حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد(18)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 18

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 168 ) | جماىي الآخيرة 1441 هـ / فبراير 2020 م  . 

03/02/2020

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 18 )

حقاني في منطقة فخري، تمهيدًا لمعركة قادمة مع الجيش الأحمر .

 

 

– أطفال يتعلمون القرآن رغم قصف الطائرات.. إنهم “طالبان” حكّام المستقبل .

– مجموعة قتالية من أبناء الشهداء فكرة أيدها حقاني.. وعجزنا عن تنفيذها .

– جولة حقاني بين قبائل زدران: تجديدا للبيعة على الجهاد، وإظهارًا للقوة أمام السوفييت وحكومة كابول .

– سياف والمخابرات الباكستانية يمهدون لفتح طريق زدران أمام السوفييت .

– حقاني يصاب على جبال زدران.. وتعرضت للاعتقال على الحدود مع صندوق من الأدوات الخطرة .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

ينتمي ( نجيب ) الرئيس الجديد لمنطقة(سيد كرم ) جنوب جرديز، على مسافة ليست كبيرة من جبال ستي كندو، العقبة الجغرافية الكبرى أمام أي زحف عسكري صوب مدينة خوست .

كان اختيار السوفييت لنجيب رئيسًا، عملًا ذكيًا من نواحي عديدة: فهو شخصية قوية، عامرة بالمعلومات، ومرهوب الجانب، ومتشعب الصلات مع قبائل الحدود. كل ذلك بحكم منصبه كمدير لجهاز المخابرات الأفغانية خاد، وكانت جهازًا كفؤا كامتداد للمخابرات السوفيتية .

– من وقتها ومعركة (طريق زدران) الواصل من جرديز إلى خوست اتخذت طابعًا شخصيًا بين الرئيس الجديد نجيب، وبين مولوي جلال الدين حقاني الذي يقف في وجه أي غزو سوفيتي (عسكري أو سياسي) لذلك الطريق أو لولاية باكتيا عموما، أو لقبيلة زدران التي ينتمي إليها .

– أرسل نجيب رسائل ترغيب وترهيب لقبيلة زدران، يؤكد لهم عزم السوفييت على عبور (طريق زدران) وتموين خوست عن طريق البر. وأن السوفييت لن يرحلوا من أفغانستان قبل فتح ذلك الطريق، كونه الوحيد الذي لم تستطع قواتهم عبوره رغم أهميته الاستراتيجية . وأكد عزمه وعزم السوفييت على تدمير قرى زدران إذا أبدت أي مقاومة .

وأصدر نجيب قرارًا بالإعدام غيابيا بحق مولوي حقاني وعدد آخر من القادة الميدانيين. ولم يكن لذلك أي تأثير عملي سوى التعبير عن اليأس والحقد .

– بعد معركة جاور في شهر يونيو، وما أن تحسنت صحة حقاني وتماسكت الحروق التي أصيب بها من قنبلة النابالم في جاور حتى هيّأ نفسه ورجاله بسرعة للتحرك إلى مركزه في قرية (سرانا) الواقعة في قلب مناطق زدران، حيث مقر قيادته التاريخي في بدايات الجهاد.

الضابط عمرـ ذلك الشاب الحيوي ــ كان مشرفًا على أمنيات حقاني ومهّد له الرحلة المزمعة إلى مناطق زدران. حقاني أمر شقيقه خليل بإحضار ثلاث راجمات صواريخ من ولاية باكتيكا المجاورة لتعزيز قوة النيران الموجهة إلى جرديز، التي ينوي توحيد ضربات إليها حتى لا يظن العدو أن المجاهدين قد ضعفوا نتيجة معارك جاور .

كنا خمسة من العرب قرّرنا مصاحبة مولوي حقاني في رحلته، والمشاركة في أي برنامج قتالي حول جرديز .كان بيننا كل من أبوعبيدة البنشيري ـ وأبو حفص المصري، وكلاهما أصيبا في معركة جاور الأخيرة. الأول كانت إصابته خفيفة نسبيا ولكنه راسخ البنيان ـ ومن أبطال المصارعة في مصر ـ فلم يكن لتؤثر فيه إلا قنبلة ثقيلة من طائرة ـ وهو مالم يحدث لحسن الحظ .

أما أبو حفص فقد استقرت شظية من قنبلة الطائرة بالقرب من الحبل الشوكي في عموده الفقري. وامتنع الأطباء عن إزالتها خوفًا من إصابته بالشلل، فتعايش معها وتسببت له في آخر أيامه آلاما مبرحة حتى طرحته أرضًا، وكان يعمل من خلال سكرتير من تلامذته حتى استشهد فى غارة جوية أمريكية على مكان إقامته في قندهار .

أبوعبيدة ـ وأبو حفص ـ ثنائي نادرا ما يفترقان وقد أسسا معا ومعهما أسامه بن لادن تنظيم القاعدة في أواخر 1987 بعد معركة جاجي العظيمة التي كان الثلاثة من نجومها المبهرة . في ذلك الوقت كانا قد انضما إلى تنظيم الجهاد المصري، وكذلك الزميل الخامس الذي انضم إلى رحلتنا صوب(سرانا) .

– في الطريق تناقشنا مطولا حول معركة جاور الأخيرة ـ وحول احتمالات القتال على طريق زدران وماذا يمكننا أن نفعله فيها .

وبالطبع ناقشنا دور العرب في حرب أفغانستان . كنا نتفق أحيانًا ونختلف في معظم الحالات . كنت مع عبد الرحمن في نفس الطرف دائمًا، وفي خلاف مع الباقين غالبًا .

كنّا في مركز سرانا نحن الخمسة، وقد أنهكنا النقاش .

 

 

يوم الاثنين (28/7/86):

وجدتها فرصة لتخفيف التوتر داخل المجموعة أن أصطحب عبدالرحمن ونذهب لرؤية الشيخ جلال الدين الذي يزور مناطق زدران. وهو الآن في منطقة فخري. أخذنا دليلا إلى هناك، فوجدناها قرية خضراء رائعة عامرة بالحياة .تخترق واديها الضيق الساحر قوافل كثيفة متوجهة إلى الشمال ومكونة من عشرات الدواب تحمل أسلحة وذخائر، قادمة من باكستان.

كانت فرصة طيبة بالنسبة لنا أن نحضر عددا من لقاءات حقاني من عشائر قبيلته. كانت أشبه بعملية إعادة بيعة وإزالة الآثار السلبية لدخول القوات الشيوعية إلى جاور، وإعلان التصميم على إبقاء طريق جرديز  خوست مغلقا في وجه القوات الحكومية، التي مابرحت تهدد وتتوعد، وتعرض الأموال والسلاح في مقابل إعادة فتح الطريق .  لقد وصلت إلى زدران تهديدات ومساومات شتى، خاصة من أبناء زدران أنفسهم من كبارالضباط وأعضاء الحزب الشيوعي.

نجيب الله الرئيس الجديد الذي لم يكمل شهرين في السلطة وهو من أبناء جرديز ضاحية سيد كرم، كتب لهم يقول أن حكومة كابول قد تكلفت أموالا طائلة في نقل الإمدادات جوا إلى خوست، وهي لا تستطيع الاستمرار في ذلك، لذا فهي مصمة علي فتح طريق زدران بالاتفاق أو بالحرب .

في تلك الجولة التي استمرت عدة أيام حضرنا مع حقاني عدة ولائم فاخرة كأنها مباريات في تكريم الرجل ولكنها أفادتني كثيرًا، فقد بدأت أسترد عافيتى. ورغم كميات اللحم الكثيرة التي عرضت على تلك الموائد  فقد أغرمت وعبدالرحمن بالزبد والبصل الأخضر. وكان بصل فخري بالنسبة لنا أحد العجائب، وفي كل وليمة كنا ندس كميات كبيرة منه في جيوبنا  كي نتناولها فيما بعد تحت الأشجار أثناء فترات الراحة. نسينا تمامًا أجواء الحرب رغم خشيتي المستمرة من حدوث غارات جوية مفاجئة على تلك القرى السعيدة التي أنستنا, تقريبًا, المآسي الدائرة حولنا في كل مكان.  لم ينغص علينا الحياة سوى براغيث فخري التي لم نشهد مثيلا لوحشيتها، حتى أننا وضعنا فيها بعض الأشعار. وهي ليست أشعارًا بالمعنى الصحيح ولكنها أغنيات شهيرة حوَّرْناها لتناسب تلك المأساة, فكنا نتضاحك بتلك الأشعار الغنائية بين موجات الهرش الأليمة .

 

 

طالبان المستقبل :

أطفال يتعلمون القرآن تحت قصف الطائرات .

 

– علمنا أن هناك عدد من مدارس الأطفال في المنطقة مازالت تعمل ، فقمت مع عبدالرحمن بجولة على تلك المدارس استغرقت عدة أيام وكانت مؤثرة للغاية. أطفال يتعلمون القرآن تحت تهديد دائم بالقصف الجوي إلي جانب كل مدرسة هناك حفرة في جبل، يهرع إليها الأطفال عند سماع صوت الطائرات ، وقد حضرنا تجربة كهذه.

كانت محزنة حقا، رغم أنها لم تسفر عن ضحايا إلا أن أجواء الرعب نفسها والبساطة التي يتعامل بها الأطفال مع الخطر .. تؤثر كثيرًا في النفس. لقد تبارى الأطفال في تلاة القران أمامنا. وتزاحموا لمصافحتنا.

فمن كان يتصور أن هؤلاء سيحكمون أفغانستان مستقبلا؟؟

في أول زيارة ماكدت أدخل الغرفة الوحيدة في المدرسة حتى رأيت حوالي عشرين يدا صغيرة جدا ممتده نحوي للمصافحة, فجمعت الأيدي كلها وصافحتهم مرة واحدة

فأغرقوا في الضحك. أردت أن أصورهم فتسابقوا يحملون المصاحف وطلبوا منا بنادقنا حتى يضموها إلى صدورهم عند التصوير. التقطت لهم عدة صور كانت أفضل ما صورت خلال حرب أفغانستان كلها. ثم طبعتها فيما بعد بحجم كبيرا جدا ووزعتها على عدد من الأصدقاء في أبو ظبي وظلت واحدة منها معلقة في جريدة الاتحاد .

كان بعض الأطفال من الأيتام, وما أكثرهم في أفغانستان.  الصغير(محمد خان )فقد أمه وهو لم يدرك بعد  سنته الرابعة. كان بصحبة أبيه الذي يأخذه معه  في كل مكان  لأن باقي الأهل مهاجرون. حملته على كتفي ففرح كثيرًا ورفض أن يرجع إلى أبيه وطلب البقاء معي . وكم تمنيت ذلك وأحزنني فراقه. من تلك الزيارة جاءت إلينا فكرة تكوين مجوعة مقاتلة من الشباب دارسي العلوم الدينية ومن أبناءالشهداء ندرب هذه المجموعة ونقاتل بها، ونحضر لهم مدرسين من العلماءالأفغان، أي تكون مدرسة دينية قتالية . تداولت الفكرة مع عبدالرحمن وراقتنا كثيرا ثم عرضناها على الشيخ حقاني فرحب بها وقال بأنه مستعد لتسليح هؤلاء الشباب بالأسلحة المتوفرة لديه .

لقد وجدنا إذن مشروعنا القادم  إنه الحل لأزمتنا القتالية وفشلنا مع إخواننا العرب.

كان حقاني هو الآخر قد وضع قدميه, ربما بدون أن يشعر هو أو نشعر نحن، على أول أعتاب معركته الكبرى القادمة التي حدثت بعد ذلك بعام ونصف تقريبًا (ديسمبر87) تلك الحملة السوفيتية الضخمة التي انطلقت من جرديز لتفتح طريق زدران نحو خوست عنوة.

كان حقاني في رحلته تلك يهدف إلى تمهيد المنطقة سياسيا لقبول معركة كبيرة ضد حكومة كابول الشيوعية أذا حاولت اقتحام الطريق.  بلا شك كان هناك من ضعفت عزيمته نتيجة ما تخيلوه هزيمة جاور، ولطول مدة المعاناة والقتال ، والخسائر في الأرواح والأموال إلى جانب المغريات الهائلة التي تعرضها عليهم حكومة كابول وأبنائهم, أبناء باكيتا, بل وأبناء زدران نفسها, من كبار مسئولي الدولة. وهو ينوي أن يضع جارديز نفسها تحت ضغط عسكري ويبادر بالعمليات حتى يحتفظ بمعنويات رجاله مرتفعة ويرهب عدوه مظهراً له القوة، ويحشره مسبقًا في موقف الدفاع.  لذا فقد أرسل رجاله بقيادة أخيه إبراهيم إلى منطقة الأرجون لإحضار ثلاثة راجمات صواريخ متعددة الفوهات (بي ام 12) حتى يقصف مواقع الشيوعين في جارديز. وقد صادفه التوفيق في ذلك القصف الذي أدى إلي مصرع محافظ جارديز. وقد وصلته رسالة بذلك في6/8/86 .

وأفادت الرسالة أيضًا وهي من أحد المتعاونين معه هناك ـ أفادت بأن الوزيران أسلم وطنجار وجولاب زاي قد يصلان قريبا إلى جرديز للاجتماع برؤساء القبائل لطلب معاونتهم في فتح الطريق  وكلا الرجلين من باكتيا. طلب منا الشيخ أثناء تجوالنا معه أن نشارك المجاهدين في قصف المدينة, خاصة وأن المهمة يقودها صديقي القديم عبدالرحمن إبن عمه وأول كومندان عملت معه في أفغانستان.

رحبت بالفكرة رغم قراري المسبق بالرحيل : فقد كان يسرني أن أعمل مرة أخرى مع عبدالرحمن الذي أعتبره النقيض الكامل  للكومندان غنمكة. وهكذا بدأ حقاني هجومه المعاكس بعد معركة جاور. بدأه سياسيًا في وسط قبائل زدران وعسكريا على جارديز نفسها .

تخريب في ستي كندو:  ولكن الخيانة كانت أسرع فقد بدأت العمل في المنطقة قبل عشرة أشهر من وصول حقاني في رحلته تلك. وتحديدا بدأت في سبتمبر 1985 في أعقاب الحملة الأولي على جاور.

وبدأت المؤامره فوق جبال ( ساتي كندو) التي تمثل المفتاح الجنوبي ( لجرديز) كما تمثل المدخل الطبيعي لطريق زدران (جرديز/ خوست). مصدر المؤامرة كالعادة هو بشاور وتحديدًا سياف. وبالطبع فإن العبث فى مسائل استراتيجية على هذا المستوى الرفيع لا تترك لأمثال هؤلاء لكنها تأتي بأوامر واضحة صريحة من الجنرال أختر عبدالرحمن مدير الاستخبارات الباكستانية. وهذا الجنرال الخطير يمثل سياسة الدولة الباكستانية وينفذ صفقاتها مع أمريكا.

أهم مرتكزات اتفاق جورباتشوف مع ريجان هو عدم السماح بانتصار إسلامي في أفغانستان أو قيام نظام إسلامي فيها. وبالتالي عدم السماح للمقاومة الأفغانية بدخول مرحلة الحسم العسكري الذي يتمثل في إسقاط المدن والاستيلاء عليها. وخوست كما يدرك هؤلاء، أضعف الحلقات في المدن الأفغانية الأساسية نتيجة حصارها

المزمن الذي يجعلها قابله للاقتحام من طرف المجاهدين على ماهم فيه من ضعف وتمزق.

لذا كانت لخوست تحديداً أهمية خاصه على المستوى الدولي لأنها تتحكم في مصير قضية دولية من الدرجة الأولى. تلك كانت بديهية لم يدركها العرب المجاهدون، وحتى أكثر الأفغان. لكن الخطوات قد اتخذت منذ عام 1985 لمنع سقوط خوست . وكانت الخطوة الأولى فوق جبال ستى كندو.

فماذا حدث هناك؟ لقد قرر سياف إقامة جبهة عسكرية لحزبه فوق قمم (ساتى كندو) وهذا إجراء منطقي في ظل الفوضى العارمة في صفوف المقاومة الأفغانية سواء سياسياً أو عسكرياً . ولكن ذلك الإجراء كان استثنائياً في أهميته نتيجةعاملين:

(الأول) الأهمية الاستراتيجية الفائقة لجبال (ساتي كندو).  (الثاني) خطورة الشخصية التي عينها سياف لتتولى ذلك العمل الحساس وهي شخصية الكولونيل(حاظر محمد) الشيوعي القديم.

فمن هو الكولونيل (حاظر محمد )؟ يقول الضابط عمر مسئول الاستخبارات عند حقاني في ذلك الوقت وزميل الدراسه لحاظر: كان ذلك الضابط عضوا قياديا في (حزب خلق) الشيوعي لمدة اثنتى عشر عامًا متتالية، لذا فقد حصل على ترقيات عسكرية سريعة. تلك الترقيات كان لها مبررات عمليه إلى الجانب الانتماء السياسي، فالقسوة وارتكاب المجازر ضد المدنيين أحد المؤهلات المعتبرة جدًا للحصول على ترقيات عسكرية سريعة.وقد شهد أحد الضباط الأسرى في معركة (شهرناو) في

باكتيا عام 1984 أنه شارك في معركة تحت قيادة (حاظر محمد) في مدينه باغمان غرب كابول، وأن حاظر محمد أمر سكان القرية بالخروج من بيوتهم والإحتشاد أمام أحد الجدران الطينية ثم فتح عليهم النيران المدفع الرشاش الثقيل من مدرعه القيادة التي كان يستقلها.

وقد قتل25 شخصًا في ذلك الحادث وجرح كثيرين. حاظر محمد من قبيلة زدران , وهنا خطورة أخرى لدورة القادم, وهو أيضاً ابن عم الرائد (جولزراك) المستشار العسكري القديم لحقاني, والقائد العسكري الحالي لسياف .

الأخ الأصغر لحاظر محمد وهو ضابط ويدعى (حادي محمد) هرب من الخدمه العسكرية عام 1982, أي قبل أن يهرب حاظر نفسه بعام والتحق بمكتب حزب يونس خالص في بشاور حيث تم تعيينه مديراً لمخزن الذخائر المركزي في الحزب.

و قضى هناك خمس أشهر كاملة, وهو بحكم منصبه يستطيع الإطلاع على أسرار عسكرية خطيرة مثل كميات الأسلحة والذخائر وعدد مراكز المجاهدين وأماكن توزيعها وعدد أفرادهم وتسليحهم الحالي، ماتسلموه من  أسلحة ومهمات.

خمسة أشهر كانت كافية لهذا الضابط النجيب كي يعرف كل ما يريد أن يعرفه هو وقادته, قبل أن يفر مرة أخرى إلى كابل, كى يتم تعيينه قائداً لكتيبة دبابات شاركت بنشاط في سحق قواعد كثيرة للمجاهدين خاصة في منطقة أورجون. يقول الضابط عمر أثناء حديثه معي وقتها:

منذ أسبوعين استدعى حاظر محمد صديقه الحميم الرائد (أنذر جول) وكان قائداً في منطقة غزني، فحضر إلى (ساتي كندو) لزيارة صديقه (حاظر) الذي أرسله إلى باكستان كي يعيش في بيت خاص قرب مدينه (منسرة) في منطقة تدعى (قلندرآباد) .

وقد قام الضابط عمر، حسب قوله  بإبلاغ السلطات الباكستانية وتحذيرها من ذلك المهاجر الشيوعي. ولكن كانت المفاجأة غير سارة لعمر، فبدلاً من أن يشكروه على ذلك فإذا بهم يزجرونه ويردوه رداً غير طيب !!. (انتهى كلام الضابط عمر). لقد فهمت من ذلك أن هناك عملاً للحكومة الباكستانية أو مؤامرة بمعنى أصح . مع هؤلاء الضباط الشيوعيين (حاظر محمد) و(أنذر جول) وربما غيرهم أيضاً. وأن تلك المؤامرة مرتبطة بطريق زداران وإنقاذ خوست من أيدي المجاهدين.وكما علمنا في

موضع سابق من الكتاب أثناء سرد أحداث عام 1983 أن (حاظر محمد) قد فر من الجيش أثناء معارك الأورجون والتحق بالمجاهدين بناءً على اتصالات بينه وبين جولزراك الذي كان يعمل مع حقاني يومها. وحتى وقت التحاقه بالمجاهدين في الأورجون كان حاظر محمد قد حصل على ميدليات ذهبيه لقتاله إلى جانب السوفييت في معارك هامة في بانشير وكونار وباغمان، من بين تلك الميداليات وسام لينين، ذو المكانه العالية، وهو من أعلى الأوسمة.

وأثناء دراسته سابقاً في موسكو حصل على عدة شهادات تقديرية. ولايحتاج الإستنتاج بأن وصول(حاظر محمد) إلى(ستى كاندو) كان مقدمه لتسليم هذه المرتفعات الاستراتيجية للقوات السوفيتية.  إن مجرد وجود (حاظر محمد) مع مجموعة قوية ومسلحة من قبيله زدران خطوة مهمة بلا شك للإجتياح القادم.

ولكن ذلك لابد أن يصاحبه خطوة أخرى لاتقل أهمية وهي إضعاف حقاني

عسكرياً وسياسياً إلى أقصى حد, هذا إذا لم يتيسر التخلص منه نهائيًا بواسطة الاغتيال.

إضعاف حقاني يمكن إتمامه بسحب تأييد قبائل زدران له بالأموال والسيارات. لذا زود سياف قائده الكولونيل (حاظر) بكميات وفيرة من تلك المواد لجذب قادة وزعماء زدران إلى الجبهة العسكرية الجديدة بعيداً عن حقانى. سارت الخطة في بدايتها بنجاح لولا أخطاء إرتكبها الكولونيل نتيجة عجزة عن تمويه حقيقته السياسية والأخلاقية. فعلى المستوى السياسي اكتشف أهالي زدران أن هناك ارتباطات شبه علنيه بين الكولونيل وبين قيادات (جرديز) الشيوعية وفاحت الرائحة حتى زكمت الأنوف.

وزادها قبحًا سلوكيات الكولينيل والتي فشل في سترها فهو لا يصلي مع المجاهدين

في أوقات الصلاة ولا في غيرها. مع اتهامات أخلاقية مسيئة .

بدأ العلماء  بالهجوم الدعائي ضده في أوساط القبائل وحذروا الناس منه أو الانضمام

إلى جماعته. وقد أثر ذلك كثيرًا على مركزه الأدبي وعلى مخططه المنشود ولكنه لم يقض عليه تمامًا. وأراد حقاني التخلص منه فأمر رجاله بإلقاء القبض عليه وإحضاره لمحاكمته. ولكن أصحاب الرأي من حوله حذروه من مغبة ذلك العمل، فإن فخذ قبيلة زدران الذي ينتمي إليه سوف يثور لأجل الدفاع عنه من منطق الحمية القبلية، وقد يقع قتال داخلى في قبيلة زدران مابين مؤيد ومعارض , وبهذا تتفتت تلك الوحدة  التى إستطاعت أن تحافظ عليها زدران ومكنتها من صد حملات الشيوعيين وهزيمتهم على الدوام، وبفضل ذلك أصبح حقاني نفسه زعيماً مرهوب الجانب معدوداً في أهم رجالات الجهاد في أفغانستان، إن لم يكن أهمهم ميدانياً.

اقتنع حقاني بوجهه نظرهم، واكتفى بناء على مشورتهم بأن يرسل رسالتين واحدة لسياف والأخرى للرائد جولزراك يطلب منهما عزل الكولينيل حاظر محمد نهائياً  أو إبعاده عن جبل ساتي كندو على أقل تقدير. يقول الرسول الذي حمل الرسالة أنهما ما أن فرغا منها حتى مزقاها وتجاهلا الأمر!!..

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

عام 1988 : نكبات كثيرة في عام واحد

الجمعة “الأول من يناير 1988 ” :

في ورشتنا الصغيرة التي تشغل غرفة واسعة في بيتنا فى ميرانشاه، بدأنا منذ الصباح الباكر في فحص أجهزة التحكم من بعد ” الريموت” أو الكراكير حسب تسميتنا لها. فثبت لنا صلاحيتها، فهي آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا العربية في بيشاور.

وصلنا أيضا من هناك زوج من أجهزة اللاسلكى الصغيرة المتحركة صناعة اليابان.

كان العمل كثيفاً والجميع مشغولون والاحتمالات مفتوحة على مصراعيها بحيث لايستطيع أحد الجزم بما يمكن أن يحدث بعد قليل.

كل معداتنا أصبحت جاهزة. أرسلنا أحد المجاهدين للحصول على تصريح لمرور سيارتنا بالأسلحة والذخائر من سلطات ميرانشاة ، كما هي القوانين السائدة، وكان ذلك غير ممكن في يوم الجمعة لذا لابد من الإنتظار إلى الغد .

أخبار القوات الشيوعية مضطربة حتى بتنا نظن أنها لم تدخل خوست ، وأن ما رآه مجددي وآخرون لم يكن إلا انسحابًا جزئيًا للقوات الشيوعية من مضيق “دوامندو” لإيهام المجاهدين بأن القوات السوفييتية قد وصلت .{ فى يوم سابق أخبرنا الشيخ صبغة الله مجددي ونحن في منطقة باري أن القوات السوفيتية  تخطت مضيق “دوا مندو” ودخلت وادى خوست ووصلت إلى المدينة} وصلتنا أيضاً إشاعات أخرى بأن حقاني مازال في “سرانا”. واستنتجنا أنه ربما تمكن من تطهير ماحولها.

لم تكن كل تلك الإشاعات صحيحة وأن كانت قد رفعت روحنا المعنوية مؤقتاً.

قررنا الإستمرار في عملية” تورغار” وبما أنها تحتاج إلى تجهيز طويل، لذا فقد قررنا البدء بالمطار أولاً، فور وصولنا إلى منطقة بارى.{ أردنا وقتها أن ننسق مع مجموعات المجاهدين في منطقة باري هجوما على جبل تورغار وجزء من خط الدفاع الجبلي، بغرض الاستيلاء على ذلك الجبل الاستراتيجي}.

السبت 2/1/1988 :

اجتمعنا مع خمسة من شباب أبو عبد الله” أسامه بن لادن ”  وكوادره العسكرية وشرحنا لهم عملية “جبل تورغار” وأهميتها ودورنا فيها والإحتياجات المطلوبة.

وتكفل الوفد بإعداد القوة العربية وتجهيزها. وأرسلنا سيارة محملة بالمعدات والأفراد من ميرانشاه إلى مركز مالى خان فى بارى. واستأجرنا سيارة أخرى لتنقلنا إلى نفس المركز، ولكن السائق ما أن دخل إلى ” شارع الصحافة” (وادى ضيق مكدس بمغارات المجاهدين) حتى راعته وعورته ورفض المسير فرجعنا إلى مركز ” عيد جول”. وقضينا ليلتنا هناك وكنا أربعة أشخاص من العرب.

 

 

الأحد 3/يناير/1988 :

بعد تناول شاي الصباح توجهنا إلى مركز منان الواقع على مسافة قريبة كى نزور صديقنا شفيق الذي يترأس سبعة من جماعة أبو عبدالله كمجموعة إستطلاع ورماية بالهاون.

أسعدنا تواجد منان معنا في المركز، خاصة في تلك الظروف، ولكنه حمل إلينا هذه المرة ثلاثة أخبار سيئة دفعة واحدة.

الأول: أن القوات الشيوعية قد عبرت الطريق إلى خوست.

الثانى: أن تلك القوات قد دخلت “سرانا” مركز قيادة حقاني قرب “جارديز”.

الثالث: أن جلال الدين حقاني قد جرح في المعارك الأخيرة.

وقد أذيع الخبر الأول في الإذاعات أما الخبرين الآخرين فمصدرهما مكالمة لاسلكية من عند حقاني.

حسمت أخبار منان حالة التشويش التي خيمت على الجميع منذ مقابلة مجددِي.

لقد اتضحت الأمور الآن بجلاء.  لقد حققت القوة أذن معظم مهماتها الرئيسية وكنت أتصور أن خطوتهم التالية هي إغلاق المنافذ الحدودية، خاصة مدخلي” صدقي” و “غلام خان”، وبالتالي كنت أتصور أن المعركة التالية سوف تكون بين جبال بارى لمنع وصول القوة إلى” غلام خان”. ترافقها معركة أخرى فى “ليجاه” وحول جاور  لمنع وصول القوة إلى “صدقي” .

كنت أتصور أيضاً أن المواقع الخلفية الرئيسية لن يكون لها دور يذكر لأنها معلومة بدقة لدى العدو وسوف تقع تحت ضغط هائل من الطيران والمدافعية وأن الأهمية الأكبر ينبغي أن تكون للمجموعات الخفيفة المتحركة. لذا قررنا فوراً ترحيل كل أفرادنا غير المدربين أو الجاهلين بالمنطقة حتى لايسببوا لنا إرتباكاً وخسائر غير ضرورية، كذلك ترحيل كل الذخائر والمعدات التي لا تلائم العمليات المتوقعة،

أو إخفائها فى أماكن سرية يمكن وصولنا إليها عند الضرورة.

تحركنا لرؤية جماعتنا في مركز مالي خان وكانوا فى معظمهم من جماعة ” تورياليه” وكان ابني وليد معهم محتفظًا بمعنويات طفولية عالية. زرنا مركز جماعة محمدي وكان يحتوي على مغارتين ضخمتين جداً داخل الجبال العالية، داهمتنا إثنتاعشر طائرة ودارت فوق رؤسنا فلجأنا إلى المغارات وبقي قليلون يتابعون حركتها .” ثلاثة رشاشات ثقيلة ” زيكوياك 14.5 مليمتر . أطلقت نيرانها على الطائرات لكن الطائرات كانت مرتفعه وخارج مدى مدافع المجاهدين. دارت الطائرات وقصفت المنطقة حول مركز منان، ولم تحدث خسائر.

علمنا ذلك عند عودتنا إلى مركز منان الذى أخبرنا عندما سألناه عن أخبار المطار بأن الطائرات لم تستخدمه منذ ثلاثة أيام ، أي منذ أخبرنا مجددي عن دخول القوة إلى خوست .

يؤكد ذلك أن أهمية المطار قد تراجعت كثيراً بعد فتح الطريق البرى، وهو أمر منطقي ومتوقع بل أنه من الأهداف الرئيسية للحملة، أى إستبدال الجسر الجوى باهظ التكلفة بطريق برى أرخص وذو قدرة أكبر على نقل معدات ثقيلة وكميات أكبر من الأمدادات.

 

 

الإثنين 4 /يناير/1988 :

في الصباح تناقشت مع عبدالرحمن في المواقع الواجب على العرب التمركز فيها تمهيداً للمهمة القادمة التى نتوقعها للقوات الشيوعية، وهي إغلاق منفذي الحدود في “صدقي” و”غلام خان”. مرة أخرى وجدنا كمية لابأس بها من المعدات الكهربائية والألكترونية لاحاجة لنا بها، وكانت ملء صندوق كامل، ولابد من إعادتها إلى ميرانشاه.

لقد تغير شكل العمليات المتوقعة بشكل حاد، وبدلا من مهاجمة المطار ، وبالأحرى مهاجمة الطائرات وهي جاثمة على المدرج، وبدلا من مهاجمة “تورغار” الرهيب، فالمتوقع الآن معارك في ساحة واسعة من الجبال ذات الشجيرات والمياه الوفيرة، في منطقة باري التي نعرفها جيدًا ، بل ونعشقها كأنها مسقط رأسنا. كنا نتصور دوماً أن قتالا بهذا الشكل في منطقة كهذه ممكن أن يكسر عظام السوفييت.

نقطه حيوية في تلك المعارك هو معرفة الأرض بشكل جيد، وعلى هذا فإن معظم العرب، لا يصلحون لها، ماعدا أفراد قلائل عرفوا شيئا قليلاً عن المنطقة، فيمكنهم العمل بشيء من المجازفة والخطورة.

السلبية الكبرى هو عدم تعود المجموعات الأفغانية على تلك الحرب فهم يفضلون القتال من ثبات عند خط التماس الأول، فإذا حدث تراجع فإنه عند معظمهم لا يتوقف إلا عند حدود بيته في المهجر، أي في باكستان.

كنا نتصور أيضاً أن مجموعة منان هي أنسب المجموعات للعمل معنا فى مثل ذلك البرنامج، وفي الحقيقة كنا نفضلهم في كل عمل عسكري كشريك كامل.

– من المنطقي أن يكون تسليح المقاتلين خفيفاً أي أنه يشمل البنادق بأنواعها والقاذف

الصاروخي “آر/بي/جي” كتسلح رئيسى للجماعة المقاتلة، وأيضاً الرشاشات الخفيفة من طراز “ستكا” أو”بيكا” السوفييتية، ولكن الذي قد لايتصوره كثيرون هو أن هاون من عيار “82مليمتر” يمكن إستخدامه في أمثال تلك المعارك خاصة فى المناطق ذات التضاريس الوعرة، وضد قوات كثيفة مسنودة جوياً، ومدفعياً بكثافة، ولهذا السلاح إمكانية مناورة أيضاً وإن لم تكن كبيرة، ولكنها كافية ، بل ومرعبة للعدو خاصة إذا إستخدمه طاقم جيد يتمتع بترصد مناسب، ويعرف جيداً مسالك المنطقة التي يعمل بها.

قد حدث ذلك بشكل واضح فى معركة جاجى 87 مع بعض هاونات العرب والتس عمل على بعضها أفغان ذو كفاءة  مثل” معلم عبدالله” الذي ساهم على الهاون بأسهامات بارزة في تلك المعركة خاصة ضد تحشدات الكوماندوز السوفييت منذ أول شوال 1407هـ .

أيضاً المدفع عديم الإرتداد “من عيار82” أثبت كفاءة ومرونه كبيرة وقد إستخدمه الأفغان في أحوال كثيرة كبديل عن القاذف الصاروخى “آر/بى/جى” وتفوق عليه في أوقات كثيرة، خاصة فى حالات القتال من حالة الحركة بإستخدامه من فوق الكتف.

أيضاً صاروخ كاتيوشا “عيار107 مليمتر” يعتبر سلاحاً مناسباً أيضاً لتلك المعارك عند إطلاقه بدون قاذف أي من فوق الأحجار.

تلك الأسلحة الثقيلة لايشترط حملها والتحرك بها طول الوقت، بل تستخدم من موقع معين ثم يتم إخفائها في موقع آخر ليعاد إستخدامها فيما بعد من موقع جديد، وبذلك نتخفف من أحمال كثيرة ونظل متمتعين بمرونة كبيرة في الحركة، مع قوة نيران لايستهان بها.

وهكذا نرى أن المعرفة الجيدة بالأرض، لاتعني قدرٍة أكبر على المناورة فقط ، بل تعني أيضاً قوة نيران أكبر، بإستخدام أسلحة أثقل ، مع إخفائها وتحريك مواقعها باستمرار.

أما الألغام والمتفجرات والشراك الخداعية فهي بلاشك أفضل مايمكن إستخدامة إذا توافرت الخبرة المناسبة فنياً، مع الإستخدام التكتيكي الذكيّ مع الانتباه إلى السيطرة الجيدة والتفاهم بين المجموعات حتى لا تقع مجموعاتنا المقاتلة في مكائد فريق المتفجرات.

 

 

اعتقال على الحدود :

– استأجرنا سيارة من باري للإنتقال بها إلى ميرانشاه ونقل أدواتنا التى وضعناها في صندوق خشبي متوسط الحجم من صناديق الذخيرة.

ركبت السيارة ومعي أبو أنس وشفيق، وفي الطريق ركب أفغان كثيرون، ومررنا بسلام من نقطة غلام خان، ولكن في نقطة ثانية تدعى “حسدار” لمح رجال الميليشيا الصندوق وأصروا على تفتيشه، ويبدو أنهم ظنوها ذخيرة قادمة من داخل أفغانستان، و كان ذلك ممنوعاً رسمياً، ولكنه ممكن كأي شيء آخر إذا استخدمت الرشوة.

تعقدت المشكلة فجأة عندما أكتشف جنود الميليشيا أنني “أجنبي” وطلبت من الزملاء مواصلة الرحلة إلى ميرانشاه وإستدعاء نجدة من مكتب حقاني. وكنت أدرك أن مثل تلك المواقف لا تشكل خطورة ويجرى حلها باتصالات عادية أو بعض الرشاوى.

فلم نكن، كعرب مطلوبين، بل كنا موضع ترحيب، وتوقيفنا يتم برفق إذا إستدعت الضرورة ذلك، مثل ضغوط مفاجئة من السعودية ( عند خشيتها من أن يتورط شبابها في تدريبات عسكرية معينة ، أو إختلاطهم  بالتيارت الفكرية لفئات مشبوهة).

صرفت الميليشيا جميع الركاب واحتجزوني مع السيارة وسائقها.

ولكن هذا الأخير تمكن بوسائله الخاصة من أقناعهم بأنه لادخل له بهذه “الجريمة”، فسمحوا بالانصراف، وبقيت أنا والصندوق في قبضة رجال الميليشيا الذين تجمعوا بأعداد كبيرة ¬ لا أدري من أين جاؤوا، ليشاهدوا هذا الصيد العجيب. ثم توجه أحدهم إلى داخل مبناهم الكبير القريب من الطريق كى يجري اتصالات لاسلكية مع مسؤولين كبار، كما فهمت من حديثهم.

بدأت عملية تفتيش الصندوق وقام بها إثنان من الجنود وجلس ثالث يدون فى كشف خاص نوع وكمية المضبوطات، وأدركت أنهم لايفهمون شيئاً مما في أيديهم من محتويات الصندوق فبدأوا يسألوننى عن أسمائها حتى يستطيعوا كتابتها في الكشف.

فتحول الموقف إلى شيء من الكوميديا. ومالبثنا أن بدأنا التحدث بشيء من الود، وإلتقطت لهم عدة صور بالكاميرا التي أحملها معي غالباً .فسبب لهم ذلك سروراً مفاجئاً.

فأجلسوني على كرسي خشبي حتى يحضر المسؤولون لإستلامي. بعد حوالي ساعة، حضرت سيارة فخمة من طراز، “رانج روفر” من ذلك النوع الذي يركبه قادة الأحزاب الأفغانية، ولكن بداخلها رجلان فهمت من ملامحهما أنهم من ضباط

الإستخبارات العسكرية.

كنت أشعر بالحنق تجاه جنود الميليشيا الحمقى وهم يقلبون في محتويات الصندوق بانهماك كامل، بينما القوات السوفيتية قد دخلت خوست، وأصبحت ميرانشاه على مرمى حجر.

لم أتمكن من التعبير عن مشاعري لسببين، الأول: هو عدم وجود لغة مشتركة.

والثاني: هو أنهم حمقى لايدركون في الدنيا شيئا سوى السلب والنهب تحت حماية ملابسهم الرسمية نهارًا، وتحت حماية الظلام ليلًا.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 168 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد(18)




حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 14 }

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 14

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 164 ) | صفر 1441 هـ / أكتوبر 2019 م .                     

16/10/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(14)

طائرة تصيب حقاني بقذيفة نابالم أمام مغارات جاور، فيسقط وسط النيران، لينقذه حارسه الشاب (علي جان).

– لولا اختراق حقاني للحصار والوقوف إلى جانب رجاله لسقطت جاور بسهولة.

– عندما أوشك أبوعبيدة البنشيري ( نائب بن لادن فيما بعد) أن يستسلم للقوات السوفيتية بسبب ضابط باكستاني.

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

 

شتاء 1985 ــ 1986 :

مازال الثلج يكسو جبال باكتيا. وجارديز الأكثر ارتفاعًا والأقسى برودة تعرضت لهجوم صاروخي مفاجىء على المطار وقاعدة عسكرية أخرى فتم تدمير أربعة طائرات هيلوكبتر ومقتل عشرات من العسكريين. كانت مفاجأة كاملة لم تحدث قبلًا في مثل هذه الظروف  الجوية فالثلج عدو تقليدي للمجاهدين كما إنه صديق تقليدي للسوفييت.( كان الشهيد إسماعيل شقيق حقاني هو المسؤول عن قطاع جرديز في ذلك الوقت. وقد نجح إسماعيل فى إبقاء جبهته نشطة وصامدة. فلم ينجح السوفييت في اختراق جبال ستي كندو وعبورها إلى خوست من خلال طريق زدران).

بعد المعارك التي انتهت في سبتمبرالماضي بدت باكتيا كما لو أنها في حالة ركود مؤقت أو تحضير لجولة جديدة. وهو ما حدث بداية شهر إبريل أي بفارق ستة أشهر فقط عن الحملة الكبرى السابقة فبدأت حملة أشد وأعنف ولكنها أكثر تركيزًا… ليس الهدف الآن هو عموم الولاية أو فتح طرقها الرئيسية والسيطرة عليها أو فك حصار خوست.. الهدف من حملة هذا العام (جاور)  و”جاور” فقط… لماذا ؟… كانت حملة السوفييت ضد جاور توصف وقتها بأنها أعنف حملات السوفييت منذ احتلالهم أفغانستان. وعقيد الاستخبارات محمد يوسف ذكر في كتابه فخ الدب بأنها كانت واحدة من أشرس معارك الحرب.  كما ذكر محمد يوسف في كتابه فإن (جاجي) كانت تعتبرأكثر أهمية باعتبارأن 40% من إمدادات المجاهدين كانت تمر منها. فلماذا لم يخصص السوفييت ضد جاجي حملة مماثلة ؟.. وحتى حملتهم في العام التالي (87) ضد جاجي لايمكن مقارنتها بحملة (جاور).  فحملة جاجي في عام 1987 كانت حملة سوفيتية ضد العرب هناك الذين تجمعوا حول أبو عبد الله (أسامة بن لادن ) في أول بداياته للعمل العسكري في أفغانستان.

الأهمية غير العادية التي اكتسبتها (جاور) ليس كونها قاعدة تحمي منفذاً للعبور، كما هو وضع (جاجي) ولكن الأهمية الحقيقية تكمن في كونها (قاعدة) فعلية لعمليات نشطة للغاية ومؤثرة في كل منطقة خوست.( كانت نموذجا مثاليا للقاعدة الخلفية في حروب العصابات).

وقد أكسبها حقاني بحيويته وخبرتة العسكرية ومكانتة الدينية خطورة مضاعفة، خاصة وأنها مقر قيادتة الرئيسية لكل نشاطاتة في باكتيا. وكانت نشاطاتة تمتد شمالاً إلى جارديزعاصمة الولاية وله بالقرب منها قاعدة (سيرانا)، التي تعتمد في إمداداتها على جاور في خوست. ويمتد نشاط حقاني شرقاً إلى (جاجي ميدان) بالقرب من منفذ جاجي كما يمتد غرباً إلى مدينة (الأورجون) عاصمة باكتيكا.

وأخطر الاحتمالات وراء نشاطات حقاني هو تهديده لمدينة خوست ذات الأهمية الاستراتيجية والسياسية. فالرجل هو المُنفِّذ والمُحرِّض الأول لعملية الحصار ثم عمليات (القضم) لأطراف خوست، وتهديد طرق التهريب إليها. أما الطريق الواصل إلى (خوست) من (جارديز) عاصمة الولاية، فهو الوحيد من الطرق الحيوية في الدولة الذي لم تطأه قدم جندي سوفييتي، (كان ذلك في ظني أحد الدوافع الرئيسية لحملة شتاء 87/88 لفتح ذلك الطريق ودخول السوفييت برياً إلي خوست).

وأعتقد الآن بعد إنقضاء هذة الأحداث بسنوات، أن هدف السوفييت الرئيسي كان القضاء على دور حقاني وقاعدته ذات النشاط الحيوي في  كل ولاية باكتيا فائقة الأهمية، وتهديده لمدينة خوست، التي يعتبر أمنها جزءً لايتجزأ من أمن النظام الحاكم. أما الاستيلاء على قاعدة جاور بشكل دائم فهو أمر لا أظنة خطر على بال السوفييت، لأن البقاء فيها والدفاع عنها وعن طرق إمداداتهم إليها بريًا او حتى جويًا سوف يكون أمرًا عسيرًا بل مستحيلاً.

ولكن الشيء الذي ورد على أذهانهم  وحاولوا تحقيقة هو الاستفادة السياسية من ذلك الانتصار التكتيكي المؤقت ورفع معنويات الشيوعيين الأفغان، ثم تحقيق موقف تفاوضي أفضل في مفاوضات جنيف المقررة في مايو 86.

شيءٌ آخر أراه الآن في معركة (جاور) ولم يكن واضحًا لديّ وقتها وهو الاحتمال الكبير لتواطؤ باكستاني، بأوامر أمريكية بالطبع، لترك السوفييت يحصلون على بعض  المكاسب الدعائية والسياسية تقوي مركز جورباتشوف عند اتخاذه لقرارت تراجع كبيرة في أفغانستان وربما في مناطق عالمية أخرى. صحيح أن للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو قد أقرت في ديسمبر الماضي مبدأ الانسحاب من أفغانستان، ولكن كرامة الجنرالات السوفييت تحتاج إلى الكثير من المداهنة. فالجيش هو العمود الفقري للنظام هناك. والمساس بكرامة الجيش في أفغانستان وعدم تمكينه أن يتخلص (بشرف) من ورطته هناك قد تؤدي إلى انقلاب في الكرملين وظهور خط متشدد يدعم جنرالات الجيش الأحمر وهو ما تعرض له جورباتشوف فعلاً في أغسطس 1990.

 

 

ومن الدلائل التي قد تكون دليلًا على التواطؤ ما يلي :

1ـ أن الجيش الباكستاني لم يدافع عن أجواء بلاده وأراضيها رغم أنه أثناء معركة جاور، وقبلها بقليل دفع نحو الحدود بقوات إضافية ووضع بطاريات صواريخ (كروتال) مضادة للطائرات قريبًا من الحدود بشكل ظاهر للمارة. ومع ذلك اخترقت الطائرات السوفييتية الأجواء الباكستانية في المنطقة مئات المرات، بل كان خط هجومها الأكثر استخدامًا ضد جاور يأتي من داخل أراضي باكستان نفسها. وهي الجهة الصديقة التي لا يتوقع المجاهدون هجمات جوية من طرفها. كما أن أسلحتهم المضادة للطيران في مواقعها الثابتة على قمم الجبال لم تكن مهيأة للتعامل مع هذا الاتجاه. بعض هذه الطائرات السوفييتية قصفت في عمق الأراضي الباكستانية ولكن لم تصدر أية بيانات رسمية من باكستان، وتكتموا الأمر.

اضطرت باكستان فيما بعد المعركة لتغطية تواطؤها على كرامة جيشها، بأن تمنح حق الدفاع عن النفس لوحداتها العسكرية. فأسقط الجيش الباكستاني فى ذلك العام عدة طائرات سوفييتية. وبعض المصادر أفادتني وقتها أن الطيارين الباكستانيين الذين تصدوا للطائرات الأفغانية والسوفييتية فعلوا ذلك بدون أوامر وجرت معاقبتهم. وهذا مؤكد على الأقل في حادث واحد أسقط فيه طيار باكستاني يقود طائرة (اف16) طائرة سوخوي أفغانية. ومُنِعَ ذلك الطيار بعد ذلك من التحليق في منطقة الحدود ضمن عقوبات أخرى، منها إبعاده إلى محافظة السند.

2ـ  كان الطيران السوفييتي هو السلاح الرئيسي لدى الغزاة في حملة جاور. وكما ادعى (محمد يوسف) في كتابه فإنه كان يعتبر (جاور) و (جاجي) نقاط دفاع أمامية عن حدود باكستان في مواجهة أي محاولة اختراق سوفييتي. ومع ذلك لم تعزز باكستان الدفاع الجوي عن جاور رغم الغارات الجوية التي لم يسبق لها مثيل في حرب أفغانستان والتي استمرت قرابة ثلاثة أسابيع متواصلة بلا انقطاع. يقول محمد يوسف:( لو كانت الولايات المتحدة وباكستان لم تترددا لسنوات طويلة “بتزويدنا” بسلاح فعال مضاد للطائرات لكان من المؤكد “أننا” سنصد الهجوم بسهولة نسبية إن المجاهدين لو كانوا محصنين جيدًا في جاور ومعهم صواريخ ستينجر، لم يكونوا ليهزموا أبدًا ، ليس عندي أي شك في ذلك).

وأقول لو أن محمد يوسف فتح مخازنه وأخرج عدة عشرات من صواريخ (سام7( ووزعها على المجاهدين فوق قمم الجبال لحصل على نتائج لا بأس بها. بدلاً من العمل المضحك الذي قام به ليحفظ كرامته في أعين المجاهدين. فهو يعتبر نفسه القائد الفعلي والميداني للجهاد في أفغانستان. فاضطر كي يغطي تواطؤ حكومته أن يرسل عدداً من ضباطه فوق جبال جاور كي يطلقوا 13 صاروخاً من صواريخ (بلوبايب) البريطانية المضادة للطائرات، التي لم تصب شيئاً ولكن أُصيب الضابط الباكستاني الذي أطلقها، وكوفيء بوسام قلده له ضياء الحق تقديراً لشجاعته. أما عشرات الأرواح التي أُزهِقَتْ في جاور فلم تنل منه سوى تعزية باردة.

3ـ طبقاً لخطة أشرفت عليها الاستخبارات الباكستانية وزعت المهام على باقي مجموعات المجاهدين للدفاع عن (جاور). فبينما حقاني يدافع عن القاعدة ومحيطها القريب، تقوم مجموعات بحماية الطرق الجبلية المؤدية إلى جاور من الشمال (مجموعة يقودها نائب مطيع الله) ومجموعة أخرى تحمي طرق التقدم من الشمال الشرقي وهي من حزب حكمتيار. كل واحدة من تلك المجموعات تمتلك جهازاً لاسلكياً قوياً تحتفظ به في مركزها الخلفي. وهناك جهاز ثالث من نفس النوع موجود في جاور نفسها.

والذي حدث أن كلا المجموعتين قد انسحبتا فجأة من مواقعها بلا أدنى سبب وتركت الطرق إلى جاور مفتوحة. والأدهى من ذلك أن القوات الحكومية والسوفييتية كانت واقفة مترددة عن التقدم لكونها تتوقع مقاومة ضارية من المجاهدين على محاور التقدم الجبلية المناسبة تماماً للكمائن. فإذا بها (أي القوات الحكومية) تتلقى اتصالاً لاسلكياً مجهولاً يحثها على التقدم ويقول( لماذا تقفون هكذا.. إن جاور خالية والطريق مفتوح أمامكم). يقول حقاني الذي أبلغني بالحادث بعد شهر من المعركة بأن هذا الاتصال اللاسلكي قد تم من أحد الأجهزة الثلاثة، ولم يكن بالقطع جهاز جاور. وإذا قارنّا ذلك الحادث الخائن. بعملية سحب قوات المجاهدين من حول طريق (خوست) (جارديز) في الحملة السوفييتية شتاء العام التالي )1977( وبأوامر من المخابرات الباكستانية) كما أخبرنا بذلك صراحة بعض قادة المجاهدين(!!. إذا قارنّا الحادثين نرى التشابه قائماً.. وأن باكستان باعت حقاني في الحالتين لاعتبارات خاصة بالسياسة الدولية.

في النصف الثاني من مارس علمت من حقاني بوجود جسر جوي كثيف ينقل قوات سوفييتية وحكومية إلى خوست. وأن غارات جوية عنيفة ضد(جاور) ومواقع أخرى للمجاهدين قد أوقعت بعض الخسائر. كان وصول الجنود السوفييت يعني حتمية وقوع معارك في المنطقة.

فكتبت إلى صحيفة الاتحاد بأن معارك شديدة على وشك أن تُستأنف مرة أخرى في منطقة خوست. ولكنهم تجاهلوا الخبر، كما تجاهلوا معظم ما أرسلته من أخبار وتقارير مصورة عن حملة جاور. ومع بداية أبريل أصبحت الأنباء أكثر خطورة. حشد العدو قوات كبيرة من بينها كمية لم يسبق لها مثيل من قوات الكوماندوز السوفييتية.

بات واضحاً أن (جاور) وليس أي شيء آخر هي هدف الحملة. ولمع إسم جبل”رغبلي” و هو إسم غير مشهور. فقد دارت معارك دامية بين المجاهدين وقوات الكوماندوز السوفييتية، حيث تناوب الطرفان احتلال الجبل عدة مرات ولأول مرة يحدث قتال قريب بهذا الشكل مع الكوماندوزالسوفييت.غَنِمَ المجاهدون من جماعة حقاني بعض أسلحة الكوماندوز واستولوا على بطاقاتهم العسكرية،وأثار ذلك موجة من الغبطة والحماس في صفوف المجاهدين.ولكن السوفييت إستطاعوا في النهاية السيطرة على (رغبلي) وإحاطة أنفسهم بسياج كثيف من الألغام.

ويعود ذلك النجاح إلى قوة الإسناد المدفعي المستمر الذي لم يترك لحظة للمجاهدين كي يستقروا فوق بوصة واحدة من قمة رغبلي. كان اختيار رغبلي خطوة موفقة للقوات المهاجمة فهو ينتصب شامخًا على استقامة وادي جاور من جهة الشمال على مسافة خمسة كيلو مترات منها تقريباً، وبحيث يكشف معظم التحركات داخل (جاور). وبسقوط (رغبلي) في أيدي السوفييت وقعت جاور في أسوأ ورطة شاهدتها طوال الحرب.

فقد قُهِرَت (جاور) من (رغبلي). وهناك وضع السوفييت عدة قطع مدفعية للرماية على جاور.  وأقاموا نقاط ترصد وتوجيه لنيران المدفعية والطائرات.تولت المدفعية والطيران تحطيم مقاومة جاور وعزلها عن خط إمدادها القادم من باكستان عبر نقطة(صدقي) الحدودية التي تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن جاور. وتم هذا العزل منذ الحادي عشر من أبريل. هذا العزل لم يكن محكماً ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا قامت قوات أرضية بقطع الطريق.

وكان ذلك هدف عمليات (الإبرار الجوي) الذي قام به السوفييت. ولكنهم استخدموا فيه قوات الكوماندوز الأفغانية لعلمهم مدى خطورة العملية، فتلك القوات سوف تكون في وضع يشبه الحصار حتى تلتحم بها القوة الرئيسية الزاحفة صوب جاور من محورين. من الشمال من منفذ ليجاه الذي يصلح لمرور المركبات وهو طريق هيأه حقاني لقواته. ثم منفذ آخر في الشمال الشرقي على بعد حوالي ثلاث كيلومترات شرق ليجاه ويصلح للمشاة فقط.ويمر من بين الجبال ليلتقي بطريق جاور الخلفي وعلى مسافة كيلومترين فقط من حدود باكستان. وهنا تكمن خطورة وضع قوات الكوماندوز المحمولة جواً لأن هناك أعداد كبيرة من المهاجرين الأفغان المسلحين ـ من أبناء المنطقة على استعداد للقتال ضدهم.

والأرجح أنهم سيتمكنون من إبادتهم ما لم تدركهم قوات المشاة الرئيسية بسرعة وبكثافة. وعلى كل حال لقد وقعت قوات الكوماندوز في الفخ وأُبيدت أو أُسرت. وأثبت ذلك (بُعد نظر) السوفييت في توفير رجالهم للعمليات المضمونة!!. أُنْزِلَتْ قوات الكوماندوز (الأفغانية) خلف قاعدة جاور يوم الخميس (3/4/86)، وكان حقاني متواجداً وقتها في بشاور. وعندما سمع بالنبأ توجه (يوم الجمعة4/4/86) إلى قاعدة (جاور) بدون المكوث طويلاً في ميرانشاة. وكان المجاهدون قد أفشلوا يوم الخميس عملية الكوماندوز، بتدمير عدد من طائرات الهيلوكبتر التي حملتهم ، وقتلوا عدداً من ضباطهم وجنودهم في كمين أعدوه مسبقاً في مكان الإنزال.

ولكن عدداً كبيراً من جنود الكوماندوز مع ضباطهم صعدوا عدداً من التلال واستحكموا فيها وخافوا من الاستسلام للمجاهدين وشرعوا في مقاومة يائسة عنيفة. وقد واصل بعضهم التقدم وسط الجبال حتى نزل في قرية جنوب جاور تدعى (خاروق) تفصلهاعن جاور سلسلة جبلية. وقد تمكنت تلك القوات المبعثرة من تهديد طريق جاور القادم من حدود باكستان.لم يكن المجاهدون في جاور على علم بهذه القوات التي قطعت عليهم الطريق من الخلف؛ لعدم وجود أجهزة اتصال لاسلكية تربط مجموعات المجاهدين. ولكن أثناء عبور أحد سيارات التموين القادمة من ميرانشاه، فوجىء السائق بجنود الكوماندوز واقفون على الطريق ويشيرون إليه بالتوقف.

ظنهم في البداية من المجاهدين ولم يصدق نفسه بأنهم من القوات الشيوعية إلا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة، وبعد أن كان قد أبطأ بسيارته قريباً منهم أسرع فجأة بأقصى سرعة بسيارته، بينما تلاحقه طلقات الجنود. وعندما وصل إلى جاور أنذرهم بالكارثة التي حلت بالطريق. فاتصلوا لاسلكياً مع ميرانشاه فاستنفر المجاهدون قواتهم مع متطوعين من المهاجرين وتوجهوا بالسيارات حتى نقطة الحدود في (صدقي) ثم ترجلوا هناك وتقدموا على حذرٍ، حتى وصلوا منطقة الكوماندوز ثم حدث الاشتباك الذي سقط فيه عدد من المجاهدين،ومنهم قائد أول مجموعة  تقدمت منهم وكان يُدعى (أنور) وهو شقيق مولوي عبدالرحمن (إبن عم حقاني) وتمكن المجاهدون من تطهير الطريق وواصلوا حصار ومطاردة الكوماندوز المتبقين في بقاع عشوائية متفرقة. وأثناء ذلك كانت المجموعة الرئيسية الأولى التي حطمت الطائرات كانت ما تزال مشتبكة ومحاصِرة لباقي القوات المعتصمة بتلال المنطقة. وقد اخترق حقاني الحصار وعبر إلى جاور “يوم الجمعة 4/4/1986” وقد ساعد وصوله كثيراً في تماسك المدافعين؛ لأنه كثيراً ما يؤدي الشعور بالحصار إلى حالة من الذعر والفرار الجماعي غير المنظم. كانت جاور وقتها ما زالت تحت قصف جوي ومدفعي نادر المثال، وتماسك الرجال تحت ذلك القصف وفي مواجهة كوماندوز سوفييتي فوق جبل رغبلي (5 كيلومترات) شمال جاور , ثم عملية إنزال وتطويق بقوات كوماندوز أفغانية “على بعد7 كيلومترات جنوب القاعدة” فى ظروف كهذه يكون التماسك مسألة خارقة ما أظنها كانت ممكنة بغير وجود حقاني بنفسه في وسط رجاله في ذلك الوضع المأسوي العسير. ولكن حقاني أُصيب في نفس يوم وصوله كما سنرى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

مصائب بالجملة :

يوم السبت 6\4\86 م,وبعد فشل عملية الكوماندوز, وقعت أشهر مأساة خلال القتال حين انهارت مغارة مخصصة لاستقبال الضيوف إثر إصابتها مباشرة بقذيفتي طائرة. وكانت المغارة محفورة بشكل غير مناسب في جزء منفصل وضعيف من الجبل.

وقُتِلَ في المغارة حوالي ثلاثة عشر رجلاً من بينهم قائد القاعدة الضابط نقيب الله وعدد من قادة المجموعات البارزين و المجاهدين القدماء.ثم تلاه سقوط مغارة أخرى بعد قليل ونجا منها شخصان من بينهما أبوالحسن المدني(وائل جليدان) مدير الهلال الأحمر السعودي آنذاك ثم مدير فرع رابطة العالم الإسلامي فيما بعد.

وظلت معظم الجثث بين الأنقاض حتى بعد إنتهاء المعركة وإنسحاب السوفييت من جاور. وقُتل في المغارة ابن عم لحقاني (زير بادشاه) وهو من أقدم وأشجع مجاهدي الولاية. وبينما إبنه الأكبر إسماعيل يبحث عنه بين الأنقاض إستشهد هو الآخر بقذيفة مدفع. كل ذلك حدث فى يوم وصول حقانى إلى جاور، كانت قذائف المدافع المنهمرة فوق جاور لا تتوقف إلا في فترات الإغارة الجوية.

كان حقاني واقفاً إلى جوار المغارة المهدمة وهو يلاحظ عمليات الحفر بحثاً عن جثث القتلى، وإذا بالطيران يفاجيء الجميع بغارة أخرى ويقصف نفس المكان بقنابل النابالم. إنفجرت إحداها على مسافة قريبة. ونتيجة لموجة الإنفجار فقد حقاني الوعي وسقط وسط ساحة من النيران.

لكن حارسه الشخصي (علي جان) وهو شاب في العشيرنات.. تقدم وسط النيران وجذب حقاني بعيدًا. وكانت النيران قد أمسكت بكلاهما. وتمالك الشاب نفسه بصعوبة حتى لا يسقط هو الآخر مغشيًا عليه كما أخبرني بذلك. تم إطفاء النيران الممسكة بحقاني الذى نقلوه إلى مستشفى ميرانشاه مغشيًا عليه.

وبسرعة انتشرت إشاعة بأنه قُتِلَ. ولكن الإشاعة لم تستمر طويلًا.. فقد أفاق حقاني وتم تضميد جروحه. ولكنه لازم الفراش حتى نهاية المعركة. مولوي (نظام الدين حقاني) نائب جلال الدين تولى إدارة المعركة تحت إرشادات حقاني.

وتحول بيت حقاني في ميرانشاه إلى خلية نحل تستقبل قادة ميدانيين، ورجال قبائل ومهاجرين وقادة أحزاب من بشاور.. ومحمد يوسف ورجاله من الاستخبارات الباكستانية. وكان العقيد يوسف كما يظهر في كتاباته يَعتقد أنه المحرك الأول للأحداث في أفغانستان والباقي ليسوا سوى عرائس خشبية. على كل حال.. وصل العقيد يوسف إلى ميرانشاه في نفس يوم سقوط جاور في أيدي الشيوعيين كما ذكر هو في كتابه..  ( أما فريق الألعاب الباكستانية”البلوبايب” فقد قام بعمله وأُصيب في  يوم الجمعة18/4/86).

قبل سقوط جاور بعدة أيام كنت قد وصلت إلى ميرانشاه عازمًا دخول (جاور) وتغطية المعركة صحفيًا.. والمشاركة ميدانيًا بما يمكن عمله.كان يصحبني عبدالرحمن المصرى الذي كان قد تزوج منذ أشهر قليلة من فتاة أفغانية نشأت في كابول لعائلة أصلها من (جارديز).

أبوحفص المصري وصل أيضاً وبهذا اكتملت (الفرقة الرابعة مطارات) . وبالطبع قفز إلى خواطرنا فكرة ضرب المطار وعرقلة الجسر الجوي الكثيف الذي أقامه العدو في المطار ويستخدمه بلا مضايقات. في البداية زرنا حقاني في بيته وكان قد مضى على إصابته يومين أو ثلاثة وكان منهكًا ويتألم بشدة من حروق أصابت رقبته وصدره وبطنه، كان لا يستقبل سوى أهم الضيوف نظرًا لحالته، لذا لم نثقل عليه، وأخبرناه أننا في الطريق إلى جاور. فأوصانا بالمرور عليه عند العودة كي ننقل له صورة الحال ونناقش معه الوضع.

عند نقطة العبور في (صدقي) لم تقابلنا المشاكل المعتادة من ميليشيات صدقي القبلية المشهورة بسوء الخلق. حتى أن أحدهم لم ينهض ليرى محتويات السيارة، كان الخوف واليأس مسيطرًا عليهم.. فقد تحولوا فجأة إلى نقطة مواجهة مع الجيش السوفييتي!! بعد أن كانوا مجرد نقطة ابتزاز للمساكين من المهاجرين ونقطة إتاوات على المهربين.

مجرى السيل إلى جاور طوله عشرة كيلو مترات تقريبا يتسع في نقطة واحدة حتى يصل الى مئتين متر ويضق في عدة أماكن حتى لايتعدى مترين حيث تشرف عليه كتل صخرية صلدة، إلى الشرق من مجرى السيل توجد عدة مدقات للمشاة يمكن عبورها والوصول الى وادي خوست عبر الجبال أما جاور نفسها فتأتي في نهاية مغلقة لمجرى السيل، ويمكن متابعة السير منها عبر قمم صعبة إلى وادي خوست الذي يبعد عشرة كيلو مترات أخرى ولكنها أكثر مشقة، في هذة الحالة سوف يمر المسافر على جبل رغبلي قبل أن يهبط الى الوادي ويقع رغبلي إلى الشرق لمسافة مئتى متر عن مدق المشاة.

إلى شرق جاور هضبة ترابية ارتفاعها عشرة أمتار تقريبًا وسطحها الأعلى شبه منبسط  طول هذه الهضبة حوالي كيلومتر واحد وعرضها من عشرين إلى خمسين مترًا.في تلك الهضبة حفر حقاني مغاراته.

ويمكن أن نقول أن هذه كانت المسافة الفعالة في القاعدة.. ومنها انبعثت كل نشاطاتها وبالتالي انصبت على رأسها كل تلك المصائب. على الجانب الغربي من الوادي الجاف يوجد جبل صخري مكسو بالشجيرات ويتدرج الجبل في الارتفاع بشكل سريع حتى يبلغ أقصى مداه في قمة ارتفاعها (1850متر فوق سطح البحر) وحولها قمم أقل ارتفاعًا فوق هذا الجبل ركز حقاني عددًا من أسلحتة المضادة للطائرات وإلى جوار كل مدفع حفرة صغيرة مسقوفة تستخدم للمبيت. مع بعض السواتر البسيطة حول المدفع.

إلى الشرق من جاور توجد عدة قمم أقل ارتفاعًا تركزت عليها عدة قطع مدفعية أخرى، منها مدفع مضاد، سويسري الصنع من طراز أرلكان ( 20مليمتر) وهو أحدث وأقوى ما لدى المجاهدين آنذاك ..اشترى المحسنون العرب عشرة مدافع من هذا الطراز(حسب قول أسامة بن لادن).

كان نصيب جاور مدفع واحد وفي جاجي عند سياف ثلاثة أخرى وإثنان لحكمتيار في مواقعه قرب جاجي واستأثرت باكستان بالباقي وهي خمسة مدافع أي نصف الكمية!!.. كانت المدافع المضادة للطائرات تشكل قوسين حول جاور من الشرق والغرب.. في الطرف المسدود للقاعدة توجد أهم أجزائها. حيث مغارة للضيوف، وهي التي أصيبت.

وتقع في الواجهة طرف الشرق. ثم حفرتان للإذاعة، وأخرى للدبابة، واثنتان أو ثلاثة للمهمات. أما إلى الغرب فهناك المطبخ والمخبز، والمسجد القديم الذي استبدل بمسجد آخرعبارة عن حفرة طويلة مفروشة بأفضل ما يمكن الحصول عليه، وعلى واجهتها مئذنة مكونة من تروس متدرجة الأقطار بارتفاع متر تقريباً، مأخوذة من مخلفات المعدات السوفيتية المحطمة .

– وصلنا إلى جاور وشبح المأساة يخيم عليها.. فالقصف الجوي والمدفعي لا يمكن وصفه أو وقفه.. لا يوجد شبر على سفوح الجبال أو الوادي لا يحتوي أثر انفجار القنابل والشظايا الحديدية القاتلة.

لقد استقر العدوّ تمامًا على قمة رغبلي ومدافعه في وادي خوست خلف رغبلي لا يمكن أن تطالها أسلحة المجاهدين، وأسراب الطائرات التي لا تنقطع تبدو كأنها محصنة ضد طلقات مدافع المجاهدين، التي تم تدمير بعضها تمامًا، ويحاول المجاهدون استبدالها بأخرى، ولكن لا جدوى… ولأول مرة أشاهد طائرات (السوخوي 25) وهي تقدم عروضًا جوية في غاية المهارة وكأنها تقدم استعراضًا في(الأكروبات). لقد كان رماة المدافع المضادة للطائرات في وضع لا يحسدون عليه، وكلما أصيب مدفع زاد العبء على الآخرين. والمدفع الواحد تهاجمه ثلاث طائرات مرة واحدة وأحيانا خمسة طائرات. فإذا اشتبك مع إحداها فإنه في ظرف ثوان يكون قد يكون قد تلقى سيلًا من الصواريخ من عدة جهات مختلفة. لقد قتل كثيرون من رماة تلك المدافع الذين قاتلوا ببسالة ليس لها نظيرفي معركة منعدمة التكافؤ.

لم يكن أحدهم يستطيع النوم على الإطلاق، ما لم يهبط من موقعه إلى أسفل الوادي كي ينال قسطاً قصيراً من النوم داخل إحدى المغارات في شبه إغماء، لأنه لولا ذلك الإرهاق الزائد ما کان ليمكنه النوم.

وهذا ما حدث معنا. لم نكن نعبأ بقذائف المدفعية، فهي لن تنفذ إلينا من سقف المغارة على أى حال.. لذلك كنا ننام في فترة القصف المدفعي الذي لا يلبث أن ينقطع لثوان لتأتي نوبة الطيران.. عندها نستيقظ ونمسك قلوبنا بأيدينا حتى لا تنخلع.. فالسقف فوقنا ليس قوياً لدرجة تمكنه من المقاومة، والمغارات ذات أبواب متسعة وتمتد في الجبل مستقيمة ومتعامدة تماماً على الوادي، معنى ذلك أن لها قابلية كبيرة لاستقبال الشظايا القاتلة .

أما إذا سقطت قذيفة على المدخل فإن ضغط الهواء مع الشظايا كفيل بتحويل الجميع إلى كتل من اللحم المفروم والمشوي. القنابل العنقودية التي ترميها الطائرات كنَّا نراها لأول مرة وأُلقيت على أطراف جاور، وفوق جاور نفسها هطلت القذائف الثقيلة حتى ألف رطل وأخرى متشظية، وقنابل تهبط بالمظلات وتلقيها الطائرات من ارتفاع منخفض ضماناً لدقة الإصابة، حتى أن جبال جاور أصبحت مكسوة بحلة بيضاء من تلك المظلات الحريرية الأنيقة.

وصواريخ جو أرض استخدمت بكثرة ضد مواضع المدفعية المضادة للطائرات. عند وصولنا كانت أعمال البحث عن الجثث تحت حطام المغارة ما زالت مستمرة. والكثير من أقارب الضحايا حضروا للبحث عن جثث ذويهم لنقلها كي تُدفَن في ميرانشاه.هؤلاء أيضاً سقط العديد منهم ضحايا في جاور نفسها أو في الطريق إليها بواسطة قصف الطائرات والمدافع.

في أحد مغارات جاور وكانت تستخدم كسجن مؤقت للأسرى وجدنا مجموعة من ضباط الاستخبارات الباكستانية، كانت أشكالهم وهيئتهم مميزة تمامًا عن المجاهدين، وكانوا محاطين بهالة من المجاهدين للترحيب والحماية. كنّا نحاول دومًا ألا نتواجد معهم في مكان واحد..

وكانوا يتعرفون على جنسياتنا كعرب من هذه المعاملة الجافة، إلى جانب ملاحظات أخرى خاصة بالملابس، أما ملامح معظمنا فكانت قريبة من الأفغان. وعندما رأيت صورة محمد يوسف على مقدمة كتابه (فخ الدب) فإنني أظن أنه كان واحد من هؤلاء. ولكنه ذكر في كتابه عن معركة جاور أنه لم يكن هناك وقتها إنما وصل إلى ميرانشاه في يوم سقوط جاور، وأظنه كاذباً في ذلك. وبعد زيارتهم تلك بيوم أو يومين بدأت مغامرتهم الفاشلة مع (بلوبايب).

بلغت شدة القصف على القاعدة إلى درجة أنها جعلت التحرك فيها حتى على الأقدام، عملاً محفوفاً بالمخاطر. أما السيارات القادمة من ميرانشاه فبعضها قد دمرته الطائرات، أربعة سيارات اصطادتها الطائرات في الطريق. لم تكن السيارات قادرة إذا عبرت الطريق أن تدخل جاور  إلا لدقيقتين أو ثلاث عند الضرورة القصوى مثل نقل جريح مثلاً. وعادة كانت تدخل أحد الثنيات الجبلية الضيقة ويترجل ركابها ويسيرون على الأقدام حتى جاور. من نتائج ذلك أن الطعام أصبح قليلاً في القاعدة. وأن عملية طهية كانت صعبة جداً.

فكان يؤكل على حالته التي جيء بها من ميرانشاه سواء كان مطبوخًا أو غير ذلك. الأسوأ من ذلك أن قمم الجبال عُزِلَتْ تقريبًا عن القاعدة في الوادي وأطقم المدفعية في الأعلى أصبح لا يصلهم الطعام إلا نادراً ولا يستطيعون الصعود أو الهبوط إلا بصعوبة. وهي رحلة أصبحت خطرة للغاية قد تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة تشهد خلالها من غارتين إلى خمس غارات للطيران.. سوى قصف المدافع المستمر. قام أبوحفص وأبوعبيدة البنشيرى بتلك الرحلة وعادا كي نجلس في أحد المغارات، نتباحث فيما ينبغي عمله، وكان معنا عبدالرحمن أيضاً. قال أبوحفص وأبوعبيدة أن وضع طاقم المدفع على القمة هو وضع أكثر من مأسوي. فقد استشهد طاقم أو إثنان على نفس المدفع. ومساعد الرامي الحالي استشهد والرامي نفسه جريح وجائع ومنهك.. ناهيك عن كونه الهدف الأول للطائرات التي تهاجمه جماعات من إثنين إلى خمسة طائرات في الدفعة الواحدة. وقد حضر أبوحفص وأبوعبيدة عدة غارات من ذلك النوع أثناء زيارتهما القصيرة وقالا إن المجاهدين يرفضون الصعود إلى الأعلى من شدة الخوف.

وصاحب المدفع لا يستطيع النزول لأنه ليس هناك من يحل محله. وقد صعد إليه إمام مسجد جاور وعدد من طلاب العلوم الدينية كي يشدوا أزره ويقوموا بالدعاء له وطمأنته.. ولكن للأسف ليس منهم من يستطيع استخدام ذلك المدفع. رغم ثباتهم العظيم وشجاعتهم. ولكن لا يستطيعون أكثر من تقديم مساعدات بسيطة مثل إعداد مخازن الذخيرة للمدفع، ومحاولة جلب الطعام والماء للرامي. لقد قام أبوحفص وأبوعبيدة باستخدام المدفع نيابة عن الرامي أثناء مدة زيارتهما القصيرة، ( وصلا إلی جاور فی 11/4/86م )، واشتبكا مع الطيران عدة مرات.

وكان رأيهما أن المدفع أصبح عديم الفائدة أمام هذه الأسراب المهاجمة من الطائرات. وأن القذائف تسقط على بعد أقدام قليلة من المدفع وأن عملية تدميره ليست سوى مسألة وقت وأن بقاءه إلى الآن معجزة حقيقية.

خسر المجاهدون 15 مدفعا مضادا للطائرات في كل المعركة. في ذلك الوقت كان ذلك المدفع يعمل منفرداً فقد أُصيبت جميع المدافع الأخرى. وهناك محاولة لاستبدال أحدهم أو إصلاحه. كما كان هناك مدفع يعمل أحياناً ويحتاج إلى الإصلاح. ولكن أين هي الطواقم؟.. لقد استشهد رجال الطواقم الأصلية، وتم استبدالهم عدة مرات والجميع يُصاب أو يُقتل والمدافع تدمر أو تعطب.. وهكذا.. وفي الأخير يرفض المجاهدون تكرار المحاولة أكثر من ذلك. فما الحل؟.. اقترح الإثنان أن يصعدا معاً لتشغيل ذلك المدفع الذي يعمل حالياً.. واقترحا أن أقوم مع عبدالرحمن وبمساعدة حقاني بتشغيل مدفع آخر أو أكثر.. وأنه مع أصدقائنا من العرب المتعاونين مع مجموعتنا يمكننا تشغيل مدفعين أو ثلاثة.

 

 

اعترضت على اقتراحهما جملة و تفصيلًا.. وشرحت الأسباب، وهي كالتالي :

(1) إن جاور قد فقدت قيمتها ودورها في الظرف الراهن. وليس هناك أي معنى أو مبرر لإبقاء المجاهدين داخل المغارات أو خلف المدافع المضادة للطائرات. فبهذه الطريقة يتلقون فقط القنابل فوق رؤوسهم بدون القدرة على فعل شيء. إضافة أن خسائرنا في الأرواح مستمرة يومياً بلا هدف ولا إنجاز. بينما نخسر أفضل وأشجع العناصر.

(2) لا معنى إطلاقاً للدفاع حتى آخر رجل عن مجموعة قمم وهضاب ليس لها قيمة. والأجدى أن نقاتل بطريقة توقع أعلى خسائر في الخصم، وأن نتحول من الثبات إلى الحركة. ففي حالة الثبات سوف يبيدنا العدو تماماً بدون حتى أن نقتل منه أحد, كما يحدث في الوضع الراهن, بينما إذا تحركنا في مجموعات صغيرة، فإن مدفعيات العدو وطيرانه ونقاط ترصده فوق جبل رغبلي سوف تفقد الكثير جداً من فاعليتها.

(3) ما دام العدو مصراً على الوصول إلى جاور فأمامنا فرصاً ذهبية عديدة. فهدف العدو معلوم وهذه ميزة كبيرة، وطرق التقدم التي سوف يسلكها إلى جاور معلومة لنا تماماً، فليس علينا سوى مقاومته بالكمائن الصغيرة المتحركة وإيقاع أكبر الخسائر بين صفوف المشاة. أما عن المدرعات والدبابات، التي لا يستطيع مشاة العدو العمل بدونها  فلها طريق واحد لا غير هو طريق ليجاة الذي أعده المجاهدون وهو طريق  من السهل جداً إغلاقه بالألغام والكمائن.وفوق ذلك كله يمكننا أن نمنع قوة العدو، إن وصلت إلى جاور، من الانسحاب مرة أخرى، أي نغلق خلفها الباب ونحاصرها.. وإذا تمكن بعض المشاة من الإفلات عبر الجبال وبدون استخدام المدقات الطبيعية للمشاة والتي ستكون تحت ملاحظة كمائن المجاهدين، فإن الآليات لن تستطيع ذلك حتما ويمكن أسرها أو تدميرها.

(4) لقد استدْرَجَنا العدو إلى حرب مواجهة تناسبه تماماً.. ونحن نجلب التعزيزات وندفعها إلى (حفرة) جاور لتموت بلا ثمن . بينما  خوست كلها وما حولها من خطوط دفاع آمنة تماما تتابع بانبهار ذلك العرض الشيق من النيران في سماء جاور. ولو أن المجاهدين وجهوا ضربة قوية إلى خوست وما حولها والعدو منصرف بكليته نحو (جاور) لاستطاعوا اختراق دفاعاته وتهديد تواجده في خوست نفسها. وتلك أفضل طريقة لتخفيف الضغط عن جاور على أقل تقدير، هذا إذا لم تفشل الحملة  كلها، إذا أجبرناها على تغيير هدفها الأصلي من  الهجوم للاستيلاء على جاور كي يصبح هدفها دفاعياً عن خوست ومواقعها الهامة.

(5) حتى مطار المدينة لم يحاول أحد جدياً عرقلة الجسر الجوي المرتكز عليه. وهجمات المجاهدين على المطار بالصواريخ ضعيفة ولا تؤدي الهدف منها. وحتى لو كانت هناك طائرات على المدرج فإن تكتيكات المجاهدين لا تمكنهم سوى من عملية واحدة خلال فترة طويلة تمتد لأيام أو أسابيع وقد يفقدون بعض الرجال، وليس هناك أية غنائم ترتجى من هذا العمل. لذا فنادرًا أن يقبل القيام به أحد. وشرحت لهم أن هذا بالضبط هو دورنا الآن في الظرف الراهن، فطريقتنا في العمل، والمعدات التي وفرناها الآن تتيح لنا عدة هجمات على المطار في اليوم الواحد. ويمكن أن نستمر كذلك لشهر أو أكثر إذا توفرت الذخائر وتوافرت حماية للمنطقة مكونة من مجموعة واحدة قوية من المجاهدين.

وكما يحدث غالباً، لم نتفق، وأصر الشباب على الصعود إلى الجبل والصمود خلف المدفع مهما كانت النتائج  وحتى نرتب نحن موضوع المطار. رددت عليهم بأن (جاور) ليست المكان المناسب لنا، وعلينا أن نساعد بالطريقة والمكان الذي يؤدي خدمات أكثر للمجاهدين ونكون فيه أكثر فائدة. ولكن فشلت في إقناعهم وتكرر معنا نفس الموقف عدة مرات خلال السنوات القادمة.

وفي كل مرة كانت المشكلة حول كيف ومتى وأين نقاتل إلى جانب إخواننا المجاهدين الأفغان؟ ورغم أننا تحولنا مع الزمن إلى أصدقاء قريبين – ومع ذلك- لم نتفق!!.

ـ صعد إخواننا إلى الجبل ورجعت إلى ميرانشاه لمناقشة حقاني وكان معي عبدالرحمن الذي أيدني تماماً فيما قلت، كنّا نفكر سوياً بنفس الطريقة في معظم الأحوال. في منزل حقاني وجدنا صعوبة في مقابلته نتيجة الزحام من شخصيات كلها هامة، وشعرنا بالحرج لإلحاحنا على مقابلته رغم معاناته من الحروق والإرهاق الزائد من المناقشات مع الضيوف. شرحت له ما وجدناه مع وجهة نظري في الموقف. وطالبته بإخلاء جاور تماماً من الرجال والمعدات، وأيضاً من الدبابة والمصفحة حتى لا يستولي عليها العدو إذا دخل إلى جاور.

خاصة وأنها لم تعد تستخدم الآن، وكان نائبه نظام الدين قد استخدم الدبابة ضد جبل رغبلي وكان ذلك مفيداً في البداية.. وبعد ذلك أصبح ذلك مستحيلاً تحت مظلة الطيران الرهيبة التي تغطي جاور بشكل دائم تقريباً. رد حقاني قائلاً أنه بخصوص الكمائن المتقدمة للدفاع عن جاور فهي موجودة فعلاً ومكونة من رجال حزب إسلامي حكمتيار وحزب إسلامي (يونس خالص) من أتباع مطيع الله. وأن مهمة حقاني حسب الخطة العامة هو الدفاع عن جاور نفسها.  أما عن سحب رجاله من داخل جاور فهو يخشى أن يشيع ذلك مناخ الهزيمة فإذا شعر باقي المجاهدين بذلك فسوف ينسحبون  أيضاً عائدين إلى بيوتهم في ميرانشاه القريبة. ولأجل ذلك عارض مولوي يونس خالص فكرة تفريغ جاور من المعدات أو سحب الدبابة والمصفحة منها، فسألته عن موضع المطار في الخطة، فرد أنه لا يدري إذا كان هناك من يعمل ضد المطار من بين المجاهدين هناك، وهم مجموعات تابعة (لجيلاني) و (محمدي).

ـ شغلت باقي اليوم في الاتصال بمكتب صحيفة الاتحاد في إسلام آباد كي أمليهم تلفونياً أخبار المعركة. وكانوا يرسلونها في نفس اليوم إلى أبوظبي. أما عبدالرحمن فأخذ يجهز لعملية سريعة ضد المطار اتفقنا على أن نقوم بها سوياً مع بعض أصدقائنا العرب مثل أبوعبيدة العراقي الذي وصل ميرانشاه، وأبوصهيب وهو شاب مصري أبدى رغبته، وهو صديق لعدد من أفراد مجموعتنا ولكنه وثيق الصلة بسياف ومن المبايعين له. وكنّا لا نرى بأساً في أن يعمل معنا وهو على هذه الدرجة من القرب من سياف. ولم يكن ذلك عملاً صائباً تماماً. في الصباح التالي لم تتم تجهيزاتنا للعمل ضد المطار، في الغد يمكننا أن نتحرك، ولكن مع من؟… لا أحد هنا من قادة المنطقة المعنية كنّا نبحث عن (سميرجول) أو (عبدالمنان).. ولكن لا أحد منهما أو من مجموعتهما في ميرانشاه، من العسير جداً أن نعثر على أحد. مرافقنا الخاص الشيخ محمد طالب استشهد في معارك حملة العام الماضي وترك فراغاً كبيراً في العمل.. فهو عضو ارتباط ممتاز مع مجموعات خوست.. وكنا نشعر بالحزن لفقده خاصة أنه رزق بمولود بعد استشهاده بعدة أيام, وكان ذلك هو مولوده الأول.

 

أبو عبيدة يهدد بالاستسلام للروس !!

فجأة داهمنا خبر سيء آخر لقد أصيب أبوحفص وأبوعبيدة في موقع (الزيكوياك) المضاد للطائرات. ومعهما عدد من الضباط الباكستانيين (فريق البلوبايب) وعدد من الأفغان كانوا في الموقع. كما أن الموقع نفسه قد دُمَر تماماً. وأصبحت جاور الأن بلا دفاع جوي. فی البداية أصيب ابوعبيده (يوم الخميس 17/4) ولكن لحسن الحظ أن إصابته كانت خفيفة، ولم يفقد روحه المعنوية المرتفعة, وربما يعود السبب في ذلك إلى خفة ظل أبوعبيدة. فقد وصل إلى المستشفى وهو يضج بالضحك لما حدث ويحدث. لقد حمل المجاهدون كل هؤلاء الذين أصيبوا عند المدفع وأنزلوهم إلى الوادي حيث كدسوا الجميع في سيارة (بيك آب).

وكان صديقنا قد نزل بمساعدة من أبوحفص . وكانت معاناته داخل السيارة أشد من معاناته من الجروح ـ بل ومن القصف الجوي ـ فكل شخص داخل السيارة يحمل فوق رأسه وأرجله وبدنه أجزاء من الآخرين ودماء مختلطة من الجميع أما مطبات الطريق فحدث ولا حرج ، ناهيك عن خطر قذائف مدفعية العدو أو صواريخ الطائرات التي تترصد أي تحرك لسيارات المجاهدين .. بعد كل ذلك هل من مزيد؟..  نعم هناك المزيد.. يقول أبوعبيدة.. أنه فوق كل تلك المصائب فإن أحد الضباط الباكستانيين أطلق من بطنه ريحاً كريهةً زكمت الأنوف وخنقت الأنفاس.. فصاح أبوعبيدة بأعلى صوته ( لأ مش كده.. أنا أنزل أسلم نفسي للروس أحسن ) … وانفجر أبوعبيدة ضاحكاً خاصة وأن الضابط الباكستاني لم يرضخ للتهديدات  وواصل إطلاق الغازات الخانقة!!. وربما من أجل ذلك قلده ضياء الحق وسام الشجاعة رغم أنه لم يسقط أي طائرة سوفيتية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 164 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد