قرة باغ (مجموعة 4)

قرة باغ (مجموعة 4)

“قرة باغ” ( 12 )

– أظهرت حرب “قرة باغ” أن التشدد المبالغ فيه كان تغليفاً عقائدياً لمصالح مالية وسياسية تربط التيار السلفى الجهاى بالأتراك وباقى الممولين من مشيخات النفط .

– الجيش التركى لم يراع الحساسية العقائدية لمسألة الفتنة السلفية مع الشيعة . وركز على الجانب الإدارى واللوجستى .

– جيران إمبراطورية إسرائيل : تمدد تركى وإنكماش إيرانى .

–  منحوا تركيا فرصة للتمدد عسكريا فوق مساحة /فوق تخيل أو قدرة أى حكومة محلية/ تمتد من أفغانستان إلى ليبيا .

–  يستمر الضغط والحرب غير المعلنة لإخضاع إيران، أو إضعافها إلى أقصى مدى ، ليتوفر مناخ أفضل لتجذر الإمبراطورية الإسرائيلية، فى المنطقة العربية.

– حرب “قرة باغ” منشأها أفغانستان وانتصار الإمارة الإسلامية هناك. فظهرت فرصة سانحة أمام تركيا لتأمين خطوط الطاقة المارة فى الأرض الآذرية وذلك بالسيطرة على إقليم “قرة باغ” الإستراتيجى.

– “قرة باغ” وضعت الحركة الجهادية السلفية ــ والتيار السلفى بشكل عام ـ أمام أحد خيارين إما رفض ما حدث وتحديه عمليا  ، أو القبول به والعمل بمقتضاه.

– طمست أعينهم عن رؤية تأثير ذلك على عقيدة الفتنة وما أصابها من تصدع يصعب علاجه بعد أن أصبح حُماتُها السلفيون فى وضع حرج للغاية . وأن ذلك يهدد مشروع الشرق الأوسط الإسرائيلى على المدى البعيد.

 

بعد التحالف المفاجئ بين الحركة “الجهادية السلفية” والشيعة الإثنى عشرية برعاية الجيش التركى فى(قرة باغ)، والشرق الأوسط الجديد مصاب بصدمة نتيجة ذلك التحول الكبير والمفاجئ، فى واحد من أهم المرتكزات العقائدية والدعائية لتيار”السلفية الجهادية”، بل والحركة السلفية بشكل عام .  وهى التى صَعَّدَت الخلاف المذهبى مع الشيعة إلى درجة المفاصلة العقائدية ، فجعلته راية حرب تحشد تحتها الأنصار ، وسببا وحيدا لجميع الحروب.

– فأظهرت حرب “قرة باغ” أن ذلك التشدد المبالغ فيه كان تغليفا عقائديا لمصالح مالية وسياسية تربط التيار السلفى الجهاى بالأتراك وباقى الداعمين والممولين من مشيخات النفط.

ذلك التحالف فى “قرة باغ” لم يسبقه أى بحث فقهى لتبريره عقائديا ، ولا بحث سياسى يشرح دوافعه وأهميته ــ إن وجدت ــ فظهر الأمر على أنه مجرد تلبية لأمر عسكرى صادر من الجيش التركى إلى الوحدات السلفية المقاتلة ، التى تعيش فى تركيا والمناطق التى يحميها الجيش التركى فى الشمال السورى .

–  يبدو أن الجيش التركى لم يراع الحساسية العقائدية لمسألة الفتنة السلفية مع الشيعة . وركز على الجانب الإدارى واللوجستى ، وكأن مسالة تحريك الوحدات العسكرية للسلفيين أصبحت ضمن الروتين العسكرى للجيش التركى ، وربما أحد مفردات إستراتيجيته العسكرية . فقد ساق الوحدات السلفية أمامه إلى ساحة القتال فى ليبيا . وقبلها شحن القطاع التكفيرى منها (الدواعش) إلى أفغانستان ــ خاصة المنحدرين من وسط آسيا وأبناء شعب الإيجور ــ وهناك يعملون بالتنسيق مع الجيش التركى وفق مخطط تركى لجعل الشمال الأفغانى قطاعا من شبكة النفوذ التركى الممتد من شمال أفغانستان إلى أذربيجان إلى سوريا وليبيا. مرورا بمنطقة التنافس المحتدم على ثروات الطاقة فى شرق البحر المتوسط .

 

جيران إمبراطورية إسرائيل : تمدد تركى وإنكماش إيرانى :

استراتيجيا، فإن أهم قوتين إسلاميتين على حدود العالم العربى (سابقا) والشرق الأوسط الجديد (حاليا) ، وهما تركيا وإيران، يجرى إختزالهما إلى قوة واحدة هى تركيا ، بمنحها فرصة للتمدد عسكريا على مساحة /فوق تخيل أو قدرة أى حكومة محلية/ تمتد من أفغانستان إلى ليبيا .

–  تركيا قوة إقليمية كبرى، وعضو فى حلف الناتو، ومتحالفة مع إسرائيل رغم التنافس معها على مزايا إقتصادية هنا وهناك. فى نفس الوقت يجرى تقليص قوة إيران بالعقوبات المالية والحصار الإقتصادى والعسكرى والدبلوماسى والإعلامى و(بالكورونا) ، فى حرب لا تنقطع على الداخل الإيرانى بإستخدام العملاء وسلاح المرتزقة العتيد. يستمر كل ذلك الضغط أو الحرب غير المعلنة بهدف إخضاع إيران، أو إضعافها إلى أقصى مدى ، ليتوفر مناخ أفضل لتجذر الإمبراطورية الإسرائيلية، فى المنطقة العربية.

 

فى “قرة باغ” إبحث عن أفغانستان :

إنتصار أفغانستان = حرب “قرة باغ” .

– جميع المكاسب التى يحصدها النظام التركى من صفقته الإقليمية مع إسرائيل من السهل إستردادها أو إلغائها . وأيسر السبل إلى ذلك هو إنقلاب عسكرى يقوم به الجيش التركى . وليس ذلك ضرباً من الخيال فكل ذلك الإنتفاش المتضخم للدور الإقليمى التركى قائم على قوة الجيش الذى يوطد علاقته أكثر مع إسرائيل ، بما يجعل الإنقلاب العسكرى رهن الطلب فى التوقيت الإسرائيلى المناسب. ولذلك حسابات كثيرة/ ليس هنا مجال تفصيلها/ ترتبط بقوى إقليمية ودولية أهمها روسيا وإيران والصين والإتحاد الأوروبى ، ولكل منهم مصالحه وموازينه التى تحكم سياسته إزاء تركيا .

– ظهر من الأداء العسكرى التركى فى ” قرة باغ” أنه إستوعب جيدا الدروس الأمريكية فى أفغانستان ، وأهمها إستخدام قوات المرتزقة الأجانب فى القتال الأرضى كبديل عن القوات الأمريكية وللأعمال القذرة والخطرة للغاية. الجيش التركى ــ مثل جيوش كثيرة أخرى بما فيها الجيش الإسرائيلى ــ بدأ يتبنى حرب المرتزقة فى القتال الأرضى . بإعتبار وحدات السلفية الجهادية تؤدى له هذا الدور، فيستخدمها بنفس المفهوم الأمريكى لقوات المرتزقة، الذين توردهم له فى أفغانستان الشركات الدولية ، وغالبيتها شركات إسرائيلية/ إماراتية.

– والدرس الثانى المستفاد من حرب أمريكا فى أفغانستان هو محورية دور الطائرات المسيرة بدون طيار، فى عمليات القصف والإستطلاع والإغتيال . بدرجة خففت كثيرا من الأعباء الملقاة على طائرات الهيلوكبتر ودعمتها كثيرا. وقد إستخدمها الجيش التركى بغزارة فى قرة باغ ــ ويقال أنه وضع فى أذربيجان 300 طائرة منها، قبل بدء العمليات خلال مناورات مشتركة سبقت الحرب ومهدت لها.

– وتجدر الإشارة إلى أهمية ما يحدث فى أفغانستان من هزيمة أمريكية وتصدع النظام العميل وقوة الإمارة الإسلامية المتصاعدة عسكريا وسياسيا ، ويقين شركات النفط الغربية بأنه لا مجال لمرور خطوط الطاقة وفق الشروط التى رفضتها الإمارة الإسلامية منذ نشأتها الأولى . فكان لابد من التوجه بخطوط الطاقة عبر بحر قزوين صوب أذربيجان وصولا إلى موانئ تركيا ، التى إنقَضَّت على الفرصة فشنت حرب “قرة باغ” لإبتلاع أكبر جزء من الكعكة النفطية المتجهة إلى البحر المتوسط ، كبديل عن التوجه إلى المحيط الهندى ـ والأراضى الهندية ـ عبر أفغانستان وباكستان.

وبشكل ما يمكن القول أن حرب “قرة باغ” منشأها أفغانستان وانتصار الإمارة الإسلامية هناك. فظهرت فرصة سانحة أمام تركيا لتأمين خطوط الطاقة المارة فى الأرض الآذرية وذلك بالسيطرة على إقليم “قرة باغ” الإستراتيجى لتأمين مسارات تلك الخطوط بعيدا عن أرمينيا و جورجيا. فشنت تركيا حربا تبدو مربحة جدا، رغم خطورة ما تستلزمه من وحدة سنية / شيعية قد تشكل إرتدادات مستقبلية قد تضر بالإمبراطورية الإسرائيلية فى بلاد العرب.(هناك خطر إستدراج روسيا ـ وربما إيران أيضا ـ إلى تلك الحرب ولكن ذلك قد يكون مرغوبا فيه أمريكيا).

وبشكل ما يمكن القول أن تركيا تريد إنتصارا فى”قرة باغ” يعوضها عن هزيمتها فى أفغانستان ضمن إخوانها المدحورين هناك من قوات حلف الناتو ، بقادة امريكا وإسرائيل فى حرب العشرين عاما التى شاركت خلالها تركيا طولا وعرضا.

 

إحتمالات التملص .. والتأثير الإسرائيلى :

– هذا الإندماج الذى أحدثته القوات التركية بين شيعة “أذربيجان” والقوات السلفية الجهادية  فى حرب”قرة باغ”، تخطى وبسهولة صادمة أخطر الحواجز الإعتقادية ، بقتال السلفيين جنباً إلى جنب مع الشيعة فى معركة واحدة يقودها الجيش التركى.

محاولة التنظيمات السلفية التبرؤ مما حدث أو التقليل من أهميته، أو تحميل المسئولية لجناح ما مارق، لن تكون مقنعة لأحد حتى لقائليها . وفى نفس الوقت فإن محاولة التمرد على الأوامر التركية ورفض العمل كقطاع عقائدى داخل الجيش التركى ، بالأجر وفى مقابل الإيواء والحماية على الأراضى التركية ، مثل ذلك التصرف الجذرى سيكلف الحركة السلفية الجهادية فى سوريا وتركيا ثمنا باهظا قد يكون وجودها ذاته.

ما حدث فى قرة باغ ــ ليس أقل من إنقلاب عقائدى على السلفية ــ وهدم أهم ركائز بنيانها العقائدى والحركى التى تعتاش عليه .

– وهناك جانب يتعلق بإسرائيل ، لا يقل أهمية ، بل يزيد . فالتحالف الإسرائيلى مع “السُنَّة” ـ السلفيين ـ فى جبهة واحدة ضد الشيعة وإيران إنهار بالفعل / فى جانبه الإعتقادى على الأقل/ بعد أن ظهر أنه تحالف مصلحى قائم على مفاهيم سياسية يمكن إسقاطها عند اللزوم. بعد أن كان الجانب السلفى يعرض الفتنة على أنها قضية دينية لا يعلوها شئ آخر، وتكاد تتساوى مع قضية التوحيد أو تتقدمها أحيانا .

–  “قرة باغ” وضعت الحركة الجهادية السلفية ــ والتيار السلفى بشكل عام ـ أمام أحد خيارين : إما رفض ما حدث وتحديه عمليا  ، أو القبول به والعمل بمقتضاه.

 

أولا ـ رفض ما حدث فى “قرة باغ” .

 بالتأكيد على أن التحالف السلفى مع اليهود قائم على عقيده دينية مركزيتها مبدأ الفتنة بين السنة والشيعة . بما يبرر العيش السلمى المشترك فى إطار {الشرق الاوسط اليهودى الجديد} ، بدعاوى مقاومة إيران والمد الشيعى والسلوك العدوانى لإيران فى المنطقة، وبرنامجها النووى والصاروخى .. إلى آخرالمنظومة الشعرية الشهيرة.

فى هذه الحالة لابد من رفض التحالف العسكرى السنى/ الشيعى ، القائم فى حرب قرة باغ، ونعته بما يلزم من تكفير، أو على الأقل العمالة والتآمر على أهل السُنَّة المضطهدين والمهزومين والمُتآمَرعليهم دوما ( ويقصدون الحركة الإسلامية العربية السلفية، وليس عموم أهل السنة من غير السلفيين ، الذين حققوا أروع إنتصارات شهدها العالم فى جهاد أفغانستان ضد السوفييت ثم الأمريكيين).

 

ثانيا ـ قبول ما حدث فى قرة باغ :

البديل الآخر هو القبول بمبدأ التحالف الجهادى بين السنة والشيعة وتعميمه، ليشمل باقى جبهات الصدام مع إسرائيل وحُماتِها الأمريكيين ، خاصة فى فلسطين ـ واليمن ـ وسوريا ـ والعراق ـ ولبنان ـ وسد النكبة (الحبشى/ الإسرائيلى) الذى يهدد حياة مئة مليون مسلم سُنِّى فى مصر .

فى هذه الحالة فإن نظرية الشرق الأوسط الجديد(أوالكبير)التى صاغها رئيس الوزراء الإسرائيلى “شيمون بيريز” فى أواسط التسعينات تكون قد سقطت تماما . وبالتالى فإن ساحات الصراع المذكورة سوف تشهد تحولا جذريا ـ لتضع إسرائيل أمام أعقد مأزق وجودى يواجهها منذ تأسيسها عام 1848.

 

فهم لا يبصرون :

– إن ما يحدث فى حرب “قرة باغ” يتم بموافقة أمريكية وبمشاركة إسرائيلية . ولكن طمست أعينهم جميعا عن رؤية تأثير ذلك على عقيدة الفتنة وما أصابها من تصدع يصعب علاجه ، بعد أن أصبح حُماتُها السلفيون فى وضع حرج للغاية . وأن ذلك يهدد مشروع الشرق الأوسط الإسرائيلى على المدى البعيد. فقد ظهر أن دعاوى الفتنة ليست عقائدية بل مصلحية، ومجرد ذريعة لممارسة الخيانة والتعاون مع اليهود فى إحتلالهم لكامل بلاد العرب، وإلغاء المقدسات الإسلامية ، وفرض صيغة جديدة لإسلام يصنعه لنا اليهود بإعتبارنا ضيوفا غير مرغوب فيهم على ساحة شرق أوسطهم اليهودى الجديد. الذى ما كان ليترسخ عقائديا ـ وعسكريا ـ بدون التحالف اليهودى مع غلاة السلفية.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

قرة باغ (مجموعة 4)




السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟!

(2)

في الحقيقة كثيرة هي العوامل التي ساهمت في نشوء السلفية الجهادية بفكرها الراديكالي.

فمن تلك الأسباب ضعف المؤسسة الدينية في التوجيه وقصور التعليم عموما وكذلك واقع انهزام المسلمين أمام الإحتلال الغربي وتسلط الدول الأجنبية على ثروات الأمة وفشو البطالة وعدم نجاح مشاريع الإصلاح السياسي والدعوي…إلخ

حالات العالم الإسلامي تختلف من بلد لآخر في الدوافع والأسباب غير أنه هناك قاسم مشترك بين جميع الدول هو سوء التعامل مع المخالف فما دام هناك تعامل بشدة وعنف فطبيعي أن تكون ردة الفعل مشابهة على غرار القاعدة الفيزيائية (لكل فعل ردة فعل)

وفي الغالب كان ظهورها كردة فعل لما واجه الحركة السلفية الدعوية والسياسية الإسلامية الأم في كثير بلدان من (قمع واطهاد) في المغرب مثلا كان أول ظهورها بعد القضاء على حركة الشبيبة الإسلامية أواخر سنة 1975م وما أصاب مؤسسيها من نفي وسجن ومطارة (الشيخ عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال ورفاقهما…) مع أنهم لم يكونوا يتبنون العمل المسلح وليس من أدبياتهم، فنشأ بعدهم من يتبنى فكرة المواجهة المسلحة مع النظام وتبني أدبيات دخيلة على المجتمع المغربي ونشط لذلك مشايخ ودعاة ورطوا الشباب المتحمس ولبسوا عليهم دينهم.

(فكان آنذاك 1975\1980 بداية شرارة الجهاد الأفغاني ضد الروس مما جعل متنفس لمن يريد الذهاب للقيام بتلك الفريضة الغائبة! حتى إن الشيخ عبد الكريم مطيع يذكر أن السعودية حينها عرضت عليه الذهاب للعمل والتحريض للجهاد في أفغانستان وباكستان فرفض بسبب قناعته أن المعركة آنذاك لمصالح أمريكية، والعرب وقودها و مجرد خيول يُركب عليها !)

طبعا ذهب الكثير من سلفية المغرب الذين تبنوا الفكر الجهادي، قتل من قتل وعاد من سلم إلى المغرب وكان منهم من يريد تأسيس تنظيمات مسلحة ضد النظام، ومنهم من بدأ يعمل بشكل فردي وعشوائي _إغتيال هنا أو هناك، بعضها علني والبعض الآخرسري مثل حركة المجاهدين المغاربة التي كانت تنشط في الخارج وداخل المغرب أغتيل أميرها ومؤسسها في فرنسا (النعماني) سنة 1985في ظروف غامضة!

وهكذا توالت التنظيمات والحركات في مختلف المدن المغربية ويكتنفها الكثير من الغموض بدءا بأهدافها ومصادر تمويلها إلى المستقطبين لها، غير أنها كانت دائما ماتستهدف النظام ومفاصله من شرطة وأعوان وقضاة .!

أذكر وأنا صغير لايتجاوز عمري 6 سنوات بين 1998\2000 كنت أذهب رفقة اخي محمد إلى مسجد دوار بوجدي وكانت تسمى يومئذ (ب قندهار لكثرة الملتزمين فيها والنشاط الدعوي) بتولال مكناس وكانت المدينة بل المغرب بكامله في ذلك الوقت يشهد انفتاحا علميا ودعويا تنشط فيه كل الحركات الإسلامية وكانت هذه القرية تضم مجموعة من الملتزمين التقليديين وأغلبهم بسطاء التعليم والثقافة يرأسهم أحد الإخوة السلفيين(أبو خليل) مسؤول بالفطرة وليس القانون عن إدارة المسجد في القرية ويقوم بمجهود الدعوة و وتحفيظ القرآن الكريم، وكذلك يستدعي بعض مشايخ السلفية آنذاك لإلقاء الخطب والمحاضرات (العنترية) التي أذكر من إحداها حديث الإخوة أن الشيخ الفيزازي قبل أن يبدأ محاضرته خاطب الحضور الكريم من بسطاء التعليم وشباب يتراوح عمرهم بين 15/25سنة من امه تخاف عليه ليأخذ حذاءه ويذهب إليها !

طبعا لأن المادة لاتلائم الجيل الناشئ…! ومما لا يخفى كيف كانت هذه الطائفة من الملتزمين تشدد على الناس وتنفرهم بتصرفات طائشة في أسلوب الدعوة، لها قصص وطرائف شبيهة بالواقع السوري كما سيأتي معنا لاحقا غير أن الأول لم يتوفر لديه السلاح.!
وأيضا كان يأتيهم أسد المنابر الشيخ أبو حفص رفيقي.ومعظم وعاظ ومنظري ماعرف بالسلفية الجهادية بعد تفجيرات 16 ماي 2003 والتي أيضا لا تخلوا من الغموض لامن طرف المنفذين لها ولا من هم المخططين…!

ويبقى السؤال هل لو كان هناك خطاب وتوجيه ديني رشيد رسمي أو غير رسمي وحسن تعامل مع الأفكار الخاطئة وعلاجها بنظيرها بدل البطش والقهر هل كانت ستختلف النتيجة!؟ في نظري “نعم” وفي الجزائر حادث الإنقلاب الماكرعلى حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية الذي اكتسحت الساحة دعويا وحققت انتصارا ساحقا في الإنتخابات آنذاك .
مما جعل المناخ مناسبا لبروز أشد الجماعات تطرفا وراديكالية(محمد أمين والزوابري) أتت على الأخضر واليابس .!

وفي تونس كان للعلمانية الشرسة وممارساتها القمعية العنيفة ضد الحركة الإصلاحية الإسلامية ودعاتها الدور الرئيسي في تغلغل فكر الغلو والتكفير بين صفوف المتدينين ممن كانوا في سجون النظام وكذلك عقب خلع بن علي وفد مجموعة من الدعاة (الحازمي)ونشطوا في تلقين الشباب المبتدأ والمتحمس العديد من الأفكار والمفاهيم المغلوطة والمنحرفة التي كان لها انعكاسا سلبيا على الجانبين الدعوي والسياسي بل وكانت بمثابة دق الإسفين وسط مجتمع حديث عهد بحرية. وليبيا ومصر قبلهم.. وكذلك كثير دول أخرى.
ومما ينبغي الإشارة إليه مسألة اقتران السلفية الجهادية بالخليج عموما وبا لسعودية خاصة سواء من ناحية الدعم اللوجستي أو الفكري أو المذهبي “فقهيا” وخاصة خارج المملكة وكأنهم يدعمون أي نشاط تخريبي في العالم الإسلامي فقط لا يكون داخل مملكتهم أو يهدد مصالحهم !
طبعا الخليج يحمل أدبيات عريقة عتيقة من إرث الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجيل الذي تلاه من أئمة نجد وإخوان من أطاع الله ولايتناسب مع هذا الإرث ويصلح له خير من السلفية الجهادية فهي كثيرا ما تعتمد على الوجبات (فتاوى) السريعة الجاهزة بدون عناء لحل أي معضلة قد تواجه الفرقة الناجية !

ولإن كانت الدعوة النجدية قدمت أفكار وفتاوى نراها ليست سليمة ولها إرتباطها السياسي وفي سياق معين يومئذ… فإن السلفية الجهادية قد ترجمت تلك الأفكار والفتاوى عمليا على أرض الواقع تحت رعاية جهات بعيدة عن حسن النوايا قبل ثورات الربيع العربي وأثنائه..!

وبالتأكيد أي فجوات إجتماعية تجعل المناخ مناسبا لتدخل جهات عديدة تعتني بتفتيت وإضعاف الدول الإسلامية لغايات عديدة.!
مثلا في حرب أفغانستان ضد الروس معلوم أن السعودية خصوصا والخليج عموما كانوا يدعمون بشكل مباشر وبعد خروج الروس، كذلك استمر الدعم للحرب الأهلية فيها وللجماعات هناك إلى أن دخل الامريكان لإسقاط حكم طالبان المتمردة على المصالح الأمريكية. أوقفت السعودية دعمها وألغت اعترافها بشرعية حكمها!

ثم في العراق كذلك كان الدعم السعودي للجماعات السلفية بشكل مباشر وغير مباشر يعمل على قدم وساق. ثم في ثورة سوريا دعمت السعودية وساهمت في إنشاء العديد من الجماعات السلفية الجهادية وغيرها عبر أموالها الرسمية وداعميها المحسنين.!

والقائمة تطول بذكر نماذج العلاقة بين الخليج والسلفية الجهادية من شمال إفريقيا إلى جنوبها ثم البوسنة والهرسك إلى الشيشان مرورا بألبانيا ثم كشمير ودول شرق أسيا وأسيا الوسطى. ومما لاشك فيه أن من وراء دول الخليج دول أجنبية لها مصالحها مثل إسرائيل …أزالها الله وكسر جبروتها… ثم أمريكا ثم بريطانيا ثم فرنسا كل يدلي بدلوه خلف ستار الداعم الخليجي _السعودي وهو أيضا يجند لمهامه مشيخات (مأجورة )ودعاة تكون حلقة وصل بينه وبين شباب الأمة مما يعني إن أحسنا الظن مع استبعاد ذلك أن السلفية الجهادية قد تكون مجرد مطية (بغال التحميل) تخدم مصالح الأسياد خدم الغرب الذي يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا…
والضحية دائما الشباب اللاهث خلف السراب مغمض العينين يقوده أعمى .!

بينما جيوشهم المتمرسة والصاعقة أثخنتهم (الكبسة وشرب البيبسي) ولعل هذا ما خلصت إليه حركة حماس في قطاع غزة حينما استأصلت (جند أنصار الله ) السلفية.!

وفي تصوري أن السلفية الجهادية ما دخلت بلدا أو ثورة إلا أفسدتها وزادت طينتها بلة… وهذا يعد من عظيم انجازاتها.!

يقول د. فريد الأنصاري رحمه الله (وعليه فقد كان لهذا وذاك مما ذكرنا من موازين مُختلَّة أثرٌ بالغٌ على انحراف التيار السلفي وانزلاقه إلى اتجاهات أخرى وُظِّفَت أحيانًا لضرب الإسلام نفسه، فمع أواخر القرن العشرين الميلادي لم يلبث جيل الخلف من المدرسة السلفية أن تغيَّرتْ أحوالُه، واضطرب اتجاهه بسبب تعرضه لفتن مذهبية وأخرى سياسية، فشطّت به رياح الأهواء إلى ضربٍ من الانحراف المنهجي، والتعصّب المذهبي، واستصنام المشايخ والزعماء، مما أدى فيما بعد إلى أن تكونت منه تيارات وفرق شتى، كان لها أكبر الأثر في توتر الساحة الدينية بالمغرب وإرباك مسيرة الصحوة الإسلامية إرباكًا شديدًا). الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب (ص122)

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)