جدلية الدين والسياسة

جدلية الدين والسياسة

جدلية الدين والسياسة

تتغير المجتمعات البشرية بقدر ما تتشرب من جوانب المعرفة بموجبها ترتسم لديها مسارات جديدة في تعاطيها مع واقعها المعيشي وتطلعها المستقبلي وهنا تكمن اهمية المنتج الثقافي الذي ينبجس من قنوات التنوير المختلفة سواء الاعلامية والتربوية والتعليمية والفنية. اعتقد ان الدور المحوري يقع على عاتق الفنون بشتى مستواياتها في تبسيط وتجسيد الفكر حتى يبلغ عمق الوعي المجتمعي؛ مع العلم انه لا بد من التمهيد لذلك بالدخول في مرحلة نقدية طويلة تغطي المساحة الثقافية والفكرية افقيا (التاريخ الانساني في تطوره المعرفي والاشكاليات التي عالجها العقل في ذلك السياق) واستخلاص ما يمكن ان يكون بقدر الواقع وتحدياته واستشرافا لغده ووسائله….. عند الشروع في هكذا تحول تقتضيه دورة الحضارة تبدا المقاومة والصراع بين السائد والمولود الجديد على حد تعبير الفيلسوف”هيغل” فلا يسع المتطلعين لتغيير الأوضاع الا المضي قدما في بناء القاعدة والاساس للاجيال اللاحقة. سانطلق من اهم المؤثرات في حياة الشعوب العربية والمغاربية وهو التراث الذي تغذت عليه حيث شكل المفهوم الديني باختلاف تأويلاته نواته المؤثرة طوال قرون مديدة ما جعله ينداح في اللاوعي الجمعي مؤثرا بعد ذلك في نمط الحياة وتفسير احداثها!!

عند الشروع في الحديث عن الدين كعنصر في مجرى الصيرورة التاريخية سنستحضر ما يسمى بفترة الصراع بين الكنيسة وطبقة تبنت النقد كاداة لخلخلت الوضع القائم انذاك من سيطرة نموذج متشبع بمفاهيم دينية راديكالية تغطي الحياة الاجتماعية والسياسية شكلت عامل عرقلة التقدم في اوربا -وصراعات دموية تحت غطاء التكفير – باعتباره كرس اوضاع مجتمعية اتسمت بالظلم والطغيان والاستبداد والاستئثار بالثروة وقمع كل الافكار والنظريات العلمية باعتبارها نقيضا لقيم انسانية عززتها كل الدعوات الدينية: العدل والتسامح والامانة والمساواة والعلم..

لم تصمد المؤسسة الدينية أمام التيار الجارف الذي بلور مسار جديد نتيجة جملة من الاحتجاجات(مارتن لوثر) اصطلح عليه الاصلاح الكنسي حول جملة من الممارسات المسيحية التي شكلت طقوسا خضع لها المجتمع باعتبارها مسلمات؛ لكن يبدو ان المجتمع كان مستعدا لبداية تحول سيكون ارهاص لكل التطورات التي عرفتها اوربا بعد ذلك. حافظ هذا الاحتجاج ضد الكنيسة على موقفه اللاهوتي حيث لم تكن القطيعة كلية بينه وبين الدين بل تجديد لموروث علا عليه غبار اهواء الملوك ورجال الدين، بيد انه لم يحتوي على نظرية سياسية تفرضها متطلبات الحياة ضمن واقع اصبح متطلعا ومتسائلا عن سبل جديدة لرؤية الحاضر والمسقبل. لقد طلب من رجال الاصلاح رؤية حول ارائهم السياسية التي بقيت نابعة من مقدماتهما اللاهوتية: من خلال جدلية (مستوى الاستقامة التي يتطلبها الله من عباده والشر الذي نفعله وهو التعبير عن طبيعتنا البشرية الفاسدة ومسؤوليتنا)…

واذا لم يكن لسبب اخر سوى ان الكتاب المقدس يحتوي على كثرة من الايات التي تهتم بالسياسة فانه يتضح لابد ان يكون ل”لوثر وكالفن” بوصفهما لاهوتيين انجليين نظرية سياسية يعرضان فيها تعاليم الانجيل عن الحكومة والطاعة وغيرهما ويربطان ذلك بمشكلات اليوم…

خلاصة الفكر السياسي لدى ابرز رجال الاصلاح هؤلاء ينطلق من ازدواجية في موقف الانسان امام سلطة روحية يدرب بواسطتها على عبادة الاله وسلطة مدنية يتعلم بها الفرد على اداء الواجبات من حيث اننا مواطنين؛ فالنوع الاول يشير الى حياة النفس بينما يتصل النوع الثاني بمسائل الحياة الراهنة: فاذا بنا أمام مملكتان روحية ودنيوية يجب عدم الخلط بينهما فالايمان للاولى والعقل للثانية اذ تكمن الخطورة عندما تحاول السلطة الدنيوية ان تحكم الكنيسة او المسجد وتملي ما يجب اعتقاده وتعلمه، أو ان البابا أو الامام يحاول ان يؤكد كل سلطة دنيوية تنبع منه. فخلط ما هو سياسي وديني معا مما يجب تجنبه والبعد عنه…..

اعتقد ان العالم العربي يجب أن يحسم في مسالة هذا الخلط الناجم عن فرضية ان التوجه السياسي يجب ان يولد من رحم النصوص بسبب النظرة التي تحاول استنساخ التاريخ الوسيط دون مساءلته او حتى تنقيته باعتباره المثل الأعلى متغافلة عن مقاصده في كون المسالة السياسية يجب ان تؤصل من خلال المصلحة والجهد العقلي ونتاج الامم. في هذا المضمار حاول الدكتور سعد الدين العثماني في كتابه: “تصرفات الرسول بالامامة” ان يبرز هذا المنحى في السياسة النبوية معززا ذلك بجملة من النقول والوقائع، مبتعدا عن وهم الخلط بين ما هو ديني علاقة الفرد بالله وماهو دنيوي في علاقة الفرد بواقعه وتجدده ومتطلباته مانحا مجالا واسعا للابداع، يتصل بمدى المعرفة والثقافة والادراك الذي يتمتع به زعماء وشخصيات تطرح مشاريعها لتدبير المجال الدنيوي على وجه يضمن احراز مكاسب لشعوبها..في هذا السياق لا نغفل ظاهرة الاسلام الحركي باعتباره رؤية نابعة من تصورات في مسائل السياسة والحكم فهو ينطلق من النصوص(قران وسنة) الى الواقع والحياة دون فهم طبيعتها ومجال تشغيلها ومقاصدها.

يجب ان يشيح الاسلام الحركي النظر في السياق السياسي عن حرفية النص وابعاده والالتفات الى مخزون القيم المختزل في التجربة الاولى(النبوية) التي اشاد بها اغلب الكتاب السياسيين كالعدل والامانة والعلم والمسؤولية والشورى والكفاءة والمحاسبة…مع التخلص من نظرية المؤامرة وفكر الاقصاء للرؤى المتباينة معه بالوقوف عندها والانفتاح عليها وفتح قنوات حوار جادة تدفع نحو التكامل باعتبار ان النقص والخطأ هو من صميم طبيعة البشر… عندما نخلط بين ما هو ديني ودنيوي فاننا نتطلع في قضايا تدبير الواقع الى المثالية باعتبار انها من واجبات دينية غافلين ان الواقع له طبيعة تفرض نفسها تجعلنا نبدو بدائيين في تسيير امور الحياة وفهمها فيتصادم الفكر المثالي بالواقعي..

يعتبر ابن خلدون ومكيافيلي أصحاب نظرية الواقعية من خلال فهم أعمق لطبيعة المجتمعات البشرية ما يجعل التصرفات السياسية تبدو لأصحاب الخلط منكر وغير مقبولة فيزيد تشبتهم بالمثال ظنا منهم انهم ينصرون فكرة الدين!!!

اخلص الى ان الدين يجب ان يبقى في سياق روحي جواني وان عالم الارض يجب ان يأخد بعين الاعتبار تراكم المعرفة والواقعية والبراغماتية وانهاء ما يعرف بعصر الحروب الدينية…

 

بقلم:  أديب أنور

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

09/05/2020

 

جدلية الدين والسياسة

 




المغرب: اشكالية الدين واللغة

المغرب: اشكالية الدين واللغة

المغرب: اشكالية الدين واللغة

تعتبر اللغة وعاء الفكر لدى البشر فكانت صياغة اي نموذج او وضع اجتماعي ثقافي سياسي رهين باالاعتماد على الية تواصل (اللغة) داخلي يتيح للتطور الاجتماعي السير تحت تاثير سقف تلك اللغة ومفرادتها.. وعليه تبدا دورة التغيير الحضاري انطلاقا من هذا المحدد(اللغة) بالنظر في تأثيره التاريخي على الشعوب التي تفاعل في محيطها..اذا تطرقنا الى عالمنا المنسوب الى تلك اللغة!!(العربي) سنظطر الى طرح جملة من التساؤلات الملحة : من الناحية التاريخية قدم الاسلام نظريته في ظل واقع عالمي مستقر على مسار اجتماعي وديني وثقافي ولغوي متنوع الى حد كبير؛ بحيث ربط مقاصده فهما وتنزيلا وسلطة بمدى استيعاب وتبني اللغة الجديدة التي حملت في بنيتها ثقافة جديدة تتمايز مع محيطها الجغرافي ناهيك عن دور التفوق العسكري للقبائل العربية حينها الذي أسهم في فرض واقع تعممت بسببه اللغة العربية عن طريق الدرس الديني والشعائر التي يمارسها المسلم في حياته كالصلاة وقراءة القران مثلا.. ادى هذا التحول الى تغييب الخصوصيات التي تتاسس عليها تلك المجتمعات الناطقة بلهجاتها المحلية، وتكريس التبعية للعنصر العربي؛ فتأثير اللغة ينسحب على المنتج الثقافي للانسان ويتحكم في منظوره للاحداث. لا يتنافى بقاء المجتمعات ناطقة بلغاتها المحلية تواصلا وتثقيفا وتعليما مع دخولهم في الاسلام ;(وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه); بل قد تكون النتيجة سلبية من الناحية الحضارية بحيث تكون حاجزا امام عملية الاستيعاب لتلك الافكار والنظريات التي يراد لها ان تكون قاعدة البناء والانطلاق؛ فلا مناص حينها من الترجمة للهجات تلك الشعوب وتركها تتفاعل مع معاني الرسالة دون ادنى حاجة للوصاية عليها…

 

أما من الناحية المعاصرة فنحن امام جدران سميكة يجب هدمها لتصحيح خارطة الطريق امام الشعوب المغاربية التي انا جزء من نسيجها ومتطلع لان تكون منطقة اشعاع حضاري في العالم لامتلاكها كل مؤهلات النجاح. تكمن في نظري نقطة البداية في الوعاء الحامل لبذور التغيير والذي هو اللغة التي كما ذكرنا تحمل الفكر والمشاعر وترسم المستقبل والافق؛ فالمجتمعات المغاربية ذات لهجة محلية بها تتواصل وتتفاعل وللاسف لازال العلم والادب والفكر ينتج باللغة العربية لاسباب تاريخية ودينية ما يجعله لا يصل الى كل الفئات الاجتماعية فتبقى عملية الوعي والتنوير محصورة في جزء قليل بينما الجمهور العريض في غيابات الجهل والتخلف….

 

في سياق هذا الواقع الثقافي وهو التعريب الذي شهدته المنطقة تولدت اشكالات عديدة حالت دون وصول المعرفة الى العمق الاجتماعي ناهيك عن التبعية التي تجعل المغرب العربي اسير الثقافة مشرقية حجازية  تذوب في حضنها الخصوصية المغاربية التي تعيش في شرنقة التضارب بين لهجة الشارع والمعيش اليومي  ولغة وافدة تحمل له أسس الحضارة والمستقبل الزاهر لا يستوعب خطابها ولا تبلغ الجزء النفسي منه ومشاعره؛ ناهيك عما يتسرب الى الداخل من افكار وافدة من شانها تأزيم الوضع الداخلي عن طريق اللغة العربية علما ان المشرق والحجاز بات منطقة موبوءة على مستوى الفكر والتصورات كونه لم يتعرض لتجديد فكري ونقد داخلي فلا غرو ان يقذف بكل ذلك الى الجوار  الذي يتقاسم معه عاطفة دينية اتجاه الاسلام.. ولعلنا نتساءل اليوم ما هي الحصيلة التي احرزتها المنطقة من عملية تعريب المعرفة دون صياغتها بلهجة محلية تجعلها في متناول المجتمع برمته؟؟!!!

 

بالاضافة الى صعوبة تعليم قواعدها وتعقيدها ما يجعلها كابوس في نظر الكثير من الطلاب كما أنها اليوم ليست وسيلة لتحصيل لقمة العيش بسبب التخلف والانحطاط الذي تعيشه منطقة الجزيرة والمشرق العربي؛ وحرماننا من الاطلاع على الابحاث التي تصدر بلغات اجنبية لحضارات متفوقة حضاريا يجدر بنا الاحتكاك بها معرفيا حتى نستعيد المسار المفقود الذي يصل بنا الى ركب الدول المتحضرة . لا أعتبر هذا تحاملا على اللغة العربية ولكن في نظري يجب ان تبقى ضمن تراث ثقافي مفتوح لمن اراد الاطلاع عليه في مسارها التاريخي…

 

اذكر من سلبيات عدم تحرير هذا الاشكال ووضعه في سياقه الطبيعي هو النظرة التي تعتمل في داخل المغاربة ازاء اهل الجزيرة والمشرق العربي عندما يتحدثون بالفصحى نظرة تضفي نوعا من القدسية والاجلال والتسليم لهذا المتكلم وقد حدث هذا معنا لما كنا في سوريا فعندما يتحدث الينا بعض هؤلاء كأن على رؤوسنا الطير   دون التركيز في المحتوى ونقده وطرح تساؤلات حوله…. مع العلم اننا في ميزان العرب الغني بالنفط لا نعدو شعوبا دونية ولسنا ف مستواهم ….ان هذه اللغة بالنسبة لهم اداة من ادوات القوة الناعمة والسيطرة الروحية على الشعوب الأخرى وتكريس التبعية … تحياتي للجميع …..

 

بقلم:  أديب أنور

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

26/04/2020

 

المغرب: اشكالية الدين واللغة

 




المشهد السوري محاولة للفهم

المشهد السوري محاولة للفهم ( 1 )

المشهد السوري محاولة للفهم

( 1 )

تبدأ الثورات الشعبية عادة من نقطة (اصلاح وضع اجتماعي، حقوق مدنية، تهميش) ونتيجة لردود فعل السلطة القائمة تتوسع في مطالبها حتى تصل إلى استبدال الحكم تحت مظلة العقل الجمعي الجماهيري إذ غالبا ما يكون الإلمام بجوانب الواقع ناقصا فتندفع لا ترى الا ما تريد لا ما سيراد بها بعد مراحل من تقدمها في خضم الثورة تاركة الأقدار تفعل ما تشاء. يتوقف جزء كبير في فهم ديناميكية التغيير الذي يحدث داخل المجتمعات(الدول) على معرفة تحليلية لمكونين أساسيين تتأثر البنية الداخلية بهما وهما:

– تصور طبيعة المجتمع ومعرفة الجوار الإقليمي والدولي.

يحظى المجتمع السوري بتنوع ديمغرافي يتوزع بين غالبية مسلمة سنية وطوائف أخرى بين علوية ودروز ونصارى وأكراد؛ طالبت الغالبية السنية بالتغيير داخل هذا المجتمع ذي الطوائف المختلفة التي تغلب عليها ثقافة العشائرية والقومية فيما بينها ان صح التعبير… اذ ستتميز فيما بينها بتباين أهدافها السياسية مما سيؤدي إلى تخالف في الرؤى بينهم، هذا المناخ الطوائفي المتباين الذي تنعدم فيه فكرة المواطنة لا يمكن إلا أن تكون له انعكاساته بعد ذلك في التطورات التي تطال مراحل الثورة.

 

افتقد الحراك لعنصر القيادة الموحدة لضمان سير الامور بشكل يحفظ الاهداف ولعدم انزلاق الأمور نحو الفوضى المتوقعة؛ فانقسمت الثورة ذات الغالبية السنية على نفسها فيما يتعلق بالتوجهات وكانوا كما قال القران”كل حزب لما لديهم فرحون” إلى ما يشبه لوحة فسيفسائية؛ بقي العنصر الذي جمع بين أغلب هذه الأطياف هو مجابهة النظام على كافة الأصعدة إعلاميا وعسكريا وسياسيا. حين بدأ الطابع العسكري يشكل قاعدة الثورة تكونت الجماعات والكتائب تعلن استعدادها لخوض القتال للحفاظ على أهداف الثورة وإسقاط الحكم السائد. بطبيعة الحال كانت الصبغة الإسلامية هي اللون البارز في بنيان تلك المجموعات فصرنا في مرحلة كانت الدماء والمجابهات المسلحة هي عنوانها الرئيسي…

برزت المجموعات المسلحة بشكل بارز على السطح ولاقت تأييدا شعبيا على أدائها في مقاتلة الجيش فحصلت على هامش لها ولأتباع الثورة بعيدا عن سيطرة الأخير، فيما بات يعرف بالمناطق المحررة التي تنازعت بعد ذلك في كيفية ادارتها بسبب الاختلافات المنهجية والبعد الأيديولوجي والاملاءات الخارجية لدى كبرى الفصائل، زاد هذا في توثر العلاقات والتنسيق وفقد الثقة مما أربك الوضع الداخلي وعمل على هشاشته بعد ذلك. ناهيك عن الاقتتالات والاغتيالات التي طالت كل تلك المجموعات فيما بينها كل هذا قبل التدخل العسكري الروسي الذي حسم المعركة لصالح النظام السوري.

يمكن القول أن هناك عناصر أساسية تداخلت وأفرزت طبيعة الوضع الراهن سيكون المقال القادم بداية التطرق إليها والحديث عنها.

تشكل مساحة الصراع في تاريخ البشر حيزا كبيرا ومجالا يستجلب الدارسين لفهم أسبابه ونتائجه للاستفادة منه في الواقع المعاصر. سبق وذكرنا في ما سبق أن المناطق التي تقع ضمن موجة تغيير(ثورات) تستدعي منا معرفة تحليلية للسياق الأجتماعي وقد تمت الإشارة في مقالنا السابق إلى بعض خطوطه والى ادراك السياق الخارجي.

لا يمكن أن تبقي الثورة التي اندلعت في سوريا الوضع الداخلي السياسي والعسكري كما كان في السابق، حيث تصبح البلد مهيئة للتأثير الخارجي سواء من جهة أصدقاء الثورة كما قيل أو من أصحاب المطامع و البحث عن النفوذ داخل أماكن الأزمات.

تكمن خطورة الخارج في أنه يملك لنفسه مصالح تتعلق به يجعلها ضمن أولوياته التي يسعى لتحقيقها، مستفيدا من طبيعة ما تمر به البلد أو تواطئ بعض الأطراف(ف الداخل) ضمن لعبة المكاسب حتى ينال_العنصر الخارجي_ ما يصبو إليه.

 

من خلال تعايش ومتابعة للقصة السورية أزعم أن التأثير الخارجي اكبر بكثير من التأثير الداخلي في المألات الراهنة؛ هذا التأثير الذي وصل لدفة التوجيه والقرار مبتعدا بذلك عن طموحات الشعب الذي أصبحت تضحياته ماء يسقي أشجار غيره، فدخلت الثورة في التيه وبات الكثير تراودهم مشاعر الندم والخيبة لما أدركوا ان الخيوط صارت بأيدي غيرهم، وأن جهودهم تفتقر للبعد الاستراتيجي في الصراع.

يستدعي أحيانا ملاحظة التأثير الخارجي صعوبة واحيانا أخرى تراه واضحا ماثلا للعيان؛ فبحسب المعطيات العسكرية والفكرية والسياسية التي طغت على الساحة ومثلت مسارا ثابتا في توجهات الثورة يستوقفنا البحث حولها كونها عناصر أساسية أسفرت بعد ذلك إلى الوضع الراهن:

خضع المعطى السياسي(الاتلاف الوطني) لجملة من المؤثرات ساهمت في ضبابيته وضعفه؛ حيث لم ينبثق من داخل المجموعات العسكرية أساسا ولم يعبر عنها، _والتي بدورها ارتكبت خطأ استراتيجيا كونها لم تدرك أهمية الجانب السياسي في مسارها، ولم تبرز شخصيات كفوؤة من داخلها تتحدث نيابة عنها وتعرض مطالبها في توازي مع العمل العسكري الموحد_ بل سعى(الائتلاف الوطني) إلى كسب الشرعية من الخارج (أصدقاء الثورة) والسير وفق برامجها تحت تأثير الدعم المالي المشروط طبعا، ناهيك عن البذخ الذي كانت عليه بعض تلك الوجوه السياسية في حين يعاني الشعب من أبسط متطلبات الحياة كل ذلك تحت جحيم الحرب التي لم يكتووا بنارها ولا عاشوا واقعها وكنتيجة منطقية فقدت الثقة بين القاعدة الفاعلة والعريضة للثورة ( الفصائل الكبيرة وعامة الشعب) فنتج فراغ مهم في جسم الثورة بغياب عنصر السياسة لأجل الدفع بعجلة القضية وإيجاد مخارج الأزمات المتوقعة باستخدام ميزة التفوق على الأرض؛ بل للأسف صار عامل استقطاب في الداخل معتمدا على الإغراءات المالية لبعض الشخصيات حتى تعمل على تشكيل بعض المجموعات العسكرية من خلالها تثبت تواجدها ونفوذها حتى يستمر الضخ المالي(الخليج) عليها وتمرر الأجندات على حسابها. فتكون بذلك قد خسرت القضية وجها مهما وهو (السياسة الفاعلة)..وكما قيل :”السياسة هي الوجه الثاني للحرب”.

 

بقلم:  أديب أنور

المصدر :

مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

المشهد السوري محاولة للفهم ( 1 )

 




موقف العلامة رمضان البوطي ومآل الثورة السورية

موقف العلامة رمضان البوطي ومآل الثورة السورية

موقف العلامة رمضان البوطي ومآل الثورة السورية

إنصاف واعتراف في حق العلامة الإمام محمد سعيد رمضان البوطي، رحمه الله.

 

صدق وأصاب العالم الرباني والرجل الزاهد فيما عند السلطان،نحسبه والله حسيبه، وكذبوا جميعا أولائك الذين خدعوا وخذلوا الشعب السوري وبلده.!

كانت بداية ماسمي (عاصفة) الربيع العربي، من حادثة بوعزيزي تونس رحمه الله، إلى ميدان التحرير في مصر مرورا بمدينة درعا السورية سنة 2011 حيث كتب بعض الأطفال على جدران مدرستهم كلمات أغاظت السلطة، فقامت باعتقالهم وتعذيبهم ، وعندها بدأت القصة وانطلق المشهد السوري من أزمة إلى أخرى..!

كان الناس في بادئ الأمر مجرد معترضين على قسوة السلطة في حق الأطفال (المعتقلين) ونظموا وقفات ومظاهرات سلمية تندد وتطالب بإطلاق سراح الأطفال وبعض الإصلاحات الطبيعية والمشروعة.. فقوبلت بعنف السلاح وغباء العقل وبلادة الضمير.. مما جعل النار تشتعل وتشتد أكثر فأكثر كلما سقط قتلى وجرحى من المتظاهرين السلميين، زاد إصرار الناس على الإعتصام والتظاهر ضد القوة العسكرية من مدينة ومحافظة إلى أخرى.. وهكذا إنقسم الناس بين مؤيد ومعارض ومتحفظ.

وكل طرف  كان له رأي ومبرر يسوغ موقفه.. والآن بعد مرور ما يقارب عقد من الزمن على الثورة السورية نعود على غير المألوف لنراجع بعض المواقف ونعيد النظر فيها لعل ذلك ينبه غافل أو يوقظ حس نائم.!

الإمام القدوة، البوطي رحمه الله كان من الطرف المتحفظ على أحداث الثورة بل وكان ضد إحلال الفوضى التي إن بدأت فلن تنتهي إلا والجميع صرعى، خاسرون نادمون،!

ولست هنا أعرض سيرته ومناقبه كما يتوهم البعض، بل هي مجرد محاولة لمراجعة  فكرة وموقف راسخ من ذاك الإمام الكبير عارضه ورفضه أكثر الأطراف المتنازعة، على حد سواء، السلطوية الطائشة و الثورية البائسة بل ناله الأذى منها جميعا  فكفروا علمه، وجحدوا فضله، والله أعلم أيهما تلطخت يده الآثمة بقتله داخل محرابه شيخا أعزلا لايملك إلا الكلمة والحكمة بين دفتي صدره،!

منذ البداية كان موقف الشيخ واضحا بينا مبنيا على مبادئ راسخة وأصول علمية وفكرية ثابة، قدم روحه فداءا للحقيقة التي يراها،  غير مكترث غدر سلطة ولا حقد إيديولوجية ولا جهل وغباء من حوله، حقيقة  سقطت أمامها جل الأقنعة وافتضحت، وتعرت صارخة لعل وعسى يسمع صوتها صاغ أو يفطن له نبيه،!

كما ذكر رحمه الله خطورة الإنقياد للمشاريع الغربية داخل الدول الإسلامية كما بين الهدف ونتيجة الحرب الأهلية ستفضي إلى كارثة تدمر البلاد وتهلك العباد وتدخل المحتل لينهب الثروات ويهلك الحرث والنسل، مستدلا بقول النبي عليه الصلاة والسلام ” من قاتل تحت راية عمية فقتل فقتلته جاهلية” (1)

عمية أي لايعلم غايتها وحقيقة أهدافها، فإذا كانت القيادة مجهولة لايجوز شرعا بنص كتاب الله وكلام رسول الله بأن ننقاد للمجهول أبدا مهما كانت الظروف قاسية لدينا.. النبي عليه الصلاة والسلام قال: ” من خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشا مؤمنها ولا يفي بذي عهدها فليس مني ” (2)

روي أن الحسن البصري سمع رجل يسب الحجاج، فقال له لاتقل ذلك يرحمك الله، فإني أخشى إن يهلك الحجاج أن يتولاكم القردة والخنازير (3) ، وعنه قال روينا عن رسول الله صل الله عليه وسلم “عمالكم أعمالكم كما تكونوا يولى عليكم ” (4)

مؤكدا الخطاب لجميع الأطراف وأن مبدأه واضح من قول النبي عليه الصلاة والسلام “من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ومن التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس” (5)

ذاكرا انه ليس مع طرف ضد طرف بل الموقف والمصلحة العامة تقتضي هكذا موقف. (6)

كما ذكر أن هناك مخطط شبيها لما مر به العراق يشمل مشروع شرق أوسط جديد وسوريا منه يراد لها شرا بلدا وشعبا، أي تستجر البلاد لحرب أهلية يستحر فيها القتل وتقسم بموجبها البلاد،!

وأكد أنه ينبغي على الجميع _سلطة _وشعبا أن يراجعوا تصرفاتهم الخلقية والعملية والمهنية، فإن قدر ومستوى الفساد الذي وصلته البلاد سلطة وشعبا كفيلا بأن يعمنا بالعقاب الإلهي، قال تعالى { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } [المؤمنون-31] وأهيب بإخواننا وشبابنا أن يضبطوا عواطفهم بالعقل، ويضبطوا عقولهم بالإسلام،  وفي هذا السياق وجه أحد الجنود (في الجيش الأسدي) سؤال للشيخ البوطي على موقعه الرسمي يقول؛ هل يجوز لي أن امتثل أمر الضابط في رمي المتظاهرين بالرصاص، فيجيب الشيخ رحمه الله بقوله لايجوز لك فعل ذلك وإن أدى إلى قتلك، فإن روحك ليست بأغلى من أرواح الآخرين وكلاهما جرم ولكن تقتل خير من تلقى الله قاتل او كما افتاه رحمه الله تعالى…

هكذا كان الإمام الزاهد ورعا صريحا ذو بصيرة واضحة فهل عقلتم الآن وأدركتم الخطأ؟!.. هاهي الثورة في تمام عقدها الأول عشر سنوات سوداء لم تبقي ولم تذر أحرقت الأخضر واليابس ولازالت،! هل وجد العلماء والمفكرون نتيجة حشدهم الطائفي والمشبوه والذي لو كرس خمسه لإصلاح القضية أو حلها داخلية بصدق وتجرد لتم لهم ذلك وخيرهم من إكتفى بخطاب أو برقية بعثها للنظام الأسدي..! بينما لحشد الحرب ودق طبولها عقدوا عشرات بل مئات المؤتمرات واللقاءات وخصت ميزانية دول لدعمها وتشجيعها ضد ما اسوها الحرب الصفوية في سوريا..! قال الله سبحانه {يخربون بيوتهم بأيديهم} [الحشر-٢] نعم النتيجة كانت سياسية وإقتصادية واجتماعية لصالح دول كبرى عدوانية إرهابية همها النفط وخيرات الدول المستضعفة.. نعم النتيجة تخريب دولة عربية مسلمة وهلاك شعب بكل أطيافه وأعراقه وسلب كل مقدراته وثرواته وتمت إعادته مائة عام إلى الخلف أو يزيد، هذه نتائج الثقة في امريكا والصهاينة عرب وعجم، فرقت الثورة إلى عدة فصائل وكتائب مختلفة الولاءات والأجندات، متناحرة فيما بينها، يسلب بعضها بعضا، مع إقتتال ونهب وسرقة لازالت قائمة حتى اللحظة من عمر هذا المقال كتائب وفصائل بأسماء الملائكة الجميلة وأفعالها فعل الشياطين القبيحة ! مايقارب 2 مليون من القتلى أو يزيد، وآلاف المعتقلين والمخطوفين، ومثلهم من المعاقين والمصابين جراء الحرب، وحوالي 10مليون بين نازح ومشرد ولاجئ، كيف ومتى ستعوض هذه الكوارث،؟!

وأستحضرهنا  أخطر محاضرة تكشف لغز ما يجري في منطقتنا و ما يخطط لها . المحاضرة ألقاها البروفسور ماكس مانوارينج خبير الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات التابع لكلية الحرب الأمريكية ….

مكان المحاضرة :

– اسرائيل

التاريخ ٢٠١٨/١٢/١

المدعوّون للمحاضرة :

كبار الضباط من حلف الناتو، والجيش الصهيوني..!!!

استهل البروفسور ماكس محاضرته بالقول بأن اسلوب الحروب التقليدية صار قديماً، والجديد هو الجيل الرابع من الحرب…!!!

 

وقال حرفياً ( والنص له ) :

ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم، أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو: ( الإنهاك ــــ التآكل البطيء )

لكن بثبات..!!!!

فهدفنا هو ارغام العدو على الرضوخ لارادتنا”..!!!

 

ويضيف حرفياً :

الهدف زعزعة الاستقرار..!!!

وهذه الزعزعة ينفذها مواطنون

من الدولة العدو لخلق الدولة الفاشلة..!!!

وهنا نستطيع التحكم…!!!

وهذه العملية تنفذ بخطوات

ببطء وهدوء وباستخدام مواطني

دولة العدو، فسوف يستيقظ

عدوك ميتاً”..!!!!

هذه المحاضرة التي قيل إنها أخطر محاضرة في التاريخ الحديث حيث توضح كل ما جرى ويجري من حروب وصراعات أهلية مسلحة في العالم الاسلامي..!!!!!

وأكثر ما يلفت الانتباه في هذه المحاضرة هي عبارة :

“الإنهاك، والتآكل البطيء”..!!!

 

لكننا نسأل.. :

لماذا لا يتم الانهيار السريع بدل التآكل الهادئ والبطيء؟..!!!!

هذا هو الجزء الأخطر في المحاضرة،،!!!

ومعنى التآكل البطيء يعني خراب متدرج للمدن، وتحويل الناس الى قطعان هائمة..!! وشل قدرة البلد العدو على تلبية الحاجات الاساسية، بل تحويل نقص هذه الحاجات الى وجه آخر من وجوه الحرب، وهو عمل مدروس ومنظم بدقة..!!!!

البروفسور وهو ليس خبير الجيل الرابع للحرب فحسب، بل ضابط مخابرات سابق، لا يلقي المحاضرة في روضة أطفال ولا في مركز ثقافي، بل لجنرالات كبار في الكيان الصهيوني، وحلف الناتو. ( والمكان ) في اسرائيل..!

 

وفي عبارة لافتة في المحاضرة

يقول بكل وقاحة مبطنة مخاطباً الجنرالات :

في مثل هذا النوع من الحروب قد تشاهدون اطفالا قتلى او كبار السن، فلا تنزعجوا…!!!

علينا المضي مباشرة نحو الهدف ، بمعنى لا تتركوا المشاعر أمام

 

هذه المشاهد تحول دون :

تحقيق… ” الهدف”.

والاسلوب نفسه طبق و يطبق في العراق وسوريا واليمن، وفي ليبيا، وغدا لا ندري من سيكون عليه الدور؟!!!!!

ومرة أخرى السؤال الأهم :

لماذا الانهاك و التآكل البطيء، بدل اسقاط الدول مرة واحدة؟!!!!

 

الجواب :

ان استراتيجية الانهاك تعني نقل الحرب من جبهة الى أخرى، ومن أرض الى أخرى، واستنزاف كل قدرات الدولة العدو على مراحل متباعدة ، وجعل ” الدولة العدو” تقاتل على جبهات متعددة محاصرة بضباع محليين من كل الجهات، والتخطيط لتسخين جبهة وتهدئة جبهة أخرى، اي استمرار ادارة الازمة وليس حلها.

ولكي لا يتم انهيار الدولة السريع، لأن الانهيار السريع يبقي على كثير من مقومات ومؤسسات الدولة والمجتمع،… وبالتالي فإن أفضل الطرق هو التآكل البطيء، بهدوء وثبات عبر سنوات من خلال محاربين “محليين شرسين وشريرين” كما يقول هو، بصرف النظر عن وقوع ضحايا أبرياء لأن الهدف هو السيطرة وتقويض الدولة والمجتمع أهم من كل شيء، أي محو الدولة والمجتمع عبر عملية طويلة..!!!!

من المؤسف أن هذا المخطط الذي يعترفون به ويعلنونه بكل وقاحة، هو الذي نراه بأعيننا، ويطبق بأيدينا نحن، تحت شعارات صاخبة من حقوق الانسان والديمقراطية، والحرب على الارهاب…!!!!

فهل عرفنا الآن لماذا اسلوب استمرار ادارة الازمة بدلا من حلها ؟؟..!!!

و كيف يخططون ليظل النزاع والخلاف بين فئات الدولة… بل والاقتتال بين الدول والشعوب من أجل القضاء على مقدرات الشعوب في منطقتنا و تحويلهم الى تابعين لا حول لهم و لا قوة

يا ليت قومي يعلمون قبل فوات الاوان. (7)

 

1_صحيح مسلم [4892]

2_صحيح مسلم [1848]

3_آداب الحسن البصري لابن الجوزي ص [119]

4_مسند الشهاب للقضاعي [1/336]

5_الترمذي [2414] ابن حبان [277]

6_رابط الكلمة youtu.be/jmAFtHSmIMs

7_رابط المحاضرة نقلا عن حساب الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي.m.youtube.com/watch?v=jgWD8ljMFQc

 

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

العلامة رمضان البوطي

 




مذبحة موسى قلعه، وصمة عار على جبين أدعياء حقوق الإنسان

مذبحة موسى قلعه، وصمة عار على جبين أدعياء حقوق الإنسان

مذبحة موسى قلعه، وصمة عار على جبين أدعياء حقوق الإنسان

 

أطفالٌ في سنّ الورود كانوا بهجة حيات آبائهم وأمهاتهم، كانوا فرحين جذلين، استحمّوا ولبسوا ملابسهم الجديدة، وزادت فرحة البنات بحناء العرس حيث نقشن ورسمن على أيديهنّ أجمل الرسومات والنقوش، وكان هؤلاء الأطفال يظنّون أنهم سيشاركون حفل عرس، يتمتعون ويرتعون ويلعبون فيه، يأكلون ويتلذذون من وليمة الزفاف، يجرون في الدار من هنا إلى هناك، يهتفون ويمرحون، يجرون مرّة إلى الدار التي فيها العريس والرجال وتارةً أخرى إلى الدار التي فيها العروسة والنساء، هذا ما كان يدور في خلد براعم حفل هلمند.

 

آهٍ يا الله … وفي غمضة العين تبّدلت الأفراح إلى كارثة ومشهدٍ أليم، مشهد مشحون بالرعب والدمار يوحي بأن “مذبحة” ارتكبت بقسوة، أطنان من الركام وأكوام من الحجارة والطين وبقع الدماء الجافة لا تزال شاهدة على تلك الجريمة الإنسانية التي ارتكبها أدعياء حقوق الإنسان.

 

حكاية دمار بدأت مساء الإثنين (۲۳ سبتمبر) عندما قصف  جنود الاحتلال الأمريكي برفقة عملائهم من جنود وحدة (۰۳) العسكرية بمداهمة المدنيين وقصفهم في منطقتي “كونجك وشواروز” قرب سوق مديرية موسى قلعة بولاية هلمند.

 

ونتيجة هذه الجريمة الإنسانية استهدفت سيارة من نوع ميكروباص، وسيارتين من نوع كرولا بوكس لأهل العرس وهدمت ۶ منازل بالكامل، وبعد هذا القصف الهمجي والوحشي تصاعد اللهب وسحابة دخان عملاقة من بيوت المدنيين، لترتقي معها أرواح ۴۰ شهداء، معظمهم الأطفال والنساء.

 

دقائق قاسية مرت على المدنيين الأبرياء الذين ساهموا في هذا الحفل، فالحجارة وشظايا ونيران القنابل القاتلة كانت تتطاير في كل مكان، فيما كسا الدخان المنطقة برداء أسود قاتم، وتناثرت الأشلاء والدماء في كل مكان، لتقف تلك النقاط الحالكة شاهدة على قسوة الظلم والقهر.

 

الجميع كانوا يحاولون الهرب لكن إلى أين؟ لم يكن هناك أي مفر؛ فمن نجا من الموت كان مصيره الإصابة ومن لم يصب جسده كفاه هول مشهد أشلاء الشهداء والدماء تنزف من أجساد أطفال ورجال يركضون بلا وجهة ولا هدف.

 

بدا أن عقارب الساعة ثابتة لا تتحرك لتبدد ذلك المشهد الأليم، ومرت الثواني كدهر قبل أن تنقشع سحابة الدخان وتتكشف تفاصيل “المذبحة”.

 

ومعلوم أنّ هذه الحادثة ليست أولى الجرائم، فقد سبقتها مجازر تقشعر منها الجلود إلا أنّ هذه الأخيرة كانت مفجعة للغاية وفريدة في نوعها، ولكنها مع الأسف البالغ لم تحرّك ساكنًا، ولم تُثر هائجًا، ولم تبعث على الغضب والاستنكار، وأنّ هذه المجازر لن تتوقف مادام المارد الصليبي ملقٍ بكلكله الثقيل على بلاد الأفغان.

 

وفي وسع القارئ أن يعرف بأنّ الأمريكان إنما اقترفوا هذه الجريمة النكراء ولم يفرّقوا خلالها بين طفل رضيع وبراعم في سنّ الورود والنساء والعجائز بل قتلوا جميعهم، وهدفهم المشؤوم وراء هذه المجازر وتحديدًا مجزرة موسى قلعه إخضاع الأفغان وإجبارهم على الاستسلام، ولكنهم ما دروا بأنّ هذا الشعب الأبي لا يقبل الضيم والخور وعرف يقينًا منذ أول يومٍ دخل غمار المعارك وبدأ بالجهاد النقي الصافي أنّ فاتورة العزة والكرامة غالية، تكاليفها الدماء والجماجم والأشلاء ولكنّ الطغاة لايدرون أنّهم يلهبون بمثل هذه المجازر قلوب الشباب بنار الثأر، وإنّ نيران الشهيد صفي الله بن عبد الحميد من سكان ولاية لغمان التي أردت ۱۲ جنديًا أمريكيًا قتيلا في قاعدة قندهار الجوية، أوّل الغيث، وما ترونه في قادم الأيام أنكى وأمرّ ويسوءكم بإذن الله.

 

بقلم  :
سعدالله البلوشي
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

مذبحة موسى قلعه، وصمة عار على جبين أدعياء حقوق الإنسان

 




طالبان عمودًا أساسيًا من أعمدة الجهاد والمقاومة

طالبان عمودًا أساسيًا من أعمدة الجهاد و المقاومة

طالبان عمودًا أساسيًا من أعمدة الجهاد والمقاومة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد

توطئة

تعتبر طالبان عمودًا أساسيًا من أعمدة الجهاد والمقاومة للمشروع الصهيوصليبي الذي يحارب الإسلام والمسلمين بكل من أوتي من قوة , والذي لازال يحتل أفغانستان بقيادة أمريكا , بل إنها – طالبان – حاليًا أهم قاعدة جهادية متزنة فكريًا وعمليًا لازالت صامدة بكل قوة وتحدي في وجه أمريكا وحلفائها , وستظل كذلك بإذن الله حتى يكتب الله النصر على أيدي أبطالها  من العلماء والمقاتلين والمفكرين والسياسيين حفظهم الله جميعًا .

وبما أن طالبان لازالت ترفع راية التوحيد ونصرة الإسلام والمسلمين فإنها حتمًا بإذن الله من الطائفة المنصورة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَايَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”, وقال صلى الله عليه وسلم : “لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ”. وقال صلى الله عليه وسلم: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”.

ولأن طالبان لازالت صامدة صابرة محتسبة وتقف بكل كبرياء وشموخ وتحدي وصمود في وجه المشروع الصهيوصليبي والذي يغزو أفغانستان الآن بقيادة أمريكا , فإن من المسلمات أن تحاربها أمريكا بكل ما أوتيت من قوة مادية ومعنوية و عسكرية وإعلامية ، وكذلك فإنه لاشك أن أمريكا ستستخدم كل أبواقها الإعلامية لنشر الدعايات  والشبهات حول طالبان بكل الطرق وعلى كل الاتجاهات , ومن هنا نلاحظ أن الإعلام العالمي موجه بشكل مباشر ضد طالبان ولكنه يحاربها ويعمل على شيطنتها بالطرق الخبيثة الخفية غالبًا , حيث أنه يعتمد أسلوب دس السم في العسل أكثر من استخدامه لأسلوب المواجهة والشيطنة الإعلامية المباشرة , ولذا فإننا نرى المنافقين والمرجفين وأصحاب النوايا الخبيثة يتابعون الإعلام بكل تفاصيله من باب التصيد في الماء العكر , لالتقاط ما تبثه أمريكا وحلفائها من كذب ودجل ضد طالبان .

 

 

الموضوع

لو أخضعنا كل ما سبق ذكره لقواعد الحرب بين الإسلام والكفر والغزاة ومقاومتهم فسنلاحظ أنه وارد الحدوث حيث أن  المنافقين والمرجفين دومًا يكونون في صف الكفر وأهله , وذلك بحجة الخوف من الأيام ومتغيراتها ومتقلباتها فيخافون أن ينقلب الأمر كله لصالح الكفار فيصبحون في دوائر الخطر, وهذا ما ذمهم الله ووبخهم عليه حيث قال الله تعالى: ” فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ “ , ولكن العجيب والمستهجَن هو أننا نرى أحيانًا بعض من يرفعون راية المقاومة والصمود في وجه أمريكا وحلفائها ثم هم يغردون في صف أمريكا وسربها بترويجهم لما تروجه من كذب على حركة طالبان , وهذا أمر لا يمكن أن نقبله نهائيًا حيث أن الواجب مناصرة طالبان الإسلامية ضد أمريكا الكافرة الصليبية , حتى وإن كان هناك خلاف حول الفكر والفكرة ، فإن أعظم عرى الإيمان : هي الموالاة في الله والمعاداة في الله كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم , ولذا لا يمكن أن ينتصر أحد لهواه على حساب العقيدة الإسلامية وما ثبت في عقيد الولاء والبراء ولوازمها إلا رجل في قلبه مرض . تبقى عندنا الطائفة التي تقبل الأخبار الكاذبة المكذوبة على طالبان وتروجها عن جهل ودون الرجوع إلى المصادر الموثوقة بعيدًا عن مصادر أمريكا وحلفائها فإن تقصير هؤلاء في تتبع الأخبار والبحث عنها للتأكد منها من مصادرها فإن تقصيرهم هذا جريمة في حق الإسلام وأهله وهو كبيرة من كبائر الذنوب بل ربما يدخل أحيانًا في مناصرة الكفار ضد المسلمين , فالله تعالى أمرنا أن نتثبت من الأخبار وأن نرجع لمصادرها وألا نقبل قول الكافرين الطاعن في المسلمين بأسلوب أو آخر ، فالواجب على المسلم أن يُقدم حسن الظن بالمسلمين عمومًا والمجاهدين منهم خصوصًا كما هو حال إخواننا المجاهدين في حركة طالبان الإسلامية وعلى المسلم أن يتق الله في إخوانه لئلا يقع في الشر والإثم وهو لا يعلم قال الله تعالى : ” لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ” , و على المسلم أن يتثبت من الأخبار خصوصًا تلك التي يتم نشرها حول إخوانه المجاهدين وجهادهم وتطوراتهم السياسية .. إلخ , قال الله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ “ ، وعلى المسلم أن يعلم أنه :” مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” كما قال ربنا تعالى .

 

 

الخاتمة

اعلم أخي الفاضل أن من الواجب عليك هو نصرة إخوانك المسلمين في كل مكان ومن هؤلاء إخوانك المجاهدين في حركة طالبان والدفاع عنهم ونشر الخير والتفاؤل حولهم , وعليك بالرجوع لمصادرهم لاستقاء الأخبار والتقارير منها وعليك ألا تقبل ما يروجه الإعلام المأجور عنها فالله تعالى أمرنا أن ننصر إخواننا المسلمين وأن ندافع عنهم وأن نكون سيفًا لهم لا عليهم فإن عجزنا عن ذلك فعلينا التزام الصمت والدعاء لهم بالخير في ظهر الغيب. والله ولي التوفيق..

اللهم انصر إخواننا في طالبان وثبت أقدامهم واجعل أيامهم أيام خير وبركة واشرح لهم صدور العباد وافتح لهم البلاد .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

 

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطين – غزة

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

طالبان عمودًا أساسيًا من أعمدة الجهاد والمقاومة

 




ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

ثورة  شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون

(3)

《لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ》

توضيح بخصوص المقال الأخير ثورة  شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون ( 2 ) 

 

بلغتني الكثير من التساؤلات(متابعين وبعض المنخرطين في الثورة ) حول ما ذكر عن الساحة السورية وبالأخص مسألة الإزدواجية المتناقضة، مع مبادئ الجماعات جهادية على رأسها هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، وعلاقتها بأجهزة الإستخبارات الدولية، كالتحالف الدولي الذي تقوده أمريكا بجهازها الإستخبراتي CIA وشريكه الإسرائيلي، !

بعض التساؤلات التي وردتني عقب نشر المقال، طالبت بتقديم الأدلة على ما أكتب و أدعي أو توضيح أكثر لما نشر.

ونظرا لبعض المشاغل الشخصية، لم أستطع أن ألبي طلب المتابعين الكرام وأوضح ما اشكل عليهم، فأرجوا المعذرة عن التأخير،!

بداية أشكر الإخوة المتابعين على تفاعلهم وتواصلهم،  بارك الله فيهم وزادهم أدبا وحرصا على معرفة الحقيقة، وإستقصاء تفاصيلها، وكذلك الذين لم يتقبلوا ما ذكر ولم تستوعبه عقولهم، أقول لهم مهلا، لا تستعجلوا فإن دنياكم ملأى بالأحداث، والحقائق، وماخفي اليوم لاشك سيظهر غدا، وما يخفيه عنكم من تثقون فيهم ، قد يخبركم به أعدائكم،!

ولا غرابة في هذا فكم من أخبار وحقائق أخفاها عنا القريبين فوصلتنا من جهات بعيدة، 《ويأتيك بالأخبار من لم تزودي》 وخاصة في هذا الزمان الذي إختلط فيه الحابل بالنابل والحق بالباطل والخداع بالصراحة …الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث:

(سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمين)[صحيح ابن ماجه الصفحة ٣٢٧٧ وصححه الألباني صحيح الجامع الصفحة ٣٦٥٠]

فالأصل طلب البينة في كل ما يرد من أخبار، والبينة قد تكون أدلة ملموسة كوثائق مقروءة أو تسجيلات مسموعة أو مرئية… أو شهادات لأشخاص عاصروا الحدث رأوا وسمعوا … أو مواقف وتصريحات تدخل الشك والريبة في أصحابها، وكل هذه المسائل ينظر فيها القضاء العادل، فيفصل بين الناس بما لهم أو عليهم،!

وإن لم يوجد هذا القضاء العادل في زمان ومكان ما  فإن القضايا لا تسقط عن أصحابها، بل ترفع للملك الديان سبحانه، الذي يعلم السر وأخفى،  فيقضي بين عباده في يوم شعاره قول الحق سبحانه {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[غافر /١٧]

وإن ما كتبته شهادة لي على تجربة عشتها وأحداث عاينتها في مختلف الجوانب، العسكري منها و الأمني و الدعوي التربوي، في ثورة شعب مختلطة بمختلف التوجهات الفكرية والعملية ، ويكاد يتفق على أحداثها ومامرت به جميع  العقلاء.

ومن الضروري أن نذكر في هذا السياق نفسه أن الجهة المتهمة الآن ( هيئة تحرير الشام ) هي نفسها كانت تتهم غيرها من الفصائل والكتائب بنفس التهم بل و قاتلتهم بذريعتها وسلبت سلاحهم، وصادرت مكتسباتهم، دون أن تقدم أدلة أو شهادات تثبت ماادعت في حقهم من تعامل مع جهات خارجيا، أو إعتداءات على آخرين داخليا،!

وبالتأكيد لا يوجد قضاء مستقلا يفصل في النزاع و القضايا، ولو نظريا على الأقل، وإنما الخصم هو القاضي…!

يعمل بقانون الغابة، القوي يأكل الضعيف ويلبسه أي تهمة تسقط حقه و شرعيته، على غرار الطغاة السالفين في الأمم، وكذلك التغيرات التي طرأت عليها، لم تكن حقيقية على مستوى الأفكار والممارسات بقدر ماهي ردات أفعال إنتهازية مصلحية لا أكثر،

طبيعة المتغير دائما تدفعه لأن ينتقد ماسلف عنه من أفكار وممارسات خاطئة، إذ يكون قد تجاوزها وأيقن بحمقها وخطئها، فيصحح حاضره ويوضح ماكان من خطئه في الماضي ليستشرف مستقبلا أفضل مما مضى آملا أن يرمم ويصلح ما أفسده سابقا،!

بينما هؤلاء تجدهم يثنون على كل تقلباتهم المختلفة،!

ولا مكان عندهم للنقد الذاتي، كيف لا وهم على الحق والصواب في كل إختياراتهم من ألف إلى ياء،  كأنهم مؤيدين بالوحي لا سمح الله، فحينما كانوا دواعش تحت إمرة البغدادي، كانوا على الحق، وكذلك لما انفصلوا عنه و إرتموا في حضن القاعدة هم على الحق فيما اختاروا،!

ولما انفصلوا عنها كسابقتها، بالتاكيد هم على الحق ومنتهى الصوابية ، ولما لبسوا الوطنية وثوب الثورة الشعبية، كذلك هم على الحق فيما اختاروا وهلم جرة، كأن الحق والصوابية عباءة مطاطة بحبال تزيد من وسعها وضيقها حسب الرغبة والطلب، تلبي جميع التقلبات، وما يدرينا قد يضطروا يوما للرجوع إلى نهج الأزارقة والقرامطة كما كانوا في العراق ماقبل الثورة ( مدرسة المكر والخداع  )…!

دون أن يكلفوا  أنفسهم بأن يصارحوا الناس،  كنا على خطأ وها نحن نصحح ما رأينا من أخطاء ، وقد يقال هذا لمن هم بعيدين عن الساحة أو يراسل به الخصوم و الأعداء،!

وهذا لاعيب فيه البتة، و إنما العيب أن تهمل وتذر من حولك من أتباع غارقين في تخبط و خلط بين الماضي و الحاضر، مما يجعلهم فريسة لكل منحرف ومجهول يقودهم يمنة ويسرة  في تغييب تام عما يحدث ويدور حولهم، في إحدى الأيام كنت في زيارة لأحد المشايخ ممن لهم دور قيادي داخل هيئة تحرير الشام ، سألته متعجبا عن سبب إهمال قواد الساحة عناصرهم وعدم قربهم منهم وعلاج فقدان الثقة والتخبط الحاصل بين الشباب، بأن يوضحوا لهم بصراحة و مصداقية، مشروعهم ويجيبوا عن أسئلتهم ، لا يمكن أن يستمر الناس معهم كالقطيع كل دوره تلقي الأوامر دون فهمها و إستيعابها بل ومناقشتها و نقدها،!

فقال: يا أخي يجب أن تدرك أن القيادة ليس عندها ثقة فيمن حولها من عناصر، (أتباع و مناصرين)، فكيف تريدهم أن يجالسوهم ليصارحوهم أو يشرحوا لهم بغية إقناعهم،! اه

و الواقع أن هؤلاء (القادة) ينظرون إلى أتباعهم ومن خلفهم على أنهم مرتزقة، و جودهم في الغالب مقترن بمصلحة،! على قدر طاعتهم ينالوا الأجور الزهيدة، ويعدونهم إذا كان هناك مستقبل جيد سينالهم شيء من المكافئات، المعنوية مقابل بذلهم وصبرهم على اللأواء ،!

ولا أحد يحق له أن يسائلهم أو يحاسبهم على الأموال التي يجبونها من الموارد التجارية مع النظام والمليشيات والضرائب البشرية (الحدود التركية) والتجارية المقدرة بما يفوق خمس مليون دولار شهريا على أقل تقدير ، يتلاعب بها القادة كيفها شاؤو،! بينما عناصرهم يعانون شظف العيش وقلة الحاجة،!

لا يهم هذا الكلام مادام إخواننا يرو أن عملهم قربة لله و إن أساء بهم الظن قادتهم و بخسوهم أعمالهم  ،! و من الغريب و الباعث للشك والريبة أن تقوم الهيئة بإعدام أشخاص على أنهم خلايا (عملاء) للتحالف الدولي، ولأنهم تسببوا في قتل مجموعة من الناس منهم المدنيين و المجاهدين، ولا تذكر أن هؤلاء عناصر لها في الأصل ومجندين في الجهاز الأمني للهيئة وعندما إنتهت صلاحيتهم أو تجاوزوها (كعادة الأمنيين في التنظيمات الجهادية) تم تصفيتهم بذريعة تهمة العمالة،!

خذ على ذلك مثالا علاء (نموذج) شاب من قرية بنش في ريف إدلب ، كان علاء (فواز الأحمد) من عناصر الجهاز الأمني المقربين من مركزيته، بحكم قرابته العائلية من بعض قيادات الهيئة، و بطريقة ما تم وصل علاء بجهات ترفع التقارير  و المعلومات للتحالف الدولي من خلالها يتم تحديد الهدف سواء كان شخص أو بيت أو مقر أو معسكر،!

وحسب قول علاء  وإدلائه بشهادته لي أنه كان مكلف من طرف مركزية الجهاز الأمني لهيئة تحرير الشام بواسطة أميره أبو عمر الحلبي و أبو أحمد حدود، برفع التقارير والمعلومات المغلوطة للتحالف الدولي،!

وكذلك التحالف يرسل لهم معلومات عن الأهداف المطلوبة مع مبالغ مالية (مكافئات) حسب دسامة الهدف وقيمته،.!

وكل هذه التفاصيل تمر عبر الجهاز الأمني للهيئة، كان علاء يجند خلايا تعمل مع التحالف يديرها بإشراف أميره (أبو عمر الحلبي ضابط سابق في  قسم التحقيق عند النظام السوري قبل الثورة)، في إحدى التقارير والأهداف التي رفعت للتحالف وقع فيها خطأ  فاستهدف أبرياء،!

وليست المرة الأولى فقد قضيت سنة كاملة في السجن بسبب خطأ سابق وهذه المرة استهدف مكان آخر بالخطأ،!

بسببه أعتقلت للمرة الثانية من أجل تأديبي،!

من بين الأبرياء الذين استهدفوا تجمع كان داخل مسجد لشيوخ الصوفية في قرية الجينة في ريف حلب الغربي، آذار 2017 و بعض الإخوة في مناطق مختلفة.! اه

وبعد فترة بلغني خبر إعدام علاء من طرف الجهاز الأمني للهيئة بتهمة عمالته لصالح التحالف الدولي،!

وهنا يحق لنا كما يحق لغيرنا أن يتسائل من المسؤول عن أخطاء علاء، و غيره من الخلايا، في إستهداف بعض المجاهدين و المدنيين الأبرياء (بدون قصد طبعا) ،!؟

لما يقتل علاء وحده في غموض حول هذه التهمة التي الجهاز الأمني شريك فيها وهو المسؤول عنها بل هو الذي صنعها  ،!؟

لما لم يعترفوا بالخطأ ويصرحوا بأنهم المسؤولون عن هذه الاخطاء في حق الذين استهدفوا ،!؟

ولما لم يؤدوا مايوجبه الشرع و القضاء في حقهم القصاص في حق المتورطين أو دفع الديات لأهل وذوي الضحايا، والكثير من الأسئلة الهامة،!

ثم لا أنسى أن أذكر ما علمته من أحد قيادات الهيئة في ريف دمشق، حينما قال : يجوز الإستعانة بالصليبيين (يقصد أمريكا و إسرائيل) ضد الكفار والمرتدين، كحزب الله اللبناني، أو داعش فهم كفروا وخرجوا عن ملة الإسلام بقتالهم لأهل السنة،!!! اه

كما إدعى أن قيادات من حركة أحرار الشام حينما تغلبت عليهم الهيئة وقزمت و جودهم كقوة على الأرض، قامت برفع تقرير للمبعوث الأمريكي إلى سوريا (مايكل راتني) يغرونه بضرورة ضرب الهيئة في إدلب…الخ

وفي هذا السياق علمت أن الهيئة بعد أن جندت خلايا مزدوجة تعمل مع التحالف الدولي و تقوم بتوجيهها لما يخدم مصلحتها، حسب إدعاء أمنيي الجولاني ،!

حاولت فعل نفس الأمر فأرسلت مخبرا يوصل معلومات لحزب الله اللبناني كعميل مزدوج بين الطرفان،! فأغلق الحزب الباب في وجههم ورفض معلوماتهم،!

بينما هؤلاء المتعطشون للسلطة فتحوا الباب على مصراعيه حتى أصبح كل مسؤول و قيادي ينسق و يرتبط، دون علم الأخرين وفي ذلك فليتنافس المتنافسون،!

بل ويستخدم هذا كورقة ضغط ضد بعضهم إذا ماخالف الجماعة أو إستقل عن التنظيم كحال أبو مالك التلي و أبو عمر الحلبي وأبو أحمد حدود وغيرهم من الشخصيات المتورطة بهذا الملف و غيره ،!

وياليتهم تشبهوا بالحزب وأغلقوا هذا الباب، وجنبوا أنفسهم هذه المراتع الخطرة التي ترميهم في مزبلة التاريخ بماحملوا على كواهلهم من دماء معصومة، و لم تكن الغاية تبرر الوسيلة أبدا فإن للحرب قيما و أخلاقا و إن تجاوزها أعدائنا ،!

وكم من الأشخاص تم إعتقالهم من طرف الجهاز الأمني للهيئة بشبهة أنهم جواسيس أو بدافع شكاية ضدهم من مغرضين بلا بينة ولا دليل،  ومارسوا في حقهم أسوء و أخطر أساليب التعذيب ليستخرجوا منهم اعتراف يثبت تورطهم أو إدانتهم ولو بالإكراه تهديدا بالقتل أو محاولة القتل خنقا و شنقا ليثبتوا نجاعة عملهم و ثمرته، ولو على حساب أبرياء مظلومون،!

كحال الأخ المغربي الذي إستقل عن كتيبة المغاربة (شام الإسلام) و إعتزلهم و بسببه اعتقل ظلما وعدوانا، على يد إخوانه المغاربة أنفسهم، إذ رموه في معتقل سري طيلة ست أشهر متتالية، دون أن يثبتوا شيئا ضده، ليتم إخلاء سبيله بواسطة آخرين غرباء عنه، كفلوه حينما سمعوا بمظلوميته، و بعد مدة أخرى تعود الهيئة فتعتقله على نفس الخلفية السابقة،!

وتوجه له نفس التهم العارية عن الأدلة و الشواهد، فتطول به مدة الإعتقال التعسفي في سجن هيئة تحرير الشام وتعذبه أشد العذاب بمختلف الوسائل، لعلها تنجح في أخذ إعتراف يدينه.!

ولو كرها، غير أن الأخ صبر و تحمل كل العذاب مستعينا بالدعاء و ذكر الله طيلة فترة التعذيب، التي استمرت ما يقارب ثمانية أشهر متتالية، أصيب فيها  بأزمة نفسية و أمراض حادة مستديمة في جسده نتيجة البرد وسوء التغدية و التعذيب الهمجي،! و بعد أن عجز الجهاز الأمني أن يثبت شيئا ضده مع تزامن دفاع بعض الشرفاء عنه، قرروا إخلاء سبيله وقبيل ذلك  قال له الجلاد المجرم مسؤول التحقيق، يا أخي فلان إرفع غطاء عينيك و انظر إلى خلفك ماذا تر فإذا بالاخ يقول رأيت عصى بلاستيكية حشوتها حديد صلب ،!

قال له يأخي تلك هي الأدات التي كنت أعذبك و أضربك بها لتعترف ،! فأرجو منك الأن أن تأخذها وتقتص مني قبل أن تغادر سجننا الذي يذود عن حياض المسلمين و الأمة،!

موقف…

في منتهى السخرية و السذاجة، و لسان حال الأخ المكلوم، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ،؟ بينما القادة و الأمراء المدانين فعلا،  لا أحد يعكر صفوهم و لايحاذي جنابهم ،!

أما الضعفاء من الناس فحائطهم قصير الكل يقفز حوله و فيهم تجرب التجارب 《 في رأس اليتيم نتعلم الحلاقة 》،!

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 《إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يداها》متفق عليه.

هذا فقط نموذج بسيط وإلا فحدث ولا حرج عن المظلومون الذين قتل بعضهم تحت التعذيب في قضايا مثل هذه وغيرها، لو سردناها لملئنا سفرا بجنباته،!

وما هذا إلا غيض من فيض و قابل الأيام ستكشف الكثير من الأحداث والخبايا والشخصيات المتورطة في دماء المسلمين و أعراضهم، هل ما ينساه الإنسان ينساه الملِك الديَّان؟!

كلا ثم كلا والله !

وإنما الأمم – أفرادًا وجماعاتٍ – تفعل ما تفعل، و تترك ما تترك، لكنها يومًا ما ستقف أمام ربها! وستُواجَه بما فعلت، وستُحاسَب بما تركت،

قال الله  تعالى  ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 28]

قال الله تعالى{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}[ابراهيم /42]

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم /64]

وختاما

عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، قال: ثم قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102]؛ متفق عليه.

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 3

 




کلمات حول الجولة الأخيرة للمفاوضات

کلمات حول الجولة الأخيرة للمفاوضات

کلمات حول الجولة الأخيرة للمفاوضات…

أعلن المتحدث باسم الإمارة الإسلامية ذبيح الله مجاهد قبل ثلاثة أيام عن انتهاء الجولة الثامنة للمفاوضات التي أجريت بين وفد الإمارة الإسلامية وبين الفريق الأمريكي برئاسة المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان (زلماي خليلزاد) في العاصمة القطرية “الدوحة”، وأضاف بأن كلا الطرفين سيشاركون تفاصيل الجولة الأخيرة مع كبارهم وقيادتهم.

والحقيقة التي لا يمكن تغاضيها هي أن الشعب الأفغاني بسبب معاناته الكبيرة متلهف جداً لنتائج عملية المفاوضات الجارية، وفي الوقت حينه فقد جذبت المفاوضات أنظار العالم كله ويراقبون تطوراته عن كثب، وذلك لكونها مفاوضات لا مثيل لها في التاريخ المعاصر.

والعلة في مثاليتها كونها بين طرفين غير متكافئين، فالبون بينهما في الطاقة التكنولوجية والاقتصادية شاسع، فأحد الطرفين من ناحية العتاد في غاية القوة، والطرف الآخر في غاية الضعف.

والأمر الثاني أن الخلاف بين الطرفين ليس عسكرياً وسياسياً فحسب؛ بل هناك اختلافات ثقافية، وأخلاقية، وعقدية، وفكرية مما زادت القضية تعقيداً.

الأمر الثالث أن الطرف الأقوى (أمريكا) تبدوا منهزمة حتى الساعة؛ إذ لم تتمكن باستخدام القوة، والمال، والحنكة الدبلوماسية، والقوة التي لا منازع لها، من ابتزاز أو إغراء خصمها الضعيف (طالبان)، لكي تواصل معها المفاوضات بعد ذلك في ظل رغباتها ووفق شروطها.

هذه الأمور هي التي أبطأت من سير عملية المفاوضات وجعلتها تنتقل من جولة إلى أخرى مع تطورات أقل، أما تفاصيل ما تم عرضه ونقاشه في الجولات الماضية – خاصة الجولة الأخيرة – فسأعرض جملة من الحقائق عن المصادر المقربة من المفاوضات.

– سعت أمريكا في البداية بأن تلعب دور الطرف الثالث، وأن تحافظ على حيوية ونشاط من هم تحت حمايتهم في كابل، ثم تقارن بهم طالبان باعتبارهم الطرف الضعيف، لكن طالبان رفضت ذلك، وبدل أن تُخْضِع أمريكا طالبان وترغمها على موقفها، اضطرت أمريكا أن تتنازل لشرط طالبان وتستعد للدخول في المفاوضات باعتبارها الطرف الرئيسي في الحرب.

– بعدها طلبت أمريكا أن تشارك حكومة كابل في المفاوضات باعتبارها الطرف الثالث، لكن طالبان ردت هذا الطلب، وحتى بعد الوصول إلى اتفاق مع الأمريكيين فلن تفاوض طالبان حكومة كابل في المفاوضات الأفغانية باعتبارها جهة حكومية، وفي هذه النقطة أيضاً اضطرت أمريكا للتنازل عن موقفها، والموافقة على شرط طالبان.

– يقال بأن أمريكا كانت تخطط لإخراج القوات النظامية فقط، أما غيرهم من المتعاقدين فسيبقون في أفغانستان باعتبارهم مقاولين وطاقم حرس السفارة، لكن طالبان خالفت بقوة فكرة بقاء واحد منهم بأي صفة كان، وفي النهاية تم إدخال الطاقم الأجنبي بأسره في قائمة الخروج، ولن يستثنى من ذلك أي أجنبي محتل سوى الطاقم الرسمي للسفارات، وهذه من القضايا التي دارت حولها نقاشات طويلة أثناء المفاوضات.

– تقول المصادر بأن طالبان كانت تصر بأن تقدم أمريكا ضمانا مكتوباً تضمن فيه عدم تدخلها في الشؤون الأفغانية بعد خروجها، وأن عليها أن توافق على شروط تسد أي تدخل مغرض لها في المستقبل، فقبلت أمريكا هذا الطلب، وتم إدخال هذ البند أيضاً في بنود المعاهدة، وسيوقع على المعاهدة أمام شهود دوليين.

– ومن المثير أنه يقال بأن أمريكا خلال المفاوضات وافقت على أمور كثيرة أخرى لكنها تتجنب نشرها في وسائل الإعلام، كما كانت تصر أيضاً على عدم نشرها.

ويعتقد المحللون بأن هناك احتمالان في عدم نشرها، الأول: كي لا يثار مخالفي المفاوضات والسلام في أمريكا، والثاني: مخاوف الأمريكيين من انهيار معنويات إدارة كابل المحمية من قبل الأمريكيين والتسبب في سقوطها سريعا حال نشر هذه التفاصيل.

وسئل مصدر في طالبان عن علة التناقض في تصريحات المسؤولين الأمريكيين بعد جولات المفاوضات؟ على سبيل المثال: صرح مسؤول في البيت الأبيض عن خروج القوات العسكرية من أفغانستان سريعا، لكن البنتاجون والجنرالات المتواجدون في أفغانستان ردوا ذلك بشدة!، فأجاب: إن الأمريكيين وقت المفاوضات يقبلون بعض الأمور لكنهم في وسائل الإعلام يدلون بتصريحات متناقضة حتى لا تتشتت إدارة كابل وتتمزق مباشرة بعد خروج القوات الأمريكية.

وبعض المحللين يشيرون إلى وجود احتمال آخر، فنظراً إلى الخلفية التاريخية لأمريكا يحتمل أنها تضع فخاً لطالبان، فبصنيعهم هذا قد يتركون باب التخلف عن الشروط في بعض الأجزاء مفتوحاً، لكن الاحتمال الأقوى هو أن أمريكا عندما تخضع لابتلاع لقمة مرة من الشروط؛ ففي البداية تنشر في الإعلام خبراً بشكل عفوي، ثم بعد لحظات تنفي ذلك الخبر عن طريق أحد المسئولين، وتعيد هذا الصنيع مراراً، وعندما تتعود أذهان العامة مع الخبر فتقوم بتطبيقه عملياً، ولعل التصريحات الأخيرة التي نشرتها صحيفة (نيوزويك) التي تقول بأن القوات الأمريكية ستوقف العمليات الهجومية على طالبان تكون من هذا القبيل.

– وحسب تصريحات مسئول في طالبان، فإن الوفد الأمريكي منذ البداية كان يسعى إلى وقف إطلاق النار مع بداية عملية المفاوضات، لكن طالبان رفضت ذلك، وأخيراً اضطرت أمريكا أن تؤجل موضوع وقف إطلاق النار إلى الجلسات المفاوضة بين الأفغان.

ولعل العلة في إصرار أمريكا على وقف إطلاق النار وفي المقابل مخاوف طالبان من ذلك؛ هي أن أمريكا كانت تريد أن تنثلم الآلة الحربية لطالبان رغم تواجدها في أفغانستان، لكن طالبان أدركت حساسية الموضوع، لذلك ترفض باستمرار وفق إطلاق النار في ظل تواجد الأجانب، وقد أوضح المتحدث باسم الإمارة الإسلامية هذا الموضوع خلال تغريدة قال فيها: “وقف إطلاق النار قبل حل القضية أو الوصول إلى الهدف بمثابة ترك المقاومة”.

 

 

مرحلة توقيع الاتفاق:

كلا الطرفين كان يُخبر عن التطورات بعد كل جولة من المفاوضات، خاصة الطرف الأمريكي حيث كان يقول بثقة بأننا على وشك الوصول إلى موافقة نهائية مع طالبان، فلماذا تأخرت مرحلة التوقيع؟!

أجاب مصدر مقرب من المفاوضات لطالبان عن هذا السؤال: إن المفاوضات في الجولة الثامنة كانت جدية ومرهقة للغاية، حتى أن النقاش والحوار كان يستمر أحياناً إلى الساعة الثانية والثالثة منتصف الليل، كما أن المفاوضات كانت مستمرة حتى في أيام العطلة كيوم الجمعة، ويوم عرفة، وأيام العيد، لكن رغم ذلك لم تُحَل القضايا بالشكل النهائي كما كان متوقعا، ولازال الخلاف قائماً حول بعض النقاط والتي بحاجة إلى مزيد من النقاش والتفاوض، ومع أن المصدر لم يحدد النقاط الخلافية، لكنه أضاف بأن تلك القضايا ستحل في الجولة القادمة على الاحتمال الراجح، وبعد ذلك سيتم الإعلان عن المعاهدة والاتفاق في حضور الشهود الدوليين وستوقع بين الطرفين.

 

 

بقلم/ الاستاذ : نعمت میوند

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

کلمات حول الجولة الأخيرة للمفاوضات




النظام السياسي في الإسلام وعلاقته بالأنظمة الحاكمة اليوم

النظام السياسي في الإسلام وعلاقته بالأنظمة الحاكمة اليوم (1)

النظام السياسي في الإسلام وعلاقته بالأنظمة الحاكمة اليوم

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المقدمة:

أسست الدولة الإسلامية بعد أن هاجر المسلمون إلى المدينة المنورة، وحكمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى، ثم خلفه الخلفاء الراشدون، وجاء من بعدهم خلفاء آخرون تولوا رئاسة الدولة الإسلامية[1]، ورئاسة الدولة في الشريعة تسمى: الخلافة، أو الإمامة العظمى، وكان رئيس الدولة الإسلامية يسمى: خليفة، أو إماماً، كما كان يسمى: أمير المؤمنين [2].

يقول ابن الربيع: ( الناس مضطرون إلى تدبير وسياسة وأمر ونهي)[3]، فقبل معرفة النظام السياسي في الإسلام؛ يجب التنبيه إلى أن استتباب أمور أي مجتمع بشري؛ لا بد من الرجوع إلى ما سماه ابن خلدون بالقوانين السياسية التي يسلم بها الناس، وينقادون لأحكامها؛ فلا تستقيم رعية في حالة كفر أو إيمان بلا عدل، أو ترتيب للأمور يشبه العدل[4].

فالإسلام جاء نظام متكامل لإدارة حياة الأفراد والناس؛ ليحقق هدف إدارة الحياة، للوصول لسعادة الدار الآخرة، لقول الله عز وجل: “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا[5]، فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة؛ حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني فأجرته على منهاج الدين، ليكون الكل محوطاً بنظر الشارع [6].

فالسياسية شقين الشق العقلي والشق الشرعي، فالسياسة العقلية الذي يضعها كبار القوم وحكمائهم والشخصيات الوازنة ولكن بشرط أنها لا تتجاوز السياسة الشرعية بخصائصها السياسية العادلة، فالخاصية الأولى للسياسة العقلية مرتبطة بالعقل والحسابات الشخصية والنفسية في الهيمنة والسلطة؛ فالمحرك الأول للسياسة العقلية المصالح والأهواء، كما أن هناك خاصية ثانية، وهي الغاية الشرعية من خلق الإنسان؛ ألا وهي رضا الله والجنة، وهي الرابط بين الإنسان وربه، مما يجعل السياسة العقلية تخضع للخشية والخوف من الله، وتخضع لمبدأ المحاسبة من الله، والتي تحمل النفس على حمل الأمانة، وتحقيق تعبيد الناس كمقصد أساسي من وراء هذه السياسة العقلية، كما أن هناك خاصية ثالثة وأخيرة؛ فطبيعة السياسة العقلية لا تأتي بالعدل المطلق؛ لأنها مبنية على وسائل دنيوية، وأهواء ومصالح لها خصوصيتها في رعاية مصالحها الفئوية أو الطبقية، التي تعطي من يخصها على باقي شرائح المجتمع والشعب أو ترعى مصلحة جماعة على حساب جماعة أخرى أو في مواجهة جماعة ثانية.

لذلك فالسياسة الشرعية كمفهوم وممارسة ترتبط بين السياسة العقلية التي ترتبط بمقاصد الشريعة، والتي تحقق مآلات كل الرعية الذي يسترعيها الإمام ليس على حساب فئة دون فئة، وهي القيام على الأمر بما يصلحه وبين الشرعية، وتنزيل الأحكام على الشارع الذي ورد فيها نص، ورعاية مطلق المصلحة فيما لا نص فيه[7]، فلهذا “فإنها سياسة عقلية باعتبار القائمين عليها يراعوا الحكمة في المصلحة العامة، وهي شرعية باعتبار القائمين عليها يرعوا أحكامها الشرعية”[8].  

فالسياسة سياسة حكيمة؛ لا تجيز للحاكم الفعل المطلق؛ إلا إذا تحقق فعل المصلحة نفعاً عاماً للأمة كلها أو الشعب بكل فئاته؛ وأن يكون هدفها الصلاح والرشد؛ وأن يكون غايتها تحقيق العدل والمساواة، وإن لم يرد دليل تفصيلي خاص في ذلك، فلن تكون المصلحة معتبرة إلا إذا كانت متفقة بالكلية مع مقاصد الشريعة الإسلامية، وأدلتها العامة، وأحكام الدين.

فيما تقدم يتضح لنا أن النظام السياسي الإسلامي: هو جزء من السياسة الشرعية، والذي توضح النظام السياسي الإسلامي في معرفة: نظام الحكم، كيفية اختيار الحاكم؟ وحقوقه وواجباته، وحقوق وواجبات المحكوم، ما هي العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟، ما هي العلاقة بين الدولة ودول الجوار في حالتي السلم والحرب[9].

فالسياسة بكل جوانبها منذ نشأتها مع آدم عليه السلام مروراً بكل الأنبياء، ووصولاً لخاتم الرسالات محمد صلى الله عليه وسلم، لم تكن خارج دائرة الشرائع وخاتمته الإسلام؛ الذي جاء لكل العالمين، فمنذ أن جاء الإسلام بحث عن مأوى سياسي يرعى به حقوق وواجبات المسلمين، إلا أن قيض الله للنبي ومن معه المدينة المنورة، لتكون منطلقاً لأول نظام سياسي إسلامي، غايته الشرعية نشر التوحيد، وهدفه السياسي تحقيق العدل، وإعطاء حقوق وواجبات كل المسلمين؛ وغير المسلمين الذين ينضوون تحت رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذا وجب قيام الدولة التي تؤدي وظائفها على أكمل وجه، من تحقيق العبودية بين الناس، ونشر التوحيد ليتحقق الطمأنينة والاستقرار المنهجي، وتحقيق أمانة الدين؛ وهي صون الإسلام والمسلمين، وتحقيق الإسلام كمنهج حياة، وتحقيق سياسة شرعية على منهج النبي صلى الله عليه وسلم، لتكون الحامي من أي عدوان غاشم على الأمة، ولتذب عن حياض الأمة، وتحقيق الإيمان بين الشعوب، لترتقي في حضارة إيمانية؛ يسودها العدل والإحسان، والتمتع لكل الأمة بقدرات ومقدرات وثروات نظامها السياسي الإسلامي، والذي يحكم على أراضي المسلمين.

وهذا وعد الله عز وجل لعباده المؤمنين في قوله تعالى: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ“[10].

فبرجوع لتفسير الطبري نجد في الآية الكريمة لطائف سياسية بليغة وهي الأتي:

1.    أن النظام السياسي في الإسلام يحقق الدولة التي تحقق الأمن والطمأنينة.

2.    أن الجهاد في سبيل الله من أجل تحقيق الاستقرار السياسي للدولة بنظامه وخصائصه.

3.  النظام السياسي في الإسلام هو عهد الخلفاء الراشدين وما سوا ذلك فهي أنظمة ملوك؛ واحتجاجي بما رواه سفينة مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً . قال سفينة : أمسك عليك: خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشراً، وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ستاً؛ أي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً، وأن الاستخلاف قائم على أمانة الدين والأمانة في سياسة الناس، والذب عن حوزة الدين والمسلمين.

4.  النظام السياسي في الإسلام هو الذي يحافظ على بيضة المسلمين، والذي يسعى لملك الإنسان لنفسه باختياره، حتى يتحول الإنسان من مقهور لقاهر؛ ومن مطلوب لطالب، وهذا كله على العدو ليتحقق الأمن والعز لكافة الناس.

5.  كما سيبقى وعد الله قائم في كل شخص بقدره وعلى حاله؛ حتى في الحكام والأئمة والمفتين والقضاة وكل من استرعى رعية، فما دام السلف يتبع منهج الخلفاء في أمانة الدين؛ وتعبيد الناس لرب العالمين؛ وأن يقوموا بالقسط، ويجتهدوا في إقامة العدل والإحسان، سيكونون على نهج النبوة في سياسة الدنيا بالدين ويتحقق النظام السياسي الإسلامي منهجاً وممارسة، وحكماً وتطبيقاً.

6.  لن يكون الاستخلاف لسياسة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون إلا أن حققنا العناصر السابقة في إدارة الحكم، وعلى رأس السياسة للنظام الإسلامي المصلحة العامة، وتغليبها على المصلحة الشخصية؛ والعدل والإحسان الذي يحقق الطمأنينة؛ والمساواة بين الناس في حقوقهم في الدولة والصلاح والرشد بين كافة المسلمين وغير المسلمين.

جاءت مقالاتي ودراستي لتقول أن الإسلام دين ودولة، وجاءت للذب عن الإسلام؛ وعلى من يزعم أن الإسلام عقيدة روحية ففصلوا الدين عن الدولة، وهناك من قال أن الإسلام لا صلة له بإدارة الدنيا، ولا بالسياسة، ولا بالاجتماع، وأن الإسلام دعوة ورسالة دينية بحتة لله تبارك وتعالى، فلا يجوز إدخال الدين بالسياسة، وأن الإسلام لا يتدخل بالمصلحة المدنية؛ وإدارة شؤون الناس، لأنه رسالة سماوية لا تعني بسياسة الناس على حد زعمهم وقولهم.

وهناك من زعم أن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم انتهت بموته وانقضت بزعامته، فليس لأحد يخلفه في رسالته أو قيادته وزعامته للناس[11]، لهذا كلّه لم تكن السياسة وموضوعاتها في أيِّ وقتٍ من الأوقات خارج دائرة التشريع الإسلامي، أو حتى بمعزلٍ عن منظومتها الشاملة لكافّة شئون الحياة ونواحيها ولا بمنأى عن تأصيل مسائلها وطرح قضاياها، فمنذ قدوم الإسلام وبروز فجره في الجزيرة العربية تجلّت ضرورة قيام الدولة، وأن الإسلام دين ودولة، إذ لا يتصوّر أن يكون الإسلام الرسالة الخالدة للإنسانية، والشريعة الكاملة التي ارتضاها الله للبشرية؛ دون دولة تتجلى فيها أحكام هذه الرسالة وتقام فيها الحقوق والواجبات[12].

ومن هنا كان علي واجب شرعي وأمانة عظيمة ومهمة كبيرة؛ أن أبرز الصفة السياسية لنظام الحكم الإسلامي، وأن أدحض دعاوي الحاقدين على حكم الإسلام، وأن أبين أن النظام السياسي الإسلامي هو جزء من السياسة الشرعية سلفاً عن خلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأوئل قدموا للأمة جمعاء خير سياسة يقودها الإسلام العظيم والذي تخللها العدالة والحرية والمساواة. 

“اختلف الباحثون والمغرضون والحاقدون حول طبيعة وخصائص نظام الحكم الإسلامي؛ فهناك من قال انه حكم ثيوقراطي[13]، وفريق ثان قال ديمقراطي[14]، وفريق ثالث قال أرستقراطي[15]، ووصفه فريق رابع بالاستبدادي[16]، وقال فريق خامس بأنه نظام السلطان الفردي العادل[17]، فهو نظام حكم مطلق يشبه نظام الحكم الروماني أيام الملوك والقياصرة، أو يشبه نظام الملكية بالانتخاب، ووصفه فريق سادس بالعروبة والإسلام جميعاً[18]، أو بالإسلام فحسب”[19].

الإسلام دين الله الذي وصف بالعالمية؛ وهو الدين الذي ارتضاه ربنا تبارك وتعالى لكل أجناس الأرض، بكل ألوانهم وألسنتهم وهياكلهم، فسبيل النظام السياسي الإسلامي واضح وهو سبيل الصلاح والرشد وليس سبيل للغي والفساد، ويقول تبارك ربنا وتعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ*وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ[20]، فالنظام السياسي الإسلامي يقر أن الإسلام دين الله؛ ختمه الله ببعث محمد صلى الله عليه وسلم، فالإسلام صراط الله المستقيم لقوله تبارك وتعالى: “وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[21]، ويقصد ب ولا تتبعوا السبل… أي لا تسلكوا طريقًا سواه, ولا تركبوا منهجًا غيره, ولا تبغوا دينًا خلافه. فالإيمان بالإسلام يقتضي الخضوع والانقياد لكل الأحكام الشرعية، سواء ما كان منها في مجال العبادات، أم في مجال العلاقات والنظم، أم في مجال السلوك الفردي الشخصي، فالمسلم يجب أن يكون منقاداً في الظاهر والباطن لدين محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الدين الذي جاء للبشرية جمعاء وختم جميع الشرائع والرسالات.

 فالسياسة في النظام الإسلامي مرتبطة أيضا بالإيمان بالله، ومن ثم ممارسة صحيحة للإيمان والدين؛ لتكون نتائج الممارسة عمل صالح يرضى الله عنه ويُرضِي الناس عليه، وذلك لقول الله تبارك وتعالى: “الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ[22]، فهنا يبين ربنا تبارك وتعالى علاقة صلاح الأحوال والبال بالإيمان؛ ليس فقط وإنما العمل مرتبط بالإيمان ليكون صالحاً، نعم هذا هو النظام السياسي الإسلامي يربط مفاهيم النظام بممارسة العمل السياسي وذلك بهدف الصلاح و الطمأنينة لإدارة الحياة وفق منهج الإسلام.

الأدلة الشرعية على أن الحكم والنظام السياسي الإسلامي:

جاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في حكمة الله في بعث الرسل والأنبياء والصالحين والأئمة والعلماء لحقيقة كونية؛ وهي هداية البشر إلى صراط الله وهو الإسلام، وإدارة شؤونهم الحياتية؛ وهي سياستهم بما أنزل ربنا تبارك وتعالى من كتب وشرائع لإنقاذهم من مفاسد الطغيان والأهواء، لقوله تبارك وتعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ “[23]، كما أن حكمة الله تبارك وتعالى اقتضت أن يرسل الرسل ليكونوا خلفائه في الأرض ليقودوا الناس لعبادته، وكذلك ليحكموا بين الناس بالحق والعدل الذي من أجله ربنا تبارك وتعالى أرسلهم له، فقال تعالى: “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ“[24]، وهذا ليس لداوود فقط ولكن سائر الرسل وهي وظيفة كل الأنبياء والرسل وكل من يخلفهم من المسلمين في رعاية الناس، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: “وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ“[25]، كما أن الله أنزل الكتاب على خاتم الأنبياء والرسل؛ ليكون الحكم بالكتاب الحق والصدق، وليس بالكذب والضلالة، وهذه وصية الله لخاتم الرسالات والرسل والنبوات محمد صلى الله عليه وسلم، ولجميع من يخلف  رسول الله، وكأن الله في قرآنه يوضح خصائص النظام السياسي في الإسلام، وكيف يسوس الدين الناس للحق والعدل، ومخالفة الأهواء الشخصية والفئوية ممن يريدون الزيغ عن حكمة النظام السياسي الإسلامي، وذلك لقول الله تعالى: “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [26].

كما أن الأحاديث جاءت لتدلل أن النظام السياسي الإسلامي جزء من السياسة الشرعية ومنها:

1.  عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهماُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته؛ وكلكم راع ومسؤول عن رعيته” مُتَّفَقٌ عَلَيهِ[27].

2.  عن أبي يعلى معقل بن يسار رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من عبد يسترعيه اللَّه رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم اللَّه عليه الجنة” مُتَّفَقٌ عَلَيه[28]، وفي رواية: فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة، وفي رواية لمسلم: “ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل الجنة

3.  عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها قالت سمعت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق بهم” رَوَاهُ مُسلِمٌ.[29]

4.  عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، سيكون بعدي خلفاء فيكثرون” قالوا: يا رسول اللَّه فما تأمرنا قال: “أوفوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، واسألوا اللَّه الذي لكم فإن اللَّه سائلهم عما استرعاهم”[30] مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

5.  عن عائذ بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أنه دخل على عبيد اللَّه بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم[31]. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

6.  عن أبي مريم الأزدي رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أنه قال لمعاوية رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ سمعت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: “من ولاه اللَّه شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب اللَّه دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة” فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس[32]. رواه أبو داود والترمذي.

فالأحاديث السابقة توضح الحقيقة الغائبة لحكام اليوم  وولاة الأمور وحثهم على العناية بالرَّعية، والنُّصح لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وقضاء حوائجهم، والرفق بهم، ورحمة أحوالهم، وعدم الاحتجاب عن حاجتهم وفقيرهم، وحثّ الرعية على السمع والطاعة لهم في المعروف، وأداء حقوقهم، والوفاء بالبيعة لهم، وتقديم مصلحة الرعية عن مصالحهم الشخصية أو القبلية أو الجهوية أو الفئوية أو الحزبية أو الحركية، وكأن الأحاديث جاءت لتقول للحكام أن صلاحيتكم من صلاحية تمسككم بالخصائص الذي أقرها الإسلام في القرآن والسنة، ومن يتجاوز عن هذه الخصائص فلسان النظام السياسي الإسلامي لا شرعية له في رعاية الناس، وكأن النظام السياسي في الإسلام جاء يحفظ حقوق الرعية قبل أن يحفظ حق الحاكم أو الراعي، فشرعية أي حاكم من شرعية الالتزام بالسياسة الشرعية التي جاءت تحيط بالنظام السياسي الإسلامي.

إن المتأمل في تعريف الخلافة؛ يجدها جاءت من أجل وظيفتين اثنتين وهما:

1.  الوظيفة الأولى: خلافة النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين من التحريف والتغيير والتبديل فيه، فدور الحاكم أو من يسوس المسلمين الذب عن حياض الدين والشريعة والعقيدة، ويذود عن المسلمين، ويدافع عن الديار الإسلامية[33] .

فلو تأملنا هذه الوظيفة في واقعنا المعاش، وهي الخاصية الأولى للنظام السياسي الإسلامي، لوجدنا أكثر الحكام غير متلبسين بهذه الخاصية وبذلك ينفوا عن نفسهم الإمامة والحكم والرئاسة، لأن أكثر الحكام اليوم يعيش في نظام سياسي فصل الدين عن الدولة، وأن أراضي المسلمين مستباحة في ظل حكمه، بل أن المسلمين يُقَتلوا ويُشردوا ويُسحلوا في بلاد الكفر دون نصير، كما أنهم ذهبوا لأكثر من ذلك بالتواطؤ مع المحتل المركزي وهو عدو الأمة الصهيوأمريكية ليأخذوا الشرعية منه ونسوا أن شرعيتهم من الاحتكام لدين الله والحفاظ على رعيتهم.

كما أن الخلافة جاءت لتحقق:

2.  الوظيفة الثانية وهي: خلافة النبي صلى الله عليه وسلم في رعاية كل شئون الحياة، وهذه الوظيفة تشمل جميع المصالح الدنيوية، فيجب على الخليفة أن يسعى لتحقيق كل أمر دنيوي تحتاج إليه الرعية سواء استجد أم سيجد[34].

وأضيف على ذلك أن يلتزم الخليفة بخصائص الإسلام وليس بخصائص طبائع الناس، فان التزم بخصائص الإسلام كانت الرياسة ديانة وشرع وإن انقاد لطبائع البشر فهي سياسة عادية أو سمها ما شئت ليس لها علاقة بالنظام السياسي الإسلامي.

ويدلل هذا التعريف على أن الإمامة ليست حقاً شخصياً أو امتيازاً لفرد أو لفئة ولكنها وظيفة تؤدى، فالعبرة فيها بأداء تلك الوظيفة التي نصت عليها الشريعة، لا بوجود شخص أو أشخاص[35]، فالشريعة لا تقود للحكم أو الملك الطبعي وهو: “حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة”، والمقصود بالطبيعة: الغريزة، أو ما جبل عليه الفرد من ميول وأهواء غريزية، كحب الذات، والرغبة في الاستعلاء أو الاستبداد، أو والسعي إلى تحقيق المطامع الفردية المبنية على أثره”[36].

فالنظام السياسي الإسلامي كما تم التعرف عليه من الآيات والأحاديث وعلى خصائصه، ذم النوع الأول وهو: الملك الطبعي والذي يقود إلى القهر والاستبداد، والقائم على حالة التغلب، وفرض أغراضه وشهواته وحب التسلط، ونزع حقوق الرعية بالقوة، وبسط الضرائب والأتوات بما لا يطيقه الناس، مما يجعل حالة العصيان والتمرد عليه ويشقون عصا الطاعة له، مما يحذو به لأن يجعل هناك قوانين سياسية تعمل لحفظ كيانه السياسي القائم على اغتصاب السلطة والحكم، ويستعين بنظامه العسكري والأمني ورجالات حزبه؛ حتى يحقق الاستتباب والأمن المزعوم، فعليه يكون أعطى الشرعية للرعية بالخروج عليه ليستردوا حقوقهم، ويقوموا بتولية من يرونه أنه يحقق لهم مصلحتهم ويعدل بينهم.

كما أن النظام السياسي الإسلامي ذم النوع الثاني وهو: الملك السياسي الذي يضعه أكابر الدولة وبصرائها، والذي يجبروا الرعية الالتزام بهذه القوانين إجباراً وليس اختياراً، حتى يستتب أمر الدولة، ويستقيم شأنها، تسمى سياسة عقلية، ويسمى هذا النوع من الحكم بالملك السياسي والذي يعرف بأنه: ” هو حمل الكافة على مقتضى النظر في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار”[37].

إن النظام السياسي الإسلامي تبني النوع الثالث من أنواع الحكم والذي عرف بأنه: “هو حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها”[38].

 

 

خصائص نظام الحكم الإسلام وهي[39]:

الخاصية الأولى: أن الخليفة أو الرئيس أو الإمام يختص حسب منصبه باختصاصات شرعية واختصاصات سياسية.

الخاصية الثانية: أن الخليفة أو الرئيس أو الإمام يخلف النبي صلى الله عليه وسلم وينوب عنه في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

الخاصية الثالثة: أن الحكومة الإسلامية سلطة عامة على كافة المسلمين، ولذلك يجب أن تعمل على تحقيق وحدة الإسلام والمسلمين.

الخلاصة:

1.  نجد مما تقدم أن النظام السياسي الإسلامي مقيد بخصائص ملزمة ليحقق شرعية الحاكم أو الإمام أو الرئيس وهي: أن يقوم أو يشرف على أن يكون الحكم حكم يهدف لتحقيق الشريعة، وأن يحقق سياسة تفي برعاية الرعية.

2.  أن يقوم الخليفة أو الرئيس أو الإمام بحمل الأمانة المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حراسة الدين وإدارة شئون الناس بالعدل والإحسان.

3.  يجب أن يكون الحكم في الدولة الإسلامية وهي رأس النظام السياسي الإسلامي؛ بالسلطة العامة على كافة المسلمين ولمن يرغب من المشركين، ولذلك عليها واجب تحقيق وحدة الإسلام والمسلمين، ضمن معرفة الواقع الإقليمي والدولي، والعمل الجاد للانفكاك من نظام العدو الصهيوأمريكي المسمى النظام الدولي الجديد.

نلاحظ أيضا مم سبق أن الوظيفة الثانية جاءت في اتساق مع الوظيفة الأولى في تحقيق الخلافة، وأن جميع حكام اليوم يسوسون بعيداً عن هاتين الوظيفتين، كما لو تأملنا في الوظيفة الثانية، والمقصود منها تحقيق مصالح العباد الحالي والقادم، فهل حكام اليوم يسعون لمصالح الرعية ويؤثرونها على آل بيته وملكه، ومن منهم يفعل ذلك؟!. إن النظام السياسي الإسلامي جاء يحافظ على مقاصد الشريعة وهي لمن التزم بعبادة الله في توحيد صادق، ومقاصد الشريعة في النظام السياسي الإسلامي هو استقامة الحاكم على طريق الإسلام، ويراد بها التزام الحاكم بالحِكَم الإسلامي الذي من مقاصده الشريعة هو أن الإسلام جاء لتعبيد الناس لله، وتحقيق وإبراز التوحيد الذي خَلَقَ اللّٰه تعالى الخَلْق من أجله، وبعث الرسل، وأنزل الشرائع وكلّف العُقلاء بالعمل أو التَرْك ، كما يُراد بها: وهي مصالحُ المكلّفين العاجلة والآجلة الّتي شُرعت الأحكام مِن أجلِ تحقيقها.

فأهم مقاصد الشارع أو مقاصد الشريعة والذي يجب على الحاكم أو الإمام القيام بها والسعي لها وهي: نفي الضرر ورفعهِ وقطعهِ عن عموم المسلمين، وتحقيق الكليات الشرعية الخمس عند المسلمين ومن يسوسهم وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، كما من واجب الحاكم مطلق المصلحة سواء أكانت هذه المصلحة جلباً لمنفعة أم درء لمفسد، مع الالتزام الكامل بأحكام الشريعة، فأقول لن تكون هناك مصلحة وفيها إفساد للدين، ومن واجبات الحاكم تنزيل الأحكام على الشارع  الذي ورد فيها نص، ورعاية مطلق المصلحة فيما لا نص فيه، لهذا فالسياسة العقلية يجب أن تبني من أجل  تحقيق المصلحة الشرعية وليس العكس، لأن السياسة الشرعية هي الأحوط في حماية الناس والرعية، وبهذا يكون الحاكم عمل بالنظام السياسي الإسلامي.

وفي الختام أفهم الحديث الذي رواه حذيفة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها إذا ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت”[40].

ومن لطائف الحديث يصف بدقة متناهية النظام السياسي الإسلامي، وهو متمثل بحقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدون، وهو النظام النبوي، وبعد ذلك إلا من رحم الله ممن تولى حكم المسلمين يكون حكمٌ ملكياً إسلامياً، يكون الإسلام حاكماً، ويحافظ على الأمة الإسلامية؛ ويدافع عمن يغزوها مع ضياع بعض من العدل وعدم تحقيق مصالح عامة المسلمين، ويكون الحاكم ضيع حقوق وواجبات الرعية وتجبر عليهم بظلمهم، ثم حكم جبري فيها يضيع حكم الإسلام ويستند الحاكم لقوانين وضعية تؤدي للاستبداد والقهر والعنف والتكفير السياسي، وجلب قوانين غربية لا علاقة الإسلام بها مما يسود فئة على أخرى، ويحاول الحكام أن يتلبسوا بالسياسة العقلية؛ لكن الملك الجبري يأبى إلا أن ينحرف نحو الملك السياسي الطبعي، وفيه تتغلب طبيعة الأهواء وحب السلطة والجاه والمال، ومن ثم يَعُمد لقمع كل من يريد أن يصل للحكم، وتبقى حالة القهر والاستبداد مستمرة في مثل هذا الحكم الجبري، إلا أن يشاء الله، وترجع الأمة للنظام السياسي الإسلامي؛ الذي يحقق منهج النبوة، وعلى درب السائرين من الخلفاء الراشدين عليه، فالنظام السياسي الإسلامي نظام يحكم من أجل حراسة الدين وسياسة الناس من خلال أحكام ومبادئ وقواعد ومقاصد الإسلام، لذا يجب على الحاكم يعرف اختصاصاته الشرعية والسياسية، وأن يعمل هو وحكومته على سلطة عامة يحقق بها وحدة الإسلام والمسلمين.    

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

……..

 [1] البدوي، إسماعيل: نظام الحكم الإسلامي مقارناً بالنظم السياسية المعاصرة؛ الطبعة الأولى 1406ه – 1986م، ص 7.

[2] انظر عبد الرحمن بن خلدون المتوفي سنة  808ه: مقدمة ابن خلدون، طبعة دار الشعب بالقاهرة ص203.

[3] سلوك المالك في تدبير الممالك ص 175.

[4] آل سعود، سعود وآخرون: النظام السياسي في الإسلام؛ الطبعة السادسة عشر 1446ه/ 2015م، مدار الوطن للنشر، ص 8.

[5] المؤمنون: أية115.

[6] مقدمة بن خلدون (1/272-274،2/516) بتصرف.

[7] آل سعود، سعود وآخرون: النظام السياسي في الإسلام؛ الطبعة السادسة عشر 1446ه/ 2015م، مدار الوطن للنشر، (ص10)  بتصرف.

[8] السياسة الشرعية ومفهوم السياسة ص (70) بتصرف.

[9] النظام السياسي في الإسلام ص 17 بتصرف.

[10]-سورة النور (24/55).

[11] ممن زعم هذا الزعم: ” الشيخ علي عبد الرازق” الذي ألف كتاب (الإسلام وأصول الحكم- بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام)، الطبعة الثالثة سنة 1344=1925، ص 76.

[12]المطيري، حاكم: الحرية أو الطوفان، دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية، الطبعة الثانية، 2003م، ص7.

[13] البدوي، إسماعيل: نظام الحكم الإسلامي مقارناً بالنظم السياسية المعاصرة؛ الطبعة الأولى 1406ه – 1986م، ص 10-13.

[14] المرجع السابق، ص 46-47.

[15] المرجع السابق ، ص 55-66.

[16] المرجع السابق، ص 70-72.

[17] المرجع السابق ص 82-84.

[18] المرجع السابق، ص 88-90.

[19] البدوي، إسماعيل: نظام الحكم الإسلامي مقارناً بالنظم السياسية المعاصرة؛ الطبعة الأولى 1406ه – 1986م، ص 9 بتصرف.

[20] سورة البقرة ، آية: 204-205.

[21] سورة الأنعام، آية: 153.

[22] سورة محمد، أية:1-2.

[23] سورة البقرة، آية: 224.

[24] سورة  ص، آية: 24.

[25] سورة المائدة، آية: 49-50.

[26] سورة  المائدة آية: 48.

[27] النووي، يحي: رياض الصالحين، باب أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة والنهى عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم، الحديث رقم 653، ص 79.

[28] المرجع السابق، رقم 654، ص79.

[29] المرجع السابق، رقم 655، ص79.

[30] المرجع السابق، رقم 656، ص79

[31] المرجع السابق، رقم 657، ص79

[32] المرجع السابق، رقم 658، ص79

[33] [33] البدوي، إسماعيل: نظام الحكم الإسلامي مقارناً بالنظم السياسية المعاصرة؛ الطبعة الأولى 1406ه – 1986م، ص 94 بتصرف.

[34] المرجع السابق، ص 95.

[35] المرجع السابق ص 95.

[36] الريس، محمد ضياء الدين: النظريات السياسية الإسلامية- طبعة دار المعارف بمصر- الطبعة الخامسة سنة 1969، ص 173.

[37] الحضرمي، عبد الرحمن بن خلدون، المتوفي 808 ه : مقدمة ابن خلدون- بتحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي- طبعة لجنة اليان العربي- الطبعة الثانية، ج2 ص 687.

[38] المرجع السابق ج 2ص 688.

[39] البدوي، إسماعيل: نظام الحكم الإسلامي مقارناً بالنظم السياسية المعاصرة؛ الطبعة الأولى 1406ه – 1986م، ص 98.

[40] الحديث حسن أخرجه أحمد (30/355 حديث 18406)، والبزار والطبراني في الأوسط (6577) وسند أحمد حسن فيه داود بن إبراهيم الواسطي روى عنه الطيالسي ووثقه وذكره ابن حبان في الثقات }يراجع تحقيق المسند طبعة الرسالة (30/355{.(

النظام السياسي في الإسلام وعلاقته بالأنظمة الحاكمة اليوم (1)



الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (2)

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (2)

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي ونهوض إسلام أمة …  الجزء الثاني

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

 

الإسلام السياسي لم يحدد العدو المركزي في سياسته، وبدا في سياسته واضح و متفاعل مع ما يطرحه العدو المركزي متماهياً مع سياسة العدو لما يطرح من أفكار؛ لعل ذلك يحقق له ما يصبو له، وبما أنه تنظيم هرمي وتقليدي، فقدرة الجهات الأمنية جاهزة وقوية لاختراق التنظيم، وحرف مسارات استراتيجياته بالتدرج الزمني وتغير القيادات، ومن ثم تحريف الفكر باستدعاء الدين في الخطاب والسياسة؛ ليشكل مظهر من مظاهر الحماية للقواعد التي لا تحسن إلا السمع والطاعة، أو دعوات خافته من بعض الصادقين النخبويين الذي لا يكون لهم كبير أثر في القرار التنظيمي.

 

ما زلنا نؤكد أن الإسلام السياسي بحركاته وتنظيمه جزء من الأمة، فهم أكثر قدرة عن التراجع والقيام بمراجعة حقيقية من التقييم والتقويم؛ وهم أكثر قوة ليأخذوا غيرهم في كنفهم، ويحددوا عدوهم المركزي وخصومهم المحليين، ويتحدوا مع كل مخلص وصادق لله، والعمل لتجسيد المنهج الطلائعي بدلاً من العمل التنظيمي، لتشكيل إسلام شعبي جماهيري، يقود لإسلام أمة كاملة بمكوناتها تكون هي الممثلة بطلائعها وقدراتها وطاقاتها، فنحن أمام العدو المركزي يجب أن نتجاوز الطائفية والمذهبية، والحركية والتنظيمية، والأهواء الشخصية؛ وكل ما طرحه ويسوقه العدو المركزي وهو رأس الإرهاب لتفريق الأمة وتمزيقها، ونعيد معركة التحرر بقيادتها الطليعية الواعية لمشروعها، والتي تقود ثورة الجماهير وهي ملامسة لقواعد المجتمع،…. فالأمة هي التي تمتلك وصاية نفسها على نفسها، ما دامت متحللة من إمامها الجامع المانع، لنبدأ من جديد في دحر العدو الإرهابي المركزي ألا وهو الصهيوأمريكي، لتجمع الأمة بميثاق شرف على دحره والنيل من رأس الإرهاب في العالم…العدو المركزي يعيش عقدة الإسقاط النفسي لأنه يعي أنه غازي وقاتل وإرهابي، بدأ يسقط نظرية الإسقاط النفسي الذي يعاني منها وهي الإرهاب على الأمة الإسلامية ويسوق لها، وللأسف هناك من بعض المثقفين تساوق مع العدو الإرهابي بقيادة الصهيوأمريكية في المنطقة، متجاهل القيم الأصيلة في مجتمعاتنا بأن المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره وهي أساسيات القيم في الإسلام للمجتمع وهي كثر، نعم لابد من جلد الذات؛ وخاصة نحن في مفترق طرق، وإعلان الهيمنة الصهيونية الأمريكية في مشروع صفقة القرن لكل العالم الإسلامي، فلابد على الإسلام السياسي أن يبتعد عن الاستعلاء بنفسه، والإقصاء لحشود الطاقات الهائلة المجتمعية، وأن يكونوا صادقين في خطابهم الديني وخاصة مع جماهيرهم، مللنا الكذب على الله وعلى عباد الله وعلى الأمة، نحن بحاجة ماسة لان يتغير الأداء، وأن تكون الممارسة بإنتاج أدبياتها وفق الاحتكاك المستمر بعموم المسلمين،  ليس وقت الزنقة تحتاج لعموم المسلمين، ويوم أن يثقوا بك لتنصرهم وتأتي بحقوقهم، تركب على ظهورهم وتدير ظهرك لهم ، ولا تقوم بما وعدتهم، والذي استدعيت كل آيات الله وأحاديث الرسول ، بأن تحافظ على مصلحتهم العامة وتدبير أمورهم وتسهيل حياتهم والعدل بينهم، إن التنصل من الأمانة ورعاية الرعية هي خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، هل هذا جزاءاً وفاقاً لمن يقف بجانبك يوم أن كنت حسيراً كسيراً بائسا،ً ويوم أن تكبر وتتولى أمرهم تتكبر عليهم وتتركهم يعانون من فقرهم ومطالب الحياة؛ هذا والله ليس بخلق الأولين، وليس بنهج رسولنا الكريم ، هذا والله قمة العقوق لمن ائتمنوك على حياتهم وعقم سياسي لأنك فرطت بحاضنة ترسي دعائم حكمك أو تكون أداة في استئصالك،…

 

وهناك من يقول إنما توجد أصابع شريرة وخبيثة تعمل لخدمة أعداء الأمة وقضاياها المركزية، وهؤلاء عبء على الأمة وجسر للكفار؟!، فأقول لأمثال هؤلاء من المخلصين أولاً: ما تقدمت به من توضيح في الجزء السابق هو رد على ما يتسألون، ثانياً: إن قضية المؤامرة هي شماعة ليضعوا عليها كل أخطاءهم، والمؤامرة موجودة لأنها أداة من أدوات ووسائل العدو، وقد نكون جزء كبير منها ومتحققة؛ وذلك بسبب عدم إدراكنا للواقع ومعطياته السياسية، وعدم التحامنا بإسلامنا مع الشعوب الأمية، وسيبقى التنظيم أسير المراوحة بين تطلعاته الفكرية التنظيمية؛ وقيادته النخبوية المنحسرة على ذاتها مما يجعل انفصاله عن حاضنته مؤكداً، فالمؤامرة موجودة لكن القضية ليست جلها في المؤامرة، فإدراك طبيعة الواقع واستثناء الجماهير من القيادة كما ذكرت آنفاً تجعل المؤامرة من صغرى لكبرى، فلماذا لا نسأل سؤالاً قبل المؤامرة: لماذا يعملوا على وصول الإسلام السياسي وقيادته للحكم ومن ثم ينقضوا عليه؟! لأنهم يعرفوا عن طريق عملاءهم الداخليين كل شي!، … بمعنى أن الإسلام السياسي يعمل وفق أجندة أفكاره التي يعرفها القاصي والداني، فما بالكم بأجهزة الدول التي تراقب على مدار الوقت، فالممارسة للتنظيم وما نتج من أدبيات تكون منعزلة عن واقع الإسلام المعاش لعموم المسلمين، ومن هنا يقدم أعمال التنظيم وأفكاره للوصول لأهدافه التنظيمية؛ بدلاً من أهداف إسلام الأمة وعلى رأسها المصلحة العامة للمسلمين، لأنه يعتقد أن وصوله للحكم هو الذي يجعله يحكم بالإسلام، ولا يدرك بعد التجارب أن وصوله للإسلام كتنظيم سيكون عائق في تطبيق الإسلام؛ لأنه سيلجأ مباشرة للتحالف مع أمريكيا بدخوله في اللعبة الديمقراطية، وهل يعلم أو لا يعلم أن الديمقراطية خصصت لتمزيق الأمة؟!، فالديمقراطية تعني في مجتمعنا هو تكفير الآخر وسحقه وتهميشه، ولكن تكفير سياسي مما يؤدي للتفرد بحكم الفائز واستنفار الخاسر على الدوام، لهذا فإن فشل الديمقراطية سياسياً في مجتمعنا الإسلامي واضح لأنها زادت من تقسيمات المجتمع وزادت مشاحناته لدرجة الكل يريد أن يكشف عورة الثاني، فالديمقراطية لن تناسب واقع الأمة الأمية التي تعرف حقوقها من خلال الإسلام الذي لا يترك شاردة ولا وارده إلا جاء بها، وجاء ليحقق فطرتها في معرفة حقوقها ومعاملاتها لأنها أمة قيم وأخلاق، كما أن إسلام الأمة الأمي يهدي نحو سياسة وإدارة قائمة على ثابت العدل والإحسان، وكذلك يحفزها للنهوض من كبوتها ونفض غبار الذل والعدوان عليها لأنها أمة جهاد وثورة، فالإسلام السياسي يعتقد أنه يمتلك أدوات الحاوي التي ستنقذه من تبعيته للنظام الدولي، وهذه مفارقة ومغالطة؛ مفارقة لأن العدو سيسعى التفريق بينه وبين جموع عموم المسلمين، ومن ثم تدجينه وتسويقه بدلاً عن الحكام وأنظمتهم، لكنهم عندما يصلوا للحكم يصطدموا ببعض شرائح المثقفين والأحزاب المجتمعية، لأنهم فضلوا طاقاتهم وقدراتهم عن الشعوب، وبهذا يتيح لخصومة التمترس حول عموم المسلمين، ويقودوا التصادمات ضد ما يطرحه من برنامج خاص به من بعض الجماهير، كما أن عقدة الأحزاب السياسية الإسلامية وغير الإسلامية تعرف أن وصول الإسلام السياسي للحكم هو إقصاء وإنهاء الكل، ومغالطة لأنه يسير بنفس المسار والطريق والأدوات الأيدولوجية؛ التي ستقوده للتحالفات والاتفاقيات التي سبقته من الجهات الرسمية متمثلة بالأنظمة العربية الحاكمة السابقة، لهذا لن يسمحوا له بذلك؛ مما يجعل الأعداء يحاصروه بأسماء أخونة الدولة أو حمسنة الحكم أو أسلمة الدولة، ومن ثم يصبح في حيرة ليتماهى أو يُجبر للتساوق مع الواقع فلا يستطيع، فقيادة التنظيم كانت معزولة عن فئات الجماهير لأنها كانت معتكفة على توصيل برنامجها لعناصرها في دعوة مغلقة، فيكونوا قد أرسوا قواعد المؤامرة بأيديهم لبعدههم عن الدعوة العامة والمفتوحة، فالارتباط بالجماهير والشعب هو المعيار الأساسي لنجاح أي فكرة، فهناك من يقول: أننا نجد أن الأمم في حركتها الحضارية صعوداً ونزولاً وانهياراً، لا تحركها الجماهير والعامة، بل تقودها النخبة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وعلمية؛ إما نحو النهضة والتقدم وتحقيق أهدافها، وإما نحو الانهيار والسقوط في التخلف…، فنجيب بأن إسلام الأمة الأمية هو الذي ندعو له وهو يحقق القيادة بامتياز من تزكية مجتمعها لها وليست تنظيمها أو نخبها، لماذا؟ لأن مشروعنا اليوم مشروع مواجهة وتحدي وإنعتاق من الهيمنة للعدو المركزي الإرهابي على الأمة، وليس مشروع حضاري نريد فيه استرجاع حضارتنا فحضارتنا موجودة ولن يستطيع أحد دثرها، ولا مشروع نهضوي لأن النهضة ستتحقق في ظل التحرر ووجود الدولة لأنها تحتاج مقومات دولة، ولا خلاف إن كانت النخب والمثقفين المنتمين لحركة الجماهير والشعوب أن تمارس دورها النهضوي دون حرف الأمة عن الخط الذي يرقى بنهضتها وازدهارها وتقدمها، ولا عن تحررها من العدو الإرهابي الغازي، فالبرغماتية في واقع براغماتي إقليمي ودولي لن تنجح، فالوضوح في السياسة بإدارتها وأهدافها لكل الجماهير هي جزء من حماية أي مشروع تحرري.

 

وهناك من يخرج من بعض المثقفين المنظم في حركة إسلامية سياسية، فيقول إنها حرب المصطلحات؛ ويتابع قوله بأن الإسلام السياسي مصطلح شوهته مخابرات عالمية وإقليمية، لتحريف صورة الإسلام الشامل الذي يعتبر السياسة من صميم الدين، وعزل الإسلاميين الذين يتبنون هذه الفكرة، لأن أعداء الدين يريدون حصر تأثير الإسلام في نطاق الشعائر التعبدية؟!، ويتهم فئات كبيرة من المسلمين بالتساوق مع هذا المصطلح وأنهم أداة يستغلها العدو المركزي،… فمن هنا نوضح الأمر وهو لا بد أن يعلم الجميع أن إسلام الأمة لا بديل عنه؛ لا بحركات سياسية إصلاحية أو جهادية أو فكرية سياسية منفردة بتوجهاتها، وإنما هو إسلام يؤمن بكل مكونات الأمة؛ ويعي أن الصراع يجب أن يكون بكل طاقاتها وقدراتها دون اجتزاء، ونعتقد أن الصلاح والجهاد يجب أن يكون بعقيدة الأمة الإسلامية دون العمل لتجزئتها وأدلجة دينها وتقسيمه، وليس بمعزل عن الشعوب والجماهير، والحفاظ على السير نحو معركة الوعي لتقود الأمة لنهضة حقيقية تقودها معركة التحرير من العدو المركزي بكل تحالفاته، فعليه أقول الإسلام الشامل الكامل الذي ذكرناه آنفاً  أين هو من حركات الإسلام السياسي؟! ومن هي التي تتبنى مشروع كامل على صعيد الأمة دعوة وسياسة وجهاد؟!، أرى أن حصر وانحسار الإسلام في حركة إسلامية تدعي أنها المخلص هو ما يريده الغرب الكافر، والعدو المركزي الإرهابي وأجهزة مخابراته، فعلينا الاطلاع بكل التفاصيل على تقارير مؤسسة RAND الأمريكية؛ وما سبق من تشخيص في هذا المقال، وهناك حركات إسلامية كبرى تسعى لإيجاد علاقات دولية مع العدو المركزي بغية الوصول للحكم؛ ولن يرضى عنها العدو، وهو يتطلع لأن تصل للحكم بطريقته الديمقراطية، وهو يريد من وصولها أن تؤدي دوراً وظيفياً لقتل مشروع التحرر والانعتاق من العدو المركزي؛ والذي تطلع له الأمة بكل الوسائل الذي أتاحها إسلامنا، وتتعاطى معها شعوبنا وجماهيرنا الثائرة، ومن بين الأخطاء من ينظر لهذا أي الدخول في لعبة الديمقراطية والتي تقول لهم كش ملك بعد وصول حركات الإسلام السياسي للحكم، فصُنعت لعبة الديمقراطية وأدواتها لتكون جزء من إدارة المعركة للتساوق مع سياسة العدو المركزي الذي يريدها، ويعتبرها ممارسة فعلية وأداة مهمة من فك الارتباط بين الإسلام السياسي مع مكونات الأمة ومتصادمة مع شعوبها على الدوام، وأداة تنفيس للقدرات والطاقات التنظيمية مع فتح الدراسات الأمنية لسلوكيات تلك القيادات، وأداة مهمة للانقسامات والاختلافات الشخصية من القيادات نحو سلطة الحكم، كما حدث في كثير من التجارب الإقليمية والدول العربية، … فالبديل عما سبق هو إسلام الأمة والذي يحقق الإسلام الشامل الكامل العادل وهو لا يخفى على أحد، والذي يلتزم بعقيدة المسلمين، ومتجرد ومخلص وصادق مع رب العالمين، وليس من أجل التنظيم، وذلك بهدف واحد هو أجلاء العدو المركزي عن بلاد المسلمين، وأدعو كل أصحاب الفهم الرصين أن يعيدوا قراءة المشهد بكل تفاصيله ويدعوا الجميع لدعوة وسياسة وجهاد أمة… فهناك من حركات تساوقت مع الرؤية الأمريكية ودخلوا الديمقراطية ولم يجنوا منها سوى الموت والقتل، لأن هذا المسار فرضته قوة الغرب بأدواتها الأمنية، وتحت ظل حكم عسكري ونظام عميق، وهم يعرفوا السلوك النفسي الداخلي للتكوينات التنظيمية والأحزاب السياسية الإسلامية المتطلعة للحكم، فيعمدوا لإفشالهم في خطة تعد وتحاك من قبل العدو وشركائه، فالوعي  بالمعركة أنها معركة تحرر من العدو المركزي وتحالفاته وليس حكم وسلطة، فمشاريع الحكم والسلطة والنهضة والحضارة ستكون بعد القضاء على العدو المركزي الإرهابي المتمثل في الصهيوأمريكي، فلهذا أدعو نفسي وكل صادق أن نستنتج أن الحركات الإسلامية تحتاج للخروج من قواعد فقهية حركية نخبوية إلى عمل أمة يحمل التجرد والصدق والبيعة لله، ولا تنحسر ببيعة مجتزئة ومشوهه للتنظيم عن أصل دييننا الحنيف والذي تتمثل بيعته مع رب العباد، وتكون البيعة حائل للتواصل مع الأمة وشرائح المجتمع، أعلم أن كلامي لا يروق لكثير من التنظيمات والحركات الإسلامية، فلابد أن نقف مع الحقيقة، فأنا لست ليبرالياً ولا مؤمن بمدنية الدولة ولا بالديمقراطية السياسية التي أنشأها من ندعي أنه ومخابراته هم الذي روجوا للإسلام السياسي، فالإسلام السياسي هو الذي تساوق مع مدنية الدولة وديمقراطية الحكم وليبرالية الفكر، وهذا ما جعلها تتناقض مع شعوبها، وجعلت أفكارها منحسرة في فئة متجنبة بقية فئات الجماهير، فالعدو يعي تكوين ومكونات الحركات الإسلامية، وعلية يجب أن نقف ولا نستدعي الدين لإنقاذ مواقفنا الباهتة مع الأمة، فهناك فرق كبير بين المسلمين وبين المتحزبين لأفكار تنظيمية، وهناك فرق بين الإسلام السياسي وبين عقيدة الإسلام التي تؤمن بها الأمة جمعاء، وهناك فرق بين الكهنوتية للتعصب للتنظيم وبين إجماع الفقهاء للمسلمين، وهناك فرق بين المعابد الكهنوتية وبين مساجد الله، فالمساجد للأمة لم تختص بتنظيم محدد، فالإسلام دولة ودين، ودين ودولة، فالإسلام ليس مبتغاه الوصول للحكم بل مبتغاة تطبيق العدل والمساواة بين عموم المسلمين، لهذا أدعو كل المخلصين أن يعيدوا قراءة الآية: إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)، أي أن دينكم دين واحد فلا تفرقوه بحزبيتكم وتنظيماتكم، لتصبح الأمة شيء واحد، فكونوا جماعة واحدة لتحقيق القوة، ورص الصفوف في بنيان واحد ليتحقق النصر على العدو، فمشكلة الحركات وأتباعها النخبويين من المثقفين ستبقى تحرف المسار بأهوائها ومصالحها الشخصية؛ بتشويه كل من يتكلم بصدق ويحمل منهج الأمة بطريقة الأمية أي عموم المسلمين في فهم الدين وتعني الأمية أنها تعلن أنها فقيرة علماً وحكمة اتجاه ربها، وأنها متمسكة بعبادة التوحيد نحو إله واحد، وهي التي تأخذ التكليف من ربها وليس من غيره، وليس معنى الأمية بمعناها اليوم التي لا تعرف القراءة والكتابة وإلا لم تكن صفة تمجيد لرسول الله كما قال ربنا تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ آل عمران 157، فالأمة الأمية هي دليل إعجازي لهذه الأمة وليس دليل منقصة، كما أنها تحتاج توجيه نحو هدف التحرر وليست تثقيف فكري، لأن الأمة المسلمة لا تتحزب بل تتبع توحيد ربها كما نقل لها من نصوص القرآن والسنة، فلماذا لم يكن بطريقته الحضارية؟! لأن الطريقة الحضارية تحتاج لصنف من نخبة الناس تقيم الحضارة، ولكن الطريقة الأمية تعني كل الناس مسؤولة عن توحيد الله وإقامة الإسلام وعودته، والطريقة الأمية بتوجهها لله والتي تخلو من الأهواء، وتقود الأمة لحقيقة الصراع وتفجر طاقاتها وقدراتها في مسار واحد تقودها للتحرر من التبعية، فعلى الإسلام السياسي أن يعيد تقيمه لنفسه ويتأمل في ما أدعو إليه من إسلام أمة، وعليه لا يعتبر من يدعو لهذا المنهج هو مارق ومن الخوالف عن صف التنظيم، لكنني عرفت ربي وديني وسأبقى على عهدي مع ربي نحو إسلام أمة بعقيدة شعوبها وجماهيرها في معركة الوعي تجاه وحدة الأمة بروابط الدين وليس التنظيم؛ حتى يتحقق وعد ربي خلافة على منهج النبوة.

 

 

الخلاصة:

فلا يجوز للإسلام السياسي أن يعمل لأجل تعاظم التنظيم على حساب الشعب الغلبان المسكين، ومن هنا نؤكد أن الإسلام السياسي المنحسر في العمل النخبوي وبطريقته الفكرية جعلته يقدم فكرة التنظيم عن منهج محمد ، وبالتالي اجتزأ الحكم في تنظيمه، ولم يدرك أن الطاقات والقدرات الشعبية أكثر مما لديه كثير، كما حسر نفسه بالاستعلاء والإقصاء، وهذا دليل انه لا يستطيع أن يتفق مع شعبه بإسلام عموم الجماهير، ولن يحقق الطريقة الأمية، فيجب أن تكون طريقة العمل أن لا تعتمد على النخب وأن لا يكون العمل نوعي محض، وأن يكون منذ اللحظة الأولى مع قواعده الشعبية ويتجنب الانزلاق نحو تضخيم اقتصاده عن شعبه، أو تضخيم موارده دون إشراك بقية فئات الشعب، أو ممارسة السياسة من أجل عملية الإحلال والاستبدال، وأن تتربى النفسية العقلية على ذهنية تعي حقوق شعبها، حينها لن يخذلها شعبها ويكون بمثابة الحاضنة تتلقى كل الضربات التي تستهدفه، فالذهاب للسلطة بقيادة التنظيم، والعمل على الإحكام التنظيمي للعمل السياسي من خلال إدارة الحكم، هو الذي فتح عليها النار من قبل خصومها فلا سلطة أصابت ولا استقرار حازت.

كما على كل الحركات الإسلامية أن تدرك حقيقة الصراع ولا تفقد بوصلتها في إدارته، ولا تنحسر في ميدان على حساب كثير من ميادين الأمة التي تكون بحاجة ماسة لها، وخاصة في حالة المواجهة والتحرر، فالإصلاح والحكم والإدارة السياسية وإقامة مشروع نهضوي حضاري؛ لن يكون إلا إذا حققنا الإنعتاق من الهيمنة الصهيونية الأمريكية في المنطقة، ومن هنا وجب على الأمة أن نلتف حولها وأن نكون ركائز لها، وأن لا نستدعي نظرية التنظيم، بل يكون نهجها نهج الإسلام في إقامة الأمة الأمية التي بها سندحر العدو المركزي الإرهابي، وسنعيد الحكم على قاعدة العدل والإحسان وتلبية مصالح عموم المسلمين، وتكون النخب المجتمعية لها ميراثها في إقامة مشروع نهضوي بعد تحرر الأوطان.

يعلم الله أننا صادقون بكل كلمة نصحنا بها وأن حرصنا على ديننا وإسلامنا هو الذي جعل أن آخذ على نفسي عهد التصويب؛ وليس من أجل القدح والذم، هناك من يجيد ذلك لكن يعلم الله أننا نريد خير إسلام لخير أمة، ما أطرحه نهج أعي كل تفاصيله، وهو الإسلام هو الإسلام!!!.

 

 

الحواشي:

  1. Krämer, Gudrun. “Political Islam.” In Encyclopedia of Islam and the Muslim World. Vol. 6. Edited by Richard C. Martin, 536–540. New York: Macmillan, 2004. via Encyclopedia.com نسخة محفوظة 13 يوليو 2018 على موقع واي باك مشين.
  2.  Al Jazeera Arabic قناة الجزيرة، في العمق – الإسلام السياسي في عالمنا العربي، اطلع عليه بتاريخ 14 يناير 2019
  3.   تعدى إلى الأعلى ل:أب Voll، John O.؛ Sonn،  “Political Islam”. Oxford Bibliographies Online Datasets (باللغة الإنجليزية). doi:10.1093/obo/9780195390155-0063.
  4.  “كيف ظهر “الإسلام السياسي” وماهي أهدافه الحقيقية؟”. aljazeera  net . اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2018.
  5.  “ماذا بقي من الإسلام السياسي والجهادي بعد الربيع العربي؟ – جريدة الشرق”. al  sharq  com. اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2018.
  6. http://iswy  co/e116v3

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (2)