33 استراتيجية  للحرب -6- (استراتيجية توزيع القوات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -6- (استراتيجية توزيع القوات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -6- (استراتيجية توزيع القوات)

بسم الله الرحمن الرحيم

6- استراتيجية توزيع القوات

توزيع الجيش العامل على جبهة واحد إلى  وحدات عسكرية ذات حجم مناسب مكتفية مستقلة ذاتيا .. تضاعف من قدرتك على المناورة باستخدامها في القطاعات والمحاور المحيطة للعدو  أو على طريق تقدمه وتحقق المفاجأة التي تحبطه وتستهلك جنوده وقياداته الصغرى نفسيا ..

المفاجأة .. هي القيام بما لا يتوقعه العدو .. المفاجأة تتعلق بالوقت والمكان وخطة التنفيذ .. ونجاحها يحدث للعدو إرباك وصدمة تؤثر في سير العمليات على الأرض .. بعض الأعداء قد تبلغ به الصدمة أن يستسلم دون قتال ..

مما يعين على تحقيق ذلك: * يجب أن تكون عالما بقدرات العدو وإمكاناته .. *وبنفسية القائد المقابل وقدرته على رد الفعل .. *أيضا استعدادك للانتقال من المركزية إلى اللامركزية .. *وقدرتك واستجابة وسرعة جنودك للتكيف مع الانتقال .. *ووجود القيادات ( الأسود ) المبدعة التي تباشر آليا علاج أي خلل أو ثغرة يبصرونها خلال التنفيذ ..

 

عادة ما تبنى المنظومة القيادية مصاحبةً للتطور العلمي والتكنولوجي .. ولكن في بعض الميادين يصعب أن تصمم المنظومة القيادية مستفيدة بالكامل من التطور التكنولوجي .. فهذا ميدان لازالت المنافسة عليه بعيدة عن التيارات الإسلامية ..

يعوض عن ذلك بناء مؤسسة فائقة التنظيم .. ذات عقيدة عسكرية متفوقة .. وتخضع لقيادة تتحلى بالجرأة والمقدرة على الإبداع والحركية استراتيجياً وتكتيكياً .. قيادة لا تتشبث إلا بالخطوط العامة فاتحة المجال أمام القيادات الميدانية الشابة للابداع ..

إن إدراكنا وعلمنا بقدرات العدو وإمكانته وحجمه ومستواه التقني يجعلنا نبتكر الشكل التنظيمي الذي يصلح لتحقيق أهدافنا ويسمح لنا بالتفوق الحركي على العدو ويتيح لنا الوصول إليه وضربه والانحياز دون أن يهدد وجودنا .. ويعمل على إرباك العدو واضعاً إياه في حالة من الشك داخل متاهة من الاحتمالات ..

هذه السطور عن البعد التنظيمي للاستراتيجية ..

الجماعة الجهادية ( الجيوش ) الناجحة هي تلك التي تفتح مجالا واسعا من الحركة أمام القادة الميدانيين .. صراع اليوم هو مناورات الوحدات الصغرى المرنة ( الأقزام ) في ميادين التكتلات الضخمة الصلبة ( العمالقة ) .. هذه المناورة تتطلب مهارات الظهور المفاجئ والاختفاء السريع .. ولا يمكن خلق هذه الحركية بجسم مركزي .. الحركية تتطلب قدرة فائقة ودقيقة على الانتشار للاختفاء والتحرك .. ومهارة للتجمع والحصار والضرب .. ثم الإخلاء والاختفاء مرة أخرى .. وهذه المهارات تتطلب تنظيم لا مركزي يعتمد على الأسود الماهرة التي تتقن هذا الفن وتبرع فيه وتبتكر ..

لقد كانت مناورة انحياز القاعدة من المكلا نموذجاً للتعبير عما أريد بيانه .. فقد تحولت المنظومة بكامل ثقلها وقواتها من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية بسرعة ومهارة فائقة الدقة فبدا وكأنهم قد اختفوا في الهواء .. وحينما زال خطر المواجهة تحولوا للحالة السائلة التي نحتت عند هطولها صخور الأرض وتربتها مشكلة الوادي الذي يناسبها ولا يسمح بحصارها .. لتنساب منه بلا صخب بمرونة وخفة عند الحاجة .. إنها حالة زئبقية .. تعاود التقدم باتزان وحكمة من محاور عدة لتتحد بانسجام تام عند الهجوم .. وتنسل منتشرة مرة أخرى بمهارة وإبداع وجمال بعد الفراغ منه ..

لقد كان توفيق الله عظيماً .. وكانت القيادة بارعة وعلى مستوى الصراع ..

يكمن جوهر الإستراتيجية في البحث عن أفضل الأساليب والطرق والأدوات لتحقيق الأهداف .. أما عمق التفكير الاستراتيجي يجعلك في وضع تمتلك فيها خيارات تفوق خيارات العدو .. فبدلا من أن تكون مقلداً لخطة سبق تنفيذها في مناخ مشابه من خلال قائد ماهر تمثل لك الخيار الوحيد .. فإن إحسان التوكل على الله يمنحك التوفيق للتفكير السليم والعميق ويجعلك قادراً على اللجوء إلى خيارات أخرى بحسب الظروف .. تكرار الخطط يعتبر تصرف مبرمج لسلوك دروب سارت عليها معارك سابقة؛ سبل إجهاضها أو إفشالها معروفة سلفاً ومبرمجة أيضا في عقلية العدو .. التصرف السليم يعتمد على قدرة القائد على تجاوز التقليد إلى الاجتهاد ..

القدرة على رؤية الصورة الكاملة للساحة الحقيقية للصراع ( معرفة العدو المباشر .. الأرض .. المناخ  .. إمكاناتنا .. الحلفاء .. الأدوات المتاحة أمام الطرفين .. موازين القوة في الدوائر الثلاث ….الخ ) تساهم في بناء الاستراتيجية السليمة .. وعبقرية القائد تتعدى معرفة وفهم نفسية القائد المقابل والقدرة على التنبؤ الصحيح باستراتيجيته إلى ابتكار استراتيجية تمنح جنوده خيارات تتفوق على حيل أعدائهم ..

ومهارة القائد تتعلق برد الفعل السليم والسريع أمام تصرفات العدو الاستراتيجية أو الميدانية المفاجئة .. الذي يمنحه هذا التفوق تحليلة لبنية الجيش وقولبتها بما يناسب أهدافه .. تقسيم الجيش لفرق أو ألوية مستقلة ومكتفية ذاتيا تمنح القائد الأعلى الليونة وتفتح أمامه مجالاً أوسع للمناورة .. كما تطلق يد القيادات التنفيذية لإخراج إمكاناتهم ..

 

إنها أشبه بمرحلة النضج للتحول من شبل إلى أسد شاب ليصبح مع الوقت أسد راشد وحكيم ..

يقول الحق سبحانه وتعالى {… وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {282} ..

النصر أو الهزيمة كلاهما مضلل .. فالنصر تتوه في زخمه كمية الأخطاء التي واكبت مسيرته .. والهزيمة تضيع بانتكاستها الخطوات السليمة .. والتنظيمات والجماعات التي تتغافل عن النقد الذاتي لمسيرتها أو لحروبها تتفشى فيها عوامل التفكك والانهيار .. ولا شك أن أشد الجماعات إنتكاسة تلك التي عرفت سلبياتها ولم تسعى لتصحيحها ..

حينما نسعى لمأسسة المنظومة العسكرية فنحن بحاجة لأمرين أساسيين: الأول وضع الهيكل التنظيمي السليم والمناسب .. الثاني شغل الهيكل بالأكفاء .. هيئة أركان الحرب لا بد أن تدار من خلال مجموعة عسكرية دربت تدريبا خاصا ودرسوا التاريخ العسكري وأتقنوا فنون الاستراتيجية والتكتيك والقيادة ..

لتحقيق الليونة والمرونة يجب أن تكون بنية هذه المؤسسة ليست ثابتة .. وعلى القائد الأعلى للقوات أن يعدل من حجمها وتشكيلاتها لتناسب الأهداف المطلوب تحقيقها .. كما تناسب طبيعة المعركة الراهنة .. وبعد كل حملة لا بد من تقييم الآداء وبقسوة من خلال مراقبين .. حتى تتعلم قيادة أركان الحرب من أخطائها وأخطاء الآخرين .. وبهذا تظل المؤسسة وكوادرها خاضعين للتصويب ودائمي التطور ..

إن بناء عقلية القيادات وصقلها لتعرف كيف تفكر يعتبر الإنجاز الأهم لإدارة الصراع .. كما أن إدخالهم في سلسلة من التمارين تنمي قدراتهم على اتخاذ القرار المناسب بشكل مستقل .. فالإلتزام بنص الأمر أو روحه أو إدارك الهدف المرجو من الأمر هو موهبة عقلية .. يمكنها أن توازن بين تحقيق النتائج وكيفية[1] تحقيقها بالشكل الصحيح من منطلق أوامر الإسلام ..

هناك دائما نوعين من الأوامر أحدهما يجب إطاعته حرفيا .. والآخر يجب الالتزام بروحه .. والمنتبه الواعي للفرق بينهما هو القائد الذي نرجوه لإدارة المعارك .. ذلك الذي يقوم دون تردد أو سؤال بما يتطلبه منه الوضع الراهن وبالطريقة المناسبة ودون انتظار الأوامر .. معركة أحد نموذج لكل من الأمرين:  ففي معسكر المسلمين الأمر كان واضحا وغير قابل للاجتهاد للرماة بالتمسك بالجبل وعدم تركه .. وفي معسكر الكفار كلف خالد بن الوليد بقيادة الفرسان في القتال فحافظ خالد على هدوء الأعصاب وتحين للثغرات وتدخل في الوقت المناسب أثناء سير المعركة ..

فقه الأوامر قد يعني أحيانا أن يتصرف القائد العسكري عكس الأوامر إذا كانت غير مناسبة للوضع .. يدرك القائد العبقري متى ينبغي ألا يطيع الأوامر في لحظة حربية فارقة بين إدراك النصر أو الاستسلام للهزيمة ..

الخلاصة: *بنية عسكرية لينة قابلة للتقسيم والتشكيل المناسب .. *متابعة النقد الذاتي لتصحيح الأخطاء وإحسان الإصلاح .. *تلقين هذه الفلسفة للقادة الأصغر للاستفادة منها في المستويات الأدنى .. *القدرة على التمييز بين حالتي الأمر ( الملزم والمرن ) والعمل بهما .. وأخيراً *القدرة على التنسيق[2] بين التشكيلات في إطار الصورة الكلية للصراع لتحقيق الهدف المنشود ..

وبقيت نقطة .. الانضباط وروح الفريق ..

{ … وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {10} .. ومن عوامل تحقيق النصر أيضا الأخذ بالأسباب ومنها: المعايير العالية  .. التدريب .. الانضباط ..

عند الرغبة في تحقيق الانضباط على القادة أن يميزوا في تعاملهم وأوامرهم للجنود بين الجيوش النظامية وجيوش المتطوعين ( المجاهدين ) .. وموضوعنا الآن هنا هو ( جيوش المجاهدين النزاع من القبائل والقادمون من بيئات متنوعة ) .. سيواجه القادة طبائع متباينة من الناس .. كل طبيعة يناسبها أسلوب معين لتقبل الأوامر والعمل بها لبناء روح الفريق معه .. وأسلوب الانضباط العسكري الكامل لا يمكن العمل به معهم .. ومن هنا بدلا من أن يكون الانضباط عنصراً للانسجام قد يكون سببا للخلاف والتوتر والاضطراب .. ومن براعة القائد أن يحسن ارتباطه بجنوده ويفهمهم بشكل واضح .. ويحسن التعبير العملي عن قوله تعالى { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}.. فيشيع إحسان الظن بينهم .. وأن يتعهدهم بنصحه فيحثهم على مكارم الأخلاق .. ويمنعهم من التجسس والشك والغيبة ويعمل على الصلح بينهم .. ويقف حائلا بين الاستهزاء والتنابز ويسعي في إحسان التعارف بينهم .. وعليه أن يتواجد قريبا منهم ومعهم في الميدان كما في الصلاة .. وأن يشاركهم العبادات الجماعية كما يدخلهم التمارين العسكرية .. وأن يجتمع معهم على موائدهم دوريا وفق ظروفه .. عليه أن يشاركهم أو ينظم لهم بعض أنواع اللهو والمسابقات المباحة .. قد يكون الأنفع أن يحقق اختلاط في أماكن الإيواء وفصائل القتال فيجمع بين الأعراق أو المجتمعات المختلفة في مكان واحد أو قد يقسمهم بحسب مجتمعاتهم .. ويظل المسجد وميدان القتال الأصل في اجتماع الكل .. وعليه أن يتنازل عن بعض الانضباط الخارجي ( اللباس مثلاً .. أسلوب الكلام .. وما كان على شاكلتهما ) مقابل أن يحافظ على روح الفريق وأخلاقياته .. عليه أن يحاول برفق ترويض سلوكيات الجنود القادمة معهم من مجتمعاتهم المتنوعة والتي قد تكون غريبة أحياناً .. ويدفع بها لتحقيق الأفضل ..

يحب أن ينتبه القادة لروح التكافل الإسلامية التي تلزمه شرعاً بتفقد رعيته والنصح لهم والاهتمام بالجانب الإنساني في حياتهم وظروفهم الاجتماعية .. وما يتبعها من أعراف لا يسعه تجاهلها .. كما عليه الانتباه لتغذية الروح بنشر أهل الوعظ ليذكرهم بالله ويربطهم به .. فيتلون عليهم آيات الله ويزكونهم ويعلمونهم الكتاب والحكمة ..

إنها روح سورة الحجرات ..

– – – – – –

[1] نحن مسلمون ومطالبون بسلامة الوسيلة لنبل الغاية التي نسعى لها .. فلا يقدم تحقيق النتائج على كيفية الوصول لها أو الوسائل المتبعة فيها .. فالصحة الشرعية شرط لا يمكن المناورة فيه ..

[2] راجع تمرين الصيد العطيم لجنكيزخان ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -6- (استراتيجية توزيع القوات)

 




ماهو المخرج فى بلدنا الحبيب مصر ؟؟

ماهو المخرج فى بلدنا الحبيب مصر ؟؟

عنوان الرسالة : أين الطريق؟

محمد مصطفى المالكي: 2017/02/26

السلام عليكم ورحمة الله
الأب الحبيب والشيخ المربي أبو الوليد.
حين أنظر إلى واقعنا المعاصر أجد الفشل هو القاسم المشترك بين كل التيارات الإسلامية ؛ كتب ” الجهاديون ” كتبا كثيرة عن حرب العصابات، وأصول حرب العصابات، وحرب المطاريد ومع ذلك ليس هناك تجربة عملية واحدة استطاع خلالها “الجهاديون ” إسقاط النظام وتولي الحكم ، إلا في حالة “طالبان” وتم الالتفاف عليها وإسقاطها.
وأما أصحاب “السلمية” ففشلهم لا يحتاج إلى بيان أو توضيح.
إذن “الجهاديون” و”السلميون” فاشلون.
فأين الحل؟ وما المخرج؟ خاصة في بلدنا الحبيب مصر؟

مع الرسائل المالكية ( 1 )

ماهو المخرج فى بلدنا الحبيب مصر ؟؟

الحبيب المالكى .. السلام عليكم ورحمة الله .

رغم قصر رسالتك إلا أن الإجابة عليها صعبة جدا . وقد شملت الملاحظات التالية :

1 ـ فى واقعنا المعاصر نجد أن الفشل هو القاسم المشترك بين كل التيارات الإسلامية .

2 ـ كتب الجهاديون كتبا كثيرة عن حرب العصابات ، ومع ذلك ليس هناك تجربةعملية ناجحة لهم إستطاعوا فيها إسقاط النظام وتولى الحكم ، إلا فى حالة طالبان التى تم الإلتفاف عليها وإسقاطها .

3 ـ فما هو الحل ؟؟.. وما هو المخرج  خاصة فى بلدنا الحبيب مصر؟؟ .

*****

 أولا ، فإن فشل التيارات الإسلامية ، حقيقة لا جدال فيها ، سواء منها السلمية (الإنتهازية) أو الجهادية (الدموية) .

ولعلك تلاحظ أن الإنتهازية شئ مختلف عن السلمية . لقد أطلقوا على أنفسهم إسما مضللا . فقد كانوا إنتهازيين بغطاء إسلامى مع إدعاء كاذب بالسلمية . هدفهم الأسمى على الدوام كان الوصول إلى السلطة عبر الصفقات السرية مع الحكام والقوى الخارجية . وتركوا العنف والدموية لحلفاء لهم جهاديون (!!) إنتحلوا أسماء لاحصر لها ، كما نرى ونسمع فى سوريا التى ذبحوها ، بعد أفغانستان التى تاجروا بها فى البداية ثم غدروا بها فى النهاية .

– أما السلفية الدموية ، فهى تقاتل على أحكام فقهية شاذة ، يريدون فرضها بالسلاح على جميع المسلمين ـ قبل غيرهم ـ أى أنهم فى حرب على أمتهم .

ــ لقد أصبح عنصر التمويل حاسما للحركة الإسلامية / عقائديا وحركيا / فتحولت عقائدها إلى السلفية (النفطية) وتبنت الخط السياسى لمشيخات النفط ، فيعملون حيثما تحركت مصالح المشيخات وقادتها فى إسرائيل وأمريكا ، ضمن إطار حلف الناتو الإسرائيلى العربى ، الفاعل حاليا ـ والذى يسعى ترامب لإعلانه رسميا بين مشيخات الخليج وإسرائيل ومصر والأردن ـ بالطبع التيار الإسلامى / السياسى والجهادى كلاهما / متواجد فى الخلف ، تحت عباءة مشيخات النفط وضمن قوى الحلف الأساسية الضاربة على الأرض ، فى إستمرار لمبدأ الحرب بالوكالة ، الذى مازال ساريا تحت توصيف جديد ومطور هو ( حروب الجيل الرابع ) تماشيا مع وسائل عسكرية جديدة ضاعفت القوة التدميرية لجماعات الحروب بالوكالة ـ أى السلفية الجهادية بمسمياتها الكثيرة .

– إذن التيار الإسلامى الحالى ، فاشل وخطير ، ومانع لأى إنتصار شعبى ، وكل إنجاز يحققه على الأرض لن يكون بالطبع لصالح الإسلام والمسلمين ، بل لصالح حلف الناتو الجديد بمكوناته ( العربية / الإسرائيلية / الأمريكية ).

 (إستدراك : نستثنى فرعاً من القاعدة فى اليمن ، مازال متمسكا بشعار العمل ضد أمريكا . وتتدرب عليه يوميا الطائرات بدون طيار التى تشغلها المخابرات الأمريكية بإشراف شخصى من رئيس الولايات المتحدة).

ليس هناك ما يدعو إلى الأمل فى العمل الإسلامى كله ، مشتملا أيضا على مؤسسة الأزهر والطرق الصوفية ، فهى جميعا أجنحة لإسلام النظام العسكرى ، المحارب للإسلام الحركى ، وللإسلام كدين .

تلك كانت صورة سريعة للعمل الإسلامى بشقيه النفطى والعسكرى . وهما معسكران متعاديان من حيث الشكل متطابقان من حيث الهدف . فمن أين يأتى النجاح ، وكيف يحدث التغيير؟؟.

حل اللحظة الأخيرة :

{حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}. 110 ـ سورة يوسف ـ

{ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ..} 10 ـ الأحزاب ـ

  إنه حل اللحظة الأخيرة ، ومن حيث لا يتوقع أحد ، حين يأتى الفرج ويتجلى  نصر الله بعد اليأس الكامل . فعلى مر العصور مرت بالمسلمين مواقف عصيبة هددتهم بالاستئصال ، فتنزل عليهم النصر حين إقتربوا من حافة اليأس . لكن كان لهم وقتها كيان وقيادة مخلصة عاقلة وحكيمة .

– فما هو وضع المسلمين الآن خاصة فى مصرنا الحبيبة ـ وقد فقدوا كل ذلك ؟ وتكالب عليهم الأعداء ليس فقط من فوقهم ومن أسفل منهم ، بل من داخل صفوفهم ، ومن قادة جيشهم محتكرى السلاح والثروة والقرار جميعا. فكل الدولة فى يد يد جنرال مستبد ، يتلقى أوامره من أعدى أعدائنا ، أى من إسرائيل تحديدا . وكل تصرفاته من صغيرها إلى كبيرها تهدف إلى منفعة إسرائيل والإضرار بمصر ، بل والتنكيل بها وبشعبها.

– تذكر فى رسالتك حركة طالبان التى نجحت حتى تم الإلفاف عليها وإسقاطها . وأضيف أن سلفيتنا الجهادية كان لها الفضل الأول فى إسقاطها . تلك التنظيمات السلفية المسلحة التى تحرس الفشل وتقاوم النجاح ، وتمهد لجيوش الأعداء كى تعيد إحتلال ما تشاء من بلاد العرب والمسلمين . تنظيمات إسلامية توزعت ما بين مخادع نهاز للفرص وبين باطش سافك للدماء المحرمة .

 –  حركة طالبان كانت بالنسبة للشعب الأفغانى هى الفرج غير المتوقع بعد اليأس من محنة الأحزاب الجهادية”!!” التى ظهر قادتها على حقيقتهم كعملاء للخارج وباحثين بوحشية عن السلطة والمال . فخاضوا فى الدماء ، وأقاموا نظام العصابات المسلحة فى طول البلاد وعرضها ، والهدف النهائى كان تقسيم أفغانستان إلى عدة دويلات ، تسهيلا لدخول الشركات الدولية لإستنزاف ثرواتها بالمجان .

ــ  تشكلت حركة طالبان فى مدينة قندهار ، وتصدت بالسلاح لعصابات قطع الطرق ، ولاقت تأييدا شعبيا واسعاً ، إلى أن إقتحمت العاصمة بعد عامين من ظهورها ، فأعلنت نظامها الإسلامى الجديد . وبتطبيق العقوبات الشرعية قضت على عصابات الجريمة ، فسقط تلقائيا مشروع تقسيم أفغانستان .

ــ نظرية التنظيم الذى يصنع الثورة عبر برنامج يمتد لسنوات طويلة ، لم تنجح فى الدول العربية ـ والإسلامية عموما ـ بل أن فكرة الأحزاب نفسها لاقت عندنا فشلا منقطع النظير ، وأثبتت أنها مثل “التنظيمات” السرية والعلنية ، هى مجرد أعراض للمرض السياسى والإجتماعى وليست علاجا له .

أما العلاج بالإنقلابات العسكرية ، فبعد عقود عديدة إمتدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن ، أثبتت التجربة أنها لم تكن إلا “إحتلالا وطنيا بالوكالة” لتثبيت مصالح الغرب ، والخسف بالشعوب العرية ـ والإسلامية ـ واستنزاف مصادر القوة لديها ـ المعنوى منها والمادى ـ والأهم كان التخلص من دور الإسلام فى حياة تلك الشعوب ، وتسليم ثرواتها بالكامل إلى الإحتكارات الغربية . وزاد النظام العسكرى عندنا بيع أراضى مصر نفسها وأصول الدولة المصرية ، بل والتواطؤ مع إسرائيل على حجب مياه النيل عنها .

ــ فتخريب مصر وطرد سكانها ومنع مياه النيل عنها ، جميعها مخطط إسرائيلى يتم تنفيذه والتستر عليه بواسطة جنرال مصر الأول ، وعصابة المجلس العسكرى ( تسعة عشر جنرالا ، أى رئيسا محتملا لمصر ، ينتظر دوره فى خدمة إسرئيل) .

– فما هو الحل ؟؟ .. تسأل والإجابة عن سؤالك مستحيلة ، فلا شئ منظور فى الأفق أو فى نهاية النفق ، ولا أداة ملموسة للحل .

ولكن الشعب سينفجر حتما فى وقت ما . ونظامنا الحاكم بتوجيه من إسرائيل يجهز لوضع الإنفجار الشعبى القادم تحت السيطرة ، بحيث لا يعرض خطط إسرائيل للخطر ، بل يساعد فى إنجازها بأسرع الطريق وأكثرها حسماً .

ــ  العطش والجوع واليأس سيدفعون الشعب غريزيا نحو الخروج فى ” ثورة ” ، ولكنها بلا رؤية أو قيادة ، بل غضب جامح وأعمى . ولكن هناك إحتمال ولو ضئيل فى ظهور الحل المفاجئ والأخير، فيجد الشعب بين صفوفه من يأتمنهم على قيادة ثورته ، فيتجه المسار نحو إستئصال القديم الفاسد وتأسيس وضع جديد صالح .

ــ الخطة الدفاعية لإسرائيل والنظام العسكرى تقتضى بإشعال فتنة شاملة ، كبديل عن الثورة الشاملة ، بل فتنتان أحدهما طائفية (أقباط ضد مسلمين ) أو (دواعش ضد الكنيسة) . وأخرى عرقية ( سيناوية ضد مصريين ) ( نوبة ضد صعايدة ) ( بدو ضد فلاحين ) فينشغل الشعب بنفسه ، ويأتى الجيش على ظهر الدبابات فى ثياب المنقذ المحايد ، ليكتسب ثقة واحترام الجميع ، مع ندمهم على ما صدر منهم فى حق جنابه الشريف وذاته المقدسة . فيباشر تقسيم مصر ، كونها موضع النزاع بين المتقاتلين ، فيعطى بالقسطاس الإسرائيلى المستقيم/ كل فئة نصيبها . والأهم هو دولة فلسطينية فى سيناء شرقا ، ودولة نوبية جنوبا تنزع السد العالى من مصر ويكون الماء القليل الذى خلفه من نصيب أهل النوبة تعويضا عن صبرهم الطويل . والباقى لمن يريد ، حيث لا إمكانية للحياة .

فليس أمامنا من أمل سوى فى دعاء المخلصين ، ومحاولة ترابطهم قدر الإمكان ، فى إنتظار الفرج ، مع التواصى بالحق والصبر ، والقبض بيد على الجمر وبالأخرى على السيف .

فقد فرغت الأيدى من الأسباب ، وكيد الأعداء (لتزول من الجبال) .

 وقديما قالت العرب : إشتدى أزمة تنفرجى .

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world