بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (1)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان (1)

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان

(1)

# سؤال برئ  من مفاوض أفغانى إلى خليل زاد: ( خبرنى ياسيد خليل ، هل مهارتك فى البيت هى نفس مهارتك على طاولة المفاوضات ؟؟ ).

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

تجاذب يمزق الدولة الأمريكية بين إتجاهين متضادين تجاه ورطتها الكبرى فى أفغانستان :

1 ـ الإتجاه الأول تقوده لوبيات المخدرات والنفط والسلاح ، ومعهم CIA  وشركات المرتزقة. ويضغطون فى إتجاه البقاء فى أفغانستان وديمومة إحتلالها حربا أو سلماً .

2 ـ إتجاه الخروج من أفغانستان ، ويقوده الجيش الذى أعلن عجزه عن تحقيق النصر منذ حملة الخنجر فى هلمند فى بداية عهد أوباما فى عام (2009) .

وبين أطماع البقاء وإستمرار شلال الأرباح التى لا نظير لها فى أى مكان آخر .

وبين إحباط الهزيمة فى مواجهة حرب جهادية ليس لها نظير فى عالم اليوم .

تظل المعضلة التى تواجه الأمريكيين هى أن نفخ نيران الحرب وتسعيرها ، لا تسانده قوة عسكرية قادرة على إنجاز المهمة المطلوبة بإخضاع الشعب الأفغانى وتحطيم مقاومته الجهادية.

 

 

كمين تفاوضى من نسيج خليل زاد :

ضمن خطة خداع صممها المفاوض الأمريكى خليل زاد ومعه 25 خبيرا من مختلف الأجهزة الإستخبارية والسياسية ومعهم قائد القوات الأمريكية ، وكانوا جميعا هم الوفد المفاوض لطالبان فى الدوحة .

تفاصيل الكمين التفاوضى الذى عرضه الأمريكيون على وفد حركة طالبان :

1 ـ إنسحاب أمريكى من أفغانستان بعد ـ أو خلال ـ 6 سنوات .

2 ـ وقف إطلاق نار خلال هذه المدة .

3 ـ مفاوضات بين طالبان وحكومة كابول لإقرار “السلام” فى البلاد. ( أى وقف الجهاد مع بقاء قوات الإحتلال ومعها نظام الحكم الذى أسسته والدستور الذى وضعته لحكم البلاد).

4 ـ إشراك طالبان فى حكومة كابول.( بما يعنى إلتزامها بجميع المعاهدات التى وقع عليها نظام كابل ، بما فيها الإتفاقية الأمنية مع الإحتلال الأمريكى).

5 ـ ضمانات تقدمها حركة طالبان لضمان (أمن أمريكا وأصدقائها) من أخطار مصدرها أفغانستان إذا صارت مركزا للجماعات الإرهابية .

 

 

النتائج المتوقعة ، إذا قبلت حركة طالبان بذلك العرض :

– النتيجة العاجلة ستكون  فقدان حركة طالبان ـ والإمارة الإسلامية ـ لثقة الشعب الأفغانى  إذا إستسلمت بعد كل تلك التضحيات الشعبية الهائلة لسنوات كثيرة متوالية .

– خلال مدة (السلام) الطويلة سوف تتفكك القوة العسكرية لطالبان ، وينصرف المجاهدون لمعالجة مشاكلهم المعيشية ومشاكل أسرهم.

– إشراك طالبان فى حكومة كابول يلزمها بجميع إتفاقات تلك الحكومة، العسكرية والإقتصادية مع الإحتلال الأمريكى .

– فى أجواء السلم سوف يُسْتَأنَف تمديد خط أنابيب غاز (تابى) المتوقف على الحدود التركمانية ليصل إلى باكستان فى طريقه إلى الهند . وبهذا يتحقق أمل (لوبى النفط) فى الولايات المتحدة . وهو من أقوى المعارضين للإنسحاب من أفغانستان بعد حرب طويلة فشلت فى تحقيق هدفه الأساسى بتمديد خطوط الطاقة من آسيا الوسطى عبر أفغانستان .

– إستعادة زمن أمجاد امريكا فى صناعة الهيروين ، بعد الحصول على حرية الوصول إلى أغنى مناطق زراعة الأفيون فى هلمند وغيرها فى مناطق سيطرة طالبان. وبذك يتحقق أمل لوبى المخدرات الذى ضاقت عليه أفغانستان بما رَحُبَتْ.

– ضمان عدم ظهور حركة جهادية مرة أخرى ولمدة طويلة جدا من الزمن بعد تلك التجربة المريرة الطويلة. والتى فشلت فى إخراج المحتل ، بل إكتفى قادتها بنصيب لهم فى كراسى الحكم .

إعرف عدوك “، لايبدو أن الأمريكيين عرفوا الأفغان بعد  تسعة عشر عاما من الحرب . وإلا لما إفترضوا فيهم درجة من الغفلة تجعلهم يقبلون هذا الهراء الأمريكى .

أحد دهاة الوفد الأفغانى مال على أذن خليل زاد بعد أن فهم مراده من ذلك الكمين . وقال له: ــ (خبرنى ياسيد خليل ، هل أن مهارتك فى البيت مثل مهارتك على طاولة المفاوضات) .
إرتبك خليل زاد وهمس له :

( سأقول لك ، ولكن عدنى أولا ألا تخبر أحدا من وفد طالبان ) .

من حسن الحظ أن الجانب الأفغانى لم يعط ذلك التعهد لخليل زاد ، وإلا ما وصل الحوار إلى متابعينا على موقع مافا السياسي . وفى الواقع لم يفز الوفد الأمريكى المهيب والمتمرس بأى تعهد من حركة طالبان ، التى إكتشفت الكمائن التفاوضية تفادتها برشاقة .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

بين العجز والطمع تتمزق أمريكا فى أفغانستان . (1)

 




ملا عبدالغنی برادر

المفاوضات الأمريكية الأفغانية : فاصل سياسى بين حربين

نقلا عن موقع الحوار المتمدن   06/02/2019

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

المفاوضات الأمريكية الأفغانية : فاصل سياسى بين حربين 

ستة أيام والمفاض الأمريكى “خليل زاد” يصلى جماعة مع مفاوضى طالبان .. ولكن بدون وضوء .. ومع ذلك لم يحصل على ما يريد من تعهدات .

 

لدى الرئيس ترامب أمل ضعيف فى نجاح مفاوضاته مع حركة طالبان . كان رهانه الأكبر من مقامرة التفاوض هو غواية حركة طالبان بدخول (بيت الطاعة) والإنخراط فى بوتقة الفساد ضمن نظام كابل ، فلا تخرج منها أبدا وتنشغل مع الآخرين فى معارك الفاسدين حول تكديس الأموال الحرام والسلطة ، وتحالفات الإفساد ، والجميع مرتكز على دعم الإحتلال وتلاعبه بموازين القوى بين حيتان النظام الآسن .

ذلك الرهان الكبير يبدو أنه سقط بشكل لم يتوقعه المقامر الأمريكى، لأن ثورة داخلية فى حركة طالبان أطاحت بالوساطات المتواطئة التى تتظاهر برعاية المفاوضات لتتسلل إلى داخل الضمير التفاوضى وتؤثر على بعض النافذين .

قمة التواطؤ كانت عند (الراعى) الخليجى ، الذى لم يكن سوى ذئب متمرس على إفتراس الثورات ، وقتلها ، أو أخذها بعيدا عن مراد الثائرين . كما حدث مع آخر محاولة للشعوب العربية للإنعتاق ، حتى أجهض ثورتها (إبن آوى) النفطى ، وحولها إلى (ربيع عربى) ، هو مأساة كاملة ، أحبطت أمال التغيير لأجيال كثيرة قادمة ، نرجو ألا تكون أبدية .

وبدلا عن أمال عريضة (بالعيش والحرية والعدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانسة ) أخذنا (إبن آوى) النفطى إلى ما هو أكثر من التطبيع مع إسرائيل ، فباعنا بالكامل(حاضراً ومستقبلاً ـ دنيا ودينا ـ كرامة وشرفا) إلى المرابى اليهودى .

المجاهدون الأفغان فى الداخل يتساءلوا : لماذا نفاوض؟؟ .. نحن ننتصر وهم ينسحبون، والجيش والشرطة لا كفاءة لهم فى القتال سوى قتل المدنيين ، وأجهزتهم تذوب بالتدريج .  والأمريكيون دخلوا بلادنا بلا تفاوض ولا طلب ، وعليهم أن يخرجوا بنفس الطريقة .

القيادة الجهادية جعلت الجهاز السياسى جزءا من القوة القتالية . وأختير وزير الخارجية من الجنرالات الكبار ، تعبيرا عن أن المعركة السياسية ليست منفصلة عن العمل العسكرى بل مندمجة معه بالكامل.

 * جنرال يقود فى الميدان ، ومن الميدان يذهب جنرال آخر للتفاوض ويدير معركته السياسية وسط كمائن التفاوض والوسطاء الملغومين .

جاء إلى صدارة الجهاز السياسى ، وكبيرا للمفاوضين ، ذلك القائد الصلب(ملا برادر) بطل معارك ولاية هلمند عام2009 الذى تصدى لحملة الرئيس أوباما ، التى أسماها “الخنجر” وضمت 30,000  جندى أمريكى غير البريطانيين والأفغان .

ولكن (ملا برادر) كسر نصل الخنجر وحوله إلى خيبة أمل ويقين بأن الهزيمة الأمريكية فى أفغانستان أضحت قدراً مقدورا . “ملا برادر” أعْتُقِلْ وسُجِنْ فى باكستان لمدة ثمان سنوات، خضع خلالها للتعذيب المعتاد . ولما خرج من سجنه أراد التوجه إلى جبهة القتال ، ولكن القيادة العليا عيَّنَتْه جنرالا فى معركة التفاوض . وكما قلب موازين هلمند على رأس جيش أوباما، قلب موازين موائد القمار السياسى فوق رأس المقامر ترامب ورؤوس( أبناء آوى) النفطيون .

 يقول المقامر الأمريكى: فليتفاوض الأفغان مع بعضهم البعض ، وليتفقوا على حل سياسى(أى تقاسم للسلطة) . فدستور تلك السلطة قائم على محورية الإحتلال والتحالف الإستراتيجى معه ، وفقا لديموقراطية الهيرويين ، حيث كابل عاصمة الألاعيب الصغيرة وبهرجة السياسة والإعلام . أما عاصمة المال والحرب والسياسة فهى قاعدة بجرام الجوية ،  عاصمة أفغانستان الفعلية، وعاصمة صناعة الهيرويين فى العالم بلا منازع .. وبلا حسد أو ضغينة .

وليس الهيرويين هو أداة الدمار الشامل الوحيدة فى بجرام ، بل أن الصواريخ النووية المتوسطة المدى ستتواجد لتهديد الجيران (الصين روسيا إيران) أى تهديد العالم بحرب نووية.  وقتها سيقتنع العالم أن الموت بالهيرويين أهون وأسهل ، ومن الأفضل القبول بوضعية بجرام كمصنع دولى للموت الرحيم .

تصدى ملا برادر للمؤامرة الأمريكية ، فقلب طاولة المقامرة السياسية الدائرة فى عَبَقْ من التآمر النفطى، وحولها إلى ساحة لمعركة سياسية حقيقية . مدركا أنها مجرد فاصل سياسى بين حربين ، مختلفتين فى الطابع ومتحدتين فى الأهداف .

إستراتيجية التفاوض أصبحت أكثر تحديدا بإزالة العديد من نقاط التشويش.الطرح التفاوضى لطالبان يقول بأن المحور الأساسى للتفاوض هو الإنسحاب الأمريكى الكامل ، وما سوى ذلك هو نقاط فرعية . أما التفاوض مع حكومة كابل فهو مستحيل فى وجود الإحتلال ، لأن تلك الحكومة مشكلة داخلية بحتة سيتم حلها لاحقا وفقا للأساليب الأفغانية التقليدية وبدون تدخل خارجى من أى طرف.

المفاوض الأمريكى من أصل أفغانى “زلماى خليل زاد” طلب من المفاوض الجهادى وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض كلها / مع الأمريكى أو مع الطرف الحكومى/ ولكن الجنرالات الجهاديون يكتشفون الخدعة بسهولة . فإذا توقفت لغة البنادق لصالح لغة التفاوض فلن يخرج جيش الإحتلال أبدا ، ولن ينتهى التفاوض ، وسيبقى الوضع الإحتلالى على ما هو عليه . وتننتهى أسطورة أفغانستان كصخرة تتحطم عليها الغزوات والإمبراطوريات ، وتتحول إلى مجرد جمهورية هيرويين تديرها المخابرات الأمريكية .

مطالب أمريكية مرفوضة، وعقاب للمفاوض الأمريكى :

 “خليل زاد”طالب الوفد الأفغانى أن يتعهد بعدم جعل أفغانستان “ملاذا للمتمردين” الذين يهددون الولايات المتحدة . فتعهد الأفغان بألا تكون أراضى بلادهم منصة لتهديد الجيران ، أما التعهد لأمريكا بشئ من ذلك فمعناه تحمل المسئولية عن عمليات الحادى عشر من سبتمبر ، وهو الشئ الذى عجزت الولايات المتحدة عن تقديم أى دليل بشأنه . كما أن تقديم أى تعهد مثل ذلك للأمريكيين سيكون ذريعة دائمة لتدخلهم فى الشئون الداخلية للأفغان ، ومادة للتشنيع وفرض عقوبات وربما ضربات عسكرية كما حدث فى تسعينات القرن الماضى ، وبدون أن يقدموا أى دليل سوى (كلمة شرف) أمريكية معززة بصواريخ كروز وطائرات الدرون.

  *    لم يوافق وفد طالبان على الطلبات الأمريكية ولكنهم فى المقابل عاقبوا “خليل زاد” على تذاكيه فاعتمدوا على تكتيك الإطالة فى جلسات التفاوض حتى دخول وقت الصلاة . فينهضون لأدائها فى جماعة ، فيضطر “خليل زاد” إلى الإنضمام إليهم ، إثباتا لإسلامه وأفغانيته الأصيلة. ولمدة ستة أيام صلى “خليل زاد” معظم  فرائض الصلاة اليومية مع الوفد الأفغانى الذى كان أعضاؤه يضحكون فى أكمامهم على الورطة التى وقع فيها المندوب الأمريكى . والغريب أنه عند كل صلاة كان يدعى أنه مازال على وضوء “!!”.

لاحظ الوفد الأفغانى المفاوض أن تلك لم تكن الورطة الوحيدة التى أوقعوا فيها المفاوض الأمريكى . ولكن الأشد منها أنه كمدمن تغريد  على “تويتر”، لم يتمكن من إرسال تغريدة واحدة لمدة ثلاثة أيام متواصلة . وكان وفد طالبان متعمدا قد وضعه فى أجواء تفاوضية ساخنة ومتلاحقة أنسته التغريد كما أرغمته على صلاة الجماعة ، ولو بدون وضوء.

الوقت اللازم لسحب القوات الأمريكية :

أجاد الأمريكيون إستغلال “حادثة التفاوض” فى إطلاق سيل من الإشاعات للتأثير على الوضع الداخلى فى أفغانستان لغير صالح طالبان.

قالت إحدى الإشاعات أن هناك إتفاقا على فترة إنسحاب للقوات الأمريكية مدتها 18 شهرا . وفى ذلك تحايل حتى يضع المجاهدون السلاح تحت وَهْمْ سلام قادم بعد تلك المهلة، ثم يصحون بعد إنتهائها على نقض الأمريكيين للإتفاق كالعادة ، واستمرار الإحتلال بعد أن  تراخى المجاهدون وانصرفوا إلى حياتهم العادية .

إن الجيش السوفيتى بتعداد 150 ألف جندى غادروا أفغانستان فى ستة أشهر أو أقل بعدة أيام. فكيف يحتاج الجيش الأمريكى  بتعداد 15 ألف إلى 18 شهرا ؟؟. وبعملية حسابية بسيطة نجد أن الأمريكيين فى حاجة إلى 18 يوما فقط لإتمام الإنسحاب . مع العلم أن المعدات الأمريكية تعتمد على التكنولوجيا المتطورة وليس الأعداد الكبيرة والأحجام الضخمة كما كان حال السوفييت. الأمريكيون يحتاجون عمليا إلى ثلاثة أيام أو أربعة على أبعد تقدير للإنسحاب من أفغانستان . فقدراتهم على النقل الجوى تتخطى بمراحل قدرات السوفيتت فى الثمانينات ، الذين كان معظم إنسحابهم يتم بريا مصطحبين معهم آلاف المعدات والأسلحة الثقيلة ، التى كانت عبئا فى الحركة ، وبشكل ما كانت من أسباب هزيمتهم فى أفغانستان .

لم يعد التفاوض ساحة للمقامرة الأمريكية ، بعد أن دفعت حركة طالبان بأحد جنرالاتها العظام إلى ساحة التفاوض ، فمن المستحيل خداعة أو إستدراجه إلى كمين أو تطويقه . ويمكن للأمريكيين إستشارة رئيسهم السابق أوباما حول طبيعة ” الملا برادر” وإمكاناته .

وعلى الأغلب فإن أى جولة تفاوض قادمة لن تتقدم كثيرا. وسيتجه الطرفان صوب الإحتكام إلى الميدان . لا سبيل أمام ترامب سوى الإنسحاب من أفغانستان ، وقد يحصل فى المقابل على ضمان لسلامة الجنود الذين سينسحبون طبقا لخطة معلنة سلفا . هذا وإلا فإن أى عملية إنسحاب لم يتم إخطار طالبان بها ربما تتعرض لهجمات سيكون هو المسئول عن نتائجها .

الجيش الأمريكى ينسحب ، وجيش المرتزقة يبدأ حربا جديدة :

هناك خطر كبير يلوح فى الأفق . ذلك أن قوات المرتزقة فى أفغانستان ظلت هى الحاضر الكبير فى تنفيذ إستراتيجية ترامب التى أعلنها فى العام الماضى ، ومع ذلك لا يجرى ذكرها فى جدول التفاوض ، ويجرى تجاهل بحث مستقبلها ، تماما كما يتجاهل الأمريكيون ذكرالمرتزقة فى قائمة الخسائر البشرية. كما يتجاهلون ذكر عملياتهم الإجرامية ضد المدنيين.

هناك من الدلائل ما يشير إلى أن هؤلاء المرتزقة قد يستأنفون حربا غير معلنة فى أفغانستان ، تستكمل أهداف الحرب الحالية ، أو معظم أهدافها على الأقل . وأعداد المرتزقة غير معلومة بدقة ، ومن الطبيعى أن يعتبرها الأمريكيون أحد أسرارهم العسكرية . ولكن يعتقد أن أعدادهم قد تخطت ضعف القوات الأمريكية ، أى أنهم ومنذ فترة يشكلون القوة الضاربة الأساسية للإحتلال الأمريكى فى أفغانستان.

سبق أن دار حديث فى الولايات المتحدة عن خصخصة الحرب فى أفغانستان لصالح جيش من المرتزقة يقوده الملياردير (إريك دين برنس) المؤسس الدولى لشركات المرتزقة ومن بينها “بلاك ووتر” سيئة الذكر . برنس ومشروعه الأفغانى يستلهم تجربة الإستعمار البريطانى مع شركة الهند الشرقة التى إستولت على الهند لمصلحة التاج البريطانى ثم حولتها إلى مزرعة ضخمة للأفيون ، الذى فرضت إستخدامه على الصين ، واحتاج ذلك إلى حربين طاحنتين ساهمت فيهما معظم الدول التى شاركت فى الحرب الأخيرة على أفغانستان ، والتى أسميناها حرب الأفيون الثالثة !!.

قال ترامب أنه سينسحب من أفغانستان تاركا هناك وحدة عسكرية صغيرة ووحدة من المخابرات الأمريكية . ومعلوم أن المخابرات الأمريكية هى التى تقود الحرب فى أفغانستان ، وتدير برنامج الإغتيالات بواسطة الطائرات عديمة الطيار . وأن الجيش الأمريكى يأتى فى وضعية المساعد ، بينما المرتزقة الدوليون هم القوة الضاربة الأساسية فى المعارك الأرضية وفى الغارات على القرى بالقوات المنقولة جوا . أما القوات المحلية فتوضع فى مقدمة العمليات الأرضية لتتلقى الضربات الأساسية .

جيش الملياردير “برنس” حدد معظم ملامح حربه فى سبيل الهيرويين لمرحلة ما بعد إنسحاب الجيش الأمريكى الذى لم يعد له دور يذكر فيما يدور الآن من معارك فى أفغانستان ، ولن يكون له فى المستقبل أى دور سوى الإشراف من قريب على ما يجرى من معارك على يد جيش الملياردير “برنس” المدار بواسطة المخابرات المركزية .

إذا أصرت حركة طالبان على موقفها الحالى ــ وهى حتما ستفعل ــ فربما يتم تفكيك مصانع الهيرويين العملاقة فى مطار بجرام ، للتتوزع الصناعة على عدة مناطق تحميها  مليشيات محلية مدعومة بقوات “برنس”، ويتصدر واجهة كل منطقة أحد لوردات الحرب المحليين . ولذلك أبعاد لاشك فيها على السياسة الداخلية لأفغانستان ، وانعكاس على الوضع الأمنى للبلاد وردود فعل من الدول المحيطة . أى أنها حرب هيرويين أخرى فى ثوب جديد.  ومن المرجح أن أمبراطورية “برنس” للهيرويين ستلامس نهر جيحون ، وتصل خطوط عملها اللوجستى إلى ميناء كراتشى فى باكستان ، وهى إمبراطورية لابد أن تكون مقسمة إلى قطاعات إنتاجية وإدارية منفصلة ، لكن تحت إدارة واحدة للمخابرات الأمريكية . وبنادق مرتزقة الملياردير “برنس” ، وقوات من ميليشيا محلية ستدعم عسكريا وتتصدى للمخاطر العاجلة.

أفغانستان: مستعمرة نفط أم مستعمرة هيرويين ؟؟.

قال أحد حيتان النفط فى الولايات المتحدة قبل أن تشن بلاده حربا على أفغانستان ، أنهم سيحولون أفغانستان إلى (مستعمرة نفطية)، فأين ذلك الحلم الآن ؟؟ . لقد نجحوا فى تحويل أفغانستان إلى (مستعمرة هيرويين) وعملوا على ذلك منذ لحظة إحتلالهم الأولى، بما يشير إلى أن ذلك كان الأولوية المتقدمة لحربهم، رغم عدم إعلانهم عن ذلك . وفى العادة فإن الأهداف الكبرى لايعلن عنها أبدا ، أو يعلن عنها فى الأخير جدا بعد أن يتم إنجاز المهمة . ولكنهم لم يتنازلوا تماما عن  فكرة المستعمرة النفطية . فمفاوضهم الرئيسى الحالى “زلماى خليل زاد” كان يفاوض طالبان فى بداية عهدهم فى الحكم حول خطوط نقل الطاقة من آسيا الوسطى إلى باكستان عبر أفغانستان . ولكن فشلت عمليات التفاوض الذى شارك فيها العديدون ومنهم حميد كرزاى أول رئيس عينه الإحتلال الأمريكى، وقد كان مستشارا لشركة “يونيكال” النفطية الأمريكية ، كما هو حال “خليل زاد”.

الفارق بين المشروعين هو أن مشروع الهيروين لا يستلزم أكثر من السيطرة على العاصمة وعدد محدود جدا من الولايات الجنوبية / خاصة قندهار وهلمند/ التى ركز فيهما الأمريكيون أكثر قوتهم الضاربة ومعهم أقرب الحلفاء من بريطانيين واستراليين وكنديين وإماراتيين .

وبإستخدام التكنولوجيا المتقدمة / التى لا يمتلكها غير الأمريكيين/ فإن الآلات الحديثة المحدودة الحجم تنتج بلورات الهيرويين كامل النقاء ، الأغلى سعرا والأسهل من حيث النقل والتهريب.

لكن مشروع أنابيب النفط يحتاج إلى إحتلال مساحات كبيرة جدا من الأرض عبر عدد من الولايات . وذلك واضح الإستحالة الآن وسابقا . لهذا نشاهد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكى وهم يصدرون قانونا بمنع الإنسحاب الأمريكى من أفغانستان . وهؤلاء هم “شيوخ” النفط الأمريكيون الذين خرج سادتهم فى شركات النفط صفر الأيدى من حرب إستمرت 17 عاما ولم يظهر فيها أى أمل على خط أنابيب قادم من آسيا الوسطى .

الأمريكى “خليل زاد” مازال يحتل موقعه على طاولة المفاوضات ، فهل ضاع أمله فى إيجاد مستعمرة نفطية فى أفغانستان ، بعد أن تحولت المفاوضات من مقامرة أمريكية إلى ساحة حرب أفغانية ، يقودها واحد من أكثر جنرالات المجاهدين صلابة وعنادا ؟؟.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

ملا عبدالغنی برادر

 




أفغانستان فى مركز النظام الدولى القادم

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (152) | صفر 1440 هـ / أكتوبر 2018 م.      

16/10/2018

أفغانستان فى مركز النظام الدولى القادم

 

– لم تعد أفغانستان منطقة عازلة ، بل أصبحت حلقة وصل أساسية بين أقاليم آسيا .

– الإستعمار الأمريكى يحتضر ، وهو آخر السلالات المتوحشة للإستعمار الأوروبى .

– شعوب آسيا تدرك الآن أهمية جهاد شعب أفغانستان لحماية شعوب القارة من العدوان الأمريكى والإرهاب الداعشى ، ومن حقه أن يحصل على دعمهم السياسى والتسليحى .

– التعاون مع شعب أفغانستان فى وقت الضيق الحالى ، سوف يحدد مدى تعاونه مع أصدقائه فى عصر السلام القادم .

– ستنتشر هداية الإسلام أينما سار طريق الحرير ، وسارت طرق القطارات  عبر أفغانستان إلى برارى آسيا وموانئ العالم .

– ليس السؤال هو متى ينسحب الجيش الأمريكى من أفغانستان ، بل السؤال هو كم من جنوده يمكنهم النجاة من أفغانستان ؟؟.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

 

ليس هناك أى شك فى أن “النظام الدولى” أحادى القطبية قد إنهار . وأن نظاما آخر قيد التشكيل وسط مقاومة أمريكية عنيفة ومتهورة .

تلك المقاومة الحمقاء تعجل بتشكيل النظام الدولى القادم ، وكل الدول المتماسكة تبحث لنفسها عن مكان بداخله . والدول المسحوقة فاقدة الإرادة تتمسك بالسيد الأمريكى ، ومستعدة للذهاب معه إلى الجحيم ، وتدفع له الإتاوات وتنفذ كافة مطالبه عسى أن يقبل تعلقها الذليل به .

من إستوعبوا الحكمة الكامنة فى التاريخ كانوا يقولون أن أمريكا إرتكبت أكبر خطأ فى تاريخها بغزوها لأفغانستان بينما عبرة سقوط الإتحاد السوفيتى مازالت ماثلة للعيان . وكانوا يقولون أن أفغانستان صارت محصنة ضد أى غزو خارجى بعد ما حدث للسوفييت . ومن قبله ما حدث لبريطانيا التى كانت عظمى وإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ولكن بعد ثلاث حملات عسكرية لإخضاع أفغانستان تحولت إلى دولة من الدرجة الثانية ، ثم إلى مجرد “ذيل حضارى” للإمبراطورية الأمريكية التى سيطرت على النظام الدولى فى مقابل كتلة شيوعية منافسة . فكان نظاما ثنائي الأقطاب إستمر حتى هزيمة السوفييت فى أفغانستان وسقوط إمبراطوريتهم ، وأعلان أمريكا عن نفسها كمنتصر أوحد فى حرب أفغانستان ، وتعلن نهاية الحرب الباردة وأنها سيد العالم الأوحد بلا منازع وإلى مالا نهاية .

ثم رفعت راية “العولمة” التى هى “أمركة” العالم إقتصاديا وثقافيا ، تحت سطوة أمريكا العسكرية ، وأحادية سيطرتها على كل بنى البشر فى كل أنحاء الأرض .

بلغ الغرور الأمريكى حدا تجاهلت فيه السُنَّة التاريخية الثابتة ، والتى تقول أن أفغانستان هى مقبرة الأمبراطوريات الظالمة التى تخترع للبشر نظاما للإستعباد ” تسميه ” النظام دولى”.

لم يكن غير الأحمق جورج بوش الصغير هو من يمكن أن تبلغ به الجهالة إلى حد الإقدام على غزو أفغانستان . لتبدأ عملية تركيع أمريكا على يد مجاهدى الشعب الأفغانى .

كان واضحا للرئيس أوباما أن بلاده لن تفوز فى حرب أفغانستان ، ولكنه لم يمتلك القدرة على مواجهة مجموعات الضغط التى تريد إستمرار الحرب حتى ولو كانت حربا عقيمة عسكرياً طالما إنها تحقق أرباحاً طائلة فى جوانب أخرى مثل الأفيون والنفط ونهب الثروات المنجمية ، إضافة إلى ترويج منتجات صناعة السلاح والصناعات الأمنية وشركات المرتزقة (المتعاقدون)، وفوق الجميع البنوك الكبرى العاملة فى عوائد النشاطات آنفة الذكر خاصة المخدرات .

–  حتى اللحظة الراهنة لم تخرج القوات الأمريكية من أفغانستان ، وإن كانت قد إنخفضت إلى جزء من عشرة أجزاء من حجمها الأصلى . أى أنها الأن 15 ألفا بدلا من 150 ألف جندى قبل عام 2015 . ولكن لا تتوافر إحصاءات رسمية عن قوات(بلاك ووتر) وأشقائهم من الدواعش من “فرق الموت” الوهابية التابعة للجيش الأمريكى . وهناك قوات مستخزية أخرى ، هم (أولاد الحرام) الذين يمولون الناتو ويقاتلون معه حيثما حل فى بلاد المسلمين ، بدون أن يعترف الحلف بأنهم أبناء شرعيون له .

–  ومع هذا فإن ترامب (المجنون ، المختل نفسيا ، المنحرف إخلاقيا ) قد يحصل على فرصة فريدة لتخليص بلاده من حفرة النار الأفغانية التى سقطت فيها. ومن المتوقع أن الفترة ما بعد إنتخابات التجديد النصفى فى شهر نوفمبر القادم سوف تشهد مفاجآت أمريكية غير متوقعة ، أيا ما كانت نتائج الإنتخابات .

ــ (النظام الدولى) الأمريكى أحادى القطبية قد أنتهى منذ سنوات وبهذا تكون أفغانستان أوفت بعهدها ، وقضت على مكانة دولة عظمى، و(نظام دولى) حاول إذلال العالم ، ولم ينتبه إلى خطواته التى أسكرها الغرور فسقط فى جهنم الأفغانية .

ــ العالم الآن بلا نظام دولى . وهناك نظام فى طور التكوين ، وللمفارقة فإن تخبط السياسة الأمريكية تدفع نحو بلورته بسرعة . وكتلته الصلبة سوف تكون الصين وروسيا ، وحولهما إيران ودول أخرى تمتد من الهند إلى جنوب أفريقيا والبرازيل .

تنبهت أمريكا بعد فوات الأوان إلى الخطأ الذى وقعت فيه بمعاداة روسيا والصين معا ــ فحاولت إجتذاب الهند بعيدا عنهما ــ فخصها ترامب بعبارة مجاملة فى خطابه الفكاهى فى الدورة 43 للجمعية العامة للأمم المتحدة ، الذى أضحك قادة العالم على ما وصلت إليه الولايات المتحدة ، التى قضت على أنظمة العالم وقوانينه ، بينما يقف رئيسها يتباهى بجهله ومغالطاته المضحكة .

– أفغانستان التى حطمت خلال قرن ونصف ، ثلاث أنظمة إستعمارية كانت تدير العالم ، لم تستفد فى أى مرة من أنجازات دفعت ثمنها غاليا من الدماء والأموال . يعود ذلك إلى ضعف القيادة السياسية للبلد ، وقدرة القوى الإستعمارية على إشعال الفتن الداخلية ، والتدخل فى أمور الدولة إلى درجة تعيين الحكام ومساندة طرف على أطراف أخرى منافسة .

آخر الفرص التى ضاعت كانت إنتصار الشعب الأفغانى على الغزو السوفيتى الذى كلف دماء وأرواح مليونى شهيد وإضعاف ذلك من المعاقين والجرحى .

ولكن عدم وجود قيادة سياسية للجهاد ، أتاح فرصة للدول الخارجية كى ترسم المسار السياسى لأفغانستان ، فأوقعتها فى حرب أهلية طاحنة منعتها من جنى ثمار إنتصارها الكبير .

الجهاد الحالى ضد الإحتلال الأمريكى ، يدور فى مناخ إقليمى ودولى تأثر كثيرا بالفشل الأمريكى فى إخضاع أحد أفقر الشعوب إقتصاديا ، وأغناها معنويا ودينيا، مما أدى إلى ظهور أقطاب كبرى حول أفغانستان تزحف بثبات نحو قيادة العالم ، فى مواجهة معارضة وعرقلات أمريكية كثيرة وقوية . ولكنها مسألة وقت ليس إلا ، حتى يبزغ نظام أسيوى يقود العالم ، ستكون أفغانستان فى مركزه ، ولديها المؤهلات لذلك  ، وهى :

 

أولا ـ إنقلاب فى الدور “الجيوسياسى” لأفغانستان :

فى القرن التاسع عشر كان ينظر ـ دوليا ـ إلى أفغانستان على أنها ” دولة عازلة” تفصل بين كتلتين من أعظم كتل العالم ، تزحفان فى إتجاهين متعاكسين . الروس يزحفون لتوسيع إمبراطوريهم القارية من الشمال إلى الجنوب ، وغاية زحفهم كانت مياه المحيطات الدافئة أى إنتزاع الهند من التاج البريطانى . وإمبراطورية بريطانية “بحرية” لا تغيب عنها الشمس زاحفة فى الإتجاه المعاكس من الجنوب نحو الشمال ، لتبتلع المساحات الشاسعة فى آسيا الوسطى وجبال القوقاز وما خلفها من بلاد .

ولأن الصدام بينهما سيكون كارثيا للإمبراطوريتين ، فإتفقتاعلى تحييد أفغانستان وجعلها منطقة عازلة تمنع التماس المباشر بينهما وما قد ينتج عنه من حروب .

– الآن إختفت تلك المعادلة الدولية . فروسيا الإمبراطورية لم تعد موجودة ، وبريطانيا العظمى إختفت عظمتها . والإمبراطورية السوفيتية إختفت كلها ، والولايات المتحدة فشلت فى فرض نظام دولى جديد لأن الأفغان حطموا أحلامها ، حتى صار رئيسها أضحوكة العالم فى الأمم المتحدة . ودول آسيا تبحث عن تواصل إقتصادى يرفع من مستوى الشعوب وليست فى حاجة إلى مساحات عازلة ، بل تحتاج إلى أفغانستان كحلقة إتصال جغرافى بين إتجاهات آسيا الأربعة . وتلك ميزة جغرافية تكسب أفغانستان قوة سياسية فى الإقليم ودورا حيويا فى نهضة إقتصادية عالمية القائمة على حرية وكثافة تنقل البضائع والأفراد بين أرجاء آسيا ، خاصة كتلها الكبرى : الصين ـ روسيا ـ الهند ـ إيران .

إيران والهند بمباركة روسية ، بدأتا بالفعل خطوات لإنجاز تلك الرؤية عبر مرتكزين هامين الأول ميناء تشبهار على بحر العرب ، والثانى خط سكة حديد لربط الميناء بآسيا الوسطى وروسيا . لذا يمكن أن نطلق عليه مشروع (الميناء والقطار) .

ومشروع الصين العظيم الذى أسمته (الحزام والطريق) وهى مشروع صينى ذو عمق عالمى يربط مناطق كثيرة من العالم القديم مع الصين ، كمركز إقتصادى وأكبر قوة تصديرية فى العالم . والمشروع يستلهم فكرة طريق الحرير التاريخى الذى كان يربط أوروبا بالصين التى يمكن أن تتطور مستقبلا إلى قطب قائد للسياسة العالمية . وإذا إتجه ذلك العملاق صوب حضارة عسكرية على النمط الغربى الذى مارستة الدول الإستعمارية فى أوروبا وأمريكا فسوف يدخل العالم فى نفق أسود . ولكن التمنيات تقول أن ذلك لن يحدث على أمل أن التراضى الإقتصادى وتقاسم الأرباح الهائلة بشئ من العدالة لن يجعل “عسكرة” النظام الدولى القادم أمراً مفيداً للإقتصاد أو للسياسة .

– لأفغانستان دور فى كلا المشروعين ، الصينى (الحزام والطريق ) ، أو فى مشروع (الميناء والقطار) أى مشروع ميناء تشبهار وخط القطارات المنطلق منه. ويؤكد المشروعان على أن الدور الجيوسياسى لأفغانستان ما بعد التحرير هو كونها حلقة وصل جامعة لكل آسيا . ومَعْبَراً لعدد من أهم دولها للخروج إلى البحار الواسعة من خلال ميناء تشبهار .

 من ضمن أهداف أمريكا فى أفغانستان هو إستخدامها كقاعدة لتخريب النظام الأسيوى الدولى، والعمل منها ضد أهم ركائزه ، وهم الصين وروسيا والهند وإيران ، بإستخدام ورقة “الإرهاب الداعشى” الملحق بالجيش الأمريكى وحلف “الناتو” .

إدراك أقطاب آسيا للأهداف الأمريكية بكل وضوح ، جعل الميدان السياسى مفتوحاً أمام تقدم حاسم للإمارة الإسلامية لتثبيت جذورها فى النظام الأسيوى القادم ، وإقتحام الميدان الأسيوى منذ الآن بتمهيد الطرق مع تجمعاته المتعددة ، وإيضاح موقفها من أوضاع العالم الحالية ، والخطر الذى تمثله الولايات المتحدة وحلف الناتوعلى أمن وإستقرار العالم وشعوب آسيا . وأن إمارة أفغانستان الإسلامية بعد التحرير، تعى دورها فى حفظ السلام والأمن فى آسيا وتخليصها من سرطان الإحتلال الأمريكى وإرهابه الداعشى ، لإتاحة الفرص أمام أوسع نطاق ممكن من تحسين أوضاع المنطقة وتنمية ثرواتها فى ظلال من العدالة والسلام .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

الإمارة الإسلامية تتصدى لأمريكا وداعش :

يتابع العالم ـ والقوى الأسيوية تحديدا ـ المعركة الضارية بين حركة طالبان ـ القوة الضاربة للإمارة الإسلامية ـ وبين جيش الإحتلال الأمريكى ، وما يتبعه من حلفاء وذيول وحشرات متسلقة . ومن أهم مكونات الإحتلال تأتى داعش (كتيبة المرتزقة الوهابيين) الملحقة بجيوش أمريكا والناتو .

لقد فشلت داعش فى تحقيق أى من مهامها فى أفغانستان . ولم تنجح فيما فشل فيه سادتها الأمريكيين ، رغم ما بذلته من تخريب وقتل لإشاعة الفتن المذهبية والعرقية ، وإرهاب مُنَسَّقْ مع أجهزة الدولة فى كابول ، وإنخراط فى صراعات حزبية وأمنية ، وحروب بين ميليشيات النافذين فى النظام . فلم يقتنع أحد فى الشعب الأفغانى بأن إجرام داعش له أى صلة بجهاد حركة طالبان . وحتى دول الجوار لم يساورها أى شك فى ذلك ، سواء الجيران فى الصين أو إيران أو روسيا والهند . فالمسلمون فى القارة الآسيوية هم منارة هدى وحضارة ومُثُل دينية عليا ، وليسوا مع الإرهاب أو التخريب ، ولن يكونوا (ورقة ) فى يد أمريكا أو إسرائيل والناتو لتخريب أمن شعوب آسيا وعرقلة نهضة تلك القارة العريقة. فالمسلمون كانوا دوما ضمير آسيا ومنارة الهداية المشرقة فى أرجائها. والأجواء القادمة فى آسيا والعالم ستجعل الإسلام يشق طريقه بالهداية والدعوة . وعلى خطوط التبادل التجارى التى ستغطى آسيا والعالم سينتشر الإسلام مع حركة الناس والتجار وطلاب العلم ، كما كان الحال فى الأزمان الخالية قبل الهجمة الإستعمارية على دول آسيا المسالمة . ستسير هداية الإسلام أينما سار طريق الحرير، وسارت خطوط القطارات عبر أفغانستان إلى برارى وموانئ آسيا والعالم .

أما الغزاة المعتدين فمصيرهم معروف ، ومن المفروض أن أحدا لن يفكر يوما فى تعكير صفو أمن الشعب الأفغانى ، أو شعوب آسيا الحرة المتشوقة إلى هداية الإسلام الذى سيعرض عليها فى أجواء من السلم والثقة .

 

 

تحديات المستقبل والعلاقات مع دول الجوار :

–   تطوير علاقات الإمارة الإسلامية مع أقطاب آسيا (الصين ـ روسيا ـ إيران ـ الهند ) له هدفان رئيسيان :

الأول : إعاة بناء أفغانستان .

الثانى : مواجهة الموجة الجديدة من الحروب الأمريكية ، وفى طليعتها الإرهاب الداعشى ، والمخدرات .

وكلا الهدفين مرتبط بالآخر إرتباطا وثيقا لدرجة يمكن إعتبارهما هدفا واحدا . وكلاهما فى حاجة إلى ترابط إقليمى بين أفغانستان ومحيطها الأسيوى العملاق . فمواجهة خطر الإرهاب الداعشى ، ومشتقاته يحتاج إلى بناء جيش قوى ركيزته القوات الجهادية الحالية بعد تحديثها وتسليحها جيدا ، وإعادة تدريبها على مزيد من المهام المستجدة فى الحروب الحديثة . ويحتاج إلى نظام معلوماتى قادر على التصدى للحرب الإستخبارية المساندة للإرهاب الداعشى ، وقادر على الإسهام فى تعاون إقليمى لرصد الشبكات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات التى تديرها أمريكا حاليا فى أفغانستان وباقى دول المنطقة لإغرقها فى مستنقع المشاكل الأمنية بدلا من التركيز على مشاريع التنمية الإقتصادية والإجتماعية ، ومشاريع الإتصال بين دول آسيا .

هذا الإنفتاح الهائل أمام أفغانستان برا وبحرا سيصنع القيمة الجيوسياسية الجديدة لهذا البلد. وليس هذا بالخبر السار للمحتل الأمريكى ومشاريعه المنهارة فى أفغانستان الذى طمع فى أن يجعلها (إسرائيل جديدة فى المنطقة ) حسب قول عضو فى الكونجرس الأمريكى قبل العدوان الأمريكى على أفغانستان ، أى بجعل ذلك البلد قاعدة للتخريب والحروب ونهب الثروات ونشر الفتن بأنواعها .

–  أما مكافحة المخدرات فهى عمل لا يمكن إنجازه بدون تعاون إقليمى يقديم حلا جذريا للمشكلة . فأمريكا هى المتسبب الأول فى مشكلة المخدرات كما فى مشكلة الإرهاب الوهابى . لذا فإن الحقيقة التى يدركها العالم ودول الجوار الأفغانى هى أن خروج الإحتلال الأمريكى من أفغانستان هو شرط ضرورى لحل مشكلتى الإرهاب الوهابى والمخدرات ، خاصة تصنيع الهيروين وتوزيعه دوليا ، والذى تقوم به قوات الإحتلال من قواعدها الجوية . ومن المعروف دوليا أن أمريكا بعد إحتلالها لأفغانستان رفعت إنتاج الأفيون إلى أكثر من خمسين ضعفا مما كان عليه فى عام دخولها الإجرامى إلى هذا البلد .

–  ويمكن تقديم إقتراح لتنفيذه بشكل جماعى من دول المنطقة ، وهو مشروع لصناعة دوائية عملاقة تستخدم محصول الأفيون الأفغانى فى إنتاج الأدوية المحتوية على المسكنات بحيث تكفى إحتياجات دول الأقليم ـ وهى دول تحتوى على أكثر من ثلث سكان العالم . فتساهم أفغانستان بأرض لإقامة المشروع ، وبمحصول الأفيون اللازم . ودول الإقليم تساهم فى التمويل وتقديم الآلات والخبرات الفنية . ويعد ذلك يحظر زراعة أى مساحات إضافية من نبات الخشخاش إلا لتلبية طلبات مصانع دوائية معترف بها فى مناطق أخرى من العالم .

–  أما الإرهاب الوهابى فهو وافد مصطنع حقنه الإحتلال الأمريكى للإضرار بالجهاد وضرب قاعدتة الشعبية والفقهية ، وإستبداله بالفتن الطائفية والعرقية .

والتوجد الداعشى هو جزء من الحضور العسكرى لإمريكا وحلف الناتو . وهو يمثل تهديدا لأفغانستان (لأنه يريد إتخاذها مركزا دائما ومتوسطا بين الدول المستهدفة ). فهو خطر على باقى الدول خاصة إيران وروسيا والصين ، وهذا يفرض نوعاً من التعاون لإنهاء تواجد ذلك الخطر ماديا .

وبزوال الإحتلال يزول ذلك المرض الخبيث . وأى مجموعات يرسلها الإحتلال سيكون القضاء عليها سهلا نتيجة لإفتقارها إلى البيئة الإجتماعية التى تقبل بذلك الفكر المريض .

 

 ويظل الخطر الأمريكى مستمرا :

زوال الإحتلال لا يعنى أن الولايات المتحدة ستتوقف عن العمل ضد النظام الجديد ، وضد الترتيبات الجديدة فى الإقليم ، لأنها ترى فى ذلك نهاية لدورها فى العالم .

والمرجح أن أفغانستان وإمارتها الإسلامية سوف تتصدر قائمة التخريب الأمريكى ، كضيف دائم على قائمة “محور الشر” أو “الدول المارقة” أو “الدول الراعية للإرهاب” ، التى هى قوائم بأسماء المعارضين لسياسات الهيمنة الأمريكية .

     وجود قواعد أمريكية فى دول الجوار يشكل خطرا على إستقرار أفغانستان . لهذا يجب التعاون جماعيا لجعلها منطقة خالية من التواجد العسكرى لأمريكا وحلف الناتو وملحقاتهم الداعشية ، ومقاومة أى تحالفات أمنية أو عسكرية تقيمها أمريكا مع دول المنطقة .

     ومن باب أولى فإن أى إتفاقات عقدتها الحكومات التى أقامها المحتل فى كابول يجب إعتبارها لاغية وفى مقدمتها الإتفاقات العسكرية والأمنية ـ أو أى”تعاون” يضع التعليم أو التشريع تحت وصايته وبمرجعيات غير إسلامية .

    أما أى إتفاقات إقتصادية مع أطراف أخرى تمت فى عهد الإحتلال ، خاصة المشاريع ذات الأهمية الإستراتيجية ، مثل مشاريع الطاقة والثروات المنجمية ، فيعاد النظر فيها وأخذ قرارات بشأنها بما يتناسب مع الطبيعة الإسلامية للنظام ، ووفقا لرؤيتة لدور أفغانستان فى الإقليم والعالم .

     ويقع على أفغانستان الإسلامية مسئولية التأسيس لتعليم دينى يتماشى مع تراثها الفقهى الذى هو من نفس النسيج الفقهى لمسلمى آسيا ، وأن تخصص له موارد مالية كافية أو وقفا إسلاميا قد يكون جزء محددا من دخل الدولة . فالتراث الدينى لتلك المنطقة لم يعرف التطرف الدموى الوهابى ، الذى زرعه فى جزيرة العرب الحكم البريطانى للهند .

 

غطرسة الغريق :

” سأوى إلى جبل يعصمنى من الماء ” ، كلمة لإبن نبى الله نوح ، الذى كفر برسالة ربه فكابر وهو يغرق زاعما أنه سيجد جبلا يأوى إليه ليعصمه من الغرق . ولكن قضاء الله إذا جاء فإن جبال الدنيا كلها لا تعصم منه كافرا واحدا .

القائد العسكرى الأمريكى الجديد فى أفغانستان أتخذ نفس الموقف ، عندما قال فى مطلع تسلمه لسلطاته المشئومة ، أن بلاده لن تخرج من أفغانستان . تلك الغطرسة لن تعصم بلاده من الغرق فى الطوفان الجهادى ، وسيغرق جيشه كما غرق الجيش البريطانى ومن بعده السوفيتى. ويفهم المسلمون أن ذلك إستدراج من الله لتلك الدولة التى طغت على عباده فى الأرض وقالت لهم (أنا ربكم الأعلى ) . وموعدها مع الإنتقام الإلهى الشامل هو موعد لا يخلفه ، وتلك سنتة فى أمم قد خلت فذاقت عذاب الدنيا قبل الآخرة .

 

حشرجة موت الإمبراطورية :

هذا هو تفسير الهياج الأمريكى على كل الجبهات ، فهى دولة لا تمتلك غير الحرب والحصار والتهديد ، ضد الجميع . ولم تترك لنفسها صديق حول العالم إلا “براميل النفط” ، وإسرائيل . ورئيسهم ترامب أضحك العالم على غبائه ورعونته ، وهذا لم يحدث قط لأى طاغية من قبل .

التوتر والحروب يزيد قوة حلفاء ترامب من اليمين المتطرف العنصرى وهم جمهوره الإنتخابى . ويزيد من أرباح مجموعات الضغط ، المكونة من صناعات السلاح والنفط وصهاينة (إيباك) والبنوك اليهودية . وهم قوة التمويل وتصنيع سياسات الدولة الأمريكية فى الداخل والخارج .

حلفاء ترامب الإنتخابيون ، والماليون ، يناسبهم تماما سياسات حافة الهاوية والمغامرات الصاخبة والتهديد والحصار والقصف . خاصة إذا كان ذلك ضد المسلمين أولا .. ثم ضد روسيا والصين وكوريا الشمالية وفنزويلا .. إلخ .

–  ترامب رأس نظام الإمبراطورية المنهارة ، فرض عقوبات إقتصادية على نصف العالم ، ويهدد بالحرب على روسيا والصين . فيهدد روسيا بحصار بحرى كامل ، فردت فورا بأن ذلك غير ممكن بغير الحرب (!!) . فهددتها أمريكا مرة أخرى بضرب الصواريخ المجنحة الروسية قصيرة المدى ومتوسطة المدى ، داخل الأراضى الروسية نفسها !!.

 نفس الشئ مع إيران حين يهددها ترامب بحصار بحرى يمنعها من تصدير النفط ، فكان ردها مماثلا للرد الروسى ، وأنها ستغلق مضيق هرمز فى وجه الجميع ، وهو تعبير عن خوض الحرب الشاملة .

شعوب آسيا تدرك الآن أهمية جهاد شعب أفغانستان لحماية شعوب القارة من العدوان الأمريكى والإرهاب الداعشى . وأن من حقه الحصول منهم على دعم سياسى وتسليحى . فالتعاون مع شعب أفغانستان فى وقت الضيق الحالى سوف يحدد مدى تجاوبه مع أصدقائه فى عصر السلام القادم .

أما الصين فإن ترامب يَسُوق قطيع حلفائه لإستفزاز الصين عسكريا فى بحر الصين ، شرقه وجنوبه ، فى محاولة لسلب الصين حقوقها التاريخية فى ذلك البحر ، والذى فقدت سيادتها عليه نتيجة لحربى الأفيون الأولى والثانية . وإلى الآن ترفض أمريكا إعادة تلك الحقوق لأصحابها التاريخيين . تماما كما ترفض الأعتراف بأن هناك شعبا عربيا يمتلك فلسطين ، أو أن هناك عربا فى المنطقة العربية ، أو أن فى الخليج شعب عربى وليس كما يقول ترامب مزرعة ماشية للحليب والذبح . أو أن شعب اليمن له حق فى الحياه .. مجرد الحياة .

–  النظام الأمريكى نظام يحتضر وهو آخر السلالات المتوحشة للغرب الإستعمارى. وغطرسة الغريق ، أو حشرجته المتخبطة ، ليست سوى دلائل على زواله القريب. ورصاصة الرحمة سينالها من مجاهدى أفغانستان .

والسؤال ليس هو متى ينسحب الجيش الأمريكى ، بل هو كم من جنوده الذين يمكنهم النجاة من أفغانستان؟؟ .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

16/10/2018

www.mafa.world

 

 




الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

 

–  بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب.

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية.

– تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

– تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة.

– أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها.. وهكذا تفعل على الدوام.

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟

– من أهداف أمريكا الكبرى: تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى.

– ما هى قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان؟

– وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية، إلى أن يتوقف الجهاد.

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض. فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان.

– لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد. فهو يعبر عن النظام الأمريكى، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب. رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى.

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة. فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن. فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم. وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات. وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا.

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما)، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه. ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة. لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون.

 

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب:

1 ـ إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا، وعلى رأسها أفغانستان، ومن ضمنها العراق وسوريا. ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة. وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله.

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية (أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية. أو لطرد منافسين من مناطق معينة (إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة.

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول. وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل. وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية. لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم.

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة. ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا، أو مستقيلا، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام.

 

الحرب والمفاوضات:

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب. ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك.

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء. فالمفاوضات مليئة بالعروض (أو المشاريع) الملغمة، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك. وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى. فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه. واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد.

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا، فى ” فرساى” بالقرب من باريس، بشأن الإستسلام والتعويضات. وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية).

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب، إذا كان هناك حرب أخرى.

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً. وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها. بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء. فهناك مثلا:

ضغوط عسكرية: بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة.

ضغوط سياسية: من داخل أفغانستان وخارجها، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها.

 ضغوط مذهبية: مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين.

 ضغوط نفسية: ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج.

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال.

فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان. وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014. ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط، ولوبى المخدرات، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا، واستمرت الحرب.

وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان. وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها. أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها.

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها؟ قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019). بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

– تنازلات أمريكية “مؤلمة! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية)، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا؟

فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل: تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا.. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ”!

إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل. فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله.

الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل.

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا. ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات. فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله.

الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى، إلى (صفقة) سياسية، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة. وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا.

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه. وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية. فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا)، فلا أحد يأخذ منها شيئا، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف.

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان، فما هى أهدافه المتبقية فى عملية التفاوض؟

الهدف هو ذاته لم يتغير، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا، وتطبيقها للشريعة شكليا، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته:

فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية.وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب.

ولا يصل إلى السياسة فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام.

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء. ويترك لجماعة التنفير من الدين، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام.

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق.

دخول تلك الشركات إلى دولة ما، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد:

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات: لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى. ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها.

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى: أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث. تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية، وشئون الأسرة، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل، كل ذلك بمنظور غربى بحت، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية. ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين. ويكون هم الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة.

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية”: وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما:

الأولى: تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد. وتوزيع مشاريع الدولة على الشركات المتعددة الجنسيات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية. والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية: الحفاظ على الأمن الداخلى: لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة. لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر (كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ).

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة لتلك الشركات والدول الحامية لها.

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم.

وأهم الأدوات اللازمة لذلك، هى الأجهزة المسلحة أى: جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره. جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى: تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج (الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة).

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن”. وأهم الأجهزة المساندة هى: الجهاز التشريعى (مجلس النواب) والجهاز الإعلامى، والجهاز القضائى، والجهاز الدينى(علماء النتاجون، وبغال الإفتاء) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ).

الثالثة: القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها:

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة.

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما.

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا.

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر.

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان؟

المطلوب أشياء كثيرة.. أهمها ما يلى:

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان. وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة. أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة.

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة (UNODC) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون.

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة. مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها. وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت، (طبقا لقاعدة أمريكا فوق الجميع، وكل شئ لأمريكا فقط، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا. وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان.

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان. والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى. مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين.

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام، والمحافظة على أقلية من عملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها.

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته. ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى.

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة.

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية. وهى هيئات إستخبارية فى الأساس، وأدوات غزو سياسى وثقافى.

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى.

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال. وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام. وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد. والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال.

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم. وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان.

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى، والإلتزام بالتجارة الحرة، أى عدم حماية الصناعات المحلية، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي. وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى، حسب ما سبق ذكره.

 

لا نهائية المفاوضات:

أولا: من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة. كما أن التفاوض يعنى صفقة، والصفقة إذا كانت عادلة، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر. بينما تحرير أفغانستان لايخضع للتفاوض أو المساومة، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد.

فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن. فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم. عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام 1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية.

ثانيا: ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض. فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها.

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه، جميعها شئون أفغانية بحتة، يجرى بحثها داخليا، وتنفيذها جماعيا، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص. والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام.

 

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض؟

إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض، لمصالح قد تراها، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام، إلى أن يخرج آخر جندى محتل. لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً. فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض، أو (لبناء الثقة! ). أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين… إلخ.

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة. إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية. ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات المقاتلة وتفتر الهمم، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم. فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات.

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى. وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة، مزقت أوصاله طيلة سنوات. ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود.

ملاحظات حول توقيت التفاوض:

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية.

 

 

فى أفغانستان:

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها. فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون. وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية. وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب، وإن كان هو أقواها، ولكن ذلك لا يبرر بقائه، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين. وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون.

وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى. وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة.

 

فى الداخل الأمريكى:

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد. فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله.

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة.

 

فى المنطقة العربية:

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها.

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران. بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم. لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية.

قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية. فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (150) | ذوالحجة 1439 هـ / اغسطس 2018 م. 

24/8/2018

الفرار الأمريكى من أفغانستان هزيمة وليس صفقة

– بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب .

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها ، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية .

–  تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا ، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

–  تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة .

–  أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها .. وهكذا تفعل على الدوام .

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب ، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟؟

– من أهداف أمريكا الكبرى : تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى ، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى .

– ما هى  قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان ؟؟ .

–  وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى ، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية ، إلى أن يتوقف الجهاد .

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض . فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون ، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان .

–  لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن ؟؟ .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد . فهو يعبر عن النظام الأمريكى ، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب . رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى ، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى .

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط ، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة . فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن . فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم . وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات . وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم ، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا .

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما) ، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه . ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية ، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة . لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها ، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة ، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون .

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب :

1 ـ  إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا ، وعلى رأسها أفغانستان ، ومن ضمنها العراق وسوريا . ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها ، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا ، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ  أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة . وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله .

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة ، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية ( أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية ، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية . أو لطرد منافسين من مناطق معينة ( إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا ..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة .

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم ، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية ، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى ، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول . وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل . وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية . لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم .

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة . ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا ، أو مستقيلا ، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام .

 

الحرب والمفاوضات :

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب . ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك .

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء . فالمفاوضات مليئة بالعروض (أوالمشاريع) الملغمة ، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك . وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى . فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه . واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد .

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا ، فى ” فرساى” بالقرب من باريس ، بشأن الإستسلام والتعويضات . وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية) .

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة ، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب ، إذا كان هناك حرب أخرى .

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً . وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها . بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء . فهناك مثلا :

 ضغوط عسكرية : بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين ، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة .

  ضغوط سياسية : من داخل أفغانستان وخارجها ، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها .

  ضغوط مذهبية : مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين .

  ضغوط نفسية : ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها ، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج .

وكما سمعنا فى حوار مع أحد رموز حركة طالبان القدماء مع محطة إعلامية عربية شهيرة ، والمذيع يدحرج عليه كومة من الإدعاءات المحبطة ، التى توحى بعزلة الحركة ومخالفتها لجميع التيارات والمبادئ الإجتماعية والدينية ، فيقول ما معناه { القبائل الأفغانية مَلَّتْ من الحرب والعلماء يطالبون بوقفها ـ والمقاتلون مَلّوا من الحرب ، بينما حركة طالبان تريد الإستمرار فى الحرب منفرده ضد إرادة الجميع } !! .

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية ، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال .

   فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان . وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009 ، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014 . ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط ، ولوبى المخدرات ، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا ، واستمرت الحرب .

  وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان . وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها . أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها .

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها ؟؟ . قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019) . بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض ، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى ، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

 – تنازلات أمريكية “مؤلمة !! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة ، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية) ، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى ، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا ؟؟.

 فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل : تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا .. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ” !! .

   إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى ، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل . فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة ، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله .

   الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة ، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل .

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا . ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات . فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا  لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله .

    الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى ، إلى (صفقة) سياسية ، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة . وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية ، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا .

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته ، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه . وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية . فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة ، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا) ، فلا أحد يأخذ منها شيئا ، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف .

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان ، فما هى   أهدفه المتبقية فى عملية التفاوض ؟؟ .

   الهدف هو ذاته لم يتغير ، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا ، وتطبيقها للشريعة شكليا ، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته :

    فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية. وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب .

ولا يصل إلى السياسة ، فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام .

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة ، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء . ويترك لجماعة التنفير من الدين ، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام .

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق .

دخول تلك الشركات إلى دولة ما ، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد :

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات : لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى . ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها .

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى : أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان ، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث . تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية ، وشئون الأسرة ، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل ، كل ذلك بمنظور غربى بحت ، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية . ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين . ويكون هَمْ الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة .

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية” : وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما :

الأولى : تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد . وتوزيع مشاريع الدولة على تلك الشركات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى ، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة ، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة ، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى ، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية . والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية : الحفاظ على الأمن الداخلى : لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة . لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة ، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة ، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر ( كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ) .

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة تلك الشركات والدول الحامية لها .

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته ، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم .

وأهم الأدوات اللازمة لذلك ، هى الأجهزة المسلحة أى : جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة ، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره . جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى : تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج ( الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة) .

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن” . وأهم الأجهزة المساندة هى : الجهاز التشريعى ( مجلس النواب ) والجهاز الإعلامى ، والجهاز القضائى ، والجهاز الدينى(علماء النتاجون ، وبغال الإفتاء ) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين ، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ) .

الثالثة :  القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها :

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة .

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما .

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا .

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان ، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات ، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد ، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر .

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان ؟؟ :

المطلوب أشياء كثيرة .. أهمها ما يلى :

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند ، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان . وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى ، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة . أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة .

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة ( UNODC ) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها ، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون .

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة . مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها . وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت ، ( طبقا لقاعدة : “أمريكا فوق الجميع” ، وكل شئ لأمريكا فقط ، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان ، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن ، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا . وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان .

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان . والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى . مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين .

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام ، والمحافظة على أقلية من العملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها .

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته . ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى .

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة .

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية . وهى هيئات إستخبارية فى الأساس ، وأدوات غزو سياسى وثقافى .

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة ، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى .

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال . وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام . وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد . والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال .

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل ، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب ، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم . وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان .

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى ، والإلتزام بالتجارة الحرة ، أى عدم حماية الصناعات المحلية ، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي . وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى ، حسب ما سبق ذكره .

 

 

لا نهائية المفاوضات :

أولا : من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض ، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة . كما أن التفاوض يعنى صفقة ، والصفقة إذا كانت عادلة ، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر . بينما تحرير أفغانستان لا يخضع للتفاوض أو المساومة ، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة ، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل ، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد .

    فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان ، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع ، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن . فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة  ، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال ، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق ، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم . عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام  1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية .

ثانيا :  ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض . فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة ، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها .

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه ، جميعها شئون أفغانية بحتة ، يجرى بحثها داخليا ، وتنفيذها جماعيا ، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته ، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص . والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام .

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض ؟؟.

   إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض ، لمصالح قد تراها ، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده ، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام ، إلى أن يخرج آخر جندى محتل . لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً . فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة ، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض ، أو ( لبناء الثقة !! ) . أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين … إلخ .

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة . إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية . ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات الجهادية المقاتلة وتفتر الهمم ، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم . فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات .

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى . وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة ، مزقت أوصاله طيلة سنوات . ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود .

 

ملاحظات حول توقيت التفاوض :

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية .

 

فى أفغانستان :

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ {حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية} ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها . فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون . وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون ، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى ، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان ، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية . وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب . وإن كان هو أقواها ، ولكن ذلك لا يبرر بقائه ، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين . وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون .

    وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى . وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة .

 

فى الداخل الأمريكى :

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد . فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله .

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين ، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة .

 

فى المنطقة العربية :

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية ، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها .

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع ، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران . بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم . لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض ، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية .

   قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية . فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 150 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

24/8/2018

www.mafa.world

 




عاصمة بين حصارين

عاصمة بين حصارين: عندما عاشت كابول أزهى أيامها فى ظل حصار الأحزاب !!.

 عاصمة بين حصارين

عندما عاشت كابول أزهى أيامها فى ظل حصار الأحزاب !!.

ــ أمريكا تحاصر أفغانستان ، وقواتها فى الداخل محاصرة بقوات طالبان .

ــ ترامب يسأل : ماذا تفعل قواتنا فى أفغانستان؟؟ فلنسحبها من هناك .

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 مافا السياسي (ادب المطاريد):  www.mafa.world 

 

– استراتيجية “الحصار من الداخل”حققت نجاحا مبهرا ونجح طالبان فى حصار قوات الإحتلال ومؤسسات النظام وقواته المسلحة والأمنية .

– خطة عربية هزلية (عام 1989) لتكوين جيش نظامى لفتح كابل ، تحولت إلى مشروع تجارى كبير أطال فى عمر النظام الشيوعى وأنقذ السكان من المجاعة .

– استراتيجية باكستان للجهاد ضد السوفييت خربت جهاد الشعب الأفغانى  وأوجدت أكبر ساحة للفساد فى المنطقة والعالم .

قائد القوات الأمريكية فى أفغانستان (جون نكلسون) قال مؤخرا إن العاصمة كابول محاصرة . وذلك تعبير مخفف لحقيقة أن القوات الأمريكية فى كابول محاصرة . يقول الجنرال أن الأولوية عنده هو الحفاظ على حياة جنوده ، لذلك يتنقلون بالمروحيات ولا يسيرون فى الطرقات . فإذا كان الجيش الأمريكى ـ أقوى جيوش العالم والتاريخ ـ لا يسيطر على طرقات العاصمة التى يحتلها ، فمن الذى يحكم أفغانستان ، من الجبال إلى الصحارى إلى الأرياف والمدن ؟؟. الإجابة واضحة ومعلومة.

وفى النهاية يأتى سؤال : ماذا تفعل القوات الأمريكية فى أفغانستان ؟؟ .

هذا سؤال منطقى ، رغم أنه جاء على لسان شخص غير منطقى بالمرة ، وهو الرئيس ترامب. ورغم إختلاله العقلى فقد سأل الرئيس مستشاره للأمن القومى (هيربرت مكماستر) عن عدد قواته القريبة من إسرائيل ، فقال له المستشار أن لديهم حوالى خمسة آلاف جندى فى سوريا ، ثم أضاف أن هناك قوات أخرى فى أفغانستان . فرد عليه الرئيس قائلا: {ما الذى تفعله فى أفغانستان ؟؟ فلنسحبها من هناك!!}.

لقد نسى الرئيس أنه قد أطلق (استراتيجية جديدة) منذ عدة أشهر، مدعيا أنها ستحقق له النصر فى ذلك البلد. بالطبع لم يكن يعى ما يقول وقتها ، فمازال يجهل سبب وجود قوات بلاده فى أفغانستان . حتى قائد تلك القوات يقول أن قواته محاصرة ولا تستطيع أن تتحرك إلا داخل مروحيات ، أى فى صناديق حديدية طائرة . وهو بالتالى يجهل سبب وجود قواته فى تلك البلاد العنيدة والمعادية. ويقول أنه من الصعب الحفاظ على أمن قواته داخل عاصمة يسكنها خمسة ملايين إنسان.

ما سبق يؤكد حقيقة أن أمريكا قد تمت هزيمتها بالفعل فى أفغانستان ـ ليس الآن ولكن منذ سنوات ـ وبالتاكيد منذ نهاية عهد جورج بوش الإبن وبداية عصر أوباما والأزمة المالية والإقتصادية التى إجتاحت الولايات المتحدة ـ والعالم ـ ومازالت مستمرة بأشكال ودرجات مختلفة ، حتى أن العالم كله يعيش داخل فقاعة إقتصادية تتولى أمريكا نفخها إلى أن تنفجر فى وجه الجميع .

العقبة التى تعترض ذلك الإنسحاب هو إرتهان أمريكا للبرنامج الصهيونى فى الشرق الأوسط . فإذا إنسحب الجيش الأمريكى من أفغانستان بهذا الشكل المهين الذى لم يحقق شيئا من أهدافه المعلنة ، فان ذلك سيوجه ضربة للكرامة الأمريكية فى الشرق الأوسط ويشجع شعوب تلك المنطقة على أن تقاوم (صفقة القرن) ومشروع العصر، أى إمتلاك إسرائيل للبلاد العربية من الخليج إلى المحيط . ثم التحرك فى خطوات قادمة صوب إيران وحدود الصين والهند وروسيا لتكون إسرائيل هى درة التاج الدولى فى حقبة نظام صهيونى عالمى يمتد لألف عام قادمة يحكم فيها البشرية من عاصمة العالم (القدس) .

أفغانستان تقاتل وحيدة منذ 16 عاما ، بلا نصير أو حليف ، وسط تجاهل إسلامى شامل . فالذين نسوا فلسطين والقدس لا يصعب عليهم نسيان أفغانستان وكابول .

ولتكن المسألة واضحة : إن الشعب الأفغانى يقاتل معركة الإسلام والمسلمين فى أفغانستان ، ضد الولايات المتحدة وإسرائيل معاً . فإسرائيل هناك فى أفغانستان منذ لحظات الحرب الأولى إلى جانب الجيش الأمريكى حامى إسرائيل الأول ، وإلى جانب الولايات المتحدة كقوة ضامنة لتفوق وبقاء إسرائيل .  

–  أمريكا إحتلت أفغانستان بحراب البنادق ، ولكنها تجلس الآن فوق تلك الحراب نفسها لأنها لا تجد أرضا أفغانية تقبل أن تستقر عليها قوات الإحتلال .

أفغانستان وقف العالم كله إلى جانبها عندما قاتلت ضد السوفييت ، ثم وقف العالم كله ضدها عندما قاتلت ضد الأمريكيين . المسلمون ــ والعرب تحديدا ــ كانوا أول من أيد الأفغان فى الحالة الأولى ، وأول من تخلى عنهم فى الحالة الثانية . ولن نتحدث هنا عمن تسبب فى وقوع كارثة الإحتلال الأمريكى ، ووفر له الغطاء والشرعية .

–  الحصار والعزلة لم تكن كلها شرا ، وربما كانت خيرا فى معظمها . فالتدخلات الخارجية فى العمل الجهادى باتت معدومة ، والحركة الجهادية مستقلة تماما ومترابطة ، وذات رؤية موحدة ومنضبطة بتوجه إسلامى واحد . حركة طالبان أكثر توحدا وخبرة ، عسكريا وسياسيا ، مع قدرة تنظيميه مشهود لها . والإمارة الإسلامية راسخة ، تقود وتخطط لأعمال الدولة فى المناطق المحررة ، التى تشمل معظم أراضى أفغانستان ، وكذلك أعمال ونشاطات فى المناطق المحتلة ، وهى نشاطات عسكرية وتعبوية وحتى إدارية وقضائية ، تحت أنف الإحتلال ورغما عنه . بل أن الإمارة موجودة بقوة داخل أجهزة الدولة ـ خاصة الأجهزة المسلحة ـ ولها فى داخلها أنصار ومتعاونون ، وأيضا مقاتلون إستشهاديون .

–  هل يمكن مقارنة هذه الحالة الرائعة بما كانت عليه أوضاع الجهاد (ضد السوفييت) تحت قيادة الأحزاب الفاسدة والمفسدة التى إستقرت فى بيشاور تحت وصاية الحكومة الباكستانية ونفوذ دول عربية (سعودية تحديدا) وأجنبية (أمريكية تحديدا) ، وأحزاب وجماعات إنتهازية من كل صوب (الإخوان المسلمون الدوليون بتفريعاتهم من مصر وسوريا إلى باكستان)؟؟.

–  يقول الجنرال نكلسون أن قواته فى كابول محاصرة . فمن يحاصرها وكيف ؟؟ ، وبأى معدات وتجهيزات وأفواج من المقاتلين؟؟. وبأى استراتيجية يتحرك هؤلاء؟؟ ، ومن الذى وضعها لهم وكيف ينفذونها ؟؟ ، وبأى دعم محلى أو خارجى؟؟ .

إن الإحتلال وقواته هم المحاصرون داخل كابل ، والمقار الحكومية محاصرة ، بداية من القصر الجمهورى مرورا بوزارات الدفاع والأمن . وجميعها مقرات محاصرة من داخلها برجال طالبان على مختلف المستويات القيادية.

الحصار من الداخل : إستراتيجية الإنتصار .

إن الإستراتيجية الإعجازية التى وضعتها الإمارة الإسلامية هى بالبساطة التالية : إذا كان إنشاء جبهات قتال كبيرة ومشحونة بالرجال والعتاد أمرا مستحيلا لإعتبارات كثيرة تتعلق بطبيعة الحرب الحالية ، وتجهيزات العدو المتطورة مع الضعف الشديد فى تجهيزات المجاهدين ، فإن الحل هو الحصار من الداخل . أى من داخل تجمعات العدو نفسها ومن أقرب الأماكن إلية. وأحيانا إلى جواره مباشرة أو على بعد خطوات منه . فالمجاهدون متواجدون فى كل مكان مثل الهواء الذى يمكن الشعور به ولا يمكن الإمساك به. إنهم فى الجبال وفى القرى والمدن ، وفى القواعد العسكرية التى هجماتهم من داخلها أكثر وأخطر من هجماتهم من خارجها رغم قوتها وحسمها. والقوات النوعية موجودة ، تتزايد وتتطور من حيث التدريب والتجهيز والتكتيكات . ولكن الجسم الأساسى من قوة المجاهدين يمتلك أسلحته القديمة ويصنع ألغامه المحلية التى حيدت الصناعة العسكرية الحديثة للمحتل المتبجح والمرعوب. حتى مواجهة الغارات الليلية لطائرات الهيلوكبتر المحملة بجنود الكوماندوز الذين يهاجمون السكان ليلا ، طور لها المجاهدون وسائل تصدى بدائية مدمرة وإستشهادية فى أغلبها. ولكن العدو يشعر الآن بأن سيادتة الليلية قد إهتزت كثيرا ، وحطام المروحيات المحترقة المشحونة بجثث جنود القوات الخاصة أصبحت تثير رعب العدو وجعلته أكثر ترددا فى ممارسة ذلك التفوق الجوى الليلى ، الذى أضحى مرعبا لجنوده أكثر مما يرعب السكان الفقراء غير المسلحين .

ــ ويمكن إختصار الوضع الحالى على هذا النحو:

لقد فرض الأمريكيون حصارا إستراتيجيا على الإمارة الإسلامية لكسر صمودها ومقاومتها ، ففرضت عليهم الإمارة حصارا إستراتيجيا داخل أفغانستان نفسها ، يمكن تسميته بالحصار اللصيق ، المصحوب بالهجمات السريعة القاتلة من الداخل ، وبالخنق البطئ وتقليص مساحات سيطرة العدو على الأرض ، وتصفية مجالات تحكمه فى السكان والإقتصاد.

أيجابيات الحصار الدولى :

مئات الأسئلة الهامة يمكن طرحها، وتبدو صعبة لمن لا يعرف الوضع الجهادى الراهن فى أفغانستان ، ولا يعرف نقيضه الذى كان موجودا فى حقبة الجهاد ضد السوفييت ، التى حفلت بشتى التدخلات الضارة والإنحرفات الفتاكة ، التى أفسدت أجواء الجهاد ، وأجواء الشعب المتضرر من الإحتلال ومن أحزاب “المجاهدين” الفاسدة .

الحصار الدولى المفروض حاليا على شعب أفغانستان ومجاهديه ، كان من ثماره كل تلك الإيجابيات المحورية فى الوضع الجهادى . والتى بسببها عجزت قوات الإحتلال عن إحراز أى تقدم (سوى قتل المدنيين). فلا هى قادرة على الإنتصار ، ولا هى قادرة على الإنسحاب ، ولا هى قادرة على الإستمرار إلى مالا نهاية على هذا الحال .

بعد أيام من تصريحات الجنرال نيكلسون ، صرحت مندوبة الولايات المتحدة فى مجلس الأمن أن بلادها قريبة جدا من الإتفاق مع حركة طالبان لحل الأزمة . ولم توضح (هايلى) أى تفاصيل ، ولكن مالم يكن كلامها مزيفا كالعادة ، أو أنها تتحدث عن الجهة الخطأ كما فعلت بلادها مرات عديدة بالتفاوض المصطنع مع عملاء للإحتلال أو مع أفاقين سلبوا منه الأموال ، فإن الشرط الوحيد لدى الإمارة الإسلامية وحركة طالبان هو إنسحاب قوات الإحتلال بالكامل قبل أى حديث أو تفاوض .

ومخاوف “أشرف غنى” الرئيس الأفغانى فى محلها . فهو يتوقع إنهيارا سريعا لحكومته وقواتها المسلحة وشرطتها بعد وقت وجيز من الإنسحاب الأمريكى . ذلك الوقت يقدره البعض بعدة أيام ويقدره آخرون بعدة أشهر .

داعش : فتن .. وخلط أوراق .

ما نجحت الولايات المتحدة فى تحقيقه فى المنطقة العربية فشلت فى تحقيقه فى أفغانستان ، لإختلاف طبيعة الشعوب وإختلاف الثقافات . نجحت الولايات المتحدة فى تحويل داعش إلى موضع إتفاق وتحالف بينها وبين الأنظمة العربية بصفتها (عدو مشترك) . رغم أن ذلك العدو هو صناعة مشتركة بين هؤلاء الحلفاء أنفسهم . لم تنجح تلك الخدعة فى أفغانستان ، وحافظ الشعب ومجاهدوه على إستهداف جيش الإحتلال واستهداف داعش باعتباره قوة رديفة للإحتلال ومن صناعته . وسيرحل الإحتلال الأمريكى من أفغانستان ، ساحبا خلفه قطيع العملاء ومنهم داعش التى هى جزء من (كتائب الموت الأمريكية) التى إستخدمتها أمريكا ـ ومازالت ـ لإحباط ثورات الشعوب فى شتى القارات ـ وكان لها دور حتى فى” ثورات” الربيع العربى وتحويلها من مشاريع للثورة إلى ” كَبَوات” وفتن ، وتجديدا لعهود الطغيان .

إفساد جهاد الشعوب :

فى حقبة الجهاد ضد الإحتلال السوفيتى ، باع ” قادة جهاديون” أنفسهم لباكستان وحلفائها الأمريكين والعرب ، فى مقابل المال والسلاح ومناصب القيادة فى(أحزاب جهادية) تلعب دور الوكيل عن مصالح وأهداف الولايات المتحدة .

الرئيس الباكستانى (ضياء الحق) أسس جهاز إستخبارات خصصه للتدخل فى أفغانستان ، وصار مشهورا بإسم (isi) . وأوكل قيادته إلى الجنرال (أخترعبد الرحمن) موصيا إياه بأن يترك المِرْجَل الأفغانى يغلى فوق نار هادئة ، حتى لا يستفز السوفييت أكثر من اللازم فيتحرك ضده تحالف عسكري ، مكون من السوفييت والهنود ، فيكسران باكستان مثل حبة الجوز . واثقا من أن أمريكا أول من سيتخلى عن باكستان فى هذه الحالة ، كما تخلت عنها عند هجوم الهند الذى مزق باكستان إلى دولتين عام 1971 ، هما بنجلاديش وباكستان .

– إعتمدت إستراتيجية أخترعبد الرحمن على عدة نقاط ، ولكن النقطة الإستراتيجية الأهم كانت (حصار كابل) . فطلب الجنرال من موظفيه (قادة الأحزاب الجهادية فى بيشاور) أن يحشدوا أكبر عدد ممكن من الأتباع حول العاصمة ، وهو سيتولى تزويدهم بالمال والسلاح. إفتتح الجنرال بذلك أكبر أسواق الفساد فى المنطقة والعالم.

ــ إشاعة الفوضى ، وليس الجهاد ، كان هدفا ثابتا ومتفق علية بين باكستان والأمريكيين ، لذا أغرقوا البلد بملايين من قطع السلاح الخفيف ، وكان فى مقدور الجميع تقريبا الحصول عليه. فانعدمت القدرة على القيادة أو السيطرة ، وعمت الفوضى فى العمل الجهادى ، حتى نشبت الحرب الأهلية بين الأحزاب الجهادية بعد سقوط النظام الشيوعى . مجهود السيطرة على تلك الحالة والحفاظ على وحدة البلاد إستغرق معظم طاقة الإمارة الإسلامية . وما أن كادت أن تتغلب على المشكلة حتى تحرك الأمريكيون لإعادة الفوضى من جديد، مع زراعة المخدرات وتصنيع الهيروين فى القواعد الجوية .

ــ إدعت الأحزاب للجنرال الباكستانى أختر عبد الرحمن أن لكل منها حوالى ثلاثين ألف مجاهد ـ فى المتوسط ـ يحتشدون حول العاصمة ، أى بعدد إجمالى قد يصل إلى ربع مليون مقاتل!!. طبعا هناك المبالغة المتوقعة من أجل الحصول على مخصصات أكبر من المساعدات. فالقتال حول كابول كانت صورته الأساسية هى القصف العشوائى الذى أودى بحياة أعداد كبيرة من المدنيين مع أقل تأثير على قوات الإحتلال والجيش المحلى . كان مجهودا ضائعاً وضاراً، وقبل كل شئ كان كاذباً وارتزاقياً.

–  قرب نهاية الحرب كان الموقف حول كابول ينتمى إلى (الكوميديا السوداء) ، أى المبكيات المضحكات . فبعد هزيمة العرب فى جلال آباد (1989) . كان هناك خشية من قادة الأحزاب الكبار ـ وجهات خارجية ـ أن يتوجه المتطوعون العرب صوب الإتجاه الصحيح للعمل . ولم يكن هناك وقتها غير جبهة خوست التى يقودها جلال الدين حقانى . فى ذلك الوقت هبط على “الساحة الجهادية” العربية فى بيشاور مشروع يقول بأن الحل الأمثل الآن هو الهجوم على كابول والإستيلاء عليها. ذلك رغم الفشل المدوى للهجوم على جلال آباد الذى أظهر نقاط ضعف قاتلة فى عمل المجاهدين ، كما أظهر تواطؤ قادة الأحزاب الكبار. وبالتالى فإن الهجوم على العاصمة ، التى هى أقوى تحصينا ، كان مجرد وصفة لمجزرة أعظم وإضاعة لما تبقى عند المجاهدين ـ بما فيهم العرب ـ من طاقة وإمكانات . قال المشروع مجهول المصدر أن الإستيلاء على كابل يستدعى شيئين :

الأول ــ هو وجود قوات نظامية من الأحزاب لتهاجم المدينة وتحتلها . فالمعركة ضد المدن الكبيرة تحتاج إلى قوات نظامية. وادعوا أن معركة جلال آباد أثبتت ذلك.

الثانى ــ هو إبقاء المجاهدين فى مواضع الرباط حول كابول وعدم إنصرافهم عن مواقعهم فى موسم الشتاء قارص البرودة ، لأن ذلك يتيح للحكومة الشيوعية أن تلتقط أنفاسها وهى الآن فى وضع صعب وأزمة خانقه فى كل شئ خاصة الطعام والوقود. لذا فضغط المجاهدين وحصارهم للعاصمة يجب أن يتواصل فى الشتاء إلى أن يتحسن الطقس ويسمح بشن هجوم . كلام منطقى وجميل !! .. والأجمل كان كيفية فهمه وتنفيذه .

تصدى العرب لتنفيذ التكاليف المالية واللوجستيه للمشروع . فأرسلوا وفودا إلى شرق آسيا لشراء حوالى 30 ألف زى عسكرى شتوى لتوزيعها على المجاهدين ـ عبر أحزاب بيشاور ـ فيتحولون بذلك إلى جيش نظامى!!! .( وكأن معضلة تشكيل جيش نظامى تتلخص فى نوع الملابس التى يرتديها الشخص ، فيتحول فورا إلى جندى نظامى ، فيتكون لدينا جيش يقتحم العواصم الحصينة).

الخطوة الثانية كانت تخزين كميات من الوقود والطعام فى الجبهات حول كابول ، تكفي المجاهدين فى شهور الشتاء (أربعة أشهر على الأقل)،على أن يتولى المتطوعون العرب مرافقة حملات التموين إلى جبهات القتال حول كابول لتوزيعها هناك .

ــ تولى الشيخ عبدالله عزام قيادة المشروع وحشد التبرعات ومجهودات الشباب ، وتوالت خطاباته الحماسية للمتبرعين والمتطوعين ، فى مجهود ضخم عانى من آثار هزيمة جلال آباد التى سحقت المعنويات ، خاصة مع أعداد الشهداء فيها والتى فاقت أى حدود سابقة لأى معركة أخرى فى أفغانستان ، جاءت بعد آمال هائلة مبالغ فيها ، تجزم بفتح قريب وانهيار وشيك للنظام.

لم يكمل الشيخ عزام المشروع إذ تم إغتياله فى بيشاور فى نوفمبر من نفس العام 1989 . ولكن العرب أكملوا بما لديهم من بقايا قيادات ، فأسامة بن لادن أيضا كان قد إختفى بعد معركة جلال آباد ومنع من السفر إلى خارج السعودية.

ــ المتطوعون العرب إستغلوا وصولهم إلى الحدود القريبة من كابول حتى يوجهوا ضربة إنتقامية لإغتيال زعيمهم عبد الله عزام . فوجهوا عدد من صواريخ (صقر) المصرية ، مكتوبا عليهم إسم الشهيد عزام وأطلقوها صوب العاصمة . ولا يدرى أحد كم قتلت تلك الصواريخ من المدنيين هناك . ولكنهم تباهوا بالصور ونشروها فى المجلات (الجهادية) فى بيشاور، وأزاحوا  بذلك عن كاهلهم واجب الإنتقام للزعيم القائد.(رغم علم الجميع أن من إغتالوا الرجل كانوا أقوياء أمنيون من داخل باكستان ومعهم خليط عجيب من الموساد وفلسطينيون ومرتزقة حكمتيار أمير داعش الحالى فى أفغانستان ونصيير المرأة هناك !!).

ــ الملابس العسكرية الجديدة القادمة من شرق آسيا ، وبمجرد وصولها ظهرت فى أسواق الملابس المستعملة وبأسعار متهاودة للغاية. سوق مدينة راولبندى المجاورة لإسلام آباد كان الأسبق فى عرض الواردات الجديدة التى ظهرت هناك قبل أن يعلن أحد من الأحزاب عن ذلك الوصول المبارك لتك الملابس السحرية التى سيحول المجاهد العادى إلى جندى نظامى بمجرد إرتدائها.

كابول جاءها الفرج :

ذروة المأساة الضاحكة كان فيما حدث بعد ذلك . فكميات التموين الضخمة التى تم تخزينها فى مواقع المجاهدين حول العاصمة كانت طوق النجاة الذى تعلق به النظام الشيوعى الحاكم وسكان العاصمة المساكين الذين يتضورون جوعا ويرتجفون بردا .

حدث اللقاء السعيد بين تجار كابول الكبار ، وبين قادة المجاهدين على حواف العاصمة ، وتمت الصفقة. وبيعت الإمدادات العربية القادمة لأجل فتح العاصمة إلى تجار كابول . وعرضت فى أسواق العاصمة بأسعار تنافسية غير متوقعة . دقيق ، حبوب جافة ، سمن ، وقود للتدفئة وللسيارات ، فى صفقة مبهجة الجميع فيها رابح . كسب التجار ، وكسب قادة المجاهدين ثروة هبطت عليهم من السماء ، ونجا شعب كابول من خطر الموت جوعاً ومن التجمد برداً ، فتمتع بالسلع الضرورية بأرخص الأسعار . ولا بأس بعدها من بعض الصواريخ التى تساقطت فوق رؤوسهم ، فقد إعتادو على ذلك منذ سنوات طبقا لإستراتيجية الجنرال أخترعبد الرحمن . وكسب العرب إنتقاما سهلا لمقتل عزام أهم قادتهم فى تلك الحرب.

كان على الإنتصار النهائى فى تلك الحرب العامرة بالمتناقضات أن ينتظر عامين آخرين وعدة أشهر . تم خلالها إقتحام مدينة خوست فى معركة رائعة كانت قطعة نادرة من البسالة والتجرد والفن العسكرى الراقى . فاستسلمت جارديز ـ عاصمة الولاية ـ بعدها    بعدة أشهر ، ثم تهاوت باقى المدن مثل أوراق لعبة الدومينو خلال أيام فقط . ومالبثت العاصمة أن إستسلمت. بينما إستمر سقوط الحركة الجهادية العربية خارج وداخل أراضيها . ولأنهم الآن بعيدون جدا عن أفغانستان ، فإن ذلك البلد العملاق يشهد أروع الفصول الجهادية فى العصر الحديث .

 

قال رجل  دولة عركته الحياة : (اللهم إكفنى شر أصدقائى ، أما أعدائى فأنا كفيل بهم).

بقلم :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




مصطفي حامد ابو الوليد المصري مجلة الصمود الإسلامية عدد141

سقوط أمريكا فى أفغانستان حولها إلى مجنون يهدد العالم

 بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية السنة الثانية عشر – العدد 141 | ربيع الأول  1439 هـ / ديسمبر 2017 م

سقوط أمريكا فى أفغانستان

حولها إلى مجنون يهدد العالم

أفغانستان أسقطت نظام القطب الواحد وأنهت دورأمريكا كقوة مهيمنة ،  فتحولت إلى تاجر سلاح ومخدرات، ومجرم يهدد أمن وسلام العالم .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 140 : اضغط هنا

 

بعد 16 عاما من حربها فى أفغانستان لم تعد الولايات المتحدة كما كانت . فتلك الدولة المتغرطسة وذلك الجيش المتجبر بأسلحة لم تعرف البشرية لها مثيلا ، لم يعد كما كان قبل تلك الحرب الطاحنة . فقد سقطت أمريكا بفشلها العسكرى المدوى من مكانتها كقطب عالمى أوحد ومهيمن ، فتغيرت بالتالى صورة العالم كما تغيرت صورة أميركا وتغير دورها فى العالم. وحتى أوضاعها الداخلية تغيرت بعمق خلال تلك الحرب وبسببها مباشرة . كان أكبر دلائل ذلك التدهور هو تلك الأزمة المالية والإقتصادية العظمى عام 2008 ـ بعد ثمان سنوات من الحرب ـ والتى لم تشف منها أمريكا حتى الآن . الرئيس الأمريكى(جورج بوش) الذى هاجم أفغانستان، وهو مسخ إمبراطورى تقمص دور الفارس الصليبى فأعلن حملته الصليبية على أفغانستان عام 2001 من داخل كتدرائية فى واشنطن . وفى نهاية فترة حكمه الثانية كانت بلاده تعانى من أزمة مالية تعدت فى خطورتها أزمة الكساد الأمريكى الكبير عام 1929 ، والذى لم ينته إلا بقيام الحرب العالمية الثانية عام 1939 .

عند تلك الأزمة تحديدا أدرك المتابعون أنها (لعنة أفغانستان) قد أصابت الولايات المتحدة كما أصابت قبلها الإتحاد السوفيتى وبريطانيا العظمى . اللذان إختفيا كقوى عظمى بعد أن جردهم شعب أفغانستان من كل أسباب العظمة ، وأخرجهم من بلاده أذلاء وقد تحطم أساسهم الإمبراطورى ، أى جيوش الغزو التى يرهبون بها العالم ويذلون الشعوب .

من قبل أن يبدأ حكمه كان “أوباما” يدرك أن أفغانستان هى الجريمة القاتلة التى إرتكبها سلفه ، الذى ظن أن بلاده ستتقوى (بعائدات الأفيون ، ونفط جمهوريات آسيا الوسطى) ـ ولكن الشعب الأفغانى كان قراره أن الجهاد هو الحل، وفيه مصرع الجبابرة وأمن المستضعفين . فكان “أوباما” متيقنا أن الإنسحاب السريع من أفغانستان هو الحل ، ولكن جنرالات الغرور والحماقة كان لهم رأى آخر.

فطالبوه بفرصة أخيرة. وكان هناك “الإيباك”ـ لوبى الضغط اليهودى فى أمريكا وهو أقوى من أى حكومة فى ذلك البلد ـ الذين أرعبهم إنسحاب أمريكى من أفغانستان بينما(مشروع الشرق الأوسط الجديد) يتعثر ويتلقى الصفعات، سوى بعض النجاحات التى أغرتهم بالإستمرار فى حلمهم لتحقيق إمبراطوريتهم فى الشرق الأوسط (يعنى بلاد العرب) تحت تغطية من إحتلال أمريكى لأفغانستان ، عسى أن يتحطم الإسلام فى أهم وأقوى معاقله على سطح الأرض / فى بلاد الأفغان/ ، فتنتهى بذلك قصته. كثيرون هم المنافقون الذين يتمنون ، وينتظرون ، سقوط جهاد الأفغان حتى يعلنوا إستسلامهم لليهود ويفتحون لهم كل الأبواب الموصدة.

 

 

لحظة إكتشاف الحقيقة :

المسيرة الأمريكية فى أفغانستان تشابه ما حدث للسوفييت فى أفغانستان . فالزعيم السوفيتى برجينيف ، وقد ضربه خرف الشيخوخة ـ قررغزو أفغانستان ، مستغلا ترنح غريمه الأمريكى بضربة كبرى تلقاها فى الشرق الأوسط تمثلت فى ثورة إسلامية فى إيران أخرجتها من نطاق السيطرة الإمبراطورية الأمريكية ، ومثلت بالتالى تهديدا لإسرائيل ، ركيزة أمريكا الأساسية فى المنطقة. لم تكن أفغانستان لقمة سائغة للسوفييت ـ كما لم تكن كذلك طول التاريخ ـ ولن تكون إلى قيام الساعة ـ لقمة سائغة لأى قوة دولية طاغية ، طالما يسكنها ذلك الشعب تحديدا  وذلك الدين (الإسلام) بمفهومه التوحيدى الجهادى الإنسانى العالمى .

فما أن حل عام 1983 حتى أدرك السوفييت أن لا بقاء لهم فى أفغانستان وأن ذلك الشعب سوف يحطم إمبراطوريتهم ويذيبها بالتدريج وبلا أسلحة نووية ، بل ببقايا أسلحة الحملات البريطانية فى القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين ، ثم بأسلحة الجيش السوفيتى نفسه التى غنمها المجاهدون.

أفنت الحرب فى أفغانستان ثلاثة من الزعماء السوفييت المتهالكين بداية من بريجينيف ثم أندرويوف وشيرننكو ـ حتى وصل إلى الحكم “الشاب” (جورباتشوف) 1985 الذى قرر تنفيذ الإنسحاب. ولكن جنرالات الجيش الأحمر الفاشل والمنهزم طالبوا بمهلة ـ لعل وعسى ـ أن تتحطم إرادة المقاومة لدى الشعب الأفغانى ، فى ضربات سوفيتية أقوى بأسلحة أحدث، يدفعونها إلى ساحة المعركة ـ خاصة فى سلاح الجو والصواريخ والذخائر دقيقة التوجيه. فتنهار عزيمة المجاهدين ويستسلمون. ولكن الحرب إستمرت إلى أن إنسحب الجيش السوفيتى فعليا فى فبراير عام 1989 .

ــ “أوباما” سار على نفس خطى “جورباتشوف ” فأعطى جنرالاته فرصة . وفى بداية حكمه بدأ استراتيجيتة من نقطة وسط بينه وبين الجنرالات ، فأرسل إلى أفغانستان بتعزيزات عسكرية مكونة من 30 ألف جندى مصحوبة بموعد للإنسحاب الكلى بنهاية 2014 “!!”.

فشلت الخطة الأمريكية. وفى الموعد المقرر إنسحب “أوباما” جزئيا من أفغانستان وغير من طبيعة تواجده العسكرى معتمدا أكثر على المرتزقة الدوليين والقوات المحلية العميلة وفى مقدمتها الجيش ثم باقى الأجهزة المسلحة القمعية والتجسسية وصولا إلى الميليشيات التى تفنن فى إستحداثها وتقويتها .

تلك (الترقيعات الاستراتيجية) ، مع الظروف التى إستجدت فى “الشرق الأوسط” ودوامة الصراعات فيه ، ثم الموازين الدولية التى بدأت تميل فى غير صالح الولايات المتحدة والغرب عموما، ولصالح إنعطاف حضارى جديد نحو الشرق المتنوع بقوى أساسية جديدة تطرق أبواب التاريخ بشدة ، وفى قمتها الشعب الأفغانى ، الذى تهيأ هذه المرة ـ بعكس كل تجاربه الجهادية الماضية ـ أن يتولى بنفسه إدارة شئونه والإستفادة من نتائج إنتصاره ، والمشاركة الفعلية فى صناعة مستقبل بلاده ومستقبل المسيرة العالمية التى مهد لها وشق لها الطريق بدمائه وتضحياته التى أسقطت نظامين دوليين متتابعين خلال عقود قليلة . فالشعب الأفغانى ، أصبح له قيادته الجهادية الميدانية التى إختارها بنفسه ولم تفرضها عليه قوة عميلة من المنافقين العاملين لمصلحة الغرب .

كما أن العزلة المفروضة على الشعب الأفغانى وجهاده بغرض إضعافه وفصله عن العالم والشعوب المسلمة ، وتحويل الحرب فى أفغانستان إلى مجرد حرب مجهولة ومنسية، تلك العزلة أفادته كثيرا فأصبح أكثر وعيا وتمرساً وخبرة واستقلالية .

فليس لأحد ـ أو أى قوة كانت ـ سلطة أو يد أو نفوذ داخل قواه الجهادية التى تشكلت لديها رؤيتها الخاصة، ووعيها وإرادتها المستقلة . ورؤيتها الإسلامية الأصيلة التى صقلتها الحروب والمعارك وميادين القتال، وأعاصير السياسة حول أفغانستان وفى داخلها.

تحميل مجلة الصمود عدد 140 : اضغط هنا

 

 

الإستقلالية نتيجة الحصار :

  جورباتشوف ـ الذى أعطى جنرالاته فرصة أخيرة ـ أدرك بعد عدة محاولات عسكرية كبرى فى أفغانستان عقم محاولات الحسم العسكرى ، فقرر الإنسحاب باتفاق سياسى مع الأمريكيين يضمن تقاسما للنفوذ داخل أفغانستان ، عبر حكومة فى كابول مكونة من عملاء للطرفين، سواء ظاهرين فى واجهة الحكومة أو مستترين داخل أجهزة الدولة. كان يمكن للأمريكيين وقتها أن يقرروا بضمان سيطرتهم على حركة الجهاد، بالسيطرة على الأحزاب الفاسدة فى بيشاور وقياداتها المنحرفة . وأيضا عبر جماعات التمويل التى أظهرت صداقة للجهاد معتبرة إياه مجرد حرب بالوكالة عن المصالح الأمريكية ، وليس جهادا إسلاميا لخدمة الدين والشعب المسلم فى أفغانستان ، وعموم المسلمين فى العالم.

هذه الأجواء الموبوءة زالت نتيجة للحصار المفروض على شعب أفغانستان وجهاده . فأنتج الحصار إستقلالية ، وقوة سيكون لها ما بعدها بعد زوال غمة الإحتلال نهائيا ، والسقوط المؤكد للدولة الأمريكية المعتدية وتحالف الناتو الذى يجمع ذئاب أوروبا وأوباش من أنحاء العالم . الآن لا أحد يقرر نيابة عن شعب أفغانستان ، ولا أحد فى مقدوره أن يضغط على قيادته. فالضغط الأمريكى أنتج مزيدا من القوة الأفغانية وخلصها من الكثير من الشوائب التى علقت فى الماضى بتجاربه الجهادية المذهلة التى غيرت وجه العالم الحديث مرتين ، ولكنها لم تغير من حال الشعب الأفغانى ، بل زادته بؤساً وتخلفاً .

ذلك الضغط الأمريكى العسكرى والسياسى على شعب أفغانستان أنتج مزيدا من الضعف للولايات المتحدة بحيث لم تعد هى نفس الدولة التى دخلت أفغانستان بالإنتفاش الصليبى الذى صرخ به جورج بوش من داخل كتدارائية واشنطن. ولم يتحقق لليهود ما تمناه عضو بالكونجرس الأمريكى قبل غزو أفغانستان بقوله (سوف نحول أفغانستان إلى إسرائيل أخرى فى المنطقة).

 

 

الإمارة الإسلامية صاحبة القرار :

دخلت الحرب الأمريكية على أفغانستان عامها السابع عشر . وهم يدركون تماما أن لا حل فى أفغانستان سوى بالإنسحاب التام، وإلا فالسقوط الأمريكى قادم لامحالة داخل الولايات المتحدة نفسها . ولكنهم يطمعون فيما حصل عليه السوفييت عند إنسحابهم من إتفاق سياسى يضمن مصالحهم فى أفغانستان ، أو معظم تلك المصالح .

ولكن لا طرف فى مقابل الأمريكيين يصلح للتفاوض سوى الإمارة الإسلامية ، وقوتها الضاربة (حركة طالبان) فهى المالكة لزمام القرار حربا أو سلما .

وذلك بالنسبة للأمريكين أشبه بتناول السم القاتل ، لأن الإمارة ، وطالبان ، لن يقبلوا بأى حديث سياسى مع المحتل إلا بعد زوال الإحتلال تماما . وإذا بدأ حديث سياسى بعد ذلك فسوف يكون البند الأول فيه هو تعويضات الحرب ، وتحرير الأسرى . وسواء بدأ حديث تفاوضى بعد ذلك أو لم يحدث ، فإنه لا نقاش يمكن أن يطال إستقلال وحرية شعب أفغانستان، وكامل سيطرته على جميع أراضيه وثرواته ، وحقه الطبيعى فى إقامة نظامه الإسلامى حسب رؤيته الجهادية والتاريخية.

ــ  هذا ما صار إليه شعب أفغانستان بعد 16 عاما من الحرب الجهادية فما هى حال المعتدى الأمريكى ودولته ؟؟ .

أبلغ تعبيرعن ذلك هو زعيم تلك الدولة الذى أدهش شعبه والعالم بحالة التردى العقلى والسلوكى التى يتخبط فيها كالسكران أو المجنون ، بسياساته الداخلية والدولية. إنها علامات إنهيار لم تصل إليها قوة دولية بدون حرب عالمية كبرى ، وحتى بريطانيا والسوفييت قبل زوال مكانتهما الدولية واندحارهما على أرض أفغانستان لم يبديا كل ذلك القدر من التخبط وفقدان الإتزان .

الشعب الأمريكى وشعوب العالم مجمعون على أن ذلك الرئيس المختل عقليا والمنحرف سلوكيا هو خطر على العالم بأسره ، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أولا .

حسب قول أحد المحللين السياسيين، فإن ترامب لم ينجح سوى فى شيئين إثنين، الأول هو إستنفار الروح العنصرية تحت شعاره(إستعادة القومية الأمريكية) فانتعشت الكراهية فى صفوف الشعب . والنجاح الثانى كان إنقسام المجتمع الأمريكى إلى نصفين متباعدين تفصلهما هوة تتسع بإستمرار . فهناك دعاوى إنفصالية داخل الولايات المتحدة بذرائع دينية ومذهبية وعرقية ، وهناك ولايات أمريكيه ترغب فى الإنفصال عن الإتحاد الأمريكى .

وإذا حدث ذلك أثناء تواجد القوات الأمريكية فى أفغانستان فسوف تواجه تلك القوات مشكلة عويصة. فمن منها سيكون تابع للإتحاد الأمريكى ومن منها تابع للولايات المنفصلة ؟؟ .

ومن أين سيتلقى كل منهما الأوامر والتمويل ؟؟. فى النهاية قد تستسلم تلك القوات بكاملها للمجاهدين ، أو ينسحب منها فرد واحد قد يتمكن من الخروج سالما من أفغانستان كما حدث للبريطانيين حين إنتهت حملتهم الأخير بنجاة طبيب واحد فقط .

 

 

جيش الدولة المنحطة يتحلل :

الجيش هو عماد القوى الإستعمارية الكبرى . ومع نهايته ، أو فقدانه الرغبة والحماس للقتال، تنتهى تلك الإمبراطورية . فلا يذهب جنود جيشها إلى مغامرات خارجية إلا بضغط الحاجة المعيشية وهربا من ضغوط إجتماعية ونفسية .

فالجيش الأمريكى بالفعل هو جيش من المهمشين إجتماعيا الذين لا سبيل أمامهم للعيش بشكل معقول سوى أن يبيعوا أنفسهم كوقود للآلة العسكرية النهمة .

جنود الجيش هم من الطبقات المهمشة فى قاع المجتمع، من الشواذ والمنحرفات . ومن ضباط أعينهم على وظائف عالية الأجر فى شركات المرتزقة بعد تركهم صفوف الجيش ، وجنرالات أعينهم على وظائف عليا فى شركات النفط والسلاح ، أو الدرجات العليا فى العمل السياسى والمجالس النيابية ، أو تأسيس شركاتهم الدولية الخاصة للإتجار بالمقاتلين المرتزقة.

ـــ لا أحد فى العالم يحسد جنود أمريكا فى أفغانستان. بضغوط نفسية ومعارك قاسية، وفساد ضرب أطنابه فى تلك القوة المحاربة ، بداية من جنرالاتها الكبار، وحتى وقود المعارك من الجنود الصغار الذين يقتل منهم كثيرون. والذى يخرج منهم سالما تفتك به لاحقا عاهات عقلية ونفسية ، وتجاهل حكومى وإزدراء من المؤسسة العسكرية نفسها .

ــ  تحليل أجراه مكتب المحاسبة الحكومى الأمريكى كشف عن طرد عدد كبير من العاملين فى وزارة الدفاع الأمريكية لأسباب تتعلق “بسؤ السلوك!!”. وفى تقرير نشر فى شهر يونية 2017 نشر المكتب المذكور فى موقعه على الانترنت أن 57,141 جنديا طردوا من الخدمة خلال الفترة ما بين العامين (2011 ـ 2015 ) لأسباب تتعلق “بسؤ السلوك” .

نسبه 16% منهم تم تشخيص حالاتهم بأنها (إضطراب وتوتر ما بعد الصدمة) أى الرعب الناتج عن صدمة المعارك القاسية. وحالات أخرى إرتبطت “بسوء السلوك”. وبعض الإضطرابات كانت بسبب شرب الخمر. وأن 23% من المفصولين تم تصنيفهم ” غير شرفاء” وهذا يحرمهم من الحصول على فوائد الرعاية الصحية من إدارة شئون المحاربين القدماء .

إشتكى التقرير من أن البحرية لم تطلب فحصا طبياً قبل الحكم بفصل المتهمين “بسؤ السلوك” للتأكد من أن تلك التهم ليست ناتجة من (إضطراب ما بعد الصدمة) .

أمين شئون المحاربين القدماء (ديفد شولكن) أعلن سابقا عن خطط للنظر فى شكاوى المحاربين القدماء من نقص الدعم الذى يقدمه الجيش لهم .

هذا مجرد جزء صغير من صورة الإنحدار المأساوى التى يعيش فيها الجيش الأمريكى ، نتيجة لحرب أفغانستان أساساً ، والتى شهدت أبشع أنواع إنحطاطهم العقلى والنفسى فى مجازرهم الوحشية ضد الأبرياء.

تحميل مجلة الصمود عدد 140 : اضغط هنا

 

 

رئيس الإنحطاط فى دولة الإنحطاط :

وهذه هى الصورة التى تجسدها أمريكا كقوة عظمى ، خاصة فى شخص رئيسها المجنون الذى يترنح فى أرجاء العالم ، مهددا ومتواعدا ومبتزاً كأى بلطجى يبتز العاهرات ، أو مقامر يسرق زبائنه العابرين والدائمين .فتلك هى مهنته القديمة وخلفيته التاريخية ومصدر المليارات التى يمتلكها .

ــ نجاح ترامب فى شق المجتمع الأمريكى بنزعاته العنصرية ، التى أحيت الصراع والدعوات الإنفصالية ، لا يتفوق عليها سوى إخفاقاته العظمى فى سياساته الداخلية، وفشله فى تطبيق أيا من وعوده الخارجية أو الداخلية ، سوى نجاحات له فى (الشرق الأوسط) مع زبائن أمريكا الدائمين . فدعوته إلى (إستعادة القومية الأمريكية) و(أمريكا أولا) لم تنجح فى إعادة الشركات الأمريكية التى إنساحت خارج الحدود فى بلاد العالم الفقير لتجنى الثروات الطائلة بعيدا عن الضرائب ، وبلا رادع عن إنتهاج سياسات الفساد والإفساد . وبخروجه عن قواعد العولمة والأسواق المفتوحة ، أضعف كثيرا الأساس الإقتصادى والسياسى للنظام العالى ، وبخروجه من إتفاقية باريس للمناخ ومحاولة التملص من الإتفاق النووى مع إيران قوض مصداقية بلاده ، وأضعف قيمة الإتفاقات الدولية والقانون الدولى ، فتباعد عنه تدريجيا حتى أقرب الحلفاء فى أوروبا .

وفى الداخل فإن سؤ علاقته مع مجلسى الشيوخ والنواب منعاه من سن تشريعات كان يطمع فيها للضرائب ، ومنعاه من إلغاء قانون الرعاية الصحية التى إستحدثها سلفه اللدود”أوباما ” ، وأحبطا مشاريع قوانين تمنع قدوم رعايا بلاد إسلامية بعينها إلى الولايات المتحدة .

وساد التوتر بينه وبين المؤسسات العسكرية والأمنية ، التى أزعجها طيشه وجهله ، فألزموه برقابة لصيقة من جنرالات عسكريين يراقبون قراراته الخطيرة على أمن بلاده . فهناك الجنرال “جون كيلى” كبير موظفى البيت الأبيض ، والجنرالات “هربرت ماك ماستر” مستشار الأمن القومى والجنرال “جيمس ماتس” ، الكلب المسعور ووزير الدفاع ، الذى تعرض لمحاولة إغتيال صاروخية فى مطار كابل .

 

 

أمريكا تفرض الفاشية كنظام عالمى :

 وهكذا صارت الولايات المتحدة التى تشيع عن نفسها أنها قلعة الديموقراطية فى العالم ، مجرد نظام فاشى يحكمه الجنرالات من وراء ستار رئيس مختل عقليا بدعوى حماية البلاد والعالم من طيشه وجنونه . وفى الواقع فإن الحقيقة الكبرى المختفية وراء حادث 11سبتمبر الرهيب الذى غير أمريكا والعالم ، أنه كان تغطية لإنقلاب عسكرى إستخبارى للقبض على زمام الدولة وتحويلها إلى فاشية محلية وعالمية . وذلك ما حدث بأن تحولت دول العالم بدرجة أو أخرى إلى التضييق على الحريات بذريعة الحرب على الإرهاب أو للوقاية منه .

ــ أما مشروع تمكين إسرائيل من خناق (الشرق الأوسط العربى) وإنهاء قضية فلسطين، فقد أوكلها “ترامب” إلى ثلاثة من أشرس الصهاينة الأمريكيين وهم : صهره (جاريد كوشنير) ، ومبعوثه الخاص (جيسون جرينبليت) وسفيره فى إسرائيل (ديفد فريدمان) .

ــ تأجيل الإنسحاب الأمريكى من أفغانستان عن موعده الضرورى، بدأ يعطى تفاعلات سريعة وقاتلة داخل الجيش الأمريكى والمجتمع الأمريكى نفسه . فقد جاء التأجيل بضغط صهيونى ، بهدف كسب الوقت، حتى يتم تغيير وجه (الشرق الأوسط) ليصبح إمبراطورية صهيونية. ولكن المشروع اليهودى تعثر، وظل يندفع قدما بتهور وعلى غير أساس ثابت فى الأرض ، لذا فهو معرض لإنهيار مفاجئ فى أى لحظة.

والمشروع الأمريكى نفسه على وشك إنهيار حقيقى فى أفغانستان ، وستكون واشنطن أول ضحاياه ـ كما كانت موسكو أول من دفع ثمن هزيمة جيشها فى أفغانستان .

تحميل مجلة الصمود عدد 140 : اضغط هنا

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world




عندما تسقط راية الإسلام و يضرب إعصار الردة جزيرة العرب (3)

عندما تسقط راية الإسلام و يضرب إعصار الردة جزيرة العرب (3)

 عندما تسقط راية الإسلام

ويضرب إعصار الردة جزيرة العرب

المقدسات قضية أمة وشعوب إسلامية ، وليست قضية حكام خونة وأنظمة عميلة.  فللمقدسات رب يحميها وشعوب تدافع عنها بالدم .

( الجزء الثالث )

2017-11-24

بقلم :مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)  : www.mafa.world   

 

ــ عاد المشروعان السعودي والصهيوني إلى الإلتحام مرة أخرى بعد أن ترسخت مملكة آل سعود فى جزيرة العرب ومملكة بنى إسرائيل فى فلسطين .

ــ “بن لادن” و “بن سلمان” .. مشروعان متناقضان لجزيرة العرب .

ــ الداعشية أعلى مراتب الوهابية ، كونها تكفير دموى مهمته دمار الإسلام والمسلمين .

ــ (المستعربون الصهاينة) و (الصهاينة العرب) قوة واحدة ضد العرب والمسلمين .

ــ الجيوش العربية ستتحول إلى جيوش مستعمرات فى خدمة الجيش الإسرائيلى .

ــ إنتشار الجيش الإسرائيلى داخل “المملكة” أمر مؤكد عند إعلان التحالف العسكرى.

 

 

( 8 )

التكفير يضرب فى كل إتجاه :

إستخدم صهاينة الخليج مجموعات التكفير المسلح للضرب فى شتى الإتجاهات داخل المنطقة العربية وخارجها طبقا لمصالح إسرائيل ودعما للمجهود العسكرى الأمريكى ، بدءا من العراق وسوريا وصولا إلى أفغانستان والفلبين وحتى بورما . وأينما حل هؤلاء حل معهم الخراب بالشعوب المسلمة ، حتى ضاع بسببهم ملايين البشر قتلا وتشريدا وانتكست قضايا إسلامية عديدة .

وبدأ التكفير المسلح عمله فى العراق تحت راية الفتنة الطائفية ضد الشيعة، والنتيجة أن أكثر جرائمة كانت تصيب(أهل السنة) الذين إدعى حمايتهم . وعندما إستدعى الأمريكيون التكفيرالمسلح إلى أفغانستان لمساندة جيوشهم المتورطة هناك ، رفع الدواعش راية تكفير طالبان (الأحناف السنة) بدعوى أنهم (وطنيون!!) فأصبح حب الوطن والدفاع عنه كفرا. وفى الفلبين عاقب الأمريكيون بهم رئيس تلك البلاد الذى بدأ يتجه شرقا صوب الصين وروسيا . وفى بورما أعطى هؤلاء التكفيريون للجيش  البوذى المتعصب ذريعة لتغطية مجازره ضد المسلمين بدعوى مقبولة عالميا وهى مكافحة الإرهاب، بينما لم يقدموا للمسلمين هناك أى أمل أو خطة لإستعادة الحقوق ودفع المظالم . فالكوارث والجرائم التكفيرية لا تكاد تنتهى فى عدد كبير من البلدان والمناطق. فكانت الداعشية هى أعلى مراتب الوهابية وأكثرها وضوحا فى تجسيد مراميها كتيار جاء لتدمير الإسلام والمسلمين.

ـــ  وكان من أهداف إحياء وتسليح التيار التكفيرى الوهابى هو تضخيم الخلافات الفقهية بين السنة والشيعة وتحويلها إلى صراع وجودى لا ينتهى إلا بنهاية الفريقين.  ومعلوم من هم المستفيدون من تقسيم الأمة وإضعافها وتخريب أوطانها.

 

تحالف ضد الشعوب وضد المقدسات :

ـــ وحتى قبل إنشاء دولتهم فى فلسطين نادى اليهود بتقسيم بلاد العرب والمسلمين لإضعافهم. وتبلورت لدى اليهود نظرية العدو البديل الذى يتوجه إليه العرب والمسلمون بالعداوة والبغضاء بل والقتال ، وأن يكون ذلك العدو هو إيران التى خرجت من معسكر الولاء لإسرائيل وحماتها الأمريكان منذ نجاح ثورتها الإسلامية عام 1979 ، وبالتالى رفضت برنامج الخضوع لإسرائيل والإذعان لها كما فعل العرب الذين فتحوا لإسرائيل أوسع الأبواب من المحيط إلى الخليج ، وتلك هى جريمة إيران الكبرى .

ــ فأى مواجهة جهادية ضد إسرائيل وهيمنتها على العرب ، أو ضد أمريكا وغطرستها ودعمها للعدوان اليهودى، وسلبها ممتلكات وثروات العرب والمسلمين ، سوف يتم تصنيفها،عربيا ودوليا، على أنها إرهابا . ولهذا عقدوا مؤتمر البلورة السحرية فى الرياض ، ليكرسوا إنقسام الأمة الإسلامية وإعلان الحرب الداخلية بين مكوناتها ، وإقامة حلف عسكرى تقوده إسرائيل وتتصدى به لمن تراهم أعدائها (إيران ـ حزب الله ـ الشيعة ـ مجاهدى فلسطين واليمن، ضمن ما أطلقوا عليه مصطلح المتطرفين السنة).

ــ   وإذا ما تضمن ميثاق الحلف ـ كعادة الأحلاف ـ على نص ملزم بالدفاع المشترك، فسوف تكون جيوش العرب ملزمة بقتال كل من يهاجم إسرائيل سواء كان منظمة فلسطينية أو إسلامية أو دولة معادية لإسرائيل مثل إيران. وفى المقابل سيكون من حق الجيش الإسرائيلى التدخل لحماية الأنظمة العربية من ثورات شعوبها فى حال إستنجدت بها حكومات تلك الدول.كما سيكون من حق الجيش الإسرائيلى الإنتشار داخل الدول المشاركة فى التحالف سواء بهدف المناورات المشتركة أو للمساعدة فى الدفاع ضد تهديد خارجى. لذا فإن إنتشار الجيش الإسرائيلى داخل السعودية بدعوى مواجهة تهديد إيرانى محتمل هو شبه مؤكد،

وتمهد له هستريا العداء لإيران التى تروج لها السعودية وإسرائيل ومعهما أمريكا. عندها سيقولون أن الأمن يأتى أولا قبل الدين ، وسيكون تواجد القوات الإسرائيلية فى مكة والمدينة “شرعيا” ومطلوبا. وليس ذلك ببعيد على آل سعود الذين أدخلوا القوات الفرنسية الخاصة بمدرعاتها (عام 1979) إلى الحرم المكى للقضاء على ثورة جهيمان ورجالة الذين تحصنوا بداخله، فدار القتال إلى جوار الكعبة ذاتها وفوق مآذن الحرم. فإذا علمنا أن إنتهاك حرمة المقدسات هو هدف قائم بذاته سواء لدى إسرائيل أو لدى آل سعود، أدركنا خطورة الوضع الحالى للمقدسات مالم تنهض الأمة للدفاع عنها فى وجه التهديد اليهودى السعودى المشترك .

تشمل أوراق إعتماد بن سلمان لدى إسرائيل، وإعتباره “الجندى العربى الأول” فى جيش الإمبراطورية اليهودية ، على مميزاته التالية :

1 ـ تكريسه لمفهوم “يهودى/ وهابى” لمعنى أهل السُنَّة والجماعة . يؤصل لإفناء الأمة بالإقتتال المذهبى الداخلى .

2ـ  كونه ممولا وقائدا أعلى لجماعات التكفيرالمسلح التى أنشأها الملوك السابقين.

3ـ ممول ورأس رمح لمغامرات إسرائيل العسكرية فى المنطقة العربية ، وخارجها ، من اليمن إلى لبنان إلى فلسطين إلى إيران وحتى بورما حيث مشاريع إستثمار إقتصادى فوق جثث مسلمى الروهنجا واستثمار إراضيهم التى أصبحت خالية من السكان  .

4  ـ المؤسس العربى الأول لجيش المستعمرات العربية تحت قيادة إسرائيل ( حلف الناتو العربى الإسرائيلى) ، لخدمتها فى إحتلال جزيرة العرب ومقدساتها، ومواجهة أعداء إسرائيل أينما كانوا .

 

ـ 9 ـ

بن لادن .. وبن سلمان :

مشروعان لجزيرة العرب .

قال”بن لادن” يوما، فى بيانه الشهيرلإعلان الجهاد : ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).

معتمدا على الوصية الأخيرة للرسول الأعظم وهو يودع من حوله ، من الأهل والأصحاب.

وفى نهاية المطاف قتل بن لادن بطلقة بندقية فى جبينه ، أطلقها عليه أحد أفراد فريق إغتيالات أمريكى فى عملية كبرى للمخابرات الأمريكية ، تحت إشراف ومتابعة لحظية من الرئيس الأمريكى (أوباما) وطاقمه الرئاسى .

هناك علاقة لا شك فيها بين مصرع بن لادن ، الأعزل من السلاح ، وبهذا الشكل الوحشى، وبين صرختة التى أطلقها فى بيانه الشهير من جبال (تورا بورا) شرق أفغانستان إثر عودته إليها عام 1996 ، معلنا الجهاد على الولايات المتحدة مستهدفا إخراجها من جزيرة العرب ، بإعتبار الجزيرة حرماً مقدساً لا يقيم فيه غير المسلمين . ناهيك عن زرع الأمريكيين لقواعدهم العسكرية فيها ونهب ثراواتها النفطية ، وتقسيمها إلى مشيخات عشائرية تعمل كمخافر لحراسة آبار النفط .. أسموها دولاً.

إنهار مشروع بن لادن بسرعة نتيجة لعوامل شتى ، على رأسها عدم وضوح الرؤية ، وغياب الاستراتيجية والتخطيط السليم . بينما إستمر المشروع السعودى مهيمنا على جزيرة العرب عموما ، محتجزا مقدسات المسلمين للإتجار الدينى والسياسى ، والتربح المالى . وبعد إبتعاد شكلى أعيد إلتحام المشروع السعودى بالمشروع الصهيونى، إذ ترسخت جذور المملكتين التوأم فى كل من فلسطين وجزيرة العرب .

ــ كان المشروع السعودى يعمل بهدؤ شديد وحذر، لإحلال الوهابية بديلا عن الإسلام . مدعيا أن الوهابية هى الإسلام السنى الصحيح . ثم نزع آل سعود هيبة المقدسات من النفوس بتغيير طابع الأماكن المقدسة ومحيطها السكنى ، وإزلة المعالم الإسلامية بالتدريج إلى أن يأتى وقت تزول فيه المبانى المقدسة تماما ـ أو أن يتحول ما تعذر إزالته منها إلى مجرد ( آثار) تاريخية تقام حولها المهرجانات الدينية والسياحة الترفيهية، الجالبة للمتعة والربح .

 

من يعرف السر .. يموت :

رغم النظام الملكى الحاكم ، وجمود نظام التوريث ، تزايد أعداد المتنافسين والطامعين وتمكن الكثير من أمراء آل سعود من معرفة (كلمة سر) الوصول إلى كرسى الحكم فى المملكة الذهبية ، والتى كانت ببساطة :{إمتلاك عدة مليارات من الدولارات،علاقات مميزة مع واشنطن ، وعلاقات أكثر من مميزة مع إسرائيل}. إذن هى مسألة أموال كثيرة وعلاقات محرمة . تلك الشروط السرية أصبحت واضحة ومفهومة ، فتمكن عديدون من السير على نفس الطريق. فكانت معضلة حقيقية أضجت مضاجع بن سلمان وهددت طموحه.

ــ معظم هؤلاء إعتقلهم الأمير فيما عرف “بمجزرة الأمراء”، ويقال أنه قتل بعضهم وصادر أموال أكثرهم أو جزءا كبيرا منها ، والحجة المعلنة هى أنهم “فاسدون”!!.. وكأن هناك صنفا آخر غير فاسد بين ملوك وأمراء ومسئولى المملكة . ولكن ثروة “الأمير” تعززت بإسيلائه على ثروات “الفاسدين” وضمها إلى ثرواته الخاصة . وأخيرا أثبت آل سعود أنهم تعلموا شيئا من عدوهم التاريخى محمد علي باشا والي مصر ، الذى كان تصرفه مع منافسيه المماليك فيما عرف “بمجزرة القلعة” ، مطابقا لتصرف بن سلمان “باشا السعودية” ، مع فارق “بسيط” هو أن باشا مصر، مع الأموال والأراضى، صادر أيضا القصور بمن فيها من نساء وأولاد وعبيد ، فى لمسة شهيرة من فنون الحكم الأبدية فى مصر المحروسة .

ــ فى هذه الأجواء وصل (بن سلمان) إلى الشوط النهائى من السباق على كرسى الحكم. فقد كان هو الأكثر إندفاعا ووحشية فى تطبيق الرؤية الإسرائيلية للمملكة وللمنطقة، فقدم كل ما يمكن تقديمه من ضمانات عربونا لصداقة العراب(ترامب)، الذى منح للأمير الطموح بركاته ، فى مقابل نصف ترليون دولار “تقريبا” كمقدم أتعاب.

إستطاع “بن سلمان” أن يجرى كل التغيير اللازم لتثبت أركان حكمه القائم بالفعل تحت إسم والده الملك المحنط فوق الكرسى الذهبى . فاز(بن سلمان) بحكم المملكة المتصدعة بتأييد ومباركة من إسرائيل وأمريكا . وفاز بن لادن بطلقة أمريكية فى الجبين .  فمن منهما فاز فى المباراة ؟؟ .

 

( 10 )

المستعربون الصهاينة ، والمتصهينون العرب :

ـــ   جناح المستعربين فى المخابرات الإسرائيلية (الموساد) قائم على يهود من أصول عربية ، أو يتقنون اللهجات العربية . ومجال عملهم هو الدول العربية ، وهؤلاء هم (المستعربون الصهاينة) . ويناظرهم (العرب الصهاينة) الذين باعوا أنفسهم وسخروا كل طاقاتهم لخدمة إسرائيل فى مقابل المال أو مواقع فى السلطة. ويعملون فى شتى المهن والأعمال ، أو كسياسيين وموظفي حكومة رفيعى المستوى، وصولا إلى منصب رئيس دولة . واقع العرب ملئ بأمثال هؤلاء، حتى يظن المتابع أن إسرائيل ( بمساعدة أمريكية) هى التى تختار الرؤساء العرب وقادة الجيوش والأمن ، ودور الشعوب هو السمع والطاعة وانتظار الفرج  .

وليست مصادفة أن شهادات جاءت من كبار المسئولين فى إسرائيل فى حق عدد من كبار زعماء العرب ، فقالوا فى حق أضخمهم شعبا أنه (بطل قومى لإسرائيل) ، وقد وصفوا سَلَفَه قبلا بأنه (كنز إستراتيجى لإسرائيل) .

وتتصاعد درجات التمجيد ، مع إجتهاد هؤلاء الزعماء ورؤساء الحكومات والوزراء ووكلائهم، والجنرالات الكبار فى الجيش والأمن ، ورجال أعمال وصحفيون ومشايخ معممون، وفنانون وراقصات .. إلى آخر قائمة لا تكاد تنتهى  . و إرتفع كل هؤلاء فى مدارج الثروة والسلطة ، وأتيحت لهم وسائل التمكين والرفعة ، فى تناسب عكسى مع حال الشعوب من فقر وإنحطاط وقهر ، وهى حال يسهل فيها تجنيد الكثير من أفراد الشعب ، للعمل كجواسيس أو بلطجية أو مشعلى فتن. فالفقر هو الأب الشرعى لأبشع أنواع الكفر.

أهم أنواع الصهاينة العرب هم رؤساء الدول والجيوش وأجهزة الأمن ، ويتكامل معهم جهاز التكفيرالمسلح . وهو ذو أهمية رفيعة لأن دوره يتخطى المجال المحلى

ليشمل المنطقة العربية كلها ، وحتى المجال الدولى فى الصرعات العظمى التى لا يكاد يدرك منها هؤلاء المتحمسون المذهبيون سوى جانبها الضيق / الذى هو موهوم فى الغالب/ ومن هنا نراهم يسيحون حسب الطلب فى جنوب شرق آسيا إلى وسط آسيا وجنوبها إلى أوروبا والولايات المتحدة .

ــ هناك حالات كثيرة من العمل المشترك وحتى الإندماحى بين (المستعربين الصهاينة والمتصهينين العرب ) بلغ ذلك قمة غير مسبوقة فى أحداث (الربيع العربى ) واستمر فى تصاعد إلى الآن على مستوى القمم السياسية والعسكرية والأمنية فى الدول الهامة ، وعلى مدار الساعة ، حيث يتولى المستعربون زمام الأحداث ، كمخططين وموجهين للقيادات السياسية والأمنية والعسكرية المحلية.

ــ أما داخل جماعات التكفير المسلح والفتن الدولية المتنقلة ، فإن التخطيط والقيادة العليا هى ” للمستعربين” وكذلك الإمداد التقنى والفنى والعناصر عالية التدريب . ثم التغطية السياسية أو العسكرية إذا لزم الأمر . ويدخل (متصهينو الخليج ) فى حلقة التمويل والتسليح والدعم الإعلامى وتوجيه بعض الأجنحة ، واستقطاب أجنحة أخرى لخدمتهم مباشرة ، فى داخل بلادهم أو خارجها . وتوجيه أوامر عمليات مباشرة لتلك المجموعات .كل ذلك فى إطار الخطة الصهيونية العامة التى يتابعها مستعربو إسرائيل بدقة.

ــ   ضمن مهام النشاط العسكرى والدعائى (للصهاينة العرب) ترويج ” فوبيا” مذهبية ضد الشيعة وحزب الله ، و”فوبيا” مذهبية /عرقية / سياسية ضد إيران. وبواسطه أجهزة التكفير المسلح يخلقون خطرا موهوما آخر هو(الإرهاب السني) أو(الإرهاب الإسلامى) ليضاف هو الآخر إلى لائحة أولويات النظام الصهيونى العربى الجديد ، كأهم الأخطار التى تتحرك أنظمة المنطقة لمواجهتها تحت قيادة إسرائيل وبدعم أمريكى أوروبى  .

ــ   نفس تلك المجموعات التكفيرية المسلحة ـ أيا كانت مسمياتها ـ وتحت توجيه (المستعربين الصهاينة)، تُصَدِّرُ عملياتها إلى أوروبا والولايات المتحدة ـ بموافقة حكومات تلك الدول أو حتى بطلب منها ـ وفقا لظروف السياسة الداخلية . وهى عمليات قتل لا جدوى منها سوى تأليب الرأى العام الأوروبى ضد الإسلام والمهاجرين المسلمين وترويج حالة (إسلام فوبيا) تمهيدا لخطوات إنتقامية كبرى ضد المسلمين فى أوروبا ، أو حيثما يوجد مسلمون . فترويج حالة الرهاب من الإسلام فى أوروبا هدف يهودى للسيطرة على العقلية والقرار الأوروبي ، وإيجاد أرضية شعبية مشتركة بين إسرائيل وأوروبا للعمل معا ضد الإسلام والمسلمين.

(الإسلام فوبيا) و(الشيعة فوبيا) هى تمهيد لحرب تحرق مخازن الثروة والطاقة والمعرفة فى بلاد العرب وإيران ، وخطوة لنشر الحروب المذهبية فى باقى العالم الإسلامى من وسط آسيا وجنوبها وصولا إلى أندونيسيا .

ـــ  تبقى أن نقول أن أمريكا وإسرائيل قدمتا دعما عسكريا مباشرا وواضحا لإنقاذ بعض مجموعات التكفير المسلح . تكرر ذلك فى العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان. فبسطوا حمايتهم الأمنية والسياسية على شبكات التكفير المسلح (وباقى المتصهينين العرب) فى حال وقوعهم فى مشاكل خطرة .

ــ جاء فى صحيفة تونسية أن مخابرات بلدها “لا تتمتع بالإستقلالية فى عملها ، وتعتمد على سفارات أجنبية من مصلحتها وجود داعش فى بعض المناطق” . وتلك صورة مخففة جدا من الواقع العربى، لأن أعلى مستويات السلطة السياسية وقيادات الجيوش والأمن ، قد أصبحت فى معظمها فى قبضة (المستعربين الصهاينة)، و إزدحمت صفوفها بالعرب المتصهينين .

ــ مع إعتبار أن الجمعيات الماسونية (روتارى ، ليونز ،..إلخ) والتى تنشط جهارا نهارا وبترحيب رسمى وغفلة شعبية ، هى جماعات صهيونية يعمل تحت مظلتها (المستعربون الصهاينة). ومن نجومها عدد كبير من المتصهينين العرب الذين

يشغلون درجات رفيعة فى أجهزة الحكم والحياة العامة داخل بلادهم . ومن الملاحظات المدهشة أن تلك الجمعيات الصهيونية لم يلمسها أحد ، أو حتى يذكرها بسؤ خلال أحداث الربيع العربى . بينما شهدت بعض عواصم “الربيع” مظاهرات ضد “التمدد” الشيعى وتطالب بمنع السياح الإيرانيين !!.

 

“الدحالنة” العرب :

ــ  (محمد دحلان) من الحالات النموذجية ( للصهاينة العرب) فهو زعيم فلسطينى مرشح لقيادة السلطة الفلسطينية خَلَفاً لرئيسها الحالى (محمود عباس) . ودحلان مدعوم فى ذلك بالقيادة المصرية والقيادات الخليجية ، وقبل كل هؤلاء .. إسرائيل.

دحلان هو المتهم الأول بإغتيال زعيمه ياسرعرفات . وهو أحد كبار الموجهين وقادة الإرهاب فى سيناء ، وليس الوحيد لأن للحكم العسكرى ضلعا كبيرا فى إختلاق وإدارة الإرهاب فى سيناء ومصر كلها . ويشاركه فى ذلك الدواعش الذين لا يرون الكون إلا من منظور التكفير والفتن . وهناك المظاليم من أهل مصر الذين لا مخرج أمامهم إلا القتال دفاعا عن كل ما يمكن أن يمتلكه الإنسان ويعتز به ، فى مقابل همجية السلطة العسكرية الحاكمة .

ــ دحلان هذا رحبت به القيادات الإعلامية فى مصر كأحد المثقفين المرموقين (!!) وهو يدير فى مصر مشروعات كثيرة غير معلومة  .وهو المستشار البارز لحاكم أبوظبى الفعلى (محمد بن زايد) فى أمور العلاقات مع إسرائيل ، وإدارة نشاط الإرهاب والمقاتلين المرتزقة من شتى البلاد ، والمساهمة فى ضبط الأمن الداخلى للدولة النفطية ، والتجسس الداخلى والخارجى ، والمساهمة فى محو قضية فلسطين والإندماج مع المشروع الصهيونى للمنطقة.

 

كيسنجر ، نبوءات وكهنوت :

كيسنجر وزير خارجية أمريكى سابق وأهم العقليات التى تخطط للحركة الصهيونية. كما أنه مهندس حرب 1973 وما أعقبها من “سلام” بين إسرائيل ومصر، التى أوصلها ذلك “السلام” إلى ما هى فيه الآن من دمار شامل . لكيسنجر خطط يطرحها كنبوءات ، منها قيام إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب والعالم . ومنها يمكن إستنتاج برنامج ومهمات العمل” التكفيرى” المدار سعوديا . ومن أقواله :

(الشرق الأوسط سيشهد حربا طائفية لمدة مئة عام ) .

(لقد تم تسليح الدين ليكون فى خدمة الجغرافيا السياسية) .

(إذا سارت الأمور كما ينبغى فسوف تسيطرإسرائيل على نصف الشرق الأوسط) .

( الحرب العالمية على الأبواب وإيران ستكون ضربة البداية فى تلك الحرب ، التى سيكون على إسرائيل خلالها أن تقتل أكبر عدد ممكن من العرب وأن تحتل نصف الشرق الأوسط).

ـ وقال كسينجر أيضا :

( روسيا وإيران ، ستسقطان إلى الأبد لتتمكن أمريكا الماسونية من بناء عالم جديد لن يكون فيه مكان سوى لحكومة واحدة تتمتع بالقوة الخارقة)… (إننى أحلم كثيرا بتلك اللحظة التى تتحقق فيها رؤية تلك الأحداث) .

 

تحميل الجزء الثالث (PDF) :   إضغط هنا

بقلم :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world




المقدسات الإسلامية فى لعبة الأمم

عندما تسقط راية الإسلام و يضرب إعصار الردة جزيرة العرب (2)

عندما تسقط راية الإسلام

ويضرب إعصار الردة جزيرة العرب

المقدسات قضية أمة وشعوب إسلامية ، وليست قضية حكام خونة وأنظمة عميلة.  فللمقدسات رب يحميها وشعوب تدافع عنها بالدم .

(الجزء الثاني)

بقلم :مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد) :   www.mafa.world

 

المقدسات الإسلامية فى لعبة الأمم !!.

أصبحت مشهورة علاقة بريطانيا بتأسيس مملكة آل سعود فى جزيرة العرب وتأسيس المذهب الوهابى كمذهب رسمى لتلك الدولة .

الهدف كان طرد الأتراك من جزيرة العرب وإستيلاء آل سعود على المقدسات فى مكة والمدينة ، كخطوة أولى لإسقاط الإمبراطورية العثمانية التى تقف عقبة كبرى فى وجه إنشاء وطن لليهود فى فلسطين . تركيا كانت رجل أوروبا المريض ، الذى أرعب الغرب على إمتداد أربعة قرون ، وصل خلالها مرتين إلى أبواب فينا عاصمة النمسا. وبسقوط تركيا ،  كان أهم قرار دولى هو تفيذ (فيتو) ، بإجماع ذئاب الإستعمار الأوروبى ، لإستبعاد (الإسلام) من أى تواجد سياسى على الساحة الدولية ، وأن تكون الإمبراطورية التركية المتداعية هى آخر عهد للمسلمين بأى رابطة سياسية تمثلهم فى الميدان العالمى .

وكان إنشاء دولة لليهود هى قمه ذلك المخطط ، وصمام أمان لنجاحه ، كجرثومة إفساد وإضعاف وتفتيت ، تطور إلى سيطرة إستعمارية يهودية على المنطقة تحت حماية وإشراف نفس القوى الإستعمارية الأوروبية .

لهذا فإن صراع العرب مع إسرائيل هو جزء من الصراع الإسلامى الشامل مع الإستعمار الأوروبى . فالإرتباط التاريخى والسياسى والوظيفى بين المشروعين السعودى والإسرائيلى، هو إرتباط عضوى لا ينفصل . فالمشروع السعودى كان الأسبق تاريخيا ، كمقدمة لتنفيذ المشروع اليهودى فى فلسطين والمنطقة .

ـــ  المشروع السعودى بدأ فى القرن الثامن عشر (1744) على أكتاف مذهب إسلامى جديد بمواصفات بريطانية ـ وهى نفس الرؤية التى ورثها عنهم الأمريكيون فيما بعد ، وعبر عنها رئيس سابق للمخابرات الأمريكية بقوله (علينا أن نصنع لهم إسلاما يناسبنا )، كان ذلك هو الوهابية ، التى أنفق الحكم السعودى خلال العقود الثلاثة الأخيرة مبلغ 67 مليار دولار من أجل ترويجها عربيا وعالميا . وعندما تم إستخدمها فى الميدان الدولى فى أواخر الحرب الباردة وحتى الآن ، كانت مصداقا لرؤيه هزى كسينجر ـ اليهودى الأمريكى والصهيونى المتطرف ـ حين قال( لقد تم تسليح الدين ليكون فى خدمة الجغرفيا السياسية). كانت الوهابية هى ذلك (الدين) الذى نزل إلى ميدان السياسة الدولية كى يغير الجغرفيا السياسية ولكن لمصلحة أمريكا وإسرائيل .

الوهابية حركت قبائل نجد وشبه الجزيرة لإمتشاق السيوف لإعلاء كلمة أولياء الأمر (آل سعود) ضد الحكم التركى الذى صنفته الوهابية كافراً ، رغم كونه حكما سنيا يرعاه “خليفة” للمسلمين . ولكن لدى الوهابية مرونة كبيرة تمكنها من تكفير الجميع ، طاعة لولى الأمر ، الذى يمسك البريطانيون بزمامه ، ويستخدمونه (ودينه الوهابى) فى خدمة الإمبراطورية ضد العثمانيين ، للتخلص منهم كعقبة كبرى فى سبيل زراعة إسرائيل فى فلسطين . وللسيطرة على المسلمين فى أرجاء العالم عبر السيطرة على أهم مقدساتهم فى مكة والمدينة  .وفى المقابل روج البريطانيون بنشاط للمذهب الوهابى داخل مستعمراتهم التى لا تغيب عنها الشمس ، فكانت بريطانيا أهم الدعاة وأبعدهم أثرا فى تدويل الوهابية كبديل عن الإسلام ومذاهبه التى عرفها المسلمون لقرون طويلة .

وكان سحب مكة والمدينة ومن سلطة العثمانيين إيذانا بسقط شرعيتهم الإسلامية وإنتقال تلك الشرعية إلى السعوديين . فمن المقدسات إكتسب الحكم المنحرف لآل سعود ومذهبهم الوهابى شرعية إسلامية، وكل ذلك أصبح رصيدا لبريطانيا العظمى ، ورثته عنها ، أو إغتصبته منها، الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية . وجاء إكتشاف النفط بغزارة فى أراضى المملكة ليكسبها قوة إضافية خدمت إنتشار المذهب الذى كان الذهب أكثر أدواته إقناعا حول العالم . فالمسلمون الفقراء الذى يزدادون فقرا بمر السنين ، بينما تزداد المملكة غنى وتتكدس ملايين الدولارات التى تتكرم بها أمريكا وشركاتها ، كرشوة للحكام ، وليس ثمنا حقيقيا لتلك السلعة الحيوية. وصلت تلك المدخرات الآن إلى حوالى أربعة ترليون دولار ، فى الصندوق السيادى للمملكة ، أما الصناديق “السيادية” الخاصة بأمراء العائلة فلا سبيل إلى معرفة حجمها ولا حصر أعدادها.( أحمق آل سلمان يجردهم منها الآن ، ليسيعين بها على قضاء حوائج ترامب ونتنياهو).

فى وقتنا الراهن ، ونتيجة لتطورات المعسكر الغربى ووصوله إلى أزمة وجودية منبعها الإقتصاد أساسا ، جاءنا المختل (ترامب) حتى يحلب السعودية ، وباقى البقرات ، ثم يذبحها بعد جفافها ـ حسب وعوده الإنتخابية ـ التى لم ينفذ غيرها بداية من زيارته للرياض وخروجه منها محملا بمبلغ 460 ملياردولار فقط ، مع إنخراط سعودى كامل فى صفقة العصر لتصفية قضية فلسطين ، والإنسياق بلا قيد أو شرط خلف قيادة إسرائيل لبلاد العرب .

وكما تخلت بريطانيا عن ممتلكاتها شرق السويس بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة لتصدعها الإقتصادى الناجم عن تكاليف الحرب العالمية الثانية والأولى من قبلها. فإن أمريكا التى بدأت تتصدع داخليا وخارجيا . وتعجز بشكل مأساوى عن إخضاع الثورة الجهادية لفقراء الأفغان بقيادة شباب فى مقتبل العمر(طالبان)، فقد آن لها أن تتنحى . ولكنها مدت أنظارها إلى أكبر الكنوز المستباحة على وجه الأرض ـ أى المدخرات السعودية والخليجية ـ فتريد أن تنهبها قبل الرحيل وتسليم عهدة السعودية ومنطقة الخليج والعالم العربى كله إلى إسرائيل ـ المندوب السامى فوق العادة للإستعمار الغربى فى بلاد العرب.

ـــ  ولكن لإسرائيل طموح أبعد من ذلك بكثير ويشمل العالم كله وفى صدارته العالم الإسلامى المفكك والمتنافر . وذلك يلزمه سيطرة إسرائيلية على المقدسات فى مكة والمدينة . لذا مازالت إسرائيل فى حاجة إلى خدمات آل سعود، ولكن فقط إلى حين ترتيب أوضاع جديدة لجزيرة العرب والمقدسات الإسلامية .

 

 

إسرائيل تريد ضم المقدسات الإسلامية كلها ،

لتضع الديانات السماوية الثلاث فى قبضتها ،

وتجمع العالم فى إمبراطورية يهودية واحدة .

تحتاج إسرائيل إلى التواجد عسكريا فى جزيرة العرب، لأهداف :

 أولا : لأجل السيطرة المباشرة على المقدسات الإسلامية فى مكة والمدينة ، وثروات النفط والتجارة . وربط الجزيرة بإسرائل كملحق إقتصادى وعسكرى وسياسى وثقافى لها .

ثانيا : التواجد على سواحل الخليج لتثبيت الحدود الشرقية للإمبراطورية اليهودية الجديدة فى مواجهة إيران ، ومن خلف إيران من شعوب إسلامية لم يكتمل إخضاعها بعد، فى وسط آسيا وأفغانستان وجنوب آسيا. (أرسلت داعش لقهر المجاهدين الأفغان ، وأرسلت جيوش أل سعود وآل نهيان لإبادة مسلمى اليمن . وتعمل على حشد جيوش الجزيرة وعرب “الإعتال” لتهديد إيران واستزاف قواها) .

 ثالثا : لمراقبة اليمن عن كثب ، وإدارة شوطئها وجزرها الإستراتيجية ، ومنع شعبها من النهوض لإصلاح شئونه من جديد ، مهددا التواجد اليهودى فى جزيرة العرب ، بصفته الشعب الوحيد فى الجزيرة الذى يمتلك مؤهلات جهادية عالية.

ــ بسيطرة إسرائيل على جميع المقدسات الإسلامية (مكة ـ المدينة المنورة ـ القدس) يحكم اليهود قبضتهم على قلب الإسلام ، مع العزم على إعتصاره من الإيمان ثم إعادة ملئه بمحتوى يهودى . أى تصنيع دين يهودى جديد للمسلمين إسمه ـ مجرد الإسم فقط ـ هو الإسلام، ولكن بمحتوى يهودى ، كما حدث قبلا للمسيحية ،

التى إنتهوا منها منذ قرون عديدة. ومع ذلك فإن إحتلالهم لأهم مقدسات المسيحيين فى فلسطين تجعل يدهم هى الأعلى على الديانة المسيحية نفسها وإلى الأبد .

 وهكذا بخطوة إسرائيل النهائية صوب إحتلال جزيرة العرب ومقدساتها سوف يوحدون الديانات السماوية الثلاث فى ديانة يهودية واحدة ، تخدم منظورهم النهائى للعالم كأمبراطورية موحدة تحت سلطة حكومة مركزية مطلقة الصلاحيات فائقة القوة تحكم العالم وتستعبد جميع البشر لخدمة بنى إسرائيل ، حسب معتقداتهم التلمودية .

وحتى لا يستثير ذلك مشاعر المسلمين من غير العرب ، أو بعض العرب ممن تبقى لديهم شئ من الغيرة ، فإنها فى حاجة إلى إصطناع حرب ساخنة وباردة مع إيران تبرر تواجدها فى جزيرة العرب وعلى مياه الخليج وفى العمق العربى حتى المحيط الأطلنطى ، والإدعاء بأن ذلك جاء كضرورة دفاعية ضد عدو خارجى (إيران) متربص على الحدود ، ومعادى مذهبيا ومختلف عرقيا، ومخيف عسكريا، وطماع سياسيا . ذلك الوحش المعادى يجرى تصنيعه والترويج ضده دعائيا منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 ، لعزل تأثيرها الثورى عن المحيط العربى الذى رضخ للوهابية المتحالفة ليس فقط مع النظام السعودى بل مع جميع أنظمة القمع والإستبداد أينما كانت . فتولت الوهابية الشيطنة الدينية لإيران ، والشيعة العرب بالتالى، كقوى إجتماعية قابلة للتثوير خلافا للرغبات الوهابية والمصالح الإستعمارية. وجميع ردود الأفعال الإيرانية على إجراءات تطويقها وعزلها وحصارها وخنقها إقتصاديا وإضعافها عسكريا وشيطنتها دينيا وسياسيا ، أى رده فعل لها إزاء ذلك كله تولت الوهابية جانب التصدى الدينى له ، والأنظمة العربية تولت التصدى السياسى والدعائى ، وتصويرها كأفعال عدوانية للسيطرة والإحتلال ، والقضاء على (أهل السنة والجماعة) الذين إحتكرت الوهابية تمثيلهم دينيا وتولت تلك الأنظمة (المعادية للإسلام أساسا ) الدفاع عنهم سياسيا وعسكريا .

وبالتالى صار التحالف “السني” ــ الوهابى فى حقيقة الأمر ــ مع الصهيونية الإسرائلية ضرورة بقاء ودفاع لا غنى عنها . وهكذا تطور التعاون الإسرائيلى السعودى لتهيئة العالم الإسلامى والعربى لتقبل الإحتلال الإسرائيلى لجزيرة العرب ووضع مكة والمدينة إلى جانب القدس فى خزائن اليهود ، وبذلك يتحقق لهم سيطرة أبدية وإزاحة كاملة للإسلام كدين ، خلال مدى زمنى محدود للغاية ، حسب تقديراتهم طبعاً .

أين أمريكا فى كل ذلك؟؟ . لقد إنسحبت إلى حد كبير من المنطقة بإعلان جورج بوش فى عام 2011 ( أن المهمة فى العراق قد أنجزت).

فأمريكا لا تريد قتالا أرضيا واسعا ، لا فى العراق ولا فى سوريا أو حتى أفغانستان. وتبحث عن وكلاء يعملون لحماية مصالحها الإقتصادية والاستراتيجية بأقل مجهود أمريكى ممكن من قوة النيران (الجوية) والمجهود الإستخبارى والعمليات الخاصة، وبرنامج الإغتيالات الجوية بطائرات بدون طيار(الدرون)، والذى تديره المخابرات الأمريكية تحت إشراف مباشر من الرئيس الأمريكى .        { “أوباما” كان نجما فى ذلك المجال وسجل إسمه فى تاريخ الإجرام بعملياته فى ميادين شتى خاصة فى أفغانستان وباكستان واليمن . وضمن لنفسه مجدا أبديا بإدعائه إغتيال بن لادن عام 2011 } .

ــ  إنتشرت عشرات القواعد العسكرية فى معظم المنطقة العربية ، لبسط حماية أمريكية على المشروع الإسرائيلى الكبير ــ الذى أطلقوا عليه أحيانا الشرق الأوسط الجديد أو الكبير ــ فإسرائيل دوما فى حاجة إلى غطاء من قوة دولية عظمى أثناء خطواتها الكبرى . وذلك منذ تأسيسها عام 1948 وحتى الشروع فى تنفيذ برنامج “الشرق الأوسط الجديد” بغزو العراق عام 2003 ، ثم محاولة غزو لبنان عام 2006 ثم أحداث الربيع العربى عام 2011 ، وصولا إلى العمل على نقل حدود الإمبراطورية اليهودية شرقا نحو الخليج (العربى!!) . أما الحدود الغربية للإمبراطورية على شواطئ المحيط الأطلنطى، فهى فى أيدى أمينة ومخلصة للمشروع الصهيونى أكثر من اليهود أنفسهم.

 

 

إسرائيل .. وطن قومى لحكام الخليج :

   ولكن هل تستطيع الوهابية بسط تغطيتها الدينية للتموية على المشروع اليهودى فى جزيرة العرب؟؟. ذلك موضع شك ، فما زالت هناك بعض القوى الحية التى ترفع السلاح حاليا فى دفاع شرعى عن الأوطان والأديان خاصة فى اليمن وأفغانستان وباكستان ولبنان ، وبعض من المشرق والمغرب العربى  .

وهناك إحتياط بشرى ضخم ، ولكنه محبط بتأثيرالفشل المزمن للحركات الإسلامية ، الذى يبدو غامضا وبدون أسباب واضحة حتى لجمهور الشباب المتحمس إسلاميا .

ومع كل الإحباط والتخلف الثقافى والتشويش الإعلامى ، فمن غير المتوقع أن يمر برنامج إسرائيل بسلاسة فى جزيرة العرب وحوافها المائية ، أو حتى فى العمق العربى الغارق فى متاهات دينية ودنيوية تستنزف قواه حتى ثمالة.

هناك سكون شعبى أقرب إلى الموات . ولكن عمق الصمت قد يشير إلى عمق الإنتفاضة القادمة . ويومها سوف تطال المشروع اليهودى من جذوره الوهابية/السعودية وحتى صيغته التحالفية (الناتو العربي الإسلامي الإسرائيلي) .

ــ وعلى المدى المتوسط سوف يكون هناك بالتأكيد وبحكم الحيوية الكامنة فى الدين الإسلامى نفسه والتراث التاريخى والثقافى لمجموع المسلمون ، على إتساع جغرافية العالم ، مقاومة أشد وأكثر جذرية وسينهار المشروع الصيونى مع لوازمه الوهابية /السعودية .

ــ فليس من حق آل سعود وباقى العشائر الحاكمة فى الخليج أن يفرطوا فى شبر واحد من جزيرة العرب ، ناهيك عن المقدسات الإسلامية فيها .

فيمكن لآل سعود وصهاينة الخليج والجزيرة أن ينسحبوا إلى وطنهم الإحتياطى فى إسرائيل ، فى لجؤ سياسى ، بلا كراسى حكم ولا أراضى ولا مقدسات .

 ــ فليس لأحد أن يدعى سيادة مطلقة على تلك المنطقة ، كونها حرماً إسلاميا تمتلكه أمة من مئات الملايين من البشر . ولا يمكن لأحد أن يفرض على تلك الأرض نظاما يخالف ما أجمع عليه المسلمون طبقا لجميع مذاهبهم المعتبرة بلا إستثناء . فجزيرة العرب كلها من اليمن حتى حدود الشام هى حرم إسلامى بحت ، برا وبحرا وجوا يحظر فيه مخالفة شريعة الإسلام أو إيواء أعداء المسلمين فوق أرضه أو البحار التى حوله  .

ــ سيفتح ذلك تلقائيا مسألة الإحتلال اليهودى لفلسطين ، والقواعد العسكرية لدول الإستعمار الغربى فوق الأراضى العربية والإسلامية ، والتواجد البحرى الصليبى واليهودى الذى يحاصر جزيرة العرب ويخنقها بدعوى حمايتها “!!”.

فالإسلام دعوة للتحرر والإستقلال السياسى والإقتصادى ، مع تميز ثقافى . فالتبعية بأنواعها تعتبر نقصا يقدح فى إسلام الأذلاء التابعين لغير شرائع الإسلام  .

التسارع غير الطبيعى للمشروع الصهيونى فى المنطقة العربية والإسلامية تَعَدَّى القدرات الفعلية لراعى إسرائيل وحاميها الأول أى الولايات المتحدة.

وكان الهدف الأول للحملة الصليبية التى شنها بوش على أفغانستان هو إعادة تخطيط المنطقة العربية ، بعمق إسلامى يشمل أفغانستان وإيران وآسيا الوسطى . أما باقى المنطقة فقد إنتهى أمرها منذ إستسلام مصر لليهود بداية منذ عصر السادات ثم الذين أتوا من بعده ، من سئ إلى أسوأ. وعلى نهج السادات سار باقى القطيع العربى .. سرا وعلانية .

ــ  كان فى حسبان أمريكا أن عدة أسابيع كافية لتحطيم مقاومة الأفغان وفرض الهدؤ هناك وتحقيق باقى أهداف الغزو بسلاسة ، وعلى رأسها إستبعاد الإسلام من أفغانستان أولا ، ثم الحصول على الجائزة الكبرى : كنوز الهيروين ومئات المليارات من عائداته السنوية ، مع نفط آسيا الوسطى .

كان الجيش الأمريكى مسلحاً بما لا يخطر على عقل بشر ، من أسلحة دمار وأحدث ترسانة تدميرية فى العالم . ولكن ذلك لم يكن كافيا (لإفناء الأفغان) أو إرغامهم على ترك الجهاد والإستسلام للعدو الذى أعلن صليبية حملته العسكرية من داخل كتدرائية فى واشنطن .

ــ باستعجال شن الأمريكيون حملتهم على العراق ، وبمعاونة السلاح التكفيرى تمكنوا من إمتصاص قدرا كبيرا من المقاومة الباسلة للعراقيين . فقلصوا وجودهم العسكرى إعتمادا على قوة التكفيريين وغزارة الإمداد الواصل إليهم  .

وتركوا لإسرائيل مهمة التخلص عسكريا من حزب الله فى جنوب لبنان فى يوليو 2006 ـ وبعد شهر واحد وثلاثه أيام إتضح للعالم العجز الكامل للجيش الإسرائيلى ـ واتضحت الثغرات فى البنيان الصهيونى كله ، من الراعى الأمريكى إلى الإمتداد الوهابى / السعودى/ الخليجى ، إلى معسكر “السلام” التعاقدى و”السلام” المتخفى غير المعلن ، حياءً وخجلاً .

ورغم تجلي نقاط الضعف إستمر الإندفاع الصهيونى على غير أساس متين سوى ، تأكدهم من موات الشعوب العربية إجمالا ، وضلال الحركيين الإسلاميين ، و”الجهادين” التكفيريين، ومؤسسات دين السلاطين ، فقد دبت الحياة فى العروق المتيبسة للنظام السعودى . فبعد الملوك المحنطين وأنصاف الموتى ، تصدى أمير طائش عديم الخبرة ، لقيادة السفينة السعودية المتهالكة ، محاولا سحب كل العرب وكل المسلمين الذين أسماهم سنة (بمفهومه الوهابى لذلك الإصطلاح فى مغالطة كبرى للخلط بين المفهوم الفقهى “للسنة” والمفهوم السياسى الذى يعنى أتباع السعودية وعبيد دولاراتها) .

 ــ فبدأ بفتح الخزائن السعودية للراعى الأمريكى الذى جاء لحلب البقرة الكبرى قبل أن يذبحها ، وأعلن الأمير النزق (بن سلمان) عن مشروعه الإسلامي (السني!!) للتحالف مع إسرائيل ضد (إيران والشيعة والمتطرفين السنة) طبقا لتحديدات المخبول ترامب . والتحالف ليس عسكريا فقط بل إقتصاديا فى الأساس ، بمعنى فتح السعودية وكل الخليج لجميع الأبواب ولجميع مفاتيح الثروة للمرابين اليهود، ليكرروا ما فعلوه فى مصر من نزح للثروات بلا حسيب ولا رقيب، وإفقار الشعب بلا حدود أو ضمير ، بالتعاون مع أقلية من الصفوة المستفيدة من “التحالف” الذى هو ليس أكثر من “إستسلام غير مشروط”  .

ــ متماديا فى الحماقة ، تصرف ” الأمير” على أنه مَلِك على كل المسلمين ، متحكما فى ثراوتهم ومقدساتهم على حد سواء . وبدأ يكمل ما بدأه أسلافه من ملوك السلالة السعودية ، فى طمس الإسلام تدريجيا والتعدى على الطابع المحترم للمقدسات ومحيطها القريب والبعيد ، للتحقير من شأنها ونزع مهابتها واحترامها من النفوس . فوصل النشاط التخريبى إلى داخل الأماكن المقدسه نفسها.

 

 

المقدسات .. قطاع خاص  للملوك

ـــ  الأمير الحالى ، الملك الفعلى للمملكة ، بدأ يتصرف بشكل مكشوف ، وبلا حذرعرف به آل سعود ، ليس فقط فى علمنة المملكة برا وبحرا ، بل فى علمنة الأماكن المقدسه نفسها، وكأن تلك الأماكن هى جزء من ممتلكاته ، وبعضا من أثاث قصوره الخاصة .

قد يجعل ذلك من الأمير آخر السلالة السعودية الحاكمة . وقد يؤدى تهوره إلى يقظة إسلامية فوق المتوقع . ولن يجديه وقتها إسناد إسرائيلى أو أمريكى . وسوف يكتشف أن هناك إسلاماً واحداً وأمة واحدة تقف فى مواجهة عائلتة ومعسكرها كله.

 إستخدم ملوك وأمراء آل سعود المقدسات كورقة للتجارة السياسية أولا ، ثم للفائدة الإقتصادية ثانيا ، فيما أسموه “السياحة الدينية” .والآن وبحماقة الأمير الأخرق ، يريد أن يجعل بلاده كلها مسرحا للفساد تحت شعار السياحة “أو المؤسسات الحكومية للترفيه”!!”.

 لن تكون فقط شواطئ المملكة ومسارحها ودور اللهو فيها/ المعلوم منها والمستتر/ نشاطا لا أخلاقيا هادفا للتربح من المتعة الحرام، بل ينسحب ذلك على المقدسات نفسها بتغيير الطابع المعمارى لمكة تحديدا . ومن الواضح تعديه بل وتحديه لمفهوم المقدسات لدى المسلمين ، وإحتقاره المتعمد لعقائدهم ومشاعرهم وتاريخهم . وتلك سياسة سعودية ثابتة منذ بداية ملكهم.

فقد بنى ملوك آل سعود صرحاً شامخا بطرازغريب ورموز ماسونية تعلو قمتة ، فوق هضبة مطلة على البيت الحرام ومدينة مكة ، خادشا الذوق والأخلاق والمشاعر  .متناسين أن مدينة مكة لها قدسيتها ولابد من المحافظة على طابعها الإسلامى العربى ، ولا يجب تغريبها وجعلها مدينة أبراج شاهقة وفنادق بازخة مستفزة ، تبرز المسافات الكبيرة التى تفصل بين فاحشى الثراء من الحجاج وبين الفقراء الذين يتكدسون فى غرف حقيرة . فذلك عكس روح الحج التى تؤكد على المساواة بين المسلمين أمام خالقهم بحيث لا يمكن التمييز بين الغنى والفقير من حيث المظهر “على الأقل” أثناء تأديتهم لمشاعر الحج .

 ــ ذات يوم لابد أن يزال من مكة أى مبنى يرتفع أكثر من إرتفاع الكعبة نفسها ، أو أن يشيد بناء بغير الطراز العربى والإسلامى . فمكة ليست مدينة أوربية ولا مدينة بازخة تجرح مشاعر فقراء المسلمين / الذين هم الأغلبية الكاسحة من الأمة/ وتؤكد دونيتهم بمبانى المترفين التى تجثم فوق صدر المدينة ، بما لا يناسب روح الحج ولا روح الإسلام .

 

 

الكعبة .. أسيرة رهن الإعتقال :

ـــ  منذ مدة طويلة وملوك آل سعود يجتهدون فى التعدى على طبيعة المدن المقدسة بالمعمار الغربى ، وفرض طابعه الذى يجعل من المبانى المقدسة أشياء مغتربة عن الوسط المحيط بها. فالكعبة نفسها يزيدون من حصارها وحجبها عن أعين الناس بشتى الحيل المعمارية ، حتى أوشكت أن تكون أصغر الوحدات المبنية وأكثرها عزلة ، بحيث تحتاج إلى مجهود للبحث عنها حتى داخل الحرم نفسه .

فلا ينبغى أن يحاصر مبنى الكعبة داخل سور مرتفع ذو أبواب محكمة أشبه بسجن يعزلها عن باقى مدينة مكة بل عن الدنيا بأسرها . فذلك المبنى المقدس ينبغى أن يكون فى فضاء مفتوح ، وإتصال حر مباشر مع المسلمين ، فأينما كانوا فى مكة يمكنهم رؤيتها ، وليس زيارتها كما يزار السجين داخل أسوار المعتقل .

هذا المبنى المقدس ينبغى تحريره من المعتقل الذى بناه آل سعود . أما وقاية الحجاج من العوامل الجوية من شمس وحر ، وتوفير الخدمات لهم فهناك عدد لا يحصى من الحلول الممكنة بدون وضع الكعبة داخل معتقل شاهق الأسوار محكم البوابات .

ـــ  زاد الطين بله ذلك المشروع الجديد الذى تتكتم عنه السلطات السعودية، وتكلمت عنه كالعادة وسائل إعلام أمريكية وبريطانية . والمشروع هو بناء سقف متحرك للكعبة المُشَرَّفَة بدعوى حماية الحجاج  من العوامل الجوية.

وسائل إعلام سعودية نقلت الخبر عمن أسمته ” قائد قوات الأمن فى المسجد الحرام اللواء محمد الأحمدى” . الخبر يمثل صدمتان ، الأولى هى ذلك السقف المتحرك والثانية هى وجود قوات أمن يرأسها “لواء” مخصصة للمسجد الحرام !!. فهل هو سجن ؟؟ أم ثكنة عسكرية ؟؟ أو مأوى للمشردين والمشبوهين ؟؟ أم أن الحجاج هم مشاريع إرهابية ؟؟ وهل يأتى يوم تحدث فيه “محاولة آثمة!!” تدبرها السلطات فى الحرم لتبررعزل الكعبة نفسها بالأسلاك الشائكة ، وحظر دخول ذلك السجن الضخم المحيط بها إلا ببطاقات أمنية وشهادات (خُلُوٍّ من الإرهاب) مع نسخة من بصمات طالب الزيارة !! . ما هذا الرهاب الأمنى داخل أهم المقدسات؟؟ ولماذا تمارس الدولة السعودية إرهابها للمسلمين داخل أقدس مقدساتهم ؟؟ ومن أين يأتى الإرهاب ومن صنعه وأسسه؟؟ ، ومن إستخدمه ويستخدمه ولمصلحة من؟؟ ، ووفقا لأى برنامج ؟؟. هذه أسئلة لا يعرف إجابتها الدقيقة إلا الملك وكبار الزبانية .

  وكأن كلمة إرهاب قد صممت خصيصا لقمع المسلمين وضرب الذلة والمسكنة عليهم أينما وجدوا ، ليصبح المسلمون هم يهود هذا العصر. ويصبح اليهود هم سادة العالم والقابضين على أقدس مقدسات المسلمين ، بل والمسيحيين ايضا .

 

 

مقدسات أم آثار ؟؟ :

“سيادة اللواء” قال أن العمل فى السقف المتحرك سوف يبدأ قريبا على أن ينتهى فى عام 2019 . نقاد المشروع صرحوا للإعلام (الخارجى) أن المشروع سيحرم المكان من طابعة المقدس . وتكلم بعضهم عن مشاريع لتغيير طابع مدينة مكة لتصبح أقرب لمدن أمريكية مثل لاس فيجاس ( أكبر مدن القمار الأمريكية). قال أحد النقاد( لقد غيروا طبيعة المكان وانتزعوا روحه)، وقالت كاتبة أجنبية (هذه مسألة أكثر حداثة وتتعارض مع الأعراف فى هذا المكان المقدس).

نقلت نفس وسائل الإعلام عن مسئول سعودي قوله ( إن مكة لم تصنف بأنها موقع تراث عالمى لمنظمة اليونسكو . وأن الحكومة السعودية حرة فى ترميم الموقع وإعادة تشكيله دون الإخلال بالقوانين الدولية ).

مرة أخرى لا يرى المسئولون السعودون وجودا لشئ إسمه مسلمين ، لهم معتقدات ومشاعر ومطالب . وأن يد ملوك السعودية ليست طليقة تفعل ما تشاء فى مقدسات المسلمين . فالكعبة ليست من(الآثار) بل هى من (المقدسات) . لذا فهى ليست من إختصاص اليونسكو مثل ( أبوالهول وبرج بيزا المائل ) بل هى المبنى الأكثر قداسة لدى المسلمين ، ويهتم بها كل مسلم ويعتبرها من شئونه الدينية المحورية . فإليها يتوجه عند كل صلاة خلال يومه وليله وطوال حياته . فليست اليونسكو هى التى تهتم ، بل أمة المسلمين ، التى لا يهتم بشأنها (أحمق آل سلمان) ولا كل سلالته .

فمكة ستظل هى مكة ولن تصبح (لاس فيجاس) والكعبة ستظل هى الكعبة ولن تصبح واحدة من( آثار) اليونسكو .

ـــ   ويجرى فى المدينة المنورة نفس ما يجرى فى مكة من إنتهاك لروح المكان وقدسيته . وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم مستهدف من الملوك وعلماء السلاطين ، فهم يتنمرون منذ زمن لإخراج الرسول من مسجده . وفى بداية أمرهم قال الوهابيون أن وجود القبر الشريف فى المسجد “شرك” !! ، والآن يريدون إخراجه بدعوى (توسعة المسجد) !! وكأن القبر يشغل مساحة شاسعة ستضاف إلى مساحة المسجد الحالية .

ناهيك عن وضع القبر الشريف تحت الإقامة الجبرية من حرس غلاظ شداد ، يمنعون الناس من الإقتراب خوفا من عدوى الشرك(!!). وكما عُزِلَت الكعبة عن محيطها السكانى ، عُزِلَ القبر الشريف عن جموع المصلين المتلهفين على رؤية قبر رسولهم والإقتراب منه والسلام عليه ومناجاته بالقول والعبرات ، فلأجل زيارته جاءوا من كل فج عميق .

لقد حجبوا قبر الرسول الأكرم كما حجبوا الكعبة ، بل حجبوا الإسلام نفسه بمذهبهم الوهابى الذى أطفأ نور الإسلام وروحه .

 

برنامج يهودى واحد للمساجد الثلاث :

إن ملوك آل سعود ينفذون ما ترغب إسرائيل فى تنفيذه فى مكة والمدينة من إزالة القدسية عن المعالم المقدسة ومحيطها السكانى . تماما كما تغير إسرائيل من طابع مدينة القدس ، أى تغريب المدينة معماريا لتصبح مجرد “مدينة أوروبية أخرى” لا علاقة لها بحضارة المسلمين والعرب ، أو الطابع الدينى تحديدا .

وتعمل إسرائيل على هدم المسجد الأقصى وسط ظروف تكون ملائمة ، تعمل على توفيرها ، وآل سعود يفعلون نفس الشئ فى مكة والمدينة . وفى (ظروف ملائمة) قد نجد الكعبة فى داخل صندوق محكم داخل سجن عملاق يحرسه “لواء” وقوات  أمن!! ، فى مدينة كان إسمها مكة ولكنها صورة منقولة عن”لاس فيجاس” مدينة القمار فى أمريكا !!. فقد أزالوا خلال سنين حكمهم العقيم مالا يحصى من المعالم الإسلامية المرتبطة بالنبى الأكرم وصحابتة ، وبالأحداث الهامة الكبرى فى تاريخ الإسلام ، وأماكن تنزيل عدد من سور القرآن الكريم . فتدمير التاريخ هو جزء ثابت للمدرسة الوهابية وجزء من عقائدهم . وهى سياسة إسرائيلية تطبقها إسرائيل فى فلسطين المحتلة لطمس تاريخها وهويتها الإسلامية ، ويطبقها الحكام العرب لقطع الصلة بين شعوبهم والإسلام ، أو حتى أى تاريخ سابق على حكم الإمبراطورية اليهودية لبلادهم . وربما تأتى أجيال لم تر غير حضارة اليهود فى بلاد العرب ، ولم تر أو تسمع إلا عن التاريخ اليهودى والغربى .

إسرائيل وآل سعود يعملون على محو الإسلام ، وطمس المقدسات وتغيير شعوب جزيرة العرب ، وحقن ثقافة الغرب بكامل إنحرافاتها فى مجتمع جزيرة العرب. ولن يكون التواجد الإسرائيلى فى تلك البلاد وأماكنها المقدسة أمراً عاديا ومقبولا فقط ، بل ومطلوباً كونه متسامحا وعصريا وغير متزمت أو إرهابى  .

ــ وإحتمال طرد العرب من سواحل الخليج ( العربى!!) ومناطق النفط حيثما كانت ، ورميهم فى الصحراء الكبرى ، هو أكثر من مجرد إحتمال ، وربما هو خطوة قادمة لسلخ تلك المناطق عن باقى أراضى الجزيرة وإحلال سكان غير مسلمين فيها ، ضمن دويلات جديدة معترف بها دوليا على غرار ما حدث من فصل سنغافورة عن ماليزيا المسلمة ووضعها تحت سيطرة الإستعماريين الأوربيين ليتحكموا منها فى واحد من أخطر الشرايين البحرية للتجارة الدولية، بعد شحنها بقوميات غير مسلمة.

( سفير أمريكى سابق لدى السعودية فى السبعينات صرح بضرورة إعادة العرب إلى الصحراء الكبري وإعطاء كل أسرة مبلغا من الدلارات وسيارة دفع رباعى).

  تسير الأمور فى هذا الإتجاه ـ بلا ممانعة تذكرـ وطالما بقيت الأمة العربية غير مبالية، فسوف تصحو ذات يوم لتجد شعوبها تهيم فى الصحارى ، ومقدساتها قد إختفت وأصبحت أطلالا ترعاها اليونسكو ويطوف بها سياح الغرب ، مبتهجين متبرجين ، يلتقطون الصور التذكارية .

و”المطوف السياحى” سيذكر لهم أن هنا ، فى ذات يوم ، كان يوجد شئ ما إسمه إسلام ، وقوم عرب إرهابيون متخلفون ، يقال أنهم كانوا مسلمين!!.

 

جيش إسرائيل قادم إلى أرض المقدسات :

 ولتثبيت تلك الأوضاع ، يستعد الجيش الإسرائيلى لدخول “المملكة” لحراسة مكتسباته الجديدة بقوة السلاح . نعم سيدخل إلى جزيرة العرب ، ويصل إلى المقدسات ليحرس إنسلاخ المسلمين عنها بل وإندثارها ــ بقوة السلاح ــ وتحويلها من “مقدسات” تحميها الأمة إلى مجرد ” آثار” ترعاها “اليونسكو”.

وليس مصادفة أن تترأس تلك الهيئة الدولية مؤخرا سيدة صهيونية من يهود المغرب ، كانت زيرة فرنسية سابقة ، وقد صوت لإنتخابها (جميع) المندوبين العرب !! .

 فمن يجرؤ على الكلام ؟؟. وهل لدى المسلمون سلاح؟؟ .. وهل للسلاح رجال يحملونه؟؟ .. وهل من يحملون السلاح جاهزون للتضحية لأجل الدين ، أم لأجل الدولار ؟؟.

ـــ  بدأت يد آل سعود تمتد علنا إلى أقدس أقداس المسلمين بعد إضعافهم التدريجى لشعوب جزيرة العرب ، وتغريبها داخل حدودها ، وإذلالها باستخدام قانون( سيف المُعِزْ وذهبه)، فبالسيف والذهب تقام العروش . والمتجبر المحلى يشد من أزره جيش أمريكى وقواعد لجيوش أوربية تحميه من شعبه ومن منافسيه القبليين ، وتسلب أموال ونفط البلاد فى نفس الوقت .

آل سعود وباقى المشيخات النفطية ـ وخلال أحداث وكوارث الربيع العربى ـ تمكنوا من تمويل الصراعات الداخلية فى الدول المنكوبة “بالربيع” ، وتقوية جميع أجنحة الطاغوت الحاكم أو الطامع فى الحكم . حتى إحترقت أهم ثلاث دول فى بلاد العرب وهى العراق وسوريا ومصر . وجارى إحراق اليمن بنار مستعرة من تحالف (الحزم الصهيونى)، لإباده شعب اليمن ، أصل العرب وحامى إسلامهم.

  وشعب مصر حكم عليه إسرائيليا وخليجيا بالإعدام ، أو مغادرة أرض مصر، ونهاية دولته الأزلية ، بعد أن قطعوا عنه شريان الحياة ببناء سد النهضة فى أثيوبيا ليحجز خلفه ماء النيل وذلك بتخطيط إسرائيل وتمويل من السعودية وقطر وتركيا، وغيرهم  .

فخلت المنطقة من الشعوب ومن الدول ، ولم تبق غير قوة وحيدة هى إسرائيل كدولة لا منافس لها ، فاستدارت إلى خارج المنطقة للقضاء على القوى المناوئه لها على الشاطئ الشرقى للخليج العربى “!!” وهى إيران ، الدولة المسلمة التى يتبع معظم سكانها المذهب الجعفرى الإثنى عشرى . فتواجهها إسرائيل تحت راية الإسلام “السني” الذى يدعى آل سعود تمثيله ، وذلك لتقسيم أمه الإسلام وزرع الفتن فيما بينها. وبدلا من إصطلاح “أهل القِبْلَة” الذى إرتضاه العلماء لوصف الأمة الإسلامية الموحدة ، فرض آل سعود وعلماء الوهابية ، وجماعات المرتزقة الإسلاميين إستخدام إصطلاحى “السنة” و”الشيعة” لتكريس الإنقسام وتأصيل الفتنة بين عناصر الأمة الإسلامية الواحدة .{ كان بن لادن يستخدم دوما إصطلاح “أهل القِبْلَة” كوصف موحد للسنة والشيعة . كما لم يكن يستخدم إصطلاح الوهابية ، بل كان يستخدم إصطلاح المدرسة النجدية حتى لا يشخصن المأساة المذهبية}.

ـــ ويركض بن سلمان فى مضمار الفتنة بكل قوته حاملا اليهود فوق كاهله رافعا رايتهم ، مدعيا أنه يمثل الأمة التى لا تجتمع على ضلاله ناهيك عن الكفر البواح .

وكما بعثر شعوب العرب، فإنه يفعل نفس الشئ بأمة الإسلام ممهدا لإسرائيل عبور بلاد العرب إلى بلاد المسلمين ، فيما خلف (الخليج “العربى”!!) فى إجواء الإنقسام والفوضى التى تمهد لسيطرة إسرائيل  .ولأن “بن سلمان” ، وأعوانه من صهاينة الخليج والعرب ، لا يمثلون العرب ولا يمثلون الإسلام ، فإن الأحداث قد تنقلب بعكس ما يتوقعون  .

 

تحميل الجزء الثاني (PDF) :   إضغط هنا

 

بقلم :      

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 




عــودة الأمــريكى الـمـجـنـون !!

عودة الأمريكى المجنون !!

 

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الاسلامية / السنة الثانية عشر – العدد 135 | رمضان 1438 هـ / يونيو 2017 م

تحميل مجلة الصمود عدد 135 : اضغط هنا

عــودة الأمــريكى الـمـجـنـون !!

# سياسة الرجل المجنون يلجأ إليها رؤساء أمريكا لتغطية أزماتهم الشخصية أو مشكلات خارجية تواجه بلادهم .

# إسلام شعب أفغانستان وحرية بلاده ، قضايا حياه أو موت . ومن يناور خارج إطارالحرية والسيادة على أساس الإسلام فهو خائن لوطنه ودينه .

# يمشى المحتل منتفشا، لابقوته، بل بضعف من إستسلم وانبطح وهو يبدى هياج المنهزم، وغباء الخائن، وخيلاء النذل .

# شعب أفغانستان يعتبر”طالبان” حركة جهادية باسلة ، تحمل كل سمات المسلمين الأفغان ومثاليتهم فى الدفاع عن الدين والأرض والقيم الأفغانية الأصيلة .

# لا سلام مع وجود الإحتلال ، ولا سلام وأحذية جيوش الإحتلال تدنس أراضى المسلمين .

# فلتخرج جيوش الإحتلال، وليرفع جميع الجيران أيديهم عن أفغانستان حتى لا تكون حربا أهلية سوف تنتشر فى المنطقة.

# “المنظمات الإرهابية” تمثل الرأسمالية الدولية المتوحشة، وهى أحد منتجاتها، ولا تمثل الإسلام فى شئ .

# اللقاء الأخير بين حكمتيار وأسامة بن لادن ، بعد الإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، جمع بين التحدى الوقح من جانب حكمتيار، والشك الحذر من جانب بن لادن .

تحميل مجلة الصمود عدد 135 : اضغط هنا

{إن هذه الحرب التى تتصف بمزيج من الجبن والتهور ، بدأت لنيل أهداف غير معقولة ، ولم تحقق لنا سوى المعاناة والكوارث ولم تأت بفائدة تذكر ، لا للحكومة التى خططت لها ، ولا للجيش الذى خاض غمارها . إن إنسحابنا من تلك البلاد لم يكن إلا هزيمة عسكرية } .

– لم تكن تلك الكلمات لمسئول أمريكى إستيقظ ضميرة فجأة ، أو إستجمع بقايا شجاعته ليصرح بحقيقة يعلمها جميع أبناء شعبه ، ونادرا ما ينطق بها أحد ، بدافع الخوف أو الحرج .حقيقة تقول إن أمريكا قد خسرت بالفعل حرب أفغانستان منذ عدة سنوات ، وتحديدا منذ أواخر عهد بوشوبداية عهد أوباما .

بل كانت تلك الكلمات درسا مكررا من دروس التاريخ :إمبراطوريةباغية ، طغت على خلق الله ، فأعمى الله بصيرتها فاعتدت على شعب أفغانستان ، الذى حطم كبرياءها وأذل جبروتها فخرجت من بلاده وهى حطام دولة وبقايا إمبراطورية .

فالإقتباس السابق هو لأحد قساوسة الجيش الإنجليزى فى حملته على أفغانستان عام 1842 . وكأنها تصف تماما حال الولايات المتحدة الآن فى هزيمتها المذلة فى أفغانستان ، فلا تجد طريقا للخروج ، وتستغيث بمن يساعدها على التخلص من ورطتها ، ومستنقع الرمال المتحركة التى وقعت فيه .

تحاول دول الإقليم مساعدة الأمريكى فى ورطته ، بطلب منه غالبا ، أو بدون طلب . وتتحرك موسكو لتلتقط زمام المبادرة ، وتلم شمل الجميع فى مؤتمر عقد هناك ، كى يمهد السبيل لإنسحاب أمريكى غير مهين ، فيطالب المجتمعون فى بيانهم الختامى ( بمكافحة الإرهاب والتطرف ، وتهريب المخدرات ، وأكدوا إستعدادهم لتعزيز التعاون مع حكومة كابول ) .

ــ  بالطبع لم يجرؤ المؤتمرون ، فرادى أو مجتمعون ، على الإقتراب من جوهر المشكلة وهو الإحتلال الذى هو أساس جميع مشكلات أفغانستان.لأن موسكو الداعية والمنظمة للمؤتمر تشتبك مع واشنطن فى أكثر من صراع متعدد المستويات وعلى إتساع جغرافى يتخطى أفغانستان. فهى ومعظم المؤتمرين ينظرون إلى أفغانستان كجزء من صفقة أو جزء منعلاقة متشعبةمع الولايات المتحدة.

ــ ولكن شعب أفغانستان فقط يرى فى إسلامهوبلاده وحريته قضايا حياة أو موت ، غير قابلة للمساومة أو المناورة . فإما شعب مسلم حر فى بلد مستقل، وإلا فهى حياة العبيد فى بلاد ينهبها الغرباء.

ومن يناور خارج مجال الحرية والسيادة على أساس الإسلام ، فهو خائن لوطنه ولدينه . حيث لا يجدى اللعب بالألفاظ أو سباكة المصطلحات ، واستخدامها كتعويذات سحرية تحول الخيانةإلى واقعية ومرونة ، وتحول المروق من الدين إلى وسطية وإنفتاح .

تحميل مجلة الصمود عدد 135 : اضغط هنا

 

الكهل المعجزة :

بعض المعلقين وصفوا الرئيس الأمريكى ترامب بأنه “الكهل المعجزة” . ذلك لأنه يحمل الكثير من الموبقات ، مع مقدار ضخم من التناقضات ، أما الأخلاق فهى خارج الإعتبار . فهو بطل فضائحى لا يشق له غبار ، ذو مجال يمتد من النساء وصولا إلى الخيانة العظمى والتآمر مع روسيا أعدى أعداء وطنه.

ـ وحتى يتخلص من الإتهامات ويثبت هيبته فى الداخل والخارج ، ترك ما كان يدعو إليه من سياسات العزلة والإهتمام بالداخل الأمريكى أولا ، متحولا إلى ضبع مسعور يهاجم فى كل مكان ، ويهدد كل إنسان . أو بالأحرى عاد مجددا متقمصا شخصية رجل مجنون يبتز الدنيا بتهوره وعدم معقوليته ، فيضطر الجميع للتراجع أمامه ، خشية منه ومن حماقاته العسكرية وربما النووية . وتلك هى السياسة التى يميل إليها رؤساء أمريكا عندما يشعرون بضعف موقفهم الشخصى أو ضعف موقف بلادهم فى المجال الخارجى .

ولكن سريعا ما تظهرحقيقته الخاوية ، فهو لا يتقدم إلا حيث فراغ الإرادة وسقوط المبادئ. فهناك يتمدد ويرسى دعائم إمبراطورية ماتت منذ زمن ، وبقيت واقفة وهى متكئة على ترسانة من الصواريخ النووية .ولكن الأنذال يقدمون يد العون للإمبراطوريات المحتضرة ، ويفرشون لها البساط الأحمر المخضببدم الشعوب ومستقبل أجيالها وحرمة عقائدها ودينها .

فيضعون خدودهم فوق التراب ليجعلها المستعمر موطئا لأقدامه ، ويمشى منتفخا منتفشا ، لا بقوته ـ بل بضعف من إنبطح واستسلم مبديا هياج المنهزم ، وغباء الخائن ، وخيلاء النذل .

ــ قد يتبادر إلى الذهن هنا صور (لقيادات) كثيرة لها مثل تلك المزايا الخسيسة . لأنهم منتشرون ـ وللأسف ـ فى أرجاء أوطان المسلمين وبين صفوفهم .

وصل إلى كابل مؤخرا ـ من تلك العينة المذكورة ـ كهل معجزة كان مدخرا لما ظنوا أنه طعنة قاتلة لجهاد الأفغان وصمودهم الأسطورى . إنه حكمتيار “الزعيم الأصولى المتطرف !! ” حسب أوصاف الثمانينات ـ جاء داعيا للسلام ، متمنيا من حركة طالبان وضع السلاح والمشاركة فى السلطة التى أنشأها الإحتلال الأمريكى فى ظل دستور وضعه الأمريكيون ، كما وضعوا للعراق المحتل دستورا مماثلا .

رجل السلام هذا ، إشتهر فى الثمانينات بأنه (طفل باكستان المدلل) ينطق بلسانها ويتحرك وفق أوامرها ، ولا يحيد قيد أنمله عن مشيئتها ـ ومازال ـ لذا إستحق اللقب المذكور الذى على ضوئه يمكن تفسير كل سيرته وكافة تصرفاته من وقتها وحتى الآن ، مرورا بالمجازر التى إرتكبها فى كابول ضد كافة فرقاء الحكومة بعرقياتهم ومذاهبهم . وهم نفس الأفراد والتيارات الحاكمة الآن (تحت ظلال الإحتلال) .

عاد حكمتيار مرة أخرى إلى كابول التى تعرفه منذ أن كان طالبا فى كلية الهندسه،ثم قائدا “لحزب إسلامى”.ويطول الحديث عنه وعن نشاطاته فى فترة القتال ضد السوفييت . ثم مجهوده فى تدمير كابل بعد التحرير ، وزرع شوارعها بالجثث ، ومشروعه لتحويل أحياء الشيعةإلى مزارع للقمح حسب تعبيره الشهير . فهو الزعيم الأخضر (رمز حزبه هو اللون الأخضر) الذى إستخدم الصواريخ لحرث الأحياء السكنية تمهيدا لمشروعه العظيم ، وكان السماد هو جماجم الأطفالوأجساد الأبرياء .

ــ ذلك هو زعيم السلام ،المعادل للزعيم الشيوعى (دوستم) ، منافسه أحيانا وحليفه أحيانا ، فى الخراب وسفك الدماء . وكلاهما الآندعاة للسلام فى ظلال الإحتلال ، حيث الفتك بالشعب ومصير أجياله ومحو ديانته وإذلاله بالفقر وأجهزة القهر المسلح بأنواعها المتعددة .

ــ الطفل المدلل ، والذى أصبح وبفعل الزمن كهلا مدللا ، أو كهلا معجزة ،أعادته باكستان إلى كابول ليكون ممثلا لها فى الوضع القادم ، الذى تسعى إليه أمريكا لستر كارثة الإنسحاب الذليل. إنه وضع يراد أن تشارك فيه ، وربما تشرف عليه ، دول الإقليم التى إجتمعت مؤخرا فى موسكو، أو على الأقل الدول الأساسية منها . وبمعنى أوضح أنتوزعالسلطة الجديدة فى كابل بين دول الإقليم ،ويكون لكل منها زعيم حزب، أو سياسى مشهور، يمثلها فى قمة السلطة التنفيذية أوالتشريعية، ولكل زعيم من هؤلاء ميليشيا خاصة به أو بالحزب الذى يمثله . فى مثل ذلك الوضع تكون الحرب الأهلية هى النتيجة الحتمية وسوف تنتشر فى أنحاء المنطقة هذه المرة.فمن أخطر المغامرات محاولة العودة إلى فوضى حكومة المنظمات الجهادية (من 1992 الى 1996 ) وهى مرحلة ما قبل ظهور حركة طالبان .

تحميل مجلة الصمود عدد 135 : اضغط هنا

 

فجر أفغانستان ونهوض آسيا :

لقد تغيرت أفغانستان كثيرا بعد الإحتلال . ودرجة الوعى السياسى للشعب لم تعد كما هى ، وفهمه لدول الجوار وتأثيرها الداخلى سلبا أو إيجاباً ، ونظرته للإحتلال والحكم ” الديموقراطى” ونظرته للقوى والزعامات التى دخلت إلى العاصمة فوق دبابات الإحتلال ( بإستثناء الرئيس السابق كرزاى الذى دخل على متن مروحية أمريكية وتحت حراسة عناصر من المخابرات الأمريكية ) ، وفهمه لتلك الزعامات الإسلامية والوطنية التى باعت أفغانستان بثمن بخس ، دولارات معدودات ، قبضوها نقدا وعدا أمام عدسات من أحضروهاووزعوها.

وفى مقدمة كل ذلك ، ينظر الشعبإلى حركة طالبان ، بإعتبارها حركة جهادية باسلة تحمل كل سمات المسلمين الأفغان ومثاليتهم فى الدفاع المتفانى عن الدين والأرض والقيمالأفغانية الأصيلة.

ليس ذلك من قبيل الشعارات ، بل أنه ترجم عمليا بقتال الشعبتحت راية الحركة ، وإمدادها بالرجال والمال والعتاد والمعلومات ، وكل ما تحتاجه حركة جهادية ، باسلة وجذرية .

ــ لم تغير حركة طالبان أهدافها منذ لحظة إنخراطها فى الجهاد ضد الإحتلال الأمريكى وحتى اللحظة . فمازالت ترى ـ عن حق ـ أن لاسلام فى وجود الإحتلال ، ولا سلام وأحذية جيوش الاحتلال تدنس أراضى المسلمين .

فالمطلوب من المحتل الأمريكى شئ واحد فقط ،وهو الإنسحاب الكامل من أفغانستان واصطحاب عملائهمعه ، أو تركهم ليواجهوا القضاء العادل والعقوبات المناسبة لأفعال الخيانة .

أما دول الجوار ، فدورها الإيجابى مطلوب فى إطار أمن وحرية وسلامة أفغانستانوالإقليم المحيط بها وتنميتة إقتصاديا . أما التدخل السلبى وخلقزعامات عميلة ،وقادة ميليشيات إجرامية ، وإمدادهم بالمال والسلاح والدعم الدعائى والسياسى ، فليس من معنى لذلك سوى دمار الجميع.فلن تكون الآثار السلبية هذه المرة محصورة فى حدود أفغانستان . لأن مخطط الحروب الأهلية والفتن الدينية والعرقية هو برنامج اليهوديه الدولية ، ومن معهم من ضباع السلاح والنفط والمخدرات والمياه ، وجميعها كنوز لا حدود لها فى أفغانستان وما حولها من الدول. وما يحدث فى المنطقة العربية عظة وعبرة لمن يعتبر .

ــ إختصارا .. على جميع الطامعين والواهمينأن ينسحبوا من أفغانستان ، فلا مكان بعد الآن للإحتلال أو مناطق النفوذ أو الميلشيات المدارة من الخارج . أو أن تعيد دول الجوار إستخدام أوراقها المحروقة من زعامات فارغة عفى عليها الزمن وانتهت صلاحياتهاوأنقضى وقتها . على أمريكا ودول الناتو أن تنسحب ، وعلى دول الجوار جميعا أن ترفع يدها عن أفغانستان ، وأن تفتح معها صفحة جديدة من التعامل العادل والمتكافئ . والتعاون مع حركة طالبانفى طرد المحتل الأجنبى ، وتحديدا التواجد العسكرى لأمريكا وحلف “الناتو” وطردهم خارج كل المنطقة.وذلك حل ضرورى لأفغانستان وإقليمها الأسيوى ، ولكل أقليم آخر يمر بظروف مشابهة خاصة فى بلاد العرب .

ــ فلا مجال لجيوش أجنبية تزرع نفسها فىالمنطقة لإخضاعهاوالسطو المسلح على ثرواتها ، وتدمير حياة الشعوب وتقسيم الدول وإشعال نيران الفتن فيما بينها .

فذلك الإقليم من آسيا يحتوى على عدد من أهم شعوب ودول القارة . وهم قادرون على إعادة تنظيم أمورهم بما يجعلهم كتلة عظمى تقود العالم نحو الخير والسلام .

وقادرون على إستحداث مؤسسات إقليمية كفؤة فى مجالات الإقتصاد والسياسة والأمن .مثل سوق مشترك وبنك أسيوى يعتمد أسس جديدة فى التبادلات الإقتصادية والتنمية ، ومجلس أمن يشرف على الأمن الإقليمى وحل النزاعات سلميا ، والحفاظ الجماعى على سلامة الإقليم من التهديداتوالغزوات الخارجية، وكبح لعبة “الإرهاب” الذى هو الوجه الآخر للرأسمالية المتوحشة ، التى تستثمر فيه وبسببه مئات المليارات من الدولارات فى صناعات أمنية ، ونشاطاتإبتزاز وترويع حول العالم.

تلك المنظمات “الإرهابية” تمثل الرأسمالية الدولية المتوحشةوهى أحد منتجاتها ولا تمثل الإسلام بأى شكل ، بل هى تعمل على تحطيمه ، لتمكين الإستعمار الجديد من إذلال المسلمين وتقسيم أوطانهم وإشعال الحروب فيما بينهم ،واحتلال بلاد المسلمين مرة أخرى بالجيوش والبنوك والشركات. فتلك التنظيمات تمثل الإسلام بنفس الدرجة التى تمثل بها دول الغرب والرأسمال اليهودى المتوحش قيم العدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية “!!” .فكلاهما يسير على عكس الإسم الذى يحمله ، ويناقض المبادئالتى يدعى تمثيلها .

تحميل مجلة الصمود عدد 135 : اضغط هنا

 

متحف الشمع فى كابل :

بوصول حكمتيار إلى كابول ، إكتملت مجموعة التماثيل فى متحف الشمع الذى هو حكومة كابول.فالرجال الذين يشغلون المناصب العليا فى الحكومة وهيئات التشريع لا وظيفة لهم فى حقيقة الأمر ، لأن صلاحيات الحل والعقد تقع فى يد الإحتلال الأمريكى حصريا . أما أصحاب المناصب العليا بألقابهم المتورمة فلا مجال لهم فى عمليةإتخاذ القرار ، ناهيك عن التخطيط للمستقبل .فالحكومة الأكثر فسادا فى العالم لا وظيفة لأفرادها سوى ممارسة الفساد ، بحيث لم يعد فى البلاد أى نشاط لا يصاحبه فساد مالى واستغلال نفوذ وكسب غير مشروع .فالإحتلال هو أكبر أعمال الفساد ، لذا لا يمكن تنتج عنه حكومة على غير تلك الشاكلة . حتى أن جنرالات جيش الإحتلال ورجال السياسة هناك وكبار الموظفين جميعهم غارقون فى الفساد .

ومن المشهور أن 80% من أموال المعونات التى تدعى أمريكا وباقى دول الإحتلال ، أو المباركين له ، أنها تصب لتنمية أفغانستان وخدمة شعبها فإن الحقائق المشهورة دوليا تشير إلى أن 80% من تلك المعونات تعود إلى الجيوب الأمريكية بشتى الطرق والحيل .

ــ  يعلم الإحتلال أن رحيله حتمى ، ومنذ سنوات وهو يبحث عن مخرج وطريقة مناسبة لا تؤدى إلى إنهيار الإمبراطورية الأمريكية كما حدث للسوفييت بعد هزيمتهم وانسحابهم منأفغانستان. والجزء العربى من الإمبراطورية يشكل الهم الأكبر والقيمة الأعظمللأمريكيين ، بنفس قيمة أوروبا الشرقية للسوفييت سابقا. ومازالت عملية إعادة صياغة بلاد العرب مستمرة حتى اليوم ، وفقا لمتطلبات سلامة إسرائيل وإنطلاق مشروعها إلى ما وراء بلاد العرب ، وصوب وسط آسيا تحديدا . وعلى أفغانستان أن تنتظر إتمام تعقيدات تلكالمهمة الخطيرة التى قد يدمرها تماما إنسحاب أمريكى من أفغانستان قبل الوقت المناسب .

فإذا وقع ذلك المحظور/ الإنسحاب قبل إنجاز المهمة العربية/فماذا سيقول العالم؟؟ ، وما هى ردات فعل الشعوب المغلوبة على أمرها؟؟.قد يتكرر الإنهيار على نطاق أوسع وأعمق . فأمريكا مخلخلة داخليا .. ومكانتها مهددة خارجيا من منافسين أقوياء فى آسيا.إذن وضع الإحتلال كله مؤقت ، سواء إنتهى بإنهيار صريح أو بإنسحاب “محترم” ذو غطاء إقليمى. أمريكا يهمها إستمرار مصالحها ، سواء بقت أو إنسحبت،مع تأمين تلك المصالح بواسطة عملاء جدد أو عملاء قدماء.

اللجوء إلى العملاء القدامى خاصة من مخضرمى الحقبة السوفيتية منأمثال حكمتيار وصديقه اللدود سياف ، لا يعنى سوى الإفلاس وعدم العثور على عملاء جدد مقنعين ليتبعهم الشعب .

فالحديث عن السلام لا معنى له إلا إذا إشتركت فيه أطراف القتال الدائر على الأرض . فالحرب فى أفغانستان دائرة بين المعتدىالأمريكى ،وبين شعب أفغانستان ممثلا فى حركة طالبان . فهم الذين يملكون قرار الحرب ، لذا يمكنهم الحديث عن السلام وتقرير شأنه. وهم قرروا منذ البداية أن السلام يعنى الإسلام مع الحرية والإستقلال . بينما وجود المحتل لا يعنى سوى شئ واحد وهو الحرب. والأفغان لها ..جهادا فى سبيل الله .

تحميل مجلة الصمود عدد 135 : اضغط هنا

صراع فوق رمال متحركة :

وضع نظام كابول غير مستقر ، تبعا لوضعية دولة الإحتلال التى تبحث عن مخرج للهروب الآمن مع ضمان مصالحها فى نفس الوقت “!!”. بينما يوجدعلى قمة النظام فى كابل رئيسان، فى واحدة من الإبداعات الأمريكية فى عالم سياسة المستعمرات . فهناك الرئيس “أشرف غنى” رجل البنك الدولى ، وإلى جانبه الرئيس التنفيذى (!!) عبدالله عبدالله،طفل الإستعمار المدلل .          والصراع بين الرئيسين ظاهر أحيانا ومختفى أحيانا ومستمر دائما. وذلك يضيف المزيد من التعقيد على نظام ملئ بالثقوب .

الأخطر من كل ذلك سيكون الصراع بين حكمتيار من جانب وجميع أعمدة النظام من جانب آخر ، خاصة مع سياف رفيقه اللدود فى رحلة “الكفاح”. ومعروف أن حكمتيار كان طرفا أساسيا فى الحرب الأهلية بين المنظمات فى كابل (1992 ــ 1996) ، وأنه إنضم إلى حكومة ربانى فى كابل خوفا من حركة طالبان التى إقتحمت العاصمة ، وعندها فر جميع القادة إلى نهر جيحون لعبوره إلى طاجيكستان،كان حكمتيار متشككا فى نواياهم تجاهه وأدعى أنهم كانوا يخططون لقتله ، فغادر إلى إيران .

حكمتيار/ وإن متأخرا جدا/ عاد الآن إلى وكر هؤلاء القادة فى كابل ، فبأى ضمانات سيبقى بينهم بدون أن يخشى على حياته ؟؟، بل وبدون أن يخشى الآخرون على حياتهم من مؤامراته التى أدمن عليها طوال حياته السياسية ، فقتل المئات من خصومه / بل وأصدقائه / غيلة ؟؟ .

(قد ننشر فى وقت لاحق صدام حكمتيار مع أسامة بن لادن فى آخر لقاء بينهما بعد أحداث 11 سبتمبر والإجتياح الأمريكى لأفغانستان ، وكيف كان مليئا بالتحدى والتهديد الوقح من جانب حكمتيار ، والشك الحريصوالمهذب من جانب بن لادن) .

ــ صبغة الله مجددى ـ زعيم تنظيم جهادى سابق وأحد أعمدة نظام كابول حاليا ـإتهم حكمتيار بإغتيال نجله فى بيشاور عقابا للأب على مواقفه السياسية !!  .

ــ “برهان الدين ربانى” الذى أغتاله المجاهدون عقابا على مساندته للإحتلال الأمريكى، كان هو وتنظيمه المسمى (الجمعية الإسلامية )هم العدو الأساسى لحكمتيار وتنظيمه المسمى (الحزب الاسلامى) طوال الحرب ضد السوفييت.فالإشتباكات الدامية بين الطرفين كادت أن تغطى خلال فترات معينة على الحرب ضد السوفييت أو الشيوعيين .

ــ أما الصراع بين حكمتيار وسياف فكانت أشد مرارة ، وكانت لدوافع شخصية وسياسية فى آن واحد . فالكراهية والشكوك تغطى تلك العلاقة العدائية على الدوام .

فمنذ هروب سياف من كابول بعد خروجه من السجن فى الأيام الأولى للإحتلال السوفيتى ، وحكمتيار يشكك فى قصته كلها ، متهما إياه بعلاقة مع الشيوعيين عن طريق إبن خالته “حفيظ الله أمين” ثانى رئيس جمهورية شيوعى فى تاريخ أفغانستان ، رغم أن دخول سياف إلى السجن فى عهد “محمد داود” كان بسبب إتهامه بعلاقة مع الأمريكيين . وقد قبض عليه وهو على وشك السفر جوا إلى الولايات المتحدة فى بعثة دراسية ضمن برنامج (للتدريب القضائى !!) .

ــ لم يكتف حكمتيار بذلك التشكيك ، بل إدعى سرا لبعض العرب المقربين منه أن سياف له جذور يهودية من سلالة هؤلاء اليهود الذين فروا من إيران إلى أفغانستان هربا من إضطهاد الدولة الصفوية لهم .والطريف أن شائعات أخرى إتهمت حكمتيار بنفس الإتهام ، وكان مصدرها زملاء له من القيادات الأصوليه العليا .

ــ القتال بين أتباع الزعيمين سياف وحكمتيارإندلعت فى عدة مناسبات داخل أفغانستان ، خاصة فى ولاية ميدان وردك .و كلاهما كانيستخدم ضباطا شيوعيين فروا من الجيش وانضموا إلى صفوف (المجاهدين) ، فكان لهؤلاء الضباط دخل كبير فى تصعيد الإشتباكات واستمرارها لفترات طويلة ، وسقوط أعداد كبيرة من المجاهدين ما بين قتيل وجريح .

# والسؤال الآن هو : على أى صورة سوف يستأنف الزعيمان علاقاتهما التاريخية فى سفك الدماء؟؟ . وما تأثير ذلك على نظام كابول المتهاوى ؟؟ .

قد لا يطول إنتظار الإجابة عن هذا السؤال .

تحميل مجلة الصمود عدد 135 : اضغط هنا

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world