العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 13

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 163 ) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2019 م .                   

20/09/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(13)

(( حلقة خاصة من حياة حقانى ))

عودة إلى أجواء فتح كابول عام  1992 ،

لمقارنتها مع أجواء الفتح عام 2019 .

تعيش كابل الآن ، في عام 2019م، مناخًا مشابهًا لأجواء الفتح في عام 1992م، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بالفروقات بين مرحلتين: مرحلة الفتح في ظل الأحزاب الفاسدة، وبين الفتح في ظل القوة الإسلامية الموحدة تحت راية الإمارة الإسلامية. لندرك مزايا الوحدة الجهادية التى وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان”. حيث تكاملت القيادة السياسية الكفؤة مع القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة. فلا مجال للفتن، ولا سيادة لاحتلال، ولا شريعة لغير الإسلام.. وذلك هو الفتح الحقيقي.

– حقاني بعد الفتح يتوسط لإطفاء الفتن المتنقلة في كابول، فيتعرض لمحاولة اغتيال يُتَهَم فيها مجددي مع حزب وحدت.

– مولوي نظام الدين: سوف نحظر الأحزاب، ولن نقيم علاقات مع دول الغرب ، وسنرتبط بنظام شورى ومناصحة مع الدول الإسلامية.

– في عام 1992م أفغانستان تنتقل من الجهاد إلى الفتنة العرقية والطائفية، على يد زعماء سياسيين خائنين.

– وزير الداخلية الشيوعي (الجنرال رفيع) يرتب مؤامرة مع حكمتيار لتسليمه العاصمة. والجنرالات ينقسمون طبقا للانتماء العرقي.

– نصحتُ مولوي حقانى بمنع حكومة مجددي من دخول كابل، وإلقاء القبض على قادة الأحزاب جميعا ــ وإلا فسوف تدفعون/ وتدفع أفغانستان/ ثمنا غاليا في المستقبل ــ

– تدمير الكوادر والخبرات البشرية كانت أكبر خسائر الأفغان والعرب.

..  وصية حقاني لتكوين جيش إسلامى في أفغانستان:

( وأضاف حقاني .. أن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعامًا أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش).

– العرب أكبر الخاسرين، وأسئلة عربية حارقة على طريق العودة: لماذا نفشل؟؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟ لماذا يخدعنا العدو بنفس الطريقة دوما ؟؟ ولماذا لا يفيدنا فشل تجربة لصناعة النجاح في تجربة تالية؟؟.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

مقدمة:

كان من المفترض في هذه الحلقة أن تكون عن الحملة الثانية على قاعدة جاور عام 1986 ـ وكانت حملة عنيفة ودامية، أوشك مولوى جلال الدين حقاني أن يكون أحد شهدائها ـ ويكفي أن عدد شهداء المجاهدين في جاورخلال تلك المعركة الدفاعية عن مساحة قليلة من الأرض يساوى تقريبا عدد شهدائهم عند فتح مدينة خوست عام 1991م في أكبر عملية هجومية للمجاهدين، يقودهم حقاني، فوق مساحات واسعة من الجبال والوديان والأراضي الزراعية.

ومن النتائج غير المباشرة لحملة (جاور1986م) كانت الدروس التي تعلمها المجاهدون العرب، فكانت سببًا مباشرًا لفوزهم في معركة جاجي في العام التالي 1987م بقيادة أسامة بن لادن. ذلك النجاح أدى إلى تشكيل تنظيم القاعدة الذي أثر كثيرا على مستقبل أفغانستان ومستقبل المجاهدين العرب في أفغانستان، أو العرب الأفغان كما أسماهم الإعلام المعادي لهم.

– أرجو أن نتمكن من العودة مرة أخرى إلى جاور وحملتها الملحمية عام1986م . ونقفز في حلقتنا هذه فوق كل تلك السنوات لنتكلم عن بدايات فتح كابول عام 1992م وتحول الأحزاب الجهادية إلى حكومة “إسلامية”، في خضم صراعات شخصية وحزبية وتدخلات خارجية. وهي مرحلة كشفت حقيقة تلك الأحزاب، وكشفت الأقنعة عن الوجوه الحقيقية لزعامات الأحزاب الجهادية، فإذا هم مجرد أدوات للقوى الخارجية وخطر على مصالح الشعب الأفغاني الذي ضحى بالدم والمال لأجل انتصار لم يطاله من ثماره شيء.

تعيش كابل الآن (2019) مناخا مشابها، حيث يتصدع الاحتلال الأمريكي والحكومة العميلة. وهذا يدفعنا إلى التذكير بمرحلة فتح العاصمة عام 1992م، لندرك مزايا الوحدة الجهادية التي وفرتها الإمارة الإسلامية، وقوتها الضاربة “حركة طالبان” . فتوفرت بالإمارة الإسلامية، وحدة القيادة السياسية الكفؤة مع وحدة القيادة العسكرية العبقرية والشجاعة.

–  وزعماء أحزاب الجهاد ضد السوفييت، ظهر أن جهادهم كان لاستبدال الاحتلال السوفييتي بالاحتلال الأمريكي. إذ ظلوا زعماء في خدمة الاحتلال الأمريكي من خلال مناصب عالية في النظام الحاكم. واستمر الشعب الأفغاني في دفع الثمن الباهظ من دمائه وأمواله للنجاة من الاستعمار الجديد، دفاعًا عن دينه واستقلاله ومستقبل أبنائه.

–  في سباقهم نحو السلطة سقط منهم ماكانوا يتظاهرون به من مبادئ إسلامية وجهادية، ومدوا أيديهم لدول خارجية حتى تساعدهم في الوصول إلى الحكم.

وبعضهم أشعل حربًا أهلية في كابول وعلى مداخلها، طاعة لسادته الخارجيين. وحكومة المجاهدين الأولى تأسست بطلب حكومات أجنبية وبجوائز مالية دفعتها دول أخرى.

والحرب الأهلية بين المجاهدين، خطط لها ودفع ثمنها من مال وسلاح دول وصل ضباط مخابراتها إلى أطراف كابول، لإحراق العاصمة وتدمير العلاقات الأخوية بين فئات الشعب الواحد.

–  الملفت جدا للنظر أن القادة الميدانيين والمجاهدين واصلوا الفتوحات حتى أعتاب كابول، منتظرين وصول حكومتهم الجديده من بيشاور!! ، حيث تشكلها ـ نيابة عنهم ـ دول خارجية. لقد تعود المجاهدون وقتها على اعتزال العمل السياسي الخارجي، وكانوا يرون الجهاد هو قتال العدوّ في جبهات القتال فقط، وليس الجهاد في الساحات السياسية من أجل تحديد مستقبل بلادهم بأنفسهم واختيار حكومتهم الجديدة من المجاهدين الحقيقيين وليس عملاء الدول الخارجية.

والنتيجة أن ، حكومات ما بعد الفتح، كانت حكومات من العملاء، وخضعت لمطالب أمريكية بعدم استفراد المجاهدين بالحكم، وتشكيل حكم مشترك بين الشيوعيين وأحزاب المجاهدين، وإدارة حرب أهلية داخلية على أسس عرقية.

ولم تنته الفوضى والفتن إلا بوصول حركة طالبان إلى الحكم وإعلانها نظام “الإمارة الإسلامية”. فقررت أمريكا احتلال أفغانستان لتمرير مشاريعها الإستعمارية لنهب أفغانستان وتحويلها إلى تابع ذليل وليس دولة ذات سيادة، وشعب عزيز صاحب ثروات هائلة وأمجاد عظيمة يحفظها التاريخ.

–  القادة الميدانيون والمجاهدون أبطال الفتح تعاملوا مع حكومة العملاء القادمة من بيشاور على أنها قدر لا دافع له. والنتيجة حروب داخلية متصلة، وصولا إلى إحتلال أمريكي مباشر، كان قادة الأحزاب في طليعته ومن أركانه الأساسية.

والآن مع يوميات كنت قد كتبتها بعد فتح جرديز، ووصول المجاهدين إلى أعتاب العاصمة في انتظار تشكيل الوضع السياسي القادم، الذي كانت صناعته تتم بعيدًا عنهم، في باكستان على أيدي اللاعبين الكبار، أمريكا وحلفائها، خاصة السعودية وباكستان.

السباق نحو كابول: أكاذيب/ قتال/ تآمر :

أبريل 1992 :

أخبرني الجنرال صافي أنه تم اختيار مجددي رئيسًا للدولة وحكمتيار نائبا له. وفي المساء تتابعت أخبار الإذاعات عن تشكيل حكومة من أحزاب بشاور.

السبت 25 إبريل 1992 :

أشعر بحزن شديد من التشكيل الحكومي الجديد فى بيشاور، والتي أسميتها حكومة بطرس غالي الموجود وقتها في إسلام آباد { وهو مصري كان يشغل منصب سكرتير عام الأمم المتحدة وقتها} . أخبار بأن رئيس وزراء باكستان نواز شريف بذل مجهودًا كبيرًا في تشكيل تلك الحكومة. المفارقة هي أن المجاهدين قد وصلوا إلى أطراف كابول بينما تركوا أمر حكومتهم كي تشكلها لهم عناصر غربية في بيشاور !!.

هناك اشتباكات بين مسعود وحكمتيار. الأول يستخدم الطائرات في القصف وحكمتيار يتبع أسلوبًا غريبًا كانت نتائجه عليه سيئة جدا. كان يذيع على أجهزة اللاسلكي بيانات للإعلام بأنواعه عن معلومات مختلقة تمامًا، عن تقدم على الأرض، وإنجازات ومعارك لا أصل لها في الواقع. كان ذلك ديدنه طوال حياته الجهادية، ولكن ليس إلى هذه الدرجة التي نشاهدها الآن خاصة أنه يتكلم عن العاصمة وما حولها وليس عن مناطق نائية لا يصلها أحد. لذا  فسرعان ما تبين زيف إدعاءاته، وبسرعة انهارت هيبته ومصداقيته داخليا وخارجيا.

اليوم أخبار اللاسلكي من طرف حكمتيار تتكلم عن تقدم للحزب في أهم منشآت كابول مثل وزارة الدفاع ودار الأمان. وتكلم أيضا عن اشتباكات عنيفة مع قوات مسعود التي تساندها الطائرات. حكمتيار هدد بقصف المطارات حتى يمنع الغارات ضد قواته، وأيضًا لمنع حكومة مجددي من الوصول إلى كابول عن طريق الجو.

راديو لندن شكك في جدية تلك التهديدات لعدم قدرة حكمتيار على تنفيذها.

أخبار بيشاور تقول أن حكومة مجددي مكونة من خمسة عشر وزيرًا وأن مدة رئاسته للدولة هي شهر واحد (!!) يعقبه بعدها برهان الدين رباني لمدة أربعة أشهر، ثم تأتي انتخابات لاختيار مجلس شورى .. إلخ .

استسلمت كابول تمامًا هذه الليلة، علمنا ذلك في صباح الغد، وبهذا يكون تسلسل تساقط المدن الرئيسية قد تم كالتالي: استسلمت جرديز، وبعدها بثلاثة أيام استسلمت جلال آباد، وبعد ذلك بيومين استسلمت كابول .

الأحد 26 إبريل 1992 : 

في الثامنة والنصف صباحًا جلسنا مع حقاني في غرفته في مركز الدبابات (غرب جارديز من طرف منطقة زورمات).

قال حقانى يصف ما حدث في كابول:

استسلمت معظم كابول بالاختيار لأحمد شاه مسعود، فدخل المدينة واستولى على الأماكن الهامة بما فيها البنك المركزي ووزارة الخارجية ودار الأمان، والفرق العسكرية ومقار الميليشيات.

ــ أما عن حكمتيار فإنه كان قد رتب مؤامرة مع وزارة الداخلية {علمنا فيما بعد أنها كانت مع الجنرال رفيع وزير الداخلية الذي جاءه في طائرة هيلوكبتر وقابله في لوجر ورتبا معا برنامجا مشتركا للاستيلاء على كابول لصالح “البشتون” قبل أن يستولي عليها “الفرسوان” !!} .

{{ هكذا كان يفكر شيوعيو كابول وهكذا كان يفكر الأصولي الأكبر في تنظيمات بشاور الجهادية “حكمتيار” والقائد الميداني الأشهر مسعود . كانت المؤامرة تقضي بتسريب حكمتيار لأعداد كبيرة من رجاله إلى كابول بدون سلاح، وهناك تزودهم وزارة الداخلية بأسلحة خفيفة وأعلام الحزب لتعليقها فوق المقار الرسمية والعسكرية والإعلان عن استسلام كابول لحزب الإسلامي حكمتيار}}

وقد تم ذلك بالفعل ولكن لم يكن عسيرًا على أحمد شاه مسعود التخلص بسرعة من هؤلاء المهرجين.

وعندما أذاع الحزب عن سقوط المواقع الحيوية في العاصمة بين يديه كان قد تم بالفعل طرده من كل مكان. فأخذ الحزب يذيع بيانات كاذبة عن تقدمات وهمية لقواته في كابول وأخذت أجهزة اللاسلكي توجه أوامر حكمتيار لقواته في كابول بالتقدم الوهمي من مكان إلى آخر، في حين لم يكن له قوات على الأرض في تلك الأماكن حسب ما أفاد القادة الميدانيون حول كابول.

في اجتماع حقاني مع قيادات لوجر اتفقوا على البقاء على الحياد مع تحذير الطرفين حكمتيار ومسعود بأن القادة الميدانيين سوف يتدخلون ضد من يبدأ بالقتال ويفتح حمام الدم بين المسلمين ويجعلهم ألعوبة في يد الدول الخارجية.

يبدو أن مسعود قد أحكم قبضته على العاصمة إلى حد كبير. وبهذا تكون آمال حكمتيار قد تبخرت تقريبا، خاصة إذا تكرس الوضع القائم اليوم في كابول. حكمتيار يزداد عزلة برفضه حكومة بيشاور وإصراره الهستيري والفاشي على رفع “الرايات الخضراء” على كل كابول. برهان الدين رباني أصدر اليوم بيانا بأن مسعود أحكم قبضته على كابول وأن أي تحرك معاكس سوف يجابه بالقوة.

أمس أعلنت جماعة حكمتيار سيطرتها على مدينة جرديز(!!) وأشاعوا أنهم اعتقلوا عبد الرشيد دوستم. إنها سلسلة أخرى من الأكاذيب التي تبثها جماعات حكمتيار.

 صراع قادة الأحزاب على الكراسي :

الثلاثاء 28 إبريل 1992:

تحركنا صباحا من جرديز متوجهين إلى “لوجر” في رحلة أصبحت روتينا يوميا. الهدف هو متابعة الأحداث المتلاحقة في كابول. ومواقف الأطراف المختلفة منها، خاصة حقاني ومن حوله من قيادات في لوجر.

قابلنا هناك الجنرال صافي الذي قدم لنا موجزًا بآخر التطورات  جاء فيه:

(( بعد نصف ساعة من الحديث اللاسلكي بين مسعود وحقاني، قال مسعود:

ـ أوافق على وقف إطلاق النار ولكن حكمتيار يحشد قواته فهل إذا خرق الهدنة تقفون إلى جانبي؟.

فأجابه حقاني: نحن لا نقف مع أحد قبل أن تجلس مع حكمتيار وتوقعان اتفاقا مكتوبًا نشهد عليه جميعا، ومن خرج عنه سيقف كل العلماء والقادة ضده. قال مسعود: سأتصل مع الأستاذ رباني وأتشاور معه وأحدد معكم موعداً ومكانا للمقابلة ولكن لا أستطيع الاتصال به حاليا)).

( تعليق : كان واضحًا أن مسعود يماطل. فهو لا يشاور أحد في قرارته الحيوية، لا رباني رئيس التنظيم الذي يتبعه شكليا، ولا حتى مجلس الشورى، الذي كعادة مجالس الشورى “الإسلامية” يفعل ما يقرره الزعيم مع إبداء ملاحظات تجميلية).

= حكمتيار موجود في لوجر على مقربة من مكان شورى القادة الميانيين وقد أعلن لهم رفضه لحكومة مجددي، ولصلاحيات مسعود في كابول، ولكنه يوافق على وقف إطلاق النار.

( تعليق : وافق فقط على ما فيه مصلحته بصفته المهزوم في معارك كابول).

القادة الميدانيون قرب كابول يقولون: إن ضحايا القتال في كابول يفوق الحصر والمهاجرون جيوش جرارة.

ــ  مجددي في بيان إذاعي يعلن إعطاء الأمان لحكمتيار عند وصوله كابول.

(تعليق : لم يكن لمجددي أي قدرة على إصدار أي أمر. ومازال هو شخصيًا في بيشاور بينما كابول يسيطر عليها مسعود ودوستم وقوات الدفاع عن كابول التابعة للجيش).

 مولوي نظام الدين .. صوت الدين: 

ذهبنا نستطلع آراء مولوي نظام الدين فيما يجري من أحداث، وهو الذي يجهر دومًا بوجهات نظر لا يجرؤ غيره على قولها علنا. معبرًا عن بعض آرائه تلك قال نظام الدين:

ــ مسعود وحكمتيار كشفا عن معدنهما الحقيقي الذي كنا نعلمه سابقًا، ولكن الحقيقة الآن واضحة للناس جميعا.

ــ الزعماء السبعة “قادة الأحزاب ” مرفوضون ولن نضعهم في مناصب. فهم خانوا الأمانة في المال والسلاح والاتصال مع الدول الأجنبية، وسوف نلغي الأحزاب لأنها مدخل للأجانب وسبب لانقسام المسلمين.

ــ سوف نحل النّزاع القائم في كابول بالطرق الإسلامية، وعلى كل طرف أن يستبعد الشيوعيين من صفوفه.

ــ اشتباكات كابول بين مسعود وحكمتيار كانت لأجل الكرسي والجاه وليس لأجل الإسلام.

ــ تلك الاشتباكات أظهرت للجميع الضعف العسكري لحكمتيار على عكس ما كان يدعي.

ــ لن ندخل الغربيين إلى بلادنا ولن نبادلهم فتح السفارات.

ــ سنقيم مجلسا للمشاورة والمناصحة مع الدول الإسلامية.

ـ لست الآن واليا على خوست، بل لدينا مجلس شورى ولا نستطيع إقامة حكومة، فليس لدينا أموال للموظفين، ومن يعمل معنا حاليا يكون متبرعاً لفترة محدودة، وهذا يعرقل عملنا.

ــ سنعمل على إلغاء الأحزاب في الولايات الجنوبية الخمس أولا.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

 وصول حكومة الفتنة إلى كابل : 

قبل الظهر وصل مجددي إلى بولي شرخي “شرق كابول”. وكان الجنرال أعظمي في استقباله. يرافق مجددي قافلة هائلة من السيارات حركتها باكستان معه وتضم حرسه الخاص ويتراوح بين مئة إلى مئتي شخص، ثم هناك مئات السيارات تحمل آلاف الأشخاص باهتمامات متنوعة، منهم المخبرين الباكستانين ومنهم صحفيون، وأتباع جماعات إسلامية خاصة الجماعة الإسلامية التي اعتبرت نفسها من المنتصرين في تلك الحرب. وكان هناك القليل من العرب المتحمسين جاءوا بدافع الفضول.

– وكنت قد نصحت حقاني بأن يتكاتف القادة الميدانيون في منع مجددي وأفراد حكومته من دخول كابول. وقلت له أنه من المفروض الآن إلقاء القبض على مجددي وقادة الأحزاب كلهم.

فضحك حقاني :  أنت تريدنا أن نقتلهم.

فقلت بحنق :  أقل شيء أن تضعوهم في السجن. وإلا فإن أفغانستان وأنتم ستدفعون الثمن غاليا.

ضحك حقاني ولم يعلق.

مجددي: عفو عن الشيوعيين، وتشكرات بالجملة للغرب.

وحكمتيار يوافق على حكم مشترك مع الشيوعيين.

الأربعاء 29 إبريل 1992 :

صبغة الله مجددي الرئيس الجديد لدولة أفغانستان التي عادت (إسلامية!!) يعلن فى إذاعة كابول العفو الشامل عن أركان الحكم الشيوعي السابق(!!) ويدعو الضباط والموظفين العودة لممارسة أعمالهم كالمعتاد. كما وجه الشكر إلى أمريكا والسعودية وباكستان وصدر الدين آغا خان (!!) ـ زعيم الطائفة الإسماعيلية ـ وبطرس غالى السكرتير العام للأمم المتحدة لمساعدتهم “للجهاد!!” الأفغاني.

[ تعليق : قد نفهم مغزى تقديم مجددي شكره لأمريكا والسعودية وباكستان ولكن لماذا تقديم الشكر لصدر الدين أغاخان، أو بطرس غالي؟؟ أليس في ذلك إسرافا في تقديم التشكرات ؟ ].

باكستان تعلن اعترافها بالحكومة الجديدة ـ وإيران ترسل معونات غذائية إلى مزار شريف.   ( لماذا ليس إلى كابول؟؟).

جلست مع مجموعتنا العربية نتبادل الأحاديث الغاضبة حول مجددي وحكومته. تحدثنا عن ضرورة الجهاد ضد ذلك الأحمق الذي تولى الحكم. وفضح نفسه من بيانه الأول، لم يكن عندي شك أن القتال سوف ينشب لفتح كابول مرة أخرى.

( بالفعل فتحها طالبان في أكتوبر 1996 حتى أغلقها الأمريكان مرة أخرى في حرب2001م)

قابلنا حقاني بعد أن أجرى اتصالاته على المخابرة. فقال تعليقا على ما يجري:

((  لقد أقام مجددي حكمًا مشتركا مع الشيوعيين في كابول. وقد وافق حكمتيار على ما يجري بلا قيد أوشرط. وأعلن ذلك ممثله في كابول ورئيس اللجنة السياسية للحزب الإسلامي في بيشاور.

لقد سألتهم في الحزب الإسلامي: لماذا قاتلتم في كابول وقتلتم الآلاف هناك؟، لقد صَعَّدْنا الموقف مع مسعود من أجل استبعاد الميليشيات والشيوعيين، فقال مسعود لنا أن تلك هي مطالب حكمتيار، فرددنا عليه أنها مطالب الشرع ومطالب الجميع هنا. وبعد ذلك توافقون أنتم فجأة بلا قيد أو شرط أو مشورة معنا.

أما سياف فهو موافق على ما يحدث وأعلن ذلك بلا مواربة.

منصب رئيس الوزراء تم إعطاؤه لحزب إسلامي حكمتيار الذي اختار من بين مساعديه “الاستاذ فريد ” كي يتولى المنصب.

راديو لندن سأل قادة من الحزب الإسلامي عن العلاقة التي ستكون بين الأستاذ فريد كرئيس للوزراء من الحزب الإسلامي، وبين أحمد شاه مسعود الرجل الأقوى في كابول وهو من الجمعية الإسلامية، والقتال كان دائرًا بينهم حتى وقت قريب. فكان الرد: إن الرجلان هما من قومية الطاجيك وسوف لن يختلفا(!!) ..)).

( تعليق : نلاحظ الآن ــ بعدفتح كابول ــ الأحزاب الجهادية وقادتها الكبار يسارعون في التحالف مع الشيوعيين، وتصنيف الناس حسب عرقياتهم ـ وكل ذلك كان من أشد المحرمات التي كانوا يجرمونها في سنوات الجهاد).

في بداية اللقاء سألت حقاني: متى تبدؤون الجهاد؟؟ فقد توافرت شرائطه، فحكومة مجددي منافقة ويجب قتالها.

لكنه لم يتحمس للكلام في الموضوع وسحبني من يدي بعيدا عن المجلس. كانت معنوياته منخفضة كأكثر ما رأيت. قال لي بأن مجلس الشورى الجديد في كابول والمكون من خمسين شخصا، هو واحد منهم ولكنه لم يذهب. ولكنه قد يذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ثم غادرني متوجها إلى جهاز المخابرة لمحادثة قطب الدين هلال، من حزب إسلامي حكمتيار.

وَهْمْ الإصلاح من الداخل :

في أحد المباني الحكومية في مدينة “بولى علم”ـ لوجرـ قابلت الجنرال صافي. وكان يجلس وحيدا في انتظار تطورات كابول، والاتصالات اللاسلكية الدائرة بين جميع الأطراف. أخذ الجنرال يحدثني عن مسيرته السياسية.

قال: إنه عمل مع “السيد أحد جيلاني” لمدة أحد عشر عامًا مديرًا للأمن، ثم ثمان سنوات في مجال التدريب العسكري. وقال إنه ترك العمل معه احتجاجًا على تصرفاته، مثل اجتماعه في لندن عام 1990 مع السفير السوفييتي، حيث اشتكى للسفير ضيق ذات اليد، وتدخل أمريكا وباكستان ضده. فأعطاه السفير أموالا كثيرة. وفي عام 1991 اجتمع الجيلاني سرًّا مع نجيب الله في أحد الدول الأوربية. قال صافي: إنه لم يستطع تحمل ذلك فاستقال من عمله وانضم إلى حقاني.

كان لدى الجنرال تصورًا فريدًا للتعامل مع الوضع الجديد في كابول، فقال:

– إن أفضل طريقة هي الدخول سلميًا إلى كابول وتشكيل ضغط معنوي من داخلها، وتحويل الشيوعيين إلى أقلية، ثم العمل على اغتيالهم من خلال أجهزة وزارة الداخلية (التي يتولاها رجال سياف)، ومن خلال عمليات أخرى من خارجها. أما اقتحام العاصمة عسكريًا فسوف يكون فشلا داخليا وعالميا، والأفضل هو حصارها من الخارج.

{ ماحدث هو أن العاصمة افترست أخلاقيا الكثير ممن دخلها من “المجاهدين”. كما اغتال مسعود، المسيطر على القوى الأمنية والعسكرية، العديد ممن يركضون خلف وهم “الإصلاح من الداخل” ومن بينهم زملاء له في نفس التنظيم. واستوعب النظام الجديد على فساده وهشاشته، عمالقة الجهاد من علماء وقادة ميدانيين، وانزوى الصالحون منهم داخل بيوتهم في منافي باكستان. والموقف الشجاع الذي تردد هؤلاء العمالقة في اتخاذه لمواجهة الفساد في بدايته، حتى نمى واستفحل، وأحال البلد إلى ساحة رعب وخراب، تصدى له الشباب من طلاب العلوم الإسلامية “طالبان”.  الذين اقتلعوا بالقوة المسلحة وبمعاونة شعبية واسعة، نظام الفساد الذي فرضته على الشعب الأفغاني أمريكا ومنظومتها من القوى الإقليمية، من عملاء دائمين أو عاملين بالقطعة. لقد عاملت حركة طالبان بجفاء وشدة أحيانا، وبتوجس دائم تلك الطبقة من القادة الميدانيين القدماء بل والمجاهدين القدماء أحيانا، فيما عدا هؤلاء الذين ساندوا الحركة في بدايتها. كان لتصرف طالبان هذا ما يبرره، ولكنه تجاوز الإنصاف في حالات كثيرة وحرم الحركة من قوة مقاتلة مؤثرة وخبيرة كانوا في أشد الحاجة إليها. ودفعوا لأجل ذلك الخطأ أثمانا فادحة، سهلت على إعدائهم الخلاص منهم}.

بعد صلاة الظهر كلمت حقاني وهو مازال على سجادة الصلاة، أن يحترس عند ذهابه إلى كابول، لأن المجموعة الحاكمة هناك قد تعمد إلى اغتيال القادة الميدانيين المعارضين لها.

( تعرض حقانى بالفعل لمحولة اغتيال في كابول، أثناء مساعيه للصلح ووقف القتال بين سياف وحزب وحدت الشيعي. قتل أحد مساعدي حقاني في المحاولة التي نفذها حزب وحدت الذي سمح لموكب حقاني بالعبور إلى مناطق سياف ثم أطلق النار على الموكب عند عودته. أخبرني بعض رجال حقاني أن مجددي كان طرفا في المؤامرة).

 

العصبية بدل الأيدلوجية:

عند الباب قابلت الصديق القديم “رفيق أفغان”، وهو صحفي باكستاني على صلة وثيقة بالجهاد والمجاهدين منذ وقت مبكر. وهومتحمس نشط لحكمتيار وحزبه، شأن الإسلامين الباكستانيين المنتمين إلى الجماعة الإسلامية الباكستانية، أو القريبين منها. قام “رفيق” بتجربة مثيرة حقا، كنت مشدوها وأنا أستمع إليها.

قال رفيق: إنه كان مع حكمتيار في مقره في لوجار، عندما جاءت طائرة هيلوكبتر من كابول يستقلها الجنرال محمد رفيع وزير الداخلية، الذي اجتمع مع حكمتيار لترتيب برنامج مشترك في كابول خاصًا بقومية البشتون، لمواجهة برنامج آخر للطاجيك “الفرسوان”، يقوده مسعود مع جنرالات في الجيش والاستخبارات.

عند تهيؤ للجنرال رفيع للانصراف، خطر لرفيق أن يرافقه إلى كابول. عرض الفكرة على حكمتيار فوافق عليها، وكذلك وافق الجنرال رفيع.

قضى رفيق يومين يتجول في كابول ويسأل الناس في الشوارع عن رأيهم فيما يجري في بلدهم، ومن يفضلون أن يكون رئيسًا عليهم. فوجد أن المشاعر العرقية في أوجها، وأن البشتوني سواء كان شيوعيًا أو إسلاميًا، فإنه يختار حكمتيار. أما الطاجيكي مهما كان توجهه فإنه يختار مسعود.

عند عودته من كابول أوصله رجال الداخلية إلى آخر خطوط الدفاع عن المدينة. وعلى الجانب الآخر كان في انتظاره رجال حكمتيار، بعد تنسيق باللاسلكي بين وزارة الداخلية الشيوعية في كابول ومقر قيادة الزعيم الإسلامي الأصولي في لوجر!!.

لقد حل التعصب العرقي محل التعصب الأيدولوجي. إنها السياسة حيث يستبدل الناس عقائدهم بأسرع مما يستبدلون ثيابهم.

– لكن صورة العصبية القومية الكريهة استكملها الجنرال صافي، الذي ظهر أنه بشتوني متعصب أكثر من كل من رأيت. الجنرال وبلهجة الخبير ببواطن الأمور حدثني قائلا:

{ إن أمريكا وإيران لا يريدان حكمتيار. إيران تلعب لعبتها مع الطاجيك، وباكستان ارتكبت جناية برفع الطاجيك فوق البشتون. وفي لقاءات لي مع حميد جول وجنجوعة (من قيادات المخابرات الباكستانية) حذرتهما من مغبة تلك السياسة، وقلت لهما إننا نحن البشتون مرتبطون عاطفيا وثقافيا مع باكستان وليس الهند أو إيران }.

–  الطبيب الباكستاني الشاب “إحسان الله” ، كان مندهشًا من كل ما يجري. ومن رحلة صديقه القديم رفيق أفغان إلى كابول برفقة الجنرال رفيع، ومن كلام الجنرال صافي، ومن موافقة حكمتيار غير المشروطة على حكومة مجددي بعد أن خاض معارك قتل فيها المئات بحجة عدم قبولها.

قادة إسلاميون عرب :

– من أخبار بيشاور أن الوفد الإسلامي هناك والذي يضم محمد قطب والشيخ الصواف وآخرون اتصلوا بحكمتيار يطالبونه بوقف إطلاق النار.

عرب حكمتيار أشاعوا أن الشيخ الصواف اقتنع بموقف حكمتيار وأيّد استمراره في القتال. لم يكن ذلك معقولا حيث أن أمثال تلك الوفود، ذات الوزن الديني والأدبي، التي تستجلبها الحكومة السعودية عند كل أزمة، تعمل كفريق تدخل سريع لترويج مشروع سعودي محدد لايمكن لأحد في الوفد تجاوزه، إلا إذا جازف بقبول عواقب وخيمة في علاقاته مع “المملكة”.

النص التالي هو جزء مما كتبته في مذكرتى في ذاك اليوم:

(( عدنا إلى مقرنا في جرديز وبدأت في إعادة تقييم ما يحدث منذ سقوط مزار شريف وحتى مأساة كابول ومهزلة مجددي، والخيط الذي يربط ذلك كله. هل هي تطورات عفوية أم مسلسل ضمن خطة محكمة؟؟….. خلاصة القول: إن مرحلة الأحلام الوردية التي أعقبت فتح جرديز وحصار كابول ثم سقوطها قد تبخرت. وإذا سارت الأمور على هذا النحو ـ وهي غالبا ستفعل ـ فلن تكون أفغانستان قاعدة بالشكل المطلوب، ولا حتى مستقرا مثاليا. والنكسة المعنوية فيما يتعلق بالجهاد والدولة الإسلامية هي احتمال وارد ومن الصعب تفاديه)) .

–  لأول مرة، بعض المحلات بدأت العمل في جرديز. ولأول مرة، يفتح محل جزارة أبوابه، فأبتهج الشباب بالخبر السعيد.

– رئيس وزراء نوازشريف، مع وزير الاستخبارات السعودي، تركي الفيصل، وصلا إلى كابول. وأنباء عن توقف القتال هناك. يشاع في جرديز أن الطاجيك في كابول نهبوا أموال البشتون هناك.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

تدمير الخبرة القتالية للأفغان والعرب : 

الخميس 30 إبريل 1992 :

في لوجر عقدنا جلسة مطولة مع حقاني لمعرفة آخر التطورات في كابول.

قال حقاني:

إن مجددي تراجع عن التصريح الذي أدلى به حول العفو عن الشيوعيين ودعوتهم لممارسة وظائفهم المدنية والعسكرية. وقال لمن سألوه إن ما قصده هو أن يمارس هؤلاء أعمالهم الاعتيادية حتى يصل أعضاء الشورى من بيشاور لاستلام المؤسسات والوظائف حتى لايهجم الناس عليها ويسرقونها كغنيمة.

ثم وصف حقاني مجددي بأنه شجاع لأنه تقدم إلى كابول منفردًا لاستلام السلطة بدون قوة مسلحة تسانده. وقال حقاني إن الجيش والميليشيات في كابول مازالت بكامل قوتها، بسبب عدم تقدم أحد لاستلام المواقع والأسلحة.

وأن القادة الميدانيين اتفقوا مع مسعود على أن يدخل المجاهدين إلى المدينة بدون قتال، ولكن حكمتيار أصر على القتال حتى يدخل العاصمة فاتحًا ويستأثر بالسلطة، فردت عليه الميليشيات والجيش دفاعًا من النفس. وكانت النتيجة أن توقفت جماعات المجاهدين عن دخول كابول خوفا من القتال الدائر.

وقال حقاني: إنه يتصل بجميع قادة الأحزاب في بيشاور من أجل أن يدخلوا جميعًا إلى كابول، وبصحبة كل زعيم ألف أو ألفي مجاهد لحفظ الأمنيات في العاصمة، واستلام ثكنات الجيش وإخراج الضباط والميليشيات من المدينة، وأن يعمل هؤلاء المجاهدون تحت إمرة مسعود كقوة مسلحة لحماية الأمن، ثم يتحولون بالتدريج إلى جيش نظامي. ويمكن لمسعود كوزير دفاع أن يستعين في تنظيم الجيش بجنرالات مجاهدين مثل صافي”!!”.

وأضاف حقاني: إن قوات القادة الميدانيين لا تجد طعاما أو رواتب، وهي مدربة ومسلحة، وتحويلها إلى جيش نظامي لهو أسرع طريقة للحصول على جيش، وإلا كان علينا الانتظار لأكثر من عشر سنوات حتى يكون لنا جيش.

عن تشكيل حكومة مجددي قال حقانيي إنه كان من عمل سياف منفردًا وليس بإملاء خارجي. وأن باكستان كان لها مشروع آخر يركز على مولوى محمد نبي محمدي “حركة إنقلاب إسلامي”. لكن سياف بسرعة استدعى الزعماء أو من ينوب عنهم، وطرح مشروعه القاضي بتعيين مجددي رئيسا لمدة شهرين، مع مجلس شورى من المنظمات وقياداتهم. أما الوزراء فيكونون من أعضاء المنظمات وليس من  قادة المنظمات السبع. وتم توزيع المناصب على المنظمات كالتالي:

رئاسة الوزراء لحزب إسلامي حكمتيار، والتعليم لحزب إسلامى يونس خالص، والخارجية لحزب “محاز ملي” للسيد أحمد جيلاني، والدفاع لحزب الجمعية الإسلامية “برهان الدين رباني”، والداخلية لحزب الاتحاد الإسلامي “سياف”.

وبعد مجددي يتولى رباني الرئاسة، المؤقتة أيضا، لمدة أربعة أشهر، إلى حين تشكيل مجلس شورى موسع يشمل قادة ميدانيين وعلماء ورؤساء قبائل موالون للجهاد . هذا المجلس يختار أميرا مدة ولايته عام ونصف، وخلال هذه الفترة يقوم الأمير بإعادة إرتباط الأقاليم بالعاصمة، وإعادة المهاجرين ، ثم تشكيل مجلس شورى يمثل كل البلاد وعدد أعضائه من 250 إلى300 عضو. وهذا المجلس يختار أميرًا دائما للبلاد.

وسبب الانتظار كل هذه المدة الطويلة هو تجميع الشعب وربط أجزاء البلد حتى يشارك الجميع في عملية اختيار الأمير فلا تحدث اعتراضات ومشاكل.

تعليق:  كل ما هو براق أو متفائل أو منطقي في هذا الحديث الطويل، لم يتم تنفيذه. وكأن المطلوب دومًا هو تنفيذ الأسوأ وفعل الأقبح.

أهم ما قاله حقاني كان ما يتعلق بالجيش والاحتفاظ بالعناصر الخبيرة التي أفرزها الجهاد وتكوين الجيش الوطنى منها، وذلك بكل أسف لم يحدث وكان ذلك أسوأ هدر “متعمد” يستحيل تعويضه.

( بشكل موازي جرى تدمير الخبرة القتالية العربية التي تكونت فى أفغانستان بواسطة عمليات مطاردات أمنية واعتقالات متصلة، توجتها في النهايه الحرب الأمريكية على أفغانستان تحت ذريعة الحرب على الإرهاب).

أما الأسلحة والمقار العسكرية وغيرها، فقد تمت تصفية البنية التحتية العسكرية الأفغانية بشكل منهجي وكانت من أضخم البنى العسكرية في المنطقة، حتى قيل أن مخزون الذخائر الذي تركه السوفييت وراءهم في أفغانستان كان أضخم من مثيله في الهند. هذا الدمار تكفلت به الحرب الأهلية المفروضة على الشعب الأفغاني لتدمير بنيته العسكرية والصناعية التي بناها السوفييت في مستعمراتهم السابقة . أدوات الدمار كانت الأحزاب الأفغانية العميلة.

( نفس الأسلوب الذي استخدمته أمريكا لتدمير القوة الإيرانية التي خلفها نظام الشاه الموالي لها ووقعت تلك القوة في قبضة ثورة إسلامية معادية. وأداة التدمير كانت النظام العراقي العميل. نفس الأسلوب اتبعوه في تدمير قوة السودان بواسطة الحروب الأهلية في الجنوب والشرق والغرب بواسطة ميليشيات تمولها أمريكا وتوابعها الكنسية والنفطية ) .

صحيح أن كابول لم يتم نهبها بنفس الأسلوب البدائي الفج الذي تم في خوست وجرديز وباقي المدن، لكنها إما دُمِّرت بالقتال أو النهب المنظم الذي مارسه سادة كابول الجدد الذي لم يترك إمكانية بناء قوة الآن أو في الستقبل.

على سبيل المثال، معظم سلاح الطيران تقاسمه مسعود ودوستم، ملكية خاصة. احتفظوا ببعضه في أفغانستان، وجزء آخر عند حلفائهم في دول الجوار، أي طاجيكستان بالنسبة لمسعود، وأوزبكستان بالنسبة لدوستم. والصواريخ الثقيلة كلها نقلت إلى مخازن مسعود في جبال بنشير، وكذلك جزء كبير من الذخائر وقطع غيار الدبابات والآليات العسكرية الأخرى، إضافة لما نهبه من كابول. واحتفظ دوستم بما كان يملكه من ترسانة عسكرية ضخمة بصفته أهم قائد ميليشيات في البلاد تعمل بطريقة المقاولة لتنفيذ المهام الصعبة أو المستحيلة لصالح حكومة كابول .

(وربما أن الولايات المتحدة اقتبست ذلك النظام في التعامل مع الشركات العسكرية للمرتزقة في حروبها الأخيرة في أفغانستان والعراق).

– هذا بالنسبة للجيش الذي جرى تفكيكه ونهب معداته. وما حدث للبنوك كان لايقل بشاعة، إذ نقل مسعود إلى بنشير احتياط الذهب من البنك المركزي، وجميع الوثائق الرسمية للدولة، وجميع وثائق الاستخبارات نقلها مسعود إلى مكان ما، قد يكون بنشير أو دولة خارجية صديقة له.

– متحف الدولة لم يكن استثناء، فقد تم نهبه من الكبار والصغار، حتى أن قطع أثرية نادرة بيعت بأبخس الأسعار على أرصفة كابول.

– ما قاله حقاني عن أن تشكيل الحكومة كان من صناعة سياف وليست إملاء خارجيا، كان صحيحا ولكنه نصف الحقيقة فقط .

فالرجل تلقى ملايين الدولارات كأتعاب لتشكيل حكومة من الأحزاب السبعة يكون متفق عليها بينهم. وليس هناك أفضل من سياف رجل السعودية الأول ورجل الإخوان الأول، كي يصنع أفضل توليفة ترضى السعودية من ركام الفساد فى أحزاب بشاور وترضى هؤلاء السبعة الفاسدون المتنافسون .

أما توزيع الحقائب الوزارية على هذا أو ذاك فذلك تفصيل لا يهم السعودية أو أمريكا ـ المهم أن تتولى الأحزاب السبعة أمور الحكم في كابول قبل أن يقفز العلماء والقادة الميدانيون على العاصمة ويفرضوا واقعهم الخاص الذي سيكون للمخلصين دور كبير فيه، كما أنه سيتم في كابول، أي بعيدًا عن الأيدي الخارجية باكستانية كانت أم سعودية. وعندها قد يقع المحظور وتأتي حكومة إسلامية بعد جهاد ثلاث عشر عاماً. فتكون مشكلة عويصة تربك ولا شك خطط أمريكا في آسيا كلها، وفي وسط آسيا بشكل خاص. ( أي حل وطني حقيقي سوف يشكل تهديدًا للأطماع الأمريكية ويستلزم علاجه مجهودًا كبيرًا وقد كانت حركة طالبان حلا أفغانيا خالصا استدعى علاجه تدخل القوات الأمريكية وهو علاج باهظ التكاليف شديد الخطورة على أصحابه ) .

في مركزنا في جرديز سمعنا عبر الإذاعات أن حقاني ذهب إلى كابول لمقابلة مسعود. ولا ندري حقيقة الأمر، فحسب قوله أنه لن يذهب إلى كابول إلا مع قوة كبيرة وضمن برنامج موسع يضم الجميع لإستلام كابول .

( كما علمت بعد ذلك فإن حقاني تمركز بجزء من قواته في داخل كابول على طرفها الجنوبي في منطقة تدعى”تشهل ستون” ومعظم مجهوده كانت لإطفاء نار الاشتباكات الداخلية الدائرة بين جيع الأطراف، ضمن تحالفات تتبدل كل فترة بحيث أن الجميع تحالف مع الجميع ضد الجميع. وشارك فيها الجميع: مجاهدون وشيوعيون ، سنة وشيعة ، طاجيك وبشتون . لم يكن أحد مصراً على نقاء إنتمائه العقائدي أو السياسي أو العرقي. ولكن الجميع مصرون على استمرار القتال الداخلي متحالفا لأجل ذلك مع أي طرف ضد أي طرف. وحلفاء اليوم هم أعداء الغد وهم أصدقاء بعد غد .. وهكذا.

العرب أكبر التعساء :

– أتعس الأطراف وأجدرها بالرثاء كان الطرف العربي الذي استمر يقاتل إلى جانب حكمتيار من أجل إقامة دولة إسلامية عاصمتها كابول. فقاتل بهم حكمتيار حتى الرمق الأخير، وإستشهد معه أفضل الكوادر العربية ، بما فيهم العملاق ” أبومعاذ الخوستى” ـ الفلسطينى الأردني ـ الذي فوض أمره كاملا إلى حكمتيار قائلا ما معناه :

( أنا لست عالم دين، ولا أحب السياسة ولا أفهمها، ولكني أثق فيك وأسير خلفك وأضع المسئولية في رقبتك يوم القيامة ) .

فطمأنه حكمتيار ووعده خيرا !! .

وهناك عرب من شمال أفريقيا. قاتلوا إلى جانب سياف قتالا “سلفياعقائديا” ضد الشيعة فى كابول. وأبدعوا فى قتل الأطفال والنساء بالأسلحة الثقيلة أثناء محاولتهم التزود بماء الشرب في ظل حصار مضروب على منطقتهم. وعربنا يشاهدون سقوط القتلى ويضحكون قائلين لمن إستنكر عملهم : أن ذلك إعداد للجهاد في سبيل الله.

سياف لم يمنعهم أو ينكر عليهم، بل زودهم بكل ما يلزم من أدوات القتل، من هاونات ثقيلة ودبابات !! . هؤلاء العقائديون لم يتوقفوا عن القتل إلا بعد أن وجدوا صباح ذات يوم أن سياف قد تحالف مع هؤلاء الشيعة الذين كان يأمر بقتلهم بالأمس، فتركوه وغادروا أفغانستان كلها.

أما جماعة أبومعاذ الخوستي فقد استمروا في القتال متغافلين عن أن الميليشيا الشيوعية القندهارية التي أسسها القائد جبار والتى قاتلت/ضدهم تحديدا/ في جرديز، والآن تقاتل معهم جنبا إلى جنب وفي نفس الخنادق ، لصالح حكمتيار. كان ذلك غريبا حقا ، ولكن عربنا جادلوا المعترضين عليهم قائلين أن ميليشيا جبار تابت إلى الله وتبين لها الحق فانضمت إلى حكمتيار!!.

ولكن بعد استشهاد أبو معاذ وإنضمام دوستم وميليشياته إلى حكمتيار بعد إنتقالهم من معسكر مسعود ، تنبه هؤلاء العرب أنهم قد خدعوا فتركوا أفغانستان كلها وذهبوا.

أسئلة حارقة .. لماذا نفشل؟ وماذا بعد أفغانستان؟؟.

الجمعة أول مايو1992:

اليوم نغادر جرديز في طريقنا إلى ميرانشاه . لقد انتهى دورنا هنا وطويت صفحة الجهاد في أفغانستان . كنت أشعر بحزن شديد وشريط الأحداث يمر برأسي من بدايته إلى نهايته. كنا نسير فوق طريق زدران ما بين خوست وجرديز. كل شبر في هذا الطريق لنا فيه ذكريات وأصدقاء .. شهداء ومعارك.. ماذا سيتبقى من كل ذلك؟؟ .. أين نحن الآن؟؟..إلى أين نسير؟؟… لماذا يبدو المستقبل ملبدا بالغيوم منذرا بالشر المستطير؟؟ .. وبأي شكل سوف نستأنف حياتنا ؟

ماذا عن الأسرة والأولاد .. والوطن ؟؟ .. هل نعود إليه أم نبقى في الجبال؟؟ .. لماذا نُعاقب؟؟…وبأي جريمة؟؟… لماذا قادتنا دائما فاسدون، وطنيون كانوا أم إسلاميون، قاعدون كانوا أم مجاهدون؟؟… لماذا الفاسدون دائما طافون على السطح والصالحون مترسبون في القاع ، أو في السجون، ولا يصعدون عاليا إلا على أعواد المشانق ؟؟… أين الخلل ؟؟ .. لماذا تجاربنا كلها فاشلة ؟؟… لماذا لا يفيدنا الفشل في تجربة كي نصنع نجاحا في تجربة تالية ؟؟ .. لماذا نكرر أنفسنا دوما ؟؟ .. ويستغفلنا عدونا بنفس الأساليب دائما ؟؟… هل نحن حمقى إلى هذا الحد ؟؟ .. أين العلماء، هل ماتوا أم إندثروا ؟؟… أم أن الموجودين هم أشباح العلماء وليس حقيقتهم ؟؟.. لماذا فقدوا الاحترام والتقدير والتأثير وأصبحوا مجرد أبواق لساسة فاسدين تافهين ؟؟… ما معنى تحرك إسلامي بلا علماء ؟؟ .. هل يمكن أن ينجح جهاد بدأ متفرقا وبلا قيادة واحدة ؟؟ .. هل ينجح جهاد بتمويل غير إسلامي؟؟… هل القادة يختارهم الناس، أم الإعلام الدولي، أم التمويل الخارجي؟

كنت أحتضن الطريق بناظري وكلي خشية أن لا أراه مرة أخرى .

– نزل أبو الحارث من سيارتنا وذهب إلى مركزه في الخطوط الأولى تحت أقدام “ستى كندو”. هو الآخر لا يرغب في ترك المكان، ولا يدري ماذا سيحدث ولا كيف سيستأنف حياته. لقد عزله مجلس الشورى رسميا عن قيادة المجموعة قبل إستسلام جرديز وتولى أبو معاذ الخوستى القيادة. ولم يمارس أبو الحارث أي دور في المجموعة بعد ذلك. كان ذلك الإجراء طيا لصفحة أفضل مجموعة عربية في جهاد أفغانستان الذي طويت صفحته رسميا بدخول حكومة مجددي إلى كابول في 28/ 4 /1992، أي بعد 14 عاما بالتمام والكمال على الإنقلاب الشيوعي في 27/4/ 1978.

لقد تم إهدار أثمن ثروات العرب المكتسبة من أفغانستان، وهي كوادرهم العسكرية، سواء في جماعة أبو الحارث أو القاعدة أو العرب غير المتحزبين. كنت أتمنى بشدة أن تبقى تلك القوة متجمعة في أفغانستان وأن نبني حولها تجمعا مدنيا. فنحمى بذلك ثروتنا البشرية التي يتربص أعداء الإسلام كى يفتكوا بها. ثم نقوم بعد ذلك بدور يناسب إمكاناتنا وإمكانات الوسط الأفغانى الذي نحيا فيه. ولكن للأسف فقدنا مستودع الخبرات الذي بنيناه بالدماء الغالية التى بذلت بسخاء في المعارك.

كان ذلك مشابها تماما لموقف حقانى في مطالبته الإبقاء على الكوادر الجهادية الأفغانية وبناء جيش أفغاني حولها. ولكن كان هناك إصرار أفغاني وإقليمي ودولي على حرق تلك الثروة البشرية في حرب أهلية، أو تهجيرهم بحثا عن الرزق في دول الجوار والخليج . لقد خسر المسلمون أهم ثرواتهم وخبراتهم في أفغانستان، وكان ذلك أفدح الخسائر.

قبل أن يغادرني متوجها إلى مركزه القديم، سألني أبو الحارث إن كنت سأذهب لزيارة كابول، فأجبته أنني سأترك كابول لأهلها.

تحميل مجلة الصمود عدد 163 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 13 }




ماهو المخرج فى بلدنا الحبيب مصر ؟؟

ماهو المخرج فى بلدنا الحبيب مصر ؟؟

عنوان الرسالة : أين الطريق؟

محمد مصطفى المالكي: 2017/02/26

السلام عليكم ورحمة الله
الأب الحبيب والشيخ المربي أبو الوليد.
حين أنظر إلى واقعنا المعاصر أجد الفشل هو القاسم المشترك بين كل التيارات الإسلامية ؛ كتب ” الجهاديون ” كتبا كثيرة عن حرب العصابات، وأصول حرب العصابات، وحرب المطاريد ومع ذلك ليس هناك تجربة عملية واحدة استطاع خلالها “الجهاديون ” إسقاط النظام وتولي الحكم ، إلا في حالة “طالبان” وتم الالتفاف عليها وإسقاطها.
وأما أصحاب “السلمية” ففشلهم لا يحتاج إلى بيان أو توضيح.
إذن “الجهاديون” و”السلميون” فاشلون.
فأين الحل؟ وما المخرج؟ خاصة في بلدنا الحبيب مصر؟

مع الرسائل المالكية ( 1 )

ماهو المخرج فى بلدنا الحبيب مصر ؟؟

الحبيب المالكى .. السلام عليكم ورحمة الله .

رغم قصر رسالتك إلا أن الإجابة عليها صعبة جدا . وقد شملت الملاحظات التالية :

1 ـ فى واقعنا المعاصر نجد أن الفشل هو القاسم المشترك بين كل التيارات الإسلامية .

2 ـ كتب الجهاديون كتبا كثيرة عن حرب العصابات ، ومع ذلك ليس هناك تجربةعملية ناجحة لهم إستطاعوا فيها إسقاط النظام وتولى الحكم ، إلا فى حالة طالبان التى تم الإلتفاف عليها وإسقاطها .

3 ـ فما هو الحل ؟؟.. وما هو المخرج  خاصة فى بلدنا الحبيب مصر؟؟ .

*****

 أولا ، فإن فشل التيارات الإسلامية ، حقيقة لا جدال فيها ، سواء منها السلمية (الإنتهازية) أو الجهادية (الدموية) .

ولعلك تلاحظ أن الإنتهازية شئ مختلف عن السلمية . لقد أطلقوا على أنفسهم إسما مضللا . فقد كانوا إنتهازيين بغطاء إسلامى مع إدعاء كاذب بالسلمية . هدفهم الأسمى على الدوام كان الوصول إلى السلطة عبر الصفقات السرية مع الحكام والقوى الخارجية . وتركوا العنف والدموية لحلفاء لهم جهاديون (!!) إنتحلوا أسماء لاحصر لها ، كما نرى ونسمع فى سوريا التى ذبحوها ، بعد أفغانستان التى تاجروا بها فى البداية ثم غدروا بها فى النهاية .

– أما السلفية الدموية ، فهى تقاتل على أحكام فقهية شاذة ، يريدون فرضها بالسلاح على جميع المسلمين ـ قبل غيرهم ـ أى أنهم فى حرب على أمتهم .

ــ لقد أصبح عنصر التمويل حاسما للحركة الإسلامية / عقائديا وحركيا / فتحولت عقائدها إلى السلفية (النفطية) وتبنت الخط السياسى لمشيخات النفط ، فيعملون حيثما تحركت مصالح المشيخات وقادتها فى إسرائيل وأمريكا ، ضمن إطار حلف الناتو الإسرائيلى العربى ، الفاعل حاليا ـ والذى يسعى ترامب لإعلانه رسميا بين مشيخات الخليج وإسرائيل ومصر والأردن ـ بالطبع التيار الإسلامى / السياسى والجهادى كلاهما / متواجد فى الخلف ، تحت عباءة مشيخات النفط وضمن قوى الحلف الأساسية الضاربة على الأرض ، فى إستمرار لمبدأ الحرب بالوكالة ، الذى مازال ساريا تحت توصيف جديد ومطور هو ( حروب الجيل الرابع ) تماشيا مع وسائل عسكرية جديدة ضاعفت القوة التدميرية لجماعات الحروب بالوكالة ـ أى السلفية الجهادية بمسمياتها الكثيرة .

– إذن التيار الإسلامى الحالى ، فاشل وخطير ، ومانع لأى إنتصار شعبى ، وكل إنجاز يحققه على الأرض لن يكون بالطبع لصالح الإسلام والمسلمين ، بل لصالح حلف الناتو الجديد بمكوناته ( العربية / الإسرائيلية / الأمريكية ).

 (إستدراك : نستثنى فرعاً من القاعدة فى اليمن ، مازال متمسكا بشعار العمل ضد أمريكا . وتتدرب عليه يوميا الطائرات بدون طيار التى تشغلها المخابرات الأمريكية بإشراف شخصى من رئيس الولايات المتحدة).

ليس هناك ما يدعو إلى الأمل فى العمل الإسلامى كله ، مشتملا أيضا على مؤسسة الأزهر والطرق الصوفية ، فهى جميعا أجنحة لإسلام النظام العسكرى ، المحارب للإسلام الحركى ، وللإسلام كدين .

تلك كانت صورة سريعة للعمل الإسلامى بشقيه النفطى والعسكرى . وهما معسكران متعاديان من حيث الشكل متطابقان من حيث الهدف . فمن أين يأتى النجاح ، وكيف يحدث التغيير؟؟.

حل اللحظة الأخيرة :

{حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}. 110 ـ سورة يوسف ـ

{ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ..} 10 ـ الأحزاب ـ

  إنه حل اللحظة الأخيرة ، ومن حيث لا يتوقع أحد ، حين يأتى الفرج ويتجلى  نصر الله بعد اليأس الكامل . فعلى مر العصور مرت بالمسلمين مواقف عصيبة هددتهم بالاستئصال ، فتنزل عليهم النصر حين إقتربوا من حافة اليأس . لكن كان لهم وقتها كيان وقيادة مخلصة عاقلة وحكيمة .

– فما هو وضع المسلمين الآن خاصة فى مصرنا الحبيبة ـ وقد فقدوا كل ذلك ؟ وتكالب عليهم الأعداء ليس فقط من فوقهم ومن أسفل منهم ، بل من داخل صفوفهم ، ومن قادة جيشهم محتكرى السلاح والثروة والقرار جميعا. فكل الدولة فى يد يد جنرال مستبد ، يتلقى أوامره من أعدى أعدائنا ، أى من إسرائيل تحديدا . وكل تصرفاته من صغيرها إلى كبيرها تهدف إلى منفعة إسرائيل والإضرار بمصر ، بل والتنكيل بها وبشعبها.

– تذكر فى رسالتك حركة طالبان التى نجحت حتى تم الإلفاف عليها وإسقاطها . وأضيف أن سلفيتنا الجهادية كان لها الفضل الأول فى إسقاطها . تلك التنظيمات السلفية المسلحة التى تحرس الفشل وتقاوم النجاح ، وتمهد لجيوش الأعداء كى تعيد إحتلال ما تشاء من بلاد العرب والمسلمين . تنظيمات إسلامية توزعت ما بين مخادع نهاز للفرص وبين باطش سافك للدماء المحرمة .

 –  حركة طالبان كانت بالنسبة للشعب الأفغانى هى الفرج غير المتوقع بعد اليأس من محنة الأحزاب الجهادية”!!” التى ظهر قادتها على حقيقتهم كعملاء للخارج وباحثين بوحشية عن السلطة والمال . فخاضوا فى الدماء ، وأقاموا نظام العصابات المسلحة فى طول البلاد وعرضها ، والهدف النهائى كان تقسيم أفغانستان إلى عدة دويلات ، تسهيلا لدخول الشركات الدولية لإستنزاف ثرواتها بالمجان .

ــ  تشكلت حركة طالبان فى مدينة قندهار ، وتصدت بالسلاح لعصابات قطع الطرق ، ولاقت تأييدا شعبيا واسعاً ، إلى أن إقتحمت العاصمة بعد عامين من ظهورها ، فأعلنت نظامها الإسلامى الجديد . وبتطبيق العقوبات الشرعية قضت على عصابات الجريمة ، فسقط تلقائيا مشروع تقسيم أفغانستان .

ــ نظرية التنظيم الذى يصنع الثورة عبر برنامج يمتد لسنوات طويلة ، لم تنجح فى الدول العربية ـ والإسلامية عموما ـ بل أن فكرة الأحزاب نفسها لاقت عندنا فشلا منقطع النظير ، وأثبتت أنها مثل “التنظيمات” السرية والعلنية ، هى مجرد أعراض للمرض السياسى والإجتماعى وليست علاجا له .

أما العلاج بالإنقلابات العسكرية ، فبعد عقود عديدة إمتدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن ، أثبتت التجربة أنها لم تكن إلا “إحتلالا وطنيا بالوكالة” لتثبيت مصالح الغرب ، والخسف بالشعوب العرية ـ والإسلامية ـ واستنزاف مصادر القوة لديها ـ المعنوى منها والمادى ـ والأهم كان التخلص من دور الإسلام فى حياة تلك الشعوب ، وتسليم ثرواتها بالكامل إلى الإحتكارات الغربية . وزاد النظام العسكرى عندنا بيع أراضى مصر نفسها وأصول الدولة المصرية ، بل والتواطؤ مع إسرائيل على حجب مياه النيل عنها .

ــ فتخريب مصر وطرد سكانها ومنع مياه النيل عنها ، جميعها مخطط إسرائيلى يتم تنفيذه والتستر عليه بواسطة جنرال مصر الأول ، وعصابة المجلس العسكرى ( تسعة عشر جنرالا ، أى رئيسا محتملا لمصر ، ينتظر دوره فى خدمة إسرئيل) .

– فما هو الحل ؟؟ .. تسأل والإجابة عن سؤالك مستحيلة ، فلا شئ منظور فى الأفق أو فى نهاية النفق ، ولا أداة ملموسة للحل .

ولكن الشعب سينفجر حتما فى وقت ما . ونظامنا الحاكم بتوجيه من إسرائيل يجهز لوضع الإنفجار الشعبى القادم تحت السيطرة ، بحيث لا يعرض خطط إسرائيل للخطر ، بل يساعد فى إنجازها بأسرع الطريق وأكثرها حسماً .

ــ  العطش والجوع واليأس سيدفعون الشعب غريزيا نحو الخروج فى ” ثورة ” ، ولكنها بلا رؤية أو قيادة ، بل غضب جامح وأعمى . ولكن هناك إحتمال ولو ضئيل فى ظهور الحل المفاجئ والأخير، فيجد الشعب بين صفوفه من يأتمنهم على قيادة ثورته ، فيتجه المسار نحو إستئصال القديم الفاسد وتأسيس وضع جديد صالح .

ــ الخطة الدفاعية لإسرائيل والنظام العسكرى تقتضى بإشعال فتنة شاملة ، كبديل عن الثورة الشاملة ، بل فتنتان أحدهما طائفية (أقباط ضد مسلمين ) أو (دواعش ضد الكنيسة) . وأخرى عرقية ( سيناوية ضد مصريين ) ( نوبة ضد صعايدة ) ( بدو ضد فلاحين ) فينشغل الشعب بنفسه ، ويأتى الجيش على ظهر الدبابات فى ثياب المنقذ المحايد ، ليكتسب ثقة واحترام الجميع ، مع ندمهم على ما صدر منهم فى حق جنابه الشريف وذاته المقدسة . فيباشر تقسيم مصر ، كونها موضع النزاع بين المتقاتلين ، فيعطى بالقسطاس الإسرائيلى المستقيم/ كل فئة نصيبها . والأهم هو دولة فلسطينية فى سيناء شرقا ، ودولة نوبية جنوبا تنزع السد العالى من مصر ويكون الماء القليل الذى خلفه من نصيب أهل النوبة تعويضا عن صبرهم الطويل . والباقى لمن يريد ، حيث لا إمكانية للحياة .

فليس أمامنا من أمل سوى فى دعاء المخلصين ، ومحاولة ترابطهم قدر الإمكان ، فى إنتظار الفرج ، مع التواصى بالحق والصبر ، والقبض بيد على الجمر وبالأخرى على السيف .

فقد فرغت الأيدى من الأسباب ، وكيد الأعداء (لتزول من الجبال) .

 وقديما قالت العرب : إشتدى أزمة تنفرجى .

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world




صحيح الإسلام .. إلى أى جانب هو

كلام ذو شجون مع الوزير الخراسانى : صحيح الإسلام .. إلى أى جانب هو ؟؟.( 3 من 4 )

الأخ وزير الخراسانى  .. السلام عليكم ورحمة الله .

إتهاماتك لحركة طالبان كانت كالآتى :

# أنهم صوفية قبوريون ـ وفئة منحرفة عن صحيح الإسلام مثل ربانى وحكمتيار ــ أمثالهم كأمثال الروافض فى التقية والكذب والنفاق .

# أنهم قتلوا غدرا رجال ونساء وأطفال المهاجرين الأوزبك من أجل أهدافهم الدنيوية .

 

أولا :

الإتهام الأخير هو الأهم ـ ومن المفروض ـ  أن يكون مبنيا على واقع عليه شهود . فالقتل العمد جريمة عظمى جزاؤها القتل فى الشريعة الإسلامية . أتمنى لو أن مسئولين من حركة طالبان تولوا الرد على هذا الإتهام الشنيع .

ولكن ما أعرفه سابقا ، عن طريق الإخوة فى حركة طالبان ، هو أنهم عندما وجدوا المهاجرين الأوزبك واقعين تحت عدوان عناصر قبلية فى باكستان ، سمحوا لهم بدخول أفغانستان فى مواقع محددة من الأرض المحررة . ولكن بعد فترة إنقلب المجاهدون الأوزبك على إخوانهم الأفغان وبدأوا فى تكفيرهم وشق الصفوف والدعوة لتشكيل جبهة وهابية تحت راية داعش .

فقتلوا العديد من المدنيين الأفغان ومن حركة طالبان ، وأحدثوا فتنة فى الصفوف ، بمساعدة من باكستان وحكومة كابول وقوات الإحتلال .

بالطبع نشب القتال بين طالبان والمجاهدين الأوزبك وذلك شئ مؤسف لا يخدم سوى الإحتلال. وذلك دأب الحركات الوهابية فى تحويل الجهاد ضد الغزاة إلى قتال بين المسلمين . وتلك أحداث تكررت فى كل مكان تواجدوا فيه ، كما فى العراق ، وسوريا التى تسيل فيها حاليا دماء المسلمين أنهارا على يد “المجاهدين الوهابيين” .

– على كل حال يلزمنا سماع رد حركة طالبان على إتهامهم بإرتكاب جرائم قتل ضد إخواننا المهاجرين الأوزبك الأبرياء .

ثانيا :

إتهامهم بأنهم صوفية قبوريين ، وفئة ضاله منحرفة عن صحيح الإسلام مثل ربانى وحكمتيار .

–  فأقول بأنه من الخطأ الخلط بين أى مذهب أو منهج وبين ممارسات بعض أتباع ذلك المذهب أو المنهج ، أو الوقوع فى خطأ التعميم بأن هؤلاء البعض يمثلون الجميع ويجسدون بأخطائهم إنحرافا فى المنهج نفسه ، فذلك أمر لا يمكن القبول به .

والصوفية فى حد ذاتها وفى أصولها منهج معتبر لدى معظم المسلمين ، بل أنه الإتجاه الأغلب بينهم ، مثله مثل المذهب الحنفى الذى يتبعه معظم أهل السنة فى مشارق الأرض ومغاربها .

–  وللصوفية ، وللمذاهب السنية ، رأيهم فى موضوع القبور وزيارتها والتبرك بها والبناء عليها. قد تختلف الآراء ولكنها لم تصبح موضوعا للتكفير وسفك الدماء وتفريق الأمة إلا على يد الوهابيين . وذلك الأمر مرفوض لأنهم عالجوا (الخطأ) / إن وجد / بما هو أفدح منه .

فالمخالفة لا تعالج بالقتل . والكلمه أداة للموعظة ، أما السيف فى غير موضعه فهو أداة للفتنة وارتكاب لجريمة سفك الدماء المعصومة . ونشاهد حاليا الإستهتار المفرط بالدماء من جانب الجماعات الوهابية المسلحة .

كان ذلك من أسباب تفتيت الأمة وتخريب مسعاها للثورة على ظالميها ومستعمريها ، بل وسببا فى أن إتحدت الكثير من الأمم ، على قلب رجل واحد للهجوم على بلاد المسلمين واستباحتها أرضا وبشراً .

ــ تقول بأنهم ( فئة ضالة منحرفة عن صحيح الإسلام ) فمن الذى حكم بذلك ؟؟ وما هى مؤهلاته لإصدار هذا الحكم الرهيب ؟ . وهل هذا وصفك للذين جاهدوا ضد السوفييت لمدة 14 عاما ، ثم جاهدوا ضد الأمريكيين وكلابهم لما يزيد عن 15 عاما ومازالوا صامدين ومنتصرين . وقبل ذلك جاهد أجدادهم ( بنفس العقائد الضالة المنحرفة عن صحيح الإسلام !! ) ضد ثلاث حملات بريطانية على بلادهم على إمتداد نصف قرن ؟؟ . فليتنا نكون حتى مجرد طلقة رصاص فى بنادقهم التى حمت الإسلام على مر الزمان .

فهل يمكن مقارنة ذلك السجل الجهادى الناصع بالسجل الوهابى الذى أقل ما يمكن القول فيه أنه مخز ويشكل عارا تاريخيا ، وخطرا داهما على حاضر ومستقبل الأمة . متعاونا مع الإحتلال البريطانى فى بداية نشأته ، ومع الأمريكيين واليهود وأذنابهم المحليين فى وقتنا الحالى . فمن هو الضال ومن هو المهتدى ؟؟ . ومن هم أصحاب العقيدة الصحيحة ومن هم الأدعياء ، أعداء أنفسهم وأمتهم ؟؟.

– أما ربانى وحكمتيار فقد إرتكبا مع غيرهم من قادة “الأحزاب الجهادية!!” منذ وقت السوفييت وحتى الآن ، إرتكبوا جرائم كبيرة تستحق الحساب العسير . ولكن لا يمتلك أحدا دليلا شرعيا معتبرا يدل على خروجهم من الإسلام . إنهم مسلمون وإن كانوا يستحقون المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى .

ثالثا :

قولك بأنهم ـ أى طالبان ـ أمثالهم أمثال الروافض فى التقية والنفاق والكذب .

– وأقول بأن ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) حسب الحديث الشريف الذى رواه البخارى . أو كما جاء فى حديث آخر ( أيما إمرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما . إن كان كما قال وإلا رجعت عليه ) ـ رواه البخارى ومسلم . فأرجو أن نتجنب ما نهانا عنه رسولنا الكريم . فتلك ذنوب تستوجب سخط الله وعقابه .

فطالبان مسلمون مجاهدون لا يجوز سبابهم ولا قتالهم . وكذلك (الروافض !!) ـ أى الشيعة الجعفرية الإثنى عشرية ـ فهم مسلمون لا يجوز سبابهم ولا قتالهم ـ فإذا كنت متواجدا فى أفغانستان فاسأل عن ذلك السادة العلماء الأحناف ، كما سألناهم سابقا .

وقد أفتى علماء كبار فى الأزهر على مر العصور بأن الشيعة الجعفرية الإثنى عشرية هم أصحاب المذهب الخامس فى الإسلام ويجوز للمسلم أن يتعبد إلى الله به .

– لكن الوهابيون كان لهم رأيا آخر ، وفعلا قبيحا فى كل الأحوال ضد الصوفية والشيعة . فإذا كان هناك من سبب فهو السياسة المسمومة للدول الإستعمارية التى وهبت عروش جزيرة العرب للوهابية العربية وملوك وأمراء من خدمها ، وتحرس جيوشها عائلات النفط الحاكمة . وللأسف فإن حاحة المجاهدين إلى المال النفطى ، قد أوقعهم فى مهاوى الوهابية النفطية ، فتركوا جهاد الكفار وانهمكوا فى قتال المسلمين وانهالوا عليهم سبابا وتكفيرا وقتلا . فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




حوار معتدل مع مسيحى سورى مغترب ( 2 من 2 )

حوار معتدل مع مسيحى سورى مغترب ( 2 من 2 )

 ــ الخلافات بين الأحزاب الجهادية . { الجهاد فى عصر العولمة } .

  ــ القاعدة فى عهد الظواهرى .

 ــ مرة أخرى :  العلاقة بين طالبان والقاعدة .

 ــ هل قطعت علاقتك مع حركة طالبان . وكيف هربت من الأمن  المصرى؟؟.

السؤال الثانى :

هل الجماعات الجهادية والتكفيرية الحالية فى سوريا تشبه التى كانت فى بيشاور وأفغانستان ؟؟ وما سبب تعدد الأحزاب الإسلامية الجهادية فى أغلب الجبهات المشتعلة خاصة فى سوريا !! يذكرنى بكتابك عن كثرة الأحزاب السياسية المسلحة والجهادية المتنازعة بعد سقوط السوفييت؟؟.

 

التواجد العربى فى قضية أفغانستان بدأ يكون ملموساً إلى حد ما منذ عام 1984 . وأول بوادر التكفير التى سمعت عنها بين العرب كان بعد ذلك بعامين . ولكن نجاح التكفيريين كان محدودا جدا رغم توافر التمويل الخليجى ـ السبب هو أن ساحة العرب فى بيشاور ـ وهى محطة التجمع ومنطلق عمليات الإمداد إلى داخل أفغانستان ـ كانت تقريبا تحت سيطرة الشيخ عبد الله عزام . وهو سلفى معتدل وإخوانى سابق وفلسطينى الأصل ، كان قد  تدرب مع منظمة فتح فى الاردن ومكث معهم لفترة . كان جسده موزعا بين باكستان وأفغانستان ولكن روحه كانت معلقة فى فلسطين .

ظهرت فى بيشاور موجة تكفير ضد المجاهدين الأفغان (!!) ثم ضد الشعب الأفغانى نفسه متهمين عقائدة بالإنحراف (!!) ثم أضيف إلى لائحة التكفير حكام العرب جميعا بما فيهم حكام السعودية، ثم فى نقلة متأخرة قليلا وصلت موجة الكفير إلى جميع قادة الأحزاب الجهادية الأفغانية ( فيما عدا الزعيم السلفى جميل الرحمن ) . وفى النهاية وصلت موجة التكفير إلى الشيخ عبدالله عزام ثم أسامة بن لادن عندما شرع فى بناء تنظيم القاعدة فى أواخر عام 1987 .

وقف بن لادن ضد موجة التكفير إلى جانب عزام وزاد الضغط على التكفيريين بوقوف قيادات الجماعات المصرية (الجهاد والجماعة الإسلامية) ضد تيار التكفير الذى حاول فى نهاية المطاف تكفير المذهب الحنفى بأكمله ومعتقديه جميعا ، وهم معظم العالم الإسلامى بما فيهم الأفغان والباكستانيين .

ولكن بنهاية الحرب عام 1992 واختفاء جميع القيادات الكبيرة إما بالاغتيال ( مثل عبدالله عزام) أو بالرحيل إلى أماكن أخرى مثل السودان كما فعل بن لادن وجماعة الجهاد المصرية وآخرون.

من تبقى من تكفيريين فى بيشاور أعلنوا ” دولة الخلافة ” وعينوا خليفة ، وبدأ مسلسل الرعب التكفيرى المعتاد حتى لفظهم الجميع عربا وأفغانا ، حتى لم يتبق منهم أكثر من خمسة أفراد بما فيهم ” الخليفة ” الذى عاد سالما إلى قواعده فى لندن كمواطن بريطانى بدون أى مشاكل هناك .

ــ منذ عام 1992 وحتى ظهور حركة طالبان عام 1994 تولى أحد المعسكرات العربية فى أفغانستان تدريب الحركات الوهابية المتطرفة فى كل من الجزائر والصين ، وبعض البلدان الأخرى . ولكن حركة طالبان أغلقت ذلك المعسكر عام 1996 .

ــ التكفريين من دول الخليج وصلوا الى أفغانستان عام 1999 فى محاولة لإقناع بن لادن وحركة طالبان بقتال الشيعة الأفغان بصفتهم كفارا . لكن عرضهم قوبل بالرفض لعدم موافقة أصحاب القرارعلى ذلك التصنيف للشيعة . فرجعوا أدراجهم تاركين خلفهم مجموعة كتب تحريضية ضد الشيعة ، لم يظهر لها أثر بعد ذلك حسب مشاهداتى .

 

تعددت الأحزاب الأفغانية الجهادية فى بيشاور رغم أن مذهبهم الدينى واحد . وأول إنقسام بينهم ظهر على أنه إنشقاق بين العلماء التقليديين من جهة ، وبين التيار الإخوانى الذى كان يوصف عادة بأنه معسكر المتشددين . وفى الحقيقة أنه كان أكثر فسادا وتورطا فى القتال الداخلى فيما بينهم داخل الجبهات فى أفغانستان .

ــ وظهر أن السبب الرئيسى للقتال هو التدفق الغزير للمعونات الخارجية من أموال وأسلحة . وقع الصراع لحيازة أكبر قدر ممكن من تلك المعونات ، ولبناء الزعامة الشخصية واحتلال مرتبة متقدمة فى نظر الدول الخارجية ذات الوزن ، وأيضا للفوز بمرتبة متقدمة عن الآخرين عندما يحين وقت تقاسم السلطة داخل أفغانستان فى نهاية الحرب .
ــ  وفى العادة ينعكس التنافس بين الجهات الخارجية الممولة على صورة إقتتال داخلى بين  أتباعهم من المجموعات المسلحة التى تتلقى المعونات . وكذلك عمليات التعاون أو عرقلة وتخريب العمليات بين المجموعات المسلحة كثيرا ما تمت بإرشادات الممولين فى الخارج عبر قيادات الأحزاب فى بيشاور. وهذه خاصية ليست محصورة فى أفغانستان ، بل تظهر فى أى بلد آخر تتعدد فيه المجموعات المسلحة ويكثر فيه التدخل الخارجى خاصة إذا وصل إلى درجة التدويل كما فى سوريا والعراق حاليا .

ــ  والشعارات الدينية المقدسه كثيرا ما يساء إستخدامها لخدمة أهداف لا يقرها دين . لذلك لا ينبغى إعطاء قداسه لأفعال من يرفعون تلك الشعارات ، بل يجب فحص أعمالهم بدقة قبل قبولها أو الإعتراض عليها . ولكن للأسف فإن ذلك لا يحدث بل تقاومه الأحزاب الجهادية خاصة والإسلامية عامة لحماية إنحرافات كبرى ، بعضها يرتقى إلى درجة الخيانة العظمى .

لذلك فإن المبالغة فى تقديس الزعامات الأحياء منهم والأموات ، والصراخ الهيستيرى بأعلى صوت والإرهاب الفكرى بالإتهامات والتشكيك والتشهير والسباب ، والإرعاب بمناظر الذبح والتفجير ، هى أنواع من الستائر الكثيفة لتغطية جرائم كبرى ، لا يرغب القائمون عليها فى أن تظهر إلى العلن لأن فى ذلك نهايتهم .

وللأسف فإن معظم الناس ينساقون مع الخداع طوعا أو رعبا . والكثير جدا من الأنظمة العربية أو حول العالم يتبعون نفس الأسلوب باعتباره أقصر طريق لتحقيق أطماعهم وإخضاع شعوبهم

ــ سبب ظهور حركة طالبان عام 1994 كان تفشى العصابات المسلحة تحت إسم المجاهدين ، فقطعوا الطرقات ونهبوا قوافل الشاحنات واعتدوا على سكان القرى ، واعتدى بعضهم على النساء فى طرق السفر العامة . وكانت كل عصابة ترفع راية أحد الأحزاب المشاركة فى حكومة كابول مرفقة بصورة (زعيم التنظيم ) بمظهره الإسلامى المهيب . لذلك واصل طالبان زحفهم يدعمهم المجاهدون السابقون حتى أسقطوا حكومة قطاع الطرق فى كابول فى أكتوبر 1996 .

فطبقوا أحكام الشريعة ـ أو قانون العقوبات الشرعية ـ بطريقة مخالفة تماما لما تفعله التنظيمات الوهابية حاليا ، لذا حصلوا على نتائج إيجابية ، إذ وثق فيهم الناس وأيدوهم ودافعوا عن نظام أمارتهم التى كان يمكن أن تستمر ، حيث كانت قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على كامل التراب الأفغانى ، لولا أن عاجلها السلفيون الجهاديون بالضربة القاضية بأحداث سبتمبر التى جلبت لأفغانستان إستعمارا أمريكيا أكثر وحشية وأكثر صعوبة من الإحتلال السوفيتى .

 

3 ـ السؤال الثالث :

لماذا إزدادت حدة التكفير والقتل فى المجموعات الجهادية ؟ .

4 ـ السؤال الرابع :

هل توافقنى الرأى على أن نسبة الإقتتال والنزاع بين المجوعات المسلحة الإسلامية الجهادية ، دائما ما تكون الأعلى نسبه فى ساحات القتال .. لماذا ؟؟ .

 

السلفية تمنع التقليد ، أى تمنع إتباع مذهب معين بصفة دائمة ، وتطالب كل فرد أن يبحث بنفسه عن دليل لكل مسألة فقهية تعترضه ، بدون التقيد بغير صحة الدليل الشرعى على الحكم الذى يتوصل إليه .

معنى ذلك أن كل شخص سلفى هو مفتى نفسه وفقيه نفسه ، بلا مرجعية ثابتة من أى عالم مختص أو مذهب معتمد . النتيجة هى قابلية المجموعات السلفية للإنقسام والخلاف والتشرزم . كما أضافت السلفية شروطا فضفاضة للإتهامات الكبرى بالشرك والكفر وفساد العقيدة ، حتى فى مسائل تعتبر خلافية عند باقى المذاهب . بهذا فتحت أبواب التكفير على مصراعيها أمام أتباع السلفية. فالتشرزم والتكفير هى أخطر نتائج السلفية ، خاصة إذا طبقت فى المجال الجهادى حيث السلاح فى الأيدى ويمكن حسم الخلاف بطلقة واحدة أو حزام ناسف أو سيارة مفخخة ، فينتهى المخالفون مرة واحدة وإلى الأبد .

وتحظر السلفية الإجتهاد ، وتتمسك بظاهر النص الشرعى بدون تأويل ، أى بدون البحث فى السياق الذى ورد فيه النص أو معانيه المجازية الشائعة فى اللغة .

ــ إ القواعد الفقهية التى يستند إليها السلفيون ـ خاصة الأشد تطرفا وجمودا وعنفا ــ مثل الوهابيون الذين هم أغلبية المجاهدين السلفين فى الوقت الراهن ــ تلك القواعد الفقهية لها أثرها المدمر على تلك المجموعات نفسها ، وعلى الوسط الإجتماعى الذى تتحرك فيه ، سواء فى المجالات السلمية أو العسكرية ، حيث الطامة الكبرى التى نشاهدها الآن فى العديد من الدول العربية خاصة العراق والشام .

المجموعات السلفية لديها قابلية الإنشقاق إلى مالا نهاية من الأجزاء ـ ويصاحب ذلك إتهامات متبادلة لا تقل عن الإتهام بالابتداع ( أى إدخال أشياء ليست من الدين ) وصولا إلى التكفير الذى صار إتهاما سهلا ومتداولا ، حتى فقد رهبته فى النفوس ، لولا تأكيد تلك الرهبة بأساليب عنيفة مثل القتل ، ضد المتهمين بالكفر حتى لو كانوا إخوة سابقين ، أو شركاء فى معركة واحدة.

أسباب أخرى للإقتتال :

شاهدنا فى أفغانستان إقتتالا داخليا بسبب ثارات قبلية قديمة ، أو تنافس شخصى على الزعامة وما تجلبه من مساعدات خارجية لم يكن يتصورها أحد .

ــ واشتهر الإقتتال بسبب تسرب جواسيس الحكومة إلى صفوف المجموعات المقاتلة ، أو شراء قادة المجموعات بالمال والسلاح ، ثم دفعهم لقتال المجموعات الأخرى غير المتعاونة مع الحكومة ، مع بقائهم تحت نفس راياتهم الجهادية القديمة . وعندما ينفضح أمرهم كانوا ينحازون علنا الى الحكومة الشيوعية ويعملون كميلشيات عندها .

ــ وأشهر قادة الميليشيات الشيوعية وأكثرهم وحشية فى أفغانستان ويدعى عبد الرشيد دوستم كان “مجاهدا ” فيما سبق ، ولكن العروض التى وصلته من السوفييت كانت أفضل ، فقد ساعدوه فى بناء ما يشبه الجيش الخاص .

ثم قاتل دوستم لصالح المحتلين الأمريكيين فوضعوه فى منصب رئيس أركان الجيش الحكومى الذى بناه الإحتلال . وما زال دوستم إلى جانب ” قادة مجاهدين” بارزين آخرين يعملون فى خدمة الإحتلال الأمريكى الجديد بأنفسهم وبرجالهم السابقين ـ وأشهر هؤلاء ” عبد الرسول سياف”  أمير الجهاد فى أفغانستان ـ حسب الاصطلاح الإخوانى ـ حيث كان سياف أميرا لمنظمات المجاهدين المتحدين (شكلا) فى بيشاور .

كما قلنا فإن قدسية الشعار لا تعطى القدسية لأعمال من يرفعوه ، فينبغى وضعهم تحت الملاحظة الدائمة والمحاسبة من جانب الشعب والأمة . ولكن ذلك لم يحدث أبدا . ولا يبدوا أنه سيحدث فى المستقبل القابل للتخيل .

الدين سلعة ، والجهاد حرفة :

تأثرت سلبا جميع نواحى الحياة عند المسلمين ، نتيجة الإحتلال الغربى المباشر لبلادهم فى مرحلة الإستعمار العسكرى . ثم تلتها مرحلة الهيمنة الإقتصادية والسيطرة على الشعوب والحكومات بواسطة الإقتصاد ، وذلك فى أعقاب الحرب العالمية الثانية . كانت سيطرة رافقها عنف شديد فى بعض بلدان العالم الثالث ، ولكن مع إنتهاء الحرب الباردة ـ نتيجة لهزيمة السوفييت فى أفغانستان عام  1989 دخل الغرب مرحلة الرأسمالية المنفلته ( أو المتوحشة ) وأسموا تلك المرحلة بالعولمة واكتسحوا بها دول العالم بالحيلة والخديعة حتى وقوع حادث الحادى عشر من سبتمبر2001 ، فأطلقوا العنان للجيوش الأمريكية خارج إطار القانون الدولى والمنظمات الدولية لتكتسح أفغانستان ثم العراق ، وهدد الرئيس جورج بوش الدول الإسلامية بحرب غير محدودة بالزمان أو المكان .

والشرق الأوسط أصبح ساحة لرسم خرائط جديدة وتقسيمات للدول وتغيير للأنظمة ، لفتح الأبواب كاملة ، وبلا شروط ،  لعملية العولمة ، أى للنهب الإقتصادى الوحشى من جانب الشركات العظمى العابرة للقارات ـ التى تتحول بالتدريج إلى الحاكم الفعلى للعالم .

ــ الإسلام كدين لم يكن بعيدا عن ذلك كله ، والعمل الجهادى ـ وهو جزء من الدين ـ تعرض لتغيير شبه جذرى على يد ” الوهابية القتالية ” . فالسلفية التى هى المنبع الطبيعى للوهابية صارت هى المذهب الغالب على سطح الحياة الإسلامية ـ رغم أنها الأقل أتباعا من بين جميع مذاهب المسلمين . والسبب يعود إلى مليارات النفط  العربى التى ظلت تمول النشاط السلفى أينما كان ، فاشترت معظم النشاط الإسلامى الدعوى والحزبى ، ثم مؤخرا العمل الجهادى منذ حرب أفغانستان الأولى وحتى تاريخه .

ــ الدعوة الإسلامية / فى أغلب حالاتها / لم تعد وظيفة الدعاة إلى الله على طريق الأنبياء، كما يحلوا للبعض أن يقول  ، بل صارت وظيفة لدى الدولة ـ المحلية أو النفطية ـ للحصول على أعلى عائد مالى يعين على العيش الكريم .. أو الكريم جدا .

والداعية الجيد صاحب الأسلوب الجميل والجاذبية الشخصية (الكاريزما)  يفوز بأفضل عروض العمل ، وينال الشهرة والنجومية والمال ، وربما حاز على لقب (إمام) الذى يمكن إكتسابه عبر وسائل صنع النجومية . هكذا هى سلعة الدين فى مجتمع رأسمالى أو تابع لذلك النظام .

ــ  من الطبيعى فى هذا المجتمع مع تحول الدعاة إلى مروجين لسلعة الدين ذات المواصفات المطلوبة للسوق الرأسمالى ( متطلبات الحاكم أو الممول الخليجى أوالبنك الإستثمارى أو شركة إحتكارية عظمى خاصة فى المجال النفطى ) أن يتحول الجهاد إلى سلعة غالية ومطلوبة للغاية ، لأن الدماء التى تبذل فيها تسبب نتائج مربحة ماليا سواء نجحت فى مهمتها أو فشلت ، لأن المطلوب الأول هو الدمار وما يترتب عليه من نتائج مربحة لأصحاب الثروات الخرافية .

ــ من المفروض أن الجهاد هو فريضة دفاع جماعى تؤديها الأمة لحماية نفسها ومصالحها. ولكنه الآن فى هذه اللحظة ــ تحول فى جزء كبير منه ــ إلى ما يشبه الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات ، يموله أفراد أو دول أو حتى شركات كبرى ، غير ظاهرة ولكن يكشفها بالطبع إتجاه العمل الجهادى واستهدافاته ـ فلم تعد “الأمة ” تمول الجهاد كما كانت تفعل فى السابق ، بل لا تكاد تعرف عن الجماعات الجهادية شيئا سوى إشارات من الحملات الدعائية مع أو ضد تلك الجماعات .

ــ  التمويل تقوم به أيضا دول ذات مصلحة ومشاريع سياسية / إقتصادية/ . وهى دول النفط التى غالبا ما تقوم بدور (الصراف الآلى) للقوة الامريكية .

الحروب فى المنطقة العربية أخذت طابع الصراع المذهبى أو الطائفى أو الدينى كستار دخان على حقيقة صراع شركات العولمه حول خطوط نقل الطاقه أو الاستحواذ على حقول النفط وباقى المصادر الطبيعية النادرة التى يشتد الصراع حولها.

وجمهور المقاتلين الجهاديين لا يعى سوى أنها حرب ضد الشرك والكفر ، ولتحطيم الأصنام وتهديم الأضرحة ونبش القبور . مقاتل بهذا الفهم المسطح جدير برتبة  مجاهد فى عصر العولمة ، يقوم بدور “المدحلة” أو “كاسحة الألغام” فى طليعة غزوالشركات العظمى لبلاد المسلمين وغير المسلمين .

ـ وتحول معظم مجاهدى عصر العولمة إلى محترفين ، غير قادرين على العودة إلى الحياة الطبيعية بسبب ” يقظة الأمن” الغاشم للأنظمة العربية تحديدا ـ التى ترعى أمن الشركات العظمى والدول العظمى ـ فتبقى قطاعاً واسعاً من المهمشين كاحتياطى للتجنيد إما كمخبرين ، أو عساكر أمن مركزى ، أو كأدوات تعذيب بدائية ، أو مجاهدين معولمين يبحثون عن مقابر لنبشها ، ويحولون الدول إلى أنقاض ومقابر جماعية ، فى إنتظار وصول بنوك الإقراض الدولية وغيلان “إعادة الإعمار” ، وعمالقة ” الخصخصة ” الدولية لتستولى على أنقاض الدول ، وتمتص ثروات الأرض بعيدا عن شعوب مزقتها الحروب وحطمت إرادتها فى الحياة .

ــ حذرت منذ سنوات من ظاهرة خصخصة الجهاد . وأشرت إلى أسامة بن لادن ذلك الشاب المليونير الذى أنشأ تنظيما جهاديا صار هو الأشهر فى العالم فى وقت ما . وقلت بأن بن لادن رجل صالح ومخلص لكن ظاهرة “جهاد قطاع خاص ” تنذر بتكوين جماعات جهادية على أيدى جهات خبيثة تمتلك الأموال وتوجه طاقة الشباب المثالى التواق إلى التضحية والجهاد صوب الدمار . وأن أول من سيعانى من ذلك هم المسلمون أنفسهم . وأخشى أن تلك النبؤة المتشائمة قد تحققت بالفعل . فأصبح لدينا جماعات جهادية قطاع خاص واحترافية ، أقرب إلى نموذج “بلاك ووتر الأمريكية” التى خصخصت الحرب . فلحقنا بهم بل ربما سبقناهم بخطوة حين خصخصنا الجهاد ، الذى هو ذروة سنام الإسلام .

 

السؤال الخامس :

ماذا ترى فى القاعدة بعد تولى الظواهرى ما بناه بن لادن ؟ .

 

إنهارت القاعدة مرتين فى حياة بن لادن ـ المرة الأولى عندما ذهب الى السودان للإستقرار فيها واستثمار ما تبقى له من أموال هناك . فانفض عنه معظم أعضاء التنظيم وتفرقوا فى جهات مختلفة لمواصلة ” الجهاد ” أو لبداية حياة مدنية جديدة .

وبعد إعادة بن لادن إلى أفغانستان مرة أخرى عام 1996 بدأ من جديد مرحلة بنيان لتنظيم القاعدة فى عملية طويلة وصلت أوجها عام 2001 . ولكنها لم تصل أبدا إلى ذروتها التى وصلت إليها إبان حرب أفغانستان عندما بدأ تشكيل القاعدة فى نهاية 1987 .

وبسقوط حكم طالبان ووقوع البلد تحت الإحتلال الأمريكى إنتهت عمليا القاعدة الجديدة وما تبقى كان عملية تصفية بطيئة لما تبقى لها من قدرات وكوادر، حتى إنتهت بشكل كامل واقعيا مع إختفاء بن لادن ( قتلا أو إختطافا ) عام 2011

ويمكن القول أن ماورثه الظواهرى كان حطاما لا يصلح لفعل شئ ذى قيمة .هذا إضافة إلى أن القاعدة بشكل عام ، وتحت زعامة الظواهرى خاصة ، تفتقر إلى رؤية واضحة لدورها الحالى والمستقبلى . وبالتالى ظلت كما هى دوما ، تفتقر إلى استراتيجية .

ما تبقى أمام الظواهرى هو الجهد الإعلامى ، والمناورة مع الأفرع الخارجية لتبادل المصالح ، إسم القاعدة وشهرتها فى مقابل إعلان الولاء الشكلى لها .

 

السؤال السادس :

ما علاقة طالبان بالقاعدة ؟ وهل تجديد بيعة القاعدة مع كل أمير جديد لطالبان شكلية أم بيعة حقيقية ، أم مصلحة لضرب داعش ؟ .

ليس عندى معلومات حديثة حول تطورات تلك العلاقة . ما أراه هو مجاملات رسمية لا قيمة لها  فالقاعدة تشعر بالعزلة لذا تحاول الإستقواء ” بالإمارة الإسلامية ” فى مقابلة داعش التى أصبحت ذات شأن كبير من المنطقة العربية وحتى فى بعض الشئون العالمية .

حركة طالبان بدورها تستقوى بالقاعدة فى مواجهة داعش التى تطعن فى إسلام طالبان بل وشعب أفغانستان كله ، وتمارس خبراتها فى العراق فى تفجير المدنيين وأماكن الإزدحام والعبادة . تحالف المصلحة هذا يبدو باردا حتى الآن ، ومقصورا على المنشورات الدعائية .

بيعة القاعدة مع كل أمير جديد لطالبان أمر طبيعى نتيجة لعزلة القاعدة وإحساسها بالضعف وعدم الإرتباط بأى قضية إسلامية بشكل جدى كما تفعل داعش مثلا .

أما بيعة القاعدة ـ كما هى البيعة فى كل السلفيات الجهادية ـ هى بيعة شكلية ولا تصمد إذا تعارضت المصالح . وقد سبق وأن بايعوا الملا عمر ولكنهم لم يتقيدوا بشروطه ، ولم يحيطوه علما بعملية الحادى عشر من سبتمبر أو أى عملية أخرى قاموا بها .

ويبدو أن علاقات القاعدة مع طالبان لم تبتعد كثيرا عن مجال الشكليات الدعائية .

 

السؤال السابع :

بكل صراحة !! هل قطعت علاقتك بطالبان بعد سماعك خبر وفاة الملا عمر ؟

              

لم أقطع علاقتى مع حركة طالبان ، ولكننى توقفت عن الكتابة فى مجلة الصمود . والسبب هو أننى رأيت عدة إشكالات لم أجد لها إجابة . ولم أستطع أن أتفهم الحكمة من إخفاء خبر الوفاة طول هذه المدة ، والدفاع بإستماته لمدة طويلة فى تكذيب الخبر الذى توارد من جهات عديدة أتهمت جميعا بالكذب !! . وكانت مفاجأة أن علمت أن مجلس شورى الحركة موجود فى باكستان وأنه هو الجهة التى إختارت الأمير الجديد .

وأظن أن معظم مؤيدى “طالبان أفغانستان” لا يعلمون من هم أعضاء الشورى ـ بعد أن استشهد الكثيرون واعتقل آخرون ـ فلماذا تم إنكار وجود مجلس شورى للحركة فى باكستان طوال السنوات الماضية؟ . وكم عددهم؟  ومن هم؟ ، وكيف يعيشون هناك كمجلس شورى ، رغم صعوبة ذلك على شخص واحد منفرد ؟ .

وفى النهاية بأتى السؤال الخطير : ماهو دور باكستان فى كل ذلك ؟ .

كما هى عادة الحركات والأحزاب الإسلامية جميعا ـ لا أحد يشرح ، ولا أحد يناقش . والأسرار الهامة لا يعلمها أحد سوى العدو !! . فما جدوى السرية إذن ؟ ، ولحماية الحقيقة من الوصول إلى من ؟. لهذا توقفت إلى أن أفهم شيئا .

 

8 ــ بصفتك مناضل له خبرة سياسية وعسكرية طويلة أريد أن أسألك من هو عدوك ؟؟.

 

لا يحتاج الأمر أى خبرة كى ندرك أن الظلم هو العدو الأول للإنسانية جميعا . أو على الأقل الأغلبية الكاسحة من البشر .

ومن الظلم تتفرع كافة الموبقات ، من فقر وجهل ومرض . ومع تقدم الحضارة يزداد الظلم ، وتوضع مزيد من القوة فى أيدى القلة التى تغتصب حقوق الأغلبية فى كل شئ .

وينتشر الظلم مثل الوباء ، فهو يأتى أولا من الأقوى ضد الأضعف ، ثم ينتقل بين الضعفاء أنفسهم فيتظالمون ، ثم تنتقل عدوى الظلم حتى تصل إلى داخل العائلة الواحدة .

ولكن أقسى صور الظلم هو إنقسام العالم حاليا إلى أقلية تمتلك معظم أسباب القوى المادية على ظهر الأرض ، وهى فى طريقها للإستئثار بكل شئ ، بينما أغلبية البشر لا يمتلكون إلا البؤس والحرمان والتهديد الدائم بفقدان حتى القليل الذى بين أيديهم .

والصراعات السياسية والعسكرية التى يشهدها العالم ،هى فى معظمها لا تؤدى إلى إنكماش مساحة الظلم ، بل تؤدى غالبا إلى إستبدال ظلم بظلم آخر ، وإلى تغيير فى وجوه الظالمين وربما فى بعض أساليب بطشهم . ويبقى كابوس الظلم جاثما فوق الصدور .

الجميع يسعون للوصول إلى السلطة لممارسة طريقتهم الخاصة فى الظلم ، حتى أصبح تطبيق العدل عملا إنتحاريا ، فالمطالبون بالعدل أكثرية مبعثرة ، والظالمون أقوياء متحدون وبأيديهم كل أسباب القوة ماعدا قوة واحدة هى قوة الحق . أطمع فى أن أكون واحدا ممن يعادون الباطل  ويطالبون بالعدل ، حتى لو بدا ذلك العدل وهما بعيد المنال .

 

السؤال التاسع :

هل لك أن تشرح لى قصة هروبك من القاهرة ، وكيف تمكنت من الفرار من قبضة الأمن الوطنى المصرى ؟ وهل تقيم الآن فى المكسيك أم فى جزر المالديف؟ .

 

إنها قصة مثيرة حقا ، لأنها مجرد كذبة صحفية أجهل دوافعها حتى الآن . لقد غادرت من مطار برج العرب فى الإسكندرية ، ومعى جواز سفر حقيقى صادر من مصلحة الجوازات فى الإسكندرية ، ومعى تأشيرة زيارة لدولة قطر ـ هى أيضا صحيحة وصادرة من السلطات القطرية ـ ثم أتممت إجراءات السفر فى مطار برج العرب وحصلت على تأشيرة مغادرة مثل جميع المسافرين وغادرت بدون أن يسألنى أحد عن أى شئ .

وهكذا سار الأمر فى مطار الدوحة . حيث قضيت عدة أيام هناك فى زيارة لحفيدتى بدون أى إزعاج من أى نوع . ثم غادرت إلى طهران ، حيث يقيم أولادى مع أسرهم ، لأبدأ رحلة علاج من مشاكل مزعجة فى القلب ، ومازلت تحت العلاج .

طبعا لم أذهب حتى الآن إلى المكسيك أو جزر المالديف ، التى أتمنى أن أتمتع برحلة سياحية على شواطئها الساحرة .

هل رأيت كم كانت مغامرة خطيرة ومثيرة !! .

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية

رياح السموم .. الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية ( 3 من 6 )

رياح السموم .. من بلاد العرب إلى بلاد الأفغان : ( 3 من 6 )
الإسلام السياسى : تدمير الإسلام التقليدى وبيئته الإجتماعية

إن شئنا التحديد فإن ما جرى الإصطلاح عليه بأنه ( الإسلام السياسى ) هو ما نعنيه هنا برياح السموم التى هبت من بلاد العرب فأربكت المشهد الأفغانى وأضعفت من قدراته التاريخية فى التصدى للغزو الخارجى ، معتمدا على تراث دينى عريق متوارث ، وعلماء يحظون بمكانة إجتماعية عالية جدا ، ثم القوى الإجتماعية الراسخة والمتمثلة فى القبائل ، التى يمكن أن تختلف على أى شئ ما عدا إثنين من المقدسات الجامعة وهما الإسلام ، والحرية .

بإختصار فإن الإسلام السياسى موجه أساسا لإضعاف البنية الإسلامية الحقيقية فى المجتمع لإستبعادها ، إما مباشرة وفورا : كما تصنع السلفية بأنواعها وصولا إلى الحركة التكفيرية الوهابية التى تكفر كل البنيان الإسلامى التقليدى ، وتهدمه فورا بإعمال السيف فيه .

= والطريقة الأخرى هى ما يتبعه تيار “الإسلام السياسى المعتدل” وترأسه جماعة الإخوان المسلمون ومشتقاتها. وأسلوبها فى ضرب الإسلام التقليدى وقواه الإجتماعية الحاضنة هى :

أولا : الإستمرار فى تمثيل الدين وإدعاء التجديد والحداثة ، وبذلك يضعف العلماء التقليديون وتبقى الكتلة الإجتماعية الحاضنة بدون حماتها ومرشديها التاريخيون . وتضم الجماعة فى صفوفها بعض هؤلاء العلماء الذين يقبلون بالجلوس فى الصفوف الخلفية للجماعة بدون سلطات أو صلاحيات ، سوى الجلوس كعرائس خشبية ، لإيهام الجمهور أن “العلماء” يدعمون الحركة .

وهذا ما فعلته أحزاب الإخوان المسلمين فى أفغانستان ، إذ استقطبت بالخديعة والإغراء من استطاعت من علماء مجاهدين ، وأبعدتهم عن قبائلهم وعن جبهات القتال ، وشغلتهم بمهام فرعية أو تشريفاتية فى كواليس تلك الأحزاب .
والذين رفضوا اللعبة الحزبية للإخوان وأصروا على البقاء وسط قبائلهم ومجاهديهم ، منعت عنهم المعونات. (( وتلك هى كلمة السر العظمى فى قضايا الجهاد الذى تموله جهات خارجية كما حدث فى الجهاد ضد السوفييت ، وكما هو حادث الآن فى عمليات الجهاد فى دول الربيع العربى من ليبيا إلى اليمن مرورا بالعراق وسوريا )) .

الحزب أولا : قبل الإسلام وقبل القبيلة .
أسس الإخوان وتنظيماتهم الحزبية فى أفغانستان لقاعدة جديدة فى القيادة ، التى كانت سابقا وقفا على علماء الدين وزعماء القبيلة وأبنائها المميزين . فأصبحت القيادة ” للحزب” القادر على الإمداد بالمال والسلاح فى مقابل الولاء الحزبى فقط ، بصرف النظر عن القتال ضد المستعمر الذى لم يعد هو العدو الأول بل يسبقه أو حتى يستبدل بعدو آخر هو الأحزاب المنافسة ، العاملة فى نطاق نفس القبلية أو فى الجوار الجغرافى . فصار القتال داخليا بين الأحزاب رغم الإنتماء القبلى الواحد وقبل ذلك الإنتماء الدينى الواحد . فتزايدت الصراعات الداخلية وضعفت رابطة الدم داخل القبيلة ، كما ضعفت الرابطة الإسلامية بين القبائل . حتى القبيلة الواحدة تجزأت بعدد الأحزاب التى إخترقت صفوفها لتجنيد الأتباع تحت إغراء المال والسلاح ، فصارت القبيلة الواحدة سبعة قبائل على الأقل ، وتباعدت القوميات عن بعضها حيث إكتسبت بعض الأحزاب صبغة عرقية إلى جانب الصفة الدينية . مثل الحزب الإخوانى المسمى بالجمعية الإسلامية الذى كان يقوده برهان الدين ربانى أكبر الإخوان سنا ـ وكان من القومية الطاجيكية ـ وقد إكتسب حزبه حتى الآن تلك الصفة القومية .

جميع الأحزاب الجهادية لعبت أدوارا سلبية كثيرة ، كان أبرزها تفريق صفوف الشعب الأفغانى ، وجعل القضية الأولى هى الحزبية ـ وليس الحرية والإستقلال والتخلص من الإحتلال . وعلى نطاق واسع فهم الشعب الأفغانى الدور السلبى للأحزاب ولكنه كان مضطرا للقبول بها كأمر واقع لا يمكن دفعه ، لأن الإستفادة مما توفره الأحزاب من إمدادات للقتال ، هو أمر أكثر فائدة من محاولة مقاومتها والإنغماس بالتالى فى قتال داخلى ، وخيم العواقب من كافة الوجوه  .

ولو أمعنا النظر لاكتشفنا أن فرق الإسلام السياسى / من أقصى التكفير الوهابى الى أقصى الأكروبات السياسى للإخوان / جميعا تفرق الشعوب ولا تجمعها ، وتضعف الحالة الإسلامية المتوارثه بدون أن تقدم عنها بديلا أو أن تطورها وتقومها .
كما أنها جميعا تصرف أنظار الشعوب عن قضاياها وأعدائها الحقيقيين ، إلى أهداف ثانوية وأعداء مخترعين . فلا نندهش إذن من ترحيب إسرائيل بهؤلاء الإخوان والجهاديين التكفيريين ، ونفهم دفاع أمريكا والغرب عن الإخوان المسلمين والسعى لإعادتهم إلى قمة الساحات التى فشلوا فيها خلال عواصف “الربيع العربى” نتيجة لحماقاتهم وإدمانهم على العمالة المنقادة وليس القيادة الرائدة .
وندرك أيضا تمسك أمريكا بالإخوان المسلمين كشركاء على قمة السلطة فى أفغانستان المحتلة أمريكيا ، كما تمسكت بهم على قمة الأحزاب الجهادية وقت الإحتلال السوفيتى ، ثم على قمة السلطة فى كابول فى حكم مشترك بعد إنسحاب السوفييت ، إلى أن أسقطتهم حركة طالبان ، فتدخلت أمريكا مباشرة لإسقاط إمارة طالبان الإسلامية بعد عملية 11 سبتمبر المفتعلة ، فى حملة عسكرية بالغة العنف أعلنها جورج بوش حربا صليبية بلا حياء أو مواربة .

ــ  ذلك هو جانب واحد من جوانب الآثار المدمرة لرياح السموم العربية التى ضربت أفغانستان ، وهو للتذكير : { ضرب الإسلام التقليدى وتفتيت البيئة الإجتماعية الحاضنة له } . بمعنى إستبعاد وإضعاف العلماء ودورهم فى المجتمع ، ثم تفكيك المكونات التقليدية للمجتمع إلى شظايا متناحرة غير قادرة على حمل رسالة الدين أو حمايته .

ذلك هو دور الإسلام السياسى بجميع أطيافه ، من الإخوانى وحتى التكفيرى الفوضوى ، وهى تيارات تؤدى هذا الدور عن جهل مطبق على مستوى القواعد والكوادر ، وليس على مستوى القيادة العليا التى تمسك بمفاتيح التمويل والتوجيه الحركى ( أى القرار السياسى للحركة ) . تلك القيادات تمارس دورها المدمر بوعى كامل .

تكامل دور الأنظمة الحاكمة التى فرضها الإستعمار مع دور الإسلام السياسى فى تحقيق ذلك الهدف الإستراتيجى ، إلى أن ضعف دور العلماء فأصبحوا غثاء ملحقا بالسلطة التنفيذية الحاكمة وداعما لدورها القمعى ومبررا لسياساتها مهما كانت . أما المكونات الإجتماعية فقد ضعفت القبائل كثيرا بفعل الأنظمة التى جاءت بعد الإستعمار .

والمجتمعات التى كانت تتمتع بعائلات كبيرة (كبقايا من القبائل) تحللت فيها العائلة الكبيرة لصالح العائلة بالغة الصغير ، وحتى تلك أصبحت تواجه صعوبة كبيرة فى الإستمرار ، فتضاعفت نسب الطلاق وتفككت العائلات كنتيجة حتمية لتفشى الفقر والإنحلال الأخلاقى فى مجتمع إستهلاكى قائم على الفردية ومفتوح على مصراعيه أمام غزو ثقافى جارف من الثقافة الأمريكية .

وفقد المجتمع أى مؤسسات شعبية تشارك فى السلطة وتراقب أداء الحكومات .
الجهاد فى سبيل أمريكا  :
يمكن القول أن الأحزاب الإخوانية الثلاثه كانت هى عماد ” الجهاد الأفغانى ” ضد السوفيت ، أما الأحزاب الثلاث الأخرى ، من علماء ملكيون ، فكان تواجدهم ثانويا ولمجرد تملق الرأى الشعبى الأفغانى . وبين المجموعتين يجئ ” حزب إسلامى ” بقيادة مولوى يونس خالص  الذى ضغطوا دوره حتى صار حزبا موضعيا إنحصر معظم نشاطه فى ولاية واحدة بعد أن كان مرشحا لدور كبير وإقبال شعبى غير عادى .

فالرجل من العلماء ، وقد استفاد إلى حد ما من طرق العمل الإعلامى والسياسى التى أدخلها الإخوان المسلمون فى مواجهة التيار الشيوعى فى كابول فحقق شعبية مرموقة ، وكان مقبولا من الإخوان والعلماء التقليديين معا . ولكن الجميع إنقلب عليه عندما لاحظوا تنامى شعبيتة ، التى أقلقت العيون الأمريكية اليقظة لكل شاردة وواردة ، والأيدى الباكستانية الممتدة عميقا فى أحشاء التنظيمات الجهادية الأفغانية.

ــ كانت تجربة الجهاد الأفغانى فرصة ذهبية لم يسبق وأن أتيحت للإخوان الدوليين . فارتفعت أسهمهم الدولية بعلاقات وثيقة ومميزة مع الولايات المتحدة التى إرتضت بمكانتهم الأولى على رأس الجهاد الأفغانى ، ووافقت مع باكستان على تخصيصهم بحصة الأسد من إمدادات السلاح مع الأموال المتدفقة من دول الخليج العربى . الجانب السلبى لذلك هو توجس النظمة العربية القوية من ذلك التقارب وتحسبها لأن يحتل الإخوان / والسلفية الجهادية/ مكان الحظوة لدى أمريكا ، فيتولون مستقبلا زمام الحكم فى العالم العربى . وهذا التوحس ثبتت صحته بعد ذلك فى العقد الثانى من القرن التالى “الحادى والعشرين”.

وخلال تلك الفترة تلقى تيار الإسلام السياسى مضايقات لا تحصى والعديد من الضربات المؤلمة من جانب عدد من الأنظمة العربية المتوجسة شرا . أما تنظيمات السلفية الجهادية فتحولت تدريجيا إلى الوهابية الجهادية أو حتى الفوضوية بتأثير ضغوط الأنظمة والدفع المدروس والعنيف صوب المزيد من التطرف بفعل الأجهزة الأمريكية المستفيدة ليس فقط بإمكانات العلم والتكنولوجيا بل أيضا بدراسات علوم الطب الحديث وعلوم النفس والإجتماع ، فأوصلتهم بتلك الجهود الأمنية والعلمية / وأحيانا العسكرية / إلى نقطة التطرف التى تتيح لها الإستفادة الكاملة منهم .
ــ فى ثمانينات القرن الماضى ، تمكن الإخوان من شحن الرأى العام العربى والإسلامى خلف قضية المسلمين الأولى ، أى أفغانستان وليس فلسطين بالطبع ، فانهالت الفتاوى بأن الجهاد فى أفغانستان فرض عين . وفتحت المطارات للعبور ، والسعودية كانت مركزا لنفرة المجاهدين صوب أفغانستان ، فتمكن الشباب من الحصول على تذاكر سفر مجانية أو مخفضة ، وإقامة مجانية وكريمة فى المملكة ، وتزكية إلى بيوت الضيافة فى إسلام آباد وبيشاور فى باكستان ، ومن هناك تتولاهم قنوات أخرى لتوصلهم إلى جبهات قتال . مع ملاحظة أنه بعكس الشائع فإن تدريب الشباب المتطوع لم يكن مرغوبا فيه من أى أحد ، ومعظمهم دخل إلى الجبهات خالى الوفاض من أى تدريب . ولم تبدأ موجة التدريب الحقيقية إلا على يد أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة المندمج وقتها مع تنظيم الجهاد المصرى . فبدأت موجه التدريب بجهود ذاتية مضنية ولم يتمكن أحد من إيقافها ، بل نجحوا فى عرقلتها كما نجحوا فى خلق معسكرات للتدريب الوهمى ، مثل معسكر تدريب كونار التابع للقائد السلفى (جميل الرحمن) والذى أشرفت عليه جهات سعودية معنية بالأمن .

ولكن الإخوان لم يساهموا فى ذلك المجهود التدريبى خوفا من الأنظمة العربية ، فصاروا موضع تندر من الشباب العربى فى بيشاور ، خاصة حينما قال مرشد الجماعة ( حامد أبو النصر ) عندما زار بيشاور وسأله الشباب عن سر غياب الإخوان عن ساحات القتال واكتفائهم بأعمال الإغاثة الطبية والغذائية ، فقال ما معناه ( كنت أتمنى أن تسمح لنا حكومتنا بالجهاد .. ولكنها لم تفعل) . ولكن بمجهودات فردية بحتة تسرب بعض شباب الإخوان إلى الجبهات وبأعداد لا تذكر . وفى مجال التدريب يمكن بالكاد حصر أقل من خمسة مدربين إخوان طوال فترة ذلك الجهاد ، شاركوا بالفعل فى عمليات التدريب ولكن لفترات محدودة جدا ولا تكاد تذكر أيضا .

لقد أشعل الإخوان حماسة شباب المسلمين للجهاد بالنفس فى أفغانستان ، ولكنهم لم يجاهدوا سوى بالبطاطين والأدوية وتركوا ضريبة الدم لغير شباب الإخوان .  

ولكن بعد أن قرر الأمريكيون أن المولد قد إنفض وانتفت الحاجة إلى مثل ذلك الصنف من الشباب ، أعطوا إشارة البدء بالهجوم والمطاردة ونعت المتطوعين الشباب بالإرهاب والتطرف . كان الإخوان أول من ردد الإتهامات وعرضوا أنفسهم كقوة إعتدال قادرة على قمع تطرف من أسموهم (العرب الأفغان) ، الذين وصفت دورهم فى كتاباتى بأنهم مثل “بغال التحميل” التى تقتل رميا بالرصاص بعد إنتفاء الحاجة إليها .
ــ كان التقارب على أشده بين الأمريكيين والإخوان بعد نجاح التجربة فى أفغانستان بدرجة فاقت الوصف، فلقد أنتهى الإتحاد السوفييتى وكان الأمل فى البداية إستنزافه وإحراجه دوليا ، وأن تكون أفغانستان مثل كوبا ، أى مشكلة دائمة منخفضة المخاطر ، تتيح لأمريكا تدخلا دائما فى المنطقة بدعوى حماية دولها من المد الشيوعى . وبالنتيجة شعرت الأنظمة العربية بالخطر من التقارب الإخوانى الأمريكى والعلاقة الفعالة والناجحة التى أثبتت نفسها بجدارة فى المجال الدولى ، فكانت مدخلا لهزيمة السوفييت بل وزوالهم . ومن يومها بدأت تلك الأنظمة سياسة دفاعية ضد تقدم الإخوان ، تتراوح تلك السياسة بين الإستيعاب والقمع المحدود ، وليس الإبادة كما حدث مع متطوعى أفغانستان الذين واجهوا حربا طاحنة أضطروا إلى خوضها أو تورطوا فيها بغباء معتاد من قياداتهم الرعناء .
لقد أتقن الإخوان سياسة إستخدام بغال التحميل ،  أو ” المجاهد لمهمة واحدة ” والذى ظهر فى أفغانستان ، وهو المتحمس الجاهز لبذل روحه فى الجهاد فى سبيل الله ( حسب نيته الشخصية ) أو ( الجهاد فى سبيل أمريكا ) حسب نية الإخوان وقيادات الجهادية الوهابية التى يمكن للإخوان أو دول الخليج التأثير عليهم . وظهر التحالف جليا منذ أحداث الربيع العربى فى عام 2011 وحتى الآن .
وتجلت مهارة الإخوان / فى تشغيل أو إدارة أو توريط / الوهابية القتالية ، كما فى اليمن وليبيا وسوريا . ولا يمكن الجدال حول أهمية الدور الذى إحتله الإسلام السياسى الذى توسع ليشمل ـ أحيانا ـ تحالفا بين الإخوانية الدولية والجهادية العابرة للقارات ، فى إطار السياسة الكونية للولايات المتحدة ، التى أصبح ” الحرب على الارهاب ” محفزا رئيسيا لمنابع قوتها : عسكرية / أمنية / مالية / استراتيجية / فى آن واحد . ولكل طرف دولى أن يأخذ من ذلك الإرهاب أو يعطى ، يمنح أو يمنع ، يستفيد منه أو يضر منافسيه ، حسب طاقته وقدراته ومصالحة .

للإخوان مكانة متقدمة جدا من كل ذلك ـ منذ الحرب الأفغانية / السوفيتية وإلى الآن . ورغم نكسة الإخوان فى مصر وتراجعهم فى سوريا ، إلا أنهم منتشون جدا فى اليمن وليبيا وحتى فى العراق ـ أما السلفية الجهادية أو بالأحرى ( الفوضية الوهابية) فقد زادت خبراتها المكتسبة من سنوات الممارسة التى بلغت الآن حوالى ثلاثة عقود ، ولكنها لم تصل إلى درجة النضج التى وصلها الإخوان الأكثر عراقة وخبرة فى لعبة (الإسلام السياسى) أى المتاجرة بالاسلام فى سوق السياسة ، كسلعة تضمن تواجدا شعبيا فى العالم العربى الذى يفتقر الى أى تواجد سياسى غير حكومى . وذلك راجع إلى الطبيعة القمعية للأنظمة ، وإلى التربة الإجتماعية التى لا تتقبل حتى فكرة الأحزاب التى نبتت أصولها فى ظروف المجتمعات الغربية ونقلت تعسفا إلى التربة العربية ذات الثقافة المغايرة .

ــ نجاح الإسلام السياسى فى سوق السياسة الدولية والإقليمية ـ بدأ منذ عصر عبد الناصر وفرار الإخوان من مصر مهاجرين صوب دول الخليج النفطى تحت ثقل المطرقة الأمنية الناصرية . فكانت بداية مزدهرة (لإسلام السوق) الذى به تحولت ليس فقط الجماعات الإسلامية إلى مشاريع تجارية مربحة ، بل وحتى الدعاة المشهورين والمؤسسات الدينية الكبيرة ، توجهوا جماعيا صوب الخليج لمقايضة ” الإسلام الوسطى” بالإسلام الوهابى فى مقابل عمولات مالية مجزية .

ــ ” الجهاد ” بدوره تحول إلى فريضة (وهابية) وليس إسلامية . فالمنظمات الوهابية تشن حربا لاهوادة فيها ضد أى حركة جهادية غير وهابية ( وأهمها وأخطرها أثرا فى تحولات العالم الجديدة هى حركة طالبان فى أفغانستان) لهذا تتسابق داعش والقاعدة للإستحواذ على أفغانستان والتمركز فيها كرأس رمح فى حرب أمريكية/ أوروبية ضد النظام الأسيوى الجديد . حربا أهدافها الداخلية فى أفغانستان :

1ـ ضرب حركة طالبان بإعتبارها جهادا غير وهابى .

2ـ ضرب العلماء الأفغان بإعتبارهم عماد المذهب الحنفى والعقبة الأكبر أمام فرض الوهابية فى أفغانستان تحت دعاوى محاربة الشرك والقبور .
والأهداف الخارجية لتلك الحرب هى :
زعزعة الإستقرار والأمن فى كل من إيران والصين كخطوة أولى ، ثم إسقاط النظامين وتقسيم البلدين على المدى الطويل . ويمكن قول نفس الشئ عن الهند وروسيا الإتحادية . ولا يمكن تصور أن أمريكا ودول الغرب بعيدة عن تأييد ذلك المسعى ، بل أنها الداعم الأول له ـ كما سيجرى بحثه فى موضع آخر .

 

بقلم: مصطفي حامد ابو الوليد المصري ــ الإسكندرية ـ ( 20 / 9 / 2015 )

copyright@mustafahamed.com

المصدر: موقع مافا السياسي

www.mafa.world