الدور الريادى لعبيد النفط (2)

الدور الريادى لعبيد النفط (2)

مقال “الدور الريادى لعبيد النفط”  مكون من ثلاثة أجزاء هى :

1 ــ ماذا يعنى ربط مشيخات الخليج والسعودية بإسرائيل ؟ .

2 ــ معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد .

3 ــ الحركة الإسلامية ، وإمبراطورية اليهود فى (الشرق الأوسط الجديد).

 

الدور الريادى لعبيد النفط

(2)

معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد

أولا ــ سوريا / وحزب الله ــ عقبات معقدة
أمام مشاريع المياه والسكك الحديدية ، ونقل الطاقة :

(1)  سوريا تعترض جغرافياً مسيرة خط مياة السلام التركى ، حسب مقترح تركى عام 1987 لإيصال المياة المنهوبة من نصيب مياه شعبي سوريا والعراق فى نهرى دجلة والفرات، اللذان ينبعان من تركيا، لإيصالها إلى السعودية ومشيخات الخليج عبر سوريا ثم الأردن.

وخط آخر إقترحته تركيا يمر من سوريا إلى إسرائيل فالأردن والسعودية والمشيخات .

كلا الإقتراحين فشلا بسبب الموقف السورى الخارج عن الإجماع الإسرائيلى السعودى الخليجى.

(2)  سوريا مثلت عقبة أخرى بالنسبة لموقعها من خط السكة الحديدية الذى كان يربط الحجاز بأراضى الشام ويَمُر بدمشق . والذى ظل يعمل حتى عام 1948 إلى أن أوقفته الحرب اليهودية على الفلسطينين والعرب.

خط حديدي آخر أقامة الإنجليز يربط  بورسعيد المصرية بمدينة طرابلس فى لبنان عبر العاصمة بيروت . “أى أنه بشكل غير مباشر مرتبط بالقرار والمصالح السورية” .

— سوريا موجودة فى المخططات اليهودية الثلاثة لبناء شبكة طرق دولية سريعة تربط المنطقة ببعضها وبأوروبا :

 ــ واحد يربط الشمال الأفريقي بأوروبا عبر مصر /إسرائيل/ سوريا / تركيا.

 ــ والثانى يربط الشمال الأفريقي بالعراق والخليج الفارسى، عبر إسرائيل وسوريا.

ــ وثالث يربط غزة بالقدس وعمان ودمشق وحيفا .

الدول التى تمر منها الطرق ستساهم فى التمويل . وجزء من الطرق تبنيه مؤسسات دولية تُمْنَحْ حق تحصيل رسوم مرور .

 (3) معلوم أن سوريا كانت عقبة فى تمرير خطوط طاقة تربط الخليج مع جنوب العراق وصولاً إلى شاطئ المتوسط عبر سوريا . فكان ذلك سبباً أساسياً لإحراقها فى حرب (الربيع العربى).

ــ عموما سوريا تشكل عقبة كبرى أمام (الشرق الأوسط الكبير) ومشاريعة الخاصة بالطاقة والمياه والمواصلات . وكذلك حزب الله فى لبنان يمثل نفس المشكلة ، مضافاً إليها قدرته على الإشتباك المسلح مع إسرائيل من باب الدفاع عن أراضي ومياه لبنان وحقوقها فى حقول الغاز فى البحر المتوسط ، التى يفرض عليها الحزب غطاءً صاروخياً يهدد أى تجاوز إسرائيلي عليها.

 

 ثانيا ــ  مياه الخليج الفارسى..

خندق نيران .. أو ساحة حرب مصيرية

إسرائيل متواجدة فى مشيخات النفط بدوافع النهب الإقتصادي ، فى خطوة أساسية لترسيخ إمبراطوريتها اليهودية ، أو حسب مصطلحاتها المنافقة (الشرق الأوسط الجديد).

إمبراطورية لا تعتمد على المال فقط ، إذ لابد لها من قوة مسلحة . فلأسباب نفسية وتاريخية لا يتحمل اليهود قتالا أرضيا حقيقيا لفترة طويلة.

لذا تعتمد إسرائيل على عنصرين هما : سلاح الجو ـ وسلاح التجسس. وكلاهما مدعوم بقاعدة بحثية وتصنيعية بالغة الرقى ، وهنا يأتى دور الدعم الأمريكى والأوروبى عامة .

نشاط التجسس الإسرائيلى ـ المتفوق تكنولوجيا ـ منتشر بكثافة فى مشيخات النفط ، وفى بلاد الحرمين الشريفين ، وتحديدا حول الحرمين الشريفين .

ويغمض المسلمون أعينهم عن تلك الحقيقة تهرباً من تحمل المسئولية . رغم أن (إغلاق العين لا يعنى عدم وقوع الرذيلة) .. التى وقعت فيها الأمة جميعا .. إلا من يبذل جهدا لوقفها بيَدِه .. أو بيَدِه .. أو بيَدِه ، وليس وراء ذلك ذرة من الإيمان .

الطيارون الإسرائيليون يشاركون بنشاط فى حرب اليمن . يمتطون طائرات سعودية وإماراتية ، ويقومون بمهام قصف وتدمير، وتدريب وتوجيه وجمع معلومات . وسماء جزيرة العرب بالكامل مفتوحة أمام طيارانهم المدني والعسكري ، سراً وعلناً.

— لكن بعد إعلان إلحاق الإمارات ـ علناً ـ بالإمبراطورية اليهودية (الشرق الأوسط الجديد) لن تتراجع إسرائيل عن إرسال قطع من أسطولها إلى مياه الخليج . قد تتردد فى ذلك لبعض الوقت لكنها لن تلغى الفكرة .

ــ وإذا حدث ذلك فإن صفحة جديدة من الصراع فوق مياه الخليج سوف تبدأ ، بإنتقال الحدود البحرية والبرية لإسرائيل إلى بعد أمتار من الحدود الإيرانية .

سيخلق ذلك توتراً خطيرا فوق مياه الخليج ، ويصنع حافة هاوية تقف فوقها المنطقة، مع إحتمال حرب غير مسبوقة . وستكون إسرائيل أمام تحدى لتثبيت الحدود الشرقية لإمبراطوريتها الجديدة (الشرق الأوسط الجديد) أمام التحدى الإيرانى فى منطقة الخليج الفارسى، التى هى من أخطر نقاط التوازن الدولى ، ومفتاح الطاقة والإقتصاد .

ثلاث قوى أساسية فى آسيا ستجد نفسها معنية مباشرة بحفرة النيران الجديدة . وهى روسيا والصين والهند . جميعها ستتأثر بشدة بأخطار الخليج الفارسى ، وبالتغيرات الجديدة فى الطبيعة (الجيوسياسية) لبلاد العرب”سابقا”، وتحولها إلى إمبراطورية يهودية جديدة.

 { ملاحظة حضارية : لأول مرة يجتمع العرب تحت راية إمبراطورية بعد إنهيار دولة الخلافة العثمانية ، الآن يجمعهم اليهود فى دولة واحدة تحت شعار السلام والأرباح ومحاربة الأصولية الإسلامية ــ أو بتلخيص آخر : دولة “السلام اليهودي” المحارب للإسلام }.

 من الطبيعى أن تبحث إسرائيل عن ترضيات مناسبة لتهدئة مخاوف تلك القوى، لتكسب موافقتها على ما يحدث ، أو على الأقل وقوفها بحياد والبحث فى الحطام العربى عن مغنم ما.

يجب أن تتناسب الترضية ـ إذا حدثت ـ مع حجم المخاطر والأضرار المتوقعة. وهى كبيرة جدا على مصالح تلك الأطراف .. مثلا :

ـ تهديد إمدادات النفط الحيوية الذاهبة عبر الخليج إلى كل من الهند والصين .

ـ تهديد التعامل التجارى بين تلك الدول ومشيخات النفط والسعودية التى تعتبر أسوقا مهمة ، أو محطة ترانزيت لبضائعها .

ـ التوتر العسكرى فى الخليج سيهدد ميناء(تشبهار) الإيرانى المطل على بحر العرب والمحيط الهندى ، والذى يربط تجاريا بين الهند وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وأفغانستان وتلك دول لا تمتلك موانئ على البحار المفتوحة . وروسيا كان حلمها التاريخى القديم أن تطل على تلك البحار الجنوبية الدافئة.

 

يضاف إلى ذلك أن الخطط الإسرائيلية ترمى إلى تحويل البحر الأحمر إلى مجرد شريط مائى ضيق يخترق أراضيها الجديدة . بوضع اليد على باب المندب / وجزيرة سوقطرة اليمنية .

بالسيطرة على البحر الأحمر ومداخله سيتاح لإسرائيل التحكم فى المدخل الجنوبى لقناة السويس ويجعل المرور منها مشروطا أو محظورا ، بمبررات من السهل إصطناعها. وبهذا سيخضع المرور من قناة السويس  للسيطرة اليهودية. أى أن إتصال تلك الدول الكبيرة (الصين ، روسيا، الهند، إيران) مع شمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط ، سيكون تحت إشراف وسيطرة إسرائيل.

 –  توتير إسرائيل للوضع الأمنى فى الخليج الفارسى سوف يرغم تلك القوى على بذل المزيد من الإهتمام بالمنطقة . وربما إلى إتخاذ إجراءات أمنية إستثنائية . خاصة بين الثلاثى روسيا والصين وايران . وقد يصل ذلك إلى نوع من التنسيق العسكرى أو حتى التحالف فى ظل تطورات معينة.

– وهناك تلويح بإسترضاء الهند، بمنح رعاياها حكما ذاتيا على قطعة من الشاطئ(العربى) للخليج الفارسى ، يقال أنها قد تكون دبى. وربما تنال الفلبين إستدراجا إلى المنطقة بمنح رعاياها إمتيازا مماثلا مقابل مشاركة عسكرية إلى جانب إسرائيل للمحافظة على الأوضاع الجديدة . وعلى المدى المتوسط لابد من إفراغ ذلك الشاطئ الخليجى من أى تواجد عربى أو إسلامى . وكذلك مناطق النفط السعودية ، والمناطق حول مكة والمدينة التى سوف يعود إليها اليهود مجدداً مطالبين بتعويضات عن ممتلكاتهم وعوائدها خلال الأربعة عشر قرنا التى تواجد فيها إسلام فى تلك المناطق . وقد بدأت بالفعل موجة سعودية لتهديم ممتلكات للقبائل حول المدينة المنورة ومكة وغيرها من المناطق .

هذا التطهير السكانى تشنه إسرائيل بواسطة كلابها المحليين فى عدد من الدول العربية، تأتى مصر والسعودية والبحرين على رأسها. أما اليمن فتخضع لتطهير عرقى ودينى مستمر منذ أكثر من خمس سنوات . وكذلك ليبيا ، وسوريا منذ بداية حرب”الربيع” إلى الآن .

 

فوائد حافة الهاوية :

توتير الأوضاع مع إيران فوق مياه الخليج ، ووضع المنطقة على حافة هاوية الحرب سوف يساعد كثيرا فى دفع المشروع الإمبراطورى اليهودى قدماً .

فسوف يتشبث عبيد النفط بإسرائيل كطوق نجاة وباعث على الأمن والطمأنينة . وبمزيد من تسويق الخطر الإيرانى سيكون دفع الإتاوات المالية أكثر سلاسة ، وتوقيع صكوك الديون الفلكية للبنوك اليهودية هو أيسر أعمال الحكام . وسيكون تحويل”يافا” إلى مرفأ وعاصمة لجزيرة العرب، كبديل عن الخليج الفارسى الخطير والمهدد ، عملا مبرراً بل ودليل على الوطنية عند البعض . ودليل على حسن الإسلام وسلامة العقيدة وسماحتها عند القطاع المتدين بمذهب عبيد النفط . وطاقة إنعاش لجماعات الفتن الدينية فى جيش الدفاع الإسرائيلى وفرق المستعربين فى الموساد ، ورعايا “دحلان” .

 

إنعكاسات حرب أفغانستان على أوضاع الخليج:

أهم تلك الإنعكاسات هو غسيل أموال المخدرات ، التى تخوض فيها بعمق بعض البنوك فى الإمارات. وتعتبر إسرائيل إلى جانب البنوك اليهودية العظمى فى الولايات المتحدة وأوروبا، هى المستودعات النهائية لذلك الطوفان المالى الهائل.

ومجال آخر يمكن أن يطل على شاطئ المشيخات، هو تجارة المياه . وإسرائيل أكبر أعمدتها بواسطة السد الذى بنته فى الحبشة لحجز مياه النيل الأزرق لبيعها فى السعودية والمشيخات.

{ سوف تحصل اسرائيل على رسوم مالية نظير عبور المياه من تركيا إلى السعودية ومشيخات الخليج وهى المياه المنهوبة من نصيب شعوب سوريا والعراق } .

ــ نتائج حرب إسرائيل وحليفتها أمريكا على شعب أفغانستان جاءت مخيبة لآمالهم بخصوص مشاريع المياه ، التى كانوا يأملون فى سحبها من نهرى سيحون وجيجون بأنابيب ونقلها إلى جانب الغاز والنفط ـ من آسيا الوسطى ـ إلى ميناء جوادر الباكستانى المطل على بحر العرب، لتسويقها فى السعودية والخليج وإسرائيل والعالم بواسطة ناقلات بحرية أو خط أنابيب . نفس الإحتمال غير مستبعد بالنسبة لخطوط الطاقة القادمة من آسيا الوسطى إلى ميناء جوادر، أى نقلها عبر أنابيب إلى الشاطئ الخليجى /الإسرائيلى لتنضم إلى باقى قافلة الأنابيب المماثلة المتجهة إلى حيفا . لتزيد  مركز إسرائيل قوة فى مجالات تصدير الطاقة عالميا ، وبيع المياه إقليميا.

ــ خط السكة الحديد (مسقط / حيفا) سوف يسهل نقل وتوزيع المياه المنهوبة (من النيل أو جيحون) بواسطة خزانات تنقلها القطارات.

جهاد الأفغان أحبط الخطط المائية لإسرائيل فى أنهار آسيا الوسطى، وأحبط أيضا مشاريع نهب الطاقة من تلك البلدان . لكن تظل مياه النيل متاحة وفى إنتظار إستكمال سد الحبشة واستكمال مخزون المياه خلفه ، وتمديد خط نقل المياه إلى أى شاطئ أفريقى متاح ـ غالبا سيكون بورسودان أو ميناء فى جيبوتى.

 

غسيل أموال المخدرات …

دافع أساسى وراء الإسراع بكشف خطيئة “التطبيع”

مع تدهور سوق النفط والهبوط الشديد فى أسعاره ـ تصدعت ميزانيات مشيخات الخليج ـ ماعدا قطر ـ فأصبحت موارد بنوكها من غسيل أموال المخدرات فى أفغانستان هى أهم ثرواتها الوطنية.

من المفروض أن تتكفل السعودية والمشيخات بمصروفات تأسيس الإمبراطورية اليهودية الجديدة فى بلاد العرب، خاصة فوق أرض الجزيرة . مع تكاليف حصارها البحرى ، والبنية التحتية الجديدة التى تحتاجها الإمبراطورية {خطوط نقل الطاقة ـ وطرق برية سريعة وطرق حديدية . ومراكز فسق وفجور وسياحة .. الخ } مع تكاليف الحرب على الإسلام فى جزيرة العرب وعموم الإمبراطورية اليهودية الجديدة .

أهم الموارد المالية التى ستحصل عليها إسرائيل لتمويل مشروعها الإمبراطورى هى :

ـ ما تبقى من إحتياطات مالية لدى مشيخات الجزيرة .

ـ موارد بنوك غسيل أموال المخدرات .

ـ قروض تقدمها بنوك يهودية كبرى بوساطة من إسرائيل.

لهذا كانت اُولى الإجراءات الإسرائيلية فى الإمارات هى وضع يدها على البنوك والمصادر المالية، بالتطبيع المالى .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد

 




الدور الريادى لعبيد النفط . ماذا يعنى ربط مشيخات الخليج و السعودية بإسرائيل ؟ .

الدور الريادى لعبيد النفط (1)

مقال “الدور الريادى لعبيد النفط”  مكون من ثلاثة أجزاء هى :

1 ــ ماذا يعنى ربط مشيخات الخليج والسعودية بإسرائيل ؟ .

2 ــ معضلة سوريا وإيران مع النظام اليهودى للشرق الأوسط الجديد .

3 ــ الحركة الإسلامية ، وإمبراطورية اليهود فى (الشرق الأوسط الجديد).

 

الدور الريادى لعبيد النفط

(1)

ماذا يعنى ربط مشيخات الخليج والسعودية بإسرائيل ؟ .

 

عملية تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل ، ليست سوى عملية إلحاق أمني وعسكري وإقتصادي وسياسي للإمارات ، ثم باقى المشيخات والسعودية فيما بعد، بالشرق الأوسط الجديد، أى إمبراطورية إسرائيل ، المقامة على أنقاض ما كان يسمى قديما بالعالم العربى .

وإلحاق إقتصادي بواسطة مشاريع إستراتيجية تربطهم بإسرائيل ،على النحو التالى :

ــ  خط سكة حديد يربط تلك المنطقة بميناء حيفا.

ــ  خطوط أنابيب لتجميع (نفط وغاز) المنطقة ونقله إلى ميناء حيفا لتصديره إلى أوروبا.

ــ  تحويل حيفا إلى نافذة إرتباط تجاري ومالي وسياحي ، وإشاع ثقافي أوروبي على جزيرة العرب لإستبدال الثقافة الإسلامية بأخرى يهودية / مسيحية . وبهذا تصبح حيفا هى العاصمة الإقتصادية والثقافية والروحية للسعودية والمشيخات. وتتحول جزيرة العرب إلى ملحق للحضارة المسيحية/ اليهودية ، فى شرق أوسط يهودى جديد .

ــ  إنشاء خطوط نقل المياه (من تركيا والحبشة ) بإشراف إسرائيلى ، وتوزيعها على دول المنطقة ، ضمن مشروع كبير لإقتسام مياه المنطقة بين جميع دولها بما فيها إسرائيل ، طبقا لمعايير إقتصادية (أى عامل الربح أساسا) وليست عوامل سياسية أو إستراتيجية، وبدون إعتبار لمصالح الدول المنفردة . تشرف على ذلك إدارة مائية تكون جزءا من هيئة مركزية لإدارة المنطقة (حكومة لها شكل جديد مستحدث) ، تحت قيادة إسرائيل كرأس للإمبراطورية .

 

 تحميل العبيد النفطيين بالتكلفة المالية لإمبراطورية إسرائيل فى جزيرة العرب :

المشروع الإمبراطوري لإسرائيل فى بلاد العرب (من المحيط إلى الخليج)، خاصة فى جزيرة العرب ، تتكفل بمعظم كلفته المالية دويلات الجزيرة ، بما تبقى لها من طاقة مالية ، مع إستكمالها بقروض من البنوك اليهودية الكبرى .

تكاليف مشروع نيوم (500 مليار دولار) ، تتجمع مما تبقى لدى السعودية من أموال ، إضافة إلى قروض من بنوك يهودية بضمانة من إسرائيل . والمشروع فى شمال وشرق السعودية، وتعادل مساحتة مساحة فلسطين كاملة تقريبا ، ويطل على حوالى 400 كيلو متر من شواطئ البحر الأحمر. وهو أولا وأخيرا مشروع إسرائيلى لتحسين مركزها الإستراتيجى فى أى حرب قد تنشب مع إيران وحزب الله . ويعتبر أكبر قاعدة إسرائيلية فى جزيرة العرب لإدارة مشاريعها وحمايتها . ومن المفترض أن يضم قواعد لقوات (حلف الناتو) الإسرائيلى العربى، الموجه ضد إيران وشعوب العرب التى قد تتمرد مستقبلا.

{{ وكما هى القاعدة الأساسية فى الأنظمة التى تقيمها الرأسمالية اليهودية المتوحشة، ستكون الإمبرطورية الإسرائيلية الجديد دولة مشاريع عظمى فى الإقتصاد ، بالتوازي مع قمع وحشى ضد عدو إسلامى داخلى (الأصولية الإسلامية والإرهاب الإسلامي) بما يبرر غياب الديموقراطية فى الداخل . يرافق ذلك حروب خارجية مفتوحة (حرب إسرائيل فى أفغانسنان ضد الأصولية الإسلامية الإرهابية لأهل السُنَّة)، وحدود ملتهبة بإشتباكات وحروب وشيكة على الدوام ضد عدو إسلامى خطير هو إيران الشيعية، التى من أجلها تتحالف مع العرب السُنَّة وتقيم معهم تحالفاً دولياً مدعوماً من الغرب. ونلاحظ أنها إمبراطورية ضد الإسلام فقط فى كافة صورة وتحت دعاوى شَتَّى . فتارة هو إسلام سنى أصولى وإرهابى ، وتارة أخرى هو إسلام شيعى يدعم الإرهاب ويهدد الإستقرار والأمن }} .

– تكاليف حصار جزيرة العرب بقواعد إستخبارية وبحرية  إسرائيلية . خاصة فى جزر اليمن والخليج الفارسى، وجزر باب المندب والبحر الأحمر.

– إلزام النفطيين بتكلفة مشاريع خطوط النفط والغاز والماء، وبناء شبكة السكك الحديدية والطرق السريعة ، التى تربطهم بعاصمتهم الجديدة (حيفا) .

– تمويل ترتيبات دائمة للسيطرة والإدارة بالنسبة لمكة والمدينة بإشراف الموساد، ليدير مواسم الحج وقوافل العمرة طوال العام . بمشاركة مظهرية من السعودية ومنظمة الإدارة “أوالتعاون” الإقليمى الذى ستنشئها إسرائيل لتحكم بها المنطقة من وراء ستار .

– إلزام العبيد النفطيين بتكاليف قوة عسكرية/إستخبارية”لحماية السلام”والتصدى لأخطار”التوسع الإيرانى” و”التهديد الأصولي” وأخطار” الإرهاب الإسلامي”.. إلخ .

– تمويل إحتلال إسرائيل لجزر اليمن . وجزر شرق أفريقيا وإقامة دولة حول ميناء “بورسودان” لتصدير مياه النيل ، وتمويل أى منفذ بحرى آخر تختاره إسرائيل لتصدير ماء النيل إلى النفطيين العرب وإسرائيل والعالم .

 

حصار متعدد المجالات لجزيرة العرب :

الهدف هو جعل إسرائيل منفذا بريا وحيدا لجزيرة العرب ، والسيطرة على كامل حركتها البحرية ، بإشعال حدودها البحرية مع إيران، وجعل الخليج الفارسى ساحة ساخنة متوترة دوما وقابلة لإشعال حرب عظمى . وبهذا تنقطع الجزيرة عن المجالها الشرقى الأقرب. الإسلامي منه والأسيوي .

 الإسلامي : وهو إيران وأفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى ، ومسلمى باكستان والهند . والمجال الآسيوي : خاصة الهند والصين، رغم العلاقات الأزلية بين جزيرة العرب وبين هاتين الكتلتين الحضاريتين العظيمتين.

– إحكام السيطرة على الإتصال البحرى بين جزيرة العرب وأفريقيا .

– السيطرة الكاملة على إمكانية الإتصال البرى بين الجزيرة وأوروبا عبر تركيا، التى ستصبح جزءاً فاعلا فى المشروع الإسرائيلى للمنطقة، خاصة فيما يتعلق بمشاريع المياة والطرق الدولية إلى أوروبا . وأيضا مشاريع الطاقة، خاصة بعد التوصل إلى تسوية تنهى التنافس بين إسرائيل وتركيا حول حصص الغاز فى البحر المتوسط ، ويليه بالضرورة الإتفاق على سياسة تسويق عالمية تراعى المصالح الإمبراطورية لإسرائيل والولايات المتحدة والخاصة بضرب حصة توريد الغاز الروسى إلى السوق الأوروبى وتحديدا مع ألمانيا.

 {{ رغم أن تركيا فى موقع المتعاون والمستفيد من المركز الإمبراطرى لإسرائيل فى المنطقة العربية ، إلا أن أوروبا والغرب والنفطيون العرب ، لا يشعرون بالراحة تجاهها كونها تدافع بعناد ونجاح عن حقوقها فى حقول غاز المتوسط ، وذلك يضعف نسبيا المكانة التى تسعى إليها إسرائيل لتصبح قوة كبيرة فى مجال تسويق الغاز إلى أوروبا والعالم . كما أن الموقف التركى المتشدد فى تمسكه بالحقوق الوطنية يحرج كثيرا باقى الخونة فى مصر وشرق ليبيا ودول الخليج . فهؤلاء يفضلون سيسى أخر فى أسطنبول بدلا من أردوجان}}.

– فصل دول الشمال الأفريقى عن عمق القارة الأفريقية بسلسلة أنظمة فى جنوب الصحراء الأفريقية ، تكون تحت سيطرة إسرائيل والغرب. ومنع إتصال مصر بالعمق الأفريقى بإغلاق المجال السودانى بنظام عسكرى صهيونى مماثل للنظام المصرى. إضافة إلى قطع النيل عن مصر ، وهو الرباط الطبيعى الوثيق بين مصر وعمق قارة أفريقيا وشرقها .

 ــ فى النتيجة تكون إسرائيل هى المجال الوحيد المفتوح أمام مصر والشمال الأفريقى للإتصال مع قارات آسيا  وأوروبا ، برياً على الأقل . هذا مع العلم أن إسرائيل تريد رباطاً إدارياً يضم جميع موانئ المنطقة العربية والأفريقية المطلة على البحرين الأبيض والأحمر وبهذا يوضع العرب جميعا تحت حصار بحرى يهودى ، بإدارة إمبراطورية تشرف على كل بلاد العرب ضمن إطار إستعمارى تبتكره إسرائيل، بحيث يوافق نفسية النفاق السياسي والثقافي الأوروبي.

ــ  ذلك الإطار الجديد سيشرف أيضا على الحركة الجوية فى سماء العرب بدعوى التطوير وتحقيق الأرباح ، وهى كلمة السر للمشروع اليهودى الجديد، أو الشرق الأوسط الكبير.

فى نهاية المطاف ، المشروع الإسرائيلى الإمبراطوري سيضع بلاد العرب جميعها فى الجيب اليهودي ويعزلها عن العالم (برا وبحرا وجوا) إلا عبر النافذة اليهودية وبموافقتها .

– جزيرة العرب بشكل خاص ستكون أشد عزلة وحصارا. والمنطقة العربية كلها ستكون ساحة للشركات والبنوك اليهودية ، وتحت السيطرة الأمنية اليهودية ، وتحت حراسة قوة عسكرية تقودها إسرائيل ويساهم فيها عسكر المنطقة ومرتزقتها ، وهو ماسبق وأشار الأمريكيون واليهود إليه بأنه حلف “ناتو” إسرائيلى عربى موجه ضد إيران كعدو مشترك لليهود “الصهاينة” والعرب ” السُنَّة ” يرعى الإرهاب ويزلزل الأنظمة.

إنتشار الفقر والجهل والإنهيار الثقافى والأخلاقى والدينى ، جميعها عوامل إنعاش لسوق المرتزقة والجواسيس من أبناء الشعوب العربية، للعمل كمرتزقة فى خدمة إسرائيل.

–  الكيانات الوطنية ستصبح هياكل شكلية لصالح إدارة إسرائيلية تقوم بدورالدولة (أو الحكومة المركزية) لشعوب المنطقة ، بإعتبار وحيد هو تحقيق الأرباح بعيدا عن إعتبارات التاريخ والإستراتيجية .

 مشاريع اليهود سوف تستثمرالمنطقة كملكية خاصة بها . كمنجم وسوق ومتجر ومنتجع ترفيه وفجور يجذب سياح العالم ، ويعيد للمنطقة مكانتها فى “عالم السلام”، المضاد كليا للإسلام الذى يُنْظَر إليه فى الشرق الأوسط اليهودي الجديد كعدو يجب طرده أو دفنه فى تراب المنطقة التى إنبثق منها .

– أهم دولتين إسلاميتين على حافة المنطقة العربية هما تركيا وإيران . إسرئيل إختارت تركيا لتكون شريكا فى إقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد ، تحت عنوان السلام . وإختارت إيران لتكون عدوا مصيريا وعقائديا لإمبراطوريتها الجديدة . وإختارت أن تجعل الخليج الفارسي خندق نيران ، يمنع إتصال جزيرة العرب بإيران وما خلفها (آسيا الوسطي الإسلامية والعمق الإسلامي فى أفغانستان وباكستان والهند ). هذا الخندق يكون مُبَرِّرَا لفرض حصار بحري إسرائيلي على جزيرة العرب من جهاتها الثلاث . ومبررا لتواجدها العسكري والإستخباري المسيطر على الشاطئ “العربي” من الخليج .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الدور الريادى لعبيد النفط . ماذا يعنى ربط مشيخات الخليج و السعودية بإسرائيل ؟ .

 




فى ذكرى الأم الكبيرة والدة المجاهد العظيم "جلال الدين حقانى" رحمه الله

فى ذكرى الأم الكبيرة

فى ذكرى فراقها الصعب .. فى الذكرى الثلاثين لوفاتها. إلى أمى الكبيرة وأم جميع المجاهدين الذين منحتهم دعائها وبركتها . والدة المجاهد العظيم “جلال الدين حقانى” رحمه الله ، وجَدَّة القائد الكبير “سراج الدين حقانى”.

 

فى ذكرى الأم الكبيرة

الخط الأبيض فوق الجدار الرمادى

 

واحدة من أمهات أفغانستان المسلمات المجاهدات . تَخَرَّج من تحت يديها مئات الرجال المجاهدين الذين رَعَتْ أبنائهم وزوجاتهم أثناء غيابهم فى ساحات الجهاد ، أو بعد شهادتهم فى سبيل الله .

جميع أبنائها من المجاهدين العظماء .. يكفى أن أحدهم هو جلال الدين حقانى وإخوانه إسماعيل  وإبراهيم وخليل . ومن أحفادها عدد لا يحصى من عظماء المجاهدين . يكفى أن أحدهم هو (سراج الدين حقانى) الذى إستلم مشعل الجهاد من يد والده العظيم، والعالم الجليل “جلال الدين حقانى” ، ليمضى بمسيرة الجهاد فى أفغانستان إلى آفاق عالية صدمت أعتى إمبراطوريات الشر. حتى صنفه الأمريكيون وحلفاؤهم الإسرائيليون بأنه أخطر شخصية جهادية فى أفغانستان فى الوقت الراهن . تماما كما كان ينظر السوفييت إلى والده رحمه الله.

 

الخط الأبيض فوق الجدار الرمادى :

سنبدأ حديثنا عن الأم العظيمة ـ أو الأم الكبيرة ـ التى تربى سراج الدين وإخوانه تحت يديها وبإشرافها . ومعهم مئات من أطفال المجاهدين والمهاجرين .

 

شهر أغسطس 1979 :

فى حى المهاجرين فى مدينة ميرانشاة الحدودية ، قابلت لأول مرة (الأم الكبيرة ) ، والدة جلال الدين حقانى فور رجوعى من مركز قيادته فى منطقة (سرانا) قرب مدينة جرديز . وبرفقتى إبن شقيقتها ، مولوى”سَرْوَرْ جان” . وفى بيتهم الصغير الضيق قليل الإضاءة رحبت بنا(الأم الكبيرة) وسألتنا بلهفة عن أخبار ابنها جلال الدين. وسَأَلَتْ عمن حوله من رجال، وكلهم إما أقارب أو من نفس القبيلة والجيران .

ثم تطرق الحديث إلى أطفال حقانى الصغار وهما(نصير الدين ، وشقيقه سراج الدين) وتكلمت الجَدَّة عن نشاطهما الجَمْ الذى يتعبها كثيرا ، خاصة إلحاحِهما عليها للإلتحاق بوالدهما فى الجهاد. فأخبَرَتْهُما أنهما مازالا صغيران ، ولابد من الإنتظار حتى يكبرا . فسألاها إلى أى حد يكبران حتى يسمح لهما بالجهاد؟ .

فأخذت حجرا من الكِلْس الأبيض ورسمت لهما خطاً على الجدار الطينى للغرفة وقالت لهما: (أن تكبرا حتى هذا الخط) . ثم تركتهما وذهبت . وبعد قليل أدركاها وهما يركضان ويقولان بحماس وأنفاس متقطعة : جدَّتى لقد كبرنا الآن ، ونريد الذهاب إلى الجهاد . ثم سحباها من يدها إلى حيث الجدار الطينى وخط التحدى المرسوم بالجير الأبيض ، ثم سحبا مقعدا ووقفا فوقه فصارا بمحازاة الخط . وقالا للجدة بلهجة الإنتصار: ها قد كبرنا دعينا إذن نذهب إلى الجهاد . من حسن حظى أننى شاهدت وقتها ذلك الخط الأبيض فوق الجدار الرمادى . وخطر لى أننى ما زلت تحت ذلك الخط بكثير .

 

الأربعاء ـ الأول من أغسطس 1990 :

معسكرنا الرئيسى لعمليتنا القادمة كان فى منطقة دروازجى على مسافة ليست بعيدة عن خط الدفاع الجبلى للعدو، الذى خلفه بعدة كيلومترات قليلة مطار المدينة الذى هو هدفنا القادم.

كانت أجواء معسكرنا مرحة ونشيطة فى ذلك الصباح، إلى أن ظهر فجأة الكومندان كريم في سيارته الصغيرة، ثم هبط منها وأقترب نحوى مسرعاً، ثم أخذنى من ذراعى وإنتحي بى جانباً بعيداً عن الآخرين، ثم همس فى أذنى بأنه غادر المعسكر ليلاً نحو جاور عقب سماعه نبأ وفاة إسماعيل شقيق حقاني.

كان النبأ مزعجاً للغاية فى ظروف إشتداد العمليات حالياً، مع تأثير ذلك على حقانى نفسه الذى فقد الكثيرين عن أفراد عائلته في الحرب، ولكن هذه هى المرة الأولى التي يفقد فيها أحد إخوته الثلاثه وأكبرهم سناً، وأقربهم إلى قلوب المجاهدين بعد حقانى نفسه، فقد كانت شجاعته وكفاءته العسكرية مضرب الأمثال وموضع إعتماد حقاني والمجاهدين.

كنت أعرف أن إسماعيل قد أصيب أثناء المعارك بجرح عميق في كف يده اليمنى وأنه إنتقل إلي ميرانشاه للعلاج، ولم يكن هناك ما يتوجب القلق في حالته، فالإصابة لا تعتبر خطيرة. إنصرف كريم، وكان لابد أن نذهب إلى حقانى لتقديم التعزيه له، لكن مكانه غير معلوم لدينا حالياً.

 

الجمعة 3 أغسطس 1990 :

فى الصباح ذهبت لتعزية الشيخ حقاني، وكان بصحبتى أبو الحارث وطلحة، وأبو شداد. سألنا عنه فدلُّونا علي مكانه فى مسجد المهاجرين. ذهبنا إليه فوجدناه يغادر المسجد فصافحناه مُعَزِّين ، فرد عليا بابتسامة رائقة ، وعيون مترقرقة بالدمع .

كان فى حالة من الحزن النبيل لم أشاهد مثلها من قبل.

صَحِبناه إلى منزله وذهبنا إلى القسم الخاص بالضيوف حيث هناك شقيقاه إبراهيم وخليل جالسان بين وفود المعزين فقدمنا لهما التعازى. ولما كانت دموع الرجال هنا محظورة ونادرة فقد كان وجهاهما جامدان، ولكن القامات التي كانت عادة ممتدة بقوه وفخر بدت محطمة .

وكأنها خرجا تواً من تحت إنقاض جبل إنهار فوقهما فطحنهما طحناً.

كان إسماعيل هو الأخ الثانى فى ترتيب إخوته الأربعة، أبيض البشرة  قوى البنية، لا يكاد يخرج من المعارك، عظيم الإختلاط بعوام المجاهدين.

تعرفت عليه منذ زيارتى الأولى عام 1979، لكننى لم أعمل معه أبداً، ولم نتقابل كثيراً. وكان يقابلنى دوماً بترحاب كبير كأننا أشقاء قد فرق الزمان بينهم. وكان يفاخر بى من حوله قائلاً لهم أننى معهم فى الجهاد منذ أيام طراقى!!.

 

أحزان الأم الكبيرة :

علمت أن إسماعيل قد توفى نتيجة لإصابته بتسسم فى الدم “غرغرينا” وأجمع الأطباء العرب أن المسئولية فى ذلك تقع على الطبيب الأفغانى الذى عالجه فى مستشفى ميرانشاه.

فقد قام الطبيب بإخاطة الجرح رغم القاعدة المشهورة لدى الأطباء بعدم فعل ذلك فى جروح الحرب لأنه يؤدى إلى الإصابة “بالغرغرينا” وهو ما حدث مع إسماعيل.

وكان الدكتور خالد الذى يعمل فى نفس المستشفى قد حذر سابقاً عدة مرات من أن ذلك الطبيب “حمار” ولايفقه شيئا فى الطب، وتسبب فى مقتل كثيرين، مما حدا بالدكتور خالد وآخرين إلى الشك فى أن ذلك الطبيب يتعمد قتل المجاهدين وأنه مازال شيوعياً ، خاصة وأنه قد هرب منذ فترة وجيزة من العاصمة كابل.

وكان الأفغان يطلقون على هؤلاء المهاجرين إسم (صقر بيست) إشارة الى أن سبب هجرتهم هو صواريخ “صقر 20” المصرية التى إستخدمها المجاهدون فطالت عمق العاصمة كابل فأدت إلي موجة جديدة من الهجرة ولكن فى أوساط المتعاطفين مع الحكومة الشيوعية ، خوفاً على حياتهم من الصواريخ وليس بسبب إسلامهم أو إنخراطهم في الجهاد.

وللأسف فإن هذا الطبيب القتَّال أو”الحمار” كما وصفه خالد قد تمكن من قتل الكثيرين بعد أن أثار الحمية القومية فى وسط الأفغان العاملين في المستشفى وحرضهم ضد الأطباء العرب “الوهابيين”، ثم أطلق أيدى المنحرفين منهم فى سرقة الدواء وبيعه في السوق السوداء، فإكتسب منهم تأييداً وحماية أبقته بعيداً عن أى مساءلة رغم الشكاوى الكثيرة التى تقدمت بها عائلات ضحاياه.

ولكن بعد مقتل إسماعيل على يديه تدخل حقانى وطرده من المستشفى. وقد كان رحيماً جداً في هذا القرار رغم أن آخرين، وكنت أحدهم ، نادوا بمحاكمته.

لقد أصيب إسماعيل “بالغرغرينا” فى ميرانشاه، وعندما تدهورت حالته تم نقله علي وجه السرعة إلى المستشفى العسكرى فى روالبندى. وقد نقلته طائرة هيلوكبتر باكستانية إلى هناك. ولكن الوقت كان قد فات فتوقفت أحدى كليتيه عن العمل ثم لحقتها الأخرى وما لبث أن توفى، فعادت الهيلوكبتر بجسده إلي ميرانشاه كى يدفن هناك.

الغريب أن والدة إسماعيل ” الأم الكبيرة” كانت تعالج منذ فترة في نفس المسشفى من إصابة متقدمة بمرض السرطان.

لقد كانت في الواقع تموت ببطء، ولكن ثاني أبنائها وأقواهم بنية كان الأسبق منها إلى الموت على بعد خطوات منها. وقد شاهَدَتْ بنفسها لحظاته الأخيرة فى المستشفى، ثم رافقت جثته في الطائرة إلى ميرانشاه كى تشرف على غسله وتكفينه، وتتلقى العزاء فيه ثم تموت هى بعد أيام.

لقد وجدت زوجتى نفسها مره أخرى وسط دوامه الموت المذهلة. ولكن هذه المرة مع هذا التجمع الأفغانى الذي فتح لنا قلبه وبابه وشاركنا أفراحه وأتراحه وكأننا جزء عضوى متكامل معه.  كان إسماعيل أحد غرف القلب الذى يضخ الحياة والحيوية فى هذا الجسد المجاهد، من رجال وأطفال ونساء. كما كان إخوانه الثلاثة الآخرون، هم باقى الغرف الأربعة لهذا القلب القوى النابض بقوة الإيمان وتدفق البطولة الفطرية التى لا تظهر صارخه إلا فى الأوقات التى يندر فيها الرجال، ثم تتوارى تواضعاً فى أوقات ترتفع فيها جميع الرؤوس بحيث يصعب تمييز معادن الرجال، فيطفوا الخبث غالب الوقت.

والأم الكبيرة ، شاء قدرها أن يكون إبنها الحبيب إسماعيل هو آخر من تشهد مصرعه من سلسلة طويلة يصعب حصرها من رجال العائلة والأقارب. تلك الأم أسطورة قد يساعد فك رموزها فى معرفة سر المعجزة التي حدثت فى أفغانستان، وقد تُقَرِّب إلي الأذهان فهم معجزة قام بها شعب يعيش في فقر مدقع وتخلف حضارى، ثم يتصدى لأكبر قوة عسكرية فى العالم فيهزمها.

ثم يتصدى للعالم كله فيما بعد ليفرض فوق أرضه إرادته ودينه، فى عالم طاغى لا يسمح بدين أو إراده مخالفة لإرادة الشيطان الدولى الأكبر.

كانت (الأم الكبيرة)صمام الأمان لهذا التجمع المهاجر، والذى يشمل اُسَرْ أبنائها وبناتها ، وأيضاً اُسَرْ الأقارب، وجميعهم في بيوت متقاربة في حى المهاجرين فى ميرانشاه.

كانت (الأم الكبيرة) هى أيضاً مسئولة”الجبهة الداخلية”فى غياب معظم الرجال معظم الوقت. وهناك رجال يتناوبون علي حراسة وخدمة الأسر والبيوت . ولكن الإشراف على النظام داخل البيوت وضبط حياة الأطفال وذهابهم إلى المسجد لحفظ القرآن، وفض المشاحنات بينهم وكذلك مشاجرات النساء التى قد تنشب أحياناً لسبب أو لآخر، ثم رعاية الحياة الخاصة للأطفال الأيتام وأمهاتهم ممن فقدن الأزواج فى ساحات الجهاد، كل ذلك جزء من واجبات الأم الكبيرة التى تمارسها بحزم ورحمة ، وعصا فى يدها تلوح بها فى وجه المخالفين والمخالفات ، ومسبحة فى اليد الأخرى تتلو عليها الأدعية والأذكار.

ليس هذا فقط ، بل أن الحملات التى قد تنطلق من أمام بيوت الحي بقيادة واحد أو أكثر من أولادها ، تشرف هى على العديد من شئونها الإدارية، وتجمع الأطفال من تحت عجلات السيارات قبل الإنطلاق. وقد تَطْرُق أحدهم بضربة عصا على الرأس أو الظهر لتذكيره بقوانين السلامة والبعد عن مواطن الخطر أثناء تحرك الموكب الذى قد يشمل عشرات المركبات التى تحمل الرجال المسلحين فى موكب مهيب متوتر بين عناق وداع وتكبيرات وأمل غامض وقلق مكتوم . فالعديد منهم قد تكون رحلته تلك هى آخر جولاته في الجهاد وفراقه الأخير للزوجة والأولاد والأهل.

كانت الأم الكبيرة الأكثر نشاطاً وحيوية بين كل هؤلاء وكأنها الروح الخفية التى تحرك وتدفع، وبقامتها النحيلة المنحنية قليلاً إلى الأمام وملامحها الطيبة الحازمة تدفع كل شئ نحو الحركة السريعة المنضبطة، ترمق أبناءها وجميع الرجال بعطف الأم الحنون وحزم المربية التى لا تسمح للضعف أن يتسرب إلى النفوس ناهيك أن تنطق به الملامح.

وكثيراً ما ودعتنى ودعت لى أيضاً عندما شاركت فى بعض تلك الحملات، وكانت تنطق أسمى مجرداً “مصطفى” مشفوعاً بكلمات كثيرة لا أفهم منها شيئاً ولكننى كنت أفرح وكأن أمى أطلت عليَّ بوجهها لتودعنى وداعاً أخيراً.

بعد ذلك كنت أتعمد مراقبتها أطول فترة ممكنة، وكانت عينى تدمع مرات كثيرة، من هيبة الوداع والرجال الذاهبين إلى الموت، والأم الصلبة التى تدفع أبناءها نحو الواجب، والرجال المتضاحكون المكبرون وقد جاشت صدورهم بإنفعالات شتى متضاربة.

كانت سيارتى هى الأخيرة في الموكب، وكنت أتعمد ذلك أحياناً حتى أشاهد الأم وأرى ماذا ستفعل بعد ذهاب الموكب بفلذات أكبادها، والرجال الذين أحبتهم وأحبوها كصانعة أبطال وأم.

مع بداية تحرك الموكب كانت ترفع كفيها المعروقتان نحو السماء وقد تعلقت مسبحتها الطويلة بكفها الأيمن وتبدأ فى دعاء طويل لا ينقطع حتى تغيب السيارة الأخيرة علي ناظريها.

ثم دمعت عيناها وطفرت منهما دمعتان ثم إستدارت نحو باب بيتها تدفع الأطفال أمامها وتغلق الباب.

كان غريباً جداً أن أراها تبكى وكأننى نسيت أنها أم ، وكأننى نسيت أننى قد بكيت أكثر منها أثناءالمشهد المهيب لتجهيز الوفد وتحركه.

كنت أتحرك بعد ذهابها نحو سيارتنا المنتظرة فى مكان بعيد، حامداً الله أنها لم ترانى متخلفاً عن الركب الذى مضى، وإلا نالتنى من عصاها ضربة على الرأس أو الظهر. وكنت أظن أن علاقتي القديمة بالأسرة والمنطقة ما كانت لتعفينى من عقوبة التقصير فى مرافقه الرجال إلى الجهاد، فالأم الكبيرة لاتحابى أحداً فى الحق مهما كان.

 

الأم مع جثة إبنها الشهيد :

دخلت الأم على كرسيها المتحرك إلي غرفة داخل البيت حيث كان إبنها إسماعيل يغسل ويُكَفَّن . فأشرفت بنفسها علي ذلك رغم أنها فعليا فى حاله إحتضار. وبعد أن فرغت من مهمتها أشرفت على إخراج جثه إبنها ووضعها فى غرفة واسعة حتى يراه الأقارب وأفراد الأسرة في وداع أخير.

خرج إسماعيل متكفناً بالبياض وقد كشفوا وجهه الأبيض وقد إزداد تألقاً وإشراقاً، حتى بهر أعين مودعيه وهى سمة الشهداء، و كأنهم يطمئنون من خلفهم أنهم أسعد حالاً بالشهادة والرحيل، منهم بالبقاء مع الأطفال والأهل.لقد أحاطوا وجهه بالورود والأزهار كما هى العادة. ودخل أطفاله الخمسة وزوجته لوداعه قبل أن يتوافد الرجال والنساء.

وجلست الأم الكبيرة علي كرسيها المتحرك قريباً من باب الغرفة وهى متصلبة الجسد جامدة الملامح حتى جاءت زوجتى ووقفت إلي جانبها، فنادت عليها الأم الكبيرة بدون أن تنظر نحوها( وفا..وفا) فأقتربت منها زوجتى وإحتضنتها، فمالت الأم الكبيرة برأسها على كتف زوجتى وإنتحبت بشدة .

فجاء أبناؤها ورجوها أن تسكت حتى لا يفلت زمام النساء وينطلق النواح فإستجابت لهم. وكان حقانى وإخواه إبراهيم وخليل يكافحون بشده لمنع النساء من الندب والنواح، وإستعانا بزوجتى ،كقوة طوارئ، لتهدئة النساء اللآتى يبكين حزناً أو مجاملة ومراعاة للتقاليد.

كان منظر زوجتى يثير الأسى ويدفع إلى البكاء، فالدمع يهطل من مقلتيها كأمطار الشتاء. فجروحها لم تندمل وقبر أبنها خالد يقع على بعد أمتار منها، والأحزان الجديدة من حولها أهاجت أحزاناً لم تنطفئ نيرانها بعد.

لقد طحنها الإرهاق والحزن معا حتى صارت تتحرك مثل آلة محطمة تقطع أمتارها الأخيرة نحو الإستيداع بعد رحله شاقه مهلكة. ومع ذلك نجَحَت بشكل باهر في كبح جِماح النادبات وهو أمر يستحيل حتى على مؤسسة دولية. والغريب أن يحدث ذلك وهى لا تتكلم لغتهم بل تخاطبهم بمزيج من لغات متعددة إضافة إلى أصوات إبتكرتها لتؤدى معانى مجهولة حتى لديها. ولم تستطيع هى أن تفسر لى سرّ نجاحها فى مهمتها المستحيلة، والأرجح عندى أنها بِلُغَتِها المبهمة تلك ، ودموعها المنهمرة بغزارة خارج السيطرة البشرية ، مع صوتها المنهك المتهدج قد أثارت شفقتهم، وربما خوفهم أيضاً، فشعروا أنهم أمام مأساة مجسمة أنستهم المصيبة التى جاءوا للنواح عليها، فلاذوا بالصمت الرهيب.

بعد دفن إسماعيل إستمر المأتم فى البيت عدة أيام كانت كلها طوارئ بالنسبه لزوجتى التى أدت نسبياً جزءاً من مهام (الأم الكبرة) التى أقعدها السرطان على كرسى متحرك ويكاد أن يطيح بها خارج حلبة الحياة.

ولكنها لم تكن فى صلابة (الأم الكبيرة) فسقطت مغشياً عليها فاقدة الوعي عدة ساعات، حتى ظنوا أنها على وشك الموت. وكنت وقتها فى الجبهة في إعدادنا الطويل الشاق لمشروع المطار. فطلبوا لها طبيبة من المدينة ولكنهم لم يجدوا ، فأضطروا إلى الإستعانة بطبيب عربى صديق لي ، يعمل فى مستشفي ميرانشاه. فأسعفها بالحقن والأدوية حتى أفاقت ثم نقلوها إلي منزلنا بأمر الطبيب حتى تخلد إلى الراحة التامة. ولكن ذلك لم يتحقق إذ ظلت تلازم الأم الكبيرة يومياً لمواساتها ورعايتها.

 

وفى صباح يوم 29 أغسطس :

جاءت سيارة من بيت حقانى، مع أحد أبنائه الصغار ليستدعى(وفا) على عجل لأن (الأم الكبيرة) تحتضر وتريد رؤيتها.

فذهبت زوجتى مسرعة إلى هناك وذهبت إلى غرفة (الأم الكبيرة) وفتحت الباب فوجدت النساء والبنات الصغيرات متحلقات حول سرير وقد تمددت فوقه (الأم الكبيرة) وهى مغطاة بملاءة بيضاء، ورأسها نحو الباب بحيث لا ترى الداخل والخارج من الغرفة، وما أن فتحت زوجتى الباب حتى نادت (الأم الكبيرة) عليها قائلة : ( وفا.. وفا).

فذهبت زوجتى إليها وإحتضنتها وقبلتها فوق جبينها وأخذت نسخة من القرآن الكريم كى تنضم إلى النساء والبنات فى تلاوة سورة(يس).

فى كل مرة كانت الأم الكبيرة تشعر بقدوم زوجتى إليها قبل أن تراها، فتنادى عليها . وكان ذلك غريباً على النساء من حولها فى بدايه الأمر، ولكنهن إعتدن على ذلك فيما بعد. لقد كان بينهما حب كبير وتعلق شديد . لقد كان الموت ينتزع من(وفا) أمها الثانية، وينتزع من (الأم الكبيرة) أحب بناتها إليها.

كانت النساء فى الغرفة تدوى بسورة “يـس” كدوى النحل، إلى أن إستأذن حقانى في الدخول لرؤية أمه، فهيأن له المكان وتسترن بملاءاتهن، فوقف إلى جانب سريرها بقامته النحيلة الفارهه ووجهه الباسم المنهك وعينه التي يلمع فيها الدمع المتجمد، وتبادل معها حديثاً خافتاً ثم ضحك عندما كلمته، ثم كلمها قليلاً ودعى لها ثم إنصرف.

لقد إخبرنى حقانى فيما بعد عن هذا الحديث الأخير بينهما، ومازال من وقتها محفوراً فى قلبى بسكين الألم، مثيراً في روحى إعجاباً ودهشة. قال لى حقانى:{ لقد وجدت أمى تبكى، فقلت لها مواسياً : يا أمى أتخافين الموت وهو علينا حق؟ تجلدى وأذكرى الله كثيراً وإستغفريه.

فردت عليه وهى تبكى:( يابنى أنا لا أبكى خوفاً من الموت فهو حق علينا، ولكننى أبكى لأننى كنت أتمنى أن أطمئن على مصير أفغانستان قبل أن أموت).

فَضَحِكْت لقولها، وقلت لها: إطمئنى يا أمى فالله لن يضيع جهادنا ودماء الشهداء، وإهتمى بنفسك الآن وأذكرى الله واستغفريه}.

لقد أدهشتنى تلك الأم وزادتنى ثقه بالنصر في معركة أفغانستان، بل ثقة في مصير الإسلام فى أفغانستان ، وأن تلك الأرض وشعبها سيظلان قلعة إسلامية فى سقف العالم إلى قيام الساعة.

فالإسلام فى مأمن فى مثل تلك الأرض التى تنبت فيها نساء من أمثال هذه (الأم الكبيرة) التى تستطيع أن تقدم للإسلام رجالاً أمثال حقانى وإسماعيل وإبراهيم وخليل ، رجالاً يَعْدِلُون العالم كله إيماناً وشجاعة وإقداماً.

هذا المزيج الرائع من البشر والإيمان والأرض يجعل أفغانستان دوماً فى ذروة الإنسانية، والمحضن الأقوى للإسلام على ظهر الأرض وفوق سقف العالم.

 

30 أغسطس 1990 :

مع ظلام ليلة أمس أعادوا زوجتى الى البيت كى تستريح ، ولكنهم إستدعوها مرة أخرى فى الصباح الباكر لحضور جنازة(الأم الكبيرة) التى تُوفّيت أثناء الليل.

فى بيت العائلة الكبير إستمرت ( وفا) فى أداء دورها الذى إستمر لأيام طويلة من الحزن، كقوة “إطفاء”لإخماد محاولات النواح أو الندب. ولم تواجه هذه المرة صعوبات كبيرة، فقد إنهَدَّت النساء من كثرة البكاء وعَمَّ الرجال والنساء شعور متجدد باليتم بعد فقد (الأم الكبيرة).

حتى الأطفال توقفوا عن شقاواتهم المعتادة، وقد إتسعت حدقات أعينهم البريئة وهم غير مصدقين أنهم فقدوا (الأم الكبيرة)، التى لم تكن لتسهوا عن رعايتهم حتى لو سهت الأمهات وسهي الآباء أو تشاغلوا.

حتى مواكب الحرب التى تحركت بعد ذلك من الساحة الصحراوية المواجهه لبيوت المهاجرين، إفتقدت الروح والحماس وبدت كمواكب جنائزية أو هكذا كنت أراها. وأظن أنها كانت كذلك فى أعين الرجال الآخرين بعد أن فقدوا(الأم الكبيرة) التى كان تشرف على تلك المواكب وتودعها.

وسألت نفسى هل يمكن أن تكون تلك المخلوقة الضعيفة بجسدها النحيل وأكفها المعروقة، وليس  لها من سلاح سوى مسبحة طويلة فى يدها اليمنى، وعصى قصيرة فى يدها اليسرى أن تعطى الشجاعة والأمل لكل هؤلاء الرجال الأقوياء المدججين بأدوات الحرب والصراع. من أين تستمد هذه المرأة الضعيفة قوتها؟ وكيف تفيض بها على هذا الجمع الكبيرمن الرجال الأقوياء الخشنين المتلاعبين بأسلحة الموت كما تلهوا الأطفال بالدمى الخشبية؟. ولكنهم مع ذلك متعلقين بذلك المخلق الضعيف كى يمنحهم الدعاء والبركة والأمل فى النصرعلى الأعداء.

ولماذا أشعر أنا أيضاً باليتم مرة أخرى وبعد أن تعديت الخامسة والأربعين . وأرى ساحة المجد هذه ، التى إنطلقت منها عشرات الحملات المسلحة قد تحولت إلى ما يشبه المقبرة الواسعة التي تنتظر الجثث، وأن المواكب التى كانت تهز مشاعرى سابقاً أصبحت فى نظرى باردة لا معنى لها وعملاً روتينياً لا تبهجه الحياة كما لا يفجعة الموت فأصبح كلاهما سواءً بسواء.

بلغ الحزن بحقانى مبْلَغاً كبيرا بوفاة شقيقة إسماعيل . وقال لى قبل فتح خوست ، الذى كان يدخر إسماعيل لأجله ، أنه رأى فى منامه شقيقة إسماعيل مبتسما سعيدا بينما هو يبكى ويقول له : ( لماذا تركتنى الآن .. لقد كنت محتاجا إليك ).

لقد تجددت فى نفسى بوفاة إسماعيل ووالدته فى غضون أيام قليلة، أحزان لم يمض عليها سوى عامان، فمنذ عام واحد فقدتُ ثلاثة من أحب وأهم شخصيات حياتى، وهُمْ صديقى عبدالرحمن، ثم تلاه أبنى خالد، ثم لحقه الصديق والأخ عبد المنان القائد الكوتشى ، المؤنس فى الملمات الجسام.

ولكن رحمة الله تداركتنى كما تداركت حقانى وإخوته وآلاف المجاهدين ، فتتالت الإنتصارات المهمة فى هذا العام،حتى توجها فتح مدينة خوست بعد ذلك بأقل حوالي سته أشهر . ثم فتح كابل وسقوط النظام الشيوعى بعد عام و نصف.

رحم الله “الأم الكبيرة”، و حفظ ذكراها، رمزا لجذوة الإيمان والجهاد فى أفغانستان .. والتى لاتنطفئ أبدا .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

26-08-2020

 

 

فى ذكرى الأم الكبيرة والدة المجاهد العظيم "جلال الدين حقانى" رحمه الله

 




العدالة الخوارزمية

العدالة الخوارزمية

العدالة الخوارزمية

 

على قدر تراجع الجَزْر ، يكون إرتفاع المَدْ القادم . إنه قانون الفعل ورد الفعل المتساوى فى المقدار والمخالف فى الإتجاه . إلا إذا وقع زلزال فى قاع المحيط عندها يتحول المد إلى  “تسونامى” جبار ومدمر.

 مرة أخرى يتصدع الإسلام بشدة فى بلاد العرب ، وينحط شأن المسلمين . ويتسع نطاق الفتنة ، حتى دخلت فى كل بيت . ومن كل الجهات إنقض المتكسبين بالفتن وآكلى لحوم الأمة . ومن كان قليل الشك إكتملت لديه الخيانة . والمؤمن بالكاد يتمسك بما تبقى لديه من جمر الدين.

وأحتل اليهود قلب بلاد المسلمين وأمسكوا بجميع المقدسات بين أيديهم ودنسوها. فأصبح المتوقع هو طوفان التسونامى وليس أمواج المد الطبيعى .

– قبل ثمانية قرون ، عندما  أطبق سيل المغول على بلاد المسلمين من حدود الصين وصولا إلى حدود مصر ، وسقطت خلافة بنى العباس فى بغداد، فكأنما سقطت السماء على الأرض.    واعتقد أكثر الناس أن الإسلام هو الذى إنهار ، فصنع أكثرهم مراكب من نفاق كى تطفوا بهم فى لجج الكفر المتلاطم .

الصليبيون عملوا مثل السندان على شواطئ المتوسط ، ليتكاملوا مع مطرقة المغول فى طحن الشعوب المسلمة . فإضطرب الناس ، وكأنه يوم الحشر ، وصار الموت والجوع والخوف ضيوفا دائمين على كل بلد وفى كل بيت .

الملوك أظهروا الخيانة من أجل البقاء فوق كراسيهم . فخضعوا للمطرقة المغولية أو للسندان الصليبى ، أو تقلبوا فى الولاء بينهما. الملوك والأمراء والقضاة وقادة الدين والدنيا  تكالبوا على أموال المغول ومناصب دنياهم الوثنية الجديدة .

المغول شجعوا الفتن الداخلية ، وحرضوا المسيحيين واليهود على الأكثرية المسلمة من أهل البلاد . فتطور الأمر من الإذلال وسلب الأموال، وصولا إلى إهانة المعتقدات وسفك الدماء.

إلى أن بدأت الدورة العكسية لآلة الزمن فى العمل . وبعد الجَزْر الإسلامى تحركت المسيرة صوب المد. فصمد أمراء المماليك فى مصر وتماسكوا ، فهزموا آخر الحملات الصليبية التى حاولت إحتلال مصر ، وأسروا ملك الفرنجة وهزموا جيوشه هزيمة منكرة . ثم التفتوا صوب السيل المغولى الذى أغرق الشام ، وأخذ يدق أبواب مصر من بوابة غزة .

ومن رماد الهزيمة سطع أمل الإنتصارمع الخوارزمين من مسلمى التاتار وبقايا أبطال مملكة خوارزم فى آسيا الوسطى ، وجيشهم الذى يتحرك مثل صواعق الموت ، فتضرب المغول الوثنيين كلما تمكنت منهم ، أو تضرب ـ وبنفس الشدة ـ المسلمين فى بلاد إستسلمت لليأس ولم تعد شعوبها تقوى على رفع السيف أو حتى العصي .

إنبعثت بقايا النخوه الأيوبية فى بلاد الشام . وأتراك الأناضول أخذوا يناضلون للوقوف على أرجل أكثر صلابة من أقدام دولة السلاجقه المتصدعة ، وهم فى تماس دموى مع مطرقة المغول الذين شاركوهم فى هضبة الأناضول ، وتماس مع السندان الصليبى الضاغط عليهم من السواحل.

 سلطان مصر مع جيشه حطموا المغول فى عين جالوت فتحررت دمشق، واعتدل الميزان فيها من جديد . وكل من أهان المسلمين وسفك دماءهم وسرق أموالهم دفع مكافئ لأفعاله مع فوائد مناسبة . فتحرر شعب دمشق وقتل من قتلوه وفى مقدمتهم المسلمين الذين تعاونوا مع المغول ، واستعاد أمواله ومساجده.

أحفاد صلاح الدين الذين قسموا الشام بينهم إلى ممالك ، كان أحدهم قد تبرع للصليبيين بالقدس. فعاد الصليبيون لرد جميل صلاح الدين وعفوه الكريم عنهم ، ولكن بسفك دماء المسلمين وإستباحة أموالهم وأعراضهم . فصعدوا إلى قبة الصخرة جاعلين منها خمارة، ورفعوا فوقها الصليب والأجراس، مستفيدين من صراعات ملوك الأيوبيين فى الشام ومصر.

لكن الإنتقام الخوارزمى طالهم فى القدس . فلم يُبْق الخوارزميون على صليبى واحد فى القدس.. قتلوا الجميع . وحتى الموتى من الصليبيين نبشوا قبورهم وأحرقوا رفاتهم . كانت العودة قوية ومنتقمة ورهيبة ، حتى إنعقدت ألسن المؤرخين من هول الأحداث.

من طعنات الخيانة والردة ، ومن حرائق المغول والصليبيين، إنبعث المد الإسلامى الجديد. حتى إنحسرت أمواج الطوفان المغولى ، ولملم الصليبيون بقاياهم تاركين سواحل الشام لأبطال الأمراء المماليك الشراكسة ، ومن معهم من تركمان وأكراد وعرب.

وعلى قدر ما كان التراجع الإسلامى رهيبا وقريبا من الإنهيار ، كان المد التالى له عنيفا وجذريا ومنتقما فى الكثير من نواحيه .

قد يقال إنه قانون نيوتن للفعل ورد الفعل؟؟ ـ لكن من الأفضل أن نتلوا قوله تعالى: {(وإن عُدتم عُدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ) ــ (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة ) ــ ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )}.

وقالت العرب قديما : (إن غدا لناظره قريب). وأهم معانى الجَزْر هى أن المد قادم لا محالة .

دورة التاريخ بطيئة وثقيلة ومرهقة وتُزَلَزِل الناس زلزالا شديدا. ولكن سنن الله لا تتبدل ولا تتوقف (أتى أمر الله فلا تستعجلوه). فكل شئ بمقدار ويتحرك طبق جدول زمنى منذ الأزل.

والخائن سيطاله حتماً سيف الإنتقام إن كان حيا .. وستحرق جثته إن كان جيفة ..

بضياع مقدسات المسلمين وقع الزلزال فى قاع المحيط .. فتوقعوا تسونامى .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

15-08-2020

العدالة الخوارزمية

 

 




الدوحة تصنع لأفغانستان الحرب .. والسلام الملغوم

الدوحة تصنع لأفغانستان الحرب .. والسلام الملغوم

الدوحة تصنع لأفغانستان الحرب .. والسلام الملغوم .

{ التبعية لأمريكا ـ التسول الإقتصادى ـ الخضوع الثقافى }

هذا ما تحمله لأفغانستان إتفاقية السلام ومكتب الدوحة .

– بدأت بالفعل/ وحتى قبل أن تبدأ مباحثات السلام فى الدوحة/ الموجة الثانية من الحرب على أفغانستان ، بقيادة CIA  والموساد، وبإسناد مالى من قطر. بهدف وضع مناطق الأفيون فى أيدى صديقة تعمل مستقبلا على حصر التعامل السيادى فى محصول الأفيون بالجانب الأمريكى وحده ، فى مقابل مزايا  للمتعاونين تشمل أسعار مجزية للأفيون وتسليح جيد ، وتمثيل سياسى فى النظام القادم ، وعقود غاية فى السخاء فى مجالات الإنشاءات وإعادة الإعمار، والسمسرة وتوكيلات تجارية تم توزيع العديد منها بالفعل على متعاونين أقوياء فى أفغانستان وباكستان والدوحة ومناطق أخرى) .

–  قبل التوقيع على بيان السلام فى الدوحة كانت تهديدات هى الأشد قد وصلت إلى حركة طالبان ، ومفادها أن أمريكا ستحصل على المخدرات التى تريد وإلا محت كابل من الوجود . ثم هدد ترامب بضربة تبيد عشرة ملايين أفغانى وتنهى الحرب خلال أيام .

– المعادلة الأمريكية تجاه أفغانستان فى غاية البساطة وهى : (الأفيون أو الحرب) ــ  (الأفيون فى مقابل السلام) ــ و بمعنى آخر: (الأفيون لنا أو الموت والدمار لكم) .

– الدولارات القذرة تبنى مدناً ومشاريعاً إستثمارية وسياحية عظمى ، وتشترى موانئ على ممرات المياه الإستراتيجية ، وتدعم أنظمة وتهدم دولاً .

– الدولار الأفيونى ــ بعد غسيلة ـ أصبح أكثر بياضا ، وإنتصر على الدولار النفطى القديم ، ويدعم نظام أحادى القطبية ، ترعاه الولايات المتحدة  وتدير به العالم .

–  بعد إحتلالها لأفغانستان قفزت أمريكا بمحصول الأفيون إلى أكثر من 40 ضعفا . وأدخلت إلى الزراعة بذور مُعَدَّلة وراثيا لتعطى إنتاجاً مضاعفاً ومحتوى مُخَدِّر أعلى . كما أدخلت تحسينات فى تكنولوجيا تحضير الهيروين ، فصارت نقاوته تامة 100% بعد أن كانت عالميا فى حدود 52% قبل الإحتلال .

– الأفيون مشكلة عالمية عظمى، تفوق طاقة أى حكومة تتولى أمر أفغانستان. وهو موضوع يمس مصالح الدول الكبرى، ويؤثر مباشرة فى النظام المالى والبنكى العالمى . فالأفيون شأن عالمى تماما ، وليس محلياً بأى حال .

 – من خلال المصالح المشتركة ، والحاجة الجماعية إلى الإستقرار والأمن والتنمية ، يمكن للإمارة أن تبنى أفغانستان كدولة قوية وغنية ، ذات إقتصاد إنتاجى ، متكامل مع المحيط الأسيوى، ويحقق أكبر قدر من الإكتفاء الذاتى الزراعى والصناعى للشعب الأفغانى . بهذا الترابط والتفاعل الإيجابى مع المحيط الأسيوى العملاق  تعيد الإمارة إعمار أفغانستان ـ بتعاون إقليمى متكافئ .

– إستقلال أفغانستان وهويتها الحقيقية سوف يحددها دورها الفعال مع عمالقة الإقليم الأربعة : الصين ـ روسيا ـ إيران ـ الهند ، وسياستها الذكية فى إدارة دورها الفعال لبناء أفغانستان بالتفاعل مع تلك الدول بعيدا عن الصدامات . أما البعد الدولي (الأمريكى ــ الأوروبى) فلن تحصل أفغانستان منه سوى على الحصار والعقوبات ، والتخريب والحرب النفسية.

– مكتب الدوحة خرج عن مهمته الأصلية التى من أجلها أسسته الإمارة. فبعد أن كان مكتبا تابعاً للإمارة ، أخذ يتصرف كطرف بديل عنها . ويقرر فى مسائل جوهرية للغاية لا يمكن مناقشتها خارج نطاق القيادة العليا للإمارة (مثل مسألة شكل نظام الحكم القادم ).

– يتمنى الأمريكيون وسماسرة الإحتلال، التخلص من الإمارة الإسلامية بإزاحتها جانباً، كخطوة أولى، ثم إلغائها فى خطوة لاحقة ، بطريقة تبدو ديموقراطية جذابة للغرب وجالبة لمعوناته.

 

 

مقدمة :

بالتعاون مع مؤسسة إعلامية فرنسية قدمت قناة الجزيرة فيلماً “إستقصائيا” بعنوان {أفغانستان الحرب والسلام } . خلال 40 دقيقة إستعرض “الإستقصاء” ذلك الموضوع الخطير برؤية فرنسية قطرية . فأدلى العديد من الشخصيات الفاعلة بآراء تتناسب مع أهمية أدوارهم . وكان الأهم من بينهم السيد “سهيل شاهين” الذى تم تقديمة على أنه “المتحدث بإسم حركة طالبان منذ فترة طويلة” ، وأنه “دبلوماسى محنك شارك فى رسم إتفاق السلام مع الأمريكيين” .

إذن هو شخصية محورية ليس فقط فى عقد ذلك الإتفاق التاريخى ، ولكن أيضا شخصية محورية ( أو أحد الشحصيات المحورية القليلة ) التى ترسم مستقبل أفغانستان فى مكتب الدوحة . فأطْلَعَنا على المستقبل القادم لأفغانستان، وكذلك فعل السيد “جون سبوكر” المفتش الأمريكى العام لإعادة إعمار أفغانستان. وبنفس القَدْرْ أطلعتنا الصحفية “آشلى جاكسون” على ما هو مطلوب من طالبان حتىنسمح لهم بالمشاركة فى الحكم وأن يحصلوا على معونات وأنيقيموا علاقات دبلوماسية طبيعية“. فكان ما قالته متطابقا مع الإستراتيجية المستقبلية التى أوضحها جون سبوكر، والسيد سهيل شاهين . مذيعة البرنامج فى تعليقها المستدام مع الفيلم”الإستقصائى” أضافت أبعاداً غاية الأهمية خاصة فيما يتعلق بالنساء والموسيقى وركوب النساء للدراجات والجلوس فى مقاعد الدراسة مع الشباب. ثم هناك جيل جديد “يناضل” من أجل الحريات على الطريقة الأوروبية، ويرسم لَوْحات ضخمة على الجدران فى كابل، مطالباً بحرية التقبيل “كنوع من الإحتجاج السياسى”.

– ولأن التقرير “الإستقصائى” كان “متوازنا” فقد قابل مجموعة من مجاهدى طالبان فى إقليم وردك المجاور للعاصمة . وزار مستشفى للأطفال فى مدينة جلال آباد ـ فكان ما ظهر فى المستشفى من ومضات الواقع ، يهدم بدون قصد كل ما سعى لإقراره الفيلم الإستقصائى ،

ألا وهو المستقبل المبهر للسلام ، كما يتصوره السيدان “سبوكر” و”شاهين” .

 

 

سلام ثلاثى الأبعاد :

الفيلم إستقصى عملية السلام ورؤيته المستقبلية من المنظور الأمريكى و الأوروبى ، والجانب الأفغانى الذى يمثله ” مكتب الدوحة” . وطاف التقرير على ثلاثة معالم :

الأول: رؤية إتفاق السلام وهى أربعة ” أجزاء ” ذكرها شاهين ، وسوف نمر عليها لاحقا.

الثانى: رؤية الجانب الأمريكى / بتأييد من مكتب الدوحة / لأفغانستان كدولة تعيش على المعونات الأمريكية والغربية ، وستظل كذلك فى المستقبل .

الثالث : حرية المرأة الأفغانية كما يفهمها الغرب. وهى ميدان صراع بين الغرب ونظام أفغانستان القادم، الذى قد تكون حركة طالبان واحدا من مكوناته. وتلك الحقوق شرط أساسى لحصول أفغانستان على المعونات الغربية .

 

  إنها رؤية ثلاثية الأبعاد لأفغانستان المستقبل، كما استشرفها الفيلم ، عبر وجهات نظر لخبراء وأصحاب قرار من المشاركين . ثلاث جوانب مترابطة ومتكاملة ، هى :

الجانب السياسى :  تلخصه عبارة شاهين : “طي صفحة الحرب وفتح صفحة جديدة من العلاقات الحسنة مع الغرب” .

الجانب الإقتصادى : تلخصه حصراً وتحديداً عبارة “المعونات التى يقدمها المانحون الدوليون”. وهو مبدأ مقدس أجمع علية كل المشاركين فى البرنامج .

الجانب الإجتماعى : ويعنى حصرا حسب الإستقصاء ، توفير”الحريات” بالمفهوم الغربى/ للنساء بشكل خاص ، وللشباب عموما .

 

وبتعبيرات أكثر تركيزاً فإن أفغانستان المستقبل ، حسب الإستقصاء هى دولة تتمتع بمزايا : التبعية السياسية ، وتسول المعونات الغربية المشروطة ، والتحلل الإجتماعى .

إتفاق الدوحة لإرساء السلام هو إطار تلك الرؤية وحارسها الأمين . لهذا يحاط ذكر الإتفاق بالتاكيد الجازم على أنه : إتفاق نهائى ، ومشروع شهدت عليه الأمم المتحدة ، وحضر حفل زفافه فى الدوحة مندوبون عن ثلاثين دولة دعتهم أمريكا وحركة طالبان “!!”.

ذلك التهويل والتعظيم ما كان ليحدث لو لم يكن ذلك الإتفاق هو إعادة صياغة للمطالب الأمريكية ، أشرف عليها مجموعة من مخضرمى الطرفين : الأمريكى برئاسة خليل زاد ، وبومبيو . وفى مقابلهم المخضرمان من مكتب التفاوض “شاهين” و”ستانكزاى” . فجاء إتفاقاً بكل ذلك القدر من العبقرية، حتى كاد أن يتم (تعميده) فى كامب ديفد لولا الخشية من أن تتسرب الروائح العفنة من قاع القِدْر .

الإتفاقية قد لا تأتى بالسلام حسب الصحفية “المخضرمة” آشلى جاكسون، كما قالت فى “الإستقصاء” . كونها ترى أن حركة طالبان عليها تقديم “ضمانات”. لأن طالبان حسب نص قول الصحفية {{ يريدون أن ينظر لهم كحكومة منتظرة وليس حركة تمرد أو جماعة إرهابية. ومن هنا تنبع أهمية الشرعية لأننا سنسمح لهم بالمشاركة فى الحكم (!!) . فلا تقتصر أهميتهم على قوتهم العسكرية فى ميدان المعارك ، فالكيفية التى يتلاءمون بها مع المجتمع هى التى ستضمن أيضا تمكنهم من أن يكونوا جزءاً من الحكومة (!!) ، وأن يحصلوا على معونات (!!) وأن يقيموا علاقات طبيعية (!!).}}

 

باللغة العربية الفصحى تقول المخضرمة آشلى جاكسون ما يلى :

– “نحن” ــ تقصد الأمريكيين والغرب ــ الذين سنسمح لطالبان بالمشاركة فى الحكم .

– يجب على طالبان التصالح مع القيم الغربية التى ظهرت فى المجتمع الأفغانى .

– بتلك الإشتراطات يمكن ان يحظى طالبان بمعونات الغرب (إقتصاديا ) والتمتع بعلاقات طبيعية معه (سياسيا) .

– قوة طالبان العسكرية غير ذات قيمة فى كل ذلك .

وهكذا كشفت آشلى عن محتويات (قِدْرْ السلام الملغوم ) وليس فقط قاعة المتعفن .

 

 

الإمارة الإسلامية : أول وأكبر ضحايا إتفاقية الدوحة “للسلام” !!.

المخضرم سهيل شاهين يحدد أربعة أجزاء ” لإتفاق إرساء السلام” . الذى لا نعلم له وثيقة رسمية ، أو نصوص ثابتة . فأمام كل حادث يتم ذكرجزء من الإتفاق ، بما يوحى بأنه إما فضفاض للغاية ، أو أنه يحتوى على الكثير من الأسرار والنصوص المخفية ، أو المتفق عليها شفويا .

الأجزاء التى أعلنها “شاهين ” رغم خطورتها ـ وسوف نمُرُّ عليها سريعاً فيما بعد ـ لكن الأخطر هو مالم يتم الإعلان عنه كتابة فى الإتفاق ، ولكن ذُكِر بكل وضوح فى المداولات التى سبقت صياغة الإتفاق “التاريخى” عن رغبة أمريكية أكيدة بإلغاء الإمارة الإسلامية . فقد صرح بومبيو بوقاحته المعتادة أن بلاده لا تعترف بالإمارة الإسلامية . لكنها تعترف بحركة طالبان ، وتعترف بمكتب الدوحة كممثل لحركة طالبان ( وليس ممثلاً للإمارة الإسلامية ) !! .

  لهذا لم يُذكَر مطلقاً إسم الإمارة الإسلامية فى نصوص إتفاق الدوحة . كما لم يتم الإشارة إليها ولو بحرف جر فى الفيلم الإستقصائى . وكأنها شبح غير مرئى لا يمكن رصده . أو أنها كانت مجرد خطأ تم التراجع عنه أوالتوبة منه. والذى قيل بعد ذلك من أقطاب الدوحة ومشاركيهم ، أن شكل النظام القادم فى أفغانستان سيجرى التباحث بشأنه لاحقا. أى أن “الإمارة الإسلامية” مستقبلها مهزوز إلى هذه الدرجة . والثابت الوحيد هو مكتب الدوحة ـ وما ينتج عنه من إتفاقات ورؤية مستقبلية لأفغانستان القادمة التى تناولها الفيلم الإستقصائى، والتى أبعادها : التبعية السياسية ، والتسول الإقتصادى ، والتحلل الإجتماعى.

“الإمارة الإسلامية” أعربت بشدة عن الإلتزام بإتفاقية الدوحة للسلام ، ربما حتى لا تبدو فى تضاد مع مكتب الدوحة الذى من المفترض أنه تابع لها، فأصبح يمتلك صلاحيات الإمارة دوليا ويسعى لإزاحتها داخليا. فالواقع الجديد الذى رسمه “خليل زاد” إستبعد الإمارة عمليا لصالح (مكتب الدوحة) الممثل الشرعى (عالميا)، والذى /حسب خليل زاد/ يعبر عن حركة طالبان كقوة عسكرية تبحث عن إعتراف دولى ومشاركة سياسية مع نظام كابول الحالى .

مكتب الدوحة أصبح يمتلك أوراق السيادة بعيدا عن السلطة الفعلية للإمارة ـ رغم الإعتراف النظرى بها كنوع من الإحترام المؤقت ـ فالمكتب يمتلك الإعتراف الأمريكى والغربى والدولى ، واعتراف ضمنى من الأمم المتحدة التى إعترفت بإتفاقية “السلام” التى عقدها مع أمريكا بإسم حركة طالبان (وليس الإمارة الإسلامية) .

لاتجرؤ الدوحة الآن على إزاحة الإمارة إلا بعد إتفاق نهائى مع نظام كابل. تنشط الدوحة بأموالها المتدفقة بعنف على الداخل الأفغانى، وبإتصالات مُوجَّهة من بعض المخضرمين داخل مكتب التفاوض، بهدف إزاحة الإمارة عن التأثير على الأحداث الداخلية ، فيصبح الإستغناء عنها مستقبلا أمراً لا يمكن التغاضى عنه .

– منذ إعلان إتفاقية مكتب الدوحة ، إتضح عالميا أن ذلك المنظور لمستقبل أفغانستان هو القادم الحقيقى ، وأن ذلك المكتب هو جهه الإختصاص للحديث مع العالم بدعم أمريكى وتمويل قطرى وإسناد أوروبى . وأن الإمارة / وكما أرادت لها أمريكا / إنزوت إلى مجرد ضيف على المشهد له قيمة شكلية مؤقتة ، إلى أن يتم إقصائها بتسوية نهائية بين حركة طالبان(يمثلهم مكتب الدوحة، كما أرادت أمريكا أيضا) وبين حكومة كابول”العميلة”.

ليس مكتب الدوحة منعزل داخل أفغانستان ، خاصة بعد إنفاق قطر لمئات ملايين الدولارات: لإحداث فتنة داخلية / لتفتيت صفوف المجاهدين/ وشراء من هو قابل للشراء من بين القبائل / وحتى محاولات لتفتيت النظام الداخلى للإمارة الإسلامية نفسها / ومن أجل مزيد من الإضعاف ومزيد من الفتن الداخلية .

 

 

الإمارة تتراجع .. ومكتب الدوحة يتقدم :

 منذ توقيع إتفاق الدوحة “للسلام” والإمارة الإسلامية يتراجع رصيدها من إعتمادية دول العالم عليها ، كما تراجعت ثقة دول الإقليم فى قدرتها على صنع واقع جديد لأفغانستان غير ما يرسمه لها بومبيو وخليل زاد ومعهما مخضرمى مكتب الدوحة للسلام.

 ولعل البند الوحيد الذى نفذته الولايات المتحدة فى الإتفاق المذكور كان إقناع دول الجوار بدعم رؤية السلام كما حددها إتفاق الدوحة . وهو البند الذى كان نصه ما يلى:{ تدعم واشنطن خلق بيئة داعمة لإحلال السلام النهائى بأفغانستان من خلال دول الجوار}. وهو سلام قائم على مشاركة بين حكومة كابول ومكتب قطر ممثلاً لحركة طالبان (حسب الرغبة الأمريكية).

– وهنا تحذير يقول أن الإمارة منذ إتفاق الدوحة للسلام خسرت الكثير من سمعتها الدولية والإقليمية . ويجرى سحب البساط من تحت أقدامها فى الداخل . وسوف تستبعد نهائيا من المشهد الأفغانى إذا سار مخطط التآمر الأمريكى المسمى (إقرار السلام) حتى نهاية الشوط المقرر له .

 

رباعية السلام كما ينشدها مكتب الدوحة للسلام :

سبق التعليق على إتفاق الدوحة ــ فى مقال على هذا الموقع تحت عنوان “السلام المراوغ..وإتفاقية إحلال السراب” ــ وفيه تعليق حول أحد عشر بندا أذيعت وقتها فى إعلام قطر . والآن يذكرالسيد شاهين ما أسماه (أربعة أجزاء). سنعلق عليها بإيجاز، حيث علقنا سابقا بالتفصيل فى المقال المشار إليه .

 

فى الجزء الأول من الرباعية يقول شاهين :

{ سحب جميع الجنود الأمريكيين من أفغانستان ومما حولها!!.} . “سألته المذيعه : كلهم ؟. فأجاب بسرعة : كلهم “. ولعل التعبير خانه فى جملة “ومما حولها” ، فليس لها محل من الإعراب. أو أنه يقصد أن الإنسحاب هو من مدينة “كابل” وما حولها ، وليس من أفغانستان .

السيد شاهين سقط متعمدا فى تدليسات خليل زاد . فليس لأمريكا جيش يقاتل فى أفغانستان ولم يَعُدْ لها غير قوة من الإداريين وحُرَّاس القواعد العسكرية (خاصة قاعدة بجرام). فالإتحاد الإستخبارى بين CIA والموساد هو من يدير الحرب ويختار القوات التى تناسب المهمة، ومنها:

ــ قوة ضاربة من الشركات الدولية للمرتزقة (بلاك ووتر/ بن زايد ــ برنس) .

ــ قوات محلية أسستها المخابرات الأمريكية وتتبعها مباشرة.

ــ فرق الموت التى تديرها إسرائيل ضد المدنيين فى القرى .

ــ ميليشيات محلية ، خاصة ما يدعى (الأربكية)، التى تمولها وتسلحها المخابرات الأمريكية  وتديرها عبر الأمن الوطنى الأفغانى .

ــ وهناك الميليشيات بأنواعها القبلية والعرقية .

ــ وهناك (بلاك ووتر الداعشية ) والتى تديرها CIA مع مجموعة من الأمن الوطنى الأفغانى .

 (( وبعد ذلك يقول جون سبوكر فى التقرير الإستقصائى أن بلاده أنفقت على “إعادة الإعمار” وحده مبلغ 132 مليار دولار. ويقول أنه مبلغ أكبر مما أنفقته على إعادة إعمار أوروبا فى مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية. ويَدَّعى سبوكر أن السبب يعود إلى الفساد الحكومى.

ولكن رغم ضخامة الفساد إلا أن الإنفاق على تدمير أفغانستان وإنشاء الكثير من الأجهزة المسلحة التابعة للمخابرات الأمريكية هو الذى إستنفذ أموال أمريكا ، متحالفاً مع الفساد المحلى فى إهدار 2 ترليون دولار هى تكلفة الحرب. والجدير بالذكر أن الفساد فى الجانب الأمريكى تزيد كلفته بمراحل عن الفساد فى الجانب الحكومى الأفغانى )) .

لم يتحدث شاهين، كما لم تذكر إتفاقية السلام شيئا عن مستقبل كل تلك القوات . ولا المرتزقة الذين بدأوا يتعاقدون مع حكومة كابل .

ولم يتكلم شاهين عن مصير إتفاقية الدفاع المشترك “أو التعاون الإستراتيجى” بين الولايات المتحدة وحكومة كابول التى سيصبح “مكتب الدوحة للسلام” شريكا معها فى الحكم ، إما بشكل مباشر أو بواسطة أفراد موثوقين لديه.

ولم يتكلم عن جيش المخابرات الذى يدير الحرب ، منCIA  والموساد . وهم غير تابعين رسميا للجيش الأمريكى ولا يرتدون ملابسه الرسمية . ويمكنهم بسهولة إستخدام ملابس الجيش الأفغانى ، تحت إسم خبراء أجانب أو مدربين أو حتى (أصدقاء فوق العادة للدولة الأفغانية !!) .

 

فى الجزء الثانى من الرباعية ، يقول شاهين :

{عدم السماح لأحد بأن يستخدم الأراضى الأفغانية لشن عدوان على أمريكا أو أحد من حلفائها}. السيد الدبلوماسى المحنك (حسب وصف التقرير) أسقط بذلك أفغانستان فى بئر لا خروج منه .

فهو أولا وضعها سياسيا تحت مراقبة الولايات المتحدة ، لرصد إتصالات الحكومة الأفغانية بالجهات الخارجية . والإعتراض على أي منها .

الإتهامات لن تتوقف، والعقوبات والحصار والتشنيع ومحسابة السياسة الخارجية للإمارة، ومصادرة سيادتها فوق أراضيها، والسيطرة على حركة الدخول والخروج إلا بموافقة أمريكية.

وأيضا رقابة أمريكية على النشاط المالى للإمارة مع البنوك الداخلية والخارجية . والعلاقات الإقتصادية والصفقات الإقتصادية ، بحجة منع أى دعم مالى لإرهابيين معادين للولايات المتحدة وأصدقائها (الذين هم إسرائيل على وجه الخصوص)، ومعاقبة أى شخصيات أفغانية لا تروق للسياسة أمريكية . والتوسع فى القوائم السوداء، التى كافح المفاوض الأفغانى لإعفائه منها، أكثر مما كافح لأجل إستقلال بلاده ، كما هو واضح من الإتفاقية التى فرَّطَت فى سيادة واستقلال أفغانستان . وحتى الآن لم يحصل المفاوض المستميت على إلغاء القوائم الأمريكية بالمنع من السفر، ولن يحصل عليها إلا بعد موافقة إسرائيل وتطبيع العلاقات الأفغانية الإسرائيلية.

– من مخاطر ذلك “الجزء” من الإتفاقية أنه يقر ضمناً بمسئولية الإمارة الإسلامية عن هجمات 11سبتمبر . ويفتح الباب أمام أمريكا لتطالب مستقبلا بتعويضات فلكية. فى نفس الوقت الذى تَحْرِم فيه الجانب الأفغانى / بصفته المُعتَدى/ من المطالبة مستقبلا بتعويضات حرب أو حتى بإعتذار أمريكى عن جرائمه فى تلك الحرب.

 نلاحظ تهديد أمريكا للسعودية بدفع غرامات عن حادث سبتمبر. ومع تهاوى أسعار النفط ربما لا يكفى ثمن بيع شركة (أرامكو) العملاقة لسداد تلك الغرامات إذا تم إقرارها . أى أن نفط السعودية وهو المخزون الأعظم فى العالم ، سيكون مرتهنا بقضية عقوبات 11 سبتمبر ، فأى شئ سوف تَرْهَنهُ أفغانستان فى مقابل مسئولية أقرتها ضمنا عن حادث سبتمبر؟؟. مع ملاحظة أن السعودية لم تقر بمسئوليتها لا ضمنا ولا صراحة .

بدون التوسع فى تفاصيل الثروات الأفغانية التى تريد أمريكا أن تصادرها ، نقول أن فى صدارتها يأتى محصول الأفيون، بأن تفرض أمريكا نفسها كمحتكر له ومتصرف وحيد فيه . ليس ذلك إفتراضا، بل هو ما تمهد له أمريكا الآن عسكريا وسياسيا .

 فقد بدأت بالفعل/ وحتى قبل أن تبدأ مباحثات السلام فى الدوحة/ الموجة الثانية من الحرب على أفغانستان ، بقيادة CIA  والموساد، وبإسناد مالى من قطر. بهدف حصر مناطق الأفيون فى أيدى صديقة تعمل مستقبلا على حصر التعامل السيادى فى محصول الأفيون بالجانب الأمريكى وحده ، فى مقابل مزايا  للمتعاونين تشمل أسعار مجزية للأفيون وتسليح جيد ، وتمثيل سياسى فى النظام القادم ، وعقود غاية فى السخاء فى مجالات الإنشاءات وإعادة الإعمار والسمسرة وتوكيلات تجارية تم توزيع العديد منها بالفعل على متعاونين أقوياء فى أفغانستان وباكستان والدوحة ومناطق أخرى).

– من مخاطر ذلك الجزء من الإتفاقية أنه لا يقود فقط إلى الإعتراف بإسرائيل ، بل يجعل الطرف الأفغانى مسئولا عن الدفاع عن أمنها. ويستلزم ذلك تنسيقاً أمنيا ، بل تبعية أمنية لإسرائيل التى هى القوة الإحتلالية الثانية من حيث الفعالية والقوة فى أفغانستان .

أى أن إعتراف النظام القادم بإسرئيل ، لن يكون سوى كشف لجزء من الأمر الواقع ، وجعله قانونياً . وقتها تسفر الوجوه القبيحة عن حقيقتها اليهودية ، كما حدث فى العديد من بلاد العرب.

يقول السيد شاهين فى الجزء الثالث من الرباعية : {الشروع فى مفاوضات بين الأفغان} .

ويقول فى الجزء الرابع منها: {إجراء مباحثات بشأن إطلاق النار} .

وبما أن المفاوضات بين الأفغان هى شئ آخر غير مباحثات “وقف” إطلاق النار، فإن المفاوضات بين الأفغان تعنى الإتفاق على تقاسم السلطه بين”الجميع”. لتكون طالبان مجرد جزء من هذا “الجميع” . ولكنها الجزء سئ السمعة (دوليا) ، ومتهم بالعنف والتطرف والتجاوز على حقوق النساء وحريات الشعب التى حصل عليها خلال سنوات الإحتلال السعيدة . أو كما جاء فى الإستقصاء (حقوق الناس فى سماع الموسيقى وحرية البنات فى ركوب الدراجات ، والجلوس على مقاعد الدراسة الجامعية مع الشباب) .

 

الحرية الغربية بديلا عن تحرير الوطن .. وثقافة القبلات بديلا عن الشريعة :

وحسب رؤية راسم لَوْحات جدارية فى كابل، وزميله مؤلف أشعار تلك اللوحات، فإن تبادل القبلات فى أفغانستان هو تعبير عن موقف سياسى “!!”. ويقول فى أشعاره بالحرف (سأقبِّلُكِ أمام طالبان ، لإننى لست خائفاً منهم ). ونسأله لماذا لم يفعل ذلك حتى الآن بينما هو ينعم بحماية قوات الإحتلال؟.

لقد أدار الغرب دفة الصراع ضد المستعمر بهدف تحرير الوطن، إلى “نضال تحررى” من أجل إباحة القبلات فى الشوارع . فزمن التحرير قد ولى بعد أن تم إستبدال المصطلحات والتوصيفات. فصار المحتل حليفاً وشريكاً استراتيجياً وممولاً للشعب الفقير، ومعيلاً لدولة التسول والفساد ، وحاميا لأكبر عملية تحول ثقافى وتحلل إجتماعى فى كل تاريخ أفغانستان.

وكما أخفوا ذِكْر الإمارة الإسلامية، تكتموا على ذِكْر الجهاد ، ونسوا لماذا كان منذ البداية ؟؟.

 – ستكون حركة طالبان فى الزاوية الأضعف من الحكم المشترك. ولابد لممثليها فى الحكومة والبرلمان وأجهزة الدولة (ممثلى مكتب الدوحة فى حقيقة الأمر) ، أن يتبرأوا من ذلك الماضى {{ وأن يتكيفوا مع الأوضاع الجديدة لأن صفحة من التاريخ قد قُلِبَت وزمن الظلام قد ولَّى ، وأن شمس قضيتنا المشروعة قد أشرقت على العالم كله ) .. ( وآن الأوان بأن تَخْرُج جميع الجهات الداخلية والخارجية من عالم الدعايات والتبليغات الكاذبة التى مارسوها طيلة السنوات الثمانية عشر الماضية }} ــ حسب إقتباسات من بيان منشور على موقع الإمارة الإسلامية بعد الإعلان عن إتفاقية مكتب الدوحة للسلام .

 بيان يحتفل فيه مكتب السلام الملغوم ، بما قدمه من تنازل لأمريكا عن القضايا الجوهرية وبكل سهولة . بل ومساعدتها فى التغطية والتضليل خاصة فيما يتعلق بإنسحاب القوات المحتلة ، وما يتعلق بحتمية الإعتماد على الغرب فى الحصول على المساعدات التى لا حياة لأفغانستان بدونها (حسب التقرير الإستقصائى والمشاركين فيه) . وما يستدعيه ذلك من علاقات وثيقة مع الغرب، وضمانات حسن سير وسلوك فيما يتعلق بالحريات التى حصل عليها الشعب الأفغانى تحت ظلال الإحتلال . خاصة حريات المرأة فى (ركوب الدراجات ، التقبيل فى الشوارع ، ومقاعد دراسية مختلطة فى الجامعات). مع تأجيل إقرار بند الحريات فى وثيقة رسمية إلى مرحلة لاحقة ، تجنباً للإحراج الذى قد يعرقل باقى التنازلات المتعلقة بالتبعية الإقتصادية والسياسية .

 

التسول الإقتصادى ضرورة إنسانية ( حسب الإستقصاء) !!

محور آخر خطير إقتحمه التقرير الإستقصائى المشترك (فرنسى/ قطرى)، حول ضرورة المعونات الخارجية ، وأن حياة الشعب الأفغانى وصحته ستكون فى خطر إذا ما حُرِمَ من ذلك الإحسان الوفير.

تلك الفقرة من الإستقصاء لا تقل أهمية وخطورة عن الفقرات التى تناولت السياسة والإقتصاد . بل تدعم تلك المحاور من جانب عاطفى وإنسانى للتأكيد على أن التبعية للغرب والخضوع لشروط المحتل هى ضرورة إنسانية ، وأن من يعارضها مجرم فى حق شعبه ، وحق الأطفال المرضى والأمهات الجوعى الذين لا عائل لهم غيرالغرب الرحيم وتبرعاته الإنسانية الخالصة لوجه الله.

   تقول مذيعة البرنامج فى مقدمة تلك الفقرة (الإنسانية / السياسية ) :

{{ دورة العنف تُشْعِر الدول المانحة بالإحباط . وأفغانستان دولة تعيش على المعونات الخارجية  فمنذ عام 2014 خففت الحكومة الأمريكية معوناتها لأفغانستان بمقدار النصف.

نموذج على حاجة أفغانستان (للمعونات الخارجية) نتوجه إلى جلال آباد، المستشفى العام بالمدينة وحدة طب الأطفال . الأطفال يعانون من سؤ التغذية الشديد. تعتمد الوحدة كليا على اليونيسيف فى الأجهزة والعلاج وحتى الطعام ـ وقد تنضب مواردها قريبا جدا }}.

طبيب أفغانى يقول فى”الإستقصاء”: { إن يونيسيف إستصرخت العالم كى يمول برنامج الطعام لكن لسؤ الحظ لم تتلق معونات تذكر} .

وفى موضع آخر يقول : { الناس فقراء. تعانى الأم من سؤ التغذية أثناء الحمل ، وعند الولادة لا تستطيع إرضاع طفلها . قالت لى والدة الطفلة : كيف نطعمها ونحن أنفسنا لا طعام لنا ؟.}

 ثم تقول المذيعة : { إن 2 مليون طفل يعانون من سؤ التغذية فى أفغانستان }.

 ((ونحن نضيف الى معلوماتها أن هناك 800,000 أمرأة أدمنت على المخدرات ــ إضافة إلى ثلاثة ملايين شاب أدمنوا على الهيروين )) .

وفى نهاية تلك الفقرة الإنسانية / السياسية ، تقول المذيعة الفرنسية :

{ بعيدا عن الصفقات الدولية مازال الأفغان الأكثر ضعفاً يدفعون ثمن الحرب . ويَرْجُحْ اليأس ، وضرورة وضع حد للمعاناة ، فى أذهانهم ، على المحرمات القديمة (!!) . ولديهم رغبة بسيطة واحدة، هى أن تنتهى معاناتهم ، حتى وإن إستدعى ذلك تقديم تنازلات إلى أعدى أعدائهم(!!) }

الكثير يمكن أن يقال حول تلك الفقرة ، التى تفتح المزيد من الجراح النازفة . لهذا نكتفى الآن بالإشارة إلى أن (المحرمات القديمة) يقصد بها المحرمات الدينية. وأن تقديم التنازلات لأعدى أعدائهم تتعدى التنازلات السياسة . وهذا يكفى الآن على الأقل .

 

هل أفغانستان دولة فقيرة .. و متسوِّلَة ؟

هذا ما يؤكده شاهين فى الإستقصاء التلفزيونى ، بما يؤكد تلك الإهانة المتعمدة التى يقدمها الإستقصاء على أنها حقيقة غير قابلة للنقاش . كما أكد الأمريكى (جون سبوكر) ــ المفوض الأمريكى لمراقبة إعمار أفغانستان ــ وزميله الأوروبى “رولاند كوبيا” المبعوث الخاص للإتحاد الأوروبى فى أفغانستان الذى يرى أن : { من يريد أن يعقد صلحاً فعليه أن يصافح حتى الشيطان}  ويقول كوبيا أن : { الفقر إنتشر فى أفغانستان نتيجة للحرب وأن بلد مضطرب كأفغانستان ممكن أن يصبح أرضية خصبة للجماعات الإرهابية التى تخطط وتشن عمليات فى بلدان بعيدة ، وما يهمنا هو الأمن فى أفغانستان لكى نضمن الأمن لأوروبا كلها }} ـــ وهكذا يرى الغرب فى أفغانستان ، مجرد فقر واقع وإرهاب محتمل .

– المفوض الأمريكى ( جون سبوكر) قال فى الإستقصاء:

 { لا تستطيع الدولة فى أفغانستان بمفردها أن تحصل على أموال تكفى للإنفاق الحكومى . فهى تحصل سنويا على ما يتراوح ما بين 2 إلى 2,5 مليار دولار من العائدات والضرائب . وإنفاقها على الجيش والشرطة يتراوح ما بين 4 إلى 5 مليارات . فضلا عن مليارات أخرى تنفق على القطاعات المدنية . وإذا ما حجب ذلك الدعم الإقتصادى فسوف تدور مشكلة تؤثرعلى ديمومتها ، وهى لا تستطيع أصلا أن تنفق على جيشها }.

إذن حسب سبوكر يجب أن تعيش أفغانستان مستعبدة للغرب نظرا لحاجاتها إلى أموالة .

شاهين يؤكد ذلك مع المذيعة الفرنسية ـ فى آخر فقرة من الإستقصاء والتى دارت كالتالى :

المذيعة : { أتخشى أن يسحب بعض المانحين الدوليين ـ مثل الإتحاد الأوروبى ـ أموالهم من البلاد إن عادت طالبان إلى السلطة ؟؟} .

شاهين : { نعم بالطبع ـ لذلك فإننا نريد أن نغلق هذا الفصل من الحرب ، ونبدأ فصلا من التعاون والعلاقات الطيبة معهم . عليهم ان يدفعوا تلك الأموال لشعب أفغانستان وإلى البلد نفسه لتنميته وإعماره}.

السيد شاهين يخشى أن يقطع الغرب “مساعداته” المالية لأفغانستان . لهذا يريد طي صفحة الحرب .(التى كانت تسمى جهادا فى الزمن القديم ، زمن الظلام ، قبل أن تشرق شمس مكتب الدوحة للسلام) وبدء صفحة من التعاون والعلاقات الطيبة . أموال الغرب يجب ـ فى رأيه ـ أن تأخذ مساراً آخر إلى البلد لتنميتة وإعماره . فهناك أيدى جديدة جاهزة لتلقى المعونات لتنفقها بشكل أفضل . ومعلوم دوليا أن المعونات الخارجية يترافق معها الفساد. إذن كلام السيد شاهين يعنى إعطاء خريطة جديدة للفساد وعنوان جديد للفاسدين.

ولعله يرى بذلك { أن صفحة التاريخ قد قُلِبَت ، وزمن الظلام قد ولى، وشمس قضيتنا المشروعة قد أشرق فى العالم كله}. فالمشكلة كما يراها مكتب الدوحة للسلام، هى فى نوع اليد التى تستلم المعونات، ومن ثمَّ تمارس نفس الفساد . ويظل مبدأ التسول ثابتأً ، وكذلك مبدأ التبعية السياسية لأمريكا والغرب، بضمانات القبول بالإذلال الثقافى والتنازل عن ثوابت الدين والتقاليد.

 

التحقيقات حول حقوق المرأة .. وليس عن حادثة سبتمبر

الجيش الأمريكى وقوات حلف الناتو لم يهاجموا أفغانستان لتوزيع الحلوى على الأطفال ، أو لإطعام الجوعى، أو لبناء ما دمرته الحرب السوفيتية وحروب الفتنة التى أشعلها الغرب فى أفغانستان . أو من أجل أن تركب الفتيات الدراجات وتتبادل القبل فى الشوارع مع الشباب.

 فأحداث 11 سبتمبر لا علاقة لطالبان أو الأمارة الإسلامية بها من قريب أو من بعيد . ومعلوم على نطاق واسع أنها من ترتيب المخابرات الأمريكية وشقيقتها الموساد . وأن الولايات المتحدة لم تكشف عن النتائج الفعلية للتحقيقات ، ولم تسمح بتحقيق دولى مستقل . ولكنها دخلت فى حرب صليبية ضد المسلمين ، أعلنها بوش من كتدرائية فى واشنطن . وحتى أنها لم تسمح بأى تغطية إعلامية مستقلة لأحداث سبتمبر ، ولا لحربها فى أفغانستان . ولكن المذيعة الإستقصائية تعترض على السيد شاهين ، بحماس قائلة فى تعليقها على موقف طالبان من المرأة : { فى عهد طالبان اُغْلِقَتْ أفغانستان فى وجه التحقيقات الخارجية ، ولم تُدْلِ أى منظمات غير حكوميه بشهادة عن العنف ضد النساء ، ولم تبين أى إحصاءات ما عانينه} .

 ولعل أحداً آخر يسألها: وهل سمحت الولايات المتحدة بإجراء مثل تلك التحقيقات الخارجية غير الحكومية عن أحداث 11 سبتمبر التى نتج عنها حربا طاحنة ما زالت مستمر فى أفغانستان منذ 20 عاما ، وامتدت نيرانها فطالت العراق ودول عربية عديدة ؟؟.

ولماذا رفضت أن يُحاكم جيشها على جرائم حرب أرتكبها فى أفغانستان وتوفرت حولها دلائل تتيح رفع قضايا جنائية ضده؟ . وبدلا عن ذلك عاقبت أمريكا المحكمة الجنائية الدولية واتهمتها بالتحيز ضدها وضد شقيقتها إسرائيل التى تواجه إتهامات مماثلة إرتكبتها فى فلسطين المحتلة.

مكتب الدوحة للسلام وحرصا منه على بناء الثقة مع أمريكا، لم يقدم كلمة تأييد أو شكر للمحكمة الدولية، وكأن الأمر لايخصه فى شئ ، رغم أن تسميته فى البداية كانت هى (المكتب السياسى للإمارة الإسلامية)، فأسقط المكتب السياسة من إعتباره، كما أسقط الإمارة الإسلامية نفسها، ولم يعد يذكر غير كلمة واحدة هى “السلام” وما يتعلق به من “بناء الثقة” و”المعونات الغربية”.

 

ثروات أفغانستان : الأفيون أولا .

ليس من المبالغة القول بأن أفغانستان واحدة من أغنى دول العالم . وأن ذلك ما جلب لها الغزو الأمريكى مدعوما بحلف شمال الأطلنطى”الناتو” . فأرض أفغانستان تحتوى على ثروات تزيد قيمتها عن 2000 مليار دولار. من ضمنها خامات نادرة وحيوية بالنسبة للصناعات التكنولوجية عالية التطور. ومواد خام تتيح لها إنشاء صناعات ضخمة تقليدية أو متطورة ، بل وأن تكون دولة رائدة فى الصناعات النووية السلمية . فلديها مخزون هائل من اليورانيوم الذى تنهبه بريطانيا العظمى يوميا من منطقة سنجين فى لاية هلمند ، الغنية باليورانيوم والأولى عالميا فى إنتاج الأفيون.

فأفغانستان تنتج أكبر محصول للأفيون فى العالم (حوالى 90 % من الإنتاج العالمى فى المتوسط). ومئات مليارات الدولارات المتولدة سنويا من الأفيون ومنتجاته تصب فى خزائن البنوك الأمريكية والإسرائيلية والأوربية . وعندما أوقفت الإمارة الإسلامية زراعة الأفيون ، تعجلت أمريكا بقرار الغزو ، بذريعة أحداث سبتمبر التى رتبتها مع الإسرائيليين .

 سابقة وقف زراعة الأفيون تعتبر سبباً رئيسياً فى إصرار أمريكا على إستبعاد الإمارة الإسلامية من مستقبل أفغانستان ، وإستبدالها بمكتب قطر للتفاوض والسلام ، خشية أن تُكَرِّر الإمارة “خطئها” السابق بوقف زراعة الأفيون ، الذى يعنى كارثة مالية تصيب الولايات المتحدة وإسرائيل وغرب أوروبا ، وبالتالى النظام البنكى والمالى العالمى ، والأهم توجيه ضربة قاضية للدولار الذى تبنى عليه أمريكا عظمتها الورقية فوق عالمنا المتهافت.

أما مكتب قطر فهو المفضل أمريكيا لأن طموحاته تتوقف عند تلقى المعونات الأمريكية، فى مقابل تقديم التنازلات المناسبة فى مجالات الإستقلال والسيادة والثروات والثقافة الأفغانية .

 

الولايات المتحدة جادة بالنسبة لثروات الهيروين التى تصب فى بنوكها . فمن أجلها إحتلت أفغانستان ـ ولأجلها تستمر فى حرب لا أمل فى ربحها .

وقبل التوقيع على بيان السلام فى الدوحة كانت تهديدات هى الأشد من نوعها قد وصلت إلى حركة طالبان ، ومفادها : أن أمريكا ستحصل على المخدرات التى تريد ، وإلا محت كابل من الوجود . ثم وهدد ترامب بضربة تبيد عشرة ملايين أفغانى وتنهى الحرب خلال أيام . ثم إدعى أنه لا يريد ذلك !! .

فالقضية الحقيقية إذن هى أفيون أفغانستان وليس النفاق الغربى عن حقوق المرأة وركوبها الدراجات وتبادل القبلات فى الشوارع ، والجلوس مع الشباب فى مقاعد الدراسة .

القضية هى الهيروين الذى تنتجه المخابرات الأمريكية فى قاعدة بجرام الجوية ويُدِر فى تجارة عالمية دخلاً سنويا يشارف الألف مليار دولار ـ تتضاعف مع توالى عمليات الغسيل (!!) .

القضية تمس أيضا دول أوروبا الغربية ـ وتصل إلى أعصاب النظام الدولى الذى تديره أمريكا ، وتلتصق بالعمود الفقرى للبنوك اليهودية العظمى .

المعادلة الأمريكية تجاه أفغانستان فى غاية البساطة وهى : (الأفيون أو الحرب) ــ (الأفيون فى مقابل السلام) ــ و بمعنى آخر: (الأفيون لنا أو الموت والدمار لكم) .

بعد إحتلالها لأفغانستان قفزت أمريكا بمحصول الأفيون إلى أكثر من 40 ضعفا . وأدخلت إلى الزراعة بذور مُعَدَّلة وراثيا لتعطى إنتاجاً مضاعفاً ومحتوى مُخَدِّر أعلى . كما أدخلت تحسينات فى تكنولوجيا تحضير الهيروين فصارت نقاوته تامة 100% بعد أن كانت عالميا فى حدود 52% قبل الإحتلال.

تضاعفت كميات الهيروين وصارت نوعيتة مثالية . وتوزيعه صار دوليا وفى غاية السهولة عبر سلاح الجو الأمريكى الذى يُقلِع من أفغانستان فى أجواء الكون الشاسعة المفتوحة أمامه. ولو أن هناك كائنات فى الكواكب الأخرى لوصلها الهيروين الأمريكى محمولا فى سفن الفضاء. بينما الأساطيل الأمريكية فى البحار ــ والتى تكافح القرصنة “!!” ــ توزع الهيروين فى موانئ المحيطات جميعاً. والصراع على حيازة وبناء موانئ على سواحل أفريقيا (على سبيل المثال لا الحصر) هو تنافس على حيازة محطات بحرية دولية لتوزيع المخدرات بأنواعها.

 وعندما خسرت أمريكا المزيد من حقول الأفيون التى حررتها حركة طالبان ، وتعَثَّر إنتاج الهيروين فى القواعد الجوية (خاصة بجرام) نتيجة الحصار والضغط والإختراقات والتخريب ، إزدحمت أفغانستان بزبائن الهيروين ، الذين جاءوا فزعين لضمان حقوق (شركاتهم) عابرة القارات . ليأخذوا ما يستطيعون الحصول عليه ، بأى وسيلة ممكنة . لا يهم كيف ولكن المهم أن تكون الوسيلة مجدية !!.

 

 

بازار للهيرويين .. وبنوك تغسل الدولار أكثر بياضا :

من السوق السوداء حصل الوافدون غير القانونيين إلى أفغانستان على مبتغاهم من المسحوق الأبيض أو البلورات كاملة النقاء . فأنعقدت الأسواق فى مدن شتى ، والتجارة التى كان يحتكرها الجيش الامريكى تولاها ضباط فى CIA والموساد ، مع كبار موظفى الأجهزة المحلية “الوطنية” من جيش ومخابرات وسياسيين وزعماء ميليشيات .

أما بنك كابول فبالكاد يكفى وقته لغسيل الشلال القذر من دولارات الهيروين . ومنه تتدفق أفرعاً كثيفة إلى دولة الإمارات وفقاعات الخليج الأخرى ، وإلى أصدقاء أمريكا فى شرق آسيا وأراضى فلسطين المحتلة .

حول العالم ، الدولارات القذرة تبنى مدناً ومشاريعاً إستثمارية وسياحية عظمى ، وتشترى موانئ على ممرات المياه الإستراتيجية ، وتدعم أنظمة .. وتهدم دولاً .

بإختصار.. الدولار الأفيونى ــ بعد غسيلة ـ أصبح أكثر بياضا ، وإنتصر على الدولار النفطى القديم ، ويدعم نظام أحادى القطبية ، ترعاه الولايات المتحدة  وتدير به العالم .

عندما لاحظ البعض ذلك الإنتعاش الهائل ـ أو ثورة الهيروين العظمى ـ التى أشعلها الإحتلال الأمريكى لأفغانستان ، إمتعضوا على إستحياء . ولكن الرد الأمريكى كان واضحا ومتبجحا : (إننا لم نذهب إلى أفغانستان من أجل مكافحة المخدرات ) ــ وأخيرا صدق الكذوب .

وظن الأمريكى أنه كسب ملايين المزارعين الأفغان فى صفه ، بعد أن ساعدهم فى زراعة الأفيون ، ورفع أسعاره بالنسبة للسابق بعد أن كانت الإمارة الإسلامية قد أوقفت زراعته  فوقع المزارعون فى أزمة إقتصادية وإجتماعية هائلة .

 رصدت أجهزة الأمم المتحدة إنتاجاً قدره 185 طن فى عام 2001 الذى توقفت فيه الزراعة، فى مقابل 3600 طن قبل ذلك . ثم تصاعد الإنتاج إلى أكثر من 10000 طن فى سنوات الإحتلال ـ فى المتوسط الفعلى ـ وليس بأرقام الإحتلال الذى يخشى من الحسد ومن المنافسين .

الخلاصة هى أن الأفيون مشكلة عالمية عظمى، تفوق طاقة أى حكومة تتولى أمر أفغانستان. وهو موضوع يمس أمن ومصالح الدول الكبرى . ويؤثر مباشرة فى النظام المالى والبنكى العالمى . فالأفيون شأن عالمى تماما ، وليس محليا بأى حال .

– إنطلاقاً من تلك الحقيقة فإن الإمارة الإسلامية فى عهد حكمها القادم يجب أن تتحمل تلك المسئولية العالمية . ولكن بإدارة مركزية قوية واعية حتى لا يختل الأمن داخل أفغانستان أو فى الدول المحيطة بها . وحتى لا تتعرض أفغانستان لغزو عسكرى جديد من الدول العظمى ــ والقوى العالمية المتحكمة ــ إذا أضيرت مصالحها المالية نتيجة حظر الإمارة زراعة الأفيون.

 

الإمارة الإسلامية أمام تحدى داخلى ومسئولية دولية :

ستكون أفغانستان ( الإمارة الإسلامية ) فى وضع مالى وإنسانى يمكِّنها من إقامة جهاز إدارى جيد ، وقدرة عسكرية وإستخبارية للإضطلاع بتلك المهمة ، وضمان أمن وسلامة أراضيها، وأمن وسلامة الجيران والعالم ، بتنظيم دور تلك السلعة “المالية” الحيوية للنظام العالمى.

 

من نتائج ذلك على الدولة الأفغانية ما يلى :

 إحباط الحرب الأمريكية المضادة التى سوف تجابه الإمارة الإسلامية فى حال نجاحها فى تصفية الوضع الإستعمارى الحالى ، وطرد قواته الأجنبية وقواته المحلية وقوات المرتزقة، و طرد عملائه فى النظام الحاكم ، كما طُرِدَ من قبل نظام نجيب الله الشيوعى.

ومن إجراءات الحرب الأمريكية ضد الشعوب التى تريد الإستقلال بإدارة شئونها :

1 ـ ضرب العملة المحلية ، فترتفع الأسعار بجنون .

2 ـ حصار مالى ، وحظر التعامل التجارى مع الخارج .

3 ـ عمليات تخريب وإغتيال ، وإشعال فتن داخلية وحركات إنفصالية وحرب نفسية ودعائية.

كل ذلك ـ أو أكثر منه ـ سوف يحدث ضد الإمارة الإسلامية عند عودتها ، بعد تحرير البلاد وطرد المحتل.

ولن يكون أيا من تلك الأساليب مجدياً للأسباب التالية :

1 ـ قوة الإمارة داخلياً، والإجماع الشعبى حولها، والذى تجلى فى دعم شعبى لجهادها ضد جيوش الإحتلال طوال عقدين من الزمان . وقبل ذلك دَعَمَها الشعب ضد نظام أحزاب الفساد الذى أقامته أمريكا وأعوانها فى كابول بعد سقوط النظام الشيوعى .

2 ـ تتوسط أفغانستان مجموعة من أقوى دول آسيا والعالم ، وتمثل أفغانستان حلقة الإتصال البرى والجوى فيما بينها . بما يُشَكِّل مصالح إستراتيجية وأمنيه وإقتصادية لتلك الدول جميعاً. ونخص بالذكر الصين (عملاق العالم) وروسيا وإيران والهند .

3 ـ فأى ضرب لإستقرار أفغانستان أو تهديد لأمنها ، أو عرقلة لدورها فى النظام الأسيوى الكبير كرابط برى وجوى بين (الصين و إيران) من جهة ، وبين (روسيا و الهند) من جهة ثانية ، سيكون ذو تأثير خطير على أمن القارة الأسيوية والعالم أجمع .

ومن خلال المصالح المشتركة والحاجة الجماعية إلى الإستقرار والأمن والتنمية ، يمكن للإمارة ان تبنى أفغانستان كدولة قوية وغنية ، ذات إقتصاد إنتاجى ، متكامل مع المحيط الأسيوى، ويحقق أكبر قدر من الإكتفاء الذاتى الزراعى والصناعى للشعب الأفغانى . بهذا الترابط والتفاعل الإيجابى مع المحيط الأسيوى العملاق  تعيد الإمارة إعمار أفغانستان ـ بتعاون إقليمى متكافئ .

– وغنى عن القول أن إستقلال أفغانستان وهويتها الحقيقية سوف يحددها دورها الفعال مع عمالقة الإقليم الأربعة : الصين ـ روسيا ـ إيران ـ الهند . وسياستها الذكية فى إدارة دورها الفعال لبناء أفغانستان بالتفاعل مع تلك الدول بعيدا عن الصدامات . أما البعد الدولى (الأمريكى ــ الأوروبى) فلن تحصل أفغانستان منه ، سوى على الحصار والعقوبات ، والتخريب والحرب النفسية ، إلا إذا إنصاعت للرؤية التى أقرتها الولايات المتحدة ومكتب الدوحة.

– إذن أفغانستان لن تكون فى حاجة إلى الولايات المتحدة، ونظامها للإستعباد الدولى، وما يرافقه من حروب وحصار إقتصادى وعقوبات أرهقت العالم .

 فى مثل ذلك الترابط بين أفغانستان مع محيطها الأسيوى ، فإن الولايات المتحدة ، إذا عاقبت أفغانستان ستكون قد عاقبت نفسها فى حقيقة الأمر.

وستكون أمريكا ــ ودول حلف الناتو ــ مجبرة على إقامة علاقات طيبة مع أفغانستان كأفضل وسيلة للحصول على مبتغاها من محصول الأفيون ـ ولكن طبقا لشروط وإشراف حازم من الإمارة الإسلامية.

ولن يطول الأمر كثيرا حتى يأتى نظام عالمى جديد ، بلا ولايات متحدة، وبلا معادلتها القاتلة : ( الأفيون لنا .. أو الموت والخراب لكم ) .

 

تجديد البيعة للإمارة الإسلامية :

( نستفيد هنا بعدد من الأفكار التى وردت فى مقال بمجلة الصمود، عدد رقم 174 ، تحت عنوان إستفتاء البقاء واستفتاء الإلهاء) .

– رؤية الإمارة الإسلامية للحكم الإسلامى إتضحت خلال فترة حكمها الأولى (1996 ــ2001)، بأن أهم واجبات النظام الإسلامى هى تطبيق العدالة بين الجميع ، ومكافحة الفقر.

وفى الحقيقة فإن  تطبيق الشريعة لا يمكن أن يكون كاملا بدون توفير عيش كريم لجميع الناس وإلا فلا يمكن تطبيق أكثر الحدود الإسلامية فى ظل الفقر المدقع أو المجاعات التى تشكل شبهة مُخَفْفِة أو حتى مانعة لتطبيق الحدود.

إذن تنمية الإقتصاد هى العمود الفقرى لإقامة شرع الله. فلا شرع يقام بمعزل عن مكافحة الفقر فيجب منع إحتكار الثروات، وتنظيم الزكاة ، والتصدى لناهبى ثروات المسلمين.

فالمسلمون ليسوا فقراء، أو فى حاجة لمن يعولهم ، بينما ثروات البلاد منهوبة وتصب فى خزائن الكافرين أموالا طائلة.

– يعمل الأمريكيون ، ومعهم سماسرة الإحتلال الأجنبى ، على التخلص من الإمارة الإسلامية وإزاحتها جانباً، كخطوة أولى ، ثم إلغائها فى خطوة لاحقة ، بطريقة تبدو ديموقراطية جذابة للغرب وجالبة لرضاه ومعوناته.

 متخطين بذلك أصحاب الحق الشرعى فى إقرار نظام الحكم ، الذين أقاموا الإمارة الإسلامية واختاروا لها الملا محمد عمر أميرا للمؤمنين .  ويمتلك ذلك الحق القوى التى جاهدت لإزاحة نظام البغى والفساد فى كابول منذ عام 1994 إلى عام 1996 حين أعيد فتح كابول وطُرِدَ منها المنافقون والمرتدون الذين عملوا داخل النظام .

 بعد رحيل الإحتلال الأمريكى وملحقاته ، فإن الإمارة الإسلامية هى من سيتولى سلطة الحكم ، بناءً على شرعية إستفتاء جهاد شعبى ، إستمر عقدين من الزمن ، مؤيداً لها ولمبادئها الإسلامية. وهذا هو الإستفتاء الحقيقى للأمم المجاهدة . وليس واحدا من إستفتاءات النفاق الغربى، لتسويق الفاسدين بقوة المال الأجنبى وأجهزة الدعاية.

 إختيار الإمارة الإسلامية  كنظام لحكم أفغانستان قد تم بالفعل خلال عشرين عاما من الجهاد الصعب والقتال المرير . فمن كان خارج ذلك الجهاد فلن يشارك فى النظام القادم ، وعليه إما البقاء تحت قوانين النظام الإسلامى ، أو الرحيل مع قوات الإحتلال ليقيم مع سادته فى بلادهم.

– بعد تحرير كابول ، وخروج الإحتلال الأمريكى وأعوانه ، يحين الوقت لتجديد البيعة لحكم الإمارة فى مرحلة الجهاد القادمة لإعاة بناء أفغانستان وإزالة آثار الإحتلال ثقافيا واقتصاديا. عبر مؤتمر جهادى عام من المجاهدين والعلماء وقادة القبائل من كل أفغانستان / مثل ذلك المؤتمر الذى أسس لقيام الإمارة / يجتمع فى مدينة أفغانية ، وليس أى مكان خارج أفغانستان ، لتجديد البيعة للإمارة ، ولزعيمها أمير المؤمنين . وطبقا لمبادئ الإمارة وأميرها المؤسس : فإن الصدارة محجوزة لمن رفع السلاح وجاهد بالنفس والمال. والأفضلية هى للتقوى والجهاد وليس للأموال الخارجية أو الدعم الأمريكى. وأن من يتصدرلإمارة المؤمنين ، يختاره المؤمنون وليس المنافقون ، وعليه أن يدخل إلى الحكم فقيرا ويخرج منه فقيرا، كما فعل الملا عمر رحمه الله . دخل بردائه القديم وبه خرج من الدنيا الفانية . رحم الله الملا محمد عمر، فقد أتعب من بعده .

 

 

مكتب الدوحة خارج المسار الشرعى :

إن مكتب الدوحة قد خرج عن مهمته الأصلية التى من أجلها أسسته الإمارة. فبعد أن كان مكتبا تابعاً للإمارة ، أخذ يتصرف كطرف بديل عنها ، ويقرر فى مسائل جوهرية للغاية لا يمكن مناقشتها خارج نطاق القيادة العليا للإمارة (مثل مسألة شكل نظام الحكم القادم ).

لقد تصورت وزارة الخارجية الأمريكية ـ التى إختطفت مكتب قطر ، وغيرت من طبيعة مهامه من مكتب سياسى إلى مفاوض دائم للسلام ، ثم إلى بديل عن الإمارة وشريك مستقبلى فى حكم أفغانستان بصفته ممثلا لحركة طالبان ، التى لم تفوِّض مكتب الدوحة بشئ ، بل فوضت الإمارة الإسلامية وزعيمها أمير المؤمنين.

 والمعلوم أن الإمارة الإسلامية قائمة على دعامتين أساسيتين :

الأولى : تفويض عام من حركة طالبان ، وقادة المجاهدين الذين ساندوها ، وقادة القبائل الذين فتحوا لها أراضيهم . وذلك فى مؤتمر عام ضم أربعة آلاف من القياديين ، قرروا نوع النظام (الإمارة الإسلامية ) وإختاروا الأمير (الملا محمد عمر) .

الثانية : تفويض شعبى واسع يدعم الإمارة ، وقوتها الضاربة الممثلة بحركة طالبان، فأمدوها بالرجال والمال والسلاح ، وتحملوا معها أفدح الخسائر فى قتال الإحتلال الأمريكى وأعوانه الداخليين والخارجين ، طوال عشرين عاما وإلى الآن . وفى ذلك تفويض وإنتخاب وتجديد بيعه لا جدال فيهما.

هاتان الركيزتان لا يمكن للخارجية الأمريكية ـ وصبيانها فى الخارجية القطرية ، أو عدد محدود جدا من المنحرفين فى مكتب الدوحة { للتفاوض والمعونات وعقود إعادة الإعمار} ـ لا يمكن لذلك الليل المظلم أن يغير الحقيقة الساطعة ، وهى أن الإمارة الإسلامية وزعيمها المنتخب ـ أمير المؤمينين الملا هبة الله ـ هما القوة الرئيسية فوق كامل التراب الأفغانى بتفويض ودعم من شعب أفغانستان . وأن التوجه الإسلامى الحقيقى للدولة، وقرار الحرب والسلام ، هى من صلاحيات الإمارة وأميرها ـ حصريا ـ منذ أن أنشأ الشعب إمارته ـ وحتى يوم التحرير والنصر القريب بإذن الله .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

06-08-2020

الدوحة تصنع لأفغانستان الحرب .. والسلام الملغوم .

 




مأزق بغال التحميل 3

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 3 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الثالث )

 

– من أجل الإستعداد للمعارك الأساسية الكبرى لابد من خوض تجارب قتالية حتى فى غير بلاد المسلمين، ناهيك عن معارك الدفاع عن شعوب وبلاد إسلامية .

موقع  حركة طالبان من التجربة الجهادية الإسلامية . 

– أيها المجاهدون : تلك صورة موجزة لما يمكن أن يواجهكم به العدو ، فى أى ساحة تعملون فيها . فماذا أنتم فاعلون ؟؟. ذلك هو التحدى الحقيقى .

 

تعتبر حركة طالبان حالة جهادية نادرة، تمكنت تخطى الكثير من العقبات الكبرى التى تعترض العمل الجهادى وتفشله . لهذا سنخصص لحركة طالبان والإمارة الإسلامية فصلا خاصاً حتى نستعرض بشئ فى التفصيل أهم أسباب نجاحات تلك الحركة الأفغانية، ليكون ذلك موضع دراسة لباقى المسلمين ، فهو من أغنى التجارب الإسلامية بالدروس النافعة ، بحيث لا يبقى البحث عن مخارج لأزمة العمل الجهادى فى إطار الأبحاث النظرية البحتة أو التنابذ بين التنظيمات. فسقطات التجارب الجهادية لا تعنى إسقاط فريضة الجهاد ، كما أن سقوط الجماعات الإسلامية فى أخطاء حولتها إلى (بغال تحميل) لا يعنى أن كل من شاركوا فيها قد إكتسبوا تلك الصفه الذميمة رغم أنها الصفة الغالبة .

كما أن القعود عن الجهاد لا يعنى إنتصاراً للقاعدين لمجرد أنهم لم يذهبوا خشية أن يتحولوا إلى بغال تحميل . إن الذهاب إلى تلك الميادين التى إستغلت حماسة الشباب ومثاليتهم كان ضروريا، ونتج عنه فوائد لم يكن ممكناً الحصول عليها بدون خوض التجربة، والتعرض لمخاطرها ومكابدة أخطائها.

فمن أجل الإستعداد للمعارك الأساسية الكبرى لابد من خوض تجارب قتالية حتى فى غير بلاد المسلمين، ناهيك عن معارك الدفاع عن شعوب وبلاد إسلامية .

ذلك من أجل تحصيل التجارب القتالية ، والمعارف السياسية فى أهم الحرائق المشتعلة .

هذا إن كان هناك عناصر جادة فى أداء تكاليفها الجهادية . وهناك أمثلة كثيرة لهؤلاء الجادون فى تناول قضاياهم كيف خاضوا مهالك الحروب من أجل تحصيل التجربة والإستعداد ليوم لا ريب فيه .

فاليهود مثلا توزعوا على الجيوش الأوروبية وخاضوا معها مهالك الحرب العالمية الثانية. وبعدها شكلوا الفيلق اليهودى الذى أذاق العرب الأمَرّين فى فلسطين . وكان أول خطوة جادة لإنشاء دولة يهودية قتالية تتحدى جميع المسلمين.

وهناك الألمان(النازيون) والروس(الشيوعيون) كلاهما ذهب إلى أسبانيا لخوض الحرب الأهلية هناك (1936ـ 1939) كل منهم مع شبيهه السياسى والعقائدى. وذلك من أجل إختبار الأسلحة المتطورة وما يناسبها من أساليب قتال . وفقدوا العديد من عناصرهم فى تلك الحرب، بعضهم كانوا هامين جدا فى مجال تخصصهم .

 

طالبان .. الأكثر نجاحا فى العمل الجهادى .

يتساءل الكثير من الشباب عن سبب نجاح حركة طالبان فى أفغانستان بينما باقى التجارب الجهادية ـ قد باءت بالفشل ـ وهم ينظرون نظرة مذهبية كما هو شائع الآن. أى يتكلمون بلسان “أهل السنة والجماعة” وذلك من مواريث عصور الإنحطاط الماضية وعصر السقوط الحالى، إذ نجح العدو فى تحويل الإسلام الواحد والأمة الواحدة (رغم تنوع المذاهب) حوَّلها إلى كيانات مذهبية متصارعة ، إلى درجة الإفناء المتبادل، كما هو واقع اليوم بين السنة والشيعة. ومبدأ “شيمون بيريز” يوضح دور اليهود فى تحطيم وحدة الأمة وإستخدام المسلمين فى تدمير بعضهم بعضا .

ـ لهذا سنتكلم هنا عن التجارب الجهادية عند “أهل السنة والجماعة ” متجاهلين تجارب الشيعة التى أخذت مسارات مختلفة ، أثرت على أهل السنة وعلى غيرهم ـ ولكننا تعمدنا إغماض الأعين وتجاهلنا دراسة التجارب الشيعية.

 بل لم ندرس تجارب (أهل السنة والجماعة). وحتى الجماعات الجهادية العاملة لم تدرس تاريخها ، وركزت ـ بالحق أو الباطل ـ على إنجازات وبطولات، وتجاهلت أخطاء قاتلة مازالت تنخر فى عظام الحركات السُنّية وتنقلها من فشل إلى فشل أشد . ويتساءل الكثير من الشباب عن حق :

لماذا نفشل نحن ، وتنجح حركة طالبان ؟

 وكيف السبيل للخروج مما نحن فيه ؟

سنعمل على الإختصار قدر الأمكان . وستظل الحاجه قائمة لإجراء حوارات مستفيضة حول نقاط تحتاج إلى المزيد من الإيضاح.

– تساءل البعض : لماذا ينجح طالبان بينما نفشل نحن ؟. ما الذى يمتلكونه ولا نمتلكه نحن ؟.

لسنا بصدد الإجابة عن معظم الأسئلة ولكننا نلفت النظر إلى عدة نقاط محورية ـ أو مصيرية ـ فى مسيرة شباب المستقبل العاملين من أجل أمة إسلامية متماسكة قوية ، تستعيد جميع حقوقها الغتصبة : المعنوى منها ـ والمادى.

وحتى تصبح الحركات الجهادية ـ جديرة بشعاراتها المرفوعة ـ ولا تتحول إلى مجرد “بغال تحميل” أى يسيطر أعداؤها عليها، ويسخرونها لأهدافهم . يجب أن تغطى الحركات الجهادية النقاط التالية:

– أن تتولى بنفسها رسم إستراتيجية الحرب ، (العسكرية و السياسية) .

– أن تتولى بنفسها العمل السياسى فى الداخل والخارج . ومراعاة تأثيره على التسليح والتمويل. كما  تتولى مسألة {إجراء المفاوضات ، وعقد التحالفات } فى الداخل والخارج .

 

ويمكن القول أن أى عمل منظم يتناول الجهاد المسلح أو الثورة الشعبية سبيلاً لإحداث تغيير جذرى فى المحتمع يجب أن يقوم على 6 ركائز هى :

1 ـ القيادة .

2 ـ التنظيم .

3 ـ البرنامج .

4 ـ الرؤية السياسية.

5 ـ الرؤية الإجتماعية .

6 ـ الرؤية الإقتصادية .

– وقبل كل ذلك فإن ذلك التنظيم أو الجماعة يجب أن تنبت بشكل طبيعى وعميق من تربة المجتمع الذى ستمارس فيه نشاطها . ورغم انها حركة تغيير جذرى إلا أنها تنبع من واقع إجتماعى ، له جذور دينية ، وتقاليد إجتماعية ، وتجارب مختزنة، وتاريخ يؤثر فى حركتة. والعناصر الست تحمل تلك التأثيرات. ورغم أنها تهدف إلى تغييرات جذرية، فإنها يجب أن تحمل سمات ذلك المجتمع وتتأثر بتاريخه وتقاليده ، وتراثه الفكرى .

فالإسلام عند لحظة بزوغه ، رغم أن غايته كانت إحداث تغييرات جذرية فى الإنسان والمجتمع، إلا أنه لم يُلْغ أياً منهما ـ بل أخذ منهما العديد من الإيجابيات وبنى عليها ـ مع الفطرة السليمة المختزنة فيهما ، ومبادئ الدين الجديد بقوته التنويرية والإيمانية.

فالإنطلاق جاء من أرض وبَشَرْ كانوا موجودين بالفعل ، وحسب الحديث الشريف (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فلم تكن مسيرة الإسلام نحو فراغ ولا قادمة من فراغ ، بل النهوض بأخلاق كريمة كادت أن تندثر، صوب مثل عليا لا يمكن رفضها ، ولا تنكرها الفطرة السليمة ولا العقل اليقظ . وفيها إحياء لكل ماهو كريم فى الإنسان والصعود به إلى الأعلى والأكمل فى كل شئ.

–  حركة طالبان فى مجتمعها الأفغانى لم تستجلب له إسلاماً جديدا لم يعرفه، بل بعثت فيه روح الإسلام من جديد ، لتطهير الواقع من إحتلال جاء ليهدم الإسلام ويخمد روحه فى نفوس الناس .

جاءت الحركة دفاعاً عن الدين ، وعن الأعراض والأعراف السامية ، ودفاعاً عما يمتلكه المجتمع من ثروة معنوية نابعة من الدين ، وعزة القبائل ، وحرية الأفغانى الذى لا يخضع لظلم أو قهر . شعب يربطه الدين والقبيلة ، والمذهب ، والطريقة الصوفية ، والعلماء الربانيون ، والمسجد الذى هو أهم الرموز والممتلكات. تحمله القبيلة معها فى السلم وفى ميدان الحرب، فوق قمة الجبل أو فى قاع الوادى فإن أول رسم فوق الأرض هو لحدود المسجد، وأشرف موقع هو للمحراب . فى المهجر أو فى الاغتراب المسجد المرسوم على الأرض أو مبنى بالأحجار والقش، هو العروة الثقى التى تربط الجميع ببعضهم وتربطهم بخالقهم.

أنه مسجد الأفغانى ومعتقده وميراثه الأسمى ، فهو ليس مجرد مبنى أو ملكية حكومية ، أو نظام بشرى مهما كان عادلا أو جائراً. إنه بيت الله ورمز كرامة القبيلة ورباطها الدينى ، ورابط مجتمعها وشرائعها، وفيه تحل المشاكل ، وتعقد الزيجات وتقام الجنائز، ويعلن الجهاد، وتنطلق منه أفواج المجاهدين لمقاومة الغزاة ، مرورا عزيزا لأشجع الرجال منخفضى الرؤوس من تحت المصحف الشريف ترفعة أيدى كبار الشيوخ .

 

الصوفية كمحتوى تاريخى للجهاد :

الصوفية كرباط إجتماعى ودينى مازالت قائمة وقوية فى أفغانستان ، تعمل بفاعلية وإنتصار رغم المحن التى إستهدفت أفغانستان وإستهدفت الصوفية تحديدا ، لهدم دورها كرابط إجتماعى وتكاتف دينى منظم .

لم ينجح الإستعمار فى هدم الصوفية فى أفغانستان ، كما نجح فى هدمها فى الدول العربية. فنجح فى إحتلال بلاد العرب ولم يتمكن من إحتلال أفغانستان وتخبط فى محاولات غزوها من فشل إلى آخر .

الوهابية كانت من أهم أدوات الإستعمار لهدم الصوفية فى بلاد العرب وساندتها فى ذلك (حكومة الهند البريطانية). ليس غيْرَة على عقائد المسلمين أو مكافحة للشرك الذى إتهموا به الصوفية ، بل لتحطيم أهم حاضنة جهادية لدى المسلمين. فكانت الوهابية المتحالفة مع آل سعود أداتهم للسيطرة على المقدسات ، وطرد “الخلافة العثمانية” من جزيرة العرب. وكنتيجة مباشرة سقطت “الخلافة”، التى كانت آخر رباط سياسى يجمع بلاد المسلمين فى كتلة رئيسية واحدة، وآخر رباط يجمعهم فى كيان دولى يحسب حسابه. ترتب على فقدان تركيا للمقدسات الإسلامية فى مكة والمدينة ، سقوط فلسطين فى أيدى اليهود. ثم سقوط بلاد العرب فى قبضة الإستعمار فى دويلات فرقها الإستعمار ولم تجمعها “الجامعة العربية” ولا القومية العربية التى أرادوها رابطا بديلا عن الإسلام ، فكانت طاردا له ومطاردا لأتباعه .

وعندما أراد المجاهدون العرب مقاومة الإحتلال، لم يجدوا محتوى إجتماعى تنظيمى يضم جهادهم . والصيغ الغربية الحديثة من أحزاب وتنظيمات أخذتهم فى عزلة عن المجتمع ، وفرقة فى الدين ، وبالتالى جرفتهم سلسلة لا تنتهى فى التجارب الفاشلة . وبدلا من الجيش المجاهد على النمط الأفغانى أصبح عندنا “بغال تحميل” ، ليسوا فقط علامة على الفشل، بل على ما هو أخطر، وهو إستيلاء العدو على “فريضة الجهاد” لإفشاله وتحويله إلى صدور المسلمين، ودماراً لبلادهم ومستقبلهم .

– لاحظ المؤرخون إرتباط الحركات الصوفية بالمقاومة الإسلامية ضد الإستعمار الأوروبى فى كل من ليبيا والجزائر والسودان والصومال وأفغانستان ، وحتى أندونيسيا .

ومن الأمثلة الساطعة كان جهاد حركة المريدين الصوفية فى القوقاز ضد الغزو الروسى منذ حملة بطرس الأكبر عام 1722 . وقاوم الإمام شامل الروس فى القوقاز منذ عام 1817 وحتى عام 1884 . والذى كسر ظهر الإمام شامل والمريدين هو إفتقارهم إلى دعم الأمة الإسلامية التى إستنزفها الصراع بين الإمبراطورية العثمانية (السنية) والإمبراطورية الإيرانية

(الشيعة)، فضاع القوقاز بسبب الصراع المذهبي السياسى . ويقال أن السلطان العثمانى عبد الحميد بعد إسقاطه قال أنه لو عاد الزمان لإتحد مع إيران فى مواجهة أوروبا . وتلك يقظة جاءت متأخرة ، ولم تتحقق حتى الآن . فمازال الإسلام يُذْبَح والمسلمون أكثر إهتماما بالفتنة منهم بالإسلام . ومازالت الوهابية تتابع رسالتها . فالمسيرة بدأت بإبادة الصوفيين فى جزيرة العرب بتهمة الشرك . ثم طرد العثمانيين منها بنفس التهمة . وقَبِل الوهابيون بالإحتلال الأروبى اليهودى كبديل عن الإمبراطورية العثمانية ، “كخلافة” جامعة للمسلمين .

– والهجوم البريطانى الوهابى على الشيعة مشابه تماما فى بواعثه مع هجومهم على الصوفية. فالشيعة لديهم تنظيم دينى إجتماعى يشكل حاضنة للجهاد مماثلة لدور التصوف عند السنة ، ذلك هو نظام مراجع التقليد ، الذى يتشكل من العالِم المَرْجِعْ على رأس جمهوره من المقلدين . متماثلا مع تنظيم الإمام والمريدين لدى المتصوفة من أهل السنة . كان لابد ان يحطم الإنجليز الحاضنة الجهادية عند السنة والشيعة معا بنفس السلاح ــ الوهابية ــ وتغطية ذلك بهيستريا من التعصب المذهبى المزيف.

فالوهابية عملت مثل كاسحة أمام الإستعمار الأوروبى تزيل من أمامه أى مقاومة إسلامية ـ تحت إسم الحفاظ على عقائد المسلمين .

والآن وقعنا فى مشكلة لم نجد لها حلا حتى الآن: كيف نجد القيادة الإسلامية الموثوقة ، والتنظيم الإسلامى المترابط ، ونوجد البيئة الحاضنة للجهاد الراعية للمجاهدين حتى نشرع فى الجهاد؟. فلم نجد حلا فى بلاد العرب سوى بغال التحميل . ولم يعد ممكنا العودة إلى الصيغ الإسلامية السابقة (الطرق الصوفية المجاهدة) لأنها إندثرت ولم تعد قائمة فى بلاد العرب . والموجود من الصوفية الآن هو شئ آخر صنعه الإستعمار ووكلاؤه الحاكمون الآن .

وقد إنفض الناس عن الصوفية ، وعمليا إنصرف معظم الناس عن الإسلام .

المسجد : حاضنة إجتماعية .

1 ـ القائد .

2 ـ التنظيم .

– فإذا كنا نتكلم فى الركائز الست للعمل الجهادى المنظم ، فإن نقطة بدايتها وقاعدة إنطلاقها، والحاضنة الإجتماعية للجهاد فى أفغانستان هو المسجد . ورغم أنه من الناحية المادية مجرد بناء من حجر وطين معروش بالخشب والقش ومفروش بالحصير، لكن لم ينطلق منه يوما إلا جهاد عظيم ومنتصر .

فيه جلس العالم يقود الجهاد ، فكان هو القيادة . وحوله جمهور المسجد الذين هم سكان القرية وأبناء القبيلة ، وتلامذته من طلاب العلم (طالبان) الذين هم فلذة أكباد القرية والقبيلة ، ومثالهم الأخلاقى . حُفَّاظ القرآن والدين، وقادتهم فى ميادين الجهاد. هم الرابط بين العالم (المولوى أو الملا) وبين جمهور المصلين أبناء القرية ورجالها ونسائها وأطفالها.

ذلك هو ” التنظيم الجهادى”، من أبناء المسجد، أبناء القرية، أبناء القبيلة، أبناء كل بيت . ليسوا غرباء وليسوا وافدين ولا يتكلمون لغة أخرى أو يتبعون دين مجهول . وليسوا عنيفين إلا فى الحق . وليسوا هجوميين إلا على الباطل.

إذا صعدوا مع شيخهم إلى الجبال لأجل الجهاد ، كانت القرية والقبيلة وكل بيت معهم بقلبه وعقله وكل ما يملك ، لأنهم ببساطة أبناؤه وقادته وأبطاله ، وشيوخه ، والمثل الأعلى فى الخُلُق والدين والجهاد ، والأكثر تضحية وجرأة وإيثاراً .

فطلاب العلم الشرعى “طالبان”، هم (كوادرالتنظيم الجهادى) بالتعبير الحديث، الذى هو أقل قدرة على توصيف حال هؤلاء الشباب ـ كما هو قاصر عن وصف حالة قائدهم الأعلى ، وقادتهم الميدانيين والمحليين من أتباع وتلامذه ورواد هؤلاء القادة . وأميرهم الأعلى، الذى عند الإنتصار النهائى إتفقوا على تسميته (أمير المؤمنين) فخراً واعتزازاً بتراث الإسلام ، حتى لا تسقط القيادة الجامعة من واقع المسلمين . فلهم دين واحد ، وقائد واحد لأمة موحدة .

  تكلمنا إذن عن (القيادة) عند طالبان ، وعن(التنظيم) عند تلك الحركة .

– القائد يُعَلّم ويطبق الدين وأحكامة ، ويتصدر صفوف المقاتلين ، وهو من أبطالهم وأول من يقتحم الأخطار ويعيش الصعاب ويضع الخطط ، ويُخْطِر الشَعْب ـ القبيلة ـ بما يريده منهم ، عبر تلامذته (وكوادره) طالبان.

– أبناء القبيلة الذين هم سند الجهاد والمدد بأسباب القوة ، من رجال ومال وطعام ، ومعلومات.

– المسجد هو القلب النابض للحركة والصلاة وتعليم الأطفال . والقبيلة هى الحاضنة الاجتماعية لهذا النشاط ، تموله وتحميه وتتفاعل معه ، ولا يتقدم عليه شئ آخر وترفض أو تتجاهل أى إطار آخر ، قادم من خارج القبيلة، سواء من الحكومة المركزية فى كابول أو من الإحتلال . أو حتى من أبناء القبيلة المنحرفين. وقد فشل الشيوعيون فى أن يقتحموا القبائل ، ونجاحهم كان جزئيا ومستندا على قوة الإحتلال السوفيتى ، ونظام كابول الخاضع للسوفييت .

كما فشل الأمريكيون فى إختراق القبائل بواسطة أبنائها الخارجين عن التوجه الدينى الإجتماعى الراسخ فى القبيلة والمجتمع الأفغانى عموما .

– إستراتيجية الغزو العسكرى والغزو الثقافى ـ سواء للسوفييت أو الأمريكين ركزت بشدة على إختراق ذلك الكيان الإجتماعى العقائدى الصلب . قصفوه بالطائرات وهاجموه بالجنود . كما قصفوه ثقافيا بالإعلام ـ ولما كان ما توفر فى أيدى الغزاة الأمريكيين من وسائل الإعلام الحديث أكبر بكثير مما توفر لدى السوفييت ، وكذلك الوسائل العسكرية والمدى الزمنى الأطول للإحتلال ، فكان تأثير غزوهم الثقافى أعمق مما حققه السوفييت .

فقد دمروا عددا أكبر من القرى وقتلوا أعدادا أكبر من العلماء وطلاب العلم . وهدموا عددا أكبر من المساجد والمدارس الدينية، ونشروا إستخدام الهيروين بين الشباب، وكافة أشكال العادات غير الاسلامية فى المدن ، والفساد من رشوة وسرقات بين موظفى الحكومة على إمتداد الدولة من كابول حتى أصغر قرية .

لهذا سيكون أصعب التحديات أمام الحكم الاسلامى القادم هو التخلص من آثار العدوان الثقافى ، وإهتزاز قاعدة القيم الإجتماعية .

– وأثناء القتال الدائر ضد الإحتلال فإن أهم واجبات حركة طالبان كان الهجوم على العدو عسكريا وفى نفس الوقت الحفاظ على البيئة الإجتماعية المجاهدة : (العالم ـ طلاب العلم ـ القبيلة ـ المسجد ـ المدرسة الدينية). والحفاظ على الأحكام الإسلامية والعرف الإجتماعى التقليدى داخل القرى . لهذا إحتفظوا على الدوام بجهاز تعليمى ومدارس دينية ، وقضاة لفض المنازعات بعيدا عن قوانين الدولة المحتلة .

– ويُشرِف القضاة أو أئمة المساجد أو المدرسين على تجميع الموارد الشرعية وتبرعات الأهالى لأبنائهم المجاهدين ( طالبان وإمارتهم الإسلامية التى يترأسها “أمير مؤمنين” إنتخبه العلماء وقادة القبائل). وبتلك الموارد تتخطى الحركة معضلة التمويل وتتفادى تدخل الممول الخارجى .

– والإمارة تولت مسائل التفاوض مع الجبهة المعادية التى هى جيش وسلطات الإحتلال والنظام المحلى العميل. وعند مرحلة رأتها مناسبة خاضت تجربة التفاوض. بداية من مفاوضات تبادل الأسرى وصولا إلى إتفاقية جلاء قوات الإحتلال .

– فلا وجود لبغال تحميل فى جهاد أفغانستان، فالتمويل والسياسة والتخطيط الإستراتيجى للمعركة، كلها فى أيدى الإمارة الإسلامية وحركة طالبان .

فى أى حرب هناك إنتصارت وهناك هزائم ، ولكن المسار فى صعود وإنتصار ، والمعركة عنيفة ضد أقوى دول الأرض وحلفائها فى العالم ، ومن أخطرهم أشباه المسلمين فى بلاد العرب.

 

3ـ البرنامج :

 البرنامج الجهادى تضعه الإمارة الإسلامية ــ كقيادة عليا للجهاد حاليا ، وللدولة كلها بعد التحريرــ ذلك البرنامج تشرف على تطبيقه حركة طالبان، بإعتبارها القوة التنفيذية للإمارة. تنفذ الخطط والبرامج والإستراتيجيات فى كافة المجالات العسكرية والمدنية والإقتصادية والسياسية والدعوية والدعائية .

الإمارة لا تضع البرامج والخطط بمعزل عن قواعدها الجهادية ومحيطها الإجتماعى فى القبيلة والقرى والمدن . فالافكار فى معظمها تأتى من البيئة الإجتماعية للشعب الأفغانى .

الإستراتيجية العسكرية:  مستمدة من تجارب الميدان والخبرات المتراكمة فيه . والدماء المبذولة فيه بغزارة وسخاء . وهى إستراتيجية مرتكزة على خبرة موروثة من الجهاد ضد قوى عظمى محتلة سابقا ـ السوفييت وقبلهم الإنجليز . مع مراعاة الفوارق فى ظروف كل معركة وإمكانات التسليح لدى العدو ، وطريقته فى القتال . فالقوى المقاتلة التى يستخدمها الأمريكيون فى أفغانستان أكثر تعقيداً وخطورة.

 

4 ـ الرؤية السياسية: 

وهى من إختصاص الإمارة ، وليس أى قوى خارجية. فى مجال السياسة الداخلية الأفغانية ليس هناك نظير لتفوق حركة طالبان فيها، وذلك منذ ظهورها عام1994 وحتى الآن فى وجود الإحتلال .

 أما السياسة الخارجية فإنها تخضع لحصار شامل يفرضه الأمريكى المحتل الذى يمتلك القدرة على إملاء رغباته على العالم ، بقوته الإقتصادية وعقوباته ، وإبتزازه العسكرى. ولكن بدأت الحركة تحقق إختراقات فى السياسة الخارجية منذ عام 2014 تقريبا . ومن وقتها وهى فى تقدم مضطرد ، بالتزامن مع تراجع نسبى فى قيمة الولايات المتحدة دوليا ، وإجماع العالم على كراهية أسلوبها الفج فى العلاقات الدولية ، والأزمات الإقتصادية التى تسببت فيها للعالم .

لم تكن حركة طالبان وقيادتها فى الإمارة الإسلامية ، فى موضع التابع فى أى مجال إستراتيجى عسكرى أو سياسى.

4 ـ الرؤية السياسية:  ما أسميناه (البرنامج) يشمل أيضا الرؤى الإجتماعية والإقتصادية للإمارة، سواء فى فى حالة الإحتلال أو مستقبلا بعد رحيل الإحتلال وفتح المجال من جديد لتطبيق برنامج الإمارة فى الإجتماع والإقتصاد، كما سنرى لا حقا .

 

5 ــ  6  الرؤيتان الإجتماعية والإقتصادية :

تمتلك حركة طالبان رؤية إجتماعية واضحة . ترى فى بيئتها الطبيعية مثالاً لما هو ممكن وأفضل فى الظروف الحالية . وتدرك أن المدن نالها أكبر قدر من الإنحراف الإجتماعى نتيجة لنفوذ الإحتلال وتركيزه العسكرى والإدارى. وبحكم النشأة فإن طالبان أكثر ميلا إلى الطبقات الفقيرة ، والحياة المتقشفة البعيدة عن التبذير الاستهلاكى. وهم أكثر إطِّلاعا على حياة الفقراء ومشاكلهم ومطالبهم ، وعلى دراية بما يحقق مصالحهم . هؤلاء الفقراء هم الأغلبية من سكان أفغانستان . لهذا فإن الرؤية الإجتماعية للإمارة الإسلامية ، وحركة طالبان ، مرتبطة بعموم الشعب الفقير المحروم ، الحر الشجاع ، المسلم المجاهد على الدوام فى أى وقت دفاعاً عن دينه وحريته وحقوقه .

–  لن تتعاطف حركة طالبان مع منهج الإقتصاد الغربى القائم على الإستهلاك النهم، وتكديس الأموال بكافة الطرق المحرمة، وعدم أداء التكاليف المالية الشرعية، وتحويل المجتمع إلى فئتين ، واحدة صغيرة جدا تمتلك معظم الثروات وكل السلطة السياسية ، وأغلبية من الفقراء الذين يمتلكون أقل القليل من المال ، ولا يمتلكون شيئا من السلطة السياسية .

–  بالتالى لن تسلم الإمارة الإسلامية ثروات أفغانستان إلى الشركات متعددة الجنسيات حتى لو دخلت عليها بالثياب الإسلامية التى يرتديها المنافقون من شركاء الشركات الدولية .

–  العدالة الإجتماعية ، وإتاحة فرص متساوية للجميع للإستفادة من الثروات العامة. والإستفادة من عوائد الثروات لبناء قاعدة إقتصادية قوية توفر حياة كريمة للأجيال الحالية والقادمة. وأداء الحقوق الشرعية من زكاة الأموال ، وأداء حقوق الفقراء والعاجزين عن الكسب، وتوفير فرص العمل لإجيال الشباب وتوفير التعليم المجانى والرعاية الصحية الكاملة للجميع .

–  الإقتصاد المنتج هو شعار الإمارة الإسلامية : زراعة واسعة وصناعة تلبى إحتياجات الإقتصاد، وحكومة تُحْكِم الإشراف على موارد الثروة الطبيعية، وتبتعد عن الإقتصاد الربوى وعن القروض أو المساعدات الخارجية المسمومة.

–  تحقيق ذلك يستلزم العمل على المستوى الإقليمى والدولى والإسلامى ، للخروج من مهلكة الإقتصاد اليهودى الربوى، الذى أحكم قبضته على رقاب البشر وجعل حياتهم جحيما من الحروب والمجاعات والأوبئة .

وتلك مهمة شاقة وطويلة المدى ، وتحتاج إلى التعاون مع الجيران أولا، ثم الإقليم القريب والتوسع فى دوائر تتسع حتى تشمل العالم فى جميع القارات . وتلك معركة عظمى ممتمدة وليست سهلة . وبدون ذلك سيكون التطبيق الإسلامى فى الحكم غير مكتمل . فالإقتصاد هو عماد الدول .

ورغم ذلك فإن الحركة الإسلامية العربية (والجهادية على وجه الخصوص) لا تمتلك أى رؤية أو برنامج إقتصادى أو إجتماعى . ولا ترى سوى الإستمرار فيما هو موجود حاليا من مبادئ الإقتصاد الربوى اليهودى . رغم أنه يقوض العدالة وينشر الفقر الذى هو منبع لجميع الكفر . فلا قيمة بعد ذلك بإن تتشدق الجماعات الإسلامية بشعار(تطبيق الشريعة) لأن ما يتحدثون عنه ليس هو الشريعة بل هو تطبيق جزئى لقانون العقوبات الشرعية ، التى لا يمكن تطبيقها فى ظروف مجتمع غير قائم على نظام إقتصادى إسلامى ، وتحكمه نظم إجتماعية وثقافية قائمة على الإسلام .

والنتيجة هى أن شعار (تطبيق الشريعة) الذى ترفعه بعض الحكومات المنافقة ، وترفعه حركات إسلامية فاقدة للإستقلال وتابعة لطواغيت الأرض ، وهى مجرد (بغال تحميل) سواء كانت فى ميدان القتال أو أى ميدان أخر،إقتصادى أو إجتماعى وثقافى . تمارس مظاهر خادعة بإسم الإسلام .

تكلمنا عن الركائز الستة للعمل الإسلامى المنظم الذى يخوض الجهاد المسلح أو(الثورة الشعبية السلمية) وذلك من خلال رؤية ميدانية حركية .

وذلك أسهل فى فهم من كتابتها بصيغة نظرية مجردة.

سنلخص الدروس السابقة فى صيغة نظرية لمجرد التذكرة والتركيز .

1 ـ القيادة :

إسلامية قوية ـ جهادية ـ مُلْهِمَة فى مجال المعنويات والأفكار والبرامج ـ موضع ثقة ـ تتمتع بقبول عام (كاريزما) قادرة على إدارة التنظيم الجهادى والثورى ـ قادرة على وضع السياسات والخطط الإستراتيجية ـ تجيد الإستفادة بالخبراء من حولها كل منهم فى مجاله الصحيح ـ متواضعة ـ عفيفة ـ متقشفة ـ شجاعة ـ واضحةـ صريحة ـ بعيدة النظرـ تجيد توزيع الصلاحيات والمسئوليات ، ولا تحتكر صنع القرارات .

2ـ التنظيم :

مؤمن ـ عقائدى ـ متحمس بدون تعصب عرقى أو مذهبى ـ ذو سلوكيات منضبطه سريع فى إصلاح الأخطاء الداخلية ـ شجاع فى مواجهة التحديات الخارجية ـ إيجابى فى صنع القرارات ومناقشتها ، مبدع فى تنفيذها بعدل وحياد ـ صعب المراس مع أعداء الأمة والدين ولا يهادن .

ينقل خطط القيادة إلى المستويات الشعبية ، ويرفع مطالب وآراء تلك المستويات إلى القيادة العليا. غير منحاز سوى للعدل ، ولا يرى تمايزا بين الناس سوى بالتقوى والصلاح . يتجنب إرتكاب الظلم بإعتباره العدو الأكبر لأى حركة جهادية أو ثورية .

ذو إعداد أخلاقى متين ، ومعرفة دينية أساسية لمواجهة التحديات التى يقابلها . يجيد الإتصال بالشعب ـ ذو ثقافة متجددة ومتنوعة ومتواصلة فى عالم يتطور بسرعة . جرئ فى إبداء وجهة نظره ، ومناقشة الموضوعات العامة ـ يستوضح ما جهل منها ، ويعمل بما تعلمه.

– يقوم التنظيم بتحويل الخطط الإستراتيجية التى تضعها القيادة إلى واقع عملى مع رفع آرائه فى المشاكل التى تقابله مع مقترحات للتطوير والتصحيح .

الأعمال التكتيكية خلال تطبيق الخطط الإستراتيجية ـ خاصة فى العمل العسكرى ـ معظمها يقع على عاتق الكوادر الميدانية وقدرتها على الإبداع وتمتعها بالخيال والجرأة .

– لابد من تزويد التنظيم بتثقيف سياسى متجدد عبر نشرات وكتيبات ومحاضرات وزيارات يقوم بها المستوى القيادى والجهاز السياسى لقواعد ومراكز المجاهدين . فمن أشد الأخطار أن يكون التنظيم جاهل سياسيا أو تنخر فى عقوله ثقافة سياسية مشوشة أو خاطئة . أو أن يصاب بالجمود السياسى بينما الواقع السياسى لقضيته وللعالم يتغير بإستمرار وبسرعه كبيرة .

والأخطر من كل ذلك أن يكون التنظيم يستمد ثقافته ومعلوماته السياسية من مصادر الأعداء وعملائهم المحليين أو أشباه المسلمين .

فالسيطرة على عقل التنظيم ستؤدى إلى السيطرة على قرارته ومسيرته وقد يتحول إلى خطر على القضية الإسلامية التى قام لنصرتها .

 

3 ـ البرنامج الجهادى :

وفيه تذكر الحركة الهدف من قيامها. ومجالات التغيير التى تستهدفها. والمسار الذى تختاره لتحقيق التغيير هل هو المسار الدعوى الإصلاحى، أم الثورى السلمى، أم الجهادى المسلح . مع سَوْقْ المبررات لذلك الإختيار المصيرى .

وتقدم إجمالى خططها الإجتماعية والإقتصادية. والعلاقات السياسية فى الدوائر البشرية من حولها من جيران الاقليم والعالم . وعلاقتها مع الغير إتفاقا أو خلافاً. ومستقبل تلك العلاقات من تأكيد أو تغيير أو تطوير ودعم .

ورؤيتها إلى الثقافة والأخلاق والمجتمع ، والسبيل إلى تطويرها إلى الأفضل .

–  إختصارا: فإن البرنامج ليس مجرد ترديد للشعارات ، بل هو توضيح لمجالات العمل والوسائل المتبعة فيها.

 

4 ـ الرؤية السياسية :

مما سبق يتضح أهمية ان تكون هناك رؤية سياسية واضحة للتنظيم ويتم شرحها للكوادر ومناقشتها معهم . وكل منهم يطبق الجزء السياسى المنوط به من السياسة الداخلية أو الخارجية .

والتنوير السياسى المستمر ضرورى للغاية ، وكذلك تزويد الكوادر بالمدد الثقافى، مثلما يتم إمدادهم بمستلزمات الحرب .

ونشر الفكر السياسى بين فئات الشعب ، ومداومة الشرح والتوضيح ومناقشة المسائل السياسية معهم حتى لا يحدث فراغ يملأه العدو ، فينفصل المجتمع عن المجاهدين ، ويزهد الشعب فيما يطرحونه من آراء غير واضحة أو تفتقر إلى النضج وبعيدة عن الواقع . نلفت النظر إلى خطأ إعتماد طريقة تكرار الشعارات  واستعراضها وكأنها منهج أو خطة .

 

5ـ الرؤية الإجتماعية :

تنحاز الحركة الإسلامية إلى الفقراء والمظلومين ، الذين أرهقهم الطغاة والمستعمرين . وإعادة الحقوق إلى هؤلاء وبسط العدل عليهم ، وإيصال الحقوق إليهم ، والوقوف إلى جانبهم والدفاع عنهم فى حال الثورة وما بعدها كموقف مبدئى . ولابد من محاربة الفقر بكافة الوسائل بإعتباره أشد الأخطار على المجتمع ، وعلى الدين ، وعلى الدولة .

 

6 ـ الرؤية الإقتصادية :

العودة إلى مبادئ الإقتصاد الإسلامى والعمل بصبر على تطبيقها بعد غياب طويل إستمر لمعظم التاريخ الإسلامى ـ فالرؤية الإقتصادية مرتبطة بشدة بالرؤية الإجتماعية ومبدأ العدالة والمساواة بين الناس ومحاربة الإحتكار والغش ، والتدليس ومقاومة الربا حتى القضاء التام عليه ، ومكافحة سيطرة اليهود على الإقتصاد الإسلامى والعالمى عبر شركاتهم والبنوك العملاقة.

فالربا والسيطرة الإقتصادية مرتبطة بسيطرة اليهود على العالم بكافة تفاصيل حياته .

من التحديات السياسية :  التفاوض ، والتحالف .

وهو فرق جوهرى بين المجاهدين الحقيقيين ، وبين “بغال التحميل” الذين يقومون بدور التابع للقوى المهيمنة ، ومجرد منفذين لأوامرها وتوجهاتها السياسية من تفاوض أو تحالف بإسم الحركة ونيابة عنها .

ولكن الحركة المجاهدة الحقيقية تعتبر أن ممارسة تلك المهام هى من أخطر واجباتها القيادية. تمارسها ـ مثل العمل القتالى ـ من منطلق جهادى مبدئى ، وبصيرة واعية وإدراك للواقع وتطوراته المتلاحقة ، وعلاقاته المتشابكة والمعقدة ـ خاصة فى المجال الدولى ـ

 

التفاوض:

تظهر الحاجة إليه منذ وقت مبكر خاصة فى المسائل المحلية ، وفى القتال المحدود عند تبادل الجثث والجرحى ، وأحيانا الأسرى فى نطاق محدود .

أو عند التفاهم بين القبائل المتجاورة أو مع السلطات المحلية ، أو المنظمات الإجنبية مثل هيئات الإغاثة فى مناطق الإشتباكات، وعند محاولات تحييد الميليشيات المحلية ، أوعزلها ، أو التمهيد لتصفيتها عسكريا .

وفى الأخير هناك مفاوضات من أجل قضية أسرى العدو المحتل : ومن الأفضل تأجيلها إلى أن يتم الإنسحاب. ولو كانت هناك خشية من أن يقتلهم العدو أو يختطفهم ، فقد تجرى مفاوضات قبل الإنسحاب فى مقابل أسرى من قيادات وكوادر المجاهدين ، أو فى مقابل غرامات مالية أو صفقات تسليح متطور، إلى آخر ما يمكن طرحه والحصول عليه فى إطار تلك المفاوضات.

 

التحالفات :

هى موضوع سياسى حساس وذو شقين داخلى وخارجى. وإذا كان هدف التكتيك العسكرى هو (المحافظة على قواتنا وإبادة قوات العدو)، فإن هدف التحالفات هو {تقوية صفوفنا ، وإضعاف صفوف العدو ـ فى الداخل والخارج} .

التحالف ذو تأثير كبير فى تقوية المركز العام ـ العسكرى / السياسى / الإقتصادى .

يحتاج التحالف إلى ذكاء وخبرة سياسية ، ومهارة فى إيجاد الأرضية المشتركة مع الآخرين ، مهما كانت محدودة ـ وذلك للحد من قدرة العدو السياسية.

أى محاصرته بشبكة تحالفات تعقدها الحركة فى الداخل والخارج بما يحقق أهدافها ويحرم العدو من المناورة السياسية وتوسيع تحالفاته.

 

الجهاد : لماذا ؟.. وأين ؟.. وكَيْف؟..

 1 ـ  الجهاد .. لماذا ؟؟

يعتقد كثيرون أنهم يعرفون الإجابة ، فيقولون أن الهدف هو”تطبيق شرع الله”.

ونظرهم متوجه إلى تطبيق جزء من العقوبات الشرعية، وفرض سلوكيات إجتماعية محافظة خاصة على النساء.

غبر مبالين بمراعاة الأركان الأساسية للمجتمع والدولة الإسلامية ، خاصة فى الإقتصاد ، والسياسة بنوعيها الداخلى والخارجى ، والتعليم والثقافة ، ومتطلبات الدفاع ، والتطور الدائم فى المجالات كافة لتلافى التخلف والجمود. ومحاربة “الإحتكارالإقتصادى والسياسى” كأساس ومصدر دائم للتلوث الثقافى والأمراض الأخلاقية والإجتماعية . وتطبيق مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص .. والقائمه طويلة. وليست فقط تطبيق بعض جوانب قانون العقوبات الإسلامى ، بدون مراعاة لباقى الجوانب التى بدونها يفقد ذلك التطبيق القانونى أى معنى ، بل قد يؤدى إلى فقدان ثقة الناس بذلك النظام ، ويرون إنه مجرد إحتيال وسؤ إستخدام لمشاعر التدين عند الناس .

 

2 ـ  الجهاد .. أين ؟؟

لا يكاد يخلو بلد من حاجة إلى ثورة على أوضاعة . وليس ذلك بالأمر السهل ، وليست الثورة السلمية ، أو الجهاد بالسلاح ، أمراً سهلاً أو متاحاً أو مضمون النتائج . فتوافر شروط الثورة لا يعنى أنها ممكنة الحدوث ، وإلا لاشتعلت معظم بلاد المسلمين بالثورات.

وللأسف فإن أعداء الأمة هم من يمتلكون”لوحة التشغيل” الخاصة بإشعال الثورات السلمية أو المسلحة كما رأينا فى العقود الأخيرة وبالذات فى تجارب ( الربيع العربى) .

– من العسير أن تحرك التنظيمات الإسلامية مجتمعاتها صوب ثورة إسلامية (مسلحة أو سلمية). ولكن من الأسهل أن يقوم العدو بذلك، كما رأينا فى أحداث الربيع العربى. بل أن يحول يحول العدو مسار الثورة من سلمية ذات مطالب معيشية وحقوقية، إلى ثورة مسلحة مطلبها هو”الدمار الشامل”. يشارك فيها أو يتحمل تبعاتها التيار الإسلامى “الجهادى” بشعارات منفلتة تنادى بتطهير مذهبى أو عرقى، وتطبيق دموى لشئ إبتدعوه وقالوا أنه الإسلام .

 

3ـ  الجهاد .. كَيْف ؟؟.

نقصد هنا أساليب التغيير الجذرى سواء عن طريق الثورة الشعبية السلمية أو الجهاد المسلح بإتباع تقنيات “حرب العصابات “طويلة الأمد متعددة المراحل .

وقد إحتوى كتاب أسميته (حرب المطاريد) شئ من التفصيل فى كلا الطريقين. الكتاب موجود فى موقع (مافا السياسي) منذ عام 2007 . والآن ينبغى وضع بعض الإضافات حيث أن الأوضاع الدولية والإقليمية قد تغيرت بشدة منذ ذلك الوقت . وكذلك الأوضاع الداخلية فى الدول الإسلامية والدول العربية ، التى يشهد عدد منها حروبا داخلية ، من المفيد أخذ الدروس والعبر.

 

وأهم تلك الدروس هى :

لم يعد هناك حدث محلى فى الدول العربية والإسلامية. فالأحداث كلها دولية أولا، ثم إقليمية ثانيا، ثم داخلية ثالثا . وذلك الترتيب عكس ما كان سائدا فى الماضى .

فالثورات أو الأزمات المحلية الكبيرة تتحول فورا إلى مشكلة عالمية يتقدم فيها الطرف الدولى المسيطر (الولايات المتحدة) مع منظومة التوابع الدوليين( دول حلف الناتو والدول الأوروبية ثم دول من سقط المتاع من هنا وهناك) ، تتدخل الولايات المتحدة أولا بأسلحة الإقتصاد والمال ، وسلاح الحرب النفسية والإعلام ،  و بالمنظمات الدولية (أمم متحدة ـ مجلس أمن ـ حقوق إنسان ـ طاقة ذرية) وأخيراً التحرك العسكرى المباشر والمدروس بدقة (بالضربات الجوية أو القوات المحمولة ، أوالقوات البرية إذا إستدعى الأمر السيطرة على أبار النفط ـ أو المواقع المؤثرة عسكريا أو سياسيا أو إقتصاديا ) .

– تحرك الولايات المتحدة الأطراف الخليجية والسعودية ، للتمويل وتحريك العمل الإسلامي (الجهادى ـ والسياسى ـ والدعوى ) أى الجماعات السلفية الجهادية ، والإخوان المسلمين (سلفية سياسية) والسلفيات الدعوية الأكثر ميلا للوهابية السعودية.

تلك الأطراف تتحرك داخليا ضد النظام الحاكم لدفعه صوب مواضع أكثر خضوعا للمصالح الإسرائيلية ـ أولاـ والمصالح الأمريكية ثانيا .

– يتحرك الشعب صوب الثورة ، وهو الذى يعيش أزمات خانقة، ما أن تصله الإشارات الخضراء ، ويرتفع الدعم الذى يتمتع به النظام الحاكم من الخارج الدولى (الولايات المتحدة وإسرائيل) ومن الأطراف النفطية فى السعودية الخليج، الممولة للنظام والمؤيدة له سياسيا والمسيطرة على الحركة الإسلامية عنده {إخوان ـ تنظيمات جهادية ـ سلفيون وهابيون}. وهؤلاء كانوا فى وضع كمون فى إنتظار إستدعائهم للحركة ـ ويعانون ضغوطا دائمة من النظام كونهم البديل أو الأداة التى سيحركها حلفاء النظام فى الخارج ضده عندما يرون المصلحة فى تغييره .

 

حقائق سياسية صارخة .. منذ 2001

1 ـ أن إسرائيل هى قوة إقليمية ودولية فى نفس الوقت . وهى الدولة الوحيدة فى المنطقة العربية من المحيط والخليج . والبقية إما أشباه دول أو ركام دول منهارة ـ تنتظر الأمر بإزالتها .

2 ـ لا الولايات المتحدة، ولا أى قوة أوربية رئيسية ، يمكنها التحرك فى المنطقة العربية بغير ما تشاء إسرائيل وترضى .

3 ـ الحركة الإسلامية بأفرعها سابقة الذكر هى جزء من التحرك الدولى فى المنطقة وجزء من قوى التمويل النفطى (السعودى ـ الخليجى) ضمن محور تقوده إسرائيل.

4 ـ ونتيجة لتطور مشيخات السعودية والخليج إلى وضعية مستعمرات إسرائيلية شبه علنية، فقد إقتضت الضرورة لجؤ التيار الإسلامى إلى تركيا كأرض مقر ـ لعدم قدرة قطر على إستضافة تلك الجماعات ، خشية منها ، وخشية جيران قطر من تواجد  هذا الحشد الإسلامى الضخم . فذلك الحشد يغلب عليه الإرتزاق وليس العقائدية ـ أو هو إرتزاق شبه عقائدى .

5 ـ لا يوجد تحرك إسلامى حقيقى فى المنطقة العربية . فالتحرك الإسلامى عماده قيادة العلماء وهم عملة إنقرضت من أوساط أهل السنة والجماعة فيما عدا حركة طالبان .

فبعض الحركات الإسلامية المشهورة تخلو تماما من العلماء . وبعض الحركات عندها نماذج تستعرضها فى الإحتفالات وبرامج الإستفتاءات .

– فشلت حركات التمرد الشعبى فى المنطقة العربية (الربيع العربى) كونها تفتقد إلى القيادة والبرنامج . فالجماهير الذى رُفِعَت عنها فجأة كمية من الضغوط الأمنية الرهيبة خرجت مندفعة إلى الشوارع ، وهى لا تدرى على وجه التحديد ماذا تريد ؟ ومن هو قائد تمردها الذى سيحدد الخطوات التالية ؟ .

قفز على أكتاف الجماهير مغامرون وإنتهازيون من توجهات شتى ، وتيارات سياسية هامشية أو مستأجرة تعرف قوانين”اللعبة” فبادرت إلى الإتفاق مع الطواغيت المحليين (مراكز القوى داخل النظام، فى الجيش والأجهزة الأمنية) ومراكز التمويل النفطى ، أو إتصلت بإسرائيل مباشرة إذا كان لديها القدرة والخبرة على فعل ذلك .

ما حدث بعد ذلك هو التطور الطبيعى ، إذ إنهارت الأوضاع العربية أكثر مما كانت عليه. فيما عدا تونس الذى حظى شعبها بملهاة من اللغو الديموقراطى ، بينما ظل ما سوى ذلك على ما هو عليه . واستمر خضوع النظام للقوى الخارجية أكثر مما كان فى السابق . ولم يخطو الإقتصاد خطوة واحدة إلى الأمام، وبقيت أوضاع الشعب على حالها . ذلك بالطبع أفضل بكثير جدا مما حدث فى مصر أو سوريا أو اليمن أو لبنان والعراق . لهذا تعتبر تونس الأعمى الأقوى بصراً من بين العميان ، على الأقل أنه لم يسقط فى البئر حتى الآن.

– بغياب الإسلام الحقيقى عن المنطقة العربية ، وإحترافية الجماعات الإسلامية كقوى مستثمرة للأوضاع ومتعايشة مع الإنحرافات العربية ، ومع سيطرة الغرب وإسرائيل . فإن فرص نجاح الثورات الشعبية يصبح قليلا للغاية ، أما حروب العصابات فهى شبه مستحيلة فى أغلب البلاد .

يبقى الإحتمال الذى قد يصبح متاحاً فى أى وقت هو إندلاع ثورات جوع وغضب ويأس تحرق كل ما تصل إليه أيديها ، ولا تتمكن من إصلاح أو بناء مستقبل أو حاضر .

– فى ظل هذه الظروف تبدو الجماعات الجهادية العربية لغزاً . فما دامت معزولة عن شعوبها ، وتفتقد إلى القيادة بشكلها المفترض ، وكذلك حالتها التنظيمية البائسة.

وما دامت فى معظمها خارج مواطنها الطبيعية ، أو مغتربة داخل ذلك الوطن .

فماذا يمكن لتلك التنظيمات أن تفعل ؟؟ وأى طرق للتغيير سوف تسلك ؟ وكيف يكون ذلك ؟.

حتى فى ظل تلك الأوضاع البائسة ، يظل هناك أسلوب ما للعمل . ولكن ما هو ؟.. وما هى قوانينه مادام طريقا لم يسلكه أحد قبل ذلك ؟؟ .

وهل ننتظر العدو أن يبتكر لنا طريقا ، ويجتذبنا إلى العمل فيه بأسلوبه وعلى طريقته وصوب أهدافه لنكون بغال تحميل فى طريق جديد ومبتكر ؟؟ .

تحمل التجربة الجهادية لحركة طالبان فى مواجهة الإحتلال الأمريكى خيوط الإجابة عن أكثر تلك المعضلات. بشرط دراسة التجربة بعمق والخروج منها بالإستنتاج الصحيح . ولكن كيف ستفعل ذلك فى تجربة لم تشهدها ولم تتابعها إلا لماماً ؟؟. بينما حضر المجاهدون العرب معظم التجربة الجهادية الأولى ضد السوفييت ، وإتضح بعد ذلك أنهم لم يستوعبوا منها غير بعض دروس إستخدام السلاح. أو كما قال خبير بعد نهاية الحرب : (إن العرب خرجوا من تلك الحرب جنودا أوضباط صف ، ولكن لم يخرج منهم جنرال واحد } .

إذن غاية مرحلة التطور المتاح لبغل التحميل هو أن يرتقى إلى رتبة جندى أو ضابط صف. ولكن الخروج من مرتبة بغال التحميل يستدعى الترقى إلى ما هو أبعد، وإقتحام مجالات الإستراتيجية ، ومجاهل السياسة الدولية والمحلية .

 

وفى مجالات القيادة والتنظيم:

 1 ـ لابد من الإعتراف بالحاجة فى وجود قيادة من العلماء /وذلك فى ظل عدم وجود علماء/ بما يعنى أن نبدأ من أول السلم فى تكوين طبقة العلماء بعيداً عن السلطات المحلية والدولية .

2 ـ أن يتواضع الفرد العربى ويقتنع أنه قد لا يكون قائداً على الدوام ـ وعليه ان يتحمل تلك المصيبة . وأن يتواضع القائد العربى، ويقتنع ألا يصبح طاغوتاً بمجرد ان يتولى إمرة شخصين أو أكثر .

3 ـ الحركة الإسلامية ـ عموما ـ تتفق مع الأنظمة الطاغوتية على مقاومة الوعى بين رعاياها ، وتسطيح العقول ، وإشاعة الضعف الثقافى ، وإستبدال البحث والحوار الجدى الهادف بعمليات التلقين والمراء والجدال العقيم، والإبتعاد عن الموضوعية ، والإغراق فى الشخصنة وعبادة الذات. وإختزال الأمة فى التنظيم، واختزال الثقافة فى الغثاء الذى تلقنه كل جماعة لأتباعها .

فمن العار أن تكون الفجوة الثقافية بين أعضاء الجماعات الإسلامية وجماعات الذباب الأليكترونى ضيقة إلى هذا الحد .

الفرد فى الجماعة الإسلامية عبارة عن مادة أو سلعة يعتاش عليها التنظيم، وتبنى عليها القيادة أهميتها فى السوق السياسى .

وكلما كان الفرد حماسيا مسطحاً جاهلاً كان ذلك أفضل فى وضعية كهذه .

 

{ المخابرات ـ والمرتزقة ـ والتكنولوجيا }.

تجديدات نوعية فى الحرب الأمريكية على أفغانستان ..

دخلت أمريكا حرب أفغانستان وهى فى حالة جهوزية تامة لتلك الحرب ـ وكان واضحاً أنها قد درست بعمق تجربة السوفييت فى أفغانستان ، وإستفادت من أوجه القصور فيها ، وأغلقت كافة الثغرات. وحتى فلسفة الغزو العسكرى تغيرت بالكامل، وطرق المجاهدين القديمة أصبحت قليلة الجدوى ـ أو ضارة فى حالات كثيرة .

إستغرقت حركة طالبان عدة سنوات فى إستكشاف قوانين تلك الحرب الجديدة ، ومن ثم إبتكار أساليب جديدة للمواجهة. وتكبدت الحركة أنهارا من الدماء فى ذلك السبيل.

الأساليب الجديدة ، عسكرية فى المقام الأول ولكنها وثيقة الإرتباط بالحروب الأخرى : النفسية ـ الإعلامية ـ السياسية ـ الإقتصادية .

نوع الحرب: الحرب الأمريكية على أفغانستان حرب (تقودها المخابرات) . والمرتزقة هم القوى الضاربة ، والتكنولوجيا الخارقة تضمن تفوق دائم لا يمكن إدراكه . إنها الحرب الأولى فى العالم القائمة ــ وبدون جيش تقريبا ــ على أعمدة ثلاث متصلة هى : ( المخابرات ــ المرتزقة ــ التكنولوجيا  ).

الهدف من الحرب : هوتحطيم روح المقاومة لدى المدنيين ، وفك الإرتباط بينهم وبين المجاهدين بكافة الوسائل المتاحة.

فاستهداف الشعوب سياسة ثابتة لدى الأمريكيين . وفى مجهودها لإسقاط الأنظمة غير المرغوب فيها، فإنها توجه الضربات الإقتصادية التى تمس حياة الناس وأمنهم الإقتصادى والغذائى. ويبررون ذلك بأنه ضغط على الأنظمة .

وحتى فى ضغطهم على الحلفاء أو المنافسين فإنهم يستهدفون الشعوب رأساً ليكونوا وسيلتها للضعط على الأنظمة وتغيير السياسات.

إذا تجاوزنا الحديث عن الأسباب الدينية للحرب رغم خطورتها ، ورغم أن الأمريكيون أنفسهم قالوا صراحه أنها(حرب صليبية) وهى كذلك بالفعل .

الحرب السوفيتيه كانت أحد أشكال الحروب الصليبية المتواصلة على أفغانستان، ولكن فى ثوب(ماركسي). وقال السوفييت صراحة أنهم أرسلوا جيشهم لتثبيت الحكم الشيوعى فى أفغانستان . الدوافع الإقتصادية كانت غاية القوة فى تحريك الصليبية الأمريكية .

كانت ثروات أفغانستان المعدنية (أكثر من 2  ترليون دولار) أحد الدوافع .

شلالات النفط والغاز من آسيا الوسطى التى تطلب إذنا بعبور أفغانستان لصالح الشركات الأمريكية كانت دافعا آخر .

أكبر محصول أفيون فى العالم ، والذى يمثل الدخل الأعظم للبنوك الأمريكية ويقدر بعدة مئات من المليارات سنويا (أكثر من 600 مليار) يعتبر الدافع الأول بفارق كبير جدا عن باقى الأهداف .

بالتالى أصبحت المناطق المنتجة للأفيون هى المسرح الأساسى للعمليات العسكرية والإستخبارية. فالقوة العسكرية الرئيسية للجيش الأمريكى تركزت فى ذلك المسرح. وأقرب حلفاء أمريكا عقائديا وسياسيا كانوا شركائها فى ذلك الميدان . وبالتريب كانوا: بريطانيا ـ كندا ـ إستراليا {الجنس الأبيض ، بروتوستانت ـ أنجلوساكسون }. وتخصصت بريطانيا فى نهب مناجم اليورانيوم الموجودة فى نفس المنطقة ، بإعتبارها الشريك الأوروبى الأكبر فى الحملة الصليبية . فى نفس المنطقة عملت قوات “إسلامية” من الإمارات .

القوات الأردنية شاركت فى الحملة الصليبية. وتركيا ضمن قوات حلف الناتو أرسلت أكبر قوات عسكرية بعد القوات الأمريكية.

هدف العدو من الحرب ـ وأسلوب العدو فى القتال ـ والأدوات المتاحة بين يديه، كانت مفاتيح أساسية لرسم إستراتيجية طالبان لخوض الحرب .

ولا ننسى الموقف الدولى وسيادة أمريكا على العالم كذئب مستفرد بالقرية الدولية .

ولا ننسى الموقف الإقليمى المعادى لطالبان .

أوالموقف الإسلامى غير المبالى (فى أحسن حالاته). أو المتآمر مع الحملة، خاصة المشيخات النفطية (السعودية / الإمارات/ قطر) .

 

صدمة تكنولوجية :

تعتمد الولايات المتحدة فى حربها على تفوق تكنولوجى يسبق ما لدى القوى الأولى فى العالم تجهيزا لأى حرب عالمية قادمة . فما بالك بالفجوة التكنولوجية بين جيش الغزو وبين مجاهدى حركة طالبان ؟؟ فكم سنة ضوئية كان الفارق بينهما؟؟.

– فى بداية الحرب حدثت صدمة من قدرة الجنود والمعدات الأمريكية على الرؤية ليلاً بالمناظير الحديثة . وبعد أن كان الليل حليفاً للمجاهدين ، أصبح حليفاً للعدو ، ويعمل لصالحه أكثر . فتحول المجاهدون إلى إستخدام النهار حيث الرؤية ستكون متساوية .

– دقة تصويب الأسلحة كان ملفتا للنظر، نتيجة التقنيات الحديثة، يستوى فى ذلك الجندى والدبابة والطائرة .

– فى بداية الحرب أحدث الطيران الأمريكى صدمة كبيرة لدى طالبان . فكان فارق الأداء كبيرا بينه ، وبين ما إعتاد عليه الأفغان من الطائرات السوفيتية .

ثم كانت صدمة أخرى من القوة التدميرية للذخائر الجديدة التى إستخدمها الأمريكيون، مثل قنابل اليورانيوم المنضب ، التى إستخدموها فى حرب “تحرير الكويت” ضد الجيش العراقى ، فكان تأثيرها مذهلاً . وإستخدموا القنابل الثقيلة التى تزن عدة أطنان حتى وصلوا إلى”أم القنابل” ذات الأطنان العشرة .

 

صدمة الطائرات بدون طيار (درون)

مازالت تلك الطائرات تقوم بالدور الأعظم فى الحرب ، وطور الأمريكيون والإاسرائيليون أجيالا عديدة منها. ولم يسبق أن سيطر جيش على الأجواء بتلك القوة ، ومعظم الوقت تقريبا . فهى تُسْتَخْدَم بكثافة عالية جداً فى سماء أفغانستان، وتقوم بمهام شتى فى الرصد والمتابعة وتدمير الأهداف وإغتيال الأشخاص .

جزء كبير من أسطورة الطيران تعود إلى إنعدام وجود مضادات جوية أو قلتها مع تخلفها التكنولوجى . ومازالت طائرات الدرون لا تواجه تحدياً جدياً يهدد سيادتها على الأجواء .

معظم طائرات (الدرون) فى أفغانستان صنعت فى إسرائيل ، ويديرها خبراء إسرائيليون ضمن شركات المرتزقة .

صدمة المرتزقة وفرق الموت وحرب الإغتيالات :

تطبق الولايات المتحدة نوعاً متطرفاً من الليبرالية الجديدة ، بإطلاق حرية كبيرة لأصحاب الأموال ليفعلوا ما يشاءون داخل الدولة وخارجها ، بأقل قدر من تدخل أجهزة الدولة ، بل أن أجهزة الدولة تساعد فى تمكين الرأسمالية المتوحشة وحراستها ، وتقليص دور الدولة فى مجال الخدمات .

الأعجب والأخطر كان خصخصة الجيش والإستخبارات والأمن. لتتوسع أدوار الشركات داخل تلك الأجهزة ، من التخصصات الدقيقة وصولاً إلى القتال الأرضى .

رأت الولايات المتحدة أن المرتزقة أو المتعاقدين ـ العاملين ضمن شركات متفاوته الحجم يحققون مصالحها بشكل أفضل ويتماشون مع فلسفة المجتمع الجديد الذى لا يرى غير المال ، ولا يبالى بالقيم والمثل التى تعارفت عليها الإنسانية خلال قرون طويلة ومن خلال الأديان .

من النقاط الهامة أن الخسائر فى أرواح المرتزقة لا تظهر ضمن خسائر الجيش الرسمى. وهُم يحصلون على رواتب مرتفعه جدا، إلا أنهم بلا حقوق فى حال إنهاء تعاقدهم أو إصابتهم بإصابات تقعدهم عن العمل . وحكومة الولايات المتحدة ليست ملزمة بهم عند وقوعهم فى الأسر . إلا فى حالات خاصة جدا تتعلق بالحفاظ على أسرار هامة أو خبرة نادرة .

– كشفت حرب أفغانستان الحالية عن نقاط ضعف خطيرة فى إستخدام المرتزقة، وفى خصخصة الحرب وخضوعها لمبدأ “الربح” بدون إرتباط ولو شكلى بأى مبادئ أو مصالح وطنية عظمى ـ فقد أظهر المرتزقة وحشية بالغة فى التعامل مع المدنيين قتلا وتعذيبا وإستهتارا بكل شئ، كما أظهروا جبناً وتردداً فى خوض مواجهات أرضية مع المجاهدين . أى أنهم مجرد مجموعات من القتلة وليسوا مقاتلين. فهم متطرفون فى الوحشية مع المدنيين ، ومتطرفون فى الجبن فى مواجهة المجاهدين .

أثبتوا خلوهم من المشاعر الإنسانية ، وحرصاً شديدا على جمع المال بشتى الطرق . لأن المال هو معبودهم الذى يبذلون لأجله حياتهم وحياة ضحاياهم .

أعطى ذلك نتائج إيجابية لصالح مقاتلى طالبان ـ فقد تمكنوا من إختراق صفوف المرتزقة الذين جعلوا لكل شئ ثمنا . فاشترى منهم طالبان كل ما يقدرون على دفع ثمنه .

سواء كان معدات أو ذخيرة أو معلومات ، أو تنفيذ أعمال قتالية أو إغتيالات وتخريب لأهداف حساسة فى المعسكر المعادى .

وعندما بدأت كفة الحرب تميل لصالح طالبان وإمارتهم الإسلامية ، تفشى بين المرتزقة ظاهرة العمل على الجانبين . أو الحرب ضد الجميع لصالح من يدفع أكثر . فزادو من تردى أوضاع الإحتلال .

وإنتقلت تلك الروح إلى القوات المسلحة المحلية التى أنفق الأمريكيون المليارات على تشكيلها . أما الميليشيات فحدث ولا حرج، فقد نشأت على الوحشية والفساد قبل أن ترى المرتزقة الأجانب ، ولكن بمرافقتهم فى الحرب زاد فساد الميليشيات ـ وأصبحت أكثر وحشية ، وتحول الكثير منهم إلى مجرد تشكيلات إجرامية صرفة.

 

صدمة فرق الموت :

أخطر نشاطات المرتزقة ، كان تشكيل فرق الموت المنقوله جوا ، والتى تهاجم ليلا القرى البعيدة ، أو غير المحمية بقوات من المجاهدين، ثم إقامة إحتفالات رعب تشمل قتل وتعذيب وإستخدام الكلاب المتوحشة ، ونسف منشآت القرية خاصة المسجد والمدرسة الدينية والعيادة الطبية ، ثم إختطاف عدد من السكان واصطحابهم فى الطائرات .

قد تحدث بعض تلك المداهمات نهارا فى حماية مكثفة من طائرات هليكوبتر وطائرات بدون طيار بأعداد كبيرة ، فإذا حدثت مقاومة فإنهم ينسفون القرية بالكامل . وأحيانا يستكمل الجيش مهمة فرق الموت بعد مغادرتها، بأن يقصف القرية بالمدفعية والصواريخ أو بالطائرات .

– الطائرات بدون طيار ( الدرون ) كثيرا ما عملت كفرق”موت جوى” فتضرب أهداف مدنية وسيارات على الطرق العامة ، وإحراق محاصيل زراعية ، ورصد وإغتيال شخصيات هامة .

– إستخدم الأمريكيون ورقة فرق الموت والمرتزقة كسلاح ضغط أثناء مفاوضاتهم مع حركة طالبان . فقد أدرك العدو مدى معاناة المدنيين من الوحشية المفرطة لفرق الموت .

– قام الجيش الأفغانى بتقليد نفس الأسلوب ، ونفذه بشكل منفرد ، أو بمشاركة عناصره فى عمليات مرتزقة الموت الدوليين.

 

صدمة حرب الإغتيالات :

وهى من أهم المجهودات القتالية للولايات المتحدة فى أفغانستان . وتشرف المخابرات بشكل مباشر على ذلك النشاط. والمرتزقة هم السلاح الأساسى فى يد المخابرات والقوة الضاربة الأساسية فى يد الإحتلال . والفرق الخاصة بالإغتيالات لها سلاحها الجوى الخاص من طائرات (الدرون) . وقد تستخدم طائرات عسكرية مقاتلة ضد أهداف معينة .

–  إغتيال قيادات المجاهدين من أهم واجبات المخابرات. فجهاز المخابرات الأمريكى (CIA) والإسرائيلى (الموساد) يديران تلك الحرب سويا ، وهدفهم الأكبر هو أفيون أفغانستان وتحويله الى هيروين يتاجرون به دوليا . والهدف العقائدى هو إقتلاع الإسلام من أفغانستان.

وطبيعى أن تكون قيادات حركة طالبان والإمارة الإسلامية فى صدارة قوائم الإغتيالات .

وجهاز الإغتيالات مكون من تركيبة معقدة تنظيميا ومتشعبة ، وتشمل إلى جانب العناصر الأمريكية والإسرائيلية جنسيات شتى على رأسهم العنصر المحلى الأفغانى ، وعناصر من باكستان وآسيا الوسطى ، وعرب وأتراك .. وأى عنصر يمكن الإستفادة منه .

ونشاط الإغتيالات لا يعترف بأى قيود ، سواء أخلاقية أو جغرافية أو سياسية .

– تتميز الإدارة الأمريكية بالمرونة الكبيرة ، وعدم الإلتزام كثيرا بأى معايير إخلاقية أو حتى تنظيمية ، فالنجاح يقاس بتحقيق الهدف ، ونوع الوسيلة غير مهم طالما تحقق النجاح .

ولأجل النجاح فى حرب الإغتيالات ، أو حرب الإستخبارات عموماً ، تستخدم طيفاً واسعاً من الأدوات ، منها عصابات إجرام عادية ، وقتلة مأجورين ، وعصابات تهريب مخدرات تقدم خدماتها فى مقابل تزويدها بالمخدرات .

 

صدمة حرب الدواعش :

مشروع الدواعش مُوجَّه ضد الإسلام ، تحت شعار الإسلام . كما كانت الوهابية التى نشأ منها عقائديا . وحتى تنطلق الداعشية كان لابد من عملية إزالة شخصيتين إسلاميتين هامتين .

– فى الأوساط السنية العربية، كان لابد من إزالة (أسامة بن لادن) لأن شهرته مع مصداقيتة التاريخية كانت ستكبح داعش ، التى نشأت تحت ظل القاعدة فى العراق . وبإزالة بن لادن إنطلقت داعش فى الآفاق العربية .

– وإسلاميا كانت شخصية الملا محمد عمر فى أفغانستان ـ أمير المؤمنين ـ الذى حكم لمدة خمس سنوات وبايعه قادة جهاديون عرب وغير عرب ـ أهمهم كان أسامة بن لادن . لهذا كان الملا عمر عقبة أهم ، وإزالته تتيح لظاهرة داعش الإنسياح فى العالم الإسلامى كله .

– وبإزاحة الرجلين فى توقيت متقارب، إنساحت داعش فى الميدان العربى خاصة سوريا والعراق . وفى أفغانستان سريعاً ما ظهر دواعش أفغان بإنشقاق داخل حركة طالبان . وكان من بينهم أسماء حازت شهرة فى ولايات الجنوب ، معقل طالبان تاريخيا .

القاعدة بدورها تشجعت لإقتحام الميدان الأفغانى بشكل تنظيمى مستقل عن الإمارة الإسلامية وحركة طالبان . فشكلت مجموعتين أو أكثر من الأفغان مدعومين بعدد محدود من العرب . أما الدواعش فقد دعموا صفوفهم بعناصر باكستانية ومن تركستان الشرقية .

– حركة طالبان بقيادة الملا منصور الذى إنتخب لقيادة الإمارة الإسلامية بعد وفاة مؤسسها الملا عمر، تصدت بالسلاح للدواعش وكسرت شوكتهم فى أفغانستان. أما القاعدة فقد تمت تصفية إختراقها بواسطة التفاهم مع العناصر الأفغانية الذين إستجابوا للإمارة وسلموا أسلحتهم .

– ساهم الدواعش فى حرب الإغتيالات الذى تديرها المخابرات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية  وعملوا كفرق موت لتحطيم نفسيات المدنيين وبث الرعب فيهم ، وفض تجمعهم حول الإمارة الإسلامية وحركة طالبان .

وتخصصت داعش فى ضرب المساجد والجنازات ، والمواكب الدينية والمؤتمرات الشعبية والتجمعات العامة . مع التركيز على الطابع الطائفى بحيث يبدو أكثر النشاط على أنه موجه ضد الشيعة . كما يضرب أهدافا عرقية لإتهام عرقيات آخرى وإشعال حروبا عرقية .

وحاولت داعش التمركز فى المشرق الأفغانى فى جلال آباد وكونار، بالقرب من خطوط إمدادها القادمة من باكستان. وقد إضعفتها كثيراً ضربات حركة طالبان .

 

حرب ثقافية وإعلامية وإقتصادية (معركة العقول والقلوب ) :

هدفها هز قناعات الأجيال القديمة ، وتحويل قناعات الأجيال الجديدة صوب الثقافة الغربية. فيتخلون عن الجهاد وعن قيم الحرية التى قاتل لأجلها الأجداد ، ويتشبثون بالإحتلال ويتفاخرون  بخدمته . يصف المستعمر تلك الحرب بأنها حرب السيطرة على العقول والقلوب. وأهم أفرع تلك الحرب هى: التعليم ـ الإعلام ـ الإقتصاد .

 

حرب التعليم :

وضع المستعمر نظاما تعليميا جديداً. يتخرج منه أعوان المستعمر المتصالحين معه ثقافيا وإعتقاديا . وصرفت مليارات الدولارات على ذلك النظام ، وتخرج منه عدة ملايين يستبعد الدين من إهتماماتهم ، أو يعاد صياغته وتحريفه ، وكذلك يفعلون بالتاريخ ، وبالعادات الإسلامية الراسخة فى المجتمع خاصة ما يتعلق بالأسرة وترابطها ، ودور المرأة فى المجتمع .

 

حرب الإعلام :

يدرك الأمريكيون أن الإعلام الحر كان سببا رئيسا فى فضيحة مجازرهم ضد شعب فيتنام . وبالتالى نشوب ما يشبه الثورة الداخلية فى الولايات المتحدة ضد تلك الحرب ، ومطالبات شعبية كاسحة بضرورة وقفها وسحب الجيش الأمريكى من هناك .

وضع الجيش الأمريكى والإستخبارات ـ يده الثقيلة على جميع المادة الإعلامية المتعلقة بأفغانستان ـ والأخبار والتحقيقات الخارجه منها .

وتم قمع الإعلام الدولى ـ الذى هو فى معظمه معادى لحركة طالبان ـ ولا يكاد يطيق إسم أفغانستان ، أو كلمة جهاد التى شاع إستخدامه لها فى زمن الحرب السوفيتية .

 الإعلام المحلى كان أكثر تعرضا للقمع والمنع والحظر، والتوجيه صوب خدمة الإحتلال وحملاته النفسية ضد المجاهدين ، وضد فكرة مقاومة الإحتلال أو الإعتراض على السلوكيات الإجتماعية التى فرضها على الأفغان ومجتمعهم الإسلامى المحافظ .

 

حرب الإقتصاد .. (خصخصة وفساد) :

– هدف الغزو الأمريكى لأفغانستان كان السيطرة على محصول الأفيون وتحويله إلى هيروين فى القواعد الجوية وتصديره عالميا .

– و بالمثل باقى الثروات المعدنية وتسليمها للشركات العملاقة عابرة القارات .

– وتحويل الإقتصاد الأفغانى إلى إقتصاد يعتمد على هبات المحتل ومعوناته للحكومة ، وللسرطان المسمى”مؤسسات المجتمع المدنى” وهى تجمعات إستخبارية من أفراد الطبقة المثقفة الجديدة.

– حصر الثروات الداخلية ــ من فضلات الإستعمار الإقتصادى ــ فى يد فئة محدودة من وكلاء المستعمر، ومندوبى شركاته.

– توسيع قاعدة الفقر إلى أقصى نطاق ممكن فى المجتمع، وذلك لتسهيل مهام الإحتلال فى محاربة الدين ، ونشر الرذيلة ، وتعاطى المخدرات ، والعمل فى التجسس ، والقتل الخاص، أو الإلتحاق بالميليشيات والعصابات المحلية .

– بناء إقتصاد محلى ـ تابع للإقتصاد الأمريكى وخادم لمصالحه ـ يعتمد على الرشوة والفساد المنظم الذى يشكل تركيباً عضوياً للإقتصاد لا ينفصل عنه ، ولا يعتبر مشكلة أخلاقية فردية ، فالرشوة جزء أساسى من الإقتصاد تأخذ أحيانا صفة مشروعة هى العمولة. وأحيانا صفة سمسرة أو وساطة . فالتنافس بين الشركات للحصول على إمتيازات أو تسهيلات عمل فوق الأرض الأفغانية الخطرة يستلزم دفع رشاوى كثيرة ومتعددة لجهات حكومية فى الجيش والأمن والإدارة ، وحتى للميليشيات والمرتزقة .

– الإحتكارات الإقتصادية الكبرى والشركات العظمى متعددة الجنسيات لها جماعات ضغط فى النظام وتنفق الأموال على ميلشيات محلية. وكانت نشطة على هامش مفاوضات الدوحة لضمان مساحة مستقبلية لمصالحها .

– وعندما تفشل الرشوة فى فتح الطرقات المغلقة فى الإدارة أو على الأرض ، تبدأ حرب فعلية مسلحة ، وكل طرف يشترى جهات تقاتل لأجله . شركات أجنبية تفعل ذلك ، بل وحكومات أجنبية لها مصالح نفطية أو أفيونية أو فى غسيل الأموال ، أو مطامع إستراتيجية فى توسيع دور إقليمى يضعها فى مكانة مؤثرة مستقبلا . تفعل ذلك عدة دول عربية نفطية ، وتفعل تركيا وباكستان ، وجهات أوربية .

– فبدون سوق تنافسى، وتصنيع للفساد كنشاط إقتصادى معترف به ، فقد تتوقف المنظومة الإستعمارية كلها ، وتنهار المصالح الأمريكية والإسرائيلية وحلفائهما، فى أفغانستان والعالم.

– خصخصة الإقتصاد تعنى مباشرة تحويل الفساد إلى مؤسسة لها أنظمتها التى إن إهتز توازنها فقد تحدث حروب وتصفيات وتفجيرات، إلى أن يعود الإستقرار من جديد إلى مؤسسة الفساد ، وإلى سياسة الخصخصة الإقتصادية .

– عند تلك النقطة، فإن دور شركات المرتزقة الدوليين ، والدواعش كمنظمة إرتزاقية، يظهر ضمن مؤسسة الفساد كأحد أدواتها الرئيسية لإزاحة العقبات التى تقابل الخصخصة وتوأمها الفساد . وتعود الحياة إلى الدوره الإقتصادية و”الفساد ” الإجتماعى المتعلق بها .

 

عن الحلف الأمريكى الإسرائيلى فى أفغانستان:

ذلك التحالف كان موجودا وفاعلا أثناء التورط  السوفيتى فى أفغانستان، وله شبكة حلفاء داخل باكستان وأفغانستان . وبعد الرحيل السوفيتى نشط ذلك التحالف وبدأ فى تصعيد نشاطه ، واضعاً نصب عينيه الإستيلاء على أفغانستان ووضع نظام حكم يُغَيِّر مسار أفغانستان (مرة واحدة وإلى الأبد)، من الإسلام إلى اللا إسلام . ومن وضعية “الدولة العازلة” إلى وضعية القاعدة الأمريكية العظمى لصناعة الهيروين ، للعمل الإستخبارى ، وكقاعدة جوية ، وقاعدة للصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى. وللعمل ضد الصين وإيران وروسيا ، وإبتلاع مصادر الطاقة فى آسيا الوسطى ، والسيطرة على إقتصاد الهند والتحكم فى إمداداتها من الطاقة عبر خط أنابيب تابى (القادم من آسيا الوسطى إلى الهند).

وأخيرا أيها المجاهدون : تلك صورة موجزة لما يمكن أن يواجهكم به العدو ، فى أى ساحة تعملون فيها . فماذا أنتم فاعلون ؟؟. ذلك هو التحدى الحقيقى .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

03-07-2020

 

مأزق بغال التحميل 3

 




مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 2 )

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 2 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الثاني )

دور التمويل فى إنحراف العمل الإسلامى

والعلاقة بين سماسرة السياسة وبغال التحميل

 

مقدمة فى النقد الذاتى :

بإستثناء الحركة الإسلامية عامة والجهادية خاصة ، لا توجد مؤسسة فى العالم ـ مدنية أو عسكرية ـ ليست فى حاجة إلى تقييم أعمالها وإعادة النظر فى أساليب عملها، على ضوء النتائج التى تحققت والتجارب التى مضت .

– الفريق سعد الدين الشاذلى ـ رئيس أركان حرب القوات المصرية خلال حرب أكتوبر 1973 ـ والمهندس الحقيقى للإنتصارات التى تحققت فى بدايتها، والضحية الأولى للأخطاء المتعمدة التى إرتكبها السادات حتى يكسر الجيش المصرى، ليبدأ مفاوضات مع إسرائيل من وضعية المنهزم، فى نهاية حرب حقق الجيش فى بدايتها مكاسب كبيرة .

– نجحت خيانة السادات، والنتيجة ظاهرة للعيان فى أحوال مصر ، تحت حكم جنرالات من سلالة السادات، مع تمادى فى الجهل والغرور.

– أقوال الفريق الشاذلى يؤكد فيها على أهمية دراسة التجارب وتحديد الأخطاء والإستفادة منها، وعدم الإقتصار على ترديد القصائد عن الإنتصارات والمبالغة فيها .

– ما ذكره الشاذلى ينطبق تماما على الجماعات الإسلامية عموما، والجهادى منها بشكل خاص . وفى كلامه يمكن إستبدال إسم السادات بإسم أى أمير من تلك الجماعات.

موقف السادات من نقد الشاذلى هو موقف قادة العمل الاسلامى تجاه أى تقييم موضوعى لأعمالهم ، أو نقد ذاتى يصدر من بين صفوف جماعاتهم.

 

قال الفريق  سعد الدين الشاذلى ــ فى كتابه “حرب 1973”:

– الأخطأ ليست عيبا ، ولكن التستر عليها جريمة فى حق الأمن القومى للوطن .

– لماذا لم تشكل لجنة قضائية عليا حتى الآن لتقصى الحقائق عن حرب أكتوبر، كما حدث فى إسرائيل وكما يحدث فى الدول المتحضرة فى أعقاب كل حرب ؟؟ .

– إذا إقتنع الجيل الجديد بتلك الأخطاء فتلك مصيبة لمستقبل مصر.

– إذا إكتفينا بذكر الأعمال المجيدة التى تمت خلال حرب أكتوبر وعدم ذكر الأخطاء التى إرتكبت ، يمكن أن يُولَد لدى قادة الأجيال التالية شعوراً بالتفوق الزائف ، الذى قد يؤدى إلى إرتكابهم نفس الأخطاء التى إرتكبها أباؤهم وأجدادهم. لذلك يجب أن نعترف أنه رغم النجاح الباهر الذى حققناه بعبور قناة السويس وتدميرنا خط بارليف فى 18 ساعة . فقد إرتكبنا سلسلة أخطاء .

– الدروس المستفادة من كل حرب تعتبر ثروة لا تقدر بثمن لأنها تكون رصيداً للدولة إذا ما إشتركت فى حرب أخرى .

– نريد حواراً لا يكون هَمْ كل طرف فيه أن يدافع عن الأخطاء التى إرتكبتها القيادات السياسية والعسكرية .

– شكلت بريطانيا لجنة لتقصى الحقائق فى أعقاب حرب فوكلاند عام 1982 . وشكلت إسرائيل لجنة مماثلة فى أعقاب حرب أكتوبر، وأخرى فى أعقاب الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982 .

– حجب المعلومات تحت شعار السرية ، هو إسراف فى تعبير”أسرار حربية” وهو محاولة بائسة من السادات ونظامه لكى يحجب الحقائق عن الشعب المصرى، لكى ينقذ نفسه من مسئولية الأخطاء الجسيمة التى إرتكبها فى حق مصر وقواتها المسلحة .

– المقصود من تعبير ” أسرار حربية ” هو إذاعة معلومات عن القوات المسلحة الوطنية لم يكن العدو يعرفها . ونتيجة تلك المعرفة يمكنه أن يهدد أمن وسلامة الوطن .

– مالا يعرفه العدوهو: لماذا يتصرف المصريون بمثل هذه الحماقة، ومن هو المسئول عن هذه القرارات الخاطئة .

– السادات لا يريد أن يسمح لشعب مصر أن يقرأ إلا ما يريد له السادات أن يقرأ . إنه لا يريد لأحد من أبناء مصر أن يكتب إلا إذا كان ما يكتبه معبراً عن وجهة نظر حاكم مصر.

–  وفى نفس الكتاب نقلا عن أمين هويدى ، مدير مخابرات ووزير دفاع فى عهد عبد الناصر: { أن تغطية سلبيات قواتنا المسلحة يسمح للسوس أن ينخز عظامها}.

 

على الساحة الأفغانية :

 بن لادن ، وعزام ، مدرستان مختلفتان .

القتال فى أفغانستان لم يكن أولوية لدى عزام أو بن لادن . فى البداية لم يكن عبدالله عزام يخطط لمشاركة عسكرية للعرب فى أفغانستان إلا إذا جاء مصادفة ولمجرد رفع معنويات الأفغان . لأن المهمة الأساسية التى شرحها للشباب عبر(مكتب الخدمات ) كانت تقديم الخدمات الإنسانية للمهاجرين فى باكستان أو إيصالها للمجاهدين فى أفغانستان. والعمل على إصلاح العلاقات بين مجموعات المجاهدين ، عندما تفشت بينهم الإشتباكات الداخلية .

وألحَقْ عزام المتطوعين ببعض دورات التدريب فى معسكرات المهاجرين فى بيشاور. وكانت مثل فصول محو الأمية للتدريب البدائى على الأسلحة .

لم يطور عزام برامج للتدريب إلا بعد وصول بن لادن وأنغماسه فى منطقة جاجى ومعركتها الشهيرة ثم شروعه فى برامج تدريب عسكرى جادة نسبيا فى خوست ، ثم تأسيس تنظيم القاعدة . كل ذلك بشكل متتابع إستغرق عاما واحداً أو أقل . فإضطر عزام إلى تكريس إهتمام أكبر بالتدريب إضافة لما كان يشرف عليه ” مكتب الخدمات” قبل وصول بن لادن بعدة أشهر. فمن تخرجوا من معسكر عزام فى منطقة “صدى” الحدودية الباكستانية كان لهم دور بارز فى إنجاح معركة (جاجى) الذى قادها بن لادن والتى بدأ بها أسطورته فى أفغانستان .

– بن لادن لم يكن يفكر مطلقا فى خوض عمل عسكرى فى أفغانستان . ولكنه فى زيارة شخصية لمعسكر جاجى التابع لسياف إكتشف مدى التقصير المريع فى كل شئ ، فقرر التدخل لسد العجز ببناء قاعدة لسياف فى جاجى . واستقدم شباب من متطوعى المملكة وجلب بعض معداته الثقيلة من هناك . فشعر العدو بتحرك إنشائى واسع وتجمع للمقاتلين ، فتحرك هجوميا إلى أن وصل الذروة بمعركة جاجى فى رمضان 1405 التى كانت نصرا كبيرا للعرب ، ومحسوبة بالإيجاب لأسامة بن لادن. وعلى ذلك النصر غير المتوقع قامت أسطورة بن لادن المستمرة حتى الآن.

– لم يكن(لمكتب الخدمات) الذى يقوده عزام ، أو (تنظيم القاعدة) الذى أسسه بن لادن مشاركة قتالية مؤثرة فى أفغانستان.

فيما عدا معركة جلال آباد (1989) التى قادها بن لادن وعاد منها بما يشبه هزيمة خفف من أثرها التمسك بجبل سمرخيل، أهم هيئة حاكمة على الطريق الدولى من تورخم إلى جلال آباد. حدث ذلك بمبادرة من شباب القاعدة بعد إنسحابهم المنهك والخطر من خطوطهم الأولى إلى الحدود مع باكستان (هنا نذكر بإحترام الشهيد “أمير الفتح” ـ المصرى ـ صاحب تلك المبادرة وقد قتله الأمريكيون فيما بعد).

– عبد الله عزام إستمر فى تشغيل معسكر التدريب التابع لمكتب الخدمات قرب الحدود الأفغانية مع باكستان. وقد تحسن مستوى التدريب فيه نتيجة التنافس مع معسكرات تدريب القاعدة ( هنا أيضا لابد أن نذكر بإحترام الضابط السورى أبو برهان الذى كان عماد التدريب فى معسكر صدى، وكان أكثر المدربين العرب إحتراما وتأثيرا. وتخرج على يديه عدد كبير من المدربين الشباب). إلا أن النشاط الأساسى لمكتب الخدمات ظل على ما هو عليه أى توزيع المعونات فى الداخل على مناطق المجاهدين بمختلف أحزابهم . كما أوصل مساعدات عينيه ومالية لعدد من مجموعات العرب المقاتلين داخل أفغانستان.

أما نشاط القاعدة فقد ركز بشكل كبير ـ نوعاً وكماً ـ على التدريب ، داخل أفغانستان خاصة فى منطقة خوست. مستفيدين من مواقع المجاهدين القريبة من العدو كمناطق للتدريب العملى ، وتطعيم المتدربين بالنيران. ولم تكن لهم معارك مستقلة ، ولا قوة مشاركة ثابتة ، كما فعلت مجموعات عربية أخرى . (هنا أيضا ينبغى ذكر المدرب المصرى/الأمريكى “حيدرة” الذى أحدث طفرة تدريبية نوعية. وأكثر من إستفاد منها كان تنظيمي القاعدة والجهاد المصرى المندمج معه فى ذلك الوقت).

إمتلكت القاعدة (كتنظيم) أكبر وأفضل مجموعة مدربين تخرجوا من أفغانستان، مع مشاركة قتالية محدودة، كان أهمها تجربتى (جاجى) و(جلال آباد) ـ ومشاركات محدودة فى معارك كبيرة خاصة فى خوست ثم جرديز .

ومع ذلك حدث تهويل غير عادى فى دور القاعدة كقوة قتالية فى أفغانستان . أما مكتب الخدمات فلم يكن له تأثير قتالى يذكر . ولكن من تدربوا فيه إنضموا إلى مجموعات وكانت لهم مساهمات عادية ـ فيما عدا (مجموعة ابو الحارث الأردنى) التى كان لها مشاركة ثابتة إلى جانب قوات جلال الدين حقانى ، بل كجزء عضوى منها . ومعظمهم تدربوا فى معسكر صدى التابع لمكتب الخدمات.

ولم تحقق اى مجموعة عربية أخرى إنجازا عسكريا وتأثيرا فى الجبهة يقترب مما حققته تلك المجموعة ـ (وكانت بالطبع متعددة الجنسيات . وتم حلها بعد فترة قصيرة من بداية الحرب الأهلية فى كابول، وإنضمامها إلى حكمتيار ضد مسعود، ولم يكن أبو الحارث على رأس المجموعة وقتها) .

يلاحظ هنا أن هدف بن لادن فى تأسيس تنظيم القاعدة لم يكن الجهاد فى أفغانستان التى إعتبرها ميدان تدريب ــ وكان ذلك موضع أول خلاف كبير بينه وبين عزام ــ إذ أراد بن لادن نقل التجربة الأفغانية إلى اليمن ــ بينما عزام كان يرى أن العرب جاءوا لمساندة الأفغان ماديا ومعنويا وليس قتاليا. وتم وضع الإختلاف بهذه الصورة : جاء مكتب الخدمات لإفادة أفغانستان ، بينما جاءت القاعدة للإستفادة من أفغانستان

 (أن مكتب الخدمات جاء لمساعدة الأفغان بمشارع توزيع المعونات عليهم داخل أفغانستان ورفع معنوياتم بالدعوة وإصلاح ذات البين ـ وربما القتال إلى جانبهم إذا تيسر ذلك . بينما بن لادن جاء للإستفادة من أفغانستان بهدف التدريب وتجنيد العناصر القتالية ، وليس هدفه الأول أو الحقيقى هو أفغانستان).

كان الخلاف صارخا لبعض الوقت أو كامناً معظم الوقت . وجرت محاولات تنسيق وعمل مشترك لم تكن مجدية، وسريعا ما توقفت .

كان بن لادن يريد القتال ضد الشيوعيين فى اليمن على رأس قوة جهادية عالمية ، بنفس الزخم الأفغانى. وكان حلفاؤه من تنظيم الجهاد المصرى ، لا يرون حتى شرعية القتال فى أفغانستان لأنه “لن يؤدى إلى إقامة دولة إسلامية” حسب قولهم . وكانوا يأملون بتحالفهم مع بن لادن أن يجتذبوا قوته المالية ، وسمعته الإسلامية العالمية ، إلى جانبهم فى معركتهم ضد (طواغيت) مصر وإقامة (شرع الله) هناك . لم يكن بين التنظيمين وحدة فى الأهداف . والإتفاق الوحيد كان على إستخدام أفغانستان كميدان تدريب ، بدون أدنى إهتمام بمصير ذلك الجهاد سوى “أطيب التمنيات”. وكما قال قادة تنظيم الجهاد وقتها { إن الأعاجم لا يمكنهم إقامة دولة إسلامية ـ ولكن العرب يمكنهم ذلك لأنهم يفهمون الإسلام بشكل أفضل}!!!!!!.

ونرى الآن كيف برهن الواقع على عكس ذلك تماما .

 

تجربة الإخوان المسلمين مع الجهاد :

المجاهدون تَحَوَّلوا إلى ( بغال تحميل )

والإخوان أمسكوا بالرَسَنْ .

بعد تجربتهم المريرة فى حرب فلسطين عام1948 طبق الإخوان المسلمون عمليا سياسة “وداعا للسلاح” . وكتنظيم لم تحمل أيديهم السلاح رغم أن قلة من أفرادهم فعلوا ذلك. إختار الإخوان لأنفسهم دوراً غريبا وخطيراً. بإتخاذ موقعا لهم على هامش الإستراتيجية الأمريكية فى المنطقة الإسلامية عموما ـ والمنطقة العربية على وجه الخصوص.

معتبرين موقف التحالف الوثيق ـ أو الخادم المخلص ـ فى ركاب الإستعمار الأمريكى،هو أفضل وسيلة للبقاء داخل الحلبة السياسية . ويدرك الإخوان محدودية فرصهم خارج المظلة الأمريكية أوبعيدا عن التزلف لإسرائيل ـ التى لن تنسى لهم أبدا إرسال مجاهدين إلى فلسطين فى حرب 1948 ـ لهذا لم يحصل الإخوان إلى الآن على ما يعادل أهمية دورهم “الجيوسياسى” كمقاول حروب بالوكالة ومحرك لقطعان بغال التحميل ـ من المثاليين الغافلين ـ والزج بهم فى ميادين الحرب، بالوكالة عن الولايات المتحدة فى ميادين تحت السيطرة الأمريكية الكاملة أو الغالبة .

 –  فكرة التحالف الإستراتيجى مع أمريكا مطروح بين الإخوان منذ الأربعينات . وبعد إنقلاب عبد الناصر فى مصر، و “جائحة” الحكم العسكرى الذى حطم عظام الإخوان ـ كانوا فى حاجة إلى وطن بديل للإقامة والعمل وتكوين عائلات. فكانت السعودية ومشيخات النفط بإقتراح ومباركة أمريكية. وكانت أوروبا والولايات المتحدة وطنا بديلاً لفئة المحظوظين منهم.

فى الخليج والسعودية بدأت مرحلة تحول عظى عقائدياً وسياسياً للإخوان ، وإنتقال إلى التبعية الكاملة لأمريكا عبر السلفية الوهابية التى تحتضنها إنظمة الخليج والسعودية .

بدأوا برنامج الحرب إلى جانب أمريكا ـ ضد الشيوعية والقومية العربية ـ وتصدوا لهما ثقافيا ودعائيا ـ والحجة كانت مخالفتهما للإسلام.

وعندما جاء دور القتال ضد مناوئى أمريكا فى المنطقة العربية ـ والبداية كانت فى سوريا ـ فى بداية الثمانينات ، إختطف الإخوان حركة “الطليعة السورية المقاتلة” وتاجروا بها فى السوق الدولية فحصلوا على أموال نفطية غزيرة، ودعما حتى من جهات قومية عربية مثل بعث العراق. ومن مصر(السادات). وحصل مرشحوا الإخوان على تدريب عسكري متطورعلى أيدى أجهزة المخابرات فى تلك الدول . تزامن ذلك مع تجربتهم فى اليمن بوجود قادة قبليين تبنوا النهج الإخوانى ، فجمعوا بذلك بين دعم دعائى ودينى من الإخوان ، وبين المال السعودى ، والعطف الإستراتيجى من الولايات المتحدة .

– قبل العودة إلى الجريمة العظمى التى إرتكبها الإخوان فى أفغانستان ، نكمل تجربتهم فى المنطقة العربية والتى بلغت ذروتها بإستلامهم حكم مصر فى 2012 لمدة عام واحد .

حين أخذ جنرالات مصر(إستراحة محارب) لإعادة تموضعهم على قمة مصر فى ظل التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة، وإستفراد إسرائيل بسيادة شبه مطلقة على المنطقة العربية ، متقدمة على السيادة الأمريكية ودول أوروبا الإستعمارية القديمة .

الإخوان أثناء ممارستهم للسلطة فى مصر (بتوكيل من المجلس العسكرى الحاكم الفعلى للبلاد) لم يخرجوا عن خطهم القديم فى الولاء الإستراتيجى للولايات المتحدة(وإسرائيل بطبيعة الحال) وأبرز براهين ذلك هى :

– لم يقتربوا ولو خطوة واحدة نحو إستلام حقيقى لحكم مصر، ورضوا بأن يكونوا مجرد ستارا لحكم المجلس العسكرى.

– لم يقدموا أى تصور لإعادة بناء مصر أو إعادة تشكيل أجهزتها السيادية المنفلته . خاصة الجيش والشرطة والمخابرات .

– لم يقدموا أى تصور إقتصادى جديد لمصر ، سوى ما هو موروث من عهد مبارك أى الإقتصاد الطفيلى غير المنتج . القائم على السياحة،وخدمة إستهلاك السوق الأوروبى، والإستيراد الواسع ، وتمويل الدولة بالقروض.

– لم يغيروا شيئا من حقيقة فتح الإقتصاد المصرى للمغامرين، والبنوك الدولية، والشركات متعددة الجنسية، وتصفية القطاع العام وتصفية الزراعة والصناعة الحقيقية. والتنازل لإسرائيل عن غاز سيناء ، وبقاء مليارات الدولارات مهربة بدون المطالبة بها رسميا.ولم يقتربوا من النفوذ الإسرائيلى الضخم والمتشعب فى مصر. مع وجود قواعد عسكرية وإستخبارية لأمريكا غير معلن عنها .

– إخفاء حقائق كارثة سد النهضة الأثيوبى عن الشعب ، حتى لا يغصب “الجيش الوطنى” أوإسرائيل أوعرب النفط الممولين لمشروع السد وللإخوان فى نفس الوقت.

 

الرئيس مرسى على خطى “شعبوية” ناصر:

كان للرئيس مرسى صيحتان هامتان، تذكرنا بصيحات عبد الناصر”الشعبويه”. الأولى هى (لن نترك غزة وحدها) .وذلك وقت العدوان الإسرائيلى على غزة . والثانية هو(لبيك يا سوريا) مع إشتعال الحرب الأهلية فيها.

فإلى أين ذهب بتلك الشعارات؟؟.

– فى غزة ذهبت إستخبارات السيسى للتفاوض مع الإسرائيليين للتوصل إلى تهدئة وهذا كل شئ. ولم تجرؤ مصر فى عهد مرسى على إدخال جندى إلى سيناء خارج “الإتفاق التاريخى” مع إسرائيل . إلى أن طلبت إسرائيل من العسكر إشعال حرب أهلية فى سيناء لتصفية أهلها وطردهم تمهيدا لخطوة أخرى فى تصفية قضية فلسطين، وتدمير شعب غزة الذى تريد إسرائيل تركيعه وإجباره على ترك البندقية الفلسطينية الوحيدة التى مازالت مرفوعه للجهاد . ولكن مجاهدو غزة ـ رغم خلفيتهم الإخوانية ـ كانوا أكثر شراسة، فلم يقبلوا الرَسَنْ الإخوانى/ القَطَرِى بأن يلتف حول أعناقهم ، ليجرهم إلى حيث تريد أمريكا وإسرائيل .

 

– وماذا عن صيحة (لبيك يا سوريا) ؟؟ إلى أين أخذت مصر وأخذت سوريا ؟؟ .

 طول المدة ما بين حركة 25 يناير 2011 وحتى إسقاط حكم الإخوان فى يوليو 2013 ، كان التيار الإسلامى موحدا إلى درجة كبيرة تحت قيادة الإخوان وشعارات طرحوها . أهمها القفز فوق كل المشاكل الداخلية والإكتفاء بشعارات (تطبيق الشريعة) التى لا تحديد لها سوى الإستفزاز الإجتماعى وأعمال عنف مجهولة المصدر. إضافة إلى صدامات مع المسيحيين معظمها من تحريك وتنفيذ مخابرات العسكر وموافقة التيار الإسلامى والإخوان . ثم الشعار الحماسى المشتعل ـ بلا منطق واقعى ـ حول العداء للشيعة داخل وخارج مصر . رغم أنه لا يكاد يظهر للشيعة وجود أو تأثير فى مصر.

وتم شحن الشباب الجهادى ـ القديم منهم والجديد ـ للسفر إلى سوريا، فى حشد طائفى وشعار العداء المطلق والعقائدى للشيعة. وسافر آلآف الشباب إلى تركيا ومنها إلى سوريا. كما أصبحت تركيا وسوريا ملاذا للمتخوفين من عسكر مصر، ومن عدم قدرة الإخوان على الإستمرار فى الحكم، فقد كان ضعفهم السياسى واضحاً ومصداقيتهم المتراكمة تاريخيا تتبخر بسرعة غير متوقعة. حتى إذا بدأ العسكر بالإنقلاب على حكمهم ثم ذبحهم بهمجية لم يسبق لها مثيل فى تاريخ مصر، فى مجزرة ميدان رابعة، لم يهب الشعب لدعمهم . فتحملوا الكارثة وحيدين تماما .

 كانت الساحة السياسية فى مصر خالية للعسكر، ومعهم المعسكر المعادى للإخوان، من توجهات شتى، من المسيحية السياسية إلى اليسار العلمانى عالى الصوت الذى لا يثق به أحد . لهذا إستدار إليه العسكر وبطشوا به هو أيضا ، حيث كان عالى الصوت فى فترة (الثورة) ، ولكن بلا عمق شعبى ، سوى علاقات خارجية بمنظمات دولية تموله وتسانده دعائيا . فانهار كما ينهار عش العنكبوت.

 وبعد سقوط الإخوان ظهر أن “الخطر الشيعي” فى مصر هو مجرد وهم ، وأنه مجرد عش عنكبوت آخر. وأن مرسى قضى عليه فى حادثه (أبوالنمرس) جنوب الجيزة. حيث بطش الناس بأفراد معدودين، بمن فيهم زعيم التيار الشيعى فى مصر. وتشير دلائل إلى تغاضى الرئيس عنه ، وإصداره أمرا للشرطة بإلتزام الحياد !!. فظل الحياد هو شعار الشعب، حتى إزاء مجازر العسكر ضد الإخوان أنفسهم ،  بما لم يسمع بمثله تاريخ مصر.

 

أزمة الإخوان مع السعودية والإمارات :

–  من ثورة يناير 2011 وحتى سقوط حكم الإخوان فى 2013 ، إنهارت علاقاتهم تماما مع السعودية والإمارات . وكان لهم مراكز قوية للغاية فى هذين البلدين، منذ الخمسينات وحتى بداية القرن الحالى. وربما بدأ التصدع مع إرهاصات “الربيع العربى” الذى كان ربيعاً للإخوان وإضافة فعلية لقيمتهم السياسية (أوالجيوسياسية) فى العالم العربى.

ولكن الإخوان إستعاضوا بعلاقات أقوى مع قطر “كممول” ومع تركيا كملجأ آمن . وصارت البوصلة السياسية ، وسقف الرؤية الإستراتيجية للإخوان يحدده هذان البلدان . وفى سوريا خاضوا بالمشاركة مع قطر وتركيا أقوى تجربة جهادية لهم بعد الحرب الأفغانية التى خاضوها تحت السقف السعودى.

 

 جهاد .. لكن  لغير الإخوان :

ظل الدور الجهادى الجديد للإخوان يدور فى إطار ما قاموا به فى أفغانستان فى الثمانينات، أى التحريض على الجهاد ، وتجميع الشباب فى ساحاته المطلوبه أمريكيا.

والعمل على إمداد القضية الجهادية بالدعم الدعائى ، والإسناد الشرعى ، والتحريض الجماهيرى على أداء الفريضة المقدسة . وظل محظوراً عليهم “رسميا” الإنخراط فى العملية القتالية نفسها . وهذا ما صرح به مرشد عام الجماعة (حامد أبو النصر) فى زيارته التاريخية لمدينة بيشاور فى أوائل التسعينات . فأثار إستياء وسخرية الشباب المجاهد المتكدس فى تلك المدينة التى تحتوى مقار الأحزاب الأفغانية ومعسكرات تدريب مجاهديها.

حديث المرشد كان مسجلاً وتم توزيعه على نطاق واسع. فأثار إستياء وإنتقاد الكاتب والمفكر الكويتى “عبدالله النفيسى”ـ المحسوب على الإخوان ـ الذى كتب مندداً بالمرشد وضعفه .

– وكما فشلت تجربتهم السورية فى بداية الثمانينات ـ فشلت تجربة الإخوان فى سوريا “الربيع العربى” 2011 ـ وظهرت الحركة الجهادية فى سوريا كنشاط لنوع ردئ من بغال التحميل، بقيادات أكثر فسادا من القيادات الأفغانية الحزبية. مع تشنج طائفى وقيمة هامشية لقادتها إلى مجرد عرائس خشبيه فى لعبة أقليمية ودولية تدور حول سوريا وعلى أرضها، فى صراع مصائر لا يعرف أنصاف الحلول، أول ضحاياه كان شعب سوريا . مع مسئولية كاملة على عاتق ” ثوار تحميل” ركبهم الغرور والعناد، فى وعاء من الفساد والتوحش المتغطرس. ولا مكان فى التاريخ لهذا المزيج البدائى.

 

موقع الإخوان فى أفغانستان :

– ولكن ماذا حدث لأفغانستان.. ولماذا أخلى ساحتها التنظيم الدولى للإخوان، تاركا قياداته هناك يخوضون حربا أهلية؟؟ .

فى الحرب ضد السوفييت قُتِل ما يقارب مليونى أفغانى . وكان الثلاثى الإخوانى الشهير من نجومها الزاهرة ، وعلى رأسهم عبد الرسول سياف مرشد إخوان أفغانستان ، ومفتى الإحتلال الأمريكى ومستشاره السياسى حاليا. والمحارب العقائدى ضد مجاهدى طالبان، يُحَرِّم جهادهم ويدعو إلى شنقهم على بوابات كابول .

الشخصية الإخوانية الأخرى هو حكمتيار، الشهير بالدموية والإغتيالات والثورية المتطرفة أيام الجهاد السابق . ويدير حاليا تنظيم داعش فى أفغانستان بالمشاركة مع مستشار الأمن القومى لنظام كابول (حنيف أتمر) تحت إشراف المخابرات الأمريكية والإسرائيلية .

أما ثالث المجموعة فهو الزعيم (برهان الدين ربانى) الذى قتله المجاهدون لأنه كان يجول على القبائل داعيا إياها إلى سحب دعمها لطالبان، والتحول إلى دعم حكومة كابول التى عينها الإحتلال ووضع لها دستورا تحكم به البلاد.

ترك الإخوان الدوليون الساحة الأفغانية متجاهلين مصائب رجالهم فيها ، وإنتقالهم إلى خدمة الإحتلال الأمريكى ، بدون حتى أن تستنكر الجماعة أعمالهم أو تتبرأ منها ، وذلك يعنى موافقة الجماعة عليها . إنه ذات الخط الإستراتيجى الذى تلتزم به الجماعة، منذ ما بعد حرب فلسطين 1948 ، وأوائل الخمسينات (حرب الفدائيين ضد الإنجليز قرب قناة السويس).

– وتسهيلا على من يرى فى البحث والإستقصاء أمراً صعباً ، أن ينظر إلى أعمال ومواقف قادة الإخوان فى أفغانستان ، ليدرك بدقة موقع الجماعة من العمل الإسلامى، ودورها التاريخى فى حروب المسلمين، وأنها من أهم المتاجرين بالجهاد والعاملين على تحويل المجاهدين إلى بغال تحميل ، بينما أمسكت الجماعة بالرَسَنْ ، وتذهبت للمتاجرة بهم فى سوق السياسة العالمية.

وطبقت بذلك نظرية بريجنسكى ــ مستشار سابق للأمن القومى فى البيت الأبيض ــ الذى قال {نُسَلِّح الإسلام لتحقيق مكاسب جيوسياسية} وهى مكاسب لأمريكا بالطبع وليست للإسلام. وفازت فيها حركة الإخوان بعمولة السمسرة .

وما دام مركز الحركة موجود فى منطقة الشرق الأوسط ، فإن الحصول على رضا إسرائيل يعتبر أكثر من ضرورى . لهذا إلتزمت الحركة ، ومعها الحركات السلفية الجهادية ، بالدستور أو المنهج الحركى الذى وضعه شيمون بيريز رئيس إسرائيل السابق ، والذى وتقول عقيدته بأن الخطر فى منطقة الشرق الأوسط يأتى من إيران والشيعة . فعلى إسرائيل وأهل السنة أن يتحالفا معا فى العمل المشترك ضدهما . وأن إسرائيل بخبراتها وبأموال العرب قادرة على بناء الشرق الأوسط.

وجد الإخوان المسلمون ــ والحركة الجهادية السلفية بشكل عام ــ أن نظرية شمعون بيريز توفر لهم عدوا بديلا عن إسرائيل ـ التى صارت فى الواقع حليفاً إستراتيجيا لهما ـ وتحت شعار العداء لإيران والشيعة إرتكبوا شتى التجاوزات أو إن شئت قل الخيانات.

فبدون الإلتزام بعقيدة بيريز ، سيخسر الإخوان ـ والتيارات السلفية المسلحة ــ الدعم المالى الخليجى (القَطَرى) والدعم اللوجستى(التركي) . وأيضا أى دعم يأتى من أوروبا والولايات المتحدة. لهذا تنحصر معارضة الإخوان للإنظمة العربية المناوئه لها،على مطالب ديموقراطية حقوقية، أساسها الإرتهان للإقتصاد الغربى(الليبرالى الحر) ومنظومته السياسية والقيمية، المبنية على شعارات حقوق الإنسان ـ مع تحفظ شكلى إلى بعض السلوكيات الإجتماعية فى الغرب .

 

فى الطريق إلى ميدان القتال :

أخطر الأعمال وأثقل التبعات تقع على عائق المجاهدين، الذين أيسر ما يواجهونه هو الإستشهاد وأسوأ ما يهددهم هو التحول إلى مجرد (بغال تحميل)، وأن تتمكن جهة معادية من السيطرة على عملهم ونتائجة. بل وتستنفر الشباب صوب ميادين تريدهم فيها. وهناك يعملون وفق قواعد حددتها تلك القوى المعادية ، فهى التى تحدد القيادات العليا {قادة الأحزاب والتنظيمات القتالية} وتحصر عمل المجاهدين فى الإشتباك العسكرى المباشر. وتفرض على المجموعات خطة الحرب العليا وميادينها وأولوياتها . وتتحكم فيهم عبرالتسليح والإمداد بالذخائر والمعدات والطعام ووسائل النقل . وتحرص على عدم توحدهم فى عمل مشترك حتى يسهل التحكم فيهم . فتجمعهم فقط فى حالات خاصة ومؤقته عندما تقتضى مصلحتها ذلك. وكثيرا ما تعمل على إشعال الصراعات بينهم ، وتأديب بعضهم ببعض ، وإستخدام بعضهم لمنع البعض الآخر من العمل بشكل صحيح أو مستقل.

 

حدود وظيفة بغال التحميل :

ومن المواصفات الهامة لمنظمات (بغال التحميل) هو الإنخراط فى التكتيك وليس الإستراتيجية. أى الإشتباك القتالى المجرد وليس التخطيط العسكرى الشامل للحرب التى يخوضونها.

2 ـ  ومن أهم مميزاتهم هو الإبتعاد التام عن العمل السياسى المتعلق بالقضية موضع الصراع، وتركه بشكل كامل للراعى الأجنبى أو الجهة المسيطرة أو صاحبة (قطيع البغال المقاتلين). فترك السياسة هو أهم ما يميز (بغال التحميل).

– ويمكن القول أن العمل السياسى هو عملية حصاد لنتائج المعارك، لهذا تستأثر به القوى المهيمنة على القطيع الذى لا يناله سوى واحد أو أكثر من الخيارات التالية :

الصرف بالحسنى ــ القتل ــ الإعتقال ــ المطاردة ــ الإغتيال المعنوى بتشويه السمعة وإلصاق أبشع الإتهامات والأوصاف بمن إنخرطوا فى ذلك القتال، ومعاملتهم حتى نهاية حياتهم معاملة المشبوهين والمشكوك فى إجرامهم . وحشرهم تحت شعار {العائدون من …} .

فأسماء الميادين التى قاتلوا فيها تصبح مدانة ومشبوهة (أفغانستان ـ البوسنة ـ الشيشان …)

فتصدر قوانين تستهدفهم وتستبيح حقوقهم فى الحياة العادية وتبرر البطش بهم .

 

ضمانات لديمومة التضليل :

من أجل أن تضمن القوة المهيمنة ديمومه ظاهرة بغال التحميل فإنها تحرص على التالى :

–  إستبدال الإيمان والوعى الدينى، بالتعصب الأعمى والعنيف. وكلما زاد هياج الفرد والجماعة، كلما كان ذلك دليلا على صحة “المنهج” وقوة الإيمان .

– التجهيل السياسى ، فيما عدا تلقينات سطحية أعدتها القوة المهيمنة نفسها، خاصة ما يتعلق بالقضية موضع الجهاد وكل ما يتعلق بها وبأهدافها . وتقديم صورة حماسية غير صحيحة عن كل ما يتصل بها أو بمن يشارك فيها من أطراف داخلية وخارجية . بحيث يعيش المقاتل (أو بغل التحميل) فى قوقعة مزيفة من الوعى الذى صنعة إعلام القوة المهيمنة خصيصا لتضليل بغال التحميل وحشو أذهانهم بالأوهام والأكاذيب على أنها حقائق. والتغطية على ما يشوب عمل المجاهدين من نقص أو إنحرافات، بل تمجيد ذلك والدفاع عنه.

– التركيز على عبادة الاشخاص ، والمبالغة فى قيمة وقدرات الزعمات المصنوعة، والتى تخدم جهات خارجية معادية. وتحويل التنظيم أو الحزب أو الجماعة إلى صنم يعبد من دون الله وتنصرف إليه وحده عقيدة الولاء والبراء ، والحب والبغض (فى التنظيم وليس فى الله).

 

لبغال التحميل مزارع تربية ومؤسسات إحترافية :

قبل ظهور (بغال التحميل) قتالياً ، كانت مزارع إنتاجهم فكريا وسلوكيا تعمل منذ عقود . هذه التربية الدينية المسطحة والمتعصبة والعنيفة ، كانت هى الوسط الفكرى والإجتماعى الذى تَخَرَّج منه معظم بغال التحميل . وهناك قطاع آخر جاء من بيئات مختلفة بعضها غير متدين ولكنه إلتحق بالقطيع، وتأثر بالموجة السائدة فكريا وسلوكيا .

– ذلك المناخ إصطلح على تسميته (بالسلفية الجهادية) ــ بصرف النظر عن دقة التسمية أو عدم دقتها ــ فإن بصمتها الميدانية كانت مميزة منذ أول ظهور لهم فى أوساط المتطوعين العرب فى حرب أفغانستان ضد السوفييت. ومن تلك “المميزات” .

– النفور من السياسة وإعتبارها إنحرافاً وتلويثاً لروحانيات الجهاد .

– إعتبار القتال فى الإسلام يعنى خطوتين هما : 1 ـ هجوم   2ـ إستشهاد.

ومن الأفضل أن تكون الخطوتان ملتصقتان وفى وقت واحد .

هؤلاء عارضوا التدريب العسكرى والتخطيط للمعارك (إعتبروا ذلك من البدع وأعمال الماسونية!!). ورفضوا مجرد تصور، إستخدام الزمن فى تطوير العمل العسكرى ــ وهو مبدأ هام فى حروب العصابات ــ التى يعملون داخل إطارها. ويعتبرون أن تأخر النصر دليل على كثرة المعاصى . بدون فَهْم أن الإنتصارات التكتيكية موجودة ومستمرة ، وأن الهزائم تحدث أحيانا، وهى وسيلة للتعلم من التجربة . ولكن الحصول على النصر النهائى يحتاج إلى وقت طويل لبناء القوة الذاتية ، وتغيير ميزان القوى لصالح المجاهدين رغم فداحة العجز المادى لديهم .

 فتراهم يتعجلون المعارك الحاسمة فى كل وقت وحين . فكانوا مادة نادرة لتجار الدماء الذين إستخدموا تضحياتهم لرفع قيمة التجار فى أعين الرأى العام الدولى والإسلامى.

 فدماء الإستشهاديين متوفرة على الدوام ، بل أكثر مما هو مطلوب فعليا للمعارك. فأسرف التجار فى إستخدامها، ولكن لإهداف دعائية ، أو فى صراعات داخلية ، أو لمجرد التخلص من عناصر متمردة  تثير الكثير من المشاكل طلبا للشهادة بأى شكل وبأى طريقة .

فأُهْدِرَتْ أهم الطاقات وأكثرها ندرة، بطريقة عشوائية بل وإجرامية أحياناً.

ـ هذا الطراز من “المقاتل الإستشهادى” ذو التفكير البسيط ـ المتعجل فى كل شئ ـ الرافض لأى نوع من الإنضباط إلا فى أضيق الحدود ـ المعادى للتعمق فى فهم أمور الدين كما أمور الدنيا ـ العنيد العصبى العنيف المتقلب. ترى فيه قيادته مجرد “بغل”، ربما كان التخلص منه فى عملية إستشهادية عملاً محبذا.

ـ ذلك النموذج (لبغل التحميل) يعتبر مقاتلاً سيئاً ـ من الأفضل إستبعاده من أى عمل قتالى منظم طويل المدى يتعلق بقضايا مصيرية للأمة.

ومع ذلك فهو يعتبر عُمْلَة مطلوبة بشدة لدى مقاولى الحروب ـ تجار الدماء ـ ليحقق لهم نتائج ميدانية سريعة. فمن السهل تجنيده ـ ومن الأسهل التخلص منه بوسيلة أو بأخرى. وخداعه ممكن دوما بشرط الحديث معه على نفس موجة التفكير الخاصة به ، بالعاطفية غيرالعقلانية المتعصبة المتهيجة المندفعة إلى القتال والشهادة كأقصر وسيلة للوصول إلى الجنة.

– إحتياجات العدو تطلبت توفير هذا النوع من المقاتلين، ضمن تشكيلات قتالية ثابتة أشبه بالشركات ، تتيح مخزونا بشريا من هذا الطراز تحت الطلب فى أى وقت ، لأى ميدان على سطح الأرض . فهو قليل التكلفة مقارنة بالجيوش النظامية ، كما أن نتائجة أفضل فى مجال التدمير الإجتماعى والحروب الأهلية والمذهبية . بحيث أصبح لا غنى عنه فى تلك المجالات .

عَيَّن العدو مديرين لتلك المؤسسات القتالية ، وحدد كوادرها الرئيسية و باقى التفاصيل ليحصلوا فى النهاية على شركة قطاع خاص فى مجال الحروب الأهلية (الإسلامية).

 أشهر تلك الشركات وأبعدها أثرا كانت “شركة داعش” العابرة لقارات .

ويلاحظ أن الإدارة العليا لداعش تقع فى يد أجهزة مخابرات ـ أمريكية (و) أو إسرائيلة ـ حسب منطقة النشاط . فمثلا داعش تعمل فى أفغانستان بإدارة مشتركة أمريكية/ إسرائيلة لأن حرب أفغانستان تدار مناصفة بين جهازى الإستخبارات فى البلدين .

وبشكل مباشر تشرف قيادة أفغانية مركزية على نشاط داعش فى أفغانستان، تتكون حاليا من عنصرين هما{الزعيم الإسلامى الإخوانى الأصولى} جلب الدين حكمتيار . ومعه (حنيف أتمر) وزيرالخارجية حاليا مستشار الأمن القومى سابقا، والجنرال الشيوعى أيام الحكم الشيوعى. وكلاهما( الإخوانى المتطرف والشيوعى المتطرف)، على علاقة وثيقة مع جهازى الإستخبارات سابقي الذكر.

–  وتعتبر داعش حالة مثالية للبحث الذى نحن بصدده. وكيف أنها تحولت إلى مؤسسة إرتزاقية دولية مرتبطة بإستراتيجية الولايات المتحدة . ولأجل تغطية تلك “الخيانة” تبنت داعش مثل باقى(السلفيات القتالية والسياسية) عقيدة شيمون بيريز بالإتحاد مع إسرائيل ضد العدو البديل (إيران والشيعة) .

وخلال عام واحد، وبإشراف تركى ، إنتقلت أفرع هامة من شركات بغال التحميل، برا وجوا وبحرا من سوريا والعراق إلى ليبيا وأفغانستان وغرب أفريقيا. تلك الظاهرة الإرتزاقية هى المساهمة الإسلامية فى سلسلة (الحروب الهجينة)، أى الحروب فائقة التكنولوجيا، متعددة الأدوات من السلاح المتطور إلى الإقتصاد والإعلام ، فى حروب مرتبطة بالصناعة البنكية اليهودية. وللمرتزقة دور محورى فى تلك الحروب تحت مسمى “الشركات المتعاقدة”ـ ونموذجها الدولى الأشهر هى شركة بلاك ووتر الأمريكية ـ وشركات “بن زايد/برنس” العاملة فى أفغانستان ـ  تلك الشركات تعمل فى مهام وتخصصات شتى تمتد من تشغيل الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة ، إلى قتل المدنيين وإغتيال المجاهدين، ونسف المساجد والمناسبات الإجتماعية والدينية .

 

 قيود التمويل :

– وسواء برضاها أو بحكم الأمر الواقع فإن التنظيمات الجهادية أو المعارضة الإسلامية غير المسلحة والتى تحتفظ بأعداد كبيرة نسبيا من الأعضاء ، تكون فى حاجة دوما إلى تمويل، هو عادة سعودى أو خليجي ـ وبأوامر أمريكية وإجازة إسرائيلية. لهذا يرى البعض ـ بغير خطأ كبير ـ أن التيار الإسلامى المسلح، المشهور أحيانا بالسلفية الجهادية أو الوهابية القتالية أوبغال التحميل ــ أيا كان الإصطلاح الذى يركز على جانب معين من جوانب تلك التنظيمات ــ ولكنه يرى أنها فى النهاية تقف فى المعسكر المُعَادى لمصالح المسلمين الحقيقية ـ بل أن ضرباتهم موجهة فى الأساس ضد المسلمين وضد مصالحهم.

لقد إستطاع أعداء الإسلام أن يختطفوا فريضة الجهاد، و يضربوا بها صدور المسلمين.

 

 من تاريخ قيود التمويل :

كان جهاد الأفغان ضد السوفييت تجربة غنية جدا فى كثير من نواحيها. ليس فقط للشعب الأفغانى بل أيضا لتنظيمات العمل الإسلامى العربى ، خاصة المنظمات الجهادية وحتى التجمعات السياسية والدعوية .

فهناك ظهرت أهمية المال فى تقييد العمل الجهادى(والدعوى) والسيطرة عليه لصالح القوى المعادية للإسلام والتى تمتلك المال عادة . وبما أننا بصدد جهاد إسلامى فإن الممول لابد أن يتمتع بالمظهر الإسلامى. والأكثر مهارة فى ذلك هو العنصر الخليجى عامة والسعودى بشكل خاص ، صاحب النفوذ الساحق على الساحة الأفغانية (1980 ـ 1993 ) فإخترق ـ بالدولار النفطى ـ منظمات الجهاد الأفغانى ـ ومنظمات الجهاد العربى آنذاك “ماعدا القاعدة كما سنفصل فى ذلك”. لم يكتف المال السعودى بتمويل ما هو قائم من منظمات (أفغانية وعربية) بل إبتكر تنظيمات جديدة ، وساهم فى تقسيم ما هو قائم منها، وأوقع العداوة فيما بينها ، وحاول إحداث فتنة مذهبية بين الأفغان”أحناف”والعرب”سلفيون”.وفتنة أخرى بين الأفغان (أحناف/شيعة).

وعمل الدولار النفطى السعودى فى شراء الأحزاب الأفغانية الجهادية فى بيشاور، وسحبهم نحو التسوية الدولية لتشكيل حكم مشترك فى كابل يكون قادة تلك الأحزاب ضمن مكوناته . والمال السعودى هو الذى شكل أول حكومة للمجاهدين دخلت كابول برئاسة مجددى ثم ربانى .

وأدوار آخرى كثيرة، فى إدارة الأحزاب الجهادية الأفغانية والجماعات العربية فى أفغانستان. ذلك الدور التخريبى للعنفوان المالى فى الأوساط الإسلامية ورثته قطر. ليس فقط فى المنطقة العربية بل فى أفغانستان بشكل خاص . وتحاول ان يكون لها كلمة الختام فى جهاد الأفغان ضد الإحتلال الأمريكى ، فى إطار تسوية سياسية تكون فيها حركة طالبان ضمن حكومة مشتركة مع عملاء أمريكا فى كابول .

ولكن قطر تواجه فى أفغانستان حاليا مشاكل خطيرة لم يواجه السعوديون مثلها فى الجهاد السابق ضد السوفييت . ولذلك أحاديث أخرى .

– كان رهان السعودية الأكبر وقت السوفييت هو عبد الرسول سياف وحزبه المسمى (الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان) وتراهن قطر على مجموعة محتجزة لديها فى معتقل سياسى تفاوضى “مكتب للتفاوض”!!! . فيهم أكثر من سياف ولكن بكفاءة أقل وإفتقار إلى “كاريزما” سياف وبلاغته ، أو ذكائه وعلمه الشرعى الأزهرى .

 

تأثير التمويل السعودى على قادة العرب فى أفغانستان .

مولت السعودية عدد لا يحصى من المجموعات العربية ـ ومتطوعين غير عرب ـ وأهم الرموز الذين تفيدنا دراسة حالتهم هما /عبدالله عزام / وأسامة بن لادن .

تمويل عبد الله عزام :

فى عام (83) إنتقل عزام من السعودية إلى باكستان ليعمل فى الجامعة الإسلامية فى إسلام آباد وهى جامعه سعودية أيضا . بالتدريج أصبح عزام موضع ثقة كبيرة من المسلمين فى المملكة وخارجها فتلقى مساعدات مالية كبيرة لإيصالها إلى المجاهدين الأفغان فكان يوزعها على الأحزاب حسب رؤيته لفاعليتها وإخلاصها . وكان يفضل الجناح الأخوانى ، الثلاثى الشهير (سياف / حكمتيار/ ربانى ) .

ونتيجة لثقة الحكومة السعودية فيه، تشجع التجار والعلماء والجمهور على منح تبرعاتهم لعزام. وكان التمويل السعودى ـ الشعبى والرسمى ـ هو الأكثر غزارة فى تلك الحرب / بالنيابة عن الخزانة الأمريكية/ وتقدر تلك التكلفة بثلاثة  مليارات دولار(وفى رواية أخرى تسعة مليارات) .

– الملحق العسكرى فى السفارة السعودية كاد أن يكون ركيزة محورية لمكتب الخدمات الذى أسسه عزام عام 1984 مع أسامه بن لادن (كممول رئيسى) ومباركة سياف ، كزعيم شرعى لجهاد أفغانستان ـ حسب تصنيف الإخوان . وظن سياف أن مكتب الخدمات سيكون تابعاً له، ولكن خاب أمله إذ تصرف عزام بإستقلالية أكسبته عداوة الزعماء الأفغان. بعضهم جاهر بها وبعضهم كتمها فى صدره وعبر عنها فى جلساته الخاصة .

لا يُعْرَف أى تمويل رسمى سعودى لنشاط عزام ، وإن كان الهلال الأحمر السعودى وهو مؤسسة رسمية (إستخبارية تحديدا) كانت تمد المكتب بإمدادات إغاثية كبيرة . وليس مستبعدا أن الملحق العسكرى السعودى ، الذى كان ملحقا أيضا بمكتب الخدمات كان يأتى بتبرعات من “فاعلى الخير” فى المملكة. وقد وصفه عزام أمام منتقديه بأنه ( أطهر من ماء السماء)، ولابد أن هناك دليل مالى يبرر ذلك الوصف. كما وصف عزام قادة الأحزاب الأخوانية (الأصولية) بأنهم {أفضل من أنجبتهم الأمة الاسلامية خلال قرون} .

وكان رحمه الله ـ مؤيدا للفتنة بين السنة والشيعة ـ وفى أحد خطبه المسجلة فى بيشاور زف نبأ لجمهور المسجد بأن القبائل السنية قد (فتحت) قرية شيعية فى قتال طائفى على حدود باكستان  مع أفغانستان. وهكذا كانت الأرضية المذهبية والسياسية ممهدة بين عزام والمملكة. وإن كان له مبارزة فقهية شهيرة مع علماء المملكة متهما إياهم بشرك القصور ، فى مقابل إتهامهم للأفغان بشرك القبور.

 

تمويل أسامة بن لادن فى أفغانستان ( 1986 ـ 1992 ) :

كان بن لادن مستقلا تماما فى تمويل تنظيمه الجديد (القاعدة)، معتمدا على ماله الشخصى. وذلك خلال فترة عمله الأولى فى أفغانستان ( 1986 ـ 1992 ). وكان يتمتع بسمعه عالية ، حتى إعتبره شباب المملكة (بطلا إسلاميا). فكان قناة موثوقة لإيصال التبرعات إلى المجاهدين الأفغان . ولم يستخدم درهما واحدا من تلك الأموال فى نفقات القاعدة ـ وقد سمعت منه ذلك عدة مرات ـ وهو صادق تماما فى قوله ـ لهذا كان خلال تلك الفترة الأكثر إستقلالية .

 

الفترة الثانية من عمله فى أفغانستان ( 1996 ـ 2001)، مرحلة التمويل المختلط :

 وكان بن لادن قد فقد معظم أمواله التى فى السودان ، وجمدت السعودية أمواله فى المملكة. فاعتمد على التبرعات لأول مرة فى حياته كلها.

ومع ذلك كانت قوته المعنوية وشعبيته ، سببا لتمتعه بممولين رغم قلتهم وخطورة ما يقومون به فى المملكة التى ناصبته العداء الشديد وسحبت منه الجنسية وجمدت أمواله.

إلا أن إستقلاليته أصبحت نسبية. وأخطر تأثيرات ذلك عليه كان فشله فى الإحتفاظ بالتوجيه الإستراتيجى الذى أصدره (فى بيان أكتوبر1996) بعد أشهر قليلة من عودته إلى أفغانستان مُبْعَداً من السودان. كان البيان يدور حول{طرد المشركين من جزيرة العرب} وفيه أعلن الجهاد على الولايات المتحدة من أجل تحقيق ذلك الهدف. ثم أدخل توسعا فى الهدف بإصدار بيان لاحق حول تحرير المقدسات الإسلامية كلها ، فى (مكة والمدينة والقدس).

فأعلنت المملكة الإستنفار ، واعتبرت بن لادن خطرا داهما. والكثير من العلماء وطلاب العلم إستنكروا أن تصبح المملكة ميدانا “للإرهاب” ــ أى الجهاد ضد الأمريكيين ــ وكان العلماء وطلاب العلم أهم المجموعات التى يَحْسِبْ لها بن لادن ألف حساب .

وخشى أن تحاربة تلك الفئة داخل المملكة، أو يصدرون ضده فتاوى تخرجه من الدين أو تسئ إلى سمعته . فأصدر توضيحات أن جهاده فى المملكة لن يطال الشرطة أو الجيش . ودعا أتباعه هناك بالإستسلام للجهات الأمنية إذا حدثت معهم مواجهة مسلحة .

 بدأت مجموعات من الشباب فى العمل المسلح داخل المملكة. لم تستغرق طويلا حتى قضى عليهم الأمن . وكثير من العمليات كان يفتعلها الأمن لأغراض دعائية ضد القاعدة وبن لادن ، ولتبرير عمليات الإعتقال والتنكيل .

أضطر بن لادن إلى التوجه بجهاده إلى خارج المملكة ، لضرب الأهداف الأمريكية حول العالم فابتدأ بعمليات أفريقيا ضد سفارتين لأمريكا فى كينيا وتنزانيا.

ثم عملية تفجير ضد السفينة العسكرية (إس إس كول) التى كادت أن تغرق فى ميناء عدن. والعملية الثالثة كانت (غزوة منهاتن) الشهيرة ضد أبراج مركزالتجارة العالمى .

– الشاهد هنا هو أن قدرة منابع التمويل على ممارسة ضغط على (التنظيم الجهادى) قد تصل إلى إجباره على تعديل هدفه الإستراتيجى ، أو تطبيقه بعيدا عن مكانه المفترض فيفقد تأثيره المطلوب ، فيتحول إلى عمل إستعراضى ، بلا نتائج على أرض الصراع . وفى الحقيقة فإن”غزوة منهاتن” كان تأثيرها سلبيا على العمل الجهادى والإسلامى داخل المملكة وخارجها .

–  وخلال فترة وجوده الثانية فى أفغانستان ـ خلال حكم الإمارة الإسلامية ـ فشل بن لادن فى إقناع العلماء (الإصلاحيين) الذين إعتقلتهم المملكة بأن يأتوا إلى أفغانستان حيث الحكم الإسلامى والشريعة الإسلامية ـ لكنهم رفضوا العرض وأعرب بعضهم عن تفضيله دخول السجن فى المملكة عن القدوم إلى أفغانستان .

ربما كان ذلك حباً فى المملكة و”نظامها الإسلامى” ، أو إعتراضاً على “عقائد” الأفغان، كما واظبوا على قول ذلك أثناء فترة الجهاد ضد السوفييت .

– الشاهد هنا أيضا أن علماء المملكة الذين أسبغوا فى السابق الشرعية على بن لادن وجهاده، سحبوا ذلك التأييد وأرغموه على الإبتعاد بجهاده عن المملكة للمحافظة على أمنها وسلامتها . بينما لم ينجح بن لادن ـ كمتلقى للمعونة المالية والشرعية ـ أن يقنع العلماء وطَلَبَتَهُم أن يأتوا إلى الإمارة الإسلامية فى أفغانستان للمساهمة فى بنائها والدفاع عنها .

أكدت تلك التجربة أن الجهاد يتبع التمويل ، وليس العكس كما هو مأمور به شرعاً بالقرآن والسنة .

–  أنتج التمويل الشخصى فى تنظيم القاعدة ، قيادة فردية بحته ، رغم وجود عنصر المشورة لمجرد إستعراض الأفكار. فكان صاحب المال / هو صاحب التنظيم / هو صاحب القرار.

 كان فى ذلك خصخصة لفريضة الجهاد وتحويلة من فريضة تقوم بها وتمولها الأُمَّة ، إلى نشاط يموله فرد. وقتها حذَّرْتُ من العواقب المستقبلية لذلك التوجه.

 

فى المرحلة الثالثة والأخيرة (2001 ــ 2011 ) :

تلك المرحلة من قيادة بن لادن لتنظيم القاعدة تمتد منذ خروجه من أفغانستان أثناء الحرب الأمريكية عليها (2001) وحتى تاريخ إختفائه ـ أو إغتياله ـ عام (2011). وهى مرحلة التمويل العشوائى للتنظيم.

 ونعيد ترتيب المراحل التمويلية للقاعدة فنقول :

1 ـ (1987ـ 1995) مرحلة إستقلالية كاملة وتمويل شخصى للتنظيم.

2 ـ (1996ـ2001 ) مرحلة شراكة محدوده فى التمويل ، أفسحت مجالاً لتأثير مشايخ السعودية وطلاب العلم فى القرارالإستراتيجى للتنظيم، بالإبتعاد عن المملكة فى صدامه مع الولايات المتحدة . أى الجهاد لأجل إخراج المشركين من جزيرة العرب ولكن من خارج جزيرة العرب، ومن خارج السعودية تحديدا.

3 ـ (2001 ـ 2011) مرحلة التمويل العشوائى. وهى المرحلة الأسوأ فى تاريخ التنظيم. حيث فقد قدرته على التمويل الذاتى الذى كان يعتمد على شخص بن لادن ، كما فقد السيطرة على مساره، وصار تابعا لإستراتيجات العمل التى وجدها جاهزة وفاعلة فى الميادين التى ذهب إليها ، تابعاً وليس قائداً، مثل العراق ثم سوريا وبعدها اليمن . فأرسى التنظيم لنفسه مبدأ “المشاركة القتالية فى مقابل التمويل”. وهو المسار الأسوأ لأى مجاهد. لهذا تغاضى التنظيم عن إنحرافات خطيرة فى تركيبتة التنظيمية المحلية ، ومسار عمله الجهادى فى تلك المناطق . وقد إعترض التنظيم المركزى على بعضها ولكن (بعد خراب مالطا) كما يقول المثل.

ولأن إسم القاعدة فى ذلك الوقت كان هو الأعلى والأهم بين كل التنظيمات السلفية الجهادية ، وكانت القيادات الشبابية الجديدة فى تلك الميادين لا تمتلك شهرة القاعدة ولا جاذبيتها ، فقد إختارت تلك القيادات المحلية الإعلان إنضمامها للقاعدة ـ لإستخدام إسم القاعدة وشهرتها . ودعمتهم القاعدة بمدربين وكوادر عسكرية خدمت سابقا فى أفغانستان . فوصلت القاعدة إلى مصادر تمويلية جديدة كانت تدعم الجماعات القتالية فى العراق وسوريا واليمن . فمنحها ذلك إمكانية الإستمرار والبقاء على مسرح الأحداث .

بعض أفرع القاعدة فى الميادين البعيدة ـ خارج المنطقة العربية ـ تمكنت فى الوصول المستقل إلى منابع التمويل السعودى والخليجى ، أو تمكنت تلك المصادر من الوصول إليها والعمل المباشر معها من خلف ظهر التنظيم الأم الذى إزداد تفككا وضياعاً، وفقد القدرة على تحديد إتجاهه أو الهدف من وجوده . وعانى من مشكلة قيادة بعد إختفاء بن لادن. الذى ظل مكانه فوق قمة التنظيم شاغراً. فالتنظيم شأن باقى التنظيمات العربية كان تنظيم الرجل الواحد والقائد التاريخي ـ الذى من بعده يأتى الفراغ أو التيه والضياع . هكذا هى”القاعدة” بعد أن فقدت بن لادن، ومن قبلها الإخوان المسلمين بعد فقدهم حسن البنا، فلا يعود التنظيم إلى ما كان عليه أبدا.

 

الإخوان المسلمون ، وقيود التمويل :

– فى عهد مؤسسها الشيخ حسن البنا إعتمدت الحركة بشكل كامل تقريبا على التبرعات الشعبية من جمهور الحركة ومؤيديها من الطبقات الشعبية والتجار وأصحاب الملكيات الزراعية . وقد أمَدَّتْ الحركة التحركات الشعبية الفلسطينية بالأموال. وأحيانا بكميات قليلة من الأسلحة قبل حرب 1948.

وأرسلت الحركة أفضل من قاتلوا فى تلك الحرب، وتكفلت بمعظم نفقاتهم. وتكفل الجيش المصرى بتسليحهم وألحقهم بتشكيلاته المحاربة فى فلسطين. ومع نهايات الحرب تم إعتقال مجاهدى الإخوان وهم على أرض فلسطين ، داخل وحداتهم العسكرية فى الجيش المصرى. ولم يلبث أن أغْتيل حسن البنا. وما زالت الحركة تعانى من تلك الخيانة المريرة حتى الآن.

– فى تجارب سوريا واليمن وأفغانستان . كان دور الجماعة الدولية هو دور السمسار ومقاول الأنفار ، وجهاز الدعاية المساعد ، وماكينة الدعم الشرعى لمشاريع أمريكا فى المنطقة العربية والإسلامية . فاستفادت الحركة مالياً وسياسياً وأصبحت رقما لا غنى عنه فى ذلك المجال الذى تنتعش أعماله باستمرار.

ذلك الدور هو تصريح بقاء للجماعة ، فالأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة مازالت فى حاجة إلى الدور الإسلامى للإخوان ، جهاديا ودعويا وفى مجال الثورات الملونة (للربيع العربى) .

ويمكن إستنتاج أن جماعة الإخوان تؤدى دورها، بمنطق إقتصادى تجارى، فى بورصة جهادية ذات عائد مالى وسياسى جيد.

 ليس لجماعة الإخوان قوة قتالية خاصة بها ، لكونها مجرد سمسار قتالى . ولكن وزنها السياسى المكتسب من ذلك الدورجعلها عنصراً يحسب حسابه . مع أنها تواجه تحديا خطيراً من”داعش” التى هى أكبر جهاز قتالى إرتزاقى دولى يحمل شعارا إسلاميا.

ولكن ذلك التحدى محصور فى المجال العسكرى فقط لأن داعش مجرد صفر سياسى .

فالإخوان يجاهدون بلا مقاتلين، وداعش تقاتل بلا سياسيين. وبصياغة أخرى: الإخوان يحاربون بمقاتلى غيرهم ، وداعش تديرها قيادات سياسية من خارجها. أما إستثمار داعش سياسياً فتقوم به عدد من الأيدى “الإسلامية”التى تمولها. وعلى رأسهم تركيا والسعودية والإمارات وقطر وباكستان وأفغانستان. فكل جهة من تلك الجهات تمتلك قدراً من التوجيه على الدواعش الخاضعين لها .

 

قريبا فى موقع مافا السياسى

ــ الجزء الثالث ــ

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

16-06-2020

 




مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الأول )

 

فريضة الجهاد هى (ذروة سنام الإسلام )، لأنها تمثل وسيلة الدفاع الجماعى الذى تمارسه الأمة دفاعاً عن نفسها وعن حقوقها الدينية والمادية وحفاظا على حريتها ، ضد أى عدوان خارجى ، وضد أى إنحراف داخلى بممارسة ظلم شديد وإضهاد. إن القتال فى سبيل الله يشمل القتال لأجل حقوق المستضعفين كافة :{ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴿٧٥﴾ } – النساء.

– فأجتهد الطغاة من داخل الأمة وخارجها ، لطمس فريضة الجهاد ـ أو تضليلها لتأخذ غير مسارها الشرعى الصحيح . فاجتهدوا لمنعها تماما بشتى الذرائع . مثل أنها من أعمال العنف والإرهاب ـ مستفيدين فى ذلك من إنشاء جماعات إجرامية متهوسة يستخدمونها فى أعمال بشعة ينسبونها إلى الجهاد ، وذلك لتنفير الناس / مسلمين وغير مسلمين/ من الجهاد بل من الإسلام ذاته . ثم تشريع قوانين تجرم فعل الجهاد ، وينبرى مشايخ السلطة وعلماء السؤ لإطلاق فتاوى تطال الأصول الشرعية للجهاد وتبطله . وتمجد الظلم والظالمين سواء كانوا من الداخل أو من الخارج .

– بعد قرون متوالية من تجاهل الإسلام ، نسى الناس حقيقيته ، فهجروا الكثير من تكاليفه وأهمها الجهاد . والحكام إستخدموا ـ إسم الجهاد ـ لتوسيع سلطانهم على رعاياهم أو خارج الحدود ، إلى أراضى الجيران ـ حتى لو كانوا مسلمين أيضا.

– حرب فلسطين عام 1948 أوضحت شيئا عن مفهوم الجهاد ، وبدأت فى إيقاظ المشاعر الإسلامية الكامنة . لم تستمر الحرب طويلا، وسرعان ما خمدت ، ليظهر أنها كانت جزء من مسرحية لنقل ملكية فلسطين إلى اليهود كجزء من صفقة عالمية. وكان المجاهدون جزء من تمثيلة الحرب ، وضحية بريئة تخيَّلَت أن ما يحدث جهادا وليس مؤامرة على دينها ومقدساتها وبلادها .

– جاءت حرب أفغانستان ضد السوفييت واستمرت سنوات متتابعة وبعنف كبير، وسقط فيها آلاف الشهداء وكان العنصر الدينى فيها بارزا بل وحاسما . ومشاركة غير الأفغان كانت مشهودة وواضحة فأعطت للجهادة بعده كشعيرة تؤديها الأمة . وكانت المؤامرة على ذلك الجهاد واضحة . ولمس الشباب المجاهد أن ما يجرى هو أخطر وأعقد بكثير مما تخيلوه . وكانوا يفتقدون إلى الخبرة وإلى القيادة وإلى التنظيم . فابتلعتهم شباك العدو، وكانت قياداتهم غير مؤهلة لهذا الدور الذى تورطت فيه بالصدفة. وتأهيل الشباب وقادتهم، الفقهى والسياسى، لم يكن يمكنهم من أداء أكثر مما قاموا به بالفعل ــ أى بغال تحميل ــ تجاهد بكل حسن نية ولكن على غير بصيرة . فابتلعهم صراع دولى جبار لا يرحم، ولا يعطف على المغفلين بل يعتصرهم حتى آخر نقطة دم ، ثم يلفظهم إلى المقابر أو المعتقلات .

فيما يلى جزء من مقدمة كتاب ( 15 طلقة فى سبيل الله) عن تجربة العرب فى أفغانستان. أجعله منه مقدمة لما شرعت فى كتابته عن موضوعنا : (مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح)) :

كانت أفغانستان هي الحدث الأول على الساحة الدولية ـ وبالتالي الساحة الإسلامية ـ     وقرر الغرب بزعامة أمريكا أن يلعب بالورقة الإسلامية لإحراج منافسه السوفييتي . وأعطيت الأضواء الخضراء كي تنطلق أكبر حملة مساندة في العالم الإسلامي خلال هذا القرن لنصرة ـ الجهاد الأفغاني ـ بالأموال ، بدماء الشباب ، بالإعلام . وصارت أفغانستان قضية المسلمين الأولى .

وما أن أتم السوفييت إنسحابهم من أفغانستان ثم سقط النظام الشيوعي في كابل بعد ذلك بثلاث سنوات  تقريبا ، حتى إنقلبت الصورة رأسا على عقب وتبدلت المواقف والتحالفات . تحول الأعداء إلى أصدقاء ، والأصدقاء إلى أعداء ، وتحول المجاهد مجرماً مطارداً ، والمجرمون أصبحوا زعماء مسيطرين وزالت الإيديولوجيات وعم السلام تحت راية القطب الأوحد ولم  يتبق للعالم أجمع إلا عدو واحد هو  (الأصولية الإسلامية) !!. وجاءنا نظام (دولي جديد) يدافع عن حقوق الإنسان وحرية التجارة وينشر الديموقراطية، ولا يرى غير الإسلام عدوا لدودا يهدد طريقته المثلى, و يظهر في الأرض الفساد . أعلن ذلك النظام البشع عن ميلاده على أرض جزيرة العرب عندما وطأتها أرجل الجيوش النصرانية واليهودية ، في الحرب التي أسموها حرب تحرير الكويت. النصر الذي تحقق على أرض أفغانستان ضد الجيش الأحمر السوفييتي أدى إلى هيمنة أمريكية مطلقة  على العالم .

أما على الجانب الإسلامي فقد تحول إلى كارثة إسلامية شاملة ، في صورة حرب صليبية دولية ضد الإسلام  كان أول من دفع ثمنها هو الشعب الأفغاني نفسه الذي أوقدوا على أرضه حربا حزبية قومية تدمر أول ما تدمر آثار الجهاد بل آثار الإسلام في تلك البلاد ، التي شهدت أكبر نصر عسكري للمسلمين منذ عدة قرون . وأول من دفع ثمن النصر الإسلامي في أفغانستان ، هم هؤلاء المتطوعون العرب الذين نالوا النصيب الأوفى من الإضطهاد والملاحقة وتشويه السمعة ، سواء من الغرب أومن الحكومات الإسلامية, خاصة في باكستان, أو الحكومة الإسلامية في أفغانستان نفسها. وتلك أعظم المفارقات وأكثرها إيلاما.

ورغم تفوق تكنولوجيا السلاح في الغرب ، إلا أن حملاته الإعلامية أشد فعالية وتأثيرا من حملاته العسكرية . ومن الواضح أن المال  والإعلام هما السلاحان الرئيسيان في يد اليهود للسيطرة على الغرب ومن ثم العالم بأجمعه.  وقد تسلطت الآلة الإعلامية الدولية على رأس المتطوعين العرب في أفغانستان ، حتى صاروا أشد  فئات المجرمين الدوليين خطورة في نظر العامة وليس فقط الحكومات. لقد تشتت ذلك التجمع النادر المثال ولوحق  في أصقاع الأرض ، ومن تبقى حتى الآن في أفغانستان ـ لا يتعدى عدة عشرات ـ يعيش على خوف وتوجس من بوادر إنقلاب إفغانى ضدهم بتحريض أمريكي/ إسلامي  !!! ذلك المجهود الإعلامي الدولي ، والذي ساهم في جعل أفغانستان قضية العالم الأولى لأكثر من عشر سنوات ، أعمل معاول الهدم في الشعب الأفغاني نفسه وشوه صورته عالميا .

وهكذا فإن من  ساهموا في صنع ذلك النصر التاريخي الفريد على أرض أفغانستان قد تحولوا جميعا إلى مجرمين منبوذين على مستوى العالم أجمع  ـ يستوي في ذلك العرب والأفغان ـ بينما فازت أمريكا بصدارة العالم بلا منازع  وإلى حين إشعار آخر .

مصطفى حامد

معسكر الفاروق خوست

الأحد 7 أغسطس 1994م  

 

 

بين أفغانستان وفلسطين مع الشيخ عبدالله عزام .

وتستمر الصفحات الأولى من الكتاب المذكور على النحو التالى :

في البداية كنت أنظر حولي وأشعر بغصة ألا أجد أحدا من أبناء جيلي.  لذلك شعرت بالفرح عندما قابلت الشيخ عبد الله عزام لأول مرة في بيشاور في سبتمبر 1984م كان من نفس الجيل وإن كان أكبر مني بثلاث سنوات ، يومها شعرت أنني لست وحيدا . ولكن لسوء الحظ ، فإن اختلاف رؤيتنا للأحداث ومواقفنا منها أدى لأن تكون علاقتي معه فاترة ومتحفظة وإن سادها الإحترام المتبادل. هناك خيط مشترك يربط أبناء الجيل الواحد مع بعضهم البعض بسبب معايشتهم لنفس الظروف والأحداث . لهذا كان هناك قدرا مشتركا ـ لا بأس به ـ بيني وبين الشيخ عبد الله عزام تجاه قضية أفغانستان والموقف منها بشكل عام . وكان أكبر نقاط التنافر بين مواقفنا هو تقييم قادة الأحزاب الأفغانية ودورهم في القضية . فبينما مضى هو إلى أقصى حد في تمجيدهم خاصة الثلاثي: سياف ،حكمتيار،رباني، ذهبت أنا إلى الطرف المناقض تماماً .

–  كنت متفقا مع الشيخ عبد الله على أن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة أمام الأمة الإسلامية للدفاع عن دينها ومصالحها في مواجهة القوى المتكالبة عليها، وأن المعركة الرئيسية للمسلمين هي معركتهم مع اليهود والصليبية المتحالفة معهم .

وأن أفغانستان هي فرصة نادرة لمسيرة الجهاد التي ينبغي أن تستمر وتتصاعد وأن تكون أفغانستان هي المدرسة الكبرى للممارسة العملية على نطاق الأمة .

 

جيلنا كان وافر الحظ مع الحروب، فقد جاء جيلنا إلى الحياة مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وقبل أن يدرك ما حوله نشبت حرب 1948م بين اليهود والعرب وضاعت معظم فلسطين وظهرت إسرائيل كأبشع حقيقة سياسية في حياة العرب المعاصرين.

تلتها سلسلة من الإنقلابات في العالم العربي كرست عملية الإنتقال من التبعية للإستعمار البريطاني والفرنسي إلى التبعية الجديدة للإمبريالية الأمريكية. ثم حرب 1956م بين مصر من جانب وإسرائيل مدعومة بفرنسا وبريطانيا من جانب آخر . وفي عام 1967 كانت أبشع الهزائم العربية في التاريخ الحديث أمام إسرائيل وضاعت بقية فلسطين مع مساحات شاسعة من الأراضي المصرية والسورية .

وفي عام 1973م كانت حرب (التحريك) بين مصر وسورية من جانب وإسرائيل من الجانب الآخر وفعلا تحركت المنطقة نحو مسيرة طويلة  للتسوية السلمية مع إسرائيل لتنتهي بها إلى إستسلام كامل للهيمنة الإسرائيلية على كامل المنطقة العربية مع إعتراف بالقطب الأمريكي المسيطر الأوحد على الساحة الدولية. وفي أبريل 1978م كان الإنقلاب الشيوعي في أفغانستان تلاه الغزو السوفييتي في ديسمبر 1979م ، وبدأ نجم الجهاد في أفغانستان يبزغ على إستحياء حتى تلقفته الدوامة الدولية. ولمدة عشر سنوات كان الجهاد والمجاهدون في أفغانستان هم حديث الساعة عالمياً.

بدا لنا أن الفرصة سانحة وأن الراية التى رفعت فى جبال أفغانستان ينبغى أن تظل خفاقة حتى النصر وأن تواصل المسير فى الآفاق حتى تعود للمسلمين دولتهم وعزتهم.   هكذا كنا نحلم -وفي هذا الإتجاه حاولنا أن نعمل – أما النتائج فكانت شيئا آخراً .

كانت هناك عدة فروق بين الحرب في أفغانستان والحروب التي شهدتها المنطقة العربية مع إسرائيل . وهي فروق أدهشت الشعوب العربية وجعلت الإسلاميين فيها ينجذبون إليها . ـ لقد قام الأفغان ضد حكومة شيوعية مدعومة بقوة عظمى ومع ذلك لم يستسلموا بل تصاعدت مقاومتهم .

ـ رفع الأفغان شعار الجهاد فأجج ذلك مقاومتهم وأكسبهم تعاطف المسلمين في كل مكان . ولما كان جيلنا قد أدرك متأخرا أن الحروب العربية ـ الإسرائيلية إنما هي حروب من جانب واحد تواطأت فيها الحكومات العربية ـ التي لا تتولى السلطة إلا بموافقة ومساعدة القوى الغربية ـ وذلك لفرض الهزيمة على الشعوب العربية وتكريس سيادة إسرائيل على المنطقة .

لهذا صار لزاما على هذه الحكومات أيضا أن تعمل ضد الإسلام نفسه ، وتعمل على إضعافه أو إقتلاعه من المنطقة حتى يسهل إستقرار وسيطرة اليهود عليها . رغم صغر حجم إسرائيل وقلة سكانها من اليهود إلا أنها استطاعت أن تفرض إرادتها على دول المنطقة . وجيوشنا كانت سريعا ما تنهزم وتفر أمامهم في ميادين القتال وإذا قاتلت فلأيام معدودة يبدأ بعدها سيل من الإتفاقات وعهود السلام . والشعوب ضعفت عقيدتها وانهارت معنوياتها وأصبحت تقبل بأي شيء في مقابل إستمرارها في حياتها المهينة . ثم جاءت أفغانستان لتقدم صورة مناقضة تماما لتلك الصورة العربية الكئيبة . في أفغانستان شعب خشن ذو عزيمة وتصميم يقاتل لأجل الإسلام ، ويتحمل أهوالا  تعجز الجبال عن تحملها والأعجب أنه يحقق إنتصارات ضد أقوى جيوش الأرض : الجيش السوفييتي .

إنه الصورة المناقضة لحالنا ، والحلم الذي يراود المسلمين يتحقق أخيرا . لقد تخيلنا أن الأمل بدأ يتحقق ، ومن أفغانستان سوف تخرج جيوش الفتح الإسلامي.

لهذا جئت إلى أفغانستان ، وجاء غيري مئات وآلاف من الشباب ، لتبدأ ملحمة العرب في أفغانستان ، كواحدة من أغنى تجاربنا الإسلامية الحديثة.

عندما نشبت حرب فلسطين عام 1948 كان الجهاد مازال حيا في الذاكرة الشعبية للعرب ، وتبنته جزئيا وسائل الإعلام العربية في ذلك الوقت من خلال الأغاني والأناشيد الحماسية . وضع الإنجليز مخطط حرب فلسطين ، بهدف إخراج الهزيمة بشكل مسرحي ـ تشارك فيه  (حكومات الردة الوطنية) عن عمد ـ بهدف تحطيم معنويات الشعوب ودفعها تدريجيا للإستسلام لليهودية الدولية. وأعطى هذا المخطط ثمارا يانعة في السبعينات وحتى الإستسلام الكامل لليهود في التسعينات من هذا القرن .

لقد كانت حرب فلسطين عام 1948م تجربة غنية للعمل الإسلامي مليئة بالدروس والعبر. ولكن للأسف عندما خاض المسلمون في التجربة الأفغانية لم يستفيدوا من تلك الدروس  وكرروا الأخطاء ـ بل زادوا عليها ـ ثم تعرضوا لنفس النكسات والضربات الأليمة و بالطريقة نفسها تقريبا مع تحويرات تتناسب والتغيرات في الزمان والمكان والملابسات المحيطة .

لقد كانت بريطانيا هي القوة المهيمنة على كل الحكومات العربية والمحتلة لأكثر الدول العربية المحيطة بفلسطين ، ونفذت بريطانيا مخططها في فلسطين وفي الحرب الفلسطينية عام 1948م عبر الحكومات العربية التي دخلت الحرب بسبعة جيوش. وفي الحالة الأفغانية كانت أمريكا منذ عام 1981م هي القوة المهيمنة على الحرب الأفغانية , وتحركت مع مجموعة من الحكومات  خاصة الحكومة السعودية  والباكستانية. وكانت أدواتها على الساحة الأفغانية هي الأحزاب الأفغانية المسماة بالمنظمات الجهادية وعددها سبعة منظمات، وهو نفس عدد الجيوش التي دخلت حرب فلسطين تحت إمرة الجنرال جلوب باشا الإنجليزي.

وقد تحكمت المخابرات الأمريكية إلى درجة كبيرة بالعمل  القتالي في أفغانستان بواسطة جهاز المخابرات الباكستاني (ISI) والذى أنشأه ضياء الحق عام 1979م بهدف التدخل في أفغانستان التى تحولت إلى الشيوعية. في الحالتين دخلنا الحرب بقيادة جنرالات كفرة أو (أشباه مسلمين).

ومع هذا لم تستطيع الولايات المتحده أن تحكم سيطرتها على جهاد الشعب الأفغانى بنفس القدر الذى أحكمت به بريطانيا سيطرتها على الجيوش العربيه فى فلسطين. فالجيوش العربية الضعيفة التجهيز والمعنويات، والشعوب العربية المقهورة بحكومات مستبدة والبعيدة عن دينها، كان من السهل، ومازال، إيقاع الهزيمة بها وإرغامها على تجرعها حتى الثمالة، ثم القبول بالأمر الواقع. أما الشعب الأفغانى ذو الطبيعة القتالية، والتركيب القبلى، والمتمرس على القتال والمتعصب لدينه، فكان التحكم به صعبا، لذلك إستطاعت القوى الإسلامية المخلصة في أفغانستان رغم التعب الذي أصابها ، أن توقع الهزيمة بالسوفييت ثم أسقطت النظام الشيوعي في كابل.

كل ذلك رغماعن كل المحاولات الأمريكية للخروج بنتيجة لا غالب ولا مغلوب ثم تشكيل     حكومة علمانية تقود البلاد تحت نفوذ أمريكي سوفيتي مشترك . ـ كانت حرب فلسطين في حقيقتها هي (دعوة إلى وليمة الهزيمة).

بريطانيا هي صاحبة الدعوة والجيوش العربية السبعة هم ضيوف الشرف . فما هو دور المتطوعين المسلمين ؟ … ولماذا سمحت لهم بريطانيا بالمشاركة ؟

أولا : سمحت بريطانيا للإخوان المسلمين بالمشاركة العسكرية في فلسطين حتى يصبحوا شركاء في الهزيمة المنتظرة فلا يكون لهم فضل على الأنظمة ولا يزايدون عليها بإسم الإسلام .

ثانيا : إستطلاع عمق الشعور الجهادي داخل الجماعة وفي صفوف الشعوب العربية .

ثالثا : كشف العناصر الناشطة إسلاميا والفاعلة جهاديا وتقديمها إلى صفوف القتال للقضاء عليها . وقد كان المجاهدون من صفوف الإخوان يكلفون بأخطر المهام القتالية في ميدان القتال . ويعلم الإنجليز بخبرتهم العسكرية أن الإخوان كقوات فدائية سوف يصابون بأعلى الخسائر في لأرواح.وكان ذلك هو المطلوب .

رابعا : بعد إشراكهم في الهزيمة وتقديمهم قرابين بشرية لنيران اليهود ، تتكفل أجهزة الأمن المصرية ـ وغيرها ـ بتصفية الباقين في المعتقلات وعلى أعواد المشانق .فقبل قليل من إنتهاء الحرب صدرت الأوامر للجيش المصري بنزع سلاح كتائب الإخوان المسلمين.

فقام ضباط الجيش المصري بنزع سلاح زملائهم من وحدات الفدائيين المسلمين ، الذين قاتلوا إلى جانبهم وأنقذوهم من عشرات المآزق القاتلة ومن الهلاك في حصار الفالوجا وغيرها .

ثم وضع ضباط الجيش المصري زملائهم من كتائب الإخوان المسلمين في سجون الوحدات العسكرية حتى إستلمتهم السلطات المصرية ووضعتهم في معتقلات نائية بدون أن تسمح لهم حتى بالعودة إلى الوطن لزيارة عائلاتهم . أي من الجبهة إلى المعتقلات .

والغريب أن هؤلاء المتطوعين في فلسطين قد إستمر إعتقالهم وإضطهادهم حتى جاء الإنقلاب العسكري عام 1952م. (ثورة يوليو) فلفقت لهم القضايا وتم إعدام عدد منهم واعتقال آخرين تحت ظروف التعذيب الوحشي حتى قتلوا. ولم ينج منهم إلا أفراد قلائل فروا من  مصر قبل إعتقالات عام 1954م, ولم يتمكنوا من العودة إليها مرة أخرى رغم مرورعشرات السنين على حرب فلسطين. أما عناصر الإخوان الذين لم يشاركوا في القتال فقد سمح لهم السادات في بداية عهده بالعودة إلى مصر في إطار معين للحصول على لقب الرئيس المؤمن. وكان ذلك نصف الطريق المرسوم له من الغرب ، أما النصف الآخر فقد أنجزه بعد حرب أكتوبر 1973 م بحصوله على لقب بطل الحرب والسلام . عندئذ صار الطريق مفتوحاً أمامه لتوقيع إتفاقية الإستسلام مع إسرائيل بصفته الكاملة وهي: “الزعيم المؤمن بطل الحرب والسلام” .

أي أنه في حالتي الحرب 1948 والسلام 1977م كان الإسلاميون عرضة للإستغلال من جانب الغرب، وحكومات العلمانية الوطنية، في تنفيذ مخططاتهم ضد الإسلام في المنطقة العربية.

هذا ما حدث مع الإسلاميين في قضية فلسطين فماذا حدث معهم في قضية أفغانستان؟؟.

 

إن التشابه كان مدهشا بين الحالتين:       

لقد بدأ تسرب المجاهدين العرب إلى أفغانستان ، وكان هناك في البداية تضييقا على حركتهم نحو الحدود الأفغانية. وكان حكم الجنرال ضياء الحق في باكستان لا يرغب في تصعيد إجراءات منع العرب من النفاذ إلى أفغانستان من أجل الجهاد وذلك لأسباب داخلية كثيرة ، ولتحالفه في ذلك الوقت مع التيار الإسلامي في باكستان لمواجهة المد الشيوعي والعلماني المتحالف مع الهند وموسكو من أجل إسقاط نظام حكمه .

وقررت أمريكا مع زيادة تورطها في القضية الأفغانية أن تلعب بالورقة الإسلامية في مواجهة موسكو لإحراجها في كل العالم الإسلامي . وللإستفادة من دماء المسلمين المبذولة بسخاء في ميادين الجهاد وأموالهم المتدفقة لمساعدة المجاهدين كي تخوض أمريكا حلقة في إطار الحرب الباردة لا تكلفها شيئا تقريبا.

وقررت أمريكا أن تقوم الخزينة السعودية بتمويل الحرب في أفغانستان ، أما الدماء في المعارك فسوف يتسابق المجاهدون العرب والأفغان لبذلها في سبيل الله . أما أمريكا فدورها  التوجيه والتخطيط ثم جني الثمار ـ وحدها فقط ـ وإن إستدعى ذلك قتل شركائها. فقتلوا ضياءالحق ثم تميم العدناني ثم عبد الله عزام ثم دمروا التواجد الجهادي العربي في باكستان وأفغانستان بحملات بوليسية وإعلامية مركزة  .

 

والإشتراطات الأربعة التي وضعتها بريطانيا لمشاركة المجاهدين العرب في حرب فلسطين كانت هي نفسها الإشتراطات التي وضعتها أمريكا لاشتراك المجاهدين العرب في أفغانستان . ولنستعرضها مرة أخرى في الحالة  الأفغانية :

 

أولا :

تصورت أمريكا أن دعوة المتطوعين العرب للجهاد في أفغانستان هي دعوة على مائدة الهزيمة. لأن خيوط القيادة والتوجيه تنتهي إلى اليد الأمريكية والقرار الأمريكي ، ولأن اللاعبين الرئيسيين هم من الأتباع المخلصين إما لأمريكا مباشرة:  باكستان و السعودية ثم مصر.  أو أتباع مخلصون لأتباع آخرين مخلصين  مثل قادة المنظمات الجهادية الأفغانية , وكلهم تابع لهيئة الإستخبارات الباكستانية (آي،إس،آي). ويتلقى أوامره اليومية ومساعداته من أموال وأسلحة من أيدي موظفي الحكومة الباكستانية.

 ثانيا:

أرادت أمريكا أن تسبر غور التيار الإسلامي في المنطقة العربية بعد سنوات من الإنفراج النسبي في العلاقة معه ، وأن تكتشف عمق المشاعر الجهادية والناشطين جهاديا باعتبارهم أول خصومها في المنطقة وأكبر المخاطر على إسرائيل ومشروعها الشامل للسيطرة.

ثالثا :

أن القتال في أفغانستان لن يكون نزهة على أية حال ، والمتطوعون العرب المملوءون حماساً وغير المدربين وغير المنظمين لن يكونوا سوى فريسة سهلة للنيران السوفييتية. وهذه  أرخص السبل وأسرعها للقضاء عليهم قضاء إختيارياً لا يحرج أحدا من الحكومات . وعلى هذا الأساس سهلت الحكومات العربية خروج شبابها للجهاد في أفغانستان، وقدم بعضها تسهيلات كبيرة .

رابعاً :

إذا استطاع أحد من المتطوعين العرب أن ينجو من نيران الجيش الأحمر ، فإن جيوش المخابرات في أنظمة الردة سوف تتولى أمره  كالمعتاد . ويمكن تلخيص تلك الخطوات الأربعة بأربعة عناوين هي:

إستدراج ــ إستطلاع ــ إغتيال ــ تصفية . خطوات أربعة تكررت كما هي ضد المجاهدين العرب في فلسطين ثم في أفغانستان على أيدي نفس الفئات:  اليهود والصليبية والمرتدون . فكم من المرات سوف نلدغ من نفس الجحر؟ . دعنا نتأمل في بند التصفية لنرى مكوناته وكيفية تنفيذه في الحالتين :حرب فلسطين والحرب الأفغانية.

أ ـ لقد شملت التصفية في الحالة الفلسطينية في أول لحظة المقاتلين الإسلاميين ، وفور أن إنتهت الحرب، ولم يسمح لهم أن تطأ أقدامهم أرض الكنانة ، فقد إعتقلوا داخل الوحدات العسكرية العاملين معها .

ب ـ وبعد فاصل زمني قصير أصدرت الحكومة قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق مراكزها وإعتقال جميع المنتمين إليها .

جـ ـ ثم كانت الخطوة الأخيرة هي إغتيال قائد التنظيم ، الشيخ حسن البنا ، في أحد شوارع القاهرة أمام المقر الرئيسي للإخوان . وقد تمت الخطوات الثلاث خلال عدة أشهر. ومن المعلوم أن مشاورات مكثفة حول برنامج التصفية قد جرت بين الدول الثلاث: الولايات المتحدة ، بريطانيا ، فرنسا .

وبالطبع فإن إسرائيل والقوى اليهودية العالمية كانت هي الموجه الرئيسي لتلك الإجتماعات . إذن فأهداف التصفية ثلاث عناصر:

أ ـ المقاتلين    ب ـ التنظيم     ج ـ القائد

والقائمون على التصفية ثلاث فئات هم:

أ ـ اليهود  للتوجيه والتحريض.

ب ـ الصليبيون للتخطيط.

جـ – المرتدون  للتنفيذ والتمويل.

وقد يتعجب البعض من كون التمويل هو من نصيب المرتدين وليس الصليبيين أو اليهود. ولكن هذا ما حدث في الحالتين الفلسطينية والأفغانية . فميزانية الدولة المصرية تحملت تكاليف عملية تصفية الإخوان المسلمين عام 1948م  وما تلى ذلك من حملات. أما في الحالة الأفغانية فإن ميزانية الدولة السعودية قد تكلفت بسداد جميع الفواتير التي أمرت الولايات المتحدة الحكومة السعودية بسدادها.

ولننظر إلى برنامج تصفية المجاهدين العرب في أفغانستان لنرى أوجه التشابه والإختلاف     بين الحالتين .

أ ـ بدأت عملية التصفية بقتل الشيخ عبد الله عزام في بيشاور  نوفمبر 1989م  أي بعد إنسحاب الروس من أفغانستان بتسعة أشهر فقط . كان ضياء الحق قد اغتيل في أغسطس من نفس العام ، كما أغتيل مساعد الشيخ عبد الله عزام وهو تميم العدناني، أثناء علاجه فى أمريكا، قتلوه بالسم وظهرت الوفاة طبيعية  .

ب ـ أما تصفية المقاتلين والتجمع العربي في باكستان فكان من المفترض أن يعقب عملية إغتيال الشيخ عبد الله عزام مباشرة في صورة حملة إعتقال شاملة . ولكن حساسية وتعقيد الوضع السياسي في باكستان وأفغانستان والحرب الدائرة في أفغانستان جعلا العملية مستحيلة فأحجمت عنها حكومة باكستان ، ولم تتح الفرصة إلا بعد انتهاء الحرب الأفغانية فبدأت حملة شاملة ضد العرب في 5 /4/1993م أعقبتها حملات نفسية وبوليسية أسفرت عن نتائج ـ حتى وقت كتابة هذا الكتاب ـ هي :

– تصفية الجانب الأعظم من التواجد العربي الجهادي في أفغانستان ولم يتبق إلا أفراد قلائل مشتتون .

ـ تصفية التجمع العربي في بيشاور وتم إستبداله بمجموعات من الموظفين العرب العاملين مع هيئات الإغاثة العربية .

لقد سجنت الحكومة الباكستانية عشرات من المجاهدين العرب وأبعدتهم خارج البلاد ، وفرت عشرات الأسر العربية إلى الخارج وتم تلفيق عدة قضايا مخدرات لعدد من المجاهدين العرب. وتم البرنامج تحت رعاية مباشرة من السفير الأمريكي في باكستان مع لجان أمنية عربية و إسرائيلية .

 

برنامج التصفية في الحالة الأفغانية قد شارك فيه:

أ ـ إسرائيل والقوى اليهودية العالمية.

ب ـ الولايات المتحدة التي أصبحت القوة الأولى في العالم بعد هزيمة السوفييت في أفغانستان.

جـ ـ المرتدون وأهمهم الحكومة السعودية ، النظام المصري  ، الحكومة الباكستانية  كما شارك النظام التونسي والجزائري كقوى ثانوية تطالب برؤوس رعاياها في باكستان وأفغانستان. لقد تعهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بعد إنتصاره على العراق في مسرحيته الهزلية “حرب تحرير الكويت”, صرح بأن بلاده سوف تطارد “العرب الأفغان” ـ كما أسموهم ـ في صحاري العالم . إنها نفس السياسة ، فكما أن مجاهدي الإخوان في فلسطين دفعوا وما زالوا يدفعون الثمن حتى هذه اللحظة ، فإن المجاهدين العرب في أفغانستان العرب الأفغان سوف يطاردون في أقطار الأرض وليس في بلدانهم فقط .

وهناك أحداث تشير إلى أن عملية الملاحقة ضدهم فى العالم كله مستمرة. فأجهزة الإستخبارات في  أوروبا صرحت علانية أنها تراقب العرب الذين وفدوا إليها من باكستان بعد طردهم من هناك ، وأنها سوف تطارد المتطرفين منهم وتعتقلهم .

أما في البلاد العربية فالأمر لا يحتاج إلى تعليق فهناك حاليا قانون في مصر يتكفل بإعدام كل مصري جاهد في أفغانستان. ولم يتبق ملجأ لهؤلاء المجاهدين حاليا غير السودان واليمن .

وتعيش هاتان الدولتان في ظل حصار وتآمر دولي شديد ، فقد أشعلت أمريكا وحلفاؤها حربا أهلية في اليمن لتقسيمها ولكن خطتهم فشلت . أما السودان فيعيش في ظل حصار اقتصادي دولي خانق ، وحرب في الجنوب تمولها السعودية والصليبية الدولية .

إن مطاردة المجاهدين العرب ـ في فلسطين وأفغانستان ـ هو قرار لا يتقيد بمدة محددة . ورغم أن القانون الوضعي يسقط التهم بعد مرور فترة من الزمن ـ عشرون عاما ـ إلا أن مجاهدي فلسطين ما زالوا ممنوعين من دخول مصر حتى الآن ، رغم أنهم الأن تخطوا الخامسة والستين من العمر . ومنذ شهرين فقط سمحوا  لأحدهم أن يدخل مصر وهو في حالة احتضار كي يموت هناك بعد أيام من وصوله, وكانت حالة استثنائية نادرة . رأينا كيف أن الجهات التي تآمرت ضد المجاهدين العرب في فلسطين وأفغانستان هي نفس الجهات ، وأن مخططهم هو نفسه من حيث الجوهر . والعمل الإسلامي الجهادي كان واحدا من نفس الجوهر وهو خروج جماعات من شباب المسلمين لنصرة إخوانهم في الدين ، ولكن  خارج  الحدود الوطنية التي فرضتها عليهم الصليبية الدولية بعد إنهيار الدولة العثمانية آخر خلافة للمسلمين. ولقد جوبه هذا التحرك الإسلامي بقمع دولي.

لأنه من وجهة النظر الصليبية فإن العمل الإسلامي ينبغي أن يحترم الحدود الوطنية التي وضعها الصليبيون. وحتى إن أمكن ، ينبغي أن يكون للجهاد فهما وطنيا،فأطلقوا مصطلح “الجهاد الأفغاني” لإكساب الجهاد صبغة وطنية وذلك لأول مرة في تاريخ المسلمين.

والعجيب أن وسائل إعلام الجماعات الإسلامية إستخدمت المصطلح المشبوه كما هو . ولكن تدفق المتطوعين العرب قد أبطل المكيدة وأعطى الجهاد مفهومه الإسلامي الأممى الصحيح، كحرب عقائدية وليست حرباً وطنية .

والملاحظ أن المجاهدين العرب في أفغانستان لم يستفيدوا من دروس الجهاد في فلسطين، وأكثرهم لم يقرأ إلا قليلا عما حدث عام 1948 م. وبشكل عام فإن دراسة التاريخ وأخذ العبر منه ليست واردة عند هؤلاء الشباب . ومازالت تلك الثروة التاريخية الإسلامية  منذ عام 1948 وحتى الآن  لم توظف بعد في خدمة التحرك الإسلامي المعاصر وبالشكل المناسب . وفي بعض الجوانب كان واضحا أن العمل الجهادي العربي في أفغانستان أشد تخلفا بكثير من العمل الجهادي في فلسطين ، رغم الفارق الزمني الكبير بين الحدثين.

أما تكرار نفس الأخطاء فهو يدل على أننا قوم لا نقرأ، وإذا قرأنا فإننا لا نفهم، وإذا فهمنا فإننا لا نطبق ما فهمناه . لقد دخل المتطوعون العرب حرب فلسطين وهم في حالة تنظيمية رائعة ، خاصة إذا قورنت بحالة العرب في أفغانستان .

1 ـ  كانت القيادة الدينية والتنظيمية مركزة في يد الشيخ حسن البنا مؤسس ومرشد الجماعة . ولم تكن هناك أي مزاحمة أو شك في جدارته بمنصبه .

2 ـ  كانت الجماعة في وضع تنظيمي جيد ومحدد ، وتتمتع بقاعدة شعبية واسعة من الأنصار.

3 ـ كان للمجاهدين تنظيما منفردا وملحقا بالجماعة( النظام الخاص) وكان يتم إختيار أعضائه من أفضل شباب الإخوان إلتزاما وخلقا وقوة جسمانية .

 

وإذا قارنا تلك الصورة بمثيلتها في أفغانستان نجد أن: 

1 ـ كان الشيخ عبد الله عزام يؤدي وظيفتي التحريض والتجميع بالنسبة للشباب العربي . فمعظمهم قد أتى إلى أفغانستان نتيجة لخطب الشيخ البليغة والمؤثرة . واتجه هؤلاء صوب بيشاور للمشاركة في الجهاد .

2 ـ لم يسفر التجمع العربي في بيشاور عن أي كيان منظم  وكان الشكل الغالب لمهام التجمع الذي أحاط بالشيخ عبد الله عزام هو تقديم خدمات للجبهات في أفغانستان وتقديم المساعدات بشكل مباشر إلى هناك . إضافة لمشاريع وخدمات تعليمية وصحية في أنحاء متفرقة من أفغانستان .

ثم بدأت بالتدريج تظهر التجمعات القطرية للجنسيات العربية المختلفة وظهرت لها قيادات وأعقب ذلك سلسلة من الإنشقاقات في كل تجمع من هؤلاء. كان تنظيم هؤلاء الشباب العرب عملية مستحيلة ، فالإتجاهات الفكرية والفقهية متباينة أشد التباين ، وأفكارهم عن المستقبل الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية أشد تباينا وغموضا. وإذا أضفنا إلى ذلك الإختراقات الأمنية العميقة والكثيفة لهذه التجمعات أدركنا مدى المأساة التنظيمية التي عاشها المجاهدون العرب في أفغانستان ، وبالتالي محدودية تأثير الشيخ عبد الله عزام على هذا التجمع . وندرك كذلك ضعف تأثير هذا التجمع على أفغانستان وباكستان قياسا بالإمكانات الهائلة التي إمتلكها من العناصر البشرية والمالية .

3 ـ بينما كان المجاهدون من إخوان 1948م ، منتقون من أفضل عناصر التنظيم . كما أنهم تلقوا تدريبا في معسكرات الجيش المصري قبل التحرك نحو فلسطين ، فإن المجاهدين العرب في أفغانستان كانوا أبعد ما يكون عن أي نوع من أنواع الإنتقاء أو الإنتظام أو التدريب مع  إستثنائات قليلة للغاية. وبدأت برامجهم التدريبية تظهر بشيء من الجدية بعد عام 1987م .

كما بدأت بعض المجموعات تنظم نفسها ، خاصة الجماعات التي وفدت  من بلادها بغرض تدريب عناصرها ، وعملت أيضا على تجنيد مزيد من العناصر التي جاءت أفغانستان بدون إرتباطات تنظيمية سابقة. لقد شهدت بيشاور كثيرا من المعارك الكلامية والمهاترات والإتهامات والإنقسامات ، وتبادل الإشاعات وحروب المنشورات بين هذا الخليط المتنافر ، وكلما تقدم الوقت كانت تلك السلبيات تتضخم ، خاصة مع مجهودات هيئات الإستخبارات العربية العاملة وسط تلك الجماعات . وعندما جاءت النكبة لذلك التجمع في أبريل 1993م ، كان تعليق البعض أنها نعمة من الله، لأن تجمعاً بهذا الشكل إذا إستمر كان سيفرز كثيرا من المهازل والمصائب .

– وبالفعل عندما وصلت مأساة التجمع العربى فى بيشاور إلى ذروتها، ظهر تنظيم الخلافة الذي لجأ إلى الجبال في مناطق القبائل القريبة من بيشاور ، وأعلن تكفير كل من لم يبايع الخليفة وعين حكاما من طرفه في عدد من البلاد الإسلامية . وأرسل الخليفة فرمانا إلى سكان فلسطين يعلن أنه قادم لتحريرهم ويطالبهم بقطع شجر الغرقد حتى لا يختبئ خلفه اليهود .

وهدد عرب بيشاور بالقتل إن لم يبايعوا وأنه سوف يسبي نساءهم . ورغم أن القبائل قتلت مساعد الخليفة إلا أن حركته إنتقلت الآن إلى أفغانستان . هذا مثال لما كان يمكن أن يسفر عنه تجمع جهادي عشوائي بهذا الشكل تعبث به الأهواء وتنخر في عظامه أجهزة المخابرات الدولية والعربية.

(بعد ذلك بسنوات عاد الخليفه إلى بريطانيا التى يحمل جنسيتها بعد ما فشل مشروعه، وخذلته الأمة الإسلامية، فقد رفض الجميع مبايعته، من الأحزاب الأفغانية إلى القبائل إلى حركة طالبان إلي أسامه بن لادن ، فعاد إلى الدولة الأم .. بريطانيا التى لم توجه له أى تهمة ، حتى عن جرائم القتل التى إرتكبها فى عهد خلافته ) !!.

{ ملاحظة : ويمكن رصد نقاط التشابه بين تجربة الخلافة فى بيشاور وتجربة داعش فى العراق وسوريا. من نواحى كثيرة منها التدخل الإستخبارى . وعدم قدرة التجربة الجهادية الأصلية التى جاء إليها المتطوعون على تحقيق أحلامهم الهلامية . إضافة إلى المنطلقات السلفية والوهابية الغالبة على أوساط الجهاديين منذ حرب أفغانستان} .

 

 في التجربتين الفلسطينية والأفغانية كان للمجاهدين العرب أخطاء مشتركة من أهمها :

1 ـ وقوع المجاهدين فريسة مخططات الدول الصليبية الكبرى التي تمكنت من إستدراجهم إلى ساحات القتال وجعلوهم يعملون بها وفق شروطها، ثم إستولوا على نتاج قتالهم لصالح المخططات الصليبية في المنطقة . لقد نزل المجاهدون إلى ساحات قد خططها الصليبيون ووضعوا قواعد اللعب بها . كما إستولى الصليبيون على المفاتيح الرئيسية للعمل ، وتركوا للمسلمين مهمة الموت . وعندما جاءت ساعة الغنائم ـ في أفغانستان ـ ذهبت جميعها تقريبا إلى أيدي الصليبيين، ولم يجد المسلمون في أيديهم سوى الحرب الأهلية للأفغان  والمطارة والتشريد والتشويه للعرب.

2 ـ في الحالتين الفلسطينية والأفغانية كان التحرك الإسلامي الجهادي عاطفيا، لا يملك رؤية سياسية ولا إستراتيجية عمل جهادي متكامل .

3 ـ في الحالتين إنقطعت صلة المجاهدين بعد الحرب بالساحة التي قاتلوا عليها وإندمجوا في مسارات أخرى. وإنقطع تأثيرهم وتعاملهم مع الساحة التي دفنوا فيها إخوانا لهم .

فليس هناك أي برامج طويلة المدى لخدمة القضية الإسلامية  في تلك المناطق . وكأن الجهاد حادث عارض مبتور، أو فورة عاطفية سريعا ما تزول وتتلاشى  فلا منهج ولا خطة. وقد دفعت تلك الملاحظة بعض المتابعين إلى التشكك بأن قوى الغرب تمتلك القدرة على تحريك عواطف المسلمين متى شاءت كي يجاهدوا في الإتجاه الذي يخدم مصالح الغرب وفي التوقيت الذي يناسبه.

فحالات  الجهاد الأممی ـ وليس القطري ـ  وهما حالتى فلسطين ثم أفغانستان ثم البوسنة والهرسك منذ 1992م أي بنهاية الحرب الأفغانية وحتى كتابة هذه السطور، تثبت أن الغرب يمتلك هذه القدرة ، وهذا لا يطعن بأي حال في إخلاص المجاهدين وشجاعتهم وحسن نواياهم، ولكن ذلك كله لا يكفي بدون عقل يدبر ويخطط لاستثمار النتائج لصالح المسلمين أنفسهم وليس لصالح أعداء الإسلام.

4 ـ أخطأ الإخوان المسلمون عام 1948م في تقييم النظام المصري وحاول الشيخ حسن البنا أن يكسب الملك إلى صفة للعمل ضد الإنجليز.

وكان مجاهدوا الإخوان في فلسطين يعملون تحت إشراف مباشر من الجيش المصري  وكانت النتيجة أن الملك فاروق هو الذي أمر باغتيال الشيخ حسن البنا ، وأن الجيش المصري هو الذي ألقى القبض على مجاهدي الإخوان . وفي الحالة الأفغانية فإن الشيخ عبد الله عزام قد أحسن الظن في ضياء الحق ونظامه ، وأحسن الظن في نوايا الحكومة السعودية وموظفي إستخباراتها في باكستان، وظن الشيخ عزام ومعظم المتطوعين العرب أن أمريكا لا تستطيع أن تمد لهم يدا، وأن باكستان أعجز من أن تتصدى لهم . فماذا كانت النتيجة ؟ ،أغتيل الشيخ في بيشاور بأوامر أمريكية وأيدي باكستانية ومساعدة إستخباراتية سعودية . أما الشباب العربي فقد تعرض لحملات متلاحقة خلعتهم من المنطقة كلها ـ ولم تترك إلا قليلا من الصامدين حتى الآن، وكانت الإستخبارات السعودية هي صاحبة اليد الطولى في مراقبة الشباب العرب في أفغانستان ، الذين إعتمدوا إلى أكبر حد على تبرعات أهل الخير من السعودية.

وكانت تلك أكبر الثغرات التي دخل منها عملاء الحكومة السعودية. وكانت تلك المعلومات التى كدسوها ذات فائدة عظمى لباقي أجهزة المخابرات المتحالفة ضد المسلمين في أفغانستان بل وضد الإسلام في كل مكان.

….  …  …

ماسبق يرجع تاريخ كتابته إلى عام 1994، مأخوذاً من كتاب (15 طلقة فى سبيل الله)، وما جاء فيه حول تطبيقات تحول فيها المجاهدون المخلصون إلى (بغال تحميل) لأعدائهم .

فماذا يمكن أن أضيفه الآن بعد تلك لسنوات الطويلة وما جاءت به من أحداث جسام وحروب ودمار ، وما صاحبها من جهاد ، لم يخرج عن مفهوم (بغال التحميل) فيما عدا التجربة البطولية الناجحة لشعب أفغانستان فى جهاده ـ بقيادة حركة طالبان ـ ضد الإحتلال الأمركي؟؟. ذلك هو موضوع الجزء الثانى من هذه الدراسة .       

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

09-06-2020

مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

 




كورونا طوفان يُغرق العالم .. فمن لديه سفينة النجاة ؟؟

كورونا طوفان يُغرق العالم .. فمن لديه سفينة النجاة ؟؟

كورونا طوفان يُغرق العالم

.. فمن لديه سفينة النجاة ؟؟

للصين معركة مصير قادمة ، مع النظام اليهودى “العالمى الجديد” .

 

العناوين : 

– الهند قادمة لتحتل المكانة العالمية للصين: بتجزئة أفغانستان بالقوة المسلحة / بالتعاون مع أمريكا وتركيا/ لتصل إلى غاز ونفط آسيا الوسطى عبر مشروع أنابيب “تابى”. ونقل الصناعات الأمريكية من الصين إلى الهند. ومنحها ميناء “جبل علي” لتتحدى إيران فى مياه الخليج نيابة عن إسرائيل وأمريكا ، وتهدد إمدادات الطاقة الذاهبة إلى الصين. وتستبدل تجارتها مع روسيا عبر ميناء تشبهار فى إيران بتجارة مع أوروبا عبر ميناء حيفا وخط سكة حديد إسرائيل/ المشيخات.

– الرد على التحدى قد يدفع إلى تكوين غرفة عمليات بحرية وجوية مشتركة بين إيران وكل من الصين وروسيا ــ مقرها ميناء تشبهار ــ  لتأمين سلامة شحنات النفط ، ولمكافحة الإرهاب والقرصنة وتهريب المخدرات والبشر، فى المحيط الهندى والبحر الأحمر.

– إستعصى الشعب الأفغانى وإمارته الإسلامية على الإخضاع . بل كَسَرَ بالفعل الآلة العسكرية الأمريكية فإضطرت للفرار تاركة الحرب لشركات المرتزقة.

– منطقة فلسطين وجزيرة العرب تمثل جوهر الصراع الدينى بين اليهودية “البنكية/السياسية” وأمة الإسلام.
– جزيرة العرب تهودت سياسيا على يد آل سعود المتحالفين مع الوهابيين ، وانخرطوا منذ أول يوم فى حرب ضروس على الإسلام ، متمثلا فى دولة الخلافة العثمانية.

 وبمساعدة (حكومة الهند البريطانية) دانت لهم معظم جزيرة العرب ، فاقتلعوا منها الإسلام مستبدلينه بالوهابية التى أصبحت بغواية أموال النفط الوجه الغالب للإسلام.

– وصلوا فى أوج تطورهم إلى” الترفيه الداعر” الذى يفرضه آل سعود وفارسهم بن سلمان ـ بالنار والمنشارـ كما فرضوا الوهابية من قبل بالسيف.

– لإسرائيل سيطرة شبه مكتملة ، مع توقعات “بإنتفاضة ما” فى جزيرة العرب تمثل بعض الجمر الجهادى المختبئ تحت جبال من الرماد والرمال.

– روسيا وتركيا يستكملان فى ليبيا صراعهما فى سوريا . ذهبت تركيا لدعم حكومة الوفاق ، وذهبت روسيا لدعم الجنرال حفتر رجل الإمارات ومصر.

–   لا حل إلا بالعودة إلى الدين الحق:

بدون ربا ــ وبدون بنوك يهودية ــ وبدون نظام دولى يديره القراصنة والسفاحون.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

حضارة الكورونا قادمة ، عالم ما بعد الوباء لن يشبه شيئا مما سبق . وعلى مقدار عنف المأساة وطول أمدها يكون مقدار وحشية التغيير القادم .

لن يكون تغييرا فى بلد واحد أو إثنين ، بل يمضى على نفس مسار الوباء فيدخل فى كل بلد ، وكل بيت ، جامعاً العالم فى سلة واحدة كما جمعهم الوباء . وباء يفتح الطريق لليهود وبنوكهم العظمى لإبتلاع العالم كله دفعة واحدة ، وليس بلداً بلداً .

    كورونا زلزال ضرب العالم ، وموجاته الإرتدادية أعنف وأبعد أثرا من الزلزال نفسه . لن يكون هناك بلد بعيد عن الوباء ودَفْع فواتير التكلفة ، مع فوائد باهظة ، لمن تسبب ونشر وإستفاد من الوباء .. البنوك اليهودية .. العائلات البنكية العظمى ـ المئتى عائلة التى تمتلك 40 ترليون دولار . مبلغ سوف يتضاعف بعد طوفان الوباء، وبعد إمتصاص دماء جميع أمم الأرض ، وخراب دول وتشريد شعوب وإنقراض أجناس .

البنوك اليهودية تطبق النسخة الأصلية من(عقيدة الصدمة) بدون تحريف أو تحسينات : كارثة عظمى تتلوها تغييرات جذرية فى حياة الناس لصالح أقلية مالية ، مع قهر وحشى لمنع أى مقاومة شعبية.

الكارثة العظمى هذه المرة ليست زلزالا وليست حرباً ، أو إنقلابا عسكريا لجنرال عميل للبنوك وأصحابها، وليست فيضاناً أو حريقاً . هى أكبر من كل ذلك حتى لو إجتمع كله فى حزمة واحدة .

وما أن يفيق العالم من الصدمة حتى يكتشف أن صناع الأزمة قد أبتلعوا ثروات الأمم ، وأقاموا نظاما دولياً لم يكن ليقبل به أحد قبل طوفان الكورونا. ولكن فى ظل الرعب والألم والضياع يخضع الناس ـ بل يتمسكون طوعاً ـ بما فرضه عليهم المجرمون ، الذين يملكون ما يقولون عنه أنه المَخْرَجْ ، لأن لديهم المال كله والثروة جميعها ، ويقيمون حكومة عالمية يديرونها بأنفسم ، لفرض”النظام” و”الاستقرار” بأشد طرق العنف والجور والوحشية. لتتنازل الشعوب عن أمور كانت دافعت عنها بشراسة قبل وقوع الكارثة.

–  النظام الذى تقيمه الرأسمالية المتوحشة عبارة عن حكومات تحمى الشركات ، وتفرض على الشعوب رقابة أمنية وسجون، وتجعل من التعذيب قانونا ثابتاً، بل شعاراً للنظام الحاكم. تلك هى (دولة البنوك)، أو (عالم البنوك). حكومة تحكم العالم وتصادر أى ثروات للأمم مازالت بعيده عن يدها : (بترول إيران وفنزويلا ـ مصانع الصين ـ نفط وغاز وتكنولوجيا روسيا). وتلغى نصيب أى شركاء يقاسمونها ثروات العالم بأى نسبة ولو كانت تافهة.

الهدف الآن لدى البنوك ليس إستعمار بلاد ، بل تشكيل حكومات جديدة تبيع خدماتها العامة (تعليم ـ صحة)، وتبيع أصول وممتلكات بلادها مقابل دراهم معدودة.

حكومة عالمية ، تدير حكومات إقليمية ذات مهام محدودة لخدمة وحماية النظام الدولى البنكى الجديد. (أمريكا الماسونية) ــ وهذا هو توصيف هنرى كيسنجرــ مرشحة لتكون هى تلك الحكومة . وصهاينة البنوك هم العقل المدبر والضميرالحاكم ، ومرشد المسيرة حتى نهاية الزمان . والأهداف المحددة للإنسانية بسيطة وهى : { لا إسلام ـ لا حكومات وطنية ، أى لا سيادة وطنية على الثروات والقرار السياسى ـ ولا ثروات خارج ملكية البنوك العظمى (اليهودية) ـ ثقافة دولية واحدة تلغى الثقافات القديمة وتستبدلها بثقافة معولمة تضمن الخضوع الطوعى للنظام البنكى الجديد } .

 

مواجهة النظام اليهودى البنكى ضد الإسلام تأخذ شكلا حاداً فى منطقتين، هما :

 أولا ــ المنطقة الحيوية : أفغانستان وإيران .

 وهى منطقة حرجة جغرافيا، إذ لأفغانستان حدود مع الصين التى هى الهدف الأضخم فى المعركة البنكية اليهودية ضد العالم.

وللمنطقة حدود بحرية بين روسيا وإيران عبر بحر قزوين ، (وروسيا هى ثانى الأهداف الضخمة أمام البنكية الدولية) .

وفى المنطقة حدود بحرية لإيران عبر الخليج الفارسى مع السعودية ومشيخات الخليج والتى تشكل الآن الحدود الشرقية لإسرائيل الكبرى . القائمة بالفعل بدون إعلان رسمى .

وحدود برية لإيران مع العراق ، الواقعة ضمن المنطقة العربية المتوترة، الخاضعة لسيطرة يهودية غير مكتملة . وتساهم إيران ـ بشكل ما فى عدم الإكتمال ـ ويمتد مجهودها المعرقل هذا إلى سوريا ولبنان .

لهذا فهى تحت التأديب الأمريكى بهدف (تعديل سلوك نظامها الحاكم ) الذى ظهر إستعصائه على التحطيم بوسائل عسكرية مدعومة بالحرب الإقتصادية والنفسية .

 

ومن ملامح المعركة الدائرة فى تلك المنطقة الحيوية :

1ــ أفغانستان: تخوض أفغانستان ، جهادا مستمرا منذ 18 عاما ضد الغزو الأمريكى/ الصليبى (حسب تصنيف جورج بوش لحملته على أفغانستان). الإمارة الإسلامية التى حكمت أفغانستان لمدة خمسة سنوات فقط تقود جهادا لا هوادة فيه طوال تلك السنوات بقوة شعبية متماسكة ، رغم مجهودات أمريكا ومشيخات الخليج لتفتيت وحدتها. ولكن إستعصى الشعب الأفغانى وإماراته الإسلامية على الإخضاع . بل كسر بالفعل الآلة العسكرية الأمريكية فإضطرت للفرار تاركة الحرب لشركات المرتزقة . فمبدأ خصخصة الحرب هو أحد مبادئ الرأسمالية المتوحشة، طبقا لفلسفة اليهودية البنكية فى خصخصة الدولة ، وقَصْر عملها على حماية مصالح الشركات الكبرى . والخصخصة تشمل الحرب والأمن (داخلى وخارجى) .

وأجهزة الجيش والأمن الداخلى موجهة لإخضاع الشعب فى الأساس ، لحماية مصالح الشركات وقمع التحركات الشعبية المناوئة لها .

وذلك هو وضع أفغانستان الآن فى ظل نظام الإحتلال فى كابول . والمطلوب أن يبقى كذلك فى المستقبل ، مع إشراك الإمارة الإسلامية فيه عبر أفراد من حركة طالبان أو من المحسوبين عليها .

وخطر أفغانستان على النظام البنكى العالمى، مصدره إستقلالية نظامها الإسلامى السياسى المنبثق عن توجه دينى ، ومن محافظته على ثروات بلاده لتسخيرها لخدمة الشعب (الفقير فى غالبيته العظمى) لتطوير أوضاعه وإعادة بناء أفغانستان ، إقتصاديا وثقافيا ـ بعد سنوات الحرب وما خلفه المعتدون فى خراب مادى وثقافى.

 

أساس العداء القائم والقادم ، بين “اليهودية البنكية ” وبين أفغانستان الإسلامية:

 1 ــ حاكمية الإسلام على المجتمع والدولة .

2ــ حاكمية (الإمارة الإسلامية الأفغانية) على سيادتها وإستقلالها السياسى والسيطرة على ثرواتها لصالح شعبها وتنمية وطنها .

 

2 ــ إيران :

الجمهورية الإسلامية فى إيران ـ تواجه حرباً لم تنقطع على جميع الأصعدة. فمنذ نجاح ثورتها الإسلامية فى فبراير 1979 . والحصار عليها قائم منذ ذلك اليوم فى الإقتصاد والسياسة . من جوارها الإقليمى ـ ومن المحافل الدولية . وشهدت حرباً ضاربة لثمان سنوات مع نظام بعث العراق . وتواجه حاليا تهديداً بالغزو العسكرى أو بضربة عسكرية شاملة تقوم بها أمريكا بمعاونة إسرائيل، بإسناد وتمويل السعودية والمشيخات .

تواجه إيران عداءً مريراً من الصهيونية البنكية والغرب التابع لها ، بناء على نفس التحديات الذى تمثلها أفغانستان وهى:

1 ـ الإصرار على هوية إسلامية للدولة ـ مستندة إلى أغلبية سكانية داعمة وحماسية.

2 ـ التمسك بالإستقلال السياسى والسيطرة على الثروات الوطنية ، وإصرارها على بناء دولة قوية ، وتنمية شعب له الكلمة العليا فى بلاده . مع إستقلال ثقافى مرتكز على تراث دينى عميق ، وتراث وطنى ممتد منذ آلاف السنين .

هذا ما يضع كل من أفغانستان وإيران فى صدارة التحديات التى تواجه نظام دولى ، تسعى عبر”جائحة كورونا” أن تقيمه البنوك اليهودية لتحكم به العالم ، عبر حكومة ماسونية عالمية هى (الولايات المتحدة الأمريكية) .

 

ثانيا ــ  منطقة القلب الإسلامى المحتل ـ ونطاقه الأمنى المتزلزل .

ويشمل فلسطين وجزيرة العرب . وهى منطقة تمثل جوهر الصراع الدينى بين اليهودية “البنكية/السياسية” وأمة الإسلام.

–   وقد أحكم اليهود سيطرتهم الفعلية على أراض فلسطين بواسطة الإنتداب البريطانى على فلسطين فى أعقاب الحرب العالمية الأولى ، وصولا إلى حرب الإشهار الرسمى لقيام إسرائيل فى عام 1948 ، التى كانت “إحتفالية”عربية/ يهودية للإعلان عن دولة يهودية قائمة منذ زمن، فلا العرب كانوا يدافعون فعلا عن فلسطين ولا اليهود كانوا يخوضون فعلا (حرب تحرير) لوطن تاريخى. كانت كذبة مشتركة وخدعة كبرى تستهدف الأمة المسلمة.

–   جزيرة العرب تهودت سياسيا على يد آل سعود المتحالفين مع الوهابيين ، وانخرطوا منذ أول يوم فى حرب ضروس على الإسلام ، متمثلا فى دولة الخلافة العثمانية. وبمساعدة الإنجليز(حكومة الهند البريطانية) دانت لهم معظم جزيرة العرب ، فاقتلعوا منها الإسلام مستبدلينه بالوهابية التى أصبحت بغواية أموال النفط الوجه الغالب للإسلام. حتى وصلوا فى أوج تطورهم إلى” الترفيه الداعر” الذى يفرضه آل سعود وفارسهم بن سلمان ـ بالنار والمنشار، كما فرضوا الوهابية من قبل بالسيف.

– الآن المقدسات الإسلامية كلها تحت سيطرة اليهود . ومكة يديرون شئونها الدينية من باطن حماية أمنها وأمن بن سلمان ومملكته ، ومعها باقى المشيخات وعلى رأسهم مشيخة الإمارات ، أقوى المشيخات والأكثر إلتصاقا بإسرائيل والصهيونية الدولية .

لإسرائيل سيطرة شبه مكتملة ، مع توقعات “بإنتفاضة ما” فى جزيرة العرب تمثل بعض الجمر الجهادى المختبئ تحت جبال من الرماد والرمال.

العقبة الكبرى هى عدم وجود (شعب) فى تلك المنطقة . فهى تَجَمُّع قبلى حول آبار النفط ، ليحميها فى مقابل (جراية) يصرفها لهم الحكام المتعاقدون مع الإحتلال (بريطانى ـ ثم أمريكى –  ثم إسرائيلى )، طبقا لمعادلة : “إدفع تحكم” التى أوضحها (ترامب) بوقاحة ، لا تحتملها حتى خنازير المزرعة .

 

إقتصادياً : ما تريده اليهودية البنكية هو السيطرة الكاملة على الثروة النفطية فى جزيرة العرب. وهو واحد من أضخم المخزونات النفطية على الكوكب . وفى جزيرة العرب مخزون هائل من المعادن خاصة اليورانيوم ، وهو بالطبع تحت السيطرة الأمريكية.

 { ملاحظة: يوجد فى أفغانستان مخزون هائل من اليورانيوم ، وهبته أمريكا رشوة لتابعتها بريطانيا، التى تستخرجه بنشاط من مركز سنجين فى ولاية هلمند ، تحت ستار أمنى كامل ، وباستخدام تكنولوجيا متقدمة } .

– وتتشابه أفغانستان مع جزيرة العرب فى وجود ثروة كبيرة من النفط والغاز ـ ولكنها فى أفغانستان خارج نطاق الإعلان والإستخدام لإسباب معلومة لدى(اليهودية البنكية) التى تركز فى المقام الأول ــ وقبل أى هدف إقتصادى فى العالم أجمع ــ على أفيون أفغانستان وصناعة الهيروين. كما يركز يهود البنوك على إخراج بترول وغاز دول  آسيا الوسطى عبر أفغانستان لتسويقه عالميا ـ وإيصاله إلى الهند ضمن صفقة تعقدها الإمبراطورية البنكية اليهودية مع الهند فى دور إقليمى واسع يشمل أفغانستان ، لفصل شمالها ، بالتعاون مع تركيا وقواتها المتمركزة هناك. كما يشمل الدور الهندى المفترض منطقة الخليج الفارسى.

– تركيا يبدو أنها تحظى بصفقة مع النظام اليهودى البنكى القادم ــ تبدأ من أفغانستان وتصل إلى ليبيا، بعد ظهور دور تركيا كجندى إسلامى نشط لدى عصابة حلف شمال الأطلنطى . فقد أدت للحلف أدوارا تاريخية فى كل من أفغانستان وسوريا، ثم ليبيا حاليا ، ضمن الرؤية اليهودية فى الإستئثار بالثروة النفطية الليبية ، وإستبعاد شعبها عن أى فعل إيجابى سوى الإقتتال الداخلى ، والإلتحاق بإطراف خارجية متنافسة على النفط والموقع الإستراتيجى.

للدور التركى فى ليبيا جانبه الحرارى (نفط / غاز) . فإتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين اليونان و(حكومة الوفاق) فى طرابلس جذبت الأطماع التركية والروسية إلى نيران الصراع الليبى . فى إطار الصراع على غاز البحر المتوسط ــ حقول وأنابيب نقل الغازــ وليس من أجل الشرعية أو القانون الدولى وما إلى ذلك من خرافات يتعلق بها العجزة والأغبياء.

روسيا وتركيا يستكملان فى ليبيا صراعهما فى سوريا . ذهبت تركيا لدعم حكومة الوفاق ، وذهبت روسيا لدعم النقيض،”الجنرال حفتر”، رجل الإمارات ومصر. وطبيعى أن تقبض تركيا تعويضا مناسباً من حكومة الوفاق ، يعوض عن خسائرها فى حقول الغاز نتيجة إتفاق ترسيم الحدود البحرية بين حكومة الوفاق واليونان .

 

الهند وتركيا .. أدوات إقليمة للنظام القادم :

– الطرف الموازى لتركيا ــ وهو الهند ــ لها دور مزدوج فى كل من أفغانستان ومشيخة الإمارات . ولديها دوافعها النفطية . بتقسيم أفغانستان تفتح الهند بالقوة المسلحة مجالا لإحياء مشروع (تابى) لتمديد أنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى إلى الهند عبر أفغانستان . لجعل الهند مستقله تماما عن أى إمدادات من حوض الخليج الفارسى ، سواء من إيران أو السعودية والإمارات وقطر . كما يحرم عدوها الصين من جزء هام من موارد الطاقة فى آسيا الوسطى.

 ومن أجل أن تصبح الهند فى وضع يمكنها من التحكم عند الضرورة فى إمدادات الطاقة الذاهبة إلى الصين عبر الخليج الفارسى، فهى موعودة ، بتواجد ثقيل الوزن فى دبى، بشكل مهيمن يتراوح من تحويل دبى إلى ولاية هندية (جمهورية مستقلة لرعايا الهند بديلا عن مشيخة دبى ) أو على أضعف الإحتمالات ــ السيطرة على ميناء “جبل علي” وتجارته الدولية.

ولكن إذا أكملت أمريكا عمليتها الكبرى لإخضاع الصين : بالأوبئة وتجميد الأرصدة وسحب الإستثمارات الأمريكية من الصين. فماذا لو نقلت المصانع الأمريكية من الصين إلى الهند لتحتل الهند نفس مكانة الصين الحالية فى الإقتصاد العالمى كثانى أكبر قوة إقتصادية فى العالم؟؟ . ستعود الصين قرناً من الزمان إلى الخلف وتتقدم الهند عليها بعدة قرون ، مع قوة نووية راقية واستقلال فى موارد الطاقة “مشروع تابى” ، ومكانة متقدمة فى التجارة الدولية من شواطئ “جمهورية دبى الهندية” .

– إذا تمكنت الهند من الإستقرار فى دبى أو “جبل علي”، وقتها لن تصبح فى حاجة إلى التعامل مع إيران أومشاركتها فى ميناء جوادر الذى يمثل شريان تجارى للهند مع روسيا وآسيا الوسطى ، ومنفذا تجاريا واستراتيجيا لروسيا مع الخليج والمحيط الهندى.عوضا عن ذلك وأكثر، يمكن أن تحققه الهند بتحويل تجارتها مع أوروبا إلى ميناء حيفا عبر خط سكة حديد (حيفا/ المشيخات) الواصل إلى دبى . وفى ذلك ضربة إقتصادية واستراتيجية لإيران وروسيا. والأسطول الهندى يمكنه تسديد الفواتير لإسرائيل وأمريكا بنقل جزء من قوته إلى الخليج الفارسى للإحتكاك بإيران . وعند الضرورة تهديد إمدادات النفط التى يمكن أن تتحرك من الخليج الفارسى صوب الصين.

– الرد على التحدى قد يدفع إيران إلى تكوين غرفة عمليات بحرية وجوية مشتركة ــ مقرها ميناء تشبهار ـ مع الصين وروسيا ، لتأمين سلامة شحنات النفط ، ولمكافحة الإرهاب والقرصنة وتهريب المخدرات والبشر، فى المحيط الهندى .

 

القاتل يطلب تعويضا :

( النفط والغاز ) فى السعودية والمشيخات سوف يؤمم لصالح النظام البنكى العالمى ويذهب إلى الولايات المتحدة كتعويضات عن (خسائرها) من (جائحة) أسعار النفط المجانى، الذى تسبب فيه بن سلمان، فأضر شركات النفط الأمريكية (بأوامر أمريكية بالطبع ) ـ مثلما حدثت جائحة 11 سبتمبر 2001 بترتيب أمريكى ، وتنفيذ عناصر سعودية . وستدفع السعودية تعويضات عن جائحة منهاتن ، مضافاً إليها جائحة النفط المجانى التى أضرت بشركات النفط الأمريكية ، رغم أنها صبت مئات المليارات فى الإقتصاد الامريكى وجيوب المستهلك الأمريكى ، على حساب الميزانية السعودية ، وخراب شعب المملكة الذى لا وزن  له ولا حساب. فهو كشعوب العرب كافة ، مجرد زائدة بشرية ملحقة بنظام حكم لا شئ يربطه بشعبه

الأوضاع السياسية فى جزيرة العرب ومشيخات النفط لن تبقى على ما هى عليه ، فقد أنقضى ذلك الزمان الذى صنعت لأجله . وجاءت أوضاع جديدة ونظام دولى جديد ، يستدعى أنظمة أكثر تعبيراً عن حقائقه .

فالجزيرة والمشيخات أضحت جزءاً عضوياً من الإمبراطورية الإسرائيلية، ومصادر الطاقة بكاملها ملكية للشركات الأمريكية والبنوك الصهيونية .

 

ثانيا ــ منطقة النطاق الأمنى المتزلزل.

 وتشمل العراق ، والشام ما عدا فلسطين أى (سوريا ـ لبنان ـ الأردن) .

كما تشمل اليمن ، الموضوع رهن(الإبادة الجبرية) بإدارة إسرائيلية أمريكية ، لتأمين المملكة الإسرائيلية فى سائر جزيرة العرب وشواطئها .

الحرب على اليمن نموذج للحرب الحديثة الشاملة . عسكرية /إقتصادية / نفسية / سياسية . يشارك فيها معظم دول(عرب إسرائيل) والحركة الإسلامية بشكل عام، بجاهليتها الطائفية.

لليمن أهمية خاصة فى جزيرة العرب، ومن حيث الموقع الجغرافى على البحار. مع ماضى إسلامى عريق ، وبسالة قتالية تشكل تهديدا وجديا للإحتلال اليهودى لجزيرة العرب ومقدساتها. ذلك إضافة إلى سبب آخر لا يقل أهمية وهو إشراف اليمن على باب المندب بما يجعل لها موضعاً مؤثراً على تجارة مياه النيل والقادمة بعد سنوات وستكون أكبر تجارة شرعية فى عالم الإقتصاد القادم مع النظام اليهودى البنكى.

فالحبشة  ستبيع مياه “سد النهضة” من ميناء بحرى قد يكون فى جيبوتى أو الصومال أو بورسودان، وهو الأفضل إقتصاديا والأسهل فنيا. وبعد ثورة “الجنجويد” فى السودان بات سهلا على إسرائيل فعل أى شئ هناك ، مثل إنشاء دولة حول ميناء بورسودان مهمتها حماية الميناء ومتعلقات تمديدات الماء القادمة من الحبشة .

 

 

المومياء المصرية العازلة

والمغرب العربى .. المغترب

إستمر إحتلال العسكر لمصر منذ ثورة يوليو 1952 فى عهد “البكباشى”عبد الناصر، وصولا إلى عهد المشير”الفتاح العليم”، وظلمات الفجورالعسكرى،وموت شعب مصر العظيم والدولة المصرية . وحكم يهودى مباشر بشعار(تحيا مصر) والذى ترجمته الحرفية (الفناء لمصر الحاضر والمستقبل ، وحتى الماضى). السودان الشقيق يسير على نفس الدرب ولكن بنكهة سودانية أوصلته إلى حقبة صهيونية مشابهة لتلك المصرية ، ولكن بطابع “جنجويدى” محلى.

مصر الجسد الميت العظيم .. ينتظر الدفن .. والتخلص من ملايين الجثث الفائضة عن حاجة النظام الحاكم ومطالب أمن إسرائيل . إنتظارا لبناء اليهود لمصر أخرى محدودة السكان جدا وصهيونية بالكامل.

مصر تشكل ثلث تعداد العرب تقريبا ، و سداً ركامياً يحجز خلفه بلاد المغرب العربى بعيدا عن إسرائيل ، وعن ثقافة العرب المعاصرين.

ومع ذلك فالمغرب العربى أكثر إشراقاً من المشرق الذى غابت عنه الشمس . ولكنه مغترب حضاريا ، فلا هو مندمج فى ثقافة إسلامية (لم تعد قائمة إلا فى الشكل)، ولا أوروبا قبلت به تابعاً ثقافياً ومختلف دينياً. فأوروبا نادى مسيحى متعصب مسلح جيدا وحاقد . وتلك أيضا مشاكل تركيا المعاصرة فلا هى إستمرار لثقافتها الإسلامية العريقة ، ولا هى مقبولة لدى الجار الأوربى المتفوق حضاريا وإقتصادياً وعسكرياً ويكره الأتراك أكثر من كراهيته لباقى البشر بسبب التاريخ الإمبراطورى العثمانى .

والآن تركيا ـ مثل المغرب العربى ـ مغتربة وضائعة ، تلعب على جميع الخيوط فتحقق فشلا أخطر من أى نجاحات فى جوانب ليست جوهرية .

فالحل الذى يتعامى عنه الجميع ـ من عرب وأتراك ـ هو العودة الحقيقية للإسلام وتسمية الأسماء بمسمياتها الحقيقية ، وتحديد العدو بشكل واضح. فالنفاق لا يفيد شيئا سوى تغييب الشعوب وإستبعاد طاقتها عن أهم المعارك المصيرية .

لا شك أن الطوفان البشرى فى المغرب العربى ، بسماته الإسلامية والحضارية والقتالية ، لو وجد منفذا نحو الشرق لعاد مرة أخرى لإعمار حى المغاربة فى القدس ،الذى أنشأه صلاح الدين لتوطين مجاهدى المغرب العربى أصحاب البصمة الجهادية المميزة للغاية .

ولكن التابوت المصرى الذى يحفظ جسد شعب عظيم ، لا زال مسجى على سطح الأرض ، وينتظر يوم الدفن فى تربة وطنه الخالد.

 

الصين .. معركة مع النظام الدولى القادم مع كورونا .

تعلن الولايات المتحدة بكل صراحة أن الصين هى”عدوها” الأول. لا سبب للعداء سوى قدرة الصين على تحقيق الأرباح . ومراكمة إحتياطى ضخم من الدولارات الأمريكية فى شراء سندات الخزينة هناك بما يزيد عن 2 ترليون دولار . وهى كتلة مالية فى يد”عدو” يمكن أن يستخدمها بشكل عدوانى يعرض الإقتصاد الامريكى إلى أشد المخاطر ـ قد تصل إلى الإفلاس ـ فى حالة بيع تلك السندات دفعة واحدة أو المطالبة بسداد قيمتها فوراً .

فى ظلال جائحة كورونا تريد الولايات المتحدة نزع تلك القنبلة المالية من يد الصينيين والإستيلاء عليها (بطريقة شرعية)، أى كتعويضات عن الأضرار التى أصابت الولايات المتحدة من جراء الفيروس الذى يدعى ترامب أنه فيروس صينى.

هناك إستثمارات أمريكية فى الصين ، وصناعات أمريكية لو نجح ترامب أو غيره فى سحبها من الصين لأفلست. والمهم هو ما يلى ذلك من إضطرابات وحروب داخلية ، ثم تقسيم الصين،  فالحلم الأكبر لليهود وأمريكا هو إضعاف العالم وبث الفوضى والحروب فى كل مكان، ليتمكنوا من وضع يدهم على كنوز الأرض ، وثروات الشعوب ، بالمعارك المباشرة أو بصفقات السلاح أو بترويج المخدرات.

– كعادتها دائما تدفع أمريكا أحد صبيانها المخلصين لإستكشاف الطريق المجهول. هذه المرة تقدمت ألمانيا لإستكشاف الطريق نحو نهب الصين وتحميلها نفقات وباء كورونا على أراضيها،  ويقال أنها تجهز رقم 130 مليار كتعويضات من الصين . ترامب قال متعجرفاً بغبائه المعهود أنه سيطالب بمبلغ أكبر بكثير ولكن لم يحدده. (بالطبع لن يقل عن مجموع الموجودات المالية للصين داخل الولايات المتحدة) .ولم يلبث أن أرسل أحد مدمراته العسكرية إلى مياه الصين فى تهديد واضح . فطردتها البحرية الصينية وسلاح الجو، وأعلنت الصين لأول مرة عن الحادث فى نفس اليوم.

وهكذا أنعش فيروس كورونا طموحات أمريكا بتركيع الصين فقراً وتجزئة . ولكن الواقع له فى الغالب مسار مختلف عن مسار الخطط .

الوهم الأكثر إحتمالا هو فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية ـ ولكن ليس بالألعاب “الديموقراطية ” المشهورة ـ أى الإنتخابات ـ ولكن عن طريق توريط البلاد فى حرب أو دفعها إلى حافة حرب حقيقية ـ فيتم إلغاء الإنتخابات والتمديد لرئاسة (ترامب). تكلم البعض عن هذا السيناريو ـ ولمح إليه “جو بايدن” المرشح الديموقراطى المحتمل للرئاسة ، محذرا الشعب الأمريكى من ذلك .

– عزوة منهاتن فى 11 سبتمبر 2001 (وهى صناعة أمريكية ) كانت إيذانا بوضع النفط السعودى ، والمخزونات المالية السعودية ، رهن المشيئة الأمريكية وقابلة للمصادرة فى أى وقت ، تحت مظلة عسكرية أمريكية إن إستدعى الأمر .

وغزوة كورونا (وهى صناعة أمريكية أيضا) . وفَّرَت لأمريكا ذريعة لمصادرة ترليونات الدولارات المملوكه للصين داخل السوق الأمريكى .

من الإرتدادات الضارة “لغزوة منهاتن” كان إحتلال أفغانستان ومصادرة ثروته الهائلة ـ ثم إحتلال العراق ومصادرة نفطه وتغريمه نفقات الغزو كتعويضات لأمريكا عن إحتلالها لأراضيه . ثم كان “الربيع العربى” أحد تلك الإرتدادات ، فاحتلت السعودية البحرين ـ وأعلنت مع شقيقتها الإمارات حرباً أبديه على اليمن حتى فناء آخر يمنى ونفاذ آخر “بترودولار” فى خزينة البلدين .

نظام كورونا الدولى قادم .. وهو ليس متعدد الاقطاب كما يتمنى الحالمون ، بل هو متعدد البنوك اليهودية ، المجتمعة تحت راية صهيونية واحدة.

وللشعوب .. وللمسلمين خاصة.. حروب دائمة ، وتفتيت للأوطان ، وتبخر للثروات ، ويأس لا يزول. لا حل إلا بالعودة إلى الدين الحق :

بدون ربا ــ وبدون بنوك يهودية ــ وبدون نظام دولى يديره القراصنة والسفاحون.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

04-05-2020

 

كورونا طوفان يُغرق العالم .. فمن لديه سفينة النجاة ؟؟




الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

خلال الشدة المستنصرية ، أكل الناس كل شئ ، حتى أكل بعضهم بعضا . وفى عصر البيادة تسير المحروسة إلى ما يشبه ذلك . خاصة بعد سد النهضة الذى سيقطع مياه النيل ، إلا ما يكفى لتربية الضفادع وأسراب الهاموش. مضافا إلى ذلك خراب الزراعة و زوال الصناعة ، وإنهيار الصحة العمومية، ورحيل التعليم، و إندثار الأخلاق العامة ، وغرق أم الدنيا فى ديون خارجية  غير قابلة للسداد قبل يوم الحساب.

– سقطت الدولة وتفرعنت الأجهزة بما يتناسب مع إنهيار الشعب . ثم جاءت الكورونا بخلاصة الكوابيس ــ ليس فقط لأنها موت و خراب ديار ــ أى فيروسات وإعتقال منزلى ، و لكن خروج الجياع و المرضى إلى الشوارع أصبح نتيجة أكثر من منطقية لأوضاع البلد المخروب .

– النظام مطمئن إلى أنه قادر/تحت مظلة دولية/ على إرتكاب مجازر ضد شعبه “الإرهابى”. ويثق أكثر من اللازم بموت “شعب مصر العظيم” . ولديه تقدير مبالغ فيه لأجهزة حكم هى توليفة من الخواء والفساد المسلح حتى أذنيه.

– فماذا لو نجح الجياع المرضى فى دخول قصور الفرعون وقلاعه ، التى ظاهرها القوة وباطنها ترعى فيه ديدان جثث الموتى؟؟.

الطائرات الخاصة جاهزة فى مطارات المحروسة ، والحسابات السرية مشحونة وموزعة فى أرجاء الملاذات الآمنة حول العالم ، من أوروبا إلى نيويورك و بنما . ونستثنى دبى لأنها لم تعد آمنه ، ولا توفر ملاذا حتى لحكامها .

– ماذا لو تحولت إنتفاضة الجياع المرضى إلى ثورة ، بفرار الأجهزة الخشبية المسلحة مع وصول (أمواج الجوعى) إلى عقر القلاع و القصور؟. وهو ما لم يحدث فى هوجة يناير 2011.

– ماذا لو أن “سبارتاكوس” مصرى ، خرج من أحد الأزقة ، على رأس عبيد المحروسة ، الجوعى المرضى ، وأعلنها جمهورية لليائسين؟؟ ، الذين سيمضون إلى آخر الشوط مهما كانت النتائج ، لأنه من المستحيل أن يكون هناك أسوأ مما هو كائن بالفعل .

–  طريق الخلاص ملغوم للغاية ، فلو نجح المسعى إنصلح الحال .. وإن فشل فلن يتألم جسد الشعب الميت .. فالإحتمال الوحيد هو أن يتألم أعداؤه الذين إنتفشت أجسادهم بدماء شعب (تحيا مصر) . ويمكن أن تنفرط المسبحة بالشكل التالى .. والترتيب قابل لإعادة النظر:

إلغاء الديون الخارجية. وتحرير جوعى ومرضى المحروسة من عبودية الدَيْنْ الخارجى. فلن يدفع عبيد “الأرض المصرية” الجوائز لمافيا البنوك الخارجية ، أو للفاسدين المحليين.

تأميم الأموال والممتلكات العائدة لدول الخليج والسعودية ، وضمها إلى ميزانية مصر(وليس حسابات “علي بابا” والأربعين مغارة .. وتحيا مصر!!). إنها ميزانية أول ثورة فيروسية فى تاريخ مصر، ولكنها لن تكون الثورة الوحيدة فى عالم ما بعد الكورونا ، فثورات الجياع اليائسين ستكون علامة مميزة لعصر قادم . بعضها قد يكون ثورات حقيقية، وأكثرها سيكون مجرد فوضى عقيمة .

تأميم الجيش ، بكامل هيئاته ، ما تبقى له من آثارعسكرية ، وما هو قائم من إمبراطوريتة للمال و الأعمال ، و منهوباته فى البنوك الداخلية و الخارجية ، وضمها فورا فى ميزانية الدولة . و معها ممتلكات الجنرالات و عائلاتهم .

فتح معسكرات لتدريب مليون شاب، جائع و مريض ، لتكوين جيش قتالى حقيقى يحمى المحروسة : ولا يمتلكها و يسرقها ويُذِلَها و يبيعها لمن يدفع أكثر.

وإنشاء معسكرات أخرى لتدريب مليون شاب ، جائع و مريض، لتولى مهام الأمن الداخلى الحقيقى: أمن يحمى كرامة وحقوق المواطنين.

الإفراج فورا عن جميع مساجين مصر. وفى مقدمتهم السياسيين و الصحفيين . و إستبدالهم بأبناء البيادة القديمة ، من أعوان ورموز وزبانية ومطبلين .

إلغاء جميع الإتفاقات مع إسرائيل ، و طرد جميع رعاياها من مصر وإعتقال موظفيها الرسميين ، أو شبه الرسميين فى الأراضى المصرية .

إغلاق جميع القواعد العسكرية الأجنبية ، وجميع مقرات الإستخبارات الأجنبية ، السرى منها والعلنى.

تطهير سيناء من أى وجود غير مصرى فى أى مجال كان . وتعويض سكانها عما أصابهم من خسائر على يد أبناء البيادة القديمة . و محاكمة المسئولين عن تلك الجرائم علنا ، و تنفيذ الأحكام بحقهم  على الملأ وأمام سكان سيناء، حتى تطمئن نفوسهم.

تحقيق إتصال بَرِّي كامل بين سينا و بَرْ مصر ، بردم قناة السويس التى مثلت دوما ثغرة كبرى فى دفاع المصريين ضد الأخطار القادمة من المشرق . وفَصَلَتْ الجزء الأسيوى من مصر عن الجزء الأفريقى منها .

10ـ توجيه تهمة الخيانة العظمى ، لكل من شارك فى كارثة النيل أو تواطأ مع إسرائيل والحبشة فى بناء سد النكبة . ويشمل ذلك محاكمة كل رؤساء جمهورية مصر منذ أن بدأت دراسات بناء سد النكبة عام 1998 . و محاكمة وزراء الخارجية والمخابرات والدفاع.

11ـ إستعادة الأرض التى بُنِى عليها سد النكبة الحبشى، بإعتبارها ممتلكات إشترتها مصر فى عهد الخديوى إسماعيل/ طبقا لوثائق قانونية موجودة بالفعل/ و بالتالى تصبح إزالة سد النهضة ، ممارسة لأعمال السيادة المصرية.

12ـ إعادة دور الدولة فى الإقتصاد: فى التصنيع و الزراعة و البنوك و التجارة الخارجية والداخلية. و إعادة الدولة إلى ممارسة واجباتها فى إحترام المواطن ، وحمايته وتوفير الخدمات الأساسية له ، خاصة فى التعليم و العلاج و السكن الآدمى و العمل و الحقوق القانونية والطبيعية.

13ـ المساس بكرامة و أمن الإنسان المصرى جريمة عظمى ، و منعه من ممارسة حقوقه جريمة أمن دولة. فلا أمن و لا كرامة لدولة لا يتمتع مواطنوها بالأمن والكرامة .

14ـ تحرير الأزهر من أى تأثير حكومى ، إدارى أو مالى ، وإعادة الأوقاف إليه . ومشيخة الأزهر ينتخبها العلماء و الخريجون . و يحظر على الأزهر ومشايخه إستلام أى أموال من الخارج ، أو من الحكومة المصرية أو الشركات . ولا تزيد التبرعات الفردية إليه عن مقدار معقول تحدده الإدارة. حسابات الأزهر تنشر على موقعه الإلكترونى ـ وكذلك حسابات الهيئات الأهلية والإعلامية.

15 ــ حرية الوصول إلى المعلومات حق عام للمواطنين .

16ـ مصادرة محتويات “الصناديق السيادية” ، و محاسبة المشرفين عليها بأثر رجعى منذ إنشائها و إلى يوم نجاح (ثورة الجياع والمرضى).

17ـ تفعيل قانون (من أين لك هذا؟) ، على أصحاب الثروات المُتَورِّمَة و المشبوهة و غير المُبَرَّرَة . و إعادة النظر فى مشروعية الملكيات الحالية للأراضى فى جميع أنحاء مصر.

18ـ إلغاء الملكية الخاصة والأجنبية للإعلام . بتشكيل شركة إعلامية مساهمة ، يمتلكها الشعب ، مع حد أقصى من الأسهم لكل مُشارك ، بحيث يمتنع الإحتكار الفردى أو العائلى.

19ـ منع أى هيئة شعبية من إستلام تمويل خارجي ـ بدون موافقة الحكومة و مجلس الشعب ـ و إلا تعرضت للمساءلة الجنائية.

20 ـ يحظر على أجهزة الدولة تَلَقِّى أى معونات مالية خارجية . و أى معونة فنية أو تعاون أجنبى لابد من موافقة مجلس الشعب عليه .

21 ـ إلغاء جميع الإتفاقات غير المتكافئة أو المشبوهة ، مع الدول الخارجية ، خاصة مع الولايات المتحدة والدول الغربية والسعودية ودول الخليج. وإلغاء أى إتفاقية لترسيم / الحدود البرية أو البحرية / مع إسرائيل أو السعودية أو اليونان. وقطع علاقة مصر مع مشروع نيوم السعودى/ الإسرائيلى ، و استعادة الأراضى المصرية الممنوحة له. و استعادة وضع مصر القانونى على خليج العقبة و جزيرتى تيران وصنافير ومياه البحر الأبيض المتوسط و ثرواته من حقول الغاز والنفط .

22ـ تأميم مصادر الطاقة ، و المناجم، و المرافق العامة، و الصناعات الإستراتيجية.

23ـ إستعادة ثروات مصر المنهوبة: من أراضى ومنشآت عامة ، وغاز ونفط ومناجم. وأموال هُرِّبَت إلى الخارج. ومصادرة الثروات التى تكونت بوسائل غير مشروعة مثل خيانة الأمانة وسؤ إستغلال السلطات الوظيفية .

24ـ إنشاء علاقات إستراتيجية مع دول آسيا الكبرى فى مجال الإقتصاد ، و المال ، و التعاون التكنولوجى و التسليحى ، بما فيه الصناعات الدفاعية و الفضائية ، و تبادل البعثات العلمية و التعليمية.

“سبارتاكوس” روما هُزِمَ و هو يحاول الهروب من أيطاليا مع (شعب العبيد) ، ليعودوا إلى أوطانهم . لكن عبيد المحروسة ليس لديهم مكان آخر ليهربوا إليه ، لأنهم مستعبدون داخل أوطانهم . فليس أمامهم سوى الرحيل الإجبارى من سطح الأرض إلى باطنها .

و باطن الأرض أرحم بكثير من ظاهرها الماثل أمامنا الآن .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

22-4-2020

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار