليه . لم أكن أيضا سعيدا بكل تلك التطورات، كان الطيران وحده

كافيا للنيل من معنوياتي . فحتى شاي الصباح لم يعد ممكنا تناوله باسترخاء ، والليل مليء

بالتوتر والإستنفار وقذائف المدفعية الثقيلة التي تأتينا من عمق الوادي . كان برنامجنا المدفعي ناجحا على الحصن فقط  ومنعدم التأثير على عمق العدو. والصمود أمام الطيران بلا مضادات كافية أصابنا بخسائر بشرية ومادية ولم يؤثر بشيء على الطيران طوال فترة تواجدي .

كان المطلوب هو الثبات على هذا الوضع حتى تنتهي جلسات الشورى الميدانية التي بدأت تنهال . فلم يكن قد تقرر شيء نهائي عن البرنامج ولاعن المجموعات التي سوف تشارك فيه.

بعض الإجتماعات جرت في جاورخلفنا بمسافة عشرة كيلومترات مليئة بالجبال الوعرة ، وبعض الإجتماعات جرى في مواقعنا التي لم يكن بها خندق واحد حتى تلك اللحظة . إنتهت مشاركتي في معركة ليجاه عند تلك النقطة . ولكن التطورات إستمرات نحو شهرين أو أكثر ، إنتهت باستيلاء المجاهدين على الحصن والوقوف على أعتاب الوادي الفسيح ودفع العدو عدة كيلومترات داخل الوادي وحرمانه من جبال المنطقة المنيعة . كان نصرا رائعا ، جعل غرب الوادي في وضع خطر . فمدخل وادي ليجاه يتيح الوصول إلى منطقة الغرب كلها ويجعل العمليات ممكنة ضد عدد كبير من تلك المواقع .

بل أن موقع القيادة الرئيسي لغرب الوادي ، وهو حصن دراجي حيث الإدارة والقيادة للمنطقة الغربية ، أصبح  مهددا.

وبالفعل تم الإستيلاء على دراجي بواسطة قوات حقاني المتحركة من ليجاه ولكن بعد 8 سنوات كاملة من معركة ليجاه الأولى التي نَصِفْ بداياتها هنا. وليس المقصود هو ذكر تفاصيل تلك المعارك ، بل فقط ذكر بعض المعالم التي توضح الصورة العامة، وما يساعد قارئنا التاريخي المنتظر على أن يتصور الأوضاع التي كانت سائدة ، ونحاول أيضا أن نبحث عن أوجه الإستفادة من تلك الأحداث وما يمكن إستخلاصه من  نتائج .

ونحاول أن نعود إلى ما ذكرناه سابقا عن (القوانين الخاصة بالحرب). وهي قوانين تتعلق بالقتال في ظروف خاصة جدا  بحيث يستدعي ذلك إجراء تعديلات في قواعد القتال المعروفة أو حتى وضع بعض القواعد الجديدة.

وقلنا أن ذلك لا يتأتى إلا لنوع نادر من القيادات، فهناك خطآن شائعان يقع فيهما قادة الحروب:

الخطأ الأول ،  الإلتزام الحرفي ـ الجامد ـ بقواعد الحرب كما ذكرت في الكتب العسكرية وكما تدرس في الأكاديميات العسكرية . الخطأ الثاني ،الإهمال المتهور لقواعد الحرب، بدعوى أنها (كلام نظري) كما كان يحلو لبعض  إخواننا العرب أن يطلقوا عليها . بالنسبة للخطأ الأول فهو شائع في ضباط الجيوش النظامية الذين  قذفتهم الأقدار إلى حروب العصابات . وقد شاهدت عددا منهم في أفغانستان أكثرهم كانوا أفغانا وقليلا من العرب .

والضباط العرب بشكل خاص فشلوا في التكيف مع حرب العصابات بشكل عام ومن باب أولى الطبيعة الخاصة للحرب في أفغانستان والتي إهتدت إليها العديد من المجموعات الأفغانية وطبقتها بنجاح .  وحتى رشيد بمؤهلاته وقدراته فشل أيضا في إحتمال الوضع الأفغاني الخاص.

وكانت ليجاه نهاية عمله في باكتيا وما لبث أن فشل بسرعة في تجاربه الأخرى في جلال آباد

فإنكمش إلى مجال التدريب ثم إلى الكتابات العسكرية في صحيفة (الصراط) التابعة لمولوي نصر الله منصور، حتی ترك الساحة الأفغانية.   ومن ضمن ما يتأثر به الأسلوب القتالي هو الحالة الثقافية للمجتمع . فالمجتمعات الواقعة تحت التأثير الغربي أو الشرقي، تتأثر إلي درجة كبيرة بالأسلوب القتالي العسكري للغرب أوالشرق. ولما كان الأفغان من أقل الشعوب تأثرا بالثقافات الخارجية إضافة إلى متانة الوضع الإجتماعي القبلي وسيادة الثقافة الإسلامية، فكان من الطبيعي أن ينبت (أسلوب قتال أفغاني) وهو ما شاهدناه في ليجاه ـ وكان أسلوبا تبلور بالتدريج ـ حتى أصبح مدرسة قتالية، هذا الأسلوب وتلك المدرسة لم يكن ممكنا التكيف معها أو إستساغتها من جانب أفراد من خارج ذلك المجتمع  ومن خارج الثقافة الأفغانية . لم تنجح المجموعات الأفغانية بنفس الدرجة . وبعضها فشل في تخطي حد معين في عمله القتالي ولم يلبث أن تجمد عند مرحلة قتالية أولية . ولا شك أن جلال الدين حقاني كان واحدا من الذين طوروا إلى أقصى حد ممكن أسلوبا أفغانيا للقتال كان ناجحا ومؤثرا للغاية . كما رأينا فإن حقاني تخلى مبكرا عن سياسة (إضرب وإهرب) .

ورفض إتباعها كما رأينا حتى عندما بدأ الروس في فرض إحتلالهم العسكري . بل مضى إلى حد القبول بمجازفة “المواجهة الشجاعة” ليس فقط في الجبال،خاصة على الطرق المؤدية إلي خوست، بل وفي الوديان المفتوحة كما رأينا في تعمير في وادي “زورمت” .لقد تحمل حقاني من  جراء ذلك خسائرا كبيرة لكنه حقق نتائج أعظم خاصة على المستوي النفسي والسياسي . وحتى لو عادت عجلة التاريخ إلي الوراء ما أظن عسكريا محترفا يوافق على آراء حقاني تلك رغم أنه ثبت عمليا أنها الأصلح للتركيبة الأفغانية وظروفها الفريدة ، بل وظروف باكتيا الأشد خصوصية . وكما رأينا، لم يستطع ضابط قدير مثل رشيد أن يتقبل أسلوب حقاني في معركة ليجاه .

لم أكتشف وقتها أن حقاني قد إنتقل إلى المرحلة الثانية من مراحل حرب العصابات وإتخذ بذلك قرارا من أخطر قرارات قيادة حرب العصابات وهو قرار التحول من مرحلة إلى أخرى. وهو قرار من الخطورة بحيث أنه قد يؤدي إلى هزائم ثقيلة قد تتحول إلى هزيمة كاملة.  بدأ حقاني يقاتل بمجموعات كبيرة مستخدما قدرا من الأسلحة الثقيلة هادفا إلى طرد العدو من الجبال ودفعه نحو السهول .  لم يقرأ حقاني حتى الآن كتابا واحدا في حرب العصابات ولكنه تصرف بغريزة فطرية سليمة وحساسة، وتعلم الدروس بسرعة متخذا المسار المناسب لحالته الأفغانية الخاصة . سأورد حادثتين لتوضيح (الحالة البشرية) الخاصة التي أملت أسلوبا قتاليا بعينه ، وإن كان مخالفا  لكثير من الثوابت العسكرية. والحادثتان من منطقة “ليجاه”.

 

الحادثة الأولى :

جلسنا في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر لتناول الشاي الأخضر وبعض الخبز . وهذه مناسبة من أكثر المناسبات اليومية سعادة وإنشراحا . بعد منتصف الليل كنت قد أحسست بوصول مجموعة من المجاهدين كانت في دورية ليلية خلف خطوط العدو في الوادي .وتعرفت على صوت صديقي القديم مولوي (محمد سرور) مرافقنا في أولي معاركنا داخل أفغانستان .

أجلت اللقاء إلى الصباح . وقد كان لقاءا سعيدا غمره البشر الصادق والمودة . بعد إنتهاء

جلسة الشاي همس مولوي سرور في أذن طباخ المعسكر فأحضر له إبريقا ضخما من الشاي

الأخضر المر.

ما زالت تلك لمسته الشخصية منذ عرفته ، إبريقه الخاص من الشاي الذي يعادل في حجمه كمية الشاي للمعسكر بأجمعه . قدم لي الرجل كوبا إرتشفت منه على مضض . وجلسنا نتبادل الأخبار والتعليقات حتى إرتفعت الشمس من خلف الجبال وباتت تغمرنا بأشعتها . بدأ هدير الطائرات النفاثة يظهر في الأفق البعيد، فإنسل الرجال الذين صقلتهم تجربة الأيام الماضية ، وظل مولوي سرور يرتشف الشاي بهدوء كأنه يستمع إلى شقشقة العصافير. إقترب منا الهدير وظهرت النفاثات الفضية تدور حول معسكرنا ، وهذا دليل لا يدحض على أن الشر قد إقترب. ولكن الرجل الوقور لم تفارقه الإبتسامة وظل يدير الحديث العذب ولكن ذهني بدأ يشرد و تعلقت أذناي في السماء وعيناي تدور بحذر فيما حولي كي أنتخب المكان المناسب لحضور المأساة القادمة.

ليس لدينا خنادق ولا مغارات ، فقط صخور وأشجار وبعض مجاري السيل الضيقة. لم أستطع التحمل أكثر من ذلك وقد تمادى الطيار في مناوراته فوقنا فطلبت برفق من الشيخ أن نتحرك تحسبا للأخطار ، فلوح بكأس الشاي الأخضر التي في يده وقال برفق :

(نتحرك إن شاء الله عندما أفرغ من هذا الكوب). وبالفعل نفذ ما قال، وبكل هدوء ، ثم سمى الله ، وبدأ يتحرك بهدوء كامل !!! .

 

الحادثة الثانية :

من الصباح حتى الظهيرة كنا قريبين من حصن ليجاه مع عدد محدود من المجاهدين حيث وصلنا قريبا من حزام الألغام . وتبادلنا إطلاق النار من البنادق مع جنود الحامية وكانوا قليلين ولكن دعما مدفعيا قويا وصلهم من مواقعهم القريبة ومن العمق . فقضينا فترة عصيبة ونحن نبدل أماكننا باستمرار حتى تخلصنا من النيران وخرجنا من المنطقة ولكن المدفعية إستمرت بعد ذلك لأكثر من ساعتين على نفس منطقتنا الأولى وما حولها. كان القصف من الشدة بمكان، بحيث أن المجاهدين من خلفنا إستعدوا لإستقبال هجوم شيوعي مضاد وبدأوا التحرك إلى الأمام لصد الهجوم . قابلونا أثناء عودتنا وسألوا عن الموقف فأخبرناهم أنه لا هجوم متوقع حتى الآن . في الطريق قابلنا شيخا طاعنا في السن ذو لحية بيضاء،يـبرق من شدة النظافة، يرتدي البياض في جيمع ملابسه وعمامته. ويتوكأ على عصاه ويسير بخطى وئيدة بينما يحمل بندقيته الإنجليزية العتيقة على كتفه. . سألنا بصوت واهن :

ـ هل جاء العدو ؟ .

ـ لا لم يجىء .

ـ أين هم الآن ؟.

ـ بعيد .. عند مدخل الوادي .

ـ جيد إذن … عندي وقت كي أتوضأ وأصلي الظهر ، ثم أذهب مع المجاهدين للتَعَرُّض .

أذهلني الشيخ وحديثه ، وما زلت أعجب حتى الآن .

( ونعود إلى حديثنا تعليقا على الحادثتين فنقول ) إن بشرا من طراز خاص جدا كهؤلاء

لا بد لهم من طريقة خاصة جدا في القتال . وهذا ما كان ، ولم نستطع معه صبرا .لهذا تحركنا مع الوقت نحو تكوين مجموعاتنا القتالية الخاصة كي نقاتل بطريقتنا الخاصة . وبالمثل صادفنا ـ نحن المتطوعون العرب ـ بعض النكسات وبعض النجاحات . ويمكن القول أنه إلى حد ما كانت هناك مدرسة عربية للقتال في أفغانستان ـ وعلى الأصح مدارس.

 وسنذكر ذلك في حينه .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/02/2019

www.mafa.world

 

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 7




عندما تسقط راية الإسلام و يضرب إعصار الردة جزيرة العرب (2)

المقدسات الإسلامية فى لعبة الأمم

عندما تسقط راية الإسلام

ويضرب إعصار الردة جزيرة العرب

المقدسات قضية أمة وشعوب إسلامية ، وليست قضية حكام خونة وأنظمة عميلة.  فللمقدسات رب يحميها وشعوب تدافع عنها بالدم .

(الجزء الثاني)

بقلم :مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد) :   www.mafa.world

 

المقدسات الإسلامية فى لعبة الأمم !!.

أصبحت مشهورة علاقة بريطانيا بتأسيس مملكة آل سعود فى جزيرة العرب وتأسيس المذهب الوهابى كمذهب رسمى لتلك الدولة .

الهدف كان طرد الأتراك من جزيرة العرب وإستيلاء آل سعود على المقدسات فى مكة والمدينة ، كخطوة أولى لإسقاط الإمبراطورية العثمانية التى تقف عقبة كبرى فى وجه إنشاء وطن لليهود فى فلسطين . تركيا كانت رجل أوروبا المريض ، الذى أرعب الغرب على إمتداد أربعة قرون ، وصل خلالها مرتين إلى أبواب فينا عاصمة النمسا. وبسقوط تركيا ،  كان أهم قرار دولى هو تفيذ (فيتو) ، بإجماع ذئاب الإستعمار الأوروبى ، لإستبعاد (الإسلام) من أى تواجد سياسى على الساحة الدولية ، وأن تكون الإمبراطورية التركية المتداعية هى آخر عهد للمسلمين بأى رابطة سياسية تمثلهم فى الميدان العالمى .

وكان إنشاء دولة لليهود هى قمه ذلك المخطط ، وصمام أمان لنجاحه ، كجرثومة إفساد وإضعاف وتفتيت ، تطور إلى سيطرة إستعمارية يهودية على المنطقة تحت حماية وإشراف نفس القوى الإستعمارية الأوروبية .

لهذا فإن صراع العرب مع إسرائيل هو جزء من الصراع الإسلامى الشامل مع الإستعمار الأوروبى . فالإرتباط التاريخى والسياسى والوظيفى بين المشروعين السعودى والإسرائيلى، هو إرتباط عضوى لا ينفصل . فالمشروع السعودى كان الأسبق تاريخيا ، كمقدمة لتنفيذ المشروع اليهودى فى فلسطين والمنطقة .

ـــ  المشروع السعودى بدأ فى القرن الثامن عشر (1744) على أكتاف مذهب إسلامى جديد بمواصفات بريطانية ـ وهى نفس الرؤية التى ورثها عنهم الأمريكيون فيما بعد ، وعبر عنها رئيس سابق للمخابرات الأمريكية بقوله (علينا أن نصنع لهم إسلاما يناسبنا )، كان ذلك هو الوهابية ، التى أنفق الحكم السعودى خلال العقود الثلاثة الأخيرة مبلغ 67 مليار دولار من أجل ترويجها عربيا وعالميا . وعندما تم إستخدمها فى الميدان الدولى فى أواخر الحرب الباردة وحتى الآن ، كانت مصداقا لرؤيه هزى كسينجر ـ اليهودى الأمريكى والصهيونى المتطرف ـ حين قال( لقد تم تسليح الدين ليكون فى خدمة الجغرفيا السياسية). كانت الوهابية هى ذلك (الدين) الذى نزل إلى ميدان السياسة الدولية كى يغير الجغرفيا السياسية ولكن لمصلحة أمريكا وإسرائيل .

الوهابية حركت قبائل نجد وشبه الجزيرة لإمتشاق السيوف لإعلاء كلمة أولياء الأمر (آل سعود) ضد الحكم التركى الذى صنفته الوهابية كافراً ، رغم كونه حكما سنيا يرعاه “خليفة” للمسلمين . ولكن لدى الوهابية مرونة كبيرة تمكنها من تكفير الجميع ، طاعة لولى الأمر ، الذى يمسك البريطانيون بزمامه ، ويستخدمونه (ودينه الوهابى) فى خدمة الإمبراطورية ضد العثمانيين ، للتخلص منهم كعقبة كبرى فى سبيل زراعة إسرائيل فى فلسطين . وللسيطرة على المسلمين فى أرجاء العالم عبر السيطرة على أهم مقدساتهم فى مكة والمدينة  .وفى المقابل روج البريطانيون بنشاط للمذهب الوهابى داخل مستعمراتهم التى لا تغيب عنها الشمس ، فكانت بريطانيا أهم الدعاة وأبعدهم أثرا فى تدويل الوهابية كبديل عن الإسلام ومذاهبه التى عرفها المسلمون لقرون طويلة .

وكان سحب مكة والمدينة ومن سلطة العثمانيين إيذانا بسقط شرعيتهم الإسلامية وإنتقال تلك الشرعية إلى السعوديين . فمن المقدسات إكتسب الحكم المنحرف لآل سعود ومذهبهم الوهابى شرعية إسلامية، وكل ذلك أصبح رصيدا لبريطانيا العظمى ، ورثته عنها ، أو إغتصبته منها، الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية . وجاء إكتشاف النفط بغزارة فى أراضى المملكة ليكسبها قوة إضافية خدمت إنتشار المذهب الذى كان الذهب أكثر أدواته إقناعا حول العالم . فالمسلمون الفقراء الذى يزدادون فقرا بمر السنين ، بينما تزداد المملكة غنى وتتكدس ملايين الدولارات التى تتكرم بها أمريكا وشركاتها ، كرشوة للحكام ، وليس ثمنا حقيقيا لتلك السلعة الحيوية. وصلت تلك المدخرات الآن إلى حوالى أربعة ترليون دولار ، فى الصندوق السيادى للمملكة ، أما الصناديق “السيادية” الخاصة بأمراء العائلة فلا سبيل إلى معرفة حجمها ولا حصر أعدادها.( أحمق آل سلمان يجردهم منها الآن ، ليسيعين بها على قضاء حوائج ترامب ونتنياهو).

فى وقتنا الراهن ، ونتيجة لتطورات المعسكر الغربى ووصوله إلى أزمة وجودية منبعها الإقتصاد أساسا ، جاءنا المختل (ترامب) حتى يحلب السعودية ، وباقى البقرات ، ثم يذبحها بعد جفافها ـ حسب وعوده الإنتخابية ـ التى لم ينفذ غيرها بداية من زيارته للرياض وخروجه منها محملا بمبلغ 460 ملياردولار فقط ، مع إنخراط سعودى كامل فى صفقة العصر لتصفية قضية فلسطين ، والإنسياق بلا قيد أو شرط خلف قيادة إسرائيل لبلاد العرب .

وكما تخلت بريطانيا عن ممتلكاتها شرق السويس بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة لتصدعها الإقتصادى الناجم عن تكاليف الحرب العالمية الثانية والأولى من قبلها. فإن أمريكا التى بدأت تتصدع داخليا وخارجيا . وتعجز بشكل مأساوى عن إخضاع الثورة الجهادية لفقراء الأفغان بقيادة شباب فى مقتبل العمر(طالبان)، فقد آن لها أن تتنحى . ولكنها مدت أنظارها إلى أكبر الكنوز المستباحة على وجه الأرض ـ أى المدخرات السعودية والخليجية ـ فتريد أن تنهبها قبل الرحيل وتسليم عهدة السعودية ومنطقة الخليج والعالم العربى كله إلى إسرائيل ـ المندوب السامى فوق العادة للإستعمار الغربى فى بلاد العرب.

ـــ  ولكن لإسرائيل طموح أبعد من ذلك بكثير ويشمل العالم كله وفى صدارته العالم الإسلامى المفكك والمتنافر . وذلك يلزمه سيطرة إسرائيلية على المقدسات فى مكة والمدينة . لذا مازالت إسرائيل فى حاجة إلى خدمات آل سعود، ولكن فقط إلى حين ترتيب أوضاع جديدة لجزيرة العرب والمقدسات الإسلامية .

 

 

إسرائيل تريد ضم المقدسات الإسلامية كلها ،

لتضع الديانات السماوية الثلاث فى قبضتها ،

وتجمع العالم فى إمبراطورية يهودية واحدة .

تحتاج إسرائيل إلى التواجد عسكريا فى جزيرة العرب، لأهداف :

 أولا : لأجل السيطرة المباشرة على المقدسات الإسلامية فى مكة والمدينة ، وثروات النفط والتجارة . وربط الجزيرة بإسرائل كملحق إقتصادى وعسكرى وسياسى وثقافى لها .

ثانيا : التواجد على سواحل الخليج لتثبيت الحدود الشرقية للإمبراطورية اليهودية الجديدة فى مواجهة إيران ، ومن خلف إيران من شعوب إسلامية لم يكتمل إخضاعها بعد، فى وسط آسيا وأفغانستان وجنوب آسيا. (أرسلت داعش لقهر المجاهدين الأفغان ، وأرسلت جيوش أل سعود وآل نهيان لإبادة مسلمى اليمن . وتعمل على حشد جيوش الجزيرة وعرب “الإعتال” لتهديد إيران واستزاف قواها) .

 ثالثا : لمراقبة اليمن عن كثب ، وإدارة شوطئها وجزرها الإستراتيجية ، ومنع شعبها من النهوض لإصلاح شئونه من جديد ، مهددا التواجد اليهودى فى جزيرة العرب ، بصفته الشعب الوحيد فى الجزيرة الذى يمتلك مؤهلات جهادية عالية.

ــ بسيطرة إسرائيل على جميع المقدسات الإسلامية (مكة ـ المدينة المنورة ـ القدس) يحكم اليهود قبضتهم على قلب الإسلام ، مع العزم على إعتصاره من الإيمان ثم إعادة ملئه بمحتوى يهودى . أى تصنيع دين يهودى جديد للمسلمين إسمه ـ مجرد الإسم فقط ـ هو الإسلام، ولكن بمحتوى يهودى ، كما حدث قبلا للمسيحية ،

التى إنتهوا منها منذ قرون عديدة. ومع ذلك فإن إحتلالهم لأهم مقدسات المسيحيين فى فلسطين تجعل يدهم هى الأعلى على الديانة المسيحية نفسها وإلى الأبد .

 وهكذا بخطوة إسرائيل النهائية صوب إحتلال جزيرة العرب ومقدساتها سوف يوحدون الديانات السماوية الثلاث فى ديانة يهودية واحدة ، تخدم منظورهم النهائى للعالم كأمبراطورية موحدة تحت سلطة حكومة مركزية مطلقة الصلاحيات فائقة القوة تحكم العالم وتستعبد جميع البشر لخدمة بنى إسرائيل ، حسب معتقداتهم التلمودية .

وحتى لا يستثير ذلك مشاعر المسلمين من غير العرب ، أو بعض العرب ممن تبقى لديهم شئ من الغيرة ، فإنها فى حاجة إلى إصطناع حرب ساخنة وباردة مع إيران تبرر تواجدها فى جزيرة العرب وعلى مياه الخليج وفى العمق العربى حتى المحيط الأطلنطى ، والإدعاء بأن ذلك جاء كضرورة دفاعية ضد عدو خارجى (إيران) متربص على الحدود ، ومعادى مذهبيا ومختلف عرقيا، ومخيف عسكريا، وطماع سياسيا . ذلك الوحش المعادى يجرى تصنيعه والترويج ضده دعائيا منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 ، لعزل تأثيرها الثورى عن المحيط العربى الذى رضخ للوهابية المتحالفة ليس فقط مع النظام السعودى بل مع جميع أنظمة القمع والإستبداد أينما كانت . فتولت الوهابية الشيطنة الدينية لإيران ، والشيعة العرب بالتالى، كقوى إجتماعية قابلة للتثوير خلافا للرغبات الوهابية والمصالح الإستعمارية. وجميع ردود الأفعال الإيرانية على إجراءات تطويقها وعزلها وحصارها وخنقها إقتصاديا وإضعافها عسكريا وشيطنتها دينيا وسياسيا ، أى رده فعل لها إزاء ذلك كله تولت الوهابية جانب التصدى الدينى له ، والأنظمة العربية تولت التصدى السياسى والدعائى ، وتصويرها كأفعال عدوانية للسيطرة والإحتلال ، والقضاء على (أهل السنة والجماعة) الذين إحتكرت الوهابية تمثيلهم دينيا وتولت تلك الأنظمة (المعادية للإسلام أساسا ) الدفاع عنهم سياسيا وعسكريا .

وبالتالى صار التحالف “السني” ــ الوهابى فى حقيقة الأمر ــ مع الصهيونية الإسرائلية ضرورة بقاء ودفاع لا غنى عنها . وهكذا تطور التعاون الإسرائيلى السعودى لتهيئة العالم الإسلامى والعربى لتقبل الإحتلال الإسرائيلى لجزيرة العرب ووضع مكة والمدينة إلى جانب القدس فى خزائن اليهود ، وبذلك يتحقق لهم سيطرة أبدية وإزاحة كاملة للإسلام كدين ، خلال مدى زمنى محدود للغاية ، حسب تقديراتهم طبعاً .

أين أمريكا فى كل ذلك؟؟ . لقد إنسحبت إلى حد كبير من المنطقة بإعلان جورج بوش فى عام 2011 ( أن المهمة فى العراق قد أنجزت).

فأمريكا لا تريد قتالا أرضيا واسعا ، لا فى العراق ولا فى سوريا أو حتى أفغانستان. وتبحث عن وكلاء يعملون لحماية مصالحها الإقتصادية والاستراتيجية بأقل مجهود أمريكى ممكن من قوة النيران (الجوية) والمجهود الإستخبارى والعمليات الخاصة، وبرنامج الإغتيالات الجوية بطائرات بدون طيار(الدرون)، والذى تديره المخابرات الأمريكية تحت إشراف مباشر من الرئيس الأمريكى .        { “أوباما” كان نجما فى ذلك المجال وسجل إسمه فى تاريخ الإجرام بعملياته فى ميادين شتى خاصة فى أفغانستان وباكستان واليمن . وضمن لنفسه مجدا أبديا بإدعائه إغتيال بن لادن عام 2011 } .

ــ  إنتشرت عشرات القواعد العسكرية فى معظم المنطقة العربية ، لبسط حماية أمريكية على المشروع الإسرائيلى الكبير ــ الذى أطلقوا عليه أحيانا الشرق الأوسط الجديد أو الكبير ــ فإسرائيل دوما فى حاجة إلى غطاء من قوة دولية عظمى أثناء خطواتها الكبرى . وذلك منذ تأسيسها عام 1948 وحتى الشروع فى تنفيذ برنامج “الشرق الأوسط الجديد” بغزو العراق عام 2003 ، ثم محاولة غزو لبنان عام 2006 ثم أحداث الربيع العربى عام 2011 ، وصولا إلى العمل على نقل حدود الإمبراطورية اليهودية شرقا نحو الخليج (العربى!!) . أما الحدود الغربية للإمبراطورية على شواطئ المحيط الأطلنطى، فهى فى أيدى أمينة ومخلصة للمشروع الصهيونى أكثر من اليهود أنفسهم.

 

 

إسرائيل .. وطن قومى لحكام الخليج :

   ولكن هل تستطيع الوهابية بسط تغطيتها الدينية للتموية على المشروع اليهودى فى جزيرة العرب؟؟. ذلك موضع شك ، فما زالت هناك بعض القوى الحية التى ترفع السلاح حاليا فى دفاع شرعى عن الأوطان والأديان خاصة فى اليمن وأفغانستان وباكستان ولبنان ، وبعض من المشرق والمغرب العربى  .

وهناك إحتياط بشرى ضخم ، ولكنه محبط بتأثيرالفشل المزمن للحركات الإسلامية ، الذى يبدو غامضا وبدون أسباب واضحة حتى لجمهور الشباب المتحمس إسلاميا .

ومع كل الإحباط والتخلف الثقافى والتشويش الإعلامى ، فمن غير المتوقع أن يمر برنامج إسرائيل بسلاسة فى جزيرة العرب وحوافها المائية ، أو حتى فى العمق العربى الغارق فى متاهات دينية ودنيوية تستنزف قواه حتى ثمالة.

هناك سكون شعبى أقرب إلى الموات . ولكن عمق الصمت قد يشير إلى عمق الإنتفاضة القادمة . ويومها سوف تطال المشروع اليهودى من جذوره الوهابية/السعودية وحتى صيغته التحالفية (الناتو العربي الإسلامي الإسرائيلي) .

ــ وعلى المدى المتوسط سوف يكون هناك بالتأكيد وبحكم الحيوية الكامنة فى الدين الإسلامى نفسه والتراث التاريخى والثقافى لمجموع المسلمون ، على إتساع جغرافية العالم ، مقاومة أشد وأكثر جذرية وسينهار المشروع الصيونى مع لوازمه الوهابية /السعودية .

ــ فليس من حق آل سعود وباقى العشائر الحاكمة فى الخليج أن يفرطوا فى شبر واحد من جزيرة العرب ، ناهيك عن المقدسات الإسلامية فيها .

فيمكن لآل سعود وصهاينة الخليج والجزيرة أن ينسحبوا إلى وطنهم الإحتياطى فى إسرائيل ، فى لجؤ سياسى ، بلا كراسى حكم ولا أراضى ولا مقدسات .

 ــ فليس لأحد أن يدعى سيادة مطلقة على تلك المنطقة ، كونها حرماً إسلاميا تمتلكه أمة من مئات الملايين من البشر . ولا يمكن لأحد أن يفرض على تلك الأرض نظاما يخالف ما أجمع عليه المسلمون طبقا لجميع مذاهبهم المعتبرة بلا إستثناء . فجزيرة العرب كلها من اليمن حتى حدود الشام هى حرم إسلامى بحت ، برا وبحرا وجوا يحظر فيه مخالفة شريعة الإسلام أو إيواء أعداء المسلمين فوق أرضه أو البحار التى حوله  .

ــ سيفتح ذلك تلقائيا مسألة الإحتلال اليهودى لفلسطين ، والقواعد العسكرية لدول الإستعمار الغربى فوق الأراضى العربية والإسلامية ، والتواجد البحرى الصليبى واليهودى الذى يحاصر جزيرة العرب ويخنقها بدعوى حمايتها “!!”.

فالإسلام دعوة للتحرر والإستقلال السياسى والإقتصادى ، مع تميز ثقافى . فالتبعية بأنواعها تعتبر نقصا يقدح فى إسلام الأذلاء التابعين لغير شرائع الإسلام  .

التسارع غير الطبيعى للمشروع الصهيونى فى المنطقة العربية والإسلامية تَعَدَّى القدرات الفعلية لراعى إسرائيل وحاميها الأول أى الولايات المتحدة.

وكان الهدف الأول للحملة الصليبية التى شنها بوش على أفغانستان هو إعادة تخطيط المنطقة العربية ، بعمق إسلامى يشمل أفغانستان وإيران وآسيا الوسطى . أما باقى المنطقة فقد إنتهى أمرها منذ إستسلام مصر لليهود بداية منذ عصر السادات ثم الذين أتوا من بعده ، من سئ إلى أسوأ. وعلى نهج السادات سار باقى القطيع العربى .. سرا وعلانية .

ــ  كان فى حسبان أمريكا أن عدة أسابيع كافية لتحطيم مقاومة الأفغان وفرض الهدؤ هناك وتحقيق باقى أهداف الغزو بسلاسة ، وعلى رأسها إستبعاد الإسلام من أفغانستان أولا ، ثم الحصول على الجائزة الكبرى : كنوز الهيروين ومئات المليارات من عائداته السنوية ، مع نفط آسيا الوسطى .

كان الجيش الأمريكى مسلحاً بما لا يخطر على عقل بشر ، من أسلحة دمار وأحدث ترسانة تدميرية فى العالم . ولكن ذلك لم يكن كافيا (لإفناء الأفغان) أو إرغامهم على ترك الجهاد والإستسلام للعدو الذى أعلن صليبية حملته العسكرية من داخل كتدرائية فى واشنطن .

ــ باستعجال شن الأمريكيون حملتهم على العراق ، وبمعاونة السلاح التكفيرى تمكنوا من إمتصاص قدرا كبيرا من المقاومة الباسلة للعراقيين . فقلصوا وجودهم العسكرى إعتمادا على قوة التكفيريين وغزارة الإمداد الواصل إليهم  .

وتركوا لإسرائيل مهمة التخلص عسكريا من حزب الله فى جنوب لبنان فى يوليو 2006 ـ وبعد شهر واحد وثلاثه أيام إتضح للعالم العجز الكامل للجيش الإسرائيلى ـ واتضحت الثغرات فى البنيان الصهيونى كله ، من الراعى الأمريكى إلى الإمتداد الوهابى / السعودى/ الخليجى ، إلى معسكر “السلام” التعاقدى و”السلام” المتخفى غير المعلن ، حياءً وخجلاً .

ورغم تجلي نقاط الضعف إستمر الإندفاع الصهيونى على غير أساس متين سوى ، تأكدهم من موات الشعوب العربية إجمالا ، وضلال الحركيين الإسلاميين ، و”الجهادين” التكفيريين، ومؤسسات دين السلاطين ، فقد دبت الحياة فى العروق المتيبسة للنظام السعودى . فبعد الملوك المحنطين وأنصاف الموتى ، تصدى أمير طائش عديم الخبرة ، لقيادة السفينة السعودية المتهالكة ، محاولا سحب كل العرب وكل المسلمين الذين أسماهم سنة (بمفهومه الوهابى لذلك الإصطلاح فى مغالطة كبرى للخلط بين المفهوم الفقهى “للسنة” والمفهوم السياسى الذى يعنى أتباع السعودية وعبيد دولاراتها) .

 ــ فبدأ بفتح الخزائن السعودية للراعى الأمريكى الذى جاء لحلب البقرة الكبرى قبل أن يذبحها ، وأعلن الأمير النزق (بن سلمان) عن مشروعه الإسلامي (السني!!) للتحالف مع إسرائيل ضد (إيران والشيعة والمتطرفين السنة) طبقا لتحديدات المخبول ترامب . والتحالف ليس عسكريا فقط بل إقتصاديا فى الأساس ، بمعنى فتح السعودية وكل الخليج لجميع الأبواب ولجميع مفاتيح الثروة للمرابين اليهود، ليكرروا ما فعلوه فى مصر من نزح للثروات بلا حسيب ولا رقيب، وإفقار الشعب بلا حدود أو ضمير ، بالتعاون مع أقلية من الصفوة المستفيدة من “التحالف” الذى هو ليس أكثر من “إستسلام غير مشروط”  .

ــ متماديا فى الحماقة ، تصرف ” الأمير” على أنه مَلِك على كل المسلمين ، متحكما فى ثراوتهم ومقدساتهم على حد سواء . وبدأ يكمل ما بدأه أسلافه من ملوك السلالة السعودية ، فى طمس الإسلام تدريجيا والتعدى على الطابع المحترم للمقدسات ومحيطها القريب والبعيد ، للتحقير من شأنها ونزع مهابتها واحترامها من النفوس . فوصل النشاط التخريبى إلى داخل الأماكن المقدسه نفسها.

 

 

المقدسات .. قطاع خاص  للملوك

ـــ  الأمير الحالى ، الملك الفعلى للمملكة ، بدأ يتصرف بشكل مكشوف ، وبلا حذرعرف به آل سعود ، ليس فقط فى علمنة المملكة برا وبحرا ، بل فى علمنة الأماكن المقدسه نفسها، وكأن تلك الأماكن هى جزء من ممتلكاته ، وبعضا من أثاث قصوره الخاصة .

قد يجعل ذلك من الأمير آخر السلالة السعودية الحاكمة . وقد يؤدى تهوره إلى يقظة إسلامية فوق المتوقع . ولن يجديه وقتها إسناد إسرائيلى أو أمريكى . وسوف يكتشف أن هناك إسلاماً واحداً وأمة واحدة تقف فى مواجهة عائلتة ومعسكرها كله.

 إستخدم ملوك وأمراء آل سعود المقدسات كورقة للتجارة السياسية أولا ، ثم للفائدة الإقتصادية ثانيا ، فيما أسموه “السياحة الدينية” .والآن وبحماقة الأمير الأخرق ، يريد أن يجعل بلاده كلها مسرحا للفساد تحت شعار السياحة “أو المؤسسات الحكومية للترفيه”!!”.

 لن تكون فقط شواطئ المملكة ومسارحها ودور اللهو فيها/ المعلوم منها والمستتر/ نشاطا لا أخلاقيا هادفا للتربح من المتعة الحرام، بل ينسحب ذلك على المقدسات نفسها بتغيير الطابع المعمارى لمكة تحديدا . ومن الواضح تعديه بل وتحديه لمفهوم المقدسات لدى المسلمين ، وإحتقاره المتعمد لعقائدهم ومشاعرهم وتاريخهم . وتلك سياسة سعودية ثابتة منذ بداية ملكهم.

فقد بنى ملوك آل سعود صرحاً شامخا بطرازغريب ورموز ماسونية تعلو قمتة ، فوق هضبة مطلة على البيت الحرام ومدينة مكة ، خادشا الذوق والأخلاق والمشاعر  .متناسين أن مدينة مكة لها قدسيتها ولابد من المحافظة على طابعها الإسلامى العربى ، ولا يجب تغريبها وجعلها مدينة أبراج شاهقة وفنادق بازخة مستفزة ، تبرز المسافات الكبيرة التى تفصل بين فاحشى الثراء من الحجاج وبين الفقراء الذين يتكدسون فى غرف حقيرة . فذلك عكس روح الحج التى تؤكد على المساواة بين المسلمين أمام خالقهم بحيث لا يمكن التمييز بين الغنى والفقير من حيث المظهر “على الأقل” أثناء تأديتهم لمشاعر الحج .

 ــ ذات يوم لابد أن يزال من مكة أى مبنى يرتفع أكثر من إرتفاع الكعبة نفسها ، أو أن يشيد بناء بغير الطراز العربى والإسلامى . فمكة ليست مدينة أوربية ولا مدينة بازخة تجرح مشاعر فقراء المسلمين / الذين هم الأغلبية الكاسحة من الأمة/ وتؤكد دونيتهم بمبانى المترفين التى تجثم فوق صدر المدينة ، بما لا يناسب روح الحج ولا روح الإسلام .

 

 

الكعبة .. أسيرة رهن الإعتقال :

ـــ  منذ مدة طويلة وملوك آل سعود يجتهدون فى التعدى على طبيعة المدن المقدسة بالمعمار الغربى ، وفرض طابعه الذى يجعل من المبانى المقدسة أشياء مغتربة عن الوسط المحيط بها. فالكعبة نفسها يزيدون من حصارها وحجبها عن أعين الناس بشتى الحيل المعمارية ، حتى أوشكت أن تكون أصغر الوحدات المبنية وأكثرها عزلة ، بحيث تحتاج إلى مجهود للبحث عنها حتى داخل الحرم نفسه .

فلا ينبغى أن يحاصر مبنى الكعبة داخل سور مرتفع ذو أبواب محكمة أشبه بسجن يعزلها عن باقى مدينة مكة بل عن الدنيا بأسرها . فذلك المبنى المقدس ينبغى أن يكون فى فضاء مفتوح ، وإتصال حر مباشر مع المسلمين ، فأينما كانوا فى مكة يمكنهم رؤيتها ، وليس زيارتها كما يزار السجين داخل أسوار المعتقل .

هذا المبنى المقدس ينبغى تحريره من المعتقل الذى بناه آل سعود . أما وقاية الحجاج من العوامل الجوية من شمس وحر ، وتوفير الخدمات لهم فهناك عدد لا يحصى من الحلول الممكنة بدون وضع الكعبة داخل معتقل شاهق الأسوار محكم البوابات .

ـــ  زاد الطين بله ذلك المشروع الجديد الذى تتكتم عنه السلطات السعودية، وتكلمت عنه كالعادة وسائل إعلام أمريكية وبريطانية . والمشروع هو بناء سقف متحرك للكعبة المُشَرَّفَة بدعوى حماية الحجاج  من العوامل الجوية.

وسائل إعلام سعودية نقلت الخبر عمن أسمته ” قائد قوات الأمن فى المسجد الحرام اللواء محمد الأحمدى” . الخبر يمثل صدمتان ، الأولى هى ذلك السقف المتحرك والثانية هى وجود قوات أمن يرأسها “لواء” مخصصة للمسجد الحرام !!. فهل هو سجن ؟؟ أم ثكنة عسكرية ؟؟ أو مأوى للمشردين والمشبوهين ؟؟ أم أن الحجاج هم مشاريع إرهابية ؟؟ وهل يأتى يوم تحدث فيه “محاولة آثمة!!” تدبرها السلطات فى الحرم لتبررعزل الكعبة نفسها بالأسلاك الشائكة ، وحظر دخول ذلك السجن الضخم المحيط بها إلا ببطاقات أمنية وشهادات (خُلُوٍّ من الإرهاب) مع نسخة من بصمات طالب الزيارة !! . ما هذا الرهاب الأمنى داخل أهم المقدسات؟؟ ولماذا تمارس الدولة السعودية إرهابها للمسلمين داخل أقدس مقدساتهم ؟؟ ومن أين يأتى الإرهاب ومن صنعه وأسسه؟؟ ، ومن إستخدمه ويستخدمه ولمصلحة من؟؟ ، ووفقا لأى برنامج ؟؟. هذه أسئلة لا يعرف إجابتها الدقيقة إلا الملك وكبار الزبانية .

  وكأن كلمة إرهاب قد صممت خصيصا لقمع المسلمين وضرب الذلة والمسكنة عليهم أينما وجدوا ، ليصبح المسلمون هم يهود هذا العصر. ويصبح اليهود هم سادة العالم والقابضين على أقدس مقدسات المسلمين ، بل والمسيحيين ايضا .

 

 

مقدسات أم آثار ؟؟ :

“سيادة اللواء” قال أن العمل فى السقف المتحرك سوف يبدأ قريبا على أن ينتهى فى عام 2019 . نقاد المشروع صرحوا للإعلام (الخارجى) أن المشروع سيحرم المكان من طابعة المقدس . وتكلم بعضهم عن مشاريع لتغيير طابع مدينة مكة لتصبح أقرب لمدن أمريكية مثل لاس فيجاس ( أكبر مدن القمار الأمريكية). قال أحد النقاد( لقد غيروا طبيعة المكان وانتزعوا روحه)، وقالت كاتبة أجنبية (هذه مسألة أكثر حداثة وتتعارض مع الأعراف فى هذا المكان المقدس).

نقلت نفس وسائل الإعلام عن مسئول سعودي قوله ( إن مكة لم تصنف بأنها موقع تراث عالمى لمنظمة اليونسكو . وأن الحكومة السعودية حرة فى ترميم الموقع وإعادة تشكيله دون الإخلال بالقوانين الدولية ).

مرة أخرى لا يرى المسئولون السعودون وجودا لشئ إسمه مسلمين ، لهم معتقدات ومشاعر ومطالب . وأن يد ملوك السعودية ليست طليقة تفعل ما تشاء فى مقدسات المسلمين . فالكعبة ليست من(الآثار) بل هى من (المقدسات) . لذا فهى ليست من إختصاص اليونسكو مثل ( أبوالهول وبرج بيزا المائل ) بل هى المبنى الأكثر قداسة لدى المسلمين ، ويهتم بها كل مسلم ويعتبرها من شئونه الدينية المحورية . فإليها يتوجه عند كل صلاة خلال يومه وليله وطوال حياته . فليست اليونسكو هى التى تهتم ، بل أمة المسلمين ، التى لا يهتم بشأنها (أحمق آل سلمان) ولا كل سلالته .

فمكة ستظل هى مكة ولن تصبح (لاس فيجاس) والكعبة ستظل هى الكعبة ولن تصبح واحدة من( آثار) اليونسكو .

ـــ   ويجرى فى المدينة المنورة نفس ما يجرى فى مكة من إنتهاك لروح المكان وقدسيته . وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم مستهدف من الملوك وعلماء السلاطين ، فهم يتنمرون منذ زمن لإخراج الرسول من مسجده . وفى بداية أمرهم قال الوهابيون أن وجود القبر الشريف فى المسجد “شرك” !! ، والآن يريدون إخراجه بدعوى (توسعة المسجد) !! وكأن القبر يشغل مساحة شاسعة ستضاف إلى مساحة المسجد الحالية .

ناهيك عن وضع القبر الشريف تحت الإقامة الجبرية من حرس غلاظ شداد ، يمنعون الناس من الإقتراب خوفا من عدوى الشرك(!!). وكما عُزِلَت الكعبة عن محيطها السكانى ، عُزِلَ القبر الشريف عن جموع المصلين المتلهفين على رؤية قبر رسولهم والإقتراب منه والسلام عليه ومناجاته بالقول والعبرات ، فلأجل زيارته جاءوا من كل فج عميق .

لقد حجبوا قبر الرسول الأكرم كما حجبوا الكعبة ، بل حجبوا الإسلام نفسه بمذهبهم الوهابى الذى أطفأ نور الإسلام وروحه .

 

برنامج يهودى واحد للمساجد الثلاث :

إن ملوك آل سعود ينفذون ما ترغب إسرائيل فى تنفيذه فى مكة والمدينة من إزالة القدسية عن المعالم المقدسة ومحيطها السكانى . تماما كما تغير إسرائيل من طابع مدينة القدس ، أى تغريب المدينة معماريا لتصبح مجرد “مدينة أوروبية أخرى” لا علاقة لها بحضارة المسلمين والعرب ، أو الطابع الدينى تحديدا .

وتعمل إسرائيل على هدم المسجد الأقصى وسط ظروف تكون ملائمة ، تعمل على توفيرها ، وآل سعود يفعلون نفس الشئ فى مكة والمدينة . وفى (ظروف ملائمة) قد نجد الكعبة فى داخل صندوق محكم داخل سجن عملاق يحرسه “لواء” وقوات  أمن!! ، فى مدينة كان إسمها مكة ولكنها صورة منقولة عن”لاس فيجاس” مدينة القمار فى أمريكا !!. فقد أزالوا خلال سنين حكمهم العقيم مالا يحصى من المعالم الإسلامية المرتبطة بالنبى الأكرم وصحابتة ، وبالأحداث الهامة الكبرى فى تاريخ الإسلام ، وأماكن تنزيل عدد من سور القرآن الكريم . فتدمير التاريخ هو جزء ثابت للمدرسة الوهابية وجزء من عقائدهم . وهى سياسة إسرائيلية تطبقها إسرائيل فى فلسطين المحتلة لطمس تاريخها وهويتها الإسلامية ، ويطبقها الحكام العرب لقطع الصلة بين شعوبهم والإسلام ، أو حتى أى تاريخ سابق على حكم الإمبراطورية اليهودية لبلادهم . وربما تأتى أجيال لم تر غير حضارة اليهود فى بلاد العرب ، ولم تر أو تسمع إلا عن التاريخ اليهودى والغربى .

إسرائيل وآل سعود يعملون على محو الإسلام ، وطمس المقدسات وتغيير شعوب جزيرة العرب ، وحقن ثقافة الغرب بكامل إنحرافاتها فى مجتمع جزيرة العرب. ولن يكون التواجد الإسرائيلى فى تلك البلاد وأماكنها المقدسة أمراً عاديا ومقبولا فقط ، بل ومطلوباً كونه متسامحا وعصريا وغير متزمت أو إرهابى  .

ــ وإحتمال طرد العرب من سواحل الخليج ( العربى!!) ومناطق النفط حيثما كانت ، ورميهم فى الصحراء الكبرى ، هو أكثر من مجرد إحتمال ، وربما هو خطوة قادمة لسلخ تلك المناطق عن باقى أراضى الجزيرة وإحلال سكان غير مسلمين فيها ، ضمن دويلات جديدة معترف بها دوليا على غرار ما حدث من فصل سنغافورة عن ماليزيا المسلمة ووضعها تحت سيطرة الإستعماريين الأوربيين ليتحكموا منها فى واحد من أخطر الشرايين البحرية للتجارة الدولية، بعد شحنها بقوميات غير مسلمة.

( سفير أمريكى سابق لدى السعودية فى السبعينات صرح بضرورة إعادة العرب إلى الصحراء الكبري وإعطاء كل أسرة مبلغا من الدلارات وسيارة دفع رباعى).

  تسير الأمور فى هذا الإتجاه ـ بلا ممانعة تذكرـ وطالما بقيت الأمة العربية غير مبالية، فسوف تصحو ذات يوم لتجد شعوبها تهيم فى الصحارى ، ومقدساتها قد إختفت وأصبحت أطلالا ترعاها اليونسكو ويطوف بها سياح الغرب ، مبتهجين متبرجين ، يلتقطون الصور التذكارية .

و”المطوف السياحى” سيذكر لهم أن هنا ، فى ذات يوم ، كان يوجد شئ ما إسمه إسلام ، وقوم عرب إرهابيون متخلفون ، يقال أنهم كانوا مسلمين!!.

 

جيش إسرائيل قادم إلى أرض المقدسات :

 ولتثبيت تلك الأوضاع ، يستعد الجيش الإسرائيلى لدخول “المملكة” لحراسة مكتسباته الجديدة بقوة السلاح . نعم سيدخل إلى جزيرة العرب ، ويصل إلى المقدسات ليحرس إنسلاخ المسلمين عنها بل وإندثارها ــ بقوة السلاح ــ وتحويلها من “مقدسات” تحميها الأمة إلى مجرد ” آثار” ترعاها “اليونسكو”.

وليس مصادفة أن تترأس تلك الهيئة الدولية مؤخرا سيدة صهيونية من يهود المغرب ، كانت زيرة فرنسية سابقة ، وقد صوت لإنتخابها (جميع) المندوبين العرب !! .

 فمن يجرؤ على الكلام ؟؟. وهل لدى المسلمون سلاح؟؟ .. وهل للسلاح رجال يحملونه؟؟ .. وهل من يحملون السلاح جاهزون للتضحية لأجل الدين ، أم لأجل الدولار ؟؟.

ـــ  بدأت يد آل سعود تمتد علنا إلى أقدس أقداس المسلمين بعد إضعافهم التدريجى لشعوب جزيرة العرب ، وتغريبها داخل حدودها ، وإذلالها باستخدام قانون( سيف المُعِزْ وذهبه)، فبالسيف والذهب تقام العروش . والمتجبر المحلى يشد من أزره جيش أمريكى وقواعد لجيوش أوربية تحميه من شعبه ومن منافسيه القبليين ، وتسلب أموال ونفط البلاد فى نفس الوقت .

آل سعود وباقى المشيخات النفطية ـ وخلال أحداث وكوارث الربيع العربى ـ تمكنوا من تمويل الصراعات الداخلية فى الدول المنكوبة “بالربيع” ، وتقوية جميع أجنحة الطاغوت الحاكم أو الطامع فى الحكم . حتى إحترقت أهم ثلاث دول فى بلاد العرب وهى العراق وسوريا ومصر . وجارى إحراق اليمن بنار مستعرة من تحالف (الحزم الصهيونى)، لإباده شعب اليمن ، أصل العرب وحامى إسلامهم.

  وشعب مصر حكم عليه إسرائيليا وخليجيا بالإعدام ، أو مغادرة أرض مصر، ونهاية دولته الأزلية ، بعد أن قطعوا عنه شريان الحياة ببناء سد النهضة فى أثيوبيا ليحجز خلفه ماء النيل وذلك بتخطيط إسرائيل وتمويل من السعودية وقطر وتركيا، وغيرهم  .

فخلت المنطقة من الشعوب ومن الدول ، ولم تبق غير قوة وحيدة هى إسرائيل كدولة لا منافس لها ، فاستدارت إلى خارج المنطقة للقضاء على القوى المناوئه لها على الشاطئ الشرقى للخليج العربى “!!” وهى إيران ، الدولة المسلمة التى يتبع معظم سكانها المذهب الجعفرى الإثنى عشرى . فتواجهها إسرائيل تحت راية الإسلام “السني” الذى يدعى آل سعود تمثيله ، وذلك لتقسيم أمه الإسلام وزرع الفتن فيما بينها. وبدلا من إصطلاح “أهل القِبْلَة” الذى إرتضاه العلماء لوصف الأمة الإسلامية الموحدة ، فرض آل سعود وعلماء الوهابية ، وجماعات المرتزقة الإسلاميين إستخدام إصطلاحى “السنة” و”الشيعة” لتكريس الإنقسام وتأصيل الفتنة بين عناصر الأمة الإسلامية الواحدة .{ كان بن لادن يستخدم دوما إصطلاح “أهل القِبْلَة” كوصف موحد للسنة والشيعة . كما لم يكن يستخدم إصطلاح الوهابية ، بل كان يستخدم إصطلاح المدرسة النجدية حتى لا يشخصن المأساة المذهبية}.

ـــ ويركض بن سلمان فى مضمار الفتنة بكل قوته حاملا اليهود فوق كاهله رافعا رايتهم ، مدعيا أنه يمثل الأمة التى لا تجتمع على ضلاله ناهيك عن الكفر البواح .

وكما بعثر شعوب العرب، فإنه يفعل نفس الشئ بأمة الإسلام ممهدا لإسرائيل عبور بلاد العرب إلى بلاد المسلمين ، فيما خلف (الخليج “العربى”!!) فى إجواء الإنقسام والفوضى التى تمهد لسيطرة إسرائيل  .ولأن “بن سلمان” ، وأعوانه من صهاينة الخليج والعرب ، لا يمثلون العرب ولا يمثلون الإسلام ، فإن الأحداث قد تنقلب بعكس ما يتوقعون  .

 

تحميل الجزء الثاني (PDF) :   إضغط هنا

 

بقلم :      

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world