حججٌ واهية لاستمرارالحرب في أفغانستان

حججٌ واهية لاستمرار الحرب في أفغانستان

حججٌ واهية لاستمرار الحرب في أفغانستان

قامت وسائل الإعلام الغربية بحملة دعائية سلطت خلالها الضوء بشكل كبير على تواجد ونشاطات داعش وتنظيم القاعدة في أفغانستان، وذلك بالتزامن مع بدء الدورة السادسة من المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية . ويمكن لنا أن نشير في هذا الخصوص إلى ما يلي :

1- أبوبكر البغدادي الذي كان مختفيا خلال السنوات الخمس الماضية ، ثم في 29 أبريل ظهر فجأة في شريط مصور ، في ثياب جديدة وفي مكان غامض ، وذلك قبل يوم واحد من بدء الجولة السادسة من المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة في قطر.

2- في 11 مايو، أثناء الجولة السادسة من المفاوضات، أصدرت المجلة الأمريكية ( لانج وار جورنال ) شريطا مصورا منسوبا إلى تنظيم القاعدة مع تقرير مفصل صادر عن موقع مؤسسة السحاب الإعلامية على شبكة الإنترنت ، وهو موقع تنظيم القاعدة، حيث جرى فيه الحديث عن موضوع التحالف بين القاعدة وحركة طالبان.

3- في نفس اليوم، أي في 11 مايو، أعلن حيات الله حيات والي قندهار، عن إلقاء القبض على 20 شخصا، بمن فيهم شخص قالوا أن اسمه “عبد السلام” ، وأنه مسؤول عن جلب العناصر لصالح تنظيم داعش في قندهار. وأنه كان مكلفا بنقل المقاتلين وتجهيزهم لهذا التنظيم من قندهار إلى ولاية كنر.

4- في 14 مايو، قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في منشور له بتصنيف فرع خراسان لتنظيم داعش في قائمة العقوبات الاقتصادية للأمم المتحدة.

5- استمرارا لهذه المعركة الدعائية حول تنظيمي القاعدة وداعش، وسائل الإعلام الغربية إستنادا إلى تقارير لوكالة المخابرات الأمريكية (CIA) أشارت إلى أن الدكتور أيمن الظواهري بايع الملا هبة الله آخوند زاده زعيم حركة طالبان، وأن الدكتور أيمن مع عدد من مقاتليه ينشطون في المناطق الحدودية من باكستان وأفغانستان على طول خط “دوراند” الحدودي. وكانت وسائل إعلام غربية قد نشرت نفس الخبر سنة 2016م بعد مقتل الملا أختر محمد منصور.

6- في 21 مايو، تحدث القائد الأعلى للقوات الإمريكية، اللواء ميلر لوسائل الإعلام عن مشاهدة عناصر تنظيم القاعدة في أفغانستان، لكنه لم يوضح عن مكان تواجدهم في البلاد.

7- في 22 من مايو، حذّر الجنرال ميلر مرة أخرى عن حضور داعش في أفغانستان، وقال: إن هذه المنظمة خطيرة جدا، ولها حضور في أفغانستان. ذكرت الوسائل الإعلامية نقلا عن الأمريكيين أن عدد قوات داعش في أفغانستان قد يبلغ 5000 مقاتل.

8- في 23 مايو، نشر معهد الدراسات الاستراتيجية بأفغانستان في اجتماع له ، آراء الدكتور مايكل روبين Michael Rubin المحلل في معهد إميركان انتربرايز American Enterprise. الذي شارك فى الاجتماع عبر اسكايب ، وصف مهمة خليل زاد بالفاشلة على الإطلاق. وقال: إن حركة طالبان مجموعة لا يمكن الوثوق بها بشأن قطع علاقاتها مع تنظيمات العنف. وأنهم قد فشلوا مرارا في الحفاظ على التزاماتهم السياسية.

في هذه الظروف الحساسة من المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة الأمريكية، وظهور البغدادي بوجه مختلف، وفي مكان غامض، وإصدار فيديو على موقع مؤسسة السحاب، وإعلان الأمم المتحدة بتصنيف فرع خراسان لتنظيم داعش ضمن قائمتها، وخبر بيعة الدكتور أيمن الظواهري مع ملا هبة الله، واعتقال المدعو عبد السلام ، وتصريحات الجنرال ملير عن حضور تنظيمي القاعدة وداعش في أفغانستان، وتصريحات الأمريكيين الذين لا يعجبهم إحلال السلام في أفغانستان والانسحاب منها، كل ذلك شطر من سيناريو، بالرغم من أن لكل منهما أسباب منفصلة، لكنها في المجموع قد تحمل لنا الرسائل التالية :

أوّلا: حركة طالبان بالرغم من الضغوط العسكرية القاسية من جانب الولايات المتحدة الإمريكية، إلّا أنها تشارك في المفاوضات مع ممثليها من موقع الكفء المتماثل ، كما تدعي السيطرة على جزء كبير من أفغانستان، وأنهم ليسوا صادقين في ادعائهم بعدم الارتباط مع التنظيمات الإرهابية.

ثانيا: أن تنظيم داعش آخذ بالقوة في أفغانستان، وذلك قد يؤجل انسحاب القوات الأمريكية لظروف ومشكلات عديدة في المنطقة، ولا ينبغي على دول المنطقة أن تثق بوعود طالبان.

 

الظهور المفاجىء للبغدادي :

في الوقت الذي يُصِرّ الأمريكيون في الظاهر على أن داعش خطر يهدد مصالح الولايات المتحدة الإمريكية ، ويؤكدون أن لها حضور قوي في أفغانستان ، يُعَدّ ظهور زعيم داعش فى ثياب جديدة ، مبررا قويا لإثبات دعاوي الأمريكيين.

فظهوره المثير للتساؤل ، بلحية محناة كما هو شائع بين شيوخ القبائل في منطقة ديوراند الحدودية، وافتراش الأرض كما هو رائج في أفغانستان والمناطق القبائلية في أفغانستان وباكستان، يوهم المشاهد بأن الفيديو المذكور تم تسجيله في موضع يستخدم أهله هذه الوسائد للإفتراش على الأرض.

في المناطق القبائلية يستخدمون السرير للجلوس عليه في دور الضيافة ويسمونه “كت”، لكن في أفغانستان يستخدم ” الدوشك” للإفتراش.
من الصعب الإجابة حقا على السؤال: أين البغدادي؟. لكن تم إعداد البيئة التي سجل فيها الفيديو بأسلوب يسوق الناظر إلى استنتاج أنه موجود في أفغانستان من غير أدنى حاجة إلى توضيح أو تعليق، وهذا القدر يكفي لإثبات مزاعم الإمريكيين.

 

 

فيديو مؤسسة السحاب :

بالتزامن مع بدء الجولة السادسة من المفاوضات بين الولايات المتحدة الإمريكية وحركة طالبان، نشر موقع السحاب التابع لتنظيم القاعدة على شبكة الإنترنت مقطع فيديو ، لقي انتشارا واسعا في الإعلام الغربي.

كان الفيديو يختلف تماما عن الفيديوهات السابقة لـمؤسسة السحاب، حيث يصور الفيديو مشاهد من هجوم عسكري لطالبان في مقاطعة بكتيا، ذلك الهجوم أوقع خسائر في صفوف القوات الحكومية، وغنم المقاتلون السلاح والمعدات. هذا الفيديو نشرته حركة طالبان في 5 آبريل سنة 2016 م.

في هذا الفيديو المنشور من جانب موقع السحاب، والبعض من الفيديوهات الأخرى التي نشرتها طالبان عن عملياتها، يتم التعليق فيه باللغة الأوردية بعد أن أزيلت تعليقات مراسل طالبان بالبشتو. كما يتبين بكل وضوح من هذا الفيديو أن الذين قاموا بإعداده شخصان باكستانيان وهما محمد فاروقي، وعبد الحنان المجاهد. وتم في الفيديو أيضا دمج مشاهد من بيعة حركة طالبان مع الملا هبة الله بعد مقتل الملا اختر محمد منصور.

هذا الفيديو يختلف عن كافة الفيديوهات التي نشرتها مؤسسة السحاب الإعلامية. فجميع مشاهد هذا الفيديو عبارة عن عملية مونتاج غير منسق لمقاطع نشرتها طالبان سابقا.

النقطة الهامة أن جميع المقاطع التي نشرتها مؤسسة السحاب بالمناسبات المختلفة كذكرى الهجوم الأمريكي على أفغانستان، أو وفاة زعيم لحركة طالبان، كان في بدايتها كلمات لزعماء تنظيم القاعدة حول تلك المناسبات، لكن في الفيديو المذكور لا يرى شيء من هذا القبيل.
على عكس المقاطع السابقة التي نشرتها وكالة السحاب ، والتي تحتوي على رسائل قوية ، وكان يتم تصويرها في الغالب من جانب فريق التصوير الخاص لمؤسسة السحاب ، ولكن هذا الفيديو عبارة عن مونتاج غير مرتب لمقاطع نشرتها حركة طالبان سابقا، والآن يتم إعادة نشرها بدون مناسبة.

النشريات السابقة الصادرة عن وكالة السحاب كانت باللغة العربية، حيث تمت ترجمة مقاطع من لغة البشتو أو اللغات الأخرى إلى اللغة العربية ، لكن الحديث في المقطع المذكور يجري باللغة الأوردية.

والنقطة المهمة الأخرى أن منشورات السحاب كانت تنشر أوّلا على مواقع الجهاديين، ثم يتم إرسال نسخة منها إلى اللجنة الثقافية لمنشورات طالبان، لكن الفيديو المذكور لم يرسل إلى طالبان ، بل قبل أن ينشر في أي مواقع جهادية ، نشر في موقع إمريكي في البداية، ثم نشرته مجلة (لانج وار جورنال)، التي إدعت أن سبب النشر هو الإشارة إلى التحالف بين القاعدة وحركة طالبان.

في عملية المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان ، تعتبر قضية ارتباط القاعدة والجماعات الإرهابية مع طالبان قضية مثيرة للجدل ، لذلك في ظروف حساسة مثل هذا، يضرّ بمفاوضات الصلح بث فيديو مثل هذا بلا ضرورة وبلا مناسبة . لكن السؤال الذي يبقى: هو لماذا نشرت مؤسسة السحاب هذا الفيديو؟

أولا: من الممكن أن يستولي الأمريكيون على رسائل مؤسسة السحاب كسائر الوثائق الهامة لتنظيم القاعدة أثناء هجوم الأمريكيين على بيت أسامة بن لادن في إيبت آباد، ثم الآن يستخدمونها وفق أهدافهم وتحقيقا لغاياتهم.

ثانيا: تعرضت مؤسسة السحاب في مناطق قبائلية من باكستان لهجوم من قبل طائرة “درون” سنة 2013 م ، وقتل في ذلك الهجوم “عمر طالب” المسؤول والخبير فى هذه المؤسسة ، و اسمه الأصلي عادل القميشي ، وقتل معه عدد من زملائه الموثوقين . ومن المحتمل أن يسيطر بعد ذلك على مؤسسة السحاب أشخاص غير موثوقين ولا يملكون خبرة “عمر طالب” ، ولا مهنيتة ولا جدارته . ولا يستبعد أن يحدث اختراق لهذه المؤسسة من جانب العناصر المخابراتية.

 

خلاصة الكلام :

إن المفاوضات بين طالبان والولايات المتحدة فرصة مناسبة لإنهاء الحرب في أفغانستان، لكن لسوء الحظ ، ومن خلال النظر في الأوضاع، ولا سيما في ظروف حساسة مثل هذه ، يتبين أنه لا يوجد صوت موحد في الولايات المتحدة للوصول إلى السلام في أفغانستان. فهناك جهات تسعى إلى أن تستمرّ الحرب في أفغانستان بدلا من أن تقوم بالمساعدة على الصلح.

وتمس الحاجة إلى أن يبذل المتفاوضان جهودهما من أجل تسهيل عملية السلام بدلا من خلق مناخ من عدم الثقة قد يؤثر سلبا على عملية السلام. إن السنوات الثمانية عشرة الماضية كافية لأخذ الدروس، ويجب إنهاء هذه التجربة الفاشلة وهي الوصول إلى الهدف عن طريق الحرب. وفي ظل هذه التجربة يجب تخطيط استراتجية مؤثرة ومعقولة لمستقبل أفغانستان، استراتيجية تسوق أفغانستان نحو الصلح والتفاهم وقبول الآخر بدل الحرب والدمار.

 

للإيضاح :

مؤسسة السحاب، بدأت نشاطها باسم مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي سنة 2000م. كوكالة إعلامية رسمية لتنظيم القاعدة ، وفي بداية الأمر كان خالد الشيخ ( مختار) الذي هو الآن في معتقل جوانتانامو يتولى إدارة هذه المؤسسة.

بدأت السحاب عملها الإعلامي بنشر فيديو رقم واحد عن عملية هجوم تنظيم القاعدة على سفينة ” يو اس اس كول” الأمريكية في خليج عدن سنة 2000 م . في ذلك الهجوم قتل 17 شخصا من طاقم السفينة.

قامت مؤسسة السحاب بعد الهجوم الأمريكي على أفغانستان بنشر خطب أسامة بن لادن، والدكتور أيمن الظواهري، ومصطفى أبو يزيد،
عزام الأمريكي adam yahiye Gadahn كان مديرا لمؤسسة السحاب . وقتل عام 2015 في وزيرستان خلال هجوم من قبل طائرة “درون” . وكان أثناء إمارة طالبان يتولى إدارة مجلة إنجليزية بإسم الإمارة الإسلامية.

سنة 2013م قتل طالب عمر “عادل القميشي” الذي كان مواطنا سعوديا، والذي ظهر كمراسل في مقابلاته مع قادة القاعدة ، في المناطق القبائلية إثر تعرضه وزملائه لهجوم من قبل طائرة “درون” حيث قتلوا جميعا.

بعد ذلك ضعفت مؤسسة السحاب، واستولى عليها غير العرب ولا سيما الباكستانيون، ولا تتوفر فى منشوراتها الكيفية المطلوبة . وهناك أدلة وشواهد على أنها مخترقة من قبل الأجانب، وربما هذا الفيديو مثال على ذلك ، حيث قامت مجلة لانج وارجورنال بنشره.

 

 

بقلم/ عبدالرحيم ثاقب

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

حججٌ واهية لاستمرارالحرب في أفغانستان

 




ثورة شعب وثوار(مجاهدون) مخترقون (2)

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 2

ثورة  شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون

(2)

 

حينما ننتقد الجماعات أو التنظيمات الجهادية (الراديكالية) فهذا لا يعني أننا نقف مع أعدائها ممن يرفع لواء الحرابة لهذا الدين أو يتآمر على قضايا الأمة الإسلامية ،!

وإنما نقوم بذلك لأنها كانت ومازالت للأسف الشديد معول هدم  يفتت عضد الأمة، ويساهم بشكل أو بآخر في الوقوف ضد تطلعاتها وطموحها، ولأنها  فاعل حقيقي في اختراق ثورات الشعوب وعامل في حرف مسارها وإجهاضها، وذلك بسبب خدمتها لأجندات خارجية لاترقب في شعب أو بلد إلا ولا ذمة،  ولأنها قدمت مدخلا مناسبا لاحتلال الشعوب وإذلالها، فالشعب الذي يثور على طاغية أو ظالم له توجهات ليبرالية علمانية أو شيوعية ماركسية، لا يقبل ولايرضى بمثله ذا مرجعية إسلامية،!

فالظلم أي كان مقترفه يسمى ظلما، وكذلك الفسادوالاستبداد والدكتاتورية…إلخ

الثورات قامت قصد التحرر وتحقيق الكرامة لا الرزوح تحت الذل والمهانة أو لتصبح مرتعا لمنظمات التجسس والعمالة الدولية.

حينما ننظر لما سبق من حراك وثورات شعبية في الدول الإسلامية ونحاول قدر الإمكان رصد أزماتها ومشاكلها سنجد معظمها من خلال أيادي خارجية تسللت عبر شعارات براقة وادعاءات كاذبة تدفع الناس للاتجاه الخطأ لتقتات على أشلائهم ودمار بلادهم ، ولن تفلح هذه الثورات حتى تقطع كل يد خارجية تحاول العبث بأهدافها أو حرف مسارها مهما رفعت من شعارات وقدمت من إدعاءات ، الثورة السورية تسللت إليها مجموعات تشكل تنظيمات حملت شعار النصرة والمؤازة فما لبثت حتى انقلبت ثورة مضادة تقذف بحلم الشعب أدراج الرياح،!

ليتحول من جهاد مقدس إلى فتنة لاتبقي ولاتذر، طبيعة المجتمع السوري الكرم وحسن الضيافة فلا يمر غريب أوعابر  سبيل إلا فتحوا له بيوتهم وأطعموه من قوتهم فرحين بصنيعهم أيا كان حسبه أو نسبه، شعب عاطفي طيب القلب سهل العريكة ، مكونات الثورة كلها من رحم المجتمع السوري .. أساتذة .. معلمين .. دكاترة .. مهندسين .. عساكر .. ألوية .. ضباط .. طلبة .. عمال .. الفقراء والأغنياء .. شكلوا مجموعات ثورية بأسماء مختلفة في مناطق متعددة هدفها إسقاط الظلم وإقامة العدل، ومن الطبيعي في هكذا حال أن تحل الفوضى ويصعب ضبط الحدود المتعدد مع دول الجوار، ” الأردن ولبنان والعراق وتركيا ” تنظيم الدولة في العراق فرع لتنظيم القاعدة أرسل الى الأراضي السورية مجموعة بجنسيات متنوعة رافعة خرقة مكتوب عليها “جبهة النصرة” معلنة دعمها للثورة والشعب المظلوم ومبطنة نية الغدر به والالتفاف على قضيته،!

أميرها العام  هو إبراهيم بن عواد المتواجد في العراق (أبو بكر البغدادي) ونائبه أو وكيله في سوريا أسامة العبسي السوري (ابو محمد الجولاني) نشر الجولاني مجموعته التي تحوي ضباطا سابقين في جيش البعث العراقي  في مختلف المناطق المحررة مستغلين ترحيب المجتمع السوري وانفتاحه ، وكان وراء الأكمة ماوراءها ، استقر الجولاني في الشمال مشكلا نواة المركزية ليذهب رفيقه إياد الطوباسي (أبوجليبيب الأردني صهر ابومصعب الزرقاوي) للجنوب فيستقر في درعا وريفها ليستقر أبو أيمن العراقي  في ريف اللاذقية وأبو علي الأنباري في حلب وريفها وغيرهم من القيادات القادمة من العراق وغيره ، وهكذا انتشر هذا التنظيم في مختلف المناطق ليبدأ بعمليات جريئة ضد النظام  لم يألفها الثوار البسطاء مما جعل لهذا التنظيم شعبية بين الناس،!

ليصعب فيما بعد اتهامه أو الشك في مصداقيته،!

وهذا  تكتيك واضح في هذه التنظيمات،!

ثم بدأ التنظيم يستقطب ويجند في صفوفه الشباب الأجانب (المهاجرين القادمين لأداء الفريضة التي أفتى بوجوبها علماء المؤتمر سابق الذكر ) والجيل الناشئ داخل الثورة، بعد مرور أقل من سنة واحدة أصبح التنظيم الدخيل على الثورة السورية يوازي أكبر فصائل المقاومة وأصبح يسيطر على موارد اقتصادية مهمة مثل حقول النفط و مصافي المحروقات وصوامع الحبوب وغيرها مما خسره النظام أمام الثوار ، عند تضخم هذا التنظيم و بلوغه ذروة القوة العسكرية والاقتصادية، وقع الخلاف على النفوذ بين قواده أبو بكر البغدادي ومن هم على رأيه في إعلان مشروع الثورة المضادة “المبيتة” من جهة ومن جهة أخرى أبو محمد الجولاني وأتباعه ممن يرون إعلان ذاك المبيت سابق لأوانه، والحقيقة أن كلاهما يمثل ثورة مضادة غير أن الأخير يمارسها بأسلوب أنعم وأقل حدة، ويتمظهر بصورة شبه “معتدلة” لمن يراها من بعيد ،!

انقسم الطرفان وباتت القوى الكبرى مع المشروع الأول المسمى “داعش” الذي ظهر للجميع على حقيقته وذهب اللبس عمن كان متحفظا عن إتهامه بالغدر والعمالةوالخيانة، الطرف الثاني بقي على اسمه الأول لكن في نسخة جديدة انتقلت من تبعيتها لتنظيم الدولة في العراق إلى تنظيم القاعدة “الذي يتزعمه د.الظواهري” الأصل الذي أنجب الأول أي “تنظيم الدولة” ، وبهذا الانتقال وما ترتب عليه من خصومة بلغت حد التكفير والاغتيالات والاقتتال بين الطرفان راح ضحيته الآلاف من الشباب، حصلت قطيعة بين جماعة الدولة والقاعدة بفرعها الجديد جبهة النصرة، لتدخل الثورة في مرحلة خطيرة  تحولت إلى حرب عشواء عمياء في مواجهة دامية بين ثورة الشعب والثورة المضادة العنيفة داعش.. في هذه المرحلة الحساسة أعاد الجولاني هيكلية تنظيمه النسخة الثانية بتبعيته للقاعدة ،وبدأ بتقوية جبهته مستغلا اسم القاعدة في استقطاب الداعمين والأتباع والمجندين من المهاجرين (عرب وعجم) وأبناء المجتمع السوري .!

بينما أغلب القوى الثورية تستنزف أمام الدواعش ليستغل النظام الفرصة لاسترجاع العديد من المناطق التي خسرها، ليصل الجولاني بتنظيمه “جبهة النصرة” لمرحلة التكافئ في وقت وجيز بنفس البرنامج والنموذج الأول حينما كان تابعا للبغدادي .!

ليبدأ بعدها بتصفية المنافسين والقضاء عليهم سواء من هم داخل تنظيمه أو خارجه واحدا تلو الآخر، نشر الغلو والفكر المنحرف وتدريسه للمنتسبين والمجندين ( دورات شرعية )، تخوين وتسفيه الفصائل المنافسة في الساحة، قتال الفصائل الضعيفة واحدة تلو الأخرى  بحجج واهية وأخذ أسلحتها وذخائرها ( أولها جبهة ثوار سوريا و آخرها لحد الآن حركة نور الدين الزنكي التي  كانت جزء من هيئة الجولاني  قبيل قضائها على حركة أحرار الشام )، اختطاف رهائن لها قيمة اجتماعية ومفاداتها بالأموال ، أخذ الدعم اللوجستي من أموال ومواد إغاثية وسلاح من جهات مشبوهة ومعادية (غرفة الموك الأمريكية ودول خليجية ) ، مع تحريمه على غيرهم وتكفيرهم لمن فعل ذلك، منع المشاركين من أخذ حصصهم في الغنائم ضد النظام (قصد استمرار حاجتهم للتنظيم وعدم الإستغناء عنه) ، السيطرة على المعابر التجارية وفرض الضرائب على الناس  ، عقد صفقات بعضها سرية تضم مبالغ خيالية (مشبوهة)  ، إبعاد وتهميش المخالفين أو تصفيتهم حسيا أو معنويا إما بالقتل أو السجن أو النفي خارج المحرر، اعتماد العمالة المزدوجة مع التحالف الدولي على رأسه أمريكا، وتطويرها لتصبح الجزء الرئيسي من الجهاز الأمني للجولاني وجماعته ،!

الوقوع في العديد من التناقضات الفكرية والعملية، خداع العناصر والأتباع وعدم توضيح مسار الجماعة وأهدافها، بهذا الشكل استطاعت جبهة النصرة أن تفرض نفسها وتثبت وجودها، وبعد انتهاء العمل بتنظيم القاعدة في سوريا وأصبح عائقا أمام الجولاني وزمرته في إكمال مشروعه “القضاء على روح الثورة “والتخلص من  المنافسين، عزم على خلع حذاء القاعدة المهتري، الذي لم يعد يجدي نفعا غير حرقه في معارك ليست ذات قيمة لستراتيجية يذهب وقودها كل من  ليس مؤهلا ليتواجد في المرحلة القادمة.!

قبيل هذه المرحلة أصدر أحد أقطاب القاعدة في جبهة النصرة صرخة أسماها “أنا النذير العريان” وهو أبو فراس السوري المتحدث الرسمي باسم الجولاني قال في مضمونها مامعناه أن الجولاني وزمرته كلما ركبوا قاربا خرقوه ليركبوا غيره،! واصفا ذلك بالاستغلال والخيانة…الخ ،!

لن تفيد تغير الأسماء شيئا ( جبهة النصرة أو فتح الشام أو تحرير الشام ) مالم تتغير المضامين تغيير جذري حقيقي وليس مصلحي إنتهازي،  تارة تعادي داعش وأخرى تدعمها ومرة تعلن التحالف مع الأتراك وأخرى تظهر عكس ذلك، ومثله مع النظام والاكراد PKK ،!

فالإزدواجية لاتبني مشروعا ولا صرحا وإنما تبني ركاما هشا سرعان ماينقض على صاحبه فيهلكه .!

هذا يدل على أن الجولاني وزمرته عصابات متمرسة على الخداع والكذب و المراوغة و براغماتيين، ليس لديهم مبادئ مجرمين في صورة مجاهدين ومفسدين في صورة مصلحين ،استطاعوا اختراق الثورة وتلويثها وحرف مسارها،  بل واستطاعوا خداع المهاجرين وتوريطهم (إلا فئة قليلة من العرب والعجم  قصدوا مساعدة ونصرة الثورة بإستلالية تامة ) في المساهمة ضدها ،  ولاشك أن الثورة سيأتي يوم تحاسب وتحاكم كل من تورط وكان له دور في أذيتها ، وللأسف هم كثيرون ولغوا في الدم الحرام والقتال العصبي الفصائلي المقيت ، فتغيير الأسماء والخرق لا يعني تغير الحقائق أو سقوط المظالم أبدا، مادام المجرم والمذنب هو هو ، ومادامت الأفكار المختلة والمنحرفة هي هي ،!

فلا حل لهؤلاء المتورطين غير النأي بأنفسهم وأعراضهم والخروج من تلك البراثن العفنة المكتضة برجال الاستخبارات الصهيوأمريكية الملتحية، والتي مافتأت تنهش في ثورة الشعب ومازالت…!

وتقديم الاعتذار للمجتمع السوري وتركه يصفي حساباته  مع من تآمر عليه أو خانه وغدر به …

 

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

ثورة شعب وثوار(مجاهدون) مخترقون (2)

 




الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (1)

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة (1)

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي ونهوض إسلام أمة… الجزء الأول

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المقدمة:

بداية مقدمتي سأبدؤها بشعار للسلطان عبد الحميد الذي خاض أصعب مرحلة زمنية في تاريخ الأمة، واجتهد بكل ما يملك للحفاظ على إسلام الأمة لكي  يكون حاضراً، وأطلق شعار “يا مسلمي العالم اتحدوا”، وكان عهده من أكثر أوقات الخلافة العثمانية نجاحاً وصعوبة في الوقت ذاته، في عام 1922 تم خلع أخر سلاطين الخلافة العثمانية، وألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة نهائيّاً في العام  1924م، بعد أن ألغي السلطنة في العام 1922م، كما تكالب المشروع الغربي بقيادة بريطانيا وفرنسا وبمصادقة من الإمبراطورية الروسية آنذاك، ونتج عن هذا التكالب ما يعرف بمعاهدة سايكس بيكو عام 1916م، والتي نتج عنه تقاسم منطقة الوطن الإسلامي بين فرنسا وبريطانيا، في الوقت كانت تفقد الخلافة الإسلامية بقيادة السلطان عبد الحميد الثاني نفوذها وقوتها لأسباب شتى، وتم إزاحة الإسلام كحاكم في الأمة، ونتج بعد ذلك الثورات القومية العربية بعد فشل الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، والذي كان أداة للثورة ضد آخر الملك الإسلامي العضوضي بقيادة الدولة العثمانية، مما نتج فصل الدول العربية عن كيانهم الجامع ألا وهي الخلافة الإسلامية، والتي تدين بحكم الإسلام كاملاً، وأصبحت الأمة الإسلامية مفتتة في أقطار وأمصار خاضعة لمناطق وحدود جغرافية، كل قطر يحرص على مصلحته الشخصية ولا يهتم بحقوق الأمصار الأخرى، وخاصة المجاورة له مما حدا به لاتفاقيات مع أعداء الأمة، ليحقق واقعية حكمه وتمتين الأسرة الحاكمة أو الحزب الحاكم لدولته، فمن هنا برزت الحركات الإسلامية مصطحبة مصطلح الإسلام السياسي، وذلك لتوصيف لحركات تغييرية سياسية؛ والتي تؤمن بالإسلام باعتباره “نظاماً سياسياً للحكم”، وأن الإسلام”ليس عبارة عن دين عبادات أو شعائر فقط، وإنما عبارة عن نظام سياسي، واجتماعي، وقانوني، واقتصادي يصلح لبناء وإدارة  مؤسسات دولة”. ويستخدم المصطلح غالبًا في سياق الربط مع الحركات التي تمثل القوى السياسية الحالية باسم الإسلام، والتي نشأت في نهاية القرن العشرين، إلا أن العدو يراقب؛ ويتابع واقع الأمة المسلمة، ويعي حقيقة الصراع، ويتوعد الأمة بشرذمتها وتفريقها، ويتعهد مع أحلافه أن لا يعود الإسلام بشموليته ورحمته وعدله وقدرته للمحافظة على مقدرات الأمة، مازالت الحملات التترية والصليبية تتوالى على الأمة الإسلامية، بقيادة صهيونية عالمية وبأداة أمريكية صليبه، وبشرائع إنجيلية توراتية مزورة ومحرفة تدعم اليهود لاحتلال الأمة، وتدعم العدو الصهيوني لاحتلال مقدسات الأمة، والأمة في غياب تام بل تتجاهل عدوها لترتمي بأحضانه ليكون لها حامي لعروشها وممتلكاتها حتى لو أخذ أعز ما تملك ألا وهو دينها.

محطات للمفهوم الأمريكي للاعتدال الإسلامي (قراءة في تقرير راند 2007م) :

المحطة الأولى: صدور كتاب عام 1999م، أي: قبل أحداث سبتمبر بعامين بعنوان (مواجهة الإرهاب الجديد)، حاول الكتاب أن يجيب عن سؤال عمّا إذا كان (الإرهاب الجديد) يشكل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة تحديداً أم لا؟ وأشار الكتاب إلى أن خطر الإرهاب الجديد سيتركز في منطقة الوطن العربي، وسيهدد مصالح كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

المحطة الثانية: أصدر في عام 2004م تقرير بعنوان (العالم المسلم بعد 11/9) يبحث التفاعلات والديناميات المؤدية إلى حدوث التغيرات (الدينية -السياسية) التي يشهدها المسرح الإسلامي الراهن بهدف إمداد صانعي السياسة الأمريكية برؤية شاملة عن الأحداث والتوجهات الواقعة حالياً في العالم الإسلامي. قدم البحث في محوره الأول خريطة شاملة للتوجهات الفكرية في المناطق المختلفة في العالم الإسلامي، مشيراً إلى أن المسلمين لا يختلفون فقط في الرؤى الدينية، بل يختلفون أيضاً في الرؤى السياسية والاجتماعية، مثل: الحكومة، والقانون، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والتعليم. وحاول التقرير أن يصنع مساواة مفتعلة بين الإسلام (المعتدل) وبين (العَلْمانية)، ويقسم العالم الإسلامي تقسيماً قسرياً؛ حيث يتم مثلاً تعريف منطقة معينة في العالم المسلم في كونها (سلفية)، وأخرى (راديكالية) أي تتبني الجهاد، وثالثة (معتدلة). وتناول الجزء الثاني من البحث الخلافات القائمة بين المسلمين بعضهم مع بعض، مع تركيزه على خلافين أساسيين هما (الخلاف السني- الشيعي)، و(الخلاف العربي- غير العربي)؛ حيث يخلص إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تثبت ولاءها للشيعة العراقية لصدِّ المد الشيعي الإيراني رغم صعوبة ذلك.

المحطة الثالثة: صدر في عام 2005 تقرير بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات)، ويخلص التقرير أنه لا يمكن إحداث الإصلاح المطلوب من دون فهم طبيعة الإسلام في المنطقة؛ الذي يقف سداً منيعاً أمام محاولات الهيمنة والسيطرة على الأمة، وأنّ الحل يكمن في النظر إلى المسلمين عبر أربع فئات، هي: مسلمين أصوليين، مسلمين تقليديين، مسلمين حداثيين، ومسلمين علمانيين. أما فيما يتعلّق بالأصوليين يقول التقرير”يجب محاربتهم واستئصالهم والقضاء عليهم، وأفضلهم هو ميّتهم لأنّهم يعادون الديمقراطية والغرب، ويتمسكون بما يسمى الجهاد وبالتفسير الدقيق للقرآن، وأنهم يريدون أن يعيدوا الخلافة الإسلامية، ويجب الحذر منهم لأنّهم لا يعارضون استخدام الوسائل الحديثة والعلم في تحقيق أهدافهم، وهم ذوو تمكُّن في الحجّة والمجادلة. ويدخل في هذا الباب السلفيون السنة، وأتباع تنظيم القاعدة والموالون لهم والمتعاطفون معهم، و(الوهّابيون)”، كما يقول التقرير. وفيما يتعلق بالتقليديين يقول “يجب عدم إتاحة أي فرصة لهم للتحالف مع الأصوليين ويجب دعمهم وتثقيفهم؛ ليشككوا بمبادئ الأصوليين وليصلوا إلى مستواهم في الحجّة والمجادلة، وفي هذا الإطار يجب تشجيع الاتجاهات الصوفية ومن ثم الشيعية (يقول ابن خلدون: لولا التشيع لما كان التصوف)، ويجب دعم ونشر الفتاوى (الحنفية) لتقف في مقابل (الحنبلية) التي ترتكز عليها (الوهابية) وأفكار القاعدة وغيرها، مع التشديد على دعم الفئة المنفتحة من هؤلاء التقليديين”. وأوصى التقرير بأهمية أن: “ندعم التقليديين ضدّ الأصوليين لنظهر لجموع المسلمين والمتدينين وللشباب والنساء من المسلمين في الغرب ما يلي عن الأصوليين: دحض نظريتهم عن الإسلام وعن تفوقه وقدرته، إظهار علاقات واتصالات مشبوهة لهم وغير قانونية، التوعية عن العواقب الوخيمة لأعمال العنف التي يتخذونها، إظهار هشاشة قدرتهم في الحكم وتخلّفهم، تغذية عوامل الفرقة بينهم، دفع الصحفيين للبحث عن جميع المعلومات والوسائل التي تشوه سمعتهم وفسادهم ونفاقهم وسوء أدبهم وقلّة إيمانهم، وتجنب إظهار أي بادرة احترام لهم ولأعمالهم أو إظهارهم كأبطال وإنما كجبناء ومخبولين وقتلة ومجرمين؛ كي لا يجتذبوا أحداً للتعاطف معهم”.

المحطة الرابعة:  دراسة بعنوان (ما بعد القاعدة)، وهي تقع في مجلدين: الأول حول حركة الجهاد العالمية، والثاني عن الحلقات الخارجية لعالم الإرهاب. تبحث الدراسة في أربعة مباحث رئيسة: المبحث الأول عن القاعدة: العقيدة، والإستراتيجية، والتكتيك، والتمويل، والعمليات، وتغير الأشخاص، والمستقبل المحتمل، أما المبحث الثاني: فهو عن الجماعات الجهادية التي تبنت نظرة القاعدة العالمية، والتي ليست مرتبطة رسمياً بتنظيم القاعدة، والمبحث الثالث: حول الجماعات الإرهابية الإسلامية وغير الإسلامية والتي ليس لها أي صلات معروفة بالقاعدة، ولكنها تهدد المصالح الأمريكية والأصدقاء والحلفاء؛ كحماس وحزب الله، وغيرهما، أما المبحث الأخير فهو عن الرابطة بين الإرهاب والجريمة المنظمة، ويتضمن ذلك طرق استعمال الإرهابيين للمنظمات الإجرامية في تمويل نشاطاتهم. تدعو الدراسة الولايات المتحدة الأمريكية إلى توسيع الجهود بشكل كبير لتقويض الدعم للقاعدة وخاصة من داخل الدول الإسلامية، وتقول: “إن نجاح مكافحة القاعدة (الجهاد العالمي) يتم من خلال مهاجمة العقيدة الجهادية العالمية، وقطع الصلات بين الجماعات الجهادية، وتعزيز قدرات دول المواجهة إلى مواجهة تهديدات الحركات الجهادية”، كما يقول التقرير: “إن العقيدة الجهادية تواصل الانتشار وتلقى مزيداً من القبول في العالم الإسلامي، وهذا سينتج إرهابيين أكثر يجددون صفوف القاعدة، وإذا تم الطعن في هذه العقيدة ومصداقيتها فإن القاعدة ستنزوي وتموت”. يؤكد التقرير أن طرق مكافحة الإرهاب التقليدية لا تكفي لهزيمة القاعدة، ويجب فهم أن الصراع مع القاعدة صراع سياسي وعقدي، ويقول التقرير “الحركة الجهادية العالمية حركة أيديولوجية متطرفة.. والحرب عليها في أبسط مستوى يكون بحرب الأفكار”، والهدف من ذلك كما يقول التقرير هو منع القاعدة من استغلال الخطاب الإسلامي والخطاب السياسي والذي استخدمته بكل براعة. يرى التقرير أن تقويض العقيدة الجهادية العالمية من الخارج أمر صعب؛ فالقاعدة قد عبأت المسلمين ضد الغرب، لكن ليس كل الجماعات الجهادية تتفق مع القاعدة في النظرة العالمية؛ ولهذا السبب تدعو الدراسة الولايات المتحدة إلى قطع الصلة بين الجهاد العالمي والجهاد المحلي، وذلك بنشر وتأكيد الاختلافات بين حركة الجهاد العالمية (القاعدة)، وبين حركات الجهاد المحلية التي لا تهدد الغرب، ومن المهم تأكيد وإبراز أن الدولة الإسلامية التي تسعى القاعدة إلى إقامتها ستستبعد التيارات الإسلامية الأخرى، وبالإضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة ستسعى إلى القضاء على الجماعات الإرهابية، وتعزيز قدرات الحكومات الحليفة والصديقة للتعامل مع التهديدات الإرهابية، لكن بصفة استشارية بتوفير مجال جمع البيانات والتحليل والتقرير.

المحطة الخامسة: صدر في عام 2007 تقرير بعنوان: بناء شبكات مسلمة معتدلة، يوصي التقرير أن تدعم الإدارة الأمريكية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الإسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيارات الإسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بأنها (تيارات متطرفة)، كما يؤكد التقرير على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلامية، وأن يكون هناك اختبار للاعتدال بالمفهوم الأمريكي يتم من خلاله تحديد من تعمل معهم الإدارة الأمريكية وتدعمهم في مقابل من تحاربهم وتحاول تحجيم نجاحاتهم والعمل على احتواء نهضة الأمة الإسلامية، كما يرى التقرير أهمية استعادة تفسيرات الإسلام من أيدي التيار الإسلامي وتصحيحها! حتى تتماشى وتتناسب تلك التفسيرات مع واقع العالم اليوم وتتماشى مع القوانين والتشريعات الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا المرأة. يؤكد التقرير أن هذا التعريف للاعتدال هو من أهم ما يمكن أن يساهم به التقرير في خدمة السياسة الأمريكية، وأن على أمريكا أن تدعم فقط الأفراد والمؤسسات التي تندرج تحت مفهوم الاعتدال بالتفسير الأمريكي له، والمقدم في هذا التقرير. * ما مفهوم الاعتدال الأمريكي؟ تشير الدراسة إلى أن نقطة البدء الرئيسة التي يجب على الولايات المتحدة العناية بها في بناء شبكات من المسلمين المعتدلين تكمن في تعريف وتحديد هوية هؤلاء المسلمين، وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أنه يمكن التغلب على صعوبة تحديد ماهية هؤلاء المعتدلين من خلال اللجوء إلى التصنيفات التي وضعتها بعض الدراسات السابقة التي قام بها بعض باحثي معهد (راند)، ولهذا الغرض فقد وضعت الدراسة بعض الملامح الرئيسة التي يمكن من خلالها تحديد ماهية الإسلاميين المعتدلين، أهمها ما يلي:

1 -القبول بالديمقراطية: يعتبر قبول قِيَم الديمقراطية الغربية مؤشراً مهماً على التعرف على المعتدلين؛ فبعض المسلمين يقبل بالنسخة الغربية للديمقراطية، في حين أن بعضهم الآخر يقبل منها ما يتواءم مع المبادئ الإسلامية؛ خصوصاً مبدأ (الشورى) ويرونه مرادفاً للديمقراطية. كما أن الإيمان بالديمقراطية يعني في المقابل رفض فكرة الدولة الإسلامية.

2 -القبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين: وهنا تشير الدراسة إلى أن أحد الفروق الرئيسة بين الإسلاميين المتطرفين والمعتدلين هو الموقف من مسألة تطبيق الشريعة. تؤكد الدراسة أن التفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان، وتدلل الدراسة على ذلك من خلال مقال للكاتب السوداني (عبد الله بن نعيم) قال فيه بأن الرجال والنساء والمؤمنين وغير المؤمنين لا يمتلكون حقوقاً متساوية في الشريعة الإسلامية.

3 -احترام حقوق النساء والأقليات الدينية: وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أن المعتدلين أكثر قبولاً بالنساء والأقليات المختلفة دينياً، ويرون بأن الأوضاع التمييزية للنساء والأقليات في القرآن يجب إعادة النظر فيها؛ نظراً لاختلاف الظروف الراهنة عن تلك التي كانت موجودة إبَّان عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

4 -نبذ الإرهاب والعنف غير المشروع: تؤكد الدراسة هنا على أن الإسلاميين المعتدلين يؤمنون كما هو الحال في معظم الأديان بفكرة (الحرب العادلة)، ولكن يجب تحديد الموقف من استخدام العنف ومتى يكون مشروعاً أو غير مشروع؟ * اختبار الاعتدال؟ يضع التقرير 11 سؤالاً تشكِّل في مجملها المحددات الرئيسة لوصف الاعتدال المقترح التي تتبناه الإدارة الأمريكية، وهي مقياساً للاعتدال، وأن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان الفرد أو الجماعة يمكن أن يوصف بالاعتدال أم لا.

التحليل للمواجهة والمكاشفة:

إن ما يقوم به العدو المركزي من شن هجماته العسكرية والأمنية والسياسية والفكرية هي هجمات إرهابية منظمة، ويعي ما يريده العدو؛ إن كان في حرب عسكرية تقتل الإنسان المسلم وتمزقه وتحرقه، أم حرب الأفكار الباردة التي يتعاطى ويتماهى المسلم مع أفكار العدو المركزي أو تضمن أنه متساوق معها لدرجة التبعية، وعليه يسعى لأمرين هامين: تقسيم الأمة فكرياً، وجغرافياً؛ لكي يستطيع أن يوجه إدارته السياسية للنيل من جميع المتخاصمين والمتقاتلين، وتحت التحالفات الإقليمية والدولية والأمنية، وممارسة الضغط والتخويف والإرهاب المنظم من طرف العدو المركزي على الشعوب وفئاته، والتي أصبحت تطالب بأدنى حقوقها وهي توفير المأكل والمشرب، وقد نسيت في الوقت نفسه الانعتاق والتحرر من هيمنة الإرهاب المنظم بقيادة العدو المركزي للأمة الإسلامية، والذي يمثله الصهيوصليبية والمتمثل باليهود وحلفائها، وهي التي تحرمها من تحررها ونهضتها من جديد وتحرمها من خبزها ومشربها.

 ومن هنا بعد انهيار الحكم العضوضي للإسلام متمثل بالدولة العثمانية، ونشوء القوميات وظهور العدو المركزي للأمة؛ الذي لا يختلف عليه إلا متساوق معه أو منتفع منه أو عميل له، بدا تشكيل الجماعات الإسلامية مطالبة باستئناف الشريعة الإسلامية، كمنهج حياة ومن خلال إصلاح الإنسان بواسطة التعاليم والقيم الإسلامية، ومن ثم الانتقال لإصلاح المجتمع للانطلاق به لإصلاح مؤسسات الدولة، وبعد التصادمات بين الإسلاميين والحكومات والصراعات على الحكم، والتي شهدتها الأمة خلال القرن الماضي؛ تمت المراجعات من قبل الحركات الإسلامية مما حذا بها لتشكيل فهم الإسلام السياسي، والتي يعيش مع فكرته والتي لها مقاييس ومعاير التنظيم الفكري من خلال الفكر النخبوي، والذي أقصى ما يتمناه أن يكون بالسلطة هو ونخبته من عناصر التنظيم لتحقيق بعض المكاسب التنظيمية، بعيداً عن استكمال الدائرة في الولوج الكامل مع الجماهير؛ ليعيش قضية الشعب من فقر وجوع واستبداد وظلم له، فعاش بين فكرته وطموحاته التي لا ترتقي بأن تكون له الولاية التامة على شعبه، ولم يخض معركة التحرير الكاملة الشاملة بكل مكوناتها التحررية، فلذا أخطأ بانعزاله عن الأمة؛ ولم يستطع أن يصنع ممارسة تكون الأمة حاضنة له، كما أنه ما زال الإسلام السياسي يعاني كيفية الخروج من فكرته، والتي أدمن الانحسار عليها ولا يقدم دعوة مفتوحة وعامة تجسد روح الإسلام التي تتعانق مع الشعوب والجماهير، والذي لا يعرفه الإسلام السياسي أنه مازال يعيش حقبة الملك الجبري، ولم يتحرر منها إلا بالرجوع للإسلام على طريقة رسولنا محمد r كما سيأتي ذكره، مما تقدم طرح الإسلام السياسي أدى لعقم فكري مقيد بفكرته الذي دعا للتنظيم قبل الإسلام، ولم يجعل تحقيق الإسلام في الأمة ديناً وسياسةً وجهاداً، ولم يسعى لتوجيه معركة التحرر للعدو المركزي بكل المكونات، والتي تشمل الأمة في جهاد كبير؛ للانعتاق من حقبة تترية صليبية حاقدة على الإسلام والأمة المسلمة…يتبع

الحواشي:

  1. Krämer, Gudrun. “Political Islam.” In Encyclopedia of Islam and the Muslim World. Vol. 6. Edited by Richard C. Martin, 536–540. New York: Macmillan, 2004. via Encyclopedia.comنسخة محفوظة 13 يوليو 2018 على موقع واي باك مشين.
  2. ^Al Jazeera Arabic قناة الجزيرة، في العمق – الإسلام السياسي في عالمنا العربي، اطلع عليه بتاريخ 14 يناير 2019
  3. تعدى إلى الأعلى ل:أب Voll، John O.؛ Sonn،  “Political Islam”. Oxford Bibliographies Online Datasets (باللغة الإنجليزية). doi:10.1093/obo/9780195390155-0063.
  4. “كيف ظهر “الإسلام السياسي” وماهي أهدافه الحقيقية؟”. aljazeera net . اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2018.
  5. “ماذا بقي من الإسلام السياسي والجهادي بعد الربيع العربي؟ – جريدة الشرق”. al-sharq com. اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2018.
  6. http://iswy co/e116v3

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي و نهوض إسلام أمة... الجزء الأول

 




ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون 1

ثورة  شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون

(1)

الإنسان العاقل  إذا عرض  له أمر من الدنيا أو الآخرة تبين خلفياته وخلفيات من عرضه عليه وأهدافه مما عرض …وأسباب ذلك ومآله ونتائجه ثم قرر قبولا أو رفضا بعيدا عن العواطف والحماس والإندفاع….

وللأسف الشديد كان عكس ذلك حال كثير من أبناء المسلمين..وانا أحدهم.. سلموا عقولهم وقلوبهم لمن ظنوا أنهم أهل حل وعقد مستقلين عن التجاذب السياسي العفن…

كنا مثل جميع المسلمين نتابع أحداث الربيع العربي وميلانه تارة لصالح الثائرين وأخرى ضدهم. كل منا في موقعه ومجاله منا من  كان في الدراسة ومنا من كان في عمله يعيله أهله ومن هم تحت مسؤوليته. مراقبين حال الثائرين وسائلين الله أن يمضيه (الربيع العربي ) على خير يرزق العباد خيره ويكفيهم شره وشر كل ذي شر..!

إستحر القتل والعنف في الثورة السورية اليتيمة وبلغت ذروتها وكادت الكفة تميل لصالح الشعب السوري الثائر رغم شدة المواجهة التي لم تحايد طفلا ولا شيخا ولا امرءة.

دفع المجتمع السوري ثمن مطالبته بالحرية والكرامة.

وكان ثمنا باهضا من آلاف الشهداء ومثلهم من المخطوفين والمعتقلين وأضعافهم من المهجرين والنازحين…. مأساة القرن كما وصفت …

حققت ثورة الشعب تقدما أذهل الجميع (بمعدات بسيطة وتقليدية جلها من خسائر النظام )وأضحى النصر قاب قوسين أو أدنى رغم شراسة المعركة مع الجيش المدعوم بميليشيات لبنانية (حزب الله ) وإيرانية. (خليط من الحرس الثوري وفصائل اخرى) .

أبلى الشعب السوري ذا النخوة والشهامة والإقدام بلاءا حسنا بصبر وجلد نسائه وأطفاله وشيوخه قبل شبابه وذلك لإيمانهم بعدالة قضيتهم ضد الظلم والإستبداد والجبروت والطغيان الذي وصل له النظام البعثي مع شعبه الأعزل الذي كانت تكفيه بعض التعديلات الفعلية في الدستور السوري مما يرفع الحيف عنهم…!

لا شك كلنا عشنا معهم الألم والأمل وهذا أقل مايمليه الضمير الإنساني وهذا ماتجسده مبادئ ديننا الحنيف… وهنا لابد من التأكيد أنني لا أخلع على ثورة الشعب ثوب القداسة وأعطاف العصمة ولا أصفهم منزهون لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون.

ولست أنكر بعض الموروثات والأمراض التي تلوثوا بها عقب نصف قرن من حكم البعث النصيري المفسد والمستبد. فالمستبدون الدكتاتوريون عادة مايبدؤن بتدمير عنصرين رئيسيين في المجتمعات التي يريدون تدجينها وسحق عناصر رقيها ومقاومتها وهما ( الدين والأخلاق ).!

فليس لمريض أن يتعافى من مصابه تماما المعافات في شهور أو بضعة سنين.! غير أنه يستطيع أن يتخلص من أكبر داء (فساد النظام ) و رأس المرض اذا ركز عليه بشكل مباشر ولم يشغل بغيره .! وكان هذا حال ثورة الشعب السوري بداية الأمر…!

ولكن للأسف غالبا ما يتم استخدام عواطف المسلمين ضد مصالحهم.! فكانت الدعوة العامة للمؤتمر الذي أقامه إتحاد علماء المسلمين 2013\6\13 برئاسة الشيخ يوسف القرضاوي شافاه الله. بعد  سنتين خلو من عمر ثورة الشعب السوري.!

حضره  ممثلوا ما يزيد عن 76 رابطة أو منظمة إسلامية في العالم الإسلامي على رأسهم دعاة من السعودية والخليج  ودول الشرق الأوسط والمغرب العربي. مثل الأخيرة مجموعة من دعاة السلفية الجهادية الذين كانوا حدثاء عهد بالسجون المغربية.!

أولهم الشيخ الحسن الكتاني من مدينة سلا والشيخ محمد الفيزازي من طنجة وآخرين من مدن أخرى  لم يتصدروا الإعلام.! تمخض المؤتمر في وقت قياسي (ضمن سياق لايدل إلا على أنه “أمر دبر بليل” ) ليعلن عن بيان ختامي موجه بدرجة أولى للشعوب الإسلامية.!

“مفاده “وجوب النفير العام  نصرة للشعب السوري  جهادا في سبيل الله بالنفس والمال والسلاح” ثم بعض النقاط التالية مثل التوسل للمجتمع الدولي وفي مقدمته أمريكا لرفع الظلم عن الشعب السوري.! والدعوة إلى مقاطعة اقتصادية وسياسية للدول الداعمة للنظام السوري في مقدمتها إيران _ و روسيا _ و الصين.!

وحالهم المثل العربي القائل؛ المستجير بعمرو حال كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار… قدم لهذا البيان الختامي بمجموعة من الكلمات المقتضبة من مشايخ ودعاة  يمثلون الحضور الكريم. والتي أقل ما توصف به أنها… تدعوا لتأجيج الطائفية بين السنة والشيعة… مما يجعل البلد عرضة للتقسيم والتمزيق على عدد الطوائف المتصارعة سنة +شيعة نصيرية +دروز + أكراد +نصارى… وتمررتحت الغطاء مشروع صهيوأمريكي بحت. سواء بقصد أو بدون قصد .!

طبعا سوق المشاركون لمخرجات المؤتمر إثر عودتهم إلى بلدانهم  ثم أخلدوا للراحة بعد العناء ! وعلى حد علمي لم أسمع ولم تر عيني أحدهم نفر بنفسه وحمل السلاح ولا جاد بخالص أمواله .! لا من قريب ولا من بعيد ولسان حال الكثير منهم قول المتنبي؛  ماكل مايتمنى المرء يدركه * تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .!

وذاع صيت ذلك البيان المفعم بالعاطفيات والسداجة السياسية مغامرا  بأبناء الشعوب المتحمسة (إلى تحقيق مبدئ النصرة والمؤازرة الأخوية) فكان عدد الضحايا المغرر بهم يفوق عشرات الآلاف تحجب أعينهم العاطفة الخرقاء والأيديولوجية العوجاء .

السواد الأعظم منهم ينتسب للدول العربية توافدوا من دولهم الأصلية أو دول المهجر المقيمين فيها ومثلهم من الأعاجم من دول العالم  وذلك بتسهيل ومساهمة متعمدة ومدروسة فيما يبدوا من الدول الإسلامية وغير الإسلامية للزج بهم في محرقة سوريا .!

و ياليت هؤلاء المشايخ والدعاة والعلماء وقفوا وقفة شبيهة بالأولى عندما رأوا  أن الوجهة لم تكن صحيحة أو أنهم تورطوا وورطوا الشباب …فيما لا طائل من ورائه إلا مصالح العدا على أشلاء الضحايا مخلصي النوايا …فينادوا بوقف سيل الدماء او إنقاذ ما تيسر ممن علق  فيما لا تحمد عقباه .!

بل جلهم إلا من رحم الله حالهم …صم بكم عمي… لماذا يا ترى! هل هذه هي أمانة العلماء والمشايخ المتحدثين بإسم الشعوب الإسلامية؟ بل بعضهم كان ولا يزال على نقيض المتوقع .! يدعوا الشباب على الثبات والرباط والجهاد بينما هم على الأريكة جنب زوجاتهم في رغد العيش وتحت سقف الأمن الوطني.!؟

ولما قام مجموعة من الشباب المغاربة بطرح مبادرة لحل ملف العودة لبلادهم بعد أن صدموا بحقيقة المؤامرة على دمائهم وتضحياتهم إنبرى لهم بعض مشايخ السلفية الجهادية أمثال الشيخ عمر الحدوشي حفظه  الله يصفهم بالمسالمين للطواغيت والمنتكسين وغيره من الكلام الغير منضبط لاشرعا ولا عقلا ولم يكلف نفسه عناء التواصل معهم بشكل مباشر ليفهم وجهة نظرهم لعله يجدلهم عذرا او محملا كعادة قضاة الشريعة .!

وكذلك سلفه الشيخ الحسن الكتاني  هداه الله يدعوا الشباب للثبات والمكوث في أرض ( الجهاد ) المحرقة التي خلف فيها المهاجرون آلاف النساء بلا معيل ولا كافي  إلا الله سبحانه ثم بعض فتات الجمعيات الخيرية غير الإسلامية.!

والشيخ الفهيم  الملقب ابو محمود الفلسطيني (التونسي الأصل) المقيم في لندن جوار بني الأصفر ! يصف أصحاب المبادرة  بالمنحرفين المنتكسين وداعيا بأن يسجنوا او ينفوا من المحرر بلا خجل من حاله  ولا وجل مما قد يترتب على كلامه من هدر الدماء والإعتداء وقد حصل.

متناس هموم الشباب وأخبار اللواتي قصصهن تدمي القلب الذي مات من كثرت الهموم والأحزان. على سبيل المثال إحداهن تعاقب عليها 7 أزواج كلما قتل او طلقها واحد إرتمت في حضن آخر  بما تحمل وتنجب من أطفال بجنسيات مختلفة ولو وجدت أهل الخير غير الطامعين في المنفعة والمصلحة لما اطرت لذلك.!

وغيرهن من أسرى الحرب اللواتي صرن غنائم ( سبايا ) المعارك (العربيات والأعجميات عند قوات سوريا الديمقراطية و البيشمركا ) تباع إحداهن لمن يعتقها بآلاف الدولارات إن وجدت من يعتقها.! حتى صرن بضاعة تسام على غرف الدردشات ويتوسل بهن لجمع المساعدات التي لا تغن ولا تسمن من جوع …!

قد يقول أحدهم أنهن نساء دواعش ولا علاقة لنا بهن.! طيب وغيرهن اللواتي من غير داعش من عوائل وأسر لاتجد مصاريف عودتهم من الجهاد الذي أفتيتم ووقعتم عن الله  بوجوبه على الحر والعبد والنساء والرجال حتى رأينا من النساء من هربن عن أزواجهن بدعوى انهم لا يريدوا النفير للجهاد.!

فنفرن بأنفسهن تاركين  أطفالهن خلفهن لكي لا يكن من المنافقين الذين خذلوا الجهاد والنفير العام…؟! وغيرهن من العالقات وحدهن “بلا محرم” ومن هن رفقة أزواجهن لا يجدون تكلفة الرجوع (التي تحمر لها أنوف المشايخ )  لأوطانهن.

هؤلاء تحت مسؤولية من ياشيوخ السنة…لا عليكم لهن الله لن يضيعهن…؟! من المستفيد من حرق أبناء المسلمين في معارك مفتعلة لصالح الدول العظمى.!؟ هل عدم الخوض في الفتن واجتناب الدم الحرام أو المشبوه انتكاسة أم تولي يوم الزحف أم علامة على النفاق  والفسوق.!؟

هذه الأعداد الضخمة من المتطوعين للجهاد في سوريا  تقاسمتها فصائل الثوار المخترقة لمختلف الإستخبارت الدولية.! وكان للدولة الإسلامية(داعش) نصيب الأسد من ذلكم  الشباب الذي حول (عن سبق إصرار وترصد ) خنجرا مسموما في خاصرة ثورة الشعب التي كادت أن ترفع لواء النصر “مجتمعة”على طاغية الشام .!

والجدير بالذكر ومما يثير حفيظة المتابع أنه ضمن المؤتمر آنف الذكر كان هناك عدد من الفاعلين ذكروا ونبهوا على أن هذه الإطلاقات قد تضر بثورة الشعب السوري… وانه يجب إستحضار التجربة الأفغانية وضحاياها ممن لوحقوا فيما بعد تحت مسمى الإرهاب و أكدوا أن الثورة لاينقصها العدد البشري أصلا وإنما هي في حاجة لدعم سياسي ولوجستي لاتضخيمها بمختلف الأفكار مما يجعلها عرضة للتشظي والتفرق..!

ولكن للأسف لم تؤخذ هذه النصائح والتحذيرات بعين الإعتبار وتم تجاهلها بشكل مريب .؟! في تصوري وماشهدته بنفسي فترة تواجدي في الثورة لمدة تقارب 6سنوات رأيت إختراق ثورة الشعب السوري ومحاولة إجهاضها على مرحلتين…

الأولى الثورة المضادة الظاهرة او العنيفة  متمثلة في تنظيمات راديكالية مثل الدولة الإسلامية(داعش) وقوات  سوريا الديمقراطية (pkk) هذا النوع ظاهر للعموم بفاعل الإعلام والأحداث المؤلمة التي بلغت كل حدب وصوب…

الثانية الثورة المضادة الناعمة او الخفية المتمثلة في الجماعات والتنظيمات الأقل راديكالية من التي سبق ذكرها  او مايروج لها “بالمعتدلة” المتواجدة ضمن الثورة…!؟

وهذه محل نظرنا في الحلقة القادمة ان شاء الله.

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

ثورة شعب و ثوار ( مجاهدون ) مخترقون




هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟

هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟ 

معظم العناصر المقربة لدى الجماعات ( الجهادية ) وقياداتها وليدة السجون التعسفية والمعتقلات الغير إنسانية. وهذا مما يؤكد أن القسوة والشدة غالبا ماتنتج مثيلهما كما ونوعا…

وهذا أمر يظهر جليا في مواقف وممارسات هذه الشخصيات في واقع المجتمعات المتواجدة فيها.! نجد ضمن  أدبياتها التنديد بالظلم (الحكرة) والاستبداد ومارأته من تعذيب جسدي ونفسي وغير ذلك من معاناتها ومايعتري نفسيتها من شعور بضرورة الإنتقام والأخذ بالثأر أو المفاصلة الأبدية على أقل الأحوال حتى في الحياة الطبيعية التي من المفروض أن تكون بعيدة عن التشنجات النفسية فتجد أحدهم إذا كان هناك مسلم يود مشاركته في عمل دنيوي او أخروي سواء.

بدأ معه (سلسلة بنت سليسلة) من الإمتحانات العقدية والفكرية والمواقف السياسية ليتبين صدق عريكته… وكذلك  إحداهن إذا عرض عليها أحدهم الزواج يكون او سؤال عنه وعن حاله هل أنت صاحب ( منهج ) بمعنى هل تعاني مانعانيه ( أزمات نفسية ) فإن كان من نفس الفصيلة فبها ونعمة وإلا فلست أهلا للإرتباط. وقس على ذلك سائر المسائل  الإجتماعية ..!

يصبح المعيار عند هذه الفئة  (الموافقة او المواءمة الفكرية) ولايكفي أن تكون مجرد مسلم ينطق الشهادتين ويحافظ على الصلوات الخمس ومهذب السلوك.

بل يجب أن تحقق ركن من أركان الفكر ( السلفي الجهادي ) الكفر بالطاغوت وفق تصورهم فتعلن رأيك في كل ما يطرح لك من مسائل أي كان نوعها فقهية كانت أو عقدية أو فكرية لكي تثبت عدالتك .! أو تكون لك سابقة سجنية تدل  (تزكية) على سلامة المنهج لديك.!

أما دون ذلك فتظن بك الظنون.!

ناهيك عن النظرة الدونية للمجتمعات الإسلامية بدعوى أنهم أخلدوا للراحة على حساب الدين ( ضعف الإلتزام ) والانتصار للمظلوم.!

فهم الإخوة الخواص وغيرهم العوام!

وهم المجاهدون وغيرهم القاعدون!

وهم أنصار الشريعة وغيرهم خاذلي الشريعة !

وهلم جرة من الثنائيات العجيبة .

وإن كان هذا لا يظهر بلسان المقال صراحة ( إلا عند فئة قليلة ) ولكنه يبرز جليا على لسان حالهم عند الاحتكاك والملامسة عن قرب والله المستعان … بينما الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

أن البلاء والمحن والمصائب لم تقع ولم يتضرر منها غير هاؤلاء المسلمين المساكين الذين لم تنتكس فطرتهم ولم تتلوث أفكارهم بأولئك (الوكلاء) المتطوعين (في سبيل الله) بلا مقابل ولو لحفظ اعراضهم..!

في إحدى الأيام إثر معركة من معارك ريف اللاذقية دار حديث بيني وبين قائد ( مهاجر ) من قواد جبهة النصرة آنذاك (قبيل التدخل الروسي المباشر سنة 2015) وهو الأخير حول مفهوم الأمة والعمل المشترك مع جميع أبنائها وضرورة تجاوز الحزبية وأن هذه التنظيمات جزء من الأمة السورية فلا ينبغي أن تسلب حقها في الرأي والعمل الجماعي لمصالحها ولا تمارس الوصاية عليها خصوصا أن هذا (جهاد) شعب بكامله يحمل مختلف المستويات علميا وفكريا وعسكريا واجتماعيا وفيه من الخير الكثير ..!

فقال نعم ولكن نحن طليعتها و يجب أن تكون خلفنا نوجهها لأننا أعرف بأعدائها والمنافقين فيها ..!

نحن لانقصيها

ولكن نقويها حتى يشتد ساعدها فهي لم تعتاد الجهاد ومقارعة الطواغيت أشعرني وكأننا داخلين دمشق خلال ساعتين وبعدها القدس الشريف بينما جميعنا حذر من تساقط قذائف الهاون الطائشة .!

ثم تابع حديثه هل نرضى أن يؤمنا عوام أو مرجئة  أودعاة الحداثة والدولة المدنية ؟

طبعا الجواب ….؟

أليست هذه العقلية وهذا النمط من التفكير عائق كبير في اندماج هذه الفئة ومشاركتها مع فعاليات الأمة الطامحة في التغير والإصلاح …؟

فلما سألت عن شخصه علمت انه أحد خريجي السجون العربية فعلمت من أين اتي الرجل.!

فهؤلاء حقيقة نشؤوا وتربوا في ظروف  مشحونة جدا فمن الطبيعي أن تنعكس على ممارساتهم الحياتية.. وهم في حاجة للعلاج النفسي والفكري أولا  مما يضمن سهولة  اندماجهم في المجتمع بدل تسليطهم على رقاب المسلمين بما يحملوا من عقد وصراعات نفسية.!

نذكر على سبيل المثال.

الصف الأول لتنظيم الدولة (داعش ) قد نشأ وتكون في سجن بوكا وسط صحراء أقصى جنوب العراق الذي حشرت فيه أمريكا آلاف المعتقلين السنة العراقيين كان من بينهم البغدادي نفسه…

وأبو علي الانباري وغيرهما من مجلس شوراهم فيما بعد. كما انضم لهم ضباط كبار من حزب البعث مثل أبو منصور و أبو أيمن العراقي و أبو أحمد فرقان و حجي بكر.

بل و مؤسس جماعة التوحيد التي تحولت فيما بعد الى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ” أبو مصعب الزرقاوي ” كان لتجربة سجن سواقة..بالأردن الذي مكث فيه عدة سنوات رفقة شيخه ابو محمد المقدسي اميره سابقا في التنظيم (جماعة التوحيد او ماعرف ببيعة الإمام 1996) ايام الأردن قبل الإنتقال إلى العراق دور محوري في تحوله الفكري لما لاقاه ضمن المؤسسة السجنية.! وغيرهم  الكثير  كان لتجربة السجن دورا فاعلا وحاسما في تحولهم الفكري الأيديولوجي.!

فلا تسمع غير أن فلان خريج سجن صيدنايا او فرع فلسطين (سوريا)

والأخر خريج سجن غوانتناموا (أمريكا)

والأخر خريج سجن أبو غريب او بوكا او التاجي (العراق)

ثم عد ما تشاء من السجون العربية على وجه الخصوص .!

ثم تفقد أغلب الشخصيات القيادية في كل الجماعات ( الجهادية ) تجد عليها خاتم المحنة او المنحة السجنية! حتى تكاد لا تجد شخصية بارزة في الجماعات الجهادية إلا ولها قصة مع السجون والمطاردة بل يعدها أحدهم مفخرة تدل على سلامة الفكر وصفاء المنهج حتى وصفها بعضهم بالفريضة .؟!

وقرب هذا المعنى يذكر القيادي في حركة أحرار الشام ابو يزن رحمه الله؛ أنهم لم يستوعبوا سبب إخلاء النظام السوري سبيل عدد كبير من سجناء السلفية الجهادية بداية الثورة إلا بعد تحولهم إلى كيانات وجماعات مسلحة ضمن الثورة .! [اه]

وللأسف كانت السجون المحضن و المصنع عالي الجودة لتخريج الغلو والإنحراف الفكري.! بل وكثيرا ماكان يتم تجنيد المخبرين والعملاء من داخل السجون والمعتقلات.! هذا ما أكده لي محمد أحد خريجي جامعة الموصل حين إلتقيته قدرا لعدة أسابيع ( في سجن الهيئة إدلب لحادث سيأتي ذكره لاحقا…)

هو الأخير لم يسلم من الحشر الأمريكي لأبناء السنة وسط الصحراء العراقية  ؟!

والجدير بالذكر السجون العربية التي تخضع للبرنامج او النموذج  الأمريكي في التعامل مع النزلاء بالتعذيب الجسدي والنفسي نذكر منها على سبيل المثال فرع فلسطين وصيدنايا (سوريا ) وكذلك العقرب وبو زوبع (مصر) وماشهدته معتقلات و سجون المغرب بين 2003/2008 إثر أحداث “16 ماي” وما بعدها من ملاحقة لخلايا إرهابية على حد وصفهم في تمارة والمعاريف والزاكي 1\2  والقنيطرة وأذكر عن الأخير حادث هروب 9 من النزلاء (صيف سنة 2008) أصحاب الأحكام القاسية والطويلة كان نتيجة غياب برامج التأطير والتأهيل المعرفي والفكري.!

إذ لا غرابة أن تجد قائد (أمير) تنظيم جهادي لا يحسن القراءة والكتابة ! ناهيك عن إستيعاب النصوص الشرعية او فهم مقاصد الشريعة.!

وفي كثير حالات كانت الإستخبارات الأمريكية ترسل نزلائها (السجناء) الى سجون عربية لإتمام مهمة التحقيق بنجاح. كما حدث مع ابن الشيخ الليبي وأبو هاني المصري وغيرهما رحم الله الجميع…

هذا كان له الأثر و دور رئيسي وفعال في دمج الحكومات العربية بالعدو الصهيوأمريكي في مخيلة السجين مما أنتج مجموعة من الأفكار والقناعات ليس التخلص منها بالأمر السهل…

إذ يلزم ذلك برامج مصالحة مع الذات وجبر ضرر الضحايا وإدماج حقيقي…

لا أزعم أو أقول هنا كما قد يتوهم البعض أن كل سجين إسلامي هو بالضرورة مغال او منحرف متنطع أو مشروع خراب. فهذه الفئة تبقى نادرة قليلة وسط العديد من السجناء الذين لهم حصانة فكرية أو نضج عقلي يمكنهم من اجتناب هذه المزالق  لكن العبرة ليست دائماً بالأرقام والأعداد إذا علمنا أن من خرجوا من بوكا السابق الذكر او غيره من سجون  أحدثوا كل هذا الضجيج في العالم لم يكن عددهم بالكبير.

ليس بالضرورة أن يكون كل سجين او معتقل مظلوما.!

هناك أناس طيبون مظلومون

وأيضا هناك آخرون مذنبون  كما يقول المثل .. صاحب الذنب يستحق العقوبة .. لكن الإشكال أن كل طرف يفسر قضيته حسب وجهة نظره دون مراعاة نظرة الطرف الثاني ( الخصم ) وهنا يحصل اللبس والغلط في تنزيل الأحكام …!

وهذا أمر يحتاج إلى  تمعن وتبين وتحري الدقة بين الطرفين للوصول إلى الحقيقة. اما التظاهر بالمظلومية واللعب على العاطفة الإنسانية هذا قد يسلكه الظالم (دموع التماسيح) والمظلوم معا.! والتاريخ مليء بهكذا قصص ومواقف من مختلف  الجماعات والأيديولوجيات…!

مثل اليهود الصهاينة أخزاهم الله.

يتظاهرون بالمظلومية وأنهم مورست في حقهم المذابح والمحارق ( الهولوكوست ) كذبا وخداعا للناس قد يكون منهم من ظلم وعذب وطرد وحرق لكن ليس بالعدد والصورة التي يروجوها ليغطوا عن جرائمهم الشنيعة ضد خصومهم ..!

يقول أفلاطون إنه لا يعرف معنى العدالة، ولكنه يعرف معنى غياب العدالة.! ربما يبدو هذا مدخلاً فلسفياً مناسباً للحديث عن الظلم، ذلك أن المظلوم عادة ما يفكر في أشياء كثيرة عندما يتعرض للظلم .. كما يقول ابو الطيب ؛ الظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن تَجِد ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ

إلا أن قليلاً مِن البشر مَن يعترف بأنه ظلم ذات يوم نفساً بشرية، أو طيراً، أو حيواناً، أو حجراً، ذلك أنه حتى الظالم يشعر بفداحة هذا الفعل، ويحاول إبعاد نفسه عنه.

ومع هذا فقلّ أن تجد مَن لم يباشر هذا الفعل بشكل من الأشكال، إلى درجة أن الإنسان قد يظلم نفسه أحياناً على حساب مراعاة مشاعر الآخرين، وتقديم مصلحتهم على مصلحته، إما لإحساسه بالمسؤولية عنهم، أو لتقمصه دور المخَلِّص الذي عليه أن يضحي من أجل الآخرين، مقدماً نفسه قرباناً على مذبح الفضيلة.

الإحساس بالظلم شعور ينشأ عند الإنسان منذ الطفولة، فالطفل يشعر بأن والديه يظلمانه عندما يحرمانه من اللعب طوال اليوم،  ويحددان له وقتاً للدراسة.. وآخر للعب.. وثالث للنوم.. وهكذا.

والشاب يشعر بالظلم عندما يمنعه والداه من البقاء خارج المنزل حتى أوقات متأخرة من الليل، والفتاة تشعر بالظلم عندما تتدخل والدتها في اختيار ملابسها، وتحرص على معرفة من تصاحب من زميلاتها في المدرسة، وتسأل عن أسرهن وتتحرى عن أخلاقهن وسيرتهن..

وتكون قمة الشعور بالظلم عندما يكون للأهل الرأي الأول والأخير في اختيار الزوجة للابن، أو الزوج للبنت عندها تصبح الحياة جحيماً لا يطاق، إذ يمثل هذا التدخل قمة الأنانية والظلم من وجهة نظر الأبناء.

هكذا تتكون منظومة الظلم عبر مراحل العمر المختلفة، وتنتقل مع الإنسان من مرحلة إلى أخرى، تبدأ مثل دائرة صغيرة على وجه بحيرة راكدة، ثم تكبر شيئاً فشيئاً، مكونة حولها دوائر كثيرة، حتى تغطي سطح البحيرة كله..!

هل يشعر الظالم بأنه يظلم بالقدر نفسه الذي يشعر به المظلوم عندما يتعرض للظلم؟ ربما يبدو هذا السؤال هو الآخر فلسفياً تنظيرياً أكثر منه واقعياً.

فحين يوقفك شرطي المرور، على سبيل المثال، في الشارع، بتهمة قيادة سيارتك بطيش وتهور، وتعتقد أنت أنك لم تقد سيارتك بطيش وتهور، وإنما حاولت أن تتفادى سيارة أخرى كانت على وشك أن تصطدم بك.

هنا يصبح للعدالة وجهان؛ وجه يراه شرطي المرور ولا تراه أنت، ووجه تراه أنت ولا يراه شرطي المرور الذي يخرج دفتره لمخالفتك،  ويصبح القاضي بعد أن تُحوَّل القضية إلى المحكمة، هو الفيصل الذي يحكم بين ما يراه الطرفان.

برغم أنه لم يشهد الواقعة، ويصبح تقرير شرطي المرور ودفاعك أنت عن نفسك هما ما يوجه كفة ميزان العدالة، وإلى أي ناحية تميل إلى ناحيتك أنت الذي تعتقد يقيناً أنك مظلوم، أم ناحية التقرير الذي أعده شرطي المرور الذي يعتقد هو الآخر يقيناً أنه لم يظلمك..

ولذلك فإننا كثيراً ما رأينا أناس (مجاهدين ) يتظاهرون بالمظلومية حسب وجهة نظرهم اما اذا نظرت في وجهة نظر الجهة (مجتمع او فرد ) التي تضررت جراء أفكارهم وأعمالهم قد تجدهم حقيقة “ظالمين” لهذا كان الحديث النبوي الشريف كما عند الإمامين البخاري ومسلم «قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار» وتعبير «قاضٍ» يصدق على كل من يكون بيده إصدار حكم يرجح كفة على كفة، مثل شرطي المرور.. والمدرس.. والمدير، وغيرهم ممن تترتب على أحكامهم نتائج يستفيد منها طرف، ويتضرر طرف…

العدالة تاج يسبح في فضاء من الأحكام المختلفة، يحاول كل حكم منها أن يضع هذا التاج على رأسه، وقليل من الأحكام من يحظى بارتداء هذا التاج، مثلما هم قلة أولئك الذين يستطيعون توجيه هذا التاج الوجهة الصحيحة.

القضاة صنف منهم، وهناك أصناف كثيرة تؤدي أدواراً تشبه أدوار القضاة، حتى لو لم تحمل أسماءهم، والله الهادي للصواب…

 

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

هل للسجون دور في نشأة السلفية الجهادية وهل هي سبب أزماتها الفكرية ؟

 




السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟!

(2)

في الحقيقة كثيرة هي العوامل التي ساهمت في نشوء السلفية الجهادية بفكرها الراديكالي.

فمن تلك الأسباب ضعف المؤسسة الدينية في التوجيه وقصور التعليم عموما وكذلك واقع انهزام المسلمين أمام الإحتلال الغربي وتسلط الدول الأجنبية على ثروات الأمة وفشو البطالة وعدم نجاح مشاريع الإصلاح السياسي والدعوي…إلخ

حالات العالم الإسلامي تختلف من بلد لآخر في الدوافع والأسباب غير أنه هناك قاسم مشترك بين جميع الدول هو سوء التعامل مع المخالف فما دام هناك تعامل بشدة وعنف فطبيعي أن تكون ردة الفعل مشابهة على غرار القاعدة الفيزيائية (لكل فعل ردة فعل)

وفي الغالب كان ظهورها كردة فعل لما واجه الحركة السلفية الدعوية والسياسية الإسلامية الأم في كثير بلدان من (قمع واطهاد) في المغرب مثلا كان أول ظهورها بعد القضاء على حركة الشبيبة الإسلامية أواخر سنة 1975م وما أصاب مؤسسيها من نفي وسجن ومطارة (الشيخ عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال ورفاقهما…) مع أنهم لم يكونوا يتبنون العمل المسلح وليس من أدبياتهم، فنشأ بعدهم من يتبنى فكرة المواجهة المسلحة مع النظام وتبني أدبيات دخيلة على المجتمع المغربي ونشط لذلك مشايخ ودعاة ورطوا الشباب المتحمس ولبسوا عليهم دينهم.

(فكان آنذاك 1975\1980 بداية شرارة الجهاد الأفغاني ضد الروس مما جعل متنفس لمن يريد الذهاب للقيام بتلك الفريضة الغائبة! حتى إن الشيخ عبد الكريم مطيع يذكر أن السعودية حينها عرضت عليه الذهاب للعمل والتحريض للجهاد في أفغانستان وباكستان فرفض بسبب قناعته أن المعركة آنذاك لمصالح أمريكية، والعرب وقودها و مجرد خيول يُركب عليها !)

طبعا ذهب الكثير من سلفية المغرب الذين تبنوا الفكر الجهادي، قتل من قتل وعاد من سلم إلى المغرب وكان منهم من يريد تأسيس تنظيمات مسلحة ضد النظام، ومنهم من بدأ يعمل بشكل فردي وعشوائي _إغتيال هنا أو هناك، بعضها علني والبعض الآخرسري مثل حركة المجاهدين المغاربة التي كانت تنشط في الخارج وداخل المغرب أغتيل أميرها ومؤسسها في فرنسا (النعماني) سنة 1985في ظروف غامضة!

وهكذا توالت التنظيمات والحركات في مختلف المدن المغربية ويكتنفها الكثير من الغموض بدءا بأهدافها ومصادر تمويلها إلى المستقطبين لها، غير أنها كانت دائما ماتستهدف النظام ومفاصله من شرطة وأعوان وقضاة .!

أذكر وأنا صغير لايتجاوز عمري 6 سنوات بين 1998\2000 كنت أذهب رفقة اخي محمد إلى مسجد دوار بوجدي وكانت تسمى يومئذ (ب قندهار لكثرة الملتزمين فيها والنشاط الدعوي) بتولال مكناس وكانت المدينة بل المغرب بكامله في ذلك الوقت يشهد انفتاحا علميا ودعويا تنشط فيه كل الحركات الإسلامية وكانت هذه القرية تضم مجموعة من الملتزمين التقليديين وأغلبهم بسطاء التعليم والثقافة يرأسهم أحد الإخوة السلفيين(أبو خليل) مسؤول بالفطرة وليس القانون عن إدارة المسجد في القرية ويقوم بمجهود الدعوة و وتحفيظ القرآن الكريم، وكذلك يستدعي بعض مشايخ السلفية آنذاك لإلقاء الخطب والمحاضرات (العنترية) التي أذكر من إحداها حديث الإخوة أن الشيخ الفيزازي قبل أن يبدأ محاضرته خاطب الحضور الكريم من بسطاء التعليم وشباب يتراوح عمرهم بين 15/25سنة من امه تخاف عليه ليأخذ حذاءه ويذهب إليها !

طبعا لأن المادة لاتلائم الجيل الناشئ…! ومما لا يخفى كيف كانت هذه الطائفة من الملتزمين تشدد على الناس وتنفرهم بتصرفات طائشة في أسلوب الدعوة، لها قصص وطرائف شبيهة بالواقع السوري كما سيأتي معنا لاحقا غير أن الأول لم يتوفر لديه السلاح.!
وأيضا كان يأتيهم أسد المنابر الشيخ أبو حفص رفيقي.ومعظم وعاظ ومنظري ماعرف بالسلفية الجهادية بعد تفجيرات 16 ماي 2003 والتي أيضا لا تخلوا من الغموض لامن طرف المنفذين لها ولا من هم المخططين…!

ويبقى السؤال هل لو كان هناك خطاب وتوجيه ديني رشيد رسمي أو غير رسمي وحسن تعامل مع الأفكار الخاطئة وعلاجها بنظيرها بدل البطش والقهر هل كانت ستختلف النتيجة!؟ في نظري “نعم” وفي الجزائر حادث الإنقلاب الماكرعلى حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية الذي اكتسحت الساحة دعويا وحققت انتصارا ساحقا في الإنتخابات آنذاك .
مما جعل المناخ مناسبا لبروز أشد الجماعات تطرفا وراديكالية(محمد أمين والزوابري) أتت على الأخضر واليابس .!

وفي تونس كان للعلمانية الشرسة وممارساتها القمعية العنيفة ضد الحركة الإصلاحية الإسلامية ودعاتها الدور الرئيسي في تغلغل فكر الغلو والتكفير بين صفوف المتدينين ممن كانوا في سجون النظام وكذلك عقب خلع بن علي وفد مجموعة من الدعاة (الحازمي)ونشطوا في تلقين الشباب المبتدأ والمتحمس العديد من الأفكار والمفاهيم المغلوطة والمنحرفة التي كان لها انعكاسا سلبيا على الجانبين الدعوي والسياسي بل وكانت بمثابة دق الإسفين وسط مجتمع حديث عهد بحرية. وليبيا ومصر قبلهم.. وكذلك كثير دول أخرى.
ومما ينبغي الإشارة إليه مسألة اقتران السلفية الجهادية بالخليج عموما وبا لسعودية خاصة سواء من ناحية الدعم اللوجستي أو الفكري أو المذهبي “فقهيا” وخاصة خارج المملكة وكأنهم يدعمون أي نشاط تخريبي في العالم الإسلامي فقط لا يكون داخل مملكتهم أو يهدد مصالحهم !
طبعا الخليج يحمل أدبيات عريقة عتيقة من إرث الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجيل الذي تلاه من أئمة نجد وإخوان من أطاع الله ولايتناسب مع هذا الإرث ويصلح له خير من السلفية الجهادية فهي كثيرا ما تعتمد على الوجبات (فتاوى) السريعة الجاهزة بدون عناء لحل أي معضلة قد تواجه الفرقة الناجية !

ولإن كانت الدعوة النجدية قدمت أفكار وفتاوى نراها ليست سليمة ولها إرتباطها السياسي وفي سياق معين يومئذ… فإن السلفية الجهادية قد ترجمت تلك الأفكار والفتاوى عمليا على أرض الواقع تحت رعاية جهات بعيدة عن حسن النوايا قبل ثورات الربيع العربي وأثنائه..!

وبالتأكيد أي فجوات إجتماعية تجعل المناخ مناسبا لتدخل جهات عديدة تعتني بتفتيت وإضعاف الدول الإسلامية لغايات عديدة.!
مثلا في حرب أفغانستان ضد الروس معلوم أن السعودية خصوصا والخليج عموما كانوا يدعمون بشكل مباشر وبعد خروج الروس، كذلك استمر الدعم للحرب الأهلية فيها وللجماعات هناك إلى أن دخل الامريكان لإسقاط حكم طالبان المتمردة على المصالح الأمريكية. أوقفت السعودية دعمها وألغت اعترافها بشرعية حكمها!

ثم في العراق كذلك كان الدعم السعودي للجماعات السلفية بشكل مباشر وغير مباشر يعمل على قدم وساق. ثم في ثورة سوريا دعمت السعودية وساهمت في إنشاء العديد من الجماعات السلفية الجهادية وغيرها عبر أموالها الرسمية وداعميها المحسنين.!

والقائمة تطول بذكر نماذج العلاقة بين الخليج والسلفية الجهادية من شمال إفريقيا إلى جنوبها ثم البوسنة والهرسك إلى الشيشان مرورا بألبانيا ثم كشمير ودول شرق أسيا وأسيا الوسطى. ومما لاشك فيه أن من وراء دول الخليج دول أجنبية لها مصالحها مثل إسرائيل …أزالها الله وكسر جبروتها… ثم أمريكا ثم بريطانيا ثم فرنسا كل يدلي بدلوه خلف ستار الداعم الخليجي _السعودي وهو أيضا يجند لمهامه مشيخات (مأجورة )ودعاة تكون حلقة وصل بينه وبين شباب الأمة مما يعني إن أحسنا الظن مع استبعاد ذلك أن السلفية الجهادية قد تكون مجرد مطية (بغال التحميل) تخدم مصالح الأسياد خدم الغرب الذي يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا…
والضحية دائما الشباب اللاهث خلف السراب مغمض العينين يقوده أعمى .!

بينما جيوشهم المتمرسة والصاعقة أثخنتهم (الكبسة وشرب البيبسي) ولعل هذا ما خلصت إليه حركة حماس في قطاع غزة حينما استأصلت (جند أنصار الله ) السلفية.!

وفي تصوري أن السلفية الجهادية ما دخلت بلدا أو ثورة إلا أفسدتها وزادت طينتها بلة… وهذا يعد من عظيم انجازاتها.!

يقول د. فريد الأنصاري رحمه الله (وعليه فقد كان لهذا وذاك مما ذكرنا من موازين مُختلَّة أثرٌ بالغٌ على انحراف التيار السلفي وانزلاقه إلى اتجاهات أخرى وُظِّفَت أحيانًا لضرب الإسلام نفسه، فمع أواخر القرن العشرين الميلادي لم يلبث جيل الخلف من المدرسة السلفية أن تغيَّرتْ أحوالُه، واضطرب اتجاهه بسبب تعرضه لفتن مذهبية وأخرى سياسية، فشطّت به رياح الأهواء إلى ضربٍ من الانحراف المنهجي، والتعصّب المذهبي، واستصنام المشايخ والزعماء، مما أدى فيما بعد إلى أن تكونت منه تيارات وفرق شتى، كان لها أكبر الأثر في توتر الساحة الدينية بالمغرب وإرباك مسيرة الصحوة الإسلامية إرباكًا شديدًا). الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب (ص122)

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (2)




السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟! (1)

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة ؟!

(1)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على  من لانبي بعده أما بعد .

الساحة الإسلامية أحوج ما تكون إلى مناقشة تصوراتها عن الصحوة الإسلامية في ظل الواقع الذي تعيشه الشعوب والأزمات التي تواجهها. وكذلك طرق التغيير ونموذج النهضة المنشودة أكثر من أي وقت مضى لعدة عوامل داخلية وخارجية . فقد غلبت العموميات والتصورات التاريخية عند طائفة كبيرة من الشباب المتدين وعلى رأسهم العديد من قيادات الحركات والتنظيمات  الإسلامية .

ومن جهة أخرى طغت الإعتبارات العملية (البراغماتية) على رؤى وممارسات العديد من الجماعات الإسلامية وبالأخص  ذات النفس النجدي الوهابي (نسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب  ) أو مااصطلح على تسميتها بالسلفية الجهادية لما تحمل من أدبيات ترتكز على مسائل الكفر والإيمان والحاكمية والولاء والبراء بشكل كبير ورئيسي.!

وبما أني خالطت وعايشت هذه الطائفة من الناس لسنوات من عمري تخللها الكثير من المواقف والطرائف والمحطات  التي ينبغي للعاقل والناقل  أن يقف عندها بتجرد لمراجعة وتأمل مسار هذه الفئة من الحركات وتسليط الضوء على أهم إنجازاتها.!

وكذلك ينبغي ويجب النظر في رؤى وأفكار سائر الحركات والتجارب الإسلامية وإستخلاص العبرة والعظة منها بغض النظر عن قبولنا لهامن عدمه …

قال الله  تعالى {قل سيروا في الأرض ثم أنظروا كيف كان عاقبة المكذبين -١٢ الأنعام  } قال الإمام أبو محمد بن عطية الأندلسي رحمه الله . الأية حض على الإعتبار بآثار من مضى . ومعنى الأية سيرو وتلقو ممن سار لأن تحصيل العبرة بآثار من مضى إنما يستند إلى حس العين .إ ه المحرر الوجيز

ولايفوتني هنا أن أشكر مجلس أمناء الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين على دعوتهم للحركات والجماعات الإسلامية للمراجعة والتصحيح للتجارب والأفكار في بيانهم الختامي بتركيا- إسطنبول. والدعوى هنا إلى المراجعة والتصحيح والتأمل لا تعني بالضرورة التراجع ولا النقض . وكذلك لاتبرزها عقلية الإنكسار ولا أوهام الإستكبار.!

بل هي واجب شرعي متعين على قادة التغير ويقترن تماما بمهمة يتحمل مسؤوليتها من يرفع شعار هذا الدين لعظم الأمانة التي يحملها حين يتحدث بلسان المرجعية الإسلامية ويتحرك تحت مظلتها . ولا عبرة ولا إلتفات لمن يرفع صوته متشنجا قائلا بضرورة الكتمان والسرية لكي لايصطاد أعداء المسلمين عيوبهم .!

هذا باطل لعدة أسباب

الامر الأول

إن اعداء المسلمين عموما ليسوا بطالين مثل كثير من إخواننا ينتظرون المعلومة من هنا او هناك . بل لديهم مراكز بحث ودراسات إستراتيجية وتكتيكية في كل مشكلة او نازلة واجهتهم. باستثناء عملائهم المندسين بين صفوفنا إلا من رحم الله…

الأمر الثاني

الهدف بالدرجة الأولى هم أولاءك البعيدين خارج أسوارالجماعات والتنظيمات. الذين يصور لهم المجاهد (حامل السلاح ) أسطورة  أخلاقية ومخلص البشرية من الرق والعبودية .! وتوصف لهم الجماعة السلفية (الجهادية )بصورة ملائكية تفوق الخيال في التضحية والإيثار.! ثم هي بمثابة شهادة على “واقع ” راح ضحيته الكثير من الناس ولو قدر قضاءا مستقلا لوجب محاسبة من أجرموا في حق المسلمين. ولاشك سيأتي ذلك ولو بعد حين…

قال د. عبد الله النفيسي ؛ [ثم لنكن أوضح ونقول أن الدين أمر رباني لا نقبل نقده والحركة الإسلامية (ممثلة بالتنظيمات والأحزاب الإسلامية ) جهد بشري محض معرض للخطأ والصواب وبالتالي من الواجب تصحيحه وتصويبه وتقويمه وليس أمر عمر إبن الخطاب رضي الله عنه عنا ببعيد حين قال له المسلمون الأوائل: والله لو رأينا فيك إعوجاجا لقومناه بحد السيف.

فما كان منه إلا أن قال: لاخيرفيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها. ولا أعتقد أن زعماء الحركة الإسلامية ينبغي أن تضيق صدورهم إذا عاملناهم كما عامل المسلمون الأوائل عمر إبن الخطاب رضي الله عنه. مع الملاحظة أننا لم نشهر سيفا ولم نهدد به.

بل هو القلم والرأي والحجة نعلنها تحت الشمس وأمام الناس فإن أصبنا فنسأل العزيز القدير أن يجعلها في ميزاننا يوم نلقاه وإن أخطأنا فنسأله أن يهدينا لأقرب من هذا رشدا. فالأمر أولا وآخرا له وحده لا شريك له.

فهاذا التداخل الخطير الحاصل اليوم بين الدين و”التنظيم الإسلامي”لابد له من حسم؛ فلقد  تضرر الدين منه ولقد تضرر “التنظيم الإسلامي” منه أما ضرر الدين منه فقد جاء من تحميله كل أخطاء وتخبطات أفراد التنظيم،

وأما ضرر التنظيم منه فقد جاء من هذا السياج الأدبي والمهابة الدينية وممارسة العصمة (مع نقدها في الكراسات الحزبية )وبيعة الطاعة في المنشطوالمكره .

كل ذلك جعل التنظيم “وهو جهد بشري محض معرض للخطأ والصواب” جزءا من الدين بحيث إختلط الأمر على الكثير فلا عدنا نعرف أين يبدأ التنظيم وأين ينتهي وأين يبدأ الدين وأين ينتهي . فكانت المغالطة.

مثلما أن الدين لا نقبل نقده فكذلك التنظيم .

ولأن التنظيم صار لا يقبل النقد او صار فوق النقد .

كممت الأفواه واعتلقت العقول والإرادات والآراء والإجتهادات ” حتى الشرعية منها وبالأخص حول موضوع البيعة ” ووسد الأمر إلى غير أهله.إلخ ] أزمات في طريق الحركة الإسلامية.

قد تضطر يوما ما  أن تفارق وطنك وأحبابك تحت ضغوط سياسية وأخرى أمنية محاولا أن تحقق ماتؤمن به من مبادئ وقيم .تعاني لأجلها كل صنوف المعاناة. تمر سنواتك ثقيلة مجهدة. ثم فجأة تجلس لتحصي حصاد هذه { التجربة } تقلب أحداثها ووقائعها كأنك لم تكن في وعيك حين عشتها سالف الأمر.فتكتشف أنها قد خلقت فيك شخصا آخر. ومنحتك قدرات وملكات لم تكن لتتمتع بها لو بقيت حيث ولدت.

أنت الأن شخص جديد. وقد رزقت مفاهيم أخرى للحياة. وطرقا جديدة لاكتشافها. وعرفتك الخطوب معادن الناس. تجربة إنسانية ثرية. حتى تكاد تشكر الفتنة على مافعلته بك.!

كثير مروا من تجربة تلو أخرى لم يستفيدوا غير أنهم ساخطون متذمرون .يظنون أن الدنيا غضبت عليهم وغدرت أحداثها بهم ولفظتهم. معظم أوقاتهم في الشكوى من الحال ومؤامرات الكون عليهم .!

بينما الكون يخطط ويعد لإستهداف غيرهم وقد يكون بأيديهم مرة أخرى ! ثم  تمر ذكرى تلك التضحيات التي تحملوا عبئها جراء تمسكهم بافكارهم ومبادئهم و لازالت نفوسهم مستسلمة لما يواجههم لايحركون ساكنا !

كأنهم هم من كتب عليهم الجلاء إلى يوم القيامة ! متى كان الدين جامدا لايستجيب لحاجات الناس ونوازلهم،! كثيرة هي أزمات المسلمين والشعوب ورأينا كثيرون ممن جالوا ونقبوا في البلاد لم يستوقفهم حادث الفيل ! كنا بادئ الأمر نتصور ماقاموا به أمجاد وبطولات.! ثم مالبث التاريخ حتى أذهب بريقها واتضح أنها كوارث لم يجنى من ورائها إلا مزيد ذل وتشريد ! (١١ أيلول ٢٠٠١)

مع أنا لا نشكك البتة في نوايا أصحابها وإخلاصهم .و كذلك لا ننفي إستدراجهم لما يخدم اعدائهم… لما تكتم الأفواه وتقيدالأقلام عن كتابة تجارب الناس محسنهم ومسيئهم وتقييمها؟ فإذا نشط لذلك أحدهم سرعان مايتهم في دينه وصيرورته!؟

أليس التاريخ أمانة يجب تدوينه بأفراحه وأقراحه! أليس الأولى أن يبدأ اللاحق حيث انتها السابق أم كتب عليهم لتفسدن في الأرض مرتين أو يزيد !؟

كأن هناك جهة تحرص على استمرار الأفكار والممارسات المنحرفة وتحاول أن تبني سدا منيعا دونها وتصبغه بصبغة دينية يقف عند ظاهرهاالسذج من الناس.  فلاتذكرضرورةالمراجعةوالتصحيح حتى تكون مستعدا لمواجهة ترسانة من التهم. المبادئ ليست بالضرورة إيديولوجيات وإن كانت تلك من ضمنها. وانماهي تلك القيم التي يختارها المرء لنفسه والتي هي بقدر ما تكون واضحة له تصبح قدرته على إتخاذ القرار أكثر سهولة . لكن هل الثبات على مانؤمن به من مبادئ في مطلقه ممدوح ؟

 

ماذا إذا اكتشفت أنك على خطأ، أو حتى بعض ماتؤمن به خطأ هل تتغير !

يا صديقي؛ الثبات لا يعني الجمود، وإلا كانت نهاية الإسلام في بدايته !

ثم أنت لا تتبع قيمك لأنك تقدسهافي حد ذاتها، ولكن لأنك تعتقد أنها دربك إلى الحقيقة.فإذا أيقنت انك في حاجة إلى تصحيح دربك حتى تصل إلى ماتبغي الوصول إليه.

إذا إكتشفت هذا الأمر الخطير ولم تفعل فإن ذلك هو الخيانة الواضحة الصريحة .ولهذا أشار بعض العلماء. بقولهم قل أن يتوب مبتدع .السبب بسيط جدا هو أن الرجل ينظر إلى ماخلفه من إنجازات ظنا منه أيجعلها هباءا منثورا !!!.

ومما يجب كشفه تلكم النفوس المتكبرة عن رؤية الحقيقة وتحاول أن تقنع نفسها ومتبعيها أنها على منتهى الصوابية طاعنة فيمن ينتقدها او يصحح خطأها.!!!

ولسان حالها وماأريكم إلا ما أرى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد.! فغرروا بالبسطاء واستخدموهم في مصالح غيرهم . رضي الله عن أمير المؤمنين عمر الفاروق حين قال حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.

لما لم نر كتابات السابقين في تجاربهم إلا قليل وخيرهم من إكتفى بالكلام في دائرته الخاصة وزعم كاذبا لكي لانخذل المجاهدين!؟ ونسي انه يقع في جريمة أكبر من تلك وهي خيانة وخداع الناس المتطلعين.!

ياصاحبي هل ماتراه في العراق وسوريا وما سبق من نكبات في كثير بلدان”زعزعة الإستقرار” وتحطيم شعوب من ترميل للنساء وتيتيم للأطفال وهتك للأعراض وآلاف المعتقلين والمخطوفين رجالا ونساءا وضياع للممتلكات وحرق لفلذات الأكباد فيما لا طائل من ورائه .!

ترضاه لسائر بلاد المسلمين ؟!

لا أظنك تفعل…

ثم من يتحمل مسؤولية هذه التبعات التي ما كانت إلا في صالح الأجندات الخارجية تحديدا دولتا الظلم والعدوان إسرائيل _ أمريكا ؟!

طبعا نكتفي بقول”قدر الله وما شاء فعل”على عادة إخواننا المساكين… أما من كانوا على سدةالصدارة بعد النكبة وأثنائها تحولوا(إلامن رحم الله)إلى تجاروأصحاب رؤوس أموال على حساب بذل وتضحيةالصادقين.!

النماذج كثيرة واخبارها بلغت حد التواتر..

ثم من يحاسب من.. الجماعات تسرق وتحتكر حق الأمةوغير ذلك مما كنا نظنه حكرا على الأنظمة الفاسدة.! فكذلك يتعامل من ولي شيءامن ثغورجماعة أوتنظيم عند إتاحة الفرصة.!؟  وفي المثل العامي (طاح قمار على شفار) طاح اي وقع ..شفار اي سارق. حقيقة البوح قد لا يرضي الكثيرين لكنه الواقع المرير . ويكفينا أننا حتماسنقف يومابين يدي الله ونسأل   قال الله عزوجل{فمن يعمل مثقال ذرةخيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرايره}

 

بقلم/ زكرياء العزوزي

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

السلفية الجهادية صحوة أم كبوة

 

 

 




النظرية السياسية لتحرير فلسطين 4

النظرية السياسية لتحرير فلسطين 4

النظرية السياسية لتحرير فلسطين 4
حقائق وخصائص الطائفة الظاهرة ودورها في فلسطين …الجزء الثاني 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

 

فالطائفة الظاهرة تدرك أن المعارك يجب أن لا تثنيها عن مبدأ الحفاظ على جذوة الصراع ولا تنحرف لتضخيم أرعن وأهوج نحو السلاح، ولا تندفع نحو مخطط من مخططات حرفها عن هدفها التي بنيت فكرتها عليه هو أن التحرير مهمة الأمة بكليتها وليست مهمتها، وأن دورها الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني نحو صموده الداخلي وتحديه لكافة المشاريع التصفوية والتسووية والبقاء على الحفاظ على حقه وأن لا يقايض عنه أمام مشاريع تلتف على حقه بالمقاومة وتساومه على لقمة عيشه، فيصبح أداة وظيفة لتمرير أي مشروع تصفوي تسووي تحت مساعدتها، أو تضخيم قوتها العسكرية في منطقة من مناطق فلسطين ليتم مساومتها على إبقاءها أو انهيارها، فتقف عاجزة في تفضيل اختياراتها بعدما تضخمت ترسانتها العسكرية منفصلة عن أرض فلسطين المسلوبة، فتكون النتيجة حتمية الاختيار بين السيئ والأسوأ، فتلجأ للمسارات التي يريدها منها العدو الصهيوني، فالطائفة الظاهرة كطلائع لا مركزية تعي حقيقة الصراع بأنها لا تعمل من أجل عمل عسكري ينحسر في بقعة من أرض فلسطين أو تقيم كيان عاجز منفصل عن الوحدة الجغرافية لكل فلسطين،  فبثبات الطائفة الظاهرة تثبت الأمة، بعد تحقيق النواة الصلبة كطليعة، لأن التواصل بين الطائفة الظاهرة والأمة لن ينقطع زمانياً ولا جغرافياً، ومن هنا سيتحقق أكبر عوامل النصر والنصرة في قيادة شعبية جماهيرية تتمثل في الطائفة الظاهرة والطلائع المقاتلة كشعب موحد، وتدافع الأمة بولائها لهذه الطائفة ومناصرتها، وتحقيق الرابطة الإيمانية التي عرفتها النواة الصلبة كطليعة للطائفة الظاهرة، لأنها أدركت أن هذه الرابطة هي صياغة ربانية، فيجب أن تتحمل كل الأجواء المناخية من التغيرات المتمثلة من قبل تحقيقها، السخرية والاستهزاء والاتهامات المزعومة والأذى؛ قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾(24)، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾(25)، وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾(26).

 

ولكن الطائفة الظاهرة هي الأعرف لبوصلتها الاتجاهية، والتي تبقى متوجهة باستقامة دون تردد ولا انحراف عن درب المؤمنين الصادقين الصابرين الممتحنين، والثابتين على بصيرة من سبيل الجهاد،  لقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) (27)، لأنهم عرفوا خصائصهم وطريقهم هو الجهاد ليقهروا به عدوهم، ويعلموا أن هناك من يخالفهم لسلوكهم هذا الطريق، لأنه طريق مشقة وأن الإنسان جبل على الراحة ويكره المعاناة والمشقة، وكما أن ظهورهم له فاتورة واستحقاق، فبوعيهم بل يقينهم بأن الطريق موحش ومؤلم وأن معناتهم وإصابتهم بأن اللأواء أمر حتمي، لكنهم علموا بأمر الله أن الفرج قادم لا محالة، فالطريق محفوفة بالأشواك والآلام، وطريق الجهاد محفوفة بالدماء وتقطيع الأجساد، لقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ (28).

 

فطليعة الشعب الفلسطيني تعرف ما حدث من المنتج الإجمالي للقضية الفلسطينية اليوم، وما تمر به من ضرب للمشروع التسووي (أسلو) وانكفاء المقاومة على ذاتها بقطاع غزة،  وحالة الإنذار المتأخر كمؤشر حقيقي للذل والإهانة للشعب الفلسطيني من المتسابقين المتصهينين العرب وعُباد أمريكا، والمطالبة الصارخة العلنية بالتنازل والاستسلام التامين لصالح الصهاينة؟، أليس كافياً للتصالح الجاد بين فرق التناحر، وتجميع قوى الشعب الفلسطيني بطاقاته الهائلة وصناعة برنامج يرقى للتحدي القادم ومتطلبات الصمود في وجه القرارات الصهيوأمريكية.

 

فالطائفة عرفت منهجها الإيماني؛ والذي يرسم طريق تربية المجتمع من خلال البناء الإيماني؛ و الذي يؤسس للقيم والأخلاق السامية، وعرفت أنها على فكر سياسي إسلامي يؤمن بالتسديد والمقاربة؛ تحت مبادئ الإسلام (الإخلاص، الصدق، الأمانة، الشجاعة، العدل والإحسان)،  والذي يهدف التمتع بالحكمة من أجل تحقيق الأهداف العامة لأي مشروع تتناوله الطليعة المركزية للطائفة، وبحكمتها تتجنب التجاوزات الهادمة لمشروعها حتى تحقق نتائجها المرضية لصالح عموم المجتمع حتى ولو على حساب نفسها،  وبذلك تضمن بيئة حاضنة لا تستطيع أعتى القوى تفتيتها والنيل منها، وبذلك تسير قدماً خطوة بخطوة لتحقيق الأهداف المنشودة هي وحاضنتها الشعبية، فالطليعة هي التي تؤثر المجتمع على نفسها منذ بداية تكوينها، وهي من مقتضيات سياسة المجتمع لأن مادة الإيثار هي أهم عوامل السيادة للمجتمع؛ وخاصة نحن في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي.

 

الطائفة الظاهرة كطلائع لا مركزية للشعب الفلسطيني لم تمارس الاستعلاء والاستكبار لأنها تعرف أنهما صفتين ذميمتين تنخر في عضد المجتمع وتبقى أسيرة العمل النخبوي النوعي الذي لن يتجاوز حدود فكر الحزب والتنظيم، فعلينا أن ندرك كل خصال الرسول r عندما بدأ العمل قولاً وممارسةً  كنواة صلبة في وجه كافة المجتمعات التي أحاطت دعوته.

 

سؤال منهجي: ماهو الفرق بين القيادة الحركية التنظيمية وبين طليعة الأمة الإسلامية؟؟؟،،،

الخلاصة: الطليعة تختلف بالكلية عن النخبوية الحزبية في قيادة الأمة…فلن تستجيب الأمة للقيادة الحزبية الإسلامية (إسلام سياسي)، فمعنى إسلام سياسي هو يقاتل بمبادئه وأفكاره وتصوراته؛ وليست بأفكار الإسلام الذي يلامس هموم الجماهير والشعوب، ويريد أن يعلو بتنظيمه مع منظومته النخبوية فوق طبقات المجتمع، لذا يبقى أسير تصوراته ويجد الكثير من الجماهير ليست متفقة معه في تصوراته، فالطليعة حاضنة لكل التصورات ما دامت تدور في حقل الدين والإسلام الفطري، ولا تنشغل كثيراً في تصورات بعض الفئات ما دام العدو المركزي يترصد الأمة، فهي تحمل رؤية كاملة وشاملة في مواجهة العدو المركزي للأمة، كما أن طليعة الأمة الإسلامية إدارية توجيهية صادقة ومخلصة لدينها، أم القيادة الحركية التنظيمية رئاسية متطلعة لنشر أيديولجيتها لتتبعها الأمة، لهذا فالفارق بَين وشاسع بين الإسلام الفطري والإسلام السياسي، فالطليعة أدركت قول الله تبارك وتعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30). نعم فأكثر التنظيمات والحركات لا تعلم أن الدين هو دين الفطرة، ودين الفطرة هو القيم ليقود المجتمعات في أسوء ظروفها وأحوالها وتمزقها وتفرقها، فالطليعة تعي حقيقة تكوينها الفطروي الذي يمثل حقيقة الدين لدى الجماهير والشعوب الإسلامية، وهي أهم حقيقة كونية يدعو لها دين الفطرة وهي وحدة مكونات الأمة ضد أعدائها وعدوها المركزي، فالطليعة تدرك الاختلافات بين طاقات وقدرات الجماهير والشعوب لكنها تدرك أيضا خطورة العدو المركزي، وأن أهم عوامل النصر في الوحدة الجهادية لمكونات الأمة لتحقيق دحر العدو الصائل.

 

فالقيادة التنظيمية الحزبية متطلعة لتحقق مصلحتها الخاصة (إسلام سياسي) أما قيادة الأمة متطلعة لتحقق مصلحة عامة (سياسية شرعية)، كما أن قيادة التنظيم والحزب مخلصة ومتجردة لتنظيمها، وقيادة الأمة مخلصة ومتجردة لربها ودينها، فقيادة الأمة تعمل بمبادئ الإسلام وأحكامه وقيادة الحزب تعمل بمباديء التنظيم وأفهامه، فلذا المسار السياسي لقيادة التنظيم الفكري يختلف بالكلية عن مسار طليعة الأمة الإسلامية، كما أن الأهداف متباينة ومختلفة، فهل تستطيع القيادة التنظيمية أن تتحرر من أيديولوجيتها الفكرية وتخرج من عنق النخبوية للتواصل مع الجماهير ملتحمة مع أمتها؟

 

فالحقيقة تقول يوم انتهاء الحركات والجماعات الإسلامية بتفكيرها التنظيمي النخبوي النوعي هو يوم ميلاد الأمة الإسلامية الواحدة الموحدة حول عقيدة وأفكار الجماهير الشعبية، وأول خطوة لبناء الدولة العادلة، فجميع الحركات الإسلامية تعمل من خلال العمل النخبوي وتركز على كسب طاقتها وقدراتها من خلال الحزب وبالتالي لا تستهدف طاقات وقدرات الجماهير، حتى لو تبنت مبادئ الإسلام وأحكامه تبقى أسيرة العمل النخبوي الذي لا تستطيع تجاوزه فتقع أسيرة المراوحة بالمكان ضمن فكر تنظيمي يكون عائق لالتحامها مع الجماهير.

 

فالأحزاب والجماعات في الإسلام ستبقى تتلمس طريق النخب والعمل التنظيمي النوعي، الذي لا يجسد الحقيقة الكونية التي خلق الإنسان من أجلها وهي دعوة الناس كافة واستيعابهم، بينما الطليعة تهتدي بما كان علية النبي وصحابته، ويتلبسون بالإسلام حكماً وعلماً ومبدءاً، ويعيشوا بهذا التلبس مع جموع المسلمين دون استعلاء أو إقصاء لطاقات وقدرات عامة المسلمين، ولهذا من فعلوا الإقصاء والاستعلاء يؤكدوا على حزبيتهم وفصيلهم المنفصل عن هموم وأفكار الجماهير، فالحزبيين لا تنطبق عليهم أن يكونوا طلائعيين، فالطلائعيون متصالحون مع ذاتهم ومع مجتمعهم ومع ربهم، كما إن الطليعة هي التي تقيم في الأمة الإسلام، وليست الأمة تقيم الحزب وتفني كل مكوناتها الأساسية من طاقات وقدرات للتنظيم أو الحزب، فالطليعة هي التي تفني حياتها من أجل الأمة ودينها الفطري، فالطليعة تدرك ما قام به الرسول r وهو يعيش ويتنفس ويدعو الناس كافة، ولم يقتصر عمله على العمل النخبوي والنوعي، لأنه يعي أن الدعوة ليست لفئة محددة بل أمر الله تبارك وتعالى أن تصل الجميع وأن نتائج الهداية بيد الله، كما أن الجماهير والشعب جله يجب أن يؤمن بالطليعة التي تقاتل بعقيدة الجماهير والشعب وهي الإسلام في ظل وجود العدو المركزي التي يتربص بالأمة، فالطليعة من نشأتها الأولى تعي أن تكون سياستها سياسة أمة وفكرها فكر أمة وجهادها جهاد أمة وأفكارها ومنهجها منهج الأمة الإسلامية ودينها دين الفطرة تعمل من أجل الأمة وليست من أجل نخبتها وأعضائها.

 

الخلاصة: يجب إيجاد النواة الصلبة والتي تؤمن بفكرتها وهي مقارعة العدو الصهيوني بكافة وأنواع الوسائل المتاحة لتبقي على جذوة الصراع في فلسطين، لا تخلط بين أساس تكوينها على هدفها أن تبقي على جذوة الصراع مع العدو المركزي، وهو من خاصيتها وهدفها الرئيس بكل ما تمتلك من أدوات، وبين التحرير ودحر اليهود وهو من خاصية وهدف الأمة بمكوناتها الكلية ملتحمة مع الشعب الفلسطيني، لذا تعمل على صناعة طليعة مركزية تنشأ الطلائع اللامركزية التي تكون جزء من بناء الطائفة الظاهرة للمجتمع الفلسطيني، لتحقق منهج الطليعة الشاملة والمؤلفة من الشعب الفلسطيني كحاضن للمشروع، ويمثل الطليعة للأمة الإسلامية متعانقة مع طلائع الأمة اللامركزية في إدارة الصراع وخاصة طلائع الأمة الإسلامية منها السياسية والثقافية والتاريخية والاقتصادية للوصول بالأمة لرصيد كافي للجهاد ضد اليهود ودحرهم من فلسطين والأمة.

 

 إلى الطليعة المؤمنة بفلسطين كمشروع كوني تحرري، والطائفة الظاهرة من الطلائع اللامركزية، وطليعة الأمة الإسلامية وهو الشعب الفلسطيني، وأولئك عموم المسلمين (الأمة المسلمة) بقيادة طلائعهم اللامركزيين، أتقدم راجياً من الله القوي العزيز، العلي العظيم، الغفور الرحيم،  الحنان المنان، أن لا يحرمني صحبتهم في الرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أملي بالله كبير، أن يتحقق هذا المشروع على ثرى الأرض المقدسة فلسطين، وأن يبلغ مكانته الطبيعية؛ في نفوس المجاهدين من أبناء هذا الشعب المسلم الغيور، والمدافع والمنافح والمقاوم بكل أشكال الجهاد والمقاومة، وأملنا ببشرى حبيبينا المصطفى r؛ أن الدال على الخير كفاعله، وأن العالم والمتعلم شريكان، وأن المرء يحشر مع من أحب، فإليهم وإلى سلفهم من مجاهدي هذا الزمان, من الشهداء والأسرى الأبطال الذين رسموا لجيل الجهاد والمقاومة القادم, بدمائهم وآهاتهم وعناء نسائهم وأطفالهم أهدي معالم هذا الطريق لجهاد الأمة ضد عدوها المركزي اليهود.

 

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

النظرية السياسية لتحرير فلسطين 4

 




النظرية السياسية لتحرير فلسطين 3

النظرية السياسية لتحرير فلسطين 3

النظرية السياسية لتحرير فلسطين 3
الطليعة والفهم الحقيقي للطائفة الظاهرة في فلسطين

 

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

 

الفهم السياسي لتحرير فلسطين يجب أن يكون قائم على الأركان التالية:

1. قتال اليهود بقيادتهم الصهيونية الدينية ودحرهم عن أرض فلسطين،
2. الطائفة الظاهرة لحمل المشروع بكل أركانه (دعوة، سياسة، جهاد)، مع المحافظة على جذوة الصراع مع الكيان الصهيوني،
3. تبني بعد الصراع العالمي مع مكونات الأمة الإسلامية لتكون حامية للمشروع وتتقدم الأمة للجهاد والتحرير من اليهود،
4. نشر الإسلام الفطري وتبني الجماهير بطاقاتها وقدراتها وتصوراتها برحابة الدين،
5. الانطلاق بقدرات وطاقات الجماهير لفتح ميادين العمل وتفعيل مكونات الجماهير لترقى بتلاحمها لدحر الاحتلال الصهيوني مع جهاد الأمة.

 

الطائفة الظاهرة ودور الطليعة في الحفاظ على جذوة الصراع مع الكيان الصهيوني (النواة الصلبة كمقدمة للطليعة والمكونة للطائفة الظاهرة ):

 

الطائفة الظاهرة هي طليعة الصراع في فلسطين والمتمثلة بالشعب الفلسطيني، وطليعة الرفض الكلي للمشروع الصهيوني العالمي، والمتمثل في نظرية الطائفة الظاهرة، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا يا رسول الله، وأين هم؟ قال (( ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس))”(1)، فالطائفة الظاهرة هي تحمل الحق في إظهار صراعها مع الكيان الصهيوني على أرض الصراع (فلسطين)، ليكون ظاهر وبين لكل مكونات الشعب الفلسطيني، وهي التي تمضي نحو مشروعها العالمي بثبات ويقين، وهي التي تعي أن تحرير فلسطين سيكون عبر الأمة الإسلامية وأن وجودها على أرض الإسراء والمعراج وجود ديني جهادي، ثقافي تحريضي، سياسي فكري، وتاريخي قديم، ليحافظ على جذوة الصراع بكافة أدواته وبكافة أنواع الصراع الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وهذه القيادة كنواة صلبة للطليعة المركزية تحمل فقهاً دعوياً رصيناً، وفكراً سياسياً شرعياً، وفقهاً جهادياً واقعياً، يحافظ على جذوة الصراع لتكون منارة الطريق لتحقيق الطليعة المركزية لتوجيه الصراع بكافة أبعاده داخل الحاضنة الشعبية الفلسطينية، حتى يتجسد منهج وفكرة الطليعة كظاهرة لتحقق الطائفة الظاهرة داخل المجتمع الفلسطيني تفوح عطر منهجها الجماهيري والشعبي على عموم الشعب الفلسطيني، وتعمل على نقل ما تمتلكه من منهج شعبي جماهيري تدين بعقيدة وأفكار الجماهير والشعب في مواجهة العدو الصهيوني، فتكون الطليعة ارتقت بإنتاج الطائفة الظاهرة في فلسطين لتنتج طلائع غير مركزية في صفوف الشعب الفلسطيني بكافة طاقاته وقدراته، من طلائع دينية ثقافية سياسية تحريضية وأدبية وتاريخية تعي أن الجماهير هي الوريث الأول والأخير لفكرتها، وتعي أن الصراع صراع الحاضنة الشعبية بكليتها، وأن النواة الصلبة من الطليعة المركزية تعمل لتحويل الطائفة إلى طليعة عامة من مجمل الحاضنة الشعبية ليصبح الشعب الفلسطيني طليعة الأمة الإسلامية،، وعليه يجب على الشعب الفلسطيني أن يتحمل عبء الصراع من خلال التكاتف على وحدة ومنهجية الفكرة، وهي عدم مقايضة حق الشعب الفلسطيني بأرضه والمساومة على حقوقه؛ والتي تجسد دحر الاحتلال من خلال نظرية الأمة المسلمة الواحدة؛ والتي تفي بوعدها للجهاد ضد اليهود في معركة القدس لتحرير أرض فلسطين، وهي التي تتصدى لكل المشاريع التي تصفي وتختزل وتضيع حق الشعب الفلسطيني، هذه (النواة الصلبة الطليعة المركزية) لها برامجها: الدعوية، والفكرية، والسياسية والجهادية المستقاة من عقيدة الشعب، وهي مكونات أساسية للبناء والإعداد والتأهيل والتكوين لها، وهذه (النواة الصلبة) هي التي عرفت أين ستضع أقدامها على الأرض، ففكرها قائم على العمل الطلائعي الشعبي، فهي تعمل بنظرية الرمح الخارق، تخترق بإيمانها ودعوتها قلوب المسلمين، وتنتشر بفهمها وأصالة فكرها نحو أمة مسلمة واحدة، فعلى الطليعة (النواة الصلبة) يجب أيضاً أن تأخذ بالتوسع مثل نظرية بقعة الزيت، ف”الذي يصنع التاريخ، ويصنع الثورة، والذي يحدث التغيير الثوري على أرض الواقع، إنما هو الجماهير بطليعة ثورية نابعة من قلبها”(2).

 

إن إيجاد البوصلة الإيمانية لهذه النواة الصلبة كطليعة هي التي تصنع النصر، فإذا كان رسولنا الكريم  قد مر في المراحل الربانية، وهي المكون الأساسي في صياغة الشخصية المؤمنة من علم وعمل ودعوة وصبر على مشاق الدعوة، لقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(3)، فهذه الآية جاءت بلفظ الأمة كنواة صلبة أي النفر القليل المتلبسة بالخير والداعية له والرافضة للمنكر والناهية عنه، فالنواة الصلبة كأمة طلائعية تعرف أن كثير من الناس تمارس حق التصحيح ولا تمارس حق العمل وممارسته، فلذا نجد أن الخاصيتين ملزمتين لها (حق التصحيح وممارسة العمل به) كنواة طلائعية صلبة ملتحمة بتوسعها مع عموم الأمة الإسلامية، فالأمة الطلائعية المتلبسة بخصائص الأمة الإسلامية هي المراد والمقصود في كل الأجيال والعصور، مادامت على الخير ومنكرة للإثم والمنكر، ففي هذه الآية جاءت الطليعة أي نفر من الناس الأقلة كنواة صلبة بلفظ الأمة، لتكون دليل الأمة ومركزيتها في إدارة الأمة الإسلامية؛ ما هي إلا دعوة صريحة من الحبيب محمد يقول لن يتم تحقيق النصر إلا بتحقيق عوامل النصر، والمتمثلة بتحقيق المكون الأساسي كأمة أي الطليعة كنواة صلبة تدرك مكون وجودها وغايتها ومهمتها، والتي ذكرناه آنفاً والتي تمضي على خطى رسول الله  ، وتحقيق التربية الإيمانية على قاعدة الإيمان والتوحيد من خلال المنهاج الرباني وفهم الواقع وممارسة إيمانية عملية مع المجتمع، فبداية من الأمة التي جاءت بمدلول فردي يحمل فكرة التوحيد، فالفكرة تحتاج لمن يحملها كفرد أو رجال أو جموع المسلمين، كما قال ربنا تبارك وتعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)، لتمتد الفكرة نحو الطليعة لتحملها وتتعاهد عليها لتسلك مسار المبدأ التي يجعلها ثابتة لا تناور ولا تحيد عنه كما جاء في قوله تبارك وتعالى: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)، أو مدلول عموم المسلمين موحدين على فكرة واحده أي أن دينكم دين واحد، كما قال ربنا تبارك وتعالى: إنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) فالأمة جاءت بمدلولاتها الثلاثة هي الفكرة مع اختلاف من سيحملها إما أن تكون الفكرة لفرد مؤمن أو عصابة أو رجال مؤمنين متواصلين مع عموم المسلمين، وكأن القرآن يقول الأمة متواصلة منذ بداية خلق الإنسان مروراً بأصحابه وصولاً لأمة الإسلام، فالأمة الإسلامية قائمة فينا ولن تنقطع لأنها تحمل الفكرة وهي دين الفطرة، وهذا دليل أن كثير من الحركات والتنظيمات والأحزاب لم تتعرف على نهج الأمة الفطري الشعبي الجماهيري، فتبقى مراوحة بين أفكار نخبها الفكرية التنظيمية منفصلة عن الفكرة التي جمعت المسلمين، وعلية تقود مشروعها من فشل إلى فشل، مرتهنة في نهاية مطافها للقوة الحاكمة محلياً أو إقليمياً أو دولياً، ولم يدركوا أن الأمة الإسلامية هي القوة الأساسية في تدمير المشاريع الصهيونية والغربية وأن الأمة هي التي تصنع الحضارة وهي التي تقود المعركة وهي التي تقيم الدين.

 

فإن من يحسن الاهتداء بالقرآن وبسيرة الرسول  لا يضل إلى تهور أو جبن، ولا يضل إلى تخاذل أو عمل طائش، ولا يضل إلى حمق أو غفلة، ولا إلى قعود واستكانة واستسلام، ولا يذهب إلى حرب إن لم يعد لها عدتها، ولا يتقاعس عن الحرب مرتمياً بأحضان الذل والنفاق والهوان (4).

 

فالجهاد الحقيقي لا يتم إلا بمرور الطائفة الظاهرة بداية من الفرد الذي يحمل الفكرة (الأمة) إن إبراهيم كان أمة إلى الرجال والعصبة متعاهدين على الفكرة ( ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) إلى الوصول إلى الأمة العامة إن هذه أمتكم أمة واحدة…) فإن الوصول للأمة وتحقيق فكرتها يجب أن يمر في طور الإعداد الإيماني، ومنها جهاد النفس والهوى، ويقول الرسول: (المجاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ الله، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه) رواه أحـمد: (6/21)، وكذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: “··· إن جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه؛ قال رجل للحسن البصري رحمه الله تعالى: يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل؟ قال جهادك هواك وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين؛ فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج إليهم“(5)، وفي هذه الأثناء تبذل الطائفة الظاهرة (كطلائع لامركزية) كل ما بوسعها بتلامسها مع المجتمعات المحيطة، لأنها آمنت بمنهج محمد  في البيان والبلاغ، والإعداد والبناء، لإيجاد أصول البنيان الراسخ على قاعدة الإيمان والتوحيد، وإعداد الخطة لكل ميدان من ميادين الدعوة المباركة وعلى رأسها ميدان الجهاد في سبيل الله، لتكون نهجاً راسخاً عند المسلمين لتحرير فلسطين.

 

فالطائفة الظاهرة (الطلائع اللامركزية) طائفة الاعتدال لا تقع في الإفراط ولا تتبنى التفريط … حقاً ما من أمر تطلبه في حياتك الدنيا إلا ويمكن أن تضل إذا أفرطت أو فرطت فيه، ولهذا كان الإسلام دين الاعتدال لا إفراط ولا تفريط، فإذا قلنا لا بد من مجاهدة الأعداء وحربهم؛ فقد يذهب الإفراط بالبعض إلى قتال بلا حيطة ولا عدة ولا استعداد، فيجهضون معركة قد تكون ناجحة لو أعدت لها عدتها وأحسنت إدارتها. وترى هناك من يستغل هذا الإفراط لينحرف بالركب عن الجهاد؛ مستدلاً على ذلك من النتائج السلبية، ليقول بتجنب المواجهة وإذا قيل لابد من الإعداد والاستعداد، فقد يكون ذلك حجة لمن لا يريد أن يقاتل في سبيل الله، فيظل يستعد إلى أبد الدهر، ولا يطلق رصاصة ولا يدخل معركة، وترى هناك من يستغل ذلك ليعمل في نفاذ صبر فيفرط في الإعداد والاستعداد(6).

 

فالطائفة الظاهرة هي التي تمثل قواعد البنيان للتشابك مع الجماهير والشعب، وهي الظاهرة بالحق وهي المتشابكة مع حاضنتها المجاهدة كشعب فلسطيني يدرك ويعرف خطواتها، ومتمسكة برؤيتها بدحر يهود من خلال حفاظها على جذوة الصراع بكافة أشكاله (الديني والجهادي والثقافي والسياسي، والأدبي، والتاريخي)، و تبقي على معركة وعي الأمة وتصدير مشروعها للأمة، حتى يصبح الجهاد للأمة ظاهر بين، فهي أدركت عمق فكرتها أن معركة الجهاد معركة أمة وليست نخبة، وأن تحرير فلسطين شان الأمة وليس شأن فلسطيني وليست شأن تنظيمي، تعتمد في مشروعها التحرري الجهادي على الأمة الإسلامية ملتحمة مع طليعة الأمة كمشروع وهو الشعب الفلسطيني، فستستنهض الهمم وتتحمل أعباء الدعوة وتكاليفها، داعية بكل الأساليب الشرعية إلى الفكرة من الإسلام، ومن الإيمان والتوحيد الخالص إلى الله(7)، وتحمل رسالة مناهضة المشروع الصهيوني بكل جوانبه، والعمل بكل الوسائل لدحر يهود مع الأمة من أرضنا، والدعوة على هدم المشروع الصهيوني في المجتمع الفلسطيني وكل المجتمعات، وتحقيق بنيانها في داخل الطائفة الظاهرة بكل الوسائل النقية، واستخلاص الوسائل التي تحقق الارتقاء في دعوة الله منهجاً، وحركةً وسياسةً، قولاً وممارسة، وإيجاد قواعد عامة لتحقيق الدفع حين استنفاذ جميع الوسائل لإقامة الجهاد ضد اليهود في الأمة الإسلامية.

 

ومن هنا يتحقق البنيان الكامل للطائفة الظاهرة، فيأتي تبني المنهج الأصعب على نفوس المؤمنين، وهو الجهاد لرفعة راية الإسلام وتحرير القدس من دنس اليهود، فنجد هنا لا يثبت إلا من تحققت في نفسه الربانية القائمة على قاعدة التوحيد والإيمان، ولا يثبت إلا من فهم سورتي الأنفال والتوبة قراءةً وتدبراً وفهماً وحفظاً وتطبيقاً وأعد له خطته.

 

فبرجوع للطليعة المركزية كواجهة للطائفة الظاهرة، تكون هي التي عرفت طبيعة الصراع وطبيعة الحرب، ” فإذا قيل إن الحرب بحاجة إلى كر وفر أول البعض ذلك فجعلوه فراً بلا كر أو جعلوه كراً بلا فر(8)”، وهنا تأتي الحاجة إلى الطليعة التي تربت على منهج النبوة، والتي لا تفرق في تربيتها وإعدادها وتأهيلها وتكوينها بين دعوة وسياسة وجهاد، وإنما عرفت الدعوة بشموليتها، وعرفت متى تقدم السياسة على الجهاد أو الجهاد على السياسة، فهي مواصلة نحو رؤيتها وغايتها، لذا ستعمل الطليعة على أن لا تجنح الطائفة الظاهرة في وعيها وتأسيسها على الفصل بين مكونات الدعوة الإسلامية ( دعوة، سياسة، جهاد)، فالطائفة والمؤلفة من الطلائع اللامركزية تربت على جميع مكونات الدعوة لتصل لقلب الجماهير والشعوب، وتعمل على إدارة المعركة وصولاً لتحقيق الدعوة بتلاحمها مع الطاقات والقدرات الشعبية، إن مفاعيل قوة الطائفة الظاهرة لعملها وممارسة الجماهير لنتائج العمل ممارسة دقيقة وواعية، تتفتح الميادين حسب الطاقة والقدرة الطلائعية والشعبية متلاحمتين وليست منفصلتين، وتحت خطة مدروسة زمانياً ومكانياً، ودراسة عوامل البيئة الخارجية المحيطة بالدعوة، ويجب على الطائفة أن تعي وتدرك بأن إلتحاق الجماهير والشعب بالفكرة يجب أن لا يؤثر في قدرة الطائفة في التوجيه والإرشاد ولا يعطل مسار خطتها، ويجب على الطائقة أن تبقي طاقتها مخزونة لأي طوارئ قد تؤثر على هدف دعوتها، كما كان عليه رسول الله  وصحبه الكرام رضي الله عنهم؛ وهم مثل كل مؤمن يريد أن يحقق الدعوة والأمة، ليبني الأمة المجاهدة التي تتبنى الجهاد لتحرير فلسطين، ف”تأتي الحاجة إلى تلك الطليعة كنواة صلبة للقيادة التي تهتدي بقيادة الرسول فتعطي كل جانب من جوانب المعركة حقه وقدره وفي وقته المناسب فتحسن التقدير والتدبير من أجل خوض المعركة بنجاح ففي قيادة الرسول  للصراع في كل المجالات وفي مختلف الأحوال أعظم الدرس. فهو الدرس الأول في كيف ينبغي أن تكون إيماناً وتقوى، نشاطاً وعملاً، حكمة وشجاعة، استقامة وليناً، اعتدالا وحزماً، فالاعتدال لا ينحرف عن الهدف ولا يضل الطريق إليه، والعزم عن الحرب لا يفتقد الحيطة أو يقع بالطيش فإذا اقتضى الموقف حلماً جاء في مكانه وبالقدر المناسب وإذا اقتضى أمراً حسماً فجاء في مكانه وبالقدر المناسب”(9)، هذه هي خصائص ومنطق الطائفة الظاهرة التي ستأخذ على عاتقها الإقدام والتحدي.

المراجع
(1) مسند الإمام احمد ح(5). ص (269).
(2) منير شفيق. حول التناقض والممارسة في الساحة الفلسطينية.
(3) سورة آل عمران: آية 104.
(4) منير شفيق الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر. ص 148، دار السلام.
(5) “روضة المحبين”: (ص478).
(6) منير شفيق الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر. ص 148، دار السلام.
(7) انظر كتاب عدنان النحوي. (1997)، التوحيد ووقعنا المعاصر، الطبعة الثالثة، دار النحوي للنشر والتوزيع.
(8) منير شفيق الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر. ص 149، دار السلام.
(9) منير شفيق الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر. ص 149، دار السلام.

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

النظرية السياسية ل تحرير فلسطين 3

 




النظرية السياسية لتحرير فلسطين 2

النظرية السياسية لتحرير فلسطين (2)

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

الأمة المسلمة الواحدة (المجاهدة)؛ هي أمة القبلة، وأمة دين الفطرة من عموم آل المسلمين، وهي أمة دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في وحده واحده، تتكاتف وتتعاون في دحر يهود ومن والاهم، والعمل على أن تكون كلمة الله هي العليا في الأرض، متمسكة ومعتصمة بمنهجها الأوحد كتاب الله وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، متعاهدة مع ربها أن تكون هي الحصن الحصين لأي غزو أجنبي، مستمسكة بقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. صدق الله العظيم [الحجرات:13] . فأساس الأمة الإسلام وأساس القيادة التقوى والصدق والإخلاص مصطحبة للطاقة والقدرة، ولن تكون الأمة حتى نترك العمل الحزبي قي الأرض والعمل من أجل عموم المسلمين لنكون منهم ويكونوا منا.

فعلى الأمة المسلمة الواحدة أن تمتلك أركان مهمة في تكوينها وبناء قواعدها والتي تحتوي على ثلاثة أركان أساسية هي:

الركن الأول: قبول المسلمين بكافة شرائحهم تحت مفهوم أنا مسلم مؤمن بالكتاب والسنة كما تقدم في الشرح (المقال الأول بعنوان النظرية السياسية في تحرير فلسطين الجزء الأول)، وخاصة في حالة الجهاد البين الواضح، كما هو في فلسطين.

الركن الثاني: قائم على الولاء والبراءة من خلال منطق الإيمان والتوحيد بفهم صحابة رسول الله r، والذي يمثل اجتماع المسلمين في وحدة واحده، تقود لتحقيق نظرية الأمة المسلمة الواحدة.

الركن الثالث: تحقيق رابطة الإيمان والإسلام، فالرابطة الإيمانية تختص بالطليعة المركزية والتي تمثل الطليعة الرافضة لحلول التسوية والتصفية مع اليهود، فالطليعة تمثل الطليعة الفعلية على أرض الإسراء والمعراج، وهي الطليعة المركزية؛ والتي تتبنى كافة أدوات المقارعة مع المحتل والكيان الصهيوني، وهي تجسد عنوان واقعي للأمة في فلسطين من خلال جهادها وكفاحها ومناهضتها للكيان الصهيوني وكل المسارات الصهيونية التي تهدف لأمن العدو، وهناك الطليعة الممتدة في الأمة والتي تشكل عصابات اقتصادية تعتمد على المال الحر في دعم الطليعة المركزية من كل شرائح الأمة ورجالاتها الاقتصادية التي تؤمن بالمشروع والذي يهدف لإجلاء العدو المركزي للأمة، وعصابات سياسية تمثل حقيقة التواصل بطلائع الشعوب في الأمة، لتمثل حق الدفاع عن هذه الطليعة أولاً، وثانياً تشكل حالة الوعي للتماس مع مشروع الطليعة المركزية بالوعي والفهم والإدراك العميق لحقيقة الصراع، والتي تمثلها الفكرة (المشروع) والتي تتجلى في مجابهة الحركة الصهيونية في كل الأوطان والبلاد الإسلامية،  وتشكل حصن منيع في تمدد الحركة الصهيونية العالمية في الأمة وهي التي ربت نفسها على قاعدة الإيمان والتوحيد وفهم المنهاج الرباني لتكون حافظة لمبادئها وفهمها العميق لحقيقة الصراع كحق جهادي في دحر العدو الصهيوني، وتمضي في المسار الوحيد والذي يحقق الهدف الرئيسي في دحر اليهود عن أرضنا، وترفض كل المسارات التي صنعها العدو الصهيوني للطليعة كمسارات تقوضها أو ترجئها عن هدفها الأصلي، أو تطيل من عمره أو تحقق أمنه أو أهدافه الإستراتيجية؛ وهو الهيمنة على الجهات الرسمية من خلال أدواته المتعددة، فالطليعة الممتدة في الأمة تسعى وهي ماضية على الحفاظ على رابطة الإسلام والتي تختص بعموم المسلمين والتي تحقق الأمة الإسلامية الواحدة في مجابهة الحركة الصهيونية العالمية.

الأمة المسلمة المجاهدة لن تنتصر إلا إن التزمت قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ، ولن نكون صفاً مقاتلاً إلا إذا انتزعنا خاصية الحزبية المقيتة من صدورنا وقلوبنا، والتزمنا دين الفطرة الذي جبلت عليه عموم المسلمين في جميع أقطار المعمورة، والاستمساك بقول الله تعالى هنا وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، فالأصل هنا كما جاء في الآية العداء والعداوة بين الناس ولكن نعمة الأخوة من ثمار الإسلام، وأي اختلاف وتفرق يوضح حقيقة فقداننا للإسلام منبع الفطرة السوية لعموم الشعوب، فلا الوهابية ولا السلفية ولا الاخوانية ولا أي حزب ستعلو مرتبته إلا أن يتوجه للأمة بدينها وليس بدينه الحزبي النفعي المصلحي، لأن الأصل في الدين التعاون على المصلحة الكلية للأمة والإسلام تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ فالأصل التعاون وليس التنافر والتشرذم والتبعثر.

عدو الأمة المسلمة الواحدة اليهود وأعوانهم هو عدو لكل فرد مسلم، فعدونا خطط وأتقن الخطة في تمزيق أمتنا وشعوبنا وقبائلنا المسلمة، فتجرأ علينا في خطة مهينة ومذلة لشعوبنا وامتهان لديننا الإسلامي بدءاً من التقسيم الجيوسياسي، واصطناع حرب الأفكار وعلى رأسها (الإسلامية والشيوعية)، وحرب الأحزاب والمناهج (الإسلامية – الإسلامية) في حروب ضروس منها حرب فقه العقائد، وحرب الموت من أجل شعار الحزب، واستغلال المشاريع الإقليمية وتقسيم الأمة من أجلها لحلفاء متناحرين ومتخاصمين، كل ذلك بخطى ثابتة وخطة مدروسة، فهل من علم ووعي وعمل؟ وهو ماض في إشغالنا وحرفنا عنه كعدو رئيس، فتأمل أيه المسلم إن العالم العربي والإسلامي بدا في صباحه يخلو من يهود ومستعربيهم ومتصهينيهم، كم من نزعات واختلافات وتناحرات ستختفي.

فالأمة المسلمة الواحدة هي الركيزة الأساسية مع طلائع المجاهدين والشعب الفلسطيني في تفتيت المشروع الصهيوني الكولونيالي الاستيطاني السرطاني، لأننا أدركنا أنه هو قائد المشاريع التي تستهدف الأمة المسلمة، وهو المستفيد الأوحد على تفتيتها، والمضي قدما نحو الهيمنة في الأمة من خلال التجزئة لها حتى يضمن بقائه وتمدد مشروعه في المنطقة على حساب غفلة قوى الشعوب، وانتهاز حالة الاستبداد والظلم في كافة الأنظمة الرسمية على شعوبها، والتسلط عليها وفرض حالة من الديكتاتورية في أوساط الأنظمة العربية التي يرضى عنها المشروع الصهيوني الأمريكي، وعليه يضمن حالة البقاء والأمن لكيانه، ويسعى في حل القضية الفلسطينية بالتسويف والمماطلة كحالة منفردة عن الأمة، ليضمن أن الحل لا يهدد أمنه واستقراره، وكحل يضمن له تمدده السرطاني في الأنظمة الرسمية، كما أن الكيان الصهيوني يعلم أن جميع الجهات الرسمية إلا ما ندر، تسعى وتلهث وراء الكيان الصهيوني للتطبيع والالتحاق في علو هذا الكيان، ليصيبهم بعض من الامتيازات على حساب الشارع الإسلامي وعلى حساب القضية الفلسطينية، ومن هنا الأمة المسلمة الواحدة بفكرها المتصدي للمشروع الصهيوني المتغول في الأمة هي الحصن الحصين لكل المتحالفين والمتصهينين، وهي المؤتمنة على عدم تصفية القضية الفلسطينية، وهي الحامي لكشف كل المؤامرات والمشاريع التي تستهدف القضية الفلسطينية، وهذا الاستهداف تعلم أنه المفتاح لقلب وتحوير الأمة الإسلامية والوطن الإسلامي لمشروع الشرق الأوسط الذي يرضى بوجود دولة الكيان الصهيوني، ليمارس أعتا مشاريعه في تذويب الهوية الإسلامية، ومن ثم يضمن علوه في الأمة واستعبادها كما جاء في برتوكولاته.

فالأمة بكليتها الجمعية هي القادرة الوحيدة على الخلاص من شرعنة النظام الدولي الجديد للكيان الصهيوني، فالأمة الإسلامية الواحدة هي القادرة لإعادة الاعتبار لمنظومة شرعية إسلامية، تستطيع الحفاظ على الكل الشعبي في الوطن العربي والإسلامي، وهي الدرع الحصين لمجابهة اللصوص من القوى الصهيوأمريكية على مقدرات الأمة الإسلامية، فالأمة المسلمة الواحدة هي التي أدركت أن العدو المركزي للأمة هي الحركة الصهيونية العالمية، وهي التي فهمت إن الحركة الصهيونية العالمية تسعى لبسط نفوذها الديني والسياسي في الأمة العربية والإسلامية من خلال خطة واضحة وبأهداف جلية وهي التالية:

الخطة الصهيونية العالمية :

  1. فصل الجهات الرسمية في الأمة العربية والإسلامية عن شعوبها، وإرساء حكم العسكر والرأسمالية ونزع الدين من الحكم.

  2. إرساء الفوضى لقتل بعضنا البعض، وإنشاء مسار التيه في وسط الشعوب العربية والإسلامية من خلال توظيف ثورتنا وانتفاضاتنا.

  3. تحويل الإسلام الفطري والإسلام التقليدي الذي تدين به الشعوب إلى إسلام سياسي متناحر ومتقاتل.

  4. إنشاء حرب الطوائف والمذاهب لتوتير المنطقة والتدخل كوسيط لحل الإشكاليات وتتقاضي الثمن من الذهب والبترول.

  5. إغراق الأمة العربية والإسلامية في خطة سياسية مهينة لترضى بالواقع الذي يفرض شرعية وشرعنة الكيان الصهيوني.

  6. كل ما ذكر سابقاً لقتل ركن الجهاد في الأمة العربية والإسلامية لتحرير القدس، وكل من ينادي بالجهاد ليصبح إرهابي منبوذ في وسط أمته.

لهذا يجب علينا السعي والمضي لأن تكون الأمة المسلمة الواحدة (المجاهدة)، هي النظام الوحيد الذي يكافئ ويوازي النظام الدولي الجديد وشرعيته وفرض وصايته على مقدرات الأمة، وهي الحامي من شرعنة القوى الصهيونية على القدس، وهي الصد المنيع للتغول الصهيوأمريكي في المنطقة وأي مشروع يعتدي على حقوق أي مسلم أي كان وفي أي بلد كان.

فتسير الطليعة والشعب الفلسطيني ومن خلفه بقية الأمة العربية والإسلامية، مع تبني برنامج واضح يتفقوا عليه جميعاً محددين الأحلاف للشعب الفلسطيني وليس لحركاتهم ونزعاتهم ومصالحهم، حتى يتمكنوا من مجابهة المشروع الصهيوني ودحره والمتمثل بالحركة الصهيونية العالمية والممثل النيابي عن اليهود في أصقاع الأرض.

فالنظرية السياسية الشرعية جاءت من منبع السيرة النبوية وقائدها السياسي الشرعي بامتياز محمد صلى الله عليه وسلم، فقاد الرسول الصراع مع قريش صراع سياسي شرعي بامتياز، ورسم طريق الفكر السياسي الشرعي للأجيال القادمة، وحدد معالم الخارطة السياسية وذلك بتحديد هدف الصراع وهي قريش لا غير، كما أنه أعد وأهل الطليعة إيمانياً، وركز على مركزية الصراع سياسياً وشرعياً، وجعل الجهاد لكافة المسلمين أساسيا في انهزام العدو ومشاريعه، وعليه جعل قريش هي المركز للصراع، رغم وجود قبائل عدة وشتى مع قبائل اليهود الأربعة، فالرسول لم يحد عن مركزية الصراع في بداية دعوته، وبعد هجرته وتمركزه في المدينة، فبقي محافظاً في توجهه سياسياً ولم يحد عن قضيته الشرعية السياسية، ولم يتبادل القتال مع جبهات قبائلية أخرى، وكما نعلم ما حدث له في الطائف عندما أدميت قدماه، لم يحيد قيد أنملة عن مركزية القضية السياسية والشرعية له، ولم يبدل العدو المركزي بعدو طارئ، ولم يتفرع في القتال مع عدو قريب أو بعيد، وحشد المسلمين حول صراع موحد، ضد الصراع المركزي وهم قريش، كما لم ينل من الفرس والروم في بداية الصراع، ومن هنا قاتل مشركي قريش، وكان يرسل الرسل للقبائل الأخرى لمزيداً من الكسب القبائلي أو توضيح حقيقة الصراع، وهنا يتجلى فكر الرسول السياسي الشرعي في التحييد كما فعل مع بني شيبان والأوس والخزرج، وغيرهم من القبائل، ومن هنا جاءت جوهر الفكرة للمشروع الذي ننادي به، والقاضي لدحر المشروع الصهيوني بكافة مشاريعه على أرض الإسراء والمعراج، وتفتيت الهيمنة الصهيونية على الأمة، ففي تاريخينا المعاصر نرى أن اليهود والمتمثلين بالمشروع الصهيوني السرطاني والمتلبسين به هم هدف الإسلام والمسلمين، ولن نتفرع لقتال مذهبي أو طائفي هنا أو هناك، ولا نلعب أي دور وظيفي لخدمة المشروع الصهيوني الأمريكي من خلال الدور الرسمي في بلاد المسلمين، فسنبقى نعي حقيقة الصراع ونزن الأمور بميزان الإسلام، وميزان خدمة القضية وخدمة الأمة في تناسق؛ مع تجميع عوامل القوة في دحره وتفتيت هيمنته، وعدم قبوله كمشروع نافذ في الأمة الإسلامية ولن يكون موجوداً؛ إلا فرادى أو جماعات لا قوة لهم ولا منعة؛ تحت سيطرة الإسلام ودفع الجزية.

فنجد أن التعامل مع  قضية فلسطين من خلال رؤية حزبية بامتياز، ولا ترقى لتفعيل جموع الشعب في وحده فكرية سياسية واحدة، وفي بعض الأحيان نجد أن القتال على أساس مسلم وكافر، ولا ندرك الفهم السياسي الشرعي الذي طرحناه أنه صراع كامل وشامل، بين جميع مكونات الشعب الفلسطيني التحاما مع جموع الأمة العربية والإسلامية، لعدو صهيوني واحد اعتدى على أرضنا ونهب مقدراتنا.

فعلينا بناء نفسيتنا العقلية ضد حالة الاستعلاء والاستكبار والإقصاء للآخر، ونعرف في الاتحاد قوة ضد الجبروت الغازي الإحلالي، وأن لا تبقى النفسية العقلية مصممة للفوز على الآخر، ولم ترق لأن يكون الهدف العام هو أن يفوز الحق الفلسطيني، ولا تعمل على أن يكون الشعب المكافح هو من يدفع الثمن لوحده،،، كما علينا إدراك دور المال السياسي في تقويض مشروع التحرير وتمكين العدو من تحقيق أهدافه في تجزئة الأرض.

ففلسطين ستضيع بين مطرقة العدو الصهيوني وسنديان التناحر والتنازع على سلطة بدون سيادة ، وهنا يتضاءل المشروع التحرري، ويقوى نفوذ الكيان في المنطقة، فالفلسطينيون هم طليعة الأمة، وهم المحافظون على جذوة الصراع حتى يتحقق وعد الله، في معركة فاصلة، بين جموع الأمة الواحدة ، مع تعانق الطليعة التي تحافظ على جذوة الصراع، وتيقظ الأمة من خلال عصابات إسلامية سياسية، وعصابات اقتصادية نافذة في الأمة بمعرفتها حقيقة الصراع، لتدعو للنفير العام ضد بني صهيون، فيتحقق الفكر السياسي الثوري الجهادي الملتحم.

ففي أصول السياسة يجب أن تحدد العدو الرئيسي، وتتعرف على الخصوم، وتفند الظالمين، وتصنف المناصرين، حتى ترقى لمعركة فاصلة لا يشوبها شيء من المغالطات، كما أن من أنماط السياسة الشرعية، الفصل بين قيادة المخالف وبين أتباعه، لتوريث مسالك تجعل الأتباع يسيرون في مسلكياتك ومن ثم يتبعون نهجك السياسي، ويكونوا رافدا من روافد الفعل السياسي لتحقيق ممارسة سياسية، يكونوا جزء من تطور خطتك السياسية، كما يجب التعامل بمبادئ أخلاقية، فالمعاملة بأخلاق الإسلام، واجبة لعل الله يحدث أمراً لصالح الإسلام ومنهجك السياسي.

بقلم/ الدكتور محمد كامل شبير

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

النظرية السياسية في تحرير فلسطين 2