الإمارة الإسلامية والاقتصاد

الإمارة الإسلامية والاقتصاد

الإمارة الإسلامية والاقتصاد

– أمريكا خسرت حرب أفغانستان، ولكنها عاجزة عن الانسحاب بدون حدوث انهيار لاقتصادها ولهيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط.

– القوة الاقتصادية تضمن تطبيق الشريعة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي الصحيح.

– الظروف الداخلية والدولية تضع (المكتب الاقتصادي) في طليعة الأدوات لانطلاق الإمارة الإسلامية  نحو بناء أفغانستان كمجتمع ودولة .. قوية وفعالة في كافة المجالات.

 

 

لا يرتبط الانسحاب الأمريكي في أفغانستان بالموقف العسكري للقوات الأمريكية في هذا البلد، ولو كان ذلك هو المعيار الوحيد لانسحبت أمريكا من أفغانستان قبل وصول أوباما إلى الرئاسة في عام 2009م . ولكن الورطة الأمريكية في أفغانستان امتدت لأنها متشابكة مع عدة معضلات إقليمية وعالمية. بداية من الوضع الدولي المعقد الذي تجد نفسها فيه، ومحاولتها إدارة شئون عالم تعاظمت مشاكله وتداخلت، في وقت يفتقد فيه إلى أي مرجعيات قانونية أو مؤسسات دولية تدير الصراعات أو تلجمها تحت مستوى الحرب.

– فأمريكا بنفسها دمرت النظام الدولي وعجزت عن إقامة نظام فردي تدير به العالم. ومشاكل اقتصادها أجبرتها على الانسحاب من مبدأ العولمة إلى شعار(أمريكا أولا)، بسياسات حمائية، وجمارك تحرس منتجاتها من المنافسة الخارجية.

اتخذ صراع أمريكا ضد العالم منحى اقتصاديًا في الأساس، مدعوم أحيانا بسباق التسليح، أو الحروب المباشرة التي لا مندوحة عنها كما حدث في أفغانستان و العراق. أو حروب بالوكالة وبالمرتزقة كما في (سوريا ـ واليمن ـ وليبيا).

 إن مكانة أمريكا في العالم يحددها الاقتصاد متمثلا في:

1 ـ قوة الدولار كعملة عالمية.

2ـ نظام بنكي ومصرفي عالمي مسيطر على حركة التجارة الدولية.

والآن يواجه الدولار والنظام البنكي الأمريكي تحديات أكثرها ناتج من السياسات الأمريكية نفسها، والتي جلبت لها كراهية كل العالم، وعداوة الكثيرين، وسعيًا متعدد الأطراف للابتعاد عن الدولار، والابتعاد عن النظام البنكي الأمريكي، واعتماد نظام المقايضة، واستخدام العملات المحلية وليس الدولار، أو العودة إلى التعامل بالذهب. مع  حلول بديلة تقلل من الأهمية الاقتصادية لأمريكا، وبالتالي دورها السياسي، لصالح كتلة عالمية جديدة على رأسها الصين وروسيا الاتحادية. وقد يعود العالم إلى النظام الدولي ثنائي القطبية، في ظل علاقات تعاون أو تنافس وربما صراع حسب المزاج الأمريكي العدواني بطبيعته.

وكثير من الدول الراغبة في الابتعاد عن التوحش الأمريكي في الاقتصاد والسياسة والابتزاز العسكري سوف تنضم إلى ذلك المحور الصاعد. وأهم تجلياته الاقتصادية  الآن هو المشروع الصيني (حزام واحد ـ طريق واحد ) وهو النسخة العصرية من طريق الحرير القديم.

ورغم أن أمريكا متورطة في مواجهات اقتصادية مع أقرب الحلفاء مثل الاتحاد الأوروبي، وحتى مع كندا والمكسيك جارتيها في الشمال والجنوب، إلا أن مصير أمريكا (والعالم) سيتحدد في مواجهتها مع الصين : تفاهما .. أو تقاسما للنفوذ والمصالح .. أو الحرب!! .

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

أفغانستان في حروب الاقتصاد القادمة:

فما هو دور أفغانستان في هذه المعمعة الاقتصادية، التي تطحن عالم اليوم، وتتسارع وتيرتها في رسم صورة لعالم الغد القريب؟.

أولا : تعتبر أفغانستان من الدول الغنية جدا بمواردها الطبيعية، في المناجم والطاقة (نفط وغاز)، وستجد أفغانستان نفسها من كبار منتجي الطاقة، وهناك مصادر المياه (نهر جيحون) والمعادن النادرة والأحجار الكريمة . إضافة إلى موقعها المتوسط بين الأسواق الكبرى في قارة آسيا (بما يعطيها مناعة خاصة تجاه أي محاولات للحصار الاقتصادي الذي من المرجح أن تفرضه أمريكا عليها بعد التحرير) .

ثانيًا ــ علينا البحث في موضع أفغانستان في حرب الطاقة بين القوى الكبرى: حول منابع الطاقة (غاز ـ بترول) خاصة في آسيا الوسطى وحتى في أفغانستان نفسها.  وحول خطوط أنابيب نقل الطاقة عبر الدول ومنها أفغانستان. وفي الناقلات البحرية، عبر ممرات استراتيجية مثل: مضيق هرمز ـ مضيق باب المندب ـ قناة السويس ـ مضيق جبل طارق ـ بحر الصين الجنوبي(وهو مشكلة عالمية تتصدر الصراع بين الصين وأمريكا، وأحد المشاكل المزمنة المتبقية من حروب الأفيون التي شنها الغرب على الصين).

– لقد كان خط أنابيب “تابى” سبب ظاهر لشن الحرب على أفغانستان بسبب تأثيره على توازن القوى بين الهند والصين . وأيضا لعزل إيران وروسيا عن خطوط نقل الطاقة من آسيا الوسطى ، وتقليل نصيب الصين من تلك الطاقة .

– لهذه الدوافع الاستراتيجية عملت أمريكا على تمرير خط أنابيب تابى عبر أفغانستان وباكستان وصولا إلى الهند . وعندما لم تتمكن من خداع الإمارة الإسلامية بعروض واتفاقات جائرة ، قررت شن الحرب على أفغانستان لاستبدال نظام الحكم فيها بنظام آخر يستجيب لأطماعها، وخططها في المنطقة والدول المحيطة بها .

– مشاكل أمريكا مع الإمارة لم تكن محصورة في “أنابيب تابى”، بل الأساس كان منع الإمارة زراعة الأفيون، الأمر الذي تسبب في خسارة سنوية لأمريكا مقدارها 60 مليار دولار في أضعف التقديرات، وتتخطى 600 مليار في تقديرات أقرب إلى الصواب .

ولم تكن تلك بالخسارة التي يمكن أن تتحملها الولايات المتحدة ونظامها المالي الذي يسيطر على العالم. وأكبر من أن تتحمله عملتها ــ الدولار ــ الذي يستمد قوته من تقييم أسعار النفط ، فما بالك بتقييم أسعار المخدرات (أكثر من 3 ترليون دولار)، وهي أهم مورد مالي لدى أمريكا والغرب منذ اكتشاف القدرة المالية للأفيون ومشتقاته أيام الاستعمار البريطاني للهند في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويومها قررت بريطانيا تحويل الهند إلى مزرعة أفيون وتحويل الصين إلى سوق مستهلك له .

ولما كانت أمريكا تستمد عظمتها المالية من عائدات أفيون أفغانستان . فإن فقدان هذه الثروة الآن يعني ضياع مركزها الدولي المهيمن، وهبوط اقتصادها وعملتها، لصالح الصين و روسيا، إضافة إلى أن تصدع الإمبراطورية الإسرائيلية في الشرق الأوسط الإسلامي. ولهذا تقاتل إسرائيل [مباشرة] معركتها الكبرى على أرض أفغانستان.

و بإيجاز شديد وغير مخل : فإن  أمريكا مازالت باقية في أفغانستان رغم خسارتها للحرب، لأنها عاجزة عن الانسحاب بدون انهيار مراكزها المالي والاقتصادي، وانحسار مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط الإسلامي.

لقد انتهت أمريكا من ترتيب نظام جديد للتدخل في أفغانستان، يحافظ على أكبر قدر من مكاسبها من الأفيون ومشتقاته . ولكنه نظام لم يختبر بعد بشكل كاف، وربما تكتشف فشله بعد فوات الأوان، فتتورط في موقف يصعب علاجه، ومن أخطر تبعاته انهيار اقتصادي عالمي، قد  يتطور إلى فوضى دولية.

 أمريكا منفردة ممكن أن تقود العالم إلى الهاوية نتيجة لتناقضات جوهرية في تركيبتها الاقتصادية. فهي تجمع بين الثروة الفاحشة كأكبر إقتصاد في العالم ، وبين كونها أكبر دولة مدينة في تاريخ البشر، بدين يبلغ حاليا 23 ترليون دولار، وبلغت فوائده الربوية المستحقة 376 مليار دولار في العام الماضي 2019 . و العالم كله مدين إلى درجة يستحيل معها سداد ديونه البالغة 253 ترليون دولار .

ــ أكبر الكتل الصناعية /مثل الصين/ تعتمد على السوق الأمريكية الضخمة في تسويق منتجاتها وبهذا ترتبط مصائر اقتصاديات العالم الكبرى بالاقتصاد الأمريكي.

حتى أن الحكومة الأمريكية تبتز تلك الدول وتهددها بفرض رسوم جمركية إن هي لم تنصاع لإملاءاتها السياسية. ونادرا ما يخيب ذلك السلاح . ومؤخرا رأينا دولا أوروبية كبرى تستسلم للموقف الأمريكي بمجرد التلويح بفرض رسوم جمركية عالية (25% ) على صادرتها من السيارات إلى السوق الأمريكية ـ وهذا الموقف المخزى رأيناه في مواقف ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في أزمة العقوبات الأمريكية على إيران .

ومع ذلك تتسابق الدول على استثمار أموالها في السوق الأمريكية طمعا في مكاسب مضمونة. فدول العالم تستثمر في سندات الخزينة الأمريكية بمبلغ 674 مليار دولار . منها 275 مليار لدول النفط العربية .

يقول أحد خبراء الاقتصاد: إنه لا يمكن تصور ما يمكن أن يحدث للعالم إذا توقفت الولايات المتحده عن سداد ديونها الخارجية .

إن الاقتصاد هو السلاح الأول في حملات العدوان الأمريكي على الشعوب . وهو في صدارة أسلحة الهجوم في حروبها سواء منها ” الباردة” أو” المشتعلة”.

وبالحصار الاقتصادي قتلت أمريكا نصف مليون طفل عراقي بدعوى عقاب نظام صدام . حتى أضعفت العراق إلى الحد الأقصى قبل الهجوم عليه في عام 2003 . وهي تمارس نفس السياسة ضد إيران حاليا ـ ولكن في ظروف و ردود فعل مختلفة .

– الولايات المتحدة تهدد العراق / إن حاولت حكومته إخراج قوات الاحتلال الأمريكي/ بفرض عقوبات لم يسبق لها مثيل في التاريخ . وهناك 35 مليار دولار للعراق في البنوك الأمريكية تهدد بمصادرتها ، إضافة إلى عائدات نفط العراق التي تذهب إلى البنوك الأمريكية مباشرة . لهذا فقد يتعرض شعب العراق لمجاعة ، ودولته للإفلاس ، إن حاول نيل حريته وطرد المحتلين من بلاده .

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

(مكتب اقتصادي) لتحديات المستقبل :

وهنا يأتي موضع العبرة للإمارة الإسلامية في أفغانستان لاستخلاص أهم الدروس المتعلقة بمكانة الاقتصاد في معارك اليوم . وفي حياة الشعوب من حيث رفاهية المعيشة وإستقلال القرار السياسي الداخلي والخارجي، وقوة التماسك الاجتماعي داخل الدولة .

وهذا يستدعي التفكير جديا بأن تبدأ الإمارة الإسلامية في إعداد رؤية لاقتصاد أفغانستان في المرحلة القادمة بعد زوال الاحتلال .

وأن يتولى(مكتب اقتصادي) إعداد دراسات للبناء الاقتصادي القادم ، بما يحقق أهداف الإمارة، ومراعاة القواعد الإسلامية ، مثل تجنب الربا، ومراعاة العدالة الاجتماعية، والحفاظ على الثروات العامة التي هي ملك لجميع رعايا الإمارة على قدم المساواة . وعدم حصر ملكية ومنافع تلك الثروات لصالح فئات داخلية قوية ومسيطرة سياسيا ، أو شركات دولية “عابرة للقارات” مهمتها إفقار الشعوب والسطو على ثرواتها والتدخل في أمورها الداخلية إلى درجة تعيين الحكومات أو تغييرها . أو شن الحروب والغزوات للاحتلال والسيطرة مباشرة على منابع الثروة .

– المعلومات والدراسات التي يعدها المكتب الاقتصادي للإمارة ستكون دليلا لحكومتها القادمه في تأسيس اقتصاد إسلامي قوي ومنتج . يحفظ حقوق وكرامة المواطنين ، ويبسط العدالة بينهم ، ويحفظ الإمارة من الاحتياج إلى معونات خارجية قد تطيح باستقلالها ، وحتى بقدرتها على تطبيق القوانين الإسلامية تحت ضغط المقرضيين ، كما يحدث في أكثر الدول “الإسلامية” ، التي لا إسلام طبقت ولا استقلال نالت .

ومن هذه الناحية يمكن اعتبار أن القوة الاقتصادية هي ضامن للقدرة على تطبيق الشريعة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي الصحيح .

“المكتب الاقتصادي” للإمارة سيجد في مقدمة مهامة دراسة الاقتصاد الأفغاني بشكل دقيق، وعلاقاته باقتصاديات الدول المجاورة ، والدول الإقليمية بشكل عام ، والإقتصاد العالمي، حتى يمكن مستقبلا اختيار المسار الاقتصادي والسياسي الصحيح الذي ينبغي أن تسلكه الإمارة.

من المهام العاجلة للمكتب الاقتصادي تكوين كوادر بشرية من الخبراء والفنيين لقيادة اقتصاد المستقبل. وسيحتاج بالتالي اتباع نظام للبعثات الدراسية الخاصة بالاقتصاد والتجارة . ويلزم أيضا تنظيم بعثات تعليمية في أفرع : البترول والمناجم، والعلوم النووية ، والري والسدود والطرق والغابات ، والطب ، والإلكترونيات .

( المكتب الاقتصادي) سيجد نفسه مسئولا عن تقديم المشورة للإمارة فيما يختص بالهجمات الاقتصادية التي ستوجهها الولايات المتحدة الى اقتصاد الإمارة . مثل ضرب العملة الأفغانية وتهديم قيمتها . وإغراق الأسواق بالتضخم المالي، وزيادة المعروض من العملة التي لا غطاء لها من ذهب ، أو قوة اقتصادية أو إسناد الدولار الذي تتمتع به حاليا .

ــ والمكتب الاقتصادي يقدم توصيات (أو برامج) لتسهيل اتخاذ القرارات والسياسات الاقتصادية أمام الإمارة . إذ من المرجح ان تتعرض الإمارة لحرب اقتصادية من جانب الولايات المتحدة . التي ترغم حلفائها وباقي دول العالم على اتباع خطواتها العدوانية ضد ضحاياها .

ــ فماذا لو تعرضت الإمارة لعقوبات اقتصادية وتوقفت المعونات المالية الأمريكية، وهي حتما لن تستمر؟. وبالمثل المعونات المقدمة للجيش العميل وقوات الأمن الحكومية سواء في التمويل أو التسليح ؟؟ .

ــ  وما هو شكل الاقتصاد الأفغاني القادم ومرتكزاته في التصنيع والزراعة والمناجم وموارد الطاقة والمياه؟؟ . وكيفية توفير الاستثمارات المالية لبناء الاقتصاد بدون التورط في قروض ربوية تطيح بالأساس الإسلامي للاقتصاد وبالركيزة الإسلامية للاستقلال السياسي بعيدا عن القوى المالية المتحكمة في العالم ، خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ــ تقديم مقترحات لعملية إعادة إعمار افغانستان بعد الدمار الهائل الذي حاق بها من جراء حروب طويلة ضد القوى الاستعمارية العظمى في العالم، من السوفييت إلى الولايات المتحدة وقبلهما بريطانيا “العظمى” .

ــ  ما هي أهم مجالات إعادة الإعمار(والبنية التحتية الصناعية والزراعية ، والبنية التعليمية والصحية ، والبنية الاجتماعية والأخلاقية والثقافية .. الخ )؟؟.

ــ  لدى الإمارة الآن ركيزة كافية لانطلاق كبير في مؤسسات هامة مثل الدفاع والأمن ، والعمل السياسي الذي اكتسب خبرة كبيرة خلال السنوات الماضية من عمليات التفاوض الطويلة والخطيرة . وخبرات في مجالات الإعلام  الجهادي، وفي اقتصاد الحرب الجهادية ودعم العمل المدني في المناطق المحررة .

إن تحديات الاقتصاد في بناء المستقبل ستكون هائلة وأكثر خطورة . وطبيعة الظروف الداخلية والدولية بعد تحرير افغانستان تجعل من (المكتب الاقتصادي) طليعة لإنطلاق الإمارة الإسلامية  في بناء أفغانستان كمجتمع ودولة .. قوية وفعالة في كافة المجالات .

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

2020-02-03

الإمارة الإسلامية والاقتصاد




المشهد السوري محاولة للفهم

المشهد السوري محاولة للفهم ( 1 )

المشهد السوري محاولة للفهم

( 1 )

تبدأ الثورات الشعبية عادة من نقطة (اصلاح وضع اجتماعي، حقوق مدنية، تهميش) ونتيجة لردود فعل السلطة القائمة تتوسع في مطالبها حتى تصل إلى استبدال الحكم تحت مظلة العقل الجمعي الجماهيري إذ غالبا ما يكون الإلمام بجوانب الواقع ناقصا فتندفع لا ترى الا ما تريد لا ما سيراد بها بعد مراحل من تقدمها في خضم الثورة تاركة الأقدار تفعل ما تشاء. يتوقف جزء كبير في فهم ديناميكية التغيير الذي يحدث داخل المجتمعات(الدول) على معرفة تحليلية لمكونين أساسيين تتأثر البنية الداخلية بهما وهما:

– تصور طبيعة المجتمع ومعرفة الجوار الإقليمي والدولي.

يحظى المجتمع السوري بتنوع ديمغرافي يتوزع بين غالبية مسلمة سنية وطوائف أخرى بين علوية ودروز ونصارى وأكراد؛ طالبت الغالبية السنية بالتغيير داخل هذا المجتمع ذي الطوائف المختلفة التي تغلب عليها ثقافة العشائرية والقومية فيما بينها ان صح التعبير… اذ ستتميز فيما بينها بتباين أهدافها السياسية مما سيؤدي إلى تخالف في الرؤى بينهم، هذا المناخ الطوائفي المتباين الذي تنعدم فيه فكرة المواطنة لا يمكن إلا أن تكون له انعكاساته بعد ذلك في التطورات التي تطال مراحل الثورة.

 

افتقد الحراك لعنصر القيادة الموحدة لضمان سير الامور بشكل يحفظ الاهداف ولعدم انزلاق الأمور نحو الفوضى المتوقعة؛ فانقسمت الثورة ذات الغالبية السنية على نفسها فيما يتعلق بالتوجهات وكانوا كما قال القران”كل حزب لما لديهم فرحون” إلى ما يشبه لوحة فسيفسائية؛ بقي العنصر الذي جمع بين أغلب هذه الأطياف هو مجابهة النظام على كافة الأصعدة إعلاميا وعسكريا وسياسيا. حين بدأ الطابع العسكري يشكل قاعدة الثورة تكونت الجماعات والكتائب تعلن استعدادها لخوض القتال للحفاظ على أهداف الثورة وإسقاط الحكم السائد. بطبيعة الحال كانت الصبغة الإسلامية هي اللون البارز في بنيان تلك المجموعات فصرنا في مرحلة كانت الدماء والمجابهات المسلحة هي عنوانها الرئيسي…

برزت المجموعات المسلحة بشكل بارز على السطح ولاقت تأييدا شعبيا على أدائها في مقاتلة الجيش فحصلت على هامش لها ولأتباع الثورة بعيدا عن سيطرة الأخير، فيما بات يعرف بالمناطق المحررة التي تنازعت بعد ذلك في كيفية ادارتها بسبب الاختلافات المنهجية والبعد الأيديولوجي والاملاءات الخارجية لدى كبرى الفصائل، زاد هذا في توثر العلاقات والتنسيق وفقد الثقة مما أربك الوضع الداخلي وعمل على هشاشته بعد ذلك. ناهيك عن الاقتتالات والاغتيالات التي طالت كل تلك المجموعات فيما بينها كل هذا قبل التدخل العسكري الروسي الذي حسم المعركة لصالح النظام السوري.

يمكن القول أن هناك عناصر أساسية تداخلت وأفرزت طبيعة الوضع الراهن سيكون المقال القادم بداية التطرق إليها والحديث عنها.

تشكل مساحة الصراع في تاريخ البشر حيزا كبيرا ومجالا يستجلب الدارسين لفهم أسبابه ونتائجه للاستفادة منه في الواقع المعاصر. سبق وذكرنا في ما سبق أن المناطق التي تقع ضمن موجة تغيير(ثورات) تستدعي منا معرفة تحليلية للسياق الأجتماعي وقد تمت الإشارة في مقالنا السابق إلى بعض خطوطه والى ادراك السياق الخارجي.

لا يمكن أن تبقي الثورة التي اندلعت في سوريا الوضع الداخلي السياسي والعسكري كما كان في السابق، حيث تصبح البلد مهيئة للتأثير الخارجي سواء من جهة أصدقاء الثورة كما قيل أو من أصحاب المطامع و البحث عن النفوذ داخل أماكن الأزمات.

تكمن خطورة الخارج في أنه يملك لنفسه مصالح تتعلق به يجعلها ضمن أولوياته التي يسعى لتحقيقها، مستفيدا من طبيعة ما تمر به البلد أو تواطئ بعض الأطراف(ف الداخل) ضمن لعبة المكاسب حتى ينال_العنصر الخارجي_ ما يصبو إليه.

 

من خلال تعايش ومتابعة للقصة السورية أزعم أن التأثير الخارجي اكبر بكثير من التأثير الداخلي في المألات الراهنة؛ هذا التأثير الذي وصل لدفة التوجيه والقرار مبتعدا بذلك عن طموحات الشعب الذي أصبحت تضحياته ماء يسقي أشجار غيره، فدخلت الثورة في التيه وبات الكثير تراودهم مشاعر الندم والخيبة لما أدركوا ان الخيوط صارت بأيدي غيرهم، وأن جهودهم تفتقر للبعد الاستراتيجي في الصراع.

يستدعي أحيانا ملاحظة التأثير الخارجي صعوبة واحيانا أخرى تراه واضحا ماثلا للعيان؛ فبحسب المعطيات العسكرية والفكرية والسياسية التي طغت على الساحة ومثلت مسارا ثابتا في توجهات الثورة يستوقفنا البحث حولها كونها عناصر أساسية أسفرت بعد ذلك إلى الوضع الراهن:

خضع المعطى السياسي(الاتلاف الوطني) لجملة من المؤثرات ساهمت في ضبابيته وضعفه؛ حيث لم ينبثق من داخل المجموعات العسكرية أساسا ولم يعبر عنها، _والتي بدورها ارتكبت خطأ استراتيجيا كونها لم تدرك أهمية الجانب السياسي في مسارها، ولم تبرز شخصيات كفوؤة من داخلها تتحدث نيابة عنها وتعرض مطالبها في توازي مع العمل العسكري الموحد_ بل سعى(الائتلاف الوطني) إلى كسب الشرعية من الخارج (أصدقاء الثورة) والسير وفق برامجها تحت تأثير الدعم المالي المشروط طبعا، ناهيك عن البذخ الذي كانت عليه بعض تلك الوجوه السياسية في حين يعاني الشعب من أبسط متطلبات الحياة كل ذلك تحت جحيم الحرب التي لم يكتووا بنارها ولا عاشوا واقعها وكنتيجة منطقية فقدت الثقة بين القاعدة الفاعلة والعريضة للثورة ( الفصائل الكبيرة وعامة الشعب) فنتج فراغ مهم في جسم الثورة بغياب عنصر السياسة لأجل الدفع بعجلة القضية وإيجاد مخارج الأزمات المتوقعة باستخدام ميزة التفوق على الأرض؛ بل للأسف صار عامل استقطاب في الداخل معتمدا على الإغراءات المالية لبعض الشخصيات حتى تعمل على تشكيل بعض المجموعات العسكرية من خلالها تثبت تواجدها ونفوذها حتى يستمر الضخ المالي(الخليج) عليها وتمرر الأجندات على حسابها. فتكون بذلك قد خسرت القضية وجها مهما وهو (السياسة الفاعلة)..وكما قيل :”السياسة هي الوجه الثاني للحرب”.

 

بقلم:  أديب أنور

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

المشهد السوري محاولة للفهم ( 1 )

 




حججٌ واهية لاستمرارالحرب في أفغانستان

حججٌ واهية لاستمرار الحرب في أفغانستان

حججٌ واهية لاستمرار الحرب في أفغانستان

قامت وسائل الإعلام الغربية بحملة دعائية سلطت خلالها الضوء بشكل كبير على تواجد ونشاطات داعش وتنظيم القاعدة في أفغانستان، وذلك بالتزامن مع بدء الدورة السادسة من المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية . ويمكن لنا أن نشير في هذا الخصوص إلى ما يلي :

1- أبوبكر البغدادي الذي كان مختفيا خلال السنوات الخمس الماضية ، ثم في 29 أبريل ظهر فجأة في شريط مصور ، في ثياب جديدة وفي مكان غامض ، وذلك قبل يوم واحد من بدء الجولة السادسة من المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة في قطر.

2- في 11 مايو، أثناء الجولة السادسة من المفاوضات، أصدرت المجلة الأمريكية ( لانج وار جورنال ) شريطا مصورا منسوبا إلى تنظيم القاعدة مع تقرير مفصل صادر عن موقع مؤسسة السحاب الإعلامية على شبكة الإنترنت ، وهو موقع تنظيم القاعدة، حيث جرى فيه الحديث عن موضوع التحالف بين القاعدة وحركة طالبان.

3- في نفس اليوم، أي في 11 مايو، أعلن حيات الله حيات والي قندهار، عن إلقاء القبض على 20 شخصا، بمن فيهم شخص قالوا أن اسمه “عبد السلام” ، وأنه مسؤول عن جلب العناصر لصالح تنظيم داعش في قندهار. وأنه كان مكلفا بنقل المقاتلين وتجهيزهم لهذا التنظيم من قندهار إلى ولاية كنر.

4- في 14 مايو، قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في منشور له بتصنيف فرع خراسان لتنظيم داعش في قائمة العقوبات الاقتصادية للأمم المتحدة.

5- استمرارا لهذه المعركة الدعائية حول تنظيمي القاعدة وداعش، وسائل الإعلام الغربية إستنادا إلى تقارير لوكالة المخابرات الأمريكية (CIA) أشارت إلى أن الدكتور أيمن الظواهري بايع الملا هبة الله آخوند زاده زعيم حركة طالبان، وأن الدكتور أيمن مع عدد من مقاتليه ينشطون في المناطق الحدودية من باكستان وأفغانستان على طول خط “دوراند” الحدودي. وكانت وسائل إعلام غربية قد نشرت نفس الخبر سنة 2016م بعد مقتل الملا أختر محمد منصور.

6- في 21 مايو، تحدث القائد الأعلى للقوات الإمريكية، اللواء ميلر لوسائل الإعلام عن مشاهدة عناصر تنظيم القاعدة في أفغانستان، لكنه لم يوضح عن مكان تواجدهم في البلاد.

7- في 22 من مايو، حذّر الجنرال ميلر مرة أخرى عن حضور داعش في أفغانستان، وقال: إن هذه المنظمة خطيرة جدا، ولها حضور في أفغانستان. ذكرت الوسائل الإعلامية نقلا عن الأمريكيين أن عدد قوات داعش في أفغانستان قد يبلغ 5000 مقاتل.

8- في 23 مايو، نشر معهد الدراسات الاستراتيجية بأفغانستان في اجتماع له ، آراء الدكتور مايكل روبين Michael Rubin المحلل في معهد إميركان انتربرايز American Enterprise. الذي شارك فى الاجتماع عبر اسكايب ، وصف مهمة خليل زاد بالفاشلة على الإطلاق. وقال: إن حركة طالبان مجموعة لا يمكن الوثوق بها بشأن قطع علاقاتها مع تنظيمات العنف. وأنهم قد فشلوا مرارا في الحفاظ على التزاماتهم السياسية.

في هذه الظروف الحساسة من المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة الأمريكية، وظهور البغدادي بوجه مختلف، وفي مكان غامض، وإصدار فيديو على موقع مؤسسة السحاب، وإعلان الأمم المتحدة بتصنيف فرع خراسان لتنظيم داعش ضمن قائمتها، وخبر بيعة الدكتور أيمن الظواهري مع ملا هبة الله، واعتقال المدعو عبد السلام ، وتصريحات الجنرال ملير عن حضور تنظيمي القاعدة وداعش في أفغانستان، وتصريحات الأمريكيين الذين لا يعجبهم إحلال السلام في أفغانستان والانسحاب منها، كل ذلك شطر من سيناريو، بالرغم من أن لكل منهما أسباب منفصلة، لكنها في المجموع قد تحمل لنا الرسائل التالية :

أوّلا: حركة طالبان بالرغم من الضغوط العسكرية القاسية من جانب الولايات المتحدة الإمريكية، إلّا أنها تشارك في المفاوضات مع ممثليها من موقع الكفء المتماثل ، كما تدعي السيطرة على جزء كبير من أفغانستان، وأنهم ليسوا صادقين في ادعائهم بعدم الارتباط مع التنظيمات الإرهابية.

ثانيا: أن تنظيم داعش آخذ بالقوة في أفغانستان، وذلك قد يؤجل انسحاب القوات الأمريكية لظروف ومشكلات عديدة في المنطقة، ولا ينبغي على دول المنطقة أن تثق بوعود طالبان.

 

الظهور المفاجىء للبغدادي :

في الوقت الذي يُصِرّ الأمريكيون في الظاهر على أن داعش خطر يهدد مصالح الولايات المتحدة الإمريكية ، ويؤكدون أن لها حضور قوي في أفغانستان ، يُعَدّ ظهور زعيم داعش فى ثياب جديدة ، مبررا قويا لإثبات دعاوي الأمريكيين.

فظهوره المثير للتساؤل ، بلحية محناة كما هو شائع بين شيوخ القبائل في منطقة ديوراند الحدودية، وافتراش الأرض كما هو رائج في أفغانستان والمناطق القبائلية في أفغانستان وباكستان، يوهم المشاهد بأن الفيديو المذكور تم تسجيله في موضع يستخدم أهله هذه الوسائد للإفتراش على الأرض.

في المناطق القبائلية يستخدمون السرير للجلوس عليه في دور الضيافة ويسمونه “كت”، لكن في أفغانستان يستخدم ” الدوشك” للإفتراش.
من الصعب الإجابة حقا على السؤال: أين البغدادي؟. لكن تم إعداد البيئة التي سجل فيها الفيديو بأسلوب يسوق الناظر إلى استنتاج أنه موجود في أفغانستان من غير أدنى حاجة إلى توضيح أو تعليق، وهذا القدر يكفي لإثبات مزاعم الإمريكيين.

 

 

فيديو مؤسسة السحاب :

بالتزامن مع بدء الجولة السادسة من المفاوضات بين الولايات المتحدة الإمريكية وحركة طالبان، نشر موقع السحاب التابع لتنظيم القاعدة على شبكة الإنترنت مقطع فيديو ، لقي انتشارا واسعا في الإعلام الغربي.

كان الفيديو يختلف تماما عن الفيديوهات السابقة لـمؤسسة السحاب، حيث يصور الفيديو مشاهد من هجوم عسكري لطالبان في مقاطعة بكتيا، ذلك الهجوم أوقع خسائر في صفوف القوات الحكومية، وغنم المقاتلون السلاح والمعدات. هذا الفيديو نشرته حركة طالبان في 5 آبريل سنة 2016 م.

في هذا الفيديو المنشور من جانب موقع السحاب، والبعض من الفيديوهات الأخرى التي نشرتها طالبان عن عملياتها، يتم التعليق فيه باللغة الأوردية بعد أن أزيلت تعليقات مراسل طالبان بالبشتو. كما يتبين بكل وضوح من هذا الفيديو أن الذين قاموا بإعداده شخصان باكستانيان وهما محمد فاروقي، وعبد الحنان المجاهد. وتم في الفيديو أيضا دمج مشاهد من بيعة حركة طالبان مع الملا هبة الله بعد مقتل الملا اختر محمد منصور.

هذا الفيديو يختلف عن كافة الفيديوهات التي نشرتها مؤسسة السحاب الإعلامية. فجميع مشاهد هذا الفيديو عبارة عن عملية مونتاج غير منسق لمقاطع نشرتها طالبان سابقا.

النقطة الهامة أن جميع المقاطع التي نشرتها مؤسسة السحاب بالمناسبات المختلفة كذكرى الهجوم الأمريكي على أفغانستان، أو وفاة زعيم لحركة طالبان، كان في بدايتها كلمات لزعماء تنظيم القاعدة حول تلك المناسبات، لكن في الفيديو المذكور لا يرى شيء من هذا القبيل.
على عكس المقاطع السابقة التي نشرتها وكالة السحاب ، والتي تحتوي على رسائل قوية ، وكان يتم تصويرها في الغالب من جانب فريق التصوير الخاص لمؤسسة السحاب ، ولكن هذا الفيديو عبارة عن مونتاج غير مرتب لمقاطع نشرتها حركة طالبان سابقا، والآن يتم إعادة نشرها بدون مناسبة.

النشريات السابقة الصادرة عن وكالة السحاب كانت باللغة العربية، حيث تمت ترجمة مقاطع من لغة البشتو أو اللغات الأخرى إلى اللغة العربية ، لكن الحديث في المقطع المذكور يجري باللغة الأوردية.

والنقطة المهمة الأخرى أن منشورات السحاب كانت تنشر أوّلا على مواقع الجهاديين، ثم يتم إرسال نسخة منها إلى اللجنة الثقافية لمنشورات طالبان، لكن الفيديو المذكور لم يرسل إلى طالبان ، بل قبل أن ينشر في أي مواقع جهادية ، نشر في موقع إمريكي في البداية، ثم نشرته مجلة (لانج وار جورنال)، التي إدعت أن سبب النشر هو الإشارة إلى التحالف بين القاعدة وحركة طالبان.

في عملية المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان ، تعتبر قضية ارتباط القاعدة والجماعات الإرهابية مع طالبان قضية مثيرة للجدل ، لذلك في ظروف حساسة مثل هذا، يضرّ بمفاوضات الصلح بث فيديو مثل هذا بلا ضرورة وبلا مناسبة . لكن السؤال الذي يبقى: هو لماذا نشرت مؤسسة السحاب هذا الفيديو؟

أولا: من الممكن أن يستولي الأمريكيون على رسائل مؤسسة السحاب كسائر الوثائق الهامة لتنظيم القاعدة أثناء هجوم الأمريكيين على بيت أسامة بن لادن في إيبت آباد، ثم الآن يستخدمونها وفق أهدافهم وتحقيقا لغاياتهم.

ثانيا: تعرضت مؤسسة السحاب في مناطق قبائلية من باكستان لهجوم من قبل طائرة “درون” سنة 2013 م ، وقتل في ذلك الهجوم “عمر طالب” المسؤول والخبير فى هذه المؤسسة ، و اسمه الأصلي عادل القميشي ، وقتل معه عدد من زملائه الموثوقين . ومن المحتمل أن يسيطر بعد ذلك على مؤسسة السحاب أشخاص غير موثوقين ولا يملكون خبرة “عمر طالب” ، ولا مهنيتة ولا جدارته . ولا يستبعد أن يحدث اختراق لهذه المؤسسة من جانب العناصر المخابراتية.

 

خلاصة الكلام :

إن المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة فرصة مناسبة لإنهاء الحرب في أفغانستان، لكن لسوء الحظ ، ومن خلال النظر في الأوضاع، ولا سيما في ظروف حساسة مثل هذه ، يتبين أنه لا يوجد صوت موحد في الولايات المتحدة للوصول إلى السلام في أفغانستان. فهناك جهات تسعى إلى أن تستمرّ الحرب في أفغانستان بدلا من أن تقوم بالمساعدة على الصلح.

وتمس الحاجة إلى أن يبذل المتفاوضان جهودهما من أجل تسهيل عملية السلام بدلا من خلق مناخ من عدم الثقة قد يؤثر سلبا على عملية السلام. إن السنوات الثمانية عشرة الماضية كافية لأخذ الدروس، ويجب إنهاء هذه التجربة الفاشلة وهي الوصول إلى الهدف عن طريق الحرب. وفي ظل هذه التجربة يجب تخطيط استراتجية مؤثرة ومعقولة لمستقبل أفغانستان، استراتيجية تسوق أفغانستان نحو الصلح والتفاهم وقبول الآخر بدل الحرب والدمار.

 

للإيضاح :

مؤسسة السحاب، بدأت نشاطها باسم مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي سنة 2000م. كوكالة إعلامية رسمية لتنظيم القاعدة ، وفي بداية الأمر كان خالد الشيخ ( مختار) الذي هو الآن في معتقل جوانتانامو يتولى إدارة هذه المؤسسة.

بدأت السحاب عملها الإعلامي بنشر فيديو رقم واحد عن عملية هجوم تنظيم القاعدة على سفينة ” يو اس اس كول” الأمريكية في خليج عدن سنة 2000 م . في ذلك الهجوم قتل 17 شخصا من طاقم السفينة.

قامت مؤسسة السحاب بعد الهجوم الأمريكي على أفغانستان بنشر خطب أسامة بن لادن، والدكتور أيمن الظواهري، ومصطفى أبو يزيد،
عزام الأمريكي adam yahiye Gadahn كان مديرا لمؤسسة السحاب . وقتل عام 2015 في وزيرستان خلال هجوم من قبل طائرة “درون” . وكان أثناء إمارة طالبان يتولى إدارة مجلة إنجليزية بإسم الإمارة الإسلامية.

سنة 2013م قتل طالب عمر “عادل القميشي” الذي كان مواطنا سعوديا، والذي ظهر كمراسل في مقابلاته مع قادة القاعدة ، في المناطق القبائلية إثر تعرضه وزملائه لهجوم من قبل طائرة “درون” حيث قتلوا جميعا.

بعد ذلك ضعفت مؤسسة السحاب، واستولى عليها غير العرب ولا سيما الباكستانيون، ولا تتوفر فى منشوراتها الكيفية المطلوبة . وهناك أدلة وشواهد على أنها مخترقة من قبل الأجانب، وربما هذا الفيديو مثال على ذلك ، حيث قامت مجلة لانج وارجورنال بنشره.

 

 

بقلم/ عبدالرحيم ثاقب

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

حججٌ واهية لاستمرارالحرب في أفغانستان

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 7

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 157 ) | رجب 1440 هـ / مارس 2019 م .            

22/03/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 7 )

 

– أول إذاعة متنقلة تستقر فى جاور ، التى تحولت إلى أهم القواعد الخلفية للمجاهدين .

– كنا مجموعة إستطلاع مُهْمِلَة ، وكاد العدو أن يطلق علينا النار ولكن الجنود رفضوا .

– طائرات الهيليكوبتر تطاردنا بن الصخور  و الأعشاب لعدة ساعات ، وحقانى يثور على أطقم الدوشيكا الذين فروا من أمام الطائرات .

– حقانى يستخدم بنفسه قاذف  RPG7 ضد الطائرات ، فأصبح إستخدام أسلوب”الأرجُل المُلْهَمَة” محظورا علينا .

– التحدى والمجابهة العنيفة هى بصمة حقانى العسكرية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

 

جاور .. بداية الأسطورة

فى يوم قائظ من صيف عام 1982 كنا نعبر منطقة للقبائل الحدودية ، حيث تحركت بنا سيارة (سوزوكي) صغيرة عبر الحدود من معبر (صدقي) . كان رشيد إلى جانبي والضابط عمر يقود السيارة وخلفنا خمسة من المجاهدين والجميع وجهتهم (جاور) … (جاور) ذلك الإسم الذي سمعته لأول مرة وبالطبع لم يدر بخلدي أنه ستكون له في السنوات القادمة تلك الأهمية الهائلة . أما الضابط عمر، فهو شاب من قبيلة زدران إلتحق بالمجاهدين وأصبح من رجال حقاني المقربين . بدأ حياته العملية معه مسئولا عن (جاور) .

كان رشيد يرى أن جاور مهمة ولكنه ما كان يثق كثيرا في كفاءة عمر . وفي السنوات اللاحقة أصبح الضابط  الشاب عمر مسئولا عن (الإستطلاع) وجمع المعلومات لدى حقاني . كما أشرف لفترة على بعض الأعمال الإعلامية كان أولها محطة الإذاعة المتنقلة . و كنا في الطرق كي نشاهدها في جاور .ويبدو أن مهمة جاور الأساسية في ذلك الوقت أن تكون مستقرا لتلك الإذاعة وتوفر لها الحماية من الطيران أو تخريب جواسيس العدو .أما مهام جاور كقاعدة خلفية فلم تكن واضحة كثيرا في ذلك الوقت ، ولكنها نبتت وإزدهرات بالتدريج كواحدة من أهم القواعد الخلفية للمجاهدين،ربما على نطاق أفغانستان كلها . ودارت فوقها واحدة من أعنف معارك السوفييت فى تلك الحرب وربما أعنفها على الإطلاق ، وذلك بعد حوالي أربع سنوات من  زيارتي الأولى لها أي عام 1986م . كانت جاور في خطوتها الأولى عبارة عن خيمة واحدة فوق ربوة مشجرة ، وعربة للإذاعة مختفية بين الصخور والشجيرات،وعدد من العمال منهمكين في تهيئة حفرة في الهضبة الترابية لإخفاء عربة الإذاعة التي لم يكن قد مضى على عملها سوى أيام وتقصفها الطائرات على غير  هدى، حتى ساعدتها المضادات الجوية في تحديد الموقع بدقة ، فبدأت الطائرات تحدد هدفها  بسهولة نسبيا. كانت تلك المضادات في ذلك الوقت عبارة عن مدفع واحد زيكوياك عيار 14.5 مم، أما الإذاعة فكانت تبث برامج معدة سلفا ومسجلة في مدينة ميرانشاه، وذلك بعد العصر ولمدة نصف ساعة . أخبرني حقاني وقتها أن حكومة باكستان قد سلمت المجاهدين أربعة أو خمسة محطات إذاعية متنقلة ، كانت محطة جاور واحدة منها . تذكرت محاولتنا الفاشلة في الحصول على محطة إذاعة من الشارقة منذ ثلاث سنوات . كنا في ذلك الوقت نتوقع تأثيرا دراميتكيا للإذاعة ، وأنها ستقود إلى ثورة عامة عندما يعلم الشعب بانتصارات المجاهدين . الآن هناك خمسة إذاعات على الأقل ولم نحصل على تلك النتيجة التي نتصورها .

فهل كان تصورنا الأول على خطأ ؟.

أظنه كان به كمية من المبالغة ولكنه لم يكن على خطأ كامل . فالمجاهدون في  عامهم الأول،

قبل المساندة الدولية, كان لهم تأثير أسطوري على النفوس . ولكنني إكتشفت متأخرا ـ كالعادة ـ أن بريق المجاهدين يخبوعندما تزداد المساندة الخارجية لهم خاصة من أطراف يكرهها

الشعب تقليديا . فباكستان ليست من الدول المحبوبة لدى الأفغان بل أنهاعدو تقليدي منذ الإحتلال البريطاني للهند . كذلك أمريكا والغرب كانوا مكروهين مثل الروس أو أكثر.

 وهكذا وجدت الدعاية الشيوعية المضادة تفهما ولو محدودا من الشعب الأفغاني ولولا المساندة

 العربية ـ خاصة المتطوعين العرب ـ لفقد المجاهدون في أفغانستان مصداقيتهم .

التواجد العربي في أفغانستان كان أكثر أهمية من أي سلاح عسكري أو أموال لأنه تواجد يتصل بصميم وجوهر الصدام، ألا وهو الجانب العقائدي والنفسي. لهذا كانت الحملة الصليبية رهيبة ضد هؤلاء المتطوعين العرب.

وكما هو معلوم دور أميركا في قيادة هذه الحملة ودور الأنظمة العربية في خوض غمار الحرب ضد من أسموهم (بالأفغان العرب) بدلا من (المجاهدين العرب)  أو (الأبطال العرب).

ما هي إلا أيام قليلة حتى تحركنا في مجموعة من عشرين مجاهدا بقيادة رشيد في مهمة إستطلاع إستغرقت يوما واحدا من المسير الشاق . شمل الإستطلاع منطقتين ، الأولى  منطقة (دراجي) في الشمال الغربي من جاور والأخرى منطقة (ليجاه) في الشمال الشرقي منها. بعد يومين من الرحلة فر ثلاثة جنود من حصن (ليجاه) وأفادوا بأنهم قد رأونا أثناء عملية الإستطلاع ، ووصفوا أفراد المجموعة بأن أحدهم كان يرتدي طاقية بيضاء(رشيد) وآخر كان يلتقط الصور الفوتوغرافية (كاتب هذه السطور) .وأفادوا أيضا بأن ضابط الموقع طالبهم بإطلاق نيران الرشاش الثقيل على هذه المجموعة .

 ولكنهم ـ أي الجنود الثلاثة ـ جادلوه في ذلك لأن المجموعة (أي نحن) إنما هي مجموعة مسالمة(!!) من عابري السبيل (!!) .

شعرب بالخجل وقتها من حالتنا كمجموعة إستطلاع مهملة . ولكنني رأيت دوريات کثيرة أسوأ  حالا من حالتنا تلك . على أية حال كان الإستطلاع على حصن (دراجي) جيدا ربما لأنه تم أثناء النهار . وتم عن مسافة قريبة . أما عند (ليجاه) فقد كنا في جبل مرتفع عن مستوي الحصن الحكومي (البوسطة) .

ولم نكن قريبين بما فيه الكفاية لذا إنتابتنا حالة من الإهمال والتسيب . ومع هذا فإن ظهورنا قرب ليجاه كان حدثا غريبا على حاميتها التي كان تعيش في هدوء منذ مدة طويلة. وكان ذلك حقا نذير شؤم عليهم.  أثار ذلك شجون الجنود ، أو أثار خوفهم فهربوا وأدلوا بمعلومات كانت كافية كي يأخذ مولوي جلال الدين حقاني قرارا بغزو ليجاه .  بعد عدة أيام تحركت مع مجموعة برئاسة رشيد مع مدفع هاون وسط  (82 مم) لمناوشة الحصن ، والبقاء هناك كطليعة لقوات الغزو التي سوف يحشدها حقاني . كنا في منتصف فصل الصيف وتم فتح حصن ليجاه مع نهاية الخريف،وتقهقر العدو تاركا جبال ليجاه تماما وبذلك سيطر المجاهدون على الممر الذي كانت تغلقه تلك البوسطة الحكومية في نهاية السلسلة  الجبلية . ولكن القوات الحكومية إتخذت موقعا في الوادي على بعد عدة كيلومترات من مدخل الممر. وعلى المدى الطويل إتخذ حقاني ذلك الأسلوب التدريجي البطيء حتى توصل إلي فتح خوست عام 1991م .

كانت إستراتيجة مناسبة تماما ـ كما أثبتت التجربة ـ للواقع العسكري والسياسي والإجتماعي للمنطقة .

كانت عمليات المجاهدين تدفع القوات الحكومية بالتدريج نحو الوادي تاركين الجبال تحت سيطرة المجاهدين ، وبعدها بدأت المعارك في الوادي نفسه . وهي بالطبع أكثر صعوبة بالنسبة للمجاهدين ، الذي إتبعوا نفس الأسلوب البطيء في القضم التدريجي وإنقاص الأرض من أطرافها . إن معركة دابجي التي أشرنا إليها أنهت سيطرة الحكومة على منفذ حدودي مع باكستان في نقطة تبعد حوالي أربعين كيلومترا عن مركز خوست وأتاح ذلك إمكانية أفضل للإمداد بالنسبة للمجاهدين . أما في ليجاه فإن سيطرة المجاهدين على جبالها فقد أتاح لهم إمكانية أفضل للتسرب إلى داخل الوادي والوصول إلى المراكز الإدارية والقيادية هناك.

وذلك السبب وراء الحملات العسكرية العنيفة التي قام بها السوفييت لإستعادة زمام الأمور وفرض توازن جديد في مصلحة القوات الشيوعية . وكانت أقوى تلك الحملات في أعوام

1983 ، 1985 ، 1986م. والأخيرة كانت من أشد ما شهدته أفغانستان من معارك حتى ذلك الوقت . كانت رحلتنا الإستطلاعية أول تدشين لنشاطات جاور . كما كانت عملية ليجاه أول حملة عسكرية تقوم بها جاور فيها بدور قاعدة الإنطلاق والتموين والإدارة . وإنتهى ذلك الدور بإسقاط مدينة خوست الذي أدى مباشرة إلى إنهيار كابل ونظامها الشيوعي بعد عام واحد من  فتح خوست . كان لمجموعتنا غارة يومية على حصن( ليجاه) وتتابع وصول الإمدادات ، فأصبح لدينا مدفعي دوشكا يعملان على التلال بهدف الحماية من غارات الطيران. وتزايد تدريجيا عدد المجاهدين واقترب مدفع الدوشكا أكثر حتى صار في مقدوره إصابة جنود الحكومة في الحصن وقد ضايقهم ذلك كثيرا. ولم تفد مدفعية الحكومة ولا غارات الطائرات النفاثة في تحسين وضع حامية الحصن. وتتابع ضغط المجاهدين وغارات الهاون المؤثرة. وزادت الإصابات في صفوف الجنود بينما لم نصب نحن بأية خسائر حتى ذلك الوقت . وتطور الأمر في أحد الأيام فوصلت عدة مصفحات إلى الحصن نقلت الجنود إلى الخلف . وخيل إلينا أن المعركة قد إنتهت. كنا خمسة أشخاص تقدمنا ، نحو الحصن في حرص شديد لسببين :

الأول: عدم تأكدنا بأن كل الجنود قد رحلوا والثاني: خوفنا من حقول الألغام التي نشرها العدو في المنطقة كلها ـ وليس فقط حول الحصن ـ . وأثار ذلك الذعر في صفوفنا . وما أن وصلنا إلى مسافة مائة متر من الحصن حتى أزت رصاصة فوق رؤوسنا . تصورنا أن أحد المجاهدين قد أطلقها لأننا لم نشاهد أية حركة في الحصن . ولكن تتابع الرصاص نبهنا إلى أن مصدره جاء من الحصن فاتخذنا سواتر قريبة وبدأنا في تبادل النيران .  كان معنا الضابط كمال وهو ضابط شاب رأيته لأول مرة في ليجاه كان هادئا للغاية ، وعنيدا لدرجة كبيرة . كان يحمل على كتفه مدفعا عديم الإرتداد بينما يحمل مساعده عدة قذائف فبدأ على الفور في الرماية على الحصن ، فانقطعت الرماية منه تماما . كان واضحا أن الإستيلاء على الحصن مسألة غاية في البساطة فلا أحد هناك غير ثلاثة جنود كما قدرنا ذلك من الرمايات ـ ولكن المشكلة كانت الألغام . لقد توقف زحف المجاهدين عدة أيام وهم يحاولون فتح ثغرة للنفاذ إلى الحصن . وكانت فترة كافية جهزت الحكومة فيها قواتها وجابهتنا فيها بهجوم مضاد شديد كان أسوأ ما فيه طائرات الهيلوكبتر .

مرة أخرى أواجه محنة الهيلوكبتر بعد معركة دارا في العام الماضي .لم تكن محنة ليجاه بنفس الشدة ولكنها دامت لفترة أطول. فقد تمكنت الطائرات وأظنها لا تقل عن ست طائرات من إسكات مدفعي الدوشكا. لم تصب المدافع ولكن الأطقم لم تستطع الثبات أمام الصواريخ التي صبتها الطائرات فوق رؤوسهم . أصبح معسكرنا بلا دفاع جوي . وصمتت النيران من جانبنا تماما, وتفرغنا عدة ساعات للجري في الشعاب والوديان وبين الشجيرات بينما الطائرات الستة تلاحقنا بالنيران من نقطة إلي أخرى . كنا أشبه بسرب من الجرذان تطارده ستة من القطط المتوحشة . وقرب العصر إنتهت المعركة غير المتكافئة . وقد تقطعت أنفاسنا ، وهبطت معنوياتنا بسبب عجزنا المهين أمام الطائرات. لم يمنع ذلك ظهور حالة من المرح و”التبريكات” بين المجاهدين،كانت مفاجأة سارة لنا ألا نجد أية خسائر في معسكرنا سواءفي الأفراد أوالمعدات.

لهذا قضينا ليلة مرحة حول أكواب الشاي الأخضرالذي لم أستمتع به تماما لكونه خال من السُكّر.  وصلت التعزيزات إلى حصن ليجاه ودبت فيه الحياة مرة أخرى واستدعى الأمر إستمرار المعركة عدة  أشهر أخرى حتى تم الإستيلاء التام عليه. ويمكن إرجاع السبب الأساسي إلى الألغام وكانت تلك الموقعة أول معايشة عملية بالنسبة لي لخطورة الألغام. وقد كانت أفغانستان حالة لم تتكررسابقا في تاريخ الحروب بالنسبة لبشاعة إستخدام الألغام إلى حد فاق أي حاجةعسكرية حقيقية.

أما الهيلوكبتر وكان ذلك هو لقائي الثانى معها، فقد زاد إحترامي لها كسلاح فعال ، وزادت

قناعتي أيضا بإمكان التغلب عليها وأنها مشكلة تتعلق بمتانة الأعصاب قبل أي شيء آخر. وإقتنعت بأن تأثيرها محدود جدا على مسيرة العمليات، خاصة إذا كانت تضاريس الأرض تماثل تلك التي كنا نقاتل عليها في باكتيا. أرض صخرية وعرة كثيرة الأشجار.  في مثل تلك الأرض لايحتاج المجاهد لأكثر من قدمين تجيدان إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب . وجدت ذلك الحل الأمثل ورأيته أفضل حتى من إستخدام الصواريخ المحمولة علی الكتف. وما زلت على قناعة بأن الإقدام المدربة أفضل ألف مرة من(ستنجر) الأمريكي. أما الرشاشات الثقيلة فهي كارثة حقيقية على مستخدميهاخاصة في مواجهة الهيلوكبتر. وهكذا كانت نصائحنا لإخواننا المجاهدين في طاجيكستان عندما  لمسنا ذعرهم من الطيران وبحثهم  الملهوف عن بقايا صواريخ (ستنجر) التي كانت أمريكا تسابق الزمن في سبيل جمعها من أفغانستان . وبالفعل إستطاع المجاهدون  الطاجيك مجابهة الطيران بنجاح أكثر هذا العام  (1994م) رغم عدم وجود(ستنجر) لديهم مع وجود عدد محدود جدا من صواريخ “سام7” الروسية، فقد تفادوا تأثير الطيران ، وأسقطوا عددا محدودا جدا من الهيلوكبتر كانت واحدة أو اثنتان منهما بواسطة “سام7”  ذلك الصاروخ الأحمق .(فمنذ حادثة دارا وأنا أشعر بكراهية شخصية تجاهه). لقد أدرك إخواننا الطاجيك أن الإستخدام الجيد لطبيعة الأرض هو خير سلاح في مواجهة الطيران خاصة في مراحل الجهاد الأولى وغياب التدريب الجيد على الرشاشات الثقيلة وعدم توافر الصواريخ المناسبة.   ولا يمكن إنكار أن صاروخ (ستنجر) كان فعالا في مواجهة الهيلوكبتر بشكل خاص ، حتى أن تأثيرها تقهقر كثيرا منذ ظهوره . ويجب ملاحظة أن الرادع المعنوي لأي سلاح أكبر بكثير من قيمته العملية . لهذا فبغَضْ النظر عن نسبة الإصابة التي حققها الصاروخ المذكور ولكن الهالة الدعائية حوله كانت أكبر بكثير من تأثيره العملي .وقد تأثر العدو كثيرا بتلك الدعاية وإنهارت قيمة الهيلوكبتر إلي درجة كبيرة . أما الطائرات النفاثة فقد ضاع جزء من فعاليتها لاضطرارها إلى الإرتفاع أكثر من مدى الصاروخ (6 كم تقريبا)  .أما نسبة الإصابة العالية التي روجها الإعلام الأمريكي فقد كانت محض تهويل ولم تكن أكثر من دعاية  لترويج السلاح في السوق الدولية إضافة إلى التأثير السياسي لتلك الدعاية . أما الرشاشات الثقيلة فقليلا ما استخدمت بشكل جيد في أفغانستان فهي تحتاج إلى طاقم على درجة عالية من التدريب. كما لا بد لها من الإستخدام الجماعي لتلك الأسلحة ، وما يستدعيه ذلك من كمية ضخمة من الذخائر ، وهذا شرط صعب أيضا . يضاف إليه صعوبة المناورة بتحريك تلك الأسلحة وذلك يجعلها هدفا ثابتا للطيران .

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

 

حقانى يثور على أطقم الدوشكا:

يستجيب مولوي جلال الدين بسهولة للتحدي . لم يكن من السهل بالنسبة له أن يقبل ما فعله الطيران بنا. فوجه تأنيبا شديدا لأطقم الدشكا . وأتبع ذلك بإجراءات عملية أخرى ، فأحضر واحدا من صواريخ سام7  وسلمه إلى الضابط كمال ،  وأحضر مدفعا من طراز زيكوياك

(5, 14مم)  ووضعه على جبل مرتفع خلف مواقعنا ، وأحضر عددا من قواذف “آر بي جي”

المضاد للدروع وأمر رجاله بإستخدامها ضد الهيلوكبتر وأيضا ضد النفاثات . لم يكتف حقاني بكل ذلك بل سلح نفسه بواحدة من تلك القواذف ، وكان يصعد بنفسه إلى أقرب قمة إليه عندما يسمع صوت الطيران قادما ، وكان يرمي على الطائرات بنفسه. ذكل تلك الإجراءات مجتمعة هي نموذج مثالي لروح التحدي والمواجهة العنيفة التي يتميز بها أسلوب حقاني في العمل العسكري . ويمكن القول أنها (بصمته العسكرية) . لقد فهم الرجال أن التراجع أمام الطيران ممنوع وأن الإستخدام (المُلْهَم) للأرجل غير مسموح به بعد الآن . شعر العدو بقوة موقعنا فتحولنا تلقائيا إلى هدف هام. وحرمنا ذلك من النوم والراحة وصرنا عرضة دائما للقصف المدفعي والغارات الجوية التي زادت حدتها بعدما رأت قوة النيران الصاعدة إليها . وبسرعة عزز العدو مواقعه حول حصن ليجاه وبدأت المواقع القريبة منه والقواعد الرئيسية داخل المدينة تقدم دعما مدفعيا للحصن. لقد وجدنا أنفسنا فجأة وسط الجحيم، بينما برنامجنا الهجومي قد تجمد بسبب الألغام. في حين تحول همنا الأول هو الدفاع عن أنفسنا ومركزنا . هذا التحول أدى إلي نشوب خلاف بين رشيد وحقاني لم يجتمعا بعده أبدا .

غادر رشيد الموقع ومن يومها لم أقابله في الجبهات . توافد عدد كبير من المجاهدين إلى

المنطقة بعدما أصبح متوقعا أن تهاجم القوات الحكومية مراكز المجاهدين . ووصل إلينا مدفع

 جبلي عيار 76مم فأصبحت نيران مدفعينا تصل إلى أبعد من الحصن نفسه وتطال طوابير

التعزيزات قبل أن تصل إليه . لم أكن أيضا سعيدا بكل تلك التطورات، كان الطيران وحده

كافيا للنيل من معنوياتي . فحتى شاي الصباح لم يعد ممكنا تناوله باسترخاء ، والليل مليء

بالتوتر والإستنفار وقذائف المدفعية الثقيلة التي تأتينا من عمق الوادي . كان برنامجنا المدفعي ناجحا على الحصن فقط  ومنعدم التأثير على عمق العدو. والصمود أمام الطيران بلا مضادات كافية أصابنا بخسائر بشرية ومادية ولم يؤثر بشيء على الطيران طوال فترة تواجدي .

كان المطلوب هو الثبات على هذا الوضع حتى تنتهي جلسات الشورى الميدانية التي بدأت تنهال . فلم يكن قد تقرر شيء نهائي عن البرنامج ولاعن المجموعات التي سوف تشارك فيه.

بعض الإجتماعات جرت في جاورخلفنا بمسافة عشرة كيلومترات مليئة بالجبال الوعرة ، وبعض الإجتماعات جرى في مواقعنا التي لم يكن بها خندق واحد حتى تلك اللحظة . إنتهت مشاركتي في معركة ليجاه عند تلك النقطة . ولكن التطورات إستمرات نحو شهرين أو أكثر ، إنتهت باستيلاء المجاهدين على الحصن والوقوف على أعتاب الوادي الفسيح ودفع العدو عدة كيلومترات داخل الوادي وحرمانه من جبال المنطقة المنيعة . كان نصرا رائعا ، جعل غرب الوادي في وضع خطر . فمدخل وادي ليجاه يتيح الوصول إلى منطقة الغرب كلها ويجعل العمليات ممكنة ضد عدد كبير من تلك المواقع .

بل أن موقع القيادة الرئيسي لغرب الوادي ، وهو حصن دراجي حيث الإدارة والقيادة للمنطقة الغربية ، أصبح  مهددا.

وبالفعل تم الإستيلاء على دراجي بواسطة قوات حقاني المتحركة من ليجاه ولكن بعد 8 سنوات كاملة من معركة ليجاه الأولى التي نَصِفْ بداياتها هنا. وليس المقصود هو ذكر تفاصيل تلك المعارك ، بل فقط ذكر بعض المعالم التي توضح الصورة العامة، وما يساعد قارئنا التاريخي المنتظر على أن يتصور الأوضاع التي كانت سائدة ، ونحاول أيضا أن نبحث عن أوجه الإستفادة من تلك الأحداث وما يمكن إستخلاصه من  نتائج .

ونحاول أن نعود إلى ما ذكرناه سابقا عن (القوانين الخاصة بالحرب). وهي قوانين تتعلق بالقتال في ظروف خاصة جدا  بحيث يستدعي ذلك إجراء تعديلات في قواعد القتال المعروفة أو حتى وضع بعض القواعد الجديدة.

وقلنا أن ذلك لا يتأتى إلا لنوع نادر من القيادات، فهناك خطآن شائعان يقع فيهما قادة الحروب:

الخطأ الأول ،  الإلتزام الحرفي ـ الجامد ـ بقواعد الحرب كما ذكرت في الكتب العسكرية وكما تدرس في الأكاديميات العسكرية . الخطأ الثاني ،الإهمال المتهور لقواعد الحرب، بدعوى أنها (كلام نظري) كما كان يحلو لبعض  إخواننا العرب أن يطلقوا عليها . بالنسبة للخطأ الأول فهو شائع في ضباط الجيوش النظامية الذين  قذفتهم الأقدار إلى حروب العصابات . وقد شاهدت عددا منهم في أفغانستان أكثرهم كانوا أفغانا وقليلا من العرب .

والضباط العرب بشكل خاص فشلوا في التكيف مع حرب العصابات بشكل عام ومن باب أولى الطبيعة الخاصة للحرب في أفغانستان والتي إهتدت إليها العديد من المجموعات الأفغانية وطبقتها بنجاح .  وحتى رشيد بمؤهلاته وقدراته فشل أيضا في إحتمال الوضع الأفغاني الخاص.

وكانت ليجاه نهاية عمله في باكتيا وما لبث أن فشل بسرعة في تجاربه الأخرى في جلال آباد

فإنكمش إلى مجال التدريب ثم إلى الكتابات العسكرية في صحيفة (الصراط) التابعة لمولوي نصر الله منصور، حتی ترك الساحة الأفغانية.   ومن ضمن ما يتأثر به الأسلوب القتالي هو الحالة الثقافية للمجتمع . فالمجتمعات الواقعة تحت التأثير الغربي أو الشرقي، تتأثر إلي درجة كبيرة بالأسلوب القتالي العسكري للغرب أوالشرق. ولما كان الأفغان من أقل الشعوب تأثرا بالثقافات الخارجية إضافة إلى متانة الوضع الإجتماعي القبلي وسيادة الثقافة الإسلامية، فكان من الطبيعي أن ينبت (أسلوب قتال أفغاني) وهو ما شاهدناه في ليجاه ـ وكان أسلوبا تبلور بالتدريج ـ حتى أصبح مدرسة قتالية، هذا الأسلوب وتلك المدرسة لم يكن ممكنا التكيف معها أو إستساغتها من جانب أفراد من خارج ذلك المجتمع  ومن خارج الثقافة الأفغانية . لم تنجح المجموعات الأفغانية بنفس الدرجة . وبعضها فشل في تخطي حد معين في عمله القتالي ولم يلبث أن تجمد عند مرحلة قتالية أولية . ولا شك أن جلال الدين حقاني كان واحدا من الذين طوروا إلى أقصى حد ممكن أسلوبا أفغانيا للقتال كان ناجحا ومؤثرا للغاية . كما رأينا فإن حقاني تخلى مبكرا عن سياسة (إضرب وإهرب) .

ورفض إتباعها كما رأينا حتى عندما بدأ الروس في فرض إحتلالهم العسكري . بل مضى إلى حد القبول بمجازفة “المواجهة الشجاعة” ليس فقط في الجبال،خاصة على الطرق المؤدية إلي خوست، بل وفي الوديان المفتوحة كما رأينا في تعمير في وادي “زورمت” .لقد تحمل حقاني من  جراء ذلك خسائرا كبيرة لكنه حقق نتائج أعظم خاصة على المستوي النفسي والسياسي . وحتى لو عادت عجلة التاريخ إلي الوراء ما أظن عسكريا محترفا يوافق على آراء حقاني تلك رغم أنه ثبت عمليا أنها الأصلح للتركيبة الأفغانية وظروفها الفريدة ، بل وظروف باكتيا الأشد خصوصية . وكما رأينا، لم يستطع ضابط قدير مثل رشيد أن يتقبل أسلوب حقاني في معركة ليجاه .

لم أكتشف وقتها أن حقاني قد إنتقل إلى المرحلة الثانية من مراحل حرب العصابات وإتخذ بذلك قرارا من أخطر قرارات قيادة حرب العصابات وهو قرار التحول من مرحلة إلى أخرى. وهو قرار من الخطورة بحيث أنه قد يؤدي إلى هزائم ثقيلة قد تتحول إلى هزيمة كاملة.  بدأ حقاني يقاتل بمجموعات كبيرة مستخدما قدرا من الأسلحة الثقيلة هادفا إلى طرد العدو من الجبال ودفعه نحو السهول .  لم يقرأ حقاني حتى الآن كتابا واحدا في حرب العصابات ولكنه تصرف بغريزة فطرية سليمة وحساسة، وتعلم الدروس بسرعة متخذا المسار المناسب لحالته الأفغانية الخاصة . سأورد حادثتين لتوضيح (الحالة البشرية) الخاصة التي أملت أسلوبا قتاليا بعينه ، وإن كان مخالفا  لكثير من الثوابت العسكرية. والحادثتان من منطقة “ليجاه”.

 

الحادثة الأولى :

جلسنا في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر لتناول الشاي الأخضر وبعض الخبز . وهذه مناسبة من أكثر المناسبات اليومية سعادة وإنشراحا . بعد منتصف الليل كنت قد أحسست بوصول مجموعة من المجاهدين كانت في دورية ليلية خلف خطوط العدو في الوادي .وتعرفت على صوت صديقي القديم مولوي (محمد سرور) مرافقنا في أولي معاركنا داخل أفغانستان .

أجلت اللقاء إلى الصباح . وقد كان لقاءا سعيدا غمره البشر الصادق والمودة . بعد إنتهاء

جلسة الشاي همس مولوي سرور في أذن طباخ المعسكر فأحضر له إبريقا ضخما من الشاي

الأخضر المر.

ما زالت تلك لمسته الشخصية منذ عرفته ، إبريقه الخاص من الشاي الذي يعادل في حجمه كمية الشاي للمعسكر بأجمعه . قدم لي الرجل كوبا إرتشفت منه على مضض . وجلسنا نتبادل الأخبار والتعليقات حتى إرتفعت الشمس من خلف الجبال وباتت تغمرنا بأشعتها . بدأ هدير الطائرات النفاثة يظهر في الأفق البعيد، فإنسل الرجال الذين صقلتهم تجربة الأيام الماضية ، وظل مولوي سرور يرتشف الشاي بهدوء كأنه يستمع إلى شقشقة العصافير. إقترب منا الهدير وظهرت النفاثات الفضية تدور حول معسكرنا ، وهذا دليل لا يدحض على أن الشر قد إقترب. ولكن الرجل الوقور لم تفارقه الإبتسامة وظل يدير الحديث العذب ولكن ذهني بدأ يشرد و تعلقت أذناي في السماء وعيناي تدور بحذر فيما حولي كي أنتخب المكان المناسب لحضور المأساة القادمة.

ليس لدينا خنادق ولا مغارات ، فقط صخور وأشجار وبعض مجاري السيل الضيقة. لم أستطع التحمل أكثر من ذلك وقد تمادى الطيار في مناوراته فوقنا فطلبت برفق من الشيخ أن نتحرك تحسبا للأخطار ، فلوح بكأس الشاي الأخضر التي في يده وقال برفق :

(نتحرك إن شاء الله عندما أفرغ من هذا الكوب). وبالفعل نفذ ما قال، وبكل هدوء ، ثم سمى الله ، وبدأ يتحرك بهدوء كامل !!! .

 

الحادثة الثانية :

من الصباح حتى الظهيرة كنا قريبين من حصن ليجاه مع عدد محدود من المجاهدين حيث وصلنا قريبا من حزام الألغام . وتبادلنا إطلاق النار من البنادق مع جنود الحامية وكانوا قليلين ولكن دعما مدفعيا قويا وصلهم من مواقعهم القريبة ومن العمق . فقضينا فترة عصيبة ونحن نبدل أماكننا باستمرار حتى تخلصنا من النيران وخرجنا من المنطقة ولكن المدفعية إستمرت بعد ذلك لأكثر من ساعتين على نفس منطقتنا الأولى وما حولها. كان القصف من الشدة بمكان، بحيث أن المجاهدين من خلفنا إستعدوا لإستقبال هجوم شيوعي مضاد وبدأوا التحرك إلى الأمام لصد الهجوم . قابلونا أثناء عودتنا وسألوا عن الموقف فأخبرناهم أنه لا هجوم متوقع حتى الآن . في الطريق قابلنا شيخا طاعنا في السن ذو لحية بيضاء،يـبرق من شدة النظافة، يرتدي البياض في جيمع ملابسه وعمامته. ويتوكأ على عصاه ويسير بخطى وئيدة بينما يحمل بندقيته الإنجليزية العتيقة على كتفه. . سألنا بصوت واهن :

ـ هل جاء العدو ؟ .

ـ لا لم يجىء .

ـ أين هم الآن ؟.

ـ بعيد .. عند مدخل الوادي .

ـ جيد إذن … عندي وقت كي أتوضأ وأصلي الظهر ، ثم أذهب مع المجاهدين للتَعَرُّض .

أذهلني الشيخ وحديثه ، وما زلت أعجب حتى الآن .

( ونعود إلى حديثنا تعليقا على الحادثتين فنقول ) إن بشرا من طراز خاص جدا كهؤلاء

لا بد لهم من طريقة خاصة جدا في القتال . وهذا ما كان ، ولم نستطع معه صبرا .لهذا تحركنا مع الوقت نحو تكوين مجموعاتنا القتالية الخاصة كي نقاتل بطريقتنا الخاصة . وبالمثل صادفنا ـ نحن المتطوعون العرب ـ بعض النكسات وبعض النجاحات . ويمكن القول أنه إلى حد ما كانت هناك مدرسة عربية للقتال في أفغانستان ـ وعلى الأصح مدارس.

 وسنذكر ذلك في حينه .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 157 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/02/2019

www.mafa.world

 

 

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 7




نحو إستراتيجية إسلامية لتحرير فلسطين

نحو إستراتيجية إسلامية لتحرير فلسطين ، و المقدسات الإسلامية ، و الجزيرة العربية

نحو إستراتيجية إسلامية لتحرير فلسطين ،

والمقدسات الإسلامية ، والجزيرة العربية .

 أربع خطوات إستراتيجية مقترحة من أجل تحرير فلسطين :

1 ـ العودة إلى الأصول .

2 ـ فتح المجال الجغرافى والبشرى { كل البلاد فلسطين ، وكل مسلم مجاهد}.

3 ـ أسلمة ثروات المسلمين .

4 ـ تحديد مسارح العمليات ، وترتيب أولوياتها ، ونوعيات النشاط فيها .

– الوحدة الإسلامية شرط أساسى لتحرير المقدسات ، والتحرر من الربا والتبعية الإقتصادية ، ولأسلمة ثروات المسلمين .

– الوحدة الإسلامية أكثر قربا الآن ، مع حماقة أمريكا وأزمة الغرب ، وتشكيل نظام دولى أسيوى، المسلمون من كبار صانعية . 

ــ المثلث الحديدى : الإقتصاد ـ السياسة ـ الحرب .

ــ الإقتصاد والإستراتيجية العسكرية .

ــ الإقتصاد فى موجة الجهاد الجديدة .

ــ قطاعات جهادية فرعية لجهاد أممى شامل .

ــ الصليبى .. والداعشى .

–  العلاقة بين القتال فى فلسطين ، والقتال فى جزيرة العرب ، والقتال فى العمق الإسلامى.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

جهاد مسلمى فلسطين حفظ تلك القضية من الإندثار فى زمن الإنحطاط العربى والتمزق الإسلامى . وقد دفع الفلسطينيون أثمانا باهظة لقاء جهادهم العظيم . إلا أنه غير كاف لتحرير فلسطين . حيث أن معركة فلسطين هى الشكل الأخير للحروب الصليبية بين الغرب والعالم الإسلامى ، الذى إنهزم وتفكك للمرة الأخيرة بعد الحرب العالمية الأولى .

إسرائيل هى رأس رمح الإستعمار الغربى . بينما شعب فلسطين لا يمثل إلا نفسه منعزلا أو متآمراً عليه من إخوانه العرب منسيا من أمته الإسلامية .

ستتحر فلسطين بمجهود طويل مستمر وجماعى . والمعركة الحاسمة ستكون فى ظل موازين دولية مختلفة (نظام دولى قادم ) لا يشكل فيه الغرب الإستعمارى قوة ساحقة مهيمنة دوليا . كما أن المسلمين سيكونون فى تحرك نحو الأعلى بمزيد من التلاحم والقوة المادية والدينية الصحيحة (غيرالوهابية) .

وتلك المسيرة طويلة وشاقة، وهى ضمن جهاد طويل صوب المعركة الفاصلة لتحرير كل فلسطين . وهى معركة مرتبطة عضويا بمعركة تحرير جزيرة العرب وما تحتوية من مقدسات أساسية للمسلمين ، ونعنى بها مكة والمدينة المنورة .

بعد وصول قضية فلسطين إلى وضع التصفية الشاملة الذى تقوده اسرائيل ، بإسناد من الولايات المتحدة وحمايتها العسكرية والسياسية ، وبتآمر علنى غير مسبوق من معظم الحكام العرب ، وبشكل خاص حكام السعودية ودول الخليج وعمان . الذين ظهر إنخراطهم الحماسى لتصفية القضية الفلسطينية ، وفتح أبواب السعودية والخليج أمام إسرائيل ، وسحب العرب والمسلمين إلى حرب بديلة مع إيران والشيعة العرب . ليس هذا فقط ، بل وتجريم ومعاداة ومحاربة كل أعداء إسرائيل، وكل من يهدد أمن الدولة اليهودية خاصة المجاهدين المقاومين .

 

الخطوة الإستراتيجية الأولى ــ العودة إلى الأصول .

المؤامرة على فلسطين مرت بخطوات مدروسة متتالية، حتى وصلت إلى مرحلتها الحالية التى من المفروض أن تكون نهائية بالنسبة لفلسطين ، وفتح ملف الضياع أمام الأمة الإسلامية جميعا بسيطرة إسرائيل على مكة والمدينة ، وبالتالى على الإسلام كدين ، وإحكام القبضة اليهودية على عقيدة الأمة ، بعد أن أحكموا قبضتهم على ثروات المسلمين ومزقوا وحدتهم السياسية وسيطروا على أنظمة الحكم لديهم .

أول المؤامرة على فلسطين كان بعزلها عن (الأمة الإسلامية) والإدعاء بأنها “قضية العرب” الأولى . وإنحدر الوضع فى خطوة تالية من القومية العربية إلى (الوطنية القطرية) فى كل بلاد العرب ، وأصبحت قضية فلسطين (قضية وطنية) للفلسطينيين (يتعاطف) معهم فيها إخوانهم المفترضون (العرب) .

وفى الأخير أصبحت فلسطين قضية شخصية مرتبطة بالزعيم ـ كما هى حال بلاد العرب الأخرى ـ فلا قومية ولا وطنية ، ولكن الذاتية المتورمة لدكتاتور يقف على قدميه بفضل الدعم الإسرائيلى والغربى . فأصبح الوطن يعنى الزعيم الأوحد الذى وضع كل شئ فى جيبه ــ كل الثروات وكل السلطات وجميع القرارات ــ وجميع الحاضر والمستقبل ، بقرار ذاتى لا شريك له من شعب ولا وازع من دين ، أوعقيدة من أى نوع .

 

الخطوة الإستراتيجية الثانية ــ فتح المجال الجغرافى والبشرى :

{ كل البلاد فلسطين ـ وكل مسلم مجاهد} .

ذلك هو الوضع المثالى ـ وهو غير موجود حاليا ـ ولكنه سيبدأ مهما كان محدودا، متجها صوب الشمول بمضى الوقت واحتدام الصراع .

ولو أن المسلمين تمسكوا بأوامر ربهم (تلك أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) لما وصلنا إلى هذه الحالة المناقضة تماما للأمر الإلهى . فمزق وحدتنا كل متجبر طاغية ، يخدم أعداء الأمة ويبطش بأبنائها ويحارب دينها .

إنحدرنا من القومية إلى الوطنية ثم إلى الفردية الطاغوتية ، بكل يسر وسهولة . وآن الوقت لوقف الإنحدار . ولا نتوقع نتائج سريعة حاسمة . بل نعمل على تغير بطئ متراكم . يتسارع بتصاعد الجهاد واحتدام المواجهات ،  ويهدأ أو حتى يتوقف إذا توقفت عملية الصراع .

 

–  كيف تصحو الشعوب ؟؟:

تصحوا بفعل قيادة جامعة . أو قيادات ميدانية مؤقته تفرضها ظروف المعركة . وبفعل طليعة مؤمنة واعية ـ تدرك أبعاد رسالتها وتدرك الخطوط العامة لحركة إنبعاث الأمة حول فريضة الجهاد .تسعى نحو هدف أعلى هو تحرير المقدسات الإسلامية . مرورا بتوحيد الأمة تحت قيادة شرعية ذات دين ودراية ، قوة وأمانة (القوى الأمين) .

 

 

الخطوة الإستراتيجية الثالثة ــ أسلمة ثروات المسلمين .

المال المنهوب من الشعوب الإسلامية (الأمة الإسلامية) بواسطة الإستعمار الغربى المباشر أو غير المباشر(الإمبريالية)، أو بواسطة الإحتلال بالنيابة (الحكم الوطنى ـ للطاغوت الفرد المتورم ـ العسكري أو الملكى) ، كل ذلك المال ومهما كانت مساراته يصب فى النهاية فى خزائن البنوك اليهودية .

ونخص بالذكر الثروات الكبرى وفى مقدمتها النفط والغاز والمواد الخام الإستراتيجية مثل الحديد واليورانيوم والنحاس والماس..الخ . وفى صدارة كل ذلك الأفيون المنهوب من أفغانستان بقيمة غير محددة رسميا ، ولكنها مقدره بما يفوق الترليون دولار من قيمة الهيرويين المباع فى الشوارع بالتجزئة .

–  ما توفر من أموال لشعوبنا ينفق على شراء منتجات المستعمرين وفى مقدمتها السلاح (ضد من؟؟) . ثم الكماليات للأقلية المترفة ، ثم طعام للأغلبية العاجزة عن إطعام نفسها بفعل سياسات النظام الحاكم . كل المصروفات تذهب إلى البنوك العالمية مضافا إليها مدخولات الحيتان المحلية من نشاطات إقتصادية ضارة ، من التصدير والإستيراد مع المستعمر فى مبادلات عقيمة وغير متوازنة. إلى الإنفاق على إستيراد شبه رسمى للمخدرات (تعادل أحيانا ميزانية الدولة)، ونشاطات الإقتصاد المدمر والمنظم بتدخل حكومى فى مجالات ، مثل الدعارة والتهريب بأنواعه ، والإتجار فى البشر والأعضاء البشرية ، وسرقة الآثار وبيعها .. إلخ .

– ذلك النزيف المالى المتواصل يتوجب العمل على وقفه : إما بالاستيلاء على تلك الأموال ــ أو بمنع العدو من الحصول عليها بأى صورة ــ أو بإتلافها وتدميرها .

 

–  أسلمة الثروات الإسلامية ، وتعنى :

أولا ــ وقف إستيلاء الأعداء عليها بدون وجه حق .

ثانيا ــ توجيهها لبناء المجتمع على أساس العدالة والإكتفاء الذاتى فى الإحتياجات الحيوية ، كالطعام والدواء والسلاح والتعليم والصحة .

ثالثا ــ التبادل الإقتصادى مع الأمم الأخرى على قاعدة العدالة والتكافؤ .

رابعا ــ إيجاد مخارج للمأزق الربوى الذى وقعت فيه الإنسانية بفعل سيطرة اليهود على الإقتصاد والتجارة الدولية { وبالتالى السياسة الدولية ، أو ما يسمى بالنظام الدولى ، وما يستصحبه من حروب وتوترات لا تنقطع لأنها تجلب الربح للبنوك الحاكمة } .

– لا توجد معاملة إقتصادية صغرت أم كبرت ، ( سواء تمت فى الفاتيكان أو فى تل أبيب أو فى مكة المكرمة) ، تتم بمعزل عن الأساس الربوى ، الذى هو من الذنوب العظام فى الإسلام. ومع ذلك تأقلم عليه المسلمون وأصبحوا يتنفسون الربا مع كل درهم ، كما يتنفسون الكذب مع كل جملة “مفيدة” يسمعونها . ولا يفكر قادتهم الدينيين أو الدنيويين ، فى الخروج من التعامل الربوى حتى فى منامهم . وأقصى ما يمكنهم فعله هو تبريره أو التمويه عليه بشتى الحيل الشرعية والمصلحية .

 

الوحدة الإسلامية شرط أساسى لتحرير المقدسات ،

وللتحرر من الربا والتبعية الإقتصادية ، ولأسلمة ثروات المسلمين .

شعار الوحدة الإسلامية أصبح مستهلكا من كثرة الترديد ، بدون نية لفعل شئ . ومع ذلك فإن الظرف الدولى الراهن مع كل مساوئه ومخاطره يبدو مناسبا أكثر من أى وقت مضى منذ الحرب العالمية الأولى ، وما أسفرت عنه من تفكيك الإمبراطورية العثمانية ، ثم ما تلاها من كوارث بدأت بضياع فلسطين ولم تنته بتسلط أسوأ أنظمة الكون على بلاد العرب ، بشعارات كاذبة من قومية ثم وطنية . وظلت بلاد العرب مستعمرة بالنيابة ، ومعظم بلاد المسلمين كانت كذلك وما زالت .

حماقة القوة الأمريكية تدفع ، بدون قصد ، نحو نظام دولى جديد ـ آسيوى ـ عماده الصين ومعها الفريق المكون من روسيا والهند وإيران .

ثم دول أخرى مرشحة للإلتحاق من خارج آسيا . وحيث أن إيران من القوى الأساسية بصراعها مع الولايات المتحدة من أجل الإستقلال السياسى والقوة الإقتصادية والعسكرية ، فإنها عضو مؤسس للنظام القادم . وأفغانستان تأتى جغرافيا فى مركز ذلك التكتل كما أن صراعها المرير ضد الإحتلال الأمريكى ، جعل شعبها هو “المجاهد الأكبر” فى الصراع مع إسرائيل التى تعتمد أساسا على القوة الأمريكية ، بحيث أن أى هزيمة لأمريكا أو ضعف فى مكانتها، تحسب تلقائيا لحساب جهاد المسلمين لتحرير فلسطين . وجهاد شعب أفغانستان هو عنصر حيوى زلزل المكانة الأمريكية دوليا ، وكشف تهافتها العسكرى والسياسى والأخلاقى .

وجود أفغانستان وإيران فى مكانة متقدمة من التكتل الأسيوى / الدولى القادم ، يجعل منهما معاً نواة قوية لتجميع مسلمى وسط وجنوب آسيا فى إطار قوة إسلامية أو تكتل إسلامى ـ له آليات عمل وتنسيق مستقل ـ ومتناغم مع النظام الجديد (الأسيوى /الدولى) .

من إيران وأفغانستان ومسلمى آسيا الوسطى يمكن بلورة “كونفدرالية ” ـ إتحاد أوَّلي ـ يفعل الكثير للسير قدما بالوضع الإسلامى العام ، بما فيه الجهاد من أجل تحرير المقدسات الإسلامية المغتصبة .

تلك “الكونفدرالية ” يمكنها أن تطور نظاما إقتصاديا إسلاميا متكاملا . وتنسيقا سياسيا يمكن أن يتطور إلى تعاون أمنى ودفاعى إسلامى، يكون التخلص من التبعية للربوية الدولية على رأس الأولوياته الإقتصادية ، والتخلص من تحكم العملات الإستعمارية وإستبدالها بعملة إسلامية موحده أو حتى آسيوية موحدة ـ مع نظام مقايضة للسلع بعيدا عن العملات جميعا إلى حين الإستقرار على وضع مالى ثابت وعادل ، وغير ربوى داخل النظام الأسيوى الكبير .

–  بحكم التطور الدولى يقترب شعار التوحيد الإسلامى من إطاره الواقعى . ولا ننسى أن إنشاء إسرائيل جاء نتيجة تطور الوضع الدولى لصالح الغرب الإستعمارى الرازح تحت الهيمنة الإقتصادية الربوية لليهود . ولم يكن ممكنا للمسلمين مقاومة ذلك الزحف الإستعمارى /اليهودى بعد هزيمتهم الكبرى فى الحرب العالمية الأولى وتنامى صعود الغرب وقدراته العسكرية والإقتصادية والسياسية وتنامى الضعف العربى والإسلامى بشكل مضطرد، وتخبط محاولات الصحوة بحيث تحولت إلى كبوات وكوارث متلاحقه ، وسقوط فى هوة لا قرار لها ، بعد أن هيمنت السعودية بدولاراتها النفطية على جميع التحرك الإسلامى تقريبا . فقادته إلى مهاوى الفشل حتى أصبحت الوهابية هى(الإسلام السنى). وبضغط من الإحتياجات الأمريكية حملت الوهابية السلاح ، فصارت الداعشية الإجرامية هى أعلى مراحل تطور الوهابية.

وغنى عن القول ، أن المعلوم بالضرورة لدى المسلمين الآن هو أن التحرر من “الوهابية ” ومشتقاتها يعد الشرط الأساسى للنهضة الإسلامية القادمة ، والسعى نحو الوحدة والتحرير .

فلدى المسلمين الآن معركة كبرى من أجل إسترداد المقدسات الثلاث : مكة والمدينة والقدس. ويَلزَم ذلك بالضرورة إسترداد جزيرة العرب وتحريرها من الصهاينة الحاكمين (أشباه العرب/ أشباه المسلمين/ أشباه الرجال)، ومن أنظمة هى رمز الذل والفساد والولاء لليهود .

 

الخطوة الإستراتيجية الرابعة ــ

تحديد مسارح العمليات ، وترتيب أولوياتها ، ونوعيات النشاط فيها .

من المفترض أن تكون بلاد المسلمين جميعا مسرحاً لعمليات من أجل تحرير المقدسات. بنشاطات تبدأ بالدعوة والتوعية وتصل إلى الجهاد بالسلاح .

عملياً ستكون بعض البلاد ذات أهمية عاجلة أكثر من غيرها . فمثلا البلدان المعنية مباشرة بالمقدسات ستكون ذات أولوية وأهمية قصوى : مثل فلسطين نفسها وجزيرة العرب كلها من حدود الشام إلى شواطئ المحيط الهندى جنوب جزيرة العرب .

ويمكن تقسيم ذلك المسرح الكبير إلى ثلاث قطاعات فرعية :

الأول : فلسطين .

الثانى : الحجاز وجزيرة العرب .

الثالث : اليمن وعمان ( ومن المنطق السليم أن تضاف الصومال أيضا ، الذى هو إستراتيجيا الجناح الأفريقى لليمن ، التى هى الجناح الأسيوى للصومال . وتاريخيا الشرق الأفريقى كان معظمه جزءا من إمبراطورية عمانية ).

ولكل قطاع فرعى برنامجه الخاص ، الذى يبدأ بالتوعية والدعوة ، ويرتفع وصولا إلى الجهاد المسلح طبقا لإستراتيجية عسكرية متدرجة .

 

 

المثلث الحديدى : الإقتصاد ، السياسة ، الحرب :

المؤرخ العسكرى كلاوزفتز هو مكتشف العلاقة بين السياسة والحرب وأنهما شئ واحد ذو صورتين مختلفتين ، فقال { إن الحرب والسياسة وجهان لعملة واحدة }. كان ذلك فى أعقاب حروب نابليون فى أوروبا . ولكن حروب أوروبا الإستعمارية فى العالم منذ ذلك الحين ، أكدت بعداً ثالثا يقول : { إن الحرب والسياسة والإقتصاد ، ثلاث تعبيرات لحقيقة واحدة } .

فحروب الإستعمار لم تنفصل أبدا عن الإقتصاد . فهى عموما إما للحصول المجانى على المواد الخام ، أو لفتح أسواق للصناعات الغربية . أو لمجرد جنى مكاسب مالية كبيرة كما هى حربى الأفيون الأولى والثانية ، ضد الصين ، ثم حرب الأفيون الثالثة ضد أفغانستان .

هناك العنصر أيدلوجى فى الحرب ، يقف خلف إستيلاء الغرب على فلسطين والخليج وجزيرة العرب . ولكن الأيدلوجية عندهم هى / بوابة مخفية /لأطماع إقتصادية واسعة .

– بالنسبة لشخصية اليهودى فإن الهدف الإقتصادى يأتى على رأس أولويات الحياة لديه. فهو يفضل أن تزهق روحه ، على ألا تؤخذ محفظة نقوده . والغرب الإستعمارى ـ خاصة الولايات المتحدة ـ له ذهنية صهيونية ـ لذا يأتى عندهم المال أولا. كما أن الحروب بالوكالة سهلت لهم خوض حروب إقتصادية بدماء الآخرين من المرتزقة ومحترفى الإجرام ، أمثال الدواعش وإخوانهم من شركات المحترفين على منوال “بلاك ووتر” .

ــ بالنسبة للمجاهدين فى ميادين المواجهة مع اليهود والأمريكيين وباقى القطيع الإستعمارى ، فإن العنصر الإقتصادى يجب أن يحظى بأولوية ، بحيث يكون الصدام الدامى وسيلة لإغلاق مورد إقتصادى فى وجه العدو ، أو الإستيلاءعليه لصالح المسلمين .

–  ولدرجة كبيرة يصلح جهاد الشعب الأفغانى بقيادة حركة طالبان لأن يكون نموذجا لفهم دور العنصر الإقتصادى فى الحرب . ونضرب مثالا مختصرا للتعامل الجهادى مع الأهداف الإقتصادية للإحتلال الأمريكى .

الأول ــ هدف تمديد خطوط الطاقة من آسيا الوسطى إلى باكستان ومنها إلى الهند أو إلى ميناء جوادر على بحر العرب لتصديرها دوليا .

الثانى ــ هدف الإستيلاء على محصول الأفيون ، وتحويله إلى هيروين عالى النقاوة فى القواعد الجوية . ثم بالطائرات ، مع وسائل أخرى ، يتم تصديره إقليميا ودوليا .

الهدف الأول تم ضربه بتحرير الأراضى الضرورية لتمرير خطوط الطاقة ، وبذلك إستحال تمديدها . كما تم الإستيلاء على جزء كبير من الأراضى المزروعة بالأفيون ـ {حسب تقارير للأمم المتحدة من 20% إلى 80% منها تقع فى قبضة طالبان }. إذن إستحال تقريبا الإستفادة من محصول تلك المناطق لصالح الإحتلال . وما تبقى من أراضى تجرى معارك عنيفة لإستكمال تحريرها .. إضافة إلى :

1 ـ مصادرة محصول الأفيون من أيدى التجار الوسطاء المتصلين بالإحتلال .

2 ـ  إعتراض الطرق البرية للتهريب وإحراق الهيروين ـ كون المستعمر وكبار أعوانه هم القادرون فقط على إنتاجه لإحتكارهم المواد الكيماوية اللازمة .

3 ـ  ضرب المطارات حيث مصانع الهيروين . وحيث عمليات نقله جوا .

4 ـ  ضرب الإتصال البرى مع القواعد الجوية ـ لمنع وصول خام الأفيون إليها .

5 ـ تجنب الإضرار بمصالح المزارعين وقراهم . بتأجيل الحل الجذرى لمشكلة الأفيون إلى حين عودة الإمارة الإسلامية إلى الحكم ، لتطرح حلولا إقليمية ودولية لتلك المشكلة العالمية.

ذلك الدليل الأفغانى فى التعامل مع الجانب الإقتصادى للحرب يصلح للإسترشاد به كفلسفة عمليات ـ عند التصدى لعمليات نهب النفط الإسلامى من الخليج وجزيرة للعرب .

 

الإقتصاد والإستراتيجية العسكرية :

تجدر الإشارة إلى الجوانب الإستراتيجية كدوافع للقتال . كأن يستولى العدو على ممرات بحرية أو موانئ هامة أو مواقع برية متحكمة . كل ذلك رغم أهميته الظاهرة إلا أنه عديم القيمة مالم يرتبط  بمردود إقتصادى ذى أهمية . فإحتلال رأس الرجاء الصالح أو قناة السويس ، أو مضيق جبل طارق ، أو مضائق البسفور والدردنيل ، قيمتها الحقيقية ليست إستراتيجية صرفة ، بل فى تحكمها فى شرايين التجارة الدولية ، ومرور أنهار الذهب القادم من المستعمرات ، و بضائع المستعمِرين ، والمواد الخام من البلدان المستعمَرة .

وكان إحتلال ذئاب الغرب لجزر الصين ، ليس للأهمية الإستراتيجية البحتة ، بل لدورها كمرتكز لتجارة الأفيون فى شبه القارة الصينية .

–  إذن الأهمية الإستراتيجية ليست مقياساً عسكرياً بحتاً ، إلا بقدر ما تمثله من أهمية إقتصادية ، فذلك هو المقياس الحقيقى .

–  السياسة أيضا لا تستحق وصف سياسة مالم تمثل المصلحة الإقتصادية . فهى ليست مجرد مؤامرات أو إستعراض للقدرات الشيطانية . فلا توجد سياسة منفصلة عن الإقتصاد ، بل هى تابع ومجرد ظل للمصلحة الإقتصادية ، وغير ذلك مجرد عبث ، أو مجرد غباء يؤدى إلى التهلكة . (ظهور جانب أخلاقى للسياسة الدولية ، متوقف على عودة الإسلام إلى الحكم).

تجسيد السياسة للمصلحة الإقتصادية ، لا ينحصر فى العلاقات بين الدول فقط ، بل أيضا فى داخل كل دولة على حده . فليس هناك سياسة داخلية لا تمثل مصالح إقتصادية لكتل إجتماعية معينة . والأقوى إقتصاديا هو من يفرض سياسته الداخلية . والثورات هى مخاض إجتماعى عنيف ليس لإستعادة السلطة السياسية فقط ، بل فى الأساس لإعادة توزيع الثروات . فالإستلاء على السلطة السياسية هو عمل ضرورى للإستيلاء على الثروة وإعادة توزيعها إجتماعيا . وبالتالى تتغير السياسات الداخلية ، وبالتأكيد تتغير السياسات الخارجية للدولة المعنية بالثورة .

 

ملخص ما سبق :  الإقتصاد هو وقود المعارك ، والسبب الأول لإشعالها ، والموجه الأول لإستراتيجيات الحرب والسياسات المرافقة لها .

ــ بإستهداف أعمدة الإقتصاد المعادى ، نعثر على إستراتيجية الحرب وسياساتها .

ــ كما قلنا فإن أعمدة إقتصاد الحرب الأمريكية على أفغانستان هى الأفيون والنفط ، وقد رأينا كيف أن حركة طالبان قد إستهدفتهما ، فشيَّدَت جوهر إستراتيجيتها العسكرية الناجحة والناجعة. حتى أوشك الإحتلال الأمريكى على الموت إختناقاً أو الفرار لا يلوى على شئ .

 

الإقتصاد فى مَوْجَة الجهاد الجديدة :

فى مواجهة الإحتلال اليهودى /الأمريكى لفلسطين وجزيرة العرب ، يجب تحديد الأعمدة الإقتصادية للحرب { رغم طبيعتها العقائدية الجذرية }. وسنجد فى المقدمة الغاز تحت قاع المياه العربية والتركية فى البحر الأبيض ، كما فى مياه الخليج بالنسبة للعرب وإيران .

ونجد النفط والغاز فى جزيرة العرب وشواطئها . وما يتصل بها من وسائل نقل الطاقة برا وبحرا . أى الإنابيب والناقلات البحرية .

ــ وهناك مشروع ربط جزيرة العرب بإسرائيل بواسطة قطارات ، فى الأساس لنقل البضائع . أى أنه نهر من الذهب يتدفق فوق عجلات قطار . ومن المؤكد أن جزءاً أساسياً من أنابيب نقل الطاقة سوف تأخذ نفس مسار القطار نحو حيفا لترسيخ قيادة إسرائيل لسوق الطاقة الدولى .

ــ وهناك مشاريع إستنزاف إقتصادى كبرى فى البر الأفريقى . خاصة مشروع “سد النكبة” الأثيوبى الذى أنهى فعليا كيان الدولة المصرية ، أو إمكانية تغيير ثورى فيها ، أو إقامة نظام يتمتع بأدنى درجات الإستقلال ، أو تمكين المصريين من مجرد العيش بدون هلاك واسع لأعداد ضخمة منهم ، وخضوع تام للأوامر الإسرائيلية المباشرة أو عبر نظام أثيوبى متعفن ، ونظام مصرى الشكل ، يهودى الجوهر ، مختزل فى (الفرعون ، وجيش الفرعون) فقط ، بلا شعب أو مياه أو قيمة إنسانية . وكأنها محمية طبيعية لكائنات ممسوخة تمثل إنتكاسة فى تطور الجينات البشرية.

ولأجل إستراداد مصر ، ودفاعاً عن الحياة البشرية فوق أرض ذلك البلد الكريم لابد من إزالة سد النهضة وأى سدود أخرى تعترض مجرى النيل الأزرق وروافده . والعمل على إيجاد وحدة تبدأ من الصومال لتشمل إرتيريا والحبشة والسودان ومصر . ومن الأفضل توسيعها فيما بعد لتشمل كل أرض يمر فيها رافد من روافد النيل . وتخليص الجميع من النفوذ الإستعمارى القديم ، والسرطان الإسرائيلى الجديد .

 

قطاعات إستراتيجية لجهاد أممى شامل :

–  مستقبلا ومع تعمق الإستراتيجية الجهادية ، ربما يسعى المسلمون إلى إنشاء عدة قطاعات إستراتيجية قائمة على مهام متخصصة ، تتكامل فى صنع القوة الإسلامية الشاملة على المسرح العالمى . قد يكون هناك القطاعات التالية :

1 ــ قطاع فى القلب (الجغرافى/ السياسى) للنظام الدولى القادم (الأسيوى/ العالمى) .

ومركز هذا القطاع يتكون من أفغانستان وإيران معا .كقوتين مؤسستين للنظام الأسيوى/ الدولى ، وبعملهما المشترك يتجمع التواجد الإسلامى فى آسيا الوسطى (الجمهوريات الخمس) ، ومعهم لاحقا مسلمى شبه القارة الهندية . لتشيكل ثقل إسلامى إقتصادى وسياسى وثقافى له تأثير عالمى ، بحكم موقعه الجغرافى والسياسى فى مركز النظام الدولى ، وبحكم القِيَمْ الروحية والأخلاقية التى يمثلها الإسلام لجميع البشر ، أيا كانت ديانتهم ومعتقداتهم .

2 ــ قطاع المقدسات ، ويشمل جزيرة العرب (بما فيها اليمن وعمان) والشام الكبير، والعراق. فلسطين هى مركز ذلك القطاع ، نظرا للقيمة القدسية والموقع الجغرافى والمحيط الديموغرافى الكبير ، من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة .

وهذا القطاع يرعى المقدسات ويحميها . ويفعل نفس الشئ بالنسبة للطاقة وممراتها المائية والبرية . وإعادة البحر الأحمر إلى طبيعته التاريخية ، كبحيرة إسلامية داخلية متاحة عالميا للمرور السلمى لغير الأعداء ، وتحت سيادة المسلمين .

3 ــ القطاع الأفريقى ــ ومركزه مصر .

ويشمل النطاق الإفريقى للإسلام ، الممتد من مصر إلى الصومال جنوبا وإلى مراكش غربا .

ومهامه حماية مياه النيل وتعمير سيناء وربطها بريا مع الأرض المصرية بلا حواجز مائية ، وحماية مقدسات فلسطين والجزيرة وإعادة مصر إلى الحياة من جديد ، وربط المغرب العربى كله بفلسطين وبالمشرق العربى والشرق الأفريقى ، بالطرق الجوية والبحرية والبرية.

إضافة إلى دورالمغرب التاريخى كنافذة حضارية وتجارية مع أوروبا ، جنوبها وغربها ، وإتصاله الحضارى والتاريخى مع غرب القارة الأفريقية .

4 ــ قطاع شرق آسيا والمحيط الهادى ـ ومركزه أندونيسيا.

ومهامه دعوية وسياسية فى الأساس ، لتجديد البنيان الفكرى والعقائدى للإسلام ، ثم إشراك مسلمى ذلك القطاع فى القضايا الجهادية للأمة وحمل رسالة الإسلام إلى الشرق الأسيوى الذى مازال يجهل الإسلام ، أو يحمل عنه أفكارا غير واقعية .

5 ــ قطاع شرق المتوسط ، ومركزه إسطنبول .

ومهمتة حماية منابع مياه دجلة والفرات ، وتوزيعها بعدل ، وأسلمتها بالكامل، والتوقف عن بيعها ـ ومواجهة التمدد اليهودى فى الأناضول ـ وتنمية العلاقات الإيجابية مع البلاد الروسية والترابط مع مسلميها وتطوير العلاقات العلمية والتكنولوجية والإقتصادية مع روسيا الإتحادية.

وإعادة التعريف بالإسلام فى شرق أوروبا ، وحماية حقوق المسلمين فى البلقان ، والدفاع عن مصالح تركيا ولبنان وفلسطين ومصر فى الطاقة الغازية الكامنة تحت سطح البحر المتوسط . وحرمان إسرائيل وأمريكا وضباع أوروبا من السيطرة عليها .

وعدم تصدير مياه (دجلة والفرات) إلى إسرائيل ، وقطع التعاون العسكرى والأمنى معها ، وتجهيز المجاهدين الأتراك والأكراد لخوض المعركة الفاصلة لتحرير فلسطين والمسجد الأقصى . وإشراكهم فى تحرير مكة والمدينة ، وتأمين جزيرة العرب عسكريا .

 

العلاقة بين القتال فى فلسطين ، والقتال فى جزيرة العرب ، والقتال فى العمق الإسلامى :

طلقة واحدة فى فلسطين ضد اليهود المحتلين قد تعادل عدة صواريخ تطلق عليهم فى ميادين أخرى . لذا يجب العمل على إستمرار الجهاد المسلح فى فلسطين ( فى الضفة وفى غزة حتى عند توسيعها نحو سيناء).

ومن الواجب فى نفس الوقت فتح المعركة مع يهود الإحتلال على كامل الرقعة الإسلامية ، خاصة فى الميادين المحتدمة حاليا فى أفغانستان واليمن . أو تلك التى قد تندلع فى أى وقت ، فى مناطق الأكراد مثلا ، حيث تعتبر إسرائيل أراضيهم هى مجرد إمتداد لفلسطين المحتلة .

وكما ذكرنا فأى إشتباك مسلح مع الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان ، هو إشتباك لتحرير فلسطين ، وإن كانت خارج النطاق الجغرافى لفلسطين .

فالتواجد الإسرائيلى فى حرب أفغانستان قوى ودائم ولكنه متستر تحت جنسيات مختلفة . فهم مشاركون بقوة فى الجو وعلى الأرض ، وبتشغيل التكنولوجيات العسكرية .

– وفى اليمن اليهود متواجدون أيضا ، مع القوات السعودية والإماراتية ، وضمن مجهود الدعم والإسناد الأمريكى للحرب الخليجية على شعب اليمن . وبالتالى فإن المجهود الإسلامى فى حرب اليمن يطال مباشرة القوة اليهودية المحتلة لفلسطين ، كما يطال التواجد الإستعمارى اليهودى والصليبى فى جزيرة العرب .

– وكما أن يهود الإحتلال يقاتلون من أجل أطماعهم فى أفغانستان واليمن ، فإن على المسلمين واجب القتال إلى جانب إخوانهم فى أى ميدان يقاتل فيه الإسرائيليون أو الأمريكيون .

–  والعمل الجهادى فى شرق أفريقيا خاصة فى الصومال ، أى خاصرة الحبشة ، يعتبر تهديدا للحبشة كقاعدة إسرائيلية عسكرية ، وتهديدا لمشروع إنهاء مصر بنهب نصيبها من ماء النيل. فمشروع (إستعادة مصر من أنياب إسرائيل) وتحريرها من نظام الإحتلال اليهودى بالنيابة ، يعتمد على التضييق العسكرى على الحبشة ، وتهديد مصبات تهريب المياه المصرية عبر موانى سودانية أو صومالية . فالتجارة فى مياه مصر المنهوبة ، ستكون المورد الأعلى من بين جميع التجارات الدولية غير الشرعية ، وعلى رأسها المخدرات .

والسوق الدولى لتلك التجارة سيتمحور حول باب المندب . وهذا واحد من أهم مسببات حرب اليمن . أى تأمين تجارة المياه المنهوبة فى أول تجربة عالمية راح ضحيتها شعب مصر  ودولتة ، ويضيع شعب اليمن ودولته ، من أجل تأمين مصبات تجارة المياه المنهوبة ، فى البحر الأحمر وباب المندب. ( يلاحظ أن دول الخليج هى الممول الرئيسى لبناء سد النهضة ، وهو مشروع إسرائيلى فى الأساس).

لهذا فالجهاد فى شرق أفريقيا والصومال تحديدا ، وتوسعته فى إتجاه الحبشة هو خطوة لإسترداد مصر وفلسطين معاً من أيدى يهود الإحتلال .

 

 

الصليبى .. والداعشى .

يثير الحديث عن الإسلام والجهاد ، حساسية لدى قطاع من غير المسلمين . بل ويثير حساسية عملاء اليهود من بين المسلمين .

وكلمة “صليبى” يعتبرها البعض موجهة ضد المسيحيين ، وذلك إلتباس ناتج عن أحداث دامية عصفت بأكثر من بلد عربى ومسلم .

مع أن علاقة ” الصليبى” بالمسيحية ، تعادل تماما علاقة ” الداعشى” بالإسلام . فالصليبى يمارس الإجرام والتوحش الإستعمارى تحت ستار الدين المسيحى . وفى ذلك تدليس وإفتراء على الدين المسيحى .

وبالمثل فإن”الداعشى” يمارس إعمالا إجرامية تحت ستار الإسلام و(الجهاد فى سبيل الله) وذلك إفتراء وكذب بنفس المقدار الموجود فى الحالة الأولى ـ أى الإجرام الصليبى ـ فالإجرام الداعشى ليس له علاقة بالإسلام ، بل هو إجرام بحت يتم إستخدمه سياسيا من جهات غير إسلامية .

ــ والإجرام الصليبى هو إجرام بحت ، ولا صلة له بالمسيحية ، وتستثمره أنظمة لا تؤمن بالمسيحية كدين ، بل تتخذ منها غطاءً لإرتكاب جريمة (الصليبية) الإستعمارية .

ــ والجهة التى إخترعت الصليبية واستفادت منها ، هى نفسها التى إخترعت الداعشية واستفادت منها . وهى جهة تعادى الإسلام والمسيحية معا .

ــ (الجهاد الإسلامى) هو جهاد فى سبيل الله ، أى فى خدمة الإنسان الذى هو أفضل خلق الله . والظلم محرم على الجميع ، لأن الله حرمه على نفسه . والإجبارعلى إعتناق الدين ممنوع ، فتلك علاقة ضمير بين الإنسان وخالقه الذى منع (الإكراه فى الدين).

ويجب أن تخدم السلطات الإسلامية جميع رعاياها على السواء ، وتؤدى إليهم حقوقهم كاملة ، مجانا وبكل يسر وسرعة . وأى إنحراف أو ظلم هو خروج على مبادئ الإسلام سواء كان ضد مسلم أو أى إنسان آخر غير مسلم .

والسلطة المنحرفة يجب أن يتحداها المسلم باليد أو باللسان ، أو بالقلب فى أضعف الحالات . وإنحراف السلطة لا يتوقف على إنسان دون آخر . فالطغيان يطغى على الجميع ــ مسلمين وغير مسلمين ــ لذا (فالجهاد) من أجل العدالة ومن أجل إستراد الحقوق المغتصبة من مال أو أرض أو حقوق معنوية ، هو جهاد يجب أن يمارسه الجميع . وهو على المسلم فريضة دينية وعلى غير المسلم فريضة إنسانية ، كون الإنسان الذى كرمه الله لا يجوز أن يسمح لأى إنسان آخر أن يظلمه . والجهاد لنصرة المظلوم ـ سواء كان مسلما أو صاحب ديانة آخرى ، أو أنه بدون ديانة ـ هو فريضة يتقرب بها المسلم إلى خالقه. أى أن الجهاد فريضة دينية على المسلم ، وفريضة إنسانية بحكم التكوين البشرى الكريم ، مفروضة على كل إنسان آخر .

حتى أن ظلم الكائنات الأخرى هو عمل يستدعى التصدى له بقدر من القوة الكافية لمنعه. سواء كان المظلوم حيوانا أوطائرا ، أو عناصر طبيعية هى ملكية عامة للبشر أجمعين . (لاحظ مثلا أن إبادة الغابات تؤدى إلى هلاك البشر، لذا فهى ملكية إنسانية عامة يجب الحفاظ عليها ولو بالقوة . وتجب حماية حتى الغلاف الجوى، الذى يحمى كوكب الأرض ، يظلل ويحفظ ما خلق الله على سطحها) .

– عبادة المال وما تقود إليه من حروب ومن إستهلاك مسرف لموارد الأرض ، وتخريب للمناخ يؤدى إلى كوارث ومجاعات وهلاك واسع للكائنات الحية ، هى من أبرز شواهد الإفساد فى الأرض وإهلاك الحرث والنسل . وذلك من أكبر دواعى الجهاد الإسلامى والإنسانى العام ، لمقاومتها واستبدالها بنظام إسلامى لا يحابى جنسا أو فئة من الناس ، ويرى الجميع سواسية بمعيار الحقوق كافة . والتفاضل يكون فقط بالتقوى التى لا يَطَّلِع عليها إلا الله ، وهو الذى يحاسب عليها يوم الحساب.

فالأرض خلقها الله ـ للأنام ـ أى لكل البشر ـ وليس لأصحاب دين معين أو جنس معين . وبالتالى فللجميع حقوق متساوية فى كل خيرات هذه الأرض ، حتى يبقى الإنسان كريماً لا يهينه فقر ، ولا يحتقره أو يستعبده إنسان آخر هو نظير له فى الخلق .

–  فالجهاد بمعناه الأوسع ، يأتى لرفع كافة أنواع ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، ولدرء كافة المخاطر عن البشر . إنه فريضة دينية إسلامية ، وفريضة فطرية لجميع الخلق. ولأنه فريضة دينية على المسلمين ــ يبتغون بها وجه الله فقط بدون إنتظار لعائد شخصى دنيوى ــ فهى عندهم (جهاد فى سبيل الله). وهو شعار إنسانى لمصلحة جميع البشر ، لتجميعهم إنسانيا  ورعاية مصالحهم دنيويا . لهذا فإن الجهاد فى سبيل الله هو شعار إسلامى إنسانى جامع ، تتآلف حوله قلوب البشر المستضعفين الباحثين عن العدل . وليس موجها ضد أى أحد سوى الطواغيت المستبدين . هؤلاء حقا عليهم أن يموتوا رعبا .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




نظرة حول الداخل السوري (الجزء الثاني)

نظرة حول الداخل السوري (الجزء الثاني)

نظرة حول الداخل السوري

(الجزء الثاني)

تستكمل هذه المقالة ما بدأناه بخصوص الملاحظات حول الوضع السوري الذي يشهد تجاذبات حادة وسيناريوهات ممفتوحة على كل الاحتمالات باعتباره ساحة دولية لمختلف أشكال الصراع العسكري والسياسي والامني..فنقول أن الحل العسكري الذي يذهب اليه البعض لا يمكن أن يكون لصالح قوى المعارضة، خصوصا بعد الانهيارات الأخيرة ورجحان الكفة لصالح النظام السوري بسبب اصرار الحكومة الروسية على تقديم كل الدعم له. ناهيك ما يمكن أن يترتب على ذلك من حصد ارواح المسلمين أطفالا ونساء وشيوخا…وحتى لو افترضنا ان المعارضة ستحسم عسكريا فذلك لن يحصد ثماره الا القوى الداعمة لها( الخليج- اسرائيل) ولا يمكن للمعارضة أن تستقل برأيها بعيدا عن داعميها….

 

أما ان قوات النظام لن تدخل الى الشمال فهذا غير صحيح والا ما الذي دفع تركيا لاتخاذ جملة من المبادرات لمنع أي عمل عسكري يفضي بالمنطقة الى كارثة انسانية تتحمل تركيا تبعاتها الاكبر…الى حين تستكمل تركيا اجراءاتها بخصوص الوصول للحل السياسي باعتباره اخف الضررين…. هناك من يرى أن الروس سيعملون على تحريك الفصائل ضد بعضها البعض فهذا للاسف لا يحتاج الى روسيا فالفصائل تقاتلت مع بعضها البعض منذ البداية وقبل مجيء الروس!!! مما كان من معاول الهدم في جسدها.

 

منذ البداية لم يكن للمعارضة والجماعات المقاتلة خطة ورؤية عسكرية تفضي بها للحسم..فقد كانت العشوائية والغوغائية هي السائدة مما تسبب في قتل الكثير من الشباب بسبب انعدام التوجيهات الصحيحة، ناهيك عن العوامل الخارجية  التي تتدخل لتوجيه دفة الحرب واختيار مناطق المعارك لاطالة أمد الصراع ربما…مما انعكس اثره على حياة المسلمين قتلا وتشريدا وتهجيرا…ناهيك عن ما أحدتثه الجماعات الايديولوجية من تمزقات وانقسامات داخلية اضعفت من خلالها المردود الثوري، بل وجهت بنادقها ضد اصدقائها ومن يحملون نفس شعاراتها!!!!…

 

من المغالطات في نظري تصريح البعض بوجود تحالف بين اسرائيل وايران، وأن اسرائيل تمنع وتحرص من انهيار النظام السوري لكن الملاحظ خلاف ذلك حيث قامت اسرائيل مرارا بقصف المطارات العسكرية وأماكن السلاح وغيرها، كما قام النظام بعد ذلك باسقاط طائرة حربية اسرائيلية قتل خلالها طيارين، وكون الاخير وايران ضمن ما يعرف لمحور المقاومة(حلف عدائي) يمنع من تصور وجود هذا التحالف الذي تخرج بالتصريح به كثير من الجهات… لا احلاف التطبيع التي تدعم الجماعات المقاتلة والمعارضة عموما!!!

 

منذ البداية ودور المعارضة المعارضة السياسية هامشي بل وتابع لداعميها(الخليج مما يعني أمريكا) فكيف ستضع وننجز هذه المعارضة حلولا تتماشى مع مصالح الشعب الذي للأسف لا يتمتع بوعي كاف على المستوى الاستراتيجي وبناء التحالفات…مما جعله عرضة للمتاجرة بقضيته واستدراجه الى مواقف تعود عليه بالضرر والخسارة…ومتى كان الشعب ذا اولوية لذا المعارضة والفصائل!!!!!

 

بقلم:  أنور أديب

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




سياسة الأرض المحروقة

سياسة الأرض المحروقة و إبادة المدن

سياسة الأرض المحروقة و إبادة المدن

 

سؤال من سوريا الي ابوالوليد المصري:

– إغيثونا ما هو الحل لسياسة الأرض المحروقة ، و إبادة المدن بالكامل ؟؟.

 

الجواب :

– سياسة الأرض المحروقة ، هى حرمان العدو  من الإستفادة من إمكانات أرض يحتلها ــــــ أومن الممكن أن يحتلها ـــــ سواء فى توفير الطعام أو المسكن أو حتى القوة البشرية .

فيجد العدو أرضا خالية لا تفيده كثيرا ، بل تحتاج منه إلى مجهود كبير لإعادة إحيائها للإستفادة منها . وذلك أمر صعب جدا وقت الحرب .

إتبع الروس تلك السياسة ضد غزو نابليون ثم هتلر ، ونجحوا فى الحالتين نجاحاً كبيرا ، غير من مسار الحرب فى روسيا و أوروبا و العالم .

فى حروب العصابات من مصلحة العدو أن يتبع نفس السياسة لحرمان رجال المقاومة من الإسناد الشعبى ، فيعمد إلى تهجير السكان قصرا بالقتل والقصف والتهديد . حتى فى الأماكن التى تسيطر عليها المقاومة فى عمق الجبال ، يستهدف طيران العدو  تدمير القرى الجبلية الصغيرة . و مضارب البدو وقطعان الماشية ـ حدث ذلك فى أفغانستان أيام السوفييت. فعند حدوث عملية كان العدو يقصف جوا نطاقا عميقا حول مكان العملية ، فتطال قرى فى الجبال حتى أن الكثير منها أصبح خاليا تماما .

فى المدن يعتمد المجاهدون على العمليات النوعية ـ صغيرة وكبيرة ـ ويعتمد العدو على المجهود الإستخبارى والمجموعات الضاربة المدربة وقوات الشرطة العادية .

فللمدن وضع حساس جدا عند الطرفين فى حرب العصابات وحتى فى الحرب التقليدية. ولكن الحسابات فى حروب العصابات تختلف . فقوة الإحتلال تبدأ من المدن زحفا صوب مناطق المجاهدين فى الأماكن الوعرة (الجبال ـ المستنقعات ـ الصحارى ..) والعكس تماما عند المجاهدين فهم يبدأون من المناطق الوعرة وتنتهى حربهم بالنصر عند المدن (الصغيرة فالكبيرة ) وصولا إلى العاصمة التى عندها يصبح نصرهم تاما ـ ليبدأوا مرحلة جديدة مختلفة وأكثر صعوبة هى مرحلة إعادة بناء الدولة و إنشاء نظامهم الجديد

يبدأ المجاهدون فى إقتحام المدن بعد أن تكتمل سيطرتهم على الأرياف أو الجزء الأكبر منها ، ومن قبلها تحرير الجبال ، ثم يبدأون فى قص أجنحة المدن من الأطواق الخارجية ، وقطع الطرق المؤدية إليها ، وكذلك وسائل النقل الجوى بإستهداف المطارات . ثم بناء مجموعات سرية داخل المدن تحت السيطرة ، بحيث تنشط عند طلب المجاهدين وحسب توجيهات محددة بنوع العمليات وربما توقيتها أيضا . فالعمل فى المدن يتميز بالإنضباط الصارم ، أكثر بكثير من الحال فى قتال الجبال والأرياف .

عند وصول المجاهدين إلى مرحلة الهجوم على المدن ، يكون الجيش الحكومى قد وصل إلى درجة من الإنهاك بحيث تقل عملياته الهجومية ، ويلجأ إلى الدفاع الثابت فى معظم الأحوال ، وتصبح حملاته الكبرى نادرة وفاشلة ومعنويات الجيش منخفضة للغاية .

حتى سلاح الطيران الذى تزيد أعباءه إلى درجة كبيرة نتيجة لإعتماد القوات الحكومية عليه بشكل متزايد لحمايتها حتى فى مواقعها الثابتة التى تتعرض لهجمات ، يصبح ذلك السلاح متعبا وأقل نشاطا وأضعف تركيزا .

– عند فتح مدينة خوست فى 1991 كان الطيران نشطا بجنون لمدة 3 أسابيع هى مدة المعركة . وبعد إقتحام المجاهدين للمدينة لم يظهر نشاطا يذكر . ولم يقصف المدينة مكتفيا بغارات قليلة جدا على أطرافها ـ وعموما كانت المدينة شبه خالية من السكان .

وليس بها إلا المجاهدون الموزعون فى مساحة كبيرة داخلها مع حراسات وطوق أمنى واسع جدا وتحت السيطرة منذ زمن طويل ، لأن المدينة كانت محاصرة بريا منذ سنوات .

بسقوط خوست سقطت (النظرية الأمنية للنظام ) وهى فى الواقع نظرية أمن كل مستعمر يعتبر المدن ورقته الأساسية فى البقاء وفى مساومة المجاهدين عند مفاوضات النهاية . حتى أن الرئيس الأفغانى وقتها (نجيب الله) قال قبل المعركة متحديا : ” إذا سقطت خوست فسوف أستقيل وأترك منصبى” ولكنه لم يفعل . فلا أحد من حكامنا يترك منصبه طوعا إلا  وهو جثه هامدة . وهكذا بقى نجيب حتى بعد سقوط كابل ، محتميا بالأمم المتحدة ، إلى أن إستولت حركة طالبان على الحكم ، وعلقته على أحد أعمدة الإضاءة فى العاصمة كابل .

–  أى محاولة لإقتحام المدن قبل بلوغ العدو مرحلة الإنهاك ، تكون محكومة بالفشل الدامى . وحدث ذلك فى أفغانستان وقت السوفييت .

–  وجهاد أفغانستان حاليا ملىئ بالدروس فى جميع النواحى ، حتى أن النظريات التقليدية لحرب العصابات نالتها تغييرات هامة .

فلم يسبق فى التاريخ مثل تلك المواجهة فى ظل تقدم خيالى فى إمكانات التسليح لدى العدو ، مع وجود الحركة الجهادية فى حصار شبه تام من الجوار ومن العالم ، وعدم مبالاه إسلامية . وتخلف هائل فى التسليح مقارنة بما لدى العدو  من قدرات .

حرب المدن حاليا فى أفغانستان جديرة بالدراسة . وقد خاضوا عدة عمليات إقتحام لم تنجح ، ليس بسبب قوة جيش العدو( فهى لا شئ أمام معنويات المجاهدين . وحتى قوات المستعمر البرية كذلك) . ولكن طيران العدو له قدرات خيالية ، خاصة وأنه غير محدود العدد  و قواعده كثيرة داخل أفغانستان وحولها ، خاصة فى الخليج (العربى!!) من قطر والسعودية والإمارات .

فما هو الحل ؟؟ .. ذلك هو السؤال المعضل . ولكن يبدو وكأن حلاً  ظهر فى أفغانستان لمشكلة إقتحام المدن وتحريرها . وتجربة غزنى الدائرة منذ العاشرة من شهر أغسطس الحالى . وحتى لحظتنا الحالية (15 أغسطس) ، لم يهاجم الطيران بنفس الوحشية التى تعودها فى أفغانستان . وكما فعل مثلا عند تحرير مدينة قندز فى الشمال . ومدينة فراه فى الغرب ، و مدينة لشكر جاه عاصمة هلمند .

السؤال الذى هو موضع التخمين هو .. لماذا ؟؟ . على أى حال ما حدث فى غزنى حتى الآن ملئ بالدروس الهامة . لقد إقتحمتها حركة طالبان فى غضون يومين فقط (!!) وما تبقى من أيام كان لتطهير مناطق محاصرة داخل المدينة ولجمع الغنائم والأسرى . وهذا وقت قياسى ومذهل بالنسبة لمدينة كبيرة وهامة وأساسية مثل غزنى ، بما يدل على حالة ضعف غير عادية فى جيش النظام وفى قوات الإحتلال الأمريكى .

والطيران إكتفى حتى اللحظة بقصف منطقة تتجمع فيها دكاكين متواضعة الحال فأحرقها تماما . فكان رد حركة طالبان أن سمحت للتجار بتعويض خسائرهم من ممتلكات الحكومة فى المدينة . فانطلقوا لتحصيل حقوقهم بأيديهم ، ليكون التجار وسكان المدينة فى صف المجاهدين قلبا وقالباً .

ويبقى السؤال : لماذا لم يدمر الطيران الأمريكى المدينة حتى الآن ، وكما جرت عادته فى أفغانستان ؟؟ .

 لا جواب قاطع حتى الآن سوى الإفتراض بوجود عناصر هامة جدا ، أمريكية أو إسرائيلية ضمن المحاصرين فى المدينة ، جارى البحث عنهم ، أو تم بالفعل القبض عليهم والتحفظ عليهم سرا ، مع  البحث عن أسباب أخرى تجيب على هذا السؤال .. لماذا ؟؟ .

تسأل عن إبادة المدن بالكامل .

بالنسبة لأوضاع حروب العصابات ، فإن ما سبق يكفى للإجابة . ولكن أظنك تعنى ما حدث فى سوريا . وهذا أيضا سبق الحديث عنه فى نقاشات على هذا الموقع . ونكرر  مرة أخرى أن المجموعات التى قاتلت فى سوريا ، لم تتخذ بنفسها قرار الحرب . كما أنها لم ترسم استراتيجية الحرب . ولكن القرار والاستراتيجية جاءت من دول الخليج ، مع سيل الإفتاءات التحريضية والتعبئة الإعلامية المضللة التى جذبت الشباب وحمستهم .

المال توفر بغزارة ( وهذا واحد من أسباب الإنحراف)   وكذلك الأسلحة الحديثة والوفيرة (مسبب آخر للإنحراف ) .

–  الاستراتيجية العسكرية فى سوريا كانت الإستيلاء على المدن من الداخل .كانت وصفة خراب لسوريا الوطن ، ودمار لسوريا الشعب ، وإلغاء لدور سوريا المستقبلى فى شئون المنطقة بعد تحويلها إلى مجموعة دول طائفية ( منها دول لأهل السنة والجماعة !!) .

وتتسيد إسرائيل على جميع سوريا المجزأة ، وأيضا العراق العليل بالطائفية والفساد والإحتلال والتقسيم . وهكذا كل ميدان تزوره سلفيتنا الجهادية التى فقدت زمام السيطرة على نفسها وعلى قرارها ، ولا تمتلك من زمام المعارك سوى الحماس والدم . ولكن لا تخطيط ، ولا معرفة ، ولا دراية بشئون العالم .

–  الإستيلاء على المدن من الداخل ، تستدعى كرد فعل تلقائى من أى نظام حكم متماسك قليلا ، أن يقصف المدن برا  وجوا وحتى بحرا إن أمكن .

فمن الخطأ أن نتوقع رد فعل غير ذلك من أى نظام حكم أيا كان نوعه . لأن أهم واجبات نظام الحكم هى الحفاظ على الأمن والإستقرار الداخلى ، واستتاب الأمور للنظام القائم .

فإذا إستولينا على المدن فى بداية الحرب، والنطام مازال بكامل قوته أو فى معظم قوته . وجيشه يعمل بكفاءة ولم يتم إستنزافه بعد ، فليس لنا أن نبكى ونشهر بالنظام لأنه حول المدن إلى مقابر جماعية .

اللوم الأساسى على من وضع مثل هذه الاستراتيجيه الغبية للحرب .  لا أحد له مصلحة فى دمار سوريا بهذا الشكل إلا إسرائيل . لذا فهى المخطط الأول للحرب علىى سوريا بهذا الشكل الذى تم بالفعل ـ

من المعيب للتيار الجهادى السلفى أن يواصل الإستمرار فى حرب غبية ومجدبة إلى هذه الدرجة . فإذا كان الشروع فى تلك الحرب وبتلك المواصفات جريمة كبرى ، فإن الإستمرار فيها حتى النهاية هو خيانة عظمى .

التيار الجهادى العربى يجب أن يحرر نفسه أولا من الأيدلوجية الوهابية وما تفرضه من جهالة فى كل ما يتعلق بالجهاد من معارف ونشاطات .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




خفايا الحرب الأمنية لاختراق الدول والنشاطات الحركية

خفايا الحرب الأمنية لاختراق الدول والنشاطات الحركية

خفايا الحرب الأمنية لاختراق الدول والنشاطات الحركية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين

وبعد

خفايا الحرب الأمنية لاختراق الدول والنشاطات الحركية، لحرفها عن أهدافها واستنزافها، وكيفية تجاوز ذلك

توطئة

تُعتبر الحرب الأمنية والتي هي حرب العقول والأعصاب من أعقد الحروب وأدقها والتي تحتاج لمعرفة تفاصيل أفكار وتجمعات واجتماعيات وأهداف.. إلخ العدو ومراكز قوته وضعفه حتى يتسنى اختراقه بأدق طريقة وأسهلها وأقلها خطورة وفي المكان والوقت المناسبين.

والاختراق يكون لهدف معرفة معلومات أو لحرف المُستَهدَف عن هدفه أو لزرع الضغينة والأحقاد وإشعال الفتن والمشاكل داخل الدولة أو الجماعة أو لحرف أفكار المُستَهدَف وغير ذلك.

يعتمد النجاح الكبير وكسب هذه المعركة على القيادة الحكيمة والتنسيق الدقيق بين مكونات الدولة أو الجماعة.

تعتبر الوحدة الإسلامية هي الركيزة الأساسية لقوة المسلمين وسبب انتصاراتهم ولذا لاحظنا على مدار التاريخ كلما توحد المسلمون انتصروا وسادوا وكلما تفرقوا انهزموا وتراجعوا، ولذلك عمد أعداء الأمة ودينها إلى البحث عن نقاط الخلاف بين جماعات الأمة وعلمائها والتركيز عليها وتعزيزها بل وقاموا باستخدام بعضًا من المحسوبين على الأمة من المثقفين أو الشيوخ وقاموا بدعمهم ماديًا وإعلاميًا لكي يوطدوا تلك الخلافات ويزيدوا فجوتها، ومن المؤسف أن كثيرًا من أبناء الأمة انخدعوا بهم وتجاوبوا معهم و انجروا وراءهم وروجوا لهم بالمجان، فنصروا الباطل على الحق والأعداء على الأهل والأصدقاء وهم يعلمون أو لا يعلمون. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

سأذكر هنا بعون الله بعضًا من أساليب أعداء الأمة لاختراقها، وآثار ذلك وعلاجه.

 

– استغلال الخلافات والثارات القديمة والنعرات القومية والحزبية الضيقة:

وهذا الأسلوب الخبيث في الاختراق الفكري أو الميداني هو أسلوب قديم متجدد قد يكون على مستوى قيادة الدولة أو أفراد أو جماعات منها.

حديثي هنا عن الاختراق من خلال أفراد لضرب المجموع تدريجيًا، وهذا ما نجح بفعله أعداء الأمة الإسلامية كثيرًا للأسف..

حيث يقومون بإثارة الفتن وتأجيج النفوس بين أفراد لهم عصبة وقوة داخل الدولة أو الجماعة حتى يقتتلوا فيما بينهم ومن ثَم ينتقل القتال إلى عصبتهم وقوتهم حتى يعم أجزاء كبيرة داخل الدولة أو الجماعة مما سيؤدي لإضعافها وتشرذمها تدريجيًا.

 ولقد حدث هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حين قام اليهودي شأس بن قيس بإثارة النعرات القومية ومشاكل الماضي وثاراته حين أراد أن يوقع بين الأوس والخزرج بعد دخولهم في الإسلام، فلقد: “مر يومًا وكان شيخًا قد عمى عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه –حديث الأخوّة والصفاء والصدق والحب- فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة –بنو قيلة هو اسم يشمل الأوس والخزرج معًا عندما يجتمعون-بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع مَلؤهم بها من قرار، فأمر شابًا من يهود كان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث وما كان فيه وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان –يوم بعاث-يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس وكان عليها يومئذ حضير أبو أسيد بن حضير وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي فقُتِلا جميعًا . ففعل الشاب ما أمره به شأس-وحرّش بينهم- فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب وهما أوس بن قيظي وجبار بن صخر، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه إن شئتم رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعًا وقالوا قد فعلنا موعدكم الظاهرة وهي الحرة السلاح السلاح . فخرجوا إليها وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم !!؟ بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألَّف به بينكم، فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين وقد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيس”.

قلت: لقد نجح شأس بن قيس هذا اليهودي الخبيث في اختراق صفوف المسلمين واستطاع أن يحدث بين المسلمين حدثًا جللًا بسبب اختراقه لصفوفهم والتأثير على مشاعرهم واستفزازهم وتحريك نار العداوة بينهم حتى كادوا أن يهلكوا لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل حين علم بذلك وأصلح بينهم، وكان ذلك في اللحظات الأخيرة من وقوع كارثة كانت ستضرب المسلمين ضربة معنوية ومادية وبشرية، ضربة قاصمة وفي مقتل .

وهذه الطريقة هي نفسها لازال يستخدمها أعداء الأمة للتحريش بين المسلمين لتفريق صفهم وإضعاف قوتهم ليسهل عليهم السيطرة عليهم واستعبادهم ونهب ثرواتهم، وإن من أكبر ما يساعد أعداء الأمة في التحريش بين المسلمين وتفريق صفهم وتشتيت جهودهم هو التعصب الحزبي أو المذهبي والتمترس خلف القناعة القائلة أنا الصواب وغيري خطأ والتعصب للرجال لدرجة ربما تصل التقديس أحيانًا، كل هذا يمنع قبول الآخرين من المسلمين ممن يختلفون فكريًا مع بعضهم اختلافًا صائغًا يمكن احتواؤه بالاتفاق على الأهداف الكبيرة ورص الصفوف حول كلمة الحق التي أوصى بها الله تعالى ومن هذه الأهداف الكبيرة هو نصرة الأمة وقضاياها والعمل على تحريرها من الطغاة والغزاة، ولذا يجب أن تنتقل الأمة من الانتصار للحزب أو المذهب إلى الانتصار للحق وقضايا الأمة الكبيرة، مع الإقرار بأن الكل منها يصيب ويخطئ وأن خيرها من يتقدم الصفوف لنصرتها بالمال والنفس والكلمة، لا المجادل الباحث عن منبع الخلافات وأصلها الذي تجده في كل موطن جدال أو فتنة وقلما تجده أو ربما لا تجده أصلًا في أي موطن قوة ونزال لينصر دينه وأمته، فإن هذه الشاكلات وتلك العقليات هي اللبنة الأولى والخاصرة الأضعف التي يدخل منها الأعداء لضرب الأمة من داخلها والتحريش بين أبنائها. والله ولي التوفيق.

 

– استغلال صدق القيادة أو حماسة الشباب أو تهور بعضهم لاستدراج الكل لمعارك جانبية تشتتهم عن أصل أهدافهم، ولإشغال الدولة  أو الجماعة عن أهدافها الأساسية لاستنزافها وإضعافها لتسهل هزيمتها، ولقد حدث هذا كثيرًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر هنا بعض الأحداث كسرية الرجيع والتي حدثت مطلع شهر صفر عام 4هجري.

توطئة: قدَّر الله تعالى أن تكون قريش قبلة للمسلمين من جهة وللكافرين من جهة أخرى، ولقد قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ”، حيث كان القرشيون في الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله وأهل حج بيت الله وكان العرب ينظرون إليهم بعين الاحترام والتقدير والإجلال، لذا كان لرأيهم وقولهم وفعلهم وقع قوي في نفوس العرب، وكان العرب يسمعون لقولهم ويقتفون أثرهم في الحب والبغض.

لفتة: عن معاوية أنه سأل ابن عباس: بم سميت قريش؟ قال: بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، تعلو ولا تُعلى، قال الرازي: “ومعلوم أن قريشًا موصوفون بهذه الصفات؛ لأنها تلي أمر الأمة”.

لاشك أن قريشًا كانت تمثل رأس العداء للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كانت تستخدم بعض القبائل بطرق مباشرة وغير مباشرة للتحرش بالمسلمين والتشغيب عليهم لاستنزافهم وإقحامهم في حروب وصراعات جانبية حتى تشغلهم عن نفسها وتستنزفهم لكي يسهل عليها الانقضاض عليهم وتوجيه ضربة موجعة قاصمة لهم، وهذا واضح في كثير من المناوشات والتحرشات التي طالت المسلمين.

حيث أن قريشًا كانت تستغل مكانتها بين القبائل وفي نفوس أبنائها –القبائل-لتنفيذ ذلك.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينخدع بذلك ولم يكن يتجاوب لاستفزازاتهم أو يجاريهم بل كان ثابتًا على دعوته متمسكًا بالعمل المرحلي و الطريقة العملية التي خطها لتبليغ رسالته، أما تلك الاستدراجات و الاستفزازات التي كانت تقوم بها عصابات قريش من القبائل الأخرى فلقد كان يواجهها النبي عليه الصلاة والسلام بالسرايا والعمليات الخاطفة والاغتيال والدعاء كل بحسب ما يناسبه.

ففي الحادثة المؤسفة والمعروفة بسرية الرجيع حاولت قريش استدراج النبي عليه الصلاة والسلام إلى معركة جانبية من خلال هذيل حيث كانت القبائل تحب ما تحبه قريش وتفعل ما تفعله قريش ولأن قريشًا كانت تناصب النبي عليه السلام العداء فلقد كانت القبائل تناصبه العداء أيضًا، ولذا كانت القبائل تعتبر أن الموافقة على استدراج النبي وأصحابه وقتالهم وقتلهم أمر مشروع ومقبول بل ومفخرة وشهامة.

ومن هذه القناعة وهذا الفهم العام بادر بنو لحيان وهم أحد أحياء هذيل بادروا لمهاجمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين كانوا في مهمة كلفهم بها رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ومن الأدلة أن قريشًا هي التي كانت تقف خلف هذه المؤامرات والخيانات أن بني لحيان كانوا على تواصل مباشر ومستمر معها للتنسيق واطلاعها على آخر المستجدات كما أنها هي التي أنهت الحادثة بالطريقة التي ارتأتها، حتى أنها طلبت دليلًا حسيًا ومرئيًا لتتأكد من مقتل الصحابي الجليل عاصم رحمه الله، كما في الحديث، “..وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ قَتَلَ رجلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ”. ومعلوم أن هذا الطلب لا يكون إلّا من القيادة أو المتنفذ الأول أو المعني بالأمر مباشرة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَهْوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لَحِيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلاً نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَلَمَّا انْتَهَى عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ، وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، فَقَالُوا: لَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلاً، فَقَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ، وَبَقِيَ خُبَيْبٌ وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، فَلَمَّا أَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، نَزَلُوا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ اسْتَعَارَ مُوسَى مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ أَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ قَالَتْ: فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي وَفِي يَدِهِ الْمُوسَى، فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَاكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعالَى، وَكَانَتْ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا كَانَ إِلاَّ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ، فَخَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: لَوْلاَ أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ الْمَوْتِ لَزِدْتُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ثُمَّ قَالَ:

مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَىْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَىْءٍ”.

لا شك أن ما أصاب الصحابة في تلك الخيانة والتي أدت لهذه المقتلة الغادرة بحقهم هو حدث عظيم أليم، ومأساة كبيرة أحزنت كل من عايشها من المسلمين وزالت تُحزن كل مسلم سمع بها أو قرأ عنها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وبالرغم من عظيم حزنه على صحابته إلّا أنه لم يقم بأي ردة فعل عسكرية تجاههم لأنه كان يعلم أن هذا ما تريده قريش لكي تدخله في معارك جانبية لكي تستنزفه و تشغله عن نفسها لتنقض عليه في فرصة مناسبة يكون قد شتت جنوده وأضعف قوته وتكون هي قد عظمة قوتها ومكّنت حلفاءها، ثم توجه له ضربة قاسية قاصمة، ولكنه صلى الله عليه وسلم بقي ثابتًا صابرًا لا يتجاوز خطوة إلّا وقد أنهى التي قبلها وتممها على أحسن حال وقد أينعت ثمارها وآتت أكلها، هذا هو الفرق بين سياسته صلى الله عليه وسلم في التعامل مع أعدائه و بين سياسة الحركات الإسلامية المعاصرة والتي كثيرًا ما تندفع لردّات الفعل أو الاستجابة لضغوطات الشباب المطالبة بضرورة الرد وسرعته، فيتم استدراجها ومن ثم ادخالها في معارك جانبية لم تكن جاهزة لها أو ربما لم تكن في حسبانها بتاتًا وكانت تؤجلها لعدة مراحل لاحقة، وربما اندفاع الحركة للرد يكون بأوامر من القيادة ولا فرق هنا بين أوامر القيادة بشكل رسمي وبين استجابتها لضغوط الشباب ففي كلا الحالتين فإن النتيجة واحدة وهي الاستدراج والاستنزاف والدخول في معارك جانبية.

لقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه ذلك الأذى والاستفزاز ولكنهم في النهاية تمكنوا من الانتصار على الجميع وفي فترة وجيزة وأقاموا دولة الإسلام دولة العز والسلام.

وهذا درس يجب أن يتعلمه كل مجاهد في سبيل الله وأن يلتزم برنامجًا عامليًا مناسبًا لحجمه وقوته وواقعه وألّا يستجيب لضغوطات الواقع واستفزازات الأعداء وأن يواصل المسير بخطى ثابتة حتى يكون النصر على يديه أو يكون هو أحد أهم عوامل النصر التي عبدّت الجسور.

فالعمل من خلال رؤية واضحة وخطط مدروسة والتركيز على الأهداف الأساس والعدو المركزي هو الأصل لبلوغ المرام وتحقيق المنشود، أما الانفعال مع الأحداث بصورة اندفاعية وعدم مراعاة الخطط المرسومة والأهداف الأساسية، فإنه يحرق المراحل ويهدم الجسور ويشتت الجهود ويستنزف الطاقات والقدرات.

-فاجعة بئر معونة وحكمة النبي صلى الله عليه وسلم:

ثم وبعد حادثة الرجيع المؤسفة بأيام حصلت فاجعة بئر معونة والتي استشهد فيها سبعون من الصحابة والتي تعتبر من أكثر المآسي التي آلمت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأحزنتهم؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “أَنَّ رِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيَانَ، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدُوٍّ، فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمْ القُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ، وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيَانَ» قَالَ أَنَسٌ: ” فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ: بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا”. لكن وبالرغم من أنهم مرتدون قد أظهروا الإسلام ثم انقلبوا عليه وعلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحقوا المحاربة والقتل على ردتهم عن دين الله تعالى كما استحقوا القتل بسبب فعلتهم هذه، ولكن وبالرغم من هذه الغدرة الخبيثة الإجرامية إلّا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندفع للقيام ردة فعل ولم يقل لابد أن نغزوهم و نريهم بأسنا وقوتنا وسنطاردهم ..إلخ، بل التزم الهدوء الميداني ولم يتحرك عسكريًا واكتفى بالدعاء عليهم حتى إنه مكث شهرًا وهو يدعو عليهم في صلاته وذلك لشدة الألم الذي ألمَّ به بسبب الغدرة التي أصابت أصحابه بمقتل.

ولم يستجب لاستدراجهم أو ينخدع باستفزازهم وبقي مصممًا على الدرب الذي خطه للوصول إلى هدفه. ولذا ليس من الصواب الاندفاع والتهور والتعامل مع العدو من منطلق ردّات فعل غالبًا هو يستدرجنا إليها لأهداف خبيثة يكون قد رسمها وخطط إليها وللتعامل معها والاستفادة منها. فيجب الحذر والتأني وفهم الأحداث وتطورات من جميع الجوانب خصوصًا تلك التي تحدث فجأة وبصورة استفزازية، ويجب عدم الاندفاع والاستجابة لتهورات الشباب المتحمسين وإن كانوا صادقين مخلصين فإن الصدق والإخلاص لا يكفيان ما لم تقودهما الحكمة والحنكة ويرعاهما التأني والتريث ودراسة الواقع وملابساته والحدث وتداعياته وكيفية التعامل المناسب معه، وليس بالضرورة أن تكون الردود عسكرية دومًا بل لكل حدث حديث ولكل واقع ما يناسبه من التعامل وليكن في الحسبان أن لكل زمن حكماؤه الذين يحسنون التعامل مع مستجداته وطوارئه. والله الموفق.

– اغتيال سفيان بن خالد بن نبيح :

ولقد قرأنا في السيرة العطرة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كيف تعامل مع الكافر المجرم سفيان بن خالد بن نبيح حين كان يؤلب القبائل ويعمل على رص صفوفها ليغزو النبي صلى الله عليه وسلم حيث عاجله النبي عليه الصلاة والسلام وبادر باغتياله قبل أن تنتشر فكرته وتقوى شوكته وتنجح فكرته، فلقد أرسل إليه عبدالله بن أنيس رضي الله عنه ليقتله. لأن خالد هنا هو رأس الحربة وهو المحرك للمؤامرة فمتى تم التخلص منه فلقد انتهت المؤامرة وفشلت وتفرق الجمع وزال الخطر. وبالفعل فلقد قتله الصحابي الجليل عبد الله بين أنيس وقطع الله بذلك دابرته وأنهى مؤامرته.

ومن هنا نتعلم أنه ليس بالضرورة مواجهة العدو بجيشه وعدته وعتاده بل المطلوب النظر لأقل المخاطر والخطوات التي تؤدي لأقل الخسائر مع تحصيل النتائج المرجوة وتحقيق الأهداف المطلوبة.

قال عبدالله بن أنيس رضي الله تعالى عنه: دعاني رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: “إنَّه بلغني أنَّ سفيان بن خالد بن نبيح يَجمع لي الناس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعرنة، فأْتِه فاقتله”.

فقلتُ: يا رسول الله، صفْه لي حتَّى أعرفَه، فقال: “آية ما بيْنك وبيْنه أنَّك إذا رأيتَه هِبْتَه وفرقتَ منْه، ووجدت له قشعريرة وذكرت الشَّيطان”.

قال عبدالله: وكنتُ لا أهاب الرّجال، فقلت: يا رسولَ الله، ما فرقت من شيء قطّ.

فقال: “بلى، آية ما بيْنك وبينه ذلك؛ أن تجِد له قشعْريرة إذا رأيتَه”.

قال: واستأذنتُ رسولَ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم أن أقول، فقال: “قُل ما بدا لك”.

وقال: “انتسِب لخُزاعة”.

فأخذت سيْفي ولم أزِد عليه، وخرجتُ أعْتزي لخزاعة حتَّى إذا كنتُ ببطن عرنة لقيتُه يَمشي ووراءه الأحابيش.

فلمَّا رأيتُه هِبْته وعرفتُه بالنَّعت الَّذي نعت لي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

فقلت: صدق الله ورسوله، وقد دخل وقْت العصر حين رأيتُه، فصلَّيتُ وأنا أمْشي أومئ برأسي إيماء.

فلمَّا دنوتُ منْه قال: مَنِ الرَّجُل؟

فقلتُ: رجُلٌ من خزاعة، سمعتُ بِجمعك لمحمَّد فجئتك لأكون معك عليْه.

قال: أجل، إنّي لفي الجمع له.

فمشيْتُ معه وحدَّثتُه، فاستحلى حديثي وأنشدته، وقلت: عجبًا لِما أحدث محمَّد من هذا الدِّين المحدث، فارق الآباء وسفَّه أحلامهم!

قال: لَم ألْق أحدًا يُشبهُني ولا يحسن قتاله.

وهو يتوكَّأ على عصا يهدّ الأرض، حتَّى انتهى إلى خبائه وتفرَّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به.

فقال: هلُمَّ يا أخا خزاعة، فدنوت منه.

فقال: اجلس، فجلستُ معه، حتَّى إذا هدأ النَّاس ونام اغتررتُه.

وفي أكثر الرّوايات أنَّه قال: “فمشيْتُ معه حتَّى إذا أمكنَني حملْتُ عليْه السَّيف فقتلته، وأخذتُ رأسه، ثمَّ أقبلتُ فصعدت جبلاً فدخلت غارًا، وأقبل الطَّلَب من الخيل والرّجال تَمعج في كلّ وجْه، وأنا مكْتمِن في الغار، وضربتِ العنكبوت على الغار.

وأقبل رجُل معه إداوته ونعله في يدِه، وكنت خائفًا.

فوضع إداوته ونعله وجلس يبول قريبًا من فم الغار، ثمَّ قال لأصحابِه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت إلى الإداوة فشربْت ما فيها وأخذت النَّعلَين فلبسْتُهما.

فكنتُ أسير اللَّيل وأكمن النَّهار حتَّى جئت المدينة، فوجدت رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في المسجد، فلمَّا رآني قال: “أفْلح الوجه”.

فقلت: وأفلح وجْهُك يا رسول الله.

فوضعت الرَّأس بين يديه وأخبرتُه خبري، فدفع إليَّ عصا وقال: “تخصَّر بها في الجنَّة فإنَّ المتخصِّرين في الجنَّة قليل”.

فكانت العصا عند عبدالله بن أُنيس حتى إذا حضرته الوفاة أوْصى أهلَه أن يدرجوا العصا في أكفانِه، ففعلوا ذلك”. أ . هـ

نستفيد من هذه العملية البطولية أمور كثيرة منها:

1-ضرورة متابعة أخبار الأعداء وخططهم وتطوراتهم الميدانية لمعرفة الذي يفكرون بفعله ضدنا وللاطلاع على خبايا مكرهم والتعامل معه أولًا بأول كل بحسب ما يناسبه.

2- اختيار الرجل المناسب من جميع الجوانب لتنفيذ المهمة. فقوّة التحمل لوحدها لا تكفي والشجاعة لوحدها لا تكفي بل لابد من الرجل الذي يمتاز بالشجاعة وقوة التحمل والصبر والتأني والتفاعل مع التغيرات الميدانية والذي يستطيع تقدير الأمور وأخذ القرار المناسب بكل عزيمة وإصرار دون تردد.

3- أهمية معرفة تفاصيل الهدف المطلوب والاطلاع على تفاصيله وإطلاع المنفذ على ذلك.

4-إرشاد المنفذ لأخذ الساتر المناسب الذي يخترق به العدو، وإمداده بما يلزم للتمويه على العدو وتضليله.

5-معرفة ما يحبه العدو والدخول له من الباب الذي يستهويه ويعجبه، واقتناص الفرصة المناسبة للتنفيذ والانسحاب بسرعة.

6-القيام بالواجبات الشرعية من منطلق “اتقوا الله ما استطعتم”.

7-ضرورة معرفة القيادة لقدرات الجنود وطاقاتهم واستعمال الرجل المناسب في المهمة المناسبة، واستعمال الأكثر ذكاءً وحنكة وشجاعة وجرأة وقوة وثباتًا في المهمات الخاصة والصعبة المعقدة.

8-تكريم من يقومون بالمهمات الصعبة تكريمًا يُشعِرهم بتقدير القائد والجميع لجهودهم وإقدامهم على المخاطر لأجل المجموع.

– اغتيال أبي رافع بن أبي الحقيق :

معلوم أن اليهود قوم بهت وكذب وحقد على الإسلام وأهله ولقد كان أبو رافع من رؤوسهم الذين آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وحاربوه ونشطوا إلى ذلك حتى أنه ذهب ليتجول على القبائل ليحرضها على قتال النبي صلى الله عليه وسلم.

فلقد ركب في نفر من بني قومه بني النضير إلى قريش وغطفان وثقيف وغيرهم من قبائل العرب يؤلبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد إجلاء بني النضير إلى خيبر، حيث نزل أبو رافع في أحد حصونها، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة رجال من الخزرج لقتله، فتمكنوا من ذلك وقتلوه في داره ليلًا.

عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: “بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ اليَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ، وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ، لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ البَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ البَوَّابُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ البَابَ، فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ البَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا، فَفَتَحْتُ البَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلاَلِيَّ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، قُلْتُ: إِنِ القَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لاَ أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ البَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ، فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ فَقَالَ: لِأُمِّكَ الوَيْلُ، إِنَّ رَجُلًا فِي البَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظِبَةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي، وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى البَابِ، فَقُلْتُ: لاَ أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ: أَقَتَلْتُهُ؟ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الحِجَازِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: النَّجَاءَ، فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: «ابْسُطْ رِجْلَكَ» فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ”.

نستفيد من هذه العملية البطولية أمورًا كثيرة منها:

1-ضرورة التخلص من الأعداء بطريقة ضرب الأخطر فالأخطر وتشتيتهم والتفريق بينهم قدر الإمكان، وكسر شوكتهم قبل أن يرصوا صفوفهم ويقوى بعضهم ببعض.

2-ضرورة التخلص من العدو الذي يسعى للتحريض والتأليب والتحشيد على المسلمين، حتى لو أدى ذلك لاغتياله في بيته وبين أهله.

3- هل يجوز أن يقول الكفر لتسهيل المهمة ؟ هذه المسألة تقدر بقدرها. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

4-بقدر خطر العدو تتم المغامرة، كما لاحظنا هنا كيف أن الصحابي الجليل غامر بداية بالاقتراب من بوابة الحصن ثم دخله ثم مكث حتى هدأت حركة الناس وناموا ثم كيف صعد لبيت أبي الحقيق وكيف كان يغلق الأبواب خلفه بابًا بابًا، حتى لو شعروا به يبقى داخل البيت هو وأبو رافع وهنا هو قرر أن يقتله على كل حال حتى لو أدى ذلك لاستشهاده بعد قتل لأبي رافع. وهذا كله يحتاج لإيمان راسخ وعزيمة قوية وإصرار وثبات.

5-المهمات الصعبة والخطيرة يجب أن يقوم بها الاستشهاديون الذين لا يهمهم الانسحاب بعد الهجوم أو الانحياز حين الحاجة بل هم يتقدمون وهم طامعون في الشهادة في سبيل الله، فالاستشهادي يستطيع القيام بعمليات كثيرة يعجز عنها غيره من الذين يفضلون القتال من منطلق الكر والفر والهجوم والانحياز، فالاستشهادي يهمه انجاز المهمة ثم بعد ذلك فليكن ما يكون، ولذا نجح هنا الصحابي الجليل.

– اغتيال كعب بن الأشرف وضرب التنسيق القرشي اليهودي في مقتل:

لم يتوقف التنسيق الحربي القرشي –الإعلامي والميداني- مع الكل المحارب للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأس الكفار الذين كانت تنسق معهم قريش لحرب النبي عليه الصلاة والسلام هم اليهود وعلى رأس اليهود ومن أهمهم في دوائر التنسيق القرشي اليهودي كان اليهودي الحاقد كعب بن الأشرف.

حين بلغ كعب خبر انتصار المسلمين على قريش في غزوة بدر وقتل العديد من قادتها وسادتها، قال: أَحَقّ هَذَا ؟ أَتَرَوْنَ مُحَمّدًا قَتَلَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يُسَمّي هَذَانِ الرّجُلَانِ، يَعْنِي زَيْدًا وَعَبْد اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَهَؤُلَاءِ أَشْرَافُ الْعَرَبِ وَمُلُوكُ النّاسِ، وَاَللهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمّدٌ أَصَابَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا.

فَلَمّا تَيَقّنَ عَدُوّ اللهِ الْخَبَرَ، خَرَجَ حَتّى قَدِمَ مَكّةَ، فَنَزَلَ عَلَى عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَةَ السّهْمِيّ وَعِنْدَهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَأَنْزَلَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ وَجَعَلَ يُحَرّضُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُنْشِدُ الْأَشْعَارَ وَيَبْكِي أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، الّذِينَ أُصِيبُوا بِبَدْرِ فَقَالَ:

طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ … وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَعُ

قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِمْ … لَا تَبْعُدُوا إنّ الْمُلُوكَ تُصَرّعُ

كَمْ قَدْ أُصِيبَ بِهِ مِنْ أَبْيَضَ مَاجِدٍ … ذِي بَهْجَةٍ يَأْوِي إلَيْهِ الضّيّعُ

طَلْقُ الْيَدَيْنِ إذَا الْكَوَاكِبُ أَخْلَفَتْ … حَمّالُ أَثْقَالٍ يَسُودُ وَيُرْبَعُ

إلى آخر الأبيات

ثُمَّ رَجَعَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ إلَى الْمَدِينَةِ فَشَبَّبَ –أي تَغَزَّل و ذكر المحاسن- بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ -أي من يقتله-؟

بعد أن أنهى كعب جولة من التحريض والتأليب لقريش ضد المسلمين عاد كعب لدياره يحمل وقد ازداد حقده على النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام، فبدأ ينفث سمومه تحريضًا على المسلمين وأذية لهم وانتهاكًا لأعراضهم، فقرر النبي عليه الصلاة والسلام التخلص منه، ليقطع شره ويفشل مخططه التحريضي التجميعي ضد المسلمين ولينهي الأذية التي نالته عليه الصلاة والسلام ونالت من المسلمين ومشاعرهم بسبب تعرضه لنسائهم.

اختار النبي صلى الله عليه وسلم طريقة القتل اغتيالًا ليتخلص منه دون أن يؤلب القبائل عليه وعلى أصحابه أثناء سيرهم إلى ديار كعب، ولكي لا تستغل قريش خروج النبي وصحبه فتؤلب القبائل عليه وتخرج للانتقام منه وهي التي كانت نالت ما نالت من هزيمة وقتل وحسرة على يديه، وبالفعل تم أخذ القرار وعرض الهدف وتمت معالجة الأمر على أحسن وجه، فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “«مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ: «قُلْ»، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ – وحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ أَوْ: فَقُلْتُ لَهُ: فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ؟ فَقَالَ: أُرَى فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ – فَقَالَ: نَعَمِ، ارْهَنُونِي، قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ، قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ – قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي السِّلاَحَ – فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو، قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ، قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ – قِيلَ لِسُفْيَانَ: سَمَّاهُمْ عَمْرٌو؟ قَالَ: سَمَّى بَعْضَهُمْ – قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، وَقَالَ: غَيْرُ عَمْرٍو: أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، وَالحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ، فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ، وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ رِيحًا، أَيْ أَطْيَبَ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ وَأَكْمَلُ العَرَبِ، قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ:

نعَمْ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ”.

هكذا أنهى النبي عليه الصلاة والسلام مشاغبة ومحاربة هذا اليهودي المجرم وهكذا قطع شره وأذيته للمسلمين ونسائهم.

نستفيد من هذه العملية البطولية أمورًا كثيرة منها :

1-ضرورة التصدي لكل من يعتدي على الإسلام والمسلمين أو يحرض ويؤلب الناس عليهم، أو ينتهك أعراضهم حتى لو أدى ذلك لاغتياله في عقر محلته أو بيته حتى. بخصوص التنفيذ الميداني فإن الأمور تُقدر بقدرها ويفصل فيها العلماء الربانيون وأهل الخبرة من المجاهدين الصادقين. فلكل حدث حديث.

2-أخوَّة الدين أقوى وأثبت من أخوَّة النسب أو غيرها من روابط، وهذه العقيدة يجب أن تُترجم ميدانيًا حين يجد الجد ويستدعي الأمر ذلك، مع العلم أن إعمال ذلك ميدانيًا لا يُقدّره إلّا أهل العلم الربانيين الثقات.

3-هل يجوز أن يقول الكفر لتسهيل المهمة ؟ هذه المسألة تقدر بقدرها. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

4-عرض المهمات الصعبة والخاصة على المقتدرين على ذلك من المسلمين، وقبول طرح من يبدي استعداده للتنفيذ، وإخباره بالمطلوب تفصيليًا.

5-تجهيز حوار مقنع للدخول به على المستَهدَف حتى لو أدى ذلك لخداعه بالكلام لتسهيل استدراجه.

6-التأني وعدم التسرع والانجرار خلف استفزازات العدو لكي لا يسحبنا لدائرة لم يحن وقتها، ونحن في غنى عن الدخول في متاهات ومناوشات ومعارك جانبيه تشغلنا عن الهدف الأساس، ولكن إن تعاظم الخطر أو الأذى من فرد أو مجموعة أو جماعة وهي ليس ضمن قائمة الأهداف الأساسية. فالخيار المناسب للتخلص من أذاها وشرورها هو الاغتيال أو السرايا الصغيرة التي تقوم بعمليات سريعة خاطفة.

غزوة الأحزاب: السلاسة الأمنية، والبراعة العسكرية

لقد كانت فكرة جمع الأحزاب وحشدها لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، فكرة يهودية هدفها تشكيل تحالف يهودي عربي وثني شامل لكل عدو للإسلام والمسلمين، وهدفه اقتحام المدينة والسيطرة عليها والقضاء على النبي عليه السلام وصحبه الكرام.

جاءت هذه الفكرة الشيطانية بعد أن تجاوز النبي عليه الصلاة والسلام عدة مراحل كبيرة جعلته صاحب قوة ونفوذ يحسب لها الكفار ألف حساب، ما أدى لتقوية شوكة المسلمين وتأمين حياتهم بشكل كبير قياسًا على المرحل السابقة.

وكانت في العام الرابع الهجري بعد غزوة بني النضير و التي انتهت بطرد النبي عليه الصلاة و السلام يهود بني النضير من المدينة، وذلك بعدما خانوا النبي عليه السلام وغدروا به وحاولوا اغتياله.

عندما عزم اليهود أمرهم وبدأوا يتحركون ميدانيًا كانت أول وجهتهم وأول خطوة قاموا بها هي التوجه إلى قريش لأخذ شرعية الحراك واعتماده لأن قريشًا كانت هي رأس حربة أعداء الإسلام وأهله.

وافقت قريش على الفكرة وانضمت إليها برأيها وجنودها، فهذا التحالف بحسب قناعات قريش سيمكنها من الانتقام من النبي صلى الله عليه وسلم و القضاء عليه وعلى دعوته. ثم توسع التحالف وتكاثرت الأحزاب المشاركة فيه وتوجهت صوب المدينة لمحاصرتها.

لاشك أن اتفاق الأحزاب على مهاجمة المدينة ومحاصرتها حدث جلل زلزل أهالي المدينة وحصر فرص المناورة والمهاجمة والمباغتة العسكرية، فكانت الانفراجة بفضل الله من خلال سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه، حين اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم فكرة حفر الخندق، والتي رحّب بها النبي صلى الله عليه وسلم وباشر في تنفيذها، إلّا أن الخندق لم يدحر الأحزاب ولكنه أوقف تقدمهم وزحفهم ومنعهم من اقتحام المدينة وكان هذا انجاز كبير ومهم، ولكن الأحزاب تمركزت حول المدينة وضيَّقت الخناق على المسلمين حتى أصابهم الخوف الشديد، كما قال الله تعالى واصفًا حالهم: “إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا“.

أحاط المشركون بالمسلمين حتّى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبًا من شهر وأخذوا بكلّ ناحية واشتدّ البلاء وتجهّر النفاق، واستأذن بعض الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة وقالوا: “إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا“.

وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدّة، إذ جاءه نعيم بن مسعود الغطفاني فقال: يا رسول الله؛ إنّي قد أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة» .

فخرج نعيم بن مسعود الغطفاني، فأتى بني قريظة، وتكلّم معهم بكلام جعلهم يشكّون في صحّة موقفهم وولائهم لقريش وغطفان الذين ليسوا من أهل البلد، وعدائهم للمهاجرين والأنصار، الذين هم أهل الدار وجيرانهم الدائمون، وأشار عليهم بألّا يقاتلوا مع قريش وغطفان حتّى يأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونوا بأيديهم ثقة لهم، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.

ثمّ خرج حتى أتى قريشًا، فأظهر لهم إخلاصه ونصيحته، وأخبرهم بأنّ اليهود قد ندموا على ما فعلوا، وسيطلبون منهم رجالًا من أشرافهم تأمينًا للعهد، وسيسلمونهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيضربون أعناقهم، ثم خرج إلى غطفان وقال لهم مثل ما قال لقريش، فكان كلا الفريقين على حذر، وتوغّرت صدورهم على اليهود، ودبّت الفرقة بين الأحزاب، وتوجّس كلّ منهم خيفة من صاحبه.

ولمّا طلب أبو سفيان ورؤوس غطفان معركة حاسمة بينهم وبين المسلمين تكاسل اليهود، وطلبوا منهم رهنًا من رجالهم، فتحقّق لقريش وغطفان صدق ما حدّثهم به نعيم بن مسعود الغطفاني، وامتنعوا عن تحقيق طلبهم، وتحقق لليهود صدق حديثه كذلك، وهكذا تخاذل بعضهم عن بعض وتمزّق الشمل وتفرّقت الكلمة.

وكان من صُنْعِ الله لنبيّه أن بعث الله على الأحزاب الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تقلب قدورهم وتطرح أبنيتهم، وقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش؛ إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون؛ ما تطمئنّ لنا قدور، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتَحِلُوا، فإنّي مرتحل.

وقام أبو سفيان إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فما أطلق عقاله إلّا وهو قائم.

وسَمِعَتْ غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلّي، وأخبره حذيفة بن اليمان الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم عينًا إلى الأحزاب ينظر له ما فعل القوم ثمّ يرجع، فأخبره بما رأى، فلمّا أصبح انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة وانصرف المسلمون ووضعوا السلاح، وصدق الله العظيم القائل: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً”، والقائل: “وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً“.

ووضعت الحرب أوزارها، فلم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنّكم تغزونهم”.

نستفيد من هذه الغزوة أمورًا كثيرة منها :

1-وجوب الثقة الكاملة بالله والاعتماد عليه وطلب النصرة والفرج منه مع الأخذ بكل أسباب النصر، المادية والميدانية.

2-أهمية اطلاع الثقات على حقيقة الواقع ومشاورتهم والأخذ بالرأي الأنفع والأنسب للتعامل مع الواقع.

3-الثقة لا تُغني عن الحذر؛ فمهما كانت الثقة في الشخص فإن هذا لا يمنع أخذ جوانب تأمين العمل خوفًا من الثرثرة أو تسريب أي معلومة بقصد أو بدون قصد أو ربما يكون هناك أمرًا لا يعلمه أحد من المجاهدين، و هذا كله يُقدَّر بقدره.

4-حدث قبل غزوة الخندق وبعدها أن أناسًا أسلموا وانضموا لصفوف الجيش الإسلامي مباشرة بعد إسلامهم وشاركوا في المعارك، ولكننا لاحظنا هنا في غزوة الخندق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنعيم بن مسعود الغطفاني لما جاءه مسلمًا: «إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة». وهذا اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم مبني على الأولويات ولوازم المناورة الميدانية.

 لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لنعيم ولم يضمه لجيش المسلمين مباشرة ويستخدمه داخل المدينة ؟

لأن الوضع العام للمدينة كان مضطربًا ويستدعي الحذر وكان وضع الجيش الإسلامي يستدعي الحذر أكثر وأكثر، وفي هذه الحالة لم يكن هناك متسع للمغامرة باستقبال جدد من خارج المدينة ودمجهم في الجيش من منطلق أن الأيام ستكشف نواياهم وصدقهم من عدمه، فكان قرار النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قرار حيث أنه قال لنعمان خذّل عنا؛ يعني اذهب وخفف عنا هذا الضغط وانصرنا بما تقدر عليه من خارج المدينة فالكفار لم يعلموا بإسلامك بعد، في هذه الحالة إن كان نعمان صادقًا صحيح الإسلام فإنه سيبقى على إسلاميه وسيعمل على نصرة المسلمين من خارج المدينة، ولقد كان المسلمون في أمس الحاجة إلى ذلك، وإن كان إشهاره لإسلامه خدعة لاختراق المسلمين فإنه لن ينجح في ذلك ولن ينجح في الوصول لصفوف المسلمين الفاعلة، ولن يضرهم بشيء لأنه خارج المدينة، ولن يستطيع من الوصول لأي معلومة أمنية أو عسكرية، وهذا كان اجتهاد رائع من قائدنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أنه قبل به ضمن صفوف المسلمين وكلفه بمهمة تناسب وضعه الأمني.

وبالفعل ذهب الصحابي الجليل نعيم بن مسعود الغطفاني تحفه رعاية الله وتوفيقه واخترق صفوف الأحزاب واستطاع أن يشق صفوفهم ويشتت شملهم، وكان لهذا الاختراق دور مهم في تشتيت الكفار وهزيمتهم.

5-التأني في استقبال كل من يريد الانضمام لصفوف المجاهدين خصوصًا إذا كان الوقت لا يسمح بإعطاء فرصة لاختباره ومعرفة حقيقة توجهه.

6-انسحاب قريش المبكر من الميدان وبمجرد أن شعرت ببداية فقدان الثقة الداخلية بين الأحزاب كما أنها لم تصبر على ضرب الريح لمخيماتهم وتجمعاتهم، وهذا دليل على أن قريشًا كانت تستخدم القبائل لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم نيابة عنها أو بمساهمات محدودة وأنها كانت تحاول الاستفادة من الوقت قدر المستطاع حتى يأتي اليوم المناسب والذي تنتصر فيه انتصارًا يُحسب لها لوحدها، ولذلك عندما احتاج الأمر أن تصبر وتتحمل المشاق رفضت ذلك وانسحبت وتركت حلفاءها والذين انسحبوا بعدها تباعًا.

أما غزوة بدر التي كانت بين المسلمين وقريش، فلم تكن قريش تريدها حربًا ولم يكن المسلمون استعدوا لها، ولكنها حصلت بأمر الله وإرادته وتقديره، أما غزوة أحد فكانت تريدها قريش للانتقام من المسلمين لأنهم قتلوا بعض قادة قريش وأشرافها في غزوة بدر.

7-هذه القطعة من الرواية تبين لنا كم كانت قريش مستقلة برأيها وأنها تملي الأوامر على القبائل ولا تنتظر من القبائل أمرًا فصلًا؛ فحين تكلم أبو سفيان لم يوجه الخطاب لغير قريش، وحين ارتحل لم يستأذن من أحد وحين تبعته قريش منهزمة لم تشاور أحدًا كما هو واضح هنا:

“وكان من صُنْعِ الله لنبيّه أن بعث الله على الأحزاب الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تقلب قدورهم وتطرح أبنيتهم، وقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش؛ إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطمئنّ لنا قدور، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإنّي مرتحل.

وقام أبو سفيان إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فما أطلق عقاله إلّا وهو قائم”.

8-ضرورة مراعاة ضعف الأهالي بشكل عام وأنهم ليسوا كالجيش العسكري الذي يتحمل المشاق والمصاعب، واختيار خطط للمواجهة تراعي ذلك، لأن فيهم النساء والأطفال وكبار السن والمرضى.. إلخ، ولا حرج لو تنازل القائد عن شيء من مال أو نفوذ مقابل الحفاظ على سلامتهم وعدم اقحامهم فيما ليس لهم به طاقة. وهذا يُقدّر بقدره فلكل حدث حديث.

9-ضرورة مشاورة قيادة الأهالي وممثليهم والتباحث معهم فيما يحتاجونه و مدى طاقة تحمل أهاليهم، وهذا ما نتعلمه هنا من قائدنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “..أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة، فاضطجع ومكث طويلًا، حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: «الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره» ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن، وكجزء من هذه الخطة كان يبعث الحرس إلى المدينة، لئلا يؤتى الذراري والنساء على غرة، ولكن كان لا بد من إقدام حاسم، يفضي إلى تخاذل الأحزاب، وتحقيقا لهذا الهدف أراد أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، حتى ينصرفا بقومهما، ويخلو المسلمون لإلحاق الهزيمة الساحقة العاجلة على قريش التي اختبروا مدى قوتها وبأسها مرارا، وجرت المراوضة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك، فقالا:

يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوّب رأيهما وقال: «إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة».

الخاتمة:

معلوم لكل صاحب خبرة بالحروب ومجريات الأمور فيها أن الاختراقات الأمنية التي تهدف لحرف الدولة أو الجماعة عن أهدافها الأساسية تعتبر من أخطر ما تتعرض له الدولة أو الجماعة، ولذا وجب تحديد الأهداف والتمترس خلفها وعدم الانتقال عن أيٍّ منها إلّا بعد المشاورات المتأنية مع عدم الاندفاع، كما يجب ألّا يكون الانتقال ناتج عن ردة فعل، لأنه في الحروب والأجواء المتوترة تكثر عمليات الاستفزاز لاستدراج المتهورين أو المندفعين من الدولة أو الجماعة لاستدراج الدولة أو الجماعة لإشغالهم بمعارك جانبية أو معارك هدفها تشتيت الدولة أو الجماعة عن الأهداف الأساسية، وهذا سيؤدي قطعًا لضعف المقاتلين وإحباطهم في المستقبل القريب، وهكذا تصبح الأهداف الأساسية في مهب الرياح، وربما يكون هدف الاستدراج لمعارك جانبية هو إضعاف الدولة أو الجماعة ثم الانقضاض عليها ممن يتربصون بها والذين هم من يقف خلف تلك الاختراقات وافتعال المعارك الجانبية.

ولذا وجب الحذر وعدم الانجرار خلف كل استفزاز ويجب أن يبقى التركيز على الأهداف الأساسية ولا حرج في تغيير الأسلوب أو الطريقة، فهذا من باب المرونة القتالية وهو مطلوب حتى لا تبقى الدولة أو الجماعة تقليدية يفهمها عدوها تمامًا ويعرف كيفية إدارتها للمعارك، فتجديد الخطط والتغير والتبديل فيها أمر مطلوب لإرباك العدو وتشتيت صفوفه. والله ولي التوفيق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطين – غزة

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 




امارة افغانستان الاسلامية

ارتباك إدارة كابل المنهارة

تواجه إدارة كابل ارتباكا شديدا مقابل ابتكارات إمارة أفغانستان الإسلامية. وأخذت من هذه الإدارة جميع تلك الأدوات التي كانت تستخدمها سابقا ضد الإمارة الإسلامية. فأحيانا كانت تدعي بأن طالبان تخالف المشاريع العامة، وتفجر الجسور، وأحيانا كانت تلصق بهم تهم إحراق المدارس ومخالفة التقدم والتعليم إلى غير ذلك. وكان هدفها من كل هذه التبليغات العدائية تشويش الرأي العام حول المساعي الجهادية للإمارة الإسلامية. لكن بيان الإمارة الإسلامية في هذه الآونة الأخيرة حول حماية المشاريع الوطنية أربكت الإدارة العميلة وأخذت منها فرصة التبليغات العدائية حول هذا. ومن شدة الارتباك بدأت الإدارة العميلة بمخالفة قرار الإمارة الإسلامية بدل الترحيب به، وبهذا أظهرت شكلها العدواني الحقيقي للشعب والعالم.
عسكريا حينما تمكن المجاهدون هذا العام من كسر خنادق إدارة كابل القوية، ادعت الأخيرة كذبا بأن مقاتلين متدربين أجانب يقاتلون في صفوف الإمارة الإسلامية، لكن الإمارة نفت هذه الادعاءات وأعلنت لإدارة كابل بتقديم مجاهد أجنبي واحد أمام وسائل الإعلام لإثبات دعواها. جميع من يجاهدون في صفوف وخنادق الإمارة الإسلامية هم من أبناء هذا الشعب وتلقوا تدريباتهم في مراكز الإمارة الإسلامية. ليس هناك مجاهدون أجانب في تشكيلات الإمارة الإسلامية ولا تأذن لأحد بالنشاط خارج تشكيلاتها.
سياسيا كانت إدارة كابل تتهم الإمارة الإسلامية بأن لها برامج أعمال تخريبية ضد دول أخرى، لكن الإمارة الإسلامية وضحت لهذه الدول عن طريق دبلوماسية ناجحة بأنها تريد عيشا آمنا مع الجيران ودول العالم. نحن نبذل مساعي جهادية من أجل أفغانستان حر ومستقل وإقامة فيه نظاما وفق عقيدتنا. لا نتدخل في الشئون الداخلية لأحد، ولا نأذن لأحد بالتدخل في شئوننا أو استخدام ترابنا ضد أحد.
والآن لم يتبقى شيء في جعبة إدارة كابل. تمول هذه الإدارة عشرات وسائل الإعلام للتبليغات من أجلها، كما لها مئات الحسابات المزيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للإظهار بأن الشعب يساندها ويقف معها لكن الحقيقة عكس ذلك. وعلاوة على هذا، تقوم بصرف مئات آلاف الدولارات في الدعايات من أجل جلب اهتمام المسئولين في أمريكا وباقي دول الاحتلال، حيث كشف سرهم هذا أيضا في الآونة الأخيرة. وميدانيا حصلت هذه الإدارة المرتبة الأولى في قائمة الحكومات الأكثر فسادا وفشلا، وحصب إحصائية فإن الفساد داخل إدارات ومكاتب إدارة كابل تصل لـ 3 مليارات دولار سنويا أي ما يعادل مائتي مليار روبية أفغانية. الموظفون الفاسدون يملئون جيوبهم يوميا ويرون بقائهم في إدامة الاحتلال للبلاد.
بشمول الإمارة الإسلامية والقشر المثقف العاشق للحرية يرى شعب أفغانستان بأكمله مفاده في إنهاء الاحتلال والاستقلال، وفي أفغانستان متقدم تحت ظل نظام إسلامي، لكن هذه الإدارة ترى بقائها ومفادها في استمرار الاحتلال والحرب. ليعلم الشعب بأنه بقدر ما يجتمع مع الإمارة الإسلامية في المشتركات، تنزوي العناصر المضادة للشعب. معا لأفغانستان إسلامي، حر، آمن، ومستقر.



الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية

رياح السموم .. الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية ( 3 من 6 )

رياح السموم .. من بلاد العرب إلى بلاد الأفغان : ( 3 من 6 )
الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية

إن شئنا التحديد فإن ما جرى الإصطلاح عليه بأنه ( الإسلام السياسى ) هو ما نعنيه هنا برياح السموم التى هبت من بلاد العرب فأربكت المشهد الأفغانى وأضعفت من قدراته التاريخية فى التصدى للغزو الخارجى ، معتمدا على تراث دينى عريق متوارث ، وعلماء يحظون بمكانة إجتماعية عالية جدا ، ثم القوى الإجتماعية الراسخة والمتمثلة فى القبائل ، التى يمكن أن تختلف على أى شئ ما عدا إثنين من المقدسات الجامعة وهما الإسلام ، والحرية .

بإختصار فإن الإسلام السياسى موجه أساسا لإضعاف البنية الإسلامية الحقيقية فى المجتمع لإستبعادها ، إما مباشرة وفورا : كما تصنع السلفية بأنواعها وصولا إلى الحركة التكفيرية الوهابية التى تكفر كل البنيان الإسلامى التقليدى ، وتهدمه فورا بإعمال السيف فيه .

= والطريقة الأخرى هى ما يتبعه تيار “الإسلام السياسى المعتدل” وترأسه جماعة الإخوان المسلمون ومشتقاتها. وأسلوبها فى ضرب الإسلام التقليدى وقواه الإجتماعية الحاضنة هى :

أولا : الإستمرار فى تمثيل الدين وإدعاء التجديد والحداثة ، وبذلك يضعف العلماء التقليديون وتبقى الكتلة الإجتماعية الحاضنة بدون حماتها ومرشديها التاريخيون . وتضم الجماعة فى صفوفها بعض هؤلاء العلماء الذين يقبلون بالجلوس فى الصفوف الخلفية للجماعة بدون سلطات أو صلاحيات ، سوى الجلوس كعرائس خشبية ، لإيهام الجمهور أن “العلماء” يدعمون الحركة .

وهذا ما فعلته أحزاب الإخوان المسلمين فى أفغانستان ، إذ استقطبت بالخديعة والإغراء من استطاعت من علماء مجاهدين ، وأبعدتهم عن قبائلهم وعن جبهات القتال ، وشغلتهم بمهام فرعية أو تشريفاتية فى كواليس تلك الأحزاب .
والذين رفضوا اللعبة الحزبية للإخوان وأصروا على البقاء وسط قبائلهم ومجاهديهم ، منعت عنهم المعونات. (( وتلك هى كلمة السر العظمى فى قضايا الجهاد الذى تموله جهات خارجية كما حدث فى الجهاد ضد السوفييت ، وكما هو حادث الآن فى عمليات الجهاد فى دول الربيع العربى من ليبيا إلى اليمن مرورا بالعراق وسوريا )) .

الحزب أولا : قبل الإسلام وقبل القبيلة .
أسس الإخوان وتنظيماتهم الحزبية فى أفغانستان لقاعدة جديدة فى القيادة ، التى كانت سابقا وقفا على علماء الدين وزعماء القبيلة وأبنائها المميزين . فأصبحت القيادة ” للحزب” القادر على الإمداد بالمال والسلاح فى مقابل الولاء الحزبى فقط ، بصرف النظر عن القتال ضد المستعمر الذى لم يعد هو العدو الأول بل يسبقه أو حتى يستبدل بعدو آخر هو الأحزاب المنافسة ، العاملة فى نطاق نفس القبلية أو فى الجوار الجغرافى . فصار القتال داخليا بين الأحزاب رغم الإنتماء القبلى الواحد وقبل ذلك الإنتماء الدينى الواحد . فتزايدت الصراعات الداخلية وضعفت رابطة الدم داخل القبيلة ، كما ضعفت الرابطة الإسلامية بين القبائل . حتى القبيلة الواحدة تجزأت بعدد الأحزاب التى إخترقت صفوفها لتجنيد الأتباع تحت إغراء المال والسلاح ، فصارت القبيلة الواحدة سبعة قبائل على الأقل ، وتباعدت القوميات عن بعضها حيث إكتسبت بعض الأحزاب صبغة عرقية إلى جانب الصفة الدينية . مثل الحزب الإخوانى المسمى بالجمعية الإسلامية الذى كان يقوده برهان الدين ربانى أكبر الإخوان سنا ـ وكان من القومية الطاجيكية ـ وقد إكتسب حزبه حتى الآن تلك الصفة القومية .

جميع الأحزاب الجهادية لعبت أدوارا سلبية كثيرة ، كان أبرزها تفريق صفوف الشعب الأفغانى ، وجعل القضية الأولى هى الحزبية ـ وليس الحرية والإستقلال والتخلص من الإحتلال . وعلى نطاق واسع فهم الشعب الأفغانى الدور السلبى للأحزاب ولكنه كان مضطرا للقبول بها كأمر واقع لا يمكن دفعه ، لأن الإستفادة مما توفره الأحزاب من إمدادات للقتال ، هو أمر أكثر فائدة من محاولة مقاومتها والإنغماس بالتالى فى قتال داخلى ، وخيم العواقب من كافة الوجوه  .

ولو أمعنا النظر لاكتشفنا أن فرق الإسلام السياسى / من أقصى التكفير الوهابى الى أقصى الأكروبات السياسى للإخوان / جميعا تفرق الشعوب ولا تجمعها ، وتضعف الحالة الإسلامية المتوارثه بدون أن تقدم عنها بديلا أو أن تطورها وتقومها .
كما أنها جميعا تصرف أنظار الشعوب عن قضاياها وأعدائها الحقيقيين ، إلى أهداف ثانوية وأعداء مخترعين . فلا نندهش إذن من ترحيب إسرائيل بهؤلاء الإخوان والجهاديين التكفيريين ، ونفهم دفاع أمريكا والغرب عن الإخوان المسلمين والسعى لإعادتهم إلى قمة الساحات التى فشلوا فيها خلال عواصف “الربيع العربى” نتيجة لحماقاتهم وإدمانهم على العمالة المنقادة وليس القيادة الرائدة .
وندرك أيضا تمسك أمريكا بالإخوان المسلمين كشركاء على قمة السلطة فى أفغانستان المحتلة أمريكيا ، كما تمسكت بهم على قمة الأحزاب الجهادية وقت الإحتلال السوفيتى ، ثم على قمة السلطة فى كابول فى حكم مشترك بعد إنسحاب السوفييت ، إلى أن أسقطتهم حركة طالبان ، فتدخلت أمريكا مباشرة لإسقاط إمارة طالبان الإسلامية بعد عملية 11 سبتمبر المفتعلة ، فى حملة عسكرية بالغة العنف أعلنها جورج بوش حربا صليبية بلا حياء أو مواربة .

ــ  ذلك هو جانب واحد من جوانب الآثار المدمرة لرياح السموم العربية التى ضربت أفغانستان ، وهو للتذكير : { ضرب الإسلام التقليدى وتفتيت البيئة الإجتماعية الحاضنة له } . بمعنى إستبعاد وإضعاف العلماء ودورهم فى المجتمع ، ثم تفكيك المكونات التقليدية للمجتمع إلى شظايا متناحرة غير قادرة على حمل رسالة الدين أو حمايته .

ذلك هو دور الإسلام السياسى بجميع أطيافه ، من الإخوانى وحتى التكفيرى الفوضوى ، وهى تيارات تؤدى هذا الدور عن جهل مطبق على مستوى القواعد والكوادر ، وليس على مستوى القيادة العليا التى تمسك بمفاتيح التمويل والتوجيه الحركى ( أى القرار السياسى للحركة ) . تلك القيادات تمارس دورها المدمر بوعى كامل .

تكامل دور الأنظمة الحاكمة التى فرضها الإستعمار مع دور الإسلام السياسى فى تحقيق ذلك الهدف الإستراتيجى ، إلى أن ضعف دور العلماء فأصبحوا غثاء ملحقا بالسلطة التنفيذية الحاكمة وداعما لدورها القمعى ومبررا لسياساتها مهما كانت . أما المكونات الإجتماعية فقد ضعفت القبائل كثيرا بفعل الأنظمة التى جاءت بعد الإستعمار .

والمجتمعات التى كانت تتمتع بعائلات كبيرة (كبقايا من القبائل) تحللت فيها العائلة الكبيرة لصالح العائلة بالغة الصغير ، وحتى تلك أصبحت تواجه صعوبة كبيرة فى الإستمرار ، فتضاعفت نسب الطلاق وتفككت العائلات كنتيجة حتمية لتفشى الفقر والإنحلال الأخلاقى فى مجتمع إستهلاكى قائم على الفردية ومفتوح على مصراعيه أمام غزو ثقافى جارف من الثقافة الأمريكية .

وفقد المجتمع أى مؤسسات شعبية تشارك فى السلطة وتراقب أداء الحكومات .
الجهاد فى سبيل أمريكا  :
يمكن القول أن الأحزاب الإخوانية الثلاثه كانت هى عماد ” الجهاد الأفغانى ” ضد السوفيت ، أما الأحزاب الثلاث الأخرى ، من علماء ملكيون ، فكان تواجدهم ثانويا ولمجرد تملق الرأى الشعبى الأفغانى . وبين المجموعتين يجئ ” حزب إسلامى ” بقيادة مولوى يونس خالص  الذى ضغطوا دوره حتى صار حزبا موضعيا إنحصر معظم نشاطه فى ولاية واحدة بعد أن كان مرشحا لدور كبير وإقبال شعبى غير عادى .

فالرجل من العلماء ، وقد استفاد إلى حد ما من طرق العمل الإعلامى والسياسى التى أدخلها الإخوان المسلمون فى مواجهة التيار الشيوعى فى كابول فحقق شعبية مرموقة ، وكان مقبولا من الإخوان والعلماء التقليديين معا . ولكن الجميع إنقلب عليه عندما لاحظوا تنامى شعبيتة ، التى أقلقت العيون الأمريكية اليقظة لكل شاردة وواردة ، والأيدى الباكستانية الممتدة عميقا فى أحشاء التنظيمات الجهادية الأفغانية.

ــ كانت تجربة الجهاد الأفغانى فرصة ذهبية لم يسبق وأن أتيحت للإخوان الدوليين . فارتفعت أسهمهم الدولية بعلاقات وثيقة ومميزة مع الولايات المتحدة التى إرتضت بمكانتهم الأولى على رأس الجهاد الأفغانى ، ووافقت مع باكستان على تخصيصهم بحصة الأسد من إمدادات السلاح مع الأموال المتدفقة من دول الخليج العربى . الجانب السلبى لذلك هو توجس النظمة العربية القوية من ذلك التقارب وتحسبها لأن يحتل الإخوان / والسلفية الجهادية/ مكان الحظوة لدى أمريكا ، فيتولون مستقبلا زمام الحكم فى العالم العربى . وهذا التوحس ثبتت صحته بعد ذلك فى العقد الثانى من القرن التالى “الحادى والعشرين”.

وخلال تلك الفترة تلقى تيار الإسلام السياسى مضايقات لا تحصى والعديد من الضربات المؤلمة من جانب عدد من الأنظمة العربية المتوجسة شرا . أما تنظيمات السلفية الجهادية فتحولت تدريجيا إلى الوهابية الجهادية أو حتى الفوضوية بتأثير ضغوط الأنظمة والدفع المدروس والعنيف صوب المزيد من التطرف بفعل الأجهزة الأمريكية المستفيدة ليس فقط بإمكانات العلم والتكنولوجيا بل أيضا بدراسات علوم الطب الحديث وعلوم النفس والإجتماع ، فأوصلتهم بتلك الجهود الأمنية والعلمية / وأحيانا العسكرية / إلى نقطة التطرف التى تتيح لها الإستفادة الكاملة منهم .
ــ فى ثمانينات القرن الماضى ، تمكن الإخوان من شحن الرأى العام العربى والإسلامى خلف قضية المسلمين الأولى ، أى أفغانستان وليس فلسطين بالطبع ، فانهالت الفتاوى بأن الجهاد فى أفغانستان فرض عين . وفتحت المطارات للعبور ، والسعودية كانت مركزا لنفرة المجاهدين صوب أفغانستان ، فتمكن الشباب من الحصول على تذاكر سفر مجانية أو مخفضة ، وإقامة مجانية وكريمة فى المملكة ، وتزكية إلى بيوت الضيافة فى إسلام آباد وبيشاور فى باكستان ، ومن هناك تتولاهم قنوات أخرى لتوصلهم إلى جبهات قتال . مع ملاحظة أنه بعكس الشائع فإن تدريب الشباب المتطوع لم يكن مرغوبا فيه من أى أحد ، ومعظمهم دخل إلى الجبهات خالى الوفاض من أى تدريب . ولم تبدأ موجة التدريب الحقيقية إلا على يد أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة المندمج وقتها مع تنظيم الجهاد المصرى . فبدأت موجه التدريب بجهود ذاتية مضنية ولم يتمكن أحد من إيقافها ، بل نجحوا فى عرقلتها كما نجحوا فى خلق معسكرات للتدريب الوهمى ، مثل معسكر تدريب كونار التابع للقائد السلفى (جميل الرحمن) والذى أشرفت عليه جهات سعودية معنية بالأمن .

ولكن الإخوان لم يساهموا فى ذلك المجهود التدريبى خوفا من الأنظمة العربية ، فصاروا موضع تندر من الشباب العربى فى بيشاور ، خاصة حينما قال مرشد الجماعة ( حامد أبو النصر ) عندما زار بيشاور وسأله الشباب عن سر غياب الإخوان عن ساحات القتال واكتفائهم بأعمال الإغاثة الطبية والغذائية ، فقال ما معناه ( كنت أتمنى أن تسمح لنا حكومتنا بالجهاد .. ولكنها لم تفعل) . ولكن بمجهودات فردية بحتة تسرب بعض شباب الإخوان إلى الجبهات وبأعداد لا تذكر . وفى مجال التدريب يمكن بالكاد حصر أقل من خمسة مدربين إخوان طوال فترة ذلك الجهاد ، شاركوا بالفعل فى عمليات التدريب ولكن لفترات محدودة جدا ولا تكاد تذكر أيضا .

لقد أشعل الإخوان حماسة شباب المسلمين للجهاد بالنفس فى أفغانستان ، ولكنهم لم يجاهدوا سوى بالبطاطين والأدوية وتركوا ضريبة الدم لغير شباب الإخوان .  

ولكن بعد أن قرر الأمريكيون أن المولد قد إنفض وانتفت الحاجة إلى مثل ذلك الصنف من الشباب ، أعطوا إشارة البدء بالهجوم والمطاردة ونعت المتطوعين الشباب بالإرهاب والتطرف . كان الإخوان أول من ردد الإتهامات وعرضوا أنفسهم كقوة إعتدال قادرة على قمع تطرف من أسموهم (العرب الأفغان) ، الذين وصفت دورهم فى كتاباتى بأنهم مثل “بغال التحميل” التى تقتل رميا بالرصاص بعد إنتفاء الحاجة إليها .
ــ كان التقارب على أشده بين الأمريكيين والإخوان بعد نجاح التجربة فى أفغانستان بدرجة فاقت الوصف، فلقد أنتهى الإتحاد السوفييتى وكان الأمل فى البداية إستنزافه وإحراجه دوليا ، وأن تكون أفغانستان مثل كوبا ، أى مشكلة دائمة منخفضة المخاطر ، تتيح لأمريكا تدخلا دائما فى المنطقة بدعوى حماية دولها من المد الشيوعى . وبالنتيجة شعرت الأنظمة العربية بالخطر من التقارب الإخوانى الأمريكى والعلاقة الفعالة والناجحة التى أثبتت نفسها بجدارة فى المجال الدولى ، فكانت مدخلا لهزيمة السوفييت بل وزوالهم . ومن يومها بدأت تلك الأنظمة سياسة دفاعية ضد تقدم الإخوان ، تتراوح تلك السياسة بين الإستيعاب والقمع المحدود ، وليس الإبادة كما حدث مع متطوعى أفغانستان الذين واجهوا حربا طاحنة أضطروا إلى خوضها أو تورطوا فيها بغباء معتاد من قياداتهم الرعناء .
لقد أتقن الإخوان سياسة إستخدام بغال التحميل ،  أو ” المجاهد لمهمة واحدة ” والذى ظهر فى أفغانستان ، وهو المتحمس الجاهز لبذل روحه فى الجهاد فى سبيل الله ( حسب نيته الشخصية ) أو ( الجهاد فى سبيل أمريكا ) حسب نية الإخوان وقيادات الجهادية الوهابية التى يمكن للإخوان أو دول الخليج التأثير عليهم . وظهر التحالف جليا منذ أحداث الربيع العربى فى عام 2011 وحتى الآن .
وتجلت مهارة الإخوان / فى تشغيل أو إدارة أو توريط / الوهابية القتالية ، كما فى اليمن وليبيا وسوريا . ولا يمكن الجدال حول أهمية الدور الذى إحتله الإسلام السياسى الذى توسع ليشمل ـ أحيانا ـ تحالفا بين الإخوانية الدولية والجهادية العابرة للقارات ، فى إطار السياسة الكونية للولايات المتحدة ، التى أصبح ” الحرب على الارهاب ” محفزا رئيسيا لمنابع قوتها : عسكرية / أمنية / مالية / استراتيجية / فى آن واحد . ولكل طرف دولى أن يأخذ من ذلك الإرهاب أو يعطى ، يمنح أو يمنع ، يستفيد منه أو يضر منافسيه ، حسب طاقته وقدراته ومصالحة .

للإخوان مكانة متقدمة جدا من كل ذلك ـ منذ الحرب الأفغانية / السوفيتية وإلى الآن . ورغم نكسة الإخوان فى مصر وتراجعهم فى سوريا ، إلا أنهم منتشون جدا فى اليمن وليبيا وحتى فى العراق ـ أما السلفية الجهادية أو بالأحرى ( الفوضية الوهابية) فقد زادت خبراتها المكتسبة من سنوات الممارسة التى بلغت الآن حوالى ثلاثة عقود ، ولكنها لم تصل إلى درجة النضج التى وصلها الإخوان الأكثر عراقة وخبرة فى لعبة (الإسلام السياسى) أى المتاجرة بالاسلام فى سوق السياسة ، كسلعة تضمن تواجدا شعبيا فى العالم العربى الذى يفتقر الى أى تواجد سياسى غير حكومى . وذلك راجع إلى الطبيعة القمعية للأنظمة ، وإلى التربة الإجتماعية التى لا تتقبل حتى فكرة الأحزاب التى نبتت أصولها فى ظروف المجتمعات الغربية ونقلت تعسفا إلى التربة العربية ذات الثقافة المغايرة .

ــ نجاح الإسلام السياسى فى سوق السياسة الدولية والإقليمية ـ بدأ منذ عصر عبد الناصر وفرار الإخوان من مصر مهاجرين صوب دول الخليج النفطى تحت ثقل المطرقة الأمنية الناصرية . فكانت بداية مزدهرة (لإسلام السوق) الذى به تحولت ليس فقط الجماعات الإسلامية إلى مشاريع تجارية مربحة ، بل وحتى الدعاة المشهورين والمؤسسات الدينية الكبيرة ، توجهوا جماعيا صوب الخليج لمقايضة ” الإسلام الوسطى” بالإسلام الوهابى فى مقابل عمولات مالية مجزية .

ــ ” الجهاد ” بدوره تحول إلى فريضة (وهابية) وليس إسلامية . فالمنظمات الوهابية تشن حربا لاهوادة فيها ضد أى حركة جهادية غير وهابية ( وأهمها وأخطرها أثرا فى تحولات العالم الجديدة هى حركة طالبان فى أفغانستان) لهذا تتسابق داعش والقاعدة للإستحواذ على أفغانستان والتمركز فيها كرأس رمح فى حرب أمريكية/ أوروبية ضد النظام الأسيوى الجديد . حربا أهدافها الداخلية فى أفغانستان :

1ـ ضرب حركة طالبان بإعتبارها جهادا غير وهابى .

2ـ ضرب العلماء الأفغان بإعتبارهم عماد المذهب الحنفى والعقبة الأكبر أمام فرض الوهابية فى أفغانستان تحت دعاوى محاربة الشرك والقبور .
والأهداف الخارجية لتلك الحرب هى :
زعزعة الإستقرار والأمن فى كل من إيران والصين كخطوة أولى ، ثم إسقاط النظامين وتقسيم البلدين على المدى الطويل . ويمكن قول نفس الشئ عن الهند وروسيا الإتحادية . ولا يمكن تصور أن أمريكا ودول الغرب بعيدة عن تأييد ذلك المسعى ، بل أنها الداعم الأول له ـ كما سيجرى بحثه فى موضع آخر .

 

بقلم: مصطفي حامد ابو الوليد المصري ــ الإسكندرية ـ ( 20 / 9 / 2015 )

copyright@mustafahamed.com

المصدر: موقع مافا السياسي

www.mafa.world