1

المرحلة الثانية من حرب الأفيون الثالثة

المرحلة الثانية من حرب الأفيون الثالثة

المرحلة الثانية من حرب الأفيون الثالثة

–  باكستان عاصمة المرحلة ، وقطر قاعدة الأسلحة السرية المستخدمة فى أفغانستان.

–  بديلا عن قاعدة بجرام ، مطاركابل مركز للتوزيع العالمى تحت حماية الجيش التركى.

 

على ضوء هزيمتها وإنسحابها من أفغانستان ـ تعمل الولايات المتحدة على تفادى مصير الإتحاد السوفيتى، حتى لا تترافق الهزيمة والإنسحاب مع إنهيار الدولة الأمريكية .

فتعمل على الأقل لتأخير ذلك الإنهيار إلى أبعد مدى زمنى ممكن، رغم أنه يبدو حتميا .

من أساليب التأخير، التهديد بقصف المدن إذا دخلتها حركة طالبان . وهو تهديد لن يجدى كثيراً، لأن النظام يتهاوى بسرعة والمدن الكبرى تركض صوب طالبان مستغيثة بحكم الإسلام الذى طال إحتجابة بفعل حملة بوش الصليبية.

 كما فشلت محاولات أمريكية أخرى لتحويل قضية أفغانستان إلى قضية مفاوضات أزلية لا تنتهى، ولكن يتخللها تفاهمات إقتصادية وسياسية تضمن مكاسب الإحتلال وتوقف المقاومة الجهادية. مع توزيع رشاوى/ على النمط العراقى/ على زعامات قبلية وطائفية وسياسية.

 

أهم خطوات منع الإنهيار بعد الإنسحاب :

إعادة ترتيب سوق المخدرات الدولية بما يتناسب مع مرحلة إلغاء الإحتلال الأمريكى المباشر لأفغانستان. وهى عملية طويلة ومعقدة ، بدأت قبل توقيع إتفاق السلام المخادع فى الدوحة . وقد أعلن الأمريكان مؤخراً عن حملة إستخبارية دولية لضرب خطوط توزيع المخدرات. وادَّعوا إلقاء القبض على المئات من المتورطين . الهدف هو التحكم فى مسارات جديدة للنقل ، وتصحيح قائمة المنتفعين بصناعة التهريب الدولى . بالتوازى مع تعديل مسار تدفق أموال المخدرات الذاهبة إلى التكرير والتنقية (الغسيل). وهى عملية مؤلمة وتطال بنوك ومصارف ودول ومشاريع دولية عملاقة ، ومسارات سياسية هامة على إتساع القارات .

طبيعى أن تتأثر كيانات قائمة سلباً أو إيجاباً . ويعاد توجيه جزء هام من الأموال القذرة لدعم الإمبراطورية الأمريكية فى ثوبها المهترئ الجديد. بتمويل ثورات ملونة أو إنقلابات أو حروب محدودة { لإحلال السلام ، ومحاربة الإرهاب!! } .

– الولايات المتحدة نقلت معها إلى باكستان عمليات التصنيع (هيروين ومخدرات أخرى) و مراقبة وإدارة عمليات التوزيع وغسيل الأموال القذرة ومسالك حركتها حول العالم . وبذلك تأهلت باكستان لتصبح عاصمة المرحلة الجديدة لإمبراطورية المخدرات الأمريكية.

وتحولت إلى قاعدة عسكرية ومركز إستخباري مشترك (لأمريكا وإسرائيل)، هائل الحجم والتكنولوجيا ، ومرتبط بشبكة مماثلة فى مشيخات الخليج، واضعاً إيران بين فكي كماشة.

 

أفيون أفغانستان : المرحلة الثانية من حرب المخدرات الثالثة

فى عام 2001 شنت أمريكا على أفغانستان حرب الأفيون الثالثة بذريعة الإنتقام لحادث 11 سبتمبر . وبعد إنسحابها من أفغانستان و إنتقال الثقل الأمريكى إلى باكستان ، حولت الحدود بين البلدين إلى ساحة توتر عسكرى وتواجد تجسسي مكثف، موجه صوب أفغانستان وباقى المنطقة خاصة إيران والصين وآسيا الوسطى .

من تلك الحدود المشتعلة، تضمن أمريكا تدفق حصتها من أفيون أفغانستان، مستخدمة قوات المرتزقة الأجانب والمحليين فى إمداد مراكز التصنيع فى باكستان بما يلزمها من مخدرات.

 

مطار كابل بديل عن قاعدة بجرام الدولية :

التوزيع الدولى للمخدرات من أفغانستان، إنتقل مركزه إلى مطار كابول، بعد أن كان فى قاعدة بجرام العسكرية . وبدأ المطار يأخذ وضع فوق العادى بكثير. فالإدارة المدنية والردارت فى عهدة أبوظبى ، والحماية العسكرية تقع على عاتق القوات التركية.

– { دور الإمارات وتركيا فى أفغانستان/ بعد التراجع الأمريكى صوب باكستان/ مرشح كثيرا للتوسع، إعتمادا على مدى التطورات القادمة فى ميدان القتال. فالإمارات متعاقدة على إدارة ثلاثة مطارات أخرى غير مطار كابل . ومهام حمايتها لم تحسم بعد ، لأن مصير المطارات سيؤول حتما إلى أيدى حركة طالبان. ولكن الثقة الأمريكية و واقع قوات الناتو تشيران إلى أن القوات التركية هى المرشحة لأهم الأدوار فى أفغانستان ، إضافة إلى تلبية رغبات أمريكا فى بقاء قوات أجنبية لحماية البعثات الدبلوماسية فى كابل، بما فيها السفارة الأمريكيىة التى تصر أمريكا على تواجد قوات أمريكية لحمايتها، وهو ما تصر طالبان على رفضه}.

وهنا ينبغى ملاحظة تصريح الممثل الأعلى لحلف الناتو فى أفغانستان لصحيفة حريت التركية (اكتوبر 2019) حين قال أن تركيا لعبت على الدوام دورا بناء ومحوريا فى مهمة الناتو فى أفغانستان منذ عام 2003 . و يبدو أن هذا الدور يتعمق ويتزايد مع التطورات الراهنة .

– من بين الخطط التى سيعرضها الجيش الأمريكى على البيت الأبيض ، تكليف الجيش التركى المشارك فى قوة حلف شمال الأطلنطى، بمهمة حماية أمن مطار كابل والإبقاء على دفاعات عسكرية لردع أى خطر يهدد الملاحة الجوية. (و المقصود هنا حماية المطار من السقوط فى أيدى مجاهدى طالبان).

وقد رفع الجنرال فرانك ماكنزى قائد القيادة الوسطى الأمريكية إلى البيت الأبيض خططا لحماية السفارة الأمريكية فى كابل، وتأمين الطريق الذى يربطها بمطار العاصمة.( يحتمل تكليف القوات التركية بهذه المهمة أيضا، إستكمالا لمهامها فى حماية المطار نفسه ).

 

أهم الرحلات الدولية لتوزيع المخدرات تنطلق من مطار كابل لتتجه صوب تركيا وإسرائيل والإمارات .

– بعد الإنسحاب تعتزم أمريكا وضع أفغانستان (الإمارة الإسلامية) تحت ضغط أمنى وإقتصادى ، وحصار إستراتيجى يعزلها عن (جميع) دول الجوار ـ إن أمكن ـ ليقطع إمكانية تحولها إلى حلقة إتصال مركزية فى قارة آسيا، وبالتالى إرتفاع كبيرفى مكانتها الإقليمية والدولية ، مع إمكانات تطور إقتصادى غير محدود .

– القاعدة العسكرية الإستخبارية الأولى فى المرحلة الحالية من حرب الأفيون هى باكستان. يقابلها مشيخات مجلس التعاون الخليجى فى مجالات دولية مثل (التوزيع) و(الغسيل). وأيضا كقاعدة جوية لضرب أفغانستان بأحدث الطائرات المُسَيَّرة والصواريخ . والتى تستخدم على سبيل التجربة ـ حصرياً فى أجساد شعب أفغانستان. فى قاعدة العديد فى قطر، تستقر الطائرات الأحدث فى العالم ، والتى تعتبر أسرارا عسكرية، بحيث لا تأمن أمريكا على سلامتها فى أى دولة أخرى غير قطر ، حتى ولو كانت تلك الدولة الأخرى فاسدة ومنزوعة الإرادة مثل باكستان، التى هى عاصمة المرحلة الثانية من حرب الأفيون الثالثة.

 

أمريكا فى أفغانستان : أطماع و كوابيس :

 تعمل أمريكا على فرضية نجاح واحد من عدة إحتمالات متناقضة ، وهذا يفسر تضارب التصريحات الأمريكية حول أفغانستان. أفضل الإحتمالات للأمريكيين هى التوصل إلى تفاهم فى كابل حول نظام سياسى متكامل مع الإستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان والعالم ، بإعتبار أفغانستان مصدر تأثير كبير فى إقتصاد وسياسة العالم (تراها أمريكا مزرعة مخدرات العالم، ومنجم لا مثيل له من المواد الخام النادرة).

أخطر الإحتمالات ـ وهو الأرجح ـ هو أن تعود الإمارة الإسلامية إلى الحكم الذى إنتزعته منها حملة بوش الصليبية الشهيرة . عودة مدعومة بحماس شعبى وثقة فى النفس وفى صحة المناهج الإيدلوجية والسياسية ، وكراهية كاملة لأمريكا والناتو وجبهة النفاق المساندة لهما بشعارات إسلامية وقوات عسكرية وفتاوى دينية مدفوعة الأجر.

 هناك تصميم راسخ على حتمية تطبيق إسلامى صحيح فى أفغانستان ، يتناول حياة الناس كلها وشئون المجتمع ، ولا ينحصر فى قشريات خادعة. يساعد على ذلك إنكشاف زيف الإدعاءات الإسلامية فى جزيرة العرب ، وفى تركيا أردوغان ، وفى باكستان المستودع الدائم للتآمر على أفغانستان.

أخطر الكوابس التى تخيف أمريكا هو يقظة الأفغان على قدراتهم وأهمية دورهم وعظمة بلادهم حاضرا ومستقبلا. وإدراك بحقائق السياسة العالمية والإقليم المحيط بأفغانستان. وتلَهُّف العالم الإسلامى على دور رائد ومميز لأفغانستان فى قضايا المسلمين كافة، من تحرير فلسطين إلى توحيد الأمة والمضى بها نحو المكانة العليا التى تستحقها.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

المرحلة الثانية من حرب الأفيون الثالثة

 

 




هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

هولوكوست 11 سبتمبر .  ( من 1 إلى 8 )

مطلوب لجنة إستماع دولية لشهادة عبد السلام ضعيف .

أول مايو .. إلتزام مؤكد بالإنسحاب ، و11 سبتمبر موعد مخادع .

متى يتكلم الدكتور أيمن الظواهرى ؟؟ ـــ  أليس الصبح بقريب ؟؟

 

صنعت أمريكا من حادث 11 سبتمبر ، مأساة هولوكوست تريد تعليقها فى رقبة شعب أفغانستان، لإذلاله إلى الأبد، وإستنزافه ماليا، وتحقيرة سياسيا، كما تفعل إسرائيل مع ألمانيا بإستخدام أكذوبة الهوكولوست وإدعاء أن اليهود خسروا 4 مليون شخص فى محارق أقامها لهم الألمان النازيون.

ثم فرض اليهود حظرا قانونيا على التطرق إلى الحادث بما يخالف الرواية اليهودية. لدرجة وصلت إلى عقوبات بالسجن على شخصيات علمية كبرى فى أوروبا، حتى خرست ألسنة الأوروبيين ، إلا من الإساءة للمسلمين ونبى الإسلام .

– إدعت أمريكا كذباً أنها هاجمت أفغانستان واحتلتها وأسقطت نظامها الاسلامى ثأراً من القاعدة وزعيمها ، وانتقاماً من الإمارة لحمايتها لهم .

لم تذكر أمريكا أن سبب حربها على أفغانستان هو الأفيون أولا، ثم لتمرير خطوط نفط وغاز آسيا الوسطى عبر أفغانستان ، إلى أى إتجاه تريده أمريكا ـ سواء الهند أو غيرها .

– كما لم تذكر أمريكا أنها هى التى طلبت من السودان ـ حكومة البشير ـ أو على الأقل وافقت على ما ذهبت إليه تلك الحكومة من إبعاد بن لادن من الخرطوم إلى جلال آباد فى أفغانستان .

وحسب ما ورد فى كتابات مدير الاستخبارات السودانية وقتها فإن أمريكا أخبرت السودان أن فى ترحيل بن لادن إلى أفغانستان ، خيراً له وللسودان ولأمريكا وللجميع .

– لم تعلق أمريكا على ماقاله “قطبى المهدى” مدير إستخبارات السودان وقتها. كما أنها لم تذكر ولن تعلق على حادث شبيه تماما ـ ولكن فى الإتجاه المعاكس ـ وهو طلبها من الإمارة الإسلامية ـ بألا تسمح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان (فى يناير 2001) .

وكان ينوى مغادرتها بعد حفل تزويج نجله محمد ـ وكنتُ إستعد لمرافقته إلى خارج أفغانستان ـ وتحديدا إلى مناطق القبائل الحدودية ـ كمراسل لقناة الجزيرة التى سمحت بإستخدام معدات التصوير التابعة لها فى تسجيل الرحلة .

لكن أمريكا أرسلت إلى الإمارة فى قندهار ـ بواسطة عبدالسلام ضعيف سفيرالإمارة فى باكستان، بأن لا تسمح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان . لأن فى مغادرته تلك ضررا له ولأفغانستان ولمصالح الولايات المتحدة وأصدقائها . وصادف أن قرأت بنفسى تلك الرسالة المكتوبة على ورق عادى ـ غير رسمى ـ وبكل أساليب الغطرسة والوقاحة الأمريكية .

 

وحيث أن أمريكا تريد تحويل 11 سبتمبر إلى هلوكوست خاصا بها ، لحرق مستقبل أفغانستان وإمارتها الإسلامية . فإن المطلوب بشكل عاجل هو:

– تشكيل لجنة دولية للإستماع إلى شهادة عبد السلام ضعيف حول المذكرة الأمريكية المذكورة.

وتأمينه على حياته ـ وإستضافته تحت حماية دولية ـ ليقيم فى مكان آخر غير كابول .

– فإذا كان حادث 11سبتمبر من تنفيذ تنظيم القاعدة ـ وهذا ما لم تستطع أمريكا إثباته حتى الآن  وبإعتراف شخصيات أمريكية لها وزنها:

فلماذا عملت أمريكا على إبعاد بن لادن من السودان إلى أفغانستان عام 1996 ؟؟

ثم لماذا أصرت على عدم مغادرته أفغانستان فى يناير 2001 ؟؟ .

{ بالتأكيد لتحميل الإمارة مسئولية الكارثة الكبرى القادمة فى نيويورك ــ التى كانت معلومة لديها منذ فترة كافية، ومتوقعة منذ إخراجه من السودان }.

والخلاصة : ليس للإمارة الإسلامية دخل من قريب أو بعيد بحادث 11 سبتمبر . وترفض تعليق تلك الأكذوبة فى رقبتها ورقبة شعب أفغانستان. ومن الخطوات الهامة المفترضة سيكون الخروج من إتفاق الدوحة وما يحتوية من تلميح لمسئولية الإمارة عن الحادث ، وتكليفها بضمان أمن أمريكا وحلفائها بدعوى عدم السماح بإستخدام أرض افغانستان ضد أمنهم.

إن ذلك التهديد الأمنى لم يحدث أبدا فى الماضى، ولن يحدث مستقبلا . والإمارة لن تكون حارساً لأمن أمريكا وإسرائيل والناتو. لأن فى ذلك تسلط على أفغانستان وتكليفها بما لا تطيق، وتحميلها ذنوبا لم ترتكبها بل إرتكبها الأمريكيون أنفسهم.

 

أهم إلتزامات إتفاق الدوحة هو إنسحاب القوات الأمريكية وحلفائها من أفغانستان بعد مرور 14 شهرا من توقيع الإتفاق ـ أى فى أول مايو 2021 .

رفضت الإمارة الإسلامية خديعة تجاهل أمريكا لموعد إنسحابها، وإشغال الإمارة الإسلامية والعالم بمؤتمرات متتابعة لا تنتهى ، وكان المفروض أن يكون آخرها فى إسطنبول. وقد رفضت الإمارة حضور أى مؤتمر قبل إتمام إنسحاب القوات الأمريكية وحلفائها.

إتفاق الدوحة ملزم ، وليس من حق أمريكا والناتو تغيير الموعد المتفق عليه للإنسحاب . فأول مايو هو موعد إنسحاب آخر جندى محتل ، وإلا فإن الشعب الأفغانى سيكون مضطراً إلى طردهم بقوة السلاح.

وليس فى مقدور أمريكا أو الناتو، أو أى أحد، أن يقرر مستقبل أفغانستان. ولكن الإحتلال وأعوانه يتصنعون الغباء لأنهم لن يكونوا مشمولين فى ذلك المستقبل. إذ لا فرق بين جيش الإحتلال وبين حكومة أعوان الإحتلال الذين جلبهم بالطائرات. فإنهم أعداء الشعب وليسوا جزءاً منه بأى حال.

لاحظ البعض أن أول مايو كان ذكرى إغتيال بن لادن. وربما أرادت أمريكا التأكيد على تاريخ 11 سبتمبر، فأجلت إنسحابها إلى موعد كارثة صنعتها لنفسها كما صنعت مأساة بيرل هاربر حتى تدخل الحرب العالمية الثانية ضد اليابان . تأجيل الإنسحاب هو لإعطاء فرصة لتثبيت حكومة أمريكية على رقاب الأفغان بقوة السلاح . ولكن ما فشلت فيه أمريكا خلال عشرين عاما لن تنجح فيه لا فى عدة أشهر ، ولا فى ما تبقى لها من حياة.

 

متى يتكلم الدكتور أيمن الظواهرى ؟؟

يتناقص عدد شهود العِيان على بعض الأحداث المفصلة فى تاريخنا. حتى أوشكوا على الانقراض . والقليل منهم مستعد لأن يشهد بما يخالف مصالحه الشخصية أوالحزبية.

تكلمنا عن ضرورة حديث ملا عبد السلام ضعيف أمام لجنة إستماع دولية فيما يخص الطلب الأمريكى بعدم السماح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان فى يناير 2001 .

لا يقل أهمية ـ بل غالبا يزيد عليها ـ شهادة مطلوبة من الدكتور أيمن الظواهرى زعيم تنظيم القاعدة . شهادة بخصوص إجتماع أمير المؤمنين الملا محمد عمر بقادة المجموعات والتنظيمات العربية فى أفغانستان . إجتماع عقد فى قندهار وكان الدكتور الظواهرى يمثل تنظيم القاعدة .

أهم ما جاء فى الإجتماع حدود رسمها الملا عمر لعمل تلك المجموعات خارج أفغانستان. وتحذيره لهم من توجيه أى ضربة لأمريكا ، خشية من رد فعل باكستان(!!). ولكنه قال لو أن الضربات ضد إسرائيل فلن تستطيع باكستان أو غيرها الإعتراض على الإمارة (وكانت فلسطين تغلى بسبب تعديات يهودية على المسجد الأقصى).

–  و يمكن للدكتور الظواهرى الشهادة على مناقشتى مع بن لادن بخصوص تهديده لأمريكا بعملية كبرى ضحاياها سيكونون بالآلاف . وتحذيرى له من أن ذلك يعنى إعلان حرب أمريكية على أفغانستان ، بدون علم أمير المؤمنين ورغم تحذيراته. وكان الدكتور الظواهرى مشاركاً نشطاً فى ذلك النقاش . وهو النقاش الذى حضر”أبوالخير” آخر ثلث ساعة منه ، ولكنه أنكر بعد ذلك حدوث اللقاء أصلا !! .على الدكتور أيمن أن يتكلم قبل أن يندثر شهود وقائع كان حاضرا وفاعلا فيها، وبعضها يتعلق بمصير شعب أفغانستان، الذى تَحَمَّل وزر (حرب 11 سبتمبر) التى لا ناقة له فيها ولا جمل . وتريد أمريكا تحميله وزرها إلى الأبد ، بدعوى مسؤوليته عن إستخدام أرض أفغانستان ضد أمن أمريكا وحلفائها !! .

– يمكن لحركة طالبان

 أن تحصل على تلك الشهادات بطرقها الخاصة ، حفاظاً على الحقيقة.

 

وصاية على أفغانستان .. وعقوبات أبدية

لا تنوى أمريكا الإنسحاب من أفغانستان إلا بشرط بقاء النظام  العميل فى كابول بدون أن يواجه مقاومة جهادية مسلحة ، و ذلك بدمج الإمارة الإسلامية فى حكومة مشتركة مع عملاء كابل .

أمريكا أجلت إنسحابها من أول مايو إلى 11 سبتمبر 2021 .على أمل إكتساب وقت كاف لوضع الإمارة تحت ضغط سياسى أقليمى ودولى يرغمها على الأنصياع للإرادة الأمريكية .

 وفوائد أخرى للتأجيل ..هى :

– خداع العالم عن الطبيعة الإستعمارية لحربها فى أفغانستان، كحرب أفيون ـ لإعادة زراعته وتصنيعه إلى هيروين وتوزيعة إلى العالم، وتصويرها حرب إنتقام من حادث إرهابى.

 – من أهداف الحرب .. إلى جانب الأفيون .. كان العبور بخطوط نفط وغاز آسيا الوسطى (تابى) من أفغانستان إلى باكستان ومنها إلى الهند وميناء جوادرعلى بحر العرب .

– فتصبح حرب أفغانستان هى {حرب 11 سبتمبر} ــ بدأت بحادث منهاتن ، وإنتهت فى ذكراه العشرين . بدأت الحرب وانتهت ولكن تبقى “مظلومية أمريكا” التى ستطالب أفغانستان بدفع تكاليف(سبتمبر) إلى الأبد. فتتعهد بحماية الأراضى أمريكا وحلفائها، من أى عدوان يطالهم من أرهابيين قادمين/ مستقبلا/ من أفغانستان . فى شرط متعسف غير محدد بمكان أو زمان، أو جهة مسئولة تتحكم فى الشطط الأمريكى . بمعنى أن تبقى أفغانستان إلى الأبد تحت وصاية أمنية وسياسية ، وعرضة للعدوان ، وتلَقِّى عقوبات ـ تقدرها أمريكا كما تشاء، بمقدار ما تشاء.

 

أليس الصبح بقريب ؟؟

أعلنت أمريكا أنها لن تنسحب من أفغانستان فى أول مايو القادم حسب إتفاق الدوحة . فجر ذلك اليوم سيكون فجر الحقيقة . ستدق ساعة الجهاد لتصفية بقايا الحملة الصليبية التى شنتها أمريكا على أفغانستان ظلماً وعدوانا منذ عشرين عاماً. سيكون أول مايو هو يوم إفتضاح الغدر والعدوان الأمريكى، بإمتناع تلك الدولة الصليبية المعتدية عن سحب قواتها من أفغانستان تطبيقا لإتفاق وقعته على مرأى ومشهد من العالم أجمع.

– وبذلك أسقطت أمريكا إتفاق الدوحة ، فلم يعد ملزماً للإمارة الإسلامية. بل يلزمها الآن الإعلان رسميا عن سقوط الإتفاق ، وتحررها من شروطه الجائرة، خاصة تكليفها بحماية أمريكا وحلفائها من إرهاب مفترض ينطلق من الأراضى الأفغانية.

– بسقوط إتفاق الدوحة يلزم سحب المكتب السياسى من هناك. ولذلك أسباب عديدة معروفة .

– أما الإعلان عن المواقف السياسية للإمارة ، فهى نفسها آرائها الجهادية التى تعلنها فوق كل شبر من أفغانستان. وهى متاحة لمن أراد الإطلاع عليها.

– سقوط إتفاق الدوحة هو سقوط للحملة الصليبية على أفغانستان . ولا مكان فى أفغانستان بعد اليوم سوى لعلم واحد ، هو علم الإمارة الإسلامية .

إن موعدهم صباح أول مايو .. أليس الصبح بقريب ؟؟.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

 




أخرجوا المشركين من جزيرة العرب : أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة

" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " | أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة |أصدره بن لادن من جبال "تورا بورا" فى أفغانستان

آخر تحديث : 19/03/2021 

” أخرجوا المشركين من جزيرة العرب “

أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة

أصدره  بن لادن من جبال “تورا بورا” فى أفغانستان

 

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

 

الفهرس :

الفصل الأول :

صدام بين مشروعين :

بن لادن : فى مشروع تحرير جزيرة العرب .

شيمون بيريز: فى مشروع الشرق الأوسط الجديد . 

– أسباب إغتيال بن لادن.

– عوامل فشل مشروع بن لادن.

–  حوارات وملاحظات حول بيان (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).

–  إقتراحات تنظيمية أعقبت البيان .

 

الفصل الثانى :

الجهاد : الغاية .. الإستراتيجية .

قضايا عملية وجوهرية أخرى .

– تحرير المقدسات الإسلامية غاية جهادية جامعة للمسلمين .

– لماذا لم ننجح فى الإستفادة من تجاربنا الإسلامية الكبرى ؟؟ .

 – حركة جهادية فى سبيل من ؟؟.. ولماذا ؟؟.

الفصل الثالث : 

توحيد الهدف الشرعى للجهاد .

وتوحيد الإستراتيجيات نحو تحرير المقدسات .

– أولا ـ مجهود دعوى موجه للمسلمين.

– ثانيا ـ  العمل السياسى فى المرحلة الأولى.

– ثالثا ـ الإستراتيجية العسكرية للمرحلة الأولى .

– تطورات هامة فى الحروب الإستعمارية ضد الشعوب .

التطور الأهم : حرب تديرها أجهزة المخابرات. ص

سمات التطور فى أساليب الحرب كما تديرها المخابرات:

— التطور الأول ـ الطائرات بدون طيار .

— التطورالثانى ـ المخابرات تقاتل بالمرتزقة .

— التطورالثالث ـ الإغتيال نشاط أساسي فى مقاومة حروب العصابات .

— التطورالرابع ـ فرق الموت قوة ملازمة لحرب الإستخبارات .

— التطورالخامس ـ صدمة الرؤية الليلية .

— التطور السادس ــ صدمة التنصت والرصد والمتابعة والإنقضاض.

 

الفصل الرابع :

طالبان كيف واجهوا تحديات حرب الإستخبارات ضد الحركة الجهادية ؟؟ .

– الفشل فى وضع استراتيجية عربية للجهاد . 

– كيف عثر المجاهدون الأفغان على استراتيجية للحرب ضد السوفييت ؟؟ .

– كيف عثر مجاهدو طالبان على إستراتيجية للحرب ضد الامريكيين؟؟ .

 

أساليب مواجهة طالبان لتحديات الطيران والحصار الإستراتيجى ؟؟ :

1ـ  التسلل كبديل عن الإقتحام .

2ـ إستيطان المدن كبديل عن حصارها .

3ـ القوات الخاصة كبديل عن القوات كبيرة العدد .

4 ـ جهاز الدعوة والإرشاد .

5ـ قوات التوابين .

6ـ التطوير التكنولوجى.

–  السيادة الوطنية والسيادة الإسلامية.

–  الجندى المسلم يقاتل تحت راية العدو الصائل.

الفصل الخامس :

 نص بيان أسامة بن لادن: [ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ] .

 

بقلم : مصطفي حامد (ابوالوليد المصري)

 

 

الفصل الأول

صدام بين مشروعين :

بن لادن ــ  فى مشروع تحرير جزيرة العرب .

شيمون بيريز ــ  فى مشروع الشرق الأوسط الجديد .

أهم بيان أصدره أسامة بن لادن فى حياته الجهادية الحافلة والعاصفة ، رغم قصر مدتها . بيان بعنوان”أخرجوا المشركين من جزيرة العرب”. وصفه بن لادن فى السطر الأول بأنه “رسالة من أسامة محمد بن لادن إلى إخوانه المسلمين فى العالم كافة وجزيرة العرب خاصة ” .

ولعله أحد أهم البيانات التى صدرت عن الحركة الجهادية الحديثة ، أو أنه أهمها على الإطلاق، فهو البيان الذى قتل صاحبه . بمعنى أن إغتيال بن لادن (أو إختطافه) فى أول مايو2011 كان بسبب ذلك البيان أكثر من كونه”عقابا” على ما قام به من أعمال ضد الولايات المتحدة ، وهى :

– عملية ضرب سفاراتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام 1998 .

– عملية ضرب السفينة العسكرية الأمريكية ( يو إس إس كول) فى مياه عدن (2000).

– عملية منهاتن ضد مبنى التجارة العالمى (2001).

–  الملفت فى البيان أنه لم يقتصر كما جرت عادة بيانات الجماعات السلفية ، بأن تؤكد كفر الحاكم لعدم تطبيقه الشريعة . ولكن البيان توسع فى شرح المخالفات الشرعية وفساد سياسة النظام فى مختلف الشئون الإقتصادية ، وحالة الإعلام المكرسة لعبادة الفرد ، وحالة الجيش وما كشفته أزمة الخليج من ضعفه (وقلة أفراده وعجز قواده، رغم ما أنفق على الجيش من أرقام فلكية لا تعقل !! ولا تخفى)،كما جاء فى البيان.

ثم سياسة القمع الأمنى وإستيراد كبار المجرمين من دول عربية كمشاورين أمنيين للوزير الداخلية الأمير نايف . ثم يتساءل البيان (هل يريد النظام أن يضرب الشعب من المدنيين والعسكريين بعضهم ببعض كما حصلت فى بلدان مجاورة ؟؟) .

– أهم النقاط فى البيان هى التحديد الدقيق للعدو الذى يواجه الأمة الإسلامية وهو التحالف الأمريكى الإسرائيلى . ثم يحدد أخطر الضربات وأكثرها إيلاما والتى وجهها ذلك العدو للمسلمين وهى { إحتلال بلاد الحرمين” عقر دار الإسلام ومهبط الوحى ومنبع الرسالة. وبها الكعبة المشرفة قبلة المسلمين أجمعين ـ وذلك من قبل جيوش النصارى من الأمريكيين وحلفائهم}.

 

ثم يدعم بن لادن موقفه من وحده المسلمين بالأدلة الشرعية المتوفرة بين يديه فيقول:

{الصواب فى مثل الحالة التى نعيشها هو كما قرره أهل العلم، ومن ذلك ماذكره شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله، وهو تكاتف جميع أهل الإسلام للعمل على دفع الكفر الأكبر الذى يسيطر على بلاد العالم الاسلامى، مع تحمل الضرر الأدنى فى سبيل دفع الضرر الأكبر ألا وهو الكفر الأكبر ، وإذا تزاحمت الواجبات قدم آكدها . ولا يخفى أن دفع هذا العدو الأمريكى المحتل هو أوجب الواجبات بعد الإيمان ، فلا يقدم عليه شئ كما قرر ذلك أهل العلم } .

 

أسباب إغتيال بن لادن :

1 ـ قَوْلُه بوحدة الأمة

2 ـ لإفساح الطريق للحركة الداعشية

3 ـ لإبعاد تأثيره عن الربيع العربى.

4 ـ لإستفراد عقيدة بيريز بالحركة الإسلامية.

5 ـ لتصعيد قيادات إسلامية بلا تاريخ ولا مؤهلات.

إلتزم بن لادن فى بيانه بمخاطبة الأمة الإسلامية كوحدة واحدة ، على عكس ما هو شائع حاليا من خطاب طائفى إستئصالى . فبظهور إصطلاح” أهل السنة والجماعة” كمصطلح سياسى  بديلا عن الإسلام كدين ، وكتعبير وحيد عن الإسلام ، إنحصر فهم ونشاط الحركة الإسلامية ـ فيما بعد بن لادن ـ على موضوع الفتنة الطائفية والقتال الداخلى قبل كل شئ . إصطلاح” أهل السنة والجماعة” لم يستخدمه بن لادن فى بيانه هذا ولا مرة واحدة. فقد إستخدم إصطلاح” الأمة” أو أنه خاطب “إخوانه المسلمين” فى العالم كافة . فلم يكن طائفياً ، ناهيك أن يكون إستئصالياً.

–  بيان (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) كان مشروعاً جهادياً خطيرالأثر، لو أن بن لادن أحسن قيادته . ولكن وكما سنرى فإن البيان حمل عوامل الفشل والسقوط حتى قبل إطلاق أول رصاصة.

– صدر بيان (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) عام 1996، أى بعد ثلاث سنوات من إطلاق شيمون بيريز ـ رئيس وزراء إسرائيل ـ لمشروعه”الشرق الأوسط الجديد”عام 1993 ـ الذى هو أخطر المشاريع التى ضربت المسلمين ، بعد إحتلال اليهود لفلسطين والقدس.

لن نقارن “بيان بن لادن” مع كتاب شيمون بيريز، من حيث عمق الإعداد ودقته. حيث بيريز يحكم دولة مسنودة بأكبر القوى فى العالم . والأغلب أن مراكز الأبحاث اليهودية التى هى التى أعدت المشروع الذى وضع بيريز إسمه عليه .

ليس ذلك ما يعنينا ، ولكن الأهم هو ملاحظة الآتى :

1 ـ الصدام جوهرى بين المشروع الإسلامى الذى يحملة بيان بن لادن، والمشروع اليهودى الذى يحمله كتاب” الشرق الأوسط الجديد” لشمعون بيريز.

فبينما بن لادن يرى المسلمين كتلة واحده فى العالم . يراهم بيريز كتلتين متناقضين متصارعتين حتى الموت ، وهما كتلة “سنية” وكتلة أخرى “شيعية” .

2 ـ “بيريز” يرى فى الكتلة السنية حليفاً عسكرياً لإسرائيل فى صراعها مع الشيعة وإيران . وبن لادن يرى المسلمين أمة واحدة تعمل ضد التحالف الأمريكى الصهيونى .

3 ـ يرى بيريز مجالات عظمى “للتعاون” بين إسرائيل والعرب”السنة” بأن يعطيه العرب أموالهم ، لتقوم إسرائيل بإستثمارها فى مشاريع تديرها لتقيم دولة يهودية عظمى تحكم العالم.

ويرى بن لادن أن المسلمين ـ كأمة واحدة ـ عليهم الجهاد بالنفس والمال لطرد أمريكا وإسرائيل من بلاد الحرمين الشريفين ، ومن فلسطين وتحرير المقدسات الإسلامية.

– لهذه الأسباب تحتم على الأعداء التخلص من بن لادن ، وإخلاء الساحة منه بالقتل (أو الإختطاف) لأن وجوده سيشكل عقبة صعبة جدا أمام مشروع الصهيونى للشرق الأوسط .

على رأس المستفيدين من إقصاء بن لادن يجئ الإخوان المسلمين. وذلك واضح فى مسار الأحداث منذ صدور المشروعين: الإسلامى لأسامة بن لادن، والصهيونى لشمعون بيريز. فبعد بيريز وقبل بن لادن، جاء إجتماع التنظيم العالمى للإخوان المسلمين فى عَمَّان لإطلاق مشروع “تحرير إيران”وإدخال أهلها إلى المذهب السنى.

وهو تطبيق أساسي لمشروع بيريز، تتابعت بعده مشاريع كثيرة ليس فقط من الإخوان بل من جماعات كثيرة تبنت “المذهبية المتوحشة” كبديل عن الإسلام الذى جاء رحمة للعالمين . وعلى القمة يأتى بلا جدال تنظيم داعش الذى حظى بدعم (اليهود والنصارى). وأيضا الإخوان المسلمين الذين أداروا أعماله فى أفغانستان ضد المجاهدين والشعب الأفغانى بتوجيه الزعيم الإخوانى حكمتيار . وعملوا على إستخدامه فى سوريا ضمن منظومة غزو سوريا لصالح مشروع بيريز لعبور سوريا وربط إسرائيل مع تركيا بخطوط أنابيب وطرق سريعة.

بن لادن دعم الزرقاوى عند ظهوره فى العراق . بناء على معرفة سابقة فى أفغانستان لم تكن عميقة ، ولكن كافية لتصور وجود أرضية مشتركة من فهم الإسلام كدين للرحمة ، وأمة الإسلام كأمة واحدة كالبنيان المرصوص . فلما تبين له حقيقة التيارالجديد المتلبس(بالسلفية الجهادية) والذى أغرق فى (الوحشية المذهبية) سحب تأييده للزرقاوى . ولم ينساق بن لادن المُحاصَر فى(آبوت آباد) فى باكستان لإغراء التيار الكاسح الجديد لتخريب الإسلام بالمذهبية المتوحشة التى لا تُقَسِّم الأمة فقط ، بل تفصل بينها بأنهار من دماء وخنادق من نيران.

[[ السلفية الجهادية ، فى معظمها، تبنت إنحراف “المذهبية المتوحشة”. وبصرف النظر عمن بدأ أولا، فإن العراق تحول إلى ساحة صراع مذهبى مجنون بين المنحرفين فى السنة والشيعة، وظهور دواعش من بين الشيعة المتطرفين . وكأن الهدف لم يعد الجهاد فى سبيل الله لطرد العدو الصائل ، بل تحول إلى سباق بين فئات منزوعة العقل والوجدان، حول من سيكون الأسبق إلى تدمير الأمة المسلمة، والإبقاء على العراق محتلا ]].

– كان لابد من قتل بن لادن ، إضافة للأسباب السابقة ، لأنه تمتع بأعلى مصداقية فى الوسط الجهادى ، وبأعلى درجة من الجاذبية القيادية (كاريزما).

– ثم إنه إحتفظ بسلسلة تمويل خاصة به ، رغم أنه فقد كل أمواله، مابين أموال مُصَادَرَة فى السعودية ، وأموال سَطا عليها نظام البشير فى السودان مستغلا إبعاد بن لادن ـ بلا عودة ـ من السودان إلى أفغانستان .( يلاحظ أن المسيرة التى بدأت بإخراج بن لادن من السودان أدت إلى دخول إسرائيل ذلك البلد عبر عملائه من عسكر الجنجويد).

وجود زعيم جهادى بهذه المواصفات كان سيمنع ظهورـ أو سيشكل تحديا خطيراً ـ لظهور زعمات باهتة لا تتمتع بأى موهبة أو سابقة جهادية أو”كاريزما”، من أمثال من ظهروا مع رواج “المذهبية الدموية” وبعد إختفاء بن لادن قسريا .. بالقتل أو بالإختطاف.

– زاد من حوافز الأمريكيين حذف بن لادن من المسرح الإسلامى ، ماكشفت عنه أوراق فى مقره فى أبوت آباد ، من أنه كان ينوى أن يرمى بثقله فى أحداث الربيع العربى متصورا أنها ثورات شعبية تبحث عن حلول لمشاكل لا يمكن تحقيقها إلا بإقامة نظام إسلامى حقيقى . ولو نفذ بن لادن شيئا من ذلك لفسدت المؤامرة الأمريكية بتحويل بوادر الثورات الشعبية العربية إلى مجرد فتن طائفية تحرق العرب وتزرع الفتنة بين المسلمين إلى الأبد ، لتنجح إسرائل فى بناء “شرقها الأوسطي الجديد” على أنقاض الإسلام والوجود العربى فى المنطقة.

– إصطلاح أهل السنة والجماعة لم يعد إصطلاحاً علميا للبحث الفقهى ، بل صار شعاراً لمرحلة دشنها شيمون بيريز بدعم من جماعات إسلامية تاريخية لتفتيت الأمة ، وبذر الشقاق والفتنة والقتال فيما بينها ، لإفساح الطريق للمشاريع التى تؤسس لإمبراطورية يهودية فى كامل الوطن العربى تحت إسم “الشرق الأوسط الجديد”. وهذا مناقض ومتصادم جذريا مع تصورات بن لادن فى بيان {أخرجوا المشركين من جزيرة العرب}، وقبل ذلك متصادم مع الإسلام ورسالته.

 

عوامل فشل مشروع بن لادن :

بذور الفشل حملها مشروع بن لادن لإخراج المشركين من جزيرة العرب. نقطتان إحتوى عليهما نفس البيان وهما :

1 ـ الموقف من أجهزة قمع الدولة “جيش وشرطة” معتبراً إياهم جزءً من قوى الشعب .

2 ـ إستبعاد النفط من معركة تحرير جزيرة العرب .

السبب الثالث للفشل وكان تنظيميا ولم يجئ ذكره فى البيان وهو :

3 ـ الإحتفاظ بتنظيم القاعدة كأداة لتنفيذ مشروع من المفروض أنه مشروع أمة تحتوى عددا لا حصر له من أساليب وتنظيمات العمل .

وفيما يلى نستعرض دور تلك العوامل الثلاث فى إفشال مشروع بن لادن لتحرير جزيرة العرب من الإحتلال الأمريكى / الصهيونى .

 

الموقف من أجهزة ” قمع الدولة” :

يرى بن لادن أن عناصر أجهزة القمع لدى النظام هم جزء من أبناء الشعب المسلم، ويَنْهَى المسلمين عن الدخول فى قتال داخلى بين أبناء الأمة المسلمة .

ناسيا أن أكثر القتال ضد السوفييت والنظام الشيوعى فى أفغانستان كان ضد أجهزة الدولة من (أبناء الشعب الأفغانى) الذين دربهم ويديرهم الشيوعيون لقمع باقى الشعب وفرض الشيوعية عليه . فكيف ما كان جهادا وفريضة فى أفغانستان يتحول إلى محظور فى السعودية؟؟ ، بل ويظهر أن له نتائج وخيمة يذكرها البيان . ويعدد تلك النتائج كالتالى حسب نص البيان :

1 ـ إستنزاف الطاقات البشرية حيث أن معظم الإصابات والضحايا ستكون من أبناء الشعب المسلم .

2 ـ إستنزاف الطاقات المالية .

3 ـ تدمير البنية التحتية للدولة .

4ـ تفكك المجتمع .

5 ـ تدمير الصناعات النفطية حيث أن تواجد القوات العسكرية الصليبية والأمريكية فى دول “الخليج الإسلامى” براً وبحراً وجواً هو الخطر الأعظم والضرر الأضخم الذى يهدد أكبر إحتياطى بترولى فى العالم . { ويُلاحَظ أنه لم يصف الخليج بأنه عربى أو فارسى، بل وصفه بالخليج الإسلامى }.

6 ـ { تقسيم بلاد الحرمين وإستيلاء إسرائيل على الجزء الشمالى منها ، حيث تقسيم بلاد الحرمين يعتبر مطلباً ملحاً للتحالف اليهودى الصليبى لأن وجود دولة بهذا الحجم وهذه الطاقات تحت حكم إسلامى صحيح ـ قادم بإذن الله ـ يمثل خطورة على الكيان اليهودى فى فلسطين ، حيث أن بلاد الحرمين تمثل رمزاً لوحدة العالم الاسلامى نظرا لوجود الكعبة المشرفة قبلة المسلمين جميعا} حسب ما جاء فى البيان.

 

للتعليق على مخاوف تقسيم جزيرة العرب نقول :

أن هذا التردد وتلك الإزدواجية كانت من أسباب الدمار الذاتى للنداء التاريخى بإخراج المشركين من جزيرة العرب . فما كان فريضة وجهادا فى أفغانستان (ثم فى سوريا والعراق، بعد بن لادن/ من عام 2011 حتى اليوم فى 2021 / ما أن يقترب من السعودية حتى تتبدل المعايير وتنعكس.

فتقسيم بلاد الحرمين نتيجة “الجهاد المسلح ضد الغزاة المحتلين” كما يقول البيان كان خطراً ماثلا، كما كان تقسيم أفغانستان خطرا ماثلا عند الجهاد ضد السوفييت.

وبالمثل عند قيام الإمارة الإسلامية عام 1996 قام شيوعيين فى الشمال وعملاء للغرب، بمحاولة إنفصال ، قضت عليها الإمارة الإسلامية .

والآن فى جهاد الإمارة ضد الإحتلال الامريكى ، تعمل إسرائيل وتركيا ودوستم وعملاء آخرين، لفصل كامل شمال أفغانستان من أقصاه الشرقى إلى أقصاه الغربى . ومع ذلك فالقتال ضد الإحتلال (أمريكا /الناتو/ إسرائيل/ تركيا) مستمر وسوف يندثر مشروع إنفصال الشمال ، بل أن القتال ضده دائر منذ سنوات.

فلماذا السعودية ؟؟ لماذا يتوقف الجهاد حتى لا ينفصل الشمال الذى قد تأخذه إسرائيل (وقد أخذت إسرائيل السعودية كلها الآن بدون قتال ، وخاصة الشمال الذى تضع السعودية فيه المليارات لتأسيس منشآت إسرائيلية بدعاوى إنها للإقتصاد والحضارة والبيئة ، فى مشروع تبنيه المملكة لصالح مضاعفة مساحة إسرائيل بإسم مشروع نيوم فى شمال غرب المملكة.ألم يكن أولى أن يبدأ الجهاد بلا مخاوف لا أساس لها ؟؟. وقد دفعنا أضعاف تكاليف الجهاد نتيجة التردد فالتقاعس فالإستسلام فالتسابق صوب الخضوع الذليل لليهود والنصارى الذين يديرون الآن ليس المملكة  فحسب، بل ويديرون مواسم الحج والعمرة، كما يديرون أنشطة تخالف أبسط تعاليم الدين فى مكة والمدينة ـ وسائر المملكة المستسلمة ـ وسائر جزيرة العرب التى يطبق فيها بهدؤ مبدأ إخراج المسلمين من جزيرة العرب وليس إخراج المشركين.

 

للتعليق على مسألة تحييد النفط فى المعركة نقول :

إن موقف بن لادن من أجهزة قمع الدولة ، ومن قضية النفط كان هادِماً لمشروعه بالكامل ، ومانعا لأى فرصة نجاح . لهذا تغاضى العدو بتمرير بدائل “عسكرية” بعيدة عن أرض الصراع ، تضمن سلامة هذين الهدفين الحيويين بالنسبة للإحتلال الأمريكى وللنظام السعودى (أى النفط وأجهزة قمع الدولة التى تحمى النفط وتحمى النظام).

ودفع العمل العسكرى إلى خارج جزيرة العرب (موضع الصراع الرئيسى). ولأول مرة فى التاريخ البشرى يدور الصراع من أجل تحرير دولة غنية وحساسة إستراتيجيا ودينيا ، أن يدور خارج حدود تلك الدولة ، وبعيدا عنها بآلاف الأميال . البدائل كانت الضربات الثلاثة : ضربة مزدوجة لسفارات أمريكية فى أفريقيا ــ وضرب المدمرة الأمريكية فى ميناء عدن ــ ثم غزوة منهاتن التى كانت نهائية فى القضاء ـ على بن لادن والقاعدة وأفغانستان والعراق ، والعالم العربى فى أحداث”الربيع”، وقيام إمبراطورية إسرائيل التى أسموها (الشرق الأوسط الجديد) .

دعوة بن لادن كانت رائعة مبدئيا، ولكن نتيجة (الخطأ) الإستراتيجى التى صاحبها فى نفس البيان ، إنتهت على ما يعرفه الجميع ، بما هو أكبر من فشل ، بل أكبر من مجرد كارثة .

–  كان بن لادن يمتلك ثروة معرفية كبيرة فيما يتعلق بشئون النفط فى المملكة، وإطلاع كبير على أوضاع الإقتصاد وأحوال التجار والمقاولين .

ولكن يأتى الحرمين الشريفين فى صدارة مطلقة فى سلم الأولويات لما هو موجود فى المملكة. والنفط هو التالى فى الأهمية ليس فقط للمملكة وشعبها وللمسلمين ، ولكن أيضا للإقتصاد الأمريكى والغربى .

كانت جزيرة العرب عظيمة وهامة للمسلمين بدون نفط . واستعادة قيمتها الإسلامية بتحرير المقدسات وطرد المشركين إذا كان يستلزم التضحية بالنفط ، فذلك خيار مقبول .. وبلا مناقشة.  فلا يمكن مقارنة الدين بأى شئ آخر، حتى ولو كان النفط . ولا يمكن تصور معركة أساسية لتحرير جزيرة العرب ولا يكون النفط موضوعها الأساسى ، وفى صدارة موضوعات الحرب.

النفط العربى هو ثروة أمريكية فى الأساس، فهو أبعد من أن يكون ثروة إسلامية “كما هو المفترض دينيا” ولا هو ثروة عربية . والفُتات الذى قذفوا به للعرب ضاع معظمه فى نزوات الحكام والأمراء ، وصَفْوَة المتملقين وقادة أجهزة القمع والدعاية والوعظ والإرشاد إلى المنكرات ، والترويج للفقه السعودى على أنه الإسلام الحقيقى الصحيح. وقد أنفقوا على تلك الكذبة عشرات المليارات من الدولارات بشهادة سادتهم فى الغرب الصليبى.

 

النهب الأمريكى :  نفط هنا .. وأفيون هناك .

لقد جاءت الجيوش الأمريكية ـ وحلفاؤها الغربيون ـ إلى جزيرة العرب للإستحوازعلى النفط ـ كما ذهبوا إلى أفغانستان للإستحواز على كنوز الأفيون التى هى أضعاف كثيرة من ثروات النفط . بل أن عائدات تجارة المخدرات فى العالم والتى تسيطر عليها أمريكا وإسرائيل، تزيد عن مجموع عائدات تجارة النفط والأسلحة والذهب مجتمعين. وربما هى الآن أكثر من ذلك.

وجاهد الشعب الأفغانى مدركاً تلك الحقيقة .. وكان المجاهدون أمام خيارات :

1ـ حرق الأفيون أو منع زراعته مطلقا . وذلك عمليا غير ممكن لعوامل جغرافية وقبلية وإقتصادية .

2ـ ضرب إمكانية العدو فى الوصول إلى حقول الخشخاش (بتحريرالأراضى)، وضرب مواصلاته البرية التى تربطه بتلك المناطق .

3ـ منع السكان من التعاون مع العدو فى ذلك المجال . وتهديد التجار من تغليب مصالحهم المالية على واجباتهم الدينية والوطنية .

4 ـ ضرب معامل تصنيع الهيروين بالهجوم على القواعد الجوية للعدو حيث توجد المعامل. وعرقلة النقل الجوى من وإلى تلك القواعد حسب قدرات الدفاع الجوى لدى المجاهدين .

5ـ تحَمُّل ضربات العدو الجرثومية والبيولوجية ضد الحقول والقرى غير المتعاونة .

–  تلك ملامح إستراتيجية المجاهدين الأفغان إزاء الأفيون، الموضوع الإقتصادى الأشد أهمية و الدافع الأول لنشوب الحرب . فماذا كانت إستراتيجية بن لادن بالنسبة لموضوع النفط الذى له مكانة شبيهه بذلك فى حرب تحرير جزيرة العرب؟؟ .

لا شئ سوى النهى .. والتشديد فى النهى عن المساس بالثروة النفطية .

 

وحسب قول البيان :

{ إن إنتشار القتال فى تلك الأماكن يعرض البترول لمخاطرالإحتراق، مما يؤدى للإضرار بالمصالح الإقتصادية لدول الخليج ولبلاد الحرمين بل وأضرار جسيمة للإقتصاد العالمى . ونقف هنا وقفة ونهيب بإخواننا أبناء الشعب المجاهدين بأن يحافظوا على هذه الثروة وبأن لا يقحموها فى المعركة لكونها ثروة إسلامية عظمى وقوة إقتصادية كبرى هامة لدولة الإسلام القادمة بإذن الله}.

ليس هذا فقط بل أن بن لادن فى بيانه التاريخى يحذر الأمريكيين ، ويدعوهم للحفاظ على ثروة النفط /التى هى فى الأساس ثروة الأمريكيين وعماد قوتهم الصناعية والإقتصادية ومكانتهم الدولية/ فيخاطبهم قائلا :

{كما نحذر وبشدة الولايات المتحدة الأمريكية المعتدية من إحراق هذه الثروة الإسلامية فى نهاية الحرب خوفاً من سقوط هذه الثروة فى أيدى أصحابها الشرعيين ، وإضرارا بمنافسيها الإقتصاديين فى أوروبا والشرق الأقصى وبخاصة اليابان المستهلك الرئيسى لبترول المنطقة }.

 أى أن على الولايات المتحدة الحفاظ على النفط لصالح السعوديين ، وصالح منافسيها الإقتصاديين فى الشرق الأقصى واليابان(!!) .

هذا تأكيد لا رجعة فيه على تحييد النفط وتأمينه خارج المعركة. فماذا تبَقَّى من أهداف تُرغِم العدو على الإنسحاب؟؟ . لم يذكر البيان شيئا .

ولكن توجيهات لاحقة أكدت على المجاهدين بعدم مقاومة رجال الأمن أو الجيش إذا ما تعرضوا لهم بالإعتقال ، لأن رجال الأمن مسلمون وجزء من الشعب المسلم .

وهل لم يكونوا كذلك فى أفغانستان وقد قاتلهم بن لادن والمتطوعون العرب بكافة السبل وبكل فدائية؟؟. فماذا حصل فى السعودية ؟؟. النفط له حرمة وعصمة، وكذلك الطواغيت النفطيين من شرطة وجيش وكل أجهزة القمع .. فأى جهاد وأى تحرير بعد الإستسلام للأمن وتجَنُب أهم الأهداف الإستراتيجة فى الحرب وهو النفط ؟؟ .(هذا أقرب إلى المثل العربى عن بخيل قَدَّم خبزا لجائع، ثم طلب منه ألا يأكل من الرغيف المكسور، ولا يكسر الرغيف السليم . فبقي الجائع كما هو جائعا).

لم يتبق أمام الشباب غير بعض الصدامات فى أسواق وشوارع ضد مدنيين ذوى بشرة بيضاء ، قضى عليها الأمن بسهولة (وأمن) . وإنتهت بذلك قضية إخراج المشركين من جزيرة العرب.

–  ولكن قصة الجهاد الخارجى لتحطيم قوة أمريكا إستمرت مع الضربات الثلاث المذكورة . ثم عمليات أكثر من شكلية فى سنوات تالية . وبعد إختفاء بن لادن دخلت القاعدة فى الموجة الغالبة لجهاد الفتنة تحت رعاية وإرشاد ورثة شيمون بيروز للجهاد الطائفى والإستئصال المذهبى بين المسلمين، لتمكين الإمبراطورية اليهودية فى بلاد العرب .. والعالم الإسلامى .

وهكذا ضاع سُدَى نداء أسامة بن لادن فى نهاية البيان : { إن إجتماعكم من أجل تحرير مقدسات الإسلام هو خطوة صحيحة نحو توحيد كلمة الأمة تحت راية كلمة التوحيد} .

 

حوارات وملاحظات حول بيان { أخرجوا المشركين من جزيرة العرب }.

حوالى ثلاثة أشهر إستغرقها الحوار حول مجرد فكرة إصدار بيان يدعو المسلمين إلى الجهاد من أجل تحرير جزيرة العرب من المشركين .

كانت الجلسات تعقد فى جبال تورا بورا بهوائها المنعش وتحت أشجار الصنوبر بينما مدينة جلال آباد القريبة غارقة فى الرطوبة وتخنقها حرارة الصيف .

صياغة البيان إستغرقت أكثر من نصف تلك المدة، نتيجة حرص بن لادن الشديد على كل حرف فى البيان ، ومراجعة الإستشهادات الشرعية والأدبية. كان صبوراً غاية الصبر ، حتى يئس مَن حوله ـ أو كادوا ـ من أن يصدر بيان ما .

وأخيرا تمت كتابة البيان، وأرسل بن لادن شخصا لينشره من باكستان حسب خطة توزيع متفق عليها . وقبل أن يصل الرجل إلى المنفذ الحدودى فى تورخم، أدركه رجل آخر أرسله بن لادن يطلب منه العودة . كان هناك تعديل طفيف فى أحد تعبيرات البيان . بعد إجراء التعديل أعيدت الكَرَّة فى اليوم التالى ، وخرج الرجل ومعه البيان من بوابة العبور إلى باكستان. ولكن فى نفس اليوم جاء الخبر من كابول أن طالبان قد إستولوا على العاصمة أى أن البلاد أصبح لها حكومة شرعية. فظهر على الفور إقتراح فى “تورابورا” بأن هذا التغير الكبير فى الوضع السياسى للبلاد يستدعى إعادة النظر فى موضوع خطير كذلك الذى يحتوى عليه البيان ، بإعلان الجهاد على الولايات المتحدة الأمريكية ـ ومن حولها من حلفاء ـ لإخراجها من جزيرة العرب .

وأن تنفيذ البيان سيأتى بإنعكاسات شديدة على أفغانستان ستتحملها الحكومة الإسلامية الجديدة . وفى ذلك ظلم لها وتوريط غير لائق قد يؤدى إلى فساد العلاقة بين العرب والحكم الجديد .

كان الوقت قد تأخر على ذلك الإعتراض . ولكن ما تلى من أحداث خاصة العمليات الخارجية (خارج جزيرة العرب) ضد أمريكا لإرغامها على الخروج من جزيرة العرب ـ لم تسفر عن شئ يؤيد ذلك الإتجاه، ولكنها راكمت نذر الخطر على العرب فى أفغانستان ، وعلى الإمارة الإسلامية التى لم تتراجع أمام الضغوط والتهديد ورفضت تسليم بن لادن أو طرد العرب من أراضيها.

إعتراضات مبكرة

أهم الإعتراضات المبكرة على البيان جاءت من الجماعات الإسلامية المستوطنة فى لندن وبعض دول أوروبا . أكثرها جدية إعتراضان هما :

1 ـ الإعتراض على تحييد أدوات القمع السعودية . وما تلى ذلك من توجيهات من بن لادن بعدم مقاومة عمليات الإعتقال .

دعم هؤلاء إعتراضهم بالفتاوى المتداولة آنذاك فى لندن والمخصصة لدعم الجماعة الإسلامية الجزائرية فى وقتها ، وهى الفتاوى القائلة بتكفير الحاكم وجميع أعوانه، وعلى وجه الخصوص الجيش والأجهزة الأمنية .

بِغَضْ النظر عن الفتاوى والفتاوى المضادة، فان موقف البيان فى هذه النقطة تحديدا وإعتباره أجهزة قمع الدولة جزءا من الشعب المسلم ولا يجب مجابهتها ، كانت خطوة أولى وحاسمة للهزيمة فى المعركة. بل وعدم إمكان نشوبها بشكل حقيقى، سوى محاولات عديمة الجدوى.

2 ـ  المحظور الآخر الذى فرضه البيان على حركة المجاهدين كان حظر إستهداف النفط والتشدد فى ذلك. وبالتالى لم يعد هناك أهداف حساسة يمكن الوصول إليها . سوى أفراد متناثرين قد يظهرون على صورة مدنيين فى المدن ـ وهو هدف غير كاف لتشكيل ضغط حقيقى ـ كما أن رجال الأمن مستعدين لتلك العمليات بسرعة وعنف .

كان علماء المملكة قد وضعوا ثقلهم الشرعى كله لحظر الجهاد عموما، لأنه يحتاج إلى إذن ولي الأمر ـ الملك ـ وكانوا أشد تأكيدا على حظر إستهداف النفط لأنه عماد حياة الدولة والمواطنين وقال أحدهم فى تصريح تاريخى : لولا النفط لم يستطع أحد ، حتى نحن العلماء ، من إستلام رواتبهم !! .

حرصا وخوفا على النفط والرواتب . وحرصا على حياة الإخْوَّة المسلمين فى أجهزة القمع فى الجيش والأمن وإدارات السجون والتعذيب ، لم يكن هناك من منفذ سوى الخروج بالجهاد خارج جزيرة العرب ـ لتحرير جزيرة العرب !! .

أول عملية خارجية كانت ضرب السفارات الأمريكية فى نيروبى ودار السلام . ثم أعقبها إنتقام أمريكى بصواريخ “كروز” على معسكرات العرب وبعض أهداف أفغانية .

حتى علق أحد العرب بمرارة قائلا : يبدو أن القاعدة تريد تحرير جزيرة العرب بدماء الأفغان .

الآن وبعد ربع قرن من تلك الجدالات : حارب الأفغان لمدة عشرين سنة لإخراج الأمريكان من أفغانستان . بينما غاصت جزيرة العرب بمقدساتها تحت وطأة الإحتلال الأمريكى الإسرائيلى . وسيطراليهود مباشرة على المقدسات الإسلامية فى جزيرة العرب ـ فى مكة والمدينة، إضافة إلى القدس التى نسيها العرب وتناساها المسلمون .

 

إقتراحات تنظيمية أعقبت بيان (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب):

أهم المقترحات التنظيمية التى تلت إصدار البيان ، كان مصدرها عرب أفغانستان وليس عرب لندن أصحاب الفتاوى النارية .

كان عرب أفغانستان القريبون من بن لادن على قدر من الدراية بطبيعة بن لادن فى القيادة . وطبيعة علاقته بتنظيم القاعدة .

1 ـ فالرجل كان يميل إلى قيادة شديدة المركزية خاصة فى المسائل التى يراها هامة فيتحول جميع من حوله إلى مُتَلقِّين للأوامر .

2 ـ نظرته إلى تنظيم القاعدة على أنه تنظيمه الخاص ـ ويؤكد ذلك بإصراره على أن يكون المنفق الوحيد على التنظيم. وبالتالى إنعدمت المعارضة على جوانب الإنفاق، لأنها حق الأمير فى التصرف فى ماله الخاص ، إذ لا يوجد مال عام فى التنظيم . لهذا تمحورت المقترحات التنظيمية للمرحلة الجديدة على هاتين النقطتين تحديدا(أى المركزية الشديدة فى القيادة ، وخصوصية الإنفاق على التنظيم).

وكان أشهر تلك الملاحظات هو ما إحتوت عليه مذكرة قدمت إلى بن لادن تحت عنوان(النصائح الوردية فى المسألة الإستراتيجية ) وهى مذكرة يصعب الحصول عليها حاليا . ولم تنشر رغم وجودها ضمن وثائق (أبوت آباد) التى حصل عليها الأمريكيون من منزل أسامة بن لادن عند الهجوم عليه فى أول مايو 2011 ــ وسبب عدم نشرها مجهول ــ وكانت مرسلة بإسم كاتبها (مصطفى بن حامد آل حامد ).

 

– من أهم ما جاء فى (النصائح الوردية) كان ما يلى :

أولا : ضرورة حل تنظيم القاعدة، أو أن يتنازل بن لادن عنه لصالح أحد كبار معاونيه . فمن الخطورة بمكان أن يصبح مشروعاً بهذه الضخامة مشروعاً لتنظيم محدود العدد والقدرات. فإخراج المشركين من جزيرة العرب هو مشروع الأمة الإسلامية جميعا ، ويتخطى كثيراً إمكانات سكان جزيرة العرب أنفسهم . فإذا جاءت دعوة الحشد من تنظيم معين فسوف تقف باقى التنظيمات ـ أو أغلبها ـ على الحياد وبعضها سيكون عدوانياً ومُعَرْقِلاً، ويعتبرونها محاولة من بن لادن والقاعدة لإحتواء تنظيماتهم وسحب الأفراد منها.

وبالفعل بدأت بوادر ذلك منذ اللحظة الأولى من نشر البيان .

ثانيا: إقتراح بأن  يدير بن لادن دعوة (إخراج المشركين من جزيرة العرب) كمشروع للأمة الإسلامية جميعا وليس العرب فقط أو تنظيم محدد . ويدير بن لادن أعماله التنظيمية بواسطة جهاز من المساعدين من أصحاب التخصصات المطلوبة فى الإدارة وشتى نواحى العمل المطلوب للمشروع الجهادى للإمة الإسلامية .

ثالثا : بصفته قائد لأهم مشروع جهادى للأمة ، تكون من مهامة توزيع الواجبات على الجميع وبحيث لا يستثنى أحدا ، وحسب قدرات كل جهة مشاركة .

وقال مثالا على ذلك : أن هناك من تصل مساهمتة إلى الإستعداد للعمل الإستشهادى . وهناك من يمكنه الدعم الإعلامى والثقافى ، وهناك من يمكنه أن يدعم ماليا حسب قدرته .

ثم هناك أكثرية لا يمكنها أن تقدم غير الدعاء . وهذا لايقل أهمية ـ بل ربما تزيد أهميته ـ عن كل ماسواه من مساهمات .

والتوجيهات لكافة الفئات فى شتى المناطق تكون إجمالية وليست تفصيلية بمعنى أن رسم الإستراتيجيات لكل منطقة تقع ضمن مهام القيادة العامة (بن لادن) .

رابعا : تمويل مشروع بهذه الضخامة ليس فى إمكان بن لادن وليس ذلك مطلوبا منه، ولكن يمكنه القيام بدور أمين”بيت المال” الذى يتلقى أموال التبراعات والزكاة الشرعية من الأمة، لتمويل تلك المعركة العظمى على إمتدادها الجغرافي الكبير .

 

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

 

الفصل الثانى :

مشاكل الحركة الجهادية العربية

الجهاد : الغاية .. والإستراتيجية.

وقضايا عملية وجوهرية أخرى

يشعر المخلصون المنخرطون فى العمل الجهادى العربى أنه وصل إلى مأزق يجب البحث عن مخرج منه . فتعددت الإجتهادات بحثا عن أسباب الأزمة وسبل الخروج منها . وفيما يلى بعض نماذج البحث ومحاولات تحديد أسباب الفشل واقتراحات للخروج من الأزمة.

يقول أحد القادة الجهاديين :

1 ـ تنقَّلَتْ التجارب الجهادية بين الخطأ والصواب.

2 ـ أغلب الكتابات أكتفت بالنقد السلبى دون أن تتوسع فى العلاج .

3 ـ العدو لا يترك فرصة لقيادة شابة تمثل مخرجاً إلا إغتالها أو أفسدها .

4 ـ فى اليمن كانت التجربة الجهادية أكثر نضجا ووعياً ورحمة بالمجتمع ، وحظيت بمباركة داخلية من قبائل اليمن . وحققوا نجاحات طيبة فى ممارساتهم الشرعية والإجتماعية والسياسية أحرجت المحيط الإقليمى والدولى . فتحالفوا على إخراجهم من المُكَلّا عسكريا ، وأرهقوهم بأعداد غير معقولة من الجواسيس . وهذا دلالة على وجود خطأ كبير فى البناء الداخلى .

5 ـ مطلوب كتابة (إرشادات مرورية) لمسيرة الشباب تدلهم على المسار المناسب لكل بيداء يخطون .. فى العراق وسوريا واليمن .. وأيضا للشباب فى الصومال وتركستان والمغرب ومالى وشبه القارة الهندية وفلسطين .أعتقد ان الشباب يفتقدون الطبيب الحكيم الماهر فى التشخيص ، والحاذق فى كتابة وصفات العلاج وحجم جرعاتها وتوقيتها لكل مريض .

أحد الشباب من كوادر الحركة الجهادية ،

يذكر بعض أسباب عدم نجاح الحركة الجهادية إلى اليوم ، منها :

1 ـ غياب العالِم عن القيادة بحيث يضبط الممارسة الشرعية والسياسية ويُحْكِم الفتوى .

2 ـ ضبابية الأهداف وإتساعها .

3 ـ عدم وجود مخططين أصحاب تجربة فى التخطيط ووضع الإستراتيجيات ، وترتيب مراحل تنفيذها .

4 ـ البناء الداخلى لهذه التنظيمات لم يكن محكماً فقد ضمت المخلصين ، وغيرهم خاصة جواسيس السعودية من طلبة العلم المزعومين ـ (حدث فى العراق وسوريا) ـ حيث شطحت تجربتهم بسبب الغلو فى الممارسة الشرعية ، والتيه السياسى ، وإنعدام الإستراتيجية ، وفساد البنية الداخلية .

وفى سوريا أضافوا لما سبق : الأنانية الشخصية وسرقة إنجازات غيرهم ، وإنقلبوا لقتال شركائهم فخسروا كل شئ تقريبا .

5 ـ العائدون من أفغانستان إلى تلك الميادين (سوريا ـ العراق) نقلوا خبرتهم القتاليه فقط ، بعيدا عن الفهم السياسى والإجتماعى .

 

تحرير المقدسات الإسلامية

غاية جهادية جامعة للمسلمين

فى محاولة للمشاركة فى إستكشاف الوضع المتأزم الحالى وسبل الخروج منه ، نقول :

تحديد الغاية من الجهاد :

الخطوة الأولى لضبط مسيرة العمل الجهادى هى توحيد الغاية من ذلك الجهاد. والإتفاق عليها بين معظم العاملين. والغاية الآن واضحة ولا يكاد يوجد خلاف حولها ، وهى تحرير المقدسات الثلاث مكة والمدينة والمسجد الأقصى . بما يعنى تحديدا :

إخراج المشركين من جزيرة العرب ،  وإخراج اليهود من فلسطين.

–  تحرير مكة والمدينة لا يتم إلا بإخراج المشركين من جزيرة العرب ، وتحديدا إخراج الجيوش الصليبية والإسرائيلية وقطعان الإستخبارات من كامل أراضى الجزيرة، الممتدة من اليمن وحتى حدود العراق والشام ، ومن شواطئ الخليج “الإسلامى” إلى شواطئ البحر الأحمر . وتلك هى حدود جزيرة العرب .

–  وتحرير المسجد الأقصى لا يتم إلا بتحرير أرض فلسطين بالكامل ( من نهر الأردن إلى البحر المتوسط ).

وبما أن القاعدة الفقهية تقول أن ما لايتم الوجب إلا به فهو واجب . فإن إزالة أى عقبة تعترض عمليات التحرير ، يكون من الواجب إزالتها.

غنى عن القول أننا بصدد عمل جهادى طويل المدى عظيم التكاليف والتضحيات . بحيث يستلزم تقسيم العمل فيه إلى مراحل إستراتيجية متتابعة :

1 ـ  صراع مع  القوى الأعظم فى العالم عسكريا وإقتصاديا وعلميا .

2 ـ صراع مفتوح فى الزمان والمكان إلى أن يشاء الله بالنصر .

3 ـ طاقات العرب لا تكفى، فالمعركة إسلامية شاملة لأن أكبر وأقوى الأمم قد إتحدت فى إغتصاب فلسطين، وفى إحتلال جزيرة العرب بجميع وسائل الحرب والإقتصاد والدعاية والحرب النفسية والإعتقادية.

–  فوحدة المسلمين هى السلاح الأهم للنصر ، كونها مطلب شرعى أولا، ثم أن حشد القوى هو مبدأ إستراتيجى فى جميع الصراعات الكبيرة والصغيرة .

وحدة المسلمين هى المطلب الإستراتيجى الأهم فى كل تلك المعركة . ولا نتكلم عن وحدة منظمات وجماعات بقدر الحديث عن توحيد قلوب وعقول المسلمين خلف أهداف هذه المعركة.

 – فى الحروب الحديثة لم يعد للمسافات أهميتها القديمة ـ رغم أنها مازالت مهمة ـ وفى هذه المعركة لن يكون هناك شعب مسلم بعيد عن ساحة الصراع الأساسية (جزيرة العرب وفلسطين)، فالجميع قريب بالمجهود والمشاعر والوعى . ولكن المسئولية الأكبر ملقاة على عاتق سكان تلك الساحات ثم الأقرب فالأقرب .

– ومن ناحية جغرافية يكون المسلمون فى تركيا وإيران ( وهما أهم قوتين إسلاميتين على حدود بلاد العرب ) كلاهما أقرب جغرافيا لساحة الصراع حتى من بعض دول المغرب العربى. وكلاهما يختزن طاقات وإمكانات هائلة لاغنى عنها فى معركة المقدسات.

– حشد طاقة المسلمين فى داخل  المنطقة العربية وفى جوارها القريب (تركيا ، وإيران)، وفى المجال الإسلامى العميق الواصل إلى أندونيسيا وغرب أفريقيا. يحتاج ذلك الحشد إلى مجهود هائل فى مجال العمل الدعوى الدينى ، وفى مجال العمل السياسى.

 

الفشل هو أفضل مدرسة لتعليم النجاح . لهذا يجب علينا أن سأل أنفسنا السؤال التالى :

لماذا لم ننجح  فى الإستفادة من تجاربنا الكبرى؟؟

من أسباب فشل الجهاديين العرب فى الإستفادة من التجربة الجهادية الأولى (ضد السوفييت) كان عجزهم عن إستيعاب الجانب السياسى العالمى للحرب . وما أدركوه كان قشرة لا فائدة فيها وتغلب عليها الحماسة وقصر النظر ـ كالعادة فى معظم الأعمال .

أما الجانب السياسى الداخلى فقد كان غائبا عن إدراكهم بالكامل ، سوى ما حاولة بعض الإخوان المسلمين من تصوير قادة الإخوان فى أفغانستان على أنهم محورالسياسة والعمل الجهادى. دعمهم فى ذلك القدرة الإخوانية فى الإعلام سواء الجهادى فى بيشاور أو باكستان والعديد من الدول العربية ـ وكان التنظيم الدولى وقتها يحظى برضا وتمويل سعودى كبير من أجل دعم جهاد أفغانستان، ولكن فى الإتجاه الخاطئ الذى يحفظ مصالح أمريكا ويستر نواياها الخفية فى إحتلال افغانستان بعد رحيل السوفييت عنها .

2 ـ لم يدرك الجهاديون العرب حقيقة أن الحرب تكسبها الشعوب ، قبل أن تكسبها الجيوش. وأن الحرب فى الأساس هى صراع إجتماعى قبل أن تكون صراع عسكرى .

طبعا الكتل الاجتماعية المتصارعة تُحَرِّكُها المعتقدات، كما تحركها المصالح الإقتصادية والمطامع السياسية، والحقوق الإجتماعية فى العدالة والمساواة والكرامة .

ولكن العرب الأفغان لم يفهموا سوى أن الحرب عبارة تنظيمات(أوجماعات) وأسلحة ، وتمويل ، وقيادة ، وشعارات نارية مهما بعدت عن الواقع وكانت غريبة عن المجتمع وإهتماماته (مثل شعار تطبيق الشريعة فى بلاد العرب ، أو إقامة دولة لأهل السنة والجماعة ، أو الجهاد العالمى بمعنى القتال فى كل مكان ممكن فى أى وقت متاح).

مفاهيم مؤثرة فى الجانب الإجتماعى من الحرب :

1 ـ معتقدات المجتمع ، لابد من إحترامها والمحافظة عليها . على الأقل عدم تحقيرها أو المطالبة بتغيرات جوهرية فيها إلا فى حدود تصحيح الممارسات اليومية طبقاً للمبادئ العامة التى لاخلاف عليها بين علماء الدين . وتفعيل القاعدة التى ذكرها الإمام النووى فى شرح صحيح مسلم : (إجتمعت كلمة أهل العلم على أن المُخْتَلَفْ فيه لا إنكار فيه) .

لكن المجاهدين العرب دخلوا المجتمعات التى جاءوا لدعم جهادها ، كما لو أنهم فتحوا بلاد الكفار . فدخلوها دخول المتوحشين المستكبرين ، الجاهلين بالحالة الدينية والإعتقادية التى جعلوها هدفاً ، وخلقوا منها حربا موازية للحرب الأولى مع الإحتلال ـ إن كان هناك إحتلال ـ حربا إستحدثوها ضد الشعب الذى لا يستجيب لهمجيتهم الجديدة. وكما يتضح لنا الآن ـ فإن الإنتصار فى مثل هذه الحالة هو المستحيل بعينه. والهزيمة نتيجة منطقية بدون الحاجة لشماعات لتعليق الحجج الواهية ، مثل كثرة الجواسيس، أو الإفتقار إلى إستراتيجية ،أو إتهام العدو بالوحشية لأنه إنتصر على الغزاة العرب، الذين هزموا أنفسهم برعونتهم وجهلهم قبل أن يهزمهم أحد.

 

من القواعد الإجتماعية لحرب الأنصار :

قوات الأنصار التى تدخل أرض المعركة لمساعدة الجهاد المحلى عليها الإنتباه إلى ما يلى :

– أن لا تسعى إلى أن تكون هي قيادة الجهاد . فقادة الأنصار يبقون على الدوام قادة قوات دعم. أما قادة الجهاد فهم من المجتمع المحلى ، إختارهم الناس لإسباب عديدة بعضها إجتماعى أى لإصولهم الإجتماعية ، أو لمكانتهم الدينية ، أو لسجاياهم الأخلاقية مثل الشجاعة والكرم .

– محاولة تحميل شخصيات محلية غير كفؤه على ظهر الحركة الجهادية ، سيجعل الشعب يعادى الحركة ، وينظر إليها كدخيل أجنبى أو محتل إضافى .

فالشخصيات المحلية الضعيفة إذا إختارها الأنصار ستكون معتمدة على الدعم الخارجى ، ولا تضع وزناً لشعبها ، بل مستعدة للعمل ضده من أجل الحفاظ على مكاسبها ومكانتها الجديدة كقيادة شهيرة على النطاق المحلى وربما الدولى أيضا .

إذا نظر الشعب إلى قيادته”الجهادية” على أنها مصنوعة من الخارج بالمال والسلاح والعون السياسى . فسوف يصبح الإرتزاق خُلُقاً عاماً وممارسة شعبية رائجة وتنتشر عمليات التجسس لصالح أعداء الجهاد . فيلجأ الشباب إلى العمل فى الميليشيات الحكومية أو الإستعمارية للحصول على(فرصتهم) فى المال الحرام، أو حتى فرصة لمجرد العيش .

لا ننسى أن الحركة الجهادية العربية ـ قد وقعت منذ وقت مبكر جدا ـ تحت سيطرة الممولين النفطيين، فجلب لها ذلك توجها سياسيا مضادا لمصالح الأمة الإسلامية. فحاولوا التغطية على ذلك بالمبالغة فى الصراخ الحماسي ليس للإسلام ولكن للفقه النفطى ـ للحصول على شعبية سهلة لا تحتاج إلى تعليم أو إيضاح ، بل تحتاج إلى مجرد الصراخ بالأكاذيب، وإستئجار الرعاع فى الشوارع ، الذين حل محلهم الآن رعاع مواقع التواصل الإجتماعى.

كانت حركة الإخوان المسلمين ـ كعادتها دوما ـ رائدة فى ذلك الإنحراف الذى منبعة الحاجة إلى المال . وتشتد الحاجة إلى المال مع توَرُّم الجماعة وتَضَخُم عدد أتباعها وتحولها إلى مؤسسة إعالة إجتماعية للمتعطلين . وحاجتها إلى أجهزة دعائية ـ وليست دعوية ـ عالية الصوت.

بالعقيدة النفطية الجديدة ـ وسياسة “الإسلام النفطي” أصبحت الجماعة جزء من طابور الإحتلال الأوروبى ـ أو جزء من الإحتلال اليهودى لبلاد العرب تحت مسمى”الشرق الأوسط الجديد”.

لم يكن حال التنظيمات الجهادية أفضل حالا ، بل كانت أقل شهرة ووضوحاً . ولكنها تابعة تماما للمسيرة الإخوانية رغم العديد من المشاحنات التى تظهر من وقت إلى آخر .

ساهم الإخوان كثيرا فى حشد التيار الجهادى العربى لحرب أفغانستان ضد السوفييت. ثم حجبوا الجهاديين عن حرب أمريكا فى أفغانستان ، ماعدا حالات ضئيلة من التفلت الشخصى .

وقادة الإخوان المسلمين الأفغان هم نجوم بارزون فى نظام الإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، وهو الإحتلال الذى من أعمدته الأساسية إسرائيل وتركيا “الحليف الرئيسى للإخوان المسلمين”.

وكما قامت حركة الإخوان بدور البطولة فى الحشد للحرب فى سوريا ، بدعم كامل من قطر والسعودية وتركيا وإسرائيل ، تحت دعوة هستيرية لإقامة دولة قائمة على الإستئصال المذهبى، نسبوها إلى أهل السنة والجماعة. والسبب الحقيقى للحرب هو أن النظام فى سوريا يمثل خندقا ومانعا إستراتيجياً يفصل تركيا عن إسرائيل . وكان المطلوب ردم هذا الخندق بإقامة نظام يغير دور سوريا إلى جسر إستراتيجى بين تركيا وإسرائيل حتى تعبر عليه المشاريع التى حددتها إسرائيل منذ عقود ، والخاصة بالماء والغاز، والطرق البرية بين إسرائيل وأوروبا عبر تركيا. وفوق كل ذلك أن يتم تحويل إتجاه الحرب مع إسرائيل لتصبح حربا بين أشلاء أمة ممزقة طائفيا إلى سنة وشيعة ، بينما إسرائيل طرف منحاز للسنة ضد الشيعة . فأى خيانات تلك ؟؟. ثم يتكلمون عن فشل الحركات الجهادية العربية وهزائمها !!. حتى كاد أن يتلاشى الفارق بين الفشل والخيانة.

 

حركة جهادية فى سبيل من ؟؟.. ولماذ؟؟ :

الإجابة على ذلك توضح جذور الفشل الحالى ، وجذور أى فشل قادم إذا إستمرت المسيرة العمياء على نفس النهج تحت قيادة عملاء اليهود .. ولو كانوا بأسماء وشعارات إسلامية .

 تلك الفوضى الدامية التى غرقت فيها سوريا جذبت إليها كل دولة شعرت بالتهديد على نفسها أو مصالحها. فجذبت حرب سوريا كل من إيران وروسيا ، ثم حزب الله الذى هو مرتبط مصيريا وجغرافيا مع سوريا . بل أن لبنان كلها مرتبطة بمصير سوريا، فهى أحد المكونات الجغرافية لسوريا الكبرى قبل الإحتلال الفرنسى/البريطانى للمشرق العربى ، طبقا لإتفاقية سايكس بيكو .

– تجاهل التعقيد والتداخل الشديد فى الواقع الإجتماعى والدينى والمذهبى والسياسى فى بلاد الشام الكبير(سوريا / لبنان/ الأردن/ فلسطين) كان من أسباب الفشل المأساوى للجماعات الجهادية هناك . خاصة الأنصار الجهاديين العرب ـ وغير العرب ـ الذين تدفقوا إلى سوريا بشعارات مغلوطة للمعركة ، لكنها رائجة بقدر قوة الإعلام التى روجها، والدول التى ساندتها بالمال والسلاح والسياسة والإعلام .

كل ذلك لم يجعل من الباطل حقاً . فكان الفساد ، وإنفصال العمل الجهادى عن الشعب ، وتعفن التنظيمات الجهادية المحلية والوافدة . وكثرة الأيادى العابثة فيها ما بين تركيا إلى مشيخات النفط ، وحتى إسرائيل عبر أذرعها العربية أو مستعربيها فى أجهزة الإستخبارات .

إختصارا.. كان جهاد سوريا دخيلا على مطالب ورؤية الشعب، الذى حاول التعلق بأوهام الربيع العربى فى الحرية والكرامة الشخصية ولقمة الخبز. ولكن الحركة الجهادية المحلية والوافدة سارت فى مسار مخالف تماما لم يخطر فى بال الشعب ولا ضمن قائمة إهتماماته . وأدخلته فى حرب أهلية لم يكن يريدها بأى حال . كل ذلك بفعل (الأنصارالجهاديين)، ثم يتساءلون بكل براءة  ” لماذا  لم ننجح” ؟؟ .

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

الفصل الثالث :

توحيد الهدف الشرعى للجهاد ، وتوحيد الإستراتيجيات نحو تحرير المقدسات .

 

المرحلة الإستراتيجية الأولى :

أولا ــ  مجهود دعوى مُوَّجَّه للمسلمين ــ

الواجب الإستراتيجى الأول هو توحيد صفوف المسلمين.وكما قلنا أنها مهمة دعوية وسياسية. ومن أهم خطواتها :

1 ـ إلغاء الإتجاه نحو “المذهبية المتوحشة” والتصدى لعقيدة شيمون بيريز التى تسللت إلى الحركة الإسلامية ـ الدعوية والجهادية ـ وقد عملت إسرائيل وأمريكا ودول أوروبا على تأكيد تلك العقيدة بين المسلمين . بحيث تحرق الأمة نفسها بدون الحاجة إلى مجهود كبير من تلك الجهات ( اليهودية /الصليبية ) .

ترى عقيدة بيريز أن إسرائيل كيان طبيعى فى المنطقة العربية وأن العداء الحقيقى هو بين السنة والشيعة ـ وبين العرب وإيران . وهذا يجعل من إسرائيل حليفا “لأهل السنة والجماعة” ضد الشيعة وإيران . وأيضا ضد التطرف الدينى عند بعض السنة (أى من يرفضون عقيدة بيريز) .

2ـ أساس التحالف بين جماعات المسلمين الدعوية والجهادية هو العمل من أجل تحرير المقدسات الإسلامية الثلاث ، وإخراج المشركين من جزيرة العرب .

3 ـ الوقف الفورى لجميع الإشتباكات بالسلاح أو الكلام على أساس الوحشية المذهبية الناتجة عن تطبيق عقيدة بيريز فى الوسط الإسلامى .

4 ـ إعادة ترتيب التحالفات الداخلية والخارجية على أساس شرعى واحد وهو تحرير المقدسات وتحرير جزيرة العرب من المشركين .

وعدم إنتهاج أى سبيل للعنف والإكراه فى سبيل إقناع الآخرين . ولكن من يعمل ميدانيا ، بإخلاص ونشاط لتثبيت عقيدة بيريز بين المسلمين، فهو بلا شك هدف معادى ومحارب .

5 ـ تنصرف عقيدة الولاء والبراء ـ على دليل عملى أكبر هو تحرير المقدسات الإسلامية وجزيرة العرب من المشركين. فلا موالاة على أساس المذهب أو القبيلة يمكن أن تتقدم الموالاة على ذلك الهدف الأعظم لكل مسلم صحيح الإسلام .

ويجب ان يرتقى ذلك الهدف إلى درجة الخيار بين الحياة والموت . فلم يسبق لأمة الإسلام منذ أن إستقام أمرها، أن عاشت وكعبتها فى قبضة الكافرين. بل ومسجد نبيها ومسجدها الأقصى .

فأى مسلمين نحن ؟ .. وأى زمان هذا الذى يتحمل وزر حياتنا فيه ؟ .

 

ثانيا ــ  العمل السياسى فى المرحلة الإستراتيجية الأولى :

المجهود السياسى داخل المنطقة العربية والموجه لغير المسلمين .

وهدفه تأكيد إنتمائهم إلى المنطقة ، وأن تحرير مقدسات المسلمين يعنى أيضا تحريرمقدسات المسيحيين فى فلسطين . ويعنى إستفادتهم من نتائج تحرير البلاد من السيطرة الإقتصادية والسياسية للمستعمرين وعملائهم . وأنهم غير مكلفين بخوض المعركة ميدانيا ، ولكن مساعداتهم أيا كانت ستكون موضع تقدير وامتنان. وأن جميع حقوقهم الدينية والسياسية والإقتصادية ستكون مكفولة ومدعومة بكامل طاقة المسلمين .

أما غير أهل الكتاب من سكان المنطقة فيجرى التأكيد لهم أن من حقهم الحفاظ على عقائدهم طبقا للمبدأ الإسلامى ( لا إكراه فى الدين). وأن لهم حقوق مثل باقى المواطنين فى بلاد المسلمين.

 

المجهود السياسى مع الدول غير الإسلامية :

توضيح أن المسلمين يعملون لإستعادة حقوقهم الدينية داخل أراضيهم . ولم يعتدوا على أحد خارج تلك الحدود . بل ويعتبرون أنفسهم فى حالة صداقة أو تحالف مع أى قوى غير إسلامية تكون فى حالة إشتباك مع نفس الجهات التى يقاتلها المسلمون . ويؤيدون كل الشعوب التى تسعى لإستعادة حقوقها السياسية والإقتصادية والمعنوية من هؤلاء الطواغيت والمتجبرين ، وسيقدمون لهم أى دعم يكون فى مدى قدراتهم .

 

ثالثا ــ  الإستراتيجية العسكرية للمرحلة الأولى :

التفاصيل ستكون معقدة وتفصيلية ولا يمكن نشر معظمها . فمسارح العمليات  فى المنطقة العربية التى هى النطاق المباشر فى ذلك الجهاد ، كل بلد منها سيكون له إستراتيجية عمل عسكرى تنقسم إلى أفرع حسب تنوع الطبيعة السكانية والجغرافية والسياسية من منطقة إلى أخرى فى البلد الواحد . فهى إذن على درجة من التشعب فى البلد الواحد ناهيك عن تلك الساحة العربية الشاسعة. وبالتدريج تنضم بلدان وشعوب أخرى تحمل إستراتيجيات العمل فيها قدرا ملموسا من التشعب والتعقيد . رغم أن جوهر العمل الإستراتيجى فى حد ذاته يجب أن يتجنب التعقيد ويتوخى البساطة ، ولكن التعقيد الذى نقصده يرجع إلى الإتساع الجغرافى والسكانى وتنوعه الشديد، ويرجع التعقيد أيضا إلى إختلاف الأهداف المعادية المتاحة فى كل ميدان وطرق التعامل  معها.

 

ومن الملاحظات الهامة :

أن المراكز السكانية والحضارية الأساسية فى العالم العربى تحيط بفلسطين. تلك المراكز هى سوريا الكبرى (ومن ضمنها لبنان والأردن) والعراق ومصر. تلك المراكز أيضا تلامس جزيرة العرب. ومعها الجيران البحريين لجزيرة العرب فى السودان و الصومال وأرتيريا. ثم الورقة الكبرى وهى اليمن، صمام أمان جزيرة العرب وخزانه البشرى وحارسه العسكرى.

نلاحظ أن إسرائيل قد أحرقت بالحروب المذهبية أهم قواعد الدعم العسكري لجزيرة العرب وفلسطين ، وهى اليمن والعراق وسوريا. ثم غزت مصر والسودان وحكمتهما بواسطة القوات المسلحة المحلية ، التى إستوطن فيها عملاء إسرائيل ويهود مستترون . لهذا فإن العمل الإسلامى عامة والجهادى على الخصوص، تجمعة كارثة واحدة تدفعه دفعا صوب الإتجاه العقائدى والإستراتيجى الموحد للأمة الإسلامية. وهو إتجاه توحيد / كل العرب وكل المسلمين/ وحشد جميع القوى المتاحة، من أجل تحرير المقدسات الإسلامية جميعا : مكة والمدينة والقدس.

ستكون أى إستراتيجية لتحرير المقدسات متأثرة بالدروس المستفادة من الحركة الجهادية فى أفغانستان ، وما شهدته من تطويرات غاية الأهمية فى العمل العسكرى للأعداء ، وفى المقابل التطويرات التى أدخلتها الإمارة الإسلامية وحركة طالبان على عملهم العسكرى لمواجهة تلك التطورات المعادية ، ثم التغلب عليها فى نهاية المطاف. ومن الضرورى دراسة كل ذلك بإهتمام وعمق لأخذ الدروس والإستعداد لمعارك كبرى قادمة.

 

تطورات هامة فى الحروب الإستعمارية ضد الشعوب :

قبل الشروع فى العمل السياسى . وتطبيق المرحلة الأولى لحرب تحرير المقدسات ينبغى أولا(محاولة تخمين) القوى والإمكانات المتاحة قبل دخول تلك المرحلة . وذلك فى ظل أقسى ظروف الرقابة الأمنية . وتطورها التكنولوجى البعيد عن تصور كثيرين ، إضافة إلى الخبرات الأمنية المكتسبة ، والقوى الأمنية المنخرطة فى محاربة المسلمين ، خاصة فى مثل ذلك المشروع الحيوى والمصيرى .

الحركة الجهادية العربية لم تكد تستوعب شيئا عن الظروف السياسية التى أحاطت بجهاد أفغانستان ضد السوفييت فى ثمانينات القرن الماضى .

ولم تستوعب أيضا طبيعة الحرب التقليدية للجيش السوفيتى وقتها ، وما أدخله فى تطوير للحروب الإستعمارية المضادة لحركات التحرير الشعبية ، أو الجهادية الإسلامية .

قبل إقتحامهم حرب أفغانستان إستفاد السوفييت إلى أقصى حد من التجارب والدروس المكتسبة من حرب الولايات المتحدة ضد شعب فيتنام .

– وبالمثل إستفاد الأمريكيون فى كل الدروس المكتسبة من تجربة السوفييت فى حرب أفغانستان  فى نواحى التسليح والتكتيكات والتطور التكنولوجى . والأهم من كل ذلك توظيف البيئة السياسية الإستراتيجة لخدمة مشروعهم الإستعمارى . يشمل ذلك البيئة المحلية الأفغانية ، والبيئة السياسية فى دول الجوار ، والبيئة السياسية فى الدول الإسلامية عموما.. ثم البيئة الدولية جميعاً .

هذا ما تفعله الدول الكبرى . وهو ما يجب ان يفعله المجاهدون على قدر طاقتهم وقدراتهم. (واتقوا الله ويعلمكم الله)، لقد كان ما حصل عليه المجاهدون من علم فى خنادق القتال شيئا يفوق الخيال ، ويزيد من إيمان المؤمنين بإنتصارهم إن هم جاهدوا فى الله حق جهادة.

فلدى المجاهدين قدرات هائلة فى التأثير السياسى لو أنهم فهموا الخريطة السياسية الداخلية جيدا ، ثم ما لدى الجيران والعالم من إمكانات فى السياسة والإقتصاد والأخطارالإستراتيجية المشتركة ، وفى ذلك دعم غير محدود لدفع قضية المجاهدين قدما حتى فى مجالهم القتالى .

من المنطق، العمل فى مساحات الاتفاق والمصالح المشتركة مع جميع الأطراف إن أمكن . وقبل كل شئ ـ وكما قال “صن تزو” (إعرف نفسك .. وإعرف عدوك .. ولا تخشى من ألف معركة). ولا داعى لتكرار الحقيقة البائسة وهى أن المجاهدين العرب قد جهلوا أنفسهم وجهلوا عدوهم .. ثم يُهزَمون فى المعركة الواحدة ألف مرة !! .

فلا تلوموا أحداً .. ولوموا أنفسكم !!.

 

التطور الأهم :  حرب حديثة تديرها أجهزة المخابرات وليس الجيوش .

وهى آخر أشكال الحروب الإستعمارية وحروب مكافحة الإسلام وقمع الحركات الشعبية الجهادية . إنها حرب تقودها أجهزة المخابرات وليس جنرالات الجيوش . فالجيش يأتى ضمن المشهد الخلفى كقوة طوارئ وإسناد أو تصعيد جوى فوق العادة ، أو إنقاذ عاجل لقوات “صديقة” محاصرة . أو بلدة تحت الحصار أو جرى إقتحامها بما يفوق القدرتها على الدفاع.

ولكن تظل  المخابرات هى من يدير الحرب على الأرض وفى الجو .

 

سمات التطور فى أساليب الحرب كما تديرها المخابرات :

 

التطور الأول ـ الطائرات بدون طيار :

أصبحت هى النجم الأهم فى حروب الإستخبارات ـ وحتى حروب الجيوش النظامية ـ وفى محاربة قوات المجاهدين أصبحت طائرات(درون) هى السلاح الأهم، وتستخدم لتنفيذ مهام كثيرة من الإستطلاع إلى الإغتيال والقصف الصاروخى .

وهى سلاح يصعب رصده ومقاومتة .. وبالتالى يصعب الوقاية منه إلا بعد إكتساب خبرات ميدانية .. وإلا بعد الحصول على وسائل مقاومة لذلك السلاح . بل يكاد يكون من الضرورى الحصول على سلاح مشابه وإستخدامه ضد العدو ، ليحدث قدرا من التوازن .

وغنى عن القول أن الجهاز السياسى للمجاهدين تقع على عاتقه مسئولية توفير وسائل مقاومة ونظائر جوية لذلك السلاح الخطير . وقد سبق القول بأن شركة أمازون للتسويق الألكترونى ليست هى العنوان المناسب لتوفير مثل تلك الإحتياجات.

إذن فمشكلة الدرون هى مشكلة عسكرية ـ سياسية ـ أمنية ـ إقتصادية . إلى هذا الحد وصل الترابط والتنوع فى العمل الجهادى المطلوب . ومفروغ منه القول بأن الصراع مع أجهزة أمنية ذات قدرات عالمية خلال القيام بمهام متشابكة كهذه، هو عمل يدل على مدى الدقة المطلوبة ، ومدى التطور التنظيمى المطلوب فى الحركات الجهادية الشعبية .

وهذا يعنى أن التنظيمات الجهادية بتركيباتها الحالية يجب إحالتها إلى الإستيداع ، لتصبح من الآثار التاريخية التى عفا عليها الزمن، وكانت حليفة للفشل على الدوام ، وخادماً للأعداء فى صورة (بغال تحميل). يجب بناء حركة جهادية حديثة ، حتى لا يكون المستقبل مجرد تكرار مأساوى للماضى الجهادى الفاشل للسلفية الجهادية العربية.

 

التطور الثاني ــ الإستخبارات  تحارب بالمرتزقة  :

 على الأرض تقاتل أجهزة الإستخبارات بمجموعات المرتزقة . وهى مجموعات شديدة التنوع والمهام . وأهم قوات المرتزقة المستخدمة فى حرب أفغانستان هى :

1 ـ قوات الشركات الدولية للمرتزقة: 

مقرها الرسمى فى أبوظبى وهى مِلْكِيَّة مشتركة بين أبوظبى وإسرائيل . وقد أسسها {أريك برنس} مؤسس شركة “بلاك ووتر” للمرتزقة ، وهى ذات سمعة دولية سيئة للغاية رغم أن هناك شركات كثيرة فى العالم أكثر وحشية. لكنها أبعد عن الرصد الإعلامى وتعمل فى بلاد أشد هامشية من بلادنا .

الجيش الأمريكى يستخدم المرتزقة فى إدارة العديد من أعماله، وفى أداء الكثير من المهام العسكرية ـ وذلك إتجاه يتوسع فى العالم تدريجيا حتى يبلغ غاية مداه بتحويل الجيوش إلى شركات خاصة تبحث عن الربح ، بدلا عن الجيوش الوطنية الحالية ، التى تحمى الحدود والأمن القومى للدول الوطنية . حتى أن الدول الوطنية نفسها مستهدفة بالإزالة من جانب البنوك اليهودية التى تدفع نحو خصخصة العالم ، أى جعله ملكية خاصة للشركات اليهودية. وتتحول الدول الحالية إلى مجرد “ساحات إقتصادية”، مفتوحة لنشاط الشركات العظمى والبنوك اليهودية العالمية.

 

2 ـ كتائب المرتزقة شبه النظاميين :

مكونة من عناصر محلية تدربها المخابرات التى تدير الحرب الأفغانية(إتحاد من الموساد وCIA) ويطلقون على تلك الكتائب أسماء غامضة أو مجرد أرقام تبدأ برقم صفرـ على خطى “جيمس بوند” ـ تناسب ثقافة هليوود السينمائية لرفع معنويات الجنود ، وإخافة المدنيين (وهى لم تنجح فى أى منهما ) .

ـ أصعب مهام تلك القوات الخاصة هو الإشتباك مع قوات المجاهدين المحتشدة . لهذا تتفادى ذلك المأزق ما أمكن . وتلجأ إلى الأسهل وهو مهاجمة الأهداف المدنية فى القرى والأسواق والطرق العامة . وتشارك فى الغارات الليلية على القرى ، وهو أسلوب يزعج القرى كثيراً ، ويستفز ردود فعل أشد عنفاً يشنها مجاهدو طالبان على مراكز تلك القوات وقواعدها العسكرية .. وأيضا إغتيال قادة تلك المجموعات خلال ممارستهم الحياة المدنية فى كابول والعواصم الإقليمية. وسنتحدث عن (الإغتيال) كسياسة عسكرية هامة ومحورية فى تلك الحرب.

 

3 ـ تشكيلات المرتزقة المحليين (الأربكية) :

وهم مرتزقة محليون من السفلة مطاريد القبائل وأصحاب النشاط الإجرامى فى القتل والسرقة وفرض الإتاوات. هؤلاء يدربهم خبراء الناتو ، وشبكات الإستخبارات الدولية ، وضباط من الجيش النظامى . ويتلقون رواتب منتظمة من الإحتلال عن طريق الحكومة المحلية ، وكذلك الإمداد بالأسلحة والذخائر. وهم ميليشيات محلية مقيمة بشكل دائم فى مناطقها.

ويساندون العمليات ضد المجاهدين عند الضرورة . ومهامهم الثابتة إرعارب السكان لزجرهم عن مساعدة مجاهدى طالبان.

 

4 ـ مجموعات الإغتيال والتجسس :

لأهمية عمليات الإغتيال فى تلك الحرب ، تقوم بها طائرات(درون) من الجو كما تقوم بها مجموعات أرضية . وكلاهما مرتبط بالمجهود الإستخبارى لجمع المعلومات . وهو مجهود جوى وأرضى أيضا . أى بطائرات “درون”، والجواسيس على الأرض ـ كما تشترك فيه الأقمار الصناعية وبرامج التجسس على الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر.

التجسس من أهم النشاطات الحربية منذ قديم الأزل . وتناوله الكثير من المؤرخين العسكريين وجنرالات الحرب . وماكتبه فليسوف الحرب الصينى”صن تزو” عن التجسس ، مازال يعتبر مرجعاً تقليديا فى ذلك النشاط الخَطِرْ، الذى لا غنى عنه فى الحرب أو السلم .

 

التطور الثالث ـــ الإغتيال نشاط أساسى فى مقاومة حروب العصابات :

الإغتيال هو سلاح تاريخى لمقاومة الدعوات الدينية والإصلاحية . وقد وصف القرآن نشاط اليهود فى مجال الإغتيالات :(إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ) آل عمران ـ21 .

– نشر الدعارة مجهود إستعمارى ، لتخريب الأخلاق والإلتزام الدينى ، وأيضا وسيلة لجمع المعلومات عن الجميع، العدو والصديق ، وترويج الإشاعات وتجنيد الجواسيس.وبشكل غير مباشر تعتبر سندا لعمليات الإغتيال .

 

التطور الرابع ــ فرق الموت ، قوة ملازمة لحروب الإستخبارات :

وهم مجموعات حكومية ، مهمتهم إرتكاب مجازر جماعية لمجرد نشر الفزع بين السكان. ويستهدفون مناطق مشكوك فى ولائها للإحتلال، فيقتلون الشباب وشيوخ المساجد وطلاب العلم الشرعى والأطباء والممرضين والتجار . وتفجير العيادات الطبية ومخازن الطعام والمحاصيل الغذائية والمساجد والمدارس وإهانة كبار السن، وإختطاف أسرى من السكان الأبرياء .

ويستخدم هؤلاء طائرات الهيلوكبتر لمداهمة القرى ليلا . أوأثناء النهار تحت حراسة جوية مكثفة من طائرات بدون طيار ومروحيات. وأحيانا بعد إنتهاء فرق الموت من غارتهم تكمل مدفعية الجيش دك القرية بالصواريخ والمدافع.

كل ذلك لتحطيم معنويات السكان ودفعهم إلى الهجرة من مناطقهم، إما إلى المدن أو إلى خارج البلاد ، أو إجبارهم على التعاون مع الإحتلال كميليشيات أو جواسيس .

 

التطور الخامس ـ صدمة الرؤية الليلية :

إكتسب العدو قدرة غير محدودة على الرؤية الليلية بإستخدام أجهزة خاصة للأفراد والمعدات والطائرات ، فكانت صدمة تكتيكية كبيرة للمجاهدين . وقلبت مفاهيم ثابتة فى حرب العصابات كون الليل صديق للثوار للسيطرة ليلا على الأرض التى يسيطر عليها العدو نهاراً .

الآن أصبح العدو قادرا على السيطرة الأرضية ليلا ونهاراً . والأسوأ حسب ما شهدناه فى بداية الحرب ، كان إستخدام الهليوكبتر فى الليالى المظلمة لأسلحتها بدقة متناهية ، بينما يعجز المجاهدون حتى عن مجرد تحديد مكانها . وزاد الطين بِلَّة إستخدام الطائرات درون صواريخها من بعد كبير، وارتفاعات كبيرة ، بحيث لا يتمكن المجاهدين من سماع صوتها. فضاع من المجاهدين ميزتين كبيرتين:

– خسارة ميزة إستخدام الليل كصديق يستر تحركاتهم ، فصار الليل مناسباً للعدو أكثر من مناسبته للمجاهدين .

– خسارة الإستكشاف الصوتى للطائرات المسيرة (درون).

تأثير الخسارتين يقترب من كونه تغييراً فى إستراتيجية حروب العصابات الكلاسيكية ـ وترجيحا

لدخول المجاهدين إستراتيجية الإقتراب اللصيق بالعدو، وإستخدام قاعدتين سيأتى ذكرهما عن (التسلل بدلا من الإقتحام ) وقاعدة (إستيطان المدن بدلا عن حصارها) .

ثم الدخول فى مواجهة تحديات (التطويرالتكنولوجى) . فكما إقتحم المجاهدون مجال حروب طائرات الدرون، ثم الصواريخ، إقتحموا كذلك مجال الرؤية الليلية . وفى هذه المرة حصلوا عليها بطرق :

1 ـ الغنائم .

2 ـ الشراء المباشر من العدو .

3 ـ بالتسلل داخل الوحدات المسلحة للعدو.

4 ـ الشراء من السوق السوداء الخارجية.

سنأتى بشئ من التفصيل فيما بعد ،على وسائل المجاهدين فى مواجهة التحديات المستحدثة .

 

التطور السادس ــ صدمة : التنصت والرصد والمتابعة والإنقضاض.

إستخدام أجهزة الإتصال الحديثة خاصة أجهزة (الموبايل) تتيح للعدو أفضل فرصة للتنصت على محادثات المجاهدين وكشف أسرارهم ـ ورصد أماكنهم وتحركات قيادتهم وقواتهم وقوافلهم ـ ومتابعة ذلك كله إلى أن تحين لحظة الإنقضاض والقتل والتدمير، والتى غالباً ما تتم بالطائرات بدون طيار ـ أو غيرها من وسائل الإنقضاض السريع .

وأكثر الأمثلة مأساوية فى هذا الصدد كان إغتيال الملا منصور(أمير المؤمنين) .

 

إجراءات المواجهة :

ـ إشراك قسم التطوير الفنى فى إيجاد وسائل فنية للمواجهة .

ـ التحريك الدائم للوحدات المقاتلة / مع تقليل حجمها إلى أقصى حد/ وتوزيعها على مساحة واسعة/ وبحيث يمكن إعادة تجميعها عند الضرورة فى أقصر وقت ممكن .

ـ التوسع فى برنامج الحفريات مع تعدد المداخل والمخارج قدرالإستطاعة. فى المناطق المنبسطة وفى الأرياف، وحتى الجبال .

ـ تقليل إستخدام وسائل الإتصال إلى أدنى حد . وتغيير مناطق إستخدامها بعد كل مرة .

ـ استخدام شيفرات خاصة للكلام بين الوحدات برموز غير معلومة لمن هو خارجها .

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

الفصل الرابع :

طالبان كيف واجهوا تحديات “حرب الإستخبارات” ضد الحركة الجهادية؟؟

يشتكى جهاديون عرب من الحاجة إلى واضعى إستراتيجية للحرب و تقسيمها إلى مراحل. والشكوى فى غير محلها، فالشعوب تنهض للدفاع عن نفسها ، فى إتجاه فطرى ضد مصادر الخطر. وتلك مسألة لا تحتاج إلى أخصائيين . ثم يظهر القادة العسكريين وتتبلور معهم إستراتيجية العمل ، حتى ولو لم يكونوا خبراء إستراتيجيين .

وأبسط قواعد وضع الإستراتيجية وأكثرها عملية هى : (إذا كنت لا تعرف لنفسك إستراتيجية ، فتحرك فى عكس إتجاه إستراتيجية العدو ، تحصل على إستراتيجية ناجحة لعملك ).

فى وقت الجهاد ضد السوفييت توصل الكثير من القادة الميدانيين الأفغان إلى تحديد إستراتيجية عمل ناجحة لمناطقهم . لكن التدخل الخارجى منع وحدة المجاهدين كما منع تبلور رؤية إستراتيجية شاملة لأفغانستان كلها ، وأكثر من عرقل ذلك هى باكستان وجهاز إستخباراتها ISI الذى إستخدم قدراته على التمويل والإمداد بالسلاح ، ثم بإغتيال مناوئيه من قادة الداخل، والوقيعة بينهم، لإفشال أى مشروع لا يناسب مصالح باكستان .

ومع ذلك فإن التصورات الإستراتيجية التى وضعها ونفذها قادة جهاديون ميدانيون كان لها القول الفصل فى رحيل الجيش الأحمر عن أفغانستان .

 

الفشل فى وضع إستراتيجية عربية للجهاد:

أسباب فشل الجهاديين العرب فى وضع إستراتيجية عسكرية للمعارك التى شاركوا فيها يرجع إلى أسباب هامة منها :

1 ـ أنهم كانوا وافدين على تلك الميادين ، وقدراتهم محصورة فى الأعمال التكتيكية الميدانية .

2 ـ الميادين التى شاركوا فيها(سوريا /العراق/ اليمن) كان العدو قد حدد مسارها الإستراتيجى العسكرى والسياسى ، وفرضه على المقاتلين المحليين والوافدين ، كما فعلت المخابرات الباكستانية فى أفغانستان وقت الحرب ضد السوفييت .

3 ـ حتى إنتفاضات “الربيع العربى” كان العدو متحكما فى مسارها، فمنعها من الوصول إلى مرحلة الثورة الحقيقية . فبقيت مجرد إضطرابات أضرت الوضع الداخلى وزادت من جرعات القمع والفقر وضياع كرامة الشعب ، على عكس ما كانت تطمح إليه الشعوب عند إنطلاق خديعة “الربيع العربى” .

4 ـ مسارح العمليات التى تم حشد الحركة الجهادية فيها كانت تحت سيطرة الولايات المتحدة وعملائها النفطيين، وبمشاركة إسرائيل وتوجيه إستراتيجى وضعه شيمون بيريز ضمن رؤيتة المسماة “الشرق الاوسط الجديد”. فلا مجال لأى إجتهاد إستراتيجى داخل قفص حديدى محكم دخله “الجهاديون” لأداء مهمة محددة لهم سلفاً، وهى الحرب الطائفية وإشاعة أجواء الفتنة والصراع المسلح بين المسلمين لتوفير مناخ عمل آمن لمشروع بيريز.

5 ـ الجهاديون بدورهم كانت رؤيتهم الإستراتيجية فى جميع مسارح العمليات ثابتة لم تغيير وهى ما حددته لهم عقيدة بيريز من الحروب الطائفية . ولكنهم عندما صادفوا الفشل والهزيمة بحثوا عن شماعات لتعليق الفشل ، فكانت شماعة الإفتقاد إلى إستراتيجية وإلى قيادة وإلى تنظيم محكم وهى عناصر هامة ولكنها فى حاجة إلى إرادة مستقلة قبل أى شئ . وهذا غير متوفر فى الحركة الجهادية السلفية.[[ هناك إستثناءات قليلة فى عدة أماكن، منها مجموعات صغيرة تابعة للقاعدة فى اليمن. ومجموعات أخرى فى الصومال. كانوا تحت قيادات هى أقرب إلى فكر بن لادن الذى جاء فى بيانه سابق الذكر. تلك المجموعات رفضت طريق الفتنة ورسمت طريقها الخاص، ثم سارت فيه بدرجات متواضعة من النجاح، كونها تعرضت للحصار وتجفيف المنابع والتشنيع ثم الهجوم الميدانى ، حتى من إخوة الأمس ]].

ولكن إذا فقد المقاتلون تعاطف وتجاوب الوسط الإجتماعى فلا فائدة فى أى شئ آخر . وإلا فإن جيوش الإحتلال الأمريكى لأفغانستان لم يكن ينقصها أى عنصر للنجاح سوى تجاوب الشعب معها . لهذا فشلت رغم حرب تخطت العشرين عاما.

 

كيف عثر المجاهدون الأفغان على إستراتيجية للحرب ضد السوفييت ؟؟

 أدرك المجاهدون الأفغان بسرعة أن سبب تدخل الجيش الأحمر كان لتثبيت أركان النظام الإنقلابى الشيوعى فى كابول ، والذى فشل فى توفير حد أدنى من إمكانات البقاء نتيجة للتناقض التام بين المبادئ الشيوعية وعقائد الإسلام الراسخة فى أفغانستان، ثم لجوء الإنقلاب الشيوعى إلى إستخدام عنف عسكرى مفرط ضد المحتجين ضده . فظهرت حالات الجهاد فى الجبال تحت قيادة علماء وشخصيات إسلامية .

توقع الكرملين أن سقوط نظام كابول الشيوعى بهذه الطريقة سيكون فاتحة لسقوط باقى أحجار الدمينو فى الكتلة الشرقية . فتدخل للحفاظ على نظام كابول معتبراً إياها مسألة حياة أو موت للإشتراكية كنظام عالمى يسيطر على مساحة واسعة من العالم ومئات الملايين من البشر.

لم يكن هناك أى هدف إقتصادى واضح للغزو الأحمر . وإن كان السوفييت قد نهبوا الغاز الطبيعى فى الشمال . ولكنه لم يكن عائدا إقتصاديا متعادلاً مع تكاليف غزو كبير بذلك الشكل .

كانت الإستراتيجية المناسبة للمجاهدين ـ وقد حدثت تلقائيا ـ هى إنتشار المقاومة المسلحة فى كل مكان بحيث يعجر النظام الشيوعى من حكم البلد ، وتعجز قوات الجيش الأحمر عن جلب الإستقرار بالقوة المسلحة على كامل المساحات الكبيرة الثائرة .

– الإستراتيجية السوفيتية المعاكسة لإخماد أعمال الجهاد المسلح كانت إغلاق منافذ الحدود لمنع تهريب السلاح والذخائر إلى مراكز المجاهدين . كان معلوماً أن باكستان هى مصدر تلك الأسلحة وأن منافذ عبور الأسلحة محدودة ومعروفة .

وأهمها كان موجودا فى محافظة باكتيا ويمر منها حوالى 60% من الإمدادات أو أكثر . فتحولت باكتيا إلى بؤرة الصراع والمنطقة الأولى فى تلك الحرب . ومنها بدأ الحسم العسكرى وسقوط النظام رغما عن أنف السوفييت والأمريكيين معاً .

وفيها سقطت مدينة خوست الحدودية وهى واحدة من أهم مدن البلاد ـ ثم تبعتها مدينة جرديز التى تصدعت دفاعاتها بقوة هجمات المجاهدين ـ وبعدها بحوالى أسبوع سقطت العاصمة وقد سبقتها معظم المدن الهامة فى البلاد .

ذلك أن سقوط المدن هو إيذان بسقوط النظام الذى يعتبر الحفاظ عليها ورقة قوة لإرغام المجاهدين على إقتسام السلطة معه ، وعدم الإستفراد بحكم البلاد وفرض نظام إسلامى علها .

وهكذا عمل المجاهدون عكس إستراتيجية العدو فى عدة نقاط :

1 ـ إبقاء المقاومة مشتعلة على أوسع نطاق .

2ـ الإبقاء على ممرات محافظة باكتيا مفتوحة أمام قوافل الإمداد .

3ـ إفشال نظرية أمن النظام بالحفاظ على وجوده وشرعيته بالحفاظ على المدن فى قبضته .

كيف عثر مجاهدو طالبان على إستراتيجية للحرب ضد الأمريكيين ؟؟

هدف الغزو الأمريكى لأفغانستان كان إقتصاديا بحتاً، وهو إعادة زراعة الأفيون الذى أوقفته الإمارة الإسلامية . كان مؤسس الإمارة (الملا محمد عمر) على علم بتلك النوايا قبل حوالى عامين . ولكن أكثر المسئولين فى الإمارة وأغلبية الشعب ظنوا أن حادث 11سبتمبر هو السبب. وساعد على رواج ذلك الإدعاء هَوْل الحملة الإعلامية التى رافقت الحادث والصور التلفزيونية المبهرة لحادث إصطدام الطائرتين بالبرجين العملاقين فى مانهاتن . ولكن فى أقل من عام أدرك معظم الشعب الأفغانى السبب الحقيقى للغزو الأمريكى لبلادهم عندما شاهدوا عودة طاغية لزراعة نبات الخشخاش الذى كان قد إختفى من الأرياف ، ليقفز إنتاج الأفيون من185 طن فى آخر عام من حكم الإمارة، إلى أكثر من ثلاثة آلاف طن فى الموسم الأول فى ظل الإحتلال .

وإكتشف العالم خدعة 11سبتمبر عندما تصايح المختصون بأن إنتاج الهيروين قفز أربعين ضعفاً مرة واحدة فى ظل الإحتلال !! .

وعلى الفور تحددت الملامح الإستراتيجية للمعركة بإعتبارها حرب أفيون فى الأساس .فأصبحت منطقة المركز هى ولايات الجنوب، وعلى قمتها ولاية هلمند التى كانت تنتج 80% من محصول الخشخاش، تليها جلال آباد فى الشرق بنسبة15% تقريبا . ثم نسبة قليلة متناثره فى الغرب والوسط . بالطبع النسب تغيرت مع سنوات الإحتلال لكن هلمند ظلت فى المقدمة .

وإنتاج مسحوق الهيروين أخذ مكاناً هاماً فى القواعد الجوية، خاصة قاعدة بجرام شمال كابول التى طار منها الهيروين إلى العالم. والعاصمة كابل أخذت موقعها الإقتصادى فى عملية غسيل الأموال عبر مطار العاصمة وبنك الدولة.

–  الإستراتيجية العسكرية للمجاهدين كانت تلقائيا إنتزاع غنيمة الحرب من بين فكى جيوش الإحتلال . فكانت الخيارات هى :

1 ـ تحرير حقول زراعة الخشخاش من سيطرة الإحتلال وأعوانه .

2 ـ قطع طرق نقل الأفيون من المزارع إلى القواعد الجوية (براً وجواً) .

3 ـ منع التجار من التعاون مع الإحتلال أو بيع المحصول له .

4 ـ العمل ضد القواعد الجوية بالقصف الصاروخى والعمليات الإستشهادية .

ظل ذلك هو هيكل إستراتيجية المجاهدين العسكرية . مع توسعات إستدعتها طبيعة الإنتصارات وتوسع السيطرة على الأرض . وإدخال أساليب قتال جديد وقوات مقاتلة جديدة .

–  من المفيد مقارنة تلك الإستراتيجية العسكرية الدامية لمنع الإحتلال من تحقيق مكاسب مادية من الحرب ، وقطع سبل إستغلاله لتلك الثروة . وبين إستراتيجية بن لادن لإبعاد الضغط العسكرى عن النفط ، الذى هو السبب الأساسى لوجود القوات الأمريكية فى بلاد الحرمين الشريفين ـ إضافة للأسباب الدينية المعروفة ـ التى إتيحت لهم وللصهاينة عندما إستسلم شعب جزيرة العرب/ وكأن أمر الحرمين لا يعنيه بشئ ، ولا حتى أمر جزيرة العرب/ معتمدا على مدخراته المالية التى سيحملها على كاهله ويرحل، حيث العيش الرغيد أينما تيسر ، ربما فى أمريكا نفسها .

ويمكن هنا القول أن بن لادن حدد الغاية من الحرب بشكل صحيح، ولكنه أخطأ فى رسم طريقة الوصول إلى هدفه (أى الإستراتيجية) .

وننظر الآن كيف واجه مجاهدو حركة طالبان التغييرات التى أدخلها العدو فى أسلحة الحرب وتكتيكات القتال . وكيف غير المجاهدون أساليب قتالهم وتشكيلاتهم القتالية عما كان معمولا به فى حربهم ضد السوفييت.

سوف نمر على أهم التطورات العسكرية المجاهدين فيما يلى من موضوعات :

1 ـ حرب الجبال.

2 ـ حرب الأرياف.

3 ـ حرب المدن.

4 ـ القوات الخاصة.

5 ـ سلاح الدعوة والإرشاد.

6 ـ مجموعات التوابين (المجموعات السرية المضادة لقوانين الدولة ) .

7 ـ أقسام التطوير التكنولوجى .

التسلسل التقليدى فى حروب العصابات وتدرجها من تحرير الجبال إلى تحرير الأرياف والقرى وفى الأخير تحرير المدن . ذلك التسلسل لم يعد إلزاميا أو حتى ممكناً . وذلك لأسباب إتضحت فى جهاد شعب أفغانستان ضد الإحتلال الأمريكى .

– فى العادة كانت تبدأ حرب العصابات من مناطق الجبال المجاورة لدولة صديقة للعصابات بحيث يسهل عبورهم لنقل الإمدادات والأفراد ونقل الجرحى .

ولكن فى الحرب ضد الإحتلال الأمريكى وجدت حركة طالبان نفسها واقعة فى حصار إقليمى محكم وعدائى . وهو جزء من حالة دولية معادية لها بسبب الخوف من الأمريكيين الذين إنخرطوا فى عمليات عقاب يمكن تطال أى دولة فى العالم وتسبب لها أذى إقتصادياً ، إن هى لم تؤيد غزو أفغانستان ، طبقا لشعار بوش فى حملته تلك (من ليس معنا فهو ضدنا ومع الإرهاب).

فكانت الحركة الجهادية مستقلة فى جميع شئونها الحربية والسياسية والإدارية . وعلاقتها مع شعبها قوية بحيث يستحيل الفصل بين المجاهدين (طالبان) وبين الشعب .

إستخدم العدو كامل طاقته لإحباط الجهاد والسيطرة على الشعب وإخضاعه . وقابله المجاهدون بالمثل ، فبقاء الجهاد وإستمراره ثم نجاحه يتوقف على سيطرة المجاهدين على العدو بشتى السبل لإنتزاع وسائل القوة من بين يديه (سلاح ـ إمدادات ـ أموال) وإستخدمها ضده لإرغامه على الفرار والرحيل .

– تأثيرات سلاح الجو الأمريكى أملت العديد من التغييرات فى سلوك المجاهدين وخططهم العملياتيه والإستراتيجية .

لم يكن طيران العدو فقط ضخم العدد ومتنوع ، قادر على العمل فى جميع الأجواء ، مطلق الحرية لعدم وجود وسائل لمقاومته ، أو إعتراضات إقليمية أو دولية . بل كان كل ما يفعله بالأفغان مبرراً بـحادث سبتمبر . بحيث لم يجد أحد غضاضة فى تقديم العون للمعتدى.

منذ الأيام الأولى أدرك الأفغان أنهم أمام سلاح طيران مختلف تماما عما ألفوه فى الحرب السوفيتية . وإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية هو الهدف الأول لطيران أمريكا وحلفائها. وتكرار القصف على نفس الهدف بفاصل عشرة دقائق لقتل من تجمعوا لإنقاذ الضحايا . وضرب وسائل النقل على الطرقات . وإستهداف الأفراح بشكل خاص وتحويلها إلى مجازر . ولم يستثنوا تجمعات العزاء ، أو التجمعات القبلية .واستخدام الذخائر الثقيلة التى تحدث زلازل ويسمع صداها من بُعْد عشرات الكيلومترات، ناهيك عن القذائف المصنوعة من اليورانيوم المنضب أو النَشِط.

كان الطيران سلاحاً للقتل الشامل للبشر ، وليس لتحقيق أى هدف عسكرى قد يأتى ضمنا كأثر ثانوى . سلاح طيران العدو كان أساسيا فى ضبط المسيرة القتالية للمجاهدين من حركة طالبان. وحتى الأهالى منذ أيام الحرب الأولى ـ ورغم تعاطفهم مع أبنائهم الطالبان ـ طالبوهم بأحد إختيارين : إما حمايتهم من الطيران الأمريكى ، أوالعمل بعيداً عن قراهم .

وبين هذين الخيارين تعاملت حركة طالبان مع التهديد الجوى . وعمليات التحرير التى كانت متاحة على الأرض ، سواء فى الجبال أو الأرياف، كانت تنفذ ولكن بشروط يجرى ذكرها .

بوجه عام إنتقلت مواجهة الطيران إلى الأرض بدلا من الفضاء، بأن تُقْصَف القواعد الجوية بالصواريخ . وبإغتيال الطيارين فى شوارع العاصمة، أو أينما ساروا على الأرض . وبهجمات نوعية داخل القواعد الجوية نفسها، أو بعناصر إستشهادية من القوات الخاصة، الذين مناسبات عديدة أحدثوا خسائر هائلة فى الطيران (قاعدة شورآب الجوية فى هلمند، ومطار جلال آباد ، وقاعدة بجرام ، وهى عمليات تكررت عدة مرات).

– سلاح الجو المعادى ـ إضافة إلى الحصار المحكم الذى تعيش فيه الحركة الجهادية لطالبان . جعل الهجمات الكبيرة وعمليات التحرير الواسع ، محدودة ومحسوبة بدقة . ومع الوقت أخلى الإحتلال مناطق كثيرة من تواجده المباشر ، وكذلك فعل الجيش العميل ، ومن الطبيعى أن تملأ حركة طالبان الفراغ الحادث ، وأن تقضى بالقوة على أى تواجد عسكرى أو إدارى حكومى فى تلك المناطق .

 

مواجهة (طالبان) لتحديات الطيران والحصار الإستراتيجى :

إتخذت حركة طالبان عدة إجراءات لمواجهة الظروف والتحديات الإستثنائية التى تقابل حركتها الجهادية وهى تحديات (سلاح الطيران الأمريكى) و(الحصار الإستراتيجى على المجاهدين). تلك الإجراءات على بساطتها الظاهرة إلا أن تأثيرها كان عميقا على مسار الحرب ورجحان كفة المجاهدين على كتلة اعدائهم ،الأقوى فى العالم عسكريا وإستخباريا. وجبهتهم بقيادة الولايات المتحدة تضم ـ إسرائيل وحلف الناتو الحلف العسكرى الأوحد والأكبر فى العالم ومن البقايا غير المنقرضة لمرحلة الحرب الباردة (1945 ـ 1990) .

التطويرات التى أدخلها مجاهدو طالبان :

1 ـ إستخدم أسلوب التسلل كبديل لعمليات الإقتحام .

2 ـ إستيطان المدن .. كبديل عن حصارها.

3 ـ إستخدم القوات النوعية (القوات الخاصة) .. كبديل عن المجموعات كبيرة العدد .

4 ـ إستخدام جهاز الدعوة والإرشاد ، كسلاح معنوى فعال فى أوساط الشعب وأوساط الأعداء المحليين .

5 ـ إستخدام طاقة ( وحدات التوابين ) الذين يطاردهم النظام ، فى العمل ضد الإحتلال وأعوانه.

6 ـ التطوير التكنولوجى للذخائر والمعدات والأسلحة.

 

وبقليل من التوضيح نقول :

1 ـ التسلل .. بديلا عن الإقتحام :

هذه الطريقة أحدثت تأثيرا مدمرا فى العدو ، خاصة فى معسكرات التدريب ، والوحدات المقاتلة ، وقوات الشرطة والأمن . ومن أهم تأثيراتها ضياع الثقة داخل تلك التشكيلات المسلحة . وبشكل خاص الثقة بين المدربين الأجانب والمتدربين الأفغان . فانسحبت العديد من الدول من برامج التدريب أو قللتها كثيرا بعد خسائر عالية جدا من أرواح ضباطها ومدربيها على يد متسللين أفغان سواء من حركة طالبان أو من المواطنين الغيارى على دينهم ووطنهم .

تمكن المتسللون من تنفيذ عمليات إغتيال هامة خلال عملهم كحراس أمنيين . بعض العمليات كانت إستشهادية وبعضها الآخر تمكن منفذوها من الإلتحاق بوحدات طالبان القريبة إلى أماكنهم. وأحيانا وفَّرَ المجاهدون تغطية وحماية لتلك العمليات، وكانت ضمن مخطط هجومى أكبر .

الهجمات على مدن هامة ــ والإستيلاء عليها لعدة أيام ــ تمت بعمليات تسلل وليس عمليات إقتحام بالقوة لنطاقاتها الدفاعية فكان سقوطها مفاجئا ومذهلا وقليل الضحايا من الطرفين. ولولا تدخل الطيران الأمريكى الذى قصف المدنيين وأحياء التجار والأسواق ، لبقيت مدن هامة محررة إلى الآن ، خاصة مدينتى قندز وغزنى ، وبمعنى أصح : لكان النظام قد سقط منذ سنوات.

وبمعنى أوضح لقد راهن الأمريكيين أن على منعهم طالبان من الإستيلاء على المدن وبالتالى إسقاط النظام، سوف يدفع طالبان إلى الرضا بتقاسم السلطة فى ظل الإحتلال وبشروطه. ولكن إطالة أمد الحرب فاقم تأثيرات الحرب السيئة على الوضع الداخلى الأمريكى، الذى تفسخ وفشلت طقوسه الديموقراطية ، ويقف الآن على شفا حرب أهلية مدمرة إنقسم فيها الشعب إلى قسمين متعادلين عدديا ومسلحين حتى الأسنان.

والجميع يعلم أن زمن أمريكا كقوة عظمى قد مضى إلى غير رجعة . والسؤال الآن هو : متى تسقط الولايات المتحدة كما سقط الإتحاد السوفيتى؟؟ .

 

2 ـ إستيطان المدن .. بديلا عن حصارها :

تجديد عبقرى آخر يناسب ظروف التفوق الجوى وتطور سلاح الطائرات المسيرة “بدون طيار”. كان حصار المدن فى الحرب السوفيتية يستمر لسنوات ويكلف معارك لا حصر لها ضد الأطواق الدفاعية. إستلزم ذلك عددا كبيرا من المجاهدين لسنوات طويلة، وذخائر يتحكم المنافقون فى إمداد المجاهدين بها ، غالبا لمنع إقتحامهم المدن، لأن الهدف الدولى كان الوصول إلى تفاهم أمريكى / سوفيتى ، وليس تحرير أفغانستان أو أن يحكمها الإسلام .

والآن نفوذ طالبان داخل المدن الهامة يزيد بالفعل عن نفوذ النظام الحاكم . وأتاح تواجدهم فى المدن إمكانية القيام بأعمال لا حصر لها لسد إحتياجات المجاهدين.

وفى داخل المدينة إكتسبوا خبرات إستخبارية لا تقدر بثمن، لأنهم فى حالة صراع مسلح دائم مع الأجهزة الإستخبارية للعدو .

لا تنقطع عمليات طالبان داخل المدن ، حتى وصلت إلى تطهير مواقع إستخبارية للأعداء وإبادة من فيها . وتسيير دوريات لهم فى العاصمة ، فيظهرون بشكل إستفزازى فى أحياء رئيسية وهم مسلحون ، ويشتبكون أحيانا مع الجيش فى شوارع العاصمة ، حتى قال أحد الجنرالات مندهشا: إنهم يطلقون علينا راجمات الصواريخ من داخل الحوارى الضيقة !! .

 

3 ـ القوات الخاصة .. كبديل عن القوات كبيرة العدد .

لا يعنى ذلك إلغاء القوات الجهادية كثيفة العدد . ولكن توفير تلك القوات وتجنيبها الضربات الجوية . وإستخدامها بحساب ودقة . القوات الخاصة أسهل فى التسلل إلى أى هدف عسكرى سواء كان قواعد عسكرية كبيرة ، أو مراكز أمنية وإدارية للعدو داخل المدن .

المدن بهذه الصورة أصبحت ساحة واسعة لتعويض الكثير من الأنشطة الجهادية التى قيَّدتها ظروف الحرب الحديثة . فعمليات الإغتيال أتاحت ضرب سلاح الطيران بشكل غير مباشر عبر إغتيال الطيارين والفنيين الجويين . وإغتيال جنرالات وضباط كبار فى الجيش فى المدن. وإختراق الدوائر الحكومية حتى أرفع مستوياتها ، وكذلك القيادات العسكرية والأمنية . وعقد صفقات لشراء أسلحة مع كبار الضباط والعاملين فى القواعد العسكرية . إلى آخر نشاطات لا حصر لها ، أتاحها التسلل إلى المدن بديلا عن سياسة الحصار التى كانت متبعة فى الحرب السوفيتية .

ونتيجة لهذا فإن الإستيلاء طالبان على المدن الكبرى ـ خاصة العاصمة ـ لا يمثل بالنسبة لهم مشكلة عسكرية كبيرة فى حد ذاته . ولكن حساباته السياسية معقدة نظراً لإرتباطه بأوضاع داخلية وخارجية متشابكة ومعقدة .

 

4 ـ جهاز الدعوة والإرشاد :

سلاح معنوى فعال للغاية . لهداية الأفغان وإعادتهم إلى سبيل الرشاد بعيدا عن غواية العدو وتهديدات النظام .

أعداد متزايدة من الجنود، وتدفق مستمر للعاملين فى صفوف الأعداء عادوا إلى شعبهم ومجاهديهم ، نتيجة (إدراكهم الحقائق) حسب تعبير جهاز الدعوة والإرشاد. المئات شهريا فى مختلف الجبهات ، ومن مختلف فئات العاملين فى النظام أو فى صفوف العدو يغيرون موقفهم بفضل مجهودات ذلك الجهاز الذى صار أداة حقيقية فعالة فى الحرب الجهادية فى أفغانستان .

العائدون إلى دينهم ووطنهم ، عادوا ومعهم بعضاً من قوة النظام ، على هيئة سلاح أو عتاد ، أو معلومات وأموال .. أو ..أسرار عليا للدولة .

 

5 ـ قوات التوابين { المجموعات السرية المضادة للدولة وقوانينها } :

وهى أحدى ثمار مجهودات جهاز الدعوة والإرشاد . وأيضا مجهودات المجاهدين وشجاعتهم وتضحياتهم التى تأسر قلوب الفتيان الجسورين المتمردين .

عاد هؤلاء إلى خدمة دينهم وشعبهم . وكانوا لسنوات فى صراع مع النظام والإحتلال ولكن على طريقتهم الخاصة . وبشكلٍ ما ، كانوا عصابات تهدم نظام الإحتلال بكافة السبل التى تمكنوا منها ، بلا قيود تردعهم عن التنكيل بأعدائهم . فاستطاعوا بطرقهم الخاصة تجريد “الكبار من أموالهم” وسحب الأسلحة من مخازن أشد القواعد العسكرية حراسة .

فى عملياتهم العسكرية ما بين كر وفر ، لم يكن للحدود الدولية أى إعتبار، غير القدرة على الإستفادة منها، وليس إحتجازهم أو الحجرعلى”حريتهم”. تَحْمِلَهُم رياح غدوها شهر ورواحها شهر، لايخشون شيئا، ويخشاهم كل شئ .

قدموا كل ما كان فى طاقتهم إلى المجاهدين ، من الأسلحة إلى المعلومات ، إلى المعدات القتالية الحساسة والممنوعة فى كل قانون ، والمحجوبة عن كل أسواق السلاح . فعلوا ذلك بسهولة وطيبة خاطر وتضحيات هائلة تُدْخِل السرور والأمل فى قلوبهم ولكن لا تردعهم . وكانوا أدرى من غيرهم بالمسارات السرية للعدو ، التى يحصل من خلالها على المعلومات ، أو يمارس تهريب المخدرات ، أو يرتب لعمليات الإغتيال والتجسس والإفساد الداخلى وشق الصفوف .

إختصاراً ــ كانوا “قوات خاصة للغاية” فى جميع المجالات ــ وعوناً مباشراً وغير مباشر لمعظم النشاطات الجهادية . ويشكلون للإحتلال وحكومته مشكلة متفاقمة لاحل لها ، وأحد التجديدات الثورية فى الحروب غير التقليدية نفسها.

 

6 ـ التطوير التكنولوجى :

كانت طائرات الدرون هى التحدى الأكبر للمجاهدين . فدخلوا مجال الحصول عليها ثم مجال تصنيعها ، وتوصلوا إلى أساليب للسيطرة الألكترونية على بعضها والإستيلاء عليها سليمة .

ثم صنعوا طائرات(درون) خاصة بهم ، ويستخدمونها فى نفس المجالات التى يستخدمها فيها العدو. فى الهجوم الجوى والإستطلاع وجمع المعلومات والإغتيال. والآن يضربون المثل قائلين أن رئيس الدولة لا يستطيع أن يسير فى حديقة القصر الجمهورى خوفا من (درون) طالبان.

ثم عملوا بإجتهاد لصناعة صواريخ أرض أرض ـ وتتحسن صواريخهم سريعا . ويفخرون بها رغم عدم دقتها. ويقولون أنها فعالة جدا، ويمكن أن تصيب الأهداف الكبيرة جدا فى حجم القواعد الجوية . ويقولون أنهم يقللون مسافة الخطأ ـ ويتقدمون بإضطراد، وقد تقدموا كثيرا جدا بالنسبة إلى بدايتهم ، حيث كانت صواريخهم الأولية تطير ، ولكنها تعود سريعاً لتسقط فوق منصة الإطلاق .. .. وسبحان مُغَيِّر الأحوال .

 

السيادة الوطنية والسيادة الإسلامية :

إنقلبت الموازين فى البلاد الإسلامية بتأثير الفترة الطويلة من الإستعمار الأوروبى ، والغزو الثقافى الذى مازال عاصفاً بسبب سيطرة اليهود على إعلام العالم، وتغذيتهم للتيارات الفكرية والسياسية سعيا إلى “العولمة”، أى محو الثقافات جميعا ماعدا الثقافة اليهودية .

–  فى مشروع بن لادن تجلى التحيز الوطنى على حساب المعيار الإسلامى عند مواجهة جيوش الظالمين . فهم معصوموا الدم إذا كانوا من السعوديين ، ومستباحون إن كانوا من جنسية أخرى.

– طواغيت السعودية إستخدموا النزعة الوطنية لتبرير تصرف الحاكم السعودى المنحرف بالمقدسات الإسلامية ، على أنها من قضايا “السيادة الوطنية”. وقبلاً صادروا النفط لصالح العائلة الحاكمة بحجة سلطة دينية خاصة للملك بصفته (ولي الأمر واجب الطاعة) بما يتيح له نهب أموال المسلمن والإستيلاء على الثروات العامة للأمة.

–  إذا عادت الأمة إلى جهادها فإن السيادة الحقيقية ستكون لله ورسوله والمؤمنين . أما الوطن والمواطن والشعب فسيادتهم مكفولة فى إطار تلك السياده العليا لله ورسوله . وأى تجاوز خارج ذلك الإطار السيادى هو طغيان يستوجب إعادته إلى القانون الإسلامى بالسبل الممكنة. فلا يجوز التعدى على حقوق فئة من المسلمين لصالح فئة أخرى باغية تتسلح بدعاوى جاهلية عن تفوق عرقى أو تكاثر عددى ، لكى تصادر بالعدوان والغلبة حقوق الآخرين التى يضمنها لهم الشرع فى الثروات العامة والمياه والأراضى.

فالثروات الإسلامية مثل موارد الطاقة والمناجم هى ملك للأمة الإسلامية عامة، وليست خاضعة للسيادة الوطنية المزيفة . فلا يجوزالتصرف فيها بما يضر مصالح الأمة الإسلامية أو يهضم حقوق المستضعفين من الناس.  وجميع المذاهب فيها ما يكفى من الضوابط لأوجه إستفادة الأمة وشكل ملكيتها لتلك الثروات . فإذا تعذر تصرف جماعى للأمة فى ثرواتها لعدم وجود كيان سياسى موحد للأمة (دولة إسلامية جامعة)، فأقل تقدير هو عدم تسليم تلك الثروات للعدو ليبنى قوته منها كما يحدث الآن مع النفط والغاز والمناجم . فهذا عدوان على الأمة ، والتصدى له فريضة تشمل الأمة كلها لمنعه، بلا أى إعتبار(لسيادة وطنية) هى غطاء للنهب الإستعمارى.

–  وتحديدا فإن التصدى للنهب الإستعمارى لثروات النفط والغاز، هو فريضة متفرعة من فريضة الدفاع عن المقدسات الإسلامية التى يقف وراءها العدوان الغربى والصهيونى.

ــ  سيادة الأمة تشمل شرائعها كما تشمل مقدساتها ، وتشمل ثرواتها الطبيعية ، وأراضيها وأجوائها وبحارها . وهى سيادة معيارها الشريعة الإسلامية ، وليست حقوقا منفصلة عن الشريعة أو تقف فى مواجهتها كمُتَحَدٍ أو منافس.

الجندى المسلم يقاتل تحت راية العدو الصائل :

يتفرع من الموضوع السابق مسألة الحكم الشرعى فى الجندى (المسلم) الذى يقاتل تحت راية الغزاة الكافرين . كما حدث فى أفغانستان خلال الحملات الإستعمارية. وحدث للمسلمين فى أوقات الحروب الصليبية والحملات المغولية ، حيث ضمت جيوش الغزاة أعداداً كبيرة من المسلمين وحتى من الأمراء والقضاة . لذا حفل فقه تلك المرحلة بالإحكام الشرعية حول تترس الجيوش الغازية بالأسرى والسكان المسلمين . وحكم مهاجمة المدن المحصنة التى يحتلها العدو ويدافع عنها ضد جيوش المسلمين .

 

وملخص تلك الأحكام :

–  أن الجندى يأخذ حكم الراية التى يقاتل تحتها ، وليس حكم ديانته الرسمية.

–  أن التصدى لقوات العدو الصائل ، لا يمنعه تترس العدو بالمسلمين أو بمدنهم المحتلة.

 [ والتفاصيل متوفرة فى كتب الفقه المعتبرة لدى السنة والشيعة ].

 

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

 

الفصل الخامس : (النص الكامل)

بيان إعلان الجهاد

( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب )

رسالة من أسامة بن محمد بن لادن إلى إخوانه المسلمين في العالم كافة وجزيرة العرب خاصة ..

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون}، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}.

الحمد لله القائل {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}. [هود: 88].
الحمد لله القائل: {كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}. [آل عمران: 110].
والصلاة والسلام على عبده ورسوله القائل: ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).[رواه أبو داود والترمذي والنسائي].

أما بعد :-

فلا يخفى عليكم ما أصاب أهل الإسلام من ظلمٍ وبغيٍ وعدوانٍ من تحالف اليهودِ والنصارى وأعوانهم، حتى أصبحت دماء المسلمين أرخص الدماء، وأموالهم وثرواتهم نهباً للأعداء، فها هي دماؤهم قد سُفِكَت فلسطين، والعراق، وما زالت الصور الفظيعة لمجزرة قانا في لبنان عالقة بالأذهان، وكذلك المجازر في طاجكستان، وبورما، وكشمير، وآسام، والفلبين، وفطاني، والأوجادين، والصومال، وإريتريا، والشيشان، وفي البوسنة والهرسك، حيث جرت مذابح للمسلمين هناك تقشعرُ لها الأبدان، ويهتز من هولها الوجدان، وذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع، بل وبتآمر واضح من أمريكا وحلفائها بمنعهم السلاح عن المستضعفين هناك تحت ستار الأمم المتحدة الظالمة، فانتبه أهل الإسلام إلى أنهم الهدف الرئيسي لعدوان التحالف اليهودي الصليبي، وزالت كل تلك الدعايات الكاذبة عن حقوق الإنسان تحت الضربات والمجازر التي ارتُكِبْت ضد المسلمين في كل مكان.

وكان آخر هذه الاعتداءات أن أُصيبَ المسلمون بمصيبة من أعظم المصائب التي أُصيبوا بها منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهي احتلال بلاد الحرمين –  عقر دار الإسلام، ومهبط الوحي، ومنبع الرسالة، وبها الكعبة المشرفة قبلة المسلمين أجمعين-  وذلك من قبل جيوش النصارى من الأمريكيين وحلفائهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

في ظلال هذا الواقع الذي نعيشه، وفي ظل الصحوة المباركة العارمة التي شملت بقاع العالم، والعالم الإسلامي خاصة، ألتقي اليوم معكم بعد طول غياب فرضته الحملة الصليبية الظالمة التي تتزعمها أمريكا على علماء الإسلام ودعاته خشية أن يحرضوا الأمة الإسلامية ضد أعدائها تأسياً بعلماء السلف رحمهم الله كابن تيمية والعز بن عبد السلام. وهكذا قام هذا التحالف الصليبي اليهودي بقتل واعتقال رموز العلماء الصادقين والدعاة العاملين –  ولا نزكي على الله أحداً-  فقام بقتل الشيخ المجاهد/ عبد الله عزام، واعتقال الشيخ المجاهد/ أحمد ياسين. في مسرى النبي عليه الصلاة والسلام، والشيخ المجاهد/ عمر عبد الرحمن في أمريكا، كما اعتقل بإيعازٍ من أمريكا عددٌ كبيرٌ جداً من العلماء والدعاة والشباب في بلاد الحرمين من أبرزهم الشيخ/ سلمان العودة والشيخ/ سفر الحوالي وإخوانهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد أصابنا بعض ذلك الظلم بمنعنا من الحديث مع المسلمين، ومطاردتنا في باكستان والسودان وأفغانستان؛ مما أدى إلى هذا الغياب الطويل، ولكن بفضل الله تيسر وجود قاعدة آمنة في خُرسان، فوق ذرى الهندوكوش، تلك الذرى التي تحطمت عليها –  بفضل الله –  أكبر قوة عسكرية ملحدة في الأرض، وتلاشت عليها أسطورة القوى الكبرى أمام صيحات المجاهدين – الله أكبر- واليوم من فوق نفس الذرى من أفغانستان نعمل على رفع الظلم الذي وقع على الأمة من التحالف اليهودي الصليبي، وخاصة بعد احتلاله مسرى النبي عليه الصلاة والسلام واستباحته بلاد الحرمين، ونرجو الله أن يمن علينا بالنصر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وها نحن اليوم نبدأ منها الحديث والعمل والتذاكر لبحث سبل الإصلاح لما حل بالعالم الإسلامي عامة، وببلاد الحرمين خاصة، ونريد أن نتدارس السبل التي يمكن بسلوكها إعادة الأمور إلى نصابها، والحقوق إلى أصحابها، بعد أن أصاب الناس ما أصابهم من خطب عظيم وضرر جسيم في أمور دينهم ودنياهم، أصاب الناس بجميع فئاتهم، أصاب المدنيين كما أصاب العسكريين ورجال الأمن، أصاب الموظفين كما أصاب التجار، وأصاب الصغار والكبار، أصاب طلاب المدارس والجامعات كما أصاب المتخرجين من الجامعات العاطلين عن العمل، وهم بمئات الألوف، بل أصبحوا يشكلون شريحة عريضة في المجتمع.

أصاب أهل الصناعة كما أصاب أهل الزراعة، وأصاب أهل الحضر والمدر، كما أصاب أهل البادية والوبر، والكل يشتكي من كل شيء تقريباً، وبات الوضع في بلاد الحرمين أشبه ببركان هائل يكاد أن ينفجر فيقضي على الكفر والفساد مهما كانت مصادره، وما انفجارا الرياض والخبر إلا نذر لهذا السيل الهادر الذي تولد عن المعاناة والكبت المرير، والقهر، والظلم الفادح والبغي المذل والفقر.

وقد شُغل الناس بأمور معاشهم شغلاً عظيماً، الحديث عن التردي الاقتصادي وغلاء الأسعار وكثرة الديون وامتلاء السجون هو حديث الجميع فحدث عنه ولا حرج، فهؤلاء موظفون من ذوي الدخل المحدود يحدثونك عن ديونهم بعشرات ومئات الألوف من الريالات، ويشتكون من التدني الهائل والمستمر لقيمة الريال الشرائية مقابل معظم العملات الرئيسية، بينما يحدثك كبار التجار والمقاولين عن ديونهم بمئات وآلاف الملايين من الريالات على الدولة، وقد بلغت الديون الداخلية للمواطنين على الدولة أكثر من ثلاثمائة وأربعين ألف مليون من الريالات تزداد يومياً بسبب الفوائد الربوية ناهيك عن ديونها الخارجية، والناس يتساءلون أحقاً نحن أكبر دولة مصدرة للنفط، بل ويشعرون أن هذا عذاب من الله على هم لأنهم سكتوا عن ظلم النظام وتصرفاته غير الشرعية ومن أبرزها عدم التحاكم إلى شرع الله، ومصادرة حقوق العباد الشرعية، وإباحة بلاد الحرمين للمحتلين الأمريكيين، وإيداع العلماء الصادقين ورثة الأنبياء السجون ظلماً وعدواناً. هذا المصاب العظيم قد تنبه له أهل الفضل والخير من المختصين في أمور الدين، كالدعاة والعلماء، وكذلك من المختصين في أمور الدنيا كالتجار والاقتصاديين والوجهاء، فبذلت كل فئة جهدها للتحرك السريع لتدارك الموقف. والجميع مجمعٌ على أن البلاد تسير نحو هوة سحيقة ومصيبة فظيعة لا يعلم مداها إلا الله، وعلى حد تعبير كبار التجار [إن الملك يقود البلاد إلى ستين داهية]، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كما أن العديد من الأمراء يشاركون الشعب همومه ويعبرون في مجالسهم الخاصة عن اعتراضهم على ما يجري في البلاد من إرهاب وقمع وفساد. وإن تنافس الأمراء المتنفذين على المصالح الشخصية قد دمر البلاد، وأن النظام قد مزق شرعيته بيده بأعمال كثيرة أهمها:

1- تعطيله لأحكام الشريعة الإسلامية، واستبدالها بالقوانين الوضعية، مع دخوله في مواجهة دامية مع العلماء الصادقين والشباب الصالحين, ولا نزكي على الله أحداً.

2- عجزه عن حماية البلاد وإباحتها السنين الطوال لأعداء الأمة من القوات الصليبية الأمريكية التي أصبحت السبب الرئيسي في نكبتنا بجميع نواحيها وبخاصة الاقتصادية نتيجة الإنفاق الثقيل عليها بغير حق، ونتيجة للسياسات التي تفرضها على البلاد وخاصة السياسة النفطية حيث تحدد الكمية المنتجة من البترول والسعر بما يحقق مصالحهم الاقتصادية ويهمل مصالح البلاد الاقتصادية، ونتيجة لصفقات الأسلحة باهظة التكاليف التي تفرض على النظام حتى أصبح الناس يتساءلون: ما فائدة وجود النظام إذاً؟.

فبذلت كل فئة جهدها للتحرك السريع لتدارك الموقف، وتلافي الخطر، فنصحوا سراً وجهراً، ونثراً وشعراً، زرافات ووحدانا، وأرسلوا العرائض تتلوها العرائض، والمذكرات تتبعها المذكرات، وما تركوا سبيلاً إلا ولجوه ولا رجلاً مؤثراً إلا وأدخلوه معهم في تحركهم الإصلاحي، وقد كانوا متوخين في كتاباتهم أسلوب الرفق واللين بالحكمة والموعظة الحسنة داعين إلى الإصلاح والتوبة من المنكرات العظام والمفاسد الجسام التي شمل فيها التجاوز مُحْكَمَات الدين القطعية وحقوق المواطنين الشرعية.

ولكن –  للأسف الشديد-  لم يجدوا من النظام إلا الصدود والإعراض، بل والسخرية والاستهزاء، ولم يقف الأمر عند حد تسفيههم فقط، بل تعززت المخالفات السابقة بمنكرات لاحقة أكبر وأكثر، كل ذلك في بلاد الحرمين!! فلم يعد السكوت مستساغاً، ولا التغاضي مقبولا.

ولما بلغ التجاوز ما بلغ، وتعدى حدود الكبائر والموبقات، إلى نواقض الإسلام الجليات، قامت مجموعة من العلماء والدعاة الذين ضاقت صدورهم ذرعاً بما أصم آذانهم من أصوات الضلال، وغشي أبصارهم من حجب الظلم، وأزكم أنوفهم من رائحة الفساد.
فانبعثت نذر الرفض، وارتفعت أصوات الإصلاح داعية لتدارك الموقف، وتلافي الوضع، وانضم إليهم في ذلك المئات من المثقفين، والوجهاء، والتجار، والمسؤولين السابقين، فرفعوا إلى الملك العرائض والمذكرات المتضمنة المطالبة بالإصلاح، ففي سنة 1411 هـ إبّان حرب الخليج رفعت إلى الملك عريضة وقعها حوالي أربعمائة شخصية من هؤلاء تدعوه لإصلاح أوضاع البلاد، ورفع الظلم عن العباد، غير أنه تجاهل النصح، واستهزأ بالناصحين، وظلت الأوضاع تزداد سوءاً على سوء .

وحينئذٍ أعاد هؤلاء الناصحون الكرة من جديد بمذكرات وعرائض أخرى كان من أهمها مذكرة النصيحة التي سُلِمَتْ للملك في محرم 1413 هـ والتي شَخَّصت الداء ووصفت الدواء، في تأصيل شرعي قويم، وعرض علمي سليم، فتناولت بذلك الفجوات الكبرى في فلسفة النظام، ومواضع الخلل الرئيسية في دعائم الحكم، فبينت ما يعانيه رموز المجتمع وقياداته الداعية للإصلاح –  كالعلماء والدعاة وشيوخ القبائل والتجار والوجهاء وأساتذة الجامعات-  من تهميشٍ وتحييد، بل ومن ملاحقة وتضييق.

وأوضحت حالة الأنظمة واللوائح في البلاد، وما تضمنته من مخالفات شملت التحريم والتحليل تشريعاً من دون الله.

وتعرضت لوضع الإعلام في البلاد الذي أصبح وسيلة لتقديس الأشخاص والذوات، وأداة لطمس الحقائق، وتزييف الوقائع والتشهير بأهل الحق، والتباكي على قضايا الأمة لتضليل الناس دون عمل جاد، وتنفيذ خطط الأعداء لإفساد الناس وإبعادهم عن دينهم، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، قال تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور، آية: 19].

وتطرقت إلى حقوق العباد الشرعية المهدورة والمصادرة في هذه البلاد.

وتناولت الوضع الإداري، وما يحكمه من عجز، ويشيع فيه من فساد.

وأبانت حالة الوضع المالي والاقتصادي للدولة، والمصير المخيف المرعب الذي ينتظره في ظل الديون الربوية التي قصمت ظهر الدولة، والتبذير الذي يبدد أموال الأمة إشباعاً للنزوات الشخصية الخاصة !! ثم تُفرض الضرائب والرسوم والمكوس و غير ذلك على الشعب ؟!!! وقد قال صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي زنت وتابت وأقام عليها الحد: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسٍ لغُفِرَ له( [رواه أحمد].مما يبين عظَمَ ذنبِ صاحب المكس، بينما لا زال بعض الناس يدعون على المنابر لصاحب المكس، المجاهر بكبيرة الربا المشرّع لها، وذلك كفرٌ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكشفت عن حالة المرافق الاجتماعية المزرية داخل البلاد، والتي استفحلت بعد المذكرة وتفاقمت، وبخاصة خدمات المياه أهم مقومات الحياة.

وعرضت حالة الجيش وما كشفته أزمة الخليج، من قلة أفراده، وضعف إعداده، وعجز قائد قوَّاده، رغم ما أنفق عليه من أرقام فلكية لا تعقل!! ولا تخفى؟.

وعلى مستوى القضاء والمحاكم بينت المذكرة تعطيل العديد من الأحكام الشرعية واستبدالها بالقوانين الوضعية.

وعلى صعيد سياسة الدولة الخارجية كشفت المذكرة ما تميزت به هذه السياسة من خذلان وتجاهل قضايا المسلمين، بل ومن مناصرة ومؤازرة الأعداء ضدهم وليست [غزة –  أريحا ] والشيوعيون في جنوب اليمن عنا ببعيد، وغيرهما كثير.

ولا يخفى على أحد أن تحكيم القوانين الوضعية، ومناصرة الكافر على المسلم معدودة في نواقض الإسلام العشرة، كما قرر ذلك أهل العلم، وقد قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، وقال تعالى أيضاً {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} [النساء: 65].

ومع أن المذكرة عرضت كل ذلك بلين عبارة، ولطف إشارة، مذكرة بالله، واعظة بالحسنى، في أسلوب رقيق ومضمون صادق ورغم أهمية النصيحة في الإسلام، وضرورتها لمن تولى أمر الناس، ورغم عدد ومكانة الموقعين على هذه المذكرة، والمتعاطفين معها، فإن ذلك لم يشفع لها، إذ قوبل مضمونها بالصد والرد، ومُوقْعُوها والمتعاطفون معها بالتسفيه والعقاب والسجن.

وهكذا ظهر بكل وضوح حرص الدعاة والمصلحين على سلوك سبل الإصلاح السلمية حرصاً على وحدة البلاد، وحقناً لدماء العباد. فلماذا يوصد النظام جميع سبل الإصلاح السلمية ويدفع الناس دفعاً نحو العمل المسلح ؟!!! وهو الباب الوحيد الذي بقي أمام الناس لرفع الظلم وإقامة الحق والعدل. ولمصلحة من يقحم الأمير سلطان والأمير نايف البلاد والعباد في حرب داخلية تأكل الأخضر واليابس، ويستعين ويستشير من أشعل الفتن الداخلية في بلاده، وجيّش أبناء الشعب من الشرطة لإجهاض الحركة الإصلاحية هناك، وضرب أبناء الشعب بعضهم ببعض، وبقي العدو الرئيسي في المنطقة وهو التحالف اليهودي الأمريكي في أمن وأمان، بعد أن وجد أمثال هؤلاء الخائنين لأمتهم ينفذون سياساته لاستنزاف طاقات الأمة البشرية والمالية داخلياً.

وهذا الذي يستشيره وزير الداخلية الأمير نايف لم يتحمله الشعب في بلده لشدة قذارته وبغيه على شعبه، فأقيل من منصبه هناك، ولكنه جاء ليجد صدراً رحباً لدى الأمير نايف!!! للتعاون على الإثم والعدوان، فملأ السجون بخيرة أبناء الأمة، وذرفت لذلك العيون، عيون الأمهات اللواتي سُجِنَ أبناؤهنّ بغير حق ظلماً وزوراً وبهتاناً، فهل يريد النظام أن يضرب الشعب من المدنيين والعسكريين بعضهم ببعض كما حصل في بعض البلدان المجاورة ؟!!! لا شك أن هذه سياسة العدو التحالفي الإسرائيلي الأمريكي وهو المستفيد الأول من ذلك. ولكن بفضل الله فإن الغالبية العظمى من الشعب من مدنيين وعسكريين متنبهون لهذا المخطط الخبيث، ويربؤون بأنفسهم أن يكونوا أداة لضرب بعضهم بعضاً، تنفيذاً لسياسة العدو الرئيسي التحالف الأمريكي الإسرائيلي عبر وكيله في البلاد النظام السعودي.

ولذا اتفق الجميع على أنه [لا يستقيم الظل والعود أعوج] فلا بد من التركيز على ضرب العدو الرئيسي الذي أدخل الأمة في دوامات ومتاهات منذ بضعة عقود بعد أن قسمها إلى دول ودويلات، وكلما برزت حركة إصلاحية في الدول الإسلامية دفع هذا التحالف اليهودي الصليبي وكلاءه في المنطقة من الحكام لاستنزاف وإجهاض هذه الحركة الإصلاحية بطرق شتى وبما يتناسب معها، فأحيانا يجهضها بجرها إلى الصدام المسلح محدداً الزمان والمكان لهذه المعركة فيقضي عليها في مهدها.

وأحياناً يطلق عليها رجاله من وزارة الداخلية والذين تخرجوا من كليات شرعية ليشوشوا على المسيرة الإصلاحية وليشتتوا الأمة والشعب عن هذه المسيرة، وأحيانا يستزلون أقدام بعض الصالحين للدخول في حرب كلامية مع علماء ورموز الحركة الإصلاحية ليستنزف طاقة الجميع ويبقى الكفر الأكبر مسيطراً على الأمة مظللاً لها، وتستمر المناقشات في الفروع بينما توحيد الله بالعبادة والتحاكم إلى شريعته مغيب عن الواقع، وفي ظل هذه المناقشات والردود يلتبس الحق بالباطل وكثيراً ما تنتهي إلى عداوات شخصية يتحزب الناس مع هذا أو ذاك مما يزيد الأمة انقساماً وضعفاً إلى ضعفها، وتغيب الأولويات في العمل الإسلامي، فينبغي التنبه إلى هذه الحيل الشيطانية وأمثالها التي تنفذها وزارة الداخلية. والصواب في مثل هذه الحالة التي نعيشها هو كما قرره أهل العلم، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو تكاتف جميع أهل الإسلام للعمل على دفع الكفر الأكبر الذي يسيطر على بلاد العالم الإسلامي، مع تحمل الضرر الأدنى في سبيل دفع الضرر الأكبر ألا وهو الكفر الأكبر. وإذا تزاحمت الواجبات قدم آكدها، ولا يخفى أن دفع هذا العدو الأمريكي المحتل هو أوجب الواجبات بعد الإيمان، فلا يٌقَدَمُ عليه شيء كما قرر ذلك أهل العلم، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: “وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين،ن فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يُشترط له شرط، بل يُدفع بحسب الإمكان”. [كتاب الاختيارات العلمية، ملحق بالفتاوى الكبرى: 4/608]، فإذا تعذر دفع هذا العدو الصائل إلا باجتماع المسلمين بقض هم وقضيضهم وغثهم وسمينهم، كان ذلك واجباً في حقهم مع التغاضي عن بعض القضايا الخلافية والتي ضَرَر التغاضي عنها في هذه المرحلة أقل من ضرر بقاء الكفر الأكبر جاثماً على بلاد المسلمين، ولذا قال شيخ الإسلام مبيناً هذه المسألة منبهاً على أصل عظيم ينبغي مراعاته وهو العمل على دفع أعظم الضررين بالتزام أدناهما واصفاً حالة المجاهدين والمسلمين وإن كان فيهم عسكر كثير الفجور، فإنه لا يعفى من ترك الجهاد ضد العدو الصائل.

فقال رحمه الله بعد أن ذكر شيئاً من أحوال التتار وما هم عليه من تبديل شرائع الله؛ فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه، كان الواجب أيضاً قتالهم دفعاً لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها، ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما اخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور فإنه لا بد من أحد أمرين إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه”. [مجموع الفتاوى 28/506].

وبرغم أن المفاسد العظام قد فشت، والمنكرات الجسام قد طغت، ولا ينكر وجودها أعمى أو أصم ناهيك عن أن ينكرها سميع بصير حتى وصلت إلى الظلم العظيم وهو الشرك بالله ومشاركة الله في تشريعه للناس، قال تعالى: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمُ عظيمٌ} [لقمان: 13]، فشرعت التشريعات الوضعية تبيح ما حرم الله كالربا وغيره حتى في البلد الحرام عند المسجد الحرام، حيث إن بنوك الربا تزاحم الحرمين مجاهرة لله بالحرب معاندة لأمر الله القائل: {وأحل الله البيع وحرم الربا…} الآية [البقرة275 ]وقد توعد الله سبحانه وتعالى صاحب كبيرة الربا في كتابه الكريم بوعيد لم يتوعده أحداً من المسلمين في كتابه فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله…} الآية [البقرة: 278- 279].هذا للمسلم المرابي، فكيف لمن جعل من نفسه نداً لله وشريكاً يشرع ويحلل لعباد الله ما حرم ربهم عليهم، برغم ذلك كله نرى الدولة تستزل أقدام بعض الصالحين من العلماء والدعاة، وتجرهم بعيداً عن إنكار المنكر الأعظم والكفر الأكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والذي ينبغي في مثل هذه الحالة أن يبذل الجميع قصارى الجهد في تحريض وتعبئة الأمة ضد العدو الصائل والكفر الأكبر المخيم على البلاد والذي يفسد الدين والدنيا ولا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، ألا وهو التحالف الإسرائيلي الأمريكي المحتل لبلاد الحرمين ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام، وتذكير المسلمين بتجنب الدخول في قتال داخلي بين أبناء الأمة المسلمة؛ وذلك لما له من نتائج وخيمة، من أهمها:

1- استنزاف الطاقات البشرية حيث إن معظم الإصابات والضحايا ستكون من أبناء الشعب المسلم.

2- استنزاف الطاقات المالية.

3- تدمير البنية التحتية للدولة.

4- تفكك المجتمع.

5- تدمير الصناعات النفطية حيث إن تواجد القوات العسكرية الصليبية والأمريكية في دول الخليج الإسلامي براً وجواً وبحراً هو الخطر الأعظم والضرر الأضخم الذي يهدد أكبر احتياطي بترولي في العالم، حيث أن هذا التواجد يستفز أهل البلاد ويعتدي على دينهم ومشاعرهم وعزتهم وقد دفعهم نحو الجهاد المسلح ضد الغزاة المحتلين وإن انتشار القتال في تلك الأماكن يعرض البترول لمخاطر الاحتراق مما يؤدي للإضرار بالمصالح الاقتصادية لدول الخليج ولبلاد الحرمين بل وأضرار جسيمة للاقتصاد العالمي. ونقف هنا وقفة ونهيب بإخواننا أبناء الشعب المجاهدين بأن يحافظوا على هذه الثروة وبأن لا يقحموها في المعركة لكونها ثروة إسلامية عظمى وقوة اقتصادية كبرى هامة لدولة الإسلام القادمة بإذن الله، كما نحذر وبشدة الولايات المتحدة الأمريكية المعتدية من إحراق هذه الثروة الإسلامية في نهاية الحرب خوفاً من سقوط هذه الثروة في أيدي أصحابها الشرعيين وإضراراً منها بمنافسيها الاقتصاديين في أوروبا والشرق الأقصى، وبخاصة اليابان الذي يعتبر المستهلك الرئيسي لبترول المنطقة.

6- تقسيم بلاد الحرمين واستيلاء إسرائيل على الجزء الشمالي منها، حيث إن تقسيم بلاد الحرمين يعتبر مطلباً ملحاً للتحالف اليهودي الصليبي؛ لأن وجود دولة بهذا الحجم وهذه الطاقات تحت حكم إسلامي صحيح قادم بإذن الله يمثل خطورة على الكيان اليهودي في فلسطين، حيث إن بلاد الحرمين تمثل رمزاً لوحدة العالم الإسلامي نظراً لوجود الكعبة المشرفة قبلة المسلمين أجمعين، وكذلك فإن بلاد الحرمين تمثل قوةً اقتصاديةً هامةً في العالم الإسلامي؛ لوجود أكبر احتياطي بترول في العالم فيها، كما أن أبناء الحرمين يرتبطون بسيرة أجدادهم من الصحابة رضوان الله عليهم ويعتبرونها قدوة لهم ومثلاً في إعادة مجد الأمة، وإعلاء كلمة الله من جديد، بالإضافة إلى وجود عمق استراتيجي ومدد بكثافة بشرية مقاتلة في سبيل الله في اليمن السعيد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفا ينصرون الله ورسوله، هم خير من بيني وبينهم)[رواه أحمد بسندٍ صحيح] مما يسبب خطورة على تواجد التحالف اليهودي الصليبي في المنطقة.

7- وإن أي قتال داخلي مهما تكن مبرراته مع وجود قوات الاحتلال الأمريكي يشكل خطأ كبيراً حيث إن هذه القوات ستعمل على حسم المعركة لصالح الكفر العالمي.

إخواننا في القوات المسلحة والحرس الوطني والأمن حفظكم الله ذخراً للإسلام والمسلمين:

يا حماة التوحيد وحراس العقيدة، يا خلف أولئك السلف الذين حملوا نور الهداية ونشرَوهُ على العالمين، يا أحفاد سعد بن أبي وقاص والمثنى بن حارثة الشيباني والقعقاع بن عمرو التميمي، ومن جاهد معهم من الصحابة الأخيار. لقد تسابقتم للانضمام إلى الجيش والحرس رغبة في الجهاد في سبيل الله “لتكون كلمة الله هي العليا” ولتذودوا عن حياض الإسلام وبلاد الحرمين ضد الغزاة والمحتلين وذلك ذروة سنام الدين، إلا أن النظام قلب الموازين، وعكس المفاهيم، وأذل الأمة وعصى الملة، ففي الوقت الذي لم تسترجع الأمة بعد قبلتها الأولى، ومسرى نبيها عليه الصلاة والسلام بعد الوعود التي قطعها الحكام منذ ما يقرب من نصف قرن باسترجاعها حتى ذهب ذلك الجيل، وجاء جيل جديد تبدلت معه الوعود وسُلِمَ الأقصى لليهود، ولا زالت جراحات الأمة تنزف دماً هناك منذ ذلك الوقت، رغم هذا كله، إذ بالنظام السعودي يفجع الأمة بما تبقى لها من مقدسات مكة المكرمة والمسجد النبوي بأن جلب نساء جيوش النصارى للدفاع عنه، وأباح بلاد الحرمين للصليبيين –  ولا عجب في ذلك بعد أن لبس الملك الصليب – وفتحها بطولها وعرضها لهم، فامتلأت بقواعد جيوش أمريكا وحلفائها؛ لأنه أصبح عاجزاً أن يقف بدون مساعدتهم، وأنتم أعلم الناس بهذا التواجد وحجمه وأهدافه وخطورته، فخان بذلك الأمة، ووالى الكفّار وناصرهم وظاهرهم على المسلمين، ولا يخفى أن ذلك معدود في نواقض الإسلام العشرة، وقد خالف بإباحته الجزيرة العربية للصليبيين الوصية التي أوصى بها رسول الله أمته وهو على فراش الموت حيث قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).[رواه البخاري].وقد قال أيضاً: (لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) [صحيح الجامع الصغير].

وإن الادعاء بأن تواجد القوات الصليبية على أرض الحرمين ضرورة ملحة ومسألة مؤقتة للدفاع عنها قضية قد تجاوزها الزمن، وخاصة بعد تدمير العراق تدميراً وحشياً أصاب البنية العسكرية والمدنية، وأظهر مدى الحقد الصليبي اليهودي على المسلمين وأطفالهم، وبعد الإصرار على عدم استبدال تلك القوات الصليبية بقوات إسلامية من أبناء البلاد وغيرهم، ثم إن هذا الادعاء أُزيل من أساسه وهُدِمَت أركانه بعد التصريحات المتتالية لأئمة الكفر في أمريكا، وكان آخرها تصريح وزير الدفاع الأمريكي وليام بيري بعد انفجار الخبر للجنود الأمريكيين هناك بأن وجودهم في بلاد الحرمين إنما هو لحماية المصالح الأمريكية، وقد ألف الشيخ سفر الحوالي – فرج الله عنه-  كتاباً من سبعين صفحة، ساق فيه الأدلة والبراهين على أن تواجد الأمريكيين في الجزيرة العربية هو احتلالّ عسكريّ مخططّ له من قبل. وإن هذا الإدعاء هو خدعة أخرى يريد النظام أن تنطلي على المسلمين كما انطلت خدعته الأولى على المجاهدين الفلسطينيين وكانت سبباً في ذهاب المسجد الأقصى، وذلك أنه لما هب الشعب المسلم في فلسطين في جهاده الكبير ضد الاحتلال البريطاني عام 1354 هـ الموافق لعام 1936 م، عجزت بريطانيا أن تقف أمام المجاهدين أو أن توقف جهادهم، ثم أوحى إليهم شيطانهم أنه لا سبيل إلى إيقاف الجهاد المسلح في فلسطين إلا بواسطة الملك عبد العزيز والذي في استطاعته خداع المجاهدين، وقد قام الملك عبد العزيز بمهمته تلك حيث أرسل ابنيه فالتقيا مع قادة المجاهدين في فلسطين وأبلغاهم بتعهد الملك عبد العزيز بضمان وعود الحكومة البريطانية بأنها ستخرج إذا أوقفوا الجهاد وستلبي مطالبهم، وهكذا تسبب الملك عبد العزيز في ضياع القبلة الأولى للمسلمين، ووالى النصارى ضد المسلمين، وخذل المجاهدين بدلاً من تبني قضية المسجد الأقصى، ونصرة المجاهدين في سبيل الله لتحريره، واليوم يحاول ابنه الملك فهد أن تنطلي الخدعة الثانية على المسلمين، ليذهب ما تبقى لنا من مقدسات، فَكَذَب على العلماء الذين أفتوا بدخول الأمريكان، وكذلك على الجمع العظيم من علماء وقيادات العالم الإسلامي في مؤتمر الرابطة في مكة المكرمة بعد أن استنكر العالم الإسلامي دخول القوات الصليبية بلاد الحرمين بحجة الدفاع عنها، حيث قال لهم إن الأمر يسير، وأن القوات الأمريكية وقوات التحالف سوف تخرج بعد بضعة أشهر، وها نحن اليوم ندخل في السنة السابعة بعد مجيئهم، والنظام عاجز عن إخراجهم، ولا يريد أن يعترف لشعبه بعجزه، فاستمر يكذب على الناس، ويدعي أن الأمريكيين سيخرجون، وهيهات هيهات، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، والسعيد من اتعظ بغيره.

وبدلاً من أن يدفع النظام الجيش والحرس ورجال الأمن لمواجهة المحتلين، جعلهم حماة لهم، إمعاناً في الإذلال ومبالغة في الإهانة والخيانة ولا حول ولا قوة إلا الله، ونذكر أولئك النفر القليل من الجيش والشرطة والحرس والأمن الذين يستزلهم النظام، ويضغط عليهم ليعتدوا على حقوق المسلمين ودمائهم بقوله تعالى في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب( [رواه البخاري]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول: يا رب هذا قتلني، فيقول الله له: لم قتلته، فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، ويجيء الرجلُ آخذاً بيد الرجل، فيقول: أي ربِ إن هذا قتلني، فيقول الله: لم قتلته، فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه  (رواه النسائي بسندٍ صحيح]، وفي لفظٍ عن النسائي أيضاً: ( يجيء المقتول يوم القيامة متعلقاً بقاتله،ن فيقول الله، فيمَ قتلت هذا، فيقول: في ملك فلان).

واليوم قد بدأ إخوانكم وأبناؤكم من أبناء الحرمين الجهاد في سبيل الله لإخراج العدو المحتل من بلاد الحرمين، ولا شك أنكم ترغبون في القيام بهذه المهمة لإعادة العزة للأمة وتحرير مقدساتها المحتلة، غير أنه لا يخفى عليكم أن المرحلة تستدعي اتباع أساليب قتالية مناسبة نظراً لعدم التوازن بين قواتنا النظامية المسلحة وقوات العدو، وذلك بواسطة قوات خفيفة سريعة الحركة، تعمل في سرية تامة، وبعبارة أخرى شن حرب عصابات يشارك فيها أبناء الشعب من غير القوات المسلحة. وتعلمون أنه من الحكمة في هذه المرحلة تجنيب قوات الجيش المسلحة الدخول في قتال تقليدي مع قوات العدو الصليبي، ويستثنى من ذلك العمليات القوية الجريئة التي يقوم بها أفراد من القوات المسلحة بصورة فردية، أي بدون تحريك قوات نظامية بتشكيلاتها التقليدية، بحيث لا تنعكس ردود الأفعال بشكل قوي على الجيش ما لم تكن هناك مصلحة كبيرة راجحة، ونكاية عظيمة فادحة في العدو، تحطم أركانه وتزلزل بنيانه، وتعين على إخراجه مهزوماً مدحوراً مقهوراً، مع الحذر الشديد من أن تُسْفَكَ في ذلك دماء مسلمة.

والذي يرجوه إخوانكم وأبناؤكم المجاهدون منكم في هذه المرحلة هو تقديم كل عون ممكن من المعلومات والمواد والأسلحة اللازمة لعملهم، ويرجون من رجال الأمن خاصة التستر عليهم، وتخذيل العدو عنهم، والإرجاف في صفوفه، وكل ما من شأنه إعانة المجاهدين على العدو المحتل.

وننبهكم إلى أن النظام قد يلجأ إلى افتعال أعمالٍ ضد أفراد القوات المسلحة أو الحرس أو الأمن، ويحاول نسبتها للمجاهدين؛ للوقيعة بينهم وبينكم، فينبغي تفويت هذه الفرصة عليه.

وفي الوقت الذي نعلم أن النظام يتحمل المسؤولية كاملة في ما أصاب البلاد وأرهق العباد، إلا أن أساس الداء ورأس البلاء هو العدو الأمريكي المحتل، فينبغي تركيز الجهود على قتله وقتاله وتدميره ودحره والتربص به والترصد له حتى يُهْزَمَ بإذن الله تعالى. وستأتي المرحلة –  بإذن الله –  التي تقومون فيها بدوركم بحسم الأمور لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، والضرب بيد من حديد على المعتدين، وإعادة الأمور إلى نصابها، والحقوق إلى أصحابها، والقيام بواجبكم الإسلامي الصحيح، وسوف يكون لنا حديث مستقل بإذن الله حول هذه القضايا.

أخي المسلم في كل مكان وفي جزيرة العرب خاصة:

إن الأموال التي تدفعها ثمناً للبضائع الأمريكية تتحول إلى رصاصات في صدور إخواننا في فلسطين، وغداً في صدور أبناء بلاد الحرمين.

إننا بشراء بضائعهم نقوي اقتصادهم، بينما نزداد نحن فقراً وضنكاً.

أخي المسلم في بلاد الحرمين:

هل يُعقل أن تكون بلادنا أكبر مُشتري للسلاح في العالم من أمريكا، كما أنها أكبر شريك تجاري للأمريكان في المنطقة، الذين يحتلون بلاد الحرمين، ويساندون بالمال والسلاح والرجال إخوانهم اليهود في احتلال فلسطين، وقتل وتشريد المسلمين هناك؟!!!.
إن حرمان هؤلاء المحتلين من العوائد الضخمة لتجارتهم معنا، إنما هو مساعدة هامة جداً في الجهاد ضدهم، وهو تعبيرٌ معنويٌ هام في إظهار غضبنا عليهم وكرهنا لهم، ونكون بذلك قد ساهمنا في تطهير مقدساتنا من اليهود والنصارى، وأرغمناهم على مغادرة أراضينا مهزومين مدحورين، مخذولين بإذن الله.

وننتظر من النساء في بلاد الحرمين وغيرها أن يقمن بدورهنّ في ذلك بمقاطعة البضائع الأمريكية.

وإذا تضافرت المقاطعة الاقتصادية مع الضربات العسكرية للمجاهدين، فإن هزيمة العدو تكون قريبة بإذن الله، والعكس صحيح.. فإذا لم يتعاون المسلمون مع إخوانهم المجاهدين ويشدوا من أزرهم بقطع التعامل الاقتصادي مع العدو الأمريكي، فإنهم بذلك يدفعون إليه بالأموال التي هي عماد الحرب وحياة الجيوش، وبذلك يطول أمد الحرب، وتشتد الوطأة على المسلمين.

إن كل أجهزة الأمن والاستخبارات في العالم لا يمكنها أن ترغم مواطناً على شراء بضائع أعدائه.

فالمقاطعة الاقتصادية لبضائع العدو الأمريكي هي سلاح فعّال للغاية لإضعاف العدو والإضرار به، ومع ذلك فهو سلاح لا يقع تحت طائلة أجهزة القمع.

وقبل الختام لنا حديثٌ هامٌ، وهامٌ جداً مع شباب الإسلام، رجال المستقبل المشرق لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، حديثنا مع الشباب عن واجبهم في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ أمتنا، هذه المرحلة التي لم يتقدم فيها لأداء الواجبات في جميع الاتجاهات إلا الشباب حفظهم الله، فبعد أن تردد بعض الذين يُشار إليهم بالبنان عن أداء الواجب للذود عن الإسلام، ولإنقاذ أنفسهم وأموالهم من الظلم والبغي والقمع والإرهاب الذي تمارسه الدولة، مع استخدام الإعلام لتغييب وعي الأمة، تقدم الشباب حفظهم الله لرفع راية الجهاد عالية خفاقة ضد التحالف الأمريكي اليهودي الذي احتل مقدسات الإسلام –  في الوقت الذي تقدم غيرهم؛ نتيجة لإرهاب الدولة لهم، أو من زلت أقدامهم طمعاً في دنيا فانية، تقدموا ليضفوا الشرعية على هذه الخيانة العظمى والمصيبة الكبرى على احتلال بلاد الحرمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله-  ولا غرو ولا عجب من هذا الإقدام، وهل كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلا شباباً، وهؤلاء الشباب هم خير خلف لخير سلف، وهل قتل فرعون هذه الأمة أبا جهل إلا الشباب؟.

يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: فما تصنع به، قال: أُخبرتُ أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا، فتعجبتُ لذلك، قال: وغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه.

الله أكبر.. هكذا كانت همم الفتيان رضي الله عنهم، وهكذا كانت همم آبائنا، فهذان فَتَيان صغيرا السن كبيرا الهمة والجرأة والعقل والغيرة على دين الله، يسأل كل واحد منهما عن أهم مقتل للعدو ألا وهو قتل فرعون هذه الأمة وقائد المشركين في بدر أبي جهل، وكان دور عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو دلالتهما على أبي جهل، وهذا هو الدور المطلوب من أهل المعرفة والخبرة بمقاتل العدو، بأن يرشدوا أبناءهم وإخوانهم إليها، وبعد ذلك سيقول الشباب كما قال سلفهم: “والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا”.

وفي قصة عبد الرحمن بن عوف مع أمية بن خلف يظهر مدى إصرار بلال رضي الله عنه على قتل رأس الكفر، حيث قال: “رأس الكفر أمية بن خلف.. لا نجوت إن نجا”.

وقبل أيام.. نقلت وكالات الأنباء تصريحاً لوزير الدفاع الأمريكي الصليبي المحتل، قال فيه إنه تعلم درساً واحداً من انفجاري الرياض والخبر، وهذا الدرس هو عدم الانسحاب أمام الإرهابيين الجبناء.

فنقول لوزير الدفاع إن هذا الكلام يضحك الثكلى التي مات وحيدها، وظاهر منه حجم الخوف الذي يعتريكم، فأين هذه الشجاعة الزائفة في بيروت بعد حوادث التفجير عام 1403 هـ الموافق لعام 1983 م والتي جعلتكم شذر مذر وقطعاً وأشلاءً بمقتل 241 جندياً أغلبهم من المارينز، وأين هذه الشجاعة الزائفة في عدن بعد حادثي انفجار جعلاكم تخرجون لا تلوون على شيء في أقل من أربع وعشرين ساعة.

ولكن فضيحتكم الكبرى كانت في الصومال، فبعد ضجيج إعلامي عنيفٍ لعدة أشهر عن قوة أمريكا بعد الحرب الباردة، وتزعمها للنظام العالمي الجديد، دفعتم بعشرات الألوف من القوات الدولية منها ثمانية وعشرون ألف جندي أمريكي إلى الصومال.
ولكن بعد معارك صغيرة، قُتل فيها بضع عشرات من جنودكم، وسُحِلَ طيار أمريكي في أحد شوارع مقديشو، خرجتم منها مهزومين مدحورين تحملون قتلاكم، وتجرون أذيال الخيبة والخسران والهوان، ولقد ظهر كلينتون أمام العالم يتهدد ويتوعد بأنه سينتقم، بينما كان ذلك التهديد تمهيداً للانسحاب، وقد أخزاكم الله وانسحبتم، وظهر جلياً مدى عجزكم وضعفكم، ولقد كان منظركم وأنتم تنهزمون في هذه المدن الإسلامية الثلاث [بيروت، وعدن ومقديشو] يدخل السرور على قلب كل مسلم، ويشفي صدور قومٍ مؤمنين.

وأقول: لئن كان أبناء بلاد الحرمين قد خرجوا لقتال الروس في أفغانستان والصرب في البوسنة والهرسك، وهم يجاهدون اليوم في الشيشان وقد فتح الله عليهم ونصرهم على الروس المتحالفين معكم، ويقاتلون بفضل الله أيضاً في طاجكستان.. أقول: “لئن كان أبناء الحرمين عندهم شعورٌ وإيمانٌ بضرورة الجهاد ضد الكفر في كل مكان، فهم أكثر ما يكونون عدداً وقوةً وحماسةً على أرضهم التي ولدوا عليها للدفاع عن أعظم مقدساتهم –  الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين أجمعين-  ويعلمون أن المسلمين في العالم أجمع، سينصرونهم ويؤازرونهم في قضيتهم الكبرى، قضية كل المسلمين، ألا وهي تحرير مقدساتهم، وأن هذا هو واجبُ كل مسلم في العالم”.

وأقول لك يا وليام: “إن هؤلاء الشباب يحبون الموت كما تحبون الحياة، وقد ورثوا العزة والإباء والشجاعة والكرم والصدق والإقدام والتضحية كابراً عن كابر، وإنهم لصبرٌ في الحرب صدقٌ عند اللقاء، وقد ورثوا هذه الصفات عن أجدادهم في الجاهلية وجاء الإسلام فأقر تلك الأخلاق وكم لها”، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعثت لأتمم صالحَ الأخلاق( [صحيح الجامع الصغير]، وعندما أراد الملك عمرو بن هند أن يذلّ عمرو بن كلثوم أخذ عمرو بن كلثوم السيف وقطع رأس الملك، رافضاً للذل والهوان والضيم، وأنشد قصيدة منها:

إذا ما المَلْكُ سَامَ الناسَ خسفاً أبينا أن نُقِرَّ الذلَ فيـنا

بأي مشيئة عمـرو بنَ هنـدٍ تريدُ بأن نكون الأرذلينا

بأي مشيئة عمـرو بنَ هنـدٍ تطيعُ بنا الوُشَاةَ وتزدْرينا

فإن قناتنا يـا عمـرو أعـيت على الأعداء قبلك أن تلينا

هؤلاء الشباب يؤمنون بالجنة بعد الموت، ويؤمنون بأن الأجل لا يقدمه إقدامهم على القتال ولا يؤخره تأخرهم، كما قال تعالى: {وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً..} الآية[آل عمران: 145]، ويؤمنون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا غلام إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفعت الأقلام وجفت الصحف( [صحيح الجامع الصغير].

ويتمثلون قول الشاعر :

إذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العجز أن تموت جباناً

هؤلاء الشباب يؤمنون بما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم عن عظيم أجر المجاهد والشهيد، حيث يقول الله عز وجل: {والذين قُتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويُصلح بالهم، ويُدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 4- 6]، ويقول تعالى أيضاً: {ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة: 154]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماءِ والأرض( [صحيح الجامع الصغير]، ويقول أيضاً: (أفضل الشهداء الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتَلبطون في الغرف العلا من الجنة، ويضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حساب عليه) [أخرجه أحمد بسندٍ صحيح]، ويقول أيضاً: (الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم مسّ القرصة( [صحيح الجامع الصغير]، ويقول أيضاً: (إن للشهيد عند الله خصالاً: أن يُغْفَرَ له من أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويُحلى حلية الإيمان، ويُزوج من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويُشفع في سبعين إنساناً من أقاربه) [أخرجه أحمد والترمذي بسندٍ صحيح].
هؤلاء الشباب يعلمون أن أجرهم في قتالكم مضاعفٌ عن أجرهم في قتالِ غيركم من غير أهل الكتاب، ولا همّ لهم إلا دخول الجنة بقتلكم، لا يجتمع الكافرُ وقاتلُه في النار.

وهم يرددون ويرتلون قوله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قومٍ مؤمنين} [التوبة: 14].وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحرض المسلمين في بدر (والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يقاتلهم اليوم رجلٌ فيُقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة(، وقوله لهم بعد ذلك: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض).

وهم يرتلون أيضاً قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب…} الآية [محمد: 4].وهؤلاء الشباب لا يحبون الكلام معكم، والعتاب لكم، لسانُ كل واحدٍ منهم يقول لكم:

ليس بيني وبينكم من عتابِ سوى طعن الكلى وضرب الرقابِ

وهم يقولون لك ما قال جدهم أمير المؤمنين هارون الرشيد لجدك نقفور عندما تهدد وتوعد المسلمين في رسالته إلى هارون الرشيد، فرد عليه هارون الرشيد برسالته التي جاء فيها “من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما ترى لا ما تسمع”، ثم سار بجيوش الإسلام إلى ملاقاة نقفور وجيشه، فهزم الله نقفور هزيمة منكرة.

فهؤلاء الشباب الذين تقول عنهم إنهم جبناء، يقولون لك: “لا يُقَعْقَعُ لنا بالشِّنان ولا يُلَوَّحُ لنا بالسِّنان، والجواب ما ترى لا ما تسمع” فهم يتنافسون على قتلكم وقتالكم، كتنافس الأوس والخزرج في قتال المشركين.

اذا إن إرهابنا للامريكان وهم يحملون السلاح على أرضنا هو أمرٌ واجبٌ شرعاً ومطلوبٌ عقلاً، وهو حقٌ مشروعٌ في أعراف جميع البشر، بل والكائنات الحية، ومثلكم ومثلنا كمثل أفعى دخلت دار رجلٍ فقتلها، وإن الجبان من يترككم تمشون على أرضه بسلاحكم آمنين مطمئنين.

وهؤلاء الشباب يختلفون عن جنودكم، فمشكلتكم هي كيفية إقناع جنودكم بالإقدامِ إلى الحرب، أما مشكلتنا فهي كيفية إقناع شبابنا بانتظار دورهم في العمليات والقتال.

فلله درُ هؤلاء الشباب، فهم أهلٌ للمدح والثناء، حيث وقفوا لنصرة الدين يوم أضلت الدولة كبار الناس، واستزلتهم لإصدار فتاوى ليس لها سندٌ في كتاب الله، ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بتسليم اليهود المسجد الأقصى وإباحة بلاد الحرمين لجيوش النصارى، وقد قال جدهم عاصم بن ثابت رضي الله عنه عندما طلب منه الكفار المفاوضة وعدم القتال :

ما علَّتِي وأنا جَلْدٌ نابلُ والقوس فيها وَتَرٌ عنابلُ

الموت حقٌ والحياةُ باطلُ إن لم أقاتلكم فأمي هابلُ

إن الشباب يعتبرونكم مسؤولين عن كل ما يقوم به إخوانكم اليهود في فلسطين ولبنان من قتلٍ وتشريدٍ وانتهاكٍ لحرمات المسلمين، حيث إنكم تمدونهم بالمال والسلاح جهاراً نهاراً، وإن أطفال العراق والذين قد مات منهم أكثر من ستمائة ألف بسبب نقص الغذاء والدواء نتيجة حصاركم الظالم على العراق وشعبه هم أطفالنا، فأنتم تتحملون بذلك مع النظام السعودي دماء هؤلاء الأبرياء، كل ذلك يجعل كل عهد لكم معنا منقوضاً، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام اعتبر صلح الحديبية لاغياً بعد أن ساعدت قريشٌ بني بكرٍ على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقاتل قريشاً وفتح مكة، وقد اعتُبِرَ العهدُ مع بني قينقاع منقوضاً؛ لأن يهودياً منهم آذى امرأة في السوق، فكيف بقتلكم مئات الألوف من المسلمين، واستباحتكم لمقدساتهم، وبذلك يظهر أن الذين يزعمون أن دماء جنود هذا العدو الأمريكي المحتل لبلاد المسلمين معصومة، إنما يرددون مُكرهين ما يمليه النظام عليهم خوفاً من بطشه وطمعاً في السلامة، والواجب على كل قبيلة في جزيرة العرب أن تجاهد في سبيل الله وتطهر أرضها من هؤلاء المحتلين، وعَلِمَ اللهُ أن دماءهم مهدورة وأموالهم غنيمة، ومن قتل قتيلاً فله سَلَبُه . وقد قال تعالى في آية السيف: {فإذا انسلخ الأشهر الحُرُم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد… } الآية[التوبة: 5].والشباب يعلمون أن هذه المهانة التي لحقت بالمسلمين باحتلال مقدساتهم لا تزول ولا تدك بغير الجهاد والمتفجرات، وهم يرددون قول الشاعر:

جُدُرُ المذلة لا تُـــدَك بغير زخات الرصـــاصِ

والحر لا يُلْقِى القيــادَ لكل كَفَّارٍ وعــــاصي

وبغير نَضْحِ الــــدم لا يُمْحَى الهوانُ من النواصي

وأقول لشباب العالم الإسلامي الذين جاهدوا في أفغانستان, والبوسنة والهرسك بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم وأقلامهم، بأن المعركة لم تنتهِ بعد، وأذكرهم بحديث جبريل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب (فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يكن إلا أن وضع سلاحه، فجاءه جبريل، فقال: أوضعت السلاح؟ والله إن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائرٌ أمامك أُزلزلُ بهم حصونهم، وأقذف في قلوبهم الرعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار…} [رواه البخاري].

وهؤلاء الشباب يعلمون أن من لم يُقتلَ يموت، وإن أشرف ميتة عندنا هي القتل في سبيل الله، ويرددون قول جدهم الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وخاصة بعد قُتْلِ الأبطال الأربعة الذين فجروا الأمريكيين في الرياض، أولئك الشباب الذين رفعوا رأس الأمة شامخاً، وأذلوا أعداءها من الأمريكيين المحتلين بعمليتهم الشجاعة تلك:

وأما عن أمهاتنا وأخواتنا ونسائنا وبناتنا فهن يتخذنّ من الصحابيات الجليلات رضي الله عنهنّ قدوة لهنّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتبسن من سيرتهنّ الجرأة والتضحية والإنفاق لنصرة دين الله عز وجل، ويتذكرنّ جرأة وصلابة فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها في الحق أمام أخيها عمر بن الخطاب قبل أن يسلم، وتحديها له بعدما علم بإسلامها بقولها له: “أرأيت إن كان الحق في غير دينك يا عمر” ويتذكرن موقف أسماء بنت أبي بكر يوم الهجرة، حيث شقّت طاقها نصفين وعلقت بأحدهما السفرة التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معهما في رحلتهما إلى المدينة، وسُميت بذلك ذات النطاقين، ويتذكرنّ موقف نسيبة بنت كعب وهي تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد حتى أصابها اثنا عشر جرحاً بينها جرحٌ أجوفٌ في عاتقها، ويتذكرنّ بذل الصحابيات وإنفاقهنّ لحليهنّ لتجهيز جيوش المسلمين الغازية في سبيل الله، وقد ضربت نساؤنا في هذا العصر مثلاً رائعاً في الانفاق في سبيل الله، وفي تحريض أبنائهنّ وإخوانهنّ وأزواجهنّ على الجهاد في سبيل الله، وذلك في أفغانستان، وفي البوسنة والهرسك، والشيشان… وغيرها. فنسأل الله أن يتقبل منهنّ ويفرج عن أبنائهنّ وآبائهنّ وأزواجهنّ وإخوانهنّ، وأن يزيدهنّ إيماناً ويثبتهنّ على هذا الطريق، طريق التضحية والفداء لتكون كلمة الله هي العليا.

إن إخوانكم في بلاد الحرمين وفلسطين يستنصرونكم، ويطلبون منكم مشاركتهم في جهادهم ضد أعدائهم وأعدائكم من الإسرائيليين والأمريكيين بالنكاية فيهم بكل ما من شأنه أن يخرجهم مهزومين مدحورين من المقدسات الإسلامية، كلٌ بحسب استطاعته، قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر…} الآية [الأنفال: 72].

فيا خيل الله اركبي.. وهذا أوان الشّدِّ فاشتدُّوا، اعلموا أن اجتماعكم وتعاونكم من أجل تحرير مقدسات الإسلام هو خطوة صحيحة نحو توحيد كلمة الأمة تحت راية كلمة التوحيد .

ولا يسعنا ونحن في هذا المقام إلا أن نرفع أكف الضراعة، سائلين المولى عز وجل أن يرزقنا السداد والتوفيق في الأمر كله.

 

تحميل PDF (أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة) كامل .. اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد ) .. نشر في تاريخ 17/03/2021 

www.mafa.world

 

 

" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " | أخطر بيان للحركة الجهادية العربية الحديثة |أصدره بن لادن من جبال "تورا بورا" فى أفغانستان




مصر ..العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات

مصر .. العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات ثورة عرابى ـ ثورة سعد زغلول ـ "لا.. ثورة" 2011

مصر ..  العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات

ثورة عرابى ـ ثورة سعد زغلول ـ “لا.. ثورة” 2011

الفهرس

الفصل الأول :

–    حرب فلسطين . وحرب الفدائيين فى قناة السويس .

–   الجيش للقضاء على الجهاد والثورات الشعبية.

–  الوفد يهرب من ماضيه الجهادى .

–  سعد زغلول مؤسس أول جهاز سرى للثورة الشعبية .

–  جهاز سرى لثورة 1919 .  –   سعد زغلول حلقة ربط بين ثورتين .

–  ثورات مصر .. والتردد فى الإستلاء على السلطة.

–  الثورات المصرية وأجهزتها المسلحة .

 

الفصل الثانى :

–  تحديات أمام ثورة 1919 : جيش الإحتلال والقصر الملكى .

–    ” نجيب الهلباوى” يخون الثورة .        –   ثورة 1919 : الدم مقابل مياه النيل .

–   خلية العمال تغتال السردار (لي ستاك) .    –  بطل .. بدون بطولة .

–   إعترافات قبل الإعدام .  –  حكومة زعيم الثورة .. لم تنصف الثوار .

 

الفصل الثالث :

–    (أحمد عبد الحي كيرة ) بطل الجهاز السرى، شهيدا تحت أسوار إسطنبول .

–   المخابرات البريطانية تبحث عن “عبده”.    # طعنة خنجر تحت أسوار إسطنبول .

–   ثوار يناير .. وشهيد إسطنبول (أحمد عبد الحي كيرة ) .

–  عبد الحى وخاشقجى : بين التجاهل والإهتمام .

–  طعنتان من تركيا للأحمدين (أحمد عرابى ـ وأحمد عبد الحي).

 

 

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

تحميل PDF (مصر .. العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات) كامل .. اضغط هنا

 

 

 مصر ..  العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات

ثورة عرابى ـ ثورة سعد زغلول ـ “لا.. ثورة” 2011

 

الإستعمار الخارجى أو الداخلى يسلب الشعوب حريتها بالقوة المسلحة . ولا يمكن للشعوب أن تسترد حريتها وكرامتها بغير القوة . والقول بغير ذلك كذب وتدليس .

– (ثورة) 25 يناير 2011 كانت مزيفة، وعملية إجهاض لثورة كانت تختمر تحت سطح الرماد. جميع الأطراف مدانة .. وجميعها يكذب أو ما هو أكثر من الكذب . وبدون تقييم التجارب الثورية المحلية والعالمية لا يمكن لشعب أن يقوم بثورة ناجحة . فليس أى عنف أو تظاهر هو ثورة ، بل غالبا ما يكون ثورة مضادة من الطراز”الملون” الذى برع فيه شياطين هذا الزمان . أو ربما عملية إجهاض لثورة لم تكتمل شروط نجاحها . فتقتل نفسها بنفسها قبل أن يبطش بها العدو .

المشاركون أو المتهمون فى خديعة يناير لم يتكلموا إلا بما يخدم مصالح ضيقة لصالح حزب أو جماعة أو أفراد. وجميعهم شركاء فى كارثة واحدة إختتمها العسكر بضربة قاضية كانت سهلة وجاهزة منذ حتى ما قبل 25 يناير .

إنتفاضة يناير 2011 كانت ثاني عملية إجهاض يجريها الجيش المصرى لثورة شعبية فى مصر عملية الإجهاض الأولى قام بها الجيش فى إنقلاب يوليو 52 إجهاضا لثورة تختمر وسط طبقات الشعب. وبنجاح الإنقلاب العسكرى ذهب الشعب إلى ضباط الجيش مطالبا بتحقيق أمنياته. وبدلا عن ذلك تصرف الجيش كمالك لمصر ومُستَعبِد جديد لشعبها، الذى هو عبيد إحسانات الحاكم ، كما كان يراه سلاطين مصر على مر العصور .

 

حرب فلسطين ..  وحرب الفدائيين فى قناة السويس.

كانت حرب الفدائيين فى قناة السويس ضد قوات الإحتلال البريطانى ، وما أبداه شباب مصر من بسالة بدعم هائل من الشعب فى كل مجال ، كانت جرس إنذار للإحتلال البريطانى بأن مصر على وشك أن تثور، وقد أبدع شبابها فى حروب العصابات ضد واحد من أفضل جيوش ذلك الوقت . واستفاد الفدائيين فى قناة السويس بالخبرات القتالية المتبقية من حرب فلسطين عام 1948 على يد متطوعى الإخوان المسلمين.

كانت التشكيلات الشعبية فى مصر واضحة وفعالة، مع درجة وعي عالية لم تشهد لها مصر مثيلا قبل ذلك أو بعده . ويكفى أسماء الكتاب والمفكرين من شتى التوجهات لإدراك أن الثورة التى تختمر كانت على وشك إمتلاك قدرة الفكر المستنير ، المدعوم بالسلاح والخبرة القتالية .

المناخ السياسى الدولى كان مناسبا، بعد تصدع النظام الدولى القديم الذى كانت بريطانيا ضمن قمته. ولم يكتمل بعد تشكيل نظام دولى آخر تستعد الولايات المتحدة للإمساك بخناقه بِيَدْ من حديد ودولارات من ورق .

عمليات المجاهدين ضد قواعد الجيش البريطانى أخافت بريطانيا وأوروبا التى خشيت من العدوى المصرية أن تنتقل إلى مستعمراتها . وخشى الإستعمار الأمريكى القادم أن تفلت منه الفريسة المصرية إذا حصلت على حريتها بإرادتها وقيادتها وسلاحها. عندها لن يكون له المكان الذى يشتهى، خاصة مع وجود بديل سوفيتى منافس ومتابع .

علمليات الفدائيين فى قناة السويس كانت عنصراً حاسماً فى التعجيل بإنقلاب 1952 الذى كان ضربة إجهاض لثورة شعبية تفرضها وقائع الحال فى مصر .

شاركت أطياف واسعة من الشعب فى العمل المسلح ودعمه، وفى مقاطعة القواعد البريطانية ورفض العمل فيها أو تزويدها بالطعام فكانت ضربة أخرى قوية للإحتلال .

من تبقى من مجاهدي الإخوان فى حرب فلسطين 1948 ، كان لهم دور كبير فى عمليات المقاومة ضد القوات البريطانية فى القناة بخبراتهم المكتسبة. فكانوا طاقة كبيرة جدا هزت البريطانيين ودفعت المقاومة قُدُما .

 

الجيش .. للقضاء على الجهاد والثورات الشعبية :

تولت سلطات ثورة العسكر عام 52 القضاء على العناصر الجهادية فى الإخوان ، وضربت التنظيم ضربة شاملة لإقتلاعه من الجذور، حتى لا يظهر خطر الجهاد المسلح مرة أخرى فى مصر التى نشأت تاريخيا على الخنوع للحاكم .

نجح ضباط يوليو فى “تطهير” الإخوان من فيروسات الجهاد . ثم أجهزت عليهم أنظمة الخليج التى هاجروا إليها، فحقنتهم بفيروسات السلفية وبالموالاة للغرب والوقوف إلى جانبه دعائيا وسياسيا، فى مقابل الرضا عنهم فى مشيخات النفط وفى الغرب عموما .

– حرب 1948 كانت ذروة المجد الجهادى للإخوان . وهو ما تنقم عليهم بسببه إسرائيل، بأن”تلوثت” أيدى الإخوان بدماء اليهود الغزاة لفلسطين . لذا لم تتساهل إسرائيل مع محاولات الإخوان ـ رغم توبتهم ـ الوصل إلى الحكم أو المشاركة فيه عبر الجيش الذى يعتبره الإخوان أملهم فى الإقتراب من السلطة فى بلاد هامة مثل مصر والسودان ـ باكستان ـ تركيا. حتى وصلوا إلى المشاركة فى حكم أفغانسان بالتحاف مع الجيش الأمريكى الصديق، والجيش التركى الشقيق.

– حتى تثبت حركة الإخوان المسلمين أنها لم تتبرأ من ماضيها الجهادى فى حياة مؤسسها حسن البنا ، وأنها لم تَخُنْ دماء شهدائها فى فلسطين والقناة ، فإن أبسط واجبات اللياقة هو إحياء ذكرى هؤلاء الشهداء، وتسجيل موسوعة بأسمائهم وأعمالهم وتاريخهم ، وتقديم تسجيل تفصيلى ـ حقيقى ونقدى ـ لتجربة الإخوان فى فلسطين لتكون درسا لشباب المسلمين .

وأن يتزامن إحياء الإخوان لذكرى شهدائهم فى فلسطين وقناة السويس، مع إحتفالات إسرائيل بذكرى تأسيسها فى مايو من كل عام ، ومع ذكرى جلاء الإحتلال البريطانى عن مصر، وذكرى تأميم قناة السويس.

كان الإخوان منفردين بأمجاد الجهاد فى فلسطين، عكس جميع التيارات السياسية المصرية، الذين أحجموا، بل أن بعضهم أيد قيام إسرائيل من منظور إشتراكى طبقى .

بينما فى جهاد قناة السويس كان الجميع ـ تقريبا ـ مشاركون سواء كأحزاب أو كأفراد خارج كل القيود الحزبية . لكن خبرة الإخوان فى فلسطين وحماسهم الدينى صنع فارقا كبيرا. ولأجل ذلك دفعوا ثمنا كبيرا، وما زالوا . والأخطر هو أن الجماعة القديمة إنتهت وظهر محلها شئ جديد ـ مخالف تماما ـ إنتهازى وخيانى ـ وبرئ من الجهاد إلا من منظور إقتصادى كعمل مربح ماليا ودعائيا ، ومعرقلاً للجهاد الحقيقى .

 

الوفد يهرب من ماضيه الجهادى.

وكما تبرأ الإخوان المسلمون من ماضيهم الجهادى فى فلسطين وقناة السويس . فإن (حزب الوفد) الحزب السياسى الأعظم شعبية فى تارخ مصر المعاصر . هو أيضا تبرأ بكل نذالة من مجاهديه الذين قدموا كل شئ فداءً لمصر وإستقلالها خلال ثورة 1919 والسنوات القليلة التى تلتها.(شارك وفديون فى حركة الفدائيين فى قناة السويس وقدموا شهداء. لكن عملهم إفتقر إلى التنظيم والتدريب ، واستهدف الدعاية الحزبية أكثر من إستهداف الفعالية القتالية).

 

 

سعد زغلول : مؤسس أول جهاز سرى للثورة الشعبية.

كان لسعد زغلول قائد ثورة 1919 الفضل فى تشكيل الجهاز السرى للثورة . وكان مجاهدو ذلك الجهاز من روافد حزبية عديدة ومن المستقلين . لكنهم شكلوا أفضل أجهزة المقاومة السرية المسلحة فى تاريخ مصر المعاصر. رغم محدودية حجم الجهاز والمدة التى قضاها فى الجهاد ، ليس بسبب قصور وضعف فى الجهاز ومجاهديه ، ولكن بسبب ضعف قيادة ثورة 1919 وإنقسامها وميل أكثرها لأنصاف الحلول بل والترضيات مع الإنجليز والملك. زعماء الثورة بعد وصولهم إلى الحكم عاملوا المجاهدين بجفاء ونكران، وحتى بالتبرؤ منهم، ثم الإبعاد والنسيان الكامل . ولولا مجازفات صحفية شجاعة لما سمع بهم أحد.(أهم مراجع ذلك الموضوع هو كتاب الصحفى الشهير “مصطفى أمين” ، وعنوانه : الكتاب الممنوع ـ أسرار ثورة 1919 ـ وهو مرجع رئيسى فى  بحثنا هذا).

كان ينبغى لقادة ثورة 1919 إستيعاب ذلك التاريخ بعمق والدفاع عنه وتأكيده إلى أن تتحقق المطالب المصرية بالتحرر من الإستعمار البريطانى والتخلص من الحكم الملكى الفاسد.

وذلك كان واجب أيضا على المشاركين فى أحداث يناير2011 ، أن يمضوا بثورتهم قدما حتى الإطاحة بحكم العسكر، وإعادة الجيش إلى وظيفته الحقيقية كحامى للبلد ، وليس مالكا لها ومحتكراً لثرواتها ومستعبدا لشعبها ومتحكما فى مصيرها .

المتسلقون على ظهر الشعب فى يناير 2011 خافوا أن يتحول الإضطراب الشعبى فى يناير إلى “ثورة”، ربما تلجأ إلى دعم نفسها بجهازدفاعى ضد هجمات جيش البلطجية الذى يديره النظام ، وأن تضع “الثورة” فى المقدمة مطالبها الإجتماعية والإقتصادية إلى جانب المطالب “الحريات” السياسية . لهذا إنطلقت “ثورة يناير” من أحضان الجيش وإنتهت فى معتقلاته وفوق مشانقه .

القيادات المتخاذلة والخائنة رسخت فى نفوس شعبها الخوف من السلاح، وأكذوبة أن الثورات ينبغى أن تكون سلمية . رغم أن أى ثورة/ مهما كانت سلمية/ يكون لها جهازها المسلح المختفى أو شبه المعلن .

 

جهاز سري لثورة 1919 :

فى حديث للصحفى مصطفى أمين مع أحمد ماهر (أحد أشهر الشخصيات السياسية المصرية، ومن أعمدة العمل السرى المسلح لثورة 1919 ـ وقد أغتيل فى عام 1945 ).

قال أحمد ماهر: { سعد باشا “زغلول” هو أول من ألف جمعية سرية فى مصر لمقاومة الإحتلال عقب هزيمة عرابى مباشرة ونفيه هو وزملائه فى الخارج . هذا التنظيم هو خلايا متصلة ببعضها ولا تزيد كل خلية عن إثنين ولا يعرف الأعضاء بعضهم بعضا . وأنه وضع هذا التنظيم مع شريكه فى المحاماة حسن صقر . ولم يكن سعد باشا يريد إنشاء جمعية سرية من بضعة أشخاص ، بل غرضه بعد هزيمة عرابى إنشاء حزب تحت الأرض }  .

توفرت لثورة 1919 شخصية قيادية ذات كفاءة وتاريخ جهادى ، هى شخصية سعد زغلول. وكانت الثورة العرابية قبل حوالى خمسة عقود قد توفرت لها الشخصية القوية النبيلة للضابط أحمد عرابى . الذى خاض قبل ثورته صراعا مدنيا طويلا ضد النظام الحاكم، وما صاحبه من تسلط أجنبى /تركى أوروبى/ على شئون الجيش والدولة ، وما سببه ذلك من كوارث بلا حدود دمرت حياة الفلاحيين الذين هم شعب مصر وقتها.

ورغم عظمة الزعيمين إلا أن لكل منهما أخطاؤه وظروف ثورته الصعبة وعدم إكتمال الرؤية الثورية لديه، وقصوره عن إدراك الأبعاد الدولية التى تتربص بمصر تحديدا. فكلا الزعيمين إعتقد أن أوروبا قد تمد لمصر يد العون من منطلق المبادئ التى يتباهى بها الغرب ، والصراعات بين أقطابه فى تسابقهم على حيازة المستعمرات. وتلقى عرابى طعنة قاتلة من “الباب العالى”فى تركيا بإصداره مرسوما يعلن عصيان عرابى وتمرده. فتزلزلت شرعية الثورة العرابية وتضاعفت الخيانات فى الصفوف . كما تلقى عرابى طعنة أخرى قاتلة من الفرنسى “ديليسبس” صاحب فكرة حفر قناة السويس، حول حياد القناة واستحالة أن يستخدها الإنجليز كممر لغزو مصر.

 

سعد زغلول حلقة ربط بين ثورتين

يقول عباس محمود العقاد فى كتابه عن سعد زغلول :

” فى أواخر القرن التاسع عشر ثارت مصر” ….{ ولم تثر إلا كعادتها فى كل ثورة : أى حين أزعجها الخطر فى عقائدها كما أزعجها فى مصالحها ، وخولفت أحكام دينها كما خولفت أحكام العقل فى سياستها ، فهانت الأرواح وضاعت الحرمات وكسدت الأعمال وغاض معين الأرزاق ، وإستنزفت الحكومة أموال الرعية جبايةً ونهباً وإحتيالاً ، حتى لم يبق لها ما يُسْتَنْزَف. فكان الفلاح عاجزا عن سداد الضائب المنوعة مرة فى العام ، وهى تجبى منه مرات، لتنفق فى البزخ والسفاهة : ظلم وإسراف وربا وفجور ومخالفة دين من جميع الوجوه .

وكان الحكام الذين جنوا كل هذا وجَرُّوا على الناس الخراب والضياع يتيهون كبراً وإختيالا وكأنهم أحسنوا الحكومة كل الإحسان وأسبغوا على الرعية نعمة الرغد والأمان} .

 { هبت الثورة العرابية كما تهب العاصفة بعد طول السكينة ، فاشتركت فيها من الأمة كل قوة فكرية أو عسكرية . وشايعها الجامدون والمصلحون على السواء ، لأن المظالم والمفاسد لم تدع للمصريين سلْوَة يتعزون بها أو مهربا يثوبون إليه ، فمستهم مساً عنيفا فى إيمانهم الدينى وفى مصلحتهم الوطنية وفى نخوتهم القومية وفى أرزاق الأفراد وما يغارون عليه من حرمة مصونة. ومن خصائص الطبيعة المصرية على ما نظن لم تكن لتسيغ ثورة ليس فيها”للمحافظة” مكان .

لم تفلح الثورة العرابية لأنها أُحيطَت بدواعى الحبوط من الدسائس الخارجية ، ومن تهالك الحكام على الدول الأجنبية ، ومن خَطَلْ الزعامة ، وعبث الدولة العثمانية .

ولولا ذلك لسارت فى طريق أقوم من طريقها وإنتهت إلى مصير خير من مصيرها ، ولكنها تعرضت لذلك جميعه فأنتهى أمرها إلى الهزيمة ، وكانت نهايتها بداية إحتلال أجنبى للبلاد .

وأعقب الثورة ما أعقبها من نِكال وإنتقام، ومن تجسس وسعاية ، ومن خيانة الأصحاب ومكائد الأعداء . فنكصت الأخلاق شر نكوص، وران اليأس على الضمائر فمات فيها رجاء الخير} .

ويقول العقاد:  { إشترك سعد (زغلول) فى الثورة “العرابية” كما إشترك فيها أساتذته وبعض زملائه. وناله من أذى الإعتقال بلاء غير يسير ، وخسر وظيفته وبات مرصد الشبهة من أنظار الحكام ، وأعداء العرابيين (أنصار أحمد عرابى) .

وكان فى وسعه ـ لو رضى ضميره ـ أن يتعذر ويتزلف كما إعتذر وتزلف مئات الألوف، وأن ينفض يده من أصدقائه المهزومين ، ويترامى فى أحضان أعدائهم الغالبين ، ولكنه أبى لرجولته أن يسومها هذا السوم ، وكره لخلائقه ان توصم هذه الوصمة وظل على وفائه لأصدقائه المبعدين}.

ويواصل العقاد القول :

{إنتقلت مصر بعد هزيمة الثورة العرابية إلى شئ من الذهول . فأما الجيل العرابى فقد تفرق زعماؤه بين النفى والسجن والإضطهاد والإعتزال .

ولو أنهم تُرِكوا أحرارا لما إستطاعوا القيام بعمل يذكر فى الأحوال الجديدة، لأن الجيل الواحد قلَّما يقوى على النهوض بدورين متعاقبين ، ولا سيما بعد الهزيمة الصريحة .

وأما الجيل الجديد فلم يكبر بعد، ولابد من الإنتظار بضع سنوات . ولبثت مصر زمنا فى حالة الخمود والإعياء ، ولعل الأصح أنها كانت فى حالة الترقب والإنتظار ، ريثما تنجلى الأيام عن مصائر الأمور.

فلم يدر الناس فى مبدأ الأمر ماذا يصنع الإنجليز ؟ وماذا ينوون أن يصنعوا ؟ أغلب الظن أنهم باقون فى مصر إلى زمن لا تعرف له نهاية ّ!} .

( من كتاب ” سعد زغلول” لعباس محمود العقاد )

 

الأجواء الكئيبة التى أعقبت فشل الثورة العرابية تكاد تتطابق مع النهاية المحبطة لثورة 1919 . وقد إرتد الثوار الأثرياء عن مبادئ الثورة والتحقوا بالقصر والسفارة البريطانية يلتمسون المجد والثراء والحماية تحت حراب المحتلين . وزعيم الأمة “سعد زغلول” منكفئ على مرضه وحسرته من تنكر الأصحاب وإدبار السلطة وسقوط الثورة، وإنتكاس الأخلاق، والردة الشاملة عن كل مبدأ . ومن المأثورات فى وصف تلك الحالته ، ما كتبه سعد فى 17 يناير 1925 :

{ لقد دلت هذه المحنة التى نجتازها على ضعف شديد فى الأخلاق ، وهبوط عظيم فى روح الناس ولاسيما فى الطبقة العليا وما تحتها … فإنها كشفت عن دناءة وخسة ولؤم وخور.. دلت على أن هذه الطبقة لا تعرف للتضحية معنى ، ولا تتنازل عن حبة من راحتها فى سبيل الوطن ، وتميل الى المظاهر الكاذبة وتعبد القوة .. ومع أن المتعلمين فيهم أفسدهم أخلاقاً وأحطهم صفات: يجرمون ثم يتباهون بالإجرام .. ويأتون بالمنكر ثم يفاخرون بإتيانه .. وكأن بينهم وبين الفضل عداء } … (فهل فى تلك المأثورات ما يصلح للإستخدام بعد فشل 25 يناير؟؟).

 

ثورات مصر : التردد فى الإستيلاء على السلطة .

ثورات 1882 ، 1919 ، ثم تجاوزا “مشروع ثورة” يناير 2011 .الخطأ المشترك هو التردد فى الإستيلاء على السطة عندما سنحت الفرصة لذلك.

كان أحمد عرابى هو الأوفر حظاً إذ أتيحت له الفرصة  مرتان فى عام واحد1881 ((فى شهر فبراير ثم فى شهر سبتمبر)) أمام قصر عابدين. عندما وقف وخلفه الجيش على أهبة الاستعداد بكامل أسلحته، والشعب المتحمس خلف الجيش بالألوف، بينما الخديوى توفيق يقف أمامه مرعوبا ومن حوله الأوروبيون قناصل ومستشارون يشدون من أزره لأفشال مسعى عرابى . ومع ذلك لم يُقْدِم عرابى وقتها على أهم خطوات الثورة وهى الإستيلاء على السلطة . وكان الخدوى قد رضخ لمطالب عرابى منحنيا أمام العاصفة.. ولكن إلى حين.

سعد زغلول أتيحت له فرصة واحدة على الأقل ـ فى قصر عابدين أيضا ـ وهو إلى جانب الملك فؤاد يطل معه  على الآلاف من الشعب الثائر، يحاصرون القصر، ويصيحون فى وجه الملك المرتعب(سعد أو الثورة ). فتراجع الملك ورضخ لمطالب سعد. وانحنى الملك فؤاد كما انحنى توفيق حتى تعبر العاصفة ثم يعاود الإنقضاض على سعد والثورة .

وفى “شبه ثورة” 2011 أتيحت الفرصة عندما أُعْلِنَتْ إستقالة مبارك . وبدلا من التوجه إلى مقار السلطة للإستيلاء عليها . أخذ الشعب يرقص فى ميدان التحرير حتى الفجر . ثم عاد إلى البيوت سعيدا بإنتهاء الثورة !!. من لحظتها بدأت الثورة المضادة هجومها المعاكس.

الشئ المشترك أن لحظات التردد تلك أتاحت للنظام إلتقاط أنفاسه والكيد للثورة ثم القضاء عليها والتنكيل بالقائمين عليها ، ثم تجريف أرضية المجتمع من أى إحتمالات للثورة إلى أبعد مدى زمنى ممكن .

فمرت47 سنة فاصلة بين ثورة عرابى وثورة سعد زغلول . ثم 92 سنة تفصل بين ثورة 1919 ومشروع (لا.. ثورة)2011 التى لم يكن لها قيادة ولا برنامج ولا رؤية، فقد إنطلقت من خزائن المخابرات الحربية ، حتى قضت نحبها فى زنازينها .

فهى بشكل من الأشكال ثورة الجيش كما كانت ثورة عرابى . وتلك مفارقة مضحكة مبكية، لأنها من أسود مآسى التاريخ المصرى . لعظم الفارق بين جيش مصر فى الثورتين .الذى يماثل تقريبا الفارق بين شخصية أحمد عرابى، البطل الشهم “الفلاح”، وشخصية البئرالمُظْلِم عبد الفتاح السيسي “السفاح”.

 

 

الثورات المصرية وأجهزتها المسلحة:

ثورة عرابى التى يقودها ضابط وطنى مصرى (فلاح) متدين ، وجيش من الفلاحين المصريين الوطنيين المتدينين . لم تكن فى حاجة الى جهاز مسلح آخر غير الجيش لحماية الثورة وتنفيذ برنامجها . ومع ذلك عندما تعرضت مصر وجيشها إلى الغزو البريطانى وقف الشعب بأجمعه مع ثورته بما تيسر لديه وما وزعه الجيش من أسلحة على المتطوعين .

– ثورة 1919 كانت مهددة ومكشوفة أمام جيش الإحتلال البريطانى بكل جبروته على أرض مصر، بينما الجيش المصرى لا يسمن ولا يغنى من جوع . بعد أن تعرض للإضعاف المادى والإذلال المعنوى على يد الإحتلال والحكم العميل .

{تعرض الجيش المصرى بعد حرب 73 لحالة مماثلة بطلب من إسرائيل ، المحتل الجديد، وبطش الحكم العميل لجنرالات الخيانة الجهلة الشرهين للسلطة ، وتخلُّصهم بعنف من أبطال حرب 1973} .

لهذا لجأ سعد زغلول إلى بناء جهاز سرى مسلح ، لحماية الثورة ومساندتها أمنيا وسياسيا . أعضاء الوفد المصرى مع سعد زغلول لم يكونوا يعرفون شيئا عن ذلك الجهاز . ومن ناحية أمنية، حقق “سعد” وجهازه السرى قدرا مدهشا من الكتمان ، مع نجاحات عملية كبيرة جدا بمقاييس ذلك الوقت وظروفه، وظروف الجهاز الصغير.

– فى مشروع ثورة 2011 أنشأ الشعب تلقائيا وحدات دفاع ذاتى ضد قطعان البلطجية الذين إستخدمهم النظام للإخلال بالأمن وإرعاب الشعب وصده عن التمادى فى طريق الثورة . كانت تجربة الدفاع الذاتى ناجحة إلى درجة معقولة . وكان يمكن المضى بها قدما لتشكيل جيش للثورة يحميها ويوفر لها الأمن الداخلى مؤقتا، إلى حين تشكيل جيش نظامى جديد وحقيقى، بعيدا عن العين واليد الإسرائيلية. لكن مشروع الثورة  كان بلا قيادة ولا رؤية ولا برنامج . فظلت تحت سيطرة المخابرات الحربية منذ لحظة ولادتها إلى لحظة وفاتها. وقد إنتحرت (اللا..ثورة) عمليا يوم11 فبراير يوم الرقص الثورى فى التحرير وماتت رسميا وبالكامل بإنقلاب 3 يوليو 2013

 

– وبهذا تكون تجربة ثورة 1919فى بناء جهاز مسلح للثورة هى التجربة الأوضح رغم صغرها وقصر مدتها .

–  مع ملاحظة أن حركة الفدائيين على قناة السويس أعوام 1951 ـ 1952 كان يمكن أن تقود بنفسها ثورة ضد الإحتلال والنظام الملكى . ولكنها كانت بلا قيادة ، وكانت تحت إشراف وسيطرة حكومة الوفد ، التى خضعت للإنجليز والملك، فأوقفت نشاط الفدائيين. ثم جاء حريق القاهرة فى 26يناير ليفرش الطريق بالأزهار أمام إنقلاب العسكر فى يوليو 52 .

تحميل PDF (مصر .. العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات) كامل .. اضغط هنا

 

الفصل الثانى :

تحديات أمام ثورة 1919 : جيش الإحتلال والقصر الملكى .

إتجه سعد زغلول إلى إمتلاك قوة مسلحة ـ ولو أنها صغيرة وتعمل بشكل سرى ـ ليقينه بأن مواجهة الجيش البريطانى الجبار لا يمكن أن تتم فقط بأيدى خالية ، أو بمجرد إمتلاك الحق القانونى فى الإستقلال . وكانت بريطانيا متمسكة بالبقاء فى مصر والحفاظ على النظام الملكى الضعيف الفاسد . يتضح ذلك فى رسالة من المندوب السامى البريطانى فى القاهرة إلى وزير خارجية بريطانيا فى 25 مايو 1926 ويقول فها :

{إن سعد زغلول وأعوانه لا يمكن أن يدركوا أن تحقيق آمالهم فى خلع الملك فؤاد هو مقصود من الصعب أن يكون ممكناً ، ما دامت حكومة صاحب الجلاله البريطانية ليس لديها ما يبرر رفض تقديم مساعدة للملك فؤاد ، وما دامت الحراب البريطانية موجودة هنا لتقديم المساعدة} ..{ أما الملك فؤاد فإنه يدين بسلامة عرشة وسلامته الشخصية للإحتلال البريطانى ، وبشكل لا يقل عن الخديوى توفيق} .. { إن الأمانى المصرية فى الحرية والإستقلال تكبحها اليوم قوتان هى الجيش البريطانى وحقوق العرش.. } .

– واحد من نقاط الضعف الرئيسية فى ثورة 1919 هى أن أعضاء الوفد الذى يمثل الأمة فى مطالبها بالإستقلال ويرأسه سعد زغلول، كان معظمهم من كبار ملاك الأراضى الموالين للأسرة المالكة أو تربطهم بها صلات قرابة . مثل (عدلى يكن باشا) ـ الخصم اللدود لسعد زغلول داخل قيادة الوفد ـ وكان من أصهار العائلة المالكه . أما (علي شعراوى باشا) وهو أيضا من قيادات الوفد فقد كان من كبار الإقطاعين ويمتلك أكثر من عشرين ألف فدان(!!) . هؤلاء وأمثالهم كبحوا ميل سعد زغلول ومعه إتجاه شعبى من أمثال الجماهير التى حاصرت قصر عابدين وصاحت فى وجه الملك فؤاد (سعد أو الثورة ) يطالبون بالتخلص من العائلة المالكة وإعلان الجمهورية.

– الملك لم يكن مستعدا لأن يترك الحكم .. والجيش البريطانى جاهز لإحراق مصر ، لا أن يتركها ويرحل . فخلال أول شهرين من الثورة التى بدأت صراعها مع القصر والإحتلال فى 9 مارس 1919 ، وصل عدد القتلى إلى ألف قتيل حسب إعلان الحكومة البريطانية فى مجلس العموم . أما المؤرخ المصرى عبد الرحمن الرافعى فيرى أن قتلى الثورة وصل عددهم إلى ثلاثة آلاف على الأقل .

وبلغ الإرهاب البريطانى مدى لم تشهده مصر قبلا . فالمحكمة العسكرية البريطانية حكمت بإعدام 51 مصريا إشتركوا فى ثورة (ديرمواس) ونُفِّذ الحكم فى 34من بينهم البكباش “محمد كامل” مأمور أسيوط الذى قاد ثورتها ضد الإنجيز . وأُعْدِم 3 مصريين قادوا ثورة (الواسطى) وحكم بالإعدام على المئات ، وامتلأت السجون بالآلاف من الثوار وطرد آلاف الفلاحين من قراهم بسبب إشتراكهم فى الثورة . واستخدم الأنجليز الطائرات فى قصف الثائرين والأسواق فى القرى .

كان تنظيم قيادة الثورة (وبالتحديد سعد زغلول) لجهاز مسلح لمواجهة الجيش البريطانى أمراً حتميا ـ ولكن سعد أبقاه سراً لأن أغلبية “الوفد” كانوا من الموالين للقصر الملكى والمحبذين لتقديم العرائض والمناشدات ولكن ليس الثورة [وهؤلاء هم السلف الصالح لثوار”توقيعك باطل”، من أجل التخلص من سد النهضة وإنقاذ مصر] . لذا عندما وصل الوفد الى الحكم كان هؤلاء أول من نكَّلَ بالفدائيين الذين إستخدموا السلاح ضد الإحتلال والقصر .

وقت احتدام الثورة كان سعد زغلول فى المنفى . ولكنه أدار جهاز الثورة للعمل المسلح عبر مراسلات سرية مشفرة. وأول من أدار الجهاز السرى ميدانيا كان الضابط السابق عبد الرحمن بك فهمى الذى أنشأ عدة أقسام للجهاز هى :

– ادارة مخابرات الثورة: فكان للثورة عملاء فى كل مكان حتى فى قصر السلطان ودار الحماية البريطانية وقيادة جيش الإحتلال ، ومجلس الوزراء . وتراقب كبار السياسيين والوزراء .

– إدارة للإتصالات الخارجية :  ولها مراسلين فى لندن وباريس وسويسرا .

– إدارة للمظاهرات والإضرابات: وتقوم بعمليات تخريب وقطع السكك الحديد والمواصلات .

– إدارة الدعاية : تتصل بالصحف وتزودها بالاخبار .

– إدارة الإغتيالات : وهى أهم الأقسام فى الجهاز السرى .

–  ما كتبه كبار المسئولين البريطانيين فى مصر يؤكد كفاءة وفعالية الجهاز السرى لثورة 1919. فيقول لورد أللنبى المندوب السامى البريطاني فى مصر، أن مخابرات بريطانيا أنفقت أثناء ثورة 1919 فى المدة ما بين نوفمبر 1918 ومنتصف 1925 حوالى ثلاثة ملايين جنيه إسترلينى فى مصر وحدها ، وأنها لم تحصل طوال هذه المدة على خيط واحد يوصلها إلى الجهاز السرى للثورة .

أما الدكتور سيدنى سميث الطبيب الشرعى فى المخابرات البريطانية ، فيقول فى مذكراته :

{خلال الفترة بين 1919 ـ 1922 وقع 30 حادث إغتيال على الموظفين والضباط والجنود البريطانيين فى مصر . كما وقعت 5 حوادث إلقاء قنابل مصنوعة محليا .

ومع أن أكثر الحوادث كانت تقع فى وضح النهار وفى الشوارع المزدحمة بالسكان ، فلم يحدث لمرة واحدة أن تقدم شاهد عيان واحد للتعرف على المشتبه بهم . ولم يحاول أحد من الجمهور أن يساعد البوليس بأية طريقة . وكان من الصعوبة بمكان إثبات أى جريمة من هذه الجرائم على أى فرد . ولم يحصل البوليس مرة واحدة على أثر واحد مفيد فى التعرف على القتلة } .

–  ومع هذا وقعت خيانات من أفراد يستعين بهم الجهاز السرى . فكانت تصدر على الخونة أحكام من محكمة الجهاز السرى ، ثم تفذ فى الحال .

 

 “نجيب الهلباوى” يخون الثورة :

– رغم كل نجاحات الجهاز السرى للثورة إلا أنه أصيب بضربتين خطيرتين . الأولى كانت على يد(محمد نجيب الهلباوى) الوطنى الذى إرتد على الثورة نتيجة أهمالها له. وكان قد ألقى قنبلة على السلطان حسين عام 1915 . وهو الوحيد الذى قَبِل بالتعاون مع الإنجليز وعمل معهم بحماس ضد الثورة وتحديدا ضد الجهاز السرى.

والضربة الثانية على يد(شفيق منصور) العضو فى المجلس الأعلى للإغتيالات . وقد إعترف بعد ضغوط هائلة فى التحقيق . ونتيجة لإعترافاته بدأت قضية أحمد ماهر والنقراشى ـ زميلاه فى المجلس الأعلى للإغتيالات ـ فبدأت نهاية الجهاز السرى للثورة .

– الهلباوى بأوامر الانجليز إستغل ثقة عدد من أبرز قيادات (المجلس التنفيذى للإغتيالات) فأقنعهم بضرورة إغتيال السردار البريطانى (لي ستاك) حاكم السودان ـ ورغم معارضة عدد من أعضاء المجلس تمت عملية الإغتيال بنجاح . وهو العمل الذى أدى إلى كوارث على الثورة وعلى مصر والسودان معاً . فقد أزيح سعد زغلول من رئاسة الوزراة وأعادت بريطانيا إحتلال السودان مباشرة ـ بدون مشاركة مصرية .

بالنسبة للثورة فقد أدت عملية إغتيال السردار إلى كشف قيادة الجهاز السرى. فأصبحوا تحت رقابة المخابرات البريطانية ، حتى تم إعتقالهم . وإنقطعت صلة قدامى الزعماء وحكوماتهم بالمجموعات الضاربة. وكان أكثر الفدائيين فقدوا كل ما يملكون فى طريق الثورة والعمل المسلح واُسَر الشهداء عانت الضياع والفقر . وبعض المجاهدين تشرد فى الشوارع والبعض لم يجد ثمن الكفن الذى يدفن فيه، وعومل المجاهدون الوطنيون معاملة المجرمين والمشبوهين ، حتى من زملائهم السابقين الذين وصلوا إلى مناصب عالية فى الدولة .

– تشير كل المعلومات والدلائل إلى أن المخابرات البريطانية عبر عميلها “الهلباوى” قد ورطت جهاز الإغتيالات فى عملية إغتيال السردار “لي ستاك” ، لتحقيق عدة ضربات كبرى ضد الثورة ومصر . وقد دافع مخلصون فى الجهاز السرى عن أن عملية الإغتيال هى عملية لجهاز الثورة وهذا صحيح ، ولكن التوجيه كان بريطانيا عبر العميل (محمد نجيب الهلباوى) .

( ولعل ذلك يذكرنا بأن عملية 11 سبتمبر 2011 لها نظائر فى التاريخ المعاصر) .

– مرة أخرى عن التأثير السياسى لعملية إغتيال السردار، قال سعد زغلول أنه شعر أن العملية موجهة ضده . وأن المستفيد من قتل السردار هو الملك والإنجليز . فالملك تخلص من وزارة الشعب ليحكم حكما دكتاتوريا ، والإنجليز تخلصوا من حكومة وطنية تطالب بالإستقلال ليجيئوا بحكومة تنفذ أوامر المندوب السامى البريطانى ، وجعل السودان مستعمرة بريطانية .

 

ثورة 1919: الدم مقابل مياه النيل :

أرسل سعد زغلول من باريس رسالة بالشيفرة لرئيس الجهاز السرى للثورة “عبد الرحمن فهمى” يقول فيها : {بلغنا أن الإنجليز يسعون للحصول على موافقة الوزراء المصريين على مشروعات الري فى السودان مخالفة للمصلحة . نرجو تبصرة الوزراء بعواقب هذه المشروعات وإفادتنا عن تفصيلات ذلك }.

وكانت الترجمة العملية للرسالة هى ما قام به الجهاز السرى من محاولة لإغتيال وزير الأشغال محمد شفيق باشا ، الذى يعمل بمشروع الرى فى السودان. بواسطة قنبلة ألقها ( عبد القادر محمد شحاته) الطالب بالمدرسة الإلهامية (22 فبراير 1920) .

وكان إسماعيل سرى باشا وزير الأشغال قد تعرض أيضا لمحاولة إغتيال فى (18 يناير 1920) بسبب مشروعات رى السودان فى خزان(مكوار) .

سعد زغلول وقتها كان منفيا خارج مصر ـ لكنه إستطاع تنفيذ رؤية الثورة تجاه مياه النيل(الماء مقابل الدم) وهو ما فشل فيه الرئيس مرسى عام 2012 بتلاوة كلام مشابه ، بدون أى قدرة أو نية فى تنفيذ شئ منه يوما ما .

– كانت رؤية سعد زغلول فى أحاديثه مع كبار موظفى الإحتلال، أن السودان ضرورى بالنسبة لمصر. وذلك فى معرض الحديث عن الإفراج عنه وتوليته منصب(ملك مصر) مقابل التنازل عن السودان{الأمر الذى قبله عسكر إنقلاب يوليو بتنازلهم عن السودان مقابل توليتهم الحكم }.

– يصنف الجهاز السرى ـ القوة الضاربة المسلحة لثورة 1919 ـ أنه أخطر أجهزة الثورة ، فى تثبيت مواقفها السياسية وأثبات جديتها ، ثم مواجهة الإرهاب العسكرى البريطانى .

كان سعد زغلول يسيطرعلى الثورة إلى حد كبير ـ كقائد يحظى بالإحترام والطاعة والقدرة على القيادة. ومن مواقفه السياسية الهامة والتى دعمها عسكريا بجهاز العمل السرى ، هو الإعلان بأن كل مصرى يتولى رئاسة الوزارة فى ظل الحماية البريطانية هو خائن لبلاده .

–  فكانت أول محاولة لإغتيال رئيس وزراء بعد ذلك الإعلان هى محاولة إغتيال محمد سعيد باشا رئيس الوزراء أثناء خروجه من بيته . جرت المحاولة فى الإسكندرية فى أول سبتمبر 1919 . وكان قد ألف وزارته فى 21 مايو1919 . وألقى القنبلة على سيارته الشاب الأزهرى (سيد محمد علي) وعمره 17 عاما . وحكم عليه بالسجن عشر سنوات قضى منها خمسة فى السجن وأفرج عنه سعد زغلول عندما تولى رئاسة الوزراء يوم 24فبراير 1924 .

–  المحاولة الثانية لإغتيال رئيس وزراء كانت يوم 15ديسمبر 1919 ، بإستهدف يوسف وهبه باشا وهو قبطى ، والذى إستهدفه كان(عريان يوسف سعد) وهو طالب قبطي فى كلية الطب. ألقى قنبلتين على رئيس الوزراء ، لم تصيبا الهدف . وكان غاية الجرأة أثناء التحقيق واعترف بإستهدفه قتل رئيس الوزراء، رغم أنه قبطى مثله ، حتى لا تحدث فتنة بين المسلمين والأقباط ، مثل تلك التى حدثت عندما إغتال (إبراهيم الورداني) رئيس الوزراء القبطى بطرس باشا غالي.

كانت تجربة الجهاز السرى للثورة ، فريدة من نوعها فى التاريخ المصرى. وأظهرت تفوقا فى العمل السرى والقتالى والإدارى، وإحداث التأثيرات السياسية فى مجرى الصراع مع الإنجليز والقصر الملكى .

وفى مناخ الهزيمة النفسية التى إستقرت فى الوجدان المصرى ، تُعامَل تلك التجربة بالتجاهل أو بالإستهجان ، أو بالخشية من أن تُلوَّث سمعة الأنقياء من سفلة المستسلمين، فتطالهم تهمة الإرهاب التى أذل بها المستعمرون الشعب المصرى خاصة، والعرب عموما.

كان التسلسل التنظيمى للعمل السرى للثورة على النحو التالى :

1ـ القيادة العليا للثورة – سعد زغلول زعيم الثورة، وكان قائدا منفردا وموجها للعمل السرى العسكري والسياسي.

2ـ المجلس الأعلى للإغتيالات ـ عقل العمل السرى الميداني . وكان يرأسه عبد الرحمن بك فهمى إلى أن أعتقل، فجاء محله أحمد ماهر . ومن الأعضاء محمود فهمى النقراشى (وكلاهما قتل فى عمليات إغتيال سياسى فى فترة الأربعينات). ومن ضمن الأسماء كان شفيق منصور، (وقد إعترف على الجهاز تحت الضغط والتعذيب). وكان مكلفا بالإتصال بالحلقة التنظيمية التالية، وهى المجلس التنفيذى للإغتيالات، عن طريق رابط هو محمود اسماعيل.

3 ـ المجلس التنفيذى للإغتيالات ـ القوة الضاربة الصلبة للعمل السرى. ومهمة هذا المجلس التعامل مع الأهداف من حيث : المراقبة ـ التخطيط ـ التنفيذ .

وكان مكونا من: عبدالفتاح عنايت (طالب حقوق)، وشقيقه عبد الحميد عنايت (طالب فى المعلمين العليا )، ومحمد راشد(مساعد مهندس)، وإبراهيم موسى(زعيم عمال العنابر)، ومحمد علي فهمى زعيم عمال الترسانة .

وتتفرع من هذا المجلس “الخلايا السرية الفرعية” . ومهمتها الحضور يوم التنفيذ لأداء مهام : مساعدة المنفذين ـ مراقبة الطريق ـ تضليل البوليس ـ مساعدة المنفذين على الهرب.

4 ـ الجهاز السرى للعمال :

وكان المسئول عنه الحاج أحمد جاد الله ـ عامل فى العنابرـ ويبلغ من العمر 60 سنة. أطلق النار فى معظم الهجمات فى أول الثورة . وبدأ فى العمل السرى منذ عام 1919 . ومنهم معظم العناصر المتفوقة فى الهجوم المباشر. وإشتهر عدد منهم بإتقان الرماية بالمسدس . وأهم شخصياتهم التى تكررت كثيرا فى عمليات الإغتيال :

إبراهيم موسى (زعيم عمال العنابر) وهو أول من أطلق نيران مسدسه على السردار الإنجليزى. ومن أبرز عناصرهم محمد فهمى ـ ومحمد راشد ـ وكان معهما على الدوام تقريبا(أولاد عنايت) وهما الشقيقان عبد الفتاح عنايت وعبد الحميد عنايت، وهما من أبرز الفدائيين آنذاك .

–  وفى أى موقف للثورة المسلحة لا يمكن تجاهل الموقع الأساسي للبطل (أحمد حسن عبد الحى كيرة) الطالب كلية الطب، وصانع القنابل، والحاضر دوما أينما وجد عمل فدائى خطير. وسنعود للحديث عنه فى(الفصل الثالث).

–  ولمعرفة أهمية الجهاز الفدائى المسلح للعمال ، نقرأ لائحة التهم لقائد ذلك الجهاز وهو الحاج أحمد جاد الله (60سنة) البرشمجى فى العنابر. تقول اللائحة أن عمليات القتل التى نفذها الحاج أحمد جاد الله ، كانت :

فى 22 نوفمير 1919 قَتَل الكابتن صمويل كوهين الضابط البريطانى .

6 مايو 1920 قَتَل الضابط البريطانى (هدن) .

20 ديسمبر 1921 قتل العسكرى البريطانى (بروكول).

25 يناير 1922 قَتَل (ستيل) الصول بالجيش البريطانى .

2ديسمبر 1919 قَتَل المستر (درنك ) والمستر (تروايجوى) الضابطان فى الجيش البريطانى .

 

أما محاولات القتل فكانت :

13 نوفمبر 1920 محاولة قتل مستر “نايت” الموظف البريطانى الكبير.

10 فبراير 1922 محاولة قتل مستر هوبكنز.

18 فبراير 1922 محاولة قتل مستر إدمون بيتش.

11 مارس 1922 محاولة قتل مستر جون ماكنتوش.

ذلك عن البطل الستينى قائد الجهاز المسلح للعمال . وهناك الكثير من شباب ذلك الجهاز ومنهم النجار”محمد علي فهمي ” وكان فى الثلاثين من العمر، ويعمل بأجر يومى مقداره عشرة قروش(!!). كان (محمد علي فهمى) من أبرز أبطال الجهاز السرى، وشارك فى أخطر عمليات الجهاز. وقد إنضم إلى الجهاز عام 1921 وقدمته النيابة فى ما سمى”قضية الإغتيالات” المتهم فيها القادة أحمد ماهر ومحمود فهمى النقراشى . وجهت النيابة للبطل محمد علي 15 تهمة بالقتل والشروع فى القتل إعترف بها جميعا . فأصدرت المحكمة حكما بتحويل أوراقه إلى المفتى .

وقد كتب عنه سعد زغلول فى مذكراته بتاريخ 22 مايو 1925 ما يلى :

{ .. وقد حُكِم أن يؤخذ فى أمر تهمته رأى المفتى ، دون شركائه فى التهمة ، مما يدل على نية الحكم عليه بالإعدام . ولم يهتم الجمهور بشأنه ولا استشعر بشئ من الأسف لحاله، إذ حصر كل همه فى الآخرين وما ينتظرهم من الإدانة أو البراءة . ثم هو قادم على الموت وما يرثي له أحد. لماذا إنصرف الناس عنه ؟ .. .. أظن أن هذا لكون ذلك البائس من العامة الذين لا يهم الجمهور موتهم أو حياتهم . إن كان الأمر كذلك فكيف يخرج من هذا الجمهور من يُعَرِّض حياته للخطر خدمة لهذا الجمهور؟..}

 

خلية العمال تغتال السردار (لى ستاك)

يتذكر عبد الفتاح عنايت فى رسالته إلى الصحفى مصطفى أمين ، حادث إغتيال السردار(لي ستاك) . والتى شارك فيها شقيقه عبد الحميد عنايت .

يقول عبد الفتاح عنايت (تحدد يوم 19نوفمبر 1924 لقتل السردار . ثم حدث أن قرأنا فى الصحف أن السردار قرر تأجيل السفر إلى السودان يوم واحد لعمل هام. وإذ بالعمل الهام أن القصر الملكى قرر فجأة إقامة حفل شاى للسردار فى ذلك اليوم فى الحرس الملكى. وعندئذ قررنا القيام بالتنفيذ. فقام بإطلاق النار كل من: إبراهيم موسى زعيم عمال العنابر ، وهو أول من أطلق النار من مسدسه. وأطلق النارعضوان فى خلية إبراهيم موسى هما: علي إبراهيم ـ وراغب حسن النجار .

يقول عبد الفتاح عنايت (وصلت إلى شارع القصر العينى ، وجدت المنفذين شاهرين مسدساتهم فى الفضاء .. وبصوت رائع يصيحون” إوعى”. إنضممت إليهم بدراجتى حتى وصلوا إلى سيارة الهروب (سيارة فيات كان يقودها سائق نوبى إسمه محمد صالح محمود) .

موظف إنجليزى حاول اللحاق بالسيارة على موتوسيكل ، فأطلق عليه إبراهيم موسى عياراً ناريا مرَّ من جانب أذنه فإرتد هاربا ) .

ورأينا جنديا “مصريا” يجرى فأطلق إبراهيم موسى عليه النار إرهابا ليستمر فى الجرى ، ولكنه سقط على الأرض ، وركب الجميع السيارة . وألقى عبد الحميد عنايت القنبلة على سبيل التهديد ـ بدون أن ينزع الفتيل ـ وقفز إلى السيارة ، فإتجهت بهم إلى مصر القديمة . وعدت بالدراجة إلى منزلى فى عابدين .. وبذلك إنتهى الحادث .

 

بطل .. بدون بطولة

الجندى الذى سقط على الأرض له قصة طريفة تُصَوِّر جانباً لا يستهان بها مما كان يدور فى مصر وقتها . يحكى جزء منها الطبيب الشرعي”العالمى” سيدنى سميث العامل مع المخابرات البريطانية فى تحليل الجرائم . يقول سميث أنه أخبر اللورد أللنبى أن الجندى كان يهرب وأن الطلقة أصابته فى ساقة من الخلف .

وقع حادث إغتيال السردار فى شارع القصر العينى الساعة الواحدة والنصف ظهراً ساعة إنصراف الموظفين من الوزارات والشارع مزدحم بالمارة . ولم يتقدم مصرى واحد ليقبض على القتلة أويشهد ضدهم . وكان الإنجليز يَشُكّون فى أن المصريين يرون الإنجليز يقتلون فى النهار فى الشوارع المزدحمة ، فلا يتقدم أحد للشهادة .

– وعندما وقع حادث السردار وسقط هذا الجندى برصاص إبراهيم موسى ، قال فى التحقيق أنه هاجم الجناة وأراد القبض عليهم فأطلق أحدهم النار عليه .

سمع لورد أللنبى بما حدث ، وفرح لأنها أول مرة يحاول فيها مصرى أن يقبض على الذين قتلوا الإنجليز. فأسرع أللنبى فى موكب رسمى إلى المستشفى الذى يعالج فيه الجندى (علي محمد عبد الجواد) من رجال بوليس بلوك الخفر . وزاره فى فراشه ، وقال إنه يهديه بإسم حكومة بريطانيا مكافأة مقدارها “ألف جنيه” على ما أظهره من شجاعة وبطولة . وأنعم الملك فؤاد على هذا الجندى بنوط الجدارة . وأنعم ملك إنجلترا على الجندى بنيشان .

وأمر اللورد أللنبى بإذاعة الأنباء كلها فى الصحف ، ليعرف المصريون أن هناك من يحاول القبض على المصريين الذين يقتلون الإنجليز ، بل وينقَضْ عليهم ولا يستسلم إلا بعد أن يسقط جريحا بالرصاص .. وهكذا سيكون جزاء من يتعاون مع الإنجليز .

– يقول الطبيب “سيدنى سميث” فى مذكراته متهكماً :

( كان المستفيد الأول فى مصر من قتل السردار هو رجل البوليس الذى أصيب بجروح خلال إطلاق النار على السردار ، وكان هذا أمراً غير عادى ، أن نجد مصريا يبدى هذه الشجاعة فى جريمة ضد الإنجليز ، وزار اللورد أللنبى المندوب السامى هذا العسكرى الباسل فى المستشفى ، وقدم له وساما ، وشيكا بألف جنيه . وكانت صدمة لعسكرى البوليس أن يجد هذه الثروة بين أصابعه فأصيب بحمى مرتفعة ، حتى كدنا أن نفقده .

وتحدث لورد أللنبى عن هذا البطل فقال(إنه رجل رائع كاد أن يفقد حياته وهو يحاول الدفاع عن السردار ويحاول قتل القتلة ) .

يقول “سميث” : (وكان معى صورة الإصابة بالأشعة فعرضتها على لورد أللنبى ، وكانت الصورة تثبت أن الرجل الرائع قد أصيب من الخلف وهو يجرى، وأن الرصاصة نفذت من الخلف إلى الأمام . وكان من الواضح أنه قرر أن الهروب هو أفضل طريقة ، ولكنه أصيب مصادفة أثناء هربه برصاصة طائشة .

تمعن اللورد أللنبى فى صورة الأشعة وقال لى: أعتقد أن هذه المسألة ينبغى ان نحتفظ بها لأنفسنا ياسدنى سميث) . وظلت شفتاى مغلقتين إلى أن إلتقيت لورد أللنبى بعد ذلك بعدة سنوات فى مأدبه غداء ، وذكرته بجندى البوليس الشجاع وكان يذكره جيدا .. وضحك كثيرا .

 

إعترافات قبل الأعدام

فى يوم 23أغسطس 1925 نُفِذ حكم الاعدام فى المحكوم عليهم فى قضية إغتيال السردار (لي ستاك) إلا عبد الفتاح عنايت حيث إستبدلت عقوبتة بالإعدام بالأشغال الشاقة . وقد شنق سبعة من الذين اتهموا بقتل السردار .

ولقد أبدى المنفذ عليهم الحكم ثباتا عظيماً ، إلا شفيق منصور(الذى إعترف على قيادة الجهاز السرى لثورة 1919) فإنه كان جباناً . ولم يتأثر الناس بإعدامه ، وأعجبوا بثبات محمود إسماعيل واستخفافه بالموت لحظة الإعدام . وقد فعل مثله محمد راشد وآخرون (من العمال).

أما إبراهيم موسى (العامل، وأنشط عناصرالإغتيال بالمسدسات) فقد هتف بحياة سعد زغلول قبل تنفيذ الاعدام .

–  قبل إعدامه كشف شفيق منصور مجموعة عمليات كان على علم بها، قامت بها مجموعات الإغتيال ومنها :

– إغتيال مستر”برادن” أحد كبار موظف وزارة المعارف ، فى شارع القصر العينى فى 18 فبراير 1921 .وشارك فى التنفيذ إبراهيم موسى ، محمد علي فهمى ، وعبد الحميدعنايت . وقام بالترتيب والأسلحة محمود اسماعيل .

– إغتيال البكباشى “كيف” أحد كبار الضباط الإنجليز فى الجيش المصرى فى 24مايو 1922 وقام بالتنفيذ إبراهيم موسى ومحمد علي فهمي وعمال آخرون، أطلقوا عليه النار وقتل على الفور أثناء مروره بشارع الفلكى .

– إغتيال الكولونيل (بيجوت) أحد كبار ضباط الجيش البريطانى فى مصر فى 15 يوليو1922 بشارع القاضى الفاضل بقسم عابدين .

– إغتيال مستر”براون” أحد كبار الموظفين الإنجليز فى وزارة الزراعة بحديقة الأورمان فى الجيزة . وقام بها إبراهيم موسى (عامل فى العنابر)، ومحمود عثمان مصطفى (تلميذ بمدرسة التلغراف )، والشقيقان عبد الحميد وعبد الفتاح عنايت ، ومحمود إسماعيل .

– إغتيال حسين باشا عبد الررزاق ، وإسماعيل زهدى بك عضوى مجلس إدارة حزب الأحرار الدستوريين أمام جريدة السياسة مقر حزب الأحرار فى 17 نوفمبر 1922 وقام بالتنفيذ العمال إبراهيم موسى ومحمد علي فهمي ، وآخرون . رسم الخطة محمود اسماعيل . وأولاد عنايت (عبد الحميد وعبد الفتاح ) أخذا العمال للتنفيذ .

وكان المقصود قتل عدلى يكن ورشدى باشا ، ولكنهما لم يذهبا إلى الإجتماع .

– إغتيال مستر روبنسون بشارع الجيزة فى 27 ديسمبر 1922 . مرتكبوا الحادث هم محمود إسماعيل ،والشقيقان عبد الحميد  وعبد الفتاح عنايت، وإبراهيم موسى ، وآخرون.

 

حكومة زعيم الثورة .. لم تنصف الثوار

من المفارقات المؤلمة وذات الدلالة الخطيرة ـ هى أن سعد زغلول زعيم الثورة تولى رئاسة الحكومة بعد فوز الوفد بالأغلبية الساحقة فى الإنتخابات . ولكنه نتيجة لمؤامرات الإنجليز والقصر لم يتمكن من البقاء فيها أكثر من ثمانية أشهر فقط . فجيش الإحتلال البريطانى كان هو الحاكم الفعلى لمصر ، وكان الملك فؤاد مجرد ستارة لتلك الحقيقة .

–  من تناقضات ذلك الوضع ، وأحد ألغاز ثورة 1919 أن زعيم الثورة عين إثنين من الوزراء فى حكومته كانا يوصفان بالخيانة وكان الجهاز السرى للثورة قد حاول إغتيالهما، وألقى عليهما قنابل. وهما توفيق نسيم الذى تولى منصب وزارة المالية فى وزارة سعد ، والثانى كان محمد سعيد باشا الذى تولى وزارة الحقانية .

حاول سعد زغلول مساعدة ثوار الجهازالسرى ، الذين أفرج عنهم من السجن. ولكن الذى تصدى لتعيينهم فى الحكومة كان نسيم باشا وزير المالية . الذى إستلم كشفاً بأسماء هؤلاء الثوار والوظائف المرشحين لتوليها ـ وكلها وظائف تافهة للغاية لا يزيد مرتب أعلاها عن مبلغ 15 جنيه . ولكن وزير المالية نسيم باشا ثار وقذف بالكشف الذى أرسله رئيس الوزراء (سعد زغلول) وصرخ قائلا (هذه محسوبية صارخة ، هذا ضد القانون المالى) (هؤلاء مجرمون !! إن القانون لا يسمح بهذا). واستعان نسيم بالمستشار البريطانى لوزارة المالية الذى أيد رأى الوزير وقال عن التعيينات التافهة المقترحة للثوار (أنها ضد القانون على خط مستقيم !! ) .

–  إستقال توفيق نسيم من الوزاره قائلا أن سعد باشا يريد أن يملأ الدولة بالمجرمين .

–  سعد زغلول بدوره غضب عندما بلغه الحادث وقال: كيف نثور على بريطانيا أعظم إمبراطورية فى العالم ، وصاحبة أكبر أسطول فى الدنيا ، ثم نخضع للقانون المالى الذى وضعه لنا الانجليز؟

{ ولكن الغلطة تكررت مع “محاولة الثورة” فى 2011 عندما فاز فى الإنتخابات من تقدموا إليها بإسم الثوار . ولكنهم فشلوا فى تنفيذ أى شئ ، إذ ظلت السلطة فى يد الجيش الذى يحمل السلاح ويحتفظ لنفسه بالسيادة كاملة وسلطات حكم غير منقوصة . فى حين يفشل الفائزون فى الإنتخابات من الحكم فى أبسط المسائل التى لا تزيد عن صلاحيات حكم ذاتى منزوع السيادة.والإستنتاج المنطقي من تلك المآسى هو أن البندقية هى مصدر السيادة ، وليس صندوق الإنتخابات. وأن العبرة بعدد الطلقات وليس بعدد الأصوات}.

ومن أمثلة التعيينات التافهة التى حاول سعد زغلول (زعيم الثورة ورئيس مجلس الوزارء والفائز فى الإنتخابات بنسبة كاسحة، حاول تنفيذها ونجح فى بعضها ، وكان منها: تعيين “عريان سعد يوسف ” الذى ألقى قنبلة على”يوسف وهبة باشا” رئيس الوزراء سنة 1919 . وكان راتب الوظيفة سبعة جنيهات ونصف شهريا. ويومها هاجت صحف المعارضة على سعد زغلول ووصفت عمله بالمحسوبية (!!)، واعترض “أحمد زيور باشا ” رئيس مجلس الشيوخ لأن “عريان سعد يوسف ” لم يحصل على شهادة عليا . مع العلم أنه كان طالبا بكلية الطب وقت الثورة وأن المحكمة العسكرية هى التى فصلته من الجامعة .

وكان سعد زغلول قد إقترح وظائف بسيطة لحوالى ثلاثين من مقاتلى الثورة الفدائيين . ولكن الأسماء المقترحة ـ وليست الوظائف ـ هى التى أثارت رعب الثورة المضادة التى سكنت وزارة سعد زغلول ـ كما أثارت فزع الإنجليز والقصر الملكى . ومن تلك الأسماء(ومؤهلاتهم ) الجهادية كان مثلا :

محمد حسن البشبيشي وكان محكوما عليه بالاعدام ـ محمد عبد السلام(إعدام)ـ علي هنداوي

(إعدام) ـ محمد لطفى المسلمى(إعدام فى قضية عبدالرحمن فهمى قائد العمل السرى للثورة ) ـ محمد شمس الدين (إعدام فى قضية قنبلة السلطان حسين )ـ عريان يوسف سعد( أشغال شاقة فى قنبلة يوسف وهبه باشا) .

[[ ولكن السيادة لم تكن لثورة 1919 ولا لزعيمها سعد زغلول رئيس الوزراء ، بل ظلت للإنجليز وجيشهم. وقَبِلَ سعد والثورة بتلك النقيصة ـ كما قَبَلَها الرئيس مرسى و”ثورة” 2011]]

– كتب الطبيب البريطانى سيدنى سميث يصف وضع السلطة فى مصر بعد الإستقلال :

(فى فبراير 1922 أنهت الحكومة البريطانية رسميا الحماية عن مصر ، وأعلنت مصر دولة مستقلة ذات سيادة . وأطلق على السلطان لقب ملك . واُعِدَ دستور جديد ـ وأكتسبت البلاد كل مظاهر الاستقلال، ولكن السلطان البريطانى لم ينقص إطلاقاً . فالمندوب السامى البريطانى يُقَدِّم نصيحته للملك . ولكل مصلحة فى الدولة مستشار بريطانى للوزير .

القضاه البريطانيون يجلسون فى المحاكم إلى جانب القضاة المصريين . وكل موظف مصرى كبير فى الحكومة إلى جانبه موظف بريطانى يقدم له النصيحة … وكانت النصيحة البريطانية التى تقدم يجب أن يؤخذ بها ، فقد كان يسندها جيش الإحتلال) .

تحميل PDF (مصر .. العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات) كامل .. اضغط هنا

 

الفصل الثالث :

أحمد عبد الحى كيرة :

بطل الجهاز السرى.. شهيدا تحت أسوار اسطنبول

( أحمد حسن عبدالحى كيرة)، واحد من أهم أبطال جهاز المقاومة ضد الإحتلال البريطانى فى مصر . بدأ جهاده قبل ثورة 1919 عندما شارك فى محاولة إغتيال السلطان حسين كامل عام1915 بسبب قبوله تولى عرش مصر فى ظل الحماية البريطانية . وهى القضية التى أعتقل فيها محمود عنايت الأخ الأكبر لأسطورَتَي آل عنايت (عبد الفتاح وعبدالحميد عنايت ) وقد مات محمود عنايت فى السجن سنة 1917 بعد أن حكم عليه الإنجليز بالنفى إلى جزيرة مالطا . وهى نفس القضية التى تركت أثرا معاكسا فى الفدائى (محمد نجيب الهلباوى) فتحول بسببها إلى جاسوس يعمل لمصلحة البريطانيين على الجهاز السرى لثورة 1919 ، فتسبب فى أكبر الكوارث التى منى بها ذلك الجهاز .

فى قضية واحدة تحول ثلاث أشخاص إلى ثلاثة إتجاهات مختلفة. الأول راح شهيدا (محمود عنايت)، والثانى تطور إلى مقاتل أسطورة (أحمد عبد الحي) ، والثالث تحول إلى خائن وعميل للإحتلال (نجيب الهلباوى).

إعتقل الإنجليز البطل أحمد عبد الحي عام 1916 على حساب قضية السلطان حسين كامل. وظل فى السجن ثمانية أشهر . ولكن والده (الشيخ عبد الحي كيرة ) من تجار “فارسكور”ـ دقهلية ـ إستأجر محاميا إنجليزيا ودفع له 1500 جنيه ، فحصل له على براءه من التهم الموجهة إليه .

عندما نشبت ثورة 1919 وبدأ مشروع سعد زغلول لإنشاء جهاز سرى مسلح لمقاومة الإنجليز إتصلت قيادات ذلك الجهاز بالأسطورة “أحمد عبد الحي كيرة” . فاتصل به أحمد ماهر ، والنقراشى ، وحسن كامل الشيشينى وعبد الحليم البِيَّلى وهم قادة المجلس الأعلى للإغتيالات . وضموه إلى العمل السرى المسلح . فشارك فى صنع القنابل التى ألقيت على كل من:

ـ إسماعيل سرى باشا وزير الأشغال والحربية فى 28 يناير 1920 .

ـ محمد شفيق باشا وزير الأشغال فى 22 فبراير 1920 .

ـ حسن درويش باشا وزير الأوقاف فى 8 مايو 1920 .

ـ توفيق نسيم باشا وزير الوزراء فى 12 مايو 1920 .

كما أتُهِم بالإشتراك فى محاولة قتل عبد الخالق ثروت باشا فى يناير 1922 .

–  جاء فى مذكرات محمد يوسف عضو الجهاز السرى الذى حكم عليه بالإعدام فى قضية عبد الرحمن فهمى وخفف عنه الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة : (كان عبد الحى كيرة شخصية عجيبة ومثيرة : يجيد التنكر ، ويستطيع دائما أن يخدع البوليس ، ويفلت من الشباك التى تنصب لأعضاء الجهاز السرى ).

–   بعد حوالى أسبوعين من إغتيال السردار (لي ستاك) أى فى يوم 9ديسمبر 1924 ، أصدرت دائرة المخابرات البريطانية نشرة مطبوعة إلى جميع فروعها فى العالم هذا نصها :

{ مطلوب القبض عليه حياً أو ميتا ـ أحمد حسن عبد الحي كيرة ـ فى اسطنبول أو فى أوروبا ـ كيميائى ـ كان طالبا فى كلية الطب فى مصر ـ متهم فى قضية عبد الخالق ثروت فى مصر ـ فرَّ من القاهرة عام 1922 ـ مكلف بالقيام بإغتيالات فى الخارج ـ خطير فى الإغتيالات السياسية ـ عمره 28 أو 29 سنة العينان سوداوان ـ الرموش خفيفة ـ اللون أسمر ـ عريض الصدر ـ قصير القامة ـ آثار حروق على خده الأيمن ـ ذو شارب خفيف أسود} .

تولى الكسندر كين بويد ـ مدير المخابرات البريطانية فى القاهرة ، كتابة هذه الأوصاف ، نقلا عن أرشيف إدارة الأمن العام فى وزارة الداخلية المصرية ـ وأرسل صورة لأحمد عبد الحي كيرة ، طبعت مع أمر بالقبض عليه حيا أو ميتا .

 

المخابرات البريطانية تبحث عن “عبده”

فى 6 ديسمبر 1924 أرسل اللورد أللبنى برقية إلى وزير الخارجية فى لندن يقول فيها ” إن المخابرات البريطانية فى القاهرة عرفت أن”عبده” الذى ورد إسمه فى الخطابات المضبوطة والمكتوبة بالحبر السرى ، هو المكلف من الجهاز السرى أن يسافر إلى لندن لقيادة عملية إغتيال الوزراء البريطانيين الثلاثة ، وإلقاء قنابل على الوزاراء فى لندن. و”عبده” هو أحمد عبد الحي كيرة. وهو من أخطر المشتركين فى الجهاز السرى لثورة 1919 . وأنه هرب من مصر فى يناير1922 عندما طلبت السلطات البريطانية القبض عليه بعد أن إكتشفت دوره فى الجهاز السرى . وأن أحمد عبد الحي كيرة موجود فى إسطنبول .

يوم 8 ديسمبر 1924 أرسل لورد أللنبى برقية إلى وزير الخارجية البريطانية بأوصاف أحمد عبد الحي كيرة ، وقال أن صورته موجودة مع ملفه فى أرشيف إدارة المخابرات البريطانية فى لندن .

 

شهيد تحت أسوار إسطنبول :

الأديب المعروف الأستاذ يحي حقى، كان يومئذ موظفا فى القنصلية المصرية فى إسطنبول. شهد هذه المطاردة ، وعاش فيها ، وكتب يقول :

{ أصبح عبد الحى بُعبُعاً عند الإنجليز. فطلبوه بعد أن جدلوا له حبل المشنقة. بحثوا عنه فى كل مكان فلم يجدوه رغم تجدد إغاراته. إن التنبه للخطر أصبح عنده غريزة سادسة سيكون لها أثرها فيما بعد. وقدرته وحيلته البارعة على طمس الأثر لا حد لها. ولكنه أحس أن يدهم توشك أن تقبض على رقبته ، فهرب.

ومنذ ذلك اليوم أصبح هو والفرار شيئا واحداً ، تسلل إلى الحدود الغربية ، ثم إلى ليبيا ، ثم سافر إلى إسطنبول حيث لقيتُه بها سنة 1930، والله أعلم بما لقيته من مشقة وأهوال . وكان لابد لى ولا مناص أن أسعى لأعرفه ، وكيف لا أفعل واسمه يرن فى أذنى رنين أسماء أبطال الأساطير. ولكن شاء سؤ حظى أننى كنت حينئذ موظفاً بالقنصلية ، وعبد الحى يتفادى المكان وأهله تفادى الوباء ، لأن الإحتلال الانجليزى كان لا يزال رابضاً على مصر ، فكنت لا ألقاه إلا صدفة ، فأقطع عليه الطريق . إنه يعرفنى ويرانى ولكنه يتجاهلنى ، فلا أترك يده بعد المصافحة ، بل أبقيها فى يدى وأقول له أن لي صداقة حميمة ببعض أقاربه وبلدياته ، وأذكرهم له بالإسم ، وألح عليه إلحاحاً شديداً أن يمشى معى ولو خطوتين ، أن يضرب لى موعداً لنأكل معاً ، كل هذا وهو يستنقذ بإصرار يده من كلبشات يدى ، يشكرنى بإبتسامة كلها حياء ورأسه إلى الأرض، ثم يعتذر قائلا : قريبا إن شاء الله .

ظل هذا حالى معه أربع سنوات ، لم أسمع منه كلما قابلته وألححت عليه إلا قوله : قريبا إن شاء الله . لعل شدة إلحاحى عليه زادت من تخوفه منى ، إنه لا يأمن للقنصلية ولا لأحد رجالها . وقد جاوزت حدود الأدب واللياقة فى إلحاحى السمج عليه .

رأيت فى عبد الحى كيرة فى إسطنبول المثل الإنسانى الفذ للرجل الشريد . ما أكثر أمثاله فى أعقاب الحروب . كانت ملابسه تدل على مقاومة عنيدة للفاقة ، وغلبت صفرته التحتانية على سمرته ، يمشى على عجل وبحذر كأنه يحاول أن يفلت من جاسوس يتبعه ، عيناه كالنار تطوف نظرتهما فى دائرة الأفق كلها رغم إطراق رأسه . إن سره لا يخرج من شفتيه ولا من عينيه ، لسانه ممسوك مدرب على ألا يَزِل ….

… من أجل هذا خلا كلامه القليل من نغمة تُعَبِر عن عاطفة، لأن النغمة أيضا لها معناها . فلست تدرى من نبرة كلامه هل هو سعيد أوغير سعيد ، متعب أو غير متعب ، هل جيبه دافئ أم نظيف ، معدته خاوية أو عامرة ، هل حذاؤه يسالمه أو يعقره ، هل هو متعجل أو غير متعجل ، هل هو قادم من لقاء أتمه أو ذاهب إلى موعد ينتظره .

إن هذه الحبسة الفظيعة التى رأيت فيها عبد الحي كيرة كانت تزلزل قلبى ، من شدة وقعها على إنسان مثلى …

(…حاولت أن أعرف أين يسكن لأرسل له خطاباً ـ ولا أقول لأزوره ـ فلم أنجح. وقيل لى أنه يسكن بمفرده فى ثلاث شقق كل منها فى حى بعيد عن الآخر ، وأنه يتخذ فى كل شقة إسماً مختلفاً ، ولا ينام فى فراش واحد ليلتين متتابعتين .

كيف كان يحلو له فى هذا الحذر الدائم ـ أكل أو شرب أو تهنأ له سِنَة نوم ؟ كيف يستطيع إنسان أن يعيش دون أن يأمن لأحد ؟ كل ما يلقاه عدو محتمل، يندس بين الناس بعيداً عن كل الناس ، قلبه حرَّم على نفسه الإستجابه لعاطفة .

رأيت فى عبد الحى كيرة صورة مجسمة لهذا العذاب الذى فاق عذاب جهنم الحمرا).

(.. حِرْتُ فى تفسير مسلكه. ولعل عبد الحي كيرة لا يزال على يقين بأن المخابرات البريطانية لم تكف عن طلبه ، حتى لو فرَّ منها فى أقصى الأرض . إنها لا تنسى ثأرها البائت ، وكلمة “يحفظ ” لا تكتب على ملف عدو لدود إلا إذا أنزلت جثته للقبر. وقد سمعت أن الإنجليز حاولوا خطفه بعد أن طلبوا من الأتراك تسليمه فأبوا . ومع ذلك كان حذر عبد الحي من الأتراك لا يقل عن حذره من عملاء الإنجليز ، خشية أن يعدلوا عن رأيهم ذات يوم لمصلحة لهم يلعبون فيها بورقته .

وكنت أهزأ من نفسى لرضاها بهذ التفسير ، وإستسخف فى قلبى مغالاة عبد الحى كيرة فى حذره وتخوفه ، وملت إلى الإعتقاد أنه أصيب بسبب تشرده عن الوطن بعقدة الخوف من أشباح لا وجود لها . وإذا أصيب إنسان بهذا المرض النفسى أحس دائما بوقع أقدام موهومة تسير وراءه ، فلا ينقطع له خوف ولا فرار .

“ولكننى وقعت فى حيرة أشد ممتزجه بحزن ممض ، ولمت نفسى على سابق إستخفافى يوم بلغنى أنهم عثروا على عبد الحي كيرة مقتولاً بطعنة خنجر . جثته ملقاة فى حفرة بجوار سور إسطنبول العتيق، بجانبها عود ثقاب منطفئ ، كان هو الأثر الوحيد ، وهو ـ مثل العود ـ منطفئ أيضا . وقيل لنا أن التحقيق ـ الذى جرى بسرعة قد إختلط بالكلفته ـ لم يسفر عن معرفة الفاعل ، ولا كيف حدثت الجريمة .

كان عبد الحى كيرة معذوراً وعلى حق فى تخوفه وفراره . كانت الحقيقة أبعد من خيالى . ترى من هو العدو الذى نجح أخيرا فى الظفر به ؟، كيف قدر للحَذِرْ أن يُؤتى من مأمنه ؟ .. لا أحد يعلم .. هذا سر طواه قبره . عبد الحى كيرة ـ كما عرفته ـ كان لغزا فى حياته ، وهو فى موته أشد إلغازاً .

” يحي حقي “

 

“ثوار يناير” وشهيد إسطنبول “أحمدعبد الحى كيرة”

تعرضت تجارب مصر الثورية لعدوان الإحتلال وأنظمة الفساد والبغى . إنقلاب 1952 إغتصب صفة الثورة وعين نفسه ناطقا أوحداً وممثلا للثورة . وتدعى ثورة 1952 أنها أوجدت مصر من العدم وبعثت شعبها من القبور . لأجل ذلك طمست كل ما له صلة بثورات شعب مصر ، على قِلَّتِها ، خاصة الثورتان الأكبر والأهم : الثورة العرابية ،وثورة 1919.

كانت “محاولة يناير”2011 هى الأسوأ فى تجاهل التجارب الثورية السابقة، خشية المقارنة بين الثورات الحقيقية وبين “تزوير يناير”، سواء فى الهطل الثورى أو الزعامات الخشبية ، والكيانات الخاوية . شعب مصر أظهر بطولات لاشك فيها خلال “أحداث يناير”، ولكن ضمن (لا.. ثورة)  لا قيادة لها ولا برنامج ، ويد أعدائها كانت الأقرب إلى مفاتيح تشغيل المجاميع فى الشوارع. وإلا فإن الشعب كعادته كان قادرا على الوصول إلى آخر مدى تستطيع قيادته أن تأخذه إليه . وفى يناير رقصت القيادات فى التحرير فى ليلة سقوط الصنم حتى الصباح . ورقص الشعب معها حتى خارت قواه، وعاد إلى بيوته سعيدا بفوات فرصة ربما لن تتكرر أبدا.

تجربة يناير لم تُنْصِف مَنْ كان قبلها، وحتى أنها لم تتذكرهم، وليس فقط لم تستفيد من تجاربهم. ومن المشكوك فيه أن يكون”عتاولة”2011 يدرون شيئا عن أبطال سبقوهم وثاروا بصدق ، وفشلوا لأسباب تفوق طاقتهم وقدراتهم . ولكن المؤكد أن كلا الثورتين السابقتين شهدتا معجزات البطولة من فئات الشعب ، خاصة الفقراء الذين لا يدرى بهم أحد، ولا يريد حتى التعرف عليهم. ولكنهم حملوا السلاح فى الثورتين وسقط منهم آلاف الشهداء واستقبلوا رصاص الغزاة بصدورهم أو نظموا أنفسهم فى مجموعات مسلحة صغيرة صنعت أساطير وآيات من المقاومة العنيدة.

ومن أهم أسباب ذلك الإندفاع البطولى هو أن قادة الثورتين كانوا فى مقدمة الصفوف وتحملوا العبء الأكبر من مخاطر القيادة الميدانية.

الأنظمة فيما بعد ثورة 1919 وإلى الآن تجتهد فى طمس ونسيان أحداث وبطولات تلك الثورات. وكذلك يفعل الثوار المصطنعين ضمن ثورات مصطنعة لم تحمل فكرا ولا ثورة ، سوى أطماع فى السلطة بأى شكل أو وسيلة .

فماذا عن مثقفو مصر؟ . لماذا تجاهلوا تاريخ ذلك الشعب وبطولاته أمام جيوش الإحتلال وسقوط آلاف المُضَحِّين فى القرى والمدن؟.

– تقدمت قصة البطل (أحمد عبد الحي كيرة) الذى إغتيل فى إسطنبول ، بطعنة خنجر تحت أسوارها القديمة بعد فراره لسنوات من مطاردة المخابرات البريطانية. ومدينة إسطنبول تضم حاليا الآلاف من الثوار المصريين ومطاريد نظام العسكر ، فهل تذكر أحد منهم إسم (أحمد عبد الحي كيرة) ؟ .

إن إستكشاف تاريخ ذلك الفدائى العظيم ستكون إضافة غنية لتراث شعب مصر وثوارها . وتواجد “ثوار يناير” فى تركيا يساعدهم على كشف الكثير من الغموض فى سيرة ذلك الثائر. فماذا حدث له بالضبط؟ . وماذا تقول الملفات التركية حول مصرعه؟. وهى تحقيقات قال عنها الأديب يحي حقى أنها تميزت (بالكلفتة)، فعلى ماذا يدل ذلك ؟ ولصالح من؟. وأين قبر ذلك البطل؟ وهل يزوره أحد؟ أم أن زيارة الشهيد بدعة وكل بدعة ضلالة؟. وأين هُم بقايا عائلته فى مصر؟ . إسمه يوضح أن أسرته ربما كان لها إمتدادا تركيا ، كما هو شائع فى آلاف الأسر المصرية ، فمن هم أقاربه فى تركيا ؟ .. وهل كان على صلة بهم ؟ وما هو دور رجال القصر الملكى فى مصر والقنصيلية المصرية فى إسطنبول ؟. وكيف إستطاع أحمد عبد الحي البقاء تلك السنوات فى تركيا وهو الغريب عنها؟ وهل كان هناك غيره من فدائيي1919 ؟ .

–  عشرات الإعلاميين المصريين يقيمون فى تركيا ، فهل يتمكن بعضهم، أو أحدهم على الأقل، من متابعة قضية (أحمد عبد الحي) وقصة إستشهاده فى إسطنبول .

–  نرجو من المصريين ثوار يناير فى إسطنبول إن يعيدوا إكتشاف تاريخ ذلك البطل ، وأن يَحِلّوا لغز مقتله ، الذى يشير إلى تواطؤ مشترك بين جهات عُليا للغاية .

أنتم فى وضع يتيح لكم كشف أبعاد التآمر المزمن على ثورات مصر وثوارها، بكشف خفايا إغتيال عبد الحي كيرة . فشاركوا فى إحياء تاريخه الجهادى ولا تشاركوا فى إعادة إغتياله بتجاهلكم إياه .

– وبقايا ثوار يناير فى بريطانيا قد يكفل لهم القانون هناك الحصول على ملف أحمد عبد الحي الموجود فى أرشيف المخابرات البريطانية ، حيث مخزون لانهائى لأسرار مصر فى تلك المرحلة ، وتفاصيل لا يعلمها أحد عن الفدائى الشهيد . فلماذا لا يفعلون ؟؟.

 

 

عبد الحى .. وخاشقجى : بين التجاهل والإهتمام.

قد يقارن أحدهم بين إهتمام الثوريين المصريين المبالغ فيه بقضية إغتيال الصحفى السعودى جمال خاشقجى فى اسطنبول، وبين النسيان والتجاهل المبالغ فيه ، لقضية إغتيال أحمد عبد الحي، الفدائى المصرى الجائع المشرد المطارد من أجهزة مخابرات بريطانيا عظمى . فالمقارنة نفسها جائرة وليست ممكنة بين الشخصيتين ولا بين القضيتين.

التشابه الوحيد هو فى مكان الإغتيال فكلاهما قتل فى أسطنبول.أما الإختلافات فأقلها شأنا ــ  رغم قيمته الرمزية ــ فهو الإختلاف فى نوع السلاح المستعمل. فأحدهما قتل كمحارب “بخنجر” تحت سور أحد القلاع التركية القديمة ، والآخر قتله “ولى العهد” داخل قنصلية بلاده بمنشار لتقطيع اللحم .. وهذا كل شئ.

أما الفارق فى الإهتمام بالقضيتين فهو لا يرجع فقط إلى الفاصل الزمنى الكبير، بقدر ما يرجع إلى الإختلاف الخرافى بين حجم المال المتدفق حول أحد الضحيتين، والعوز الذى يطحن الضحية الأخرى. ذلك الإختلاف المالى فَطَرَ القلوب ، وأدمى عيون البواكي ، الذين ناحوا خلف النادبة الأمريكية “الواشنطن بوست”. فإذا جفت عيون ثوارنا فليتأملوا قليلا فى سيرة البطل الجائع المطارد / قتيل اسطنبول/ الذى قاتل جيوش الإحتلال البريطانى لمصر : أحمد عبد الحي كيرة.

–  ويصدق هنا أيضا قول سعد زغلول متأسفا على عدم مبالة الناس بقضية العامل، الفدائى ، “محمد علي فهمي” وهو على وشك مجابهة حكم الإعدام . حيث قال “سعد” بحسرة :

{أظن أن هذا لكون ذلك البائس من العامة الذين لا يهم الجمهور موتهم أو حياتهم . إن كان الأمر كذلك فكيف يخرج من هذا الجمهور من يُعَرِّض حياته للخطر خدمة لهذا الجمهور؟} .

 

 

طعنتان من تركيا للأحمدين : ( أحمدعرابى ــ أحمد عبد الحي).

تلقى أحمد عرابى طعنة تركية قاتلة من”الباب العالى”الذى أصدر مرسوما يعلن عصيان عرابى وتمرده. فتزلزلت دينيا شرعية الثورة العرابية، وكان ذلك من الأسباب الرئيسية فى إفشالها. وتلقى(أحمد عبد الحي)الفدائى الأشهر فى ثورة 1919 طعنة خنجر فى إسطنبول، و”ضبطوه” مرميا فى حفرة تحت سورها القديم . وحظي مصرع الفدائى المصري بإهمال متعمد من السلطات التركية ، فأجْرَت تحقيقا تميز(بالكلفته) كما وصفة الأديب “يحي حقي”.

الرابط بين الطعنتين: طعنة أحمد عرابى وطعنة أحمد عبد الحي، هو أن المستفيد منهما واحد وهو الإحتلال البريطانى لمصر .

ولكنها مصادفة تاريخية تتكررأحيانا .. وبالصدفة فى كل مرّة.

 

تحميل PDF (مصر .. العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات) كامل .. اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد ) – نشر في تاريخ 13/03/2021 م

www.mafa.world

 

مصر .. العِبَر والعَبَرات فى ثلاث ثورات ثورة عرابى ـ ثورة سعد زغلول ـ "لا.. ثورة" 2011

 




لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين ، دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين

دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

 

ماذا سيحدث فى مايو 2021 ، عندما تنتهى مهلة إنسحاب جيوش الإحتلال من أفغانستان حسب إتفاق الدوحة للسلام ؟؟. فهل تنسحب القوات الأمريكية وتوابعها؟؟.أم أنها ستماطل وتطالب بإتفاق دوحة “جديد”، لعلاج الثغرات فى الإتفاق “القديم”، كما يفعلون مع الإتفاق النووى الإيرانى ؟؟. أم أنهم سيبقون فى أفغانستان على الصورة العراقية، حيث سفارة أمريكية تحكم، وقوات أمريكية تفعل ما تشاء فى العراق وما حولها. وحكومة فى العاصمة لا تحكم أحداً، وتعجز عن التحكم فى أطماع الشركاء المتشاكسين فيها، حيث يجاهد كل منهم من أجل مصالحه الشخصية تحت حماية شعارات طائفية وعرقية؟.

فهل ستكون أفغانستان هكذا بعد  جهاد عقدين من الزمان ؟. وماذا يقول إتفاق الدوحة للسلام؟. فهل نَظَّم الإنسحاب وجعله محددا فى جدول زمنى وخرائط توضح حركة القوات المنسحبة؟ أم أنه كان سابحاً فى فضاء لا حدود له ولا يفضى إلى سلام محدد أو حتى حرب محدودة ؟ .

–  كان العدو الأمريكى منهزماً وينسحب بالفعل ، فسارعنا إلى عقد إتفاق الدوحة الذى أسماه المحتل “إتفاق سلام” وليس إتفاق إنسحاب. سلاماً مع قوات مازالت تحتل البلد، ومع حكومة هى ظل الإحتلال . فكيف يكون سلام المجاهدين مع ظل المحتل؟ وبأى شكل؟.

النتيجة هى أن المحتل إلتقط أنفاسه ، ليعيد توزيع أثقال الحرب وتغيير شكلها وأهدافها. فبعد أن كانت فقط حرب أفيون، ستصبح أيضا حرباً لتشكيل نظام دولى جديد ، تبقى فيه أمريكا هى القائد الأوحد . وتنقل معركتها لحصار الصين منافسها الأول فأدخلوا أفغانستان فى برنامج حصار الصين، وقطع إحتمال تمديد (مشروع الحزام والطريق) عبر أفغانستان صوب البحر المتوسط ، عبر إيران والعراق وسوريا (أو الأردن) ثم شواطئ فلسطين المحتلة (أو لبنان).

 

– إتفاق الدوحة فى أبعاده الواسعة كان “إتفاق حرب” ، أتاح لأمريكا  فرصة لعمل الآتى :

1 ـ تغيير هيكلية الحرب فى أفغانستان، وإعادة توزيع الأعباء والغنائم مع الدول والشركاء الرئيسيين فى المرحلة الجديدة.

2 ـ إعادة تنظيم القوى المحلية الأفغانية التى ستقاتل لصالح الأمريكيين فى المرحلة الجديدة. وتشكيل قناع سياسى محلى لتغطية وجه الإحتلال. لتبقى أمريكا والناتو يحاربان فى أفغانستان بإعتبارهما قوة شرعية تخوض حربا مشروعة ضد قوات (إرهابية). لتستمر الحرب إلى مدى غير محدود بحيث تحقق أمريكا أهدافها ، وهى :

أولا ـ إبقاء أفغانستان كمزرعة أفيون ومصنع لهيروين العالم .

ثانيا ـ عدم إعطاء شعب أفغانستان فرصة للعيش الكريم، أو بناء دولة إسلامية مؤثرة فى بقعة من أهم بقاع العالم إقتصاديا وإستراتيجياً.

ثالثا ـ وبدلا من أن تتحول أفغانستان إلى حلقة إرتباط إقتصادى بين جهات آسيا الأربعة، تتحول إلى ساحة صراع دولى ، لحصار الصين وكبح قواها الإقتصادية وقطع أحد أهم طرق إتصالها البرى مع العالم.

رابعا ـ عزل الصين عن إيران وتحجيم إتصالها البرى مع روسيا وآسيا الوسطى.

– وجاء تفجير المركز الحدودى فى إسلام قلعة بين أفغانستان وإيران للتذكير بما يمكن أن تفعله أمريكا لفرض تصورها للعلاقات بين دول منطقة. ذلك بإستخدام العمل العسكرى والإرهابى والضربات الإستخبارية النوعية. فى رسالة ثلاثية إلى(الإمارة الإسلامية) وإلى كل من الصين وروسيا، ولإرعاب دول آسيا الوسطى.

– أمريكا تسعى نحو الحروب المستمرة . فالحرب أساس إزدهارها الإقتصادى وعقيدة وجودها.  وتجهز لكل شعب برنامج خاص للعدوان عليه . فأثناء إنشغال الشعب الأفغانى بالحرب مع السوفييت ، كانت أمريكا تجهز له حرب ما بعد السوفييت ، فكانت الحرب الأهلية . وخلالها كانت تجهز لحرب إستيلائها على كنوزالأفيون والثروات المعدنية لأفغانستان وميزات موقعها الجغرافى . وأمريكا الآن ـ إنتهت أو تكاد ـ من تأسيس مرحلة الحرب القادمة فى أفغانستان، مرحلة حرب ما بعد “إتفاق سلام الدوحة”.

 

 

ألمانيا والهند .. موعد مع الوجوه الكالحة :

فى أول شهر مايو القادم سوف تسفر الوجوه الكالحة لتظهر جلياً طبيعة الحرب التى جرى تجهيزها للمرحلة التالية . حرب قاعدتها أفغانستان وفروعها تصل إلى بكين وموسكو وطهران وتنغمس فيها بشكل أوضح عواصم جديدة تواقة إلى لعب أدوار أكبر على رقعة الشطرنج الدولية، وعلى المسرح الأفغانى تحديدا . فى المقدمة قد تأتى الهند كمفاجأة المرحلة، حيث باكستان مرشحة للقيام بإنعطاف كامل لموقفها من جارتها اللدود فى الهند ، بما يشابه إستدارة العرب أمام إسرائيل. وبدء تعاون غير متوقع بين البلدين فى ميادين كانت موضع صراع وتنافس بينهما مثل الميدان الأفغانى وآسيا الوسطى .

– هناك مشروع/ بإشراف إسرائيلى/ لربط نيودلهى مع إسلام آباد، بطريق برى وسكة حديد تصلهما بآسيا الوسطى وتركيا، ثم إسرائيل لاحقاً. تلك الطرق ستربط أفغانستان مع إسرائيل ، حيث تنتقل البضائع الإسرائيلية إلى أسواق أفغانستان بواسطة تركيا فى بداية الأمر.

–  الدور المُرَشَح للهند يقلل كثيراً من فوائد إتصال روسيا بالمحيط الهندى عبر ميناء تشبهار فى إيران. وتقليل القيمة التجارية لذلك الميناء بإنسحاب الهند منه، إعتمادا على فتح طرق برى أمام تجارتها مع آسيا الوسطى عبر باكستان. إسرائيل والولايات المتحدة سيفتحان أمام الهند سبل الوصول إلى أسواق أوروبا عبر تركيا وموانئ البحر المتوسط فى مقابل تقليص تجارتها مع روسيا، فيذبل ميناء تشبهار مسببا خسائر كبيرة لإيران وروسيا معا.

– ألمانيا مرشحة أيضا لدور طموح فى أفغانستان، لتستعيد أمجادها العسكرية على أراضى المسلمين وبدمائهم، لعلها تحظى برضى اليهود الذين إستهلكوها ماليا وأدبيا بأكذوبة “الهولوكوست”،التى أدى بعض”كبارعلماءالمسلمين” فريضة الصلاة بين مقابر يهودها الهالكين، ولم يجدوا فى ذلك بدعة ولا ضلالة، ولاشِركاً قُبورياً.

 ستكون ألمانيا شريكا للمشروع الإنفصالى الذى ترعاه إسرائيل فى الشمال، ويكفيها ذلك فخرا.

ألمانيا فى حاجة إلى مغامرة عسكرية يجد فيها يمينها المتطرف بديلا عن حرب أهلية. وفى الحقيقة فإن معظم دول الغرب بما فيها أمريكا لديهم إحتياج لحرب خارجية تقيهم حرباً أهلية داخلية، وحبذا لو كانت الحرب ضد المسلمين حتى تجتمع حولها القلوب والإرادات بسرعة.

– قوات ألمانيا التى تحتل شمال أفغانستان ـ ومنذ سنوات ـ تمهد لمشروع إسرائيلى طموح لفصل الشمال الأفغانى وتقسيمه بين عرقيتين ، هما عرقية طاجيكية (بتأييد ألمانى هندى)، وعرقية أوزبكية بتأييد قوات تركيا المشاركة فى إحتلال الشمال .

 فى فترة “السلام” التى أعقبت إتفاق الدوحة كانت تجهيزات أمريكا وإسرائيل فى أعلى درجاتها للحرب الجديدة . فالاتفاقات على المستوى الإستراتيجى تتابعت فى نشاط محموم ، لإكتساب شركاء وبناء أحلاف (قوة أمريكا فى المجال الدولى ترجع إلى قدرتها على إنشاء التحالفات).

–  أفغانستان حلقة هامة جدا للحرب القادمة للسيطرة على العالم. فأمريكا لا تريد التنازل أو مقاسمة أى قوة أخرى فى المركز الأول المسيطرعالميا. وإسرائيل بالنيابة عن القوى المالية اليهودية ـ تتصرف عمليا على أنها قيادة العالم ، وأن أمريكا مجرد رديف لها فى تلك الحرب ، لخدمة نفس البنوك التى لولاها لما كانت هناك أمريكا التى يعرفها العالم الآن ، ولا قامت إسرائيل فى الأساس .

البيئة السياسية الدولية يعاد تشكيلها، بما يناسب الحرب الجديدة فى أفغانستان ـ والتى كانت مرحلة “السلام” ما بعد إتفاق الدوحة، مجرد فترة عمل مريح نسبيا لتجهيز ما يلزمها من تحالفات دولية وإقليمية وقوى داخلية فى أفغانستان نفسها .

 

 

إلتزام وحيد الطرف:

–  يقارن بيان رسمى للإمارة الإسلامية ، مواقف الأطراف فى مرحلة ما بعد “إتفاق سلام الدوحة”، الذى هو فى حقيقته حرب تقع ما بين حربين، سابقة ولاحقة.

يقول نص البيان { فى المقابل فإن إدارة كابول بدأت بتنفيذ عمليات واسعة فى شتى الولايات ، حتى أن القوات الأجنبية قامت بدعمها فى بعض العمليات ، إضافة إلى ذلك فقد إستمرت فى مداهمتها على المدنيين ، ومازالت الغارات الجوية التى تشنها الطائرات الأمريكية ـ خلافاً للإتفاقية ـ مستمرة حتى الآن } .

ويقارن البيان تجاوزات المحتل والعملاء بإلتزام الإمارة فى الآتى : (تخفيض ملحوظ فى مستوى العمليات العسكرية ) ـ (وعدم الإعلان عن عمليات ربيع لهذا العام) ـ (وعدم تحرير وفتح مراكز المديريات واحدة تلو أخرى) ـ (ولم تنفذ عمليات كبيرة فى المدن الكبرى ، ولم يخطط للسيطرة على مركز أى ولاية ) .

وفى مقابل ذلك الإلتزام أحادى الجانب (بسلام الدوحة) يلاحظ نفس البيان الصادر فى 13فبراير 2021 ـ أن بنودا جرى الإتفاق عليها ولم ينفذها الطرف الآخر، الذى لم ينته من الحرب الأولى حتى أخذ يجهز للحرب التالية. من تلك المخالفات يذكر البيان { لم يطلق سراح جميع أسرى الإمارة الإسلامية فى غضون ثلاثة أشهر بعد بدء المحاثات الأفغانية حتى الآن . كما أن أسماء قادة الامارة الإسلامية وزعمائها لم ترفع من القائمة السوداء ، ولم ترفع عنهم الجوائز المعلنة}.

–  لا يمكننا تجاهل حقيقة أن أى إتفاق مع الولايات المتحدة هو عملية إنتحارية سياسياً. فهى لن تطبق أى شئ فى الإتفاقية سوى ما يحقق مصالحها فقط . وإذا تنازلت مؤقتا عن شئ لخصومها فإنها تعمل على إستعادته وإلغاء مفعوله فى أقرب فرصة .

ثم أنها سَتُلزِم الطرف الآخر بكل شئ تريده هى ، سواء كان مذكورا فى الإتفاق أو لم يكن. وسوف تفرض عليه عقوبات وحصار، ثم تُرْغِم باقى دول العالم على إتباع خطواتها فى عقاب الطرف المعتدى عليه ـ وما نووي إيران عنا ببعيد ـ

 

 

.. عن الأسرى

لم يفرج النظام عن أسرى الإمارة ـ ليس بمبادرة منه ـ بل لحاجة أمريكية إلى إستخدم الأسرى كورقة سياسية لفرض شروط معينة. وأيضا لإستخدامهم فى التفاوض على مصير الأسرى والمفقودين الأمريكيين والإسرائيليين .

وتطمع أمريكا فى تكرار عملية التفاوض السابق على أسيرها لدى طالبان وكانت المساومة على خمسة من معتقلى الإمارة فى جونتانامو،فماذا الآن والمساومة ستكون على عدة مئات؟ . غالبا لن يتكرر الخطأ مع ظهور قيادات قوية فى العمل السياسى للإمارة من أمثال ملا بردار ومولوى عبد الحكيم والعديد من أفضل الشباب فى الجهازين السياسى والإعلامى، ناهيك عن أبطال وعباقرة العمل العسكرى فى الميدان.

 

 

.. عن القائمة السوداء

المقايضة على رفع أسماء قادة وزعماء فى الإمارة من القوائم السوداء هى مقايضة مرتبطة مباشرة بإسرائيل ، طبقا لمعادلة الإعتراف بإسرائيل فى مقابل رفع الأسماء من القوائم السوداء. ولعل ما حدث مؤخرا مع الحكومة السودانية يحمل برهاناً كافياً على ذلك .

وبشكل مباشر إذا أراد أى نظام حكم فى العالم أن يحافظ على إستقلاله ومصالح شعبة فعلية أن يتوقع أن يصبح ضيفاً مستديماً على القوائم الأمريكية للإرهاب والمنع والحظر والمصادرة. وإقفال كافة السبل أمامه، سوى سبيل واحد هو الإستسلام بلا قيد أو شرط للثنائى الطاغوتى: أمريكا وإسرائيل.

فالطريق إلى النار محفوق بالشهوات والطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره .

وكما تصبر الشعوب لعشرات السنين على مكاره الجهاد (كُتِبَ عليكم القِتالُ وهو كُرْهٌ لكم). فيمكن لبعض السياسيين تَحَمُّل شئ من مَكارِه حظر التجوال والسفر .

 

 

عن الحصار الإستراتيجى على أفغانستان .

من مظاهر ذلك الحصار :

1 ـ إنشاء سور حديدى يفصل باكستان عن أفغانستان على طول الحدود . لحصار أفغانستان من أطول الحدود مع جيرانها ، ولفصل الشعب الواحد على جهتى الحدود لصالح عنصر خبيث  وافد على المنطقة.

2 ـ حملة عسكرية كبرى تقوم بها قوات المرتزقة والمحتلين للسيطرة على بدخشان وإغلاق ممر واخان الواصل بين أفغانستان والصين.

3 ـ تفجير الجمارك الحدودية فى إسلام قلعة ، يشير إلى أن التجارة بين الجارين الأفغانى والإيرانى أصبحت عملا خطيرا، وهدفا عسكريا لعمليات التخريب الأمريكية.

4 ـ تَحَوُّل فى موقف طاجيكستان إلى الإتجاه الأمريكى الجديد لحصار أفغانستان، بعد أن كانت محسوبة تقليديا كساحةً للنفوذ الروسى القديم .

5 ـ جذب أوزبكستان إلى المحور الأمريكى الإسرائيلى فى مشروع لتمديد  طريق للشاحنات والقطارات ، بين أوزبكستان وباكستان والهند. فى مشروع يمتد إلى تركيا بإشراف إسرائيلى. سيمر الطريق فى المنطقة الأوزبكية التى تجهزها تركيا للإنفصال عن أفغانستان.فهى أيضا ستكون ذات إرتباط خاص مع إسرائيل.

 

– إلى أن يأتى أول مايو المقبل ستكون تغييرات إستراتيجية كبرى مرشحة للحدوث على يد إدارة بايدن . لتكوين بيئة دولية مناسبة لشن حرب جديدة على أفغانستان ، بتحالفات جديدة وبرنامج متطور.

– فى النهاية ـ لم يتمتع الأفغان بالسلام ــ الذى كان حرباً جاءت بعد حرب وقبل حرب ــ بل كان “السلام” حرباً فى حد ذاته. فمن قال أصلا أن أمريكا تريد السلام أو رغبت  فيه يوما؟؟.

 لقد دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين ، دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.




من المسئول عن الهجوم على مبني الكونجرس الأمريكى ؟

من المسئول عن الهجوم على مبني الكونجرس الأمريكى ؟

من المسئول عن الهجوم على مبني الكونجرس الأمريكى ؟
ما هي العلاقة بين 11 سبتمبر 2001 ، 6 يناير 2021 ؟

 

– لماذا إكتفي بن لادن بمهاجمة مبني التجارة العالمية و لم يهاجم مبني الكونجرس؟

– غياب الإرهاب الإسلامي عن الساحة الأمريكية زاد العبء علي الإرهاب المحلي .

لهذا يبحث بومبيو عن تنظيم القاعدة، و زاد الدعم لإحياء داعش .

– ظهر بايدن قزما فى يوم التنصيب ، وظهر مأزق (حكم العسكر) الذى وقع فيه الشعب الأمريكى “العظيم” .

الصراع الحالى فى أمريكا بين الوطنيين المسيحيين المتطرفين، وبين اليهود وكتلتهم الليبرالية وأجهزة الدولة المسلحة، هوالساحة الأساسية لحسم الصراع الدينى بين الطائفتين.  هذا يعنى إلغاء قضية فلسطين ـ وتهويد جزيرة العرب ـ وإستكمال إبادة شعب اليمن، والسيطرة المُحْكَمَة على المقدسات الإسلامية، وتغيير أداء المناسك بتحويلها إلى نوع من السياحة الحديثة على النمط الغربى، الذى يجعل الدعارة والمخدرات جزءاً من السياحية.

 

لا تبحث السلطات الأمريكية عن “الفاعل الأصلي” وراء الهجوم على مبنى الكونجرس فى السادس من يناير الماضى . بل وكما هى العادة يحاولون التعتيم عليه ، وحرف الأنظار بعيدا عن الفاعل الحقيقى .

إختصارا .. من رتب الهجوم على الكونجرس فى يناير 2021 هى نفس الجهة التى رتبت لهجوم الحادى عشر من سبتمبر 2001 .

من هاجم الكونجرس فى السادس من يناير الماضى ليسوا هم مجموعة الرعاع الذين أظهرت بعضهم عدسات التلفزيون . ولا عناصر متعصبة مندسة فى الحرس الوطنى وحرس الكونجرس ، ولا بعض أعضاء من مجلس الشيوخ ، ولا حتى الرئيس المطرود أو (المنقلب عليه ) دونالد ترامب .

 كما أن الفاعل الحقيقى لأحداث 11 سبتمبر، بالتأكيد لم يكونوا هؤلاء الضحايا من العرب الذين ظهروا أمام العدسات التى كانت تتابعهم منذ سنوات قبل شروعهم فى تنفيذ غزوة سهلة وبلا عوائق تمنع الوصول إلى جدران ناطحتى السحاب فى منهاتن.

 فى الأصل كانت الصفقة واحدة، أى الهجوم على ناطحتى السحاب فى منهاتن ، والهجوم على مبنى الكونجرس فى “الكابيتول”. ولسبب ما إختار بن لادن الإنخراط فى العمل على أبراج منهاتن ، ربما للشهرة التى إكتسبها مركز التجارة العالمى منذ ذلك الهجوم بالشاحنة المفخخة التى نفذه الباكستانى رمزى يوسف .

إكشفوا عن الفاعل الحقيقى لإحداث سبتمبر . فهو نفسه الفاعل الحقيقى لأحداث يناير .

 

 

منهاتن أم الكابيتول ؟؟ .. طائرة واحدة وهدفان .

غزوة “منهاتن” عندما عُرِضَت على أسامه بن لادن عام1996  كان إستهداف مبنى الكونجرس فى “الكابيتول” أحد الخيارات .

فى جلسة سَمَر ضَمَّت عددا من سكان قرية “عرب خيل” فى ضاحية نجم العلوم فى جلال آباد ، عَرَض بن لادن على عدد من شباب القرية نبأ إقتراح وصل إليه بإستخدام طائرة ركاب فى ضرب برج التجارة العالمى أو مبنى الكونجرس فى الكابيتول. وأن من قدموا المشروع قالوا أن كلا الهدفين ممكن فنياً ، وأن الأفراد المؤهلين جاهزين ، ومن اليسير إستكمال مالديهم من نقص فى التدريب .

قال بن لادن أن الفكرة جاءت من الإخوة فى ألمانيا إلى جماعة رمزى يوسف فى باكستان . ورمزى هو صاحب المحاولة الشهيرة لنسف مبنى التجارة العالمى والتى أحدثت أضرارا بسيطة فى المبنى وعددا من الإصابات .

كان بن لادن يطرح خاطراً مدهشاً وليس مشروعاً . فشارك عدد من الحاضرين بخواطر مماثلة فقال أحدهم إذا كان لديك طائرة واحدة وأمامك هدفان أحدهما يمثل رمزاً وشعاراً مثل الكونجرس والآخر يمثل قدرة إقتصاديا عالمية ، مثل برج التجارة العالمى ، فإن الخيار المنطقى سيكون للهدف الثانى وليس الأول .

شرح بن لادن أن ذلك البرج لن يصمد أمام إصطدام طائرة ركاب وأنه سوف ينهار. وذلك بناء على خبرته فى مجال المقاولات . ثم توقف الحديث نهائيا عن الموضوع ، على الأقل علناً ـ إلى أن فاجأ الجميع فى 11سبتمبر 2001 بغزوة منهاتن “المباركة” ، بالشكل الذى تمت به.

 – إسرائيل مع اليمين الأمريكى المتطرف (المحافظين الجدد) هم من خطط وتابع تنفيذ غزوة منهاتن . ولسبب مجهول تأجل القضاء على مبنى الكونجرس إلى أن أتيحت لهم فرصة الإستيلاء عليه ، معتزمين قتل عدد من النواب فى السادس من يناير2021 لمنع تأييد إنتخاب بايدن كرئيس جديد، بديلا عن ترامب الذى ظل يصرخ متهماً أعدائه بالتزوير والإستيلاء على السلطة.

يلاحظ تكامل المهام بين عملية تفجير مبنى التجارة بالطائرات ، ثم بعد عقدين من الزمان الهجوم على مبنى الكونجرس بقطعان البلطجية ـ المدعومين سراً بأجهزة “سيادية “.

تقول قاعدة البحث الجنائى (إبحث عن المستفيد) فمن هى الجهة التى إستفادت من حادث 11 سبتمبر؟؟ . لم تستفد “القاعدة” التى شتت الأمريكيون شملها وقتلوا قائدها ورموا بجثته فى بحر العرب(!!).

ولم تستفد أفغانستان وقد أسقطوا إمارتها الإسلامية وقتلوا عدة مئات الألوف من أهلها ، وملأوا أرضها خرابا بالمواد المشعة والجرثومية وفرق الموت والمرتزقة .

–  قانون باتريوت (الوطنى) هو شعار المنتصرين فى غزوة سبتمبر، الذين إنقَضّوا على جزء كبير من هامش الحرية الذى كان متاحاً للمواطن الأمريكى . فأصبحت الدولة تتبنى الفاشية قانونيا، تحت ستار حماية المواطن بقانون”الوطنى”، الذى لا يمت للوطنية بشئ .

 

 

فى حكم أمريكا : تسقط الوطنية .. وتحيا العولمة.

عندما وصل إلى الحكم رئيس”وطنى” شعبوى ـ هو ترامب ـ رافعا شعار أمريكا أولا، على حساب العولمة التى تفرضها البنوك وشركاتها العظمى العابرة للقارات. سلَّطوا عليه جهنم الإعلام، فتضاعف جنونه الفطرى ، إلى أن رفسوه خارج الحكم . وقد يصبح ممنوعاً من العودة للرئاسة لينتهى بذلك مستقبله السياسى . وهناك إحتمال قوى بأن صراخه المبكر بوجود مؤامرة لإخراجه من الحكم بواسطة إنتخابات مزورة كان صحيحا . ولكن لم يصدقه أحد بسبب صورته كمجنون وطائش ونرجسى وكذاب ، إلى آخر قائمة طويلة جدا من الإتهامات ، وكأن ترامب جاء إلى الحكم عبر إنتخابات لم يصوت فيها غير مرضى مصحات الأمراض العقلية.

    الصراع الحقيقى كان بين (وطنية ترامب) و(عولمه البنوك) . بوصول بايدن إنتصرت عولمة البنوك . وإكتشف ترامب وأعوانه كم كانوا مغفلين عندما صَدَّقوا أن فاشية قانون باتريوت تعنى الوطنية . بل هى كالعادة تسمية معكوسة للواقع . تحت راية ذلك القانون رحب الشعب بالفاشية نتيجة التخويف بالخطر الإسلامى . وهو الخطر الذى يجمع الأمة الأمريكية، كما يجمع الأمم الأوربية ، والأنظمة العربية على حد سواء .

من أجل إصدار قانون الوطنى كان لابد من 11سبتمبر . ذلك القانون مضى قُدُماً بسيطرة القوى البنكية على الولايات المتحدة وتحويلها من دولة إلى تحالف شركات عظمى ، فتديرها البنوك اليهودية العملاقة . وزحفت الشركات لتدير صميم سيادة الدولة ، وتقوم بأدوار كبيرة فى الجيش والمخابرات والأمن”الوطنى”. ولا نتكلم عن السياسة الخارجية التى تعتبر وزارتها تابعة لإسرائيل مباشرة . حتى البيت الأبيض زحفت الشركات لتدير قطاعات من أعماله الإدارية.

هذا مجرد نموذج لإنجازات البنوك اليهودية والشركات العظمى نتيجة لغزوة 11 سبتمبر . أما إنجازاتها فى غزوة الكابيول حيث الكونجرس ، فمداها أبعد ، وأعماقها تظهر تدريجيا مع الوقت.  ولكن دلائلها تشير إلى توجهاتها .

فإحتلال العاصمة والكونجرس ، وإحتكار مراسم تنصيب الرئيس بواسطة الأمن والحرس الوطنى وحماية الجيش ، يشير إلى مركز القوة الحقيقى فى نظام ما بعد غزوة الكونجرس، فى تأكيد لسيطرة الأجهزة المسلحة وإستبعاد الشعب أو نوابه فى البرلمان من المشاركة حتى ولو فى مجرد مظاهرة إفتتاح (النظام الأمريكى الجديد).

     ومن الآن فصاعدا من العبث البحث عن توجهات الولايات المتحدة فيما يثرثر به بايدن وطاقمه العجائبى الحاكم . فمصالح البنوك اليهودية وشركاتها العظمى هى البوصلة الحقيقية لدولة (الشركات والبنوك المتحدة الأمريكية) ـ المعروفة مجازا (بالولايات المتحدة الأمريكية) .

 

 

القزم “بايدن” .. بين أيدى العمالقة :

ترامب ، وبايدن رئيسيان مفصليان فى تاريخ الولايات المتحدة . الأول ، ترامب، راح ضحية خطأ فهمه لتوجه الدولة بعد 11 سبتمبر، وقانون الوطنى الذى ظن أنه قانون للوطن المتعصب ، وليس للبنوك اليهودية وشركاتها العظمى تحديدا… وفقط .

ـ والثانى “بايدن” وهو أول رئيس تأتى به ـ وبشكل مباشر ـ البنوك اليهودية التى أصبحت تدير الدولة والأجهزة السيادية ـ وظهر بايدن قزماً أمام آله القمع المسلح الجبارة التى جاءت به إلى الحكم ونصَّبته رئيسا منفرداً مستفرداً به. ونظرة واحدة على فيلم يوم التنصيب يوضح مدى ضئالة بايدن ، وخطورة مأزق (حكم العسكر) الذى وقع فيه الشعب الأمريكى”العظيم” .

أحد النتائج هى أن الكثير من الشخصيات التى إستلمت الحكم مع بايدن هم من اليهود، فهى الإدارة الأكثر يهودية فى تاريخ أمريكا، إضافة إلى نماذج أخلاقية ساقطة من “العابرين!!” جنسيا والمثليين . وعلى الفور فتح الجيش أبوابه ليدعم صفوفه بتلك الفصائل ذات الفضائل.

– المهاجرون فى أمريكا من أصول أخرى (من غير الأنجلوساكسون) شعروا بخطر العنف الذى يتجهز له “الوطنيون” بالمئات من الميليشيات المسلحة الجاهزة للقتال . وجد ذلك التيار “الآخر” مأوى سياسى فى الحزب الديموقراطى ومبادئه الليبرالية التى تقبلتهم كمواطنين بكافة حقوق المواطنة. وتبنى الحزب إقتصاديا إتجاه العولمة وسيادة البنوك. أما التيار الوطنى فمضى بعيدا فى تطرفه حتى لأبعد من الحزب الجمهورى الذى يعتنق نفس الرؤية . الحزب الجمهورى وجد فى جنون ترامب وتطرفه مرآة صادقة عن حالة الأغلبية فى المجتمع، فإضطر الحزب إلى قبول ترامب فى صفوفه ، ودخل به إنتخات الرئاسة التى فاز فيها ترامب بإسم الجمهوريين .

 

إنقسم المجتمع الأمريكى طوليا إلى قسمين متضادين وربما شبه متساويين عدديا:

القسم الأول : وطنى متطرف يطالب بإغلاق أمريكا على الصفوة من الجنس (أبيض/أنجلوساكسون/ بروتستانت) أو إختصاراً “واسب”. ويرى فى أمريكا (وطنا مقدساً خاصاً لعرق بعينه وديانة خاصة)ـ مثلما ترى إسرائيل فى نفسها ـ  مع الإنكماش خارجيا فى حدود المستعمرات التى تُؤمِّن المواد الخام الإستراتيجية ، بدون ممارسة دور شرطى العالم ، وحروبه المتصلة وآثارها الجانبية المهلكة للمجتمع الأمريكى.

القسم الثانى : هم المهاجرون “الآخرون” ، الذين لا يرون فى أمريكا وطنا مقدساً خاصاً لعرق وديانة واحدة ، كما يراه الوطنيون، بل يرونها (فرصة العمر للمحظوظين ) للحصول على حياة أفضل مما هو متاح لهم فى أى مكان آخر.

وذلك هو جوهر الصراع الذى يضرب أمريكا فى العمق . صراع بين رؤيتين مختلفتين لنفس البلد . بين وطنيين يرونه (وطنا مقدسا خاصاً لعرق وديانة محددة)، ونظرة أخرى ليبرالية تراه مجرد (فرصة حياة أفضل للمحظوظين) . الفصيل الأول يريد أمريكا منغلقة على نفسها بشعار ترامب “أمريكا أولا” . والفصيل الثانى يراها إمبراطورية معولمة تجعل من العالم كرة قدم تلعب بها البنوك والشركات الكبرى ، طالما أن البنوك هى حليفهم الحالى داخليا والسند الحقيقى الذى يرجح الكفة فى أى صراع داخل الولايات المتحدة أو خارجها . وأن “الليبراليون” إكتسبوا مزايا، يمكنهم ـ بشئ من الحظ ـ الدفاع عنها ضد وحشية الوطنين وميليشياتهم المسلحة .

البنوك من جانبها ترى فى دهماء الكتلة الليبرالية المستضعفة ، سنداً لها وسلاحاً فى شارع الرعاع لمواجهة إنعزالية الوطنيين وكراهيتهم لليهود والعولمة.

 

 

عندما ينتهى التحالف بين المسيحيين واليهود :

 { من المفيد ملاحظة أن الإتحاد الدينى بين اليهود والمسيحية المتصهينة ينتهى مع هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء هيكل سليمان ، وهو أمر لا يمنعهم الآن عنه شئ عمليا. وقتها يرى اليهود أن العالم سيصبح مملكة جاهزة كى يحكمها من القدس ملك من نسل النبى داود . بينما ترى المسيحية المتهودة أن العالم وقتها يصبح مملكة جاهزة لحكم المسيح عليه السلام . أى أن الإتحاد الدينى بين الطائفتين اليهودية والمسيحية ينتهى مع بناء هيكل سليمان فى القدس . يعقب هذا الإنفصال ، وربما قبل تحقق إحدى النبوءتين ، مجازر إستئصال حتى تنهى أحدى الفئتين الفئة الأخرى . وذلك جانب هام جدا وغير معلن من جوانب الصراع العقائدى/ الذى يأخذ شكلا سياسيا مموها/ بين البنوك اليهودية والتيار الوطنى المتعصب دينيا وعرقيا فى الولايات المتحدة.

على صلة بنفس الموضوع يرى المسلمون أن إنقاذ العالم سيأتى على يد المهدى المنتظر.

أهل السنة يرون أنه سيولد بمشيئة الله فى الوقت المناسب ، وترى الشيعة أنه موجود بالفعل فى إنتظار أمر الله له بالظهور العلنى . لهذا يحظى الشيعة بدرجة عالية من العداء من جانب الطرفين المتصارعين على السلطة فى أمريكا، بإعتبار الشيعة خطر فوري وقريب جغرافيا من فلسطين. وذلك واضح فى الأحداث السياسية التى تعصف بالمسلمين السنة والشيعة معاً، وفى شتى بقاع الأرض .

والصراع الحالى على السلطة فى أمريكا بين الوطنيين المسيحيين المتطرفين وبين اليهود وكتلتهم الليبرالية وأجهزة الدولة المسلحة، هو الساحة الأساسية لحسم الصراع الدينى بين الطائفتين . ومن ينتصر فى الساحة الأمريكية يكون إنتصارة على إتساع العالم فى ذلك الصراع الدينى أسهل ، نظرا لعظم الوسائل التى تصبح بين يديه }.

 

الإرهاب الإسلامى المفقود :

نقطة الضعف الكبرى فى غزوة الكابيتول ضد الكونجرس كانت غياب “الإرهاب الإسلامى” فهو الذى يوحد الفئتين الكبيرتين المتناحرتين ضد عدو يرونه أشد خطراً على قيمهم المشتركة ويذهب بطريقتهم المثلى .

الطاقة الهائلة من الحقد والكراهية والعدوانية التى صاحبت الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، ومن وجهة نظر يهود البنوك ـ وإسرائيل ـ والمحافظين الجدد ـ وحتى معظم الملونين غير البرتستانت جميعهم كان يخدمهم وجود عنصر (الإرهاب الإسلامى) فى أحداث غزوة الكونجرس ، لتهدئة التوترات الداخلية وتجميعها ضد هدف خارجى يمثل عقبة مستقبلية كبرى أمام أى منهما عند توليه الحكم .

لعل إدارة ترامب إكتشفت مؤخراً سلبيات ممارستها العنف الشديد ضد تنظيم “القاعدة” بحيث لم يعد قادرا على شن هجمات عالمية ـ ولو تحت ملاحظة غربية .

فقد إغتالت إدارة أوباما زعيم القاعدة أسامة بن لادن لأهداف منها إفساح المجال أمام داعش لتقود العمل الجهادى “السنى!!”. ولكنها قضت عمليا على التنظيم الذى فقد القيادة والتمويل الذاتى وبدأ يتخبط ويذبل ، عاجزا عن الخروج من شرنقة العجز التى وقع فيها.

أما داعش فإنه تلقى ضربات قاصمة فى حروبه فى العراق والشام ، وبالذات بعد معركة الموصل بالعراق . وأيدلوجية التنظيم الوهابية إنحسرت بشدة فى بلاد العرب وخارجها ، فتضائل التجنيد إلى قريب من الصفر . وإعتمد التنظيم على مبدأ الإرتزاق وتجنيد المجرمين العاديين ـ وكان ليندثر، أو يخبو أكثر من القاعدة، لولا عمليات الإنعاش المالى من مشيخات النفط ، وإستخدامه كقوة إرتزاق “إنكشارية” فى صفوف الجيش التركى فى مسارح عملياته الخارجية.

     حاولت أمريكا إحداث صدمة كهربائية فى تنظيم القاعدة حتى يُظْهِر قوته المخفية. فأعلنت عن إغتيال أحد قياداته فى طهران . تبعتها بسلسلة تأليفات عن (تعاونه الإرهابى) مع إيران . ولكن لا حياة لمن تنادى ـ لقد مات التنظيم فلا يتحرك منه غير خيالات هنا وهناك . إلى أن يتداركه بومبيو بغرفة إنعاش مثل تلك التى وفرها لداعش.

– فى أمريكا وأوروبا ، العصابات المسلحة من كل صنف بدءاً بالمخدرات وصولا إلى الجريمة المنظمة أصبحت تقود أو تشارك فى السلطة الحاكمة. وهناك إحتياج شديد للتغطية على نشاطها وسيطرتها السياسية والمجتمعية بالترويج لأكذوبة “الإرهاب الإسلامى” . لهذا يستميتون من أجل إحياء أسطورة القاعدة وتقوية داعش التى تهاوت أيدلوجيا، ولم يعد يرفدها غير عصابات الإجرام العادى  من القتلة والنشالين.

إنحسار فكر داعش جعل التنظيم عاجزا عن تجنيد القوة البشرية التى تُغَطِّى تزايد الطلب على خدماته فى عدة ساحات ، فظهر عجزه فى المجالين الأوروبى والأمريكى . ولولا صحيفة “شارل إبدو” التى تستفز المسلمين حتى الموت، لوقعت فرنسا هى الأخرى فى ورطة غياب الإرهاب الإسلامى، لتظهر عندها السطوة الحقيقة (للإرهاب المحلي) كما ظهرت قوته فى أمريكا أو أشد.

– بومبيو يجهز نفسه كمرشح قادم للحزب الجمهورى لرئاسة الجمهورية . وقد وَثَّق علاقته مع “السيد” الإسرائيلى وقطيع أبقار الخليج . وداخليا هو جزء من التيار “الوطنى الإنعزالي” فى الولايات المتحدة .

لهذا كان بومبيو كوزير خارجية ـ ورئيس سابق للمخابرات ، أكثر عدوانية تجاه إيران بإغتيال رجلها الأقوى الجنرال سليمانى، وإغتيال عالمها النووى الأشهر فخرى زادة ، وترتيب عدة تفجيرات ضد أهداف هامة داخل إيران. أيضا فى محاولة لإستجلاب رد فعل “إرهابى” شيعى .

ثم إدعائه قتل أحد قيادات القاعدة فى إيران ، كتمهيد لإتهام إيران بدعم القاعدة ومشاركتها الإرهاب كما إتُهِمَت حركة طالبان من قبل . فى تلميح وتهديد بحرب ضد إيران أو على الأقل عدوان واسع عليها . فشلت سياسة بومبيو فى إيقاظ النشاط الخارجى للقاعدة ، وهى التى خسرت سوقها الجهادى فى بلاد العرب وأفريقيا لصالح منافسيها الدواعش .

غياب بن لادن ترك فراغاً هائلا تعانى منه الآن الإدارات الأمريكية ، جمهورية كانت أو ديموقراطية. فكلما قاموا بعمل ضد “الإرهاب الإسلامى” نتج عنه آثار جانبية لا تقل ضررا عن “المرض” الأصلي .

 

عالَم بايدن المدهش :

ما يعنى المسلمين هو خضوع إدارة الديموقراطين بقيادة بايدن لتوجهات البنوك اليهودية لغرض عولمة الكرة الأرضية . بحيث تضعف جميع الحكومات الوطنية، ويمحى أثر جميع الأيدلوجيات (ماعدا الصهيونية ) . وتُصادَر جميع ثروات الأرض لصالح البنوك الكبرى ، وتتفكك كيانات الدول الكبرى (خاصة روسيا والصين)، وترسيخ الإمبراطورية اليهودية الجديدة (الشرق الأوسط الجديد)، بحيث تُجَسِّد فى النهاية الإدارة السياسية الحاكمة للعالم، والتى تدير الدول كما تدير شركات الإنتاج ، وتدير إستخبارات وجيوش الدول كما تدير شركات المرتزقة.

 هذا يعنى إلغاء قضية فلسطين ـ وتهويد جزيرة العرب ـ وإستكمال إبادة شعب اليمن، والسيطرة المُحْكَمَة على المقدسات الإسلامية، وتغيير طبيعة أداء المناسك بتحويلها إلى نوع من السياحة الحديثة على النمط الغربى الذى يجعل الدعارة والمخدرات جزءاً من طبيعة العمل السياحى.

ثم إستمرار حرب أفغانستان بأشكال أخرى بحيث يكون الثابت هو السيطرة على تجارة الهيروين فى العالم . وضمان(حقوق) إسرائيل فى مياه الأنهار الإسلامية فى آسيا الوسطى (سيحون وجيحون) وأنهار الهلال الخصيب (دجلة والفرات).

كان التيار الوطنى المتعصب أشد إحتياجا “للإرهاب الإسلامى” على الساحة الأمريكية لجذب الأضواء بعيدا عن القوة المسلحة لذلك التيار والتى ظهر جزء ضئيل للغاية منها فى أحداث الكونجرس . فاضْطُرَّت دوائر الأمن الأمريكية منحه لقب “إرهاب محلي” لإخفاء صفاته الحقيقية فى التعصب العرقى والدينى .

وبقى الإسلام وحيدا فى محبسه مع صفة “الإرهاب الإسلامى” ، ولم يتكرم الأمريكيون عليه  بلقب مماثل لزميله الأمريكى فيطلقون عليه لقب (الإرهاب الأجنبى) مثلا.

 فالجريمة الحقيقة فى نظرهم ليست الإرهاب ، بل الإسلام نفسه كدين.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

من المسئول عن الهجوم على مبني الكونجرس الأمريكى ؟




فى ظلال تركيا : العمل الإسلامى العربى : ” إنكشارية ” .. و” طبل خانة “

قریبا .. فى ظلال تركيا : العمل الإسلامى العربى : " إنكشارية " .. و" طبل خانة "

فى ظلال تركيا :

العمل الإسلامى العربى : “إنكشارية” .. و”طبل خانة” .

اهم العناوين :

– أهم المشاريع اليهودية فى جزيرة العرب هى خطوط الطاقة ، مترافقة مع مشاريع السكة الحديد والطرق البرية السريعة، التى تربط حقول إستخراج الطاقة والمدن الرئيسية فى جزيرة العرب مع إسرائيل ، وتحديدا مع ميناء حيفا.

– الشركات التركية مرشحة لإمتلاك حصة الأغلبية فى ميناء حيفا الذى تريد الحكومة الإسرائيلية بيعه بمبلغ 590 مليون دولار.

– إسرائيل غول الطاقة العالمى : حقول الغاز .. وخطوط نقل الغاز .. حروب وحروب.

    [[ برنامج الشرق الأوسط الجديد، الذى وضعه شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل، وشرحه فى كتاب شهير، صار وكأنه [ كتاب مقدس ] تلتزم به الحكومات العربية والتيار الإسلامى ، بشقيه  “السلفى الجهادى” ، و(السياسى)، أى الإخوان المسلمين]] .

– أفغانستان : إحتلال إسرائيلى/ تركي مشترك –

 [[لم تعد فى أفغانستان قوة إحتلال عسكرى نشطة ويحسب حسابها سوى القوات التركية . فهى تقوم بمعظم المهام التى كانت منوطة بحلف الناتو ]].

– تركيا مع إسرائيل فى ولاية بدخشان، بمشاريع سطو مشتركة على مناجم الذهب والخامات النادرة ، ومشروع مائى قرب منابع نهر جيحون لسحب المياه إلى خارج أفغانستان مستقبلا .

– إسرائيل تضع إقليم بدخشان فى شبه حصار إستخبارى إقليمى .

–  تركيا تخطط لبقاء دائم فى أفغانستان/ بعد إنسحاب الناتو/ بمشاريع بنية تحتية ومشروعات إغاثية ، تغطى تواجد إستخباري مشترك مع الإسرائيليين حتى بعد عودة الإمارة الإسلامية إلى الحكم .

– لتأمين الدور التركى فى أفغانستان تجهز تركيا عناصرها الأخوانية فى كابول وإسطنبول .

– الأدوار السعودية والقطرية تدعم قادة إخوان كابول ، كما تدعمهم حاجة إسرائيل لدور الإخوان النابع من رؤية شيمون بيريز.

–  وحيدا مع الدب الروسى فى المصيدة : أذربيجان .. مصيدة التهور التركى .

– التدخل العسكرى يستدعى المزيد من التدخل ـ والنصرالأوَّلي يغرى بالإستمرار. وتحدث الإستفاقة فى منتصف الكارثة حين يصعب الإستمرار كما يصعب التراجع.

 

 

لم يكن  التطبيع العربى مع إسرائيل سوى إشهارا علنيا لعلاقة آثمة ، قديمة ومستمرة، قامت على خيانة الدين والوطن .

نعتمد ذلك التعريف إلى حين التوصل إلى تعريف آخر أكثر إيجازا .

موجة التطبيع الأخيرة كانت مرتبطة بإحتياجات إنتخابية لكل من ترامب فى أمريكا ونتنياهو فى إسرائيل . وهناك أيضا ضرورات عملية كانت فى الإنتظار.

بدأت الموجة الأولى بالإمارات والبحرين ، لأن الأوان قد آن لتطوير مشروع السيطرة اليهودية على جزيرة العرب/إقتصاديا وسياسيا وأمنيا وعسكريا/ وصولا إلى تغيير هويتها الدينية والثقافية والإجتماعية . وربط الكيانات السياسية فى جزيرة العرب بإسرائيل مباشرة مع إضعاف علاقاتها الثنائية، وإضافة المزيد من التفتيت لتلك الكيانات، وتغيير التركيبة السكانية لمعظمها بإضافة هجرات سكانية من خارج الجزيرة من غير المسلمين . واحتمال إعطاء “هدايا” من الأرض والثروة التجارية فى المنطقة لقوى كبيرة طمعاً فى كسب إسنادها للمشروع اليهودى فى الخليج والجزيرة ، ولإبعادها عن أى محور قد يعارض ذلك المشروع . وهناك ترشيحات للهند لتكون أحد تلك القوى الكبرى المؤيدة لجوهر المشروع اليهودى فى جزيرة العرب بشكل عام ، إضافة إلى تأييدها للمشروع الإسرائيلى فى أفغانستان .

والترشيح القائم للهند ممكن أن يُلْغَى حسب تطورات أفغانية .. وليست عربية .

 

 

إسرائيل .. غول الطاقة العالمى :

أهم المشاريع اليهودية فى جزيرة العرب هو مشروع خطوط الطاقة (غاز ونفط) مترافقا مع مشاريع السكة الحديد والطرق البرية السريعة، التى تربط حقول إستخراج الطاقة والمدن الرئيسية فى الخليج والجزيرة مع إسرائيل ، وتحديدا مع ميناء مدينة حيفا، التى فى طريقها لتكون العاصمة الإقتصادية والتجارية والثقافية، ونافذة لمشيخات الخليج على أوروبا ، وأهم موانئ التصدير والإستيراد لعرب النفط .

يترتب على ذلك تهميش كبير لدور مضيق هرمز كممر أساسى لتصدير النفط (40% من إحتياجات العالم) وأيضا ستقل كثيرا حركة السفن التجارية المارة فى الخليج الفارسى .

وبالتالى سيكون العالم أقل حساسية لأى إشتباكات عسكرية حول هرمز . فتنطلق يد إسرائيل وحلفائها الأمريكيين والعرب، فى تصعيد التوترات العسكرية مع إيران فوق مياه الخليج .

– تحويل حيفا إلى أهم مركز عالمى لتسويق الطاقة، هو عنصر مؤثر بشكل مباشر فى أمن مضيق هرمز ـ وإيران تحديداً. وتهديدا لا يستهان به لإقتصاد روسيا ومكانتها الجيوسياسية.

ساعتها قد تجد الصين نفسها مرغمة على التواجد المباشر فى المحيط الهندى ومياه الخليج دفاعا عن وارداتها من نفط إيران ، وإلا فإنها ستخضع للولايات المتحدة كمُوَرِّد أساسي لإحتياجاتها من النفط فتصبح فى القرن الحادى والعشرين تابعا للولايات المتحدة بسبب إحتياجها للطاقة ، كما كانت تابعة لبريطانيا فى القرن التاسع عشر لإحتياجها إلى الأفيون. بالمثل قد تجد روسيا من الضرورى أن تتواجد على مقربة من ميناء تشبهار فى إيران دفاعا عن مصالح تجارية كبرى مع الهند وشرق أسيا وأفريقيا.

 

 

حيفا عاصمة جزيرة العرب :

{{ الشركات التركية مرشحة لإمتلاك حصة الأغلبية فى ميناء حيفا الذى تريد الحكومة الإسرائيلية بيعه بمبلغ 590 مليون دولار .

وذكرت وكالة أنباء بلومبرج أن تكتلا صناعيا تركيا ـ يضم شركة أمريكية ـ سيقدم عطاءات لشراء “ميناء حيفا” أكبر ميناء بحرى فى إسرائيل ـ وذلك بعد أن ثارت مخاوف أمريكية بشأن النفوذ الصينى والتداعيات الأمنية التى ينطوى عليها بيع ذلك الميناء للصين .

إذن تركيا فى الطريق لقبض رشوة ضخمة لقاء ليونة فى موقفها إزاء تغول إسرائيل على غاز شرق المتوسط . والتماشى بسلاسة مع البرنامج الإسرائيلى الشامل .

كما تلوح إسرائيل ـ ليس فقط برشوة تركيا بإشراكها فى كنوزعائدات ميناء حيفا ـ بل تلوح أيضا بإمكانية رشوة الصين . ربما لتهدئتها إزاء الهجمة الإسرائيلية على الخليج الفارسى ، بتقليص أو منع مرور إمدادات الطاقة منه ، بما يهدد أمن الطاقة للصين التى تشترى 30% من صادرات إيران النفطية }} .

– من المتوقع ألا تصمد روسيا كثيرا أمام إغراءات الغاز الإسرائيلى لأوروبا، على حساب الغاز الروسى . سيصبح وقتها توجيه الغاز الروسى صوب الصين تصحيحا لخطأ الإستراتيجية الروسية فى التهالك على أسواق غرب أوروبا خاصة ألمانيا. فيكون توجيه الغاز الروسى إلى الصين دعما لكتلة إقتصادية وسياسية وعسكرية بين الدولتين لمواجهة ضغط أمريكى أوروبى لإضعاف الدولتين تمهيدا لتفكيكهما، كآخر العقبات التى تعوق سيطرة الغرب المطلقة على العالم.

     يضاعف من أهمية حيفا فى سوق الغاز الطبيعى حقيقة أن غاز قطر الواصل إليها يعتبر الأعظم حجماً فى العالم بعد الغاز الروسى . إضافة إلى أن إسرائيل إبتلعت حتى الآن معظم مكامن الغاز الطبيعى تحت مياه شرق المتوسط . فأخذت غاز مصر بالكامل تقريبا ، إضافة إلى جميع نفط وغاز سيناء . وتغتصب من نصيب قبرص واليونان لقاء حمايتهم ودعمهم سياسيا، وإستجلاب الدعم الأروبى والأمريكى لهما لمواجهة الغول التركى الذى يرعبهما . وتسعى إسرائيل إلى إبتلاع معظم غاز لبنان بعد ترسيم الحدود البحرية لصالحها ، وتحجيم حزب الله أو إزاحته نهائيا إن أمكن.

 

 

مزاحمة بين الحلفاء :

هناك مزاحمة بين إسرائيل وتركيا فى شرق المتوسط . ويقاتل أردوغان ببسالة من أجل مركز متميز ـ ولو قليلا ـ فى غنائم غاز المتوسط . فتوترت أجواء علاقاته مع اليونان وقبرص ـ ولكنه يتجنب الإحتكاك بإسرائيل نظراً لترابط المشروعين”الحضاريين” التركى والإسرائيلى ، على نطاق جغرافى واسع جداً فى الشرق الأوسط وفى الجوار الإسلامى التالى له، والعمق الإسلامى البعيد فى آسيا .

– روسيا هى المتضرر الأول من صعود إسرائيل إلى مرتبة المُصَدِّر الأول للغاز فى العالم ، فذلك يهدد سوق الغاز الروسى فى أوروبا وبالتالى يهدد إقتصاد روسيا ومكانتها الجيوسياسية .

ويضع روسيا تحت إمكانية الضغط الإسرائيلى، وحتى إملاءاتها السياسية والإستراتيجية. تركيا فى صراعها على غاز المتوسط يجعلها تهديدا متصاعدا لروسيا . خاصة وأن تركيا وسعت صراعها من أجل الغاز ضد روسيا ليمتد من سوريا حتى ليبيا .

روسيا بدورها شعرت بخطر التقلبات القادمة فى سوق الغاز، والصراع على السوق الأوروبى بينها وبين إسرائيل التى تزحف بقوة نحو صدارة سوق الطاقة عالميا . ثم صراع مع تركيا التى تسعى لأن تحجز لنفسها مكانا طموحا فى غاز شرق المتوسط .

 

 

حقول الغاز .. وخطوط نقل الغاز .. حروب وحروب:

خطوط نقل الغاز أيضا تمثل موضوعاً للصراع والحروب . ظهر ذلك جليا فى حرب سوريا التى إجتذبت أقطاب صراع الغاز: من إسرائيل إلى تركيا وقطر وروسيا. ثم إيران وحزب الله، وإن كان صراعهما فى سوريا يستهدف أساسا فتح طرق الإتصال البرية بين طهران ودمشق وبيروت. لكن حزب الله يجد نفسه معنيا بالدفاع عن حقوق لبنان فى حقول الغاز الموجودة فى المياه الإقليمية.

     من قَدَرْ سوريا ، وقوعها على الحافة الشمالية الشرقية لإمبراطورية “الشرق الأوسط اليهودى” الجديد . لتمثل بموقفها السياسى المعاند حاجزا جغرافيا بين إسرائيل وتركيا، أى عقبة أمام الإتصال البرى بين الإمبراطورية الإسرائيلية وأوروبا .

الموقع السورى يعترض أيضا مشروع “خط أنابيب السلام” الذى كان من المفترض أن ينقل مياه دجلة والفرات من خلف السدود التركية إلى إسرائيل ومنها الى السعودية والمشيخات .

النظام السورى لم يتمتع بالمرونة التى تمتعت بها أنظمة الشرق العربى إزاء متطلبات الإمبراطورية اليهودية الجديدة . فكان لابد من الحرب التى خاضها “المجاهدون” المحليون والدوليون تحت شعار{ إقامة دولة لأهل السنة والجماعة !! }. وكأن الوظيفة الدينية لأهل السنة والجماعة هى خدمة الأهداف الصهيونية، وإزالة أى عقبة تعترض قيام إمبراطورية يهودية عابرة للقارات مركزها العالم العربى .

    سوريا هى العقبة الأخيرة أمام مشاريع نقل المياه والطاقة والإتصال البرى مع أوروبا ، والمقررة فى البرنامج اليهودى للمنطقة . وفى المغرب العربى عقبة أخيرة متبقية، وهى الجزائر الثابتة على موقف معاند مشابه للموقف السورى. فإنتزعت أمريكا منها إقليم الصحراء ومنحته للمغرب فى خطوة لتفتيت مقاومة الصخرة الجزائرية ، ليصبح طريق المغرب العربى كله سالكاً من طنجة إلى تل أبيب ، بلا أى عوائق سياسية.

    بصمات الصراع على الغاز والنفط واضحة فى الحرب الليبية ، حيث أهم أقطابها، أى تركيا وروسيا وإسرائيل وأوروبا ، يَظهَرون إما مباشرة أو بواسطة أدواتهم : الإمارات وقطر والسعودية ومصر. إنهم ـ ما عدا مصر ـ نفس الأطراف المتصارعة فى الحرب السورية، مع تبديلات مدهشة فى المواقع الروسية والتركية . فروسيا فى ليبيا تقف فى صف من تحاربهم فى سوريا “مشيخات النفط” ، وضد “الحكومة الشرعية” فى بنغازى . أما تركيا فعلى عكس موقفها فى سوريا، نراها تقف فى صف الحكومة الشرعية فى بنغازى وفى مواجهة مشيخات النفط ، لأن البوصلة السياسية تتجه دوما صوب المصالح، وليس صوب الشرعية أو الأيدلوجية.

فى ليبيا تقف روسيا فى صف”الرجعية العربية”ضد تركيا . وفى سوريا تقف روسيا ضد تركيا المتحالفة مع”الرجعية العربية”. أما إسرائيل فمتواجدة فى ليبيا على كلا الجانبين . فهى تشعل جميع الحروب وتكون الفائز الوحيد فيها بعد أن يخسر أصحاب الحروب كل شئ .

 

 

مواجهة روسيا “وظيفة” تركية :

تركيا منذ إلتحاقها بالمعسكر الغربى بعد سقوط إمبراطوريتها، رأت أن قيمتها الجيوسياسية يحددها الغرب، بمواجهتها للإتحاد السوفيتى سابقا وروسيا الإتحادية حاليا .

فى صراع تركيا لحيازة نصيب جيد من غاز شرق المتوسط ، تجابه السطوة الإسرائيلية ولكن بشكل غير مباشر عبر الصراع مع حلفاء إسرائيل فى اليونان وقبرص ومصر و”ليبيا حفتر”.

 لأن التنافس التركى الإسرائيلى بخصوص غاز المتوسط يجرى تحت إشراف إدارة سياسية يقظة فى كل من تركيا وإسرائيل. فمهما يكن فلن تبلغ تركيا مكانة فى سوق الغاز تقترب من المكانة الإسرائيلية . ثم إن برنامج التعاون بين الدولتين واسع جدا ويشمل رؤية بعيدة المدى لدور كل منهما، وإن كان الصدام وارد على المدى البعيد . وقلق إسرائيل وأوروبا نابع من الدور المُتَلَوِّن للتركى المغامر. وأول الوسائل لتحجيمه هى إستبدال نظام العلمانية المتأسلمة الذى يمثله أردوغان ، بنظام عسكرى غبى وباطش على النمط المصرى أو السودانى أو”الشرق ليبى”.

على أى حال ظل التركى يلعب أوراقه بذكاء إلى جانب خشونته الإستعراضية ، متمتعا بدعم إسرائيلى كبير فى سوريا ، وبدعم من حلف الناتو فى ليبيا، لأنه يواجة روسيا هناك بالسلاح كما يفعل فى سوريا.

 

 

فى ظلال تركيا : العمل الإسلامى العربى “إنكشارية” و”طبل خانة” .

 الغاية الأولى لإستراتيجية الغرب إزاء تركيا هى إستخدامها كرأس رمح ضد روسيا. والهدف الثانى هو الإستفادة من دورها القائد لتيار إسلامى رئيسى فى العالم الإسلامى، ذو جوهر متصالح و قابل للتعايش مع المشروع الإسرائيلى فى المنطقتين العربية والإسلامية. ويغتصب ذلك التيار شعار”أهل السنة والجماعة” أثناء تطبيقه لبرنامج الشرق الأوسط الجديد، الذى وضعه شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل، وشرحه فى كتاب شهير صار وكأنه [كتاب مقدس] تلتزم به الحكومات العربية والتيار الإسلامى ، بشقيه : “السلفى الجهادى” ، و(السياسى)، أى الإخوان المسلمين .

إستضافت تركيا جموع الفريقين، الجهادى والإخوانى ، بعد فشلهم فى مصر ثم فى سوريا. فأصبحت يدها طليقة فى إستخدامهم كيفما شاءت. الجهاديون تحولوا إلى قوة إرتزاق تعمل ضمن الجيش التركى فى نظام أقرب إلى نظام قوات الإنكشارية الذى كان مُطَبَّقاً فى الجيش العثمانى. وهو نظام شبه مملوكى قائم على أطفال المستعمرات، وتربيتهم بصرامة، عسكرية ودينية . أما الإخوان المسلمون فقد طبقت تركيا عليهم نظاما كان معمولا به فى الجيش العثمانى والجيوش القديمة فى تشكيلات غير قتالية ملحقة بالجيش، تعمل فى القطاع المعنوى أثناء القتال أوالإحتفالات الرسمية وقت السلم . تلك هى فرق (الطّبْل خانة) والتى تستخدم آلات الموسيقى العسكرية من طبول وأبواق وأدوات نحاسية ، وتسير مع الجيوش لإثارة حماسها بممارسة الطبل والزمر بدون أن تنخرط فى القتال . وفى السلم تمشى فرق “الطبل خانة” بآلاتهم وملابسهم المزركشة يعزفون فى موكب السلطان، لجذب الناس وإكتساب إعجابهم  وهتافهم .

 

 

فى أفغانستان : إحتلال إسرائيلى تركى مشترك .

لا تَخْفَى غِيرَة أوروبا الغربية ودول حلف الناتو من تصاعد الدور الجيوسياسى لتركيا. فتركيا منفردة تكاد تكفى عن جميع حلف الناتو فى أهم مسارح الصراع ، خاصة فى المنطقة العربية والخليج . وفى أفغانستان تجلت مقدرة تركيا التى تقوم بمعظم مهام حلف الناتو ثم راحت مع إسرائيل تضعان قوانين جديدة للحرب بعد فرار الجيش الأمريكى وتهاوى نظرية الحرب الهجينة أو حرب الجيل الرابع . فكانت الشراكة وثيقة بينهما فى الميدان الأفغانى، فالجيش التركى الآن هو أكبر قوة إحتلال نظامية متبقية من حلف الناتو. بينما الأمريكان يراقبون الحرب من بعيد ـ حسب قول وزير خارجيتهم ـ ويشنون غارات جوية من وقت إلى آخر لدعم الجيش الأفغانى معنويا بقتل المزيد من المدنيين .

والبريطانيون (أقل من 5000 جندى) متفرغون لسرقة المواد خام وعلى رأسها اليورانيوم من ولاية هلمند . وأوروبا الشرقية بعثت حثالات قليلة من الجنود الذين كل نصيبهم من الجندية هو الملابس الأمريكية المعقدة .

 – تدير إسرائيل الجانب القتالى فى أفغانستان بواسطة (جيش سرى إستخبارى). وأهم جنودها هم المرتزقة الدوليون والطائرات بدون طيار (الدرون). وهناك فِرَق الموت التى شكلتها CIA من العناصر المحلية وتديرها عناصر أمريكية وخبراء إسرائيليين، جميعهم ذوى خبرة فى قتل المدنيين، وفى تقويض الثورات والإنتفاضات الشعبية، من فلسطين إلى أمريكا اللاتينية، مرورا بمآسى”الربيع” العربى.

– ويقاتل الأتراك فى أفغانستان بجنودهم مباشرة، بحرص وبدون الإعلان عن خسائرهم إلا نادراً . ويعتمدون أكثر على الدواعش المستجليين من الشرق اللأوسط ، خاصة ذوى الأصول التركية من الصين ودول آسيا الوسطى . فمناطق الجيش التركى فى أفغانستان هى مناطق للدواعش المستندين على الدعم التركى العسكرى واللوجستى.

وبينما تتمدد تركيا على الكثير من الساحة الأفغانية ، تركز إسرائيل على العاصمة والقواعد العسكرية الأساسية وعلى الشريط الشمالى من أفغانستان. وهو مشروع إنفصالى تتعاون فيه تركيا وإسرائيل .

– هذا إلى جانب إلى عملهما المشترك فى إقليم بدخشان المجاور للصين وطاجيكستان  والهند وباكستان. إقليم يثير المُخَيِّلَة الإسرائيلية نظرا لإمكاناته المعدنية والمائية والجيوستراتيجية. كونه يجاور إثنين من أكبر قوى آسيا البشرية والإقتصادية، وهما الصين والهند الجاران اللدودان ، كما يجاور باكستان عدو الهند التقليدى . ذلك الخليط المتفجر من العلاقات والكتل البشرية المتناقضة يثير المخيلة الإسرائيلية ويفتح أمامها مشاريع إفساد وتوسع إقتصادى وسياسى بلا حدود ، مع فرص أوسع لإثارة حروب كبرى عظيمة الربح فى منطقة مزدحمة بالتناقضات من كل صنف .

–  وجود إسرائيل فى بدخشان إلى جانب منابع نهر جيحون ، وغير بعيد عن شقيقه نهر سيحون ، ينعش المشروع خط “أنابيب السلام” القديم بين إسرائيل وتركيا لنقل مياه هذين النهرين إلى إسرائيل ، ومعهما مياه دجلة والفرات المختزنة خلف السدود التركية . وهو مشروع قديم وطموح بات معقولاً وممكناً. ومع أنابيب السلام للمياه هناك أنبوب “سلام” آخر لنفط وغاز جمهوريات آسيا الوسطى ، وربما كنوز أفغانستان من النفط والغاز المطمورة عمدا لأسباب جيوسياسية تتعلق بتحجيم دورأفغانستان والتقليل من شأنها.

– وهناك فى بدخشان سد مائى بنته تركيا بتمويل ألمانى ـ هبة مالية غير قابلة للرد ـ ويعتقد أن لهذا السد علاقة بمشروعات إسرائيل لسرقة مياه نهر جيحون ، خاصة وأن هناك مشروع زراعى مرتبط به وتُرَتِّب له تركيا مع جهات نافذة فى حكومة كابل . ويُعْتَقَد أن هذا “المشروع الزراعى” مجرد غطاء أو تمهيد لسحب مياه جيحون إلى خارج أفغانستان فى مرحلة تالية بواسطة خط أنابيب قد يتجه جنوبا (إلى باكستان) أو شمالا (صوب أذربيجان) حسب تطورات الحروب الدائرة فى المنطقة، خاصة حروب أفغانستان وأذربيجان وأرمينيا.

– هناك مشاريع تركية عرقلتها الحرب لنهب الذهب من ولاية بدخشان بالإشتراك مع شخصيات نافذة فى حكومة كابل . وهو ثانى أكبر مخزون للذهب فى أفغانستان. وأيضاً مشاريع لنهب مناجم الخامات الأكثر ندرة فى العالم . ونظرا لتواجد تركيا وإسرائيل فى بدخشان فمن الطبيعى أن يكون الطرفان متداخلان فى عملية السطو الكبرى للذهب والمعادن النادرة هناك.

– ولإسرائيل قواعد إستخبارية تحيط بدخشان من جانب الحدود الباكستانية ، وربما من جانب حدود طاجيكستان المجاورة . فلا ينقصها حتى يكتمل ذلك الطوق إلا أن تتواجد أيضا على الجانب الهندى المجاور ذو الطبيعة الثلجية القاسية ، والجانب الصينى ذو الطبيعة السياسية الأشد صعوبة. إنها إحتمالات عسيرة التحقيق ، ولكن لأجل الكنوز الأفغانية فإن إسرائيل قد تعمل حتى على إشعال حرب نووية.

– تركيا تخطط لبقاء دائم فى أفغانستان بعد إنسحاب حلف الناتو. وذلك بدخول شركاتها من الآن فى مشروعات البنية التحتية . ثم عبر هيئاتها الإستخبارية ذات الغطاء الإغاثى فى شبكة واسعة من المشروعات الصغيرة التى تتيح لها تمددا جغرافيا واسعا وتمازجا أكبر مع السكان. وتتقاسم تلك المزايا مع المخابرات الإسرائيلية، لضمان إستمرارية عملهما المشترك على أوسع نطاق جغرافى داخل افغانستان بعد تحريرها وعودة إمارتها الإسلامية إلى الحكم .

– ورغم أن ثقل المشاريع الإسرائيلية والتركية يتركز فى الشمال والشمال الشرقى من أفغانستان ، ويعتمدان على فكرة إنفصال ذلك الإقليم ، إلا أنهما يعملان لإيجاد نظام فى كابول يكون متعاونا ولا يعرقل مشاريعهما، ثم يرتبط معهما ، طبقا لخطة إسرائيلة طموحة ، لوراثة الدورالأمريكى العملاق والفوز بدور مهيمن على أفيون أفغانستان، وتصنيع وتصدير الهيروين دوليا.

وهو مشروع تَقَدَّم بالفعل عدة خطوات من غير ثقة كاملة فى مستقبله. وللإمارات فيه دور متواضع ، وإن كان مجهودها يصب فى النهاية فى المستودع الإسرائيلى بعد أن وضعت إسرائيل يدها على إقتصاد الإمارات ونظامها البنكى والمصرفى ، وبالتالى سيطرت على صناعة غسيل الأموال التى هى العماد الأساسى لإزدهار الإمارات ما قبل “التطبيع” .

 – ولتأمين دورها الدائم فى أفغانستان تعمل تركيا على حشر بقايا الإخوان المسلمين الأفغان فى أى نظام أفغانى قائم الآن أو قادم فى المستقبل . وهى تجهز عناصرها الإخوانية بكل نشاط، من كابل إلى إسطنبول.

ولعل السعودية أدركت مدى خسارتها بتفريطها فى ورقة الإخوان الذين إلتقطتهم تركيا . وتحاول أن تعيد الحياة لوجودها المتقزم فى أفغانستان ، بتنشيط علاقتها مع القادة الإخوان فى كابل الذين كانوا طوع أمرها فى حقبة الحرب ضد السوفييت، بل وشكلت لأجلهم حكومة دخلوا بها كابل بعد “الفتح”. ودور قطر المُتَعَمْلِق فى أفغانستان يصب فى مصلحة الإخوان. وأيضا المصالحة السعودية القطرية ستزيد من مكاسب إخوان أفغانستان ، ويضاف إليهم ، بل وقبلهم جميعا، حاجة إسرائيل إلى ذلك الدور الإخوانى النابع من رؤية شيمون بيريز.

 

 

تحالف قائم على الخيانة :

ويبدو أن الشريكين اليهودى والتركى سيقتل أحدهما الآخر عند مرحلة معينة من تطور المؤامرة الكبرى . وقَتْلْ الشريك التركى يتمثل أساسا فى إستبدال “العلمانية المتأسلمة” لأردوغان بأخرى فاشية عسكرية على الطراز التركى الإنقلابى .

وهو إنقلاب يتشكل الآن بشكل طبيعى وثابت، من باطن التوسع العسكرى التركى الذى يغلب عليه الغرور الإستعراضى لأردوغان ، وإفراطه فى إستخدام الجيش خارج الحدود التركية فى مجازفات غير محسوبة بدقة رغم ما بها من إغراء وطموح . ذلك الإستخدام المستهتر للجيش جعل الجيش فى حالة عداء مكتوم مع القيادة السياسية التى يسانها جهاز المخابرات . وهى صورة تركية مستنسخة من أصل الأزمة فى أمريكا بين الجيش والمخابرات، والتى تجلت بشكل مأساوى فى أفغانستان وكانت من أسباب الكارثة الأمريكية هناك.

–  فى سوريا إكتسب التركى أراضى جديدة فى الشمال. ومن بقايا”مجاهديها” أسس ميليشيا رديفة لجيشه ، أو”إنكشارية”حديثة ، يستخدمها فى ميادين عديدة.

وفى ليبيا فرض نفسه بقوة فى الميدان الليبى لتقاسم غنائم الطاقة فى البر والبحر.

 فى أفغانستان يرتع التركى حاليا فى مكاسب ضخمة إضافية فى ظل المشروع الإسرائيلى الذى ورث معظم الدور الأمريكى ـ أو يكاد . فالطائرات العسكرية الأمريكية التى كانت تُقلِع بالهيروين من قاعدة بجرام الجوية إلى أرجاء العالم الواسعة . تطير محلها الآن ، أو بالتوازى معها ، طائرات تركية (إسرائيلية) من مطار كابول ومزار شريف وغيرهما (وهى مطارات تديرها الإمارات) فى الطريق إلى تركيا (وإسرائيل).

 –  تراهن تركيا العلمانية على خداع الأفغان بوجهها الإسلامى المستعار . ولكن دورها كأكبر قوة عسكرية محتلة لأفغانستان على وشك الإفتضاح ، فتتبدل قواعد اللعبة. وشِباك التمويه التركى بمشروعات “إنسانية” لن تجدى، لأن الشعب الأفغانى تَعَلَّم بما يكفى ، وعرف أنه لا إنسانية مع الإحتلال. وكل قوات دخلت أفغانستان تحت راية الحرب الصليبية التى أعلنها جورج بوش هى قوات صليبية ، مهما أدعت أن لها ديانة أخرى، أو إدعت الإسلام كما تدعيه حكومة كابل .

 

 

الإحتلال التركى فى أفغانستان :

المكانة المميزة لتركيا داخل حلف الناتو يجعل موقفها هام جدا لإنهاء حرب أفغانستان . نتيجة للتطورات داخل أفغانستان ــ بإنتصار واضح للإمارة الإسلامية ومجاهديها من حركة طالبان ــ وتطورات أخرى داخل حلف الناتو الذى صار أكثر ضعفاً وتفككا من أى وقت مضى ، لدرجة أن قال الرئيس الفرنسى أن الحلف “ميت سريريا” . ذلك الميت يجد نفسه وحيدا فى أفغانستان بعد فرار القوات الأمريكية التى أشعلت الحرب واستدعته إليها بدون إستشارة أو مصلحة لدول الحلف . وتقول مصادر الناتو أن الحلف سوف يقرر فى شهر فبراير2021 ما إذا كان سيستمر فى مهمته فى أفغانستان (فى تقديم المشورة والمساعدة!!) أم سينسحب من هناك. ويعتبر ذلك تراجعاً كبيرا عن تصريحات سابقة للحلف بأنه ينوى البقاء فى البلاد إلى أن تسمح الظروف الميدانية للقوات الأمنية المحلية بالحفاظ على الإستقرار، بمعنى أن الحلف سيبقى إلى حين القضاء على جهاد شعب أفغانستان وإستقرار النظام العميل فيها بشكل نهائى .

من الواضح أن دول الناتو تنوى الرحيل ، بل أن نشاطها العسكرى حاليا متدنى للغاية ولا قيمة له . ولم تعد هناك قوة إحتلال عسكرى نشطة ويحسب حسابها سوى القوات التركية . فهى تقوم بمعظم المهام التى كانت منوطة بحلف الناتو فى أفغانستان ، من تدريب ومشورة عسكرية ومساعدة قتالية بالقوات التركية أو بقوات”إنكشارية” حرب سوريا من جهاديين ودواعش.

 يكفى عقدين من الزمان شارك فيها الجيش التركى فى مناصرة أمريكا وحلف الناتو فى حربهم على شعب أفغانستان وعلى الإسلام فى هذا البلد بقوة مقدارها عشرة آلاف جندى تركى.

–  فإذا قررت تركيا سحب جيشها الآن فذلك يقدم خدمة جليلة للشعبين الأفغانى والتركى ، ويحفظ جسور المودة فى المستقبل، بعد أن يعتذر النظام التركى ويقدم التعويضات المناسبة عما أحدثه من تخريب. ولإثبات حسن النية ينبغى أن تكشف تركيا عن أسرار مشروعها المشترك مع إسرائيل لتقسيم أفغانستان، وأن تتخلى عن القادة الإنفصاليين الأفغان المقيمين فى تركيا.

وأن تقطع علاقاتها بجواسيس الناتو وإسرائيل من بقايا أحزاب الإخوان المسلمين الأفغان والذين يتخذون من تركيا قاعدة لوجستية لعملهم فى أفغانستان ، وأن توقف فورا برامج التدريب العسكرى والإستخبارى لعملاء الإحتلال (من الرجال والنساء) فى كل من تركيا وأفغانستان .

 

 

آذربيجان .. مصيدة التهور التركى :

فى آذربيجان يتحد المشروعان الإسرائيلى والتركى . فكلاهما يحتاج إلى ممر يصل تركيا مع آذربيجان وتركمانستان وصولا إلى شمال أفغانسان وشمالها الشرقى عند حدود الصين والهند وباكستان وطاجيكستان .

آذربجان قاعدة كبرى للمخابرات الإسرائيلية . وأكثر من60% من أسلحة تلك الدولة مصدرها إسرائيل . وهى قاعدة عسكرية إستخبارية لإسرائيل تستخدمها بنشاط ضد إيران وروسيا.

ومجموعة خطوط الأنابيب التى يجتمع عليها المشروعان الإسرائيلى والتركى وهى: (نفط + غاز+ ماء )، تعترضها عقبتان : الأولى ضرورة إقتطاع آذربيجان لقطعة من أرض أرمنيا للعبور منها إلى تركيا بدون المرور بدولة ثالثة . وفى ذلك تغيير للخرائط يصعب حدوثة فى بلد تحيط به قوى مناوئة لمشاريع التقسيم والتجزئة والحروب الإثنية والدينية والمذهبية .

والمشكلة الثانية هى تمديد مجموعة الأنابيب عبر بحر قزوين المُغْلَق ، الذى تتشارك فيه خمس دول ، ولا يسمح القانون الدولى بعبور تلك الأنابيب منه ، بدون إجماع الدول المطلة عليه ـ ومنها روسيا وإيران ـ بما يجعل الإتفاق مستحيلا .

 

 

وحيدا مع الدب الروسى .. فى المصيدة .

روسيا تعتبر نفسها حامية لأراضى أرمنيا فى مواجهة عسكر تركيا المنتشون بقوتهم .

لهذا إذا أفلت منها الوضع فى أرمينيا وإستطاعت تركيا قضم تلك القطعة من الأرض الأرمينية الواصلة بين آذربيجان وتركيا ، فإن البلطجة والنفوذ الأمريكى الدولى كفيلان بتطويع قانون بحر قزوين بحيث تمر منه كافة أنواع الأنابيب التى تطلبها إسرائيل، سواء أنابيب مياه أو طاقة.. أو مخدرات .

تستغرق تركيا فى أحلام إمبراطورية تتجاوز قدراتها، وتتجاوز معطيات الواقع الذى تتحرك فيه عسكريا بنزق يحاكى تفاهة مسلسلاتها الشعبية التاريخية.

فنشرت قواتها فى ساحات بعيدة عن قواعدها، فوق ما تتحمله قدرة هذه القوات. وفتحت جبهات بطريقة مسرحية . وإغلاق تلك الجبهات سيكون مأساويا، والخروج منها لن يكون بسهولة الدخول . وتلك قاعدة فى جميع تلك الميادين ، من ليبيا إلى سوريا إلى أفغانستان وآذربيجان.

– إستفاد الأتراك من بعض دروس الحرب الأمريكية فى أفغانستان خلال 20سنة الأخيرة. ومن أبرزها الإعتماد على المرتزقة، متمثلين فى قوات الإنكشارية من الدواعش والجهاديين من سوريا، ومن الإخوان المسلمين فى طورهم النهائى كطلائع”طبل خانة” إسلامية للمشروع الصهيونى فى الشرق الأوسط الكبير، فيستبدلون الجهاد لتحرير فلسطين بإثارة الفتن والحروب المذهبية والعرقية بين المسلمين أنفسهم .

تعَجَل أردوغان كثيرا بإعلان الإنتصار وإنجاز مهماته العسكرية، كما فعل جورج بوش بالإعلان عن إنجاز مهمة إحتلال العراق من فوق ظهر حاملة طائرات. واكتشف بوش ـ ومن تلاه، أنهم دخلوا مصائد يصعب الخروج منها . سواء فى أفغانستان أوالعراق أوسوريا واليمن وليبيا.

إكتسب أردوغان ثقة زائدة كونه وكيل (أوشريك) عن الإمبراطورية اليهودية الجديدة فى العالم العربى . فتَوَلَّى دور حصان طروادة وأدخل إسرائيل ميادين يصعب أن تقاتل فيها منفردة بدون تركيا، خاصة فى أفغانستان وسوريا وآذربيجان.

    فى آذربيجان هنأ أردوغان نفسه بإنجاز المهمة على طريقة جورج بوش . وهنأ المسلمين بالفتح المبين، متوسلا بتحرير مسجد صغير مهجور فى إقليم”قرة باغ” . لم يكن هو المسجد الحرام  أو المسجد النبوى ولا المسجد الأقصى ـ بل مسجدا كان مهجوراً وممتهنا .{ وأى مساجدنا غير ممتهن بعد ضياع المساجد الثلاث التى يُشَد إليها الرحال؟؟ ، والتى شُيِّدَت مراتع الفجور على مرمى حجر منها، وزاحمتها مرافق الدعارة التى تديرها إسرائيل والسعودية؟؟ }.

–  هنأ بوش نفسه بإنتصاره السريع والسهل فى أفغانستان، الذى قدمه له على طبق من ذهب تحالف الشمال الأفغانى الذى كان الإخوان المسلمون حلفاء تركيا ضمن قادته الكبار، والذين تُنَسِّق معهم حاليا مشاريعها داخل أفغانستان .

 أحدهم “حكمتيار”، يديرالآن”دواعش شمشتو” لصالح الإحتلال ، والآخرـ كبيرهم “سياف”ـ يفتى ضد الجهاد والمجاهدين لصالح الإحتلال ويقدم نصائحة ومشوراته للمحتلين .

– فى آذربيجان  إكتشف أردوغان أن جيشه مهدد بالوقوع فى مصيدة حرب عصابات لن تلبث طويلا حتى تصبح محرقة لم يشهد مثلها الأتراك قبلا. وجميع شروطها فى مصلحة عدوهم الذى تساعده الطبوغرافيا المحلية ، والجغرافيا السياسية للمنطقة، مع الثقة المتدنية التى يحظى بها أردوغان شخصيا .

    إلهام علييف .. الرئيس الآذرى، أدرك المصيبة القادمة بعد أن بدت علاماتها المبكرة. فأسرع إلى إيران ليزيل أى سوء تفاهم ويوطد العلاقات التى إهتزت نتيجة عنتريات أردوغان وتلويحة بواسطة أبيات شعرية قديمة بتقسيم إيران وفصل الجزء الآذرى من أراضيها.

ليست إيران مصدر الخطر، فهى التى تصرخ خشية من الإنكشارية التكفيرية التى جلبها أردوغان ضمن عساكر جيشه العلمانى .

نيابة عن تركيا يهدئ الرئيس علييف من روع إيران ـ وذلك ممكن ـ ولكن كيف يهدئ مخاوف الجار الروسى الذى تشتبك تركيا معه فى سوريا وليبيا ، ثم الآن آذربيجان، فى معركة غاز تمس أمن وإستقرار روسيا . تلعب روسيا الآن دور الوسيط فى قرة باغ ، وتحمى حدود أرمينا من أى تعديل بالقوة قد تفرضه القوات التركية . ولكن هل يبقى الدور الروسى محايدا إذا إندلعت حرب عصابات أرمينية ضد التواجد التركى؟؟.

قد يقع أردوغان ضحية سهلة فى براثن الدب الروسى داخل منطقة نفوذه التاريخى . وقتها لن يحمى أردوغان كونه  مجرد حصان طروادة لإسرائيل، وسيجد نفسه منفردا وبعيدا عن قواعده داخل قفص قوقازى محكم ، ومعه صديقه التاريخى ـ الدب الروسى!!.

قد تتحول قرة باغ إلى محرقة حرب عصابات تجبر الجيش التركى على الخروج المُذِل ، أو أن يخرج منها فى إطار صفقة سياسية تتراجع فيها تركيا من ميادين إشتباك أخرى مع روسيا مثل سوريا أو ليبيا.

فى كلتا الحالتين لن يغفر الجيش التركى لأردوغان تلك الحماقة الإستراتيجية. وخطأ أردوغان فى قره باغ قد يدفع ثمنه على يد الجيش التركى نفسه فى إسطنبول . ولن ينفعه وقتها فريق الإنكشارية الذى قد يعمل ضده مباشرة مع الجيش النظامى المنقلب عليه ، كما إنقلبت الإنكشارية على سلاطين آل عثمان من قبل.

التدخل العسكرى يستدعى المزيد من التدخل ـ والنصرالأوَّلي يغرى بالإستمرار ـ وتحدث الإستفاقة فى منتصف الكارثة حين يصعب الإستمرار كما يصعب التراجع.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

فى ظلال تركيا : العمل الإسلامى العربى : " إنكشارية " .. و" طبل خانة " .




من ترامب إلى بايدن : إنتصار زائف وتراجع حقيقي

من ترامب إلى بايدن : إنتصار زائف وتراجع حقيقي

من ترامب إلى بايدن
إنتصار زائف وتراجع حقيقي

 

ترامب يصور نفسه على أنه بطل وضحية مؤامرة أبعدته عن دفة قيادة أمريكا والعالم .

فى الواقع هو من أسس ـ بغباء ـ لمرحلة الإندحار فى أهم حروب البنوك الصهيونية وإسرائيل . فشل أمام إيران التى لم تستسلم لضغوطه القصوى ، بل تأقلمت ـ إلى حد كبير ـ مع الحرب الإقتصادية ، وحروب الكورونا المبرمجة جينيا ـ وصمدت أمام الحرب النفسية والتهويلات العسكرية القادمة من الضفة الغربية للخليج (العبرى الذى كان عربيا) ـ وأمام ضربات ضد أمنها الداخلى طالت العاصمة كما طالت أطراف البلاد.

بايدن قادم ليحصد الفشل الذى جهزه ترامب بسياساته الفاشلة ضد إيران ، وفى حرب لا تنتهى فى أفغانستان خسرتها أمريكا وإسرائيل بجدارة . فحولوها إلى حرب من نوع جديد ، تتضح أهدافها فى كلمة منسوبة إلى بايدن قال فيها (إن أفغانستان لن يتم توحيدها أو بناءها أبدا ). وهذا يعبر عن نقمة شخص مهزوم، خسر جولة كبرى فى حرب لن تسير أبدا لصالحه .

خسر ترامب كثيراً فى أفغانستان، وجيشه غادر ساحة المعارك، تاركاً فى قواعده عدة مئات لمجرد المتابعة وإنتظارا لأى ثغرة أو صدفة قد تغير المسار. وتاركاً خلفه وريث غير شرعى هو الجيش السرى الإستخبارى الذى يدير الحرب بواسطة ضباط كبار أمريكيين وإسرائيليين .

– بتحييد قاعدة باجرام الجوية بضربات المجاهدين خسر ترامب مواقع تحضير الهيرويين الأساسية، ويلعب الآن فى زواريب صغيرة هنا وهناك . وبتحرير طالبان للأراضى خسر ترامب خطوط إمداد كانت تزوده بشلال لا ينضب من خام الأفيون القادم من المزارع إلى القواعد الجوية . تقطعت السلسلة وتناوشتها مئات الذئاب من داخل السلطة التى بناها الإحتلال وأنفق عليها المليارات . ضباط جيش ومخابرات وشرطة ورؤساء ميليشيات ، وإثنان مرة واحدة يرأسان الدولة ، وأعضاء برلمان وشورى ، وقطيع هائل من سماسرة الأفيون، ولوردات مخدرات من الرجال والنساء (تأكيدا لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين).

 

تركيا بطل المرحلة الثانية من الحرب :

– تركيا دخلت بتوسع لتملأ الفراغ الناتج من إنسحاب أمريكا وإنخفاض نشاط حلف الناتو. دخلت بإسلوب عسكرى وإستخبارى جديد يناسب المرحلة الثانية من حرب الأفيون الثالثة التى شنها جورج بوش تحت شعار الحرب الصليبية على أفغانستان والعرب والإسلام .

شمال أفغانستان له أهمية خاصة فى المرحلة الثانية للحرب الثالثة، ومنه تُنَفَّذ إستراتيجية مشتركة تركية/ إسرائيلية طموحة، تتخطى أفغانستان لتصل (وبصحبتهم الدواعش) إلى حدود الصين، وصولا إلى شواطئ البحر المتوسط مرورا بآسيا الوسطى والقوقاز.

فالشمال الأفغانى هو قلب إستراتيجية المخدرات الجديدة . كما أنه جزء هام من إستراتيجية المياة المشتركة بين تركيا وإسرائيل والتى تقتضى بمد” خط أنابيب السلام” الذى يزود إسرائيل بمياه الأنهار الإسلامية دجلة والفرات وسيحون وجيحون(فى آسيا الوسطى)، لتوصيل ما يتبقى منها إلى عرب النفط فى الجزيرة والخليج. وهذا ما كُشِف عنه النقاب فى منتصف التسعينات الفائتة. ولهذا تتعاون إسرائيل وتركيا لفصل الشمال الأفغانى عمليا فى البداية، ثم رسميا عندما تنضج الظروف.

– خط التهريب الأساسى للهيروين بعد أن كان ينطلق من قاعدة بجرام الجوية أصبحت بدايته مطارات فى الشمال الأفغانى خاصة مدينة مزار شريف التى تحميها ميليشيات “جلم جم” الأوزبكية وعصابات الدواعش العاملة مع الجيش التركى . بدأ خط التهريب بطائرات تركية فى البداية رفعا للحرج، وهى غالبا طائرات إسرائيلية أو تستأجرها إسرائيل من تركيا . ليبدأ التوزيع الدولى للهيروين من تل أبيب وحيفا وغيرها . فإسرائيل لا تُحوِّل فقط مجرى الأنهار صوب فلسطين المحتلة كما حولت أنهار الأردن واليرموك وأنهار لبنان . فى المرحلة الإمبراطورية الجديدة تضع أناملها فى أنهار سيحون وجيحون فى أفغانستان وآسيا الوسطى الإسلامية . وأيضا تحوِّل ماهو أكثر ربحية وسطوة دولية وهو نهر الهيرويين المصنوع فى أفغانستان.

وبالتوازى مع تحويلها مجرى نهر الهيرويين حوَّلت أيضا مجرى الأموال القذرة . فبدلا من ذلك الجزء الهام الذى كان يصب فى الإمارات ـ وروافد ثانوية فى الخليج ـ أخذ يتحول صوب بنوك إسرائيل مباشرة.

النتيجة أن المشاريع الهائلة التى كانت تقام فى الإمارات وباقى المشيخات بشكل عام، أصيبت بالسكتة القلبية . فتوقفت مشاريع ضخمة وهبطت القيمة السوقية لها، وأصبح بعضها يباع بأقل من ربع قيمته الأصلية.

وهنا جاء القرار”السيادى” للمشيخات بالتطبيع مع إسرائيل . الذى من ضمن أهدافه، وليس أهمها، إقناع اليهود بترك شيئ “للمواطنين”، بعد أن ظهر أن المواطنين الحقيقيين هم يهود إسرائيل (بدأوا فى إلتقاط صور لهم مرتدين الدشاديش الوطنية). أما أصحاب السيادة المشايخ ، والسادة المواطنين المنتفخين غرورا وتفاهة ، فقد سبقت عليهم كلمة لتيودور هرتزل مؤسس الصهيونية، قالها منذ قرن أو يزيد:{ حين نحتل البلاد يجب أن نستخلص ملكية الأرض ، ونشجع فقراء السكان على النزوح ونرفض إعطائهم عمل فى بلدنا}. يمكن تغيير كلمة “بلدنا” لتصبح أبوظبى أو دبى أو قطر أو الرياض أو نيوم أو جده .. أوعدن أو سوقطرى .. أو حتى إدلب أو الموصل أو كركوك أوالسليمانية.

فإسرائيل ترى تلك البلاد هى “الشرق الأوسط”، أرضهم “الموعودة الواعدة “حسب تعبير شيمون بيريز. أما بن جورين أحد كبار اليهود المؤسسين فيقول (إن اليهود لا يحتلون شبراً واحداً من أرض العرب ، ولا زال العرب يحتلون مساحات واسعة من أرض إسرائيل ) .

بمعنى أن على كل عربى أن ينظر تحت قدميه ليشعر بالخجل من نفسه لأنه يقف على أرض مغتصبة من اليهود . فليس فقط الخليج (العربى!!) لليهود بل جزيرة العرب كلها .. بل وأراضى العرب جميعا ــ من طنجة إلى أبوظبى ــ

تغيير عالمى ليس بالهين ، سيرى العالم آثاره تِبَاعاً مع عهد بايدن الوشيك ، عهد الهزائم الكبرى التى سوف تلتصق به وبحزبه الديموقراطى، رغم أنها مجرد حصاد لإستراتيجية ترامب . التيار الأمريكى الفاشى يتجهز للعودة بعد أربع سنوات من الفشل والعار الذى سيدمر سمعة الديموقراطيين (هذا إذ لم يرجع الفاشيون إلى الحكم عبر حرب أهلية أو إنقلاب تسانده أجهزة الدولة فى نسخة عملاقة من تجربة 11 سبتمبر المجيدة). أو قد نرى بعد أربع سنوات عودة مظفرة لوزير الخارجية الإستخبارى بومبيو الذى وثّق عرى تحالفه مع إسرائيل وعرب العار فى الجزيرة.

 

كابوس إسرائيلى على جزيرة العرب :

إنهارت البيوت المالية فى الخليج ، وتهاوت أسعار المشروعات الكبرى والعقارات ، وتراكمت الديون . والعملات الخليجية أصبحت مجرد أوراق ملونة تنتظرعود ثقاب إسرائيلى ليحرقها. ولكن إسرائيل تقبض/ على هيئة قرارات سيادية بالتطبيع/ ثمن تأجيل إعلانها عن وفاة المشيخات وإقتلاعها من الجذور. فتضمن إستمراريتها إلى حين قرارسيادى سوف يصدر هذه المرة من”القدس” بإسدال الستار على المسرحية السمجة للمشيخات، ورفع كلمة (إنتهى الدرس أيها الأغبياء). وذلك سيكون مجرد مدخل لبداية العهد اليهودى فى الخليج والجزيرة . سيشترى اليهود كل شئ فى مقابل (تراب الفلوس). بداية من بيوت المواطنين الذين ينافقون اليهود ويقيمون لهم الحفلات المنزلية ، وحتى شركات النفط الوطنية العملاقة المحجوزة عمليا لمشتريها اليهود ، فى إنتظار التوقيت الملائم لإعلان الشيوخ عن بيعها لليهود/ يهبونها لهم فى الحقيقة / بقرار سيادى على أوراق من دفتر التطبيع .

نفط الخليج والجزيرة موقوف منذ سنوات للإنفاق على مجهودات إقامة إسرائيل العظمى المسماة (الشرق الأوسط الكبير) ومشاريعها الكبرى القادمة، والتى إستفاض بيريز فى وصف أهميتها وصورتها العامة فى كتابة الشهير الذى يحمل نفس الإسم ، خطوط نفط وغاز وخطوط سكة حديد وطرق برية تربط أنحاء جزيرة العرب بعاصمتهم الجديدة (حيفا) وأسيادهم الجدد/ القدماء، يهود إسرائيل.

 

أخبار سارة :

فليبتهج أغنياء النفط بالخبر القادم من تل أبيب والقائل بأن إسرائيل أصبحت مركزاً مهولاً للبغاء الذى يدر على دولة البغى والبغاء مليارات تفوق ما يتأتى لها من صناعة السلاح .

أما فقراء الجزيرة الذين سينجيهم الله من جحيم مملكة الشيطان ، فإن ما يسعدهم هو وجود فرص تكفى لإحراز النصرـ فلا أعذارـ فالمقومات المادية لجهاد ناجح لإخراج المشركين والكفار واليهود من جزيرة العرب موجودة، بل متوفرة إذا توفرت العزيمة . ما فى الجزيرة الإسلامية المباركة يكفى للنصر، من الصحراء إلى البحر والجبال المطلة علية، إلى ذخائر سلاح لا ينفذ، التقليدى منه والمتطور . والأهم هو ذخيرة الإيمان خاصة إذا دعمته وسائل وأسباب سخرها الله، وجعلها فى نفس جزير الإسلام التى تخلى عنها أهل الردة من العرب ، ولكن لم يتخل عنها المؤمنون . ومع الإيمان لا تضرالقِلَّة ، ومع الباطل لا تفيد الكثرة.

ونصر الله فى إنتظار من ينصرالله.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 

من ترامب إلى بايدن : إنتصار زائف وتراجع حقيقي

 




الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

نفذت إسرائيل قدرا كبيرا من الإغتيالات ضد علماء الذَرَّة . ليس فقط فى إيران بل أيضا فى العراق التى شنوا حرب إبادة على علمائها، ومصر التى شتتوا علماءها النوويين ، وعلماء من تركيا و فلسطين و تونس وغيرها . كما إغتالت عددا كبيرا من الأطباء والمهندسين وخبراء التكنولوجيا المتقدمة ، طالما هم خارج إنظمة السيطرة اليهودية .

الإغتيال لن يستمر طويلا كإمتياز حصري لإسرائيل . بل إن ظهور مملكتها المسماة “الشرق الأوسط الجديد” / ومدخله المسمى بالتطبيع/ سوف يجعلها مستقبلا هى الأضعف فى ذلك النشاط. وطبقا للمنطق الإسرائيلى نفسه سيصبح الإسرائيليون مستهدفون ، ومعهم ذلك السرب الطويل العريض من اَوِّزْ التطبيع ، وقطعان الأبقار.

ولن يكون علماء العدو هم فقط المستهدفون، بل أيضا أصحاب نشاطات إقتصادية، ومروجون تجاريون، وقوادو إعلام . فإغتيال العدو وكلاب حراستة وطَبَّالي الزفة قد يتحول إلى نشاط شعبى. والإغتيال الإنتقائى أو حتى العشوائى سيكون عملاً أرخص وأسهل، وربما تحول ذات يوم إلى رياضة شعبية.

ليس ذلك رجما بالغيب بل بناء على سوابق تاريخية. لا نستطيع حصرها فى بلاد العرب من المغرب العربى إلى السودان والشام والعراق. لذا سنورد نماذج موجزة للغاية من مصر وشعبها المشهور بأنه مُسالِم فوق العادة .

 

– فى الحملة الصليبية الفرنسية على مصر . وإحتلالها مدينة دمياط الساحلية وتقدمها نحو مدينة المنصورة الحالية . إستجاب المصريون لدعوات الجهاد وعمَّ بكاء الناس فى مساجد المحروسة ، وتقدموا إلى ساحات القتال ضد الفرنجة (الفرنسيين) . وأبدعوا فى أساليب المقاومة الشعبية براً وبحراً. وخطفوا الكثير من جنود وفرسان الفرنجة، وأرسلوهم أسرى لرفع معنويات سكان المحروسة . وقال أحد المؤرخين القدماء عن تلك الفترة أن ما فعله العامة ضد الفرنجة كان أكثر مما عمله جيش السلطان الأيوبى . وإنتهت الحملة بهزيمة الفرنسيين وأسر مَلِكِهم .

– فى ثورة 1919 كانت حملة المقاومة الشعبية وحركة الفدائيين السرية فى مصر ضد جنود الإحتلال البريطانى ، عنصرا ضاغطا أثار ذعر جيش الإحتلال وذعر الخونة المحليين . وبعض قادة الثورة أصابهم الذعر أيضا ، فسارعوا إلى عقد إتفاق مع الإحتلال يضمن مصالحهم ويخلصهم من التبعة الثقيلة للمقاومة الشعبية . وتمت تصفية المجاهدين المقاومين بمجهود مشترك بين الإحتلال والقصر الملكى وعدد من قادة ثورة 1919 الأثرياء الإقطاعيين.

 

– وفى حرب 1948 كان أخطر ما واجهه اليهود هم الفدائيين الإسلاميين ـ خاصة من الإخوان المسلمين المصريين ـ فسارع إلى التنكيل بهم فريق من الإستعماريين (اليهود والبريطانيون والأمريكان) والقصر الملكى المصرى . وفى مقدمة الجميع كانت “الأجهزة السيادية” المصرية، إبتداء من”جيش التشريفات والموالد” إلى البوليس السياسى(الجد الأكبر للأمن الوطنى).

– خرجت المقاومة الشعبية العربية لمساندة الشعب الأفغانى وقت الغزو السوفيتى ، على هيئة آلاف الشباب المجاهد . فكان الموضوع المتفق عليه فى المفاوضات بين العملاقين (السوفيتى والأمريكى ) هو تصفيتهم أولا، ثم البحث عن حل لمشكلة أفغانستان ثانيا .

وما زال البحث عن علاج لفيروس الجهاد هو الشغل الشاغل لأعداء الأمة ، وعلى رأسهم إسرائيل ثم أمريكا، ثم كبار الأنذال منزوعى الشرف والسيادة .

 

– التدافع السريع للأحداث أصاب الأمة (العربية/الإسلامية) بالصدمة. فارتماء الأنظمة تحت أحذية اليهود كان غير مُتَخيَّل حتى فى كوابيس الرعب . ولكنه أصبح حقيقة مُتَبَجِّحَة ، فيُمَارَسُ إنحطاط الإستسلام فى ثياب الإنتصار والبطولة.

تكشفت للأمة حقائق السقوط السياسى والفراغ المعنوى . فتهاوت الرموز والمؤسسات الحكومية والتنظيمات الشعبية الإسلامية. والشعوب أصابها الشلل من هول الصدمة . والشباب فى معظمه فقد الثقة والإتزان . ومن المعلوم أن المخطط الصهيونى لتهويد “الشرق الأوسط” قديم ومكتوب منذ ما يزيد عن قرن ، ومعظمه ليس سريا. ورغم ذلك فأبعاد الكارثة مازالت مجهولة للأكثرية، لأن شعوبنا دوما حبيسة التجهيل والتضليل . وتلك مصادفة متفق عليها بين الحكام الطواغيت وبين المعارضة العلمانية والإسلامية. فبدون الجهل والتضليل ما كان لهذا الغثاء أن يستمر، سواء فى الحكم أو فى المعارضة.

وطبقا لذلك المشروع القديم (الشرق الأوسط الجديد)، فإن منطقتنا لن تعود إسلامية ولاعربية ، بل مجرد مستعمرة يهودية كبرى تسيطر فيها إسرائيل على كل شئ . وسوف تلاقى منطقتنا ما لاقته القارات التى”إكتشفها”الأوربيين، حيث تُفَرَّغ الأرض من السكان الأصليين/ بالإبادة والتهجير/ ليعاد تعبئتها بسكان جدد من أجناس مهاجرة ، وعبيد آخرين من غير العرب.

سيفهم الشباب بمرور الوقت أن عليهم ألا ينتظروا أحدا. وعليهم إعداد الزاد المعنوى للمواجهة بإحياء حقيقى للإسلام ، بعيدا عن المؤسسات الدينية الرسمية، وبعيدا عن علماء (نفاق الدولة)، وبعيدا عن الضلال السعودى ، المعروف بإسم السلفية الوهابية ، الدعوى منها والمسلح.

وأيضا.. بعيدا عن الجماعات الإسلامية القديم منها والجديد. فالجميع دخلوا فى منظومة “الشرق الأوسط الجديد” أو الإمبراطورية اليهودية الجديدة. دخلوها بعلم و”ذكاء” من البعض، وبحماس غبى من الأغلبية الصاخبة. فالصحوة التى بَشَروا بها ظهر أنها إغماءة الموت. ودولة الدَعْوَشَة الهستيرية التى تخبطوا بها ، كانت وَبَالاً وذبحا للمسلمين بشعارات الإسلام .

وفى كل الحالات ظهر أن الحماس العاطفى مع غياب العقل ومحاربة الوعى ، هو طريق الهلاك ، وسبيل لسيطرة الأعداء على الجموع المتهيجة ، التى تظن أنها على طريق الحق والصواب.

 

– ضمن محاولات الأعداء لتحطيم ما تحقق من نجاحات ، بعيداً عن السجن العربى الكبير،لا ننسى” نخاس” المرتزقة فى أبوظبى ، الذى نصح الأمريكيين بتنفيذ برنامج إغتيالات موسع ضد قادة طالبان ، كى يدخلوا إلى التفاوض وهم فى وضع ضعيف يستجيب لمطالب أمريكا.

وبالفعل يدور فى أفغانستان برنامج واسع جدا للإغتيالات يقوم به الإحتلال الأمريكى/الإسرائيلى. مستخدمين تكنولوجيا فائقة التطور ، من ضمنها الأقمار الصناعية وطائرات “درون” وأجهزة التنصت والتتبع ، وقائمة طويلة لا تكاد تنتهى من معدات كانت مجهزة لحرب عالمية ضد دول كبرى . وبالفعل فَقَدَ طالبان الكثير من المجاهدين والكوادر.

ولكنهم واجهوا حملة العدو بحملة إغتيالات مضادة، فكانت كفَّتَهم هى الأرجح، رغم الفارق التكنولوجى الهائل ومفعوله القَتَّال . فاغتال المجاهدون قادة نافذون، وجنرالات من الجيش والأمن والإستخبارات ، وفوق ذلك عناصر من الموساد الإسرائيلى وشقيقته الكبرىCIA. حتى فقد العدو توازنه وتناثرت صفوفة تطلب النجاة باللجوء إلى طالبان وإمارتهم الإسلامية.

عناصر قوة طالبان فى تلك الحرب كانت: سيطرتهم على معظم الأرض ـ ومحبة الشعب لهم وثقته فيهم ـ وخشية العدو من قوتهم وهيبتهم ـ وإختراقهم لأجهزة الدولة واستقطاب عناصرها المترددة أو التى غيرت نظرتها للحرب. وفى مقدمة عناصر النجاح تأتى قوة القيادة وكفاءتها العالية مع وحدة وتماسك التنظيم الجهادى (طالبان) وتلاحم قواعدهم الشعبية والقبلية.

– إذا كان من نصيحة للشباب العربى والمسلم فهى : أن أفغانستان هى مجد الإسلام والمسلمين، فتعلموا من الأفغان تنتصروا .. تعلموا منهم الدين وتعلموا منهم الجهاد.. وتعلموا منهم أصول الإنتصار فى حروب المواجهة ، وفى حروب الإغتيال الإنتقائى ، الذى يظن الأعداء أنهم سادته.

ويوم يأتى الشباب المؤمن سيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

 

 




داعش .. قصة المرتزقة  والدماء الرخيصة

داعش .. قصة المرتزقة والدماء الرخيصة

داعش .. قصة المرتزقة  والدماء الرخيصة

 

– (الحرب على الإرهاب) من أهم أركان النظام الإقتصادى الأمريكى . والدولة الأمريكية مجرد “خادم”  لذلك “النظام الإقتصادي الأمني”ولها فيه دور محدد بدقة.

– دخلت داعش إلى مركز(إقتصاد الكوارث) مثل شركات “بلاك ووتر” و “هليبرتون”. وظيفتهم خلق مبررات للحرب وتقديم المساعدة الميدانية فيها.

– يطمع الأمريكيون فى إنسحاب من أفغانستان تعقبه عودة أخرى ، بدعوى حماية الشعب من دموية داعش ، كما فعلوا فى العراق.

– كوادر حزب البعث شكلوا الهيكل القيادى لداعش العراق ، بعد أن تحولوا إلى وهابيين.

– معسكر اللصوص والقتلة فى”شمشتو” باكستان، هو مصدر التجنيد رئيسى لدواعش ولاية “خراسان”، حتى فى أوج قدوم الآلاف من أوروبا للقتال مع دواعش سوريا والعراق.

–  تعددت ولاءات الدواعش ، فباعوا خدماتهم لمن يدفع أكثر ، من أى جهة كان . فظهرت حالات قتل مرتزقة الدواعش بعد أداء عملياتهم، حتى لا تُكشَف هوية من إستأجرهم .

– جهلاً بحقيقة أن العالم هو مجموع الأوطان، فإن الحمقى الضائعون، الذين أضاعوا أطفالهم ونساءهم يأخذون على حركة طالبان أنها حركة وطنية وليست عالمية !!.

– لولا وطن إسمه أفغانستان ، وإيمان شعب الأفغان، ما كان هناك إنتصارات للإسلام بهذا القدر من الإعجاز.

 

ما نواجهه فى بلادنا من حروب أو أزمات إقتصادية وصراعات داخلية ، وأخيرا تلك المجموعات الإجرامية المسلحة التى تنشر الخراب والرعب بإسم الدين. ثم إنهيار العملات والغلاء والأزمات الإقتصادية ، وزحف البنوك العالمية لإغراق بلادنا فى قروض ربوية تجعلنا عبيداً لها أبد الدهر.  كل تلك الكوارث وغيرها كثير، ناتجة عن النظام الإقتصادى الذى تطبقه الولايات المتحدة ، لتكتوى الإنسانية كلها بنيرانه ، وفى مقدمتها الشعب الأمريكى نفسه، وشعوب العالم الفقيرة بدرجة أكبر ، وعلى الأخص الشعوب الإسلامية ، لأن الكوارث الإقتصادية المفروضة عليها يضاف إليها حقد دينى عميق متوارث، ورغبة صليبية حمقاء فى إنهاء الإسلام كدين ، ودفع المسلمين خارج التاريخ ، بل وخارج جغرافيا الأرض إن أمكن .

ذلك النمط الإقتصادى الأمريكى ـ الذى فرضته على العالم كله ـ يُطلِق عليه علماء الإقتصاد (رأسمالية الكوارث) ـ إضافة إلى أسماء أخرى عديدة ـ تشير إلى أنه نظام شيطانى ينمو وينتعش بالكوارث التى يحدثها بالشعوب، فتزداد بسببها أرباح الشركات والمؤسسات الرأسمالية الكبيرة فصار تقاسم الأدوار بين الدولة “الأمريكية” وبين تلك الشركات يسير على هذا النحو :

1 ـ الدولة تصنع أزمات كبيرة داخل بلادها وخارجها ـ من الأزمات إقتصادية إلى الحروب .

2ـ  ثم توكل حلها إلى مجموعة شركات كبرى، كلٍ حسب إختصاصه .

3ـ تدفع الحكومة أتعاب تلك الشركات من ميزانية الدولة ، إضافة إلى ما يمكن أن تنهبه تلك الشركات من البلاد المنكوبة ـ مثل الحصول على عقود تجارية أو إمتيازات. و شركات النفط من أهم المستفيدين من الحروب والأزمات العالمية، ولا تكاد تخلو أزمة من إمتياز يصب فى جيب شركات النفط .

– المستفيد الآخر هو شركات الخدمات المتعلقة بالجيوش ، سواء فى الجانب القتالى المباشر مثل شركات المرتزقة التى أشهرها “بلاك ووتر”، أو الشركات العاملة فى النقل والإمدادات ومن أشهرها “هاليبرتون” .

صناعة النفط وصناعة الأمن تتربعان فى صدارة إقتصاد الكوارث، بمعنى أنهما أكبر المستفيدين والمتعيشين على مصائب الشعوب مثل الكوارث الطبيعية والزلازل والفيضانات والحروب،

والثورات الداخلية . تلك الكوارث تعقبها عملية (إعادة إعمار)، وهى من الجوائز المالية التى تسعى إليها الشركات الأمريكية لتمتص ما تبقى من دماء الشعوب المنكوبة .

 

الصناعة الأمنية .. والحرب على الإرهاب :

إخترعت الحكومة الأمريكية أسطورة إسمها الإرهاب ، ثم أعلنت عليه حربا غير محددة بوقت أو مكان . وأعجبها كثيرا أن يكون ذلك الإرهاب إسلاميا ، ليصبح إسم تلك الحرب : (الحرب على الإرهاب الإسلامى ) أو الحرب على(الأصولية الإسلامية) أو (التطرف الدينى ) إلى آخر مسميات كثيرة جميعها تستهدف المسلمين كشعوب (كانت أمة واحدة) ، وتستهدف الإسلام كدين.

تلك الحرب على الإرهاب الإسلامى بدأت بحادث 11 سبتمبر فى الولايات المتحدة. المستفيدون من الإقتصاد الجديد ـ إقتصاد الكوارث ـ هُمْ مَنْ رتبوا كارثة سبتمبر التى ستؤثر علينا ، إلى ما شاء الله ، فقد أطلقت سبتمبر القوة المحركة لإقتصاد عالمى عملاق ، يتعيش على الحروب والكوارث ويعمل على ديمومتها وإستمرارها، وليس حلها.

 (الحرب على الإرهاب الإسلامى) هو عنوان دائم لحرب تدور على مساحة جغرافية واسعة جدا وحساسة ، ومليئة بالثروات . وتسكنها شعوب يمكنها أن تغير مسيرة العالم لو إنتبهت إلى قيمة الدين الذى بين يديها ، بدلا من أن تبيعه بثمن بخس ، دراهم معدودات .

الحرب على الإسلام والمسلمين تحت مسمى(الحرب على الإرهاب الإسلامى ) هى حجر الزاوية لأحد أهم أركان النظام الإقتصادى الأمريكى . وهو نظام لا يتوقف على شخصية الرئيس الأمريكى أو الحزب الذى أوصله إلى الحكم . بل أن الدولة الأمريكية هى مجرد “خادم”  لذلك النظام الإقتصادي الأمني ، ولها فيه دور محدد بدقة.

فهى تحميه بقوتها ، وتختلق من أجله الأزمات والحروب التى يعتاش عليها . وتفتح أمامه كافة الطرق لمراكمة الثروات المغموسة بالدماء ونكبات الشعوب .

– أطلق الإقتصاديون على الشركات التى تمارس الحرب أو تعمل على أطرافها فى تقديم الخدمات والنقل أطلقوا عليها (الصناعة الأمنية) . ونظرا لأنها تضخمت بسرعة، فأطلقوا عليها صفة الفقاعة ، فأصبح إسمها (الفقاعة الأمنية). وكانت طوق نجاه للإقتصاد الامريكى، إذ أنقذته من ركود كان يهدده عشية حادث 11 سبتمبر. الحادث الذى بعث الحياة فى الإقتصاد الأمريكى. فكانت (الشركات الأمنية) عملاقاً، حقق دخلا مقداره 60 مليار دولار فى عام 2006 منفرداً .

تلك “الشركات الأمنية ” سيطرت على الترسانة العسكرية الأمريكية وسخرتها فى خدمتها .

بمعنى أن الجيش الأمريكى يهدف لأن تحقق تلك الشركات أقصى ربح ، وليس معنياً بتحقيق أهدافاً وطنية أو إستراتيجية لبلاده، كشأن الجيوش منذ القِدَم .

 

11 سبتمبر .. كلمة السر لإقتصاد الكوارث :

حادث 11 سبتمبر كان إشارة البدء للإنطلاق الوحشى لرأسمالية الكوارث ، لتبتلع معظم الموارد الحكومية الأمريكية ـ وجزء كبير من صلاحيات الدولة ـ ثم تنطلق إلى المجال العالمى ، فتكون أفغانستان أول مغامراتها الكبرى سعيا إلى الثروات الهائلة التى يزخر بها ذلك البلد.

الجيش الأمريكى أصبح مجرد وعاء يضم شركات المرتزقة القتاليين والمتعاقدين فى المجالات غير القتالية . فكانت أهم دوافع حركته فى أفغانستان هى مصالح شركات الطاقة (النفط والغاز)، التى تستهدف ثروات آسيا الوسطى ، ثم مصالح شركات التعدين التى طالما نادت بإحتلال أفغانستان للإستيلاء على ثروات معدنية تتعدى قيمتها ألفي مليار دولار. ثم مصالح مافيا المخدرات التى تحقق سنويا من أفيون أفغانستان بعد تصنيعة إلى هيروين مبلغ يدور حول الألف مليار دولار سنويا ، فى تجارة عالمية تستخدم القدرات اللوجستية لدى الجيش الأمريكى.

العدوان الأمريكى على أفغانستان كان بذريعة معلنة هى القضاء على تنظيم القاعدة وإسقاط حكم الإمارة الإسلامية . وبعد أقل من عامين إحتل الجيش الأمريكى العراق ـ بذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل ـ التى إكتشف العالم أنها مجرد أكذوبة ـ تماما مثل أكذوبة أحداث 11سبتمبر ومطاردة تنظيم القاعدة . كان الحافز الأمريكى فى العراق هو إحتياطات النفط الهائلة.

 

داعش .. حتمية إقتصادية :

ذريعة الحرب على الإرهاب ، تعتبر عنصراً رئيسيا لديمومة تلك الحروب وإكتساب الرأى العام لدعمها كحرب مشروعة ضد عدو خطير، يهدد الجميع . فكان ضروريا تصنيع نموذجاً بشعاً “للإرهاب الإسلامى” الذى يستفز العالم ويخيف الشعوب ويدعوها إلى تأييد التدخل الأمريكى فى العديد من البلدان.

فكان إختراع تنظيم داعش ضروريا لتلك الحروب ، وما تعنيه من مصالح إقتصادية ضخمة لنظام إقتصاد الكوارث ، وشركاته العظمى التى تدير الولايات المتحدة وتوجه حركتها فى العالم.

دخل تنظيم داعش بشكل مباشر إلى مركز(إقتصاد الكوارث) مثل أى شركة أخرى مثل “بلاك ووتر” أو “هليبرتون”. قد تختلف طريقة التشغيل أو الإدارة لكن الوظيفة ثابتة، وهى خلق مبرر للحرب وتقديم المساعدة الميدانية فيها.

– نشأ داعش فى العراق، وهناك أدى بنجاح أهم الأدوار. لهذا يعتبر نموذجاً حاولوا تكراره فى أفغانستان ، لكن بدون أى نجاح يذكر. نتيجة لإختلاف المجتمع الأفغانى عن المجتمع العراقى ، ونتيجة لمقاومة حركة طالبان وإجتماع الشعب حولها.

 فى العراق نجحت داعش فى تجزئة حركة الجهاد ضد الإحتلال، وحولتها إلى إقتتال طائفى داخلى . فانقسم المجتمع على نفسه ولم يتحد فى مواجهة خطر الإحتلال الخارجى .

نجاح داعش يعود إلى وجود صراعات مذهبية مزمنة ، زكتها أنظمة حكم منحازة وظالمة، فتحول المجتمع إلى برميل بارود قابل للإنفجار، فكان إشعال الفتنة سهلا على داعش وأمثالها.

– بالتعاون بين داعش والإحتلال الأمريكى عادت قوات الإحتلال إلى العراق بعد أن كانت غادرته عام 2011 فيماعدا قوة صغيرة لتستقبل باقى القوات عندما تتاح الفرصة. وقد أتيحت الفرصة بإعلان دولة داعش عام 2014 على مساحات شاسعة من العراق وسوريا ، مرتكباً أبشع الجرائم . فاتخذها الإحتلال ذريعة لإعادة قواته التى كان سحبها إلى الجارة الكويت التى كانت منطلقا للعدوان على العراق .

 يراود الإحتلال أوهام بإعادة نفس التجربة فى أفغانستان، بإستدعاء داعش بأعداد كبيرة قبل رحيله ، لتخلق له مناخا من الإضطراب والرعب يكون ذريعة لإعادة قواته التى سحبها إلى الجارة باكستان، التى كانت قاعدة إنطلاق للعدوان على أفغانستان.

أى إنسحاب تعقبه عودة ، بدعوى حماية الشعب من إجرام ودموية داعش .

– هزائم داعش فى أفغانستان والعراق فاقمت عنده مشكلة تجنيد عناصر جديدة . فى بداية ظهوره كان لديه فرص جيدة للتجنيد داخل العراق نتيجة الطبيعة الطائفية للمجتمع هناك . فكانت كوادر حزب البعث العراقى هُمْ قوام هيكله القيادى ، بعد أن تحولوا إلى وهابيين.

وقد نقلوا معهم إلى التنظيم دمويتهم المفرطة ، وعنصريتهم القومية والطائفية، فزادوا من وحشية التنظيم ومن كراهية أغلبية الشعب له ، خاصة بعد الهزائم الثقيلة التى تلقاها عام 2017 ، فتقلصت دولته ولم يتبق منها غير سراب.

فى أفغانستان كان العنصر الداعشى المحلى قليلا للغاية ، لعدم شيوع الوهابية وتفاهة المتبقى من آثار التمويل السعودى وقت الجهاد ضد السوفيت . والعناصر الداعشية من الإيجور ومناطق آسيا الوسطى لم تكن بالعدد الكافى لتكوين قوة ذات وزن . فجاءت النجدة من باكستان التى زودت التنظيم بأهم عنصر قيادى وهو “جلب الدين حكمتيار” أحد أشهر قادة أحزاب بيشاور الدمويين. وحزبه يدير معسكر “شمشتو” قرب بيشاور، والذى يشتهر بإيواء القتلة واللصوص. هؤلاء فعلوا كما فعل بعثيو العراق، فتحولوا إلى وهابيين متعصبين ومقاتلين إجراميين، فى صفوف داعش ـ فرع خراسان ـ

 

داعش جزء من قوات الإحتلال الأمريكى :

فى العراق وسوريا حظى مقاتلوا داعش على خدمات دعم جوى بالقاذفات الأمريكية ، وخدمات نقل جوى بالمروحيات للنجاة من مآزق الحصار، أو عند الإحتياج إلى خدماتهم فى جبهة أخرى ، أو لتنفيذ هجات مباغتة على مواقع بعيدة لقوات تعتبرها أمريكا قوات معادية . فى أفغانستان أيضا حصل الدواعش على خدمات مشابهة تماما .

فكانت البرهان على أن مقاتلى داعش إنما هم جزء من قوات الإحتلال ، بل أحد شركات المرتزقة العاملة ضد المدنيين بشكل خاص . وبتواجد الدواعش زادت خسائرالمدنيين فى الأرواح والممتلكات ، وإستفحلت النزعات الطائفية والقومية والمذهبية ولم يشهد البلد ـ المبتلى بداعش ـ أى تغييرات إيجابية فى العمران أو الإقتصاد ، بل شهد المزيد من التدهور ودمار البنى التحتية.  فاعتماد أساليب الإجرام هو نهج رئيسى لفرق الموت الأمريكية والمرتزقة الدواعش.

وليس غريبا أن يكون معسكر اللصوص والقتلة فى “شمشتو” هو معسكر تجنيد رئيسى لدواعش”خراسان” حتى فى أوج الإقبال على التنظيم وقدوم الآلاف من أوروبا للقتال مع داعش فى سوريا والعراق، وأغلبتهم كانوا ذوى خلفيات إجرامية فى نظائر لمعسكر شمشتو الباكستانى ، وهى السجون الأوربية المليئة بالضالعين فى قضايا جنائية . وحسب تقديرات الأوربين فإن أكثر من نصف الذين إلتحقوا بداعش كانوا ذوى خلفيات جنائية.

وبالتالى فإن القوى البشرية للدواعش جاءت من أربعة مصادر أساسية :

1 ـ معسكر شمشتو (قتله ـ لصوص ـ نشالون ..) وهم النسبة الأعلى بين جنود ولاية خراسان الداعشية . وحسب تقدير أحد مساعدى حكمتيار الكبارفإنهم 70% من دواعش ولاية خراسان .

2 ـ حزب البعث العراقى( خبراء القتل والتعذيب والتجسس ، وأساليب الإرهاب والحرب الدعائية والخبرات القتالية) .

3 ـ سجون أوروبا ـ من أصحاب السوابق الجنائية فى السرقة والقتل والمخدرات والإغتصاب.

4 ـ دواعش وهابيون أصلاء. وهم أقلية يشغلون مناصب قيادية فى الخطابة والقضاء والفتوى.

– الخدمات البعثية هى التى أكسبت داعش طابعه الخاص ، وأهمية فريدة بين شركات المتعاقدين أو المرتزقة العاملين مع الجيش الأمريكى .لأنهم خبراء فى أساليب إشعال الفتن بأنواعها المذهبية والعرقية . وتطبيقاتهم فى العراق مثالية كونه ميدان النشاط البعثى لمدة عقود قبل أن يتحولوا إلى الوهابية الداعشية لتكتمل الحلقة حول رقاب المسلمين.

يتميز البعثيون الدواعش بقدر من الثبات المبدئى على أهدافهم وبرامجهم على المدى الطويل. فلم يتخلوا عن حلم العودة إلى حكم العراق تحت السيادة الأمريكية ، وأن داعش بالنسبة لهم مجرد خطوة على الطريق ، فهو تنظيم ذو جوهر بعثى إجرامى، مع وجه تكفيرى دموى .

– بينما إخوانهم من لصوص “شمشتو” ، مجرمو أسواق وبلطجية مدن، فليس لهم أى ثبات مبدئى على أى شئ سوى مكاسبهم المباشرة . لذا فهم الأكثر تغييرا للولاءات ، فكل يوم لهم سيد جديد يدفع لهم أكثر من سيدهم السابق. ولعدم الثقة فيهم فإن سادتهم يقتلونهم بعد إرتكاب الجرائم حتى لا تتسرب أخبار المؤامرة . أى أنهم بضاعة رخيصة قد تستخدم لمرة واحدة فقط .

يتميز مجرمو أوروبا من الدواعش بالميل إلى الجريمة المنظمة ـ بما يتوافق مع ثقافة المجتمعات التى نشأوا فيها ـ فميولهم أكثر لتكوين مافيات خاصة بهم ، تتعاون (فى سوريا والعراق) مع مثيلاتها من عصابات الأوروبين والأمريكين والأتراك .

– الدواعش الوهابيون : وهم الأقلية المَلَكِيَّة الممتازة ـ قبل خسارتهم ذلك الموضع بتحول السعودية من”منهج” الوهابية إلى “منهج” الترفيه و”عقيدة “الإندماج فى المشروع الإسرائيلى ، مع ثبات “إيمانى” راسخ “بوحدانية” الرئيس الأمريكى ترامب، رغم إهاناته لهم، والتى لا يمكن أن تتحتملها سوى الأبقار{حسب ما يصفهم به ترامب، برضاهم التام وربما سعادتهم بالوصف الذى لم يحدث أن إعترضوا عليه مرة واحدة }.

وبالتالى إنسحب الوصف ذاته على الدواعش الوهابيين الأصلاء . وكان تميزهم نابع من قدرتهم على جلب التمويل من المملكة وباقى المشيخات . إضافة إلى جرأتهم على الإفتاء بغير علم ، والإقدام على سفك الدماء ، و(الإبداع فى فتح أبواب الصراع) بين المسلمين .

 

تمويل داعش :

داعش وجدت مصادر أفضل للتمويل ـ فقَلَّ إعتمادها على الصفوة الوهابية فى التنظيم .  فزاد تهميش تلك الفئة الوهابية بإتقان داعش لعبة النفط ـ والقتال من سبيله مع الممول الأمريكى ـ واكتساب براعة فى تسويقه وتهريبه ضمن غنائم فتح الشام ، وآثار الأقدمين ، وقمح السوريين.

ومن سمات الدواعش الوهابيين أنهم الأكثر قبولا بالعمليات “الإستشهادية ” ضد المسلمين والأكثر إصراراً على الفتنة المذهبية حتى أصبحت قَوَامْ دينهم . ذلك التأثير”الإستشهادي الطائفي” إنتقل إلى الدواعش الأحدث سنا من خريجى السجون الأوربية، ولكنه معدوم بين دواعش البعث العراقى ودواعش شمشتو.

–   24 مليون قرص من مخدر الترامادول أعلنت إيطاليا عن ضبطها. وكانت مهربه لحساب داعش لتمويل عمليات فى أوروبا عام 2017. ليس ذلك هو”الترامادول الوحيد”، فالمشيخات قدمت لداعش وإخواتها مبلغ 137 مليار دولار حتى عام 2015 ـ تقريبا ـ حسب قول “جاسم بن حمد” وزير خارجية قطر السابق مضيفا أن ذلك تم بموافقة وتنسيق مع الأمريكين.

وقفت إسرائيل فى ظلال المشهد ، ولكن مجهوداتها الضخمة فى إسناد داعش ومشتقاته تسربت منها بعض الشذرات التى تعطى دلائل:

فمثلا أعلنت إسرائيل بالصوت والصورة عن تقديم خدمات علاجية للمجموعات السلفية/الوهابية المقاتلة فى سوريا . وهؤلاء بدورهم أيدوا ما حدث ولم ينكروه ، بل جعلوه مُبَرَرَاً بحكم الضرورة فكل شئ لديهم يمكن تبريره إلا توحيد صفوف المسلمين ، أو حتى وقف القتال فيما بينهم. العديد من المصادر التى تابعت الدواعش عن قرب أجمعوا على أن معظمهم يجهل المعلومات الأولية عن الإسلام ، ولا يقرأون القرآن ، ولا يُصَلّون.

أحد الدراسات التى أجريت لصالح الأمم المتحدة تقول أن المقاتلين فى سوريا يفتقرون إلى الفهم المبدئى للإسلام . وأن وراء تجنيدهم عوامل إقتصادية والتهميش الإجتماعى والوعود البراقة بالمال والحياة المرفهة والزوجات .

 

 إسرائيل وخدمات نقل الدواعش:

تلقت داعش وأخواتها معونات فى مجال الإنتقال من ساحة إلى أخرى . فى سوريا تلقى وهابيون تسهيلات إسرائيلية للعبور فى الجولان المحتل لمهاجمة مواقع عسكرية سورية.

وفى العراق هناك عملية النقل الجوى الشهيرة للدواعش بواسطة الطيران الأمريكى من الأراضى السورية إلى مدينة كركوك شمال العراق. فتزايدت هناك عمليات القتل والخطف ضد الاكراد.

ومعروف عن (دواعش البعث) عدائهم المطلق للأكراد(السنة) والعرب(الشيعة). وبصماتهم تبدو واضحة حيث يتواجدون فى مناطق الأكراد أوالشيعة .

كان لإسرائيل دور فى تمويل تلك الجماعات الوهابية المتطرفة . لكن الصورة مازالت غير مكتملة وفى حاجة إلى مزيد من التوضيح . ومن ضمن ما تسرب :

ذكرت مجلة “فورن بوليسى” الأمريكية ، فى شهر سبتمبر 2018 أن إسرائيل مَوَّلَت وسَلَّحَت مالا يقل عن 12 جماعة فى جنوب سوريا . وادَّعَت المجلة أن 24 شخصية قيادية من تلك المجموعات قد شهدوا بذلك .

اليهود أدلوا بدلوهم، فنقل موقع صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن ضابط سابق برتبة لواء إحتياط فى الجيش الإسرائيلى أنه حضر عندما كان قائداً لفيلق هيئة الأركان العامة فى الجولان السورى ، أحد اللقاءات التى عقدها موشيه يعالون(وزير الأمن السابق) مع ناشطين سوريين من الطرف الآخر. وكانوا ثلاثة، سأل يعالون أحدهم (هل أنت سَلَفى؟) فأجاب : (بصراحة أنا لا أعرف من هو السَلَفى، إن كان ذلك يعنى أن اُصَلى أكثر ، فنعم ، كنت أصلى يوم الجمعة فقط ، والآن أصلى 5 مرات فى اليوم . ومن ناحية أخرى ، السلفيون لا يتعاونون مع الصهاينة ، وأنا أجلس الآن مع وزير الأمن الصهيونى ، لذلك فأنا لا أعرف إن كنت سَلَفيَّاً أم لا) .

 

الدعم الإعلامى :

حظى داعش بوجود كبير على شبكات التواصل الإجتماعى ، بفضل رعاية أمريكية خاصة. إستفاد التنظيم بذلك عند قمة ذروته بعد عام 2014 عندما بلغت نسبة المجندين عبر وسائل التواصل حوالى 80% من المتطوعين ، 20% فقط كانت من داخل المساجد . وكانت المواقع الألكترونية التابعة لداعش تنشر كتب التدريب العسكرى وصناعة العبوات الناسفة ودورات الأمن والإستخبارات.

وهناك موقع أسسته الصهيونية “ريتا كاتز” ليكون منصة إعلامية مقتدرة تخدم داعش والجماعات التكفيرية ، وتبث أخبارهم والأفلام الصادرة عنهم والتى لا يمكن العثور عليها فى أى موقع آخر.

ويقول مختصون فى الإعلام أن داعش تلقت دعماً لا شك فيه من الإستخبارات الأمريكية .

وقد زاد إحتياج داعش لهذا الدعم بعد أن تراجعت كثيراً وتيرة الإنضمام إلى التنظيم، بعد الهزائم الكبرى التى حاقت به فى مواطن نشأته فى العراق والشام ، وفشل تجاربه فى شرق وجنوب آسيا، ثم فى أفغانستان بشكل خاص، والتى يكتسب دوره فيها أهمية كبرى حاليا .

 

داعش طريد الأوطان :

لاقى داعش الفشل أينما حل . ذلك لأن مبعث حركته فاسد ومدمر للشعوب والمجتعات الإسلامية. فلم يتقبله أحد، ولفظه الجميع . وكثيرون حملوا ضده السلاح حتى داخل البيئة “السُنِّية” التى إدعى أنه جاء ليدافع عنها . فقد أكتشف مَنْ حوله أنه جاء لقتلهم ، وتأليب الجميع ضد الجميع واصْطِناع عداوات بين المسلمين، لصالح اليهود والمحتلين.

ولتغطية هذا الفشل إدعى داعش ـ وإخوانه ـ أنهم عالَمِيُّون وليسوا وطنيين . جهلاً بحقيقة أن العالم هو مجموع الأوطان ، كما أن الجبل هو مجموع الصخور التى تُكَوِّنَه. فلكل إنسان وطن وُلِدَ ونشأ  فيه، وغالباً يموت ويدفن فيه . وأى مسلم يفقد وطنه تصبح كل بلاد المسلمين وطنا له ـ إذا كان بها اسلام ـ ويمكنه العيش في أيها شاء ويصبح واجب على كل مسلم إعادته إلى وطنه إن كان قد اُخرج منه ظلماً وعدواناً، كما حدث لأهالى فلسطين .

 فى مغامراتهم الفاشلة ، ترك الدواعش زوجاتهم وأولادهم فى شتى البلدان ، لا يرون لأنفسهم مخرجاً ، ولايرغب أحد ـ بكل أسف ـ فى مد يد العون لهؤلاء الضعاف الأبرياء . وتمادى الكثير من المجرمين فى الترويج لنظرية شيطانية تحذر من أن هؤلاء الأطفال الأبرياء سيكونون دواعش المستقبل، يهددون أمن البلدان التى قدموا إليها . إنه عالم يتبارى فى القسوة والإجرام.

فلنقارن تلك الصورة مع ما يحدث فى أفغانستان . فرغم أربعين عاما من الجهاد وملايين الشهداء لم يسمع أحد بضياع الصغار وأمهاتهم . فالمجتمع الأفغانى الذى إحتضن فريضة الجهاد وأفرز لها خيرة أولاده ،هو الذى تبنى الأيتام والأرامل كفريضة تعادل فريضة الجهاد وتتكامل معها.

ومع هذا فإن الحمقى الضائعون ، الذين أضاعوا أطفالهم ونساءهم يأخذون على حركة طالبان أنها حركة وطنية وليست عالمية !!. فلولا وطن إسمه أفغانستان ، وإيمان شعب الأفغان ما كان هناك إنتصارات للإسلام بهذا القدر من الإعجاز ، ولا كان ممكناً إنتصار المسلمين على أخطر إمبراطوريات الشر فى تاريخ البشر.

 

ولاءات متعددة للدواعش :

يقدم الإحتلال الأمريكى للدواعش فى أفغانستان دعماً قتاليا مباشراً إلى جانب الترويج الإعلامى لتضخيم خطر التنظيم لإستثمار ذلك سياسيا لديمومة الإحتلال بدعوى مكافحة الإرهاب.

تفشت الأمراض الأخلاقية لمبدأ الإرتزاق القتالى، ومن أهمها ضعف الولاء وعدم وجود هدف أسمى للقتال، غير أنه وسيلة للإثراء . تعدد ولاء المرتزقة ـ وفى مقدمتهم داعش ـ فباعوا خدماتهم فى سوق مفتوحة لمن يدفع، من أى جهة كان . سواء كان دولة أو جماعة أو فردا. فظهرت حالات التخلص من الدواعش المرتزقة بعد أداء عملياتهم حتى لا تنكشف هوية الجهة التى إستأجرتهم .

– من أشهر عمليات الدعم التى قدمها الجيش الأمريكى لدواعش أفغانستان ، عملية تاريخية بالفعل كونها المرة الأولى لإستخدام أضخم قنبلة فى الترسانة الأمريكية ـ وأقوى قنبلة غير نووية ـ أطلقوا عليها ” أم القنابل” تيمناً بتسميات “صدام حسين”. القنبلة وزنها أكثر من عشرة أطنان، وثمنها 16 مليون دولار . وقد إستخدموها فى تاريخ (2017/ 4/ 15) ضد مواقع مجاهدى حركة طالبان الذين كانوا يحاصرون الدواعش فى منطقة أتشين فى ولاية ننجرهار. قال ترامب أن القنبلة دمرت خنادق ومغارت لداعش . ولم يكن هناك شئ من ذلك، ولكن الإنفجار قتل ما بين 54 إلى 94 من الأهالى . وحسب قول مندوب فى البرلمان الأفغانى فإن مياه أتشين أصبحت سامة والأرض الزراعية بارَتْ .

– أردفت أمريكا ذلك الدعم العسكرى للدواعش بدعم إعلامى كبير. فبعد يوم واحد، إفتتحت لهم إذاعة فى القاعدة الجوية فى جلال آباد ، وأسموها (صوت الخلافة) !! يذيعون منها أخباهم .

فى خريف عام 2016 حاول الدواعش التسلل من باكستان للوصول إلى منطقة (أزره) فى لوجار والتى أرادوا تجهيزها كقاعده بالقرب من كابول . فتصدى لهم مجاهدو طالبان وأفشلوا مخططهم رغم تعرضهم مرارا لقصف الطائرات الأمريكية التى هبَّت لدعم الدواعش .

 

داعش داخل صراع الأجهزة :

عملية نموذجية لإستخدام الدواعش كقرابين فى صراع الأجهزة وأجنحة النظام الحاكم فى كابل،  فى تلك العملية قام عشرة من الدواعش مرتدين ملابس القوات الخاصة الأمريكية ، مستخدمين سيارتين من النوع الذى لا يمتلكه غير تلك القوات .

فعبروا جميع نقاط التفتيش الموجودة بكثافة حتى وصلوا بالقرب من مبنى وزارة الداخلية. وكأن قوات الحراسة كانت فى إنتظارهم فقتلوهم جميعاً وغنموا السيارتين سالمتين .

عضو برلمانى تساءل عن كيفية حصول الدواعش على السيارتين وكيف عبروا جميع نقاط التفتيش . ثم لماذا قاموا بتلك العملية؟ (هل ليقتلوا أنفسهم فقط؟) حسب سؤاله .

 وهناك أمثله أخرى لعمليات داعشية أساسها حسابات سياسية لنظام كابول، للضغط على دول خارجية لإتخاذ موقف مساعد للنظام، ومزيد من التوريط فى الحرب الدائرة . ومن أمثلتها:

 

هجوم داعشى على معبد للسيخ :

 فى رسالة إلى الهند لتبذل المزيد من العون للنظام . هجوم وقع فى كابول يوم (2020/3/24) وأسفر عن مقتل 25 شخصا وجرح ثمانية. وتضاربت المعلومات حول عدد المهاحمين وكيفية إدارة العملية . فقيل أن المهاجمين كانوا أربعة، من بينهم إنتحارى . ثم قيل بل شخص واحد قام بالعملية . لكن النتيجة المؤكدة عدم وجود فرد واحد ممن نفذوا الحادث .

ثارت الهند وهددت بإرسال قوات إلى أفغانستان . ثم هدأت وأرسلت بعض الأسلحة والمهمات التى لا ضرورة لها . كانت الهند تحت ضغط أمريكى لتكثيف وجودها العسكرى فى أفغانستان بعد الإنسحاب الأمريكى ، وعرضوا عليها مزايا مغرية للغاية ، عبارة عن (ممتلكات) فى شواطئ إمارة دبى .

 

هجوم للدواعش على إجتماع عزاء للقائد الشيعى عبد العلى مزارى:

كانت عملية داعشية ضد قيادات شيعية. قتل فى الهجوم 27 شخصا وجرح 55 آخرين . وكان فى مجمع العزاء عدد من أهم قادة النظام ، لم يصب منهم أحد.

فى رسالة للشيعة بأن النظام هو من يحميهم من الدواعش وطالبان ، لتتوقف موجة إلتحاق الشيعة بحركة طالبان والقتال إلى جانبهم . ورسالة إلى إيران بأن نظام كابول هو الحليف الموثوق.

 

القوات الخاصة الأمريكية .. لإنقاذ الدواعش :

مشهورة تلك العمليات التى قامت بها القوات الخاصة الأمريكية على سجون يحتفظ فيها طالبان بالدواعش . وهى أماكن إحتجاز بدائية، إعتمادا على أن المناطق حولها تحت السيطرة ويصعب الحركة فيها بغير معرفة طالبان . ولكن القوات المحمولة جوا هاجمت عددا منها وحملوا الدواعش معهم فى المروحيات . فى حين أن أماكن إحتجاز أسرى الجيش والشرطة كانوا يقصفونها بالطائرات لقتل من فيها، بسبب أنهم كانوا يعودون إلى قبائلهم متعهدين بعدم العودة للقتال . أما الدواعش فإنهم يقاتلون إلى جانب الأمريكان إلى آخر نقطة دم طالما تصلهم رواتبهم.

– يلاحظ فى آخر أفلام داعش الدعائية أن معاركهم كانت فقط ضد طالبان، وعدم وجود مشهد واحد للقتال ضد الأمريكيين الذين يقدمون للدواعش الدعم الجوى ، أو ينقلونهم بالطائرات إذا وقعوا فى الحصار . أولإنزالهم فى مناطق طالبان الحصينة بدون المرور على الدفاعات ونقاط الإنذار . ثم بعد العملية تسحبهم طائرات الهيلوكبتر إلى القواعد الأمريكية.

   ومشهورة حوادث وقوع الدواعش فى حصار قوات طالبان ـ فى شمال أفغانستان ـ ثم فرار الدواعش إلى القواعد العسكرية الحكومية . لتنقلهم المروحيات بعد ذلك بعيداً عن المنطقة . كان معظم هؤلاء من(دواعش شمشتو) القادمين من باكستان، أى الطبقة السفلى من دواعش خراسان.

 

قَبَلِيّون : دواعش فى سبيل النفط :  

أما الطبقة العليا من الدواعش، فهم من الأفغان المنتمين إلى قبائل معروفة . وبعضهم عمل لفترة فى صفوف الإمارة الإسلامية ، قبل أن يجرفه تيار الفتنة وتحصيل الأموال . فطردتهم الإمارة واتهمتهم فى قضايا فساد وطلبتهم للمحاكمة ففروا إلى داعش ، رافعين شعارات الفتنة الدينية . وأظهر أحد قادتهم تطلعه إلى ثروة النفط ، والعمل تحت إمرة الشركات النفطية المتربصة على الحدود مع تركمانستان لتمرير خطوط الطاقة ” تابى” إلى الأراضى الباكستانية ، ثم إلى الهند .

ملا عبد المنان نيازى أحد رموز تلك المجموعة التى إنضمت إلى الدواعش هربا من الإمارة . ثم حاولوا التكلم بإسمها. وساعدته تركياعام2015 مدعيا تمثيل الإمارة فى مباحثات للمصالحة مع حكومة كابول عقدت فى إسطنبول . لكن المحادثات فشلت بطريقة مخزية . وفشل نيازى فى أول ظهور دولى .

ولكنه أمسك خيطا آخر ـ ربما بمشورة الأتراك ـ بأن تبَنَّى مشروع “تابى” مستغلا إرتباطاته القبلية ومعرفتة بالمناطق التى ستمر فيها الأنابيب .

وفى حوار إعلامى مع محطة تلفزيونية أمريكية تسمى (إيران إنترناشيونال) قال نيازى أنه يؤيد مشروع “تابى” وأن هناك دول تعادى المشروع مثل روسيا وإيران وباكستان.

وقال أنه يستطيع حماية المشروع ، وأن دول الجوار مثل تركمانستان (التى ستدخل منها الأنابيب إلى أفغانستان ) ينبغى أن تتكلم معه حتى يصل المشروع إلى نتيجة حقيقية.

لقد هُزِمَت داعش فى كل أفغانستان . ونيازى يبحث لنفسه عن دور كبير، يدفعه وهْمٌ كبير. فهو لم يستطع أن يكون قائدا فى الإمارة الإسلامية ، ولكن مازال يحدوه الأمل فى أن يكون أميراً نفطياً .. يسكن القصر .. ويُطَبِّع علاقاته مع إسرائيل .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

داعش .. قصة المرتزقة والدماء الرخيصة