جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 26

مجلة الصمود الاسلامية السنة الخامسة عشر – العدد ( 177 ) | ربيع الأول 1442 هـ / نوفمبر ٢٠٢٠م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 177 ) | ربيع الأول 1442 هـ / نوفمبر ٢٠٢٠م .  

03-11-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (26)

جبل تورغار .. معركة الفتح

 

– بعد صلاة الظهر، نظَرْتُ إلى حقانى المستغرق فى الدعاء فإذا به أصبح رمادياً وقد غمرته الظلال . ولم يكد حقانى يتوجه إلى جهاز اللاسلكى حتي أصبحنا كأننا فى وقت الغروب.   

– تجمد المجاهدون أمام حقل الألغام وتساقطت عليهم القنابل اليدوية مثل المطر. أوشك الهجوم أن يفشل لولا ذلك البدوى العجوز قليل الكلام، الذى إندفع إلى خندق الشيوعيين فقتل قائدهم. فاشتعل حماس الشباب، فمرقوا مثل الشهب وسيطروا على الخندق ثم على الجبل كله.

– البَدَوِيَّان بَطَلا ذلك الإنتصار الكبير : “أكبر محمد” .. و”طالب جولاب ” الشهيد الوحيد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

الجمعة 16 فبراير90 :

كانت الشمس قد إرتفعت فى الشروق، وتهيأت السيارة كى تنقلنا إلى جبل الترصد. سأتحرك مع الصحفى البريطانى، ولكن حقانى سوف يتأخر لمتابعة بعض التفاصيل فى هجوم اليوم.

فأخبرنى بأنهم جاهزون لعملية اليوم ضد تورغار، ولكن المجموعة التى سوف تهاجم من الطرف الشرقى ليست كبيرة، أما فى الجنوب ، وهى الواجهة الطويلة من الجبل من جهة المجاهدين ، فلم ينجح المجاهدون فى فتح ثغرة في الألغام هناك، فقد أصيب أحدهم بإنفجار لغم فتوقف العمل . تحركت بنا السيارة صوب الجبل، ولم يكن ما سمعته من حقانى مشجعاً، وأيضاً فإن هذا الجو المشرق والسماء الزرقاء الصافية أصابتنى بالهم والغم، فالطيران سوف يكون قوياً، ورمايات العدو أكثر دقة، والمؤكد أن الخسائر فى الأرواح ستكون عالية .

والإضافة الوحيدة عند المجاهدين اليوم هى الهجوم من طرف الحافة الشرقية بمجموعة

صغيرة، فهل سيجدى ذلك كثيراً ؟.

كنت غارقاً فى هواجسى وما أن صعدنا فوق الجبل، ووضعنا إمتعتنا فى الغرفة الصغيرة، حتى بدأ الصحفى (تيم) يسأل عن معارك الفترة الماضية ويطالع المواقع بالمنظار من خلف الصخور فوق القمة، وتوليت توضيح الموقف العام له. ثم عدنا إلى الغرفة مرة أخرى فى إنتظار وصول حقانى وكنت أعلم أن العمليات لن تبدأ ألا بعد وصوله لمتابعتها من فوق هذه القمة.

بدأنا الحديث فى الوضع السياسى فى أفغانستان، فكلمته بصراحة عن دور أمريكا ودول الغرب فى الإضرار بالشعب الأفغانى، وأنهم كتموا عن العالم حقيقة أن الأفغان هم الذين حرروا شعوب شرق أوروبا بعد قضائهم على الإمبراطورية السوفيتية في أفغانستان، وأن شعوب روسيا وغرب أوروبا قد إستفادت من إنتصار الأفغان. فقال بأنهم في أوروبا يرون أن إنتصار الأفغان كان عاملاً مساعداً على إنهيار الإتحاد السوفيتى. فأجبته قائلاً: بل كان العامل الحاسم وإلا فإن النظام السوفيتى إذا كان قد تمكن من إخضاع الأفغان، لإستمر على قيد الحياه قرناً آخر ، وإلا فالسبعون عاماً التى قضاها ليست بالعمر الطويل فى حياة الدول.

من الثامنه صباحاً بدأ الطيران يعمل بنشاط، فى جو رائع وشمس مشرقة ورؤية غاية فى الصفاء. القاذفات المروحية الثقيلة رمت أطناناً من القنابل على المواقع المشتبه بأنها قد تساند هجوماً أو قد ينطلق منها هجوم، وركزت علي ليجاه وبارى، وإستمرت تؤدى دكها بإنتظام حتى الساعة الحادية عشر. فظهرت الطائرات النفاثة وباشرت هى المهمة وإستراحت الإنتينوف.

أخيراً وصل الشيخ حقانى وخلفه سيارتان للحرس، وبرفقته إثنان من الضيوف أظنهما من السعودية، أحدهما كأنه صحفى، والآخر ضخم الجثة قوى مثل المصارعين، ومن حديثه ظهر كأنه واعظ فى أحد المساجد مع إلتزامه بالسمت السلفى أكثر من زميله.

إثنان من المجاهدين من حرس حقانى ما أن شاهدانى أخرج من خندقى المفضل وعلى كتفى المنظار المقرب الخاص بى، حتى إستعاراه وجلسا فى مكانى ولم أتمكن من إسترداده إلا بصعوبة بعد أكثر من ساعة.

الساعة 11.38 :ظهر أول دخان فوق قمة تورغار نتيجة قصف المجاهدين، بدأ السحاب يتكاثر ببطء، ولكنه لم يصل إلى شئ مما كان عليه فى العملية السابقة إلا أنه قد يعرقل نسبياً عمل الطيران.

قال الشيخ أنه سيجعل وقت بدء المعركة مع وقت صلاة الجمعة حتى يستفيد المجاهدون من

دعوات المسلمين لهم. ثم صلى بنا الظهر فى ساحة صخرية صغيرة أعدها المجاهدون كمسجد للموقع وأحاطوه ببعض الصخور الصغيرة وجعلوا لها  تقوساً فى محل المحراب.

نظرت إلى السماء قبل البدء فى الصلاة، كانت شذرات السحب قليلة وربما إنقشعت فى أى وقت، فوقنا بقعة صغيرة من السحاب الأبيض ،الذى تبعثر هنا وهناك فى كتل باهته لا معنى لها.

قلت فى نفسى : (ياله من يوم صعب . كم من الرجال الذين يتحركون بحيوية فى مواقعهم سوف يسقطون شهداء اليوم. وكم من الذين أعرفهم سوف لا أراهم مرة ثانية؟ وماذا لو فاجأتنا الطائرات النفاثة وقصفتنا ونحن متجمعون من صلاة الظهر وإمامنا هو حقاني قائد عملية اليوم، والخطر الأكبر على النظام فى كابل؟ ألم تقصفنا تلك الطائرات فى نفس هذا المكان من قبل؟).

بعد إنتهاء الصلاة بدأ حقانى فى دعاء طويل ونحن نؤمن خلفه سأل الله النصر وألح فى الدعاء، وبكى أكثر الداعين، ثم قام وإتجه إلى جهاز اللاسلكى وخاطب الجميع، وطالبهم بالتوكل الله والإعتماد عليه وحده، ثم لقنهم هذا الدعاء وطالبهم أن يستمروا فى ترديده( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لايبصرون ) وتذكرت أنه لقننى هذا الدعاء منذ ما يقارب عشرة أعوام، ومازلت أذكر أنه لقنني يومها درساً فى الشجاعة والثبات تحت قصف الطائرة، وأن أطلق عليها نيران البندقية بدلاً من الإختباء فى حفرة، فأنا عربى ولا يليق بى ذلك. لقد أخجلنى يومها، لكنه لم يقنعنى بجدوى إطلاق البندقية على طائرة نفاثة.الآن إدرك أنه على حق فلا جدوى من الإختباء من الطائرة فذلك نوع من العبث يطمئن به الإنسان نفسه فلا عاصم من تلك المصائب التى تتساقط فوق الرؤوس سوى الله سبحانه وتعالى. لكن الذى لفت نظرى حقيقة هو أنه أثناء الدعاء الجماعى بعد الصلاة كانت السماء تتلبد فوقنا بسرعة، كان الجميع وقت الدعاء مطأطأى الرؤوس ينظرون إلى أكفهم المنبسطة أمام وجوههم، وكنت الوحيد وربما شاركنى إثنان من حرس حقانى ننظر إلى السماء.

كنت أراقب السحب التى تتجمع بسرعة، ثم نظرت إلى حقانى المستغرق فى الدعاء فإذا به أصبح رمادياً وقد غمرته الظلال، بل الجميع أصبحوا كذلك، ولم يكد حقانى يتوجه إلى جهاز اللاسلكى حتي أصبحنا كأننا فى وقت الغروب.

إنشرح صدرى لتلك (الكرامة)، وتمنيت أن يكون ذلك بشرى بالنصر وبداية المدد الإلهى للمجاهدين عامة، والمهاجمين فوق الجبل خاصة.

الساعة 1.59: بعد الدعاء وجه الشيخ أمراً إلى (مارشال) ببدء القصف، ظننت أن الإسم هو شيفرة لمجموعة مدفعية لكن حاجى إبراهيم قال: (بل هو أسم شهرة لأحد المجاهدين).

بدأت دبابة خليل فى القصف، وأصابت مواقع العدو فوق القمة وحققت أول أصابة مباشرة. فتصاعد عمود من الدخان الأسود من الحصن الواقع على الحافة الغربية . رد العدو بقصف شديد على الجانب الغربى من الجبل حيث تسلل المجاهدون فى محاولاتهم السابقة . والظاهر أنهم لا يتوقعون تقدماً من جانب الحافة الشرقية للجبل، وهو مالم يفعله المجاهدون قبلاً. بعد خمسة دقائق لعلعت رشاشات العدو الثقيلة فوق الجبل.

الساعة 2.35: مدفعية المجاهدين تقصف مدفعيات العدو الخلفية، (بوستان) و(باتشا دينا)

 على المدفعية يعملان بشكل جيد ودقة ملحوظة.

دبابة خليل تتلقى قذائف كثيرة من مدفعيات العدو ، مجموعات الهجوم فوق الجبل بخير ولكنها لم تبدأ بعد فى التقدم.

الساعة 3: أشرقت الشمس لفترة قصيرة ثم أطبق السحاب كثيفاً مرة أخرى ، أجهزه اللاسلكى مزدحمة بالصيحات، ودعوة للمهاجمين بالعمل مع تشجيعهم .

التدخل اللاسلكى شديد، وحرب نفسية على أشدها على الأثير مليئة بالتهديد وأحياناً بالسباب بين المجاهدين والعدو.

حقانى يصيح مشجعاً المهاجمين وينقل إليهم أخبارالإصابات التى وقعت فى صفوف العدو نتيجة القصف ثم يهتف صائحاً(الله أكبر زنده باد إسلام) فيردد المجاهدون خلفه نفس الهتاف الساعة الثالثة والنصف: سقط سكود إلى الشرق من تورغار وبعد خمسة دقائق سقط صاروخ آخر فى نفس المنطقة.

الساعة 4.10 : قوات العدو فوق تورغار تفقد واحد من قادتها، إلتقط عبد العزيز الخبر، أما المجاهدون المهاجمون من جهة الشرق ، جماعة جولاب الكوتشى شقيق الشهيد منان ، فقـد أفادوا بأنهم يواصلون نزع الألغام من المسافة المتبقية ومقدارها (متران) ، على حسب تقديرهم ، وقالوا بأن العدو لم يطلق النار عليهم حتى الآن.

طائرات الهيلوكبتر تطلق نيرانها من بعيد على حواف الجبل لكن بلا تركيز ثم هبطت خلف الجبل من جهة المدينة ربما لحمل جَرْحى وقتلى أو لنقل بعض الذخائر إلى المدافعين رغم أن عندهم ما يكفى.

طائرات الأنتينوف القاذفة تحلق فوق السحب السوداء بدون أى أمل لها بالمشاركة وهى عمياء فى ظلام السحب، ولكنها ظلت فى السماء طوال الوقت ، ربما لبث الطمأنينة فى نفـــوس المدافعين ، إذا شعروا أن الطائرات قريبة منهم.

الساعة 4.42:  إجتاز المهاجمون من الحافة الشرقية حاجز الألغام، وتبادلوا مع خط الخنادق الأول للعدو الرماية بالقنابل اليدوية.

وبينما يقوم (جولاب) بإبلاغ حقانى الرسالة، إذ أحد المجاهدين يصيح فرحاً (تورغار ختم تورغار ختم) فنهره حقاني بشدة وقال إن ذلك غير صحيح، فقد رأى أن إذاعة خبر بسقوط تورغار والمعركة فى نقطتها الحرجة قد يسبب إضراباً فى سير العمل، فقد يطلق كثيرون النار فى الهواء إبتهاجاً، بينما العدو فى خنادقه صامداً، والدبابات قد تتوقف عن قصف المواقع الدفاعية والإدارية للعدو فوق الجبل ظناً منها أن المجاهدون قد وصلوا.

وسنعود مرة اخرى إلى قصة الجانب الشرقى ، وراوية المهاجمين لما حدث فى تلك اللحظة الحرجة، لحظة الهجوم على الخط الدفاعى الأول من خنادق العدو ، والذى قام به جماعة البدو (الكوتشى) بقيادة جولاب، صخرة الدفاع وسيف الهجوم.

الساعة 5.50:  ضغط الهجوم كله من جهة جولاب بينما جهة الغرب حيث الدكتور نصرت الله خامدة لدرجة كبيرة، وكان يساعد نصرت الله مجموعة من طلاب العلم في قندهار يقودهم القائد الشجاع (ملا شاه زاد) الشهير بإسم ملا قندهارى.  واضح أنه بعد تجربة الهجمات السابقه والتى كانت كلها ، على مر السنين ، تتم من الجناح الغربى أن العدو قد ركز معظم قواته على هذا الجناح. لذا يمكن توصيف ما حدث هذه المرة أن المهاجمين من جهة الغرب قد جمدوا معظم قوات العدو، حتى تمكنت قوة جولاب الأصغر حجماً من إقتحام دفاعات العدو الشرقية والتقدم فوق الجبل مثلما يفعل السكين فى قالب الزبد، حتى تضيف جماعة الكوتشى الشهيرة ، جماعة الشهيد منان ، أضافة أخرى إلى سجل لا يضاهى من الأمجاد القتالية .

أفاد رجال الكوتشى الذين إقتحموا الجانب الشرقى من تورغار أن هجومهم كاد أن يفشل، لأنهم عند إقترابهم من خط الألغام الذى يلى خنادق العدو مباشرة، وكانوا قد نزعوا معظم  ألغامه ليلاً ولكن ليس كلها، وعند تقدمهم للإقتحام الأخير كشفهم العدو وهم على حافة حقل الألغام فأصلاهم ناراً حامية من البنادق الآلية والرشاشات الخفيفة، ثم رمى قنابل يدوية بكثافة غير معهودة ، ولاحظ رجال الكوتشى أن القنابل إما أن تسقط في الوادى العميق أو تسقط إلى جانبهم ولكنها ترتد مثل كرة المطاط لتعود مرة أخرى إلى خنادق العدو لتنفجر هناك.

ومع ذلك ظلوا جامدين خلف الصخور، إلى أن قام منهم رجل عجوز أبيض الشعر واللحية، مشهوربينهم بالبساطة الشديدة وقلة الكلام، قام ذلك الرجل وضرب خنادق العدو بقذيفة RBG فقتل ضابط الموقع ويدعي(عبد الله خان)من قبيلة تاناي فهرب باقي العسكر. ثم عبر حزام الألغام بسلام وقفز داخل خنادق العدو، فإشتعل حماس الشباب ومرقوا خلفه مثل الشهب فى سماء مظلمة وقفزوا إلى الخنادق، وقتلوا من فيها، وتابعوا من هرب من الجنود، وكانوا 30 جندياً وواصلوا التقدم صوب باقى المواقع حتى تم فتح الجبل كله.

وفى نهاية المعركة سألوا الرجل العجوز عن السبب وراء إندفاعه العجيب المفاجئ، فقال لهم ببساطة: لما رأيت القنابل اليدوية تتساقط علينا مثل المطر، ولكنها ترتد على العدو مرة أخرى وتتفجر عنده أدركت أن الله قد أنزل الملائكة لنصرتنا فإندفعت نحو العدو وأنا موقن أنهــم مهزومين وأن شيئاً لن يضرنا، يدعي ذلك البدوي العجوز”أكبر محمد”.

الساعة 5.11: الطرف الشرقي من الجبل فى قبضة المجاهدين تماماً، ومن هناك يقصف المهاجمين بالرشاشات الثقيلة قصفاً عنيفاً للغاية على باقى المواقع المعادية فوق الجبل متجهين صوب الغرب.

الساعة 5.15:  تقرير لحقانى من المجموعات المهاجمة فوق الجبل ، كلها ، بأن مقاومة العدو فوق الجبل أصبحت ضعيفة جداً. بدأت عملية تطهير المواقع ممن تبقى بها ، وأكثر الأحياء لاذوا بالفرار إلى الشقيق التوأم لجبل تورغار والواقع إلى الشمال والمرتبط به بحبل سُرِّى ، أو ما يطلق عليه “سَرْج” ، وهذا التوأم الأصغر يدعى(ورا تورغار) أى تورغار الخلفى.

الساعة 5.50:  تقابل المهاجمون المتقدمون من الشرق مع المهاجمين من الغرب فوق ظَهْر الجبل، لقد وقع تورغار أخيراً فى أيدى المجاهدين بعد سنوات طويلة ومريرة منذ فقدوه آخرمرة.

لقد فتحوا تورغار ، وأصبحت المدينة نفسها قاب قوسين أو أدنى من الفتح، ولكن ذلك لم يحدث بالسرعة التى كنت أتوقعها.

سألنى الصحفى البريطانى (تيم) عما حدث، فقلت له: لقد إستولى المجاهدين على تورغار ، وإجتهدت أن أبحث فى وجهه عن أى إنفعال فلم أعثر على شئ فشعرت بالغيظ، ولكننى تماسكت أمام ذلك اللوح الجليدى القادم من بريطانيا العظمي ، التى ذاقت فى أوائل هذا القرن ما يذوقه السوفييت والشيوعيين فى أواخره على أيدى نفس هذا الشعب الخارق.

ثم سألنى ببرود: تقول أن تورغار هو مفتاح مدينة خوست فمتى تتوقع أن يتم إستيلاء المجاهدين على المدينة. فرددت عليه: من المفروض ألا يزيد ذلك عن شهر.

لقد أخطأت فى تحديد ذلك الموعد، لأن المدينة فتحت بعد ذلك بحوالى ثلاث عشر شهرا ونصف.

وقد قابلنى تيم بعد ذلك بعدة أشهر فى بشاور، وكان يتذكر بدقة ما قلته له من أن المدينة يمكن أن تفتح خلال شهر، وسألنى بشماتة لا تخفى: لقد قلت أن المدينة سوف تفتح بعد شهر، فماذا أخّر الفتح حتى الآن ؟.

فرددت عليه قائلاً: إن تدخل أمريكا وباكستان هو السبب. ثم ذكرت له بعض مجهوداتــهم لإفساد فتح خوست.

التقرير الأول عن خسائر المهاجمين هو شهيد واحد ولا جرحى، وبعد ساعة جاء تقرير آخر متضارب يقول الخسائر ثلاثة جرحى ولا شهداء . فى اليوم التالى كان التقرير النهائى هو شهيد واحد وثلاثة جرحى .وسبب التضارب هو أن التقرير الأول  كان لأحدى المجموعتين وهو شهيد واحد بلا جرحى والتقرير الثانى للمجموعة الثانية كان ثلاثة جرحى بدون قتلى.

كانت تلك الخسائر المتدنية مفاجأة كبرى ومدهشة إلى أقصى حد، أن يتم تحقيق هذا الإنجاز الفائق بهذا القدر الذى لا يكاد يذكر فى الخسائر.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن دقة الإعداد وتوفير الوسائل اللازمة للعمل وإكتساب الخـبرة الكافية فى إدائه هى من أعظم أسباب النصر ، وقبل كل ذلك هو ذلك التأييد الإلهى الذى لا يمكن تصويره بالقلم أو اللسان . فحالة الطقس مثلاً، من غيوم تحجب الرؤية فتمنع الطيران والمدافع المعادية، ثم تعود فتنكشف قليلاً فتساعد المهاجمين علي تبين الألغام وأسلاك الإعثار المنبثه فيما حولهم.

حتى فشلهم فى السنوات الماضية فى الهجوم من طرف واحد هو المنحدر الغربى، قد إستدرج العدو إلي الإطمئنان التام هذه المرة أن الهجوم قادم لامحالة من نفس الطريق فركز دفاعات كلها ، أو معظمها ، فى ذلك الإتجاه، فتمكن جولاب من شق طريق من جهة الشرق بسهولة لم تكن متوقعة، رغم أن الجميع كان يتوقع أن الشرق هو محور ثانوى للهجوم فجاء العكس.

الساعة 6.07:  طائرة أنتينوف تحلق وتقصف بعيداً. السماء إنقشعت وظهر ضوء النجوم واضحاً، كان ذلك عظيم النفع للمجاهدين فوق الجبل ومكنهم من معرفة طريقهم فوق الجبل وفى غابة الخنادق حوله وفى (الدُشَم) المحصنة والمسلحة خاصة من الطرف الغربى، ثم المخازن الإدارية فى الطرف الشمالى، وبها غرف مليئة بالطعام والذخائر، والأهم من ذلك مراقبة العدو الذى قد يحاول شن هجوم معاكس فى نفس الليلة قبل أن يستحكم المجاهدون فوق الجبل.

الساعة 7.00:  سقطت ثلاث صواريخ سكود متتالية حول جبل تورغار. ثم صاروخين آخرين فى تودة شنى ،جنوب تورغار.

خمسة صواريخ سكود دفعة واحدة، كانت حفلة إبتهاج بفتح تورغار ولكن إطلاق النار التقليدى فى مثل تلك المناسبات، قامت به الحكومة وليس المجاهدين . ولم تقع أية خسائر من جراء ذلك القصف.

ملاحظه: ثمن صاروخ سكود فى ذلك الوقت هو مليون دولار أمريكى، وقد أطلق العدو فى تلك المعركة سبعة صواريخ سكود ، بينما أطلق صاروخين فقط فى محاولة يناير الماضى التى لم تنجح.

– أخيراً غادرنا حقانى متجها إلى مركز خليل فإلى هناك سوف تأتى وفود العائدين من المعركة، مع الأسرى والغنائم، ثم مشاورات عن الخطوة التالية حيث من المفروض ، حسب قول حقانى ، الإستيلاء على(ورا تورغار)، فقد قال لى : لا فائدة فى تورغار إذا لم نمسك (ورا تورغار) ، لم أكن أدرك تلك الأهمية قبل ذلك وأن كانت منطقية تماماً، فالجبلان فى الحقيقة جسد واحد متصل.

وأى قوات قادمة من المدينة لشن هجوم مضاد لابد لها من الإرتكاز على (ورا تورغار)، إذن المعركه لم تنته بعد !!.

لم أغادر مع حقانى لأننى توقعت معركة فوق الجبل فى هذه الليلة. وفى الليل إتصل بنا حقانى تلفونياً وقال أنه منتظر وصول الأسرى للتحقيق معهم والبحث عن الشيوعيين من بينهـم. وأضاف إنه سيكون عندنا غداً ففهمت أن المعركة سوف تستأنف فى الغد. لم أستطع النوم إلا فى ساعة متأخرة، فرحاً بما حدث، هائماً مع التوقعات.

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

السبت 17 فبراير 90 :

لم أكد أستغرق فى النوم حتى صحوت فزعاً على صوت إطلاق نار كثيف وقذائف. كنت متأكداً أن مصدرها(تورغار)فقد كنت أتوقع هجوماً ليلياً من جانب قوات الحكومة، فتحركهم بالنهار نحو الجبل سيكون إنتحاراً، وليس أمامهم إلا الليل، بل هذه الليلة تحديداً قبل أن يستحكم المجاهدون فى خنادق الجبل ويحفرون مواضع جديدة فى مقابل المدينة. كانت الساعة الرابعة صباحاً.

إنقطعت الرمايات فجأة، وطمأنت نفسى بأنه لاشئ مهم، وأن عبد العزيز نائم الآن فلا أحد عنده خبر بما حدث، فنمت مرة أخرى.

فى الصباح سألت عبد العزيز عما حدث فى الليل فقال :(خير خيرت)، فأكدت عليه بالسؤال عن أحوال المجاهدين فوق الجبل فأجابنى بنفس الجملة.

فى السابعة سمعنا طلقتى RPG فوق الجبل (تورغار) ثم قصف مدفعى شديد من الوادى ضد الجبل وما حوله ثم زخات من الرشاشات الثقيلة والخفيفة، طائرات الهيلوكوبتر أطلقت الصواريخ بغزارة ضد (تورغار) فطمأننى ذلك لأن معناه أن المجاهدين متمسكون بقوة بالجبل.

الجو غائم، وتعليقات المجاهدين على أجهزة اللاسلكى مليئة بالمرح والسعادة. وفى الثامنة والنصف صباحاً إتصل بنا حقانى تلفونياً فقال بأن العدو حاول صباح اليوم الهجوم على تورغار وإستعادته، ولكن المجاهدين كانوا فى أتم الإستعداد، وكانت الذخائر والأطعمة  والمياه متوفرة لديهم وأن العدو جوبه بنيران قوية من الجانبين أدت الى سقوط الكثير من القتلى والجرحى(بالمئات حسب قوله) وفر كثيرون منهم نحو المدينة، وإعتصم بعضهم فى جبل تورغار الخلفى(ورا تورغار) وأن المجاهدين سوف يتقدمو للإستيلاء عليه.

الساعة 8.35: رغم الغيم الكثيف فإن طائرة انتيوف ألقت قنابلها من إرتفاع عال حول جبل تورغار ، ولكن بلا أي تأثير.

تزايد الغيم، والمطر خفيف وريح باردة جداً، عدد المتواجدين معنا على ظهر الجبل قل كثيراً.واضح أان اليوم لا يمكن شن هجوم جديد ضد (تورغار الصغير).

الساعة 10.10: هبطت فجأة فى المطار طائرة نقل عسكرية . كانت مفاجأة مذهلة فى وقت وظروف غير متوقعة، (باتشادينا) مشتبك فى رماية متبادلة مع راجمة صواريخ كبيرة من طراز BM-41 هبطت الطائرة من الطرف الغربى ثم مكثت فى النهاية الشرقية للمدرج أقل من دقيقة ثم إستدارت وأقلعت ، وكتبت فى مذكرتى وقتها: لا أدرى ما هى المهمة التى يمكن إنجازها فى هذا الوقت القليل؟.

الساعة 10.36:  كانت الدهشة أشد فى المرة التالية، إذ هبطت طائرة كالعادة من جهة الغرب وما أن وصلت إلى الطرف الشرقى حتى إستدارت وأقلعت، لم يستطع أحد أن يخبر جماعة المدفعية، سألت نفسى : ماذا يحدث ؟؟

ولابد هنا ، للحقيقة ، أن أشيد ببطولة وفدائية الطيارين الأفغان، وسيمر معنا مثل ذلك في معارك قادمة .ولقد رأيت بعض هؤلاء الطيارين بعد نهاية الحرب، ولا أظن أن هناك من هم أكثر إستهتاراً بالموت منهم، وهى سمة عامة فى معظم الشعب الأفغانى.

فيما بعد قال حقانى أنه يظن أن تلك الطائرات قد أحضرت شخصيات هامة من كابول ، وربما كان ظنه صحيحاً لأنه بعد قليل سيظهر على ساحة الأحداث فى خوست، الجنرال عجب مزارى الرجل الشرير والقائد السابق لجبل تورغار.

– لكن نسمة منعشة هبت علينا هذا الصباح حيث شاهدنا عددا من الأطفال يصعدون الجبل إلينا، كانت ملابسهم خفيفة وممزقة أو مرقعة أحياناً. وقفت مع حاجى إبراهيم نتأملهم ونتسائل كيف وصلوا إلى هنا، فلم تكن سيارات المجاهدين تتحرك هذا الصباح خاصة بالقرب منا.

وصلوا إلينا وصافحونا، وقالوا إنهم طلبة فى مدرسة العلوم الشرعية”منبع العلوم” فى ميرانشاه، وقد سمعوا بالأمس أن المجاهدين قد فتحوا جبل تورغار فجاءوا سيراً علي الأقدام (حوالى 30 كيلو متر) كي يتأكدوا من الخبر ويشاهدوا المواقع التى فتحها المجاهدون.

تأثرنا بما فعله هؤلاء الأطفال، ورحبت بهم وكذلك فعل إبراهيم وعبد العزيز وعدد آخر من رجال الموقع، وسمحوا لهم بإستخدام المناظير وشرحوا لهم المواقع التي يشاهدونها، وذكروا لهم أحداث الأمس فوق تورغار، ثم قدموا لهم الشاى والخبز.

جاء الصحفى (تيم) هو الآخر يستطلع أخبار هؤلاء الأطفال، فشرحت له قصتهم، وسألته عن دلالة أن يسير أطفال صغار فى هذا السن كل تلك المسافة وسط الجبال فى جو ممطر بارد، فقط من أجل الإطمئنان على أخبار المجاهدين، وفرحة بإنتصاراتهم؟.

لم تصدر منه كلمة أعجاب أو مجرد بسمة للأطفال ، أنه محايد جداً بلا شك ، محايد لدرجة جعلتنى أتمنى قذيفة عنقودية تريحنا منه ومن كل صحافة بريطانياً التى كانت ، ولن تعود ، عظمى.

الساعة 11.30: وصل الشيخ حقانى إلى مركزنا فوق الجبل، وإتصل بالمخابرة مع أخيه خليل قائد الدبابة الشهيرة ، وصاحب الدور البارز فى تحطيم مقاومة تورغار ، وأفاد خليل أن أوضاعهم ممتازة، وأوصى بالإهتمام بالإمدادات خاصة للمجاهدين فوق الجبل.

جلست أتحدث مع حقانى بالنسبة لمشكلة الإمدادات، فقلت له أن العدو لن يسلم بسهولة بضياع تورغار، لأن معنى ذلك أن المدينة قد أفلتت من بين يديه إن عاجلاً أو آجلاً، وأن معركة تورغار قد يكون الفيصل فيها هو القدرة على إمداد الجبل بالمقاتلين والذخائر والطعام والمياة، وأن العدو مازال أقدر علي ذلك لأنه خلال السنوات الماضية قد مهد طريقاً للإمداد من خلف الجبل، بينما نحن لانمتلك سوي مدق ضيق وخطير يمر وسط ألغام كثيفة جداً، بحيث أن خطوة واحده خارج المدق قد تعنى الموت، أو بتر القدم على الأقل. وقلت له أن أهم ما يجب عمله الآن هو شق طريق للسيارة حتى قمة تورغار، وأن يبدأ الطريق من الطرف الغربى ويهبط من الجانب الشرقى، وبهذا يمكن لنا إمداد الجبل من قاعدتين قويتين للمجاهدين وهما بورى خيل ، إلى الغرب وتودة شنى ، إلى الشرق.

لم يكن حقانى فى حاجة لمن يذكره بأهمية الطرق فى الجبهات، وخاصه بالنسبة لهدف مثل تورغار. وبالفعل بدأ بعد أيام فى دفع كل قواة نحو شق طريق إلى القمه فى تورغار ، وتحت أقصى الظروف من الغارات الجوية التى لا تكاد تتوقف. وقد ساعده عدد من الفدائيين الحقيقيين من سائقى البلدوزرات، وعمال الحفر والتفجير. وخسر عدد من السيارات والجرحى ولكنه نجح فى النهاية فى شق طريق ممتاز، ولكنه لم يستطيع أن ينزل به إلى جهة الشرق لأن تضاريس الجبل لا تسمح بذلك بغير أن يتعرض الطرق لنيران العدو فى الوادى إذ لا بد أن يمر الطريق من خط الأفق فوق الجبل وليس فى السفح الجنوبى المخفى عن العدو.كان نجاحاً هندسياً وعسكرياً باهراً أكد سيطرة المجاهدين علي تورغار وما حوله.

الساعة 2.17:  بعد أن صلينا الظهر قرب قمة الجبل، جاء الخبر من ميرانشاه يقول بأن الأحزاب شاركت حقانى فى فتح الجبل، ولكنه دفع لهم مبلغ ثلاثة ملايين روبية حتى يتركوا له الجبل كى ينفرد هو إعلامياً بالإنتصار. كانت الكذبة واضحة لمن هو داخل الجبهة، أما فى الخارج فلا أحد يستطيع أن يجزم بما حدث. كانت طعنة خبيثة من أحزاب بشاور التى لا تقصر فى سكب أطنان من الدهان الأسود، فوق حقانى وجميع أعماله، حتى إنتصاراته الباهرة التى تستحق الإشادة والتمجيد.

كان التنسيق داخل جبهات باكتيا عامة وخوست خاصة يسير علي أفضل شكل ممكن فى مثل تلك الظروف ، وبأقل قدر من الإحتكاك حتى أنه لم يحدث صدام مسلح واحد طوال مدة الجهادعلي أساس حزبى. ولكن التنسيق فى المعارك كان يتم خارج نطاق الأحزاب وبتفاهم مباشربين المجاهدين فتسمى بعدئذ بالعمليات المشتركة ، بينما الأحزاب وقيادتها فى بشاور لم تكد تسمع قبلاً بوجود مثل ذلك التنسيق ،ولو علمت فالفشل قادم لا محالة إذ تبدأ الضغوط والرشاوى ومؤامرات توريط الأخرين خاصه قادة الميدان البارزين ، وبالذات حقاني وزملائه.

سألت حقانى عن عدم إشتراك أحد من الأحزاب الأخرى في معركة (تورغار) فرد قائلاً :

إن أحداً لا يتحمل معركة بهذا الطول، لقد إستمر الحصار ثلاثه أشهر متوالية. ومن جهتى يمكن أن أضيف أسباب أخرى منها: أن تجارب الهجوم على تورغار منذ عام 1984 قد فشلت، وأسفرت فقط عن قتلي وجرحى، مع إهدار المال والذخائر، ثم إتهامات متبادلة وخصومات بين المجموعات المشتركة في العملية .

السبب الثانى: أن تورغار إكتسب نتيجة لذلك هيبة فى النفوس وكان إسمه كفيلاً ببعـث القشعريرة فى أبدان المجاهدين.

السببب الثالث: هو أن الإستخبارات الباكستانية تجد الباب واسعاً للتدخل فى العمليات المشتركة وهى عادة عمليات كبيرة. وقد كانت هى السبب فى إفشال عدد من الهجمات على تورغار لأن إستيلاء المجاهدين عليه يعنى وضع رقبة المدينة فى قبضتهم، وهو ما يتعارض مع سياسة سادة باكستان، أى الولايات المتحدة.

كانت الخطوة التالية والضرورية لإسقاط خوست هو إغلاق مطارها بشكل نهائى مستفيدين من موقع تورغار وما يوفره من مزايا لهذا العمل ، ولكن سنرى كيف أن المخابرات الباكستانية بذلت جهدها لمنع ذلك.

كانت ما تريده باكستان هو عض أصابع نظام كابل فى خوست حتى تصل معه إلى شروط  تساومية أفضل.بينما كانت مصلحة المجاهدين هى ، إبتلاع خوست ، لينهار نظام كابــل فيفرض المجاهدون نظامهم الخاص.

وسوف يمر علينا لاحقاً كيف بذلت المخابرات الباكستانية كل وسعها لمنع إغلاق المطار ثم بذلت جهوداً جبارة لمنع فتح المدينة.

أخبرنى حقانى أنه قد إحتاط كثيراً فى إظهار الفرحة والإبتهاج بفتح تورغار، فقد قال عند

إعلان النبأ: لقد إستولينا على تورغار الكبير والمعركة مستمره علي تورغار الصغير. لقد أعجبنى كثيراً تصرفه هذا، فهو يدل على التواضع من جهة، وعلى الواقعية من جهة أخرى فمهما كانت معرفته بضعف العدو فى خوست، فإن خطورة ما حدث تجعل من المجازفة إفتراض أن العدو سيسلم بالأمر الواقع بسهولة. على الأقل يمكن توقع أن يحدث مثلما حدث فى دراجى منذ عدة أشهر بأن يتم تداول الموقع بين الجيش الحكومى والمجاهدين حتى يستقر الوضع لصالح المجاهدين فى نهاية الأمر.

قال حقانى: نحن مستعدون للهجوم بعد وقت قصير.لقد ناوش المجاهدون تورغار الصغير ودمروا بعض مواقعه الدفاعية ،” البوسطات” ، فطلب المدافعون إرسال دبابة إليهم لدعمهم.

ونحن بدورنا سنرسل دبابة إلي توده شني لندعم بها مجموعة جولاب كى تهاجم تورغار الصغير ، كذلك طالبنا مئتى مجاهد من كتيبتى سلمان الفارسى، والعمرى ولن نستخدم قواتنا فوق تورغار للهجوم حتى تبقى دفاعاتنا قوية فوقه تحسباً للطوارئ. كان حقانى يسير بحذر ولم يستخفه الإنتصار الكبير. قرب العصر حذرنا عبد العزيز من أن الطائرات النفاثة قادمة للقصف لكنه لا يعلم أين .

كان يتتبع محادثات خوست مع كابل. بعد دقائق ظهر صوت طائرة نفاثة، وعبد العزيز يتابع حديث الطيار مع القيادة الأرضية في خوست، قالت له القيادة: أنت الآن فوق الهدف، أرمى حمولتك. فرد الطيار فى براءة ، ولم تكن الحكومة قد إذاعت خبر فقدها لتورغار : ولكننى فوق جبل تورغار !!. فردت عليه القيادة: لم يعد هناك تورغار.. إقصف.

فإستفسر الطيار بعصبية: ماذا تعنى بقولك ؟ ، هل إنتهى تورغار؟؟ ، ثم أصابته نوبة من الهياج وأخذ يهذى ويصرخ: لقد بعتموه لهم..أنتم بعتم تورغار ضاعت خوست..ضاع كل شئ. ثم دار بطائرته دورة واسعة ثم عاد في إتجاه تورغار وأفرغ شحنة ضخمة من القنابل العنقودية، ولكن بعيداً عن أى هدف، ثم إختفى بطائرته وسط السحب الداكنة.

أثار الحادث الإبتهاج والفرحة بين صفوف المجاهدين، فالعدو يعيش أزمة عنيفة تطال ما تبقى لديه من روح معنوية.

ولكن لم نلبث أن أصبنا بصدمة وعمنا الحزن والوجوم حين وصلنا نبأ إستشهاد(بوستان) الكوتشى، الذى كان يعمل على مدفعه فى مبارزة مدفعية مع العدو، حين سقطت قذيفة على هضبة قريبة منه فأصابته شظية فى رأسه فقضى نحبه علي الفور، لقد عم الحزن جميع المراكز حتى نسى المجاهدون إنتصار تورغار ، ولو إلى حين.

ثم وصلنا إسم شهيد تورغار الوحيد يوم الفتح ، أنه الكوتشى(طالب جولاب)،فهل يهتم أحد من سكان الأرض بهذا الإسم؟  ولكن يكفيه أن الله أعلم به وبما فعل.

أسقطت الطائرة على المدينة بعض الإمدادات بالمظلات، وكان أهمها براميل البترول ، وقد أخذ الهواء عدد من تلك المظلات إلى مواقع المجاهدين، فأخذوها غنيمة إلى جانب غنائم جبل تورغار التي وصلنا إحصاء عنها كالتالى:

عدد 2 مدفع مضاد للطائرات (شلكا) عيار 23 مليمتر.

عدد 3 قاذف قنابل يدوية ( نارنجاك).

عدد 3 دبابة منها واحده فقط يمكن إصلاحها.

عدد 13 قاذف RPG .

عدد 3 رشاش ثقيل (جبلى) عيار 14.5 مليمتر(زيكوياك).

عدد 14 هاون من عيارات مختلفة.

عدد 60 بندقيه كلاشنكوف.

عدد 1 مدفع جبلى عيار 76 مليمتر  .

عدد 1 جرينوف 7.62 مليمتر.

عدد 1 قاذفة صواريخ سلكية مضادة للدروع.

عدد 2 رشاش خفيف.

عدد 1 رشاش وسط (دشكا).

– تحدثنا عن فتح جبل تورغار الذى هو مفتاح مدينة خوست، فلنتذكر بالدعاء وطلب الرحمة لأهم أبطال تلك المعجزة . وهما البدوى ـ العجوز الغامض ـ “أكبر محمد” ، الذى إقتحم منفردا خط دفاع العدو بعد أن أوشك المهاجمون على التراجع. ثم ذلك الشهيد الوحيد فى تلك الملحمة الكبرى التى شارك فيها الآلاف من الطرفين  وعدد لايحصى من الطائرات وصواريخ سكود الثقيلة . ذلك الشهيد ، البدوى الذى لا يكاد يعرفه أحد، “طالب جولاب”… رحمهما الله .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 177 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقانى : العالم الفقيه والمجاهد المجدد. ( 26 )

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 10

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 160) | شوال 1440 هـ / يونيو 2019 م .                

20/06/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 10 )

– مولوى حقانى يرسلنا لإستطلاع أماكن لإطلاق الصواريخ على المطار .

– دليلنا “كومندان المظلات”، كان أكثر الشخصيات غموضا واستهتاراً .. وإنسانية.

 – أول ضحايانا كانت طائرة “إليوشن” عملاقة. وبنهاية الحرب كانت خوست أكبر مقبرة للطائرات فى أفغانستان.

– بدلا من أجازة العيد حقانى يرسلنا فى داورية للتصدى لقوة عسكرية زاحفة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

لم يعد هناك مجال في التراجع ونظرت إلى وجه إخواني، فرأيت فيهما الإهتمام وعدم التردد.

فمضيت قدما وطلبت من الشيخ حقاني أن يرسل معنا دورية إستطلاع حتى نجد المكان المناسب للعمل ضد المطار .

قال: تتحركون صباحاً مع “قومندان المظلات”، وهو ضابط سابق فى سلاح المظلات من قبيلتنا وهو خبير بالمنطقة، تستطلعون المكان من أطراف (ليجاه) أولا فإذا لم تجدوا مكاناً مناسباَ نرسلكم إلى منطقة (باري) للبحث هناك.

قلت له إنه من الضروري رؤية باري أيضاً فمن الأفضل أن يكون لدينا أماكن متعددة للعمل. لم تكن لدى المجاهدين خرائط للمنطقة. رغم الغنائم الكثيرة التي غنموها. وربما كان السبب أنهم لم يدركوا أهمية الخرائط فأتلفوها.  وقد شاهدت في يوم فتح خوست بعد ذلك بسنوات  كيف أنه لا يعيرون إلتفاتا للوثائق، التي كانت بالأطنان في المراكز الحكومية المهجورة.

لقد رفعوا كل شيء إلا الأوراق ، فيما عدا حقاني الذي إهتم بتجميع وثائق (الخاد) التى وقعت بين يديه. وبدون الخرائط كان لا بد من بذل مجهود ضخم للتعرف على المنطقة، وإختيار المكان أو الأمكنة المناسبة.

وقد إستغرقنا خمسة عشر يوماً كاملة، حتى أطلقنا صاروخنا الأول، وكان (صاروخاً تاريخياً) بالنسبة لمعارك خوست. وكان ضربة صحيحة في المكان المناسب.

فتحطمت طائرة (إليوشن) عملاقة كانت في حالة هبوط على مدرج المطار. منذ تلك اللحظة  بدأت خوست تتحول على يد المجاهدين إلى أكبر مقبرة للطائرات في كل أفغانستان،وخسرت الحكومة الشيوعية على أرض مطار خوست حتى نهاية الحرب حوالي سبعين طائرة نقل عسكرية حسب ما أفادنا به الجنرال طيار (عبد الجبار)  الذي تم أسره عند فتح خوست وهو يحاول الإقلاع بآخر طائرة لمست عجلاتها أرض مطار خوست في مدة الحرب.

(كان فى الطائرة الجنرال “صلح أمل” المستشار العسكرى للرئيس نجيب . فى الواقع جاء عبد الجبار  من كابل خصيصا فى مهمة إنتحارية لإنقاذ الجنرال صلح أمل وإخراجه من خوست التى كانت قد تهاوت تقريبا ).

وكان صاروخنا الأخير هو الذي تسبب في أسر تلك الطائرة مع الجنرال (عبدالجبار) . كما كان صاروخنا الأول / وبأمر من حقانى/ هو الذي إفتتح ذلك النوع من العمل العسكري ـ تدمير الطائرات الشيوعية وهي على المدرج- والفارق الزمني بين الصاروخين

 هو ست سنوات فقط  لا غير!!.

 

المجاهدون العرب فى مدرسة حقانى :

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين  أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان . وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار ذلك العمل.

سواء في المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام1991حين فتحت المدينة.

بشكل عام ، كان معظم العمل العربى عشوائيا وغير مدروس . فقط من عملوا مع حقانى كان عملهم منتجا ومفيدا ، لأن حقانى وظفهم ضمن إستراتيجية عمله التى كانت دوما مدروسة وفعالة . وكان مشروعنا ضد المطار هو الأول لنا ، وقد تمكن حقانى بموهبته الفطرية أن يوظف إمكاناتنا بالشكل الأمثل . وأفضل نتائج العرب فى جهاد أفغانستان كانت للذين عملوا مع  حقانى ضمن مشروعه العسكرى ، كما حدث معنا ، ثم حدث مع مجموعة أبو الحارث الأردنى فيما يلى من سنوات. فكانوا هم الأفضل، نظرا لثباتهم فى العمل واستمراريتهم الطويلة. فلم يكونوا من(البدو الرحل) كمعظم الأفراد العرب الذين وفدوا إلى أفغانستان وتميزت حركتهم بالقلق وكثرة التنقل ، مع الإنفعال الحماسى وفقدان الرؤية المتزنة .

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءاً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار إنتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وإنشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الإستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على إستكمالها .إما منفردين كما حدث في بعض الحالات أو مع الإستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان كما حدث في معظم الحالات. وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار هذا العمل. سواءفي المرة الإستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الإتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام 1991 حين فتحت المدينة.

ذكرت فى تقرير صحفى ، نشَرَتْهُ صحيفة الإتحاد الظبيانية ، رحلتنا الإستطلاعية الأولى مع وهما المصريان عبد الرحمن وأبو حفص . وكما ذكرت سابقا فكلاهما إستشهد فى أفغانستان، الأول فى الغزو السوفيتى والآخر فى الغزو الأمريكى. أستعين هنا بأجزاء من ذلك التقرير .

 

رحلة خطرة مع قومندان المظلات :

 لم تكن فرقتنا من أبناء باكتيا، لهذا إستعنا بمجاهدي المنطقة في عملية الإستطلاع. (قومندان المظلات( واحد من خبراء المنطقة كان سابقاً قومندان في سلاح المظلات. وبعد أن خرجنا معه في رحلة إستطلاع أدركت أنه واحد من عجائب بلاد الأفغان. (قومندان صاحب) كما يدللونه أحياناً، في الخامسة والأربعين من العمر قوي البنية كمصارع محترف. ذو وجه مستدير وأنفٍ حاد وعينان زرقاوان تلمعان كعيني نمر. في رحلات الإستطلاع يحمل أفراد المجموعة عادة سلاحهم الفردي وكمية كبيرة من الطلقات والقنابل اليدوية فهم يقتربون كثيراً من مواقع العدو وإحتمال وجود كمائن في الطريق يثير الجميع.. ما عدا (القومندان).. فهو يعلق في كتفه بندقية سريعة الطلقات( كلاشنكوف ) ويعلق في رقبته خيط حريري أسود يتدلى منه قراب خنجر أفغاني تقليدي، وسوى ذلك لا يحمل معه أي ذخائر إضافية. في الطريق أدركت أن القومندان يتمتع بذكاء وسعة حيلة يندر أن تجد لها مثيلاً. كانت المهمة هي إستطلاع الجزء الغربي للمطار والمناطق المحيطة به. ولم يترك القومندان فرصة تمر بدون أن يستعرض قدراته التي هي في الحقيقة قدرات مدهشة ولكن طريقة الرجل تفقد الحليم صبره.

بدأت الرحلة بعد الفجر وغاص بنا القومندان في متاهات جبلية لمدة خمس ساعات من السير المنهك. والجميع صائمون ويتذرعون بالصبر. كنّا نتوقع رحلة أقصر من ذلك بكثير، فبالأمس كانت تبدو المسافات قريبة من فوق قمة الجبل في (ليجاة)، ولا ندري ماذا حدث اليوم وكيف إستطالت؟؟. عند الظيهرة وصلنا إلى آخر سلسلة الجبال من طرف وادي خوست وبدت الحافة الغربية لمدرج المطار واضحة للغاية وكذلك كمائن الحراسة ومواقع الدبابات. وبعض مواقع كتائب الجيش المكلفة بحراسة المدينة. أخذ الفريق يلاحظ ويدون ويرسم خرائط (كروكية) للمواقع.

وفجأة لاحظوا عدة مصفحات تتحرك بأقصى سرعتها من جانب المطار في إتجاه موقعنا مباشرة. بدأ الثلاثى يتشاورون بسرعة في إحتمالات تطور الموقف إذا ما جاءت مدرعات وحاملات جنود لمطاردتهم في المنطقة المكشوفة.إتخذوا قرارهم بالمناوشة والإنسحاب إلى سلسلة الجبال القريبة.

بدأوا الحركة بحرص لأخذ مواقع أفضل للمواجهة والمناورة. نظروا حولهم فلم يجدوا (القومندان) بدأوا يصيحون عليه ولا مجيب. عبدالرحمن أفصح بسرعة عما في نفسه قائلاً:هذا الرجل لا أرتاح إليه.. لقد إستدرجنا إلى كمين..سَرَى القلق في نفوس الجميع.. وحاول أبو حفص أن يهديء من مخاوف عبدالرحمن.

ولكن إختفاء الرجل في هذه اللحظة بالذات وتصرفاته الإستفزازية طوال الرحلة جعلت الجميع يعتقد في صحة ما قاله عبدالرحمن. مرت اللحظات ثقيلة وإستمرت المصفحات تقترب من بعيد وقد أثارت حولها سحباً عالية من التراب. وتواردت الظنون لتزيد القلق، فإذا كان هناك كمين فلن يقتصر على تلك الوحوش الفولاذية التي تنهب الأرض في طريقها إلينا. لا بد أن هناك شيئاً آخر قد يكون على مقربة منّا في الوادي أو… ربما على التلال القريبة. بدأت الأعين تبحث في كل شيء يحيط بنا في السهل في التلال، في الجبال القريبة.

وغياب القومندان جعل الشكوك تتأكد. وفجأة إنحرفت مسيرة المصفحات جهة الشمال وظلت تواصل المسير حتى إختفت داخل أجمة كثيفة من الأشجار حيث تتواجد قيادة المدرعات في (خوست). تراجعت المجموعة بهدوء حتى وصلت إلى بداية سلسلة الجبال كان الحر شديداً وشمس الظهيرة قد طردت من أجسامهم آخر قطرة ماء. وإبيضت شفاة الشباب وصار الكلام يخرج بصعوبة.في ظل أحد الأشجار الشوكية بدأ أحدهم ينظم الخرائط ويتأكد من صحة المواقع ويضع بعض علامات ورموز على الأوراق..لقد إنتهت رحلة الإستكشاف لهذا اليوم وعليهم التهيؤ للمسير.. ولكن كيف؟.. والدليل قد إختفى؟.

قرروا العودة من نفس الطريق الذي قدموا منه .أبديت  شكي في نجاح هذا العمل فليس من اليسير تذكر معالم هذا الطريق الطويل الذي إستغرق أكثر من خمس ساعات في متاهات جبلية يبدو أن قدما لبشر لم تطأها من قبل. ترددنا بعض الشيء ولكن لم يكن هناك حلاً آخر.

بدأنا المسير وسيطر على فكري وجود الماء، فنحن في حاجة شديدة إلى الماء والأودية القريبة كلها جافة ولمسيرة ساعة أو أكثر. فماذا لو ضللنا الطريق ولم نصادف الماء؟؟. بينما الصمت يلف المجموعة والأقدام تنتزع من الأرض إنتزاعاً وتوقف الجميع عن الكلام تحت وطأة العطش والجوع والتوتر. جاء صوت مألوف يصيح بمرح ليس له مبرر:

ـ أين تذهبون؟.. هل تتركونني؟.

يا للمفاجأة.. إنه (قومندان صاحب).. نظرنا خلفنا فإذا به يندفع من فوق قمة قريبة كجلمود من الصخر. كتم الجميع غيظهم.

ـ أين كنت؟

ـ لقد تركتكم تراقبون وذهبت لأستريح قليلاً في ظل الأشجار. لم يعرنا إهتماماً كبيراً وتقدم الركب وهو بادي النشاط والمرح..

ـ يبدو عليكم الإرهاق.. الإستطلاع يحتاج إلى رجال أقوياء.. مازلتم صائمون؟.تماسك الجميع

 بصعوبة وأخذ أبو حفص يزمجر وكذلك عبدالرحمن فأسرعت لتدارك الموقف:

ـ نحن متعبون ونريد طريقاً مختصراً للعودة إلى المركز.

ـ هذا شيء بسيط..هناك طريق يوصلنا إلى المركز بعد ساعة واحدة.. هل تحبون المسير فيه؟ ـ ساعة واحدة؟؟

علت الدهشة وجوه الجميع، فقد سار بنا أكثر من خمسة ساعات في الصباح، فلماذا لم يسلك بنا هذا الطريق المختصر؟.أصبح التوتر بادياً على الجميع .

ضحك القومندان وأدرك ما يدور في النفوس. فسار مسرعاً الخطى..

وأخذ يغني بمرح أغاني جبلية جميلة.. لكنها لم تفلح في الترويح عنّا.

دار بنا على سلسلة الجبال لمسافة كيلومترات قليلة ثم نزل فجأة إلى الوادي عبر أحد الشعاب الضيقة الوعرة.. نظرنا إلى جهة اليمين على بعد ثلاثة كيلومترات في الوادي هناك مركز قوي للعدو مهمته مراقبة المنطقة. لفت أبو حفص نظر(قومندان صاحب) إلى هذا الأمر، فلم يهتم كثيراً..عبدالرحمن تقدم بسرعة حتى صار خلف )القومندان( ثم بدأ يتكلم بالعربية التي لا يفهمها القومندان:

ـ إنه سيسلمنا هذه المرة بيده إلى كمين.

كان يبدو كلام عبدالرحمن صحيحاً. فقد أصبحنا في الوادي مرة أخرى وفي منطقة يسيطر عليها الجيش. مد الشباب أيديهم بهدوء وحرك كل منهم جزء الأمان في بندقيته لتصبح جاهزة للإطلاق.شعر القومندان بتوتر الشباب وبقعقعة السلاح من خلفه ظل يسير بلا مبالاة ويصدح صوته بأغنيات بدت لنا أشد نكرا من إنفجارات الصواريخ. ثم إنحرف يساراً في وادي كثيف الأشجار تفجرت منه ينابيع غزيرة. قفزنا إلى الماء لإطفاء حرارة أجسامنا التي كادت أن تشتعل من الحرارة وفقدان المياه. أوقفنا القومندان وأشار إلى نبع قريب يخرج ماءه من باطن الجبل وقال هذا أفضل.شربنا من الماء حتى أنهكنا الشرب..وإرتمينا على الحشائش بلا حراك وبلا حديث.أشار القومندان بإصبعه على إمتداد الوادي جهة الجنوب قائلاً:

على بعد ثلاثة كيلومترات ينتهي الوادي وتبدأ حدود المركز..

يمكنكم إكمال المسير إلى هناك فنحن الآن تقريبا في المعسكر.

نظرنا إلى حيث أشار.. لقد كان قوله صادقاً. فقد بدت بعض القمم التى نألفها… شعرنا بإرتياح شديد. بدأ (القومندان( يمارس هوايته في الصيد ويطلق النار على بعض الطيور والأرانب البرية التي تزخر بها المنطقة.

قال عبد الرحمن منهكا وهو ملقي على الحشائش بجانب جدول الماء:

ـ وددت لو تُكْسَر رقبته.

فرد عليه (أبو حفص):

ـ كان من الأفضل أن يقذفوه من طائرة ومعه مظلة لا تنفتح. ساد الصمت بيننا وبدأت أسمع غطيط فريق الإستطلاع . نظرت إليهم وقد غلبهم النوم و إحتضن كل منهم بندقيته فوق صدره تماما..إختفى القومندان بين شجيرات الجبل ، ومن حين إلى آخر نسمع طلقاته على الطيور والحيوانات البرية…

وأخذت أفكر في هذا الرجل.. من هو؟ وأي صنف من البشر يكون… لم أهتد إلى إجابة ما. ولكن الشئ المؤكد أن ذاكرتي لن يمحى منها شخصية قومندان المظلات، الأكثر تعقيدا وتهورا وإنسانية.

{ ملاحظة : لم أسأل أى أحد بعد ذلك عن مصير كومندان المظلات خشية أن تصدمنى الإجابة المعتادة : (لقد إستشهد).كان ذلك سيحزننى كثيرا، فمازلت أعتقد أنه شخصية نادرة وغير تقليدية. كان رجلا حقيقيا، صلبا وساخرا من الحياة. مندجا فى الطبيعة من حوله ، ولا يبالى إن جاء الموت إليه أو ذهب هو إليه. كنت أتمنى أن أراه كثيرا ونعمل سويا فى الجبهات، وأكتب عنه بالتفصيل . ولكن للأسف لم تكن الأحداث فى معظم الأحوال تترك لنا مجالا للإختيار} .

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

البيان الأخير :  

نتائج عمليات مجموعتنا العاملة ضد مطار خوست حتى يوم 28 رمضان 1405هـ. بعد حوالى أسبوعين من العمليات كانت كالتالي :

1- تدمير طائرة هيلوكبتر ناقلة للجنود على مدرج المطار.

2ـ تدمير طائرة نقل كبيرة وإحراقها على المدرج وإصابة 47 من ركابها بين قتيل وجريح

جميعهم من العسكريين (الهندوس). وقد هاجرت عائلاتهم إلى كابول. وعاد بعضهم إلى الهند.  3- تدمير مبنى عسكري قرب المطار ومصرع أربعة من الضباط.

4- إصابة عدد من الطائرات إصابات غير معلومة.

5- إصابة عدد من العسكريين العاملين في الدفاع عن المطار وإدارة المطار بإصابات وخسائر في الأرواح غير معلومة. 6- إغلاق المطار في وجه الملاحة الجوية لمدة أسبوع.

– هذا ولم تقع أي خسائر في صفوف مجموعتنا ، أو فى صفوف المجاهدين المساندين لنا وهو ما تكرر فى عملياتنا الأكبر والأعقد ضد مطارى خوست فى عامى 1990 ، 1991 تحت قيادة جلال الدين حقانى فى حملاته المظفرة لفتح المدينة، ضد إرادة العالم وضد إرادة أحزاب بيشاور “الجهادية”!!.

في رحلة إستطلاعنا الأولى لم نكتشف سوى شخصية قومندان المظلات العجيبة، أما ما يتعلق بعمليتنا على المطار فلم نعثر على المكان المناسب بسبب بعد المسافة. فأرْسَلَنا مولوى حقاني إلى منطقة (باري) لقربها من المطار. ولكنه كان يخشى علينا من خطوط الدفاع الجبلية للشيوعيين وقدرتها على إصابتنا بنيرانها أثناء العمل.

خاصة من قوة العدو على جبل (تورغار) الذي يعتبر مركز دفاعات العدو الجبلية وأكثرها إرتفاعاً وتحصيناً. لهذا إرتبط جبل تورغار بسلامة المطار وإرتبط الإثنان تورغار والمطار بسلامة المدينة.

لقد كان حقاني يعلم ذلك، وهي حقيقة لمسناها لأول وهلة منذ عملنا في ذلك المشروع. وهكذا كان التسلسل الذي إتخذته الأحداث عند فتح المدينة كان إستيلاء المجاهدين على جبل تورغار مقدمة لا بد منها لإغلاق مطار المدينة بشكل نهائي (بواسطة عملياتنا العربية)، ثم فتح المدينة فى حملة عسكرية كبرى قادها حقانى بنفسه. وسنرى تلك الموهبة العسكرية والشجاعة الأسطورية لذلك الرجل، والتى تجلت فى حملته النهائية لفتح مدينة خوست .

إلتحقنا في (باري) مع مجاهدين من قبائل وزيرستان قدموا من الجانب الباكستاني من الحدود، يرأسهم عالم إسمه(عجب نور)، والده أيضاً عالم يدعى (عجب خان) من المشاهيرالذين قاتلوا الحملات البريطانية على بلاد الأفغان. عجب نور كان يمثل قيادة روحية لهذه الجماعة بل للقبيلة كلها. وهو يحضر إلى الجبهة من وقت إلى آخر ولكنه يترك الأمورالعسكرية لإثنين من قواده هما (سميرجول) ومولوى عبدالحليم. سميرجول وهو أول من تعرفنا عليه من المجموعة وصارت مجموعتنا تعمل تحت إمرته ، و كان لنا إستقلالية في العمل ولكن مع إرتباط  إداري مع (سميرجول)، حتى أن غنائم المجموعة كان لنا فيها نصيب. ولكنا رفضنا إستلام شئ منها، تعففاً وحفاظاً على الأجر كاملاً حسب فهمنا لبعض الأحاديث النبوية.

وفي شهر رمضان غنمت المجموعة عدة بنادق كلاشنكوف، من جنود فروا من الخدمة وسلموا أنفسهم، وكان نصيب كل مجاهد 400 روبية باكستانية .

مولوي عبد الحليم،  كان الأكثر طيبة والأكثر صلابة وإنضباطاً وظلت علاقتنا به قائمة حيث بقينا نزوره من وقت إلى آخر في مدينة خوست بعد فتحها، التي يرأس معهدها الديني المسمى (منبع الجهاد).

وقد بترت ساقه أثناء محاولة غير ناجحة للإستيلاء على جبل تورغار،حين إنفجر لغم فوق الجبل أودى بحياة شاب عربي . فحاول مولوي عبدالرحيم أن يسحبه فإنفجر فيه لغم آخر بتر ساقه.

الثلاثاء 30 رمضان 1405هـ ـ 19 يونيه1985م :

في السابعة صباحاً سمعنا طائرات نقل كبيرة  تهبط في المطار.. لقد غيرالعدو أسلوبه وأصبح ينزل في مواعيد لم تكن معتادة قبلاً.. بالأمس نزل قرب العصر.. واليوم في السابعة صباحاً..

ولما لم يجدنا هناك. حيث لم يحدث إطلاق على طائراته الكبيرة التي أصبح يدرك جيداً أنها المستهدفة من ضرباتنا.. وليس أي نوع آخر من الطائرات حتى الهيلوكبتر الرهيبة من طراز “مي-24” كنا لا نطلق عليها صواريخنا الثمينة للغاية. بدأ نزول الطائرات الكبيرة يتتابع بكثرة غيرعادية حتى وصلت في تقديري إلى عشرين  خلال هذا اليوم.. إعتبرت ما حدث  هو عملية (إقتحام للمطار) عندما شعر العدو بعدم وجودنا.

اليوم أراد أن ينهي أكبر قدرممكن من الرحلات الجوية.وظهر  أن العدو يجهزلعملية كبيرة وأن ما يصل إلى المطار هو (مستلزمات العملية) من رجال وعتاد. عملية ( إقتحام المطار) من جانب العدو لهذا اليوم شعرت أنها وسام تقدير لعملنا في أيام رمضان الماضية.

في الرابعة عصراً  بدأنا في إعداد أدوات كهربائية لعملنا المقبل.. قررنا زيادة عدد الصواريخ المستخدمة.. سواء بالتوقيت أو بالمصايد. في الليل علمنا أن غداً عيد الفطر.. وأن مولوى حقاني موجود في ليجاه.

وأن عدداً كبيراً من أفراد مركز “سمير جول” سوف يغادرون صباحاً إلى قراهم.. إنها دعوة لطيفة لنا كي نأخذ إجازة العيد..سألناهم هل ذلك هو المطلوب حقاً؟ ضحك الرجل وقال: نعم.. سنرجع لإستئناف البرنامج معكم بعد العيد إن شاء الله. وافقنا معه على مشروع الإجازة وطلبنا منه أن يرافقنا غداً إلى (ليجاه) لرؤية مولوى حقاني. فوافق على أن يرسل معنا (مجيد) بالسيارة، أما هو فسوف يقابل حقاني في وقت آخر.

أول شوال 1405 هـ ــ 20 يونيه 1985 :

خرجنا من أفغانستان من منطقة غلام خان الحدودية، ثم دخلناها مرة أخرى من نقطة (صدقي) على بعد حوالي عشرة كيلومترات ثم واصلنا التحرك مع  (مجيد) في سيارته حتى وصلنا منطقة (ليجاه). في الطريق كنت أفكر فيما سأكتبه للجريدة من موضوعات، والشخصيات العجيبة التي سأتكلم عنها.

سيكون منهم ولا شك( درويش) الذي أسميه (المقدوني)نظراً لملامحه الإغريقية- ثم ذلك البدوي (كوجامير) ,الذي يجتذب القذائف, ثم قومندان المظلات.

سأكتب بالطبع عن حملة سوفييتية محتملة على باكتيا وهذا ما جئت حتى أبحث إحتمالاته مع مولوي جلال الدين. كان يغمرني شعور كاذب بالراحة الناتجة من شعوري أنني في إجازة !!.

هديرالطائرات الآتي من بعيد كأنه لا يعنيني، والإنفجارات القادمة من أرجاءالجبال كأنها تحدث في عالم آخر.. إنني الآن في إجازة العيد..ترجلنا من السيارة فى ليجاه وأنا أستنشق الهواء النقي بعمق.

يبدو كأن لا أحد هنا؟.. هكذا تساءلنا بتعجب ودهشة لم نرى أحداً رغم أننا وسط مراكز المجاهدين. زالت الدهشة بأن ظهر واحدا منهم كي يخبرنا بإنزعاج بأن العدو يحتشد عند مدخل الوادي لإقتحام ليجاه. وأن حقاني تقدم مع رجاله إلى الأمام. عادت أجواء الحرب التي حاولت أن أتناساها.. طلبنا من مجيد أن يتقدم بنا صوب مدخل الوادي حتى نلحق بمولوى جلال الدين.

قرب مدخل الوادي وجدناه في حوالي عشرين من رجاله.. نزلنا من السيارة وأمرحقانى مجيد بالعودة بسيارته لأن المكان خطر. بقينا معه وسألناه عن رأيه عمليات المطار، فقال بأن نتائجها كانت جيده جدا.

فقد وصله بالأمس تقرير من داخل المدينة عن الخسائرالحادثة من جراء قصفنا للمطار. “وهي الخسائر التي دونتها في نهاية تقريررحلتنا مع قومندان المظلات”. وقال أن هناك إصابات كثيرة غيرمحددة سواء في الطائرات أو الأفراد.. ولكن الهندوس أصيبوا بنكسه ضخمة في الطائرة الأولى التي أصيبت. قال أنه يتوقع حملة روسية كبيرة على خوست.

وأن العدو قد يهاجم اليوم.. ثم سألنا: هل أنتم صائمون؟، قلنا: له بل هو اليوم الأول للعيد. فقال أنهم ما زالوا صائمين. كان هادئ  الأعصاب منظم التفكير، بعد تلك الجلسة التي إستمرت حوالي نصف الساعة، طلب منا المشاركة في صد الهجوم على ليجاه لأن معظم المجاهدين قد غادروا إلى قراهم في أواخر رمضان. شعرت بغصة في حلقي من جراء الإنتقال الفجائي من الحالة النفسية لإجازة العيد إلى حالة مواجهة إنتحارية مع القوات الشيوعية.ولكن في دقائق زالت أوهام الإجازة، وتعاملنا مع واقع المعركة. تحركنا  مع دورية من المجاهدين تحركت شرقاً بين الجبال لننزل في وادي خوست.خلال الطريق الذي وضعنا فيه قومندان المظلات منذ شهر تقريباً.

كانت الأنباء تقول أن تحشداً للعدو يقف قريباً من تلك النقطة وقد يتقدم من خلال ذلك الطريق. كنت منذ عام83 في الأورجون  قد عزمت على ألاّ أشارك في مثل تلك الدوريات .

ولكنها إرادة الله.. وسَرَّى عن نفسي وجود إخواني معي ، علَّنا نستطيع أن نتبادل التعليقات والضحك أحياناً في موضع شرّ البليّة. كنا حوالي العشرين شخصاً.. نحن الثلاثة على الأقل لا نعلم من هو قائد المجموعة، وما هي المهمة المطلوبة. أما طريقة المسير، والمفروض أننا نسيرفي منطقة خطيرة يحتمل تواجد العدو بها.  ومع ذلك فإن مسير مجموعتنا لا يختلف عن المسير في سوق ميرانشاة.وصلنا إلى أقصى نقطة بسلام وإحتمينا بهضبة صغيرة.. ثلاثة من المجموعة معهم منظار مقرب، من النوع الرخيص يؤذي العين أكثرمما يقرب الأشياء.

ذهبوا بعيداً بحوالى مئتى متر فوق هضبة أخرى لمراقبة تحركات العدو..وكانوا يبلغونا بنشرة الأنباء بواسطة الصوت المرتفع!!، فكنا نستمع نحن والعدو فى نفس اللحظة . جلست مع زميلاي تحت الجرف نضرب كفاً بكف.. فجأة وجدنا إلى جوارنا زوجاً من العناكب السامة الضخمة..إنشغلنا بالإشتباك معهم حتى قضينا عليهم قضاءاً مبرماً. بعد ساعة أو أكثرصاحت مجموعة الإستطلاع بفرح. لقد رحل العدو إلى المدينة.. عدنا أدراجنا بنفس الطريقة..إلتقينا مع حقاني مرة أخرى.. أخبرنا أيضاً أن القوة كلها قدعادت إلى قواعدها بعدما شعرت أن هناك مجاهدون كثيرون في خط الدفاع الأول. نحن أيضاً إنسحبنا أدراجنا.. وتواعدنا مع حقاني أن نعود بعد إجازة العيد كي نستأنف العمل ضد المطار.لم نجد سيارات تأخذنا إلى بشاور فإضطررنا للمبيت في ميرانشاة. تقابلنا مع الشخ (فتح الله حقاني) نائب جلال الدين..توقعت أن أجده غاضباً نتيجة المعاملة السيئة التي عاملت بها نائبه عند زيارته لنا.. لكنه لم يتطرق إلى ذلك، بل أثنى على عملنا.. كان مرحاً دائم الإبتسام.. سألته عن حال عينه التى أصيبت أثناء إعداد طريق (ليجاه).. قال إنها بخير ولكن تحتاج إلى عملية جراحية، وأنه قد يسافر إلى السعودية في موسم الحج ثم يجري عملية جراحية هناك.قال أنه يرى بها قليلاً جداً ولكنها لا تؤلمه.

في الصباح أمكننا العثور على سيارة تأخذنا إلى بشاور. في أيام الأعياد يكون الإنتقال بين مدن باكستان صعباً للغاية. فأكثر السائقين يفضلون قضاء العيد مع أسرهم في القرى.

عبدالرحمن وأبوحفص بقيا في بشاورللبحث خلف أجهزة (الرومت كنترول) وأجهزة الإتصال اللا سلكي.

بينما تابعت سفري إلى إسلام آباد كى أقضي مع الأسرة أول أعيادنا في باكستان.. ومن حسن الحظ أن أول يوم لوصولي كان هو أول يوم للعيد في باكستان الذي يتأخر عادة من يومين إلى أربعة أيام عن أعياد باقى أمة المسلمين.

تحميل مجلة الصمود عدد 160 : اضغط هنا

 

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

جلال الدين حقانى 10