مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 3 )

مأزق بغال التحميل 3

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الثالث )

 

– من أجل الإستعداد للمعارك الأساسية الكبرى لابد من خوض تجارب قتالية حتى فى غير بلاد المسلمين، ناهيك عن معارك الدفاع عن شعوب وبلاد إسلامية .

موقع  حركة طالبان من التجربة الجهادية الإسلامية . 

– أيها المجاهدون : تلك صورة موجزة لما يمكن أن يواجهكم به العدو ، فى أى ساحة تعملون فيها . فماذا أنتم فاعلون ؟؟. ذلك هو التحدى الحقيقى .

 

تعتبر حركة طالبان حالة جهادية نادرة، تمكنت تخطى الكثير من العقبات الكبرى التى تعترض العمل الجهادى وتفشله . لهذا سنخصص لحركة طالبان والإمارة الإسلامية فصلا خاصاً حتى نستعرض بشئ فى التفصيل أهم أسباب نجاحات تلك الحركة الأفغانية، ليكون ذلك موضع دراسة لباقى المسلمين ، فهو من أغنى التجارب الإسلامية بالدروس النافعة ، بحيث لا يبقى البحث عن مخارج لأزمة العمل الجهادى فى إطار الأبحاث النظرية البحتة أو التنابذ بين التنظيمات. فسقطات التجارب الجهادية لا تعنى إسقاط فريضة الجهاد ، كما أن سقوط الجماعات الإسلامية فى أخطاء حولتها إلى (بغال تحميل) لا يعنى أن كل من شاركوا فيها قد إكتسبوا تلك الصفه الذميمة رغم أنها الصفة الغالبة .

كما أن القعود عن الجهاد لا يعنى إنتصاراً للقاعدين لمجرد أنهم لم يذهبوا خشية أن يتحولوا إلى بغال تحميل . إن الذهاب إلى تلك الميادين التى إستغلت حماسة الشباب ومثاليتهم كان ضروريا، ونتج عنه فوائد لم يكن ممكناً الحصول عليها بدون خوض التجربة، والتعرض لمخاطرها ومكابدة أخطائها.

فمن أجل الإستعداد للمعارك الأساسية الكبرى لابد من خوض تجارب قتالية حتى فى غير بلاد المسلمين، ناهيك عن معارك الدفاع عن شعوب وبلاد إسلامية .

ذلك من أجل تحصيل التجارب القتالية ، والمعارف السياسية فى أهم الحرائق المشتعلة .

هذا إن كان هناك عناصر جادة فى أداء تكاليفها الجهادية . وهناك أمثلة كثيرة لهؤلاء الجادون فى تناول قضاياهم كيف خاضوا مهالك الحروب من أجل تحصيل التجربة والإستعداد ليوم لا ريب فيه .

فاليهود مثلا توزعوا على الجيوش الأوروبية وخاضوا معها مهالك الحرب العالمية الثانية. وبعدها شكلوا الفيلق اليهودى الذى أذاق العرب الأمَرّين فى فلسطين . وكان أول خطوة جادة لإنشاء دولة يهودية قتالية تتحدى جميع المسلمين.

وهناك الألمان(النازيون) والروس(الشيوعيون) كلاهما ذهب إلى أسبانيا لخوض الحرب الأهلية هناك (1936ـ 1939) كل منهم مع شبيهه السياسى والعقائدى. وذلك من أجل إختبار الأسلحة المتطورة وما يناسبها من أساليب قتال . وفقدوا العديد من عناصرهم فى تلك الحرب، بعضهم كانوا هامين جدا فى مجال تخصصهم .

 

طالبان .. الأكثر نجاحا فى العمل الجهادى .

يتساءل الكثير من الشباب عن سبب نجاح حركة طالبان فى أفغانستان بينما باقى التجارب الجهادية ـ قد باءت بالفشل ـ وهم ينظرون نظرة مذهبية كما هو شائع الآن. أى يتكلمون بلسان “أهل السنة والجماعة” وذلك من مواريث عصور الإنحطاط الماضية وعصر السقوط الحالى، إذ نجح العدو فى تحويل الإسلام الواحد والأمة الواحدة (رغم تنوع المذاهب) حوَّلها إلى كيانات مذهبية متصارعة ، إلى درجة الإفناء المتبادل، كما هو واقع اليوم بين السنة والشيعة. ومبدأ “شيمون بيريز” يوضح دور اليهود فى تحطيم وحدة الأمة وإستخدام المسلمين فى تدمير بعضهم بعضا .

ـ لهذا سنتكلم هنا عن التجارب الجهادية عند “أهل السنة والجماعة ” متجاهلين تجارب الشيعة التى أخذت مسارات مختلفة ، أثرت على أهل السنة وعلى غيرهم ـ ولكننا تعمدنا إغماض الأعين وتجاهلنا دراسة التجارب الشيعية.

 بل لم ندرس تجارب (أهل السنة والجماعة). وحتى الجماعات الجهادية العاملة لم تدرس تاريخها ، وركزت ـ بالحق أو الباطل ـ على إنجازات وبطولات، وتجاهلت أخطاء قاتلة مازالت تنخر فى عظام الحركات السُنّية وتنقلها من فشل إلى فشل أشد . ويتساءل الكثير من الشباب عن حق :

لماذا نفشل نحن ، وتنجح حركة طالبان ؟

 وكيف السبيل للخروج مما نحن فيه ؟

سنعمل على الإختصار قدر الأمكان . وستظل الحاجه قائمة لإجراء حوارات مستفيضة حول نقاط تحتاج إلى المزيد من الإيضاح.

– تساءل البعض : لماذا ينجح طالبان بينما نفشل نحن ؟. ما الذى يمتلكونه ولا نمتلكه نحن ؟.

لسنا بصدد الإجابة عن معظم الأسئلة ولكننا نلفت النظر إلى عدة نقاط محورية ـ أو مصيرية ـ فى مسيرة شباب المستقبل العاملين من أجل أمة إسلامية متماسكة قوية ، تستعيد جميع حقوقها الغتصبة : المعنوى منها ـ والمادى.

وحتى تصبح الحركات الجهادية ـ جديرة بشعاراتها المرفوعة ـ ولا تتحول إلى مجرد “بغال تحميل” أى يسيطر أعداؤها عليها، ويسخرونها لأهدافهم . يجب أن تغطى الحركات الجهادية النقاط التالية:

– أن تتولى بنفسها رسم إستراتيجية الحرب ، (العسكرية و السياسية) .

– أن تتولى بنفسها العمل السياسى فى الداخل والخارج . ومراعاة تأثيره على التسليح والتمويل. كما  تتولى مسألة {إجراء المفاوضات ، وعقد التحالفات } فى الداخل والخارج .

 

ويمكن القول أن أى عمل منظم يتناول الجهاد المسلح أو الثورة الشعبية سبيلاً لإحداث تغيير جذرى فى المحتمع يجب أن يقوم على 6 ركائز هى :

1 ـ القيادة .

2 ـ التنظيم .

3 ـ البرنامج .

4 ـ الرؤية السياسية.

5 ـ الرؤية الإجتماعية .

6 ـ الرؤية الإقتصادية .

– وقبل كل ذلك فإن ذلك التنظيم أو الجماعة يجب أن تنبت بشكل طبيعى وعميق من تربة المجتمع الذى ستمارس فيه نشاطها . ورغم انها حركة تغيير جذرى إلا أنها تنبع من واقع إجتماعى ، له جذور دينية ، وتقاليد إجتماعية ، وتجارب مختزنة، وتاريخ يؤثر فى حركتة. والعناصر الست تحمل تلك التأثيرات. ورغم أنها تهدف إلى تغييرات جذرية، فإنها يجب أن تحمل سمات ذلك المجتمع وتتأثر بتاريخه وتقاليده ، وتراثه الفكرى .

فالإسلام عند لحظة بزوغه ، رغم أن غايته كانت إحداث تغييرات جذرية فى الإنسان والمجتمع، إلا أنه لم يُلْغ أياً منهما ـ بل أخذ منهما العديد من الإيجابيات وبنى عليها ـ مع الفطرة السليمة المختزنة فيهما ، ومبادئ الدين الجديد بقوته التنويرية والإيمانية.

فالإنطلاق جاء من أرض وبَشَرْ كانوا موجودين بالفعل ، وحسب الحديث الشريف (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فلم تكن مسيرة الإسلام نحو فراغ ولا قادمة من فراغ ، بل النهوض بأخلاق كريمة كادت أن تندثر، صوب مثل عليا لا يمكن رفضها ، ولا تنكرها الفطرة السليمة ولا العقل اليقظ . وفيها إحياء لكل ماهو كريم فى الإنسان والصعود به إلى الأعلى والأكمل فى كل شئ.

–  حركة طالبان فى مجتمعها الأفغانى لم تستجلب له إسلاماً جديدا لم يعرفه، بل بعثت فيه روح الإسلام من جديد ، لتطهير الواقع من إحتلال جاء ليهدم الإسلام ويخمد روحه فى نفوس الناس .

جاءت الحركة دفاعاً عن الدين ، وعن الأعراض والأعراف السامية ، ودفاعاً عما يمتلكه المجتمع من ثروة معنوية نابعة من الدين ، وعزة القبائل ، وحرية الأفغانى الذى لا يخضع لظلم أو قهر . شعب يربطه الدين والقبيلة ، والمذهب ، والطريقة الصوفية ، والعلماء الربانيون ، والمسجد الذى هو أهم الرموز والممتلكات. تحمله القبيلة معها فى السلم وفى ميدان الحرب، فوق قمة الجبل أو فى قاع الوادى فإن أول رسم فوق الأرض هو لحدود المسجد، وأشرف موقع هو للمحراب . فى المهجر أو فى الاغتراب المسجد المرسوم على الأرض أو مبنى بالأحجار والقش، هو العروة الثقى التى تربط الجميع ببعضهم وتربطهم بخالقهم.

أنه مسجد الأفغانى ومعتقده وميراثه الأسمى ، فهو ليس مجرد مبنى أو ملكية حكومية ، أو نظام بشرى مهما كان عادلا أو جائراً. إنه بيت الله ورمز كرامة القبيلة ورباطها الدينى ، ورابط مجتمعها وشرائعها، وفيه تحل المشاكل ، وتعقد الزيجات وتقام الجنائز، ويعلن الجهاد، وتنطلق منه أفواج المجاهدين لمقاومة الغزاة ، مرورا عزيزا لأشجع الرجال منخفضى الرؤوس من تحت المصحف الشريف ترفعة أيدى كبار الشيوخ .

 

الصوفية كمحتوى تاريخى للجهاد :

الصوفية كرباط إجتماعى ودينى مازالت قائمة وقوية فى أفغانستان ، تعمل بفاعلية وإنتصار رغم المحن التى إستهدفت أفغانستان وإستهدفت الصوفية تحديدا ، لهدم دورها كرابط إجتماعى وتكاتف دينى منظم .

لم ينجح الإستعمار فى هدم الصوفية فى أفغانستان ، كما نجح فى هدمها فى الدول العربية. فنجح فى إحتلال بلاد العرب ولم يتمكن من إحتلال أفغانستان وتخبط فى محاولات غزوها من فشل إلى آخر .

الوهابية كانت من أهم أدوات الإستعمار لهدم الصوفية فى بلاد العرب وساندتها فى ذلك (حكومة الهند البريطانية). ليس غيْرَة على عقائد المسلمين أو مكافحة للشرك الذى إتهموا به الصوفية ، بل لتحطيم أهم حاضنة جهادية لدى المسلمين. فكانت الوهابية المتحالفة مع آل سعود أداتهم للسيطرة على المقدسات ، وطرد “الخلافة العثمانية” من جزيرة العرب. وكنتيجة مباشرة سقطت “الخلافة”، التى كانت آخر رباط سياسى يجمع بلاد المسلمين فى كتلة رئيسية واحدة، وآخر رباط يجمعهم فى كيان دولى يحسب حسابه. ترتب على فقدان تركيا للمقدسات الإسلامية فى مكة والمدينة ، سقوط فلسطين فى أيدى اليهود. ثم سقوط بلاد العرب فى قبضة الإستعمار فى دويلات فرقها الإستعمار ولم تجمعها “الجامعة العربية” ولا القومية العربية التى أرادوها رابطا بديلا عن الإسلام ، فكانت طاردا له ومطاردا لأتباعه .

وعندما أراد المجاهدون العرب مقاومة الإحتلال، لم يجدوا محتوى إجتماعى تنظيمى يضم جهادهم . والصيغ الغربية الحديثة من أحزاب وتنظيمات أخذتهم فى عزلة عن المجتمع ، وفرقة فى الدين ، وبالتالى جرفتهم سلسلة لا تنتهى فى التجارب الفاشلة . وبدلا من الجيش المجاهد على النمط الأفغانى أصبح عندنا “بغال تحميل” ، ليسوا فقط علامة على الفشل، بل على ما هو أخطر، وهو إستيلاء العدو على “فريضة الجهاد” لإفشاله وتحويله إلى صدور المسلمين، ودماراً لبلادهم ومستقبلهم .

– لاحظ المؤرخون إرتباط الحركات الصوفية بالمقاومة الإسلامية ضد الإستعمار الأوروبى فى كل من ليبيا والجزائر والسودان والصومال وأفغانستان ، وحتى أندونيسيا .

ومن الأمثلة الساطعة كان جهاد حركة المريدين الصوفية فى القوقاز ضد الغزو الروسى منذ حملة بطرس الأكبر عام 1722 . وقاوم الإمام شامل الروس فى القوقاز منذ عام 1817 وحتى عام 1884 . والذى كسر ظهر الإمام شامل والمريدين هو إفتقارهم إلى دعم الأمة الإسلامية التى إستنزفها الصراع بين الإمبراطورية العثمانية (السنية) والإمبراطورية الإيرانية

(الشيعة)، فضاع القوقاز بسبب الصراع المذهبي السياسى . ويقال أن السلطان العثمانى عبد الحميد بعد إسقاطه قال أنه لو عاد الزمان لإتحد مع إيران فى مواجهة أوروبا . وتلك يقظة جاءت متأخرة ، ولم تتحقق حتى الآن . فمازال الإسلام يُذْبَح والمسلمون أكثر إهتماما بالفتنة منهم بالإسلام . ومازالت الوهابية تتابع رسالتها . فالمسيرة بدأت بإبادة الصوفيين فى جزيرة العرب بتهمة الشرك . ثم طرد العثمانيين منها بنفس التهمة . وقَبِل الوهابيون بالإحتلال الأروبى اليهودى كبديل عن الإمبراطورية العثمانية ، “كخلافة” جامعة للمسلمين .

– والهجوم البريطانى الوهابى على الشيعة مشابه تماما فى بواعثه مع هجومهم على الصوفية. فالشيعة لديهم تنظيم دينى إجتماعى يشكل حاضنة للجهاد مماثلة لدور التصوف عند السنة ، ذلك هو نظام مراجع التقليد ، الذى يتشكل من العالِم المَرْجِعْ على رأس جمهوره من المقلدين . متماثلا مع تنظيم الإمام والمريدين لدى المتصوفة من أهل السنة . كان لابد ان يحطم الإنجليز الحاضنة الجهادية عند السنة والشيعة معا بنفس السلاح ــ الوهابية ــ وتغطية ذلك بهيستريا من التعصب المذهبى المزيف.

فالوهابية عملت مثل كاسحة أمام الإستعمار الأوروبى تزيل من أمامه أى مقاومة إسلامية ـ تحت إسم الحفاظ على عقائد المسلمين .

والآن وقعنا فى مشكلة لم نجد لها حلا حتى الآن: كيف نجد القيادة الإسلامية الموثوقة ، والتنظيم الإسلامى المترابط ، ونوجد البيئة الحاضنة للجهاد الراعية للمجاهدين حتى نشرع فى الجهاد؟. فلم نجد حلا فى بلاد العرب سوى بغال التحميل . ولم يعد ممكنا العودة إلى الصيغ الإسلامية السابقة (الطرق الصوفية المجاهدة) لأنها إندثرت ولم تعد قائمة فى بلاد العرب . والموجود من الصوفية الآن هو شئ آخر صنعه الإستعمار ووكلاؤه الحاكمون الآن .

وقد إنفض الناس عن الصوفية ، وعمليا إنصرف معظم الناس عن الإسلام .

المسجد : حاضنة إجتماعية .

1 ـ القائد .

2 ـ التنظيم .

– فإذا كنا نتكلم فى الركائز الست للعمل الجهادى المنظم ، فإن نقطة بدايتها وقاعدة إنطلاقها، والحاضنة الإجتماعية للجهاد فى أفغانستان هو المسجد . ورغم أنه من الناحية المادية مجرد بناء من حجر وطين معروش بالخشب والقش ومفروش بالحصير، لكن لم ينطلق منه يوما إلا جهاد عظيم ومنتصر .

فيه جلس العالم يقود الجهاد ، فكان هو القيادة . وحوله جمهور المسجد الذين هم سكان القرية وأبناء القبيلة ، وتلامذته من طلاب العلم (طالبان) الذين هم فلذة أكباد القرية والقبيلة ، ومثالهم الأخلاقى . حُفَّاظ القرآن والدين، وقادتهم فى ميادين الجهاد. هم الرابط بين العالم (المولوى أو الملا) وبين جمهور المصلين أبناء القرية ورجالها ونسائها وأطفالها.

ذلك هو ” التنظيم الجهادى”، من أبناء المسجد، أبناء القرية، أبناء القبيلة، أبناء كل بيت . ليسوا غرباء وليسوا وافدين ولا يتكلمون لغة أخرى أو يتبعون دين مجهول . وليسوا عنيفين إلا فى الحق . وليسوا هجوميين إلا على الباطل.

إذا صعدوا مع شيخهم إلى الجبال لأجل الجهاد ، كانت القرية والقبيلة وكل بيت معهم بقلبه وعقله وكل ما يملك ، لأنهم ببساطة أبناؤه وقادته وأبطاله ، وشيوخه ، والمثل الأعلى فى الخُلُق والدين والجهاد ، والأكثر تضحية وجرأة وإيثاراً .

فطلاب العلم الشرعى “طالبان”، هم (كوادرالتنظيم الجهادى) بالتعبير الحديث، الذى هو أقل قدرة على توصيف حال هؤلاء الشباب ـ كما هو قاصر عن وصف حالة قائدهم الأعلى ، وقادتهم الميدانيين والمحليين من أتباع وتلامذه ورواد هؤلاء القادة . وأميرهم الأعلى، الذى عند الإنتصار النهائى إتفقوا على تسميته (أمير المؤمنين) فخراً واعتزازاً بتراث الإسلام ، حتى لا تسقط القيادة الجامعة من واقع المسلمين . فلهم دين واحد ، وقائد واحد لأمة موحدة .

  تكلمنا إذن عن (القيادة) عند طالبان ، وعن(التنظيم) عند تلك الحركة .

– القائد يُعَلّم ويطبق الدين وأحكامة ، ويتصدر صفوف المقاتلين ، وهو من أبطالهم وأول من يقتحم الأخطار ويعيش الصعاب ويضع الخطط ، ويُخْطِر الشَعْب ـ القبيلة ـ بما يريده منهم ، عبر تلامذته (وكوادره) طالبان.

– أبناء القبيلة الذين هم سند الجهاد والمدد بأسباب القوة ، من رجال ومال وطعام ، ومعلومات.

– المسجد هو القلب النابض للحركة والصلاة وتعليم الأطفال . والقبيلة هى الحاضنة الاجتماعية لهذا النشاط ، تموله وتحميه وتتفاعل معه ، ولا يتقدم عليه شئ آخر وترفض أو تتجاهل أى إطار آخر ، قادم من خارج القبيلة، سواء من الحكومة المركزية فى كابول أو من الإحتلال . أو حتى من أبناء القبيلة المنحرفين. وقد فشل الشيوعيون فى أن يقتحموا القبائل ، ونجاحهم كان جزئيا ومستندا على قوة الإحتلال السوفيتى ، ونظام كابول الخاضع للسوفييت .

كما فشل الأمريكيون فى إختراق القبائل بواسطة أبنائها الخارجين عن التوجه الدينى الإجتماعى الراسخ فى القبيلة والمجتمع الأفغانى عموما .

– إستراتيجية الغزو العسكرى والغزو الثقافى ـ سواء للسوفييت أو الأمريكين ركزت بشدة على إختراق ذلك الكيان الإجتماعى العقائدى الصلب . قصفوه بالطائرات وهاجموه بالجنود . كما قصفوه ثقافيا بالإعلام ـ ولما كان ما توفر فى أيدى الغزاة الأمريكيين من وسائل الإعلام الحديث أكبر بكثير مما توفر لدى السوفييت ، وكذلك الوسائل العسكرية والمدى الزمنى الأطول للإحتلال ، فكان تأثير غزوهم الثقافى أعمق مما حققه السوفييت .

فقد دمروا عددا أكبر من القرى وقتلوا أعدادا أكبر من العلماء وطلاب العلم . وهدموا عددا أكبر من المساجد والمدارس الدينية، ونشروا إستخدام الهيروين بين الشباب، وكافة أشكال العادات غير الاسلامية فى المدن ، والفساد من رشوة وسرقات بين موظفى الحكومة على إمتداد الدولة من كابول حتى أصغر قرية .

لهذا سيكون أصعب التحديات أمام الحكم الاسلامى القادم هو التخلص من آثار العدوان الثقافى ، وإهتزاز قاعدة القيم الإجتماعية .

– وأثناء القتال الدائر ضد الإحتلال فإن أهم واجبات حركة طالبان كان الهجوم على العدو عسكريا وفى نفس الوقت الحفاظ على البيئة الإجتماعية المجاهدة : (العالم ـ طلاب العلم ـ القبيلة ـ المسجد ـ المدرسة الدينية). والحفاظ على الأحكام الإسلامية والعرف الإجتماعى التقليدى داخل القرى . لهذا إحتفظوا على الدوام بجهاز تعليمى ومدارس دينية ، وقضاة لفض المنازعات بعيدا عن قوانين الدولة المحتلة .

– ويُشرِف القضاة أو أئمة المساجد أو المدرسين على تجميع الموارد الشرعية وتبرعات الأهالى لأبنائهم المجاهدين ( طالبان وإمارتهم الإسلامية التى يترأسها “أمير مؤمنين” إنتخبه العلماء وقادة القبائل). وبتلك الموارد تتخطى الحركة معضلة التمويل وتتفادى تدخل الممول الخارجى .

– والإمارة تولت مسائل التفاوض مع الجبهة المعادية التى هى جيش وسلطات الإحتلال والنظام المحلى العميل. وعند مرحلة رأتها مناسبة خاضت تجربة التفاوض. بداية من مفاوضات تبادل الأسرى وصولا إلى إتفاقية جلاء قوات الإحتلال .

– فلا وجود لبغال تحميل فى جهاد أفغانستان، فالتمويل والسياسة والتخطيط الإستراتيجى للمعركة، كلها فى أيدى الإمارة الإسلامية وحركة طالبان .

فى أى حرب هناك إنتصارت وهناك هزائم ، ولكن المسار فى صعود وإنتصار ، والمعركة عنيفة ضد أقوى دول الأرض وحلفائها فى العالم ، ومن أخطرهم أشباه المسلمين فى بلاد العرب.

 

3ـ البرنامج :

 البرنامج الجهادى تضعه الإمارة الإسلامية ــ كقيادة عليا للجهاد حاليا ، وللدولة كلها بعد التحريرــ ذلك البرنامج تشرف على تطبيقه حركة طالبان، بإعتبارها القوة التنفيذية للإمارة. تنفذ الخطط والبرامج والإستراتيجيات فى كافة المجالات العسكرية والمدنية والإقتصادية والسياسية والدعوية والدعائية .

الإمارة لا تضع البرامج والخطط بمعزل عن قواعدها الجهادية ومحيطها الإجتماعى فى القبيلة والقرى والمدن . فالافكار فى معظمها تأتى من البيئة الإجتماعية للشعب الأفغانى .

الإستراتيجية العسكرية:  مستمدة من تجارب الميدان والخبرات المتراكمة فيه . والدماء المبذولة فيه بغزارة وسخاء . وهى إستراتيجية مرتكزة على خبرة موروثة من الجهاد ضد قوى عظمى محتلة سابقا ـ السوفييت وقبلهم الإنجليز . مع مراعاة الفوارق فى ظروف كل معركة وإمكانات التسليح لدى العدو ، وطريقته فى القتال . فالقوى المقاتلة التى يستخدمها الأمريكيون فى أفغانستان أكثر تعقيداً وخطورة.

 

4 ـ الرؤية السياسية: 

وهى من إختصاص الإمارة ، وليس أى قوى خارجية. فى مجال السياسة الداخلية الأفغانية ليس هناك نظير لتفوق حركة طالبان فيها، وذلك منذ ظهورها عام1994 وحتى الآن فى وجود الإحتلال .

 أما السياسة الخارجية فإنها تخضع لحصار شامل يفرضه الأمريكى المحتل الذى يمتلك القدرة على إملاء رغباته على العالم ، بقوته الإقتصادية وعقوباته ، وإبتزازه العسكرى. ولكن بدأت الحركة تحقق إختراقات فى السياسة الخارجية منذ عام 2014 تقريبا . ومن وقتها وهى فى تقدم مضطرد ، بالتزامن مع تراجع نسبى فى قيمة الولايات المتحدة دوليا ، وإجماع العالم على كراهية أسلوبها الفج فى العلاقات الدولية ، والأزمات الإقتصادية التى تسببت فيها للعالم .

لم تكن حركة طالبان وقيادتها فى الإمارة الإسلامية ، فى موضع التابع فى أى مجال إستراتيجى عسكرى أو سياسى.

4 ـ الرؤية السياسية:  ما أسميناه (البرنامج) يشمل أيضا الرؤى الإجتماعية والإقتصادية للإمارة، سواء فى فى حالة الإحتلال أو مستقبلا بعد رحيل الإحتلال وفتح المجال من جديد لتطبيق برنامج الإمارة فى الإجتماع والإقتصاد، كما سنرى لا حقا .

 

5 ــ  6  الرؤيتان الإجتماعية والإقتصادية :

تمتلك حركة طالبان رؤية إجتماعية واضحة . ترى فى بيئتها الطبيعية مثالاً لما هو ممكن وأفضل فى الظروف الحالية . وتدرك أن المدن نالها أكبر قدر من الإنحراف الإجتماعى نتيجة لنفوذ الإحتلال وتركيزه العسكرى والإدارى. وبحكم النشأة فإن طالبان أكثر ميلا إلى الطبقات الفقيرة ، والحياة المتقشفة البعيدة عن التبذير الاستهلاكى. وهم أكثر إطِّلاعا على حياة الفقراء ومشاكلهم ومطالبهم ، وعلى دراية بما يحقق مصالحهم . هؤلاء الفقراء هم الأغلبية من سكان أفغانستان . لهذا فإن الرؤية الإجتماعية للإمارة الإسلامية ، وحركة طالبان ، مرتبطة بعموم الشعب الفقير المحروم ، الحر الشجاع ، المسلم المجاهد على الدوام فى أى وقت دفاعاً عن دينه وحريته وحقوقه .

–  لن تتعاطف حركة طالبان مع منهج الإقتصاد الغربى القائم على الإستهلاك النهم، وتكديس الأموال بكافة الطرق المحرمة، وعدم أداء التكاليف المالية الشرعية، وتحويل المجتمع إلى فئتين ، واحدة صغيرة جدا تمتلك معظم الثروات وكل السلطة السياسية ، وأغلبية من الفقراء الذين يمتلكون أقل القليل من المال ، ولا يمتلكون شيئا من السلطة السياسية .

–  بالتالى لن تسلم الإمارة الإسلامية ثروات أفغانستان إلى الشركات متعددة الجنسيات حتى لو دخلت عليها بالثياب الإسلامية التى يرتديها المنافقون من شركاء الشركات الدولية .

–  العدالة الإجتماعية ، وإتاحة فرص متساوية للجميع للإستفادة من الثروات العامة. والإستفادة من عوائد الثروات لبناء قاعدة إقتصادية قوية توفر حياة كريمة للأجيال الحالية والقادمة. وأداء الحقوق الشرعية من زكاة الأموال ، وأداء حقوق الفقراء والعاجزين عن الكسب، وتوفير فرص العمل لإجيال الشباب وتوفير التعليم المجانى والرعاية الصحية الكاملة للجميع .

–  الإقتصاد المنتج هو شعار الإمارة الإسلامية : زراعة واسعة وصناعة تلبى إحتياجات الإقتصاد، وحكومة تُحْكِم الإشراف على موارد الثروة الطبيعية، وتبتعد عن الإقتصاد الربوى وعن القروض أو المساعدات الخارجية المسمومة.

–  تحقيق ذلك يستلزم العمل على المستوى الإقليمى والدولى والإسلامى ، للخروج من مهلكة الإقتصاد اليهودى الربوى، الذى أحكم قبضته على رقاب البشر وجعل حياتهم جحيما من الحروب والمجاعات والأوبئة .

وتلك مهمة شاقة وطويلة المدى ، وتحتاج إلى التعاون مع الجيران أولا، ثم الإقليم القريب والتوسع فى دوائر تتسع حتى تشمل العالم فى جميع القارات . وتلك معركة عظمى ممتمدة وليست سهلة . وبدون ذلك سيكون التطبيق الإسلامى فى الحكم غير مكتمل . فالإقتصاد هو عماد الدول .

ورغم ذلك فإن الحركة الإسلامية العربية (والجهادية على وجه الخصوص) لا تمتلك أى رؤية أو برنامج إقتصادى أو إجتماعى . ولا ترى سوى الإستمرار فيما هو موجود حاليا من مبادئ الإقتصاد الربوى اليهودى . رغم أنه يقوض العدالة وينشر الفقر الذى هو منبع لجميع الكفر . فلا قيمة بعد ذلك بإن تتشدق الجماعات الإسلامية بشعار(تطبيق الشريعة) لأن ما يتحدثون عنه ليس هو الشريعة بل هو تطبيق جزئى لقانون العقوبات الشرعية ، التى لا يمكن تطبيقها فى ظروف مجتمع غير قائم على نظام إقتصادى إسلامى ، وتحكمه نظم إجتماعية وثقافية قائمة على الإسلام .

والنتيجة هى أن شعار (تطبيق الشريعة) الذى ترفعه بعض الحكومات المنافقة ، وترفعه حركات إسلامية فاقدة للإستقلال وتابعة لطواغيت الأرض ، وهى مجرد (بغال تحميل) سواء كانت فى ميدان القتال أو أى ميدان أخر،إقتصادى أو إجتماعى وثقافى . تمارس مظاهر خادعة بإسم الإسلام .

تكلمنا عن الركائز الستة للعمل الإسلامى المنظم الذى يخوض الجهاد المسلح أو(الثورة الشعبية السلمية) وذلك من خلال رؤية ميدانية حركية .

وذلك أسهل فى فهم من كتابتها بصيغة نظرية مجردة.

سنلخص الدروس السابقة فى صيغة نظرية لمجرد التذكرة والتركيز .

1 ـ القيادة :

إسلامية قوية ـ جهادية ـ مُلْهِمَة فى مجال المعنويات والأفكار والبرامج ـ موضع ثقة ـ تتمتع بقبول عام (كاريزما) قادرة على إدارة التنظيم الجهادى والثورى ـ قادرة على وضع السياسات والخطط الإستراتيجية ـ تجيد الإستفادة بالخبراء من حولها كل منهم فى مجاله الصحيح ـ متواضعة ـ عفيفة ـ متقشفة ـ شجاعة ـ واضحةـ صريحة ـ بعيدة النظرـ تجيد توزيع الصلاحيات والمسئوليات ، ولا تحتكر صنع القرارات .

2ـ التنظيم :

مؤمن ـ عقائدى ـ متحمس بدون تعصب عرقى أو مذهبى ـ ذو سلوكيات منضبطه سريع فى إصلاح الأخطاء الداخلية ـ شجاع فى مواجهة التحديات الخارجية ـ إيجابى فى صنع القرارات ومناقشتها ، مبدع فى تنفيذها بعدل وحياد ـ صعب المراس مع أعداء الأمة والدين ولا يهادن .

ينقل خطط القيادة إلى المستويات الشعبية ، ويرفع مطالب وآراء تلك المستويات إلى القيادة العليا. غير منحاز سوى للعدل ، ولا يرى تمايزا بين الناس سوى بالتقوى والصلاح . يتجنب إرتكاب الظلم بإعتباره العدو الأكبر لأى حركة جهادية أو ثورية .

ذو إعداد أخلاقى متين ، ومعرفة دينية أساسية لمواجهة التحديات التى يقابلها . يجيد الإتصال بالشعب ـ ذو ثقافة متجددة ومتنوعة ومتواصلة فى عالم يتطور بسرعة . جرئ فى إبداء وجهة نظره ، ومناقشة الموضوعات العامة ـ يستوضح ما جهل منها ، ويعمل بما تعلمه.

– يقوم التنظيم بتحويل الخطط الإستراتيجية التى تضعها القيادة إلى واقع عملى مع رفع آرائه فى المشاكل التى تقابله مع مقترحات للتطوير والتصحيح .

الأعمال التكتيكية خلال تطبيق الخطط الإستراتيجية ـ خاصة فى العمل العسكرى ـ معظمها يقع على عاتق الكوادر الميدانية وقدرتها على الإبداع وتمتعها بالخيال والجرأة .

– لابد من تزويد التنظيم بتثقيف سياسى متجدد عبر نشرات وكتيبات ومحاضرات وزيارات يقوم بها المستوى القيادى والجهاز السياسى لقواعد ومراكز المجاهدين . فمن أشد الأخطار أن يكون التنظيم جاهل سياسيا أو تنخر فى عقوله ثقافة سياسية مشوشة أو خاطئة . أو أن يصاب بالجمود السياسى بينما الواقع السياسى لقضيته وللعالم يتغير بإستمرار وبسرعه كبيرة .

والأخطر من كل ذلك أن يكون التنظيم يستمد ثقافته ومعلوماته السياسية من مصادر الأعداء وعملائهم المحليين أو أشباه المسلمين .

فالسيطرة على عقل التنظيم ستؤدى إلى السيطرة على قرارته ومسيرته وقد يتحول إلى خطر على القضية الإسلامية التى قام لنصرتها .

 

3 ـ البرنامج الجهادى :

وفيه تذكر الحركة الهدف من قيامها. ومجالات التغيير التى تستهدفها. والمسار الذى تختاره لتحقيق التغيير هل هو المسار الدعوى الإصلاحى، أم الثورى السلمى، أم الجهادى المسلح . مع سَوْقْ المبررات لذلك الإختيار المصيرى .

وتقدم إجمالى خططها الإجتماعية والإقتصادية. والعلاقات السياسية فى الدوائر البشرية من حولها من جيران الاقليم والعالم . وعلاقتها مع الغير إتفاقا أو خلافاً. ومستقبل تلك العلاقات من تأكيد أو تغيير أو تطوير ودعم .

ورؤيتها إلى الثقافة والأخلاق والمجتمع ، والسبيل إلى تطويرها إلى الأفضل .

–  إختصارا: فإن البرنامج ليس مجرد ترديد للشعارات ، بل هو توضيح لمجالات العمل والوسائل المتبعة فيها.

 

4 ـ الرؤية السياسية :

مما سبق يتضح أهمية ان تكون هناك رؤية سياسية واضحة للتنظيم ويتم شرحها للكوادر ومناقشتها معهم . وكل منهم يطبق الجزء السياسى المنوط به من السياسة الداخلية أو الخارجية .

والتنوير السياسى المستمر ضرورى للغاية ، وكذلك تزويد الكوادر بالمدد الثقافى، مثلما يتم إمدادهم بمستلزمات الحرب .

ونشر الفكر السياسى بين فئات الشعب ، ومداومة الشرح والتوضيح ومناقشة المسائل السياسية معهم حتى لا يحدث فراغ يملأه العدو ، فينفصل المجتمع عن المجاهدين ، ويزهد الشعب فيما يطرحونه من آراء غير واضحة أو تفتقر إلى النضج وبعيدة عن الواقع . نلفت النظر إلى خطأ إعتماد طريقة تكرار الشعارات  واستعراضها وكأنها منهج أو خطة .

 

5ـ الرؤية الإجتماعية :

تنحاز الحركة الإسلامية إلى الفقراء والمظلومين ، الذين أرهقهم الطغاة والمستعمرين . وإعادة الحقوق إلى هؤلاء وبسط العدل عليهم ، وإيصال الحقوق إليهم ، والوقوف إلى جانبهم والدفاع عنهم فى حال الثورة وما بعدها كموقف مبدئى . ولابد من محاربة الفقر بكافة الوسائل بإعتباره أشد الأخطار على المجتمع ، وعلى الدين ، وعلى الدولة .

 

6 ـ الرؤية الإقتصادية :

العودة إلى مبادئ الإقتصاد الإسلامى والعمل بصبر على تطبيقها بعد غياب طويل إستمر لمعظم التاريخ الإسلامى ـ فالرؤية الإقتصادية مرتبطة بشدة بالرؤية الإجتماعية ومبدأ العدالة والمساواة بين الناس ومحاربة الإحتكار والغش ، والتدليس ومقاومة الربا حتى القضاء التام عليه ، ومكافحة سيطرة اليهود على الإقتصاد الإسلامى والعالمى عبر شركاتهم والبنوك العملاقة.

فالربا والسيطرة الإقتصادية مرتبطة بسيطرة اليهود على العالم بكافة تفاصيل حياته .

من التحديات السياسية :  التفاوض ، والتحالف .

وهو فرق جوهرى بين المجاهدين الحقيقيين ، وبين “بغال التحميل” الذين يقومون بدور التابع للقوى المهيمنة ، ومجرد منفذين لأوامرها وتوجهاتها السياسية من تفاوض أو تحالف بإسم الحركة ونيابة عنها .

ولكن الحركة المجاهدة الحقيقية تعتبر أن ممارسة تلك المهام هى من أخطر واجباتها القيادية. تمارسها ـ مثل العمل القتالى ـ من منطلق جهادى مبدئى ، وبصيرة واعية وإدراك للواقع وتطوراته المتلاحقة ، وعلاقاته المتشابكة والمعقدة ـ خاصة فى المجال الدولى ـ

 

التفاوض:

تظهر الحاجة إليه منذ وقت مبكر خاصة فى المسائل المحلية ، وفى القتال المحدود عند تبادل الجثث والجرحى ، وأحيانا الأسرى فى نطاق محدود .

أو عند التفاهم بين القبائل المتجاورة أو مع السلطات المحلية ، أو المنظمات الإجنبية مثل هيئات الإغاثة فى مناطق الإشتباكات، وعند محاولات تحييد الميليشيات المحلية ، أوعزلها ، أو التمهيد لتصفيتها عسكريا .

وفى الأخير هناك مفاوضات من أجل قضية أسرى العدو المحتل : ومن الأفضل تأجيلها إلى أن يتم الإنسحاب. ولو كانت هناك خشية من أن يقتلهم العدو أو يختطفهم ، فقد تجرى مفاوضات قبل الإنسحاب فى مقابل أسرى من قيادات وكوادر المجاهدين ، أو فى مقابل غرامات مالية أو صفقات تسليح متطور، إلى آخر ما يمكن طرحه والحصول عليه فى إطار تلك المفاوضات.

 

التحالفات :

هى موضوع سياسى حساس وذو شقين داخلى وخارجى. وإذا كان هدف التكتيك العسكرى هو (المحافظة على قواتنا وإبادة قوات العدو)، فإن هدف التحالفات هو {تقوية صفوفنا ، وإضعاف صفوف العدو ـ فى الداخل والخارج} .

التحالف ذو تأثير كبير فى تقوية المركز العام ـ العسكرى / السياسى / الإقتصادى .

يحتاج التحالف إلى ذكاء وخبرة سياسية ، ومهارة فى إيجاد الأرضية المشتركة مع الآخرين ، مهما كانت محدودة ـ وذلك للحد من قدرة العدو السياسية.

أى محاصرته بشبكة تحالفات تعقدها الحركة فى الداخل والخارج بما يحقق أهدافها ويحرم العدو من المناورة السياسية وتوسيع تحالفاته.

 

الجهاد : لماذا ؟.. وأين ؟.. وكَيْف؟..

 1 ـ  الجهاد .. لماذا ؟؟

يعتقد كثيرون أنهم يعرفون الإجابة ، فيقولون أن الهدف هو”تطبيق شرع الله”.

ونظرهم متوجه إلى تطبيق جزء من العقوبات الشرعية، وفرض سلوكيات إجتماعية محافظة خاصة على النساء.

غبر مبالين بمراعاة الأركان الأساسية للمجتمع والدولة الإسلامية ، خاصة فى الإقتصاد ، والسياسة بنوعيها الداخلى والخارجى ، والتعليم والثقافة ، ومتطلبات الدفاع ، والتطور الدائم فى المجالات كافة لتلافى التخلف والجمود. ومحاربة “الإحتكارالإقتصادى والسياسى” كأساس ومصدر دائم للتلوث الثقافى والأمراض الأخلاقية والإجتماعية . وتطبيق مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص .. والقائمه طويلة. وليست فقط تطبيق بعض جوانب قانون العقوبات الإسلامى ، بدون مراعاة لباقى الجوانب التى بدونها يفقد ذلك التطبيق القانونى أى معنى ، بل قد يؤدى إلى فقدان ثقة الناس بذلك النظام ، ويرون إنه مجرد إحتيال وسؤ إستخدام لمشاعر التدين عند الناس .

 

2 ـ  الجهاد .. أين ؟؟

لا يكاد يخلو بلد من حاجة إلى ثورة على أوضاعة . وليس ذلك بالأمر السهل ، وليست الثورة السلمية ، أو الجهاد بالسلاح ، أمراً سهلاً أو متاحاً أو مضمون النتائج . فتوافر شروط الثورة لا يعنى أنها ممكنة الحدوث ، وإلا لاشتعلت معظم بلاد المسلمين بالثورات.

وللأسف فإن أعداء الأمة هم من يمتلكون”لوحة التشغيل” الخاصة بإشعال الثورات السلمية أو المسلحة كما رأينا فى العقود الأخيرة وبالذات فى تجارب ( الربيع العربى) .

– من العسير أن تحرك التنظيمات الإسلامية مجتمعاتها صوب ثورة إسلامية (مسلحة أو سلمية). ولكن من الأسهل أن يقوم العدو بذلك، كما رأينا فى أحداث الربيع العربى. بل أن يحول يحول العدو مسار الثورة من سلمية ذات مطالب معيشية وحقوقية، إلى ثورة مسلحة مطلبها هو”الدمار الشامل”. يشارك فيها أو يتحمل تبعاتها التيار الإسلامى “الجهادى” بشعارات منفلتة تنادى بتطهير مذهبى أو عرقى، وتطبيق دموى لشئ إبتدعوه وقالوا أنه الإسلام .

 

3ـ  الجهاد .. كَيْف ؟؟.

نقصد هنا أساليب التغيير الجذرى سواء عن طريق الثورة الشعبية السلمية أو الجهاد المسلح بإتباع تقنيات “حرب العصابات “طويلة الأمد متعددة المراحل .

وقد إحتوى كتاب أسميته (حرب المطاريد) شئ من التفصيل فى كلا الطريقين. الكتاب موجود فى موقع (مافا السياسي) منذ عام 2007 . والآن ينبغى وضع بعض الإضافات حيث أن الأوضاع الدولية والإقليمية قد تغيرت بشدة منذ ذلك الوقت . وكذلك الأوضاع الداخلية فى الدول الإسلامية والدول العربية ، التى يشهد عدد منها حروبا داخلية ، من المفيد أخذ الدروس والعبر.

 

وأهم تلك الدروس هى :

لم يعد هناك حدث محلى فى الدول العربية والإسلامية. فالأحداث كلها دولية أولا، ثم إقليمية ثانيا، ثم داخلية ثالثا . وذلك الترتيب عكس ما كان سائدا فى الماضى .

فالثورات أو الأزمات المحلية الكبيرة تتحول فورا إلى مشكلة عالمية يتقدم فيها الطرف الدولى المسيطر (الولايات المتحدة) مع منظومة التوابع الدوليين( دول حلف الناتو والدول الأوروبية ثم دول من سقط المتاع من هنا وهناك) ، تتدخل الولايات المتحدة أولا بأسلحة الإقتصاد والمال ، وسلاح الحرب النفسية والإعلام ،  و بالمنظمات الدولية (أمم متحدة ـ مجلس أمن ـ حقوق إنسان ـ طاقة ذرية) وأخيراً التحرك العسكرى المباشر والمدروس بدقة (بالضربات الجوية أو القوات المحمولة ، أوالقوات البرية إذا إستدعى الأمر السيطرة على أبار النفط ـ أو المواقع المؤثرة عسكريا أو سياسيا أو إقتصاديا ) .

– تحرك الولايات المتحدة الأطراف الخليجية والسعودية ، للتمويل وتحريك العمل الإسلامي (الجهادى ـ والسياسى ـ والدعوى ) أى الجماعات السلفية الجهادية ، والإخوان المسلمين (سلفية سياسية) والسلفيات الدعوية الأكثر ميلا للوهابية السعودية.

تلك الأطراف تتحرك داخليا ضد النظام الحاكم لدفعه صوب مواضع أكثر خضوعا للمصالح الإسرائيلية ـ أولاـ والمصالح الأمريكية ثانيا .

– يتحرك الشعب صوب الثورة ، وهو الذى يعيش أزمات خانقة، ما أن تصله الإشارات الخضراء ، ويرتفع الدعم الذى يتمتع به النظام الحاكم من الخارج الدولى (الولايات المتحدة وإسرائيل) ومن الأطراف النفطية فى السعودية الخليج، الممولة للنظام والمؤيدة له سياسيا والمسيطرة على الحركة الإسلامية عنده {إخوان ـ تنظيمات جهادية ـ سلفيون وهابيون}. وهؤلاء كانوا فى وضع كمون فى إنتظار إستدعائهم للحركة ـ ويعانون ضغوطا دائمة من النظام كونهم البديل أو الأداة التى سيحركها حلفاء النظام فى الخارج ضده عندما يرون المصلحة فى تغييره .

 

حقائق سياسية صارخة .. منذ 2001

1 ـ أن إسرائيل هى قوة إقليمية ودولية فى نفس الوقت . وهى الدولة الوحيدة فى المنطقة العربية من المحيط والخليج . والبقية إما أشباه دول أو ركام دول منهارة ـ تنتظر الأمر بإزالتها .

2 ـ لا الولايات المتحدة، ولا أى قوة أوربية رئيسية ، يمكنها التحرك فى المنطقة العربية بغير ما تشاء إسرائيل وترضى .

3 ـ الحركة الإسلامية بأفرعها سابقة الذكر هى جزء من التحرك الدولى فى المنطقة وجزء من قوى التمويل النفطى (السعودى ـ الخليجى) ضمن محور تقوده إسرائيل.

4 ـ ونتيجة لتطور مشيخات السعودية والخليج إلى وضعية مستعمرات إسرائيلية شبه علنية، فقد إقتضت الضرورة لجؤ التيار الإسلامى إلى تركيا كأرض مقر ـ لعدم قدرة قطر على إستضافة تلك الجماعات ، خشية منها ، وخشية جيران قطر من تواجد  هذا الحشد الإسلامى الضخم . فذلك الحشد يغلب عليه الإرتزاق وليس العقائدية ـ أو هو إرتزاق شبه عقائدى .

5 ـ لا يوجد تحرك إسلامى حقيقى فى المنطقة العربية . فالتحرك الإسلامى عماده قيادة العلماء وهم عملة إنقرضت من أوساط أهل السنة والجماعة فيما عدا حركة طالبان .

فبعض الحركات الإسلامية المشهورة تخلو تماما من العلماء . وبعض الحركات عندها نماذج تستعرضها فى الإحتفالات وبرامج الإستفتاءات .

– فشلت حركات التمرد الشعبى فى المنطقة العربية (الربيع العربى) كونها تفتقد إلى القيادة والبرنامج . فالجماهير الذى رُفِعَت عنها فجأة كمية من الضغوط الأمنية الرهيبة خرجت مندفعة إلى الشوارع ، وهى لا تدرى على وجه التحديد ماذا تريد ؟ ومن هو قائد تمردها الذى سيحدد الخطوات التالية ؟ .

قفز على أكتاف الجماهير مغامرون وإنتهازيون من توجهات شتى ، وتيارات سياسية هامشية أو مستأجرة تعرف قوانين”اللعبة” فبادرت إلى الإتفاق مع الطواغيت المحليين (مراكز القوى داخل النظام، فى الجيش والأجهزة الأمنية) ومراكز التمويل النفطى ، أو إتصلت بإسرائيل مباشرة إذا كان لديها القدرة والخبرة على فعل ذلك .

ما حدث بعد ذلك هو التطور الطبيعى ، إذ إنهارت الأوضاع العربية أكثر مما كانت عليه. فيما عدا تونس الذى حظى شعبها بملهاة من اللغو الديموقراطى ، بينما ظل ما سوى ذلك على ما هو عليه . واستمر خضوع النظام للقوى الخارجية أكثر مما كان فى السابق . ولم يخطو الإقتصاد خطوة واحدة إلى الأمام، وبقيت أوضاع الشعب على حالها . ذلك بالطبع أفضل بكثير جدا مما حدث فى مصر أو سوريا أو اليمن أو لبنان والعراق . لهذا تعتبر تونس الأعمى الأقوى بصراً من بين العميان ، على الأقل أنه لم يسقط فى البئر حتى الآن.

– بغياب الإسلام الحقيقى عن المنطقة العربية ، وإحترافية الجماعات الإسلامية كقوى مستثمرة للأوضاع ومتعايشة مع الإنحرافات العربية ، ومع سيطرة الغرب وإسرائيل . فإن فرص نجاح الثورات الشعبية يصبح قليلا للغاية ، أما حروب العصابات فهى شبه مستحيلة فى أغلب البلاد .

يبقى الإحتمال الذى قد يصبح متاحاً فى أى وقت هو إندلاع ثورات جوع وغضب ويأس تحرق كل ما تصل إليه أيديها ، ولا تتمكن من إصلاح أو بناء مستقبل أو حاضر .

– فى ظل هذه الظروف تبدو الجماعات الجهادية العربية لغزاً . فما دامت معزولة عن شعوبها ، وتفتقد إلى القيادة بشكلها المفترض ، وكذلك حالتها التنظيمية البائسة.

وما دامت فى معظمها خارج مواطنها الطبيعية ، أو مغتربة داخل ذلك الوطن .

فماذا يمكن لتلك التنظيمات أن تفعل ؟؟ وأى طرق للتغيير سوف تسلك ؟ وكيف يكون ذلك ؟.

حتى فى ظل تلك الأوضاع البائسة ، يظل هناك أسلوب ما للعمل . ولكن ما هو ؟.. وما هى قوانينه مادام طريقا لم يسلكه أحد قبل ذلك ؟؟ .

وهل ننتظر العدو أن يبتكر لنا طريقا ، ويجتذبنا إلى العمل فيه بأسلوبه وعلى طريقته وصوب أهدافه لنكون بغال تحميل فى طريق جديد ومبتكر ؟؟ .

تحمل التجربة الجهادية لحركة طالبان فى مواجهة الإحتلال الأمريكى خيوط الإجابة عن أكثر تلك المعضلات. بشرط دراسة التجربة بعمق والخروج منها بالإستنتاج الصحيح . ولكن كيف ستفعل ذلك فى تجربة لم تشهدها ولم تتابعها إلا لماماً ؟؟. بينما حضر المجاهدون العرب معظم التجربة الجهادية الأولى ضد السوفييت ، وإتضح بعد ذلك أنهم لم يستوعبوا منها غير بعض دروس إستخدام السلاح. أو كما قال خبير بعد نهاية الحرب : (إن العرب خرجوا من تلك الحرب جنودا أوضباط صف ، ولكن لم يخرج منهم جنرال واحد } .

إذن غاية مرحلة التطور المتاح لبغل التحميل هو أن يرتقى إلى رتبة جندى أو ضابط صف. ولكن الخروج من مرتبة بغال التحميل يستدعى الترقى إلى ما هو أبعد، وإقتحام مجالات الإستراتيجية ، ومجاهل السياسة الدولية والمحلية .

 

وفى مجالات القيادة والتنظيم:

 1 ـ لابد من الإعتراف بالحاجة فى وجود قيادة من العلماء /وذلك فى ظل عدم وجود علماء/ بما يعنى أن نبدأ من أول السلم فى تكوين طبقة العلماء بعيداً عن السلطات المحلية والدولية .

2 ـ أن يتواضع الفرد العربى ويقتنع أنه قد لا يكون قائداً على الدوام ـ وعليه ان يتحمل تلك المصيبة . وأن يتواضع القائد العربى، ويقتنع ألا يصبح طاغوتاً بمجرد ان يتولى إمرة شخصين أو أكثر .

3 ـ الحركة الإسلامية ـ عموما ـ تتفق مع الأنظمة الطاغوتية على مقاومة الوعى بين رعاياها ، وتسطيح العقول ، وإشاعة الضعف الثقافى ، وإستبدال البحث والحوار الجدى الهادف بعمليات التلقين والمراء والجدال العقيم، والإبتعاد عن الموضوعية ، والإغراق فى الشخصنة وعبادة الذات. وإختزال الأمة فى التنظيم، واختزال الثقافة فى الغثاء الذى تلقنه كل جماعة لأتباعها .

فمن العار أن تكون الفجوة الثقافية بين أعضاء الجماعات الإسلامية وجماعات الذباب الأليكترونى ضيقة إلى هذا الحد .

الفرد فى الجماعة الإسلامية عبارة عن مادة أو سلعة يعتاش عليها التنظيم، وتبنى عليها القيادة أهميتها فى السوق السياسى .

وكلما كان الفرد حماسيا مسطحاً جاهلاً كان ذلك أفضل فى وضعية كهذه .

 

{ المخابرات ـ والمرتزقة ـ والتكنولوجيا }.

تجديدات نوعية فى الحرب الأمريكية على أفغانستان ..

دخلت أمريكا حرب أفغانستان وهى فى حالة جهوزية تامة لتلك الحرب ـ وكان واضحاً أنها قد درست بعمق تجربة السوفييت فى أفغانستان ، وإستفادت من أوجه القصور فيها ، وأغلقت كافة الثغرات. وحتى فلسفة الغزو العسكرى تغيرت بالكامل، وطرق المجاهدين القديمة أصبحت قليلة الجدوى ـ أو ضارة فى حالات كثيرة .

إستغرقت حركة طالبان عدة سنوات فى إستكشاف قوانين تلك الحرب الجديدة ، ومن ثم إبتكار أساليب جديدة للمواجهة. وتكبدت الحركة أنهارا من الدماء فى ذلك السبيل.

الأساليب الجديدة ، عسكرية فى المقام الأول ولكنها وثيقة الإرتباط بالحروب الأخرى : النفسية ـ الإعلامية ـ السياسية ـ الإقتصادية .

نوع الحرب: الحرب الأمريكية على أفغانستان حرب (تقودها المخابرات) . والمرتزقة هم القوى الضاربة ، والتكنولوجيا الخارقة تضمن تفوق دائم لا يمكن إدراكه . إنها الحرب الأولى فى العالم القائمة ــ وبدون جيش تقريبا ــ على أعمدة ثلاث متصلة هى : ( المخابرات ــ المرتزقة ــ التكنولوجيا  ).

الهدف من الحرب : هوتحطيم روح المقاومة لدى المدنيين ، وفك الإرتباط بينهم وبين المجاهدين بكافة الوسائل المتاحة.

فاستهداف الشعوب سياسة ثابتة لدى الأمريكيين . وفى مجهودها لإسقاط الأنظمة غير المرغوب فيها، فإنها توجه الضربات الإقتصادية التى تمس حياة الناس وأمنهم الإقتصادى والغذائى. ويبررون ذلك بأنه ضغط على الأنظمة .

وحتى فى ضغطهم على الحلفاء أو المنافسين فإنهم يستهدفون الشعوب رأساً ليكونوا وسيلتها للضعط على الأنظمة وتغيير السياسات.

إذا تجاوزنا الحديث عن الأسباب الدينية للحرب رغم خطورتها ، ورغم أن الأمريكيون أنفسهم قالوا صراحه أنها(حرب صليبية) وهى كذلك بالفعل .

الحرب السوفيتيه كانت أحد أشكال الحروب الصليبية المتواصلة على أفغانستان، ولكن فى ثوب(ماركسي). وقال السوفييت صراحة أنهم أرسلوا جيشهم لتثبيت الحكم الشيوعى فى أفغانستان . الدوافع الإقتصادية كانت غاية القوة فى تحريك الصليبية الأمريكية .

كانت ثروات أفغانستان المعدنية (أكثر من 2  ترليون دولار) أحد الدوافع .

شلالات النفط والغاز من آسيا الوسطى التى تطلب إذنا بعبور أفغانستان لصالح الشركات الأمريكية كانت دافعا آخر .

أكبر محصول أفيون فى العالم ، والذى يمثل الدخل الأعظم للبنوك الأمريكية ويقدر بعدة مئات من المليارات سنويا (أكثر من 600 مليار) يعتبر الدافع الأول بفارق كبير جدا عن باقى الأهداف .

بالتالى أصبحت المناطق المنتجة للأفيون هى المسرح الأساسى للعمليات العسكرية والإستخبارية. فالقوة العسكرية الرئيسية للجيش الأمريكى تركزت فى ذلك المسرح. وأقرب حلفاء أمريكا عقائديا وسياسيا كانوا شركائها فى ذلك الميدان . وبالتريب كانوا: بريطانيا ـ كندا ـ إستراليا {الجنس الأبيض ، بروتوستانت ـ أنجلوساكسون }. وتخصصت بريطانيا فى نهب مناجم اليورانيوم الموجودة فى نفس المنطقة ، بإعتبارها الشريك الأوروبى الأكبر فى الحملة الصليبية . فى نفس المنطقة عملت قوات “إسلامية” من الإمارات .

القوات الأردنية شاركت فى الحملة الصليبية. وتركيا ضمن قوات حلف الناتو أرسلت أكبر قوات عسكرية بعد القوات الأمريكية.

هدف العدو من الحرب ـ وأسلوب العدو فى القتال ـ والأدوات المتاحة بين يديه، كانت مفاتيح أساسية لرسم إستراتيجية طالبان لخوض الحرب .

ولا ننسى الموقف الدولى وسيادة أمريكا على العالم كذئب مستفرد بالقرية الدولية .

ولا ننسى الموقف الإقليمى المعادى لطالبان .

أوالموقف الإسلامى غير المبالى (فى أحسن حالاته). أو المتآمر مع الحملة، خاصة المشيخات النفطية (السعودية / الإمارات/ قطر) .

 

صدمة تكنولوجية :

تعتمد الولايات المتحدة فى حربها على تفوق تكنولوجى يسبق ما لدى القوى الأولى فى العالم تجهيزا لأى حرب عالمية قادمة . فما بالك بالفجوة التكنولوجية بين جيش الغزو وبين مجاهدى حركة طالبان ؟؟ فكم سنة ضوئية كان الفارق بينهما؟؟.

– فى بداية الحرب حدثت صدمة من قدرة الجنود والمعدات الأمريكية على الرؤية ليلاً بالمناظير الحديثة . وبعد أن كان الليل حليفاً للمجاهدين ، أصبح حليفاً للعدو ، ويعمل لصالحه أكثر . فتحول المجاهدون إلى إستخدام النهار حيث الرؤية ستكون متساوية .

– دقة تصويب الأسلحة كان ملفتا للنظر، نتيجة التقنيات الحديثة، يستوى فى ذلك الجندى والدبابة والطائرة .

– فى بداية الحرب أحدث الطيران الأمريكى صدمة كبيرة لدى طالبان . فكان فارق الأداء كبيرا بينه ، وبين ما إعتاد عليه الأفغان من الطائرات السوفيتية .

ثم كانت صدمة أخرى من القوة التدميرية للذخائر الجديدة التى إستخدمها الأمريكيون، مثل قنابل اليورانيوم المنضب ، التى إستخدموها فى حرب “تحرير الكويت” ضد الجيش العراقى ، فكان تأثيرها مذهلاً . وإستخدموا القنابل الثقيلة التى تزن عدة أطنان حتى وصلوا إلى”أم القنابل” ذات الأطنان العشرة .

 

صدمة الطائرات بدون طيار (درون)

مازالت تلك الطائرات تقوم بالدور الأعظم فى الحرب ، وطور الأمريكيون والإاسرائيليون أجيالا عديدة منها. ولم يسبق أن سيطر جيش على الأجواء بتلك القوة ، ومعظم الوقت تقريبا . فهى تُسْتَخْدَم بكثافة عالية جداً فى سماء أفغانستان، وتقوم بمهام شتى فى الرصد والمتابعة وتدمير الأهداف وإغتيال الأشخاص .

جزء كبير من أسطورة الطيران تعود إلى إنعدام وجود مضادات جوية أو قلتها مع تخلفها التكنولوجى . ومازالت طائرات الدرون لا تواجه تحدياً جدياً يهدد سيادتها على الأجواء .

معظم طائرات (الدرون) فى أفغانستان صنعت فى إسرائيل ، ويديرها خبراء إسرائيليون ضمن شركات المرتزقة .

صدمة المرتزقة وفرق الموت وحرب الإغتيالات :

تطبق الولايات المتحدة نوعاً متطرفاً من الليبرالية الجديدة ، بإطلاق حرية كبيرة لأصحاب الأموال ليفعلوا ما يشاءون داخل الدولة وخارجها ، بأقل قدر من تدخل أجهزة الدولة ، بل أن أجهزة الدولة تساعد فى تمكين الرأسمالية المتوحشة وحراستها ، وتقليص دور الدولة فى مجال الخدمات .

الأعجب والأخطر كان خصخصة الجيش والإستخبارات والأمن. لتتوسع أدوار الشركات داخل تلك الأجهزة ، من التخصصات الدقيقة وصولاً إلى القتال الأرضى .

رأت الولايات المتحدة أن المرتزقة أو المتعاقدين ـ العاملين ضمن شركات متفاوته الحجم يحققون مصالحها بشكل أفضل ويتماشون مع فلسفة المجتمع الجديد الذى لا يرى غير المال ، ولا يبالى بالقيم والمثل التى تعارفت عليها الإنسانية خلال قرون طويلة ومن خلال الأديان .

من النقاط الهامة أن الخسائر فى أرواح المرتزقة لا تظهر ضمن خسائر الجيش الرسمى. وهُم يحصلون على رواتب مرتفعه جدا، إلا أنهم بلا حقوق فى حال إنهاء تعاقدهم أو إصابتهم بإصابات تقعدهم عن العمل . وحكومة الولايات المتحدة ليست ملزمة بهم عند وقوعهم فى الأسر . إلا فى حالات خاصة جدا تتعلق بالحفاظ على أسرار هامة أو خبرة نادرة .

– كشفت حرب أفغانستان الحالية عن نقاط ضعف خطيرة فى إستخدام المرتزقة، وفى خصخصة الحرب وخضوعها لمبدأ “الربح” بدون إرتباط ولو شكلى بأى مبادئ أو مصالح وطنية عظمى ـ فقد أظهر المرتزقة وحشية بالغة فى التعامل مع المدنيين قتلا وتعذيبا وإستهتارا بكل شئ، كما أظهروا جبناً وتردداً فى خوض مواجهات أرضية مع المجاهدين . أى أنهم مجرد مجموعات من القتلة وليسوا مقاتلين. فهم متطرفون فى الوحشية مع المدنيين ، ومتطرفون فى الجبن فى مواجهة المجاهدين .

أثبتوا خلوهم من المشاعر الإنسانية ، وحرصاً شديدا على جمع المال بشتى الطرق . لأن المال هو معبودهم الذى يبذلون لأجله حياتهم وحياة ضحاياهم .

أعطى ذلك نتائج إيجابية لصالح مقاتلى طالبان ـ فقد تمكنوا من إختراق صفوف المرتزقة الذين جعلوا لكل شئ ثمنا . فاشترى منهم طالبان كل ما يقدرون على دفع ثمنه .

سواء كان معدات أو ذخيرة أو معلومات ، أو تنفيذ أعمال قتالية أو إغتيالات وتخريب لأهداف حساسة فى المعسكر المعادى .

وعندما بدأت كفة الحرب تميل لصالح طالبان وإمارتهم الإسلامية ، تفشى بين المرتزقة ظاهرة العمل على الجانبين . أو الحرب ضد الجميع لصالح من يدفع أكثر . فزادو من تردى أوضاع الإحتلال .

وإنتقلت تلك الروح إلى القوات المسلحة المحلية التى أنفق الأمريكيون المليارات على تشكيلها . أما الميليشيات فحدث ولا حرج، فقد نشأت على الوحشية والفساد قبل أن ترى المرتزقة الأجانب ، ولكن بمرافقتهم فى الحرب زاد فساد الميليشيات ـ وأصبحت أكثر وحشية ، وتحول الكثير منهم إلى مجرد تشكيلات إجرامية صرفة.

 

صدمة فرق الموت :

أخطر نشاطات المرتزقة ، كان تشكيل فرق الموت المنقوله جوا ، والتى تهاجم ليلا القرى البعيدة ، أو غير المحمية بقوات من المجاهدين، ثم إقامة إحتفالات رعب تشمل قتل وتعذيب وإستخدام الكلاب المتوحشة ، ونسف منشآت القرية خاصة المسجد والمدرسة الدينية والعيادة الطبية ، ثم إختطاف عدد من السكان واصطحابهم فى الطائرات .

قد تحدث بعض تلك المداهمات نهارا فى حماية مكثفة من طائرات هليكوبتر وطائرات بدون طيار بأعداد كبيرة ، فإذا حدثت مقاومة فإنهم ينسفون القرية بالكامل . وأحيانا يستكمل الجيش مهمة فرق الموت بعد مغادرتها، بأن يقصف القرية بالمدفعية والصواريخ أو بالطائرات .

– الطائرات بدون طيار ( الدرون ) كثيرا ما عملت كفرق”موت جوى” فتضرب أهداف مدنية وسيارات على الطرق العامة ، وإحراق محاصيل زراعية ، ورصد وإغتيال شخصيات هامة .

– إستخدم الأمريكيون ورقة فرق الموت والمرتزقة كسلاح ضغط أثناء مفاوضاتهم مع حركة طالبان . فقد أدرك العدو مدى معاناة المدنيين من الوحشية المفرطة لفرق الموت .

– قام الجيش الأفغانى بتقليد نفس الأسلوب ، ونفذه بشكل منفرد ، أو بمشاركة عناصره فى عمليات مرتزقة الموت الدوليين.

 

صدمة حرب الإغتيالات :

وهى من أهم المجهودات القتالية للولايات المتحدة فى أفغانستان . وتشرف المخابرات بشكل مباشر على ذلك النشاط. والمرتزقة هم السلاح الأساسى فى يد المخابرات والقوة الضاربة الأساسية فى يد الإحتلال . والفرق الخاصة بالإغتيالات لها سلاحها الجوى الخاص من طائرات (الدرون) . وقد تستخدم طائرات عسكرية مقاتلة ضد أهداف معينة .

–  إغتيال قيادات المجاهدين من أهم واجبات المخابرات. فجهاز المخابرات الأمريكى (CIA) والإسرائيلى (الموساد) يديران تلك الحرب سويا ، وهدفهم الأكبر هو أفيون أفغانستان وتحويله الى هيروين يتاجرون به دوليا . والهدف العقائدى هو إقتلاع الإسلام من أفغانستان.

وطبيعى أن تكون قيادات حركة طالبان والإمارة الإسلامية فى صدارة قوائم الإغتيالات .

وجهاز الإغتيالات مكون من تركيبة معقدة تنظيميا ومتشعبة ، وتشمل إلى جانب العناصر الأمريكية والإسرائيلية جنسيات شتى على رأسهم العنصر المحلى الأفغانى ، وعناصر من باكستان وآسيا الوسطى ، وعرب وأتراك .. وأى عنصر يمكن الإستفادة منه .

ونشاط الإغتيالات لا يعترف بأى قيود ، سواء أخلاقية أو جغرافية أو سياسية .

– تتميز الإدارة الأمريكية بالمرونة الكبيرة ، وعدم الإلتزام كثيرا بأى معايير إخلاقية أو حتى تنظيمية ، فالنجاح يقاس بتحقيق الهدف ، ونوع الوسيلة غير مهم طالما تحقق النجاح .

ولأجل النجاح فى حرب الإغتيالات ، أو حرب الإستخبارات عموماً ، تستخدم طيفاً واسعاً من الأدوات ، منها عصابات إجرام عادية ، وقتلة مأجورين ، وعصابات تهريب مخدرات تقدم خدماتها فى مقابل تزويدها بالمخدرات .

 

صدمة حرب الدواعش :

مشروع الدواعش مُوجَّه ضد الإسلام ، تحت شعار الإسلام . كما كانت الوهابية التى نشأ منها عقائديا . وحتى تنطلق الداعشية كان لابد من عملية إزالة شخصيتين إسلاميتين هامتين .

– فى الأوساط السنية العربية، كان لابد من إزالة (أسامة بن لادن) لأن شهرته مع مصداقيتة التاريخية كانت ستكبح داعش ، التى نشأت تحت ظل القاعدة فى العراق . وبإزالة بن لادن إنطلقت داعش فى الآفاق العربية .

– وإسلاميا كانت شخصية الملا محمد عمر فى أفغانستان ـ أمير المؤمنين ـ الذى حكم لمدة خمس سنوات وبايعه قادة جهاديون عرب وغير عرب ـ أهمهم كان أسامة بن لادن . لهذا كان الملا عمر عقبة أهم ، وإزالته تتيح لظاهرة داعش الإنسياح فى العالم الإسلامى كله .

– وبإزاحة الرجلين فى توقيت متقارب، إنساحت داعش فى الميدان العربى خاصة سوريا والعراق . وفى أفغانستان سريعاً ما ظهر دواعش أفغان بإنشقاق داخل حركة طالبان . وكان من بينهم أسماء حازت شهرة فى ولايات الجنوب ، معقل طالبان تاريخيا .

القاعدة بدورها تشجعت لإقتحام الميدان الأفغانى بشكل تنظيمى مستقل عن الإمارة الإسلامية وحركة طالبان . فشكلت مجموعتين أو أكثر من الأفغان مدعومين بعدد محدود من العرب . أما الدواعش فقد دعموا صفوفهم بعناصر باكستانية ومن تركستان الشرقية .

– حركة طالبان بقيادة الملا منصور الذى إنتخب لقيادة الإمارة الإسلامية بعد وفاة مؤسسها الملا عمر، تصدت بالسلاح للدواعش وكسرت شوكتهم فى أفغانستان. أما القاعدة فقد تمت تصفية إختراقها بواسطة التفاهم مع العناصر الأفغانية الذين إستجابوا للإمارة وسلموا أسلحتهم .

– ساهم الدواعش فى حرب الإغتيالات الذى تديرها المخابرات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية  وعملوا كفرق موت لتحطيم نفسيات المدنيين وبث الرعب فيهم ، وفض تجمعهم حول الإمارة الإسلامية وحركة طالبان .

وتخصصت داعش فى ضرب المساجد والجنازات ، والمواكب الدينية والمؤتمرات الشعبية والتجمعات العامة . مع التركيز على الطابع الطائفى بحيث يبدو أكثر النشاط على أنه موجه ضد الشيعة . كما يضرب أهدافا عرقية لإتهام عرقيات آخرى وإشعال حروبا عرقية .

وحاولت داعش التمركز فى المشرق الأفغانى فى جلال آباد وكونار، بالقرب من خطوط إمدادها القادمة من باكستان. وقد إضعفتها كثيراً ضربات حركة طالبان .

 

حرب ثقافية وإعلامية وإقتصادية (معركة العقول والقلوب ) :

هدفها هز قناعات الأجيال القديمة ، وتحويل قناعات الأجيال الجديدة صوب الثقافة الغربية. فيتخلون عن الجهاد وعن قيم الحرية التى قاتل لأجلها الأجداد ، ويتشبثون بالإحتلال ويتفاخرون  بخدمته . يصف المستعمر تلك الحرب بأنها حرب السيطرة على العقول والقلوب. وأهم أفرع تلك الحرب هى: التعليم ـ الإعلام ـ الإقتصاد .

 

حرب التعليم :

وضع المستعمر نظاما تعليميا جديداً. يتخرج منه أعوان المستعمر المتصالحين معه ثقافيا وإعتقاديا . وصرفت مليارات الدولارات على ذلك النظام ، وتخرج منه عدة ملايين يستبعد الدين من إهتماماتهم ، أو يعاد صياغته وتحريفه ، وكذلك يفعلون بالتاريخ ، وبالعادات الإسلامية الراسخة فى المجتمع خاصة ما يتعلق بالأسرة وترابطها ، ودور المرأة فى المجتمع .

 

حرب الإعلام :

يدرك الأمريكيون أن الإعلام الحر كان سببا رئيسا فى فضيحة مجازرهم ضد شعب فيتنام . وبالتالى نشوب ما يشبه الثورة الداخلية فى الولايات المتحدة ضد تلك الحرب ، ومطالبات شعبية كاسحة بضرورة وقفها وسحب الجيش الأمريكى من هناك .

وضع الجيش الأمريكى والإستخبارات ـ يده الثقيلة على جميع المادة الإعلامية المتعلقة بأفغانستان ـ والأخبار والتحقيقات الخارجه منها .

وتم قمع الإعلام الدولى ـ الذى هو فى معظمه معادى لحركة طالبان ـ ولا يكاد يطيق إسم أفغانستان ، أو كلمة جهاد التى شاع إستخدامه لها فى زمن الحرب السوفيتية .

 الإعلام المحلى كان أكثر تعرضا للقمع والمنع والحظر، والتوجيه صوب خدمة الإحتلال وحملاته النفسية ضد المجاهدين ، وضد فكرة مقاومة الإحتلال أو الإعتراض على السلوكيات الإجتماعية التى فرضها على الأفغان ومجتمعهم الإسلامى المحافظ .

 

حرب الإقتصاد .. (خصخصة وفساد) :

– هدف الغزو الأمريكى لأفغانستان كان السيطرة على محصول الأفيون وتحويله إلى هيروين فى القواعد الجوية وتصديره عالميا .

– و بالمثل باقى الثروات المعدنية وتسليمها للشركات العملاقة عابرة القارات .

– وتحويل الإقتصاد الأفغانى إلى إقتصاد يعتمد على هبات المحتل ومعوناته للحكومة ، وللسرطان المسمى”مؤسسات المجتمع المدنى” وهى تجمعات إستخبارية من أفراد الطبقة المثقفة الجديدة.

– حصر الثروات الداخلية ــ من فضلات الإستعمار الإقتصادى ــ فى يد فئة محدودة من وكلاء المستعمر، ومندوبى شركاته.

– توسيع قاعدة الفقر إلى أقصى نطاق ممكن فى المجتمع، وذلك لتسهيل مهام الإحتلال فى محاربة الدين ، ونشر الرذيلة ، وتعاطى المخدرات ، والعمل فى التجسس ، والقتل الخاص، أو الإلتحاق بالميليشيات والعصابات المحلية .

– بناء إقتصاد محلى ـ تابع للإقتصاد الأمريكى وخادم لمصالحه ـ يعتمد على الرشوة والفساد المنظم الذى يشكل تركيباً عضوياً للإقتصاد لا ينفصل عنه ، ولا يعتبر مشكلة أخلاقية فردية ، فالرشوة جزء أساسى من الإقتصاد تأخذ أحيانا صفة مشروعة هى العمولة. وأحيانا صفة سمسرة أو وساطة . فالتنافس بين الشركات للحصول على إمتيازات أو تسهيلات عمل فوق الأرض الأفغانية الخطرة يستلزم دفع رشاوى كثيرة ومتعددة لجهات حكومية فى الجيش والأمن والإدارة ، وحتى للميليشيات والمرتزقة .

– الإحتكارات الإقتصادية الكبرى والشركات العظمى متعددة الجنسيات لها جماعات ضغط فى النظام وتنفق الأموال على ميلشيات محلية. وكانت نشطة على هامش مفاوضات الدوحة لضمان مساحة مستقبلية لمصالحها .

– وعندما تفشل الرشوة فى فتح الطرقات المغلقة فى الإدارة أو على الأرض ، تبدأ حرب فعلية مسلحة ، وكل طرف يشترى جهات تقاتل لأجله . شركات أجنبية تفعل ذلك ، بل وحكومات أجنبية لها مصالح نفطية أو أفيونية أو فى غسيل الأموال ، أو مطامع إستراتيجية فى توسيع دور إقليمى يضعها فى مكانة مؤثرة مستقبلا . تفعل ذلك عدة دول عربية نفطية ، وتفعل تركيا وباكستان ، وجهات أوربية .

– فبدون سوق تنافسى، وتصنيع للفساد كنشاط إقتصادى معترف به ، فقد تتوقف المنظومة الإستعمارية كلها ، وتنهار المصالح الأمريكية والإسرائيلية وحلفائهما، فى أفغانستان والعالم.

– خصخصة الإقتصاد تعنى مباشرة تحويل الفساد إلى مؤسسة لها أنظمتها التى إن إهتز توازنها فقد تحدث حروب وتصفيات وتفجيرات، إلى أن يعود الإستقرار من جديد إلى مؤسسة الفساد ، وإلى سياسة الخصخصة الإقتصادية .

– عند تلك النقطة، فإن دور شركات المرتزقة الدوليين ، والدواعش كمنظمة إرتزاقية، يظهر ضمن مؤسسة الفساد كأحد أدواتها الرئيسية لإزاحة العقبات التى تقابل الخصخصة وتوأمها الفساد . وتعود الحياة إلى الدوره الإقتصادية و”الفساد ” الإجتماعى المتعلق بها .

 

عن الحلف الأمريكى الإسرائيلى فى أفغانستان:

ذلك التحالف كان موجودا وفاعلا أثناء التورط  السوفيتى فى أفغانستان، وله شبكة حلفاء داخل باكستان وأفغانستان . وبعد الرحيل السوفيتى نشط ذلك التحالف وبدأ فى تصعيد نشاطه ، واضعاً نصب عينيه الإستيلاء على أفغانستان ووضع نظام حكم يُغَيِّر مسار أفغانستان (مرة واحدة وإلى الأبد)، من الإسلام إلى اللا إسلام . ومن وضعية “الدولة العازلة” إلى وضعية القاعدة الأمريكية العظمى لصناعة الهيروين ، للعمل الإستخبارى ، وكقاعدة جوية ، وقاعدة للصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى. وللعمل ضد الصين وإيران وروسيا ، وإبتلاع مصادر الطاقة فى آسيا الوسطى ، والسيطرة على إقتصاد الهند والتحكم فى إمداداتها من الطاقة عبر خط أنابيب تابى (القادم من آسيا الوسطى إلى الهند).

وأخيرا أيها المجاهدون : تلك صورة موجزة لما يمكن أن يواجهكم به العدو ، فى أى ساحة تعملون فيها . فماذا أنتم فاعلون ؟؟. ذلك هو التحدى الحقيقى .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

03-07-2020

 

مأزق بغال التحميل 3

 




هل يستسلم المصريون للموت عطشا ؟؟ (3)

هل يستسلم المصريون للموت عطشا ؟؟ (3)

هل يستسلم المصريون للموت عطشا ؟؟ 

( الحلقة الثالثة والأخيرة )

الثورة الشعبية .. أو حرب تحرير مصر

 

(( إزالة سد النهضة بالقوة ــ رغم الحماية المكثفة المفروضة عليه ــ لا يشكل إستحالة عسكرية ، مع إنتشار غير طبيعى لأدوات الدمار، فى عالم تشكل فيه تجارة السلاح المتطور أحد أعمدة الإقتصاد العالمى ورفاهية الدول الكبرى )).
(( اليهود أقوياء بكراهيتهم لنا ، ونحن ضعفاء بخضوعنا الذليل والمهين لهم ولنزواتهم وأطماعهم . فتدميرهم مصر بوسائل كثيرة على قمتها سد النهضة ليس دليلا على محبتهم لنا أو رغبتهم فى السلام معنا )) .
(( مصر أهم وأخطر من أن تتركها إسرائيل لحكم حفنة من الجنرالات الأغبياء الفاسدين )) 

–  سد النهضة هل يفجر ثورة شعبية فى مصر ؟؟ .
–  إسرائيل تدير مصر مباشرة بواسطة خبرائها فى المراكز السيادية. والهامش السيادى لنظام الجنرلات فى القاهرة لا يزيد عن الهامش السيادى للحكم الفلسطينى فى رام الله.
–  من أهداف الثورة : إعادة توحيد مصر بردم قناة السويس .
–  الأزهر الحر والمستقل هو إستقرار مصر ، ومخزونها الروحى ، وصمام الأمان الإجتماعى فيها .
–  ثلاث محاور استراتيجية لعمل الثورة المصرية القادمة .
–  ثوار مصر لن يكونوا منفردين ، فمن خلفهم عمق شعبى عربى وإسلامى ودولى .
–  ( إما بقاؤنا .. أو بقاؤكم ) . ولن يكون المصريون هم الهنود الحمر فى القرن الحادى والعشرين . وسوف تغادرون منطقتنا وأنتم بقايا “اليهود الحمر” .

 

إسرائيل تحكم مصر .. هذا واقع وليس مبالغة :

فالرئيس “هُبَل” بحكم القانون الإسرائيلى والشريعة اليهودية ، يعتبر مواطنا إسرائيليا يهودي الديانة ” لأنها تُوَرَّث عن طريق الأم” .{ جولدا مائير رئسة الوزراء السابقة، ومن أبرز المؤسسين لإسرائيل ، قالت وكأنها تقرأ الطالع: “سيتفاجأ العرب ذات يوم أننا أوصلنا أبناء إسرائيل إلى حكم بلادهم” !! }.

وحسب تصريحات كبار المسئولين الإسرائيليين فى أواخر حكم مبارك، فإن إسرائيل أحكمت قبضتها على مصر بعلاقات وثيقة مع الأجهزة (السيادية) وأجهزة الإعلام الوطني .

والآن إسرائيل تَحْكُم مصر بشكل مباشر “ويومى” كمستعمرة ، {غالبا.. عبر مكتب سرى هو الحكومة الحقيقة لمصر ، ويعمل من القاهرة . والعاصمة الإدارية الجديدة ستكون عاصمة حقيقية له } ، فالجنرالات الأصنام لا يمكنهم حتى إدارة بيوتهم . فالقسوة والفساد والتآمر ليست دلائل على إتقان فنون الحكم والإدارة ، خاصة فى بلد ضخم مثل مصر ـ الذى هو بدون مبالغة ـ الأهم من بين بلاد العرب وأفريقيا . ليس لقدرة مصر الإقتصادية أو لتورمها السكانى غير الحميد ، بل لقيمتها الجيوسياسية التى تؤثر حتى على مناطق شرق وجنوب أوروبا.

– فمصر أهم وأخطر من أن تتركها إسرائيل لحكم حفنة من الجنرالات الأغبياء الفاسدين .

فلا تكتفى إسرائيل بمجرد توجيه الأوامر . بل أن هيئة من كبار خبرائها المستعربين، يديرون وبشكل مباشر أهم المراكز السيادية المصرية ، خاصة فى الجيش والمخابرات والإعلام. ويمارسون السيادة على المعتقلات ومراكز التعذيب ، ويرتبون أهم عمليات الخطف والقتل السياسى .

النظام العسكرى فى القاهرة ، تحت الإدارة الإسرائيلية ، يحظى بهامش سيادى لا يزيد بحال/ وربما يقل/ عَمَّا تتمتع به سلطة الحكم الذاتى الفلسطينية فى رام الله.

مصر تأتى فى صدارة الإهتمام الإسرائيلى ، فى درجة لا تقل عن أهمية فلسطين. فالولايات المتحدة لا تقرر شيئا فى المنطقة العربية ـ خاصة فى مصرـ إلا بعد إستشارة إسرائيل وأخذ موافقتها . بمعنى أوضح فإن السياسة الأمريكية فى مصر والمنطقة العربية هى تابع لسياسة إسرائيل . وذلك بشهادات من شخصيات ذات ثقل فى الخارجية الأمريكية . وحتى البنتاجون يمارس نفس التبعية للقرار العسكرى الإسرائيلى .

 

سد النهضة .. هل يفجر ثورة شعبية فى مصر ؟؟

مصر فى حاجة إلى ثورة شعبية حقيقية لإنقاذها من الفناء . وجاء سد الهضة ليزيح الغطاء عن كارثية أوضاعها ، ويؤكد أن ليس ماء النيل فقط هو مسألة حياة أو موت للمصريين ، ولكن الثورة أيضا ، باعتبارها طريقاً وحيداً للنجاة ، رغم وعورتها وخطورتها وعدم تكافؤ القوى بين أطراف الصراع . لهذا نقول أن الإيمان الدينى فى مثل تلك المواجهات المصيرية عنصر حاسم فى تحقيق النصر.(قال حكيم الحرب الصينى صن تزو : إننا نكسب الحروب فى دور العبادة قبل أن نكسبها فى ميادين المعارك).

والحقيقة التى لا مفر منها هى أن مصر فى حاجة إلى إسترداد حريتها وإستقلالها من براثن الإحتلال الإسرائيلى ، المتستر خلف حكم هُبَل وجنرالات السؤ .

وكما قلنا فإن (سد النهضة) هو مشروع إسرائيلى بالكامل . وفكرته سبقت حتى قيادم إسرائيل كدولة على أنقاض فلسطين .

على شباب مصر قيادة شعبهم فى حرب تحرير لإسترداد مصر مرة أخرى . وإستعادة حقهم فى السيادة على بلادهم ، وإعادة بنائها بالشكل اللائق بتاريخها الأزلى .

إنها مهمة تقف على حافة المستحيل ، ولكنها ليست مستحيلة إذا ساندها شعب مؤمن بالله منذ أن تفتحت أعينه على مياه النيل وعظمة أرض مصر الخضراء .

الوقت ليس فى صالح مصر ومقاومة شعبها . فالخراب المحكم قادم بسرعة ( من سنتين إلى ثلاث سنوات) ، وسد النهضة اليهودى منتصب على حافة أثيوبيا مثل سوط عذاب ، مسلط على رقاب شعب وادى النيل فى السودان ومصر .

ومع ذلك تظل المقاومة الناجحة ممكنة رغم كل شئ ، حتى مع وقوع البلاء ، الذى قد يكون فى حد ذاته دافعاً إلى المقاومة والتوبة إلى الله ، واستعادة الإيمان الذى طرده العسكر واليهود من أرض الكنانة .

–  سد النهضة فكرته وبنائه وتشغيله جميعها إسرائيلية . وليس أى حل أمام شباب مصر سوى توجيه ضرباتهم إلى إسرائيل مباشرة ، وجعل(الأمن القومى الإسرائيلى) مهددا بنفس الدرجة التى هددوا بها الأمن القومى المصرى ، وأمن مصر المائى .

وكلما إشتدت ضربات شباب مصر الموجهة إلى إسرائيل ، ونهضت ثورته الجهادية الشعبية، كلما خفت قبضة الموت عن رقاب المصريين ، وتراخت قبضة سد النهضة.

 

أهداف ثورة مصر :

1 ــ مصر أولا :

– تمصير مصر(مصر للمصريين) ، فى إستمرار تاريخى لمسيرة الثورات الشعبية فى مصر . وذلك يستدعى بالضرورة إسقاط حكم جنرالات العار والخيانة . ومحاكمة كبيرهم هُبَل ، علناً وبالتفصيل بالغ الدقة ، لكشف كافة ألغاز وخفايا حكمه وغموض شخصيته وسيرته الذاتية ومؤامراته مع اليهود . قبل إعدامة .. لمرة واحدة على الأقل .

– السيطرة الكاملة على أرض مصر وثرواتها وقرارها السيادى . وبناء جيش حقيقى يليق بها وقادر على الدفاع عنها . وأجزة حكم تضمن السيادة الحقيقية للشعب صاحب القرار على أرضه وبلاده .

 

2 ــ   إعادة توحيد مصر بردم قناة السويس :

– إعادة توحيد أراضى مصر بإعادة الإتصال البرى الكامل مع سيناء. وذلك بردم قناة السويس التى كانت البلاء الأكبر على مصر منذ مصرع 120 ألف مصرى فى حفرها. وسببا لضياع إستقلال مصر واحتلالها وهزيمتها فى حروبها مع إسرائيل . بل كانت من العوامل المساعدة على قيام إسرائيل واستمرار وجودها وقوتها .

–  يجب نزع أى ملكيات أجنبة فى سيناء مهما كان طابعها إقتصادي أو ديني . وحظر نقل أى ثروات من سيناء إلى غير الأراضى المصرية بما فى ذلك النفط والغاز. وتوجيه تلك الثرات فى الأساس إلى سيناء نفسها ، لإعمارها وبناء قدراتها الدفاعية ومرافقها الخدمية والإدارية. وضم مدن القناة الحالية (السويس ، الإسماعيلية ، بورسعيد) إلى قطاع شرق مصر الذى مركز ثقلة سيناء. وتوطين سكان تلك المدن فى سيناء .

ونقل 15 مليون مصرى على الأقل للإقامة فى سيناء، لتعميرها والمساهمة فى أعمال الدفاع عنها باعتبارها البوابة الشرقية لمصر. وتشكيل “جيش حماية سيناء” من شباب سيناء المدربين والمسلحين على أعلى المستويات الممكنة .

وإعادة جميع ممتلكات أهالى سيناء إليهم ودفع التعويضات العادلة عما أصابهم من أضرار على يد الإحتلال الإسرائيلى بالنيابة ، الذى مارسه “هُبَل” وجنرالات السؤ . وتمليك الأهالى ما يستحقونه من أراضى سيناء وتثبيتهم فيها.

 

3 ــ  إعادة الأمل والثقة والترابط إلى الشعب :

بمكافحة الفقر، باعتبار أن (الفقر هو الكفر الأكبر) ـ ويقول المصريون إن الجوع كافرـ

لذا فإن إطعام الجوعى وإيصال حقوقهم إليهم والإنتصار لهم، هو أهم أعمال الإيمان وشهادة عملية على صحته. وأيضا من أهم وسائل علاج الثقة الضائعة والمعنويات الشعبية المنهارة.

لإستعادة معنويات الشعب ، ونشر ثقافة الثورة: { الإيمان الدينى ـ ثقافة الجهاد والإستشهاد ـ الإيثار ـ التعاون الإجتماعى ـ التراحم ـ حسن الخلق}، ليس هناك أفضل وأكثر فعالية من الجهاد وبداية العمل الثورى الجماعى بين جميع الفئات والطوائف والمذاهب ، تحت راية المبادئ الثقافية سابقة الذكر .

والسياسة الواعية للعمل الجهادى الشعبى / المسلح والثقافى والسياسى/ هى خير معين على تحقيق الترابط بين مكونات الأمة ، وإعادة ثقتها فى نفسها وفى قادتها . فمن خلال تلك الحرب الضارية يمكن بناء الأمة المصرية من جديد ، ونفض ما علق بها من أدران. ( قال البعض: إعطنى عدوا أعطك أمة قوية).

– فاليهود أقوياء بكراهيتهم لنا ، ونحن ضعفاء بخضوعنا الذليل والمهين لهم ولنزواتهم وأطماعهم . فتدميرهم مصر بوسائل كثيرة على قمتها سد النهضة ليس دليلا على محبتهم لنا أو رغبتهم فى السلام معنا .

– والمصريون على وشك أن يتم تصنيفهم دوليا شعبا إرهابيا، لأنهم يطمعون فى شربة ماء من النيل ، الذى كانوا يمتلكونه منذ ملايين السنين ، قبل أن يصبح اليهود أصدقاء لهم .

– ولم يدرك المصريون أن مصرهم ضاعت يوم ضاعت فلسطين . وأن مكة ضاعت يوم ضاعت القدس .

 

4 ــ إستعادة الأزهر .

الأزهر الحر والمستقل هو إستقرار مصر ، ومخزونها الروحى ، وصمام الأمان الإجتماعى.

ومن أخطر مهام الثورة المصرية القادمة ، إسترداد الأزهر من أيدى أعداء مصر وأعداء الإسلام . وإعادته من كونه جهاز حكومى يروج لدين الحكومات المصرية والسعودية ، إلى مؤسسة علمية إسلامية / مستقلة وحرة/ ، تعمل لخدمة شعب مصر ومصالحة .

الثورة من أخطر مهامها تحرير الأزهر وإصلاح مسيرته ، بل وإصلاح المناخ الدينى فى مصر .. فتعمل على :

ــ توفير الإستقلال السياسى والحرية الدينية والفكرية للأزهر والكنيسة .

ــ تحرير الأزهر من رجس الحكومات التى تعاقبت على حكم مصر، فلا مكان للحكومة داخل الأزهر . فالسيادة داخله هى لمجلس علماء منتخب من الأزهريين ، وشيخ الأزهر منتخب من ذلك المجلس.

ــ إعادة الإستقلال المالى للأزهر ، بإعادة أوقافه إليه فهى مورده المالى الوحيد . ويجب إعتبار التمويل الخارجى للأزهر جريمة وطنية كبرى . ولا تقبل تبرعات الشركات ولا رجال الأعمال، ولا تقبل المساهمات الحكومية فى ميزانية الأزهر ولا تقبل تبرعاتها . وتقبل التبرعات الصغيرة من الأفراد العاديين والفقراء. ويمكن للأزهر أن يجمع زكاة الأموال ويصرفها فى وجوهها الشرعية.

ــ مشيخة الأزهر تكون بالإنتخاب . ومناهج الدراسة وأبحاث العلماء والطلاب هى إختاص أزهرى داخلى بحت ، لا دخل للحكومة فيه . والتعاون العلمى بين الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية الإسلامية وغير الإسلامية لا حدود عليه من أى جهة سوى مشيخة الأزهر .

ــ التنافس بين الأزهر والكنيسة المصرية محصور فى مجال توثيق إرتباط الفرد مع خالقة . وليس فى السيطرة على الناس عبر إشعال الفتن والصراعات الدينية والمذهبية فيما بينهم . ومصر بخير مع إزدياد أعداد المؤمنين المتآخين ، وليس مع السباق المعمارى والعقارى فى بناء المساجد والكنائس . والتى كما رأينا، ترافقت زيادة عددها مع تراجع إيمان الناس ، وتوحشهم وتدنى أخلاقهم وسلوكهم الإجتماعى، وفقدان الأمن والأمان . وليس ذلك من الدين فى شئ .

 

 

ثلاث محاور استراتيجية لعمل الثورة المصرية القادمة

أولا ــ فى مصر :

إسقاط الإحتلال الإسرائيلى لمصر . وأكبر مظاهره وأهم مرتكزاته هو نظام الجنرالات الذى يقوده حاليا الجنرال الجاسوس “هُبَل “. وأهم الوسائل إلى ذلك هى :

{ العصيان المدنى ــ الثورة الشعبية السلمية ــ أو شبه المسلحة بقوة حماية شعبية وأجهزة عمل منظمة لإدارة كافة نشاطات الثورة المعلوماتية والثقافية والسياسية والعسكرية } .

 

ثانيا ـ فى أثيوبيا :

العمل المباشر ضد سد النهضة، وامتداداته داخل أثيوبيا وخارجها. أى المشروعات التى تعتمد على المياه المصرية والمنهوبة . وكذلك وسائل نقلها فى البر أو البحر. والشركات العاملة فى تلك التجارة التى هى بمثابة تجارة فى دم المصريين .

إزالة سد النهضة بالقوة ــ رغم الحماية المكثفة المفروضة عليه ــ لا يشكل إستحالة عسكرية. مع إنتشار غير طبيعى لأدوات الدمار، فى عالم تشكل فيه تجارة السلاح المتطور أحد أعمدة الإقتصاد العالمى ورفاهية الدول الكبرى .

 

ثالثا ــ  فى إسرائيل :

العمل المباشر ضد إسرائيل . سواء من داخلها أو من جميع محيطها الجغرافى المتاح للحركة . أو باستهداف إمتداداتها العربية والدولية.

وثوار مصر لن يكونوا وحدهم ، فمن خلفهم عمق شعبى عربى وإسلامى ودولى . ولن تستطيع إسرائيل وكلابها التهويل على كل هذا العمق البشرى الذى سوف يظهر تباعاً فوق ساحة المعركة الشاملة .

 

 إما بقاؤنا أو بقاؤكم :

الأهداف الإسرائيلية فى مصر ربما كانت هى الأكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل والأكثر فعالية لتحقيق أهداف الثورة، سواء فى التغيير الداخلى أو تهديد أمن إسرائيل . حيث أن أمن النظام المصرى لا يقل أهمية عن الأمن الداخلى لإسرائيل .

– جميع الإتفاقات والمعاهدات التى عقدتها أنظمة العسكر فى مصر مع إسرائيل تعتبر لاغية تلقائيا . مع فتح جميع السبل لإستعادة المنهوب من الحقوق والثروات المصرية ، سواء كانت عند إسرائيل مباشرة ، أو غير مباشرة عند عرب النفط .

–  كل متعاون مع إسرائيل فى أى مكان داخل مصر ، هو عميل للإحتلال ، ويجوزإستهدافه سواء كان عنصراً محليا أو عربيا أو أجنبيا .

– المصالح الإقتصادية لإسرائيل لها أهمية أولى بالنسبة لثوار مصر . وكذلك المصالح الإعلامية والمصالح الإقتصادية والمالية لدول القائمة السوداء الذين أسسوا ومولوا سد النهضة ، هى أهداف معادية كالأهداف الإسرائيلية تماما . ولكن ليس أفراد تلك الدول ، فهم يخضعون لتصنيف خاص يحدد خطورة كل منهم ، أو عدم خطورته .

–  وبعد نجاح الثورة يجب أن تصادر جميع ممتلكات دول القائمة السوداء فى مصر. وإلزامهم بدفع غرامات عن مخالفاتهم القانونية والمالية ، ودفع تعويضات للأهالى الذين أضيروا بمشاريعهم “السياحية” التى شردتهم وهدمت بيوتهم .

ويجب على الثورة إلغاء تمليك الأجانب أى أراضى أو عقارات فى مصر. ويجب إستعادة أى أراضى (وهبها) لهم نظام جنرالات السؤ . وتجميد أموالهم فى مصر إلى حين البت فى قضايا التعويضات . مع وقف التعامل الإقتصادى وتجميد أموال أى دولة تمتنع عن تسليم الأموال الى هربها مصريون إلى الخارج .

– إن تهديد أمن إسرائيل فى مصر لا يقل أهمية وتأثيرا من تهديد أمن إسرائيل داخل أراضى فلسطين المحتلة .

ومعادلة صراعنا مع إسرائيل هى (الأمن الوجودى لإسرائيل فى مقابل الأمن المائى للمصريين وإزالة سد النهضة وتوابعه ). لن يقبلها الإسرائيليون إلا بشكل محدود فى أوقات ضعف عابرة . لذا ستظل المعادلة الدائمة بيننا وبينهم هى (إما بقاؤنا أو بقاؤكم) . فلن يكون المصريون هم الهنود الحمر للقرن الحادى والعشرين .. فيجب أن ترحلوا قبل أن تنقلب الآية عليكم وتزولون عن منطقتنا وأنتم بقايا “اليهود الحمر” .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

الثورة الشعبية .. أو حرب تحرير مصر




ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

ثورة  شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون

(3)

《لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ》

توضيح بخصوص المقال الأخير ثورة  شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون ( 2 ) 

 

بلغتني الكثير من التساؤلات(متابعين وبعض المنخرطين في الثورة ) حول ما ذكر عن الساحة السورية وبالأخص مسألة الإزدواجية المتناقضة، مع مبادئ الجماعات جهادية على رأسها هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، وعلاقتها بأجهزة الإستخبارات الدولية، كالتحالف الدولي الذي تقوده أمريكا بجهازها الإستخبراتي CIA وشريكه الإسرائيلي، !

بعض التساؤلات التي وردتني عقب نشر المقال، طالبت بتقديم الأدلة على ما أكتب و أدعي أو توضيح أكثر لما نشر.

ونظرا لبعض المشاغل الشخصية، لم أستطع أن ألبي طلب المتابعين الكرام وأوضح ما اشكل عليهم، فأرجوا المعذرة عن التأخير،!

بداية أشكر الإخوة المتابعين على تفاعلهم وتواصلهم،  بارك الله فيهم وزادهم أدبا وحرصا على معرفة الحقيقة، وإستقصاء تفاصيلها، وكذلك الذين لم يتقبلوا ما ذكر ولم تستوعبه عقولهم، أقول لهم مهلا، لا تستعجلوا فإن دنياكم ملأى بالأحداث، والحقائق، وماخفي اليوم لاشك سيظهر غدا، وما يخفيه عنكم من تثقون فيهم ، قد يخبركم به أعدائكم،!

ولا غرابة في هذا فكم من أخبار وحقائق أخفاها عنا القريبين فوصلتنا من جهات بعيدة، 《ويأتيك بالأخبار من لم تزودي》 وخاصة في هذا الزمان الذي إختلط فيه الحابل بالنابل والحق بالباطل والخداع بالصراحة …الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث:

(سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمين)[صحيح ابن ماجه الصفحة ٣٢٧٧ وصححه الألباني صحيح الجامع الصفحة ٣٦٥٠]

فالأصل طلب البينة في كل ما يرد من أخبار، والبينة قد تكون أدلة ملموسة كوثائق مقروءة أو تسجيلات مسموعة أو مرئية… أو شهادات لأشخاص عاصروا الحدث رأوا وسمعوا … أو مواقف وتصريحات تدخل الشك والريبة في أصحابها، وكل هذه المسائل ينظر فيها القضاء العادل، فيفصل بين الناس بما لهم أو عليهم،!

وإن لم يوجد هذا القضاء العادل في زمان ومكان ما  فإن القضايا لا تسقط عن أصحابها، بل ترفع للملك الديان سبحانه، الذي يعلم السر وأخفى،  فيقضي بين عباده في يوم شعاره قول الحق سبحانه {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[غافر /١٧]

وإن ما كتبته شهادة لي على تجربة عشتها وأحداث عاينتها في مختلف الجوانب، العسكري منها و الأمني و الدعوي التربوي، في ثورة شعب مختلطة بمختلف التوجهات الفكرية والعملية ، ويكاد يتفق على أحداثها ومامرت به جميع  العقلاء.

ومن الضروري أن نذكر في هذا السياق نفسه أن الجهة المتهمة الآن ( هيئة تحرير الشام ) هي نفسها كانت تتهم غيرها من الفصائل والكتائب بنفس التهم بل و قاتلتهم بذريعتها وسلبت سلاحهم، وصادرت مكتسباتهم، دون أن تقدم أدلة أو شهادات تثبت ماادعت في حقهم من تعامل مع جهات خارجيا، أو إعتداءات على آخرين داخليا،!

وبالتأكيد لا يوجد قضاء مستقلا يفصل في النزاع و القضايا، ولو نظريا على الأقل، وإنما الخصم هو القاضي…!

يعمل بقانون الغابة، القوي يأكل الضعيف ويلبسه أي تهمة تسقط حقه و شرعيته، على غرار الطغاة السالفين في الأمم، وكذلك التغيرات التي طرأت عليها، لم تكن حقيقية على مستوى الأفكار والممارسات بقدر ماهي ردات أفعال إنتهازية مصلحية لا أكثر،

طبيعة المتغير دائما تدفعه لأن ينتقد ماسلف عنه من أفكار وممارسات خاطئة، إذ يكون قد تجاوزها وأيقن بحمقها وخطئها، فيصحح حاضره ويوضح ماكان من خطئه في الماضي ليستشرف مستقبلا أفضل مما مضى آملا أن يرمم ويصلح ما أفسده سابقا،!

بينما هؤلاء تجدهم يثنون على كل تقلباتهم المختلفة،!

ولا مكان عندهم للنقد الذاتي، كيف لا وهم على الحق والصواب في كل إختياراتهم من ألف إلى ياء،  كأنهم مؤيدين بالوحي لا سمح الله، فحينما كانوا دواعش تحت إمرة البغدادي، كانوا على الحق، وكذلك لما انفصلوا عنه و إرتموا في حضن القاعدة هم على الحق فيما اختاروا،!

ولما انفصلوا عنها كسابقتها، بالتاكيد هم على الحق ومنتهى الصوابية ، ولما لبسوا الوطنية وثوب الثورة الشعبية، كذلك هم على الحق فيما اختاروا وهلم جرة، كأن الحق والصوابية عباءة مطاطة بحبال تزيد من وسعها وضيقها حسب الرغبة والطلب، تلبي جميع التقلبات، وما يدرينا قد يضطروا يوما للرجوع إلى نهج الأزارقة والقرامطة كما كانوا في العراق ماقبل الثورة ( مدرسة المكر والخداع  )…!

دون أن يكلفوا  أنفسهم بأن يصارحوا الناس،  كنا على خطأ وها نحن نصحح ما رأينا من أخطاء ، وقد يقال هذا لمن هم بعيدين عن الساحة أو يراسل به الخصوم و الأعداء،!

وهذا لاعيب فيه البتة، و إنما العيب أن تهمل وتذر من حولك من أتباع غارقين في تخبط و خلط بين الماضي و الحاضر، مما يجعلهم فريسة لكل منحرف ومجهول يقودهم يمنة ويسرة  في تغييب تام عما يحدث ويدور حولهم، في إحدى الأيام كنت في زيارة لأحد المشايخ ممن لهم دور قيادي داخل هيئة تحرير الشام ، سألته متعجبا عن سبب إهمال قواد الساحة عناصرهم وعدم قربهم منهم وعلاج فقدان الثقة والتخبط الحاصل بين الشباب، بأن يوضحوا لهم بصراحة و مصداقية، مشروعهم ويجيبوا عن أسئلتهم ، لا يمكن أن يستمر الناس معهم كالقطيع كل دوره تلقي الأوامر دون فهمها و إستيعابها بل ومناقشتها و نقدها،!

فقال: يا أخي يجب أن تدرك أن القيادة ليس عندها ثقة فيمن حولها من عناصر، (أتباع و مناصرين)، فكيف تريدهم أن يجالسوهم ليصارحوهم أو يشرحوا لهم بغية إقناعهم،! اه

و الواقع أن هؤلاء (القادة) ينظرون إلى أتباعهم ومن خلفهم على أنهم مرتزقة، و جودهم في الغالب مقترن بمصلحة،! على قدر طاعتهم ينالوا الأجور الزهيدة، ويعدونهم إذا كان هناك مستقبل جيد سينالهم شيء من المكافئات، المعنوية مقابل بذلهم وصبرهم على اللأواء ،!

ولا أحد يحق له أن يسائلهم أو يحاسبهم على الأموال التي يجبونها من الموارد التجارية مع النظام والمليشيات والضرائب البشرية (الحدود التركية) والتجارية المقدرة بما يفوق خمس مليون دولار شهريا على أقل تقدير ، يتلاعب بها القادة كيفها شاؤو،! بينما عناصرهم يعانون شظف العيش وقلة الحاجة،!

لا يهم هذا الكلام مادام إخواننا يرو أن عملهم قربة لله و إن أساء بهم الظن قادتهم و بخسوهم أعمالهم  ،! و من الغريب و الباعث للشك والريبة أن تقوم الهيئة بإعدام أشخاص على أنهم خلايا (عملاء) للتحالف الدولي، ولأنهم تسببوا في قتل مجموعة من الناس منهم المدنيين و المجاهدين، ولا تذكر أن هؤلاء عناصر لها في الأصل ومجندين في الجهاز الأمني للهيئة وعندما إنتهت صلاحيتهم أو تجاوزوها (كعادة الأمنيين في التنظيمات الجهادية) تم تصفيتهم بذريعة تهمة العمالة،!

خذ على ذلك مثالا علاء (نموذج) شاب من قرية بنش في ريف إدلب ، كان علاء (فواز الأحمد) من عناصر الجهاز الأمني المقربين من مركزيته، بحكم قرابته العائلية من بعض قيادات الهيئة، و بطريقة ما تم وصل علاء بجهات ترفع التقارير  و المعلومات للتحالف الدولي من خلالها يتم تحديد الهدف سواء كان شخص أو بيت أو مقر أو معسكر،!

وحسب قول علاء  وإدلائه بشهادته لي أنه كان مكلف من طرف مركزية الجهاز الأمني لهيئة تحرير الشام بواسطة أميره أبو عمر الحلبي و أبو أحمد حدود، برفع التقارير والمعلومات المغلوطة للتحالف الدولي،!

وكذلك التحالف يرسل لهم معلومات عن الأهداف المطلوبة مع مبالغ مالية (مكافئات) حسب دسامة الهدف وقيمته،.!

وكل هذه التفاصيل تمر عبر الجهاز الأمني للهيئة، كان علاء يجند خلايا تعمل مع التحالف يديرها بإشراف أميره (أبو عمر الحلبي ضابط سابق في  قسم التحقيق عند النظام السوري قبل الثورة)، في إحدى التقارير والأهداف التي رفعت للتحالف وقع فيها خطأ  فاستهدف أبرياء،!

وليست المرة الأولى فقد قضيت سنة كاملة في السجن بسبب خطأ سابق وهذه المرة استهدف مكان آخر بالخطأ،!

بسببه أعتقلت للمرة الثانية من أجل تأديبي،!

من بين الأبرياء الذين استهدفوا تجمع كان داخل مسجد لشيوخ الصوفية في قرية الجينة في ريف حلب الغربي، آذار 2017 و بعض الإخوة في مناطق مختلفة.! اه

وبعد فترة بلغني خبر إعدام علاء من طرف الجهاز الأمني للهيئة بتهمة عمالته لصالح التحالف الدولي،!

وهنا يحق لنا كما يحق لغيرنا أن يتسائل من المسؤول عن أخطاء علاء، و غيره من الخلايا، في إستهداف بعض المجاهدين و المدنيين الأبرياء (بدون قصد طبعا) ،!؟

لما يقتل علاء وحده في غموض حول هذه التهمة التي الجهاز الأمني شريك فيها وهو المسؤول عنها بل هو الذي صنعها  ،!؟

لما لم يعترفوا بالخطأ ويصرحوا بأنهم المسؤولون عن هذه الاخطاء في حق الذين استهدفوا ،!؟

ولما لم يؤدوا مايوجبه الشرع و القضاء في حقهم القصاص في حق المتورطين أو دفع الديات لأهل وذوي الضحايا، والكثير من الأسئلة الهامة،!

ثم لا أنسى أن أذكر ما علمته من أحد قيادات الهيئة في ريف دمشق، حينما قال : يجوز الإستعانة بالصليبيين (يقصد أمريكا و إسرائيل) ضد الكفار والمرتدين، كحزب الله اللبناني، أو داعش فهم كفروا وخرجوا عن ملة الإسلام بقتالهم لأهل السنة،!!! اه

كما إدعى أن قيادات من حركة أحرار الشام حينما تغلبت عليهم الهيئة وقزمت و جودهم كقوة على الأرض، قامت برفع تقرير للمبعوث الأمريكي إلى سوريا (مايكل راتني) يغرونه بضرورة ضرب الهيئة في إدلب…الخ

وفي هذا السياق علمت أن الهيئة بعد أن جندت خلايا مزدوجة تعمل مع التحالف الدولي و تقوم بتوجيهها لما يخدم مصلحتها، حسب إدعاء أمنيي الجولاني ،!

حاولت فعل نفس الأمر فأرسلت مخبرا يوصل معلومات لحزب الله اللبناني كعميل مزدوج بين الطرفان،! فأغلق الحزب الباب في وجههم ورفض معلوماتهم،!

بينما هؤلاء المتعطشون للسلطة فتحوا الباب على مصراعيه حتى أصبح كل مسؤول و قيادي ينسق و يرتبط، دون علم الأخرين وفي ذلك فليتنافس المتنافسون،!

بل ويستخدم هذا كورقة ضغط ضد بعضهم إذا ماخالف الجماعة أو إستقل عن التنظيم كحال أبو مالك التلي و أبو عمر الحلبي وأبو أحمد حدود وغيرهم من الشخصيات المتورطة بهذا الملف و غيره ،!

وياليتهم تشبهوا بالحزب وأغلقوا هذا الباب، وجنبوا أنفسهم هذه المراتع الخطرة التي ترميهم في مزبلة التاريخ بماحملوا على كواهلهم من دماء معصومة، و لم تكن الغاية تبرر الوسيلة أبدا فإن للحرب قيما و أخلاقا و إن تجاوزها أعدائنا ،!

وكم من الأشخاص تم إعتقالهم من طرف الجهاز الأمني للهيئة بشبهة أنهم جواسيس أو بدافع شكاية ضدهم من مغرضين بلا بينة ولا دليل،  ومارسوا في حقهم أسوء و أخطر أساليب التعذيب ليستخرجوا منهم اعتراف يثبت تورطهم أو إدانتهم ولو بالإكراه تهديدا بالقتل أو محاولة القتل خنقا و شنقا ليثبتوا نجاعة عملهم و ثمرته، ولو على حساب أبرياء مظلومون،!

كحال الأخ المغربي الذي إستقل عن كتيبة المغاربة (شام الإسلام) و إعتزلهم و بسببه اعتقل ظلما وعدوانا، على يد إخوانه المغاربة أنفسهم، إذ رموه في معتقل سري طيلة ست أشهر متتالية، دون أن يثبتوا شيئا ضده، ليتم إخلاء سبيله بواسطة آخرين غرباء عنه، كفلوه حينما سمعوا بمظلوميته، و بعد مدة أخرى تعود الهيئة فتعتقله على نفس الخلفية السابقة،!

وتوجه له نفس التهم العارية عن الأدلة و الشواهد، فتطول به مدة الإعتقال التعسفي في سجن هيئة تحرير الشام وتعذبه أشد العذاب بمختلف الوسائل، لعلها تنجح في أخذ إعتراف يدينه.!

ولو كرها، غير أن الأخ صبر و تحمل كل العذاب مستعينا بالدعاء و ذكر الله طيلة فترة التعذيب، التي استمرت ما يقارب ثمانية أشهر متتالية، أصيب فيها  بأزمة نفسية و أمراض حادة مستديمة في جسده نتيجة البرد وسوء التغدية و التعذيب الهمجي،! و بعد أن عجز الجهاز الأمني أن يثبت شيئا ضده مع تزامن دفاع بعض الشرفاء عنه، قرروا إخلاء سبيله وقبيل ذلك  قال له الجلاد المجرم مسؤول التحقيق، يا أخي فلان إرفع غطاء عينيك و انظر إلى خلفك ماذا تر فإذا بالاخ يقول رأيت عصى بلاستيكية حشوتها حديد صلب ،!

قال له يأخي تلك هي الأدات التي كنت أعذبك و أضربك بها لتعترف ،! فأرجو منك الأن أن تأخذها وتقتص مني قبل أن تغادر سجننا الذي يذود عن حياض المسلمين و الأمة،!

موقف…

في منتهى السخرية و السذاجة، و لسان حال الأخ المكلوم، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ،؟ بينما القادة و الأمراء المدانين فعلا،  لا أحد يعكر صفوهم و لايحاذي جنابهم ،!

أما الضعفاء من الناس فحائطهم قصير الكل يقفز حوله و فيهم تجرب التجارب 《 في رأس اليتيم نتعلم الحلاقة 》،!

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 《إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يداها》متفق عليه.

هذا فقط نموذج بسيط وإلا فحدث ولا حرج عن المظلومون الذين قتل بعضهم تحت التعذيب في قضايا مثل هذه وغيرها، لو سردناها لملئنا سفرا بجنباته،!

وما هذا إلا غيض من فيض و قابل الأيام ستكشف الكثير من الأحداث والخبايا والشخصيات المتورطة في دماء المسلمين و أعراضهم، هل ما ينساه الإنسان ينساه الملِك الديَّان؟!

كلا ثم كلا والله !

وإنما الأمم – أفرادًا وجماعاتٍ – تفعل ما تفعل، و تترك ما تترك، لكنها يومًا ما ستقف أمام ربها! وستُواجَه بما فعلت، وستُحاسَب بما تركت،

قال الله  تعالى  ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 28]

قال الله تعالى{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}[ابراهيم /42]

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم /64]

وختاما

عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال: ثم قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102]؛ متفق عليه.

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

 




معالم النجاح والفشل في المسار الثوري

الثورات من الظواهر التي صاحبت الإنسانية في تاريخها الطويل، حيث عكست الأوضاع والظروف التي كانت ترزح تحتها هذه المجتمعات ودفعت بها إلى المطالبة بالتغيير بحثا عن واقع أفضل غير آبهة بما سيترتب عليه هذا التحول من تضحيات بشرية ومادية.

ومن الملاحظ أن سعي الشعوب في التغيير لا يأخذ صورة واحدة بل تتعدد ، لكن تظل العدالة وتحسين الأوضاع الداخلية وطرد المحتل هي الصورة المشتركة التي تجمعهم، ومن صور التغيير المعروفة والمتنوعة نجد:

– الثورة الشعبية السلمية العامة كالتي استهدفت ضبط نزاعات المماليك في عصر العز بن عبد السلام وقامت بتعبئة مصر لقتال المغول.

– الثورة الشعبية المسلحة العامة كالثورة البلشفية والفرنسية

– الثورة المسلحة طويلة الأمد حيث تؤول إلى اكتساح العاصمة قادمة من الأرياف كالثورة الكوبية 1959

– الاسلوب الذي يبدأ بحركة مقاومة للاحتلال ثم يتحول إلى ثورة شعبية مسلحة تستولي على السلطة كما حدث في فييتنام 1945

– حرب الغزو الخارجي بداية والانتهاء إلى حرب اهلية كالثورة الصينية 1929-1949

–  التغيير التي يحدث من هرم السلطة ثم تكتسب الدعم الشعبي كثورة يوليو في مصر 1952

– ثورات انبثقت من البرلمان ثم تحولت إلى مسلحة كالثورة الأمريكية

– ثورات جاءت بها صناديق الاقتراع كثورة أليندي ف تشيلي.

و تبقى الثورات رغم فشلها ،مجالا للدراسة واستخلاص العبر وتلافي الأخطاء، خاصة أن الفشل هو ما صاحب أكثر الثورات في التاريخ  إلا أن عدالة القضية لا يسلب منها هذا التوصيف كونها ثورة. وتتسم الثورات المنتصرة بمشترك عام يتمثل في عبورها بمرحلة انتقالية بالغة الصعوبة كالفوضى والثورة المضادة والانقسامات المذهبية والدينية والجهوية والقومية، فيتولد الاضطراب الأمني وتسوء الأوضاع المعيشية. فالحالات الانتقالية بعد الثورة الفرنسية والأمريكية والروسية كانت قاسية من جهة الوضع الانساني والحروب الأهلية والارتباك السياسي، وكمثال حروب الردة التي أعقبت فتح مكة، لهذا لا يجب اللجوء إلى ما يصاحب الفترة الانتقالية من محن للطعن في الثورة والتشكيك في ماهيتها.

 وتشترك الثورات في تنوع الأطر والأشكال القيادية التي قادت الثورات في فترة اندلاعها كما في المرحلة الانتقالية( الزعيم أو الحزب القائد أو القادة المتكافئين). والتعدد الواسع لنماذج الثقافة والفكر والعقيدة لقادة الثورات، (عسكريين، فلاحين …)

والثورات لا تصلح للتقليد والمحاكاة بل يجب التقاط المنهجية في الوصول إلى التقدير الصحيح للموقف ومنه إلى طرح الخط السياسي الصحيح. لقد كانت المرجعية في النظرية الثورية(مقاومة، جهاد..) الأساس والقاعدة لكن وحدها لا تقرر النصر أو الهزيمة، فصحة التقدير للموقف العام وموازين القوى والخط العسكري والسياسي والفكري الصحيح هو الذي من شأنه تحقيق النصر.

 لهذا يجب مراعات الشروط الحاكمة لتفادي الهزائم ولو كانت المرجعية تمثل الحق… فالمحافظة على المبدأ في الاتفاقيات لا يعني عدم المرونة في التكتيك التي توصل للأهداف. مع الاحتفاظ بأن يكون القرار الثوري داخليا وربط كل النشاطات برابطة واحدة…

إن الانتشار الواسع لحركة المقاومة والقيادة المباشرة والشرح الواضح لمسألة الاستقلال والتجاوب مع مطامح الشعب  وآماله من شأنه أن يقوي الحركات الثورية حيث تصبح حركة جماهيرية حقيقية، مع اجتناب النظرة الضيقة واللاموضوعية بتشكيل جبهة موحدة تضم كافة مكونات الشعب تحت شعار التحرير من كل مظاهر التدخل الأجنبي، فهذه الوحدة الشعبية العريضة والسياسة الصحيحة والمثابرة على الحرب والاعتماد على الذات هي السبب في انتصار فيتنام على الاستعمار الفرنسي (ديان بيان فو) رغم الدعم البريطاني والأمريكي وما يصاحبه من دعوة التقسيم التي يجب رفضها إلا في حالة تيقننا بأننا سنوحد البلاد بعد خروج المحتل الاجنبي، أما التفاوض مع العدو أو رفضه فمرهون بالظروف، ومعياره هو تقريب انتصار الثورة في النهاية.

لهذا فالبرنامج الوطني يجب أن يكون موجودا باعتباره الرهان نحو توحيد جميع الطبقات والفئات الاجتماعية والقوميات والأحزاب السياسية والطوائف الدينية والشخصيات الوطنية من أجل إسقاط السيطرة الأجنبية وإقامة حكومة ائتلاف وطني مستقلة تسير نحو إعادة التوحيد السلمي للبلاد، مع ربط علاقات دبلوماسية بالبلدان  الخارجية خاصة التي رافقتنا في المسار الثوري.

 يلعب الوعي السياسي دورا حاسما في الصراعات، إذ يتيح    للإنسان معرفة العدو وتحديد نقاط ضعفه وقوته ويدفعه إلى التمسك بفكرة الاستقلال وعدم الرضوخ لأي توجيهات تحيد عنه، وأهمية أن يتقرر الوضع الداخلي بعيدا عن أي اعتبارات خارجية بل الشعب وقيادته الثورية هي صاحبة القرار في ذلك، والسعي من القوى الثورية لبناء حكومة.  كما يجب الاعتماد على النفس: (إطلاق مبادرات الشعب في حل كل المعضلات الاقتصادية والسياسية والعسكرية) فهو شرط حاسم لانتصار الشعب على الاستعمار وعملائه، فالصراع بين الثورة والعدو صراع شديد التعقيد وشديد الحركة والتغيير بحاجة إلى خط سياسي صحيح في إدارة الصراع تكتيكيا واستراتيجيا من خلال تقدير صائب للوضع ولموازين القوة  وطرح السياسات التي من شأنها كسب الحلفاء وعزل العدو.

دراسة التجارب الثورية يتطلب فهما أصيلا بعيدا عن التقليد والمحاكاة والتقاط الجوهر والتركيز على الوضع العام في البلاد ليكون بالإمكان تطبيق القوانين العامة فيها تطبيقا خلاقا، وطرح الخط السياسي  الصحيح النابع من الظروف المعطاة في كل مرحلة، كما لايكفي رفع الشعارات وإعلان المرجعية(إسلامية…) لكي تفتح جميع الأبواب، فتبني المرجعية الإسلامية والاهتداء بها إن هو إلا الخطوة الأولى الأسهل، وما يزال الطريق طويلا ومعقدا يحتاج إلى الكثير من التدقيق والتحليل لمعرفة الموقف الصحيح تكتيكيا واستراتيجيا عند كل منعطف. فالاستعاضة عن الدقة في التحليل والاستنتاج عند اتخاذ أي موقف أو عند دراسة التجارب بالهروب إلى التعميمات  كتفسير نهائي لكل معضلة من الاخطاء التي يجب تجنبها، وترك الشعارات البعيدة عن فهم الناس وعن واقعهم الملموس، بل يجب تحسس نبض الجماهير بحيث الابتداء بسماع مشاكله ثم الحديث معه بلغته بمحتوى ثوري يسير باتجاه الخط الاستراتيجي.

وللخروج من العزلة عن عموم الناس يجب معالجة قضايا الخلافات الدينية أو القومية أو العرقية والإقليمية بأساليب جديدة تنبع من دراسة موضوعية، والإبتعاد عن الأدلجة سواء مثلها حزب او جماعة لأن هذه الخلافات لها خطورة حاسمة على الثورة إذا لم توجد الأساليب الناجعة لحلها.

 إن تجنب وإغفال مساعي الثورة المضادة في إفشال المسار هو بمعرفة تحركاتها لإفشال مناوراتها ويبقى أهم شيء عزلها في تكوين رأي عام محلي.

ختاما : إن جوهر الفكرة الأمبريالية هو إيجاد متنفس دستوري وشكلي وإصلاحي تحت قيادة موالية تتمتع بتأييد شعبي وعليها مظاهر المعارضة، ثم مفاوضتها لنيل استقلال صوري بينما تظل المصالح الاقتصادية الامبريالية على حالها، بل يزداد النهب الاقتصادي.ومن ثم ضم البلد المستقل إلى شبكة الأحلاف العسكرية لإحكام الطوق سياسيا وعسكريا.

إعداد : جمعية مغاربة سوريا

تيليجرام ( جمعية مغاربة سوريا )  :  @jam3iyat

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 




المدنيون وحرب المدن / طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (2من2)

المدنيون وحرب المدن

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد 145 | رجب 1439 هـ / مارس 2018 م .

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (2من2)   

دراسة فى أنواع الثورات وتحدياتها :

المدنيون وحرب المدن

–  أساليب تزييف الثورات الشعبية والإنتفاضات المسلحة .

– مخاطر التحول من الثورة السلمية إلى المسار العسكرى .. وبالعكس .

– حركة طالبان حركة إسلامية شاملة ، ليست طائفية ولا شعوبية . نجحت فى حشر الولايات المتحدة فى مأزق تاريخى لم يسبق لها المرور بمثله .

– إذا حصلت حركة طالبان على صواريخ مضادة للطائرات ، فكم يوما سيبقى الأمريكيون فى أفغانستان ؟؟.

–  فى تجديد غير مسبوق فى حروب العصابات: عند تدخل طيران دولة عظمى فى الصراع المباشر .. حركة طالبان تعثر على الحل البديل للإستيلاء على المدن.

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

تزييف الثورات :

معلوم أن وسائل التغيير الجذرى فى أوضاع المجتمع لها سبيلان أساسيان هما :

1 ــ الثورة الشعبية .

2 ــ حرب العصابات .

( ونحن فى غنى عن تكرار القول بأن الإنقلاب العسكرى ليس سوى تجديد لصياغة الحكم المستبد الفاسد . فالجش هو الركيزة الأولى للأنظمة المستبدة العميلة للأجنبى . ولتغيير تلك الطبيعة القاتلة يجب تغيير الجيش نفسه وإنشاء جيش جديد موال للشعب وأهداف ثورته. ونفس الشئ يقال عن أجهزة الأمن والإستخبارات ).

كُتِبَ الكثيرعن هذين النوعين من التغيير الجذرى/ من اقع التجارب الكبرى الناجحة/ فى محاولة لإستنتاج القوانين الخاصة بكل منهما .

– ونلاحظ أن المعسكر الدولى الإمبريالى عالج مشكلة التغيير الجذرى فى البلاد المتخلفة والساعية نحو التحرر من سيطرته ، فابتكر نسخة مزورة من وسائل التغيير الجذرى تلك ، بحيث لا تصل إلى غايتها المنشودة بإحداث التغيير السياسى والإقتصادى والإجتماعى فى الدول الثائرة . بل ينتج عنها عكس ما كان متوقعا منها ، أى مزيد من المعاناة والتمزق والإنتكاس إلى حالة أشد بؤساً . والوقوع فى براثن أنظمة أشد قسوة وخضوعا للغرب الإمبريالى . مع أوضاع إقتصادية أسوأ ، بشركات عابرة للقارات تحكم قبضتها القوية على جميع مصادر الثروات الأساسية وتغرق الشعب فى ديون يستحيل سدادها إلى الأبد .

تلك النسخ المزورة ــ والمدمرة ــ مأخوذة من الوسيلتان التقليديتان أى (الثورة الشعبية ـ وحرب العصابات ) .

– فتحولت الثورة الشعبية فى نسختها المزورة إلى ثورة ملونة . (جورجيا ـ أوكرانيا ).

– وتحولت حرب العصابات إلى حرب بالوكالة (الحرب ضد السوفييت خاصة على مستوى الأحزاب الأفغانية ـ الحرب الأهلية الأسبانية 1936 ـ حروب عديدة فى أمريكا الجنوبية ) .

– ثم الثورة الهجين ـ وهى الأشد فتكا ـ فعندما تفشل الثورة الملونة تتحول إلى حرب بالوكالة ، أى تمرد مسلح فوضوى ، يتبع بعض تكتيكات حرب العصابات بدعم خارجى فتكون خسائر الشعب ومعاناته مضاعفة. ( سوريا ـ ليبيا ـ الجزائر فى التسعينات).

أساسيات التغيير الشامل :

رغم المسارات المختلفة لكل من الثورة الشعبية وحرب العصابات فإن لهما أساسيات واحدة :

1 ــ عقيدة إيمانية راسخة ، وثقة فى الإنتصار .

2 ــ وجود نظرية للتغيير الشامل والجذرى فى المجتمع ، من النواحى الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية.

3 ــ القائد الذى يجسد نظرية التغيير ويمكنه المواءمة بين مقتضياتها وبين الظروف المتغيرة فى مراحل الثورة .

4 ـ التنظيم الثورى الذى يربط ما بين القائد والشعب ، ويقود الثورة فى مختلف الميادين، ويتحمل معظم تضحياتها . مؤمنا بعقائده ، واثقا فى قيادته .

5 ــ حاضنة شعبية مستعدة للتضحية ، مؤمنة ، واثقة فى التغيير ، واثقة فى القيادة الثورية ، محبة لكوادر الثورة العاملين فى خلايا المجتمع .

إستحالة التحول من صورة إلى أخرى :

طبيعة الثورة الشعبية تختلف جذريا عن طبيعة حرب العصابات . لذا فإن طبيعة الإعداد لأى منهما يختلف ، سواء عند إعداد الكوادر أو شحن وتنظيم القواعد الشعية ، أو التجهيزات المسبقة للحركة . كما أن تركيبة التنظيم الثورى تختلف جذريا فى الحالتين . لهذا يكون من المستحيل التحول من صورة إلى أخرى ، بإستخدام نفس الآليات التنظيمية والتعبئة الشعبية .

ــ وفى حالة فشل إحدى الطريقتين ، وإتخاذ قرار بالتحول إلى الصورة الأخرى (من الثورة الشعبية إلى حرب العصابات ) يلزم مرور زمن كاف لبناء كل شئ من جديد، قبل البدء بالصيغة الأخرى (من الثورة الشعبية إلى حرب العصابات .. أو العكس) .

ــ مع العلم أن حرب العصابات يمكنها تدبير إنتفاضات ثورية محدودة جدا فى المدن لإضعاف النظام وتشتيت قواه ، وإثارة الحماس الشعبى . بدون التخلى عن أسلوب حرب العصابات كمسار رئيسى . مع مراعاة رد الفعل العسكرى على تلك المظاهرات الشعبية (تجربة هيرات فى أفغانستان عام 1979 والرد العنيف الذى أدى إلى إستشهاد 30,000 مواطن أفغانى).

 وبالمثل ، فالثورة الشعبية قد تستعين بضربات مسلحة محدودة فى المناطق النائية ، أو حتى فى المدن . وغالبا ما تكون عمليات إغتيال مدروسة أو عمليات تخريب ذات دلالة سياسية.

بداية مختلفة ، ومسار جغرافى متعاكس :

تبدأ الثورة الشعبية من المدن الكبرى وخاصة العاصمة ، ثم تمتد بالتدريج إلى الأرياف والمناطق البعيدة . بينما حرب العصابات تأخذ مسارا معاكسا : إذ تبدأ فى أشد المناطق وعورة من الجبال والغابات والصحارى ومناطق المستنقعات ، وأثناء تقدمها تتجه نحو الريف ثم المدن الصغيرة ، ثم العاصمة فى نهاية المطاف . ونلاحظ أن المسار متضاد فى الحالتين :

فشعار الثورة الشعبية هو : { من المدينة إلى الريف والجبل } .

وشعار حرب العصابات هو : { من الجبال إلى الريف والمدينة } .

 الإختلاف فى إستراتيجية الإنتصار :

  الثورة الشعبية تهدف إلى إحداث شلل فى أجهزه النظام بحيث يعجز عن إدارة البلاد. فتستولى الثورة على الحكم . وتبادر( كما هو الحال أيضا عند إنتصار حرب العصابات) بعملية تطهير آثار النظام السابق من سياسات وعناصر ، وبناء أجهزتها الجديدة وفق مبادئ ثورتها ، خاصة الأجهزة المسلحة من جيش وشرطة وإستخبارات ، وإعلام وتعليم ، مع ضرورة تغيير بنية الإقتصاد بما يتناسب مع رؤية الثورة ونظامها الإجتماعى الجديد .

بالطبع يتغير المسار السياسى للبلد ، بما يحقق الإستقلال وسلامة أراضى الوطن واسترداد حقوقه ، والتعاون خارجيا مع الدول التى هى أقرب إلى تفهم النظام الجديد والتعامل الإيجابى معه .

– يلاحظ أن الثورة الشعبية السلمية (الإنتفاضة) عند إستيلائها على السلطة تكون أجهزة الدولة سليمة ولكنها فاقدة المعنويات والثقة بالنفس. وقاعدة الإقتصاد والبنية التحتية سليمة  والخسائر بشكل عام محدودة.

– ما سبق معاكس لما تكون عليه الحال فى حروب العصابات التى تعتمد على تحطيم قوة الجيش والأمن تدريجيا عبر قتال طويل . كما أن البنية التحتية تتأثر بشدة نتيجة للعمليات العسكرية ، وبالتالى خسائر الإقتصاد تكون فادحة ، وأيضا الخسائر فى أرواح المدنيين نتيجة سياسات العدو الوحشية ، الهادفة إلى منع الشعب من دعم الثوار .

فإحدى القواعد العامة لحرب العصابات تقول { إن الشعب هو البحر والثوار هم الأسماك التى تسبح فيه} . وذلك للدلالة على حتمية الإرتباط والتواجد المادى للثوار فى أوساط الشعب ، وعدم الإنعزال عنه ، لا شعوريا ولا ماديا . فمن الشعب تأتى كافة أنواع القوة المطلوبة للمضى بالصراع حتى نقطة الإنتصار. فالثورة المسلحة تنجح إذا كانت تعبر عن آمال الشعب.

– يجب ملاحظة أن هذه القاعدة صحيحة أيضا فى حالة الثورات الشعبية( الإنتفاضة) ، بل هى الفيصل ليس فقط بين النجاح والفشل ، بل الفيصل بين الثورة الشعبية الحقيقية ، والثورة المزيفة والمسماه الثورات الملونة والتى وصلت إلى البلاد العربية تحت إسم (الربيع العربى) سئ الذكر والذى إنحدر بحالة الشعوب إلى الدرك الأسفل .

بين الثورة الحقيقية والثورة الملونة :

– من الفروق الجوهرية أن مطالب الثورة (الإنتفاضة) الحقيقية لها طابع جذرى يمتد إلى جميع مفاصل الحياة . بينما الثورات الملونة تتبنى إصلاحات جزئية تتعلق ببعض الحريات الشخصية والإنفتاح الإقتصادى والسياسى ، بينما فى الإقتصاد بالكاد تطرقت إليه ، وعلى أساس الوصفة الغربية للدول المتخلفة إلى الأبد ، أى الإعتماد على السياحة والإستثمار الخارجى والقروض ، بدلا من الإعتماد على الموارد الذاتية وبناء إقتصاد إنتاجى حقيقى .

 مسار تلك الثورات يتطابق بالكامل مع فلسفة النظم الغربية ، لذا ينتهى بها المطاف إلى تبعية كاملة للغرب وتفريط كامل فى الثروات وضياع القرار السياسى والسيادة الوطنية .

– نلاحظ أن دول الغرب صفقت طربا لثورات الربيع العربى وتفاخرت بأنها ثورات ليبرالية صديقة للغرب. فقيادات تلك الثورات وجهوا خطابهم السياسي إلى دول الغرب أكثر من توجيهه إلى شعوبهم . وكانت القيادات تسعى إلى الحصول على رضا الغرب وتأييده أكثر من إعتمادها هلى تعبئة الشعب وحشده من أجل إحداث تغيير حقيقى .

– الغرب يستخدم الثورات الملونة لقلب أنظمة الحكم المعادية ــ أو تلك المنتهية الصلاحية ــ أو لإحداث تغييرات كبيرة فى وقت قصير بواسطة قوى عميلة نشطة وطموحة وقاسية .          أو لإستباق ثورات حقيقية محتملة ، فتأتى الثورة الملونة (المزيفة) كضربة إجهاضية تمنع حدوث الثورة الحقيقة وتقطع الطريق عليها . وقديما كان الإنقلاب العسكرى يؤدى تلك المهمة الإجهاضية (إنقلاب العسكرى الأول فى مصر عام 1952) ، وما زال يؤدى نفس الدور حسب توافر الظروف . وقد رأينا أن الإنقلاب العسكرى الثانى فى مصر( عام 2013) وقد جاء تاليا للثورة الملونة ، من أجل إكمال ما فشلت فى تحقيقة قيادة الإخوان الضعيفة والمهترئة .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

بين حرب التحرير .. والحرب بالوكالة :

حرب التحرير هى ثورة شعبية مسلحة ذات أساليب عسكرية تأخذ شكل (حرب العصابات) . هذا المنحى العسكري الصعب للثورة تفرضه عدة عوامل هى :

1 ـ إستحالة أى سبيل آخر للتغيير ، وتيقن الشعب من ذلك .

2 ـ جغرافية البلاد تساعد على نشؤ حرب عصابات ناجحة .

3 ـ جاهزية الشعب للقتال طويل المدى ، مع تحمل كافة تكاليفه وتبعاته .

4 ـ من الأفضل (وليس من المحتم) وجود جوار صديق للثورة . ومن الأفضل أن تكون بداية الثورة قريبة من ذلك الجوار .

تعدد التنظيمات .. فى الثورة وحروب التحرير(العصابات) :

تعدد التنظيمات يتسبب فى تشتيت قوى الشعب ، ويؤدى إلى فشل الثورة الشعبية السلمية أو حرب التحرير(حروب العصابات) فى تحقيق أهدافهما والإنحراف عن المسار ونشوب حروب داخلية.

 – كعلاج مؤقت تلجأ الأحزاب المختلفة إلى عقد تحالف فيما بينها على شكل جبهة: (جبهة التحرير الجزائرية ـ منظمة التحرير الفلسطنية ـ الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ) .

وبينما إستطاع الجزائريون الإحتفاظ بجبهتهم حتى حققت هدفها من التحرير، فإن منظمة التحرير فشلت فى تحقيق الهدف منها ، وكانت مجرد ستار للتدخل العربى فى شئون الفلسطينين لإفشال نضالهم .

والإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، تحول إلى مجرد حزب عادى مثل باقى الأحزاب الفاسدة. والتى إجتمعت على شئ واحد بعد دخولها إلى كابول وهو الحرب الأهلية المدمرة ،  وإنشاء نظام فاسد خاضع لقوى خارجية متعددة ، ومنع ثورة الأفغان الجهادية من تحقيق شعارها بإقامة دولة إسلامية .

–  بالنسبة لتعدد التنظيمات خلال الثورات الشعبية ، ومخاطر تعدد التنظيمات فيها تحضرنا التجربة المصرية ، فحين سقط رأس النظام ، لجأ العسكر(المجلس العسكرى الحاكم) إلى حيلة بسيطة وهى فتح الباب لتشكيل الأحزاب . فتكون خلال فترة قصيرة للغاية حوالى مئة حزب سياسى . فتفرق الناس فى الشوارع شيعا وأحزابا إلى أن إستعاد الجيش زمام السلطة بشكل مباشر أشد قمعا وفسادا . وحتى اليوم لم يجتمع الناس على رأى حول سبل الخلاص . فقد فشلت الثورة ومضى زمانها  وكل ما تبقى منها هو الأحزاب المتنازعة !!.

– نتيجة لهذا التشرذم فى قوى الشعب الثائر سواء بإنتفاضة شعبية أو قتال مسلح ، فإن الباب يكون مفتوحاً على مصراعيه للتدخل الخارجى ، ويبحث كل طرف محلى عن داعم خارجى ، بما فى ذلك النظام الحاكم نفسه . فتتحول البلد الى ساحة صراع بين قوى خارجية متنافسة ، وتتحول جماعات الثوار ، وحتى النظام نفسه ، إلى مجرد “بغال تحميل” لقوى خارجية.  (أنظر الحال فى مصر بعد نجاح الإنقلاب العسكرى ، حيث هرب الإسلاميون إلى قطر وتركيا ، وهرب المعارضون العلمانيون إلى أوروبا وأمريكا ، بينما ذهب النظام إلى إسرائيل ودول الخليج الأخرى ) . ويمكن الإعتبار بالأحوال فى العراق وسوريا ، فكل تشرذم أخذ خريطة الإنتماء الأيدولوجى والسياسى الخاص به ــ وفى كل الأحوال كانت الشعوب هى الخاسر الأكبر ، وتمزقت الدول مع أمل ضعيف جدا فى التماسك مرة أخرى .

لماذا تأكل الثورة أبناءها ؟؟ .

إذا تمكنت التنظيمات والأحزاب من تشكيل جبهة مشتركة من أجل إسقاط نظام قائم أو إخراج محتل أجنبى ، فإن ساعة الوصول إلى السلطة ، تكون هى ساعة الفراق . فتتصارع القوى المختلفة وتتزاحم على غنائم السلطة من أجل تطبيق برنامجها الخاصة . فالذى يصل أولا إما لأنه الأكثر قوة ، أو لأنه كان الأسرع قفزا إلى كرسى الحكم نتيجة مصادفات معينة ، فإنه يدافع عن إمتيازه مستخدما أدوات الدولة فى إقصاء الآخرين بالعنف ، فتبدأ الصدامات والتصفيات . فيقال وقتها أن الثورة تأكل أولادها .

ومع هذا فإن الصدامات كثيرا ما تحدث قبل الإنتصار ويكون ذلك أوضح فى الثورة المسلحة نتيجة توافر الأسلحة بين الأيدى ، فيكون الحوار بالرصاص والمتفجرات . حدث هذا فى أفغانستان سابقا كما حدث فى سوريا والعراق ، وفى ليبيا واليمن .

 فى مصر ، أكل الجيش جميع قوى إنتفاضة يناير وجميعهم إعتبروا الجيش أخاً أكبر وكيانا وطنيا مقدساً ، فسمح لهم الجيش بالعبث عدة أشهر ثم دمرهم جميعا ، منفردا بحكم يأمل أن يكون أبديا بعون إسرائيلى خليجى .

 المدنيون فى ساحة الصراع :

الشعب (المدنيون) هو مادة الصراع . فهو منتج الحياة ومستخرج الثروات ومادة الجيوش .

فتتصارع الرؤى على الطريقة المثلى لإدارة شئونه إما لخدمته أو لاستغلاله واستعباده . تتنزل الديانات للهداية وتتصارع الأهواء على الإستئثار بالقوة السياسية والمالية .

قد يحاول الشعب فرض حقوقه بالثورة السلمية (إنتفاضة) أو بالثورة المسلحة (حرب عصابات) ، فإما أن ينجح ، أو أن يفشل فيستمر الصراع حتى لو تأجل النجاح إلى حين .

المدنيون فى الثورة الشعبية :

أى ثورة شعبية أو حرب تقليدية أو غير تقليدية يصاحبها حتما ضحايا من المدنين . والثورة الشعبية تكون عادة الأقل من حيث خسائر المدنيين ، فهى تستغرق فترة زمنية أقل ، ولا يعتمد فيها الثوار على إستخدام الأسلحة ـ إلا فيما ندرـ لأن سلاح الثوار هو العصيان المدنى والتجمع بالملايين فى ساحات المدن بهدف شل قدرة الحكومة على إدارة البلد ، ويعملون على إمتصاص هجمات الجيش والشرطة بالمراوغة والصمود وتحمل الخسائر بدون التورط فى مواجهات مسلحة كبيرة إلا قرب النهاية ، عند الإستيلاء على مقرات الجيش والشرطة والإدارات الحكومية وتطهيرها من العناصر التى لم تستسلم بعد .

وتلجأ ( الإنتفاضة) أثناء مسيرتها إلى تكوين وحدات صغيرة مسلحة لحراسة المنشآت الحيوية التى تم الإستيلاء عليها ، ولحفظ أمن المتظاهرين من هجمات البلطجية . وتسلح حرسها بالغنائم من الأسلحة . كما تنشئ وحدات حرس مسلحة فى الأماكن السكنية ، وعلى الطرقات العامة لحفظ الأمن من المجرمين والعصابات الإجرامية التى تديرها الدولة وتدفع لها بسخاء.

فى نهاية الثورة الشعبية السلمية (الإنتفاضة) يكون لدى قيادة الثورة نواة مسلحة تبنى حولها جيشها الجديد وأجهزتها الأمنية والإستخبارية على أنقاض الأجهزة الحكومية التى لا يجوز للثورة إستخدامها مرة أخرى كونها أجهزة قمع مهيأه نفسيا وعمليا على قمع الشعب وخيانة الوطن .

– بشكل عام فإن سلاح (الإنتفاضة) الشعبية هو التكتلات الكبرى من المدنيين ، الذين بتجمعهم وبتحركهم المدروس يشكلون سلاح (الإنتفاضة) الأول والأساسى .

أى بجملة واحدة : { الجماهير هى سلاح المواجهة فى الإنتفاضة الشعبية }.

وهدف السلطة الحاكمة فى حالة الإنتفاضة الشعبية هو : إرعاب الجماهير لصدها عن التجمع والتمرد ، فتواجههم بعنف مفرط منذ البداية . ولكن مع تعاظم الحشود وإصرارها تتفكك أجهزة القمع ثم تسقط السلطة الحاكمة.

المدنيون فى حروب العصابات ( حروب التحرير) :

حروب العصابات تختلف جذريا فى مسألة دور المدنيين فهم بالنسبة لها كالماء بالنسبة للسمك. فالجماهير هم الوسط الحيوى الذى يمد المقاتلين بوسائل الحياة والإستمرارية حتى النصر.  فالماء ليس بسلاح حرب ، بل هو مجال للعيش يجب الحفاظ عليه وعدم تعريضه لأى مخاطر إذا أمكن ذلك . فالجماهير ليسوا (سلاحا) يستخدم فى معارك حروب العصابات ـ مثل ذلك الإستخدام الكارثى الذى حدث فى سوريا .

وبينما الثورة تدفع الناس إلى الشوارع من أجل المواجهة ، لأن قوة الجماهير فى كثره عددها . فثوار حروب التحرير يجنبون الجماهير حتى من مجرد إحتمال التعرض لعمل إنتقامى من جيش الإحتلال (الأجنبى أو الوطنى ) وميلشياته المسلحة . وسواء كان الشعب يعيش فى المناطق المحررة أو يعيش فى المناطق الخاضعة لسلطة الإحتلال ، فإن الثوار يحافظون على سلامتة ، ويتجنبون أى أضرار قد تلحق به ، بل قد يقومون بالدفاع عنه بالسلاح إذا أمكن ، أو الثأر لما لحق به من أضرار سببها الإحتلال . ويكون من أكبر مهام الثورة المسلحة هو الحفاظ على حياة مواطنيها وأمنهم وسبل عيشهم ، وقوة إرتباطهم بالثوار المجاهدين عن الطريق المعامله النظيفة العادلة.

وفى حروب التحرير يكون شعار (الصراع على عقول وقلوب الجماهير)هو الأوضح . وهو صراع يستخدم فيه النظام الحاكم كافة الطرق المشروعة وغير المشروعة من أجل تحقيق الفوز . فيستخدم قواة الناعمة كلها ، من إعلام ودعاية ومنابر الدعوة الدينية ، مع رشاوى إقتصادية وسياسية على شكل إصلاحات غير حقيقية ولكنها تعطى مجرد إنطباع شكلى بحدوث تغيير وأن النظام بدأ يتغير من تلقاء نفسه ، وأن الهدؤ والصبر كافيان لإصلاح سلمى بلا صدامات تؤذى الجميع .

ويستخدم نظام الإحتلال الوسائل القذرة لتشويه صورة الثوار ، فيقوم بعمليات قتل وسطو وقطع طرق وعمليات ذبح جماعية وتفجيرات فى أماكن مدنية مزدحمة ، وينسب تلك العمليات إلى الثوار وتقوم آلته الدعائية بالتهويل اللازم . وأصدقائه فى الخارج يروجون ويضخمون ويستخدمون المنابر الدولية لتشويه الثوار لكسب تأييد عالمى واسع لعمليات النظام ضد الشعب على إعتبار أنها أعمال ضد الإرهاب .

– من جانبهم يعمد الثوار إلى تجنيب السكان بطش جيش الإحتلال والجيش الحكومى وأعوانهما . فيبعدون مناطق عملياتهم ، وأماكن تجمعهم ، أو قواعدهم المؤقتة أو الدائمة ، عن القرى والمراكز المدنية قدر الإمكان حتى لا تتوجه إلى السكان ضربات إنتقاميه من العدو.

 

تحويل السكان إلى أداة ضغط على الثوار :

أصبحت تلك الاستراتيجية شائعة فى مواجهة حروب التحرير . وقد طورها الجيش النازى فى حربه ضد عصابات المقاومة الشعبية فى أوروبا . والجيوش الإستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا توسعت فيها كثيرا لقمع التمردات المسلحة المطالبة بالاستقلال فى مستعمراتها.      والعصابات اليهودية فى فلسطين إستخدمتها بتوسع ضد السكان الفلسطينيين ، وكانت معتمدة رسميا ضمن استراتيجيتهم العسكرية . والأمريكيون فى فيتنام إستخدموا كل طاقتهم العلمية والتكنولوجية لضرب المدنيين أو حتى إبادتهم بالأسلحة الكيماوية التى تدمر كل شئ من إنسان ونبات ومازالت تلوث البيئة هناك حتى الآن . وقبل فيتنام قصفت أمريكا اليابان بالقنابل النووية حتى تهدم روح المقاومة لدى الشعب اليابانى .

والسوفييت فى أفغانستان دمروا البنية السكانية والإقتصادية وأرغموا أكثر من أربعة ملايين أفغانى على الهجرة من أوطانهم .

والأمريكيون إستخدموا فى أفغانستان جميع الأسلحة الحديثة المحرمة دوليا والتى كانت تستخدم للمرة الأولى ، من الغازات الكيماوية إلى قذائف اليورانيوم المخصب والمنضب ، وقنابل هى الأثقل فى العالم والتى بدأت من زنة ستة أطنان حتى وصلت إلى عشرة أطنان من المتفجرات المتطورة . ومنذ لحظات الحرب الأولى عمدت أمريكا إلى معاقبة السكان جماعيا بتدمير أى مركز سكانى تنشط قوات طالبان قريبا منه . وفى بداية الحرب طلب السكان من طالبان العمل بعيدا عن مناطقهم . والآن صار إستهداف المدنيين على قمة استراتيجية (ترامب) الجديدة حتى ينفض السكان عن تأييد طالبان ، ويتحولون من إداة دعم للثوار إلى أداة للضغط عليهم . ومعلوم أن الإحتلال الأمريكى فرض طوقا من الحصار والعزلة على شعب أفغانستان وحركة طالبان ولا يكاد يجرؤ أحد على تقديم الدعم لهم إلا بشق الأنفس . ولم تحظ الحركة حتى الآن بدعم رسمى من أى حكومة فى العالم ، نظرا للسطوة الأمريكية وقدرتها على تقديم الرشاوى الإقتصادية ، مع التلويح بالعقاب العسكرى المباشر أو غير المباشر . وحتى تعداد من قتلهم الأمريكيون أو من هجروهم من ديارهم فى مناطق إيواء داخلية ، غير معلوم بدقة . ويحظر على الصحافة التجول الحر أو الكتابه بعيدا عن الرقابة العسكرية الأمريكية وأجهزة الحكومة العميلة . لهذا تغيب صور المجازر الأمريكية عن أعين العالم ، وتغيب صور دمار البيوت والمزارع والمساجد .

 –  ويمكن إعتبار تعامل حركة طالبان مع المدنيين هو النموذج المثالى لكل ما هو معروف حتى الآن من تجارب فى حروب التحرير . فهى لم تستخدم مطلقا أسلوب الترهيب حتى تضمن الولاء . بل هى تضع مصالح المدنيين فى مقدمة الإعتبارات عند التخطيط العسكرى . لهذا نجحت فى تحطيم المشروع الأمريكى فى أفغانستان ، وهو فى طريقه لأن يصبح فشلا وسقوطا لمركزأمريكا الدولى كقوة أولى . فى تطبيق حديث للسقوط السوفيتى ، ولكنه سيكون أبعد أثرا فى شئون العالم .

– سياسات الإستعمار لمقاومة حروب التحرير تتلخص فى تجفيف الأنهار التى يعيش فيها الثوار . إما بإرغام السكان بالقوة والإغراء على العمل مع الإحتلال لطرد الثوار. وإذا تعذر ذلك فيعمد الإستعمار إلى تهجير السكان بعدة وسائل :

ـ إحراق المحاصيل وإتلاف الحقول وقنوات الرى .

ـ تدمير القرى وقتل السكان عشوائيا بالغارات الجوية أو الأرضية .

ـ تهجير السكان إلى الدول المجاورة أو إلى المدن الخاضعة للإحتلال بممارسة الإرهارب عليهم .

ـ حشد السكان فى معتقلات جماعية خلف الأسلاك الشائكة والحراسات العسكرية . وتركهم للموت البطئ بسؤ التغذية والأمراض .

فإذا جفت الأنهار ماتت الأسماك وإنتهت المقاومة . ولكن ماذا لو أن المقاومة وثوارها قاموا بتسميم الأنهار التى يعيشون فيها وأشعلوا فيها النيران ؟؟

يبدو هذا إفتراضا جنونيا غير أنه ما حدث بالفعل فى كل من العراق وسوريا .

المسئولية الأولى تقع على قيادة المقاومة . فالمقاومة العراقية الناجحة ضد الإحتلال الأمريكى ، تحولت إلى صراع طائفى على أيدى قيادات فاشلة ، وأحيانا عميلة لقوى خارجية. وفى سوريا حرفت المجموعات (الجهادية) القادمة من الخارج دفة صراع الشعب من أجل حقوق معيشية ، إلى الصراع الطائفى يستدعى القوى الإقليمية . وسريعا ما وصلت قوى دولية عديدة وساحة الصراع أصبحت دولية ، وهذا معناه خروج زمام السيطرة من أيدى القوى المحلية ، التى تحولت طاقاتها إلى الصراع الداخلى والدمار الذاتى للشعب وخراب مقدرات البلد ، بعد أن أصبح فريسة لصراعات خارجية لا تعنيه فى معظمها ، بل تعرض أمنه وثرواته وسلامة أراضيه لمخاطر كبرى فيتعرض للنهب والتقسيم ، وفقدان القيمة الجيوسياسية.

–   القيادات الفاشلة ـ تتحول إلى قيادات فاسدة ـ بفعل الإرتباط المصيرى مع الخارج . ثم يزحف الفساد من الأعلى نحو الأسفل ، أى من القيادة إلى قواعدها المقاتلة . وطبيعى أن تحاول تلك القيادات التملص من المسئولية وإلقائها على أطراف محلية أو قوى خارجية متناسية أن الكارثة قد بدأت من عندها تحديدا ، وهى تتحمل المسئوليه كاملة .

فوجود قوة طائفية فى المجتمع ليست مبرراً لأن تتحول حركة المقاومة إلى الإتجاه الطائفى ، لأن ذلك يعكس مسارها ويحولها إلى قوة دمار للمجتمع وفشل مؤكد فى إكمال أهدافها الثورية التى قامت من أجلها .

ـ وإذا عدنا إلى أفغانستان لأخذ الأمثلة من التطبيق الجهادى لحركة طالبان ، فإن الحركة أثناء زحفها من قندهار صوب المدن الكبرى فى البلاد وصولا إلى العاصمة كابول ما بين عامى 1994 ـ 1996 قابلت قوى مضادة قاتلت حتى راية عرقية وأخرى حاولت إستنفار الخلاف المذهبى . ولم يدفع ذلك حركة طالبان إلى الطرف المضاد بتبنى موقفا عرقيا أو مذهبيا مضادا (كما فعلت قيادات عراقيه وسورية فيما بعد ) بل أصرت على طرح إسلامى شفاف ونقى يستوعب جميع العرقيات وجميع الإجتهادات المذهبية . فقاتلت من قاتلها ولم تغير ذلك المبدأ حتى الآن عند قتالها ضد الإحتلال الأمريكى المدعوم بحوالى خمسين دولة أخرى . وقد نجحت الحركة فى الوصول إلى السلطة عام 1996 بعد عامين فقط من القتال . وهى الآن نجحت فى حشر الولايات المتحدة فى مأزق تاريخى لم يمر بها قبل ذلك فى أى محنة سابقة .

فحركة طالبان حركة إسلامية شاملة ، وليست طائفية ولا شعوبية .

–  ومن المرجح أنه لا توجد تجربة ثورية سبقت ثوار سوريا فى خطئهم التاريخى بالقتال من داخل المدن والتترس بسكانها . لذلك يتحملون الوزر الأكبر لهذه المأساة التى ترقى إلى درجة جريمة حرب من الطراز الأول .

ذلك رغم خلفيتهم السلفية ، وإدراكهم لحكم التترس بالمدنيين . عندما يحتمى بهم العدو ويتقدم صوب صفوف المسلمين ، حتى يتحرجوا من قتل إخوانهم فيحقق العدو إنتصاره .

فقد أفتى إبن تيمية بجواز قتل المسلمين الذين تترس بهم التتار . فإذا إنعكست الآية وتترس المسلمون بالمسلمين نجد أن موقف المجموعات الوهابية قد تبدل ، ويلقون بالمسئولية على أعدائهم مشهرين بهم وبوحشيتهم !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

خطر المجموعات الخارجية المسلحة : 

للمتطوعين الإسلاميين مزايا كبيرة إذا عملوا ضمن شروط صحيحة ، وليس بفرض أنفسهم ورؤاهم المذهبية والعرقية والسياسية على أصحاب الأرض والقضية الأصليين . فالقيادة بادئ ذى بدء يجب أن تكون لأصحاب الأرض . والسبب بسيط للغاية وهو أن الشعب قام بالثورة سيرا خلف أبنائه الذين يعرفهم ويعرف أصولهم وتاريخهم . ولا يتبع أشخاص غريبين عنه ، ناهيك أن يكونوا عدوانيين ومخالفين فى كل شئ .

المجموعات الوهابية ، المغالية فى الدين ، تتطوع لهدف مبدئى لديها وهو مكافحة الشرك وإنحراف العقائد . وسريعا ما تفتى بأن تلك الموبقات موجودة فى أهل البلاد الذين ذهبوا لمساعدتهم ، فيتهمونهم بالشرك ، ويتوجهون لمقاتلتهم قبل التوجه إلى العدو الخارجى . وما من ساحة ذهب إليها هؤلاء الغلاة إلا وتحول إتجاه البنادق إلى صدور أهل البلاد أنفسهم قبل الأعداء الخارجيين أو الداخليين . (أنظر تجربة داعش فى كل مكان ذهبت إليه).

فى كل مكان يذهب إليه الغلاة ، يبدأون بالتبشر لأفكارهم داخل صفوف المجاهدين المحليين وبين السكان ، فتبدأ بذرة الشقاق وتتعدد التنظيمات حين يحاولون إلحاق المجاهدين المحليين فى صفوف التنظيم (أو التنظيمات) الوهابية الوافدة .

 ومعلوم أن  تعدد التنظيمات هو خطوة مؤكدة للإقتتال الداخلى قبل الإنتصارأو بعده . وهذا ما حدث فى افغانستان وقت الجهاد ضد السوفييت . ولولا حيوية القوى الإسلامية فى أفغانستان وتخطيها لعقبات الإنقسامات الحزبية لبقى السوفييت فى أفغانستان إلى الآن ، ولبقيت إمبراطوريتهم وتوسعت .

وعندما شكلت أمريكا وأعوانها “حكومة أحزاب المجاهدين” التى دخلت كابول بعد التحرير ، كانت رسالة تلك الحكومة هى إستكمال ما فشلت فيه أثناء مرحلة الجهاد ، بإسئناف القتال الداخلى ، وتقسيم البلاد تمهيدا لإحتلال خارجى قادم ، ولكن من جهة الغرب وليس الشرق .

ولكن حركة طالبان أفشلت المخطط وأقامت إمارتها الإسلامية ، رغما عن الأحزاب جميعا وفوق أنقاضها . فلم يتبق أى مخرج أمام الأمريكيين سوى الدخول المباشر فى حرب ضد الشعب الأفغانى لتغيير ثقافته ودينه والإستيلاء على ثروات بلاده .

وقادة الأحزاب الجهادية المنحرفة فى وقت السوفييت ، كشفوا أقنعتهم فظهرت وجهوهم الحقيقية . والآن هم أعمدة الحكومة العميلة فى كابول ، وأحدهم ومن داخل موقعه فى النظام القائم يشرف على مجهودات داعش فى تدمير أفغانستان وخدمة الإحتلال .

 القتال بالمدنيين والإستهتار بسلامتهم :

فى أكثر من مكان ، فإن المجموعات الوهابية المسلحة ، القادمة من خارج البلاد لم تتحرج من التترس بالمدنين والقتال من داخل المدن . ولم تبال إطلاقا بسلامتهم ولا بأمنهم وأرزاقهم. فلديها الشجاعة لقتل كل كائن حى ، ولكن ليس لديها ما يكفى من الشجاعة الأدبية للإعتراف بالخطأ والإعتذار عنه وتحمل مسئوليته .

فقد غرهم الإسناد الدولى والإقليمى بالمال والسلاح ، والماكينات الدعائية الجبارة لدى حلفائهم ، فألقوا بتبعات جرائمهم على كاهل أعدائهم ، ولكن من أختار المدن كساحات قتال بأحدث الأسلحة هم هؤلاء الغلاة وليس أعدائهم .

وإذا عدنا إلى تجربة أفغانستان لأخذ الدروس من حركة طالبان نجد أنهم إلى الآن (مارس 2018) لم يحتفظوا بأى مدينة كبرى رغم أنهم فعلوا ذلك عدة مرات . ولكنهم أدركوا ضرر ذلك خاصة وأن سلاح الجو الأمريكى هو الذى يعمل فى سماء أفغانستان ، لحفظ نوع من التوازن يمنع طالبان من الإستيلاء على المدن ، حتى تبقى المدن فى يد أمريكا كورقة مساومة على وضع نهائى للحل .

تجديد غير مسبوق فى حروب العصابات :

– وفى تجديد غير مسبوق فى إستراتيجية حروب العصابات فى ظل تفوق كاسح لسلاح جوى لدولة كبرى ، وإستحالة الإستيلاء على المدن بدون أن يلحقها تدمير شامل من ذلك الطيران ، فقد عثرت حركة طالبان على حل مثالى لتلك المعضلة :

 بأن تواجدت داخل المدن بشكل سرى ، واسع وعميق ، بدون الإستيلاء عليها . مع إثبات قدرتها على فعل ذلك ، بالضرب الموجع فى الأعصاب الحساسة للنظام الحاكم والإحتلال معا. ذلك هو الوضع فى عدد من المدن الأساسية وتجلى بشكل خاص فى العاصمة كابول ، مؤيدا بتصريح لقائد القوات الأمريكية فى أفغانستان ، يفيد بأن قواته محاصرة داخل كابول ولا تجرؤ على الحركة على الأرض ، وتعتمد على المروحيات فى تنقلاتها .

فهل هناك دليل على الهزيمة أكبر من ذلك ؟؟ .

فماذا لو حصلت حركة طالبان على صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف ؟؟ .. فكم يوما بعدها سيبقى الأمريكيون فى أفغانستان ؟؟ .

تحميل مجلة الصمود عدد 145 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية (1من2)

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية

طالبان ـ إيران ـ السلفية الجهادية

 أسباب أزمة الحركة الجهادية فى بلاد العرب 

المدنيون فى حرب المدن .. مسئولية من ؟؟

(الجزء الأول )

مع رسائل : الخوستى ـ سعد ـ مجهول 

العناوين:

1) طالبان .. و إيران .. و أسباب العداء 

2) المدنيون وحرب المدن

3) أساسيات التغيير الشامل 

4) إستحالة التحول من صورة إلى أخرى

5) بداية مختلفة ومسار جغرافى متعارض

6) إختلاف فى إستراتيجية الإنتصار

7) بين الثورة الحقيقية والثورة الملونة 

8) بين حرب التحرير .. والحرب بالوكالة

9) تعدد التنظيمات بين الثورة وحروب التحرير(العصابات)

10) لماذا تأكل الثورة أبناءها ؟؟

11) المدنيون فى ساحة الصراع 

12) المدنيون فى الثورة الشعبية

13) تحويل السكان إلى أداة ضغط على الثوار

14) خطر المجموعات الخارجية المسلحة.

الخوستى : موقف ايران من الجماعات السنية بشكل عام عدائي . في العراق و الشام ضربت ايران جميع الجماعات السنية حتي المعتدلين منهم . كيف تبرر موقف ايران العدائي اتجاهنا ؟ أغلبية الجماعات الجهادية العربية سلفية و لكن طالبان مختلفين. لماذا كل هذا الحقد علي الطالبان مثلا ؟ .

فى البداية أقول أننى لا أقدم تبريراً لأى شئ بل أحاول تفسير الأشياء ـ إذا أمكننى ذلك .

سؤالك هام جدا ويطرحه كثيرون من داخل الجماعات الجهادية والمتعاطفين معها ، والإجابة الوافية عن هذا السؤال فيها تفصيلات كثيرة ، ولكن سأحاول التركيز قدر الإمكان حتى لا يتشعب الموضوع .

صحيح ما تقوله من أن (حركة طالبان أفغانستان) شئ مختلف عن باقى الحركات الجهادية فى العالم العربى تحديدا . وتكاد فى الكثير من النقاط أن تكون نقيضا لها .

سنبدأ حديثنا عن الجماعات الجهادية العربية والأسباب التى قادتها إلى المأزق الذى تعيشه الآن والتى وصل بها إلى نقطة لم يكن يريدها أو حتى يتخيلها جيل المؤسسين الأوائل منذ السبعينات. لقد بدأ ذلك التيار الجهادى وهو يحمل معه بذور ضعفه وإندثارة . ونمر عليها سريعا فنقول بأنها :

1 ـ غياب الرؤية السياسية ـ  رغم أن السياسة مع الإقتصاد هما العناصر الأساسية لتحريك المجتمعات والدول .. سلما وحربا .. أمنا أو صراعا ،( وهما أول ترجمة لحركة المعتقدات على أرض الواقع ، وهما البنية الأساسية لها فى عالم المادة ) .

2 ـ الجمود الفقهى ـ الناتج عن الفقه السلفى الضيق الذى يهمل أو يعادى باقى المذاهب السنية ناهيك عن حربة ضد مجموعات إسلامية كبيرة مثل الصوفية والشيعة ، رغم ثقلهم التاريخى والمعاصر .

3  ـ أزمة الإفتاء : وهى ناتجة عن عدم توافر عناصر الفتوى الحقيقية من :

فقر فى العلم الدينى وقلة الدراية بالواقع : فلا يمكن حصر العلم الدينى بالسلفية ناهيك عن الوهابية . فتلك زاوية ضيقه جدا وعدائية مع من سواها من مدارس علمية سنية (أوغير سنية).

الجهل السياسى : الذى يجعل الإفتاء أبعد عن الواقع ، سابحا فى عوالم إفتراضية لا وجود لها . بينما تواجدت السياسة فى أدق تفاصيل الحياة البشرية .

غياب العلماء الحقيقيون : فتصدى الأحداث وغير المؤهلين لعملية الفتوى . بل وربما القضاء أيضا عند(التمكين !! ) . والكثير منا يعلم ما هى نتائج ذلك .

4 ـ الإحتراف الجهادى : تلك الجماعات حصرت الإسلام وحصرت نفسها فى زاوية واحدة هى الجهاد ـ وهو فريضة رغم عظمتها لا يمكن أن تختصر الإسلام كله . فأى جماعة يجب أن تبدأ بشمولية الإسلام ، لا أن تكون جماعة متخصصة فى فريضة إسلامية واحدة ، فهذا إختزال للدين مخل بأهدافه .

فالجماعات الجهادية هى جماعات تخصصية قامت على غير أساس سليم للتخصص العسكرى ، الذى يجب أن يكون مدعوما بنشاط إسلامى شامل يغطى المجتمع كله وتسانده السلطة السياسية للدولة الإسلامية .

أما فى حالة الثورات على الأنظمة القائمة (الخروج على الحاكم) : فإن المجاهدين يجب أن تدعمهم حركة إسلامية منتشرة فى المجتمع وتقوم بالكثير من مهام الدولة الشرعية . مثل الإفتاء والتمويل ، والتجنيد ، الإعلام الشعبى .. الخ . تلك الحركة الشاملة هى من تتولى إدارة العمل الجهادى وتكون منها قيادته الميدانية ، مع الفصل بين أجهزة الدعوة وأجهزة العمل العسكرى وباقى الأجهزة . والإبتعاد عن نموذج الإنتهازية الإخوانية فى القفز على رأس الثورات الشعبية أو العمل الجهادى الذى لم تجهز له ولا تقوده ميدانيا . فقد رأينا نتائج ذلك فى سوريا فى بداية الثمانينات وفى أفغانستان خلال الثمانينات كلها ، وفى سوريا الآن ، وأيضا فى الإنتفاضة المصرية التى وصلت بالإخوان إلى حكم مصر فى توافق تآمرى مع الجيش ، فسقطت ومعها شعب مصر فى هاوية لا قاع لها .

5 ـ الإنفصال عن المجتمع والأمة وغياب القيادات الحقيقية :

الجماعة الجهادية كيان مغلق منطوى على نفسه فكريا وفقهيا ودينيا . وقياداته لم تنبت بشكل طبيعى من داخل مجتمعاتها . والمؤهلات المطلوبة للقيادة بسيطة جدا ويسهل إنتحالها بالنسبة لأى شخص متوسط الذكاء. وذلك ساعد عمليات الإختراق الإستخبارى الواسع لتلك المجموعات حتى مستوياتها العليا . بعض تلك القصص بات معلوما ، والكثير منها ينتظر الإعلان مستقبلا بعد فوات الآوان .

–  وصلت المهزلة إلى درجة مرعبة عندما صار من أهم مؤهلات (القائد الجهادى) أن يحصل على التمويل الخارجى والتسليح . وأن يجد من ينقله ورجاله إلى جبهات القتال الخارجى ، لمجرد إثبات الوجود واستقطاب جمهور الشباب المتحمس عديمو الخبرة المتشوقون للقتال والإثارة .

6 ـ الإرتهان الخليجى :

فى محصلة لكل ما سبق ، وجد التيار الجهادى نفسه مرتهنا لدول النفط الخليجية وعلى الخصوص السعودية وقطر . إرتهانا كاملا شمل كل التيار السلفى من الجهادى إلى الإخوانى إلى جماعات الدعوة السلفية .

وبما أن السلفية صارت هى العلامة المسيطرة ـ وربما الوحيدة ـ لتيار” الصحوة الإسلامية ” حسب التعبير الإخوانى الذى ظهر فى سبعينات القرن الماضى ، فإن العمل الإسلامى فى الدول العربية ـ وحتى فى العالم الغربى فى أوروبا وأمريكا بل أفريقيا وآسيا ـ أصبح سلفيا بفعل القوة المالية الدافعة والتى سخرتها السعودية لدعم ذلك الإتجاه ـ ليس لمصلحة الإسلام كما يتضح ذلك الآن بكل وضوح ، بل لصالح أعداء الإسلام . وتحديدا لصالح إسرائيل والولايات المتحدة .

فالإرتهان الجهادى (والسلفى عموما) لدول الخليج ، بدأ من الحاجة إلى الأمن الشخصى فى البداية عند الفرار من إضطهاد نظام (الثورة) المصرية بقيادة عبد الناصر . تلاه إرتباط فقهى بالمنهج السلفى ، ثم إرتباط بالمصالح المالية الخليجية والرؤية السياسية لدول الخليج .

– يمكن إعتبار التيار الجهادى العربى تيارا تابعا لمشيخات نفط الخليج (السعودية وقطر تحديدا). أى أنه يقف ضمن صف على رأسه أمريكا وإسرائيل . ولكن الإنحصار الشديد فى الرؤية والفهم جعلته لا يعقل سوى الجانب الطائفى . ذلك أن طبيعة السلفية والوهابية خصوصا هى طبيعة طائفية ، حماسية وسطحية .

وتحت تلك الراية نجد التيار الجهادى العربى فى جميع مناطق تواجده واقفا تحت تلك المظلة سياسيا ماليا وفقهيا. فكانت هى مصدر قوته التى يتحرك بها ، ومصدر نكساته الدائمة فى جميع تجاربه منذ أن نشأ وحتى الآن ، سواء داخل المنطقة العربية أو خارجها .

– هذا الإرتهان الجهادى لمحور نفطى معلوم توجهاته السياسية وأنها تابعة بالكامل لمشيئة الأمريكيين سابقا ــ والإسرائيليين مع الأمريكيين حاليا ــ جعل ذلك التيار محسوب سياسيا وعسكريا على نفس المحور ، وهو ما يناقض شعاراته العقائدية ومطالباته بدولة إسلامية ، إلا إذا كان المقصود بتلك الدولة مجرد مشيخة جديدةعلى الطراز الوهابى الخليجى.

–  والكارثة الأكبر هى أن التيار الجهادى داخل ذلك التحالف المشئوم ليس محسوبا كشريك ، بل كمجرد أداة تؤدى وظيفة قتالية فى ميادين عربية ودولية مرتبطة باستراتيجيات التحالف المذكور. ودوره هو مجرد “وقود للمعارك” فى العمليات الأرضية التى تتجنبها الآن معظم الجيوش ، خاصة الجيوش الغربية والإسرائيلية . ومجاهدونا الأبطال يكفونهم تلك المشقة المهلكة متوسعين فى العمليات الإستشهادية بلا أى ضرورة ميدانية. ولا يفعل ذلك فى العالم كله سوى المجاهدين المسلمين . لا شك أن أعداءنا ممتنون لهم كثيراعلى تلك البطولات المجانية والدماء الإسلامية المهدرة عبثا .

نحن أمام استراتيجيات أكبر من أن تساهم فى وضعها دول الخليج التى هى ليست سوى خزينة إحتياطية خارج الرقابة الشعبية فى دول الغرب ، وهى ناطق رسمى بالوكالة ، وعميل سياسى رخيص ، يعطى كل شئ مادى ومعنوى وأخلاقى ، فى مقابل كرسى للحكم لا يساوى شيئا .

 فالتيار الجهادى  السلفى أو الوهابى ، ليس سوى ملحق خليجى لا دور له سوى فى الجانب الفاشل أو القبيح ـ مثل جرائم الحرب أو الدمار والعدوان على المدنيين ، الذى يلتصق فورا بالتنظيمات الوهابية العاملة فى الميدان ، وتصل الإدانات واللوم إلى الممولين الخليجيين . وتنتشر التشنيعات فى الإعلام الغربى والدولى ، وعلى ألسنة الدول الغربية وغيرها . لهذا فإن صورة (الجهاد الوهابى) ، بل حتى كلمة الجهاد أصبحت تلقائيا تعنى الإرهاب والعمالة والتخلف بكافة معانية .

والدول الخليجيه تتبرأ علنا من صلتها بذلك التيار القتالى حتى تنظف سمعتها بين الأمم . ويبقى العار والتلوث ملتصقا بسمعة الإسلام والمسلمين وفريضة الجهاد . وذلك واحد من الأهداف الكبيرة لدى التحالف المذكور (إسرائيلى/ أمريكى/ خليجى) .

–  النشاط القتالى للمجموعات (السلفية / الوهابية الجهادية) يصنف دوليا على أنه أداة عسكرية فى يد الولايات المتحدة ، خاصة فى العمل على إتساع رقعة العالم . وتتعامل الدول بالتالى مع المجموعات القتالية ( سلفية أو وهابية أو داعشية ) وفقا لذلك التصنيف .

– على الساحة السورية تجسدت جميع أخطاء ذلك التيار بإستخدامه كأداة للقتال الأرضى فى قضية صراع دولى ، لا يدرك ” المجاهدون” مداها ولا يعلمون منها غير الجانب الطائفى ، الذى هو أضعف الجوانب فى ذلك الصراع ، إذ لا يتعدى دوره مجرد الشحن العاطفى والدعائى . وبتلك النظرة الطائفية الضيقة يحاول الجهاديون رؤية العالم كله . فالصراع على سوريا ليس إلا جانبا من ذلك الصراع الدولى . ولكن مجاهدونا ، وبتلك النظرة الطائفية الضيقة ، يحاولون تفسير كل شئ وجميع المظاهر السياسية والعسكرية والإقتصادية ،  وربما حالة المناخ أيضا .

– نعود إلى سؤالك عن : { موقف إيران من الجماعات السنية بشكل عام فى العراق والشام ، حتى المعتدلين منهم } .

أقول أن إصطلاح ” أهل السنة والجماعة ” أصبح عمليا يعنى (الوهابية) ، أو(السلفية) فى أفضل الأحوال . حتى أدبيات وفقه تلك الجماعات سواء فى مجال (الدعوة السلفية) أو (الجهاد السلفى) ، يتضح فيها نفى باقى المذاهب السنية خارج نظاق ذلك المصطلح، رغم أن تلك المذاهب هى الأصل الأقدم والأكثر إتباعا فى العالم الإسلامى .

وبالتالى فإن موقف إيران يشمل الجميع وكأنهم سلة واحدة معادية لها بشكل مطلق . فإن كان الميدان قد إقتصر فيه ” الحوار” على الطلقات والمتفجرات ، فإن ردات الفعل تكون أكثر حدة. وكل طرف يتوسع فى مجال الشكوك حتى يأمن المفاجآت. وهنا يضيع الجمهور المسلم أيا كان مذهبه أو طائفته .

وتلك هى الفتن وخطورتها التى لا تندمل جروحها لسنوات طوال . وقد لا تندمل أبدا طالما كان هناك أعداء للأمة يزكون الفتن ويؤججون الصراع والإقتتال الداخلى بين المسلمين .

فى سوريا والعراق لم تكن المسألة سنة وشيعة بقدر ما كانت صراعاً دولياً إستفاد من أمراض الأمة الفكرية والتنظيمية والسياسية ، فتمكن كل راغب من إستخدام القوة الإسلامية لتدمير المسلمين أنفسهم ، بأموالهم ودمائهم ، ويبقى المستعمر سالما منتصراً بأقل جهد ممكن، يحارب بالطائرات والأقمار الصناعية ، تاركا نزف الدماء (للمجاهدين) والمسلمين الأبرياء وعموم الشعب الذى لا ناقة له ولا جمل فى كل ما يحدث .

– ولعلنا نذكر أن الشعارات الطائفية بدولة “لأهل السنة” ، لم تكن ضمن شعارات (الثورة السورية( فى بدايتها ، والتى كانت هى نفسها تقريبا شعارات ثوار مصر وتونس التى لخصتها البلاغة المصرية فى شعار (عيش حرية عدالة إجتماعية ) . فالشعارات الطائفية أقحمها التيار الإسلامى (السنى) أى “السلفى/ الوهابى” ، فى مصر كما فى سوريا والعراق ، وكل مكان عمل فيه .

طالبان .. وإيران .. و أسباب العداء 

القيادة الإيرانية سحبت تقييمها ، للعمل الجهادى السنى العربى ، على العمل الجهادى الأفغانى. وذلك فى أكبر أخطائها فى التعامل مع العالم الإسلامى “السني” .

كان تفكيرا آليا يفتقر إلى التعمق وفهم الواقع الأفغانى وخصوصياته . وأسفر ذلك عن كوارث إسلامية ضخمة لا يتبين أبعادها سوى قليلون ، كون أن التفاصيل كثيرة وسريعة مع كثرة اللغط ، إضافة إلى النشاط التخريبى للجهات المعادية للمسلمين .

من جهتها  وقعت طالبان فى مصيدة الألعاب الدولية ، ولم تحسن تفسير مواقف الدول إزائها. ليس ذلك غريبا على حركة شبابية حديثة التكوين عديمة التجربة فى مجالات السياسة . ولكن الغريب أن تقع إيران ـ بكل ثقلها وعمقها السياسى والفكرى فى حبائل ألاعيب لم يكن من الصعب فهمها أو تفسيرها . الخطأ هنا كان مصدره الأساسى إنعدام التواصل المباشر لتبادل وجهات النظر ومناقشة المشاكل المشتركة .

لقد لجأ الطرفان : طالبان وإيران إلى ، أفكار مسبقة ومعلبة ، تجاه الطرف الآخر وجاهزة للإستخدام الفورى . طالبان عن طريق حلفائها العرب والباكستانيين إقتنعوا بأن إيران عدو مذهبى لا سبيل إلى فهمه أو التعامل معه . وإيران وجدت الوصفة المعلبة بالشكل المعاكس وهى أن طالبان حركه سلفية وهابية (!!) تمولها السعودية ودول الخليج وتديرها باكستان ، مكنها الإستعماريون من حكم أفغانستان لتكون خنجرا فى ظهر إيران ولتحمى لهم خطوط الطاقة القادمة من آسيا الوسطى إلى ميناء جوادر فى باكستان .

المحور السنى المعادى لإيران ـ والذى ظهر لاحقاً أنه أشد عداء لطالبان ـ أدى كل الأدوار التى تعمق الشكوك بين الطرفين . إذ سارعت السعودية والإمارات إلى الإعتراف بالإمارة الإسلامية التى أعلنتها الحركة بعد إقتحامها للعاصمة كابول رغم أن أمريكا كانت بوضوح ضد إعتراف أى أحد بالنظام الجديد فى كابل . إذن الإعتراف الخليجى كان ضمن إتفاق مع الأمريكيين لضرب النظام الجديد من داخله ، ولايمكن ذلك بدون الإلتصاق القريب معه .

باكستان فعلت نفس الشئ ، وزادت بأن دفعت عدة آلاف من المتطوعين كان الكثير منهم تديرهم المخابرات الباكستانية ، للقيام بنشاط عسكرى يضر بإستقرار الحركة داخليا وبعلاقاتها الخارجية حتى لا يبقى لها من ظهير فى العالم سوى باكستان ، فتتصرف فى أفغانستان كجزء من ممتلكاتها الخاصة طبق مشاريعها الاستراتيجية فى المنطقة خاصة ضد الهند . حتى تركيا أسرعت إلى الحركة لتقدم خدماتها فى مجال (التعليم!!) الذى لم يحظ برضا حركة طالبان ، إلا أن تركيا إستمرت متواجده فى البلاد ، وحاولت ممارسة العمل الإغاثى على أضيق نطاق . ولكنها لم تعترف بنظام الإمارة الإسلامية .

 بمرور الوقت ظهرت المواقف الحقيقية لكل تلك الدول التى إحتفت بحركة طالبان . وكانت كالتالى :

– السعودية ظلت تضغط منذ البداية وحتى النهاية من أجل تسليم أسامة بن لادن ومن معه إلى الولايات المتحدة . وما حدث معظمه معروف ومنشور إعلاميا .

كما أنها أثناء الصدام بين “الإمارة الإسلامية” وتحالف الشمال بذلت جهدها لتفجير وضع طالبان الداخلي ، وهددت بطرد العمالة الأفغانية ، وسحب الإعتراف بجواز السفر الأفغانى ، وهددت بمنع الحجاج الأفغان من أداء فريضة الحج . وقد أصاب ذلك الإمارة بالفزع .

ــ القائد جلال الدين حقانى كان فى زيارة للسعودية ، وهناك تم إحتجازه لمدة ستة أشهر لمنعه من المشاركة فى الحرب إلى جانب “الإمارة الإسلامية” ضد تحالف الشمال ، فسحبوا جواز سفره.( انظر ـ مع الفارق طبعاً ـ مافعلته المملكة بإحتجاز رئيس وزراء لبنان سعد الحريرى لإجباره على إتخاذ مواقف فى السياسة الداخلية تقود إلى الإقتتال الطائفى فى لبنان . وما فعلته حتى مع كبار الأمراء والوزراء وموظفى الدولة من إحتجاز وتعذيب ومصادرة أموال ) .

– الإمارات كانت مركزا لتصدير الجواسيس إلى أفغانستان لمصلحة المخابرات الأمريكية ، وتم إعتقال عدد منهم . وفى الإمارات ، وتحت إشراف ضابط من شيوخ الإمارات ، أقيم مركزا لتهيأة جواسيس عرب تديرهم المخابرات المركزية الأمريكية وأجهزة تجسس عربية للتأثير الميدانى على مجريات الأمور ، ومراقبة القيادات العربية والأفغانية ـ تمهيدا لما سوف يأتى من تطورات .

وعندما نشبت الحرب كانت قوات الإمارات فى طليعة من هب لقتل الأفغان إلى جانب القوات الأمريكية . وكانت صدمة لكثيرين لأن الإمارات كانت الأولى خليجيا فى تقديم الدعم المالى للجهاد ضد السوفييت فى أفغانستان ، ثم نراها الآن من أوائل من هبوا للقتال ضد الأفغان .

دول الخليج جميعها كانت فى خدمة القوات الأمريكية الغازية لآفغانستان . ومن القواعد الأمريكية هناك تحركت الطائرات ونقلت الذخائر اللازمة للعمليات وأديرت العمليات الجوية .

– قوات الأردن كانت الثانية عربيا . فالأردن لم ترسل قواتها لتحارب إسرائيل المجاورة لها بل أرسلتهم آلاف الأميال لقتل المسلمين الأفغان . وقبل الحرب أرسلت عددا من الجواسيس إلى أفغانستان .

–  أما باكستان ــ التى كان الحديث يدور حولها فى إيران والعالم أنها الراعى الشرعى والأب الروحى لحركة طالبان ــ قدمت كل إمكاناتها العسكرية والإستخبارية وقواعدها العسكرية والموانئ البحرية والمطارات وإمكانات الإمداد والتموين لقوات الغزو الأمريكية ، فكانت بذلك الداعم والمشارك الأكبر فى ذلك الإحتلال ، ومازالت كذلك . وقد شاركت عسكريا فى تحطيم الإسناد القبلى لجهاد الشعب الأفغانى ضد الإحتلال الأمريكى . واعتقلت عددا من أهم القادة العسكريين لحركة طالبان والكثير من كوادرها فى المناطق القبلية المحاذية لأفغانستان .

– تركيا قدمت للغزو الأمريكى ـ وبصفتها عضو مؤسس فى حلف شمال الأطلنطى (الناتو) قدمت أكبر عدد من القوات بعد القوات الأمريكية (حوالى عشرة آلاف جندى) .

ذلك هو المحور(السنى!!) وموقفه من حركة طالبان ، والضرر الذى أصاب أفغانستان وطالبان من ذلك المحور منذ إعلان دولتها وحتى سقوطها بفعل الغزو الأمريكى .

لقد ألحقت إيران بحركة طالبان أضرارا كبيرة ، ولكن إذا ما قارنا ذلك بالمحور (السنى) فإن الأضرار الإيرانية تبدو قابلة للتحمل ، بل يمكن تجاوزها.

ونعود لنقول رغم ذلك أنها كانت أضرارا كبيرة بالفعل ، ولكن المحور السنى كان أكثر شراسة وأوجع إيلاماً . ويبدو أن الأفغان ومجاهديهم أكبر الضحايا للضعف الإسلامى ، ولجرائم الهوس المذهبى ، وما يصاحبها فى جنون وحماقة .

عن سؤالك : كيف تبرر موقف ايران تجاه إحتلال أفغانستان ؟.

فكما قلت أننا بصدد محاولة للفهم وليس محاولة للتبرير . لقد كان موقف إيران منذ إعلان قيام “الإمارة الإسلامية” هو العداء الكامل لحركة طالبان ، والتحالف الكامل مع معارضيها (تحالف الشمال) الذى كان يسمى رسميا التحالف الإسلامى لتحرير أفغانستان(!!) ـ ولا ندرى تحريرها من ماذا ؟؟ ـ خاصة وأن ذلك التحالف وضع نفسه كطليعة لقوات الغزو الأمريكية التى أمدته بمظلتها الجوية حتى تمكن ، إلى جانب قوات الغزو، من إسقاط الإمارة الإسلامية وفتح البلاد للإحتلال الأمريكي ــ فيالها من حركة تحرير !! ــ وعمليات تسليم الدولارات الأمريكية ( 5مليون دولار فقط!!) لأحد أعمده ذلك التحالف(عبد الرسول سياف عميد الاخوان المسلمين الأفغان) مسجلة بالصوت والصورة وأذاعها الأمريكيون بكل فخر كأحد إنجازات ما اعتبروه حرباً رخيصة . وتندر رئيسهم بوش بخيبة الإتحاد السوفيتى الذى عانى الكثير أثناء إحتلاله لذلك البلد بعمل عسكرى كان الأضخم منذ الحرب العالمية الثانية ، بينما كلفه الأمر مبلغا ضئيلا دفعته المخابرات الأمريكية .

–  العديد من الوقائع أيدت الشكوك الإيرانية فى توجهات حركة طالبان ـ مثل حادث مقتل العالم والزعيم الشيعى عبد العلى مزارى . ومثل عملية الهجوم على القنصلية الإيرانية فى مزار شريف ، عندما إقتحمتها قوات حركة طالبان . وقيل أن مجموعة مسلحة منهم هاجمت مبنى القنصلية وقتلوا عددا من موظفيها . وهى العملية التى قلبت الرأى العام الشعبى فى إيران ضد الحركة ، فكان أكثر عداء للحركة حتى من الحكومة الإيرانية نفسها .

– تحالف الشمال عمل جاهدا لتوسيع رقعة الخلاف وإثارة مخاوف إيران من حركة طالبان . وضخ كمية هائلة من الأكاذيب تبناها ” الإعلام الدولى” وروجها على أوسع نطاق . وكان لذلك تأثير سئ جدا ، ومازالت صورة الحركة تعانى منه حتى الآن ، فى العالم كله .

كان أمام إيران خيار من إثنين ، إما حركة طالبان المصنفة كعدو . أو تحالف الشمال المصنف كصديق بل كحليف ، ويضم عددا من الأحزاب الجهادية القديمة وأهمها الأحزاب الإخوانية بقيادة الزعماء الأصوليين”!!” (سياف ـ ربانى ـ حكمتيار)، ومعهم ميليشيات عبد الرشيد دوستم الشيوعى السابق وحزب وحدت الشيعى . من الناحية المذهبية ، التى يفضل العرب النظر بها إلى كل شئ ، فإن تحالف الشمال هو إجمالا تحالف “سني” ، فيه الإسلامى الأصولى وفيه الشيوعى، وكلهم “سنة”!! . أما من ناحية سياسية فهو كما نرى ونعلم : حليف أساسى للإحتلال الأمريكى .

عندما نشبت الحرب ـ رفع بوش شعار (من ليس معى فهو ضدى)، وهدد الجميع بأسوأ العواقب إن لم يسمحوا بالعاصفة الأمريكية حتى تمر وتبلغ مداها فى أفغانستان ، بالتعاون الكامل من الجميع . فضلت إيران الإنحناء للعاصفة لسببين :

الاول  : أن العاصفة سوف تطيح بنظام معادى لها هو الإمارة الإسلامية .

الثانى : أن النظام القادم سيكون محوره هم حلفاؤها الذين ساندتهم لسنوات ، أى تحالف الشمال ، وبالتالى ستصبح حدودها الشرقية آمنة ، مع فرصة لتعاون إقتصادى وتأثير سياسى .

نفس تلك الإعتبارات هى التى شكلت موقف إيران من الغزو الأمريكى للعراق . فعرضت على الأمريكيين تعاونا مشتركا لإسقاط حكم صدام حسين ـ على غرار ما علم لاحقا من تعاون مشترك ضد حركة طالبان وتقديم إيران خطة الحرب التى أدت إلى هزيمة الحركة ـ ولكن الأمريكيين رفضوا العرض ثم أكملوا فى العراق مهمتهم التى تمناها الحكم فى إيران منذ زمن بعيد . فتأمنت حدودهم الغربية وانفتحت المجالات الإقتصادية والسياسية أمام طهران بوصول حلفائها إلى قمة السلطة فى بغداد .. ولو تحت رايات الإحتلال كما حدث فى أفغانستان !! .

–  لم تكن تلك الخيارات جيدة بأى حال . ولكن معظم السياسة هى إختيار بين السئ والأسوأ . وبالنسبة لأفغانستان يمكن الجزم بأن الطالبان لم تكن هى الأسوأ بل كانت هى الأفضل من جميع الوجوه ، وأن الإختيار الإيرانى فى حقيقة الأمر كان ما بين الأسوأ والأفضل . ولكن ما هو السبب ؟؟ .

1 ـ السبب الأكبر كان عدم وجود تواصل مباشر بين الطرفين ، طالبان والحكومة فى طهران.  ذلك التواصل مثل أى عمل دبلوماسى مهمته توضيح المواقف والرد على التساؤلات ، وإزالة الشكوك وتقوية الترابط والتعاون المشترك .

2 ـ السبب الآخر هو السماح لأطراف معادية بالتدخل وبث سموم الفرقة ، ونشر المخاوف والأكاذيب ، وأحيانا إصطناع أحداث دامية من أجل تأكيد الشكوك وتحويلها إلى عداوات ثم  حروب .

–  لهذا نصل الى نتيجة هامة من أجل إيقاف تلك الفتنة الطائفية البغيضة التى يفنى فيها المسلمون أنفسهم ويخربون بيوتهم بأيديهم . فلابد أن يجتمع المسلمون لمناقشة مشاكلهم ويتفقون سويا على حلها . فلا إنتصار للمسلمين أو للدفاع عن الدين ومقدساته إلا بوحدة المسلمين ووقف نزيف الفتن . شئنا أم أبينا فإن المسلمين جسد واحد ، ولن ينتصر أحدنا منفردا ولن ينهزم واحد منا بمفرده . و معركتنا مع الأعداء أكبر من قدراتنا منفردين ، والنصر لن يأتى بمجرد براعة الآحاد ، بل يأتى بطاعة الإجتماع والوحدة ، والتى هى من أكبرالطاعات الجالبة للنصر.لابد من جلوس السنة والشيعة معا كما يجلس المخلصون العقلاء لحل مشاكلهم وتخطيط مستقبلهم وتنسيق جهادهم .

هنا لدينا سؤال :

لدينا طرفان هما : الشيعة وعنوانهم معروف وهو ” إيران” ، والطرف الآخر “السنة”.. ما هو عنوانهم ؟؟ . هل هو السعودية أم قطر أم تركيا أم تراها مصر .. أو باكستان ؟؟.

 والحركات الجهادية السنية ، ماهو عنوانها ؟ . ماهو عنوان كل من القاعدة أو داعش أو الألف فصيل فى سوريا ، وأضعاف ذلك العدد حول العالم؟؟ . ما هو عنوانهم وما هى مرجعياتهم الدينية وما هى مصادر تمويلهم ، ومن هم قياداتهم السياسية وعلمائهم ؟؟. وكيف يمكن جمعهم تحت راية واحدة على كلمة سواء؟؟.

أرجوا أن تجيبنى أنت .. أو أى أحد آخر عن هذا السؤال . وبعدها يمكن أن نوجه سهام نقدنا ونيران بنادقنا إلى أى إتجاه نشاء .

 هل بهذا الشتات يمكن أن نخدم قضية الإسلام ؟؟ ، أم أننا مجرد خراف شاردة فى ليلة شاتية ، تأكلها ذئاب الأرض ؟؟ ، وكلاب حراستها تحمى الذئاب وتفترس معها القطيع ؟؟.

سؤالك الأخير يقول ( إن الحصار والتجويع والإضطهاد السياسى الإقليمى والدولى على إيران لا يبرر عداء إيران بهذا الشكل) . لهذا أكرر القول بأن الحصار الإقتصادى عند درجة معينة قد يؤدى إلى نشوب الحرب ، إذا رأت دولة ما أن المطلوب منها هو الإستسلام بلا قيد أو شرط . فترى تلك الدولة أن الحرب هى الأفضل لها ، لأن فيها إحتمال للربح ، أو على الأقل الموت بشرف.

ومثال على ذلك دخول اليابان إلى الحرب العالمية الثانية نتيجة لحصار الأمريكى  منع المواد الخام من الوصول إليها ، حتى وصل  الأمر إلى محاولة منع تصدير النفط إليها ، بما يعنى شلل كامل للصناعة فى اليابان التى لا تمتلك مواد خام أو نفط .

وضع إيران قريب من هذه الحالة .  فعداء إيران ليس موجه “لنا” ( إذا تكلمنا بالمنطق الطائفى الشائع) لأن المشكلة هى أننا دوما ضمن المعسكر المعادى لإيران ، لذا نجد أنفسنا داخل مجال ردود فعلها العنيفة. فنلجأ عندها إلى التفسير الطائفى لتأكيد صحة مواقفنا الخاطئة منذ البداية .

متجاهلين دوما العوامل الحقيقية التى تشعل الصراعات والحروب فى العالم ، وهى الصراع على مصادر الطاقة والمياه والمواقع الاستراتيجية والأسواق والتجارة والممرات .

نحن لم نبحث أبدا فى تأثير تلك العوامل فى مشاكلنا مع إيران ولا مع أى طرف آخر ، لأن كتبنا الفقهية وفتاوى الأقدمين ، التى نقتبس منها كل شئ ، لا تحتوى على شئ من ذلك .

 والآن  مع رسالة سعد فأقول :

أولا : شكرا لإقتناعك (بعدم وجود مركز أبحاث عندى ولا دعم إيرانى إلخ). وبالنسبة لما فهمته عن إستمرار وجود علاقة بين القاعدة وإيران ، يكون صحيحا إذا أعتبرنا أن القتال هو أيضا نوع من العلاقة .

ثانيا :{عن توسع نفوذ إيران فى المنطقة العربية }، فهى عبارة مقتطعة من سياقها العام . فلكى نرى نفوذ إيران فى المنطقة ونحدد إن كان يتوسع أو يتراجع . فيجب أن ننظر إلى واقع المنطقه ككل ، والأطراف الفاعلة فوق ساحتها ،عندها سوف نعرف طبيعة الأدوار والأهداف ومقدار التقدم أو التراجع الذى يحرزه  أى طرف ، ويجب عندها أن نعرف (من نحن؟؟) ، وما هى أهدافنا وأدوارنا .. وهل نحن أيضا نتقدم أم نتأخر؟؟ . وهل نشارك فعلا فى الأحداث؟؟ وبأى صفة ؟؟.. هل كطرف مكتمل الأهلية واضح الأهداف؟؟ ، أم مجرد تابع لقوى أخرى أكبر وأكثر فعالية تأخذنا معها حيثما ذهبت ، ثم تتخلص منا عندما تقضى مآربها ؟؟ .

ثالثا :  ينبغى أن نضع فى الإعتبار الوضع الحالى للمنطقة العربية التى تعيش فى حالة من الضعف والفوضى لا مثيل لها فى أى منطقه أخرى من العالم . وبإعتبار الموقع الجغرافى والثروات فإن هذا الفراغ الحادث فى منطقة هامة وغنية ، تحكمها أنظمة إستبدادية ضعيفة وشعوب لا تمارس من الحقوق غير حقها فى تلقى الصفعات والركل ، ولم تعد سوى (شوائب بشرية) لا وزن لها ، كل ذلك جذب إلى بلادنا كافة أنواع التدخل الخارجى على رأسه الإحتلال اليهودى لفلسطين ، وزحف اليهود إلى جزيرة العرب ومكة والمدينة واليمن الذى يعيش حالة دمار شامل لقواه البشرية وضياع أرضه وثرواته ومواقعه الاستراتيجية . وعندنا أمريكا التى لها قواعد عسكرية فى كل منطقه الخليج وقواعد قديمة وجديدة فى العراق ، وإحتلال مباشر فى سوريا وعزم معلن على إغتصاب ثروات النفط والغاز فى سوريا والعراق وتقسيم سوريا إلى مقاطعات . ومصر تأكلها جميع ذئاب وقوارض الأرض ، فسرقوا منها النيل وسيناء ، واشتروا معظم أراضى مصر لبناء مستعمرات جديدة ودول ، وشارك فى ذلك حتى مشيخات النفط الأسود . وليبيا تكالبت عليها دول أوروبا والناتو . والسودان تذوب تدريجيا وهدؤ ويجرى تقسيمها وإشراك حكومتها فى برنامج قتل السودان لخدمة خطط إسرائيل فى مصادرة مياه النيل والبحر الأحمر وأواسط أفريقيا . وتركيا تحتجز أكثر من ثلث مياه نهرى دجلة والفرات من نصيب سوريا والعراق وتصدر الماء إلى إسرائيل ، وتسعى نحو المزيد من مياه البلدين وهى من كبار المشاركين فى سد النهضة ، ويدخل ويخرج جيشها فى أراضى البلدين وكأن لا حكومات هناك ولا شعوب. ويكفى شعار {مكافحة الإرهاب} الذى سيؤدى إلى فناء العرب والمسلمين ، بل والقضاء على الإسلام نفسه فى نهاية المطاف ، باعتباره دينا إرهابيا ، وكتابه (القرآن) يحض على الكراهية!!. وجلب ذلك الشعار البغيض إلى العراق والشام الجيش الأمريكى وتحالفه الإجرامى المكون من حوالى ثمانية عشر دولة غربية و”إسلامية”، لممارسة هواية قتل الشعوب وهدم الدول وإغتصاب الثروات . وهناك روسيا التى تحكمها نظرة خاصة إلى سوريا تقول ( أن القرم هى بوابة روسيا ، وسوريا مفتاحها ). إذا روسيا ترى فى سوريا مسألة وجود ، ناهيك عن مشاريع أنابيب الغاز المرشحة للمرور فى سوريا أو بالقرب منها ، مهددة بإخراج روسيا من سوق الغاز الأوروبى وبالتالى إنهيار مركزها الجيوسياسى فى العالم ، فتصدير الغاز هو عماد الإقتصاد الروسى يليه تصدير السلاح .

–  فهل لا نرى شيئا آخر غير ( إيران والخطر الشيعى ) ؟؟ . هل عرفنا لماذا كل هؤلاء يجتاحون بلاد العرب ودوافع كل منهم؟؟ . هل كل هؤلاء الغزاة هم من أهل السنة والجماعة وإيران فقط هى الخطر لأنها (شيعية !!)؟؟. فلماذا إيران هنا ؟؟ وما هى دوافعها ؟؟ .. هل درسنا ذلك بموضوعية بعيدا عن الهوس الطائفى الذى لا نرى سواه ولا نرى الأحداث إلا من خلاله ؟؟ .

المدنيون وحرب المدن :

يسأل سعد :  (ماذا عن الضحايا من اهل السنة بسبب معركة بقائهم في سوريا؟. من المسؤول عن المذابح التي تحدث في سوريا؟. مش معقول الذنب كله علي الجماعات الاسلامية ) .

 ويسأل مجهول فى رسالته : (ماهو الحل فى حرب المطاريد لسياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعية للسكان والبنية التحتية كما تفعل روسيا فى سوريا) .

وبما أن الأمر يتطلب شيئا من التفصيل فى الإجابة نظرا لتكرار نفس السؤال من أكثر من جهة ومنذ سنوات . فسوف أجعل الإجابة ضمن ملف خاص تحت عنوان :

{ دراسة فى أنواع الثورات : المدنيون وحرب المدن } .

ننشره فى أقرب فرصة بإذن الله ، بعد أن يتم نشره فى العدد القادم ـ رقم 145 ـ من مجلة الصمود التابعة للإمارة الإسلامية فى أفغانستان .

بقلم: 

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




شاهد على مآسى الشام

مآسى الشام

شاهد على مآسى الشام :

من أرض الشام نزف لك المآسي .

الأب الفاضل والشيخ المربي الأستاذ مصطفى حامد السلام عليكم ورحمة الله ..
لدي عدة اسئلة وتساؤلات ليتك تساعدني في الإجابة عنها ..
أنا اليوم في سوريا وكنت من أوائل الذين خرجوا بالثورة وتنقل بين فصائل عديدة واليوم أضعت الفصائل نظراً لفساد الفصائل العظيم ولا أعلم كيف أخدم الجهاد ولا الأمة فبماذا تشير علي ؟!
شيخنا الفاضل أرى منك حدة قوية على تنظيمات داعش وأخواتها فما السبب ؟
ما رأيكم بالتشكيل الجديد هيئة تحرير الشام وتخلي جبهة النصرة عن القاعدة ؟
شيخ إذا كنت أنكرت على الثورات فما الحل على التخلص من هذه الأنظمة الطاغوتية العميلة؟

::::::::::::::::::::::::::::::::::::

21/2/2017

رد مصطفى حامد على  :

شاهد على مآسى الشام

ما حدث فى سوريا أدمى قلوب المسلمين ، فهى حرب خسرها كل من شارك فيها . فالذين صمموا الحرب ورسموا اسراتيجيتها لم يكونوا هم من خاضوا غمارها وبذلوا فيها دماءهم . لذا تسببوا فى الكثير من الآلام والخسائر للشعب السورى . خسائر سوف تستمر لعشرات السنين ، وليس من المتوقع أن يتم تعويضها خلال الأجيال القليلة القادمة .

ــ لاشك أنك شاركت فى تجربة هامة جدا فى تاريخ المسلمين ، وقد إنتهت إلى ما تراه الآن. وليس هذا هو نهاية المطاف ، فالواقع يقول أن القادم أسوأ ، إلا أن يقدر الله لنا شيئا آخر ، ونصلح من أنفسنا ومن مسيرة جهادنا ، الذى وضح الخلل فى تركيبته الفكرية والحركية .

تسأل كيف تخدم الجهاد والأمة :

1ـ أنصحك / والله أعلم بالصواب/ أن تمسك ورقة وقلما وتكتب عن الأحداث التى رأيتها أو سمعت عنها ممن شاركوا فيها مباشرة .

2 ـ أن تجلس لتفكر مطولا وبعمق وتشارك أصحاب العقول ممن حولك ، فى البحث عن أسباب ما حدث وتحديد مواضع الخلل ، وتقدم مقترحات لصالح التجارب القادمة فى مسيرة الأمة . ثم تعرض هذا كله على الأمة ، لأن ذلك حقها عليكم . فالتسترعلى خطايا التنظيم هو خيانة للدين والأمة .

3 ـ تأمل بعمق فيما حدث فى المنطقة العربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة . وأقرأ عنه فى مصادر مختلفة ، سواء عند الأصدقاء أو عند الأعداء . وقارن ثم حدد لنفسك وجهة نظر مرنة قابلة للتعديل عند إكتشاف حقائق جديدة .

4 ـ هناك الكثير جدا من المعلومات التى ينبغى تحصيلها قبل دخول الحرب أو الثورة ــ ( هل يستوى الذين يعلمون والذين لايعلمون) ــ فالحرب تفكير وتدبير أكثر منها حماسة وإندفاعا .

والأهم هو تلك المعلومات المتعلقة مباشرة بموضوع الحرب ، فى جوانبها التاريخية والتقنية والسياسية والإقتصادية ، والموقف الدولى وتركيبة نظامه الفاعل ، لأنه موجود ومؤثر فى كل مشكلة تتعلق بشعوبنا ، صغيرة كانت أم كبيرة . والإنترنت أصبح مزدحم بالمعلومات الهامة ، حتى أن الصعوبة لم تعد فى الحصول على المعلومة بقدر ما تتعلق بفهمها وتحليلها .

لا أنكر فكرة الثورة الشعبية ، وربما هى الأنسب لمعظم بلادنا . وتكلفتها ليست قليلة ولكنها أقل كثيرا من تكلفة حروب العصابات ، وبالطبع ظروف كل بلد هى التى تملى الأسلوب الأمثل للتغيير . وللثورة قواعد وفنون ينبغى تحصيلها وفهمها بعمق ، ثم تعديلها وفقا لظروف البلد المعنى . فالنقل الحرفى للتجارب خطير جدا وغير ممكن ( وبالمثل نقل الفتاوى بلا علم أو تدبر) . والتنظيم الذى يعمل للثورة له مميزات وأيدلوجيةخاصة ، وتجهيز خاص للكوادر ، تختلف عن تلك المطلوبة لتنظيمات حرب العصابات . فليس أى تنظيم موجود على الساحة يصلح لخوض تجارب المواجهة والتغيير ، سواء كانت حربا أو ثورة . وذلك أحد مقاتل الحركة الإسلامية التى تستخدم نفس التنظيم فى جميع المجالات ، من دعوة إلى ثورة إلى حرب عصابات ، ولهذا تفشل فيها جميعا . فعلى سبيل المثال ليس هناك سيارة واحدة تصلح للسباق والحمل الثقيل معا ، وعلى مختلف الطرق فى المدينة والصحراء .

ــ السياسة تأتى فى المقدمة عند كل ثورة أو حرب ، وأثناءها وبعدها . ولابد أن تكون حاضرة فى جميع القرارات وحتى عند وضع الفتاوى . فالسياسة هى فن التعامل مع الواقع ، والفقه هو فن تطبيق الأحكام الشرعية على الواقع . فالواقع هو الأساس وليست التصورات النظرية التى ينبغى لها أن تنطلق قدما ولكن بعد إستيعاب الحاضر بعمق .

ــ الثورة ليست خفة يد وإستغلال إنتهازى لغضب الجماهير وتأزمها . فالتنظيم الذى يمهد للثورة (لسنوات طويلة وخطيرة) هو نفسة الذى يجب عليه قيادتها عند إندلاعها ، وهو الذى يتولى زمام الحكم بعد نجاحها . تلك قاعدة لم تطبق عند إندلاع (الربيع العربى) الذى كان مجرد  إنفجارات عفوية  بسبب القهر والمعاناة . ولم يكن هناك التنظيم الثورى المفترض ، لذا حفلت ميادين الغضب بمئات الإنتهازيين ، ولكن لم يوجد قائد واحد .

ــ التمويل يلعب دورا حاسما فى الحروب والثورات ، وحتى فى تحديد الأيدلوجيات ورسم السياسات . وتلك نقطة خطيرة تغيب عن أنظار المتحمسين الذين يقعون فى مصيدة الحرب بالوكالة ، والمسلمون هم أكثر من يقع فى تلك المصيدة ، نظرا لحماستهم الزائدة وقلة معرفتهم بأمور السياسية .

ــ الحرب عمل حاسم ومؤلم وتأثيراته ـ سلبا أو إيجابا ـ تستمر زمنا طويلا . لذا يجب عدم التعامل معها بخفة . كما أنها ليست نزهة ولا هواية ، ويجب عدم إتخاذها حرفة ، فهى عمل تطوعى إعتقادى رفيع المستوى ( الجهاد ذروة سنام الإسلام ) ، فيجب مراجعة النوايا الشخصية بكل دقة ، وطول الوقت .

أتكلم بحدة عن السلفية عندما تمسك السلاح . فسرعان ما تتحول إلى قتال من حولها من المسلمين تاركة الأعداء الأصليين . كما أن السلفية لا تمتلك مرجعية ثابتة ومحددة ، فيكون المجال منفتحا على أى إجتهاد ، فيكثر المفتيين ، حتى يصبح كل فرد مفتيا ومرجعية وزعيما أو قائدا لتنظيم إذا توفر لدية من يمول طموحة . كل تلك الإنحرافات تحدث بإسم الشريعة وإتباع السلف الصالح ، فيكثر الصراخ ويقل التفكير ، وإذا توافر السلاح فسريعا ما يستخدم كوسيلة للحوار، فتراق الدماء المسلمة تحت مظلة  التكفير .

ــ كما أن تنظيمات السلفية عموما / والمسلحة خصوصا / وقعت تحت سطوة التمويل السعودى والقطرى ، التى هى مستعمرات نفط أمريكية متحالفة مع إسرائيل ، ومنخرطة منذ سنوات فى برنامج لإبادة الشعب المصرى لصالح إسرائيل عن طريق منع ماء النيل عن مصر ببناء سد النهضة فى أثيوبيا . وسابقا تآمروا مع اليهود على الشعب الفلسطينى . ومؤخرا تآمروا على جميع محاولات الثورة (الربيع العربى) وتسببوا فى إفشالها جميعا ، وفى حرف مسارها إلى طريق الإنتحار الذاتى الجماعى .

ــ حركات السلفية الجهادية أصبحت خارج سيطرة قياداتها ، ناهيك عن المشاركين فيها . والقيادة الحقيقية هى بيد الممولين النفطيين وسادتهم الكبار . كما أن  الدول التى تقدم التسهيلات تمارس قدرا من الضغط يتناسب مع أهمية ما تقدمه . ونشير هنا إلى أن أى خلاف جدى بين الدول الممولة للفصائل “الجهادية” يتحول فورا إلى قتال بين تلك الفصائل . ولنفس السبب تتشقق التنظيمات وتتكاثر. والدولة الواحدة غالبا ما تفضل تمويل عدة تنظيمات حتى يسهل عليها السيطرة بالضغط على كل تنظيم بإستخدام التنظبم الآخر .

لا فائدة من تحالف التظيمات فى سوريا ، أو ظهور تكتلات جديدة ، للأسباب السابقة ، ولأن نتيجة المعركة أصبحت واضحة منذ زمن ، وأن القرار الأخير سوف تتخذه الجهات الخارجية والممولة عنما تتفق مع بعضها .

إختصارا : إنها بالكامل حربا بالوكالة ، والطرف المقاتل دوره الوحيد هو بذل الدماء ، ومع نهاية الحرب عليه إنتظار العقوبة والمطاردة وتشويه السمعة . أى تكرار ما حدث معنا فى أفغانستان . وسوف يظل هذا الأمر يتكرر إلى ما لا نهاية ، فهناك طلبات متزايدة لخدمات التيار الجهادى السلفى فى أماكن أخرى ، بإسم الإسلام ولكن لخدمة أعدائه .

ــ وما لم نعالج جذور المشكلة سيظل الجهاد المنحرف / تحت راية مزيفة تدعى السلفية/ سيفا مسلطا على رقاب الأمة وليس منقذا لها .

ــ  فالجهاد ليس مجرد فتوى ثم حماس هستيرى ثم الشهادة أو النكسة . فلا أمل فى نصر مع إنحرافات خطيرة بهذا القدر . وبعد إنكشاف الحقائق بهذا الوضوح القاطع ، تصبح الثورة من أجل إصلاح مسيرة الجهاد / كعبادة جماعية مفروضة على كل مسلم / تصبح أهم الثورات وذروة سنام العبادات .

ــ ولنتذكر دوما أن الفشل هو أعظم مدارس النجاح ، إذا تأملنا فيه بعمق واستفدنا من دروسه وتحملنا مسئوليتنا بشجاعة ، وكانت الأخوة فى الإسلام لدينا أهم من الأخوة فى الجماعة أو التنظيم .

حفظكم الله ورعاكم ونفع بكم .

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world