داعش .. قصة المرتزقة والدماء الرخيصة

داعش .. قصة المرتزقة  والدماء الرخيصة

داعش .. قصة المرتزقة  والدماء الرخيصة

 

– (الحرب على الإرهاب) من أهم أركان النظام الإقتصادى الأمريكى . والدولة الأمريكية مجرد “خادم”  لذلك “النظام الإقتصادي الأمني”ولها فيه دور محدد بدقة.

– دخلت داعش إلى مركز(إقتصاد الكوارث) مثل شركات “بلاك ووتر” و “هليبرتون”. وظيفتهم خلق مبررات للحرب وتقديم المساعدة الميدانية فيها.

– يطمع الأمريكيون فى إنسحاب من أفغانستان تعقبه عودة أخرى ، بدعوى حماية الشعب من دموية داعش ، كما فعلوا فى العراق.

– كوادر حزب البعث شكلوا الهيكل القيادى لداعش العراق ، بعد أن تحولوا إلى وهابيين.

– معسكر اللصوص والقتلة فى”شمشتو” باكستان، هو مصدر التجنيد رئيسى لدواعش ولاية “خراسان”، حتى فى أوج قدوم الآلاف من أوروبا للقتال مع دواعش سوريا والعراق.

–  تعددت ولاءات الدواعش ، فباعوا خدماتهم لمن يدفع أكثر ، من أى جهة كان . فظهرت حالات قتل مرتزقة الدواعش بعد أداء عملياتهم، حتى لا تُكشَف هوية من إستأجرهم .

– جهلاً بحقيقة أن العالم هو مجموع الأوطان، فإن الحمقى الضائعون، الذين أضاعوا أطفالهم ونساءهم يأخذون على حركة طالبان أنها حركة وطنية وليست عالمية !!.

– لولا وطن إسمه أفغانستان ، وإيمان شعب الأفغان، ما كان هناك إنتصارات للإسلام بهذا القدر من الإعجاز.

 

ما نواجهه فى بلادنا من حروب أو أزمات إقتصادية وصراعات داخلية ، وأخيرا تلك المجموعات الإجرامية المسلحة التى تنشر الخراب والرعب بإسم الدين. ثم إنهيار العملات والغلاء والأزمات الإقتصادية ، وزحف البنوك العالمية لإغراق بلادنا فى قروض ربوية تجعلنا عبيداً لها أبد الدهر.  كل تلك الكوارث وغيرها كثير، ناتجة عن النظام الإقتصادى الذى تطبقه الولايات المتحدة ، لتكتوى الإنسانية كلها بنيرانه ، وفى مقدمتها الشعب الأمريكى نفسه، وشعوب العالم الفقيرة بدرجة أكبر ، وعلى الأخص الشعوب الإسلامية ، لأن الكوارث الإقتصادية المفروضة عليها يضاف إليها حقد دينى عميق متوارث، ورغبة صليبية حمقاء فى إنهاء الإسلام كدين ، ودفع المسلمين خارج التاريخ ، بل وخارج جغرافيا الأرض إن أمكن .

ذلك النمط الإقتصادى الأمريكى ـ الذى فرضته على العالم كله ـ يُطلِق عليه علماء الإقتصاد (رأسمالية الكوارث) ـ إضافة إلى أسماء أخرى عديدة ـ تشير إلى أنه نظام شيطانى ينمو وينتعش بالكوارث التى يحدثها بالشعوب، فتزداد بسببها أرباح الشركات والمؤسسات الرأسمالية الكبيرة فصار تقاسم الأدوار بين الدولة “الأمريكية” وبين تلك الشركات يسير على هذا النحو :

1 ـ الدولة تصنع أزمات كبيرة داخل بلادها وخارجها ـ من الأزمات إقتصادية إلى الحروب .

2ـ  ثم توكل حلها إلى مجموعة شركات كبرى، كلٍ حسب إختصاصه .

3ـ تدفع الحكومة أتعاب تلك الشركات من ميزانية الدولة ، إضافة إلى ما يمكن أن تنهبه تلك الشركات من البلاد المنكوبة ـ مثل الحصول على عقود تجارية أو إمتيازات. و شركات النفط من أهم المستفيدين من الحروب والأزمات العالمية، ولا تكاد تخلو أزمة من إمتياز يصب فى جيب شركات النفط .

– المستفيد الآخر هو شركات الخدمات المتعلقة بالجيوش ، سواء فى الجانب القتالى المباشر مثل شركات المرتزقة التى أشهرها “بلاك ووتر”، أو الشركات العاملة فى النقل والإمدادات ومن أشهرها “هاليبرتون” .

صناعة النفط وصناعة الأمن تتربعان فى صدارة إقتصاد الكوارث، بمعنى أنهما أكبر المستفيدين والمتعيشين على مصائب الشعوب مثل الكوارث الطبيعية والزلازل والفيضانات والحروب،

والثورات الداخلية . تلك الكوارث تعقبها عملية (إعادة إعمار)، وهى من الجوائز المالية التى تسعى إليها الشركات الأمريكية لتمتص ما تبقى من دماء الشعوب المنكوبة .

 

الصناعة الأمنية .. والحرب على الإرهاب :

إخترعت الحكومة الأمريكية أسطورة إسمها الإرهاب ، ثم أعلنت عليه حربا غير محددة بوقت أو مكان . وأعجبها كثيرا أن يكون ذلك الإرهاب إسلاميا ، ليصبح إسم تلك الحرب : (الحرب على الإرهاب الإسلامى ) أو الحرب على(الأصولية الإسلامية) أو (التطرف الدينى ) إلى آخر مسميات كثيرة جميعها تستهدف المسلمين كشعوب (كانت أمة واحدة) ، وتستهدف الإسلام كدين.

تلك الحرب على الإرهاب الإسلامى بدأت بحادث 11 سبتمبر فى الولايات المتحدة. المستفيدون من الإقتصاد الجديد ـ إقتصاد الكوارث ـ هُمْ مَنْ رتبوا كارثة سبتمبر التى ستؤثر علينا ، إلى ما شاء الله ، فقد أطلقت سبتمبر القوة المحركة لإقتصاد عالمى عملاق ، يتعيش على الحروب والكوارث ويعمل على ديمومتها وإستمرارها، وليس حلها.

 (الحرب على الإرهاب الإسلامى) هو عنوان دائم لحرب تدور على مساحة جغرافية واسعة جدا وحساسة ، ومليئة بالثروات . وتسكنها شعوب يمكنها أن تغير مسيرة العالم لو إنتبهت إلى قيمة الدين الذى بين يديها ، بدلا من أن تبيعه بثمن بخس ، دراهم معدودات .

الحرب على الإسلام والمسلمين تحت مسمى(الحرب على الإرهاب الإسلامى ) هى حجر الزاوية لأحد أهم أركان النظام الإقتصادى الأمريكى . وهو نظام لا يتوقف على شخصية الرئيس الأمريكى أو الحزب الذى أوصله إلى الحكم . بل أن الدولة الأمريكية هى مجرد “خادم”  لذلك النظام الإقتصادي الأمني ، ولها فيه دور محدد بدقة.

فهى تحميه بقوتها ، وتختلق من أجله الأزمات والحروب التى يعتاش عليها . وتفتح أمامه كافة الطرق لمراكمة الثروات المغموسة بالدماء ونكبات الشعوب .

– أطلق الإقتصاديون على الشركات التى تمارس الحرب أو تعمل على أطرافها فى تقديم الخدمات والنقل أطلقوا عليها (الصناعة الأمنية) . ونظرا لأنها تضخمت بسرعة، فأطلقوا عليها صفة الفقاعة ، فأصبح إسمها (الفقاعة الأمنية). وكانت طوق نجاه للإقتصاد الامريكى، إذ أنقذته من ركود كان يهدده عشية حادث 11 سبتمبر. الحادث الذى بعث الحياة فى الإقتصاد الأمريكى. فكانت (الشركات الأمنية) عملاقاً، حقق دخلا مقداره 60 مليار دولار فى عام 2006 منفرداً .

تلك “الشركات الأمنية ” سيطرت على الترسانة العسكرية الأمريكية وسخرتها فى خدمتها .

بمعنى أن الجيش الأمريكى يهدف لأن تحقق تلك الشركات أقصى ربح ، وليس معنياً بتحقيق أهدافاً وطنية أو إستراتيجية لبلاده، كشأن الجيوش منذ القِدَم .

 

11 سبتمبر .. كلمة السر لإقتصاد الكوارث :

حادث 11 سبتمبر كان إشارة البدء للإنطلاق الوحشى لرأسمالية الكوارث ، لتبتلع معظم الموارد الحكومية الأمريكية ـ وجزء كبير من صلاحيات الدولة ـ ثم تنطلق إلى المجال العالمى ، فتكون أفغانستان أول مغامراتها الكبرى سعيا إلى الثروات الهائلة التى يزخر بها ذلك البلد.

الجيش الأمريكى أصبح مجرد وعاء يضم شركات المرتزقة القتاليين والمتعاقدين فى المجالات غير القتالية . فكانت أهم دوافع حركته فى أفغانستان هى مصالح شركات الطاقة (النفط والغاز)، التى تستهدف ثروات آسيا الوسطى ، ثم مصالح شركات التعدين التى طالما نادت بإحتلال أفغانستان للإستيلاء على ثروات معدنية تتعدى قيمتها ألفي مليار دولار. ثم مصالح مافيا المخدرات التى تحقق سنويا من أفيون أفغانستان بعد تصنيعة إلى هيروين مبلغ يدور حول الألف مليار دولار سنويا ، فى تجارة عالمية تستخدم القدرات اللوجستية لدى الجيش الأمريكى.

العدوان الأمريكى على أفغانستان كان بذريعة معلنة هى القضاء على تنظيم القاعدة وإسقاط حكم الإمارة الإسلامية . وبعد أقل من عامين إحتل الجيش الأمريكى العراق ـ بذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل ـ التى إكتشف العالم أنها مجرد أكذوبة ـ تماما مثل أكذوبة أحداث 11سبتمبر ومطاردة تنظيم القاعدة . كان الحافز الأمريكى فى العراق هو إحتياطات النفط الهائلة.

 

داعش .. حتمية إقتصادية :

ذريعة الحرب على الإرهاب ، تعتبر عنصراً رئيسيا لديمومة تلك الحروب وإكتساب الرأى العام لدعمها كحرب مشروعة ضد عدو خطير، يهدد الجميع . فكان ضروريا تصنيع نموذجاً بشعاً “للإرهاب الإسلامى” الذى يستفز العالم ويخيف الشعوب ويدعوها إلى تأييد التدخل الأمريكى فى العديد من البلدان.

فكان إختراع تنظيم داعش ضروريا لتلك الحروب ، وما تعنيه من مصالح إقتصادية ضخمة لنظام إقتصاد الكوارث ، وشركاته العظمى التى تدير الولايات المتحدة وتوجه حركتها فى العالم.

دخل تنظيم داعش بشكل مباشر إلى مركز(إقتصاد الكوارث) مثل أى شركة أخرى مثل “بلاك ووتر” أو “هليبرتون”. قد تختلف طريقة التشغيل أو الإدارة لكن الوظيفة ثابتة، وهى خلق مبرر للحرب وتقديم المساعدة الميدانية فيها.

– نشأ داعش فى العراق، وهناك أدى بنجاح أهم الأدوار. لهذا يعتبر نموذجاً حاولوا تكراره فى أفغانستان ، لكن بدون أى نجاح يذكر. نتيجة لإختلاف المجتمع الأفغانى عن المجتمع العراقى ، ونتيجة لمقاومة حركة طالبان وإجتماع الشعب حولها.

 فى العراق نجحت داعش فى تجزئة حركة الجهاد ضد الإحتلال، وحولتها إلى إقتتال طائفى داخلى . فانقسم المجتمع على نفسه ولم يتحد فى مواجهة خطر الإحتلال الخارجى .

نجاح داعش يعود إلى وجود صراعات مذهبية مزمنة ، زكتها أنظمة حكم منحازة وظالمة، فتحول المجتمع إلى برميل بارود قابل للإنفجار، فكان إشعال الفتنة سهلا على داعش وأمثالها.

– بالتعاون بين داعش والإحتلال الأمريكى عادت قوات الإحتلال إلى العراق بعد أن كانت غادرته عام 2011 فيماعدا قوة صغيرة لتستقبل باقى القوات عندما تتاح الفرصة. وقد أتيحت الفرصة بإعلان دولة داعش عام 2014 على مساحات شاسعة من العراق وسوريا ، مرتكباً أبشع الجرائم . فاتخذها الإحتلال ذريعة لإعادة قواته التى كان سحبها إلى الجارة الكويت التى كانت منطلقا للعدوان على العراق .

 يراود الإحتلال أوهام بإعادة نفس التجربة فى أفغانستان، بإستدعاء داعش بأعداد كبيرة قبل رحيله ، لتخلق له مناخا من الإضطراب والرعب يكون ذريعة لإعادة قواته التى سحبها إلى الجارة باكستان، التى كانت قاعدة إنطلاق للعدوان على أفغانستان.

أى إنسحاب تعقبه عودة ، بدعوى حماية الشعب من إجرام ودموية داعش .

– هزائم داعش فى أفغانستان والعراق فاقمت عنده مشكلة تجنيد عناصر جديدة . فى بداية ظهوره كان لديه فرص جيدة للتجنيد داخل العراق نتيجة الطبيعة الطائفية للمجتمع هناك . فكانت كوادر حزب البعث العراقى هُمْ قوام هيكله القيادى ، بعد أن تحولوا إلى وهابيين.

وقد نقلوا معهم إلى التنظيم دمويتهم المفرطة ، وعنصريتهم القومية والطائفية، فزادوا من وحشية التنظيم ومن كراهية أغلبية الشعب له ، خاصة بعد الهزائم الثقيلة التى تلقاها عام 2017 ، فتقلصت دولته ولم يتبق منها غير سراب.

فى أفغانستان كان العنصر الداعشى المحلى قليلا للغاية ، لعدم شيوع الوهابية وتفاهة المتبقى من آثار التمويل السعودى وقت الجهاد ضد السوفيت . والعناصر الداعشية من الإيجور ومناطق آسيا الوسطى لم تكن بالعدد الكافى لتكوين قوة ذات وزن . فجاءت النجدة من باكستان التى زودت التنظيم بأهم عنصر قيادى وهو “جلب الدين حكمتيار” أحد أشهر قادة أحزاب بيشاور الدمويين. وحزبه يدير معسكر “شمشتو” قرب بيشاور، والذى يشتهر بإيواء القتلة واللصوص. هؤلاء فعلوا كما فعل بعثيو العراق، فتحولوا إلى وهابيين متعصبين ومقاتلين إجراميين، فى صفوف داعش ـ فرع خراسان ـ

 

داعش جزء من قوات الإحتلال الأمريكى :

فى العراق وسوريا حظى مقاتلوا داعش على خدمات دعم جوى بالقاذفات الأمريكية ، وخدمات نقل جوى بالمروحيات للنجاة من مآزق الحصار، أو عند الإحتياج إلى خدماتهم فى جبهة أخرى ، أو لتنفيذ هجات مباغتة على مواقع بعيدة لقوات تعتبرها أمريكا قوات معادية . فى أفغانستان أيضا حصل الدواعش على خدمات مشابهة تماما .

فكانت البرهان على أن مقاتلى داعش إنما هم جزء من قوات الإحتلال ، بل أحد شركات المرتزقة العاملة ضد المدنيين بشكل خاص . وبتواجد الدواعش زادت خسائرالمدنيين فى الأرواح والممتلكات ، وإستفحلت النزعات الطائفية والقومية والمذهبية ولم يشهد البلد ـ المبتلى بداعش ـ أى تغييرات إيجابية فى العمران أو الإقتصاد ، بل شهد المزيد من التدهور ودمار البنى التحتية.  فاعتماد أساليب الإجرام هو نهج رئيسى لفرق الموت الأمريكية والمرتزقة الدواعش.

وليس غريبا أن يكون معسكر اللصوص والقتلة فى “شمشتو” هو معسكر تجنيد رئيسى لدواعش”خراسان” حتى فى أوج الإقبال على التنظيم وقدوم الآلاف من أوروبا للقتال مع داعش فى سوريا والعراق، وأغلبتهم كانوا ذوى خلفيات إجرامية فى نظائر لمعسكر شمشتو الباكستانى ، وهى السجون الأوربية المليئة بالضالعين فى قضايا جنائية . وحسب تقديرات الأوربين فإن أكثر من نصف الذين إلتحقوا بداعش كانوا ذوى خلفيات جنائية.

وبالتالى فإن القوى البشرية للدواعش جاءت من أربعة مصادر أساسية :

1 ـ معسكر شمشتو (قتله ـ لصوص ـ نشالون ..) وهم النسبة الأعلى بين جنود ولاية خراسان الداعشية . وحسب تقدير أحد مساعدى حكمتيار الكبارفإنهم 70% من دواعش ولاية خراسان .

2 ـ حزب البعث العراقى( خبراء القتل والتعذيب والتجسس ، وأساليب الإرهاب والحرب الدعائية والخبرات القتالية) .

3 ـ سجون أوروبا ـ من أصحاب السوابق الجنائية فى السرقة والقتل والمخدرات والإغتصاب.

4 ـ دواعش وهابيون أصلاء. وهم أقلية يشغلون مناصب قيادية فى الخطابة والقضاء والفتوى.

– الخدمات البعثية هى التى أكسبت داعش طابعه الخاص ، وأهمية فريدة بين شركات المتعاقدين أو المرتزقة العاملين مع الجيش الأمريكى .لأنهم خبراء فى أساليب إشعال الفتن بأنواعها المذهبية والعرقية . وتطبيقاتهم فى العراق مثالية كونه ميدان النشاط البعثى لمدة عقود قبل أن يتحولوا إلى الوهابية الداعشية لتكتمل الحلقة حول رقاب المسلمين.

يتميز البعثيون الدواعش بقدر من الثبات المبدئى على أهدافهم وبرامجهم على المدى الطويل. فلم يتخلوا عن حلم العودة إلى حكم العراق تحت السيادة الأمريكية ، وأن داعش بالنسبة لهم مجرد خطوة على الطريق ، فهو تنظيم ذو جوهر بعثى إجرامى، مع وجه تكفيرى دموى .

– بينما إخوانهم من لصوص “شمشتو” ، مجرمو أسواق وبلطجية مدن، فليس لهم أى ثبات مبدئى على أى شئ سوى مكاسبهم المباشرة . لذا فهم الأكثر تغييرا للولاءات ، فكل يوم لهم سيد جديد يدفع لهم أكثر من سيدهم السابق. ولعدم الثقة فيهم فإن سادتهم يقتلونهم بعد إرتكاب الجرائم حتى لا تتسرب أخبار المؤامرة . أى أنهم بضاعة رخيصة قد تستخدم لمرة واحدة فقط .

يتميز مجرمو أوروبا من الدواعش بالميل إلى الجريمة المنظمة ـ بما يتوافق مع ثقافة المجتمعات التى نشأوا فيها ـ فميولهم أكثر لتكوين مافيات خاصة بهم ، تتعاون (فى سوريا والعراق) مع مثيلاتها من عصابات الأوروبين والأمريكين والأتراك .

– الدواعش الوهابيون : وهم الأقلية المَلَكِيَّة الممتازة ـ قبل خسارتهم ذلك الموضع بتحول السعودية من”منهج” الوهابية إلى “منهج” الترفيه و”عقيدة “الإندماج فى المشروع الإسرائيلى ، مع ثبات “إيمانى” راسخ “بوحدانية” الرئيس الأمريكى ترامب، رغم إهاناته لهم، والتى لا يمكن أن تتحتملها سوى الأبقار{حسب ما يصفهم به ترامب، برضاهم التام وربما سعادتهم بالوصف الذى لم يحدث أن إعترضوا عليه مرة واحدة }.

وبالتالى إنسحب الوصف ذاته على الدواعش الوهابيين الأصلاء . وكان تميزهم نابع من قدرتهم على جلب التمويل من المملكة وباقى المشيخات . إضافة إلى جرأتهم على الإفتاء بغير علم ، والإقدام على سفك الدماء ، و(الإبداع فى فتح أبواب الصراع) بين المسلمين .

 

تمويل داعش :

داعش وجدت مصادر أفضل للتمويل ـ فقَلَّ إعتمادها على الصفوة الوهابية فى التنظيم .  فزاد تهميش تلك الفئة الوهابية بإتقان داعش لعبة النفط ـ والقتال من سبيله مع الممول الأمريكى ـ واكتساب براعة فى تسويقه وتهريبه ضمن غنائم فتح الشام ، وآثار الأقدمين ، وقمح السوريين.

ومن سمات الدواعش الوهابيين أنهم الأكثر قبولا بالعمليات “الإستشهادية ” ضد المسلمين والأكثر إصراراً على الفتنة المذهبية حتى أصبحت قَوَامْ دينهم . ذلك التأثير”الإستشهادي الطائفي” إنتقل إلى الدواعش الأحدث سنا من خريجى السجون الأوربية، ولكنه معدوم بين دواعش البعث العراقى ودواعش شمشتو.

–   24 مليون قرص من مخدر الترامادول أعلنت إيطاليا عن ضبطها. وكانت مهربه لحساب داعش لتمويل عمليات فى أوروبا عام 2017. ليس ذلك هو”الترامادول الوحيد”، فالمشيخات قدمت لداعش وإخواتها مبلغ 137 مليار دولار حتى عام 2015 ـ تقريبا ـ حسب قول “جاسم بن حمد” وزير خارجية قطر السابق مضيفا أن ذلك تم بموافقة وتنسيق مع الأمريكين.

وقفت إسرائيل فى ظلال المشهد ، ولكن مجهوداتها الضخمة فى إسناد داعش ومشتقاته تسربت منها بعض الشذرات التى تعطى دلائل:

فمثلا أعلنت إسرائيل بالصوت والصورة عن تقديم خدمات علاجية للمجموعات السلفية/الوهابية المقاتلة فى سوريا . وهؤلاء بدورهم أيدوا ما حدث ولم ينكروه ، بل جعلوه مُبَرَرَاً بحكم الضرورة فكل شئ لديهم يمكن تبريره إلا توحيد صفوف المسلمين ، أو حتى وقف القتال فيما بينهم. العديد من المصادر التى تابعت الدواعش عن قرب أجمعوا على أن معظمهم يجهل المعلومات الأولية عن الإسلام ، ولا يقرأون القرآن ، ولا يُصَلّون.

أحد الدراسات التى أجريت لصالح الأمم المتحدة تقول أن المقاتلين فى سوريا يفتقرون إلى الفهم المبدئى للإسلام . وأن وراء تجنيدهم عوامل إقتصادية والتهميش الإجتماعى والوعود البراقة بالمال والحياة المرفهة والزوجات .

 

 إسرائيل وخدمات نقل الدواعش:

تلقت داعش وأخواتها معونات فى مجال الإنتقال من ساحة إلى أخرى . فى سوريا تلقى وهابيون تسهيلات إسرائيلية للعبور فى الجولان المحتل لمهاجمة مواقع عسكرية سورية.

وفى العراق هناك عملية النقل الجوى الشهيرة للدواعش بواسطة الطيران الأمريكى من الأراضى السورية إلى مدينة كركوك شمال العراق. فتزايدت هناك عمليات القتل والخطف ضد الاكراد.

ومعروف عن (دواعش البعث) عدائهم المطلق للأكراد(السنة) والعرب(الشيعة). وبصماتهم تبدو واضحة حيث يتواجدون فى مناطق الأكراد أوالشيعة .

كان لإسرائيل دور فى تمويل تلك الجماعات الوهابية المتطرفة . لكن الصورة مازالت غير مكتملة وفى حاجة إلى مزيد من التوضيح . ومن ضمن ما تسرب :

ذكرت مجلة “فورن بوليسى” الأمريكية ، فى شهر سبتمبر 2018 أن إسرائيل مَوَّلَت وسَلَّحَت مالا يقل عن 12 جماعة فى جنوب سوريا . وادَّعَت المجلة أن 24 شخصية قيادية من تلك المجموعات قد شهدوا بذلك .

اليهود أدلوا بدلوهم، فنقل موقع صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن ضابط سابق برتبة لواء إحتياط فى الجيش الإسرائيلى أنه حضر عندما كان قائداً لفيلق هيئة الأركان العامة فى الجولان السورى ، أحد اللقاءات التى عقدها موشيه يعالون(وزير الأمن السابق) مع ناشطين سوريين من الطرف الآخر. وكانوا ثلاثة، سأل يعالون أحدهم (هل أنت سَلَفى؟) فأجاب : (بصراحة أنا لا أعرف من هو السَلَفى، إن كان ذلك يعنى أن اُصَلى أكثر ، فنعم ، كنت أصلى يوم الجمعة فقط ، والآن أصلى 5 مرات فى اليوم . ومن ناحية أخرى ، السلفيون لا يتعاونون مع الصهاينة ، وأنا أجلس الآن مع وزير الأمن الصهيونى ، لذلك فأنا لا أعرف إن كنت سَلَفيَّاً أم لا) .

 

الدعم الإعلامى :

حظى داعش بوجود كبير على شبكات التواصل الإجتماعى ، بفضل رعاية أمريكية خاصة. إستفاد التنظيم بذلك عند قمة ذروته بعد عام 2014 عندما بلغت نسبة المجندين عبر وسائل التواصل حوالى 80% من المتطوعين ، 20% فقط كانت من داخل المساجد . وكانت المواقع الألكترونية التابعة لداعش تنشر كتب التدريب العسكرى وصناعة العبوات الناسفة ودورات الأمن والإستخبارات.

وهناك موقع أسسته الصهيونية “ريتا كاتز” ليكون منصة إعلامية مقتدرة تخدم داعش والجماعات التكفيرية ، وتبث أخبارهم والأفلام الصادرة عنهم والتى لا يمكن العثور عليها فى أى موقع آخر.

ويقول مختصون فى الإعلام أن داعش تلقت دعماً لا شك فيه من الإستخبارات الأمريكية .

وقد زاد إحتياج داعش لهذا الدعم بعد أن تراجعت كثيراً وتيرة الإنضمام إلى التنظيم، بعد الهزائم الكبرى التى حاقت به فى مواطن نشأته فى العراق والشام ، وفشل تجاربه فى شرق وجنوب آسيا، ثم فى أفغانستان بشكل خاص، والتى يكتسب دوره فيها أهمية كبرى حاليا .

 

داعش طريد الأوطان :

لاقى داعش الفشل أينما حل . ذلك لأن مبعث حركته فاسد ومدمر للشعوب والمجتعات الإسلامية. فلم يتقبله أحد، ولفظه الجميع . وكثيرون حملوا ضده السلاح حتى داخل البيئة “السُنِّية” التى إدعى أنه جاء ليدافع عنها . فقد أكتشف مَنْ حوله أنه جاء لقتلهم ، وتأليب الجميع ضد الجميع واصْطِناع عداوات بين المسلمين، لصالح اليهود والمحتلين.

ولتغطية هذا الفشل إدعى داعش ـ وإخوانه ـ أنهم عالَمِيُّون وليسوا وطنيين . جهلاً بحقيقة أن العالم هو مجموع الأوطان ، كما أن الجبل هو مجموع الصخور التى تُكَوِّنَه. فلكل إنسان وطن وُلِدَ ونشأ  فيه، وغالباً يموت ويدفن فيه . وأى مسلم يفقد وطنه تصبح كل بلاد المسلمين وطنا له ـ إذا كان بها اسلام ـ ويمكنه العيش في أيها شاء ويصبح واجب على كل مسلم إعادته إلى وطنه إن كان قد اُخرج منه ظلماً وعدواناً، كما حدث لأهالى فلسطين .

 فى مغامراتهم الفاشلة ، ترك الدواعش زوجاتهم وأولادهم فى شتى البلدان ، لا يرون لأنفسهم مخرجاً ، ولايرغب أحد ـ بكل أسف ـ فى مد يد العون لهؤلاء الضعاف الأبرياء . وتمادى الكثير من المجرمين فى الترويج لنظرية شيطانية تحذر من أن هؤلاء الأطفال الأبرياء سيكونون دواعش المستقبل، يهددون أمن البلدان التى قدموا إليها . إنه عالم يتبارى فى القسوة والإجرام.

فلنقارن تلك الصورة مع ما يحدث فى أفغانستان . فرغم أربعين عاما من الجهاد وملايين الشهداء لم يسمع أحد بضياع الصغار وأمهاتهم . فالمجتمع الأفغانى الذى إحتضن فريضة الجهاد وأفرز لها خيرة أولاده ،هو الذى تبنى الأيتام والأرامل كفريضة تعادل فريضة الجهاد وتتكامل معها.

ومع هذا فإن الحمقى الضائعون ، الذين أضاعوا أطفالهم ونساءهم يأخذون على حركة طالبان أنها حركة وطنية وليست عالمية !!. فلولا وطن إسمه أفغانستان ، وإيمان شعب الأفغان ما كان هناك إنتصارات للإسلام بهذا القدر من الإعجاز ، ولا كان ممكناً إنتصار المسلمين على أخطر إمبراطوريات الشر فى تاريخ البشر.

 

ولاءات متعددة للدواعش :

يقدم الإحتلال الأمريكى للدواعش فى أفغانستان دعماً قتاليا مباشراً إلى جانب الترويج الإعلامى لتضخيم خطر التنظيم لإستثمار ذلك سياسيا لديمومة الإحتلال بدعوى مكافحة الإرهاب.

تفشت الأمراض الأخلاقية لمبدأ الإرتزاق القتالى، ومن أهمها ضعف الولاء وعدم وجود هدف أسمى للقتال، غير أنه وسيلة للإثراء . تعدد ولاء المرتزقة ـ وفى مقدمتهم داعش ـ فباعوا خدماتهم فى سوق مفتوحة لمن يدفع، من أى جهة كان . سواء كان دولة أو جماعة أو فردا. فظهرت حالات التخلص من الدواعش المرتزقة بعد أداء عملياتهم حتى لا تنكشف هوية الجهة التى إستأجرتهم .

– من أشهر عمليات الدعم التى قدمها الجيش الأمريكى لدواعش أفغانستان ، عملية تاريخية بالفعل كونها المرة الأولى لإستخدام أضخم قنبلة فى الترسانة الأمريكية ـ وأقوى قنبلة غير نووية ـ أطلقوا عليها ” أم القنابل” تيمناً بتسميات “صدام حسين”. القنبلة وزنها أكثر من عشرة أطنان، وثمنها 16 مليون دولار . وقد إستخدموها فى تاريخ (2017/ 4/ 15) ضد مواقع مجاهدى حركة طالبان الذين كانوا يحاصرون الدواعش فى منطقة أتشين فى ولاية ننجرهار. قال ترامب أن القنبلة دمرت خنادق ومغارت لداعش . ولم يكن هناك شئ من ذلك، ولكن الإنفجار قتل ما بين 54 إلى 94 من الأهالى . وحسب قول مندوب فى البرلمان الأفغانى فإن مياه أتشين أصبحت سامة والأرض الزراعية بارَتْ .

– أردفت أمريكا ذلك الدعم العسكرى للدواعش بدعم إعلامى كبير. فبعد يوم واحد، إفتتحت لهم إذاعة فى القاعدة الجوية فى جلال آباد ، وأسموها (صوت الخلافة) !! يذيعون منها أخباهم .

فى خريف عام 2016 حاول الدواعش التسلل من باكستان للوصول إلى منطقة (أزره) فى لوجار والتى أرادوا تجهيزها كقاعده بالقرب من كابول . فتصدى لهم مجاهدو طالبان وأفشلوا مخططهم رغم تعرضهم مرارا لقصف الطائرات الأمريكية التى هبَّت لدعم الدواعش .

 

داعش داخل صراع الأجهزة :

عملية نموذجية لإستخدام الدواعش كقرابين فى صراع الأجهزة وأجنحة النظام الحاكم فى كابل،  فى تلك العملية قام عشرة من الدواعش مرتدين ملابس القوات الخاصة الأمريكية ، مستخدمين سيارتين من النوع الذى لا يمتلكه غير تلك القوات .

فعبروا جميع نقاط التفتيش الموجودة بكثافة حتى وصلوا بالقرب من مبنى وزارة الداخلية. وكأن قوات الحراسة كانت فى إنتظارهم فقتلوهم جميعاً وغنموا السيارتين سالمتين .

عضو برلمانى تساءل عن كيفية حصول الدواعش على السيارتين وكيف عبروا جميع نقاط التفتيش . ثم لماذا قاموا بتلك العملية؟ (هل ليقتلوا أنفسهم فقط؟) حسب سؤاله .

 وهناك أمثله أخرى لعمليات داعشية أساسها حسابات سياسية لنظام كابول، للضغط على دول خارجية لإتخاذ موقف مساعد للنظام، ومزيد من التوريط فى الحرب الدائرة . ومن أمثلتها:

 

هجوم داعشى على معبد للسيخ :

 فى رسالة إلى الهند لتبذل المزيد من العون للنظام . هجوم وقع فى كابول يوم (2020/3/24) وأسفر عن مقتل 25 شخصا وجرح ثمانية. وتضاربت المعلومات حول عدد المهاحمين وكيفية إدارة العملية . فقيل أن المهاجمين كانوا أربعة، من بينهم إنتحارى . ثم قيل بل شخص واحد قام بالعملية . لكن النتيجة المؤكدة عدم وجود فرد واحد ممن نفذوا الحادث .

ثارت الهند وهددت بإرسال قوات إلى أفغانستان . ثم هدأت وأرسلت بعض الأسلحة والمهمات التى لا ضرورة لها . كانت الهند تحت ضغط أمريكى لتكثيف وجودها العسكرى فى أفغانستان بعد الإنسحاب الأمريكى ، وعرضوا عليها مزايا مغرية للغاية ، عبارة عن (ممتلكات) فى شواطئ إمارة دبى .

 

هجوم للدواعش على إجتماع عزاء للقائد الشيعى عبد العلى مزارى:

كانت عملية داعشية ضد قيادات شيعية. قتل فى الهجوم 27 شخصا وجرح 55 آخرين . وكان فى مجمع العزاء عدد من أهم قادة النظام ، لم يصب منهم أحد.

فى رسالة للشيعة بأن النظام هو من يحميهم من الدواعش وطالبان ، لتتوقف موجة إلتحاق الشيعة بحركة طالبان والقتال إلى جانبهم . ورسالة إلى إيران بأن نظام كابول هو الحليف الموثوق.

 

القوات الخاصة الأمريكية .. لإنقاذ الدواعش :

مشهورة تلك العمليات التى قامت بها القوات الخاصة الأمريكية على سجون يحتفظ فيها طالبان بالدواعش . وهى أماكن إحتجاز بدائية، إعتمادا على أن المناطق حولها تحت السيطرة ويصعب الحركة فيها بغير معرفة طالبان . ولكن القوات المحمولة جوا هاجمت عددا منها وحملوا الدواعش معهم فى المروحيات . فى حين أن أماكن إحتجاز أسرى الجيش والشرطة كانوا يقصفونها بالطائرات لقتل من فيها، بسبب أنهم كانوا يعودون إلى قبائلهم متعهدين بعدم العودة للقتال . أما الدواعش فإنهم يقاتلون إلى جانب الأمريكان إلى آخر نقطة دم طالما تصلهم رواتبهم.

– يلاحظ فى آخر أفلام داعش الدعائية أن معاركهم كانت فقط ضد طالبان، وعدم وجود مشهد واحد للقتال ضد الأمريكيين الذين يقدمون للدواعش الدعم الجوى ، أو ينقلونهم بالطائرات إذا وقعوا فى الحصار . أولإنزالهم فى مناطق طالبان الحصينة بدون المرور على الدفاعات ونقاط الإنذار . ثم بعد العملية تسحبهم طائرات الهيلوكبتر إلى القواعد الأمريكية.

   ومشهورة حوادث وقوع الدواعش فى حصار قوات طالبان ـ فى شمال أفغانستان ـ ثم فرار الدواعش إلى القواعد العسكرية الحكومية . لتنقلهم المروحيات بعد ذلك بعيداً عن المنطقة . كان معظم هؤلاء من(دواعش شمشتو) القادمين من باكستان، أى الطبقة السفلى من دواعش خراسان.

 

قَبَلِيّون : دواعش فى سبيل النفط :  

أما الطبقة العليا من الدواعش، فهم من الأفغان المنتمين إلى قبائل معروفة . وبعضهم عمل لفترة فى صفوف الإمارة الإسلامية ، قبل أن يجرفه تيار الفتنة وتحصيل الأموال . فطردتهم الإمارة واتهمتهم فى قضايا فساد وطلبتهم للمحاكمة ففروا إلى داعش ، رافعين شعارات الفتنة الدينية . وأظهر أحد قادتهم تطلعه إلى ثروة النفط ، والعمل تحت إمرة الشركات النفطية المتربصة على الحدود مع تركمانستان لتمرير خطوط الطاقة ” تابى” إلى الأراضى الباكستانية ، ثم إلى الهند .

ملا عبد المنان نيازى أحد رموز تلك المجموعة التى إنضمت إلى الدواعش هربا من الإمارة . ثم حاولوا التكلم بإسمها. وساعدته تركياعام2015 مدعيا تمثيل الإمارة فى مباحثات للمصالحة مع حكومة كابول عقدت فى إسطنبول . لكن المحادثات فشلت بطريقة مخزية . وفشل نيازى فى أول ظهور دولى .

ولكنه أمسك خيطا آخر ـ ربما بمشورة الأتراك ـ بأن تبَنَّى مشروع “تابى” مستغلا إرتباطاته القبلية ومعرفتة بالمناطق التى ستمر فيها الأنابيب .

وفى حوار إعلامى مع محطة تلفزيونية أمريكية تسمى (إيران إنترناشيونال) قال نيازى أنه يؤيد مشروع “تابى” وأن هناك دول تعادى المشروع مثل روسيا وإيران وباكستان.

وقال أنه يستطيع حماية المشروع ، وأن دول الجوار مثل تركمانستان (التى ستدخل منها الأنابيب إلى أفغانستان ) ينبغى أن تتكلم معه حتى يصل المشروع إلى نتيجة حقيقية.

لقد هُزِمَت داعش فى كل أفغانستان . ونيازى يبحث لنفسه عن دور كبير، يدفعه وهْمٌ كبير. فهو لم يستطع أن يكون قائدا فى الإمارة الإسلامية ، ولكن مازال يحدوه الأمل فى أن يكون أميراً نفطياً .. يسكن القصر .. ويُطَبِّع علاقاته مع إسرائيل .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

داعش .. قصة المرتزقة والدماء الرخيصة

 

 




"الجيش السري الأمريكي" يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

خارج السيطرة (1)

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 175) | محرم ١٤٤2ھ – سبتمبر٢٠٢٠م .  

04-09-2020

 

 

خارج السيطرة (1)

أفغانستان..حرب خارج سيطرة الإدارة الأمريكية

الجيش السري الأمريكي يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

 

– تشبعت أفغانستان بالأسلحة، فانخفض دعم شركات السلاح لتلك الحرب.

–  القوات الأمريكية تحترف مهنة “الدليفرى السريع” للمخدرات والأسلحة.

أين الصواريخ النووية التي كانت فى قاعدة بجرام؟؟

–  حرب أفغانستان كشفت أن الجيش الأمريكى هو الجيش الأكثر فسادا فى العالم. ودمرت هويته كجيش، وحولته إلى كيان فاسد وخطيىر.

–  لا تستطيع الإدارة الأمريكية إيقاف الحرب فى أفغانستان، لأن المتحكم فى تلك الحرب هم جنرالات مارقون، بلا قيادة سياسية، ولا إستراتيجية ولا هدف غير الربح بلا حدود ولا قيود.

–  التحالف الإستخبارى المارق فى أفغانستان، أصبح أقل إعتمادا على الجيش الأمريكى، وأوجد وسائله الخاصة لنقل المخدرات وأموالها. وبالتالى قلَّ كثيرا نصيب الجيش / كممثل عن الدولة الأمريكية / من أرباح حرب الأفيون فى أفغانستان.

–  (الجيش السرى الأمريكى): تواجه الولايات المتحدة حركة تمرد عسكرى إستخبارى فى أفغانستان، يهدد الدولة الأمريكية نفسها، ويشبه ما واجهته فرنسا قبل الإنسحاب من الجزائر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

أطلقت الولايات المتحدة حربها الصليبية على أفغانستان عام 2001 بهدف السيطرة على أفيون أفغانستان كهدف أول، ثم السيطرة على باقى ثروات أفغانستان الطبيعية ـ وهى هائلة القيمة ـ ثم ثروات النفط والغاز فى آسيا الوسطى.

وبدأت فى تحويل أفيون أفغانستان ـ جيد النوعية ـ إلى هيروين تام النقاء. ودعمت شبكة لنقله وتوزيعه هى الأكبر والأقوى والأكثر حصانة فى العالم، يوفرها الجيش الأمريكى جواً وبحراً، ليصب شلال الأموال فى شبكة البنوك اليهودية العظمى التي تدير أموال وتجارة العالم، وتوفر الملاذات الأمنة والغسيل المضمون لدولارات المخدرات القذرة التي قد تعادل نصف حجم التجارة العالمية الشرعية (أى فى حدود 3 ترليون دولار). لذا لا يمكن أن تتنازل تلك البنوك عن غنيمة بهذا الحجم ذات تأثير جوهرى على كيانها المسيطر على الإقتصاد العالمى.

بالنسبة للولايات المتحدة فإن للإدارة والأجهزة المسلحة (جيش ومخابرات) نصيب مجز من العملية، إضافة إلى أن الغطاء الحقيقى للدولار الأمريكى الآن هو تجارة الهيروين / أى فى الأصل أفيون أفغانستان / وليس دولار النفط. وقيمة دول النفط وإماراته إنتقلت مضاعفة إلى أفغانستان، التي تتمتع بأهمية مطلقة فى ظل التطورات الدولية الأخيرة ـ خاصة بعد تصاعد مكانة قارة آسيا والصين فى إقتصاد العالم، وتأثيرات إيران على إجمالى غرب آسيا، وانبعاث روسيا من جديد صوب مكانة المركز الثانى عالميا، عسكريا وسياسيا، والهند التي يقترب إقتصادها من المركز الثالث أو الرابع عالميا.

–  سريعا ما اكتشف الجيش الأمريكى ما سبق واكتشفه الجيش الأحمر السوفيتى من قبل من أن تلك الحرب ليست للجيوش. فأعطت الإدارة الأمريكية مكانة بارزة للإستخبارت الأمريكية CIA فى إدارتها. وفى البداية كان لمكتب التحقيقات الفيدرالى دور بارز في عمليات المطاردة والتعذيب والسجون السرية، بالتكامل مع المخابرات المركزية.

–  قفز ترامب قفزة ثورية فى إدارة الحرب الأفغانية حين إستوحى من صديقة ” إريك برنس” فكرة أن يكون المرتزقة هم عماد الحرب لصالح الولايات المتحدة، على غرار تجربة شركة الهند الشرقية البريطانية فى القرن الثامن عشر.

” أريك برنس” مع شركاء إسرائيليين أحيا مآثر شركته السابقة ” بلاك ووتر”، وتوسع فيها. ونشاط المرتزقة أصبح يديره إتحاد مؤسسى يجمع بين جهازى CIA والموساد الإسرائيلى أما دور الجيش الأمريكى فقد تحدد فى حماية المنشئات الحساسة والقواعد العسكرية وتخليص قوات المرتزقة من مآزقهم العسكرية مع طالبان.

–  شركات الصناعة العسكرية دعمت فى البداية بقاء الجيش الأمريكى فى أفغانستان، رغم رغبته المبكرة فى الإنسحاب نتيجة عدم التخصص، مع خطورة أمثال تلك الحروب على تماسك الهياكل التنظيمية والروح المعنوية للجيوش، وناهيك عن التردى الأخلاقى الناتج من توافر الهيروين الجيد والرخيص، وكافة المخدرات الأخرى.

شركات السلاح الأمريكية شحنت أفغانستان بمعدات جنونية، لا حاجة لها فى حقيقة الأمر. الكميات مبالغ فيها كثيرا، وكذلك النوعيات التي لا مبرر لوجودها، وصولا إلى الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى، وهى لا تهدد مقاومة الشعب الأفغانى والامارة الاسلامية، بل تهدد روسيا والصين وإيران.

–  السلاح الأمريكى التقليدى المختزن فى أفغانستان يكفى لحرب تقليدية عظمى فى المنطقة، والصواريخ النووية تكفى لإشعال حرب نووية تحرق العالم كله.

إنخفض طلب المزيد من الأسلحة لأفغانستان من شركات صناعة السلاح، فإنخفض حماسها لتلك الحرب. وبالتالى لم تعد تضغط على الجيش من أجل البقاء هناك. فأتم الجيش الأمريكى إنسحابه القتالى من أفغانستان مبقياً على حراسات للقواعد العسكرية الأساسية، خاصة قاعدة بجرام الجوية، التي هى القلب النابض للمشروع الأمريكى فى أفغانستان، بل فى المنطقة كلها، بداية من مصانع الهيروين وصولا إلى مخازن الصواريخ النووية.

الجيش الأمريكى فى أفغانستان هو قوة من “خفَرْ القرى” المعروفين فى المشرق العربى. ولكنها قوة لديها، قطع مدفعية وطيران لمجرد تذكير الجنود بأنهم جزء من جيش (الدولة الأعظم)الذى كشفت حرب أفغانستان، بل وساهمت بشدة فى تحويله إلى الجيش الأكثر فسادا فى العالم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

قوات “الدليفرى السريع“ : أين صواريخ بجرام النووية؟؟

ما تبقى من قوة أمريكية فى أفغانستان تحولت إلى قوة (دليفرى) أى توصل الطلبات إلى منازل الزبائن. والطلبات هى مادة الهيروين، والأموال بأنواعها القذرة المغسولة، وفى النهاية تبيع أسلحتها فى المزاد، وتوصلها للزبائن فى بيوتهم.أو تؤجرها للمقتدرين داخل أفغانستان.

إلى جانب مهام أخرى مهينة للجيش وكرامته العسكرية، مثل تحوله إلى مجرد حارس لقواعد عسكرية تدير مصانع الهيروين. وتحرس مخزونات السلاح التي تفوق الخيال فى قاعدة “بجرام” والتى أصبحت تفكك وتعبأ فى صناديق لتباع كقطع غيار ـ أو إلى أسلحة يعاد تجميعها مرة أخرى خارج افغانستان ـ لأى دولة ولأعلى سعر. فى تجارة عظمى تعتبر من غرائب العالم الأمريكى. والمشترى يمكن أن يكون أى أحد. فليس من السهل ـ ولا يتكرر ذلك كل يوم ـ أن يبيع جيش معداته وهو مازال ـ رسميا على الأقل ـ يباشر تلك الحرب أو أنها تدار بإسمه، بينما يقاتل نيابة عنه فى ميادينها تشكيلة واسعة من المرتزقة، يقودها تحالف إستخبارى يجمع بين دولة عظمى (أمريكا) ودولة متطفلة عليها (إسرائيل).

من الطبيعى أن يضغط قادة الجيش على ترامب كى ينهى حرب أفغانستان، حتى لا يظل الجيش وسمعته مرهونتان بحرب لا يقودها، ولم يعد له فيها ناقه ولا جمل. بل ودمرت هويته كجيش، وحولته إلى شئ آخر فاسد وخطير، ينشر فساده فى العالم، ويعبث بأسلحة تهدد الجميع. حتى صار الجيش الأمريكى هو الخطر الأكبر على العالم بما فيه أمريكا نفسها.

–  (التحالف الإستخبارى المتمرد فى أفغانستان) أصبح أقل إعتمادا على الجيش الأمريكى، وأوجد وسائله الخاصة لنقل المخدرات وأموالها. وبالتالى قلَّ كثيرا نصيب الجيش كممثل عن الدولة الأمريكية ـ من أرباح حرب الأفيون فى أفغانستان.

 

حرب يديرها جنرالات مارقون بلا قيادة موحدة :

يمكن القول أن قاعدة بجرام الجوية قد أضيفت إليها ميزة جديدة وعجيبة، كونها أكبر سوق فى العالم للسلاح المستخدم ـ أو الجديد ـ وربما للصواريخ النووية التي تشكل لغزا يشكل تهديدا خطيرا لأمن العالم.

فهل مازالت الصواريخ فى بجرام؟؟ ـ أم أنها نقلت إلى منطقة جبلية وعرة أقرب إلى حدود الصين كما يشاع بين العاملين فى بجرام؟؟ وهل ذلك السلاح النووى مازال تحت سيطرة الجيش الأمريكى أم أنه تحت سيطرة التحالف الإستخبارى، الذى يزيد من خطورته كون الذين يديرونه هم جنرالات مارقون، وليسوا خاضعين بشكل كامل لأى حكومة على الإطلاق، لا خارج أفغانستان ولا داخلها. كما أنه تحالف مجهول غامض القيادة. كل ما فيه محاط بالسرية، كطبيعة العمل الإستخبارى.

–  فإذا خضع السلاح النووى لقوانين العرض والطلب فى السوق الدولى، فان المخاطر ستكون غير محدودة. والتحالف الإستخبارى المارق فى أفغانستان يمكن أن يدعى ـ حقا أو كذبا ـ أنه فقد شيئا من تلك الأسلحة ـ خاصة وأن قاعدة بجرام تحت ضغط عسكرى وإختراقات أمنية خطيرة، وتعانى من تسرب إلى الخارج فى كل شئ، ويمكن أن يكون هذا الشئ نوويا.

فماذا لو تسربت الصوايخ النووية إلى أعداء الولايات المتحدة؟؟ ـ والأخطرهو: ماذا لو تسربت إلى أعداء إسرائيل؟؟ ألن يشكل ذلك تهديدا لها، وقد تمتد خطورته إلى مشاريعها الإستثمارية العظمى، مثل سد النهضة فى الحبشة؟؟

–  يزيد المشكلة تعقدا أن من يتقدم لشراء الأسلحة الأمريكية فى أفغانستان هى شركات دولية عابرة للقارات ومتعددة الجنسيات. وهذا يجعل المحطة النهائية لمسيرة السلاح غير محددة، وقابلة للتبديل.

ويتميز “بازار” قاعدة بجرام بنزعة ليبرالية، فالكلمة للمال، فمن يمتلكه يشترى أى شئ. حتى تمكنت حركة طالبان من الحصول على تسليح إستثنائى من قاعدة بجرام وغيرها ـ شمل الطلقة والقنبلة والصاروخ والشحنة المتفجرة. ولا قيمة لدى إدارة “بازار” بجرام الدولى لأرواح الجنود المقاتلين من المرتزقة، فتلك بضاعة رخيصة يسهل إستبدالها.

–  التحالف الإستخبارى (CIA / موساد) الذى يحكم أفغانستان ويتحكم فى إدارة الحرب هناك من أخطاره الكثيرة أنه لا يمتلك قيادة موحدة، لا على المستوى السياسى ولا على المستوى العملياتى، ولا على المستوى التجارى. ولكل واحد من عناصر الضياع القيادى فى تلك المستويات القيادية العليا مخاطر كثيرة. بعضها يهدد ذلك التحالف الإستخبارى وينزلق به صوب هزيمة تاريخية. وذلك ما تعمل عليه الإمارة الإسلامية.

فالتحالف المارق يفتقد إلى إستراتيجية للحرب، كما أنه عشوائى فى العمل التكتيكى، وتوقفت حاسة الإبداع عنده بعد ما إستنزفت التكنولوجيا نفسها ولم تصل إلى النتيجة المرجوة. مثل توقف تأثير الطائرات بدون طيار (درون) على معنويات الشعب والمجاهدين. وبالمثل هجمات الرعب الليلية ضد القرى، والتى زادت من إقبال الشعب على التطوع فى صفوف طالبان.

إفتضاح دور الهيروين كدافع وحافز على إستمرار الحرب، دفع الشعب إلى توسيع عمليات مقاطعة عملاء أمريكا وحجب وصولهم إلى محصول الأفيون. فلم يتمكن الأمريكيون من إصدار تقريرهم السنوى عن وضع الأفيون فى أفغانستان، متعللين بفيروس كورونا “!!”.

المساهمة الشعبية فى قطع اليد الأمريكية عن أفيون أفغانستان قلص أيضا من حصة التحالف الإستخبارى المارق من الأفيون، وبالتالى تقلصت قدرته على إنتاج الهيروين. وتقول نشرة الأخبار القادمة من قاعدة بجرام أن هناك إنتاج مكثف للمخدرات الكيماوية، وبكميات خرافية، لتوزيعها حول العالم لتعويض خسائرالأمريكيين فى مجال الهيروين.

–  فى السباق نحو المليارات ظهرت التناقضات بين مصالح أركان التحالف الإستخبارى الذى عانى من التشرزم. فمكوناته تسابقت نحو جذب أكبر قدر من أجهزة النظام الحاكم واستغلاها. فأصيب النظام بشروخ خطيرة تطورت إلى صدامات مستترة، وصدامات أخرى صريحة تتكلم عن نفسها. وبما أن الخلاف هو حول المليارات فإنه سريعاً ما يصبح مسلحاً. وإذا لم تكن العصبيات العائلية والقبيلة كافية، فإن المرتزقة يقدمون خدماتهم للسعرالأعلى. والقاتل المأجور قد يقتل من إستأجره فى المرة التالية. وشركات القتل ترى فى إزدياد نهر الدماء دليلا على الرواج وزيادة الأرصدة والأرباح، تحت غطاء الحرب غير المنتهية والتى توفر لهم أرضية لإتهام أطراف أخرى.

–  لا تستطيع الإدارة الأمريكية إيقاف الحرب فى أفغانستان، لأن المتحكم فى تلك الحرب هم جنرالات مارقون، بلا قيادة سياسية، ولا إستراتيجية ولا هدف غير الربح بلا حدود ولا قيود ولا نهاية. والإتفاق السياسى مع هؤلاء المارقين مؤقت ومرتبط بالمصالح المالية، فهى الهدف والوسيلة إليها هى القتل بإستخدام الوسائل المتاحة.

قد يخضع الجنرالات المارقون للضغط ـ ولو بشكل مؤقت ـ لو توفرت الأدوات اللازمة. والإدارة الأمريكية فقدت القدرة على الضغط المؤثر لأن جيشها لم يعد هناك كجيش. وقادة المخابرات المتبقين فى الميدان وضعوا قوانينهم الخاصة، وليسوا مقيدين بغير الأهداف التي يحددونها لأنفسهم.

 

قوات الحثالة لحفظ ماء وجه ترامب :

يسعى ترامب إلى إمتلاك قوة ضاربة فى أفغانستان تمكنه من التأثير والضغط. ورغم ذلك فإنها لا تضعه فى موقع المتحكم أو حتى فى صدارة متخذى قرار الحرب والسلام فى أفغانستان. ولا تمكنه من إقرار إستراتيجية لإدارة وإستغلال كنوز الأفيون.

 

فى يد ترامب القوات العسكرية التالية :

ـ قوات من أزربيجان وأرمينيا، ورومانيا، ومن على هذه الشاكلة من الغثاء، من دول هامشية تتسول الدولارات والدعم السياسى الأمريكى.

 

ـ قوات استراليا ما زالت رغم قلة عددها تحتفظ بسمعتها كأكثر وحدات الإحتلال وحشية فى معاملة الأفغان. وهناك قوات ألمانية وبريطانية وكندية قليلة العدد.

قوات الحثالة تلك تتيح لترامب حصة من الأفيون ومادة الهيروين، مع المخدرات الكيماوية التي يشير تقرير UNODC إلى أنها إنتشرت كثيرا فى العالم بثمن رخيص وضرر صحى فادح.

ولكن تلك القوات لا تتيح له التحكم فى الحرب أو تمنحه القدرة على وقفها. ومن هنا يأتى الإحراج الدبلوماسى، إذ ربط ترامب نفسه بموعد للإنسحاب النهائى فى أبريل القادم.

ولكن الحرب لن تقف بأى حال، لأن ضباط الإستخبارات المارقين سوف يستمرون فى القتال. وساعتها ستكون أمريكا فى حرج إزاء تبرير ذلك، سوى إلقاء اللوم على أى طرف آخر.

 

إنقلاب (الجيش السرى) الأمريكى :

تواجه الولايات المتحدة حركة تمرد عسكرى إستخبارى فى أفغانستان، يشبه ما واجهته فرنسا فى بداية ستينات القرن الماضى، عندما تمرد جنرالات الإحتلال للإبقاء على الجزائر أرضاً فرنسية. رافضين ما وعد به الجنرال ديجول رئيس فرنسا بالإنسحاب من الجزائر. شكَّل الجنرالات المارقون منظمة عسكرية سرية تعمل على إبقاء الجزائر مستعمرة فرنسية وأسموها (الجيش السرى). وحاولوا ترتيب إنقلاب مسلح داخل فرنسا نفسها والإستيلاء على السلطة من أجل منع إستقلال الجزائر. وقام (الجيش السرى) بمجازر ضد سكان الجزائر المسلمين.

– جنرالات الإستخبارات الأمريكيون فى تمرد فعلي للإستقلال بأمر أفغاستان، رافضين تماما الإنسحاب منها، مستخدمين القوة المسلحة المتاحة لديهم للإبقاء على الوضع الحالى. فى عمل يهدد بوقوع إنقلاب عسكرى إستخبارى داخل الولايات المتحدة، سواء قام به الرئيس نفسه مستبقا جنرالات أفغانستان المارقين، أو إنقلاب يقوم به هؤلاء المارقون بدعم من مؤيديهم فى الوطن. وكل من الرئيس والمارقين مستند على قوة أساسية تقف عليها أمريكا (وفى ذلك إنقسام خطير يهدد الدولة حتى وإن لم يحدث الإنقلاب). فالمارقون تدعمهم البنوك اليهودية الكبرى التي تشكل لها أموال مخدرات فغانستان شريان الحياة. والرئيس تدعمه جبهة غير متناسقة تفتقر إلى الترابط، مكونة من بعض قيادات الجيش العليا، وقطاع من الإستخبارات والأمن الداخلى، ومن صناعات السلاح، وإحتكارات النفط التي ترى فى حرب أفغانستان عائقا أساسيا لمرور نفط وغاز آسيا الوسطى عبر أفغانسان إلى العالم.

ومن الواضح أن إحتمال الإنقلاب العسكرى غير مستبعد داخل الولايات المتحدة حاليا حتى أن الرئيس الأمريكى يُهدِّد به فى حال عدم فوزه بالإنتخابات.

وفى أكثر من مناسبة أظهر البنتاجون ـ وزارة الحرب الأمريكية ـ إحتقاره للرئيس وتجاهل أوامره، حتى كشف ترامب عن قوات عسكرية سرية خاصة به، ولا تحمل شارات مميزة، وقام بإستخدامها لقمع المتظاهرين فى أكثر من مدينة أمريكية. وهو أسلوب مقتبس من الأساليب النازية فى ثلاثينات القرن الماضى.

– من الملاحظ تقارب فوق العادة بين الرئيس الفرنسى والرئيس الأمريكى، خاصة فى المعضلة اللبنانية، ولكن لا يستبعد أن هناك خبرة فرنسية تنتقل الآن إلى الولايات المتحدة حول تجربة الجيش السرى الفرنسى فى حرب الجزائر.

فأفغانستان الآن يسيطر عليها ويديرها جنرالات منشقون عن الإستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، ولا يسيطر عليهم أحد. وسيقاتلون لآخر جندى مرتزق حتى تبقى أفغانستان مستعمرة للمرتزقة تنتج الهيروين، وتغسل أموال المخدرات. وتتاجر بأحدث الأسلحة الأمريكية التقليدية وربما النووية وصواريخها قصيرة ومتوسطة المدى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 175 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

"الجيش السري الأمريكي" يهدد أفغانستان وأمريكا نفسها

 




الإحتلال الأمريكى ، الثوابت والمتغيرات : مكاسب دائمة وخطط متغيرة .

الاحتلال الأمريكي، الثوابت والمتغيرات

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 166 ) | ربيع الثاني 1441 هـ / ديسمبر 2019 م .

06/12/2019

 

الاحتلال الأمريكي، الثوابت والمتغيرات :

مكاسب دائمة وخطط متغيرة .

 

ترامب في قاعدة بجرام: رئيس فاشل بين جنود منهزمين، حيث يتاجر الجنرالات كل شيء، من الهيرويين وحتى الرقيق الأبيض.

 

أهداف أمريكية ثابتة :

1 ــ  تحقيق أكبر مكسب مالي من الحرب.

2 ــ  الاحتفاظ بقواعد أرضية بعد الحرب.

 3ــ  إدامة الحرب بطرق أخرى.

الخدعة العسكرية وراء معارك الشمال :

1ـ سحب قوات طالبان بعيدًا عن العاصمة.

2ـ استنزاف طاقة طالبان في أهداف ثانوية على الحدود.

– الاحتلال يحول الشمال إلى مزرعة للميليشيات العرقية، إلى جانب داعش.

–  بدأ العدو في نقل نشاطات الهيرويين من بجرام، نتيجة لضربات طالبان، وأغلق بالفعل بعض الأقسام السرية داخل القاعدة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

 

تجري أمريكا تغييرات على استراتيجيها العسكرية في أفغانستان بما يتناسب مع عجزها المهين عن إخضاع الشعب الأفغاني ومجاهدي الإمارة الإسلامية. ولكن المبدأ الأمريكي الثابت في حرب أفغانستان وفي أي تورط عسكري أمريكي حول العالم، ومهما كانت درجة الشدة، هي:

أوّلا: الاحتفاظ بأكبر مكسب مالي كعائد من المغامرة العسكرية. أي النظر إلى الحرب كعمل اقتصادي يقاس نجاحه أو فشله بمقدار ما يسفر عنه ماليًا من مكسب أو خسارة.

ثانيًا: الاحتفاظ بقواعد عسكرية دائمة. أي الاحتفاظ بتواجد دائم على الأرض، مهما كان رمزيًا، لاستثماره في مغامرات قادمة ضد شعوب المنطقة أو ضد القوى الدولية المنافسة، خاصة روسيا والصين.

ثالثًا: إدامة الحرب بطرق أخرى. فالانسحاب الأمريكي ـ أو التواجد الرمزي ـ لا يعني عودة الهدوء إلى البلد المبتلى، ولكن تستمر الحرب الأمريكية على ذلك البلد بصور أخرى. أهمها الحرب الأهلية بين المكونات العرقية أو الدينية لذلك البلد. وإذا تعذر ذلك أو لم يكن كافيا بالقدر اللازم، تدعمه أمريكا بحرب بين الدول المتجاورة، مهما كانت شدة تلك الحرب منخفضة، لأن المكاسب المالية تضمنها صناعة السلاح الأمريكية على شكل صفقات للدول المتحاربة.

لقد غيرت أمريكا سلوكها العسكري في أفغانستان، وغيّرت أسلوب تناولها السياسي، ولكن المبادئ الثلاث المذكورة آنفًا ستظل ثابته على الدوام. ولنلق عليها نظرة أخرى.

المبدأ الأول: { أكبر مكسب مالي من الحرب}. ومن واقع الرسائل الأمريكية الواضحة أنها تريد ضمانات بالحفاظ على “حصتها من أفيون أفغانستان” قبل أن تنسحب وتترك هذا البلد.

وهو المكسب المالي الأكبر من احتلال أفغانستان، بل وأكبر مكسب على الإطلاق تحصل عليه أمريكا من أي مغامرة عسكرية أو سياسية، أو حتى نشاط تجاري قانوني.

المبدأ الثاني: { قواعد عسكرية دائمة} أي الاحتفاظ بأي مكسب على الأرض لإستثماره في مغامرات لاحقة.

فتحاول أمريكا الاحتفاظ بأي مكسب عسكري على الأرض الأفغانية، على شكل قواعد عسكرية وجوية. لأن أفغانستان تعتبر أهم المواقع الاستراتيجية التي منها يمكن التدخل ضد أعداء أمريكا ومنافسيها الأخطر، وهم: روسيا ـ الصين ـ إيران.

في البداية حاول المحتل الأمريكي أن يُغيِّر توصيف وضعه في أفغانستان من محتل إلى وسيط يحافظ على السلام بين فئات محلية متصارعة، ويرعى حكومة ضعيفة مناصبها موزعة حسب اعتبارات عرقيه ومذهبية، ودستور يحمي حاله التفكك والضعف الداخلي. والعراق هو النموذج الأقرب لما يريده الأمريكيون لأفغانستان . حتى داعش تم نقلها من (العراق والشام) إلى أفغانستان حتى تتطابق التجربتين، على أمل أن تعطي نفس النجاحات. ودستور الحكم الذي وضعه (بريمر) للعراق يوجد نظير له يحكم أفغانستان. الفارق الوحيد هي الإمارة الإسلامية التي قلبت المخطط الاستعماري رأسًا على عقب. والمبادئ الاحتلالية الثلاث أضحت متصدعة ولا تكاد تقوى على الوقوف على قدميها.

المبدأ الثالث: {الحروب الدائمة.. الأهلية والإقليمية} وإذا رأينا التطبيق الأمريكي في العراق ثم في الشام، نجده في الحالتين اخترع داعش لإشعال الحرب الدينية والمذهبية “سنة ـ شيعة ـ دروز ـ علويين “. وساعد وجودها على ظهور ميليشيات عرقية (أكراد ـ عرب ـ تركمان) .

أسلوب عمل داعش يساعد على ظهور كافة المجموعات المسلحة الأخرى، كونه يهدد الجميع، والاحتلال الأمريكي مستعد لدعم الجميع ضد الجميع بما يحفظ مصالحه الدائمة من مكاسب مالية ومزايا استراتيجية. فأينما ظهر داعش ظهرت إلى جوارها ميليشيات مسلحة عرقية ومذهبية. ولا يحدث ذلك بشكل تلقائي تمامًا، بل بإغراء ودعم الاحتلال، وأحيانًا بتصنيعه المباشر كما يحدث الآن في أفغانستان.

  فالاحتلال الأمريكي انسحب تقريبًا من أفغانستان تاركا الحرب تديرها (مرتزقة بلاك ووتر) بإشراف المخابرات الأمريكية.

ولأسباب مالية وأمنية استخدمت بلاك ووتر بمجموعات داعش في صدارة العمل العسكري في مواقع مختارة. فتعداد قوات داعش المشتبكه بالنيران مع الأهالي وقوات طالبان أكثر من قوات بلاك ووتر المشتبكة بالفعل، والتى تدَّخِر قوتها من أجل الهجمات الليلية على القرى  والأهداف المنعزلة والضعيفة حتى تتجنب الخسائر البشرية.

أما داعش فهي مجموعات رخيصة الثمن يسهل تجديدها من معسكر شمشتو للمرتزقة وحثالة المجتمع. لذلك يدفعونها إلى المواجهات الصعبة أمام طالبان لتتحمل الخسائر البشرية.

 

مزرعة للميليشيات في الشمال الأفغاني:

شرع الاحتلال الأمريكي في بناء ميليشيات عرقية في شمال أفغانستان، حيث نقل التركيز الداعشي إلى هناك، ليستكمل مشهد الفتنة مع مليشيات عرقية يشرف عليها أعمدة من النظام الحالي وكبار مساندي الاحتلال مثل(حنيف أتمر) مستشار السابق لأشرف غني لشؤون الأمن القومي. وعبد الرشيد دوستم زعيم الميليشيات المشهور بخدماته للشيوعية والرأسمالية معًا. ويعيد الاحتلال بناء جماعة أحمد شاه مسعود باعتبارها أحد الأجنحة الهامة في الفتنة العرقية المنشودة، ضد الأوزبك والبشتون.

مزرعة الميليشيات تلك دليل على يأس وفشل الاحتلال. لأنه لا يجهل أن المناخ الشعبي في أفغانستان قد تغير ولم يعد كما كان خلال العهد الذهبي لتلك الميليشيات في الحقبة السوفيتية. إن الدول المحيطة بأفغانستان قد تغير موقفها السياسي ونظرتها لما يحدث في أفغانستان. ويمكن القول أن مواقفها أقرب إلى طالبان، لخشيتها من الأهداف الأمريكية الكامنة وراء بعث حطام تلك الميليشيات من جديد. وموقف حكومة كابل وحقيقة عمالتها وضعفها يؤيد ماذهبت إليه الدول الجارة من أن الإمارة هي الحل الأمثل لأفغانستان والمنطقة من حيث الأمن والاستقرار والتنمية.

يؤسس الاحتلال الأمريكي لمراكز جديدة لزراعة الأفيون وتصنيع الهيروين في شمال أفغانستان. وتتوزع مهام حمايتها على الميليشيات التي أسسها ليقاتل بعضها بعضا، ولكن لها هدف مشترك هو (حماية صناعة الهيروين، بثوبها الحديث ومعداتها المتطورة) التي انتقل بعضها من قاعدة بجرام التي يجري تصفيتها بالتدريج ونقل نشاطها إلى عدة أماكن من أفغانستان تحت حماية (الميليشيات) والدواعش.

تلك الخطوة أيضًا تعكس يأس الاحتلال وقصر نظره. صحيح أن تلك الميليشيا ستوفر حماية لكنوز صناعة الهيرويين في مناطقها، ولكن بحكم طبيعتها سوف تلجأ إلى الاستئثار بالعائدات، ولن تقبل بالتقاسم مع الأمريكي الذي يديرها من خلف الحدود مع باكستان، ولا يمتلك قدرة الردع العسكري التي كان يمتلكها أيام احتلاله المباشر لأفغانستان. أي أن الميليشيا ستوجه سلاحها أيضا ضد وكلاء الاحتلال الذين يعملون معها. وستنشب حروب أفيون لطرد النفوذ الأمريكي أو تقليصه بشدة لصالح ملوك الهيرويين المحليين. وهم غالبًا قادة الميليشيات المتحالفين مع  قادة قبليين. ولكن جيوش الهيرويين تلك ستجد نفسها بين نارين: قوات طالبان من خلفها، وحكومات الدول على الجانب الآخر من الحدود. إذن تصفية تواجدها سيكون مهمة أسهل بكثير من دحر الاحتلال الأمريكي قبل ذلك.

عندما يتحقق ذلك السيناريو في أفغانستان فسوف تنتقل العدوى إلى القبائل الباكستانية التي “تستضيف” نشاطا مماثلا فوق أراضيها، مضافًا إليه تواجد أهم قيادات المشروع من أمريكيين وإسرائيليين وإماراتيين وباكستانيين. وفي قمة ازدهار عمل تلك القبائل في المخدرات في عهد الرئيس الراحل ضياء الحق، كانت العلاقة بين القبائل والحكومة مرسومة جيدًا وبدقة. فالحكومة كان لها الجمارك على المادة المنقولة، والعمولة على الصفقات بين تجار تلك القبائل مع المافيات الدولية (كثيرًا ما كان كبار رجال الدولة هم سماسرة تلك الصفقات ويشكلون لوبيات ضغط لصالح كارتلات دولية أو قبلية).

 وبغير تلك المعادلة لا يمكن أن تستمر علاقة أخرى. لذا من المتوقع نشوب حرب أفيون في باكستان أيضًا، لترسم بالدم، حدود لعلاقة جديدة. قد تكون حرب قبلية من النمط القديم، أو حركة مطالب الاجتماعية في ثورة ملونة حديثة، تبدأ بمطالب العدالة والتطهر من الفساد وإزاحة الطبقة السياسية الحاكمة والأحزاب. وفي النهاية السعيدة، بعد ثورة ملونة تحرق ولاتذر، تنتج خريطة لعلاقات واقعية داخل منظومة الهيرويين التي ترسمها أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وتفرضها بالحرب على رقاب  شعوب المنطقة والعالم.

 

لماذا شمال أفغانستان:

يُعطى الاحتلال الأمريكي أولوية كبرى لشمال أفغانستان في الوقت الحاضر. وفي درجة تالية من الأهمية تجيء جلال آباد شرقا، ثم الشريط الحدودي مع إيران، في الطرف الغربي من أفغانستان.

من ناحية عسكرية يهرب الأمريكيون إلى الأطراف ساحبين خلفهم الكتلة الأساسية من الدواعش  والطائرات بدون طيار(درون) والمروحيات.

وهدفهم الأول عسكريا هو جذب اهتمام الطالبان بعيدًا عن هدفهم الاستراتيجي الحالي وهو العاصمة كابول. فبدلًا من تركز قوتهم في قلب أفغانستان لإنهاء الحرب في منطقة القلب يضطرون إلى توزيع قواتهم على الطوق الحدودي. وبالتالي يضعف تركيزهم حول كابول ولا يصبح كافيًا للحسم العسكري.

وفي نفس الوقت يصيبهم الإرهاق واستنزاف الموارد بالتوزيع الواسع لقواتهم على مسافات ومساحات واسعة في الأجواء الباردة للشتاء، بدون أمل في حل المشكلة مع الطيران المعادي.

والخسائر البشرية من المجاهدين والمدنيين في أطراف البلد، بينما كابول آمنة والنظام مستمر، والاحتلال يواصل مؤامراته في الداخل والخارج. وأعوانه الدوليون ـ مسلمون وغير مسلمين ـ يقدمون له شتى أنواع الدعم المالي والتآمري، خارج أفغانستان وداخلها، وصولا إلى أسوار كابول.

 في وقت يحتاج طالبان تركيز قوتهم في الوسط، يحاول العدو خداعهم ليجبرهم على سحبها إلى الأطراف. فتكسب العاصمة وقتًا هي في أشد الحاجة إليه. وتلك أهم خدعة عسكرية يقوم بها العدو حاليا.

أما أهداف العدو في هذه المرحلة من نشاطه الأفيوني، فهي استكمال المرحلة الثانية من إعادة بناء صناعة الهيروين على ضوء تصاعد قوة طالبان وأخذهم زمام المبادرة عسكريا وتضييق حاصرهم على كابول وتصعيد تواجدهم (السري) الملموس في حياة العاصمة. وفي المقدمة يأتي تضييقهم على قاعدة بجرام الجوية وإحداث خسائر مادية وصلت لدرجة أن نقل صناعة الهيروين منها أصبح ضرورة. وبالفعل أغلق العدو بعض الأقسام “السرية” في القاعدة العملاقة.

 

ترامب في بجرام: رئيس فاشل بين جنود منهزمين.

يبيع الجنرالات الأمريكيون كل شيء، بالمعنى الحرفي للكلمة. ويتاجرون بكل شيء بدءا من الهيرويين وصولا إلى الرقيق الأبيض. هناك في قاعدة بجرام وقف ترامب فخورًا بين جنود جيوش العار الأمريكية، التي تنشر الخراب والدمار أينما حلت، سلمًا أو حربًا.

لأسباب انتخابية بحتة زار الرئيس ترامب قواته المتخلفة في بجرام. وقال أن ذلك بمناسبة عيد الشكر ــ وهو عيد اخترعه الأمريكان في بداية استعمارهم لأمريكا، بدعوى تقديم الشكر لله على نجاتهم من المجاعة !! ــ وفي ذلك التفاتة من ترامب إلى أن أفغانستان وصناعة الهيرويين في بجرام أنقذت أمريكا من الإفلاس الذي هددها عندما أوقفت الإمارة الإسلامية زراعة الأفيون. وزع ترامب على أيتامه العسكريين وجبات غذائية، ليحصد بذلك أصوتًا في السباق الانتخابي للرئاسة. لا ندري كيف تم استقباله؟ ــ وهل ما زال في بجرام قاعة تحت الأرض لاستقبال كبار الزوار في زياراتهم الليلية المفاجئة والسريعة للغاية، والتي يستجلب إليها الرئيس الأفغاني بحراسة أمريكية كما تقاد الذبيحة إلى مسلخ البلدية. حيث يوقظه رجال الأمن الأمريكيون من نومه ويخبروه بوصول رئيس أمريكي في بجرام، ثم يسحبوه من قفاه منفردًا بلا حراس ولا مودعين. ووقف الرئيس الأفغاني أشرف غني في صف الجنود خلف ترامب، في موقف مهين لرئيس عينه جيش الاحتلال.

ترامب زار قاعدة عسكرية تليق به وبمقام دولته المحطم. رئيس فاشل في قاعدة عسكرية منهزمة. فالقاعدة في حالة رحيل، وكبار ضبّاطها مشغولون في “بزنس” التصفيات وممارسة التجارة في معدات جيش مهزوم. وجنرالات يحولون الهزيمة إلى فرصة للثراء و(تراكم رأس المال). الجنرالات يبيعون كل شيء بالمعنى الحرفي للكلمة. فالهيروين يتسرب من منافذ وثقوب سرية ويباع للقطاع الخاص. وكذلك تتسرب أسلحة ذات سمعة مهيبة. وحتى تأجير المروحيات للاستخدام في السوق المحلي لأي قادر على دفع الإيجار، وهؤلاء عادة هم تجارالمخدرات الكبار. وفي الجيش المهزوم يتصدع الانضباط العسكري وتتحول المخازن العسكرية إلى بازار مفتوح، وفيه الهيلوكبتر المهيبة يمكن أن تتحول إلى ركشا أو (توك توك) بالإيجار للرحلة أو لليوم. وبعد تحطيم المركز العسكري للدعارة في “القرية الخضراء” التي هاجمها مجاهدوا طالبان محدثين خسائر جسيمة في العسكريين الأمريكان وفتياتهم. فنقل الجنرالات مركز تجارة الرقيق الأبيض إلى قاعدة بجرام مباشرة لتكون في أعلى درجات الأمن والحماية وتحت إدارتهم المباشرة. وتكون على صلة جوية بشبكات الدعارة الدولية كما هو الهيرويين، وعلى نفس الطائرات العسكرية.

 

أين يذهبون بعد بجرام ؟؟

نظريًا كان الانتقال من بجرام إلى جلال آباد هو الاختيار الأول لعدة اعتبارات. ولكن عنف مقاومة جنود الإمارة الإسلامية، جعلت من ذلك عملا خطيرًا للغاية. والدواعش الذين تم استجلابهم من باكستان وبلاد (العراق والشام) انشغلوا بالدفاع عن أنفسهم، وبقتل المدنيين، ولم يستطيعوا الحفاظ عن قواعدهم الأساسية في (تورابورا) وغيرها.

وبدلًا من أن يكونوا سادة الأفيون في الشرق (جلال آباد)، وجد الأمريكيون أنفسهم يُهَرِّبون خام الأفيون إلى باكستان مثل أي عصابة تهريب تعيسة. ولم تقدم لهم داعش الكثير في الحماية على جانبي الحدود. ولما ظهر أن داعش في جلال آباد عبئًا وليست إضافة أو دعمًا، إذ هي نفسها في حاجة دائمة لدعم الطيران الأمريكي والقوات المحمولة من القوات الحكومية والمرتزقة. لذا قرّر الاحتلال إبعادهم إلى مناطق حدودية في الشمال. أظهروا ذلك في إطار عرض مسرحي سيء، للاستفادة الدعائية لتبييض سمعة حكومة الأشباح في كابل. وقبل النقل أظهروا الدواعش وكأنهم استسلموا مع أسلحتهم للحكومة. وبعد العرض الذي لم يكن محبوكا بما يكفي، رحل الدواعش جوًّا للخدمة في مناطق حدودية أخرى شمالًا وغربًا.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

 

حروب وثورات الأفيون القادمة :

الجانب الباكستاني لا يتحمل صناعة تحويلية كبيرة تتعلق بالأفيون، فالذئاب القبلية كثيرة ومتمرسة ولا تقبل الرشوة ــ إلا مؤقتا ــ  ولا ترضى بغير الشراكة !!.

لابد أن يوافق الأمريكيون (والإسرائيليون)على وضع مؤقت بين قبائل الحدود في باكستان، إلى حين استكمال الشبكة الجديدة البديلة عن قاعدة بجرام وأمجادها الأفيونية. فشلت محاولة نقل صناعة الهيروين إلى كونار تحت حماية داعش ورجال حكمتيار صاحب التواجد التاريخي في ولاية كونر، والمرشح لدور مستقبلي ـ أفيوني ـ فيها، هذا لو تمكن من الدفاع عنها ضد طالبان. وهو ما فشل فيه هو والأمريكييون والدواعش حتى الآن.

 الثقل الأساسي لداعش في حقيقية الأمر يوجد في الشمال على حدود طاجيكستان وأوزبكستان. حيث تمكن الأمريكيون من تركيز تواجد لداعش لا بأس به، وهو الأقوى لهم في أفغانستان، بفضل الثقل الجوي الذي منحه الأمريكيون لهم.

في نفس المنطقة من الشمال وعلى حوافها أنشأ الأمريكيون عدة مليشيات عرقية، تحت قيادات مجرية ومشهورة أو في طريقها إلى اكتساب الشهرة والقوة بدعم الطيران الأمريكي وأساتذة المرتزقة في بلاك ووتر والإسرائيليين .

الدواعش مع الميليشيات العرقية في مهمّة لتثبيت رؤوس جسور على نهر جيحون لتأمين اتصال مباشر مع عصابات نقل المخدرات والأسلحة على الجانب الآخر من النهر.

سيذهب الهيروين، وتأتي في المقابل أسلحة ومواد غذائية ونفط ودولارات. ذلك سيخفف كثيرًا من مشاكل الإمداد على تلك العصابات فتتمكن من أعالة نفسها واكتساب مزيد من القوة تحت إشراف المخابرات الأمريكية التي ستضبط حركتهم الأفيونية بالتحكم في العملية التكنولوجية المتطورة لتحويل الأفيون إلى بلورات نقية أو مسحوق هيروين نقي.

زيارة ترامب لقاعدة بجرام تعتبر دفعة لمشروع داعش والميليشيات. جاء ترامب ليستجدي التفاوض مع الإمارة الإسلامية، والتأكد من جنرالات استخباراته في بجرام أن الترتيبات الجديدة لصناعة الهيرويين سوف تحافظ على مستوى عال من الدخل لأمريكا. وأن الخسارة لن تكون تامة وشاملة.

تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإحتلال الأمريكى ، الثوابت والمتغيرات : مكاسب دائمة وخطط متغيرة .

 




الجليد المشتعل فى كابول

الجليد المشتعل فى كابول

الجليد المشتعل فى كابول

 

العناوين: 

– إنذار أمريكى لحركة طالبان :

 إضمنوا نصيبنا من المخدرات حتى نترككم ونرحل ، وإلا مَحَوْنا كابل من الوجود !! .

–  مبدأ ترامب فى أفغانستان : الأفيون لنا .. أو الدمار لكم .

– إقتراح لإخراج أمريكا من مصيدة الأفيون المالية والعسكرية :

 إستصدار قرار من مجلس الأمن الدولى يجيز لحكومة الإمارة الإسلامية فى أفغانستان تصدير الأفيون بشكل قانونى لشركات الدواء العالمية / بما فيها الشركات الأمريكية/ كما تفعل دول مثل الهند . فى مقابل إعتراف دولى  بالإمارة وعضويتها المؤقته فى مجلس الأمن .

– بين السطو الأمريكى على نفط سوريا ، والسطو على أفيون أفغانستان .

– إندثر حلف “وارسو”، والآن مات حلف “الناتو” سريريا، لنفس السبب : أفغانستان .

–  الدفاع عن كابل يتحول إلى يد المخابرات الأمريكية مباشرة .

– إدارة كابل تبيع نفائس العاصمة .. وموسم الغنائم بدأ قبل الفتح .

– أموال مشيخات النفط تتدفق على أفغانستان لوقف فتح كابل وإحداث إنشقاق  فى حركة طالبان .

– تلاعبت قطر بالمفاوضات بين أمريكا وطالبان ، حتى صدمة إتفاق “كامب ديفد” الذى مازال محتواه مجهولاً لدى القيادة الأفغانية.

– المفاوضات فى حقيقتها كانت بين خليل زاد والخارجية القطرية ، وكذلك مؤامرة “كامب ديفد” .

– لا وجود لشئ  فى قطر إسمه (المكتب السياسى للإمارة الإسلامية) . والوفد الأفغانى هناك فى وضعية الإقامة الجبرية .

 

 

حذر وزير الخارجية الأمريكية السابق “ريكس تلرسون” من أن الظروف التى تمر بها بلاده حاليا تشبه كثيرا ما كان سائدا فى الولايات المتحدة إبان الحرب الأهلية الأمريكية . وشدد تلرسون على أن الوضع يحتاج إلى البحث العميق داخل المجتمع المدنى وأن على الطرفين (الديموقراطى والجمهورى) العمل معا.

لم يكن ذلك التحذير فريداً من نوعه . ترامب نفسه حذر من حرب أهلية فى البلاد إذا تمت إزاحته. وفى إعلانه ذاك نعي صارخ لما يسمونه ديموقراطية صادرعن رئيس أقوى الديموقراطيات فى العالم . وهو أيضا أكبر مؤيد للأنظمة المستبدة ، بتأييده العلنى لأسوأ المستبدين ، من أمثال ولى العهد السعودى ، وحاكم مصر .

–  أمريكا ذات الديموقراطية الأكبر، لا يؤمن رئيسها بأكذوبة الديموقراطية . وإقتصادها الأكبر فى العالم هو صاحب أكبر مديونية فى العالم(وفى تاريخ الإنسان !!) .

فقد أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن الدين الحكومى قد تجاوز 23 ترليون دولار!! وقد إزداد بنسبة 17% منذ تولى ترامب الرئاسة فى يناير 2017.

وفى ظل ذلك السقوط المالى تخصص الدولة الأمريكية مبلغ 750 مليار دولار كنفقات دفاع وتحتفظ بوجود عسكرى لقواتها الخاصة فى 140 دولة حول العالم .

ومع ذلك.. فشل الإستعمار الأمريكى فى السيطرة على أفغانستان ومجاهديها بعد مرور 18عاما من القتال الضارى . فقال خبير عسكرى روسى ( تخوض الولايات المتحدة حملة عسكرية ميئوس منها وغيرناجحة على الإطلاق منذ 18 عاما ، وتقوم طالبان بتوسيع تواجدها وسيطرتها على الإقليم ). وإضاف الخبير ( إن بعثة حلف الناتو فى أفغانستان فشلت فى تحقيق نجاح مهم ) .

 

أفغانستان .. مرآة الإنحدار الأمريكى :

الوضع فى أفغانستان صورة مجسمة للإنهيار والتدهور الشامل الذى تعانى منه الولايات المتحدة ليس عسكريا وسياسيا فقط بل أخلاقيا وثقافيا أيضا .

وحتى إعتمادها الإستراتيجى على (الحلفاء) لتَحَمُّل صدمات الحرب ، والإنفاق عليها، تعرض هو الآخر للتصدع وإنكشفت ضحالة جدواه . وكذلك (سلاح الإرهاب الإسلامى)، متمثلا فى قوات داعش ، لم يضف الكثير ولم يغير شيئا فى مسارات السقوط الأمريكى .

الإنحدار الأمريكى يعنى إنحدارا أكبر لحلفائها فى تلك الحرب، وعلى رأسهم إسرائيل ومشيخات النفط العربى . وقبل التفصيل فى جبهة الحلفاء نتكلم على آخر تفاصيل صورة المأزق الأمريكى نفسه فى أفغانستان .

لا مجال للحديث عن سيطرة أمريكية (مباشرة أو غير مباشرة) على أراضى أفغانستان . وحتى المناطق والمدن التى ينفقون المليارات للحفاظ عليها أصبحت مثل قِرْبَة بها ألف ثقب تتسرب منها الأموال والأسلحة إلى طالبان والشعب المحيط بتلك المناطق . لذا فهى مصدر تمويل للمجاهدين ومصدر رزق للأهالى . لو توقف الأمر عند هذا الحد لهان شأنه، ولكن القتل والتدمير المستمران ضد قوات الإحتلال وحلفائها ، يحوِّلان المشهد إلى حرب إستنزاف يائسة تماما ، تهدد بخراب دولة الإحتلال، وسوف يستمر تأثيرها إلى ما بعد الإنسحاب، وإلى أن تنهار تماما ـ كما حدث للسوفييت ـ أو أن تتراجع قيمتها الدولية من الصدارة إلى الدرجة الثانية أو الثالثة، كما حدث لبريطانيا بعد إندحارها النهائى من أفغانستان عام1919 .

 – وكما إنهار حلف وارسو فى أعقاب الهزيمة السوفيتية فى أفغانستان وبسببها ، نرى الآن حلف الناتو وقد توفى عمليا قبل الإعلان رسميا عن إنسحاب أمريكا من أفغانستان ، رغم أنها خسرت الحرب عمليا. والآن تشرف عليها بجهاز الإستخبارات، بينما الحرب يخوضها مرتزقة “أريك برنس” وبن زايد وإسرائيل . ولكن حلف الناتو قد تفكك عمليا ولنفس السبب الذى أودى بحلف وارسو، أى الهزيمة فى أفغانستان بعد حرب طويلة كلفت الحلف كثيرا من الأرواح والأموال والمعنويات . أو كما قال الرئيس الفرنسى مؤخرا أن حلف الناتو قد “مات سريريا”. وأكد على كلامه وزير الخارجية الأمريكى الذى قال ” حلف الناتو عفا عليه الزمن ويواجه الإنقراض”، داعيا الأوربيين إلى تحمل عبء تمويل الحلف ونفقاته. وتلك هى نظرة السمسار ترامب التى لا يرى فى أى مشكلة إلا جانبها المالى .

– تحارب أمريكا فى أفغانستان بجنود حلفائها ومرتزقتها فى عدة مواقع تعتبرها حيوية كأوراق مساومة فى أى مفاوضات قد تأتى مع الإمارة الإسلامية. وحتى فى تلك المواقع والمدن إهتز موقف الإحتلال كثيرا .

بالطبع تأتى العاصمة كابول فى الصدارة ، كونها المركز الأهم للإدارة الحكومية والسيطرة الأمريكية المعلنة والسرية . وعلى قمة كابل تتربع قاعدة بجرام الجوية ، أكبر قاعدة أمريكية فى البلاد (وأكبر قاعدة سوفيتية سابقا ــ وعاصمة العالم حاليا فى تصنيع وتصدير الهيرويين) .

فما هى الصورة الحالية لكابول . وإلى أين تأخذها دوامة الحرب التى يخسرها النظام الحاكم ، وحُماتُه الأمريكان .

 

حرب الإغتيالات :

” طالبان هم سادة كابول ، ولا ينقصهم سوى رفع أعلامهم عليها” .. هذا هو رأى أحد المقيمين فى العاصمة ، معبراً عن حقيقة يدركها الجميع هناك .

 لقد فشل النظام الحاكم فى الحفاظ على عاصمته ، أو إبعاد حركة طالبان عنها . حتى أصبح وجودهم المدنى علنيا . وبعض التواجد المسلح إتخذ طابع التحدى أحيانا ، بمرور سيارات تحمل مسلحى طالبان يعبرون العاصمة من طرف إلى طرف آخر، ولسان حالهم يقول (هل من مبارز؟؟).

العمليات الخاصة أصبحت أعقد وأخطر، ضد أهداف عسكرية وأهداف إستخبارية تعشش فى أوساط المدنيين تحت غطاء يصعب كشفه .

ومؤخراً أصبح معلوماً فى كابول أن مهمة الدفاع عن العاصمة والإشراف على إدارتها قد تحولت إلى المخابرات المركزية الأمريكية ، ولم تعد مسئولية السلطات الأفغانية. فزاد إستهداف عناصر المخابرات فى شوارع العاصمة . سواء منهم الأجانب أو المحليين العاملين مع الإستخبارات الأمريكية .

مختلف الرتب إستُهدِفَت فى شوارع كابول أو فى مكاتبهم أو حتى داخل بيوتهم . فانكمش الوجود الإستخبارى خلف جدران الرعب مفسحاً المجال لمزيد من ظهور طالبان وسط هالة من الإحترام والهيبة داخل العاصمة . رغم ذلك يواصل جهاز الإستخبارات الأمريكى توسيع أفرعه المحلية بشكل كبير ، وكما وعد ترامب فإن بلاده تعمل على الإحتفاظ بتواجد إستخبارى ضخم فى أفغانستان بعد الإنسحاب.

– لا ينقص طالبان الشجاعة أو روح الإبتكار . لكن حرب الإستخبارات تحتاج إلى ما هو أكثر وهو المعلومات ، التى توفرت وتدفقت على طالبان . فى الأساس نتيجة أخطاء الإحتلال الأمريكى والإدارة العميلة فى تعاملهم مع المجتمع الأفغانى .

–  فى ظل حرب الإستخبارات بين طالبان والمخابرات الأمريكية فى العاصمة ، زادت حدة حركة الإغتيالات على الجانبين ، حتى صارت هى الشكل الأكثر شهرة فى ذلك الصراع . ولكن كفة طالبان كانت هى الأعلى نتيجة جرأتهم وتوافر المعلومات كما ذكرنا. إلى جانب تغلغلهم الكبير فى النسيج الإجتماعى وكافة الطبقات الشعبية ، وحتى داخل الأجهزة الحكومية بما فيها الجيش والإستخبارات مستفيدين من أجواء الرعب والإنهيار وفقدان الثقة فى المستقبل داخل قيادات الأجهزة السيادية . ويأتى ذلك التفوق رغم إمتلاك العدو لطائرات “الدرون” بأعداد كبيرة وهى أداة رئيسية فى عمليات الإغتيال. ومعلوم تلك النصيحة التى وجهها بن زايد للأمريكيين لتكثيف عمليات الإغتيال ضد قادة طالبان للحصول منهم تنازلات .

 

شرط أمريكى لتسليم كابول لطالبان : الأفيون لنا .. أو الدمار لكم !! .

للولايات المتحدة شرط أساسى حتى تترك كابول للإمارة الإسلامية وقوات طالبان . وهو الحفاظ على “حقوق أمريكا” فى أفيون أفغانستان . هذا وإلا بالتعبير الأمريكى (سنمحو كابول من الوجود)!!. وهو تهديد نووى مبطن، يتماشى مع ما قاله ترامب عن إمكانية إبادة عشرة ملايين أفغانى ، وإنهاء الحرب خلال أيام إذا إستولى طالبان على العاصمة بدون تقديم ضمان لتحقيق ذلك الشرط .

ليس معلوماً على وجه الدقة مقدار تلك الحقوق الأمريكية فى أفيون أفغانستان ؟؟. وهل تريد أمريكا نسبة ثابتة من الإنتاج؟. أو كمية ثابتة من الأفيون مهما كانت ظروف الإنتاج؟. وهل ستقوم بتصنيعها فى أفغانستان كما يحدث حاليا ؟ وأين سيتم ذلك ؟.

وهل يكون ذلك مدخلا للحفاظ على قاعدة جوية كبيرة مثل بجرام؟، أو هى بجرام نفسها، ليستمر التصنيع، والنقل الجوى بطائرات النقل العسكرية كما يحدث حاليا ؟.

الكثير من الأسئلة تتفرع من ذلك الشرط الشيطانى ــ ولكن التطمين الأمريكى واضح ضمناً ــ ويقول(إن فعلتم ذلك فلا مانع لدينا أن تحكموا أفغانستان) .

– ذلك المطلب يستجيب لمخاطر تهدد الأمن الداخلى الأمريكى فى حال إنقطعت عن السوق المالى مئات المليارات الناتجة من دخل هيرويين أفغانستان سنويا . وربما عجل ذلك بإنتقال  الحرب من أرجاء أفغانستان إلى أنحاء الولايات المتحدة، المحتقنة إجتماعيا وعرقيا ودينيا وسياسيا . وهذا ما يُحَذِّر منه عقلاء من أمثال تلرسون . ولهذا يهذى ترامب بحرب نووية ضد طالبان إذا لم يسلموه “حَقَّهُ” من الأفيون.

– تعلم أمريكا أن طالبان لن يتراجعوا أمام التلويح بإزالة كابول من الوجود (ضمناً هو تلويح نووى) كما لم يتراجع المجاهدون عن فتح خوست عام 1991 رغم ما قيل عن تهديد روسى بضربة نووية .

لهذا دعم الأمريكيون التهديد الأول بتهديد إضافى ، حين قالوا { لن يعترف بكم أحد إذا إقتحمتم كابل وأخذتم الحكم والسلطة السياسية . و سَنُبْقى الحرب عليكم إلى الأبد بإستخدام الميليشيات والمرتزقة}.

وفى الأساس تلك هى صورة الحرب الدائرة الآن ، حرب الميليشيات والمرتزقة . ميليشيات محلية بعضها موروث من العهد الشيوعى ، وبعضها جديد أسسه الأمريكيون على أسس عرقية وطائفية ، لتقسيم المجتمع والدولة إن أمكن .

أما المرتزقة فأبرزهم (بلاك ووتر) فى ثوبها الدولى الجديد، من تأسيس ولى عهد أبوظبى والمرتزق الدولى (أريك برنس) مؤسس بلاك ووتر وأمثالها .

أما داعش فهى فصيل قائم بذاته يجمع مزايا الميليشيات والمرتزقة، وتديره المخابرات الأمريكية بواسطة حكتيارــ الزعيم الأصولى ــ ومجموعة من كبار ضباط الأمن الأفغان. وداعش فى أفغانستان حاليا يمثل أزمة تتطور نحو أبعاد خطيرة، ولها تفصيلات حساسة تمس جميع دول المنطقة، سوف نؤجلها إلى حديث لاحق .

والقوام البشرى لداعش به أفغان ـ والبعض من الطاجيك والأوزبك ـ ولكن الأغلبية جاءوا من معسكر (شمشتو) فى بيشاور. والذى يجمع حثالة بشرية نادرة المثال من المجرمين والمدمنين والقتلة المأجورين ، وكلهم تحت سيطرة جماعة حكمتيار وإشراف المخابرات الباكستانية ISI .

 

ترامب : أحب النفط .. (أحب الأفيون؟!) .

{ نترك لكم أفغانستان ولكن إضمنوا لنا نصيبنا من الأفيون..هذا وإلا سنمحوا كابل من الوجود إذا إستوليتم عليها قبل أن تقدموا هذا الضمان .. ولن نترككم تحكموا أفغانستان بهدؤ، فسوف نفرض عليكم حربا دائمة بالمرتزقة والميليشيات.. ولن يعترف بكم أحد من دول العالم }.      هذا هو ملخص الموقف الأمريكى من حركة طالبان حتى هذه اللحظة. ولم يترك ترامب أى إلتباس فى مبدأ تعامله مع الشعب الأفغانى ، وهو : الأفيون لنا أو الدمار لكم .

إنها نهاية لمغامرة فاشلة بدأت بغطرسة عسكرية وانتهت بتسول مشفوع بتهديد نووى ، وتهديد بحروب العصر : حروب المرتزقة .. والعزلة الدولية والإعلامية .. والحرب الإقتصادية و”العقوبات المالية”.

أرادت أمريكا شيئا آخر فى بداية الأمر. أرادت سيطرة تامة على الأرض الأفغانية بثرواتها الهائلة ، وعلى رأسها محصول الأفيون. فهاجمت مناطق زراعته بمعظم طاقتها العسكرية، فصارت تلك المناطق هى مركز الحرب . فأحرزت مكاسب لكنها لم تكن حاسمة فضاعت من بين أيديها مع الوقت، فاستعاد الشعب الأفغانى السيادة على معظم أراضيه فى تلك المناطق المركزيه فى مسيرة الحرب وأهدافها . ورغم العديد من القواعد التى أقامها الأمريكيون محاولين فرض سيطرتهم على الأرض الزراعية وتجميع الأفيون بالقوة العسكرية وتصنيعة فى تلك القواعد بتحويله إلى الهيرويين. فتلك القواعد نفسها أصبحت محاصرة وبالكاد تحافظ على وجودها، وحملاتها على ما حولها من أرياف ظلت ضئيلة النتائج ومؤقتة التأثير.

الجيش الأمريكى فشل فى إخضاع معظم أراضى الأفغان . والمرتزقة الذين تولوا زمام الحرب بديلا عن الجيش ، كانو أكثر فشلا لأن فظائعهم خدمت المقاومة الجهادية لحركة طالبان وزادت من شعبيتها وتأييد الشعب لها .

– الحملة الصليبية العظمى التى شنتها الولايات المتحدة على العالم الإسلامى بعد حادث 11سبتمبر وتوجيه ثقلها إلى العالم العربى (الشرق الأوسط!!) تحت إسم الفوضى الخلاقة، أى المجازر والفوضى التى ينبت منها (شرق أوسط جديد) تقوده إسرائيل ، وتكون ثروات النفط والغاز فى القبضة الأمريكية أولا ثم إسرائيل كشريك أول .

فى العراق إستولى الإحتلال على ثروة العراق من الذهب والأموال ، ويقال أنه يستولى إلى الآن على ثلث عائدات النفط(كثمن) لإسقاط نظام صدام .

فى سوريا أعلن ترامب مؤخرا أنه إستولى على حقول النفط والغاز فى شمال شرق سوريا ـ رغم إعلانه المسبق عن نيته الإنسحاب من سوريا (حوالى 1000 جندى !!). وفى منطقة النفط شرق سوريا يسعى الأمريكان إلى إنشاء قاعديتن عسكريتين جديدتين .

وبعد أن كان ترامب يكرر دوما كلامه عن الإنسحاب من سوريا فإذا به يطير فرحاً ويقول (قمت بتأمين النفط والغاز) ، ويتباهى قائلا بتفاهته المعهودة :(أنا أحب النفط) (قمت بتأمين النفط). ومثل رئيس عصابة من اللصوص يقول بأن داعش إستفادت سابقا من النفط وأن دوره جاء الآن ليستفيد منه!! ..ويقول:(لندع الأتراك والأكراد يتقاتلون مع بعضهم البعض، ولندع كل من على الأرض السورية يتقاتلون ، ونحن نأخذ النفط). ويواصل الجيش الأمريكى تسيير قوافل النفط السورى المنهوب تحت حراسته عبر الحدود ليتم تكريره وتسويقه فى تركيا .

وهذا يشبه ــ مع الفارق الكبيرــ رؤيتهم لنهب الأفيون الأفغانى وتهريبه بعد تكريره فى أفغانستان نفسها. ولن يتنازلوا عن حيازة قاعدة جوية (أو أكثر) لتصنيع الهيرويين وتصديره إلى العالم ، وتصدير الدولارات القذرة ليتم تنظيفها فى مغاسل حول العالم. فى أمريكا نفسها وفى إسرائيل، وفى دولة الإمارات .

 

الثلج المشتعل فى كابول :

حكومة كابول ـ وسكان العاصمة أيضا ـ يتوقعون سقوط المدينة هذا الشتاء .الإحتمال مازال قائماً ، وإلى جانبه مجموعة متلاطمة من الإحتمالات التى تغذيها أوضاع النظام وأوضاع السكان فى العاصمة وباقى البلد. وجميعها يشجع على الإعتقاد بأن هذا الشتاء فى كابول سيكون مشتعلاً، وأصعب مما واجهته العاصمة فى أى وقت حتى فى زمن السوفييت .

– قد تستسلم المدينة قبل أن تسقط بعمل عسكرى ذو طبيعة خاصة جدا ، ناجم من توازن عسكرى فريد حتى على مستوى العالم المعاصر، فيما بين جهاد شعبى حقيقى، وبين حرب حديثة من (الجيل الخامس): أى حرب التخمة التكنولوجية والإفلاس الأخلاقى .

 حرب يكون فيها أكثر الأماكن أمنا للمجاهدين هو الأقرب ما يمكن من العدو، أو على مرمى”المسافه صفر” حسب البعض . فبعضهم يقيم داخل معسكرات العدو فى إنتظار الأوامر بشن هجومه الخاص من داخل صفوف العدو. يمكن قول الشئ نفسه عن التواجد “الإنغماسى” فى باقى الأجهزة . ناهيك عن الهيمنة على شوارع العاصمة، على مسافات قريبة من دوريات العدو، بحيث يمكن الإشتباك معها بالأسلحة الخفيفة أو بالسلاح الأبيض.

حرب بلا جبهات أو خطوط فاصلة. حرب يصنفها الأمريكيون فى أدبياتهم الفارغة “بحرب الجيل الخامس”. ويصنفها المجاهدون بأنها “حرب إذلال” لآخر إمبراطوريات الحروب الصليبية.

 

إستراتيجية الحصار بالثلج :

المخابرات الأمريكية تحمى العاصمة كابول وتشرف على إدارتها . بل أنها تشرف وتدير حرب أفغانستان كلها منذ عدة سنوات . وبالذات بعد وصول الفاشل ترامب إلى البيت الأبيض. وبما أنها ومنذ لحظتها الأولى كانت حرب أفيون ، إستكمالا لحربين ضد الصين خاضتهما الولايات المتحدة تحت ظل بريطانيا العظمى فى القرن التاسع عشر .

وترامب كان راغبا فى إستنساخ التجربة البريطانية كلها، بما فيها تجربة “شركة الهند الشرقية” البريطانية، وأسلوبها الإجرامى الإرتزاقى، بتحويل الهند إلى مزرعة أفيون عظمى.

مستشاره الإستراتيجى(ستيف بانون) زَيَّن له الفكرة ، وتولى (إريك برنس) الزعيم الروحى ومؤسس الإرتزاق العسكرى الحديث، تكوين قوة إرتزاقية بالإشتراك مع بن زايد ، للتخديم على حرب أفغانستان وباقى حروب أمريكا فى الشرق الأوسط وخاصة فى اليمن .

 – مخابرات ــ ومرتزقة ــ وأفيون ــ وأموال نفط الخليج ــ ذلك هو الهيكل العام لحرب أمريكا فى أفغانستان حاليا . وإذا تحدثنا عن المخابرات فالمعنى بها ذلك الإندماج القائم عمليا بين المخابرات الأمريكية CIA والموساد الإسرائيلى . ويكفى ذكر أحدهما فى أفغانستان ليكون الآخر معنى أيضا .

 –  إفشال قدرة المخابرات الأمريكية على إدارة كابول أو الدفاع عنها ، من الطبيعى أن يكون هدفاً لحركة طالبان ، ولكنه أيضا مبعث سرور لقطاع هام من العسكريين والأمنيين الأفغان الذين شعروا بالإهانة من تجبر الأمريكيين وتعاليهم على نظرائهم الأفغان . وتلك ثغرة فى دفاعات كابول.

ويرى طالبان أن الثلج سيكون حليفهم فى هذه الجولة ، وسيكون أداة لحصار العاصمة . ولأول مرة يعمل (الجنرال ثلج) إلى جانبهم فى أى حرب . وهذه المرة لهزيمة الأمريكيين والإطباق على العاصمة .

لن تستطيع CIA أن تحفظ الأمن فى العاصمة ولا أن توفر متطلبات المعيشة المريحة لقواتها ولسكان العاصمة فى نفس الوقت . فأبراج الكهرباء الرئيسية أحدها محطم، وقد تصبح بمجموعها محطمة أو معطلة . وكذلك إمدادات الوقود ، وخدمات الإتصالات . وحركة التجارة ربما تصبح بطيئة جدا وتحت السيطرة المحكمة من كمائن طالبان حول العاصمة وعلى الطرق القادمة إليها من باقى المدن أو حتى من خارج أفغانستان .

دوريات الجيش والمخابرات من الآن موضوعة تحت المتابعة الدقيقة داخل العاصمة . وشل فعاليتها متاح فى أى وقت تراه حركة طالبان مناسباً .

والطيران الأمريكى ربما يلبى مطالب تموين القوات الأمريكية فى الشتاء ، ولكنه لا يستطيع إعالة عدة ملايين من سكان العاصمة الخاضعة لحكمه العسكرى ولكن الموالية لطالبان . لهذا يسارع الأمريكيون إلى التهديد بمحو العاصمة تماما .

 

غنائم ما قبل الفتح  :

ليست العجيبة الوحيدة أن يعمل(الجنرال ثلج) لصالح المجاهدين فى أفغانستان. ولكن عجيبة أخرى تعمل الآن فى أفغانستان وتحديدا فى عاصمتها كابول .

فمن المعروف ان الغنائم تأتى نتيجة للفتح . ولكن هذه هى المرة الأولى التى تكون غنائم مدينة كبيرة فى حجم العاصمة كابول تسبق عملية الإستيلاء عليها .

بشكل غير مباشر أطال ذلك عمر النظام الحاكم . فكميات الغنائم ضخمة ومتنوعة وتستفيد منها قطاعات عديدة مؤثرة ، سواء فى النظام الحاكم، أو تجار كابول ، أو القبائل المحيطة بالعاصمة ، أو تجار البلد عموما .

 بإختصار .. فإن أكابر النظام يبيعون بأرخص الأسعار كل ما يمكن أن تصل أيديهم إليه. ومن بين طالبان من يرى التمهل فى الفتح إلى أن تسنزف غنائم ما قبل الفتح ، خاصة وأن معظمها مختفى فى مسارب يصعب إكتشافها .

فالجنرالات مهوسون بالسطو على أموال الدولة ، وتحويل الممتلكات إلى دولارات تمهيدا للفرار . وإستخلاص أموال المخدرات المختفية فى مخابئ سرية ، وأخذها حتى من خزائن البنوك ، تمهيداً لفرار مريح إلى الخارج .

أما الممتلكات العقارية من أراضى وبنايات وتجمعات سكنية ــ وهى وسيلة رئيسية لغسيل أموال المخدرات ــ فقد بدأ الكبار بالتخلص مما يخصهم منها، بالبيع وتحويل أثمانها إلى حساباتهم البنكية فى الخارج .

الممتلكات والمنقولات المنزلية والتجارية يتخلص منها الكبار والنافذون فى النظام ، والذين على ثقة من أن العقوبة ستنالهم يوم الفتح .

لهذا فإن التجارـ فى معظمهم ـ من دعاة التريث فى فتح المدينة، لحين الفراغ من شراء الغنائم الكثيفة المصاحبة للسقوط المبكر للعاصمة .

 

تلاعب قطر بموضوع المفاوضات :

الإمارات وقطر والسعودية ، تعتبر من أهم أدوات العمل ضد الشعب الأفغانى وإفشال جهاده. فيشترك الجميع فى إنفاق مليارات الدولارات فى الساحة الأفغانية للتآمر السياسى ، ومحاولات أحداث إنشقاق بين الإمارة الإسلامية وقواتها الضاربة(حركة طالبان). وشق صفوف مجاهدى طالبان وبث الفرقة بينهم سواء على أساس قَبَلي، أو من ناحية المسار السياسى للجهاد.

وشراؤهم مناصرين للرؤية الأمريكية لمستقبل لأفغانستان ، وهى : بقاء الإحتلال الأمريكى، وتشكيل حكومة مشتركة بين مختلف الطوائف الأفغانية ، وفق دستور الإحتلال .

– الأموال النفطية وصلت إلى محيط كابول لشراء قوى مؤيدة لمبدأ عدم إسقاط العاصمة . ولا يمكن الإستخفاف بخطورة التدخل الإستخبارى “للمستوطنات الخليجية” ـ خاصة قطر ـ فى شئون المجاهدين الأفغان . فكمية الأموال التى دخلت أفغانستان من أجل تمويل فتنة بين المجاهدين تنذر بالخطر، مهما كان الخطر الآن ضئيلا .

فتلاعب قطر بموضوع المفاوضات بين الأمريكيين والإمارة الإسلامية بلغ حد الإقتحام المكشوف ، وإنتهى بمؤامرة (كامب ديفد). والإتفاق الذى قالوا أنه جاهز للتوقيع هناك بين ترامب وأفراد من (المكتب السياسى للإمارة الإسلامية فى الدوحة!! )، ظهر أن الإمارة لم تكن تعلم عنه شيئا ، ومازالت القيادة تجهل محتوياته.

– ثم الخدعة الأكبر والمسماة المكتب السياسى للإمارة الإسلامية فى قطر . حيث لا مكتب هناك ولا إعتراف  قطرى بغير حكومة كابول الرسمية، التى ضغطت لنزع علم الإمارة من فوق”الفيلا” التى كان يشغلها المكتب . كما ضغطت لحذف إسم”الإمارة الإسلامية”. وبتأييد أمريكى إستجيبت جميع مطالب حكومة كابول . وإنتهى المطاف بالمكتب السياسى ليكون مجرد مضافة يجتمع فيها أفراد من حركة طالبان ، من المقيمين فى قطر أو الوافدين إليها فى مهام بعضها رسمى مرتبط بالإمارة ، وبعضها الآخر شخصى .

أما أعضاء (المكتب السياسى) المغدور به ، فقد تم تجميعهم فى مجمع سكنى تتم فيه مراسم إجتماعية أفغانية . كما إستخدم كمدرسة لتعليم أطفال الأفغان فى قطر العلوم الشرعية طبقا للمذهب الحنفى . ومؤخرا تم تخريج دفعة من الأطفال من حفاظ القرآن الكريم ، وإلباسهم العمائم فى حفل خاص . لم ينقص الحفل إلا طائرات “الدرون” الأمريكية لتقصف الحفل وتقتل الأطفال والأهالى، كما هى عادتهم فى أفغانستان.

ورغم قرب القاعدة الأمريكية الجوية فى “العديد”، لكن يبدو أنها تكن جاهزة بطائرات الدرون. وقاذفات B52 تعتبر أكبر من اللازم . إلا إذا كان المطلوب هو تدمير الدوحة كلها فى طلعة جوية واحدة ، وليس مجرد دمير روتينى لحفل تخرج لأطفال أفغان، من حَفَظَة القرآن الكريم .

– واقع مفاوضات الدوحة هو أن الخارجية القطرية هى التى إستولت فى النهاية على العملية التفاوضية وحاولت توجيهها طبقاً للأهداف الأمريكية . ولكن الإستعجال أفسد (الطبيخ السياسى) . وترامب إكتشف هو والقطريون أنهم يفاوضون أنفسهم ، وسيوقعون فى كامب ديفد على صفحة ماء، فى مقابل أشباح لا وزن لهم، أقْتُطِعوا من شجرتهم الأفغانية .

فاوض الأفغان فى قطر مع خليل زاد تحت الرقابة القطرية، ومن وضعية الإقامة الجبرية.  وتمت الإجتماعات فى الخارجية القطرية وبتدخلها المكثف.

 

التورط الخليجى فى أفغانستان :

إلى أفغانستان أرسلت المستوطنات الخليجية عناصر إستخبارية للتعاون مع CIA ، وتحديدا مع الموساد . وتخصصت مستوطنة الإمارات فى ملف المخدرات مع الموساد ، خاصة فى باكستان التى تحتل مكانة هامة فى خريطة المخدرات الجديدة، بعد أن سقط نظام كابول عملياً ، واقتراب سقوطه رسميا .

– الإمارات فى وضع متقدم داخل أفغانستان فى تحالفها مع إسرائيل والإحتلال الأمريكى على مستوى دورها الرائد فى غسل أموال الهيروين فى بنوكها، وفى سوقها المحلى، وأسواق خارجية خاصة فى شواطئ أفريقيا الشرقية ، وفى مصر حيث يدخل بن زايد فى صفقات حساسة لشراء أصول الدولة المصرية ، وإقامة المشاريع الوهمية والسياحية بمليارات الدولارات ، تذهب عمولاتها إلى جيوب “جنرالات خراب المحروسة” .

–  رأس الحكمة فى التورط الخليجى هو خشية تلك الأنظمة من إنسحاب أمريكا وإسرائيل من أفغانستان ، فيضعف بذلك مركز أنظمة المشيخات وتصبح فى مهب الريح . فإن لم تطح بها شعوبها فسوف تستبدلهم إسرائيل بحكومات من الأقليات الوافدة من خارج العالمين العربى والإسلامى، والتى أصبحت تشكل الأغلبية العددية من السكان .

والنفط سيذهب إلى شركات عملاقة متعددة الجنسيات تستقر بمعظمها فى يد اليهود وصهاينة المسيحية . وستبدأ الرحلة بالنفط السعودى الذى سيباع مع شركته العملاقة (أرامكو)، والباقى أسهل ، وصولا إلى جميع نفط وغاز المنطقة. ومصيره الوقوع فى قبضة الشركات متعددة الجنسيات والمال اليهودى. ولا عزاء لعرب أو مسلمين .

– يبدو أن الإمارة الإسلامية تتبع سياسة الصبر غير المحدود مع زعران المستوطنات الخليجية ، لأن الإمارة لديها ما يزيد عن حاجتها من الأعداء الخارجيين . فصبرت على تجاوزات الغرور الوقح الذى أشتهر به حكام المستوطنات . ولكن مقاتلو طالبان فى الداخل لا يصبرون طويلا على نشاطات الجواسيس ودعاة الفتنة وحاملو حقائب البترودولار، يشترون بها ماعجز الغزو الأمريكى عن تحطيمة .. وهو إسلام الأفغان .. وعشقهم للجهاد والإستشهاد .. وصولا إلى النصر الكامل غير المنقوص .

 وكما للخيانة سفهاء ، فللجهاد رجال لا يعرفون المستحيل .

 

إقتراح حل وسط : إعتراف دولى ، وتصدير قانونى للأفيون .

لأسباب كثيرة لن تستطيع الولايات المتحدة تدمير كابول . لأن أفغانستان هى(قلب آسيا العظمى القادمة)، أسيا المستقبل القريب ذات الأغلبية السكانية والإقتصادية لعالم اليوم . وفى عضون عقدين من الزمن قد تصبح مركز القوة العسكرية أيضا.

وهناك أسباب دولية عديدة أهمها عزلة أمريكا وفقدان قيمتها المعنوية والثقة السياسية ، والتشكك فى النظام الإقتصادى الذى تفرضه على العالم بالإبتزاز السياسى تحت مظلة قوتها العسكرية الطاغية .

لن يقف أحد مع الولايات المتحدة فى أى إجراء ضد أفغانستان . لقد شاركوها عدوانها الأول على أفغانستان . والآن لا أحد سيكرر المأساة غير فلول المرتزقة من مجرمى الحرب والحثالات الإجتماعية واليائسين إقتصادياً .

– عجزت أمريكا عن إحكام بنيان المرحلة الثانية من حربها على أفغانستان . وهى مرحلة أخذت تشكلها جديا منذ 2017 فى بداية العهد “الترامبى” .

تتميز المرحلة بالتعقيد الشديد ، وعدم التركيز الجغرافى وتفكك التحالفات الداخلية التى يرتكز عليها الإحتلال . والأهم فقدان الثقة الداخلية فى معسكر الإحتلال . سواء الأمريكى أو الشركات(بلاك ووتر)وغيرها ، أو العملاء المحليين .

فى المقابل، تصاعد غير مسبوق فى قوة حركة طالبان ، وتوثيق علاقاتها الإجتماعية، وتأكيد وضعها كحركة جهادية شعبية شاملة ليس لها نظير فى العالم الإسلامى .

وخارجيا طورت طالبان علاقات مع أهم القوى الإقليمية من حولها رغم الثقل الأمريكى الذى يدعم حكومة كابل فى المجال الخارجى.

أمريكا تزداد غرقا فى(المستنقع الأفغانى) الذى يبتلعها يوما بعد يوم حتى بات خروجها مشكوكاً فيه ـ لعدم قدرتها عليه بدون كوارث قد تصيب الوطن الأمريكى نفسه “حرب أهلية”.

– زاد التورط الأمريكى نتيجة مطامع جديدة أحيت لديها أمل الإستمرار فى الإحتلال ، خاصة مع تدخل مستوطنات الخليج بمليارات النفط من أجل التأثير على الداخل الأفغانى ، بل ومحاولة غزو الأوساط الإجتماعية المنخرطة فى حركة طالبان أو المتحالفة معها . وإعطاء جرعة أكبر لتثبيت داعش على الساحة الأفغانية لتصبح هى العقبة الأهم أمام طالبان .

وأيضا تأخر قرار الفرار الأمريكى ، لإعطاء مزيد من الوقت لبرنامج الإغتيالات الذى إقترحته الإمارات وتشارك فيه بالأموال والمرتزقة، تحت قيادة سيدها الإسرائيلى الجديد .

برنامج الإغتيالات المزود بقدرات التكنولوجية متقدمة، مازال يطمع فى(ضربة حظ) تغير مسار التاريخ . وذلك إفتراض مستحيل ، لأن حركة الجهاد فى أفغانستان نجحت فى إنتاج أعداد كبيرة من القيادات العسكرية والسياسية على كافة المستويات . وقيادات الصف الأول يوجد خلفها فى الصف الثانى، عشرات من القادة المحتملين الذين لا يقلون كفاءة ولا قدرة .

لهذا فإن كل عملية إغتيال مع أنها تعنى نزيفا لدماء غالية، فإنها تعنى أيضا تجديد الدماء وشحذ العزائم وتصعيد الروح الهجومية لدى المجاهدين والشعب .

–  لإخراج أمريكا من تلك الدوامة التى لا نهاية لها إلا بإنسحابهم الكامل ، مع جميع عملائهم ، يمكن تقديم طوق نجاة للأمريكى الغريق لسحبه بعيدا عن أفغانستان التى عانت كثيرا من أذاه كما لم تعان من أى إحتلال آخر . والإقتراح التالى قد يكون طوق النجاة :

1 ـ مطالبة أمريكا بحصتها من أفيون أفغانستان يجب أن تتم فى نطاق (الشرعية الدولية) التى إخترعوها وفرضوها على رقاب الضعفاء من البشر .

2 ـ من أجل تحقيق تلك (الشرعية الدولية)، على الولايات المتحدة إستخراج قرار من مجلس الأمن يقضى بالسماح لحكومة الإمارة الإسلامية فى أفغانستان أن تُصَدِّر الأفيون لشركات الدواء العالمية ، بالطرق القانونية المعتمدة لديها .

3 ـ تَحْصُل أمريكا على إحتياجاتها من الأفيون عبر شركاتها الدوائية ، وطبقا لنفس القوانين الأفغانية والدولية .

4 ـ لإثبات حسن نيتها على الولايات المتحدة أن تبدأ بقبول الإمارة الإسلامية عضوا فى منظمة الأمم المتحدة ، وعضوا غير دائم فى مجلس الأمن الدولى .

5 ـ الإنسحاب الأمريكى الشامل يسبق أى إجراء لتقنين حصولها على أفيون أفغانستان عبر قنوات(الشرعية الدولية) لمجلس الأمن والأمم المتحدة .

 

أين الخطر الحقيقى على أمريكا من أفغانستان ؟؟.

– أكبر خطر ممكن أن تلحقه أفغانستان بالولايات المتحدة ، ليس تنظيم القاعدة الذى مات سريريا ، بل الخطر هو وقف زراعة الأفيون، وقطع تدفق مليارات الهيرويين من أن تصب فى النظام البنكى الأمريكى . وعندها قد تواجه أخطار الإفلاس والحرب الأهلية .

إن ما دفع أمريكا إلى العدوان على أفغانستان عام 2001 لم يكن حادث 11 سبتمبر (غزوة منهاتن) التى نفذها تنظيم القاعدة بأمر من بن لادن .

بل السبب الذى دفع أمريكا إلى الحرب بدون إنتظار، كان وقف زراعة الأفيون بأمر من(الملا محمد عمر) أمير المؤمنين وقتها .

– وإذا كانت الولايات المتحدة تطالب بضمانات من طالبان ألا تستخدم أرض أفغانستان فى عمليات تهدد أمن الولايات المتحدة ـ وحلفائها ـ فإن المعنى الحقيقى لذلك هو ضمان إستمرار زراعة الأفيون، وضمان وصوله الحر إلى اليد الأمريكية، بحيث لا تتأثر المصالح الإستراتيجية للإقتصاد الأمريكى أو إقتصاديات “الحلفاء”، خاصة إسرائيل ومستوطنات الخليج (العبرى).

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الجليد المشتعل فى كابول

 




أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة

أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة

نقلا عن موقع الحوار المتمدن   22/12/2018

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

أفيون أفغانستان تحت أضواء مُضَلِّلَة

– علم الأفيون السياسى  

– فى أفغانستان ، قوانين الإقتصاد تسير عكس السير

– أسباب إنخفاض الإنتاج

– أفيون السياسة الدولية

– إقتلاع أعواد الخشخاش

– توزيع حصص الأفيون والهيروين

– أسعار الأفيون داخل أفغانستان

– أين أسعار أفيون كابول ؟

 

 تقرير سنوى عن أفيون أفغانستان يصدره مكتب للأمم المتحدة للمخدرات والجريمة UNODC ، يتميز بالمتابعة الشاملة على قدر ما تسمح به ظروف الحرب والسياسة ـ كون الأفيون يخضع للتوجيه السياسى ومصالح الولايات المتحدة ــ فموضوع المخدرات هو من أكثر المواضيع حساسية ، ويتعلق بأهم الموارد المالية للإمبراطورية الأمريكية ، وبالتالى فهو أحد المفاتيح الأساسية لقراراتها فى السياسة والحرب .

لذلك فالتقرير المذكور يراعى تلك المصالح ، فيحجب أكثر الحقائق ، والباقى يضع لها تأويلات مضللة تأخذ القارئ والمتابع إلى متاهات بعيدة.

 

علم الأفيون السياسى :

 تسير إستراتيجية حركة طالبان فى عكس إتجاه إستراتيجية المحتل ، أدراكا منها أن المخدرات كانت الدافع الأول لعدوان الجيش الأمريكى خاصة بعد أن منعت الحركة زراعة الأفيون فى مناطق سيطرتها خلال فترة حكمها القصيرة لأفغانستان ، فكان عام 2001 هو أقل الأعوام إنتاجياً للأفيون بمحصول قدره 185 طن ــ معظمها من إنتاج مناطق لم تكن خاضعة لسلطة طالبان ـ بعد أن كان الإنتاج فى الأعوام السابقة يتخطى 3500 طن . هذا النقص الهائل فى الإنتاج حَفَّز الجيش الأمريكى على الحركة السريعة ، فأعاد زراعة الأفيون بتصاعد خيالى. وقال الأمريكيون أنهم لم يحضروا إلى أفغانستان لمكافحة زراعة المخدرات ، بل لمكافحة الإرهاب (!!) . ولكنهم عندما إفتقدوا تواجد تنظيم القاعدة فى أفغانستان إستوردوا داعش من شتى الأرجاء ، وصنعت لهم باكستان جيشا داعشيا من بقايا بلطجية معسكرات المهاجرين فى بيشاور. فعاشت زراعة الأفيون وصناعة الهيرويين جنبا إلى جنب مع صناعة الإرهاب الداعشى ، أزهى عصورها فى ظل الإحتلال الأمريكى .

تقرير مكتب المخدرات والجريمة للأمم المتحدة UNODC ، إلى جانب المعلومات المنقوصة، يعطى تفسيرات مضللة أو على الأقل مربكة للغاية ..ومن أمثلة ذلك :

 

فى أفغانستان ، قوانين الإقتصاد تسير عكس السير :

أول معلومة مربكة يسوقها تقرير(عام 2018 ) ، مع تفسيرها الأشد إرباكا .. تقول :

إن كمية الأفيون المنتج هذا العام “2018” فى أفغانستان وصلت إلى 7200 طن ، بنقص حوالى “11ــ %” عن محصول العام الماضى 2017 الذى بلغ (10000 طن) . وحسب قانون العرض والطلب فمن المفروض أن يرتفع السعر ولكن التقرير يفاجئنا بأن السعر إنخفض بنسبة ” ــ 42 %” . فهل تغيرت قوانين الإقتصاد؟؟، أم أن أفغانستان المحتلة هى مكان خارج القوانين؟؟ . كنا فى أنتظار أن يبشر التقرير العالم بأن إنخفاض المعروض من الأفيون أدى إلى إرتفاع أسعاره وبالتالى أسعار الهيرويين .

وحتى يتخلص (تقرير الجريمة والمخدرات) من المأزق قال إن سبب تراجع زراعة الأفيون هو تراجع الأسعار . وهو عذر أقبح من ذنب ، لأن أسعار العام الماضى(2017 ) كانت مرتفعة ، فمتى ظهر دليل على أن الأسعار سوف تنخفض فى عام “2018” حتى يتراجع الفلاحين عن الزراعة ؟ .. لم يوجد أى مؤشر على ذلك، لأن إتجاه الأسعار نحو أو الإنخفاض أو الإرتفاع يظهر مع إقتراب جنى المحصول . عندها يعمل قانون العرض والطلب . فإن كان المعروض كبيرا ، توجهت الأسعار نحو الإنخفاض ، والعكس صحيح .

يمكن أن نقدم تعليلا أكثر واقعية لظاهرة  إنخفاض السعر الأفيون رغم إنخفاض الإنتاج .

 

 أسباب إنخفاض الإنتاج :

 تقديرات (مكتب الجريمة) غير دقيقة بالمرة من حيث قياس كمية الإنتاج . فالمكتب المذكور فى تقرير عام 2016 قال أن معظم مناطق زراعة الأفيون موجودة فى مناطق مصنفة على أنها (خطر) أو (خطر جدا) حسب قسم تابع للأمم المتحدة يسمى قسم الأمن والسلام (!!) ـ {وهذه ليست نكته !! قسم للأمن والسلام فى الأمم المتحدة .. هكذا !! } .

فالمناطق المحررة تتوسع فى كل أفغانستان ، خاصة المناطق التى ركز الإحتلال فيها زراعة الأفيون حتى يتمكن من حراستها والدفاع عنها بسهولة .

واقعيا هناك 70% أو أكثر من أراضى أفغانستان محررة (وليس 50% كما يروج الإحتلال). والباقى من الأرض تنساب فيه قوات طالبان إلى أن تصل إلى مقار القيادات العليا فى كابول . وتتحكم فى معظم مسار الحياة المدنية من تحت الأرض ، وأحيانا من فوقها، فى ظهور شبه علنى ولكنه محسوب بدقة. يقول قسم(الأمن والسلام) فى الأمم المتحدة ، أن تلك الأراضى المصنفة خطر وخطر جدا لا يمكن أن تصلها الأمم المتحدة أوهيئات الإغاثة . ولكنه لم يذكر أن قوات الإحتلال لا يمكنها ذلك أيضا إلا بسلاح الطيران ، أو حملات أرضية جوية قصيرة وخاطفة ، وبلا نتائج فى موازين الأرض . فكيف يمكن قياس كمية الإنتاج؟؟.

سيقولون : بالأقمار الصناعية. ولكن تلك تقديرات غير دقيقة على غير ما يحاول أن يوحى به مكتب الجريمة ، مقدما أرقاما كأرقام متوسطة ، لأرقام عليا وأخرى دنيا إمعانا ، فى إيهامنا بدقتة وحيادية أرقامة ، التى هى فى معظمها غير موثوقة ، إما لأنها مختلقة بالكامل ، أو لأنها (معدَّلة سياسياً) وفقاً لأهداف الإحتلال .

يقول مكتب (الجريمة والمخدرات) أن من أسباب إنخفاض إنتاج الأفيون قلة أمطار هذا العام. صحيح أن منسوب الأمطار قد إنخفض ولكن إلى أى درجة؟؟ .

فجداول المكتب ورسوماته البيانية ، تقول أن إنتاج هذا العام(2018) هو ثالث أعلى محصول منذ عام 2014 ـ وحسب أرقام المكتب المذكور فإن إنتاج أفغانستان من الأفيون فى السنوات المزدهرة الأخيرة هى كالتالى: (عام2014) 4420 طن ـ (عام2017) 5158 طن  ــ (عام2018) 4391 طن.

ولماذا شهدت محافظة كابول(المركزالسياسى للإحتلال وحكومته المحلية) إرتفاعا فى محصول الأفيون؟؟ . فهل لديها أمطار خاصة بها ؟. ولماذا إرتفع محصول القطاع الشمالى الشرقى من البلد رغم قلة الأمطار؟.

   مكتب (المخدرات والجريمة) لا يتطرق مطلقا إلى عنصر السياسة العالمية وتأثيرها على أسعار وإنتاج الأفيون فى أفغانستان . كما لا يتطرق بالطبع إلى موضوع العلاقة بين الأفيون وكل من السياسة الداخلية والعمليات العسكرية للإحتلال فى أفغانستان.

– فعندما يُقارِن عامنا الحالى(2018) فإنه يرجع فقط إلى عام2014 قائلا أنه ثالث أعلى محصول فى تلك السنوات الأربع . ولكن عودة بالمقارنات إلى أعوام سابقة حتى عام 2008 ـ (أنظر صفحة 47 من التقرير المذكور) نجد أن عام 2018 عاما وفير المحصول . العائدات إنخفضت ، و لكن بالمقارنة نجدها أفضل من سنوات عديدة مضت .

 

أفيون السياسة الدولية :

بعض السنوات كانت منتعشة جدا من حيث الإنتاج والأسعار، مثل عام 2011 (هل يذكر أحد أحداث الربيع العربى!! ). فى الأزمات الدولية الكبرى وطبقا لبيانات مكتب الجريمة نلاحظ أن أسعار الهيروين إنخفضت ، وتوفر فى أسواق دول لها تأثير كبير أو مباشر فيما يجرى دوليا من كوارث مثل الأسواق الأمريكية والأوروبية وأسواق دول تعانى من زلازل سياسية وإقتصادية تهدد مصالح وخطط أمريكا . وأرقام عام 2001 خير دليل على ذلك {راجع كتاب حرب الأفيون الثالثة ، فالأرقام والجداول الموجودة به، كلها من مستقاه من”مكتب الجريمة” التابع للأمم المتحدة} . ورغم أن محصول أفيون 2001 كان هو الأدنى منذ عقود أو قرون ،إلا أن الهيروين توفر فى أسواق أمريكا وأوروبا عام2001 وإنخفض سعره؟؟ . هنا يظهر مصطلح(المخزون الإستراتيجى) . الذى بلغ الآن بالتأكيد مستويات غير متوقعة . وحسب تقدير روسى نشر عام 2010 فإن أمريكا تختزن 1200 طن من الأفيون تحسباً للطوارئ .  ولعله يقصد الهيروين وليس الأفيون . لأن من يَخْتَزِن بشكل إستراتيجى يختزن مسحوق الهيروين لصغر حجمه وسهولة نقله وعظيم تأثيره وإرتفاع سعره . أما إختزان الأفيون فيكون لأهداف قريبة واحتياجات محلية أو إقليمية سريعة ، ( أى فى أفغانستان والدول المحيطة بها).

الآن فى عام 2018 لنا أن نتخيل مقدار التصاعد فى ذلك المخزون الذى لا يقل تدميرا للبشر عن المخزون الأمريكى من أسلحة الدمار الشامل .

فى هذا العام دلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة إستخدمت جزءا من ذلك المخزون لخفض أسعار الأفيون الخام الذى أصبح فى مقدار كبير منه خارج سيطرة إحتلالها العسكرى ، وعدم قدرتها على الوصول إليه عبر عملاء وسماسرة محليين ، لأن عقوبه هؤلاء من جانب حركة طالبان تتساوى مع عقوبة الجواسيس والخونة المتعاونين مع العدو .

وبالتالى بدأت الولايات المتحدة تسحب جزءا من مخزون الهيروين الإستراتيجى وتطرحه محليا داخل أفغانستان ليعطى إشارة (الوفرة) وبالتالى ينخفض السعر ، وينتهى إلى حد ما الرواج الذى أحدثه الإحتلال فى مناطق زراعة الأفيون حين رفع أسعاره فجأة إلى مستويات لم يحلم بها المزارعون الأفغان يوما . فقد كان دخلهم قبل الإحتلال يبلغ حوالى 90 مليون دولار. وفى سنوات الإحتلال “السعيدة” تعدى أحيانا المليار دولار أى أكثر من عشرة أضعاف ما كان قبل عام الإحتلال ، وذلك لشراء ولاء المزارعين الذين أفقرتهم حركة طالبان بمنعها زراعة الأفيون . ولكن ليست قوانين الإقتصاد هى فقط التى تسير عكس السير فى أفغانستان ، بل والقواعد الإجتماعية للإقتصاد أيضا . فمن كان يتصور أن مزارعى الأفيون ينقلبون على الإحتلال صاحب الفضل فى مئات ملايين الدولارات التى تنهمر فوق رؤوسهم مع قنابل الطائرات. وتلك بعض الألغاز الأفغانية .{ لعمرى إن ذلك لعجيب جدا !!.. فمازالت هناك بعض الشعوب لا تقبل بصفقات أمريكية كبري ، متعددة القرون ، لمقايضة أوطانها بمليارات الدولارات }.

ولا يتصورن أحد أن الحديث عن المليارات تعنى إرتفاعا فى مستوى معيشة الشعب المنكوب. فإحصاءات مكتب الأمم المتحدة للجريمة تقول أن أفغانستان هى الدولة الأفقر فى جنوب آسيا ، وأن 30% من سكانها يعيشون تحت مستوى الفقر ، والواقع أسوأ من ذلك .

هذا بينما تُظْهِر الأرقام الحكومية الأمريكية أنها تنفق سنويا 45 ملياردولار على حرب أفغانستان !! ليس لمصلحة الشعب الأفغانى بالطبع بل لنهب ثرواته من الأفيون إلى اليورانيوم.

 

قد تكون الأسباب الواقعية لإنخفاض أسعار الأفيون فى أفغانستان لهذا العام ترجع إلى :

1 ـ طرح جزء من المخزون الإستراتيجى للهيروين (والأفيون!!) فى الأسواق الأفغانية .

2 ـ عدم قدرة الإحتلال على الوصول إلى محصول الأفيون ،  قلَّلَتَ كثيرا من القدرة الشرائية المتوفرة فى السوق ، فأصبحت متواضعة وقليلة الحيلة أمام محصول ضخم ، فإنخفضت الأسعار .

– يتنبأ مكتب الجريمة بإنخفاض أسعار الهيروين داخل أفغانستان . ولكن السوق الأفغانى المحلى لا يتجاوز 3 ملايين شخص فى أعلى تقديرات مكتب الجريمة ، فالسوق العالمى هو الأساس حيث يوجد 17 مليون متعاطى حسب إحصاءات 2016 . فعندما ينخفض محصول الأفيون فى أفغانستان يقل المعروض من الهيروين عالميا، وبالتالى ترتفع أسعاره ولا تنخفض كما يقول مكتب الجريمة . فلماذا يسير القانون معكوساً فى أفغانستان؟؟. فقط طرح جزء من المخزون الإستراتيجى الأمريكى من الهيرويين هو الذى يعكس الدورة فى السوق الأفغانى والعالمى، فبدلا من إرتفاع الأسعار تعود إلى النزول نتيجة زيادة المعروض . لا تفعل أمريكا ذلك حرصا على مصالح المدمنين حول العالم ، ولكن من أجل إحداث تأثير سياسى منشود داخل مجتمعات بعينها . وأيضا لمكافأة حكومات صديقة (بمنحها نسبة هيرويين كإسناد مالى) والإضرار بأخرى “مارقة” (تُستَنْزَف ثرواتها البشرية والمالية بتسريب الهيرويين إليها) .

إقتلاع أعواد الخشخاش :

من المفروض أنه أسلوب رئيسي فى مكافحة زراعة الأفيون . إذ تقوم حملات أمنية وعسكرية (بمداهمة) مزارع الأفيون لإقتلاع نباتات الخشخاش .

هذه مسئولية الحكومة المحلية ، وقد أعلن الإحتلال صراحة أنه غير معنى بمكافحة زراعة الأفيون، وأن (التفويض الدولى!!) الذى حصل عليه لايشمل ذلك ، بل يشمل مكافحة الإرهاب.

الحكومة المحلية ــ التى عينها الإحتلال ــ ترى أن عملية الإقتلاع هى إثبات لشرعيتها على مستوى العالم . ويدعم الإحتلال ذلك الإدعاء الكاذب لإنه يوفر مشروعية لتواجده العسكرى والأمنى. والنشرة التى يصدرها مكتب الأمم المتحدة للجريمة والمخدرات UNODC ، تستخدم كافة وسائل التضليل العلمى والتكنولوجى لإيهام العالم بوجود حكومة (تكافح!!) المخدرات عبر عمليات إقتلاع هى سراب رقمى وتهويل علمى .

من ناحية الأرقام فإن القدرة على الإقتلاع تافهة للغاية لدرجة أنها تقاس أحيانا بعدد الشجيرات المقتلعة . أو بعدد الهكتارات التى لا تكاد تذكر بجانب المساحات المزروعة . ويدعم الإحتلال نشريات مكتب الجريمة بصور الأقمار الصناعية التى تثبت القيام بعملية (المقاومة) والإقتلاع. وإستخدام صور الأقمار الصناعية يكلف ماليا أضعاف ما تكلفه عملية الإقتلاع الصورية . المقارنة بين صور من القمر الصناعى مع أخرى فوتوغرافية لنفس المكان على الأرض ، يؤكد تفاهة النتائج و يكشف كمية المبالغات. ورغم ذلك لا يمكن تغطية حقيقة أنها عملية مكلفة جدا وعديمة التأثير .

تقول أرقام مكتب الجريمة والمخدرات UNODC ، أن حكومة كابول لم تَقُمْ بأى حملة “إقتلاع”  فى هلمند ـ المحافظة الأعلى إنتاجا للأفيون فى أفغانستان ـ طوال السنوات الثلاث الأخيرة . “لماذا”؟؟ .. رغم وفرة القوات الأمريكية والحليفة فى أعلى تركيز لها داخل هلمند ، فإن سيطرتها على أرض هلمند / وما تسميه أمريكا بالقطاع الجنوبى/ لا تتناسب أبدا مع ذلك المجهود . إضافة إلى أنه تواجد مُحَاصَرْ ومُكبَّل إلى درجة كبيرة . وليس غريبا أن يصف الروس الحرب الأمريكية فى أفغانستان بأنها حرب يائسة . ونضيف بأنها حرب يائسة ومهينة ، قد تتحول إلى إنكفاء مصيرى فى المكانة والقدرة الأمريكية حول العالم .

ــ نسبة “الإقتلاع” تراجعت هذا العام 2018. وسبق لمكتب الجريمة أن أعلن فى عام 2016 عن تراجع الإقتلاع بنسبة ” ــ 91 % ” !! .

العام الحالى يعتبر الأضعف فى(عملية الإقتلاع) إذ تراجعت نسبته بمقدار ” ــ 46 %” عن العام السابق2017 . فأصبحت المساحة المقتلعة هذا العام 406 هكتار بعد أن كانت 750 هكتار فى عام2017 . وتمت عمليات الإقتلاع هذا العام فى 4 محافظات فقط فى مقابل 14 محافظة فى العام الماضى2017 . { تراجع عمليات الإقتلاع تصلح لأن تكون مؤشرا لتوسع الأرض المحررة ، مثلها مثل إنخفاض أسعار الأفيون بسبب عجز المحتل عن الوصول إلى المزارع أو التجار المحليين ،أى عجز الملياردير الأمريكى عن الشراء من السوق المحلى}.

“تقنيا” أتلفت الحكومة النباتات /كما تُتْلِفْ المواطن/ بواسطة (الضرب بالعصا!!)!!. فى ثلاث محافظات إستخدمت تِقَنيَّة العصا ، بينما إستخدم التراكتور لإتلاف المحصول فى محافظة واحدة .

{ غابت التكنولوجيا المتطورة عن برنامج مكافحة المخدرات فى أفغانستان المحتلة . بينما أثناء حكم حركة طالبان هدد الروس والبريطانيون ، ومن خلفهم الولايات المتحدة ، هددوا بإستخدام مادة كيماوية مستحدثة يمكن رشها من الجو فتبيد محصول الأفيون تماما . ليس مهم طبعا كم سيباد من الشعب الأفغانى فى ذلك الهجوم الكيماوى الدولى ، فتلك ليست مشكلة على الإطلاق . لأن الروس كما البريطانيين ، تاريخيا ، مارسوا فى حروب طاحنة وغير متكافئة متعة إبادة الأفغان . فأين تلك الإمكانات العلمية والتكنولوجية الآن ؟؟ ولماذا هددوا بها نظام طالبان ، ثم صمتوا عنها الآن فى عهد الإحتلال الأمريكى؟؟ . إنها ألغاز الهيرويين التى تنعش الذاكرة أو تميتها ، حسب الجرعات المكتسبة من دماء الأفغان } .

وحتى تتضح صورة المهزلة، فإن أرقام مكتب الجريمة تقول أن المساحة التى تم”إقتلاعها” فى كل البلد بلغت 406 هكتار من مساحة مزروعة مقدارها 263000 هكتار !! .

فهل تلك حقا عملية إقتلاع، أم هى مجرد إزالة للنباتات الضعيفة من أجل تحسين الإنتاج !! .

توزيع حصص الأفيون والهيروين :

تنبأ مكتب الجريمة (وربما قرر) أن نسبة توزيع إنتاج الأفيون لهذا العام 2018 ستكون كالتالى:

ـ  1400 طن كحد أعلى ، سوف تخصص لإحتياجات الإقليم (يعنى أفغانستان وما حولها من دول).

ـ  610 طن كحد أعلى، لإحتياجات صناعة الهيروين المُصَدَّر إلى الخارج . وتلك الكمية يتم تحويلها إلى هيروين نقى بنسبة 100% (ملاحظة : تلك نسبة لا تبلغها إلا معامل الجيش الأمريكى فى القواعد الجوية الأفغانية، خاصة فى قاعدة بجرام شمال كابول) فإذا أدت واجبها بما عُرِف عنها من تقنية عالية فسوف يحصل السوق العالمى على {250طن إلى 350طن} من بلورات الهيروين النقى .

يحتاط مكتب الجريمة ، ومن أجل الأمانة العلمية يقول أن كمية الهيروين والأفيون المذكورة أعلاه لا تصل كلها إلى الأسواق بسبب الخسائر والفاقد والمضبوطات خلال التحرك صوب البلد المستهدف . وهكذا يعانى الأمريكان للحصول على لقمة العيش كما تعانى باقى الشعوب الكادحة .

أسعار الأفيون داخل أفغانستان :

 هذا العام 2018 هبطت أسعار الأفيون(الجاف) بنسبة “39 ــ %” ، فأصبح الثمن 94 دولار /كيلو جرام . بينما كان 155 دولار/كيلوجرام فى العام الماضى2017.

هنا أيضا يظهر ثقبا أسودا ـ كما فى الكثير من بنود التقرير. فبينما يهبط سعر الأفيون فى كل البلد بالنسبة المذكورة أى “39ـ %” نجد السعر حقق إرتفاعاً كبيرا مفاجئا فى منطقة يسميها التقرير بالقطاع الشمالى الشرقى الذى يشمل حسب تقسيمهم ثلاث محافظات هى (بدخشان ـ تاخارـ قُندُز) . وربما تساعدنا مميزاتها الجغرافية/ السياسية على الإقتراب من حل اللغز .

فالمحافظات الثلاثة تشترك مع جمهورية طاجيكستان (جمهورية سوفيتية سابقة) فى شواطئ نهر جيحون . وطرق تهريب المخدرات لا تواجه صعوبات يعتد بها فى طاجيكستان . ومنها يمكن الوصول بسهولة إلى الأراضى الروسية ثم باقى أوروبا شرقا وغربا .

فى تصريح روسى منذ سنوات جاء أن قيمة الهيروين القادم من أفغانستان إلى روسيا يعادل ثلاث مرات قيمة مبيعات روسيا من الأسلحة، التى هى ثانى مورد للميزانية الروسية بعد النفط والغاز . وبالأرقام قال الروس أن خط التهريب المار ببلادهم ينقل ما قيمته 17 مليار دولار من الهيروين ، 35% منه يدخل روسيا ولا يخرج .

لا شك أن وضع روسيا أفضل من وضع الولايات المتحدة التى تقول تقارير(من مكتب الجريمة) أنه فى عام 2009 إستهلك الأمريكيون هيروين بمبلغ 11,9 مليار دولار . ودخنوا حشيش بقيمة 11,5 مليار فى نفس العام .أى حوالى 4, 23 مليار دولار لزوم الكيف العالى .

ــ من طاجيكستان يمكن وصول الممنوعات الأفغانية إلى الصين . كما أن محافظة بدخشان المطلة على نهر جيحون لها منفذ ضيق مع الصين الشعبية عبر ممر واخان . ونفس المحافظة موضوعة فى مخططات داعش الأمريكى للعمل ضد الصين . وهناك تواجد داعشى غير محدد بدقة ، ومعظمه من مسلمى الإيجور فى الصين ، ولهم تنظيم داعشى يدعى الحزب الإسلامى التركستانى يحظى بدعم كامل ، أمريكى سعودى .

ــ وسؤالنا فى ذلك الإقليم الشمالى الشرقى( بدخشان ، تاخار، قندوز) هو عن سر إرتفاع أسعار الأفيون ( + 20 %) عكس باقى البلد التى تعانى من إنخفاض شامل فى الأسعار بمتوسط ( ــ 39 %). وكذلك يشهد إقليم السعادة الشمالى الشرقى قوة إنتاج فريدة للأرض (كجم أفيون لكل هكتار من الأرض) ،تقدر بحوالى (34%) كجم /هكتار، فى مقابل إنتاجية فى باقى البلد 24,4 % كجم / هكتار .

مكتب الجريمة يشير إلى اللغز ولكنه لا يقترح تفسيرا له، أو أنه يشير إلى الحل فى إتجاه مضلل.وعلى القارئ أن يظل يفكر ويفكر لعله يستنتج شيئا ، أو أن ينصرف وينسى الموضوع.

 

أين أسعار أفيون كابول ؟

لغز آخر يقترب من منطقة الخطر. جداول مكتب الجريمة تحتوى على سعرين للأفيون فى كل منطقة، أحدهما “سعر التاجر”ــ للأفيون الجاف ــ وآخر سعر المزرعة {أفيون المزرعة رطب غير جاف وهو أرخص سعراً} إلا فى محافظة كابول!! ، فهى خالية دوما من ذكر أى أرقام بدعوى أنها غير متوفرة!!. رغم أن مقر مكتب الجريمة موجود فى مدينة كابول العاصمة. فهل أسعار كابول سر عسكرى تخشى سلطات الإحتلال من البوح به ، وهل هو من أسرار الأمن القومى يخشون أن يتسرب إلى”أهل الشر” {الإصطلاح هنا مصدره جنرال مصر الأوحد ، وربما يعنى به حاسديه وعُزَّالِه من المعارضة غير الوطنية، و الإرهابيين!! } .

تغيير مدهش آخر فى كابول هو أرتفاع المساحة المزروعة بالأفيون بنسبة11+% ، عكس نسبة إنخفاض عامة فى المساحات المزروعة بالأفيون فى كل البلد متوسطها 20ــ % .

يقول مكتب الجريمة أن القطاع المركزى الذى يضم محافظتى كابول وغزنى ينتج فقط 20 طن من الأفيون !! . الغموض يحيط بالقطاع : من أول الشك فى كمية المحصول ، وصولا إلى السعر غير المعلن ، وارتفاع إنتاجية الهكتار رغم إدعاء الفقر المائى ، بما يوحى بأنها كمية من الأفيون مخصصة حصريا للإحتلال الأمريكى وليس للتجارة العامة.

رغم أن محافظة غزنى المشتركة مع كابول ضمن (القطاع المركزى ) تراجعت نسبة الزراعة فيها بنسبة ” ــ 64 %” . { التفسير الذى لن يتطرق إليه مكتب الجريمة هو أن معظم محافظة غزنى واقع فعليا تحت سيطرة طالبان ، الذين سيطروا على مدينة غزنى عاصمة الأقليم لمدة أسبوع فى الصيف الماضى، بتأييد شعبى كاسح ومتعدد المذاهب “سنة وشيعة” ، ثم غادروها ــ شكليا وليس فعليا لأنهم باقون ما بقىَّ السكان ــ غانمين كنوزا هائلة من أسلحة الجيش وقوات الأمن ، وأموال بالمليارات كانت مختزنة فى إدارات عسكرية، بينما الجنود لم يتسلموا رواتبهم منذ أشهر } .

ــ فما هو سر كابول الدفين فى غابة الهيروين التى ترعاها الولايات المتحدة؟؟ . هل تحتضن أرض محافظة كابول مزرعة أبحاث لتطوير البذور وإنتاج أفيون معدل وراثيا ؟؟ .أم لتطوير أفيون مخصص لبلاد الأعداء، فيقتل الشباب ويقعدهم بالأمراض المستعصية، فتحقق أمريكا على تلك الدول المارقة نصرا بلا حرب؟؟. وهناك فى الإقليم شواهد عملية وضحايا لأنواع من الهيرويين مثل هذه . وحول كابل العاصمة معتقلات وسجون سرية وعلنية توفر مددا بشريا لا ينفذ، للتجارب الحية والمجانية على “إرهابيين” من أبناء البلد المحتل .

للعلم : قاعدة بجرام الجوية ـ أهم مراكز تصنيع الهيروين فى العالم ـ تقع على بعد عدة كيلومترات فقط من العاصمة.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

أفيون أفغانستان تحت أضواء مضللة




عودة الماضى الإستعمارى لشركة الهند الشرقية

أفغانستان شركة للمرتزقة

أفغانستان شركة للمرتزقة

عودة الماضى الإستعمارى لشركة الهند الشرقية

مشروع ترامب / برنس

 

# يوجد أصدقاء لشعب أفغانستان حيث يوجد أعداء للولايات المتحدة .

# العصب الحساس فى تلك الحرب هو ضرب صناعة الهيرويين الأمريكية .

# التحدي الجديد يفرض على حركة طالبان رفعا نوعيا لكل من مستوى التسليح والعمل السياسى .

بقلم: مصطفي حامد / ابو الوليد المصري

 

أنهى ترامب حديثه عما أسماه (استراتيجية) جديدة تجاه أفغانستان ، وكان عرضا للأفكار مضطربا ومتناقضا . ومتوافقاً تماما مع شخصية أسوأ رئيس أمريكى فى التاريخ .

هذا إضافة إلى توليفة من المصطلحات البراقة التى تخفى الفراغ الفكرى وتضلل المتابعين عن إتجاه الحركة الحقيقية . فمناقشة ذلك الهراء سوف تأخذ الناس بعيدا عن المسار الحقيقى للأحداث .

ويظهر من خطابه (الاستراتيجى) عن أفغانستان أنه لم يقدم أى جديد سوى تلاعب بالألفاظ واستعراض للمصطلحات الفارغه مثل : تخليه عن سياسة (بناء الأمم!!) التى إتبعها أسلافه وتبنى نظرية جديدة أسماها (الواقعية المسئولة!!). بينما ليس هناك أى بناء ولا أى مسئولية فيما فعلته وتفعله بلاده فى العالم منذ زمن طويل .

قالت “كيلى ماجزمن” المسئولة السابقة فى وزارة الدفاع الأمريكية والعضو السابق فى مجلس الأمن القومى : ( أن ما عرضه ترامب كان مجرد تعديل متواضع فى استراتيجية مركزية يجرى العمل بها منذ سنوات وظلت نتائجها مختلطة ) .

وهى بذلك إقتربت من نصف الحقيقة . لأن النصف الآخر يقول أن هناك استراتيجية حقيقية لم تعرض مطلقا فى حديث ترامب . ولكن تكشفها العديد من التحركات فوق الأرض الأفغانية ، وأيضا تحركات البيت الأبيض وكبار مستشاريه ، السابقون منهم واللاحقون .

الاستراتيجية المركزية القديمة ، التى تعنيها المسئولة الأمريكية السابقة ، قيلت منذ زمن، وكرر ترامب أن أهدافها هى :

1 ــ ألا تتحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للجماعات الإرهابية التى تريد مهاجمة الولايات المتحدة مثل طالبان (!!) والقاعدة .

2 ــ ألا تسقط الأسلحة النووية الباكستانية فى أيدى تلك الجماعات .

وأطلقوا على تلك الأكاذيب سياسة (بناء الأمم). وأقل إنجازاتها كان حوالى نصف مليون شهيد أفغانى ودمار هائل فى البلاد وإنهيار الأمن ، وإنتشار الفقر والفساد فى جميع مرافق الدولة .

الآن رغم أن الاستراتيجية المعلنة ظلت كما هى منذ عهد بوش، إلا أن ترامب أطلق عليها (الواقعية المسئولة)، فالشعارات تتغير والاستراتيجية ثابتة . وفى كلا الحالتين كان هناك (الظاهر) و(الخفى) لتلك الاستراتيجيات .

وتلك هى الاستراتيجية الحقيقية للولايات المتحدة فى عهد ترامب :

1 ــ تأكيد السيطرة الأمريكية على إنتاج الهيرويين من أفيون أفغانستان ، كأحد أهم موارد الثروة المالية فى العالم . كما أنه أحد أسلحة أمريكا فى حربها الناعمة ضد أعدائها وضد شعوب العالم .

2 ــ تأكيد سيطرة الشركات الأمريكية على ثروات أفغانستان المعدنية بشكل إحتكارى، فى مقابل الصين التى منحتها أمريكا بعض الرشاوى الهامة من تلك الثروات .

3 ــ حماية وتطوير سيطرة الشركات الأمريكية على غاز ونفط آسيا الوسطى وخطوط نقلها عبر أفغانستان وباكستان إلى مياه المحيط الهندى .

4 ــ متابعة موضوع مياه نهرى (سيحون وجيحون) فى أفغانستان والجمهوريات الإسلامية الخمس إلى حين إنضاج ظروف نزحها إلى خارج المنطقة ، على غرار ما يحدث فى نصيب مصر من مياه نهر النيل .

وهناك إشارات إنطلقت من كابول وأخرى من واشنطن حول التوجه الاستراتيجى الحقيقى للولايات المتحدة :

ــ الإشارة الأولى أطلقها الرئيس الأفغانى (أحمد غنى) خبير البنك الدولى وسياسة العولمة الإقتصادية ، والمدافع المتين عن الإحتكارات الأمريكية والشركات متعددة الجنسيات . الرئيس الأفغانى يطلب من ترامب أن تستولى الشركات الأمريكية على ثروات أفغانستان المعدنية. وبدأ يظهر الحديث عن أنها تساوى ترليون دولار . وقد شاعت تقديرات فى أوائل التسعينات أنها تساوى أكثر من ضعف ذلك المبلغ ، وأن المسح الجيولوجى الذى قام به السوفييت كان دقيقا ولم تختلف نتائجه كثيرا عن نتائج المسح الأمريكى . وأن الشركات الأمريكية الكبرى فى ذلك الزمان طالبت الإدارة الأمريكية بطرد(الإرهابيين) العرب من أفغانستان ، لأن وجودهم هناك يهدد نشاط تلك الشركات. وكان عدد العرب فى أفغانستان وقتها لا يتعدى بضع عشرات.

“أحمد غنى” كرر عرضه عدة مرات . إحداها فى أثناء زيارتة لأمريكا ، وأخرى فى مؤتمر الرياض الشهير حين طاف “حجيج” من 50 دولة إسلامية”!!”حول بلورة ترامب السحرية.

ــ “غنى” مثل “آل سلمان” يعلم أن معادلة التعامل مع رئيس مع الولايات المتحدة هى : ( إدفع تحكم ، إدفع أكثر تحكم أكثر، إدفع بإستمرار تحكم بإستمرار) . وكأن ذلك كان أحد بنود البيعة التى قدمها من حضروا مؤتمر الرياض للرئيس الأمريكى الذى عاد من الرياض محملا بمئات المليارات من دولارات النفط التى إستردها من آل سلمان . فوهبه الرئيس الأفغانى ثروات أفغانستان كلها . وذكروا منها ترليون واحد فقط ثمن الثروات المعدنية . ولم يذكر أحد الأفيون ، الذى قد لا يمثل رقم ترليون إلا عائدات أمريكا من تجارة الهيرويين خلال أعوام قليلة .

ــ قال ترامب أثناء عرضه للهلام الاستراتيجى الذى طرحه ، أنه لن يحدد جدولا زمنيا أو خططاً، ولكنه سيفاجئ الأعداء بحركته”!!” . وحتى أنه لم يحدد أهدافاً عامة لتلك الاستراتيجية سوى ذلك التمويه الذى تحمله أهداف تلك الحملة الإستعمارية منذ بدايتها ، بالحديث عن (الملاذ الآمن للإرهابيين ، و الأسلحة النووية الباكستانية ) .

ــ ولكن تحديد الأهداف الاستراتيجية وخطة العمل ، وإمكانية تحديد جدول زمنى للتحركات ، بل وميزانية العمل الاستراتيجى كله ، جاء به بطل المرحلة القادمة فى أفغانستان ، الملياردير (إريك دين برنس) مؤسس شركة بلاك ووتر ذائعة الصيت وسيئة السمعة حول العالم . وهو أيضا مؤسس لعدة شركات مماثلة فى السؤ ولكنها أقل فى الشهرة . كما أنه ذو خبرة فى تأسيس الشركات متعددة الجنسيات حول العالم .

الملياردير المغامر شرح وجهة نظره حول أفغانستان فى مقال نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” يدعو فيه إلى فكرة جوهرية ، هى إنشاء شركة معاصرة على غرار” شركة الهند الشرقية ” التاريخية . وهو الإقتراح الذى دعمه اليهودى ( جاريد كوشنر) صهر الرئيس ترامب والأكثر نفوذا فى البيت الأبيض . كوشنير دعا “برنس” لشرح نظريته أمام الرئيس فى البيت الأبيض حسب تقرير لمجلة “فورين بوليسى”.

 

وعلى هذا فإن الاستراتيجية التى طرحها برنس لأفغانستان ستكون قائمة على عناصر:

1 ــ تطبيق الفلسفة الإستعمارية التى إشتهرت بها شركة الهند الشرقية ( 1700 ــ 1874) .

2 ــ الشركة تكلف المرتزقة بمهمة القتال فى أفغانستان وتستثمر جميع ثروات البلد .

الجانب الفلسفى فى مشروع “برنس” يتطابق من الفلسفة التى وضعها المستشار السابق لترامب (ستيف بانون) لجميع الظاهرة “الترامبية” التى يطلق عليها “اليمين البديل” ، والقائمة على ثلاث مبادئ : (الأمن ـ القومية الإقتصادية ـ تفكيك المؤسسات الإدارية القائمة وإعادة بنائها ).

ستكون تلك هى المبائ الحاكمة لنشاط الإمبراطورية الأمريكية داخليا وخارجيا . ويهمنا أنها ستكون حاكمة لاستراتيجياتهم فى أفغانستان : العسكرية ، الإقتصادية ، السياسية ،الإدارية .

الواقع العسكرى الجديد :

مشروع (برنس) الاستراتيجى ، وهو مشروع الدولة الأمريكية الأرجح ، سيعتمد عسكريا على المرتزقة (بلاك ووتر وأخواتها) . وقال (برنس) أن عددهم سيكون 5500 مرتزق أمريكى سيعملون مباشرة مع القوات الأفغانية “ضمن خيارات تدريبية مستحدثة !!” تضمن قيامهم بشكل أفضل بتنفيذ المهام الموكلة إليهم . وانتقد فى نفس الوقت أداء جنود البنتاجون الذين لم يحققوا الحد الأدنى خلال حرب إمتدت 16 عاما .

ولم يوضح برنس كيف أن هذا العدد الضئيل من المرتزقة يمكن أن يحقق ما لم يستطع تحقيقه 130,000 جندى أمريكى مدعومين بحلفاء وأتباع من 48 دوله خلال 16 عاما .

وما هى تلك البرامج التدريبية (المستحدثة)؟؟. وعلى أى صنوف الأسلحة وأى معدات التكنولوجيا الحديثة التى ستعطيهم تلك الفعالية الحاسمة التى لم تتحقق خلال تلك الحرب الأطول فى تايخ أمريكا الإستعمارى؟؟ .

وأيضا فإن الجيش الأمريكى إستخدم خلال أعوام حربه فى أفغانستان عددا كبيرا من المرتزقة ـ ومن شركة بلاك ووتر تحديدا ـ ويقال أن عددهم الذى لا يكشفون عنه كان يماثل تعداد الجيش الأمريكى نفسه ، وأرقام قتلاهم لا تحسب ضمن أرقام قتلى الجيش .

تلك الأعداد الضخمة من المرتزقة هل ستظل ثابته مضافا إليها رقم 5500 ، أم أن ذلك هو كل الرقم الإجمالى ؟؟. ترامب سيزيد هو الآخر قواته بمقدار4000 جندى ليصل مجموعها إلى 13000 تقريبا ـ وهى أيضا قوة غير كافية للدفاع حتى عن نفسها . كما أن الرقم الذى طرحه البرنس للمرتزقة لا يكاد يكفى حتى للدفاع الشخصى ، إلا أن تكون هناك أرقام غير معلنة .

هناك موارد أخرى للقوة البشرية المقاتلة . مثل الجيش “الوطنى” والميليشيات المحلية ـ بدون نسيان الدور الجوهرى المنوط بمسلحى داعش بعد هزائمهم فى الشرق الأوسط ، والذين تدفقوا من باكستان ، لتغيير المسار العقائدى والإجتماعى للحرب ، لصالح الإحتلال وضد حركة طالبان ومرتكراتها الدينية والإجتماعية .

ــ الاستراتيجية الجديدة (لشركة الهند الشرقية) من الطبيعى أن تحمل بصمات المؤسس”برنس” ونواحى تفوقه المهنى ، ومنها :

ــ مهارته فى تأسيس منظمات المرتزقة وإدارتها وتوسيع نشاطها بإستمرار.

ــ إستغلال عنصر التفوق التدريبى والتكنولوجى والإدارى ، فى إنجاز توكيلاته الحربية .

ــ خبرة “برنس” فى القضاء على الإرهابيين ، حيث كان جزءا من قوة المهام السرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية .

فمن مهام قوات المرتزقة فى الجيش الأمريكى كان المشاركة فى تشغيل برنامج الطائرات بدون طيار التى كانت مخصصة غالبا لعمليات إغتيال المجاهدين ، وتدمير المدارس الدينية ، والمناسبات الاجتماعية من أعراس ومآتم ، وتدمير معامل تصنيع الهيرويين داخل باكستان العاملة خارج المشروع الإحتكارى الأمريكى .

المناخ الاستراتيجى الجديد :

مشروع البرنس يخلق مناخاً استراتيجيا جديدا فى أفغانستان يؤثر على كل أعمال الإحتلال .

فمن ناحية تاريخية شكلت شركة الهند الشرقية علامة فارقة فى تاريخ الإمبراطورية البريطانية ، القوة الأولى فى العالم وقتها .

حيث تولت الشركة فتح الهند وإخضاعها عسكريا وسياسيا لسلطة التاج البريطانى ، ونزح ثرواتها لصالح الشركة وكبار مديرها وبالطبع لصالح الإمبراطورية الأم . وموظفى الشركة صاروا الأغنى فى الإمبراطورية ، وأصبح فى إمكانهم التأثير سياسيا وإقتصاديا حتى على الوطن البريطانى نفسه ، بشراء السياسيين والدوائر الإنتخابية.

( شركة الهند الشرقية) كانت مشروعاً إمبراطوريا متكاملا تمكن من إبتلاع الهند . وكان للشركة جيشها الخاص ، ولها القدرة على تعيين الحكام فى الهند أو التخلص منهم بحروب أو بإنقلابات .

وتجاريا عملت منذ لحظتها الأولى فى المتاجرة بمنتجات الهند من حرير وتوابل وشاى وأفيون”!!” الذى كان مصدر ثروتها الخرافية ، وبالتالى قوتها التى لا تقاوم ، وقدرتها على التأثير فى مجريات الأمور فى لندن نفسها .

وهكذا شركة ” البرنس”، سوف تبنى حكومتها الخاصة فى كابول وتسيطر على تجارة (الهيرويين) ـ وليس الأفيون الخام مثل قديم الزمان ـ ثم تدير السياسة الداخلية فى أفغانستان ، والسياسة الإقليمية المتعلقه بذلك البلد . مع نشاطات فى دول الإقليم بما يحافظ على سيادة الشركة سياسيا وزيادة أرباحها الفلكية من تجارة الهيرويين .

وما تمتلكه الدولة الأفغانية سوف يوضع ـ طبقا لتصور وفلسفة (شركة الهند الشرقية) ـ رهن تصرف إدارة الشركة الجديدة . فالسيد”برنس” من أنصار رؤية (اليمين البديل) التى تقضى بفك مؤسسات الدولة وإعادة تركيبها من جديد .

مبادئ العمل فى الشركات الناجحة : مثل الإقتصاد فى النفقات ، والإنضباط مع كفاءة الأداء ، سوف تحدث تغييرات جذرية فى نظام فى كابول ، من قمته الثنائية (غنى /عبدالله ) مرورا بقيادات الجيش الذى أنفق عليه الإحتلال 15 مليار دولار ليكون كتلة مسلحة من الفساد وإنعدام الكفاءة . وبالمثل أجهزة الإستخبارات ، ناهيك عن الشرطة والميليشيات بأنواعها بقيادة مسئولين كبار فى الدولة من أمثال “دوستم” ، أو على حواشى السلطة من أمثال “حكمتيار” الزعيم الأصولى السابق .

لا ضرورة للتذكير بأن أفغانستان لم تكن يوما مثل الهند . ولا الشعب الأفغانى مماثل لشعب الهند ـ ولا ظروف القرون الخوالى من الثامن عشر إلى التاسع عشر تماثل ظروف القرن الحادى والعشرين . وبالتالى فإن مصير تجربة السيد “برنس” فى أفغانستان ستكون قطعا مخالفة تماما لما توصل إليه آساطين شركة الهند الشرقية فى القرن 18 من أمثال (روبرت كلايف) .

مصادفات تاريخية من شركة الهند الشرقية :

ــ ومن المصادفات المدهشة أن شركة الهند الشرقية كانت وراء أهم عمليات القرصنة فى التاريخ القديم ، والتى قعت فى باب المندب (الذى تدور فيه حاليا حرب رهيبة ضد اليمن تقودها السعودية وشريكتها الإمارات ، التى تمول مشروع للسيد”برنس” فى إنشاء قوة من الصوماليين لمكافحة القرصنة!!) . وبديهى أن يكون لمرتزقة السيد “برنس” دور فى حراسة شواطئ اليمن وشرق أفريقيا وباب المندب ، بالتعاقد مع إسرائيل وبتمويل دول الخليج، لحماية أكبر عملية قرصنة فى التاريخ الحديث والقديم ، وهى عملية نهب نصيب مصر من ماء النيل والمتاجرة به عالميا بواسطة أنابيب وناقلات ماء . وهو مشروع تشارك تلك الدول فى تمويله كما تشارك فى تمويل المرتزقة لحمايته ، ومركز الحركة التجارية للمشروع هو باب المندب .

ــ أيضا من المصادفات التاريخية المدهشة أن شركة الهند الشرقية هى التى أذلت الصين وهزمتها عسكريا وفرضت عليها إباحة تعاطى الأفيون والتخلى عن أهم موانئها وجزرها لصالح تجارة الأفيون . الذى كان أهم الثروات المالية التى رفعت من شأن الشركة .

وأن “ستيف بانون” واضع أيدلوجيه تيار “اليمين البديل” يرى أن المواجهة الرئيسية للولايات المتحدة هى مع الصين ، فى حرب إقتصادية تحت مبدأ يقول بالقومية الإقتصادية . بما يعنى إسثناء أمريكا من تبعات مبدأ العولمة الإقتصادية ، وإستثناء أمريكا من الإتفاقات الدولية لحماية البيئة وقوانين فتح الأسواق ورفع الحماية الجمركية . بينما تفرض العولمة وفتح الأسواق على جميع دول العالم ، بالضغط والإكراه وحتى التلويح بالحرب المسلحة .

“شركة الهند الشرقية” الخاصة بأفغانستان سوف تستهدف الصين أساسا ، وتستهدف الدول المحيطة بأفغانستان ، بالحرب و بكافة أشكال التدخل ، كما فعل أسلافها التاريخيون فى الهند وجنوب وشرق آسيا ، فأخضعوا الصين بقوة السلاح بحربين لفرض تجارة الأفيون عليها .

الموقف العسكرى لحركة طالبان :

حتى قبل فوزه فى إنتخابات 2008 كان الرئيس “باراك أوباما” يدرك أن بلاده لن تستطيع السيطرة على أفغانستان ، وأن حركة طالبان لها اليد الطولى على أرض المعارك ، والسيطرة على الأرض ، والأهم هو الإجماع الشعبى حول قيادتها .

لكن حسابات المؤسسة العسكرية ومعهما الإستخبارات المركزية CIA المنغمسة فى التجارة الدولية للهيرويين ، تدرك المكاسب الفلكية العائده عليها من إحتلال أفغانستان ، وهؤلاء منعوا تنفيذ فكرة الإنسحاب .

وترامب فى برنامجه الإنتخابى غازل ناخبيه بأمنيات الإنسحاب من أفغانستان نظرا لعدم شعبيه تلك الحرب الطويلة ، بينما أمريكا نفسها تعانى من معضلة إقتصادية وتراكم تؤترات إجتماعية تهدد بإنفجار داخلى .

عند وصوله إلى الحكم أسفر ترامب عن موقفه الحقيقى ، وسياسته الكارثية فى أفغانستان وشرق آسيا والتى أسماها (الواقعية المسئولة !!). وملخصها تحويل أفغانستان إلى مستعمرة تديرها وتستثمرها شركات المرتزقة الدوليون (على رأسهم بلاك ووتر) . ومؤسسها وصاحب المشروع هو “إريك برنس” الذى تمول مشاريعه دولة الإمارات المقيم على أراضيها ، وللإمارات أيضا قوات شاركت فى القتال ضد حركة طالبان ، وإحتلت مواقع عسكرية فى قندهار ، ولها دور تاريخى ونصيب معلوم فى تجارة المخدرات الدولية .

ــ ما نشر عن القوات العسكرية للمحتلين الأمريكيين والمرتزقة لا يشير إلى أى تغير جوهرى يمكن يحدث فى الموازين الحالية ، إلا فيما يتعلق باحتمال إستخدام أسلحة متطورة تكنولوجيا بأكثر مما سبق إستخدامه حتى الآن . فالمستثمرون الكبار يفضلون توظيف التكنولوجيا أكثر من توظيف البشر . فهم يتوقعون منها أرباحاً أكثر ونتائج أسرع وفى الإجمال نفقات أقل . وهذا هو التحدى الذى يجب أن تتحسب له حركة طالبان .

الجانب المعنوى ونوعية المقاتلين والحاضنة الشعبية كل ذلك يجعل نتائج الحرب محسومة لصالح حركة طالبان مهما تنوعت الاستراتيجيات التى فشلت بإستمرار .

واستراتيجية ترامب مهتزه جدا فى جوهرها ، وحتى صاحبها يبدو غير مقتنع بها ، رغم صراخه بضرورة الإنتصار . فقوله بأن استراتيجيته لا ترتبط ببرنامج ولا خطة، يعنى ببساطة أنها ليست استراتيجية فى الأساس . بل لعبة من ألعاب المقامرات ، لأنه ينتظر مرور الزمن حتى يقرر ماذا سيفعل ، وكيف سيفاجئ خصمه ، فبأى شئ سيفاجئ وهو بلا خطة ؟؟ .

إنه يعتمد على ضربة حظ سوف نتكلم عنها لاحقا .

فى جميع الأحوال يلزم حركة طالبان تعزيز قواتها المقاتلة بالمزيد من المعدات المتطورة لمواجهه تطور كبير محتمل فى المستوى التكنولوجى للحرب ، ستفرضه الإستراتيجية الجديدة لشركة المرتزقة التى ستتولى خوض الحرب وإدارتها عسكريا وسياسيا واقتصادياً .

وبشكل خاص يلزم الحركه ما يلى :

1 ــ التوسع فى إستخدام مناظير الرؤية الليلية للأفراد والأسلحة / خاصة بنادق القناصة وقوازف الصوارخ المحمولة على الكتف/ . والتوسع فى إستخدام أجهزة تحديد المسافات العاملة بأشعة الليزر.

2 ــ صواريخ “أرض ـ أرض” ، تناسب أغراض حصار القواعد الجوية من حيث المدى والقدرة التدميرية.

3 ــ صواريخ ” أرض جو” محمولة على الكتف . تناسب أغراض حصار القواعد الجوية وخطوط الملاحة لطائرات نقل الهيرويين .

4 ــ معدات إتصال لاسلكى أكثر تطورا ، وأكثر عدداً ، لتحقيق الترابط بين المجموعات وتنسيق العمليات الصغيرة والكبيرة ، واعتراض إتصالات العدو اللاسلكية .

5 ــ معدات حديثة للتصدى للطائرات بدون طيار لإسقاطها أو الإستيلاء عليها .

6 ــ الحصول على تدريب متقدم لطواقم تلك الأسلحه جميعاً .

العصب الحساس : ضرب صناعة الهيروين .

المحور الحيوى لكل هذا البنيان الإحتلالى هو الثروة الهائلة التى يجنيها من تحويل محصول الأفيون إلى “هيرويين” داخل معامل حديثة فى القواعد الجوية الأمريكية . ثم ينقله عبر العالم بطائرات سلاح الجو الأمريكى ، مع تهريب برى عبر الحدود إلى دول الجوار .

حرمان العدو من ذلك المصدر المالى يفقد العملية الإستعمارية جدواها ويصبح الإنسحاب إختيارا أوحدا .

وذلك بشن حرب ضد ذلك العصب الحساس لحياة العدو ، فى مجهود عسكرى سياسى منظم . يمتد داخل أفغانستان حتى يصل شقه السياسى إلى دول الجوار ، والعالم الخارجى .

من أجل شن (حرب أفيون مضادة) وناجحة ضد العدو ، يلزم لها المتطلبات التالية :

1 ــ إحكام السيطرة عسكريا وإداريا على مناطق زراعة الأفيون .

2 ــ منع إيصال خام الأفيون إلى العدو ، بضرب ركائز عملية الإنتقال من معدات وأفراد ومخازن . والتخلص من كبار القائمين على مشروع المخدرات لدى العدو من عناصر محلية أو أجنبية .

3 ــ فرض حصار برى على القواعد الجوية حيث مصانع الهيرويين .

4 ــ التصدى لطائرات العدو لمنعها من نقل الهيرويين ، وضربها على الأرض وفى الجو.

5 ــ قطع طرق تهريب الهيرويين برا إلى خارج أفغانستان وإحراق الكميات المصادرة على الفور .

6 ــ تسهيل خروج الأفيون الخام حتى لا يقع فى أيدى العدو فيستخدمه فى صناعة الهيرويين .

المجهود السياسى للحرب على الهيروين :

داخليا: شرح موضوع حرب الأفيون للمزارعين والشعب عموما . وتوضيح الموقف الشرعى وفقا للمذهب الحنفى من المشكلة . والفرق بين زراعة الأفيون كنبات طبى وبين تعاطيه كمُسْكِر. وأن زراعته مباحة بينما تعاطيه حرام ، مثل تعاطى الهيرويين والمخدرات الأخرى.

ــ تحريم بيع الأفيون للعدو بشكل مباشر أو غير مباشر . وأن ذلك يعتبر عونا للكافرين على المسلمين .

ــ أنه بعد التحرير ورحيل المستعمر . سيجرى تصنيع أدوية من الأفيون للتصدير فى أنحاء العالم ، بديلا عن بيع الخام الذى قد يساء إستخدامه ، علاوة عن تدنى ثمنه كثيرا بالنسبة للأرباح العائدة على السماسرة والتجار، لذا يكون المزارع غارقا فى الديون الربوية .

خارجيا : مناقشة دول الجوار حول مشكلة الهيرويين الذى تصنعه أمريكا من محصول الأفيون الأفغانى وتهربه إلى دول العالم ، بما فيها دول الجوار. وإقناعها بالسياسة القاضية بتسهيل خروج الأفيون من أفغانستان لحرمان العدو من إستخدامه فى صناعة الهيروين القاتل ، مع عدم السماح بمرور شحنات الهيروين وإعدامها على الفور ومعاقبة ناقليها بإعتبارهم مساعدين للعدو .

ــ أن لدول الجوار أن تتخذ السياسة التى تناسب مصالحها إزاء شحنات الأفيون التى قد تنتقل إلى أراضيها ، فذلك من مسئوليتها . وطبقا لمصالحها تتعامل مع المضبوطات إما بالإتلاف أو بإدخالها ضمن دائرة الصناعات الدوائية لديها .

ــ يمكن الدخول فى برامج مشتركة لمكافحة عصابات تهريب الهيرويين ، حيث تلتقى مصالح الجميع حول ذلك .

ــ الأفيون فى الأساس نبات طبى يدخل فى صناعة جميع المسكنات ، لذا فإن التعامل الإيجابى معه هو الأصل . أما الهيرويين فهو منتج مدمر للإنسان والمجتمعات والدول . لذا يجب التكاتف ضد تهريبه وضد الإستعمار الأمريكى الذى دمر أفغانستان لأجل تحويلها إلى مزارع تخدم مصانع الهيروين وتجارته الدولية .

قتال الشركات .. قتال عصر العولمة :

تغير المناخ الاستراتيجى الذى تدور فيه حرب أفغانستان ، مع تغير نظرة العدو إلى الحرب معتبرا إياها نشاطاً تتخلى عنه الدولة (الولايات المتحدة) لصالح القطاع الخاص (شركات المرتزقة) . حيث واجبات الحكومة طبقا لسياسة العولمة الإقتصادية هى:

مجرد حارس لأمن الشركات وأداة لتنفذ سياساتها ، وتوكيل المشاريع العامة ووظائف الحكومة وسلطاتها إلى تلك الشركات التى تشاطر الحكومة حتى فى مهامها الأساسية المتبقية لها فى الدفاع والأمن . وتضع الحكومة القوانين التى ترفع كل العوائق من أمام الشركات الكبرى حتى لا تحد من إندفاعها المحموم صوب الربح . وطبيعى وكنتاج منطقى لكل ذلك أن تحتاج الحكومة إلى إستخدام درجة عالية من التضييق على الحريات العامة والقمع ومراقبة المواطنين لمنع ثورتهم على ذلك الظلم الفادح فى توزيع الثروات التى تتركز فى أيدى نسبة قليلة من أفراد المجتمع وفى النهاية أفراد قليلون من الصفوة المالية (يهود فى معظمهم) .

ــ الحرب فى أفغانستان وطبقا لرؤية ترامب هى نشاط للشركات وليس للحكومة . وتأسيس شركة على غرار شركة الهند الشرقية (1700 م ـ 1874 م ) يثير فى أفغانستان والمنطقة مخاوف تاريخية عظيمة الأثر . فتلك الشركة مهدت لإستعمار الهند ومناطق واسعة من شرق آسيا ، ودمرت الصين ، وأسست للقرصنة البحرية المنظمة ، وخربت الثقافات وتلاعبت بالأديان ، خاصة الإسلام فى الهند وفى جزيرة العرب حيث أسست هناك الوهابية ودولة آل سعود فغيرت بذلك حاضر تلك البلدان ، بل وكافة بلاد المسلمين، وشكلت مستقبلها . فى أفغانستان ، تلتقى شركة الهند الشرقية الحديثة للسيد “برنس” مع “داعش الوهابية ” المنتج التاريخى للشركة فى جزيرة العرب .

ذلك بلا شك يعنى جميع دول المنطقة ، خاصة جيران أفغانستان . وبشكل أكثر خصوصية الصين التى كانت قديما أكبر ضحايا شركة الهند الشرقية وسياستها الإستعمارية .

ــ جزء من المعركة أن تثير حركة طالبان تلك القضية الخطيرة مع دول الجوار للتوصل إلى رؤية مشتركة، والأهم هو التوصل إلى برامج عمل مشتركة للدفاع ضد ذلك الخطر الوجودى.

مع توضيح الدور المركزى لجهاد شعب أفغانستان بقيادة حركة طالبان فى التصدى للتحول الإستعمارى الجديد ومخاطره على المنطقة .

تعامل حركة طالبان مع الوضع الجيوسياسى الجديد لأفغانستان :

من أساسيات العمل السياسى لحركة طالبان ـ فى الداخل والخارج ـ هو إستخدامها الإيجابى وتفهمها الكامل للقيمة السياسية لموقع أفغانستان الاستراتيجى فى المنطقة ، فى ظل الوضع الدولى الراهن . فبعد أن كانت أفغانستان منطقة عازلة بين إمبراطوريتين إستعماريتين ، وذلك باتفاق الكتلتين معا ، فالآن بزوال ذلك الواقع ، من المفروض أن تتحول أفغانستان إلى حلقة ربط بين أجزاء آسيا الجنوبية والشمالية ، وبين شرق آسيا وغربها . ولكن الإحتلال الأمريكى عرقل ذلك الدور . ومع تحول الإحتلال إلى شركة إستعمارية من النمط القديم ، ولكن بوسائل حديثة ، فإن دور أفغانستان كحلقه إتصال تعرض للخطر حيث أن ذلك الموقع معرض لسؤ الإستغلال من جانب الشركة الإستعمارية الجديدة ، بتحويله إلى موقع للتدخل وتصدير الهيروين والإرهاب المؤسسى(بلاك ووتر) والإرهاب الوهابى الأعمى (داعش) ، وممارسة التدخل فى شئون دول المنطقة والسعى إلى السيطرة على ثرواتها .

ــ ومن المعلوم أن العديد من دول الإقليم قد إستثمرت أموالا طائلة فى مشروعات إتصال فيما بينها عبر أفغانستان ، وفى الطرق الحديدية بشكل خاص . وذلك متوافق مع دور أفغانستان كحلقة إتصال وتبادل تجارى بين دول الإقليم .

ــ حركة طالبان فى إتصالها مع دول الجوار توضح حرصها على ذلك الدور لبلادها فى تنمية الإقليم . وأن تلك المشروعات لن تكون عرضة للهجوم ، بل ستكون موضع تنمية فى المستقبل لأن من ضمن أهداف الحركة بعد وصولها إلى الحكم سيكون ربط أجزاء البلاد كلها بشبكة من الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية . إضافة إلى عملية واسعة لإستخراج المواد الخام وتصنيعها ، والتوسع فى المشروعات الزراعية . والتعاون الإقليمى فى مجال الصناعات الدوائية المشتركة التى تعتبر حلا جذريا لمشكلة سؤ الإستفادة من محصول الأفيون .

تفتيش القواعد الأمريكية :

ــ وينبغى أن تكرر الحركة على الدوام مطلبها بضرورة إخضاع القواعد العسكرية الأمريكية للتفتيش الدولى بمشاركة دول الجوار ، للتأكد من حقيقة النشاطات غير العسكرية التى تدور فى تلك القواعد . مع الجزم أنها تضم أكبر معامل الهيرويين فى العالم وأحداثها . وأن أسطول طائرات النقل العسكرية ماهو إلا أسطول دولى لنقل الهيروين حول العالم . إضافة إلى أن تلك القواعد تحوى سجونا سرية ومقار للتعذيب والإستجواب العنيف للمعتقلين .

السياسة مع دول الجوار (صفر مشاكل ــ 100% تعاون ) :

هذا المبدأ ينبغى أن يأكده المكتب السياسى للإمارة فى حواراته مع دول الجوار . وأن السبيل إلى ذلك هو تحويل أى مشكلة “حدودية” أو “مائية” إلى مشاريع مشتركة فى تلك المجالات . مع فتح الباب لمفاوضات هادئة بين المختصين فى الجانبين للوصول إلى إتفاقات قانونية عادلة للمشكلات المعلقة .

حوار سياسى وعسكرى مع دول الجوار :

جاء فى رسالة موجهة من الإمارة الإسلامية إلى ترامب (فى 25 / 8 / 2017 ) { سترتكبون غلطة كبيرة إن أجبرتم شعب أفغانستان المسلم ليمد يده إلى “نظرائكم ” لأجل تحرير بلده والتخلص من ظلمكم } .

وفى الحقيقة فإن الخطأ الأكبر هو عدم القيام بذلك منذ اليوم الأول للعدوان الأمريكى على أفغانستان وحتى الآن . وعدم تفعيل المبدأ الشهير (عدو عدوى صديقى ، وصديق عدوى ، عدوى ) . وعوضا عن ذلك إفتتحت الحركة مكتبا سياسيا دائما لها فى قطر التى تلقت الأوامر أولا من الرئيس الأمريكى ، باعتبارها حاملة طائرات أمريكية وأكبر مخزن عتاد للقوات الأمريكية فى المنطقة . وذلك تناقض فادح يصعب تفسيره أو إيجاد مبرر له .

وطبقا للمبدأ الشهير للعداوة والصداقة بين الدول ، فمن المفترض أن تكون قائمة أصدقاء شعب أفغانستان هى نفسها قائمة أعداء الولايات المتحدة . ومن المنطقى أن يتصدر القائمة إسم كوريا الشمالية ، ثم تتوالى الأسماء لتشمل الصين وروسيا وإيران حتى تصل إلى فنزويلا فى أمريكا الجنوبية . فثمة أصدقاء لشعب أفغانستان حيث يوجد أعداء للولايات المتحدة . ومن حسن الحظ أن تلك الدول جميعا تصنع أسلحة على درجة من التطور تفى باحتياجاتنا القتالية ومواجهة التحديات الجديدة .

مخاطر مشتركة = مصالح مشتركة :

الجوار يفرض علينا مصالح مشتركة مع دول الجوار جميعها . والخطر العدوانى الرابض على أراضينا يقتلنا ويدمر شعبنا ومستقبل أمتنا ، هو خطر يهدد على جميع دول الجوار بلا إستثناء . والتطور الجديد (للمؤسسة الإرتزاقية) أو (شركة الهند الشرقية) الجديدة ، أو مشروع(ترامب /البرنس) هو تطور شديد الخطورة ودروسه التاريخية من القرون الماضية خير شاهد .

وحيث أن مجاهدى حركة طالبان يقفون فى الصف الأول لقتال تلك الأخطار ، فإن دول الجوار جميعاً تستفيد من ذلك الجهاد البطولى ، ويصبح من واجبها دعمه بكل وسائل الدعم الممكنة ، حسب الظروف المتاحة أمام كل بلد بدون تعريضها لأى مخاطر من أمريكا والمحور المساند لها .

أهم المطالب هى الحصول على السلاح المناسب وبالكميات المناسبة . وجبهة الأصدقاء يمكنهم توفير ذلك بسهولة ، ودول الجوار الصديقة عليها توفير ممرات لعبور السلاح إلى المجاهدين فى أفغانستان . أو على الأقل إغماض عينيها إذا قام المجاهدون بفعل ذلك بوسائلهم الخاصة .

ــ مع التطورات الجديدة وتغير المناخ الاستراتيجى للحرب ، حان الوقت كى تدخل علاقات طالبان مع دول الجوار فى مرحلة أكثر جدية ، ليس فقط فى مجال التسليح بل أيضا فى المجال السياسى والإعلامى وشتى العلاقات الأخرى ، التى ستشمل بحكم طبيعة الأوضاع موضوعات أمنية متعددة .

ــ هذا يستدعى فتح مكاتب إتصال مع تلك الدول لمتابعة الموضوعات المشتركة . ومكاتب الإتصال تكون تحت إشراف المكتب السياسى المركزى الذى يجب نقله إلى داخل أفغانستان ، وإلا فإن حركه طالبان لن ينظر إليها الآخرون بجدية فى الظروف المستجدة .

فى إنتظار الفتنة .. الوقت جزء من استراتيجيه ترامب :

فى طرحه الاستراتيجى المفكك ـ الذى لم يكن إلا مجرد تكليف لشركة خاصة بأمر الحرب فى أفغانستان ، على خطى الإستعمار البريطانى القديم ، قال ترامب أنه لا يمتلك جدولا زمنيا ولا خططاً ، بل سيفاجئ “الأعداء” بحركته ، وسيترك تحديد الزمن لتغير الشروط على الأرض .

فهو لا يملك خطة ولا جدول زمنى ، ولكنه يكمن فى إنتظار فرصة معينة لم يفصح عنها . فما هى تلك الفرصة؟؟.

يدرك الأمريكيون عدم وجود أى فرصة لإحداث تغيير أساسى فى الأوضاع العسكرية على الأرض . وأن أى ضغط عسكرى زائد سيتم إمتصاصه والتغلب عليه . فهم يخسرون الأرض باستمرار وتذوب الأجهزة العسكرية “الوطنية” من ناحية المعنويات والقدرات القتالية .

تنحصر فرصة العدو لإحداث التغيير بالأساليب الاستخبارية وليس العسكرية . وقدرة أجهزته على إشعال فتنة ما تؤدى إلى إضعاف حركة طالبان ، وإرغامها على الرضوخ والتسليم بشروطه . وهناك ثلاث أنواع من الفتن الممكنة نظريا ، أو يمكن تجربتها عمليا :

1 ـ الفتنة الداخلية : بإحداث خلافات داخل صفوف الحركة تؤدى إلى إنشقاقها .

2 ـ فتنة داعش : فى حال نجح داعش فى تثبيت فتنة ما ، طائفية أو عرقية ، فى المجتمع الأفغانى ، أو تشكيك الأفغان فى دينهم ، وإضعاف ثقتهم فى حركة طالبان .

3 ـ فتنة مشيخات النفط : باستخدام سلاح المال لشراء قطاع قيادى من حركة طالبان يكون كافيا لإحداث إنشقاق كبير يدخل فى تسوية سياسية تحت الشروط الأمريكية ، فيشكل حكومة مختلطة مع نظام كابول . كما فعلت السعودية مع منظمات المجاهدين حين شكل مدير مخابراتها (تركى الفيصل) حكومة مجددى وربانى، لتشارك فى الحكم مع الشيوعيين المنبثين فى أجهزة الدولة . وظل الرئيس نجيب يمارس بعض سلطاته من داخل مقر الأمم المتحدة بالقرب من القصر الجمهورى فى كابول .

من المعروف أنه من الصعب جدا إحداث أياً من أنواع الفتن فى أفغانستان بدون مساهمة باكستانية وثيقة . لهذا أصر ترامب على ضرورة تعاون باكستان بشكل أكثر جدية فى “مكافحة الإرهاب” ، بل وهدد حكومتها بعقوبات إن هى لم تفعل . فإحداث الفتن فى صفوف المجاهدين هو تراث باكستانى راسخ ، ورثته حكوماتها عن الإستعمار البريطانى للهند . هذا الإستعمار يعود الآن إلى المنطقة من جديد مع شركة (ترامب/ برنس) كورثة شرعيين لشركة الهند الشرقية .

تلك مجرد إحتمالات . ولكن الركائز الإيمانية للحركة الجهادية بقيادة حركة طالبان، قوية بما يكفى لإحباط الفتن جميعا ، وتحقيق النصر فى نهاية المطاف .

وليس من شك فى أن الولايات المتحدة ستلحق بالإتحاد السوفيتى، لينتهى أحد أكثر فصول التاريخ البشرى همجية ودمارا .

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

www.mafa.world