1

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -14- (الحرب الهجومية)

بسم الله الرحمن الرحيم

14- الحرب الهجومية

 

تشابه عناوين مبادئ الحرب بين المسلمين وغيرهم لا يعني أن جوهر الحرب متشابه .. فالفارق في المضمون والغاية كبير جداً .. جوهر الصراع عند غير المسلمين هو المصلحة .. ومحركها الجشع والحسد .. وغايتهم سرقة ثروات الأخرين واستعبادهم .. ولا يختلف بقايا أهل الكتاب عن غيرهم في ذلك .. فنصوص التوراة المحرفة تدفعهم لابادة خصومهم .. وما يمنعهم أحيانا عوامل ليست أخلاقية كما يزعمون .. ربما تكافئ القوى .. ربما الحاجة الاقتصادية لهذه الأيدي .. ومنعهم مؤخراً استغلالهم كحقل تجارب أو قطع غيار بشرية .. قال كبيرهم “لا يوجد صداقةأو عداوة دائمة ولكنها المصالح” ..

المسلمون[1] حينما خرجوا جهاداً في سبيل الله حملوا رسالة الحب والخير والحرية للبشرية .. وهدفهم من الحرب ومازال تحطيم أغلال العبودية لغير الله .. وتصحيح العقيدة فيعبدوا الله الواحد الأحد .. ولصبغة مسيرتهم إليه سبحانه وتعالى بشريعته .. ودربهم بمنهجه .. إن جوهر الصراع قائم على تحرير العقل .. برفع كل الحجب المادية والنفسية عنه ليتلقى الرسالة ويختار الطريق ..  

 

قبل الشروع في العمل العسكري يجب أن ننتبه للفارق الكبير بين الدين الاسلام كمحرك وضابط للنظام الذي يتبعه وبين بقية الأنظمة الحاكمة الأخرى بالعالم .. فالغاية في الاسلام هي أن تدين البشرية بالوحدانية لله والعمل بشريعته سبحانه وتعالى ولذلك استهدف الاسلام العقل والروح ووجه إليهما رسالته .. وخاطبهما بالحكمة والموعظة ووفر لهما  كل سبل الاقناع الدعوية والجهادية .. وعلى العكس من هذا استهدفت كافة القوى الأخرى الجانب المادي فهددت وجود الإنسان وما يملك وعمدت إلى الاستيلاء على الارض وما بها من خيرات وثروات أو الابادة للبشر أو استعبادهم ..هذه المقدمة هامة حتى نفهم ويفهم خصومنا أيضا منهج الإسلام في الصراع مع الأخر ( كل من لا يدين بالاسلام من: أهل الكتاب أو الوثنيين أو اللادينين وغيرهم ) ..

 

مبادئ الهجوم:

1- الغاية والمهمة والمحافظة عليهما:

في ضوء الدين الإسلامي وفهم غايته يدار الصراع {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ {193} البقرة.. {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {39}الأنفال .. تقوم القيادة السياسية بتحديد المهمة وتسندها للقيادة العسكرية وتراقبها لتظل محافظة عليهما ..

تقوم القيادة العسكرية بالأتي:

أ- تقيم المهمة في إطار فهم التأثير المطلوب إحداثة ومقارنة ذلك مع الإمكانات المادية والتقنية المتاحة .. وفي ضوء ذلك تقوم بالعمل على استكمال النقص أو بناء القوة المناسبة لتنفيذ المهمة .. “إعرف نفسك ونقاط قوتك ونقاط ضعفك” ..

ب- بالتوازي مع البند ( أ ) تقوم القيادة العسكرية بتقدير الموقف، حيث يقوم القادة بدراسة العدو دراسة شاملة لتحديد جوانب القوة والضعف .. “إعرف عدوك ونقاط قوته ونقاط ضعفه” ..

ج- التخطيط لتنفيذ المهمة وإحداث الأثر المطلوب .. وذلك وفقاً للظروف التي ستخوض فيها المعركة: “الوقت والمناخ وطبوغرافية الأرض …إلخ” .. وتهيئة القوات للقتال معنويا .. والقيام بالحشد الإداري .. وفق خطط زمنية محددة لتصل للجاهزية عند ساعة الصفر ..

د- المتابعة للمحافظة على الغاية باستمرار سواء عند التخطيط أو الإدارة .. ومراجعة المهام مع القرارات التنفيذية للمحافظة على الاتجاه وعدم الانحراف نحو أهداف أخرى ..

 

2- المعلومات:

لا يتوقع النجاح في أي معركة دون توفر معلومات متجددة وحديثة عن العدو وإمكاناته وتحركاته .. لتحديد نقاط قوته وضعفه ومعرفة نواياه .. ويتم جلب هذه المعلومات من خلال:

– الاستطلاع: لجلب المعلومات في ميادينه الثلاث البري والجوي والإلكتروني من خلال الدوريات والطيران والأقمار الصناعية وغير ذلك للحصول على معلومات تكتيكية وعملياتية واستراتيجية ..

يستهدف الاستطلاع التكتيكي جلب المعلومات الدقيقة عن تحركات ومواقع العدو قبل التماس معه مباشرة “حجم القوات .. المواقع .. الأسلحة .. الثغرات .. الحواجز (الموانع) .. طرق الامداد .. مقرات القيادة .. مراكز الرصد .. أرض المعركة .. مصادر المياه … إلخ” ..

أما الاستطلاع العملياتي فيستهدف عمق العدو بغية كشف نواياه ويجمع معلومات حول “الاحتياطي وأماكن حشده .. قواعد العدو الجوية .. بطاريات الدفاع الجوي .. طرق امداد .. مراكز التموين والمستودعات الخلفية .. طبوغرافيا مسرح العمليات .. انتشار الأنساق الخلفية” ..

ويستهدف الاستطلاع الاستراتيجي جميع المعلومات عن أهداف العدو الحيوية الاقتصادية والعسكرية في العمق الاستراتيجي مثل ” المطارات .. المصانع الحربية .. الجسور الرئيسية .. مصافي النفط .. محطات توليد الكهرباء .. السدود والموانع المائية .. محطات الردار .. مراكز تكديس الأسلحة والذخائر والعتاد …إلخ” ..

– الاستخبارات: وذلك من خلال العيون التي تعمل على اختراق العدو وتقوم بالحصول على المعلومات من الخرائط أو العملاء المجندين من صفوف العدو .. ويمكن أيضاً من خلال خطف عناصر كبيرة للعدو واستجوابها .. وكذلك استجواب الأسرى .. وأيضاً من خلال الاختراقات على مستوى القيادة السياسية للعدو .. أو التفاهم مع بعض القبائل أو سكان المنطقة .. وتجمع المخابرات أيضا المعلومات على المستويات الثلاث التكتيكي والعملياتي والاستراتيجي ..

 

3- المفاجأة:

وهي مباغتة العدو ومبادئته بطريقة مبتكرة تخالف توقعاته .. في الزمان أو المكان أو التكتيك أو التعبئة أو السرعة الحركية .. وتصدمه وتربكه وتمنحنا مزيداً من الوقت لاستثمار الصدمة في التغول في عمق العدو والوصول للهدف المطلوب تحقيقه .. استثمار الصدمة يعني ألا يسمح للعدو باستعادة السيطرة أو تنظيم دفاعه بل تدفعه الصدمة لاتخاذ قرارات ارتجالية خاطئة تحت الضعط طوال الوقت ..

إن أهم العناصر لتحقيق المفاجأة هو إخفاء نوايانا ( التنفيذية ) بسرية أعمال التحضير للمعركة ويساعد على نجاح ذلك خطة الخداع الإعلامية “عملية التضليل بالمعلومات” .. وخطة الخداع التكتيكية “إخفاء اتجاه المجهود الرئيسي” .. وكذلك الأمن والسرية “باستمرار الحركة العادية للقوات والتغطية على التحركات الحقيقة والسيطرة على الاتصالات من خلال شفرة قوية” .. كما تساندها أعمال القوات الخاصة والاستخبارات “العمل خلف خطوط العدو أو احداث انشقاقات مفاجئه في صف العدو” .. وأيضاً تساهم نوعية السلاح والمعدات وعدد القوات المستخدمة في الهجوم والروح المعنوية العالية والانضباط في التنفيذ في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية ..

وبقيت كلمة: “المفاجأة والمبادأة والخداع ثلاثة مبادئ يصعب فك الارتباط بينها .. فكل منها داخلاً في الأخر ومنتج له” ..

 

4- الأمن ( الحراسة والسرية ومكافحة التجسس ..إلخ ):

الأمن يعني عدم إعطاء العدو الفرصة للمباغتة وله شقين: الأول تعليمي للقيادات والجنود والشعب .. والثاني إجراءات عملية لها أجهزة محددة المهام .. فحماية الثغور تحرس وجود القوات من تسللات العدو الاستطلاعية والهجومية .. ومكافحة التجسس تحرم العدو من تشكيل طابور خامس من المنافقين الذين يمارسون أعمال التخريب المادي والمعنوي وتحد من الاغتيالات ونقل المعلومات .. كما أن تحصين القادة والجنود بالثقافة الأمنية يساهم في صون المعلومة من أن تقع بيد الأعداء .. وفي الهجوم يتولى الأمن حماية التحركات وضمان سريتها لمباغتة العدو أو لتفادي الوقوع في كمين .. كما يحمي القوات من أي إغارة على نقاط التجمع أو أثناء وقفات الاستراحة ..

الأمن والاستطلاع يكمل أحدهما الأخر وهما وجهان لعملة واحدة  ( المعلومات ) .. ويجب التنسيق وتبادل المعلومات بينهما فالأمن عمل داخلي وعلى مشارف المحيط الخارجي والاستطلاع عمل خارجي وفي عمق العدو ..

 

5- التكنولوجيا:

قد تصل الحرب إلى حالة من الجمود تحرم طرفيها الحسم في ميدان القتال .. وهذه الحالة يتم التغلب عليها من خلال التطوير في الأسلحة والمعدات وبالتالي في المناورة قريبة وبعيدة المدى .. وفي هذا العصر بلغ التقدم العلمي مبلغاً غير مسبوق فلم تتطور الأسلحة والمعدات الحربية العاملة في الميدان فقط .. ولكن التقنية أضافت للصراع عناصر مساعدة من خارج مسرح العمليات حققت تفوقاً يضمن توفير المعلومة بل وتحديد الأهداف وإصابتها من خارج ميدان العمليات .. وبدون اللجوء إلى استنزاف العنصر البشري .. من خلال الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار في الاستطلاع والقصف ومضادات الدبابات والطيران المحمولة على الكتف والصواريخ السابحة متوسطة وبعيدة المدى والعابرة للقارات وتقنيات التجسس والاختراق عن بعد من خلال شبكة الانترنت …إلخ .. وبقدر ما تنفق الدول على تقدمها العلمي بقدر ما تجعله عنصراً حاسماً في الحرب الهجومية والدفاعية .. وهذا موضوع القرن الذي يجب أن تبذل فيه الجماعات المجاهدة وسعها فلا تكتفي باستخدام مصنوعات العدو أو وسائل اختراقه وإنما تعمل على بناء جهاز من النابهين موضوعهم التقنية الحربية ..

 

6- التدريب:

تقدر خبرة الجيش والجنود بتاريخهم العسكري وبرقي التدريب واعتماده على التمارين العملية الهجومية المتنوعة .. مثل التسلل والإغارة والكمائن ومناورات الهجوم المختلفة .. كذلك التدريب على مقلدات الأسلحة ووسائل المحاكاة فهي فضلاً عن توفيرها للذخائر ذات الكلفة العالية فإنها تعمل على برمجة الجندي حال تعرضه لظرف مشابهة .. هذه النقطة غاية في الأهمية حيث يكون رد فعل الجندي آلياً في الميدان بعيداً عن الخوف والتردد كما تجعله واثقاً من نفسه ورفاقه والسلاح الذي بين أيديهم .. وبقدر ما تهتم القيادة باعداد وتدريب جنودهم بقدر ما تظهر كفائتهم العملية في ميدان القتال ..

إن الهدف الرئيس من التدريب هو إدخال الجنود في تجارب قريبة لما سيواجهونه لإثناء تقدمهم في أرض المعركة بحيث يلمون بنسبة مقبولة عن ظروف القتال ومناخه وتكون عقولهم حاضرةً لأي مفاجئة محتملة .. وقديما قالوا العرق في  التدريب يوفر الدماء في الميدان ..

 

7- الحشد:

هو حشد الجهود “المادية والمعنوية” في الوقت والمكان الصحيحين لإنجاز المهمة .. ومجال الجشد يكون في: البشر والتجهيزات والأسلحة والذخائر والتموين والخدمات الطبية وبقية الإداريات …إلخ  .. والحشد بطبيعته لا يبلغ المثالية والنقص الناتج في بعض النواحي الثانوية لا يضر طالما تمكنا من تحقيق تفوق في الجوانب الرئيسية ..

هذه التعبئة يتم ضبطها بالتوافق مع عدد من المبادئ مثل: الاقتصاد بالقوة ونسبة القوات والزخم والانتشار .. نظراً لأن الموارد المادية المتاحة لأي دولة محدودة فالحشد يكون محكوما بالاقتصاد .. كما أنه محكوم أيضلً بنسبة القوات في حالتي الدفاع والهجوم مع قوات العدو حيث يجب حشد العدد النسبي .. والحشد لا بد أن يوفر الإمدادات النارية والبشرية المطلوبة في المعركة حتى لا يفقد الهجوم زخمه وتكون النتائج عكسية .. كما أن الحشد يجب أن يتم توفيره في نقطة التعبئة التي تنسجم مع حالة الانتشار للقوات ..

 

8- الزخم:

أحد العناصر الهامة في العملية الهجومية إذ يجب المحافظة على زخم وعنفوان القوة النارية حتى تنتهي القوات المتقدمة من احتلال الهدف .. وأي توقف للزخم الناري قد يفشل العملية الهجومية ويحدث خسائر في القوات المتقدمة .. ولهذا فقصف القوات الجوية والمدفعية الخفيفة والثقيلة والضرب المباشر للدبابات والمدرعات المتقدمة مع المشاة ورشقات الأسلحة الرئيسية المصاحبة للوحدات المتقدمة والمتمركزة على منصات أرضية حاكمة عليها أن تستمر في صب نيرانها بشكل مكثف أثناء عملية التقدم على خطوط العدو الأمامية ثم تبادر برفع النيران عبر الهدف لتسمح لقوات الهجوم باقتحام الهدف وتطهيره وتأمينه ..

الدقة في التوقيتات وحسن تواصل وحدات الإسناد وسلاح الجو مع قائد عملية الاقتحام يقلل من الأخطاء والفوضى التي تصاحب الاقتحام خاصة عند طلب رفع النيران عبر الهدف لتسمح لقوة الاقتحام باحتلال الهدف ..

 

9- الواقعية:

وهو التعامل مع الواقع بدون تجميل .. أن نعرف من نحن ومن عدونا وطبيعة الأرض والمتاح من امكانات …إلخ في ضوء هذه المعرفة تبنى الخطة وفق ضوابط أخرى .. فلا يجب أن تكون خطة الهجوم طموحة جداً أو كثيرة التعقيدات حتى يمكن للجنود فهمها وتنفيذها في الواقع .. كما أن الإمكانات المتاحة المتوفرة تحت أيدينا تلزمنا بتحديد نوع الهجوم ( مباشر أو غير مباشر ) .. الفرق بين الأهداف والأمنيات هو الفرق بين النجاح والفشل فكلما كان الهدف المطلوب تحقيقة واقعياً ومتناسب مع قدراتنا كانت نسبة التوفيق أعلى .. ويجب أن تسير العمليات العسكرية لتحقيق المناخ اللازم للوصول إلى فاصل المفاوضات ( والتي قد تكون إملاءات المنتصر ) .. وقمة المهارة أن تفرض على عدوك الواقع الذي يجعله يلجأ للمفاوضات دون قتال .. علينا أن ندرس ( فتح مكة ) بعمق لندرك أن الصراع حتمي كما أن المفاوضات التي تعقبه هي التي تنهي حالة الحرب ..

 

10- المرونة:

إن المرونة ضرورة لمواجهة المفاجأت المحتملة التي قد تصادف خطة الهجوم .. ولذلك لابد من دراسة كافة السيناريوهات المتوقعة وإعداد خطط بديلة تجابه المخاطر المحتملة .. ولذلك من المهم أن تكون الخطط بسيطة وغير معقدة ليصلح التنقل بينها بمرونة دون حدوث أي  اضطرابات .. تتحقق السيطرة بساطة الخطة والمرونة في الانتقال بين البدائل .. الخطط المعقدة وعدم وضع خطط بديلة عندما تواجه ظرف غير متوقع تفقدنا السيطرة على الجنود ومن ثم على الوضع بالكامل ..

 

11- استثمار الفرص .. واستثمار النصر:

المفاجأة التي يتسبب فيها الهجوم المفاجئ تؤدي إلى انهيار سريع في معنويات العدو وتصيبه بحالة من الهلع تجعله يفر من موقعه بشكل فوضوى .. هذا الوضع يجب استثماره فيتم تطوير الهجوم لتعميق خسارة العدو وكسر إرادته وعدم منحه الوقت لإعادة تنظيم قواته .. هذا من أساسيات خطة الهجوم ..

تتم عملية استثمار النجاح عادة بوحدات الاحتياط فتدفع في الاتجاه المطلوب ضربه أو دعمه بحسب رؤية القيادة في الميدان .. الاستثمار لا يجب أن يتجاوز حدود المسموح به بدون توفير غطاء مدفعي وجوي .. والا سيتم تعريض القوات لمخاطر كبيرة ..

 

12- إعادة التنظيم:

ما أن تنتهي العملية الهجومية بدفع العدو للخلف واحتلال المنطقة المستهدفة تبدأ مرحلة غاية في الخطورة .. فلا بد من استعادة السيطرة على الوحدات المتقدمة وإعادة توزيعهم بسرعة ودقة لصد أي هجوم معاكس .. كما تبدأ الأعمال الإدارية لإعداد الموقع للدفاع حال تقرر البقاء فيه فترة أطول .. أعمال الحفر والتحصين وترتيب الواجبات الدفاعية وتوزيع أقواس الرماية للأسلحة الرئيسية .. وتبديل القوات بقوات حصلت على قدر من الراحة .. وإرسال الداوريات للاستطلاع  وللكمائن المتقدمة .. والتنسيق مع المجاورين …إلخ سلسلة الأعمال الدفاعية ..

كذلك إخلاء الجرحى والشهداء وإرسال الأسرى للخلف وتعويض المصروف من الذخائر واستكمال الخسائر من الأسلحة .. وإرسال التقارير عن الوضع وانتظار الأوامر الجديدة ..

 

– – – –

[1] كتاب الصراع ورياح التغيير الجزء الثاني فصل الاستراتيجية صفحة 199 .. وأنصح بقراءة فصل الاستراتيجية ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

عنوان المقالة : سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -14- (الحرب الهجومية)

 

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -13- (الاستراتيجية الشاملة)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -13- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -13- (الاستراتيجية الشاملة)

بسم الله الرحمن الرحيم

13- الاستراتيجية الشاملة

 

الانشغال بردود الفعل اليومية يلهي عن رؤية الصورة الكاملة لخارطة الصراع .. ففي الوقت الذي تشغل عدوك بالتفاصيل اليومية والمعارك الجزئية .. صف ذهنك للتركيز على الهدف الأساسي والتخطيط لتحقيقه .. عليك بالنظر لصورة مسرح الصراع من كل زواياها .. ثم .. قسمه لأجزاء تستولي عليها تباعاً .. حارماً العدو من استقراره النفسي وعناصر قوته ومصادر طاقته وإمكاناته وتحلفاته ضارباً مصالحه لإضعافه وإنهاكه ومن ثم انهياره ..

الحماسة والمبالغة فيها تقلل من قدرة القيادة للسيطرة على عاطفتها وتشوش على أفكارها .. وبالتالي تحرمها اليقظة التي تمكنهم من رؤية المشهد الكامل .. على القيادة أن تحذر من الحماسة المفرطة وتحافظ على يقظتها وحذرها لتبصر ما لا تراه رأي العين وتسمع ما ليس في نطاق سمعها .. لتكون حاضرة وجاهزة لقهر أعداء الله .. كيقظة أبي بكر الصديق t وحراسته للمدينة .. ولا تنسى القيادة أن الحماسة للجنود كالحشوة الدافعة للصاروخ ..

 

الإعداد الجيد للقيادة يؤهلهم لتولي مهامهم باقتدار عندما يحين وقتهم .. حينما توفي رسول الله  رمت العرب المدينة عن قوس واحدة .. ارتد من ارتد من العرب ومنع بعضهم الزكاة ونجم النفاق في جزيرة العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية .. وعلى مشارف المدينة جيش أسامة t متأهب لمهمته .. حينها أشار أهل الرأي على أبي بكر (رضي الله عنه) بالتريث وتأخير إنفاذ جيش أسامة (رضي الله عنه) .. لكن أبو بكر (رضي الله عنه) الذي استحضر المشهد كاملا عدل عن رأيهم إلى خطة محكمة: فلم يمنح وساوس المتربصين وقتا حتى أحبطهم وأجهض مخططاتهم بإنفاذ بعث أسامة (رضي الله عنه) إلى الروم فأحجمت بمسيره المناطق الشمالية عما حدثت به نفسها .. ثم أمن أبو بكر (رضي الله عنه) المدينة فجعل كبار الصحابة (رضي الله عنهم) يرابطون مع المقاتلة على منافذ المدينة وجعل بينهم وبينه مراسلين لنقل الأخبار وجمع أهل المدينة في المسجد استعداداً لأي طارئ ونفع الله بذلك؛ فعندما طرقت الغارة الأنقاب وجدت عليها المقاتلة والمراسلين الذين نقلوا الخبر لأبي بكر (رضي الله عنه) الذي سار إليهم بأهل المسجد فردوا الغارة وغنموا عدوهم .. ولما رجع جيش أسامة (رضي الله عنه) غانماً عقد أبو بكر (رضي الله عنه) أحد عشر لواءً لقتال المرتدين ومانعي الزكاة في كل أنحاء الجزيرة فهزمهم بإذن الله .. وانتهت حروب الردة .. فعاقب من استحق العقاب وعفا عمن تاب وآب ..

على الرغم من قصر مدة خلافة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) إلا أنها مرت بمرحلتين رسمتا ملامح الاستراتيجية الاسلامية .. التزم فيها أبو بكر (رضي الله عنه) درب صاحبه ومعلمه .. في المرحلة الأولى توجه نحو توحيد جزيرة العرب ليجعل منها قاعدة انطلاق  للقوة الإسلامية التي دفعها في المرحلة التالية لفتح العالم المعروف أنذاك فوجه الجيوش إلى فارس والروم ..

والمتتبع لسير الفاتحين يجد تشابها بين انطلاقاتهم وبداية عهدهم بعد وفاة المؤسس .. نجد هذا واضحاً مع المسيرة العسكرية للإسكندر المقدوني .. لقد وحد والده الملك فيليب اليونان ( باستثناء اسبرطة ) ولما اغتيل الملك بادرت أثينا للانسحاب من الاتحاد وتبعها غيرها .. واعتلى الإسكندر الشاب العرش فنصحه الجنرالات والسياسيون أن يتحرك ببطء ليعزز وضعه في الجيش وفي البلاد ثم يعيد إصلاح الاتحاد باللجوء إلى المكر والقوة معاً .. لكن الإسكندر رفض ذلك ولم يمنح أعداءه الفرصة لينظموا قواهم فقاد الجيش بقوة وقسوة وحزم فدمر طيبة وردع أثينا وأعاد توحيد اليونان .. ثم توجه بجنوده في خطوة جريئة نحو الفرس فهزمهم في ( غرانيكوس ) ولم يتعقبهم شرقاً كما لم يمنحهم الوقت .. فسار جنوباً إلى مصر ليحرم الفرس من غلالها الوفيرة ومواردهم الأساسية ويساعد على استقرار الاقتصاد الإغريقي .. كما حرم الإسطول الفارسي من شواطئه الغربية فجعل الإسطول بلا قيمة .. وأرسى قواعد العدل مع شعوب المنطقة وأظهر رحمة أكسبته قبولاً عاماً .. وما لبث أن تحرك شرقاً ليضع الفصل الأخير من حكم داريوس الذي فقد موارده وقواته البحرية ودعم شعوب المنطقة .. لقد كانت حياة الإسكندر قصيرة مع إنجازات كبيرة ..

 

نلخص ذلك في عدة نقاط:

1- توحيد الجبهة الداخلية في إطار وحدتها الجغرافية وهي جزيرة العرب .. وحتى نفهم أهمية ما قام به الصديق(رضي الله عنه) في حال لم يبادر إلى تنفيذ أمر رسول الله بإنفاذ بعث أسامة (رضي الله عنه) وإصراره على قتال المرتدين ومانعي الزكاة لعمت الفوضى ولما بقي من المسلمين إلا قلة بالمدينة ولتناقصت الشريعة ولم تصل لنا .. ولعاد العرب إلى جاهليتهم ولحرم العالم من نور الإسلام ..

2- الانطلاق بمن وحدهم إلى خارج جزيرة العرب .. في حال بقاء الإسلام محصوراً بالعرب لأكلته الصراعات الداخلية .. فدفعهم للخارج حول التنافس بينهم وقوداً لفتح العالم بدلا من التردي في الصراعات الداخلية .. ولم تخرج انطلاقة الإسكندر عن ذلك إلا لتحقيق حلم الانتصار على عدوهم التاريخي ..

3- رؤية المشهد الكامل لمسرح الصراع وبناء الاستراتيجية الشاملة .. فلم يغتر الإسكندر بالنصر الذي حققه فركض خلف داريوس؛ ولكنه فطن لخطر طول خط إدارياته والجيوب التي ستكون خلفه وعلى مجنباته ولذلك جرد عدوه من الأطراف والموانئ والجزر التي اعتمد عليها سابقاً في الهجوم على اليونان كما استولى على مصادر الدعم في مصر الغنية بالخيرات وحرم منها داريوس .. ثم انطلق شرقاً للقضاء على عدوه ..

4- مارس السياسة كما علمه أستاذه أرسطو فلم يسلب عدوه الأرض والخيرات فقط ولكن عقول وقلوب الناس أيضاً فكان كريماً رحيماً معهم فكسب ولائهم وأمن شرهم .. وأعاد بناء نظامه على الأسس الفارسية متفادياً النواحي القاسية وغير الشعبية .. وأفضل من هذا ما فعله الفاتح المسلم حيثما حل؛ فأقام العدل وملك قلوب العباد حتى أطلق على المسلمين اسم الفاتح الرحيم ..

5- القدرة النفسية الرائعة في السيطرة على الانفعالات الشخصية: فأن تعاقب وبعنف رادعاً من تسول له نفسه الردة أو التمرد أو الشح فيما فرض عليه .. كما أن تعفوا عمن تاب .. وأن تكون سمحاً كريماً مع أهل البلاد المفتوحة .. وأن تأخذ من نظامهم ما يناسب دولتك .. فهذا كله دليل على عدم التعصب أو التشنج أو الرغبة في الثأر والانتقام فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها ..

6- الرسالة التي حملها المسلمون للعالم افتقر إليها الإسكندر فقد عالجت الرسالة الوضع بعد الحرب .. أسست لمرحلة جديدة للوجود البشري على الكوكب .. أخذتهم رسالة الإسلام من تفاعلاتهم البشرية وانتماءاتهم القبلية إلى مفهوم الأمة وأعطتهم منهج يقيم حياتهم فبعد تجاربهم العديدة لمناهج صنعتها أيديهم عانو منها وابتلوا بها غيرهم .. رسالة الإسلام كانت كاملة وكانت نعمة تلبي كل متطلبات النفس البشرية .. الرسالة التي ارتضاها الخالق I للناس مهرها بقوله {… الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا … {3}المائدة ..

7- لهذا أصبحت هداية سكان الكوكب الهدف السياسي الرئيس للمسلمين وهو هدف يمكن تحقيقه بجوادي الدعوة والجهاد .. فمن يقبل بالدعوة لا ترفع عليه السيوف .. ومن استحق الجهاد انطلق إليه ليرفع عنه ما يعيق رؤيته للدعوة وليحرره من اختيارات أئمة الكفر ليختار حراً لأخرته ما يقيمها أو …. عن تميم الداري t قال سمعت رسول الله يقول ( ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر ) ..

8- هجوم “تيت” لم يكن هو العامل الحاسم في إخراج القوات الأمريكية من فيتنام .. لكن آثاره غير المباشرة هي التي أتت أكلها .. لقد صدم حجم انتشار ضربات الفيتكونج في طول البلاد وعرضها الشعب الأمريكي الذي عمل على إيقاف الحرب .. الدور الإعلامي ونقل الصورة وكذلك الخطاب السياسي للعالم هو سلاح ذو حدين لا يهمل ولا يستعمل برعونة .. رسالة الحضور الشامل لهجوم “تيت” تركت انطباعاً سلبياً لدي الشعب عن قدرة قواته على حسم الحرب أو حتى الاستقرار بعدها .. ما فعلته داعش كان على النقيض فقد حملت رسائلها رعباً للعالم فتحالف عليهم .. اختيار الهدف رسالة .. والخطاب السياسي رسالة .. وما يفعل أو يقال لقوات العدو ليس عينه ما يقال لشعبه .. والفارق كبير بين من يفجر في دور العبادة وبين من يهاجم صحيفة أساءت لنبي الهدى ﷺ. لدينا قضية عادلة ندافع عنها كما لدينا دين ندعوا إليه هذه هي العناوين التي توجه للشعوب اليوم ..

9- على المسلمين اليوم أن تكون لهم رؤية شاملة ذات مراحل: المرحلة الأولى يعملوا فيها على إضعاف العدو العالمي والقضاء على عملائه في بلدانهم وفق وسائل التغيير المناسبة لكل قطر وإقليم .. والثانية أن يتفقوا على لم شمل الأمة تحت مظلة توحد قوتهم وتجعلهم قدوة فتفتح المجال أمام قوتهم الناعمة للانطلاق نحو العالم .. والثالثة أن ينطلقوا لأقاليم العالم دعاة هداة على هدي أجدادهم ومجاهدين رحماء كما كانوا في عهد نبيهم ﷺ .. إلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولاً .. والدعوة لدين الله مستمرة قبل وأثناء وبعد كل المراحل ..

10- إن بناء الاستراتيجية المناسبة لتحقيق أهداف المراحل السايقة لا بد أن تخضع لرؤية شاملة تجمع بين العمل المباشر وغير المباشر بحسب طبيعة كل أرض وكل شعب من شعوب الأمة والخيارات أمامهم مفتوحة “الدعوة .. الثورة .. الانتفاضة المسلحة .. حرب العصابات .. العمل السري بالمدن .. وحتى الانقلابات العسكرية … الخ” .. المهم إحسان اختيار الوسيلة وإحسان استخدامها وهذا يتوقف على إحسان التحضير والإعداد الجيد للقيادة حتى إذا حان الوقت كانوا رجال زمانهم ..

11- على المسلمين ألا يقنطوا وأن يكونوا على يقين أن حكام هذا الزمان وبطانتهم وجنودهم هم جزء من العدو لهم مهمة واحدة وهي خنق الإسلام وشنق المسلمين وتسليم البلاد والعباد لأتباع الشيطان في ظل الصراع المرير منذ خلق آدم عليه السلام .. وأن القضاء على هؤلاء الحكام وبطانتهم وجنودهم ومن وراءهم؛ وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بني آدم هو جوهر مهمتنا وساعتها يتحقق النصر على إبليس وجنده فهو العدو الأول والأخير .. قال الله I {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ {6} فاطر..{قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً {62} الإسراء..{إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا {117} لَّعَنَهُ اللّهُ م وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا {118} وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا {119} يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا {120} أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا {121}النساء ..{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {22} إبراهيم .. { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ {16} الحشر ..{ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا {76} النساء ..

على الحكام أن يجهزوا بلادهم للاحتلال .. عليهم أن يفقروا بلادهم بسياسات زراعية واقتصادية فاشلة .. على شعوبهم أن تعيش أزمات متلاحقة لاصابتهم باليأس .. التسبب بفساد اجتماعي بالتضيق عليهم في الرزق ليعدو الزواج بعيد المنال فتداوى الشهوات بالفاحشة وتدمر مؤسسة الأسرة .. على الشعب أن يفقد قوته بعزله عن السلاح وجعل أمر القتال بيد طائفة تم برمجتها للطاعة وليس للتفكير أو الاختيار .. يجب أن تكون الصناعات استهلاكية وليست تنموية حتى يظل الشعب تابعاً للغرب وخاضعاً لتقنيته وبالتالي مبهوراً بقوته الناعمة فيسهل اعتناقه لما يعرض عليه .. القضاء على المدارس والتعليم والتربية الإسلامية وهدم مؤسسة القضاء الإسلامي ليفشو الجهل وتسلب المرجعية الشرعية منهم .. على الحكام اغتيال المرشحين للقيادة قبل أن ينضجوا لتضيع الخبرة وتظل الرعية بلا راعي ويفقد البناء أساسه .. بدون مرجعية وبلا قوة تدافع ولا قلم يعلم ولا لسان يقود معركة الوعي ومناخ مشحون بالفاقة والعوز ومجتمع ضائع في التيه بلا راعي .. بمثل هذا تخنق البلاد ويشنق العباد .. هكذا بدت استراتيجية الأعداء الشاملة بعد المقاومة الباسلة من أجدادنا لحملاتهم عبر الزمان .. لقد خرجوا وتركوا مخلفاتهم وراءهم لتنفذ ما فشلوا به .. فحرب الإسلام علانية واحتلال آراضيه بالقوة تجربة محكومة بالفشل ولن تمكن لهم في الأرض .. ولكن حصان طروادة مع تغريب المسلم عن دينه سيمنحهم لفترة ما يريدون .. ولن تدوم .. إلى أن يجدوا داءً جديداً يقتل الغيرة ويخنق الوطنية ويزيفوا به التاريخ ..

الحاكم وأهل العلم والرأي هم الدولة .. الأمة بكل أطيافها هي الجنود .. والدين هو الروح التي نفخت في بدنهم يسوسهم ويقودهم .. ولا يجب على العاملين لله اليوم أن يهملوا أي منهم ..

 

مبادئ الاستراتيجية الشاملة:

واقعية الأهداف والتركيز عليها: ويمكن إيجاز أهداف الرسالة الإسلامية في خمس موضوعات: توحيد الخالق وإفراده بالعبادة .. سياسة الدنيا بإقامة العدل والتكافل بين بني آدم كافة وفق تشريع سماوي منصف رحيم سواءً للمسلمين أو من بقي على كفره من أهل الكتاب طالما هم يحيون داخل دار الإسلام وفق التشريع الإسلامي .. حراسة وجود المسلمين وحفظ أموالهم وتأمين انطلاقتهم لنشر عقيدتهم .. تحرير العقل برفع الضغوط والحجب عنه لتمكينه من الاختيار وتأمين العقول المسلمة من سلبها فكرياً أو حسياً وحفظ العقول من أي مؤثر يشوش عليها أو يضر بها أو يحجب رؤيتها .. وعمارة الأرض باستثمار نعم الله في الكوكب على أحسن وجه ممكن ..

السمة المهمة التي يجب أن تتصف بها الأهداف أن لا تكون أمنيات .. كما يجب أن تكون الأهداف واضحة واقعية متجذرة بعيدة المدى وتمنح جميع الأفعال ثبات الاتجاه .. وهي نقطة يفقدها القادة بمرور الوقت ويدورون حولها ..

 

– الرؤية الشاملة: ساحة الصراع كبيرة ومعقدة والنفس البشرية أكثر منها تعقيداً .. والصراع لا يكون في مسرح العمليات فقط بل يتخطاه إلى البطن الرخو للدولة ويمد أذرعه لتصل إلى الحلفاء في الإقليم وخارجه .. وليس بالضرورة تبني برنامج عسكري لهم .. فمنهم من تستوعبه السياسة .. ومنهم يغير الإعلام قراره .. ومنهم من ترده الدعوة والهداية وانشراح الصدر .. ومنهم من يقبل بمنح اقتصادية .. وكثير منهم يردعهم التهديد .. وهناك من يتعظ بغيره .. بعد احتلال العدو الأمريكي وحلفاءه العراق قام القذافي بفك مفاعله النووي دون أن يشهر أحد في وجه سكين .. من فقه التهديد أنه ليس بالضرورة أن يؤدي بالكل إلى الاستسلام بل يكفي اصابة البعض بالخوف على مصالحهم ويتم تحيدهم من الصراع ..

 

– قطع الجذور:  أي قطع رأس الأفعى فحكام هذا الزمان تم توليتهم بإرادة خارجية ولا أوضح من أن يقول الرئيس الأمريكي أنه وضع رجلهم في سدة الحكم بالرياض .. ولله در القاعدة حينما عمدت لضرب الرأس .. لقد غزا “هنيبال” إيطاليا ولم يتمكن جنرالاتها من هزيمته .. فقط “سيسيبو أفريكانوس” نظر للصورة الكاملة وأدرك أن جذور “هنيبال” تخرج من قرطاج .. فقام بغزوها واجتاحها ودمرها فلم يكتفي برد “هنيبال” عن روما وإنما أخرج قرطاج من المنافسة معها ..

 

أن تسلك الطريق المباشر أوغير المباشر للهدف رهن بعوامل كثيرة .. والمفاضلة بينهما تخضع لمناقشة عميقة .. حينما عمد الجنرال جياب للعمل المباشر في هجوم “تيت” ولد انطلاعاً سلبياً كما أسلفنا لدى الشعب الأمريكي عن الحرب فأوقفها .. في حين أن الهجوم الياباني المباشر في بيرل هاربور جاء على النقيض فقد ولد لدى الشعب موجة من الغضب لم يطفأ حرها إلا القنبلة الذرية .. ويظل الاختيار غير المباشر محمود الأثر فالحرب خدعة وتعتمد تحركاتها الحاسمة على السرية .. أن تحرم العدو من معرفة نواياك وأهدافك وقمت بخداعه فلا يعرف أين تذهب ولا أين الهدف الرئيسي وجردته من الرؤية فقد ملكت زمام المبادرة ..

تواجه الاستراتيجية الشاملة عدة مخاطر: أهمها خطر النجاح الذي يفقدنا الرؤية وتخدعنا بعض الانتصارات فلا نراجع أنفسنا أو برامجنا في حين أن عدونا يطور من نفسه .. لا بد أن نعتاد على النقد الذاتي طوال المسيرة لإصلاحها وضمان عدم سقوطها في فخ النجاح ..

خطر آخر مخيف ويكمن في حالة التردد التي تنتج من المعرفة الكثيرة .. حينما ترى كثرة الاحتمالات وتفقد القدرة على اتخاذ القرار ويصعب التحرك وتصاب بحالة من الجمود .. القائد الفذ هو الذي يخطط قدر ما يستطيع ويرى أوسع وأعمق ويتقدم في الوقت المناسب ..

سيظل الواقف فوق القمة يرى أبعد من القابع في الوادي .. وسيظل الواقف تحت الشجرة يرى بعضها حتى إذا خرج من محيطها رأى الصورة الكاملة .. هذه الأمثال هي أساس فلسفة الاستراتيجية الشاملة ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -13- (الاستراتيجية الشاملة)

 




سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -12- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -12- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -12- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

12- استراتيجية فض أو رفض الاشتباك

 

أثناء الصراع قد تواجه قواتنا ظروف اشتباك غير مواتية .. وفي إطار ربح الحرب يتعين علينا أن نتجنب بعض المعارك التي إن خضناها تسببت في أذى مادي ومعنوي لقوتنا يستغرق وقتاً طويلاً لجبره ( جاور – كوباني – حلب – حماة ) .. هنا لا بد من مقايضة المكان بالزمن .. الدفاع والهجوم ليسا وجها الحرب فقط فالانحياز وجه آخر .. “الانسحاب .. الانحياز .. التراجع” اسماء تدل على عمل عسكري منظم لا علاقة له بالفرار  .. الفرار حالة من الفوضى تؤدي إلى كارثة في الأرواح والمعدات ( 1967 ) .. الانحياز مناورة عسكرية منظمة بدقة عالية وتخطيط راق .. يتخذ قرار الانحياز عندما يختل ميزان القوى بشكل ملحوظ .. ويستمر التراجع حتى الوقت الذي ترى فيه القيادة أن الانحياز حقق توازن القوى من جديد .. سواء تم ذلك بوصول قوات دعم .. أو الوصول إلى أرض شديدة الوعورة .. أو تبعثر قوات العدو واصابتها بالاجهاد خلال المطاردة .. أو طول خطوط امداد العدو وضعف حمايتها .. حين تكثر أخطاء العدو فهذا وقت انتهاء الانحياز والعودة لتسديد الضربات المرنة والسريعة ..

 

الانحياز يبدأ بأعمال خداع تساهم في تغطية قطع التماس مع العدو .. وتتم العودة إلى الخلف بانتظام بهدف: الاختفاء مؤقتاً لتجنب خوض معركة حاسمة مع العدو ( حرب العصابات ) .. أو بغرض احتلال موقع أفضل لمتابعة القتال ( انحياز قندهار – المكلا ) .. أو العودة لقاعدة الانطلاق ( انحياز زورمت – مناورة فض الاشتباك في مؤتة ) .. أو من أجل كسب الوقت وتعديل الوضع وتدعيم التعبئة أو استدعاء الاحتياط ( الانسحاب التكتيكي ) .. أو العودة بعد تنفيذ مهام قتالية ( كمين – إغارة – استطلاع – تسلل للخطف أو التخريب ) … الخ ..

و يتم الانحياز في وقت يمنح القوات المنسحبة غطاء من الرؤية الضعيفة ( الليل أو الضباب ) ليحرم العدو من أي تفوق .. وتحدد فيه محاور الانحياز بدقة متناهية مع توفير حماية لهذه المحاور .. الحماية جزء من مناورة التراجع وأسلوبا من أساليب القتال التأخيري ..

 

مبادئ الانسحاب:

– المرونة : يجب أن تكون الخطة قابلة للتطوير لتواجه أي مستجدات أثناء عملية الانسحاب ..

– البساطة : ينبغي أن تكون الخطط واقعية ومنطقية وسهلة لكي يمكن فهمها وتنفيذها ..

– السرية : وتشمل سرية التوقيت وخط السير وخطة الانسحاب…

– العمل التعرضي : ينبغي أن لا ينسى الفرد أن الانسحاب ينبغي أن يستهدف تحطيم العدو مثال ذلك المواضع التي ينبغي مسكها والقتال فيها . الكمائن ومصائد المغفلين، حقول الألغام، مناطق شن الهجوم المقابل  . . .الخ . ينبغي تذكير الجنود باستمرار حول الطبيعة (التعرضية) لأي انسحاب جيد التخطيط والتنفيذ .

– المعنويات : إن خير محرك للمعنويات في مثل هذه الظروف هو أن تبقي رجالك على اطلاع تام بما تنوي خطتك تحقيقه لا تخفي الحقائق غير السارة فان بإمكان الجنود ذوي الضبط العالي إبداء المساعدة في استعادة الموقف ولكن ينبغي أن تكون قاسيا في قمع الإشاعات والمبالغة .

– السيطرة : ابدأ بخطة بسيطة، وضعها بدقة وبصورة مباشرة ثم قم بالإشراف على تنفيذ الأجزاء المهمة فيها وبصورة مباشرة مثل الاستطلاع المبكر والمفضل للطرق والمثابات ونقاط التفقد . . .الخ .. تعويض العتاد في مختلف المراحل، تأمين وجبات طعام حارة كلما كان ذلك ممكنا . المحافظة الدقيقة على الوقت الارتباط الفعال مع الوحدات الساندة والتي في الأجنحة .

– الأمن : ينبغي التأكيد على الأمن باستمرار كما ينبغي معالجة أية ثغرة في الأمن بسرعة وبحزم من اجل المحافظة على سلامة الخطة وعلى أرواح أولئك المشتركين فيها .

يرى المؤلف[1] “روبرت جرين” أن الهجرة النبوية مثلت نوعا من فض الاشتباك الدعوي ورفض الاشتباك العسكري .. ففي مشهد الصراع الفكري الداخلي مع قريش والعداء الأعمى لأي تغيير لم تعد مكة خصبة بالقدر المناسب لنجاح الدعوة .. كما أن العداء بلغ قمته حين قرر كفار قريش اغتيال النبي صلَّ الله عليه وسلم .. ولذلك جاء القرار الاستراتيجي بالهجرة للمدينة حيث وفرت أرض خصبة مثلت القاعدة الصلبة لانطلاق الاسلام للعالم أجمع .. كذلك خروج نبي الله موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر مثلت أيضا شكلاً من فض الاشتباك مع قوة قاهرة وانتقل إلى الأرض التي أعاد فيها بناء نفسية بني إسرائيل خلال سنوات التيه ..

ثم خلص “جرين” إلى أن استراتيجية فض أو رفض الاشتباك تمنح القدرة على التفكير السليم لأنك تبقى بعيداً عن عنف المعتدي متحرراً من رد الفعل الثأري والذي يعيق رؤية المشهد الكامل ويحصر الحركة في الفعل ورد الفعل بعيداً عن تحقيق الهدف الرئيس .. فجاءت الهجرة لتحصن المسلمين من الانغماس في اشتباك يستنزفهم ويقضي عليهم .. وعوضاً عن ذلك منحتهم الوقت الكافي لتخلص نفوسهم من عبء مرحلة وتدخل لمرحلة البناء والنمو ثم العودة ليس للثأر ولكن لتحقيق الهدف العام وهو نشر الاسلام بإخلاص وتجرد وشفافية ..

إن استراتيجية فض أو رفض الاشتباك تمنحنا المسافة الفعلية لنرى الأمور على حقيقتها بدلاً من الانغماس الذي يحد من رؤيتنا فنفقد القدرة على احسان التفكير والتدبير .. الشجرة لا يراها الواقف تحتها ولكنه إذا تحرك عنها يراها كاملة ..

من منتصف القرن الماضي وإلى يومنا الحاضر مثل السجن نوعاً ما من فض الاشتباك الإجباري بين التيارات الإسلامية وأنظمة الحكم في كافة الدول الإسلامية .. بدأ بالإخوان المسلمين ومروراً بغيرهم .. وقد منحهم السجن كثيراً من الوقت لتقييم التجربة وإعادة إخراج رؤيتهم للصراع .. وبطبيعة الحال فمناخ السجن المفتقر للحرية والمعبأ بالقهر والإذلال[2] والتعذيب وبأفكار معلبة .. فرض عليهم اتجاهات محددة من الاستسلام أو المسايرة ماراً بالمراجعات السلبية والانعزالية إلى التكفير العام .. مناخ السجن مشحون بهواء مسموم لا يجعل فض الاشتباك حقيقياً وإنما يجعله اشتباكاً مأسوراً ومقهوراً .. هذا المناخ لا يساعد على الخروج برؤية سليمة للتغيير وإنما فلسفة تمنحهم نوعاً من الحياة وفق برامج عمل مشوهة وفاسدة .. ولأنها أنتجت في ظلال الأسر والقهر فسوف تكون رؤية مأسورة بقوانين وفلسفات لا تسمح لها بالتغيير مهما تماهت مع طبيعة نظرية النظام الحاكم لتبادل السلطة .. وهذا مشاهد من العقد الأخير للقرن الماضي ومطلع القرن الحالي .. وحتى عندما أوصلت الثورات الأخيرة بعضهم للسلطة وبعضهم لمناخ المنافسة عليها جاءت مسيرتهم متوافقة مع النفسية المقهورة المهزومة ..

وهنا نلحظ الفارق الكبير بين فض أو رفض الاشتباك الذاتي في مناخ حركي حر باللجوء إلى مناطق منيعة على العدو تمنحنا الوقت الكافي لاستعادة المبادرة .. والعودة مرة أخرى لتحقيق الهدف العام .. المناخ الحر يجعلك تلحظ الفارق بينك وبين الآخرين أن تفهم نفسك وأنصارك وعدوك .. ترى المشهد الكامل وعلى حقيقته وهذا ليس سهلا أثناء الاشتباك أو في ظلام السجن .. ولذلك تأتي البرامج في المناخ الحر استكمالا لما سبق وعلى نفس الدرب .. ولكن .. بوعي ونضج أكثر فتصحح ما وقعت به من أخطاء وتسد الثغرات .. كما تسعى لتحصيل ما يمكن من اسباب للتمكين غفلت عنها سابقاً .. وتحسن التوكل على ربها وترجو منه التوفيق والرعاية فالنصر منه سبحانه وتعالى {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {126}آل عمران ..

قد يكون هناك فريق من التيار الإسلامي بحاجة لسنوات التيه ليخرج من أصلابهم من هو أشد منهم عوداً .. ولكن هناك أجيال آخرى نمت على ربا الحرية في أفغانستان والصومال واليمن والمغرب امتلأت صدوهم بعبير الحرية ورياح التغيير .. وإن شاء الله لن يذهب جيل أحفادهم حتى يقطفوا ثمرة ما غرسه أجدادهم ..

 

– – – – –

[1] بتصرف وليس نصاً ..

[2] ما وقع للنساء في سجون الطواغيت حطم إرادة كثير من المخلصين وحملهم فوق طاقتهم .. وأثر على قرار الصراع عندهم .. ولهذا حاولوا تجنب كل ما قد يجرهم لتجربة السجن ثانية .. وفي ضوء هذه الجملة يحكم عليهم البعض بقسوة ويعذرهم أخرون ..

 

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -12- (استراتيجية فض أو رفض الاشتباك)




33 استراتيجية  للحرب -11- (استراتيجية الردع)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -11- (استراتيجية الردع)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -11- (استراتيجية الردع)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

11- استراتيجية الردع

 

الردع هو: “امتلاك حقيقي أو نفسي لقدرات تكبح جماح العدو وتمنع نشوب الحرب المباشرة على أرض الدولتين .. لكنها لا تمنع من اكمال الصراع في قطاعات أرضية أخرى” .. الردع النفسي لا يعتمد على قدرتنا على خداع العدو فقط وإنما على سمعة وتاريخ ملئ بالمواقف القوية والصادقة وسوابق في تنفيذ التهديدات .. من المهم بيان أن مجرد امتلاك قدرات للردع لا يمنع اعتداء العدو  .. الذي يمنع العدو من العدوان هو يقينه من أنك ستقوم فعلا باستخدام ما تملك من قدرات للردع .. وهذا يعني ببساطة أنه سبق وقمت باستخدامها ولا يوجد ما يمنع من استخدامها مرة أخرى .. هنا فقط تتحقق القاعدة التالية [ امتلاك سلاح للردع يغني عن استخدامه ] .. من الردع أيضا القدرة على تحقيق خسائر كارثية في أهداف العدو الحساسة أي ما يكون نوع الهجوم ( العمليات الفدائية نموذجاً ) .. من هنا نجد أن تحويل العمليات الاستشهادية من سلاح استراتيجي إلى سلاح تكتيكي بالجبهات هو خطأ فادح فما يمكن تحقيقه بقذيفة لا تهدر عليه الأرواح ..

 

 

من التعريف السابق نرى أن الردع هو امتلاك لوسائل القوة والتلويح أو التهديد باستخدامها في إطار حوار الإرادات ليصبح الردع عملية نفسية تستهدف إرادة قيادة العدو .. وسبق وبينا في دروس التكتيك أن النصر في المعركة يتحقق بالقضاء على إرادة الخصم القتالية وليس باحتلال آراضيه فقط ..

ويمكن للاختصار حصر الردع في شكلين:

الأول التهديد باستخدام القوة الخشنة: “بالعقاب .. أو بالحصار .. أو بالحرمان” ..

الثاني: التلويح باغراءات القوة الناعمة: ” المنح.. الحماية .. التقنية” ..

ولكي يؤدي الردع مهمته فلا بد من تغطية عدد من المبادئ والإلتزام بها كما جاء في التعريف:

إمتلاك قدرات: قد تكون قدرات “عقدية .. عسكرية .. اقتصادية .. سياسية .. جغرافية” وكل شكل مما سبق صالح في تحقيق ردع يحقق الهدف المرجو منه.. شريطة الوفاء بتنفيذ التهديد في حالة عدم استجابة العدو .. وهذا ينقلنا للمبدأ التالي..

–  المصداقية: وقد عبرنا عنها في المقدمة بأنك فعلا صادق في تنفيذ التهديد وذلك وببساطة لأنه سبق وقمت باستخدامها ولا يوجد ما يمنع من استخدامها مرة أخرى .. قد تخسر المصداقية لمجرد وجود تناقض بين كلماتك وأفعالك فهذه كلها رسائل يدرسها العدو بعمق ويبني قراره في ضوء فهمه لنفسيتك أيضاً ..

العقلانية: الواجب توافرها في طرفي النزاع خاصة إذا كان على نفس القدر من امتلاك عناصر القوة والقدرة على استخدامها فمن خلال الحوار – وهو بعد غاية في الأهمية في مسألة الردع أو الردع المتبادل – يتوصل الطرفين لاتفاق مناسب لكليهما .. وكذلك الحال إذا كان أحد طرفي النزاع أقل قوة .. الحوار العقلاني يمثل وجه القوة الناعمة التي تؤدي لتحقيق الردع المطلوب ..

المعلومات: لا بد من توفر معلومات دقيقة عن قيادة الخصم على المستوى النفسي .. وما هو الإسلوب الذي يناسب نفسيته ( التهديد أم الإغراء ) .. وبطبيعة الحال المقصود بالقيادة هي مجموعة الصقور والحمائم المساهم في صنع القرار .. فبدراستهم نصل لمدى تأثير كل عضو على الباقين وما يمكن أن يحققه ذلك لنا..

الإعلام: السري والعلني .. فما يتحقق “بالوشوشة” لا ترفع فيه الاصوات .. وللإعلام جانب هام في بيان قدراتنا وما يمكن أن نفعله .. فالإعلام يقدمنا للعالم كله ويعرض هويتنا ودعوتنا وقدراتنا ولكن لا للإعلام الذي يفضح ما ينبغي أن يبقى مستوراً .. فالإعلام عليه أن يستعرض ما يؤكد مصدقيتنا ويستر ما نخبأه من مفاجأت ..

السيرة النبوية مليئة بنماذج كثيرة لاستراتيجية الردع وقد باشروا المبادئ السابقة ونجحوا في فرض إرادتهم على خصومهم ..

 

قد تنجح بعض العمليات العسكرية الذكية والتي يقف خلفها دهاة الحرب في أن تكون حاسمة في ردع العدو .. فقد نضطر للقيام بمناورات محسوبة ذات درجة مخاطرة عالية .. هذه المناورات كإجراء عسكري قد تحدث أثراً  يمثل نوعاً من الردع بحيث يمنع العدو من القيام بما خطط له .. مثال ذلك: بأن يقوم العدو بدفع قوات عسكرية من مناطق مختلفة للتجمع في منطقة عمليات للقيام بهجوم عام لضرب مركز ثقل قواتنا .. وفي حالة إتمام العدو لعملية التجمع سيملك تفوقاً  كاسحاً قد يقضي على قواتنا بالكلية .. في مثل هذه الحالة تقوم القيادة العسكرية لقواتنا بدفع وحدات صغرى ذات حركية عالية وتدريب راق للقيام بمناورة سريعة للوصول إلى مقرات إنطلاق هذه القوات ومهاجمتها بشراسة وبزخم وأكثر من مرة أو مهاجمة أجناب أو مؤخرة الوحدات المتحركة لمنطقة التجمع أثناء تقدمها .. هذه المناورة تربك حسابات العدو ويصيبه الكثير من الشك ويرغب في تأمين قواعده؛ فلو كان خصمه ضعيفاً لما قام بمناورات قوية في العمق ولما هدد قواعده بهذه الشراسة .. هذه المناورات تجعل العدو يستدعي الوحدات التي انطلقت للتجمع للدفاع عن مقراتها ويعيد تفكيره في عملية الهجوم العام ..

بهذا الشكل ردعت هذه المناورات العدو عن تنفيذ مخططاته .. ورغم كونها قوة تقليدية إلا أنها عملياً تحولت إلى سلاح ردع أحبط هجوم العدو .. ( مناورة جاكسون 1862 الحرب الأهلية الأمريكية )

 

المناورة السابقة اعتمدت على:

– فهم نفسية الخصم والتأثير فيها: فمن المهم جداً كيف يراك العدو؟ ..حينما تكون قيادة العدو حساسة وحذرة إلى درجة الوسوسة وتخشى من الأخطاء وما يترتب عليها من لوم ومسائلة .. فالتحركات الأرضية الواعية السريعة على نقاط ضعف الخصم أو على وحداته المتحركة .. مع قوة الهجمات وغزارة النيران .. تؤثر في تصور الناس لتخلق صورة مرعبة عنك تتضخم آلياً وتشكل وهماً مخيفاً في عقل قيادة العدو يربكها ويحبط مخططاتها .. ولقد نُصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرعب مسيرة شهر ..

– التحركات الأرضية المحسوبة: كالانطلاق لضرب قواعد القوات المتحركة .. أو العمل على مجنبات أو مؤخرة القوات المتحركة نفسها .. أو التحرك في اتجاه مقر العدو الرئيس .. أو عاصمته .. يجعل العدو يعيد حساباته سواء حول القوة التي تهاجمه أو مركز الثقل الذي رغب في القضاء عليه .. وببساطة فإن ظهورك بجرأة في الوقت الذي يظن العدو أنك ضعيف فيه قد صعب عليهم فهم تصرفاتك .. هذه الحالة تثمر قلقاً وكثير من الخوف عند خصمك .. تمنحك السمعة التي ترعبهم وتزيد من حلفائك .. كما تمنحك الوقت الكافي للتحضير لمعركة تفرضها أنت عليهم ..

– فهم ميدان المعركة استراتيجياً مع توفر قوات ذات جاهزية حركية ومدربة جيداً: تجعلك تضعهم في المكان والزمان المناسبين دائما لتنفيذ مناورات في العمق .. فحينما يهاجم العدو الريف الداعم لك .. فالخطوة المناسبة هي أن تقوم بضرب الريف الداعم والموالي له وبنفس القوة .. فالعين بالعين .. ويجب أن تعاني مدنه كما تعاني مدننا .. وأن ما يفعله في ريفنا لن يمر دون ثمن موجع ومؤلم .. وعليه أن يتوقع في مقابل كل هجوم نتعرض له هجوم يلحق به أضرار مضاعفة .. وهذا لا يمكن تحقيقه بدون قوات معدة جيداً ورؤية خريطة الصراع كاملة وليس أجزاء منها .. ( تكتكات العصابات – بروس اسكتلندا ) ..

– فرق بين الرسائل السياسية القوية وشكوى الضعيف .. عندما تكون عرضة للهجوم وتسارع لتطلب من العدو التوقف أو أنك تهدده أنك سوف تفعل كذا أو كذا إن لم يتوقف  .. فهذه رؤية محدودة تنم عن الضعف كما تفضح نواياك .. كذلك إن أرسلت له كلمات دبلوماسية مهذبة تنقل له فيها مخاوفك فهذه شكوى لا تسمن ولا تغني .. المطلوب أن تكون على قدر المسؤلية جاداً في جعل أقوالك أفعال فليكن ردك يحمل التلميح الذي يجعله يتصور الباقي .. إلى نقفور كلب الروم الجواب ما تراه لا ما تسمعه .. هكذا تكون الرسائل ..

وبقيت كلمة مفادها “إذا فقد الردع مصداقيته فإن عناصره تتحول آلياً إلى نقاط تحفيز ترفع من معنويات الخصم” ..

 

النقد الذاتي والإصلاح والتغيير للردع:

عندما تسير المناورات السياسية والعسكرية باطراد ملحوظ في اتجاه مسدود .. وتصبح الرؤية ضبابية والتخبط سمة عامة للعمل .. والفشل مصاحب للمجموعة القيادية ولا يغادر ركابهم .. والهزائم والانكسارات والانشقاقات تتوالى .. والقرارات يائسة وعواقبها مهلكة وكارثية .. وخيمت ظلال الاحباط على النفوس ولا شعاع ضوء في نهاية النفق .. فلا بد هنا من وقفة للمراجعة  والإصلاح ..

وأول خطوات الإصلاح تتم بسنة الاستبدال أي تنحية الفاسدين والفاشلين .. وهذا الأمر ليس مقصوراً على الحكومات والطواغيت فقط .. فكثير من الجماعات والتنظيمات وفصائل التيار الإسلامي تعاني من المظالم والفساد وتحتاج إلى إصلاح حقيقي على يد أبنائها .. أي من الداخل لتعالج الآفات التي ابتليت بها بفعل المؤثرات الخارجية .. لكن .. عندما يواجه الإصلاح عناد ومقاومة من الفاشلين ويصبح برنامجهم الرئيس مناهضة محاولات الإصلاح وإفشالها .. فلا بد من ردعهم بوقفة للتغيير ..

ولا بد أن يكون التغيير أيضاً من الداخل .. هذا نموذج مصغر لثورة داخلية لا بد منها: أهم صفات القائمين على التغيير كونهم اصحاب تقوى ودين .. وعلى وعي واطلاع بالواقع .. وأعرف بمواطن الخلل وأوعى بالعلاج وجرعاته وتوقيتاته .. عليهم أن يشكلوا شبكة داخلية من الحلفاء المخلصين الراغبين في التغيير والمسيطرين على بعض المفاصل .. وعليهم أن يحظوا برعاية وتأييد أهل الفضل الأقوياء ولا يحرموا أنفسهم من نصحهم وتجربتهم .. وعليهم أن يكونوا قريبين من الجنود كاشفين لهم مواطن الخلل وسبل العلاج .. وعليهم أن يدركوا متى وكيف وأين يتم الانتقال بين السيف والدرع لردع الظالمين ..

فالقيادة قد تكون هي السيف الذي يضرب في وقت وقد تكون الدرع الذي يحمي في وقت آخر .. وكذلك الجنود تارة يكونون السيف وتارة يكونون الدرع ..

ولو أن تنظيماتنا الإسلامية عامة والجهادية منها خاصة مارست النقد الذاتي وباشرت الإصلاح ونقت صفوفها من شوائب وآفات الداعمين والمتآمرين لكان في ذلك ردع لكل مجموعة قيادية غرقت في أوهام اليقظة أو دجنتها أيدي العابثين ..

 

 

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -11- (استراتيجية الردع)

 

 




33 استراتيجية  للحرب -10- (استراتيجية الهجوم المضاد)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -10- (استراتيجية الهجوم المضاد)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -10- (استراتيجية الهجوم المضاد)

بسم الله الرحمن الرحيم

10- استراتيجية الهجوم المضاد

 

“الحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث” عمر بن الخطاب رضى الله عنه .. قمة المهارة في الدفاع حينما نتحول للهجوم المضاد بسرعة وبزخم محسوب دون أن يترك مجال للعدو ليلتقط أنفاسه ليعيد تنظيم قواته .. القائد العبقري هو الذي ينتظر بصبر وبرودة أعصاب وإرادة فولاذية [ نقطة الانقلاب ] التي تتبادل فيها كفتا الميزان الارتفاع .. من الدفاع إلى الهجوم المضاد مدمرين قوات العدو  مسببين له حالة من الإرباك والإنهيار  .. ولطالما كان خالد بن الوليد  رضي الله عنه بارعا في اكتشاف نقطة الانقلاب ..  عباقرة الحرب هم الذين يجيدون المزج بين الدفاع والهجوم والتنقل بينهما لسحب أو إغراء العدو ليندفع إلى الموضع المناسب للهجوم المضاد للقضاء عليه .. التحول من الهجوم إلى الدفاع ومنه مرة أخرى للهجوم  عملية غاية في الدقة والحساسية  .. الهجوم المضاد يعتمد على وجود قوات احتياط لديها قدرات حركية عالية ..

 

 

الهجوم المضاد هو أحد ركائز الخطة الدفاعية .. والهدف منه هو منع قوات العدو من أن تستغل النجاح الذي حققته في اختراق موقع دفاعي لتجعله نجاحا حاسما .. ويسهل تحقيق هذا الهدف حينما يصبح العدو مشتبكاً وعالقاً في الشبكة الدفاعية .. ولا يتم دفع قوات الاحتياط للهجوم المضاد إلا بعد التأكد من أن الخرق ناتج عن هجوم حقيقي .. لأن الهجوم المضاد آخر ورقة تحتفظ بها القوات في المعركة الدفاعية ..

يشن الهجوم المضاد بواسطة الأنساق الثانية بدفع إحتياطي الأسلحة المشتركة بهدف اعادة الوضع الدفاعي إلى ما كان عليه أو الانتقال إلى الهجوم المضاد العام إن كانت الفرصة سانحة وأسباب نجاحها قائمة..

تعتمد الخطة الدفاعية والهجوم المضاد على وجود عمق دفاعي وشبكة من الخطوط التي تعمل على امتصاص زخم الهجوم وتشل حركية العدو .. وهذا بلا شك يحتاج لعنصر الوقت ولا بد من منحه للقوات للتحضير الجيد للمعركة ..

من عناصر نجاح المعركة الدفاعية المتعلقة بالهجوم المضاد:

– تعتمد الخطة الدفاعية لتنفيذ هجوم مضاد فعال على معلومات استطلاع ميدانية دقيقة .. وكذلك معلومات استخباراتية للتأكد من نية العدو بالهجوم ( كورسك 1943 ) .. أو من خلال خطة خداع يتم فيها تسريب معلومات للعدو تغريه بالهجوم .. لابد من دراسة العدو ومعرفة قدراته وأسلوب قيادته ونفسياتهم .. كذلك لابد من جاهزية قوات الاحتياط وحسن تدريبها والمحافظة على الروح التعرضية لها بعيدا عن روح الخنادق ..

– الاختيار السليم للأرض التي توفر الحماية لقواتنا وتصعب مهام قوات العدو وتعيق تقدمه وتحصره في قطاع يحقق التفوق للقوات المنفذة للهجوم المضاد ويسهل القضاء عليه ..

– تنسيق التعاون وتوزيع الجهد بين الأسلحة المشتركة في الدفاع والهجوم المضاد لتحقق:-

– توفير إسناد ناري قوي ومحبط على قوات العدو المهاجمة ..

– استهداف قوات الاحتياط لدى العدو لحرمانها من المشاركة في المعركة ..

– القيام بإجراءات التأمين لقوات الهجوم المضاد ..

– من أهم بنود الأمن في المعركة الدفاعية إعداد خطة تخفي وتمويه غاية في السرية لأمرين:-

الأول: إخفاء نية القوات المدافعة بالترتيب لهجوم مضاد ..

الثاني: إخفاء قوات الهجوم المضاد عن عيون جواسيس العدو ..

– يجب أن يتم اتخاذ قرار تنفيذ الهجوم المضاد في الوقت المناسب بحيث تكون قوات العدو أنهكت في الشبكة الدفاعية .. ووجود قواتنا للهجوم المضاد في الأماكن المناسبة على أجناب ومؤخرة العدو ..

الهجوم فاضح .. فالذي يبادر للحركة أولا يفتح الباب لتوقع حركاته التالية .. وما قد يكون خبأه كمفاجأة يصبح محتملا في عقل القيادة المدافعة .. وبالنجاح في صد الضربة الأولى يصبح المهاجم في غاية الضعف .. وهذا يسهل مهمة الإعداد للهجوم المضاد .. سواء كان هجوم العدو حقيقي على الأرض أو محتمل فالخطة الدفاعية الجيدة تعالج فيها كافة السيناريوهات ..

العقل السياسي والعسكري المتزن والحليم يتمتع بمرونة مع عمق في فهم العمليات العسكرية ويسخرها لتحقيق النصر في المعركة .. فهو قد يمارس سلسلة من العمليات متنقلاً من الدفاع للهجوم للانسحاب للدفاع ثم العودة للهجوم ببراعة وقوة وثبات جنان ورابطة جأش .. مع مصاحبته وانسجامه مع سلسلة من القيادات الأصغر التي تمتلك الخبرة والتجربة .. وجنود تم إعدادهم لتنفيذ المهام المختلفة في أوقات متقاربة ..

وعلى مستوى أعلى من المعركة الميدانية نرى نضجه وبراعته في تحديده لنظرية الحرب المناسبة لطبيعة الصراع .. فقد يختار العمل بنظرية العصابات ويسير في مراحلها بقوة في مناطق وقد يستخدم في مناطق أخرى مبادئ  الحرب النظامية .. وقدراته النفسية والذهنية تجعله يتمتع بمرونة كافية للانتقال بين المراحل أو التملص من خطأ النظرية وتصحيح المسار ..

حالة الجمود والانكماش التي تمر بها التجربة الجهادية في سوريا .. والانشغال بالقتال بين شركاء الأمس .. تجعلنا نلاحظ بُعد القيادات السياسية والعسكرية عن المرونة الذهنية التي تمنعهم حتى من التوقف لإعادة التفكير: في أسباب الانكسارات المتتالية حيث يجب اعادة النظر في استراتيجية الحرب .. أو ما يترتب على القتال بينهم من ضعف للصف الداخلي وانكسار لقلوب الأمة وتفوق لعدوهم .. أو العمل على إعادة الروح والأسباب التي ساهمت في انتصاراتهم السابقة .. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمهم رشدهم ويأخذ بأيدهم لما فيه الخير للإسلام .. قال تعالى {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ {152}..

حينما يمتلك العدو قوة أو امتيازاً نفتقر إليه .. فأحد اركان خطتنا أن نعمل على تحييد هذه القوة من خلال: تهيئة مناخ يمنع العدو من استخدامها أو يحد من فاعليتها وفي نفس الوقت نعالج نقطة الضعف هذه عندنا بزيادة مهارتنا في ضوء المتاح من إمكانات ..

بشكل عام تتمثل قوة العدو ونقطة ضعفنا في الحركية .. العدو يمتلك سلاح الطيران فعلينا أن نمتلك مهارة التخفي .. السلبي والإيجابي .. عند التقدم للقتال يجب تحقيق تماس أثناء الهجوم مع سرعة اختفاء وبراعة وتشتت أثناء الانحياز .. هذه الخطة تعتمد على حساب الوقت المتاح من اتصال قوات العدو لاستدعاء الطيران من قواعده وحتى وصوله لنقطة الهجوم هذا أيضا خاضع للخبرة من خلال التجربة وحساب الزمن المرتبط بالمسافة بين موقع العدو وقواعد الطيران التي ينطلق منها .. ترتبط فاعلية الطائرات بدون طيار بسلوكنا الخاطئ على الأرض بتفلت المعلومات للجواسيس النشطين أو الاستخدام المنفلت لتقنيات الاتصال ..

أحد عناصر قوة العدو هي الاستخبارات وبالتالي يجب أن يكون عنصر القوة عندنا هو الأمن واحتراف مهاراته ..

أحد نقاط قوة العدو هو الإعلام وقدرته على خلق رأي عام موالي .. فيسعى العدو ليبرر انتهاكته واعتداءاته – التي يحاول ويجتهد في إخفائها – من خلاله بالظهور بمظهر الضحية .. وبدلا من أن يقوم إعلامنا بهذا الدور فإنه يساهم في خلق رأي عام معادي بالظهور كقاتل بلا ضمير لا يراعي مشاعر الامتدادات الاجتماعية لمن يقتلهم .. ولا يحسن خطاب شعوب الأعداء لبيان نزاهة وعدالة قضيته باللغة التي تظهر الحقيقة  .. نجح الجنرالات في فيتنام في كسب الرأي العام على أرض العدو وفي بيئته وحولوا الإعلام لسلاح يخدم قضيتهم .. ما حدث في تجربة العراق صف العالم كله وحتى التيار المجاهد أيضاً ضدهم .. وبذلك خسروا معركتي السمعة والميدان ..

الاستفزاز وإثارة الخصم وتهيجبيه بالوسائل العسكرية والدعائية .. مع خطة خداع ذكية وطُعم تم إعداده بدقة .. في إطار تنوع عملياتي بين الدفاع والهجوم والانسحاب .. مع مظلة أمنية تخفي نوايانا وتستر تحركاتنا .. تمثل خطة استدراج .. تثمر عن سحب العدو للأرض التي نجيد العمل عليها لاستهلاكه واستنزافه حتى يتم القضاء عليه ..

الاستفزاز والإثارة والتهيج يجعل الخصم في حالة عدم اتزان ذهني .. ويدفعه هذا لارتكاب سلسلة من القرارات الخاطئة والتي يصعب علاجها .. وهجومهم عادة ما يكون هشاً تم التجهيز له على عجل .. بهذا الاستدراج يتم استخدام قوة العدو ضده فهو وإن تملك قوة عسكرية كبيرة إلا أنها تدار من خلال قيادة مستفزة ومتعجلة تسيئ التخطيط وتندفع بلا عقلانية لما خططنا له آنفاً .. حيث تنتظره وحدات الهجوم المضاد ..

لا يمكن تطبيق استراتيجية الهجوم المضاد تحت كافة الظروف .. فقد تلجنأ بعض الظروف للمبادرة إلى الهجوم بدلا من الانتظار .. وقد تضطرنا بعض الظروف للانحياز بدلاً من تدمير أنفسنا بصمود يفتقر للحكمة .. وهكذا نحمي أرواح جنودنا ونحافظ على قواتنا لنقاتل في يوم آخر ..

الحلم ( السكينة والرزانة والصبر ) يفسح المجال لاستثمار أخطاء العدو .. ويفتح الباب أمام العديد من الخيارات .. مفتاح النجاح على المستوى النفسي أن تتمتع ببرودة أعصاب مع خصم تغلبه طبيعته البشرية وتدفعه للانفعال ..

لازلت معجباً بالانحياز الرائع من المكلا للمجاهدين باليمن .. وأدعوا لهم بالتوفيق في معركتهم الأمنية والإعلامية .. كما أنتظر هجومهم المضاد حينما تتهيأ الأسباب ويحين الوقت .. فالإيمان يمان والحكمة يمانية ..

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

سلسلة 33 استراتيجية  للحرب -10- (استراتيجية الهجوم المضاد)




33 استراتيجية  للحرب -9- (الحرب الدفاعية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -9- (الحرب الدفاعية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -9- (الحرب الدفاعية)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الجزء الثالث

9- الحرب الدفاعية

 

الدفاع والهجوم وجهان لعملة واحده هي الحرب .. والحرب والسياسة وجهان لعملة واحدة هي التغيير .. القبطان الخبير يعرف كيف يستفيد من ظاهرة المد والجزر للإبحار أو الإرساء .. الهجوم والدفاع أشبه بحركة المد والجزر وكلاهما يأتي ثمرته إذا استخدم في الزمان والمكان المناسب .. القائد الماهر وهيئة أركانه يعرفون متى يتوجب عليهم الإقدام أو الإحجام لتحصيل الثمرة .. والإقدام أو الإحجام في المناورات السياسة يؤتي ثماره إذا استخدمنا أي منهما في الوقت الصحيح .. والدعوة والجهاد كلاهما يأتي بثمرته إذا استخدما بالقدر المناسب وفي المكان المناسب والزمان المناسب ..

 

الحرب الدفاعية:

الدفاع هو الشكل الأكثر حكمة وحلما في الحرب .. استراتيجية المعارك الثلاث الأول للمسلمين ( بدر وأحد والخندق ) كانت استراتيجية دفاعية .. وقد خضعت بشكل عبقري لمبادئ الحرب والدفاع في ذلك الزمان: الاستطلاع الجيد لميدان المعركة .. احتلال الأرض الحاكمة وذات الموارد الحيوية .. الشؤون الإدارية الخفيفة مع قصر خطوط الإمداد .. الأمن والسرية .. المفاجأة .. الخداع .. الروح المعنوية ..

يرتب الدفاع في الحرب النظامية وفق مبادئ وأسس عسكرية “نسردها في المشاركة الثالثة” .. في المعركة الدفاعية يترك للعدو القيام بالخطوة الأولى .. ثم يتولى المدافع تحطيم قواته وامتصاص زخم هجومه في عمق الدفاعات .. وحينما تطول أو تقطع خطوط إمداده وتنهك قواته وتنهار معنوياته عندها يقوم المدافع بالهجوم المضاد .. هذه الكلمات البسيطة تعني إمتلاك المبادأة والتحول من الدفاع للهجوم ( الآن نغزوهم ولا يغزونا ) ..

حرب العصابات في إنطلاقتها تتبنى استراتيجية دفاعية ( فالعصابات موجودة وغير مرئية ) .. تظهر لتضرب ولا تقف لتلقي الضربات .. تختار ميدان وزمن المعركة ولا تستدرج لها .. تمارس عمليات الإغارة والكمائن والتسلل فتقتل وتدمر وتخطف وتغنم .. وتنسحب إلى اللامكان* برشاقة واحترافية .. ومطاردها يتوه في تقفي أثرها في اللامكان .. وهي تكمن له في منعطفاته وأوديته تتخطفه وتغنم وتحيل طاقة هجومه إلى فشل وإحباط ورعب .. وتعيده مهزوماً مقهوراً يائساً فاقداً الرغبة والإرادة في العودة إليها ..

– ( وحدات العصابات تظل متحركة في منطقة كبيرة دون أن تتخذ لها مكان ثابت تأوي إليه .. من هنا أطلق مصطلح اللامكان للدلالة على حركيتها ) ..

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ( الحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث ) .

 

مبادئ الحرب:

هي حقائق أساسية تؤثر على كيفية تنفيذ الحرب وهي عبارة عن مجموعه من الآراء المنطقية المعقولة التي نتجت من تجارب عديدة ومن خلال الحرب ..

 

(1) الغاية ( انتخاب وإدامة القصد ):

تحديد الغاية من القتال هو المبدأ الأهم .. فلا معنى لبقية المبادئ الأخرى إن لم يكن للصراع هدف محدد ومستدام .. وهدف القتال في الإسلام ملخص في قوله تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ {193}.. والغاية ذات بعد سياسي وهو إقامة الدين .. والحرب جزء من السياسة ولكن بوسائل عنيفة ..

 

(2) المبادأة ( الآن نغزوهم ولا يغزونا ) ..

الدفاع يهيئ الظروف المناسبة لإحراز المبادأة .. الهجوم هو وسيلة لتحقيق المبادأة وحرية العمل .. والقيادة السياسية تعمل على إحراز المبادأة بوسائل دعوية وتقنية ونفسية بدرجة تكافئ في أهميتها وتأثيرها الهجوم المادي للقوات العسكرية ..

 

(3) المرونة

هي المقدرة على تبنى خطط وإحداث التغيرات المناسبة فيها لمواجهة التطورات المحتم حدوثها في الغايات السياسية .. وهي توفر حلولاً تبادلية لمختلف المشاكل والمواقف الطارئة في الميدان ..

 

(4) الحشد

هو دفع القوة اللازمة والمتوازنة المادية والمعنوية في المكان الحرج والوقت المناسب لتحقيق مصالح وأهداف الأمة .. التفوق الكمي أو النوعي ليس شرطاً حتمياً لإحراز النجاح طالما أمكن تحقيق تفوق أخطر على العدائيات الرئيسية الأكثر خطورة ..

 

(5) الاقتصاد في القوى

الموارد المعنوية والمادية المتاحة ليست دائمة .. لذلك فالحشد من النقاط الهامة التي تتطلب الاقتصاد في استخدام الموارد المتاحة .. وأندر عناصرنا هو المقاتل العقائدي فلا يستهان بدمه خاصة وقد انتشرت العمليات الاستشهادية التي تحتاج إلى ترشيد .. ولا بد من دراسة جدوى تحويلها من سلاح استراتيجي إلى سلاح تكتيكي ..

 

(6) المناورة

إن مصطلح المناورة يعني تحقيق الانسجام بين ثلاثة عناصر النار والحركة والأرض .. حركة المناورة المخفية والمطبقة بشكل سليم تسهم مباشرة في تحقيق المفاجأة واستثمار النجاحات وتقليل التعرض.

 

(7) المفاجأة

استخدام غير تقليدي أو معتاد للقوات لإفقاد العدو توازنه وإرباكه .. وتتعلق بالمكان والوقت والتكتيك والسلاح .. واقترانها بالسرية والخداع والجرأة يمكنها أن تغير توازن القوى بشكل حاسم .. وتمهد لانتصارات أضخم بكثير من قدرة القوة المتاحة ..

 

(8) الاستثمار “استغلال النجاح”

إن مبدأ الاستثمار يزيد القوة الدافعة، ويتيح توسيع وتعزيز المكاسب والإخلال باتزان العدو وإجباره على الدفاع.

 

(9) الأمن

الأمن يحافظ على القوات .. ويمنع العدو من معرفة نوايانا ويقلل من فرص تدخله .. والأمن وقت الصراع هو الذي يوفر الحماية للأهداف الحيوية وللشعب ولمؤسسات وموارد الأمة وللقوات المسلحة من كل الأخطار والمفاجآت الخارجية والداخلية في السلم والحرب.

 

(10) البساطة

تعنى الوضوح وعدم التعقيد أو الضبابية .. الأوامر المحددة الواضحة تقلل من الاضطراب وسوء التقدير .. فمن السهل تنفيذ خطه بسيطة بدلا من تنفيذ خطه معقده والخطط البسيطة عادة مرنه ويسهل السيطرة عليها  ..

 

(11) توحيد القيادة

بمعنى أن الاستفادة القصوى من القوة الفعلية للقتال تتطلب توحيد الجهد تحت سيطرة قائد واحد بهدف إيجاد التماسك والتلاحم بين الغاية والجهد والسيطرة .. وتوجيه كل طاقات ومصادر القوى المادية والعقلية تجاه الغاية المنشودة بفضل قوة السلطة والسيطرة المُحكمة ..

 

(12) الشئون الإدارية

هي التي تضمن ضخ الدماء في شرايين المعركة حتى تضع الحرب أوزارها .. وتمكن القطاعات الميدانية من تحقيق هدفها خلال العمليات ( الاتصالات والمواصلات والإمداد والإخلاء ….إلخ ) ..

 

(13) التعاون :

المعركة اليوم أصبحت معركة أسلحة مشتركة ( القوات البرية والبحرية والجوية ) فلابد من المزج بين القوى القائمة لإخراج عمل عسكري سليم .. ويجب تنسيق التوقيتات وتنظيم التعاون مع المجاورين وقوات الاسناد الأرضي والجوي والبحري تفاديا للأخطاء ..

 

(14) الروح المعنوية

الروح المعنوية هي مصدر الإرادة القتالية وتتجسد في روح الفريق وحب الوحدة والتصميم والعزيمة .. وتنبعث من القيادة والانضباط واحترام الذات والإيمان الراسخ بعدالة الدوافع والأسباب .. أهم عناصر تؤثر في إدامة المعنويات: الإيمان بالله عز وجل والرضي بالقضاء والقدر .. المنهج الرباني الذي تساس به الأمة .. الثقة في القادة علي اختلاف مستوياتهم  .. الثقة في كفاءة التدريب واستخدام السلاح مع الجماعة .. إن كمال الإيمانيات والروح الدينية هما المحرك الرئيسي للعمل في الميدان ..

 

 

ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ :

1- التعامل مع الأرض:

ذات الأهمية التعبوية (وتعرف بالأرض الحيوية) وهي التي إذا ما احتلها المهاجم أصبح المدافع في وضع لا يتمكن فيه من خوض معركة دفاعية ناجحة في منطقة مسئوليته ويجب إعادة احتلالها .. فلا بد من ﺇﺣﺘﻼﻝ ﺍﻟﻨﻘﺎﻁ ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﻭﺍﻟﺘﻤﻮﺿﻊ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﺟﻌﻞ ﺍﻷﻣﺎﻛﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻴﺔ الرئيسية ﻣﺮﺗﻜﺰﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﺴﺘﻔﻴﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻷﻭﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺨﻔﻀﺎﺕ ﻟﻀﺮﺑﻬﺎ ﺑﺎﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﻭﺿﺮﺏ ﺍﻟﻔﺮﻭﻉ ﺍﻟﻤﺆﺩﻳﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ ..

 

2- ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺑﺎﻟﻌﻤﻖ ( العمق الدفاعي):

ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺍﻷﺣﺪﺍﺙ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ فشل ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﺍﻟﺨﻄﻲ .. ﻷﻥ ﺧﺮﻕ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﻂ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﺃﻭ ﺍﻹﻟﺘﻔﺎﻑ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﺤﻮﺭ ﻣﻌﻴﻦ ﻳﻌﻨﻲ ﺇﻧﻬﻴﺎﺭ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻭﺭﺍﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﻂ ( ﺧﻂ “ﻣﺎﺟﻴﻨﻮ” ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ-ﺧﻂ “ﺳﻜﻔﺮﻳﺪ” ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ-ﺧﻂ “ﺑﺎﺭﻟﻴﻒ” ﺍﻹﺳﺮﺍﺋﻴﻠﻲ ) .. ﻟﺬﻟﻚ ﺃﻋﺘﻤﺪ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻭﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﺑﺎﻟﻌﻤﻖ ..

 

3- ﺍﻟﻤﺴﺎﻧﺪﺓ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﺩﻟﺔ:

ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻖ ﻳﻔﺮﺽ ﺷﺮﻭﻃﺎً ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ، ﺇﺫ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﺓ ﺟﺒﻬﺎﺕ ﺟﺎﻧﺒﻴﺔ ﻭﺃﻣﺎﻣﻴﺔ ﻭﺧﻠﻔﻴﺔ، ﻟﺬﻟﻚ ﻳﺠﺐ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻗﻄﺎﻉ ﻋﻤﻞ ﻛﻞ فصيل ﻭﻫﺬا الفصيل يساند الفصيل ﺍﻟﻤﺠﺎﻭﺭ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺃﺣﺘﻠﺖ ﺃﻭ ﻗﺼﻔﺖ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺗﻌﺮﺿﻬﺎ ﻟﻬﺠﻮﻡ ﻗﻮﻱ ﻭﺍﻟﻌﻜﺲ ﺻﺤﻴﺢ ﺇﺫ ﺃﻥ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺘﺴﺎﻧﺪ ﻳﺠﻌﻞ الفصائل ﻛﺨﻼﻳﺎ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻳﻌﻄﻲ ﺑﻌﻀﻪ ﺑﻌﻀﺎً ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺳﺘﻤﺮﺍﺭ .

 

4- ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻌﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻹﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ( الدفاع الدائري):

يصمم الدفاع مبدئياً لصد هجمات العدو على أكثر طرق اقترابه احتمالاً .. إلا أنه يجب اعتبار إمكانية قيام العدو بهجوم من اتجاه غير متوقع مما يلزم القائد أن يخطط دفاعه لجميع الجهات كما تملي عليه الأرض .. بعض الوحدات التي تعمل كجزر مكتفية ﺫﺍﺗﻴﺎً يجب أن ﺗﺆﻣﻦ ﻗﺘﺎﻻً ﺩﺍﺋﺮﻳﺎً ﺣﻮﻝ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻔﺎﺟﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻌﻮﻥ ﻣﻦ ﺃﻱ ﺟﻬﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻮﻗﻌﺔ ..

 

5- ﺗﺄﻣﻴﻦ ﺍﻟﺤﻴﻄﺔ:

هي الإجراءات التي تمنع العدو من استطلاع مواقعنا ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺘﻤﻮﻳﻪ ﻭﺍﻹﺧﺘﻔﺎﺀ ﻭﺍﻟﺘﺤﺼﻴﻦ .. ﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺳﻠﺒﻲ .. ﺃﻣﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻲ ﻓﺈﻥ ﻗﺎﺋﺪ الموقع يتحتم عليه أن ﻳﺮﺳﻞ ﺩﻭﺭﻳﺎﺕ إستطلاع  للمحاور الأرضية .. ﻭﻳﺮﻛﺰ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺎﻡ ﺩﻭﺭﻳﺎﺕ ﺛﺎﺑﺘﺔ ( كمائن ) ﺗﺴﻤﻰ ﺑﻌﻨﺎﺻﺮ ﺍﻹﻧﺬﺍﺭ ﺍﻟﻤﺒﻜﺮ..

 

6- الانتشار:

انتشار القوات والمواقع الدفاعية محكوم بشرط ﺃﻥ ﻻ ﻳﺆﺛﺮ ﻫﺬﺍ الانتشار ﻋﻠﻰ ﻗﻮﺓ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻌﻴﻦ ﺑﻞ ﻳﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﻣﺮﻭﻧﺘﻬﻢ ﻭﺻﻼﺑﺘﻬﻢ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ .. ومن الضروري تجهيز خنادق وخطوط المواصلات ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻳﺼﻠﻮﻥ ﻧﻘﻄﺔ بأخرى .. إن ﺍﻹﻧﺘﺸﺎﺭ ﺍﻟﺴﻠﻴﻢ ﻭﺍﻟﺘﺤﺼﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﻱ ﻭﺍﻹﺭﺗﺒﺎﻁ ﺍﻟﻮﺛﻴﻖ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﻳﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﻓﻌﺎﻟﻴﺔ ﻧﻴﺮﺍﻧﻨﺎ ﻭﻳﻘﻠﻞ ﻣﻦ ﻓﻌﺎﻟﻴﺔ ﻧﻴﺮﺍﻥ ﺍﻟﻌﺪﻭ .

 

7- ﺍﻟﻮﻗﺖ:

الوقت مؤثر في إعداد الدفاعات وبقدر توفره يختار بين الدفاع المجهز أو الدفاع على عجل .. ﻭﺗﻈﻬﺮ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺇﺳﺘﻐﻼﻝ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺗﺼﺎﻋﺪ ﻫﺠﻤﺎﺕ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﺮﺍﻓﻘﻬﺎ ﺗﺼﺎﻋﺪ ﻓﻲ ﺃﺳﺎﻟﻴﺐ ﺩﻓﺎﻋﺎﺕ ﻭﺣﺪﺍﺗﻨﺎ ﺍﻟﺼﺪﻳﻘﺔ .

 

8- ﺍﻟﻤﺮﻭﻧﺔ:

ﻳﻌﻨﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻹﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﻤﺘﻐﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﻔﺮﻭﺿﺔ ﻓﻲ أرض المعركة .. ويظهر أثرها في عمليات تدمير العدو على الخطوط الدفاعية والانتقال من موضع لأخر إلى وقت انطلاق للهجوم المضاد .. ﻭﺗﺘﻠﺨﺺ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﺳﺘﺠﺎﺑﺔ بفاعلية ﻋﻨﺎﺻﺮ الاحتياط ﻟصد موجات الهجوم ﻭﺇﺭﺍﺣﺔ ﺍﻟﻤﻘﺎﺗﻠﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﻬﻜﻴﻦ ﻣﻊ الحفاظ على خطوط ﺍﻟﻤﻮﺍﺻﻼﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﺩﻳﻔﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﺒﻘﻰ ﺍﻹﺗﺼﺎﻝ ﺟﺎﺭﻳﺎً ﺑﻜﻞ ﻣﺒﺎﺩﺋﻪ.

 

9- ﺍﻟﻀﺮﺍﻭﺓ:

ﻛﻠﻤﺔ ﺗﻘﻒ ﺑﺎﻟﻤﻘﻴﺎﺱ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﻭﺭﺓ ﻭﺍﻹﺳﺘﻤﺎﺗﺔ ﻭﺗﻌﻨﻲ ﻋﻤﻠﻴﺎً ﺇﺳﺘﻨﻔﺎﺩ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻘﺘﺎﻟﻴﺔ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﺇﻟﻰ ﺩﻓﺎﻉ ﻣﺮﻥ ﺇﻟﻰ ﻫﺠﻮﻡ ﺭﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺇﻧﺴﺤﺎﺏ ﺟﺰﺋﻲ ( خالد رضي الله عنه ومعركة مؤتة ) .. ﻭﻳﺠﺐ ﺍﻹﺑﺘﻌﺎﺩ ﻛﻠﻴﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺛﻤﻨﻪ ﺍﻹﺳﺘﻤﺎﺗﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﻗﻊ .. ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻀﺮﺍﻭﺓ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﻴﺖ.

 

10- ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ:

ﺗﻌﻨﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺘﺨﻄﻴﻂ ﺍﻟﻤﺪﺭﻭﺱ ﻟﻜﻞ ﺷﺒﻜﺎﺕ ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺑﻐﻴﺔ ﺍﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﺍﻟﻔﻌﺎﻝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﺍﻟﺼﺪﻳﻘﺔ ﻭﺿﺮﺏ ﻛﻞ ﺍﻟﺰﻭﺍﻳﺎ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺒﺴﻄﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻨﻔﺮﺟﺔ ﺿﻤﻦ ﺧﻄﺔ ﻣﺘﻜﺎﻣﻠﺔ ﻳﺮﺍﻋﻰ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﻭﺍﻟﻌﻨﻒ ﻭﺍﻹﻳﻘﺎﻉ ﻭﺍﻹﺳﺘﻤﺮﺍﺭﻳﺔ مع مراعاة ﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﻟﻠﻨﻴﺮﺍﻥ ..

 

 

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -9- (الحرب الدفاعية)

 

 




33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)

بسم الله الرحمن الرحيم

8- استراتيجية الاقتصاد في القوى

الاقتصاد لا يعني الشح أوالتبزير فكلاهما قد يكون سببا في الاخفاق .. الاقتصاد هو الإحسان في إدارة الموارد والإمكانات .. ليس ما تملكه هو الذي يحقق لك النصر بل كيف تستعمله .. الوفرة والثراء يفقدان الاحساس بالحدود .. المجاهدون معنيون بالواقع وحدوده .. حين تملك أقل فستتعلم كيف تحسن استعماله وعندها يصبح الزمن حليفك ..

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا {29}

أن تحلم بما تريده ثم تحاول العثور على الوسائل لتحقيقه هي وصفة جاهزة للانهاك والهدر والهزيمة .. السعي المبكر لامتلاك ما هو عند العدو يحولك لنسخة أضعف وستفقد روح الابتكار .. ابتكر وامتلك من الفكر والوسائل ما يفقد قوة العدو زخمها ويحيدها في الصراع .. فكر فيما لديك واستعمله بمهارة ..

 

 

الاقتصاد في القوة أحد أهم مبادئ الحرب .. والتاريخ ملئ بالعبر لقادة بارعين في الحرب .. ورغم انتصارهم في كل المعارك إلا أنهم خسروا الحرب لعدم مراعاتهم لهذا المبدأ واضطروا إلى التوقف والانسحاب .. هذه الانتصارات التي بطعم الهزيمة أو الموازية للهزيمة يطلق عليها ( نصر بيروسي ) .. فرغم أن الملك بيروس انتصر في معاركه على الرومان إلا أن تكلفة هذه المعارك كانت كارثية .. فالقوات التي انتصرت لم تعد كافية لشن حملة تحسم بها نتائج الحرب مما اضطرها لإنهاء الحملة .. وأهم عناصر التكاليف كان في أعداد القادة أصحاب الخبرة والتجربة الذين قتلوا في الحرب .. هذه تكلفة لا يمكن تعويضها في الحال ..

قبل وأثناء سير المعارك هناك إشارات ترشد وتنبئ بما هو ممكن أو ما هو متوقع .. تقارير وحدات الاستطلاع والمخابرات عن قوة العدو أو فساد الحلفاء فيها إرشاد لاستغراق وقت أطول في الإعداد للمعركة أو لتأجيها وحتى إلغائها واستغلال القوة المتاحة لتهيئة أجواء التفاوض لتحقيق تسوية مناسبة .. وفي الحرب حساب التكاليف من أهم تلك الإشارات التي يجب أن تلهمك متى تستمر ومتى تقف .. عندها يمكنك توفير مواردك ومعداتك وتحافظ على الخبرات والأرواح ..

القائد الذي لا يتمكن من ضبط نفسه وكبح جماحها وينساق وراء حظها وينصت لتزيين الحلفاء ويستدرجه إغراء الهدف والمكاسب المحتملة ويرى فقط ما يريد رؤيته .. ويتعامى عن المصاعب والخسائر المحتملة أو يظن وجود إمكانية لتعويضها .. وكلما مضى في أوهام اليقظة أبعد متجاهلا الحسابات والتكاليف كلما توغل في منحدر الخسائر وارتكب المزيد من الأخطاء .. التي تقود لمعضلات جديدة تتسبب بتكاليف جديدة لم تكن في الحسابان .. وأي نصر يتحقق بتكلفة عالية في الأرواح والمعدات والموارد لا معنى له ..

أضف لذلك هناك حسابات غير منظورة وأخرى غير ملموسة ولكنها باهظة الكلفة .. منها تهديد الاستقرار الاجتماعي للحاضنة أو الشعب .. فقد الرصيد السياسي الطيب .. ضياع الوقت والذي كان يمكن استثماره لتحقيق أهداف استراتيجية أكبر وأعمق .. استهلاك وهدر الموارد بلا فائدة ترجى أو تعويض مناسب .. الحالة النفسية للأمة التي راهنت على قدراتك .. رغبة الثأر لدى الكثيرين الذين تجاهلتهم أو قمت باستغلالهم وخذلتهم وحتى أؤلئك الذين خسروا في المعركة .. التاريخ والناس لا يرحمون من يتجاهل التكاليف .. قم بحساباتك اليوم كاملة وأحسن التحضير لتقاتل في يوم آخر ..

ستظل قائمة الأعداء واضحة في عين القيادة التي تبصر أيضا الأعداء الذين يتخفون في لباس الحلفاء والأصدقاء .. أي كيان أو شخص لديه ثلاث قوائم أساسية: قائمة الأصدقاء والموالين .. قائمة المحايدين المتربصين .. قائمة الأعداء الألداء .. والحكيم من يراقب حركة القوائم ليزيد من عدد الأصدقاء ويقلل من عدد خصومه .. ويدرك أن الانتقال داخل القوائم من أعلاها لأدناها أو الانتقال من قائمة لأخرى يعتمد بالدرجة الأولى على قدراتنا الذهنية والنفسية لإدارة الصراع .. فنحن لا ننزلق لأي صراع ما أن تُدق طبوله .. فهناك مسيرة طويلة يجب أن نخطوها قبل أن ننخرط في الحرب .. وعندما يتوجب علينا خوض الحرب فلا بد أن يتم ذلك وفق شروطنا ..

الوقت هو العنصر الأكثر أهمية والذي بحسن استثماره يمكننا من بناء أنفسنا في مقابل زيادة عناصر التفتت في منظومة العدو .. دراسة العدو وإدراك نقاط ضعفه المخفية وراء قوته العاتية عنصر لا يقل أهمية عن الوقت ففي ضوء ذلك يمكننا من بناء استراتيجية ناجحة لإدارة الصراع فالنصر في الحرب يتحقق بمحصلة القوتين الخشنة والناعمة .. الاستخبارات الفعالة عنصر آخر في طريق النصر والسعي من خلالها لمعرفة نوايا العدو لا يقل أهمية عن معرفة عناصر قوته وضعفه الظاهرة .. مع دفع العناصر الذكية “الدهاة” إلى المناورة النفسية عالية السرية لتخذيل الأعداء وغرس بذور الشك بينهم وتهيئة مناخ من انعدام الثقة لفك تحالفهم ( نعيم بن مسعود نموذجاً ) .. العمليات النوعية كاملة السرية لضرب مفاصل العدو لتعميق نقاط ضعفه وإثارة كبرياء الخصم تزيد من حدة تفاعل عملية التفتت الداخلي لمنظومة العدو .. بناء القوات العسكرية المناسبة لخوض الحرب لا علاقة له بالحجم والضخامة وإنما بالحركية والقدرة على المناورة في ميادين الحرب المختلفة .. لنتخيل صورة نبي الله “داوود” عليه السلام وهو يواجه بالمقلاع العملاق المدجج بالسلاح “جالوت” ويصرعه به { وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ }.. الحرب الاعلامية لخلق اضطراب في مناخ الرأي العام الداخلي لجماهير العدو تتسبب في أزمات داخلية ( من المعارضة السلبية إلى الثورة الحقيقية ) مما يدفع العدو لتوجيه جهوده للسيطرة الداخلية فينشغل بها عنا .. أو خلق مناخ ضاغط لإيقاف الحرب ( الجنرال جياب فيتنام ) مما يمنحنا مزيداً من الوقت .. أو دفع الإعلام لاستعراض عدالة قضيتنا وصدقها ونبلها وأنها لخير البشرية جمعاء بلا تمييز، ولبيان تعدي وظلم الأعداء وفسادهم وجشعهم لإشباع شهواتهم المادية التي تدمر البشرية جمعاء .. المبادرة إلى المناورات الاقتصادية لفك تحالف الأعداء أو تحييد بعضهم ( مقترح عرض ثلث الثمار على غطفان خلال أجواء غزوة الأحزاب ) .. الضربات “العسكرية الاقتصادية” للبنية المالية الهشة لأي عدو تستهلكة وتستنزفه وتنتف ريش زهوه ريشة ريشة .. المعارك العسكرية والضغوط الاقتصادية والحيل النفسية والقلاقل الاجتماعية والاضطرابات الأمنية والهجوم الإعلامي هي أدوات بيد القيادة السياسية تديرها وتناور بها وفق الاستراتيجية “الخطة العليا” التي تعمل على تحقيق الهدف العام للصراع وفق مراحل متتالية .. من المهم أن نفقه المرحلة التي نمر بها لنحقق أهدافا متتالية تشكل مرتكزاً لبعضها البعض لبلوغ الهدف العام .. ففي مرحلة الضعف نهدف لتحقيق توازن استراتيجي واقعي مع العدو .. وفي مرحلة التوازن نهدف لتحقيق تفوق استراتيجي على العدو .. وفي مرحلة الحسم نعمل للقضاء على إرادة العدو القتالية .. وهذه المراحل طال وقتها أو قصر مرتبطة عضويا بالصراع أي كانت استراتيجيته أو وسائطه ..

الاقتصاد بالقوة يعني ترشيد الصراع وذلك بدفع القوة المناسبة بخطة مناسبة لتحقيق هدف محدد .. فلا يستخدم السيف في موضع العصا .. فإذا أحسنا إدارة الصراع وترشيده من خلال التزامنا بالشروط السابقة فإن كثير من الأعداء بمرور الزمان يفضلون الانتقال إلى قائمة الحياد وبمزيد من الوقت ينتقلون منها إلى قائمة الأصدقاء .. علينا الاهتمام بالوقت لفسح المجال أمام المناورات السياسية وأدواتها لضخ مزيد من القوة الناعمة واستعراض القوة الخشنة سواء دارت رحى الحرب أو لم تدور ..

إن البدهية العسكرية ( هاجم نقاط ضعف العدو بنقاط قوتك ) إذا اعتمدنا مبدأ الاقتصاد في القوة تدعونا لجعل الحرب للعدو أكثر كلفة كما تدعونا للعمل على إبقاء كلفة الحرب منخفضة من خلال تبني استراتيجية واعية وواقعية يمكن تطبيقها .. لا توجد قوة في العالم ليس لها نقاط ضعف غير محمية أو غير متطورة .. حتى ضخامة القوة وتكاليفها العالية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف تهزمه ( الاتحاد السوفيتي ) .. المطلوب أولاً: تحديد نقاط ضعف العدو والعمل عليها ومنها: عدم الاستقرار السياسي الداخلي .. التفكك الاجتماعي والانحراف الأخلاقي .. التعددية العرقية والنزاعات بينها .. الموارد الاقتصادية الضعيفة .. جنون العظمة عند قائده .. تحيد داعميه الاقتصاديين أو ضرب المرتكزات التي تدعم اقتصاده بضرب طريق الحرير البحري للبضائع التجارية وللنفط ثمرة عمليات النهب التي تدعم اقتصاده ( الولايات المتحدة الأمريكية ) .. والمطلوب ثانياً: إبقاء نقاط ضعفك الخاصة خارج المعركة وتحفظ قوتك على المدى الطويل ..

حين نكشف نقاط ضعف أعدائنا ونستهدفها ستمثل ضربة كبيرة تحط من معنوياته .. وترهقه .. وساعتها ستنكشف لديهم نقاط ضعف جديدة لا بد من استثمارها .. وهكذا ..

يمكن فهم مبدأ الاقتصاد بالقوة من خلال عقد مقارنة بين نفسية المجتمعات البشرية الفقيرة وأسلوب إدارتهم لما لديهم وبين نفسية المجتمعات البشرية الغنية وأسلوب إدارتهم لما لديهم .. الاحساس بالحاجة وإدراك الواقع والحدود يدفعنا لحسن استثمارها .. فقد هذا الاحساس يدفعنا للحياة داخل أحلام اليقظة حيث لا واقع ولا حدود .. الحالمون بالسيطرة ( بن زايد وبن سلمان ) يتوهون في أوهام يقظة وينفقون مدخرات الأمة على أعدائها لتحقيق أوهامهم وسيفيقون منها حين يستبدلون إن شاء الله ولا مستقبل لهما .. المجاهدون المتفاعلون مع الواقع ( باليمن والصومال ) عليهم ألا يتركوا الانهيار القادم يسقط بيد عدو الله والأمة الحلف اليهودي الأمريكي وعلى المجاهدين أن يحضروا أنفسهم ويجتهدوا للسيطرة واستثمار الفرصة .. علينا أن نركز على ما هو بين أيدينا وأن نحسن إدارته .. متى نظهر ومتى نختفي .. متى نكثف الضربات ومتى نقتصد فيها .. التحرر من النظر تحت أقدامنا لنبصر إلى حدود الأفق وندرك ما وراءه .. التعلق بالانفاق لتوفير امكانات تشابه امكانات العدو تستنزفنا وتستهلكنا وتحولنا إلى نسخة مصغرة منه تلعب في ميدانه ووفق تكتيكاته وبإمكانات محدودة تسبب هدر الموارد كما تؤدي إلى انتكاسات لا تنتهي ( الشام ) .. الاستفادة مما هو بين أيدينا وفق استراتيجية وتكتيكات تناسبنا تحول ضعفنا إلى قوة مهما طال وقت الصراع ( الصومال ) .. حينما يملك العدو التفوق الجوي؛ علينا أن نمتلك التفوق الأرضي من خلال هجمات نوعية تحط من معنويات العدو وتخلق رأي عام مناصر لايقاف الحرب ( فيتنام ) ..

الاستراتيجية هي موازنة بين الوسائل والأهداف .. لابد أن نضع في اعتبارنا المعطيات لنا ولجيش العدو .. التناسببين بين الجيشين إذا كنا نخوض حرب نظامية .. الانسجام بين قوتنا والأرض التي سنحارب عليها .. استعمال الخداع من خلال جمع المعلومات المخابراتية والتنفنن في الدعاية .. الروح المعنوية لجنودنا .. استثمار الطقس .. الامتيازات السياسية المتوفرة .. كل هذه العوامل لا تضع أساس للخطة فقط بل تحدد النتائج التي يجب تحقيقها من المعركة ..

ما يجعلنا ننتصر في الصراع ليس تراكم القوة العسكرية .. ولكن أولاً: إيماننا بالله والتزامنا بشريعته وروحانيتها وإحسان التوكل عليه سبحانه { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } .. ثانياً: المنهج الإسلامي ( السليم من الإنحراف والتمييع ) ونموذجه البشري الذي يقود الصراع بإنسانية ورقي والمطروح كبديل للمنهج الاستغلالي السائد ونموذجه البشري الشاذ .. ثالثاً: اجتهادنا في عالم الأسباب بالسعي لتحصيل أسباب القوة حسب الاستطاعة { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } .. رابعاً: فهمنا لعدونا واستثمار نقاط ضعفه وحسن إدارة الصراع باقتصاد لتعميقها وتحضيره للإنهيار ..

بقلم  :

عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 33 استراتيجية  للحرب -8- (استراتيجية الاقتصاد في القوى)




33 استراتيجية  للحرب -7- (استراتيجية الروح المعنوية)

33 استراتيجية  للحرب -7- (استراتيجية الروح المعنوية)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -7- (استراتيجية الروح المعنوية)

بسم الله الرحمن الرحيم

7- استراتيجية الروح المعنوية

 

الإيمان بالله .. وضوح المنهج .. القيادة الربانية .. صدق الإخوة .. نزاهة شركاء المسيرة ..

انتشار العدل .. الانسجام بين همة الشباب وحكمة الشيوخ .. إنكار الذات والتمسك بالفريق ..

النبوءات والمبشرات .. البطولات والأبطال .. الراية والشعارات .. الرموز والقدوة ..

أساس نهضة المعنويات وبها ترتقي .. فنحن أمة جمعنا

إله أحد .. نبي واحد .. كتاب واحد .. رسالة واحدة .. قبلة واحدة .. أمة واحدة ..

 

 

اهتم الإسلام بالروح المعنوية وعمل على إخراج الأنا من الفرد المسلم إلى نحن ( المسلمين ) .. وجعل ثمرة ذلك هو النصر الجماعي في الدنيا .. وجعل الرفعة في الدنيا للدين .. وجعل التمكين له والهداية للبشر سبيلا للغاية ( رضا الله ) .. وبين أن المعنى الحسن للعزة والكرامة المصاحبين للأنا لا يأتي إلا من خلال الدين وللأمة كلها وليست حكراً أو ثوبا خلع على أمير أو حاكم أو ورثتهم ( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام …) .. وأكد الإسلام أن حقيقة الثواب للفرد بالآخرة .. وزهد في حظ الدنيا وجعل التخفف منها إشارات على الطريق النقي الطاهر  ..

فالطريقة المثلى لرفع الروح المعنوية هي: أن يكون الدين هو الرمز وما الفرد والجماعة والدولة والإمكانات والأشياء والأدوات إلا أجزاء من دائرة تتكامل لتخدم القضية الأساسية .. الدعوة إلى الله باللسان وبالسنان .. فالدين يعمل على ربط ضمير الفرد بالكل وتزكيته بالتضحية والتواضع لإفراغ صدره من الأنانية والكبر والتعالي .. و ترسيخ الإيمان بالغيب وأن ما عند الله هو خير وأبقى .. وأن دعوتهم وجهادهم من أجل قضية عادلة .. بهذا تجتمع الأجزاء وتتحول إلى كل متناغم .. وهذا يشبع أي نفس مؤمنة .. هذا ينتشلهم من مصالحهم الخاصة .. ويغلب جانب الفداء والتضحية .. ويجعل المصالح الفردية تتقاطع مع المصالح العامة .. فالعز والفخر في نصرة الإسلام والخزي والعار في خذلانه أو نصرة غيره .. فحسن التزام الفرد بدينه يجعله مرهف الحس إزاء الضمير الجماعي الساعي لنيل رضا الله ..

الإيمان حالة نورانية من رقي المشاعر وإرهاف الحس ترشد الفرد للكل وتأخذ بضمير الجماعة لحقيقة الارتباط بالخالق سبحانه وتعالى .. إنها حالة من الخشية والشوق {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {23} .. هنا تطيب التضحيات فتهون الصعاب وتسمو الروح ويصبح فناء الجسد وتمزقه زورق نجاة يرتقي بالروح من حياة البرزخ لتسكن في حواصل طير خضر .. قال تعالى { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169}آل عمران .. وقد سأل مسروق عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال ( إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا؟ قالوا أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسألوا، قالوا يارب نريد أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا ).رواه مسلم

يسلك بعض القادة بوعي ( تعمد ) أو بدون وعي .. بعلم أو بجهل .. فيعمد لرفع المعنويات بالمبالغة في المدح .. أو الكرم في المكافأت والعطايا .. وتوزيع المناصب ومنح الصلاحيات …الخ .. هذا السلوك يؤدي لإتلاف النفوس وإفساد العقول وشراء الضمائر وإظلام للحالة النورانية وفسخ للتعاقد الروحاني .. هذا السلوك يفسح المجال أمامهم للهيام في عالم الأسباب مفتقرين لواعظ داخلي أو خارجي يردها.. وفي الختام يكتشف القائد أنه أفسدهم بالدلال المفرط الذي نما عندهم الإحساس بالأنا وحب الدنيا والزهد في التضحية ..

وحينما يراجع القادة أنفسهم في محاولة الإصلاح بالعقاب والانضباط يتحول الحب المصطنع إلى كراهية حقيقة .. أو حينما يحاول إعادة بناء ضمائرهم بإلهاب مشاعرهم بالخطب الرنانة أو الأنشطة الجماعية لن يجد منهم إلا كلمات السخرية والاستخفاف .. لقد تلفت الأجساد وتبعها الأرواح والضمائر  ورزحت فيها العقول ..

حقيقة ما حدث أنه اشترى ولائهم بالمنح والعطايا .. فلم تكن لله وإنما لرمزيته فقط .. لقد بدأ بشراء ولاءهم فأفسدهم ثم أراد عالجهم فكسب عداوتهم .. فأي تغيير عما اعتادوه سيجابه بحالة دفاعية للمحافظة على مكتسباتهم .. ما أكثر هذا وما أكثر من أفسدهم الدلال والمال .. ولا صلاح لذلك إلا بصلاح القيادة والبطانة التي تنتبه لفساد الرمزية وفساد السلوك .. فيعملون منذ البدأ بما فلح به الأوائل.

لعلاج الذين أفسدهم الدلال والمال والمناصب والقرابة .. سبيل .. لنعلم أن الروح المعنوية معدية .. سلبا أو إيجابا .. فالمطلوب إعادة تعينهم في مجموعات تم تربيتها بشكل سليم .. مجموعات مرباة ومنسجمة ونشطة لكي تلتقط الأرواح التائهة والعقول الشاردة وتفيض عليها هدى وفق منهج سليم لرفع المعنويات بطريقة طبيعية .. هذا الوجدان الجماعي يحد من محاولة العودة لسلوكهم الأناني .. ومن أبى بعد ذلك سيواجه وبسهولة بالعزل والعزلة .. وهذا آخر ما يرجوه إنسان ..

ولكي ننشأ مجموعات نشطة وفعالة قادرة على احتواء الأزمات وناجحة في تجاوز العقبات فهذه بعض الإرشادات التي يجب أن يعمل القادة على غرسها أو تنفيذها:

الإيمان بالغيب وأن ما عند الله خير وأبقى .. المحافظة على الطاعة في وقتها من صلاة وصيام وزكاة.. ترسيخ مبادئ الزهد في الدنيا وإشاعة روح التكافل والتضحية .. تقديم نموذج القيادة الصادقة التي تشاركهم المناخ الذي يتحركون فيه .. تحقيق الوحدة الفكرية .. خوض المعارك وفق استراتيجية سليمة لتحقيق النصر في الحرب .. توفير التدريب الراقي للمجاهدين .. توفير الأسلحة والمعدات المناسبة .. تعيين القيادات البارعة المؤمنة .. توفير عناصر النجاح للعمليات العسكرية .. المعاش المناسب بدون تميز .. والمكافأة للمجتهدين .. توزيع الغنائم .. رعاية أسر الشهداء من أرامل وأيتام وتوفير حياة كريمة لهم بعيداً عن الاهتزازات التنظيمية .. إحسان الرعاية الطبية للجرحى .. تكثيف الجهود للبحث عن المفقودين .. الاجتهاد في فك الأسرى بالمال أو بالقتال أو بالخطف .. إحسان التماس الأعذار لعوام الأمة ودعوتهم برفق وحلم .. وحسن التألف للمترددين .. ونفصل في بعضها تالياً..

نقاط هامة لرفع معنويات الجنود في ميدان المعركة:

أولاً: عدالة القضية التي يقاتلون لأجلها: فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه .. فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان .. يتوجب على القادة والكوادر وأهل العلم العمل على توعية جنودهم وكشف الحجب أمام أذهانهم عن الواقع الذين يعيشون فيه .. ويهمنا هنا حقيقتين الأولى مراد الله منهم .. والثانية جوهر الوجود الإنساني .. قال تعالى: {* وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ {61} .. ( التوحيد .. عمارة الأرض ) .. وبحسن بيانهما يتولد لدى الناس إرادة التغيير وتتضاعف لدى الجنود الرغبة في الفداء والتضحية لنصرة معتقدهم من طرف والعيش الكريم في ظلاله من طرف آخر .. يستشكل كثير من الناس دور الدين كمحرك للثورة .. لكنهم جميعا يدركون حقيقة الظلم الاجتماعي وسوء توزيع الثروة والاستئثار بالسلطة .. وهي أيضاً مطالب شرعية حث الإسلام على رفعها بإقامة العدل والتكافل وإيكال الأمر للأمناء من المؤمنين .. إن عدالة القضية وإرتباطها برضا الله يوفران للجنود والناس المحفز الأساسي للقتال والتضحية لتحى الأجيال القادمة في ظلال الشريعة بحرية وكرامة وفرص لمستقبل أفضل.

ثانياً: الإنسان روح وجسد ولكل منهما متطلباته .. ولا بد من الحرص على تقديم هذه المتطلبات:

– الروح: تنشط بزيادة الإيمان بالله وعالم الغيب .. وتتغذى الروح على الكلمات والمواقف والمبشرات والنبوءات .. وتنهض بهم محلقة في أجواء من الحماسة والعاطفة مقتربة من السماء راغبة في ما عند الله .. وليس بعد كلام الله ورسوله كلمة إلا ما ربطت بين الآيات والأحاديث وشرحهما .. قال تعالى { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ } وقال سبحانه { إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ } وقال أيضا { إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ } وقال جل في علاه { وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ } وقال رسول الله صلّ الله عليه وسلم ( والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) .. وقال أيضاً ( أبشر يا أبا بكر ! أتاك نصر الله، هذا جبريل على ثناياه النقع ) .. وقال عليه السلام  ( الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم ) .. وقال وهو يتبسم؟ ( تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله )..

أما المواقف والبشريات والنبوءات فكثير جدا منها للمظفر قطز ما رد به عادية التتر ( فحمل الملك المظفر رحمه الله بنفسه في طائفة من عساكره، وأردف الميسرة حتى تحايوا ورجعوا، واقتحم المظفر القتال وباشره بنفسه، وأبلى في ذلك اليوم بلاءً حسناً، وعظمت الحرب وثبت كلٌ من الفريقين مع كثرة التتر، والمظفر يشجع أصحابه، ويحسن إليهم الموت، ويكرُّ بهم كرة بعد كرة، حتى نصر الله الإسلام وأعزه، وانكسرت التتر، وولوا الأدبار على أقبح وجهٍ بعد أن قتل معظم أعيانهم …) .. ومن البشريات يقول الشيخ محمد المنجد [ ثم يرصدون أنه بعد ( 11 سبتمبر ) تضاعف عدد الداخلين في الإسلام ثلاثة أضعاف من أهل البلاد الأصليين، وهذا يعني بأن الناس هناك يريدون التعرف على الإسلام والقراءة عنه ] .. ومن النبوءات ما ورد عن الطائفة المنصورة ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ) إنها أمة عجيبة مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره.. أرفق في نهاية المحاضرة محاضرة للشيخ محمد المنجد مفيدة في هذا الباب ..

– الجسد: ميدان العمل هو ميدان التضحية والفداء .. أن تقدم كل ما تملك روحك وجسدك ومالك مقابل أن تحيا الأجيال القادمة في ظل الإسلام فهذا قمة الجود .. هذه هي الحالة المثالية .. لكن للحرب وللنفس البشرية متطلبات هامة بدونها نفقد قدراً من الطاقة والمعنويات .. في الميدان الجسدي للحرب لا بد أن تكون معدة الجنود ممتلئة وعلى بدنهم زي يناسب العمليات كما يناسب فصول السنة، حتى تستمر إندفاعتهم القتالية وتظل معنوياتهم مستقرة .. وفي الميدان النفسي لا بد أن تكون بجيوبهم أموال فخلفهم من هم بحاجة لها لمواجهة متطلبات الحياة.

إنها المسؤلية إحساساً والتزاماً .. ويمكن تفسيرها في كلمة وحديث وإدراك .. ( الرعاية ).. ( كلكم راع ومسؤول عن رعيته ) .. ( لو عثرت بغلة بالعراق لسألت عنها يا عمر ) .. تكاليف العملية القتالية عادة محسوبة .. لكن التكاليف المصاحبة لها والتالية لأحداثها لا يمكن حسابها .. كل الحروب تكلف كلا من المنتصر والمهزوم لأنها تخلف: قتلى وهذا يعني أرامل وأيتام .. جرحى وهذا يعني رعاية طبية ونفسية .. أسرى وهذا يعني مجهود سياسي ومالي أو قتالي .. مفقودين وهذه تعني إضطراب وقلق اجتماعي ..

فعلى القادة الانتباه لحجم الأمانة التي على أكتافهم .. كما عليهم الإلتزام بمسؤليتهم لضمان ثبات الصف ولاستقرار المعنويات ولنماء الثقة باطراد .. وعليهم الاجتهاد في توفير: شؤون إدارية قوية .. وتكليف أكفأ وأنشط العناصر بمسؤليتها ويتابعونه بأنفسهم ..

ميدانيا: يجب توفير وجبات منتظمة أثناء القتال ولا بد من توفير وجبة ساخنة خلال اليوم القتالي .. توفير الملابس والأحذية المناسبة التي تسهل مهمة الجندي في ميدان القتال .. الإبداع في مهارة الإخلاء للجرحى ونقلهم من ميدان المعركة ..

إجتماعيا: لا بد من توفير الكفالة والمعاش المناسب بدون تميز .. تقدير المجتهدين بمكافأت .. توزيع الغنائم .. رعاية أسر الشهداء من أرامل وأيتام وتوفير حياة كريمة لهم بعيداً عن الاهتزازات التنظيمية .. إحسان الرعاية الطبية للجرحى .. تكثيف الجهود للبحث عن المفقودين .. الاجتهاد في فك الأسرى بالمال أو بالقتال أو بالخطف …إلخ.

ثالثاً: القدوة وليس العبرة : كن في الطليعة حقق الاتصال الحسي مع الجنود ولا تكسر قلوبهم بفخامة سيارتك او جمال اسلحتك ومعداتك .. خاصة اذا كان بعض القادة يمثلون قدوة تصل الى حد الاسطورة عند الجنود ..

حينما ينشأ التنظيم يتحتم على القائد أن يقود من الأمام وليس من الخلف فهذه لازالت بعيدة جداً .. فهو أشبه بقائد ميداني عليه أن يقدم القدوة لجنوده حتى يتبعوه .. عليه أن يبذل من الجهد أكثر منهم حتى يكون لومه أو مدحه في محله بل يصبح محفزا فعالا مطلوبا من جنوده حتى تستمر معنوياتهم مرتفعه وهمتهم عالية .. من المهم جدا للقائد سبر أغوار النفس البشرية ليتمكن من إحسان إدارتها على الوجه الأكمل .. عليه أيضاً تحريك غريزة المنافسة الحميدة بين جنوده ومساعديه ..

كان النبي صلّ الله عليه وسلم أحسن الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة، فخرجوا نحو الصوت، فاستقبلهم النبي صلّ الله عليه وسلم وقد إستبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عُري، وفي عنقه السيف، وهو يقولك ( لم تراعوا لم تراعوا ) ثم قال: ( وجدناه بحراً ) أو قال: ( إنه لبحر ). رواه البخاري ومسلم.

الروح المعنوية للقائد معدية وأنت كقائد تحدد الإيقاع لا تتركه للجنود .. أذا أدرك المساعدون والجنود أن أي تضحية يمكنك عملها فلن يترددو في التسابق إليها والعكس صحيح .. أن تجعل من نفسك مثالاً هو أفضل طريقة لوضع الإيقاع الصحيح للعمل وبناء الروح المعنوية، حين يرى المساعدون والجنود إخلاصك وتكرسك للقضية فإنهم يتغذون من معنوياتك وروحانياتك المرتفعة ومن تضحيتك الذاتية وسيسابقونك لمعاييرك وستجدهم يركضون خلفك .. عليك أن تجد الهدف وتوحد إرادة جنودك وتجعلها تنسجم سويا لتحقيقه.

ومما رواه مسلم في صحيحه عن غزوة حنين …. قال البراء: كنا والله إذا إحمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلّ الله عليه وسلم.

تولد المشكلة عندما يتحول القائد إلى صنم .. فإن تمكنت منه الغيرة والحسد فهذا بداية الطريق للتسلط ( الدكتاتورية ) .. فيغار من بروز بعض الكوادر والأبطال ويبدأ في تهميشهم أو تحويلهم لمستشارين بعيداً عن أعين الجنود .. هنا يكون القائد قد غرس بذور التفكك والانشقاقات وتم تحديد موعد لنهاية التنظيم بعد أن كان طول عمره مأمولاً .. فعلى القادة أن يجتهدوا على أنفسهم بالطاعة والتجرد والبطانة الصالحة..

رابعاً: إيقاظ الحماسة: والمحافظة عليها والتخطيط لإبقاء جذوتها مشتعله مع التعقل حال الاندفاع للأمام .. الخمول والكمون قاتل للحماسة .. لذلك لابد من بقاء الجنود في حالة من الحركية والنشاط باتجاه الهدف[1] التالي .. الإسلام يخاطب الروح والجسد وإلهابه للمشاعر ليس تلاعباً ولا تمثيلاً وإنما تحضيراً للنفس لحثها على بذل الوسع لإنجاز ما تؤمن به .. القادة الصادقون فقط هم الذين ينجحون في إحسان آداء فرض التحريض وإلهاب الحماسة { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً {84}النساء ..

ولتحافظ على اشتعال الحماسة لابد من تنمية روح الفريق وتشجعها وتهيئة مناخ الانتماء لفريق وسعي الجنود للإنضمام إلى كتيبة أو مجموعة لها قدرات خاصة وسجل حافل من البطولات ولها شعار وراية وزي ورموز تجذب الشباب وتشعرهم بالفخر لأن يكونوا من أعضائها ..

روح الفريق أيضا تنموا من خلال التدريب الأساسي .. فكل وفد جديد لمعسكر التدريب يعتبرون أنفسهم رفاق سلاح ومسيرة من اليوم الأول وإلى الشهادة أو التمكين .. وكلما مضوا سويا في التدريبات التالية كلما تعمق بداخلهم أنهم فريق واحد متفهم يعرف قدراته وما يمكنه عمله .. وكلما كان التدريب جاداً وقوياً كلما زادت الثقة بينهم ونما شعور الفدائية والتضحية من الفرد للفريق ومن الفريق للفرد إنه الإيمان والمسؤلية .. إن رابطة اخوة السلاح من أقوى الروابط ..

ويضاعف من الروح المعنوية للجنود حسن وجودة أسلحتهم .. فمثلاً امتلاك سلاح مضاد للطائرات يرفع الإحساس بالعجز في مقاومتها ويجعل الجنود يندفعون للأمام بحماسة مطمئنين على تحيد طيران العدو ..

يتشكل أي فريق من مجموعة من المؤمنين بقضيتهم .. مجموعة حريصة على التضجية في سبيلها .. من الممكن جمع هؤلاء في فريق عمل .. وقد يشكلوا بأنفسهم فريق عمل وهذا كثير في حرب العصابات أن يحدث إنسجام بين مجموعة من الأفراد تجمعهم صفات مشتركة .. وقد يكونوا منضبطون أو فوضويون إلا أن الصفة المهمة هي إلتزامهم بأداء ما يوكل إليهم من مهام على أكمل وجه .. هذه الزمر تبقي معنويات الجيش مرتفعة وتساهم في خلق ما يمكن تسميته القوات الخاصة .. بإيجاز الفريق يمكن تكوينه أو قد ينشأ وحده .. المهم احسان رعايته لإحسان استثمار جهوده ..

إن أربعة من الجنود الشجعان لا يعرف بعضهم البعض لا يمكنهم مهاجمة أسد .. في حين أن فريق من أربعة جنود أقل منهم شجاعة لكن يعرفون بعضهم البعض ويثقون بأنهم يمكنهم الاعتماد على بعضهم فسيهاجمون بإقدام .. هذه هي خلاصة[2] علم تنظيم الجيوش ..

خامساً: امزج بين الحلم والحزم: كن حليماً عادلاً حازماً وأحسن الموازنة بين الثواب والعقاب .. فكثرة المكافأت لأي سبب تفسد المراد منها .. وكثرة العقاب يدمر الروح المعنوية .. وحسن الالتزام بالعدالة يمنح المجتمع سلامته والجيش قوته والدولة هيبتها ..

المعيار في نظرية الثواب والعقاب هو: اتباع الحق والعدل والإنصاف {* إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا {58} .. للمحسن أحسنت وللمسئ أسأت { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ {60}.. الصدق وليس المجاملة ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) .. تأليف القلوب وليس شراء الذمم { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {63} .. المداراة وليس المداهنة “المداراة: بذل الدنيا لصالح الدين وعكسها المداهنة” .. العقاب وليس الانتقام { مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {160}..  فالهدف تعديل السلوك وردع مرتكب الجرم وضمان عدم تكراره وإخافة الغير ووعظهم ..

يتساوى الناس في الحقوق لا وجود للمحاباة .. يمنح الإيمان والعدل والكفاءة ( أصحاب الجدارة ) الدور والمهمة وحتى اللقب .. روى البخاري أن رسول الله صلَّ الله عليه وسلم قال يوم خيبر: ( لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) .. وكنى رسول الله صلَّ الله عليه وسلم أصحابه بصفاتهم الجبلية: أمين الأمة .. الصديق .. الفاروق .. أسد الله .. سيف الله .. الأسد في براثنه .. سفينة ..

التربية القرآنية تقودنا دائما لتقديم الترغيب على الترهيب .. فالثواب يأخذ بيد الناس ويشجعهم على الخير .. والعقاب ضرورة فبعض الناس يكيفهم رؤية السوط وبعضهم لابد أن يمس السوط جلودهم .. وعلى قائد الجند أن يكون حليماً حازماً لا يحابي أحد ويقدم ويؤخر الناس على كفاءتهم وبذلهم ..

سادساً: قاوم الإشاعات والدعاية المضادة .. قاوم الروح المعنوية المتردية .. شكل رأي عام جديد ..

الإشاعة والدعاية السوداء تغذيهما عدم وضوح القيادة وسرية الاتفاقيات وضبابية الكلمات والمواقف وسوء الاستشهاد بأدلة من أحداث تاريخية أو معاصرة مشابهة لواقعها .. تُقاوم الإشاعة والدعاية السوداء بحسن إيمان القائد وبطانته وشوراه وعدم وقوعهم فيما يغذي الإشاعة مما أسلفنا .. كما تقاوم الإشاعة بالحزم مع المرجفين والمثبطين وعزلهم بأسرع وقت وتقديم العناصر الأكثر التزاماً وانضباطاً وحماسةً هؤلاء سيكونوا درعا ضد أولئك المرجفين المثبطين ..

الكلمات ( سواء كانت إشاعة مضادة أو كلمات تحفيزية ) أو الكلمات المصحوبة بمواقف من الاستكبار والفخر الأجوف تصيب الجنود من الخارج تلامس عاطفة وربما هوى ولا تلامس إيمان .. وقف أبو جهل خطيباً متكبراً مفتخراً فقال: ( والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم ثلاثاً فننحر الجذور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا )..

الكلمات المصحوبة بالمواقف الإيمانية للقيادة والتي تخرج من القلب وبصدق وتواضع تصيب القلوب في الداخل خاصة في أحلك الأوقات يقول علي رضى الله عنه: ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلَّ الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح .. وعند اللقاء خطبهم فكان مما قال: ( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين … ) ..

مقاومة الروح المعنوية المتردية ( الإحباط واليأس والعجز ): القائد السيء يصيب كوادره وهيئة أركانه بحالة من الاحباط تخلف خمولا ويأساً .. فيتولد عندهم موقفا متضاد ( الثورية والخمول ) في نفس الوقت، هنا لا بد من تغيير القائد الذي خلف برنامجه هذه الحالة وما ترتب عليها لاحقاً من هزائم .. القائد الجديد لكي يعيد بناء الثقة لكوادره وجنوده عليه أن يتخذ أسلوبا غير مباشر للوصول لمكامن الطاقة لديهم فيحفزهم بها .. عليه أن يعيد تدريبهم ميدانياً وأن يزيد الاحتكاك بين كافة المستويات متكلماً عن المعاني الإيجابية التي غابت لفترة والتي تتمسك بالمبادئ وتبرز الشهامة والوفاء والمروءة وتحرك الطاقة وتلهب الحماسة .. ويتفادي الحديث عن المعاني السلبية التي تلحق الخزي والعار بفاعلها .. مجموعات الجند لها شخصية جماعية .. وبإحسان توجيهها تزداد صلابتها الإيجابية مع الوقت والعكس صحيح .. شدد على الفاعلية والنشاط لأنها تؤدي إلى النجاح؛ والنجاح يرفع الروح المعنوية وهو المطلوب..

كان خالد بن الوليد رضى الله عنه قائدا ملهما موفقا مبدعا مجددا.. ومنذ توليه القيادة في معركة مؤته لم يعرف الفشل إلى ركابه طريق .. وأصبح يمثل أسطورة عسكرية في نظر جنوده .. وشعروا أنهم جزء من إسطورته فصحبوه بإيمان وثقة في توفيق الله له رغم أن خالد كان لا ينام ولا يُنيم .. كما أنه لم يفسدهم بالدلال أو قرب منه غير الأكفاء .. فلقد كان زاهدا راغبا فيما عند الله .. ولطالما خاطب جنوده بالعزة والمرؤة ولم يخاطب جشع النفوس .. وحينما يكافئ أو يرقي أحد فكانت تمنح على الجدارة لا على حسابات سياسية .. قاد خالد من الأمام وتكسرت في يده السيوف .. فأوجد حالة من الإثارة والفدائية بين الجنود فنافسوه في الإقدام .. والدارس لمعارك خالد يجدها درسا في القيادة تتكدس الصفحات ولا تحتويه وتتوه الحروف عجزاً عن التعبير .. عجزت النساء أن يلدن مثل خالد .. رحم الله أبا بكر قد كان أعلم مني بالرجال مني .. وعلى مثل خالد فلتبك البواكي ..

الحرب صراع إرادات، سواء أكانت حرباً باردة أم ساخنة، فإنها بين الشعوب وليست بين القوى المسلحة وحسب، والايمان بالله هو جوهر الروح المعنوية وهو مصدر الإرادة، وهي حالة روحية وإيمانية عقلية ونفسية تثبت الشجاعة والأمل، وتتجسد في روح الفريق وحب الوحدة والتصميم والعزيمة، وتنبعث من الدين والقيادة والانضباط واحترام الذات والإيمان الراسخ بعدالة الدوافع والأسباب، والجانب الذي يحافظ على طاقة القوة المعنوية يمكنه التحرك بنجاح حتى النهاية رغم كل العقبات، أما إذا فُقدت الطاقة المعنوية فإن كل الخطط والإجراءات والإمكانيات تصبح عديمة القيمة..

الروح المعنوية المرتفعة تضاعف من أداء الجيش وتجعل قدرات المجاهد تتفوق على إثنين من خصومه وقد يصل تفوقه إلى عشرة وربما ألف.. قال تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ {65} الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ {66} الأنفال .. وكان بعض فرسان الصحابة يعد بألف رجل في القتال منهم الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد وخارجة بن حذافة وطلحة بن خويلد الأسدي رضي الله عنهم جميعا ..

نحن بحاجة إلى المؤمنين حقا .. الذين يقيمون الصلاة .. ومن أموالهم ينفقون .. الذين يصلحون ما أفسدته الظنون والحوادث .. الذين يذكرون الله كثيراً .. وإذا ذكروه وجلت قلوبهم .. وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا .. فأحسنوا التوكل على الله .. إذا استغاثوا الله استجاب لهم .. وبشرهم .. وربط على قلوبهم .. وثبت أقدامهم .. وعلمهم .. {…. وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {282} ..

حقيقة الإنتماء لله وللدين يثمر وحدة الأمة .. الإرتماء خلف الأشخاص أو التنظيمات دون التزام بمرجعية سليمة يفرخ تشتت في الصف على مستوى التنظيم الواحد .. وعلى مستوى التنظيمات العاملة يحرم من فكرة التوحد المستقبلي .. وليس في هذا تزهيد من التنظيمات أو الجماعات ولا يقول بهذا إلا من ليس له حظ في مشروعات التغيير .. ولكن المقصود أن الفرد والتنظيم والجماعة يجب أن يكون ولاؤهم وانتمائهم ومرجعيتهم لله ودينه الذي ارتضاه .. قال تعالى {…  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا … {3} المائدة .. هنا ومن هنا فقط تطمئن النفوس أن المسيرة سليمة صحيحة .. وتبقى السنن .. وتبقى الأسباب ..

وأبشروا عباد الله فقد أخرج الحاكم عن تميم الداري ( ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، يعز بعز الله في الإسلام، ويذل به في الكفر ).

– – – – – –

[1] بعض الجيوش تستهلك طافقة جنودها بأعمال تافهة ليس المرجو منها شيء اللهم إلا صرف واستهلاك طاقتهم حتى لا تتحول إلى غضب إزاء القيادة الفاشلة

[2] الكولونيل تشارلز أردن دو بيكو .

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 33 استراتيجية  للحرب -7- (استراتيجية الروح المعنوية)

 




33 استراتيجية  للحرب -6- (استراتيجية توزيع القوات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -6- (استراتيجية توزيع القوات)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -6- (استراتيجية توزيع القوات)

بسم الله الرحمن الرحيم

6- استراتيجية توزيع القوات

توزيع الجيش العامل على جبهة واحد إلى  وحدات عسكرية ذات حجم مناسب مكتفية مستقلة ذاتيا .. تضاعف من قدرتك على المناورة باستخدامها في القطاعات والمحاور المحيطة للعدو  أو على طريق تقدمه وتحقق المفاجأة التي تحبطه وتستهلك جنوده وقياداته الصغرى نفسيا ..

المفاجأة .. هي القيام بما لا يتوقعه العدو .. المفاجأة تتعلق بالوقت والمكان وخطة التنفيذ .. ونجاحها يحدث للعدو إرباك وصدمة تؤثر في سير العمليات على الأرض .. بعض الأعداء قد تبلغ به الصدمة أن يستسلم دون قتال ..

مما يعين على تحقيق ذلك: * يجب أن تكون عالما بقدرات العدو وإمكاناته .. *وبنفسية القائد المقابل وقدرته على رد الفعل .. *أيضا استعدادك للانتقال من المركزية إلى اللامركزية .. *وقدرتك واستجابة وسرعة جنودك للتكيف مع الانتقال .. *ووجود القيادات ( الأسود ) المبدعة التي تباشر آليا علاج أي خلل أو ثغرة يبصرونها خلال التنفيذ ..

 

عادة ما تبنى المنظومة القيادية مصاحبةً للتطور العلمي والتكنولوجي .. ولكن في بعض الميادين يصعب أن تصمم المنظومة القيادية مستفيدة بالكامل من التطور التكنولوجي .. فهذا ميدان لازالت المنافسة عليه بعيدة عن التيارات الإسلامية ..

يعوض عن ذلك بناء مؤسسة فائقة التنظيم .. ذات عقيدة عسكرية متفوقة .. وتخضع لقيادة تتحلى بالجرأة والمقدرة على الإبداع والحركية استراتيجياً وتكتيكياً .. قيادة لا تتشبث إلا بالخطوط العامة فاتحة المجال أمام القيادات الميدانية الشابة للابداع ..

إن إدراكنا وعلمنا بقدرات العدو وإمكانته وحجمه ومستواه التقني يجعلنا نبتكر الشكل التنظيمي الذي يصلح لتحقيق أهدافنا ويسمح لنا بالتفوق الحركي على العدو ويتيح لنا الوصول إليه وضربه والانحياز دون أن يهدد وجودنا .. ويعمل على إرباك العدو واضعاً إياه في حالة من الشك داخل متاهة من الاحتمالات ..

هذه السطور عن البعد التنظيمي للاستراتيجية ..

الجماعة الجهادية ( الجيوش ) الناجحة هي تلك التي تفتح مجالا واسعا من الحركة أمام القادة الميدانيين .. صراع اليوم هو مناورات الوحدات الصغرى المرنة ( الأقزام ) في ميادين التكتلات الضخمة الصلبة ( العمالقة ) .. هذه المناورة تتطلب مهارات الظهور المفاجئ والاختفاء السريع .. ولا يمكن خلق هذه الحركية بجسم مركزي .. الحركية تتطلب قدرة فائقة ودقيقة على الانتشار للاختفاء والتحرك .. ومهارة للتجمع والحصار والضرب .. ثم الإخلاء والاختفاء مرة أخرى .. وهذه المهارات تتطلب تنظيم لا مركزي يعتمد على الأسود الماهرة التي تتقن هذا الفن وتبرع فيه وتبتكر ..

لقد كانت مناورة انحياز القاعدة من المكلا نموذجاً للتعبير عما أريد بيانه .. فقد تحولت المنظومة بكامل ثقلها وقواتها من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية بسرعة ومهارة فائقة الدقة فبدا وكأنهم قد اختفوا في الهواء .. وحينما زال خطر المواجهة تحولوا للحالة السائلة التي نحتت عند هطولها صخور الأرض وتربتها مشكلة الوادي الذي يناسبها ولا يسمح بحصارها .. لتنساب منه بلا صخب بمرونة وخفة عند الحاجة .. إنها حالة زئبقية .. تعاود التقدم باتزان وحكمة من محاور عدة لتتحد بانسجام تام عند الهجوم .. وتنسل منتشرة مرة أخرى بمهارة وإبداع وجمال بعد الفراغ منه ..

لقد كان توفيق الله عظيماً .. وكانت القيادة بارعة وعلى مستوى الصراع ..

يكمن جوهر الإستراتيجية في البحث عن أفضل الأساليب والطرق والأدوات لتحقيق الأهداف .. أما عمق التفكير الاستراتيجي يجعلك في وضع تمتلك فيها خيارات تفوق خيارات العدو .. فبدلا من أن تكون مقلداً لخطة سبق تنفيذها في مناخ مشابه من خلال قائد ماهر تمثل لك الخيار الوحيد .. فإن إحسان التوكل على الله يمنحك التوفيق للتفكير السليم والعميق ويجعلك قادراً على اللجوء إلى خيارات أخرى بحسب الظروف .. تكرار الخطط يعتبر تصرف مبرمج لسلوك دروب سارت عليها معارك سابقة؛ سبل إجهاضها أو إفشالها معروفة سلفاً ومبرمجة أيضا في عقلية العدو .. التصرف السليم يعتمد على قدرة القائد على تجاوز التقليد إلى الاجتهاد ..

القدرة على رؤية الصورة الكاملة للساحة الحقيقية للصراع ( معرفة العدو المباشر .. الأرض .. المناخ  .. إمكاناتنا .. الحلفاء .. الأدوات المتاحة أمام الطرفين .. موازين القوة في الدوائر الثلاث ….الخ ) تساهم في بناء الاستراتيجية السليمة .. وعبقرية القائد تتعدى معرفة وفهم نفسية القائد المقابل والقدرة على التنبؤ الصحيح باستراتيجيته إلى ابتكار استراتيجية تمنح جنوده خيارات تتفوق على حيل أعدائهم ..

ومهارة القائد تتعلق برد الفعل السليم والسريع أمام تصرفات العدو الاستراتيجية أو الميدانية المفاجئة .. الذي يمنحه هذا التفوق تحليلة لبنية الجيش وقولبتها بما يناسب أهدافه .. تقسيم الجيش لفرق أو ألوية مستقلة ومكتفية ذاتيا تمنح القائد الأعلى الليونة وتفتح أمامه مجالاً أوسع للمناورة .. كما تطلق يد القيادات التنفيذية لإخراج إمكاناتهم ..

 

إنها أشبه بمرحلة النضج للتحول من شبل إلى أسد شاب ليصبح مع الوقت أسد راشد وحكيم ..

يقول الحق سبحانه وتعالى {… وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {282} ..

النصر أو الهزيمة كلاهما مضلل .. فالنصر تتوه في زخمه كمية الأخطاء التي واكبت مسيرته .. والهزيمة تضيع بانتكاستها الخطوات السليمة .. والتنظيمات والجماعات التي تتغافل عن النقد الذاتي لمسيرتها أو لحروبها تتفشى فيها عوامل التفكك والانهيار .. ولا شك أن أشد الجماعات إنتكاسة تلك التي عرفت سلبياتها ولم تسعى لتصحيحها ..

حينما نسعى لمأسسة المنظومة العسكرية فنحن بحاجة لأمرين أساسيين: الأول وضع الهيكل التنظيمي السليم والمناسب .. الثاني شغل الهيكل بالأكفاء .. هيئة أركان الحرب لا بد أن تدار من خلال مجموعة عسكرية دربت تدريبا خاصا ودرسوا التاريخ العسكري وأتقنوا فنون الاستراتيجية والتكتيك والقيادة ..

لتحقيق الليونة والمرونة يجب أن تكون بنية هذه المؤسسة ليست ثابتة .. وعلى القائد الأعلى للقوات أن يعدل من حجمها وتشكيلاتها لتناسب الأهداف المطلوب تحقيقها .. كما تناسب طبيعة المعركة الراهنة .. وبعد كل حملة لا بد من تقييم الآداء وبقسوة من خلال مراقبين .. حتى تتعلم قيادة أركان الحرب من أخطائها وأخطاء الآخرين .. وبهذا تظل المؤسسة وكوادرها خاضعين للتصويب ودائمي التطور ..

إن بناء عقلية القيادات وصقلها لتعرف كيف تفكر يعتبر الإنجاز الأهم لإدارة الصراع .. كما أن إدخالهم في سلسلة من التمارين تنمي قدراتهم على اتخاذ القرار المناسب بشكل مستقل .. فالإلتزام بنص الأمر أو روحه أو إدارك الهدف المرجو من الأمر هو موهبة عقلية .. يمكنها أن توازن بين تحقيق النتائج وكيفية[1] تحقيقها بالشكل الصحيح من منطلق أوامر الإسلام ..

هناك دائما نوعين من الأوامر أحدهما يجب إطاعته حرفيا .. والآخر يجب الالتزام بروحه .. والمنتبه الواعي للفرق بينهما هو القائد الذي نرجوه لإدارة المعارك .. ذلك الذي يقوم دون تردد أو سؤال بما يتطلبه منه الوضع الراهن وبالطريقة المناسبة ودون انتظار الأوامر .. معركة أحد نموذج لكل من الأمرين:  ففي معسكر المسلمين الأمر كان واضحا وغير قابل للاجتهاد للرماة بالتمسك بالجبل وعدم تركه .. وفي معسكر الكفار كلف خالد بن الوليد بقيادة الفرسان في القتال فحافظ خالد على هدوء الأعصاب وتحين للثغرات وتدخل في الوقت المناسب أثناء سير المعركة ..

فقه الأوامر قد يعني أحيانا أن يتصرف القائد العسكري عكس الأوامر إذا كانت غير مناسبة للوضع .. يدرك القائد العبقري متى ينبغي ألا يطيع الأوامر في لحظة حربية فارقة بين إدراك النصر أو الاستسلام للهزيمة ..

الخلاصة: *بنية عسكرية لينة قابلة للتقسيم والتشكيل المناسب .. *متابعة النقد الذاتي لتصحيح الأخطاء وإحسان الإصلاح .. *تلقين هذه الفلسفة للقادة الأصغر للاستفادة منها في المستويات الأدنى .. *القدرة على التمييز بين حالتي الأمر ( الملزم والمرن ) والعمل بهما .. وأخيراً *القدرة على التنسيق[2] بين التشكيلات في إطار الصورة الكلية للصراع لتحقيق الهدف المنشود ..

وبقيت نقطة .. الانضباط وروح الفريق ..

{ … وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {10} .. ومن عوامل تحقيق النصر أيضا الأخذ بالأسباب ومنها: المعايير العالية  .. التدريب .. الانضباط ..

عند الرغبة في تحقيق الانضباط على القادة أن يميزوا في تعاملهم وأوامرهم للجنود بين الجيوش النظامية وجيوش المتطوعين ( المجاهدين ) .. وموضوعنا الآن هنا هو ( جيوش المجاهدين النزاع من القبائل والقادمون من بيئات متنوعة ) .. سيواجه القادة طبائع متباينة من الناس .. كل طبيعة يناسبها أسلوب معين لتقبل الأوامر والعمل بها لبناء روح الفريق معه .. وأسلوب الانضباط العسكري الكامل لا يمكن العمل به معهم .. ومن هنا بدلا من أن يكون الانضباط عنصراً للانسجام قد يكون سببا للخلاف والتوتر والاضطراب .. ومن براعة القائد أن يحسن ارتباطه بجنوده ويفهمهم بشكل واضح .. ويحسن التعبير العملي عن قوله تعالى { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}.. فيشيع إحسان الظن بينهم .. وأن يتعهدهم بنصحه فيحثهم على مكارم الأخلاق .. ويمنعهم من التجسس والشك والغيبة ويعمل على الصلح بينهم .. ويقف حائلا بين الاستهزاء والتنابز ويسعي في إحسان التعارف بينهم .. وعليه أن يتواجد قريبا منهم ومعهم في الميدان كما في الصلاة .. وأن يشاركهم العبادات الجماعية كما يدخلهم التمارين العسكرية .. وأن يجتمع معهم على موائدهم دوريا وفق ظروفه .. عليه أن يشاركهم أو ينظم لهم بعض أنواع اللهو والمسابقات المباحة .. قد يكون الأنفع أن يحقق اختلاط في أماكن الإيواء وفصائل القتال فيجمع بين الأعراق أو المجتمعات المختلفة في مكان واحد أو قد يقسمهم بحسب مجتمعاتهم .. ويظل المسجد وميدان القتال الأصل في اجتماع الكل .. وعليه أن يتنازل عن بعض الانضباط الخارجي ( اللباس مثلاً .. أسلوب الكلام .. وما كان على شاكلتهما ) مقابل أن يحافظ على روح الفريق وأخلاقياته .. عليه أن يحاول برفق ترويض سلوكيات الجنود القادمة معهم من مجتمعاتهم المتنوعة والتي قد تكون غريبة أحياناً .. ويدفع بها لتحقيق الأفضل ..

يحب أن ينتبه القادة لروح التكافل الإسلامية التي تلزمه شرعاً بتفقد رعيته والنصح لهم والاهتمام بالجانب الإنساني في حياتهم وظروفهم الاجتماعية .. وما يتبعها من أعراف لا يسعه تجاهلها .. كما عليه الانتباه لتغذية الروح بنشر أهل الوعظ ليذكرهم بالله ويربطهم به .. فيتلون عليهم آيات الله ويزكونهم ويعلمونهم الكتاب والحكمة ..

إنها روح سورة الحجرات ..

– – – – – –

[1] نحن مسلمون ومطالبون بسلامة الوسيلة لنبل الغاية التي نسعى لها .. فلا يقدم تحقيق النتائج على كيفية الوصول لها أو الوسائل المتبعة فيها .. فالصحة الشرعية شرط لا يمكن المناورة فيه ..

[2] راجع تمرين الصيد العطيم لجنكيزخان ..

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -6- (استراتيجية توزيع القوات)

 




33 استراتيجية للحرب -5- (استراتيجية القيادة والسيطرة)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -5- (استراتيجية القيادة والسيطرة)

سلسلة مقالات 33 استراتيجية  للحرب -5- (استراتيجية القيادة والسيطرة)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

5- استراتيجية القيادة والسيطرة

يعرف المرء بمن معه .. الليث لا يقود فريقاً من الضباع .. والأسود لا يقودها إلا أسامة .. وبقدر ما يمكنهم التواصل بقدر ما يكون النجاح .. والبراعة تكمن في الانسجام والسيطرة بين القائد وأركانه .. وإطلاق العنان لهم للابداع .. وهذا معناه أنك تفهم بنية مجموعتك .. أو صممتها بالشكل المناسب ..

حضور القائد و قدرته على الإلهام .. تظهر في: تفاعل الجنود وإحساسهم بالهدف الكلي .. ومن خلال منحهم حرية التصرف لإنجاز الهدف .. وتنمية روح الفريق التي تمنحهم إندفاعة لا تقاوم .. وأن تتحمل معهم نتائج العمل .. مهما كانت .. فأنت المسؤول الأول عن النجاح أو الفشل ..

المعادلة الصعبة تكمن في انتخاب القيادات للعمل والسيطرة عليهم .. وأن تطلق لهم العنان للإبداع دون أن ينطلقوا خارج حدود الخطة .. أن ينفذوا روح أفكارك دون أن يكونوا آلات .. النجباء لديهم أجندتهم ونمطهم في التفكير وحظوظ أنفسهم .. فإن أحكمت عليهم الخناق أفسدتهم وتمردوا عليك بالصمت وتحينوا الفرصة لإفساد خططك .. وإن تغافلت عنهم أفسدتهم بصراع أناني داخلي على السلطة يسارع بالانهيار أو الهزيمة .. وفقدان السيطرة ..

إذا كنت تهدف لتوحيد الأجندة وإحسان تفاعلهم وتنمية روح الفريق فعليك: باختيار أهل الكفاءة والخبرة لا أهل الولاء والصحبة .. الإحسان في توزيعهم على التخصصات .. الإنصاف في توزيع المهام ودعمها بالإمكانات التي تنجحها .. وتنسيق التعاون بين الوحدات والقطاعات على كامل الخريطة .. الاهتمام بقنوات التواصل لسرعة وصول المعلومات والتجاوب معها.. فرض مناخ الشورى للمساهمة في صناعة القرار .. فسح مجال مرن باتاحة الفرص لاستثمار إبداعهم فتشبع طموحهم .. الجدية والحزم في المتابعة والمسائلة والمحاسبة ( ثواباً – عقاباً – عفواً ) تكسبك الهيبة والاحترام وتقتل روح التمرد الذاتية ..

التزامك بما تدعوهم إليه هو إلهام لهم باقتفاء أثرك .. ربطهم بالخالق وبما عنده وتنمية الإيمان في قلوبهم ينمي الولاء له سبحانه .. تعهدهم بالتربية وتزكية النفس يذهب شوائب الصدور .. حرصك على العدل والإنصاف يبعد الحسد والبغضاء بينكم .. المسارعة للإصلاح فيما شجر بينهم يبث مناخ المحبة والثقة .. اشاعة روح التكافل الإسلامي تبني روابط الإخوة وتدعم الصداقات .. نشر معاني الوفاء الإخلاص التضحية الفداء تلد جيلا من المحسنين .. كل هذا .. يقتل حظوظ النفس وجموحها إن شاء الله ..

بعض القادة لديهم موهبة فطرية رائعة في وضع الخطة والعناية بالتفاصيل والتحضير للمواقف الطارئة .. ويضيع منهم أحد أهم ركائز النصر ( السيطرة ): وضوح الأوامر .. سلسلة القيادة .. وشبكة الاتصالات التي تنتقل من خلالها الأوامر والمعلومات والقرارات .. فإن كانت السلسلة والشبكة لا تعملان على الوجه المطلوب والأمر تم صياغته بشكل ضبابي فلا يمكن تنفيذ أي استراتيجية كما خطط لها ..

الصف الأول من سلسلة القيادة يجب أن يكون من الأسود الذين يجيدون فن المناورة والانقضاض .. وحينما يتلقفون الأوامر يتخذون من الأسباب ما يمكنهم من تنفيذها .. أما إن كانوا من الضباع فأول ما يفكرون فيه هو تأول الأمر .. خاصة إذا أصدر لهم بصيغة مهذبة وضعيفة سيرون في أوامرك ما يريدون رؤيته .. ويحولون الهدف من مجهود رئيسي إلى هدف محتمل ..

الصف الثاني من سلسلة القيادة والذي يتولى مباشرة التنفيذ إن لم تشملهم شبكة الاتصالات مع القيادة العامة .. وكانت الأوامر التي وردتهم تم تأويلها .. فسيكونون مترددين في كل حركة .. ومرعوبين من التصرف على سجيتهم .. وجنودهم يتحولون إلى أسراب تائهة .. وهكذا تتحول الضبابية عند رأس القيادة إلى إرتباك وفتور عند القاعدة ..

بخلاف الإنكسار في سلسلة القيادة .. هناك خطأ أكثر شيوعا يقع فيه كثير من القادة عند تحليل أسباب الفشل .. حينما تنظر للأحداث بصورة عكسية: فتلوم ضباطك غير الأكفاء .. أو التكنولوجيا الناقصة لديك .. أو المعلومات الاستخبارية الخاطئة …..الخ .. إذا استمر تحليلك بهذا الشكل فأنت على موعد مستمر مع الفشل والهزيمة ستظل في ركابك ..

والحقيقة أن كل شيء يبدأ من قمة الهرم: وما يحدد فشلك أو نجاحك هو أسلوبك القيادي والتسلسل القيادي الذي تصممه وشبكة التواصل مع سلسلة القادة .. فإذا كانت أوامرك غامضة أو ضعيفة فحين تصل إلى الميدان ستكون قد فقدت معناها .. سلسلة القيادة هي من صنعك أنت وهو عمل فني يتطلب رعاية واهتمام وتجاهله لا يحقق إلا الخطر .. يعتمد النجاح على السرعة التي تصل بها المعلومات في الاتجاهين عبر شبكة اتصالات القادة ..

ضعف السيطرة معناه أن السلسلة فقدت واحدة أو أكثر من حلقاتها: وضوح الأوامر .. سلسلة القيادة .. شبكة التواصل ..

عند اختيار قائد عسكري جديد ينشأ صراع داخلي صامت مع المجموعة البيروقراطية .. كذلك مع الطامحين لنفس المنصب من كبار القادة[1] .. من يسيطر على صنع القرار ويستمر مسيطراً أثناء تنفيذه؟ ..

الصراع الداخلي للسيطرة على مستوى القيادة يتطلب حلما وحكمة .. على القائد الجديد أن يتجنب الدخول في تحديات .. وأن يتفادى مراد الخصوم بهدر الوقت واستنزاف القوة في معارك فرقاء .. والغوص في تفاصيل صغيرة تعمي عن الصورة الكلية ..

لتغيير الحالة البيروقراطية ومناخ المنافسة على القائد أن يبادر بأمرين: الأول اختيار وتوظيف طاقمه[2] الذي قام بانتقائه وتدريبه وتشغيله والتأكد من كفائته وحسن تصرفه في الظروف العادية وتحت الضغط خلال مسيرته العملية .. الثاني العمل على تأهيل[3] الذين كانوا يعوقون سلسلة القيادة ودمجهم بروح الفريق وبأسلوب غير مباشر ..

الحزم من الحكمة .. ومطلوب مع العناصر التي يصعب عليها أن تنسجم مع أسلوب الإدارة الجديدة .. هذه العناصر لا يمكن إصطحابها أثناء المسيرة العملية ولا بد أن تغادر لتعمل في إدارة أخرى ..

على القائد الجديد أن يقوم بتعيين مساعدين يشاركونه الرؤية وقادرون على التصرف وفق أسلوبه .. يوفرون عليه الوقت في التفاوض مع كل شخص صعب .. ويساهمون في نشر روح الفريق لتصبح سياسة عامة .. ويحلون بديلا عنه في الاجتماعات قليلة أو عديمة الجدوى .. ويحمونه من الغرق غوصا في التفاصيل الصغيرة لينشغل بالصورة الكلية .. وهم يدعمون بلا شك سلسلة القيادة والسيطرة بصورة عامة وبشكل غير مباشر .. والناس سيتبعونك دون اتهامك بالتسلط .. وهذا قمة المهارة لتحقيق أقصى سيطرة في الصراع الصامت الداخلي ..

إذا كان ميدان الحرب مقسم بين فصائل أو تنظيمات متنوعة .. فهو ميدان خطير .. فصائل مختلفة المشارب تواجه عدو واحد .. أشبة بجيش له خمس قيادات أو أكثر .. الناس ضمن مجموعات تكون لديهم ميول سياسية وانتماء للفصيل أو التنظيم .. وما يقولونه أو يفعلونه هو للترويج عن أنفسهم فقط ولإرضاء الآخرين ..

في حين أن الفرد جرئ ومبدع فإن المجموعة تخشى المخاطرة وتعلق في خوفها .. إنها تملك عقلا خاصاً بها .. عقل حذر وبطيئ في اتخاذ القرار ومعدوم الخيال ..

عندما تعقد تحالف من عدة فصائل أو تنظيمات ذات مرجعيات مختلفة فلا تسمح بخرق أحد أهم قواعد الحرب والسيطرة .. { وحدة القيادة } .. يميل البعض لمنح المجموعة مزيد من القوة انطلاقا من رغبة بعض القادة بأن يظهروا ديموقراطيين فيترك للمجموعة اتخاذ القرار وصياغة الاستراتيجية .. هذا هدم وليس بناء .. ومن هنا ندرك عبقرية الشورى وما تمنحه من مرونة للقائد ..

القيادة الموزعة هي وصفة للكارثة وهي سبب أعظم الهزائم العسكرية في التاريخ .. تعين قائدين أو أكثر لقطاع عمليات سيتشاكسون فيما بينهم أكثر من قتالهم للعدو .. لا بد من اختيار قائد عسكري واحد لقيادة التحالف .. تحت سيطرته جميع الجنود ويشرف على كامل الميدان .. ومخول من الفصائل المتحالفة بكامل الصلاحيات .. وعليه أن يصطفي وبعناية هيئة أركانه ويجعل منهم فريق عمل واحد .. قديما قالوا: لا يجتمع سيفان في غمد ..

قال تعالى: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ {29} الزمر..

– الخطوة الجوهرية لبناء سلسلة قيادة فعالة هي جمع فريق من أصحاب المهارات الذين يشاركونك أهدافك وقيمك .. عليك أن تبحث عن الأشخاص الذين يعوضون عن نقصك ويملكون المهارات التي تفتقر إليه .. لا تختر إطلاقاً رجلاً فقط بسبب سيرته الذاتية اللماعة أنظر تحت جلده إلى تكوينه النفسي واحظى بمن ليست ذاته متضخمة .. اعتمد على الفريق الذي كونته ولكن لا تكن أسيره .. إذا حظيت بالمشهورين فاحذر أن تغيب عنهم .. انقطاعك يمثل فرصة لبناء قاعدة قوة خاصة بهم ..

إلى جوار هؤلاء إحذر صنف من البشر ينموا داخل التنظيمات يركض وراء مصالحه وينشأ عصبة تدفع بأجندته الخاصة لإحداث شرخ في البنيان الصلب .. هذا الصنف يفسر أوامرك وفقاً لأهدافه الخاصة .. قبل اختيار أركانك وقادة أفرعك تحرى عنهم وتجنب تعين أصحاب الحظوظ الذاتية .. وإن ابتليت بهم سارع بعزلهم ولا تمنحهم الوقت أو المساحة للمناورة داخل التنظيم .. لا تكثر من إحسان الظن[4] ما أن تتعرف عليهم بادر بعزلهم لكي توقفهم عن بناء قاعدة قوة ينطلقون منها لتدمير سلطتك ..

– حافظ على سلسلة قصيرة لتأمين سرعة نقل المعلومات من الخنادق .. لتحسن التأقلم بسرعة مع ظروف الحرب .. القادة العظام لا يكفون عن التواجد بكثرة مع جنودهم .. وعليهم أحيانا أن ينظروا في رسائل جنودهم ويوظفوا من يثقون به لمتابعتها .. في وقت الحرب ابني شبكة غير رسمية تنقل لك وقائع الميدان .. بالموازاة مع الشبكة الرسمية والتي تكون عادة أبطأ .. شكل مجموعة سفراء فوق العادة ترسلهم في العمق لجلب أو توصيل المعلومات .. أو للتفاوض مع العدو .. هذا الفريق يمنحك مرونة في السلسلة وفسحة في المناورة في بيئة صلبة ..

– انتبه إلى الأوامر نفسها شكلاً ومضموناً .. الأوامر الضبابية لا قيمة لها وأثناء تنقلها من مستوى لأخر تصبح معكوسة .. اجعل أوامرك واضحة فيها تفصيل للبنود الهامة وتشمل على مقترحات لمواجهة بعض الأحداث الطارئة المحتملة .. هذا النمط يجعل ضباطك يعرفون كيف تفكر .. لذلك اجعل أوامرك ملهمة تفتح المجال للإبداع والمشاركة في إطار الخطة العامة ..

حفلت أفغانستان بعدد من القادة المخلصين وغير المخلصين .. كما حظيت بمرجعية شرعية واحدة ( المذهب الحنفي ) .. الحلفاء قبل الأعداء اجتهدوا في إفساد الاستراتيجية .. وأوصلوا المجاهدين إلى سبعة أحزاب .. مما جعلها تخسر وحدة القيادة وتفقد السيطرة .. وانتشرت الفوضى والقتال الداخلي .. هذا الدرس استوعب بدقة .. وحينما انتظم المجاهدون تحت راية طالبان حققوا أربعة أركان للنجاح: وحدة القيادة .. الإستراتيجية .. التنطيم .. السيطرة ..

ساحات الصراع التي تفتقر: { للقيادة .. للاستراتيجية .. للتنظيم .. للسيطرة }.. هي ساحات تعيش حالة من الفوضى بما تعنيه الكلمة .. لا احد يسمع للاخر .. وليس هناك نقاط التقاء .. وكلمة الفصل بيد حلفاء الخارج .. كل فصيل يفعل ما يحلوا له .. والاجتماعات بينهم تخلوا من اتفاق .. وأحينا تدار لمعرفة ما عند المنافس .. وتكرارها هو كسب لمزيد من الوقت .. والصدام قادم بينهم .. والعدو الماكر يتحين فرصته ..

ولندرك جميعا أن الخلل في أحدها { وحدة القيادة .. الاستراتيجية .. التنظيم .. السيطرة } نتائجه الدخول في متاهة .. خروجنا منها مرهون بتوفيق الله أولاً ثم اجتهاد القيادة في إصلاح الخلل ..

– – – – – –

[1] المسلمون ليسوا استثناء .. فهذا أمر بشري خاضع لحظوظ النفس .. ورغبتها في التملك والسيطرة .. وليس كل القادة خالد بن الوليد رضى الله عنه .. والتاريخ ذاخر بالمؤامرات الداخلية للقرب من السلطان وتولي المناصب .. ولا شك أن هذا خلاف التربية الإسلامية الصحيحة ولكنه واقع النفس البشرية ..

[2] سبق وبينت أن هؤلاء لا بد أن يكونوا من النجباء ( الأسود ) .. وليسوا من ( الضباع ) الذين أفضل صفاتهم أنهم من أهل الولاء فقط .. هؤلاء النجباء قام القائد خلال مسيرته بانتقائهم وتدريبهم وتشغيلهم والتأكد من نزاهتهم وكفائتهم وحسن تصرفهم في الظروف العادية وتحت الضغط ..

[3] هنا ملاحظة هامة جداً هذا التصرف لعلاج المنظومة القديمة مقبول وحكيم لكونهم جميعا يعملون داخل النظام القائم .. أما في حالة الثورات أو حروب العصابات فهذا التصرف يعد حماقة سياسية لأننا لسنا أمام فريق منافس في إطار نظام نقيمه .. وإنما أمام فريق معادي يعمل على إعادة نظام نباشر هدمه ..

[4] من هذا الباب أوتيت قيادة القاعدة .. فخرج نموذج ( ابن عواد ) الذي التصق بالتنظم حتى إذا واتته فرصته انقلب وشن حرب على قيادته .. وهو نموذج قابل للتكرار إذا استمرت قيادة القاعدة بالسير على نفس المنوال ..

 

 

بقلم  : عابر سبيل

المصدر:

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

سلسلة مقالات 33 استراتيجية للحرب -5- (استراتيجية القيادة والسيطرة)