مأزق بغال التحميل 3

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 3 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الثالث )

 

– من أجل الإستعداد للمعارك الأساسية الكبرى لابد من خوض تجارب قتالية حتى فى غير بلاد المسلمين، ناهيك عن معارك الدفاع عن شعوب وبلاد إسلامية .

موقع  حركة طالبان من التجربة الجهادية الإسلامية . 

– أيها المجاهدون : تلك صورة موجزة لما يمكن أن يواجهكم به العدو ، فى أى ساحة تعملون فيها . فماذا أنتم فاعلون ؟؟. ذلك هو التحدى الحقيقى .

 

تعتبر حركة طالبان حالة جهادية نادرة، تمكنت تخطى الكثير من العقبات الكبرى التى تعترض العمل الجهادى وتفشله . لهذا سنخصص لحركة طالبان والإمارة الإسلامية فصلا خاصاً حتى نستعرض بشئ فى التفصيل أهم أسباب نجاحات تلك الحركة الأفغانية، ليكون ذلك موضع دراسة لباقى المسلمين ، فهو من أغنى التجارب الإسلامية بالدروس النافعة ، بحيث لا يبقى البحث عن مخارج لأزمة العمل الجهادى فى إطار الأبحاث النظرية البحتة أو التنابذ بين التنظيمات. فسقطات التجارب الجهادية لا تعنى إسقاط فريضة الجهاد ، كما أن سقوط الجماعات الإسلامية فى أخطاء حولتها إلى (بغال تحميل) لا يعنى أن كل من شاركوا فيها قد إكتسبوا تلك الصفه الذميمة رغم أنها الصفة الغالبة .

كما أن القعود عن الجهاد لا يعنى إنتصاراً للقاعدين لمجرد أنهم لم يذهبوا خشية أن يتحولوا إلى بغال تحميل . إن الذهاب إلى تلك الميادين التى إستغلت حماسة الشباب ومثاليتهم كان ضروريا، ونتج عنه فوائد لم يكن ممكناً الحصول عليها بدون خوض التجربة، والتعرض لمخاطرها ومكابدة أخطائها.

فمن أجل الإستعداد للمعارك الأساسية الكبرى لابد من خوض تجارب قتالية حتى فى غير بلاد المسلمين، ناهيك عن معارك الدفاع عن شعوب وبلاد إسلامية .

ذلك من أجل تحصيل التجارب القتالية ، والمعارف السياسية فى أهم الحرائق المشتعلة .

هذا إن كان هناك عناصر جادة فى أداء تكاليفها الجهادية . وهناك أمثلة كثيرة لهؤلاء الجادون فى تناول قضاياهم كيف خاضوا مهالك الحروب من أجل تحصيل التجربة والإستعداد ليوم لا ريب فيه .

فاليهود مثلا توزعوا على الجيوش الأوروبية وخاضوا معها مهالك الحرب العالمية الثانية. وبعدها شكلوا الفيلق اليهودى الذى أذاق العرب الأمَرّين فى فلسطين . وكان أول خطوة جادة لإنشاء دولة يهودية قتالية تتحدى جميع المسلمين.

وهناك الألمان(النازيون) والروس(الشيوعيون) كلاهما ذهب إلى أسبانيا لخوض الحرب الأهلية هناك (1936ـ 1939) كل منهم مع شبيهه السياسى والعقائدى. وذلك من أجل إختبار الأسلحة المتطورة وما يناسبها من أساليب قتال . وفقدوا العديد من عناصرهم فى تلك الحرب، بعضهم كانوا هامين جدا فى مجال تخصصهم .

 

طالبان .. الأكثر نجاحا فى العمل الجهادى .

يتساءل الكثير من الشباب عن سبب نجاح حركة طالبان فى أفغانستان بينما باقى التجارب الجهادية ـ قد باءت بالفشل ـ وهم ينظرون نظرة مذهبية كما هو شائع الآن. أى يتكلمون بلسان “أهل السنة والجماعة” وذلك من مواريث عصور الإنحطاط الماضية وعصر السقوط الحالى، إذ نجح العدو فى تحويل الإسلام الواحد والأمة الواحدة (رغم تنوع المذاهب) حوَّلها إلى كيانات مذهبية متصارعة ، إلى درجة الإفناء المتبادل، كما هو واقع اليوم بين السنة والشيعة. ومبدأ “شيمون بيريز” يوضح دور اليهود فى تحطيم وحدة الأمة وإستخدام المسلمين فى تدمير بعضهم بعضا .

ـ لهذا سنتكلم هنا عن التجارب الجهادية عند “أهل السنة والجماعة ” متجاهلين تجارب الشيعة التى أخذت مسارات مختلفة ، أثرت على أهل السنة وعلى غيرهم ـ ولكننا تعمدنا إغماض الأعين وتجاهلنا دراسة التجارب الشيعية.

 بل لم ندرس تجارب (أهل السنة والجماعة). وحتى الجماعات الجهادية العاملة لم تدرس تاريخها ، وركزت ـ بالحق أو الباطل ـ على إنجازات وبطولات، وتجاهلت أخطاء قاتلة مازالت تنخر فى عظام الحركات السُنّية وتنقلها من فشل إلى فشل أشد . ويتساءل الكثير من الشباب عن حق :

لماذا نفشل نحن ، وتنجح حركة طالبان ؟

 وكيف السبيل للخروج مما نحن فيه ؟

سنعمل على الإختصار قدر الأمكان . وستظل الحاجه قائمة لإجراء حوارات مستفيضة حول نقاط تحتاج إلى المزيد من الإيضاح.

– تساءل البعض : لماذا ينجح طالبان بينما نفشل نحن ؟. ما الذى يمتلكونه ولا نمتلكه نحن ؟.

لسنا بصدد الإجابة عن معظم الأسئلة ولكننا نلفت النظر إلى عدة نقاط محورية ـ أو مصيرية ـ فى مسيرة شباب المستقبل العاملين من أجل أمة إسلامية متماسكة قوية ، تستعيد جميع حقوقها الغتصبة : المعنوى منها ـ والمادى.

وحتى تصبح الحركات الجهادية ـ جديرة بشعاراتها المرفوعة ـ ولا تتحول إلى مجرد “بغال تحميل” أى يسيطر أعداؤها عليها، ويسخرونها لأهدافهم . يجب أن تغطى الحركات الجهادية النقاط التالية:

– أن تتولى بنفسها رسم إستراتيجية الحرب ، (العسكرية و السياسية) .

– أن تتولى بنفسها العمل السياسى فى الداخل والخارج . ومراعاة تأثيره على التسليح والتمويل. كما  تتولى مسألة {إجراء المفاوضات ، وعقد التحالفات } فى الداخل والخارج .

 

ويمكن القول أن أى عمل منظم يتناول الجهاد المسلح أو الثورة الشعبية سبيلاً لإحداث تغيير جذرى فى المحتمع يجب أن يقوم على 6 ركائز هى :

1 ـ القيادة .

2 ـ التنظيم .

3 ـ البرنامج .

4 ـ الرؤية السياسية.

5 ـ الرؤية الإجتماعية .

6 ـ الرؤية الإقتصادية .

– وقبل كل ذلك فإن ذلك التنظيم أو الجماعة يجب أن تنبت بشكل طبيعى وعميق من تربة المجتمع الذى ستمارس فيه نشاطها . ورغم انها حركة تغيير جذرى إلا أنها تنبع من واقع إجتماعى ، له جذور دينية ، وتقاليد إجتماعية ، وتجارب مختزنة، وتاريخ يؤثر فى حركتة. والعناصر الست تحمل تلك التأثيرات. ورغم أنها تهدف إلى تغييرات جذرية، فإنها يجب أن تحمل سمات ذلك المجتمع وتتأثر بتاريخه وتقاليده ، وتراثه الفكرى .

فالإسلام عند لحظة بزوغه ، رغم أن غايته كانت إحداث تغييرات جذرية فى الإنسان والمجتمع، إلا أنه لم يُلْغ أياً منهما ـ بل أخذ منهما العديد من الإيجابيات وبنى عليها ـ مع الفطرة السليمة المختزنة فيهما ، ومبادئ الدين الجديد بقوته التنويرية والإيمانية.

فالإنطلاق جاء من أرض وبَشَرْ كانوا موجودين بالفعل ، وحسب الحديث الشريف (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فلم تكن مسيرة الإسلام نحو فراغ ولا قادمة من فراغ ، بل النهوض بأخلاق كريمة كادت أن تندثر، صوب مثل عليا لا يمكن رفضها ، ولا تنكرها الفطرة السليمة ولا العقل اليقظ . وفيها إحياء لكل ماهو كريم فى الإنسان والصعود به إلى الأعلى والأكمل فى كل شئ.

–  حركة طالبان فى مجتمعها الأفغانى لم تستجلب له إسلاماً جديدا لم يعرفه، بل بعثت فيه روح الإسلام من جديد ، لتطهير الواقع من إحتلال جاء ليهدم الإسلام ويخمد روحه فى نفوس الناس .

جاءت الحركة دفاعاً عن الدين ، وعن الأعراض والأعراف السامية ، ودفاعاً عما يمتلكه المجتمع من ثروة معنوية نابعة من الدين ، وعزة القبائل ، وحرية الأفغانى الذى لا يخضع لظلم أو قهر . شعب يربطه الدين والقبيلة ، والمذهب ، والطريقة الصوفية ، والعلماء الربانيون ، والمسجد الذى هو أهم الرموز والممتلكات. تحمله القبيلة معها فى السلم وفى ميدان الحرب، فوق قمة الجبل أو فى قاع الوادى فإن أول رسم فوق الأرض هو لحدود المسجد، وأشرف موقع هو للمحراب . فى المهجر أو فى الاغتراب المسجد المرسوم على الأرض أو مبنى بالأحجار والقش، هو العروة الثقى التى تربط الجميع ببعضهم وتربطهم بخالقهم.

أنه مسجد الأفغانى ومعتقده وميراثه الأسمى ، فهو ليس مجرد مبنى أو ملكية حكومية ، أو نظام بشرى مهما كان عادلا أو جائراً. إنه بيت الله ورمز كرامة القبيلة ورباطها الدينى ، ورابط مجتمعها وشرائعها، وفيه تحل المشاكل ، وتعقد الزيجات وتقام الجنائز، ويعلن الجهاد، وتنطلق منه أفواج المجاهدين لمقاومة الغزاة ، مرورا عزيزا لأشجع الرجال منخفضى الرؤوس من تحت المصحف الشريف ترفعة أيدى كبار الشيوخ .

 

الصوفية كمحتوى تاريخى للجهاد :

الصوفية كرباط إجتماعى ودينى مازالت قائمة وقوية فى أفغانستان ، تعمل بفاعلية وإنتصار رغم المحن التى إستهدفت أفغانستان وإستهدفت الصوفية تحديدا ، لهدم دورها كرابط إجتماعى وتكاتف دينى منظم .

لم ينجح الإستعمار فى هدم الصوفية فى أفغانستان ، كما نجح فى هدمها فى الدول العربية. فنجح فى إحتلال بلاد العرب ولم يتمكن من إحتلال أفغانستان وتخبط فى محاولات غزوها من فشل إلى آخر .

الوهابية كانت من أهم أدوات الإستعمار لهدم الصوفية فى بلاد العرب وساندتها فى ذلك (حكومة الهند البريطانية). ليس غيْرَة على عقائد المسلمين أو مكافحة للشرك الذى إتهموا به الصوفية ، بل لتحطيم أهم حاضنة جهادية لدى المسلمين. فكانت الوهابية المتحالفة مع آل سعود أداتهم للسيطرة على المقدسات ، وطرد “الخلافة العثمانية” من جزيرة العرب. وكنتيجة مباشرة سقطت “الخلافة”، التى كانت آخر رباط سياسى يجمع بلاد المسلمين فى كتلة رئيسية واحدة، وآخر رباط يجمعهم فى كيان دولى يحسب حسابه. ترتب على فقدان تركيا للمقدسات الإسلامية فى مكة والمدينة ، سقوط فلسطين فى أيدى اليهود. ثم سقوط بلاد العرب فى قبضة الإستعمار فى دويلات فرقها الإستعمار ولم تجمعها “الجامعة العربية” ولا القومية العربية التى أرادوها رابطا بديلا عن الإسلام ، فكانت طاردا له ومطاردا لأتباعه .

وعندما أراد المجاهدون العرب مقاومة الإحتلال، لم يجدوا محتوى إجتماعى تنظيمى يضم جهادهم . والصيغ الغربية الحديثة من أحزاب وتنظيمات أخذتهم فى عزلة عن المجتمع ، وفرقة فى الدين ، وبالتالى جرفتهم سلسلة لا تنتهى فى التجارب الفاشلة . وبدلا من الجيش المجاهد على النمط الأفغانى أصبح عندنا “بغال تحميل” ، ليسوا فقط علامة على الفشل، بل على ما هو أخطر، وهو إستيلاء العدو على “فريضة الجهاد” لإفشاله وتحويله إلى صدور المسلمين، ودماراً لبلادهم ومستقبلهم .

– لاحظ المؤرخون إرتباط الحركات الصوفية بالمقاومة الإسلامية ضد الإستعمار الأوروبى فى كل من ليبيا والجزائر والسودان والصومال وأفغانستان ، وحتى أندونيسيا .

ومن الأمثلة الساطعة كان جهاد حركة المريدين الصوفية فى القوقاز ضد الغزو الروسى منذ حملة بطرس الأكبر عام 1722 . وقاوم الإمام شامل الروس فى القوقاز منذ عام 1817 وحتى عام 1884 . والذى كسر ظهر الإمام شامل والمريدين هو إفتقارهم إلى دعم الأمة الإسلامية التى إستنزفها الصراع بين الإمبراطورية العثمانية (السنية) والإمبراطورية الإيرانية

(الشيعة)، فضاع القوقاز بسبب الصراع المذهبي السياسى . ويقال أن السلطان العثمانى عبد الحميد بعد إسقاطه قال أنه لو عاد الزمان لإتحد مع إيران فى مواجهة أوروبا . وتلك يقظة جاءت متأخرة ، ولم تتحقق حتى الآن . فمازال الإسلام يُذْبَح والمسلمون أكثر إهتماما بالفتنة منهم بالإسلام . ومازالت الوهابية تتابع رسالتها . فالمسيرة بدأت بإبادة الصوفيين فى جزيرة العرب بتهمة الشرك . ثم طرد العثمانيين منها بنفس التهمة . وقَبِل الوهابيون بالإحتلال الأروبى اليهودى كبديل عن الإمبراطورية العثمانية ، “كخلافة” جامعة للمسلمين .

– والهجوم البريطانى الوهابى على الشيعة مشابه تماما فى بواعثه مع هجومهم على الصوفية. فالشيعة لديهم تنظيم دينى إجتماعى يشكل حاضنة للجهاد مماثلة لدور التصوف عند السنة ، ذلك هو نظام مراجع التقليد ، الذى يتشكل من العالِم المَرْجِعْ على رأس جمهوره من المقلدين . متماثلا مع تنظيم الإمام والمريدين لدى المتصوفة من أهل السنة . كان لابد ان يحطم الإنجليز الحاضنة الجهادية عند السنة والشيعة معا بنفس السلاح ــ الوهابية ــ وتغطية ذلك بهيستريا من التعصب المذهبى المزيف.

فالوهابية عملت مثل كاسحة أمام الإستعمار الأوروبى تزيل من أمامه أى مقاومة إسلامية ـ تحت إسم الحفاظ على عقائد المسلمين .

والآن وقعنا فى مشكلة لم نجد لها حلا حتى الآن: كيف نجد القيادة الإسلامية الموثوقة ، والتنظيم الإسلامى المترابط ، ونوجد البيئة الحاضنة للجهاد الراعية للمجاهدين حتى نشرع فى الجهاد؟. فلم نجد حلا فى بلاد العرب سوى بغال التحميل . ولم يعد ممكنا العودة إلى الصيغ الإسلامية السابقة (الطرق الصوفية المجاهدة) لأنها إندثرت ولم تعد قائمة فى بلاد العرب . والموجود من الصوفية الآن هو شئ آخر صنعه الإستعمار ووكلاؤه الحاكمون الآن .

وقد إنفض الناس عن الصوفية ، وعمليا إنصرف معظم الناس عن الإسلام .

المسجد : حاضنة إجتماعية .

1 ـ القائد .

2 ـ التنظيم .

– فإذا كنا نتكلم فى الركائز الست للعمل الجهادى المنظم ، فإن نقطة بدايتها وقاعدة إنطلاقها، والحاضنة الإجتماعية للجهاد فى أفغانستان هو المسجد . ورغم أنه من الناحية المادية مجرد بناء من حجر وطين معروش بالخشب والقش ومفروش بالحصير، لكن لم ينطلق منه يوما إلا جهاد عظيم ومنتصر .

فيه جلس العالم يقود الجهاد ، فكان هو القيادة . وحوله جمهور المسجد الذين هم سكان القرية وأبناء القبيلة ، وتلامذته من طلاب العلم (طالبان) الذين هم فلذة أكباد القرية والقبيلة ، ومثالهم الأخلاقى . حُفَّاظ القرآن والدين، وقادتهم فى ميادين الجهاد. هم الرابط بين العالم (المولوى أو الملا) وبين جمهور المصلين أبناء القرية ورجالها ونسائها وأطفالها.

ذلك هو ” التنظيم الجهادى”، من أبناء المسجد، أبناء القرية، أبناء القبيلة، أبناء كل بيت . ليسوا غرباء وليسوا وافدين ولا يتكلمون لغة أخرى أو يتبعون دين مجهول . وليسوا عنيفين إلا فى الحق . وليسوا هجوميين إلا على الباطل.

إذا صعدوا مع شيخهم إلى الجبال لأجل الجهاد ، كانت القرية والقبيلة وكل بيت معهم بقلبه وعقله وكل ما يملك ، لأنهم ببساطة أبناؤه وقادته وأبطاله ، وشيوخه ، والمثل الأعلى فى الخُلُق والدين والجهاد ، والأكثر تضحية وجرأة وإيثاراً .

فطلاب العلم الشرعى “طالبان”، هم (كوادرالتنظيم الجهادى) بالتعبير الحديث، الذى هو أقل قدرة على توصيف حال هؤلاء الشباب ـ كما هو قاصر عن وصف حالة قائدهم الأعلى ، وقادتهم الميدانيين والمحليين من أتباع وتلامذه ورواد هؤلاء القادة . وأميرهم الأعلى، الذى عند الإنتصار النهائى إتفقوا على تسميته (أمير المؤمنين) فخراً واعتزازاً بتراث الإسلام ، حتى لا تسقط القيادة الجامعة من واقع المسلمين . فلهم دين واحد ، وقائد واحد لأمة موحدة .

  تكلمنا إذن عن (القيادة) عند طالبان ، وعن(التنظيم) عند تلك الحركة .

– القائد يُعَلّم ويطبق الدين وأحكامة ، ويتصدر صفوف المقاتلين ، وهو من أبطالهم وأول من يقتحم الأخطار ويعيش الصعاب ويضع الخطط ، ويُخْطِر الشَعْب ـ القبيلة ـ بما يريده منهم ، عبر تلامذته (وكوادره) طالبان.

– أبناء القبيلة الذين هم سند الجهاد والمدد بأسباب القوة ، من رجال ومال وطعام ، ومعلومات.

– المسجد هو القلب النابض للحركة والصلاة وتعليم الأطفال . والقبيلة هى الحاضنة الاجتماعية لهذا النشاط ، تموله وتحميه وتتفاعل معه ، ولا يتقدم عليه شئ آخر وترفض أو تتجاهل أى إطار آخر ، قادم من خارج القبيلة، سواء من الحكومة المركزية فى كابول أو من الإحتلال . أو حتى من أبناء القبيلة المنحرفين. وقد فشل الشيوعيون فى أن يقتحموا القبائل ، ونجاحهم كان جزئيا ومستندا على قوة الإحتلال السوفيتى ، ونظام كابول الخاضع للسوفييت .

كما فشل الأمريكيون فى إختراق القبائل بواسطة أبنائها الخارجين عن التوجه الدينى الإجتماعى الراسخ فى القبيلة والمجتمع الأفغانى عموما .

– إستراتيجية الغزو العسكرى والغزو الثقافى ـ سواء للسوفييت أو الأمريكين ركزت بشدة على إختراق ذلك الكيان الإجتماعى العقائدى الصلب . قصفوه بالطائرات وهاجموه بالجنود . كما قصفوه ثقافيا بالإعلام ـ ولما كان ما توفر فى أيدى الغزاة الأمريكيين من وسائل الإعلام الحديث أكبر بكثير مما توفر لدى السوفييت ، وكذلك الوسائل العسكرية والمدى الزمنى الأطول للإحتلال ، فكان تأثير غزوهم الثقافى أعمق مما حققه السوفييت .

فقد دمروا عددا أكبر من القرى وقتلوا أعدادا أكبر من العلماء وطلاب العلم . وهدموا عددا أكبر من المساجد والمدارس الدينية، ونشروا إستخدام الهيروين بين الشباب، وكافة أشكال العادات غير الاسلامية فى المدن ، والفساد من رشوة وسرقات بين موظفى الحكومة على إمتداد الدولة من كابول حتى أصغر قرية .

لهذا سيكون أصعب التحديات أمام الحكم الاسلامى القادم هو التخلص من آثار العدوان الثقافى ، وإهتزاز قاعدة القيم الإجتماعية .

– وأثناء القتال الدائر ضد الإحتلال فإن أهم واجبات حركة طالبان كان الهجوم على العدو عسكريا وفى نفس الوقت الحفاظ على البيئة الإجتماعية المجاهدة : (العالم ـ طلاب العلم ـ القبيلة ـ المسجد ـ المدرسة الدينية). والحفاظ على الأحكام الإسلامية والعرف الإجتماعى التقليدى داخل القرى . لهذا إحتفظوا على الدوام بجهاز تعليمى ومدارس دينية ، وقضاة لفض المنازعات بعيدا عن قوانين الدولة المحتلة .

– ويُشرِف القضاة أو أئمة المساجد أو المدرسين على تجميع الموارد الشرعية وتبرعات الأهالى لأبنائهم المجاهدين ( طالبان وإمارتهم الإسلامية التى يترأسها “أمير مؤمنين” إنتخبه العلماء وقادة القبائل). وبتلك الموارد تتخطى الحركة معضلة التمويل وتتفادى تدخل الممول الخارجى .

– والإمارة تولت مسائل التفاوض مع الجبهة المعادية التى هى جيش وسلطات الإحتلال والنظام المحلى العميل. وعند مرحلة رأتها مناسبة خاضت تجربة التفاوض. بداية من مفاوضات تبادل الأسرى وصولا إلى إتفاقية جلاء قوات الإحتلال .

– فلا وجود لبغال تحميل فى جهاد أفغانستان، فالتمويل والسياسة والتخطيط الإستراتيجى للمعركة، كلها فى أيدى الإمارة الإسلامية وحركة طالبان .

فى أى حرب هناك إنتصارت وهناك هزائم ، ولكن المسار فى صعود وإنتصار ، والمعركة عنيفة ضد أقوى دول الأرض وحلفائها فى العالم ، ومن أخطرهم أشباه المسلمين فى بلاد العرب.

 

3ـ البرنامج :

 البرنامج الجهادى تضعه الإمارة الإسلامية ــ كقيادة عليا للجهاد حاليا ، وللدولة كلها بعد التحريرــ ذلك البرنامج تشرف على تطبيقه حركة طالبان، بإعتبارها القوة التنفيذية للإمارة. تنفذ الخطط والبرامج والإستراتيجيات فى كافة المجالات العسكرية والمدنية والإقتصادية والسياسية والدعوية والدعائية .

الإمارة لا تضع البرامج والخطط بمعزل عن قواعدها الجهادية ومحيطها الإجتماعى فى القبيلة والقرى والمدن . فالافكار فى معظمها تأتى من البيئة الإجتماعية للشعب الأفغانى .

الإستراتيجية العسكرية:  مستمدة من تجارب الميدان والخبرات المتراكمة فيه . والدماء المبذولة فيه بغزارة وسخاء . وهى إستراتيجية مرتكزة على خبرة موروثة من الجهاد ضد قوى عظمى محتلة سابقا ـ السوفييت وقبلهم الإنجليز . مع مراعاة الفوارق فى ظروف كل معركة وإمكانات التسليح لدى العدو ، وطريقته فى القتال . فالقوى المقاتلة التى يستخدمها الأمريكيون فى أفغانستان أكثر تعقيداً وخطورة.

 

4 ـ الرؤية السياسية: 

وهى من إختصاص الإمارة ، وليس أى قوى خارجية. فى مجال السياسة الداخلية الأفغانية ليس هناك نظير لتفوق حركة طالبان فيها، وذلك منذ ظهورها عام1994 وحتى الآن فى وجود الإحتلال .

 أما السياسة الخارجية فإنها تخضع لحصار شامل يفرضه الأمريكى المحتل الذى يمتلك القدرة على إملاء رغباته على العالم ، بقوته الإقتصادية وعقوباته ، وإبتزازه العسكرى. ولكن بدأت الحركة تحقق إختراقات فى السياسة الخارجية منذ عام 2014 تقريبا . ومن وقتها وهى فى تقدم مضطرد ، بالتزامن مع تراجع نسبى فى قيمة الولايات المتحدة دوليا ، وإجماع العالم على كراهية أسلوبها الفج فى العلاقات الدولية ، والأزمات الإقتصادية التى تسببت فيها للعالم .

لم تكن حركة طالبان وقيادتها فى الإمارة الإسلامية ، فى موضع التابع فى أى مجال إستراتيجى عسكرى أو سياسى.

4 ـ الرؤية السياسية:  ما أسميناه (البرنامج) يشمل أيضا الرؤى الإجتماعية والإقتصادية للإمارة، سواء فى فى حالة الإحتلال أو مستقبلا بعد رحيل الإحتلال وفتح المجال من جديد لتطبيق برنامج الإمارة فى الإجتماع والإقتصاد، كما سنرى لا حقا .

 

5 ــ  6  الرؤيتان الإجتماعية والإقتصادية :

تمتلك حركة طالبان رؤية إجتماعية واضحة . ترى فى بيئتها الطبيعية مثالاً لما هو ممكن وأفضل فى الظروف الحالية . وتدرك أن المدن نالها أكبر قدر من الإنحراف الإجتماعى نتيجة لنفوذ الإحتلال وتركيزه العسكرى والإدارى. وبحكم النشأة فإن طالبان أكثر ميلا إلى الطبقات الفقيرة ، والحياة المتقشفة البعيدة عن التبذير الاستهلاكى. وهم أكثر إطِّلاعا على حياة الفقراء ومشاكلهم ومطالبهم ، وعلى دراية بما يحقق مصالحهم . هؤلاء الفقراء هم الأغلبية من سكان أفغانستان . لهذا فإن الرؤية الإجتماعية للإمارة الإسلامية ، وحركة طالبان ، مرتبطة بعموم الشعب الفقير المحروم ، الحر الشجاع ، المسلم المجاهد على الدوام فى أى وقت دفاعاً عن دينه وحريته وحقوقه .

–  لن تتعاطف حركة طالبان مع منهج الإقتصاد الغربى القائم على الإستهلاك النهم، وتكديس الأموال بكافة الطرق المحرمة، وعدم أداء التكاليف المالية الشرعية، وتحويل المجتمع إلى فئتين ، واحدة صغيرة جدا تمتلك معظم الثروات وكل السلطة السياسية ، وأغلبية من الفقراء الذين يمتلكون أقل القليل من المال ، ولا يمتلكون شيئا من السلطة السياسية .

–  بالتالى لن تسلم الإمارة الإسلامية ثروات أفغانستان إلى الشركات متعددة الجنسيات حتى لو دخلت عليها بالثياب الإسلامية التى يرتديها المنافقون من شركاء الشركات الدولية .

–  العدالة الإجتماعية ، وإتاحة فرص متساوية للجميع للإستفادة من الثروات العامة. والإستفادة من عوائد الثروات لبناء قاعدة إقتصادية قوية توفر حياة كريمة للأجيال الحالية والقادمة. وأداء الحقوق الشرعية من زكاة الأموال ، وأداء حقوق الفقراء والعاجزين عن الكسب، وتوفير فرص العمل لإجيال الشباب وتوفير التعليم المجانى والرعاية الصحية الكاملة للجميع .

–  الإقتصاد المنتج هو شعار الإمارة الإسلامية : زراعة واسعة وصناعة تلبى إحتياجات الإقتصاد، وحكومة تُحْكِم الإشراف على موارد الثروة الطبيعية، وتبتعد عن الإقتصاد الربوى وعن القروض أو المساعدات الخارجية المسمومة.

–  تحقيق ذلك يستلزم العمل على المستوى الإقليمى والدولى والإسلامى ، للخروج من مهلكة الإقتصاد اليهودى الربوى، الذى أحكم قبضته على رقاب البشر وجعل حياتهم جحيما من الحروب والمجاعات والأوبئة .

وتلك مهمة شاقة وطويلة المدى ، وتحتاج إلى التعاون مع الجيران أولا، ثم الإقليم القريب والتوسع فى دوائر تتسع حتى تشمل العالم فى جميع القارات . وتلك معركة عظمى ممتمدة وليست سهلة . وبدون ذلك سيكون التطبيق الإسلامى فى الحكم غير مكتمل . فالإقتصاد هو عماد الدول .

ورغم ذلك فإن الحركة الإسلامية العربية (والجهادية على وجه الخصوص) لا تمتلك أى رؤية أو برنامج إقتصادى أو إجتماعى . ولا ترى سوى الإستمرار فيما هو موجود حاليا من مبادئ الإقتصاد الربوى اليهودى . رغم أنه يقوض العدالة وينشر الفقر الذى هو منبع لجميع الكفر . فلا قيمة بعد ذلك بإن تتشدق الجماعات الإسلامية بشعار(تطبيق الشريعة) لأن ما يتحدثون عنه ليس هو الشريعة بل هو تطبيق جزئى لقانون العقوبات الشرعية ، التى لا يمكن تطبيقها فى ظروف مجتمع غير قائم على نظام إقتصادى إسلامى ، وتحكمه نظم إجتماعية وثقافية قائمة على الإسلام .

والنتيجة هى أن شعار (تطبيق الشريعة) الذى ترفعه بعض الحكومات المنافقة ، وترفعه حركات إسلامية فاقدة للإستقلال وتابعة لطواغيت الأرض ، وهى مجرد (بغال تحميل) سواء كانت فى ميدان القتال أو أى ميدان أخر،إقتصادى أو إجتماعى وثقافى . تمارس مظاهر خادعة بإسم الإسلام .

تكلمنا عن الركائز الستة للعمل الإسلامى المنظم الذى يخوض الجهاد المسلح أو(الثورة الشعبية السلمية) وذلك من خلال رؤية ميدانية حركية .

وذلك أسهل فى فهم من كتابتها بصيغة نظرية مجردة.

سنلخص الدروس السابقة فى صيغة نظرية لمجرد التذكرة والتركيز .

1 ـ القيادة :

إسلامية قوية ـ جهادية ـ مُلْهِمَة فى مجال المعنويات والأفكار والبرامج ـ موضع ثقة ـ تتمتع بقبول عام (كاريزما) قادرة على إدارة التنظيم الجهادى والثورى ـ قادرة على وضع السياسات والخطط الإستراتيجية ـ تجيد الإستفادة بالخبراء من حولها كل منهم فى مجاله الصحيح ـ متواضعة ـ عفيفة ـ متقشفة ـ شجاعة ـ واضحةـ صريحة ـ بعيدة النظرـ تجيد توزيع الصلاحيات والمسئوليات ، ولا تحتكر صنع القرارات .

2ـ التنظيم :

مؤمن ـ عقائدى ـ متحمس بدون تعصب عرقى أو مذهبى ـ ذو سلوكيات منضبطه سريع فى إصلاح الأخطاء الداخلية ـ شجاع فى مواجهة التحديات الخارجية ـ إيجابى فى صنع القرارات ومناقشتها ، مبدع فى تنفيذها بعدل وحياد ـ صعب المراس مع أعداء الأمة والدين ولا يهادن .

ينقل خطط القيادة إلى المستويات الشعبية ، ويرفع مطالب وآراء تلك المستويات إلى القيادة العليا. غير منحاز سوى للعدل ، ولا يرى تمايزا بين الناس سوى بالتقوى والصلاح . يتجنب إرتكاب الظلم بإعتباره العدو الأكبر لأى حركة جهادية أو ثورية .

ذو إعداد أخلاقى متين ، ومعرفة دينية أساسية لمواجهة التحديات التى يقابلها . يجيد الإتصال بالشعب ـ ذو ثقافة متجددة ومتنوعة ومتواصلة فى عالم يتطور بسرعة . جرئ فى إبداء وجهة نظره ، ومناقشة الموضوعات العامة ـ يستوضح ما جهل منها ، ويعمل بما تعلمه.

– يقوم التنظيم بتحويل الخطط الإستراتيجية التى تضعها القيادة إلى واقع عملى مع رفع آرائه فى المشاكل التى تقابله مع مقترحات للتطوير والتصحيح .

الأعمال التكتيكية خلال تطبيق الخطط الإستراتيجية ـ خاصة فى العمل العسكرى ـ معظمها يقع على عاتق الكوادر الميدانية وقدرتها على الإبداع وتمتعها بالخيال والجرأة .

– لابد من تزويد التنظيم بتثقيف سياسى متجدد عبر نشرات وكتيبات ومحاضرات وزيارات يقوم بها المستوى القيادى والجهاز السياسى لقواعد ومراكز المجاهدين . فمن أشد الأخطار أن يكون التنظيم جاهل سياسيا أو تنخر فى عقوله ثقافة سياسية مشوشة أو خاطئة . أو أن يصاب بالجمود السياسى بينما الواقع السياسى لقضيته وللعالم يتغير بإستمرار وبسرعه كبيرة .

والأخطر من كل ذلك أن يكون التنظيم يستمد ثقافته ومعلوماته السياسية من مصادر الأعداء وعملائهم المحليين أو أشباه المسلمين .

فالسيطرة على عقل التنظيم ستؤدى إلى السيطرة على قرارته ومسيرته وقد يتحول إلى خطر على القضية الإسلامية التى قام لنصرتها .

 

3 ـ البرنامج الجهادى :

وفيه تذكر الحركة الهدف من قيامها. ومجالات التغيير التى تستهدفها. والمسار الذى تختاره لتحقيق التغيير هل هو المسار الدعوى الإصلاحى، أم الثورى السلمى، أم الجهادى المسلح . مع سَوْقْ المبررات لذلك الإختيار المصيرى .

وتقدم إجمالى خططها الإجتماعية والإقتصادية. والعلاقات السياسية فى الدوائر البشرية من حولها من جيران الاقليم والعالم . وعلاقتها مع الغير إتفاقا أو خلافاً. ومستقبل تلك العلاقات من تأكيد أو تغيير أو تطوير ودعم .

ورؤيتها إلى الثقافة والأخلاق والمجتمع ، والسبيل إلى تطويرها إلى الأفضل .

–  إختصارا: فإن البرنامج ليس مجرد ترديد للشعارات ، بل هو توضيح لمجالات العمل والوسائل المتبعة فيها.

 

4 ـ الرؤية السياسية :

مما سبق يتضح أهمية ان تكون هناك رؤية سياسية واضحة للتنظيم ويتم شرحها للكوادر ومناقشتها معهم . وكل منهم يطبق الجزء السياسى المنوط به من السياسة الداخلية أو الخارجية .

والتنوير السياسى المستمر ضرورى للغاية ، وكذلك تزويد الكوادر بالمدد الثقافى، مثلما يتم إمدادهم بمستلزمات الحرب .

ونشر الفكر السياسى بين فئات الشعب ، ومداومة الشرح والتوضيح ومناقشة المسائل السياسية معهم حتى لا يحدث فراغ يملأه العدو ، فينفصل المجتمع عن المجاهدين ، ويزهد الشعب فيما يطرحونه من آراء غير واضحة أو تفتقر إلى النضج وبعيدة عن الواقع . نلفت النظر إلى خطأ إعتماد طريقة تكرار الشعارات  واستعراضها وكأنها منهج أو خطة .

 

5ـ الرؤية الإجتماعية :

تنحاز الحركة الإسلامية إلى الفقراء والمظلومين ، الذين أرهقهم الطغاة والمستعمرين . وإعادة الحقوق إلى هؤلاء وبسط العدل عليهم ، وإيصال الحقوق إليهم ، والوقوف إلى جانبهم والدفاع عنهم فى حال الثورة وما بعدها كموقف مبدئى . ولابد من محاربة الفقر بكافة الوسائل بإعتباره أشد الأخطار على المجتمع ، وعلى الدين ، وعلى الدولة .

 

6 ـ الرؤية الإقتصادية :

العودة إلى مبادئ الإقتصاد الإسلامى والعمل بصبر على تطبيقها بعد غياب طويل إستمر لمعظم التاريخ الإسلامى ـ فالرؤية الإقتصادية مرتبطة بشدة بالرؤية الإجتماعية ومبدأ العدالة والمساواة بين الناس ومحاربة الإحتكار والغش ، والتدليس ومقاومة الربا حتى القضاء التام عليه ، ومكافحة سيطرة اليهود على الإقتصاد الإسلامى والعالمى عبر شركاتهم والبنوك العملاقة.

فالربا والسيطرة الإقتصادية مرتبطة بسيطرة اليهود على العالم بكافة تفاصيل حياته .

من التحديات السياسية :  التفاوض ، والتحالف .

وهو فرق جوهرى بين المجاهدين الحقيقيين ، وبين “بغال التحميل” الذين يقومون بدور التابع للقوى المهيمنة ، ومجرد منفذين لأوامرها وتوجهاتها السياسية من تفاوض أو تحالف بإسم الحركة ونيابة عنها .

ولكن الحركة المجاهدة الحقيقية تعتبر أن ممارسة تلك المهام هى من أخطر واجباتها القيادية. تمارسها ـ مثل العمل القتالى ـ من منطلق جهادى مبدئى ، وبصيرة واعية وإدراك للواقع وتطوراته المتلاحقة ، وعلاقاته المتشابكة والمعقدة ـ خاصة فى المجال الدولى ـ

 

التفاوض:

تظهر الحاجة إليه منذ وقت مبكر خاصة فى المسائل المحلية ، وفى القتال المحدود عند تبادل الجثث والجرحى ، وأحيانا الأسرى فى نطاق محدود .

أو عند التفاهم بين القبائل المتجاورة أو مع السلطات المحلية ، أو المنظمات الإجنبية مثل هيئات الإغاثة فى مناطق الإشتباكات، وعند محاولات تحييد الميليشيات المحلية ، أوعزلها ، أو التمهيد لتصفيتها عسكريا .

وفى الأخير هناك مفاوضات من أجل قضية أسرى العدو المحتل : ومن الأفضل تأجيلها إلى أن يتم الإنسحاب. ولو كانت هناك خشية من أن يقتلهم العدو أو يختطفهم ، فقد تجرى مفاوضات قبل الإنسحاب فى مقابل أسرى من قيادات وكوادر المجاهدين ، أو فى مقابل غرامات مالية أو صفقات تسليح متطور، إلى آخر ما يمكن طرحه والحصول عليه فى إطار تلك المفاوضات.

 

التحالفات :

هى موضوع سياسى حساس وذو شقين داخلى وخارجى. وإذا كان هدف التكتيك العسكرى هو (المحافظة على قواتنا وإبادة قوات العدو)، فإن هدف التحالفات هو {تقوية صفوفنا ، وإضعاف صفوف العدو ـ فى الداخل والخارج} .

التحالف ذو تأثير كبير فى تقوية المركز العام ـ العسكرى / السياسى / الإقتصادى .

يحتاج التحالف إلى ذكاء وخبرة سياسية ، ومهارة فى إيجاد الأرضية المشتركة مع الآخرين ، مهما كانت محدودة ـ وذلك للحد من قدرة العدو السياسية.

أى محاصرته بشبكة تحالفات تعقدها الحركة فى الداخل والخارج بما يحقق أهدافها ويحرم العدو من المناورة السياسية وتوسيع تحالفاته.

 

الجهاد : لماذا ؟.. وأين ؟.. وكَيْف؟..

 1 ـ  الجهاد .. لماذا ؟؟

يعتقد كثيرون أنهم يعرفون الإجابة ، فيقولون أن الهدف هو”تطبيق شرع الله”.

ونظرهم متوجه إلى تطبيق جزء من العقوبات الشرعية، وفرض سلوكيات إجتماعية محافظة خاصة على النساء.

غبر مبالين بمراعاة الأركان الأساسية للمجتمع والدولة الإسلامية ، خاصة فى الإقتصاد ، والسياسة بنوعيها الداخلى والخارجى ، والتعليم والثقافة ، ومتطلبات الدفاع ، والتطور الدائم فى المجالات كافة لتلافى التخلف والجمود. ومحاربة “الإحتكارالإقتصادى والسياسى” كأساس ومصدر دائم للتلوث الثقافى والأمراض الأخلاقية والإجتماعية . وتطبيق مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص .. والقائمه طويلة. وليست فقط تطبيق بعض جوانب قانون العقوبات الإسلامى ، بدون مراعاة لباقى الجوانب التى بدونها يفقد ذلك التطبيق القانونى أى معنى ، بل قد يؤدى إلى فقدان ثقة الناس بذلك النظام ، ويرون إنه مجرد إحتيال وسؤ إستخدام لمشاعر التدين عند الناس .

 

2 ـ  الجهاد .. أين ؟؟

لا يكاد يخلو بلد من حاجة إلى ثورة على أوضاعة . وليس ذلك بالأمر السهل ، وليست الثورة السلمية ، أو الجهاد بالسلاح ، أمراً سهلاً أو متاحاً أو مضمون النتائج . فتوافر شروط الثورة لا يعنى أنها ممكنة الحدوث ، وإلا لاشتعلت معظم بلاد المسلمين بالثورات.

وللأسف فإن أعداء الأمة هم من يمتلكون”لوحة التشغيل” الخاصة بإشعال الثورات السلمية أو المسلحة كما رأينا فى العقود الأخيرة وبالذات فى تجارب ( الربيع العربى) .

– من العسير أن تحرك التنظيمات الإسلامية مجتمعاتها صوب ثورة إسلامية (مسلحة أو سلمية). ولكن من الأسهل أن يقوم العدو بذلك، كما رأينا فى أحداث الربيع العربى. بل أن يحول يحول العدو مسار الثورة من سلمية ذات مطالب معيشية وحقوقية، إلى ثورة مسلحة مطلبها هو”الدمار الشامل”. يشارك فيها أو يتحمل تبعاتها التيار الإسلامى “الجهادى” بشعارات منفلتة تنادى بتطهير مذهبى أو عرقى، وتطبيق دموى لشئ إبتدعوه وقالوا أنه الإسلام .

 

3ـ  الجهاد .. كَيْف ؟؟.

نقصد هنا أساليب التغيير الجذرى سواء عن طريق الثورة الشعبية السلمية أو الجهاد المسلح بإتباع تقنيات “حرب العصابات “طويلة الأمد متعددة المراحل .

وقد إحتوى كتاب أسميته (حرب المطاريد) شئ من التفصيل فى كلا الطريقين. الكتاب موجود فى موقع (مافا السياسي) منذ عام 2007 . والآن ينبغى وضع بعض الإضافات حيث أن الأوضاع الدولية والإقليمية قد تغيرت بشدة منذ ذلك الوقت . وكذلك الأوضاع الداخلية فى الدول الإسلامية والدول العربية ، التى يشهد عدد منها حروبا داخلية ، من المفيد أخذ الدروس والعبر.

 

وأهم تلك الدروس هى :

لم يعد هناك حدث محلى فى الدول العربية والإسلامية. فالأحداث كلها دولية أولا، ثم إقليمية ثانيا، ثم داخلية ثالثا . وذلك الترتيب عكس ما كان سائدا فى الماضى .

فالثورات أو الأزمات المحلية الكبيرة تتحول فورا إلى مشكلة عالمية يتقدم فيها الطرف الدولى المسيطر (الولايات المتحدة) مع منظومة التوابع الدوليين( دول حلف الناتو والدول الأوروبية ثم دول من سقط المتاع من هنا وهناك) ، تتدخل الولايات المتحدة أولا بأسلحة الإقتصاد والمال ، وسلاح الحرب النفسية والإعلام ،  و بالمنظمات الدولية (أمم متحدة ـ مجلس أمن ـ حقوق إنسان ـ طاقة ذرية) وأخيراً التحرك العسكرى المباشر والمدروس بدقة (بالضربات الجوية أو القوات المحمولة ، أوالقوات البرية إذا إستدعى الأمر السيطرة على أبار النفط ـ أو المواقع المؤثرة عسكريا أو سياسيا أو إقتصاديا ) .

– تحرك الولايات المتحدة الأطراف الخليجية والسعودية ، للتمويل وتحريك العمل الإسلامي (الجهادى ـ والسياسى ـ والدعوى ) أى الجماعات السلفية الجهادية ، والإخوان المسلمين (سلفية سياسية) والسلفيات الدعوية الأكثر ميلا للوهابية السعودية.

تلك الأطراف تتحرك داخليا ضد النظام الحاكم لدفعه صوب مواضع أكثر خضوعا للمصالح الإسرائيلية ـ أولاـ والمصالح الأمريكية ثانيا .

– يتحرك الشعب صوب الثورة ، وهو الذى يعيش أزمات خانقة، ما أن تصله الإشارات الخضراء ، ويرتفع الدعم الذى يتمتع به النظام الحاكم من الخارج الدولى (الولايات المتحدة وإسرائيل) ومن الأطراف النفطية فى السعودية الخليج، الممولة للنظام والمؤيدة له سياسيا والمسيطرة على الحركة الإسلامية عنده {إخوان ـ تنظيمات جهادية ـ سلفيون وهابيون}. وهؤلاء كانوا فى وضع كمون فى إنتظار إستدعائهم للحركة ـ ويعانون ضغوطا دائمة من النظام كونهم البديل أو الأداة التى سيحركها حلفاء النظام فى الخارج ضده عندما يرون المصلحة فى تغييره .

 

حقائق سياسية صارخة .. منذ 2001

1 ـ أن إسرائيل هى قوة إقليمية ودولية فى نفس الوقت . وهى الدولة الوحيدة فى المنطقة العربية من المحيط والخليج . والبقية إما أشباه دول أو ركام دول منهارة ـ تنتظر الأمر بإزالتها .

2 ـ لا الولايات المتحدة، ولا أى قوة أوربية رئيسية ، يمكنها التحرك فى المنطقة العربية بغير ما تشاء إسرائيل وترضى .

3 ـ الحركة الإسلامية بأفرعها سابقة الذكر هى جزء من التحرك الدولى فى المنطقة وجزء من قوى التمويل النفطى (السعودى ـ الخليجى) ضمن محور تقوده إسرائيل.

4 ـ ونتيجة لتطور مشيخات السعودية والخليج إلى وضعية مستعمرات إسرائيلية شبه علنية، فقد إقتضت الضرورة لجؤ التيار الإسلامى إلى تركيا كأرض مقر ـ لعدم قدرة قطر على إستضافة تلك الجماعات ، خشية منها ، وخشية جيران قطر من تواجد  هذا الحشد الإسلامى الضخم . فذلك الحشد يغلب عليه الإرتزاق وليس العقائدية ـ أو هو إرتزاق شبه عقائدى .

5 ـ لا يوجد تحرك إسلامى حقيقى فى المنطقة العربية . فالتحرك الإسلامى عماده قيادة العلماء وهم عملة إنقرضت من أوساط أهل السنة والجماعة فيما عدا حركة طالبان .

فبعض الحركات الإسلامية المشهورة تخلو تماما من العلماء . وبعض الحركات عندها نماذج تستعرضها فى الإحتفالات وبرامج الإستفتاءات .

– فشلت حركات التمرد الشعبى فى المنطقة العربية (الربيع العربى) كونها تفتقد إلى القيادة والبرنامج . فالجماهير الذى رُفِعَت عنها فجأة كمية من الضغوط الأمنية الرهيبة خرجت مندفعة إلى الشوارع ، وهى لا تدرى على وجه التحديد ماذا تريد ؟ ومن هو قائد تمردها الذى سيحدد الخطوات التالية ؟ .

قفز على أكتاف الجماهير مغامرون وإنتهازيون من توجهات شتى ، وتيارات سياسية هامشية أو مستأجرة تعرف قوانين”اللعبة” فبادرت إلى الإتفاق مع الطواغيت المحليين (مراكز القوى داخل النظام، فى الجيش والأجهزة الأمنية) ومراكز التمويل النفطى ، أو إتصلت بإسرائيل مباشرة إذا كان لديها القدرة والخبرة على فعل ذلك .

ما حدث بعد ذلك هو التطور الطبيعى ، إذ إنهارت الأوضاع العربية أكثر مما كانت عليه. فيما عدا تونس الذى حظى شعبها بملهاة من اللغو الديموقراطى ، بينما ظل ما سوى ذلك على ما هو عليه . واستمر خضوع النظام للقوى الخارجية أكثر مما كان فى السابق . ولم يخطو الإقتصاد خطوة واحدة إلى الأمام، وبقيت أوضاع الشعب على حالها . ذلك بالطبع أفضل بكثير جدا مما حدث فى مصر أو سوريا أو اليمن أو لبنان والعراق . لهذا تعتبر تونس الأعمى الأقوى بصراً من بين العميان ، على الأقل أنه لم يسقط فى البئر حتى الآن.

– بغياب الإسلام الحقيقى عن المنطقة العربية ، وإحترافية الجماعات الإسلامية كقوى مستثمرة للأوضاع ومتعايشة مع الإنحرافات العربية ، ومع سيطرة الغرب وإسرائيل . فإن فرص نجاح الثورات الشعبية يصبح قليلا للغاية ، أما حروب العصابات فهى شبه مستحيلة فى أغلب البلاد .

يبقى الإحتمال الذى قد يصبح متاحاً فى أى وقت هو إندلاع ثورات جوع وغضب ويأس تحرق كل ما تصل إليه أيديها ، ولا تتمكن من إصلاح أو بناء مستقبل أو حاضر .

– فى ظل هذه الظروف تبدو الجماعات الجهادية العربية لغزاً . فما دامت معزولة عن شعوبها ، وتفتقد إلى القيادة بشكلها المفترض ، وكذلك حالتها التنظيمية البائسة.

وما دامت فى معظمها خارج مواطنها الطبيعية ، أو مغتربة داخل ذلك الوطن .

فماذا يمكن لتلك التنظيمات أن تفعل ؟؟ وأى طرق للتغيير سوف تسلك ؟ وكيف يكون ذلك ؟.

حتى فى ظل تلك الأوضاع البائسة ، يظل هناك أسلوب ما للعمل . ولكن ما هو ؟.. وما هى قوانينه مادام طريقا لم يسلكه أحد قبل ذلك ؟؟ .

وهل ننتظر العدو أن يبتكر لنا طريقا ، ويجتذبنا إلى العمل فيه بأسلوبه وعلى طريقته وصوب أهدافه لنكون بغال تحميل فى طريق جديد ومبتكر ؟؟ .

تحمل التجربة الجهادية لحركة طالبان فى مواجهة الإحتلال الأمريكى خيوط الإجابة عن أكثر تلك المعضلات. بشرط دراسة التجربة بعمق والخروج منها بالإستنتاج الصحيح . ولكن كيف ستفعل ذلك فى تجربة لم تشهدها ولم تتابعها إلا لماماً ؟؟. بينما حضر المجاهدون العرب معظم التجربة الجهادية الأولى ضد السوفييت ، وإتضح بعد ذلك أنهم لم يستوعبوا منها غير بعض دروس إستخدام السلاح. أو كما قال خبير بعد نهاية الحرب : (إن العرب خرجوا من تلك الحرب جنودا أوضباط صف ، ولكن لم يخرج منهم جنرال واحد } .

إذن غاية مرحلة التطور المتاح لبغل التحميل هو أن يرتقى إلى رتبة جندى أو ضابط صف. ولكن الخروج من مرتبة بغال التحميل يستدعى الترقى إلى ما هو أبعد، وإقتحام مجالات الإستراتيجية ، ومجاهل السياسة الدولية والمحلية .

 

وفى مجالات القيادة والتنظيم:

 1 ـ لابد من الإعتراف بالحاجة فى وجود قيادة من العلماء /وذلك فى ظل عدم وجود علماء/ بما يعنى أن نبدأ من أول السلم فى تكوين طبقة العلماء بعيداً عن السلطات المحلية والدولية .

2 ـ أن يتواضع الفرد العربى ويقتنع أنه قد لا يكون قائداً على الدوام ـ وعليه ان يتحمل تلك المصيبة . وأن يتواضع القائد العربى، ويقتنع ألا يصبح طاغوتاً بمجرد ان يتولى إمرة شخصين أو أكثر .

3 ـ الحركة الإسلامية ـ عموما ـ تتفق مع الأنظمة الطاغوتية على مقاومة الوعى بين رعاياها ، وتسطيح العقول ، وإشاعة الضعف الثقافى ، وإستبدال البحث والحوار الجدى الهادف بعمليات التلقين والمراء والجدال العقيم، والإبتعاد عن الموضوعية ، والإغراق فى الشخصنة وعبادة الذات. وإختزال الأمة فى التنظيم، واختزال الثقافة فى الغثاء الذى تلقنه كل جماعة لأتباعها .

فمن العار أن تكون الفجوة الثقافية بين أعضاء الجماعات الإسلامية وجماعات الذباب الأليكترونى ضيقة إلى هذا الحد .

الفرد فى الجماعة الإسلامية عبارة عن مادة أو سلعة يعتاش عليها التنظيم، وتبنى عليها القيادة أهميتها فى السوق السياسى .

وكلما كان الفرد حماسيا مسطحاً جاهلاً كان ذلك أفضل فى وضعية كهذه .

 

{ المخابرات ـ والمرتزقة ـ والتكنولوجيا }.

تجديدات نوعية فى الحرب الأمريكية على أفغانستان ..

دخلت أمريكا حرب أفغانستان وهى فى حالة جهوزية تامة لتلك الحرب ـ وكان واضحاً أنها قد درست بعمق تجربة السوفييت فى أفغانستان ، وإستفادت من أوجه القصور فيها ، وأغلقت كافة الثغرات. وحتى فلسفة الغزو العسكرى تغيرت بالكامل، وطرق المجاهدين القديمة أصبحت قليلة الجدوى ـ أو ضارة فى حالات كثيرة .

إستغرقت حركة طالبان عدة سنوات فى إستكشاف قوانين تلك الحرب الجديدة ، ومن ثم إبتكار أساليب جديدة للمواجهة. وتكبدت الحركة أنهارا من الدماء فى ذلك السبيل.

الأساليب الجديدة ، عسكرية فى المقام الأول ولكنها وثيقة الإرتباط بالحروب الأخرى : النفسية ـ الإعلامية ـ السياسية ـ الإقتصادية .

نوع الحرب: الحرب الأمريكية على أفغانستان حرب (تقودها المخابرات) . والمرتزقة هم القوى الضاربة ، والتكنولوجيا الخارقة تضمن تفوق دائم لا يمكن إدراكه . إنها الحرب الأولى فى العالم القائمة ــ وبدون جيش تقريبا ــ على أعمدة ثلاث متصلة هى : ( المخابرات ــ المرتزقة ــ التكنولوجيا  ).

الهدف من الحرب : هوتحطيم روح المقاومة لدى المدنيين ، وفك الإرتباط بينهم وبين المجاهدين بكافة الوسائل المتاحة.

فاستهداف الشعوب سياسة ثابتة لدى الأمريكيين . وفى مجهودها لإسقاط الأنظمة غير المرغوب فيها، فإنها توجه الضربات الإقتصادية التى تمس حياة الناس وأمنهم الإقتصادى والغذائى. ويبررون ذلك بأنه ضغط على الأنظمة .

وحتى فى ضغطهم على الحلفاء أو المنافسين فإنهم يستهدفون الشعوب رأساً ليكونوا وسيلتها للضعط على الأنظمة وتغيير السياسات.

إذا تجاوزنا الحديث عن الأسباب الدينية للحرب رغم خطورتها ، ورغم أن الأمريكيون أنفسهم قالوا صراحه أنها(حرب صليبية) وهى كذلك بالفعل .

الحرب السوفيتيه كانت أحد أشكال الحروب الصليبية المتواصلة على أفغانستان، ولكن فى ثوب(ماركسي). وقال السوفييت صراحة أنهم أرسلوا جيشهم لتثبيت الحكم الشيوعى فى أفغانستان . الدوافع الإقتصادية كانت غاية القوة فى تحريك الصليبية الأمريكية .

كانت ثروات أفغانستان المعدنية (أكثر من 2  ترليون دولار) أحد الدوافع .

شلالات النفط والغاز من آسيا الوسطى التى تطلب إذنا بعبور أفغانستان لصالح الشركات الأمريكية كانت دافعا آخر .

أكبر محصول أفيون فى العالم ، والذى يمثل الدخل الأعظم للبنوك الأمريكية ويقدر بعدة مئات من المليارات سنويا (أكثر من 600 مليار) يعتبر الدافع الأول بفارق كبير جدا عن باقى الأهداف .

بالتالى أصبحت المناطق المنتجة للأفيون هى المسرح الأساسى للعمليات العسكرية والإستخبارية. فالقوة العسكرية الرئيسية للجيش الأمريكى تركزت فى ذلك المسرح. وأقرب حلفاء أمريكا عقائديا وسياسيا كانوا شركائها فى ذلك الميدان . وبالتريب كانوا: بريطانيا ـ كندا ـ إستراليا {الجنس الأبيض ، بروتوستانت ـ أنجلوساكسون }. وتخصصت بريطانيا فى نهب مناجم اليورانيوم الموجودة فى نفس المنطقة ، بإعتبارها الشريك الأوروبى الأكبر فى الحملة الصليبية . فى نفس المنطقة عملت قوات “إسلامية” من الإمارات .

القوات الأردنية شاركت فى الحملة الصليبية. وتركيا ضمن قوات حلف الناتو أرسلت أكبر قوات عسكرية بعد القوات الأمريكية.

هدف العدو من الحرب ـ وأسلوب العدو فى القتال ـ والأدوات المتاحة بين يديه، كانت مفاتيح أساسية لرسم إستراتيجية طالبان لخوض الحرب .

ولا ننسى الموقف الدولى وسيادة أمريكا على العالم كذئب مستفرد بالقرية الدولية .

ولا ننسى الموقف الإقليمى المعادى لطالبان .

أوالموقف الإسلامى غير المبالى (فى أحسن حالاته). أو المتآمر مع الحملة، خاصة المشيخات النفطية (السعودية / الإمارات/ قطر) .

 

صدمة تكنولوجية :

تعتمد الولايات المتحدة فى حربها على تفوق تكنولوجى يسبق ما لدى القوى الأولى فى العالم تجهيزا لأى حرب عالمية قادمة . فما بالك بالفجوة التكنولوجية بين جيش الغزو وبين مجاهدى حركة طالبان ؟؟ فكم سنة ضوئية كان الفارق بينهما؟؟.

– فى بداية الحرب حدثت صدمة من قدرة الجنود والمعدات الأمريكية على الرؤية ليلاً بالمناظير الحديثة . وبعد أن كان الليل حليفاً للمجاهدين ، أصبح حليفاً للعدو ، ويعمل لصالحه أكثر . فتحول المجاهدون إلى إستخدام النهار حيث الرؤية ستكون متساوية .

– دقة تصويب الأسلحة كان ملفتا للنظر، نتيجة التقنيات الحديثة، يستوى فى ذلك الجندى والدبابة والطائرة .

– فى بداية الحرب أحدث الطيران الأمريكى صدمة كبيرة لدى طالبان . فكان فارق الأداء كبيرا بينه ، وبين ما إعتاد عليه الأفغان من الطائرات السوفيتية .

ثم كانت صدمة أخرى من القوة التدميرية للذخائر الجديدة التى إستخدمها الأمريكيون، مثل قنابل اليورانيوم المنضب ، التى إستخدموها فى حرب “تحرير الكويت” ضد الجيش العراقى ، فكان تأثيرها مذهلاً . وإستخدموا القنابل الثقيلة التى تزن عدة أطنان حتى وصلوا إلى”أم القنابل” ذات الأطنان العشرة .

 

صدمة الطائرات بدون طيار (درون)

مازالت تلك الطائرات تقوم بالدور الأعظم فى الحرب ، وطور الأمريكيون والإاسرائيليون أجيالا عديدة منها. ولم يسبق أن سيطر جيش على الأجواء بتلك القوة ، ومعظم الوقت تقريبا . فهى تُسْتَخْدَم بكثافة عالية جداً فى سماء أفغانستان، وتقوم بمهام شتى فى الرصد والمتابعة وتدمير الأهداف وإغتيال الأشخاص .

جزء كبير من أسطورة الطيران تعود إلى إنعدام وجود مضادات جوية أو قلتها مع تخلفها التكنولوجى . ومازالت طائرات الدرون لا تواجه تحدياً جدياً يهدد سيادتها على الأجواء .

معظم طائرات (الدرون) فى أفغانستان صنعت فى إسرائيل ، ويديرها خبراء إسرائيليون ضمن شركات المرتزقة .

صدمة المرتزقة وفرق الموت وحرب الإغتيالات :

تطبق الولايات المتحدة نوعاً متطرفاً من الليبرالية الجديدة ، بإطلاق حرية كبيرة لأصحاب الأموال ليفعلوا ما يشاءون داخل الدولة وخارجها ، بأقل قدر من تدخل أجهزة الدولة ، بل أن أجهزة الدولة تساعد فى تمكين الرأسمالية المتوحشة وحراستها ، وتقليص دور الدولة فى مجال الخدمات .

الأعجب والأخطر كان خصخصة الجيش والإستخبارات والأمن. لتتوسع أدوار الشركات داخل تلك الأجهزة ، من التخصصات الدقيقة وصولاً إلى القتال الأرضى .

رأت الولايات المتحدة أن المرتزقة أو المتعاقدين ـ العاملين ضمن شركات متفاوته الحجم يحققون مصالحها بشكل أفضل ويتماشون مع فلسفة المجتمع الجديد الذى لا يرى غير المال ، ولا يبالى بالقيم والمثل التى تعارفت عليها الإنسانية خلال قرون طويلة ومن خلال الأديان .

من النقاط الهامة أن الخسائر فى أرواح المرتزقة لا تظهر ضمن خسائر الجيش الرسمى. وهُم يحصلون على رواتب مرتفعه جدا، إلا أنهم بلا حقوق فى حال إنهاء تعاقدهم أو إصابتهم بإصابات تقعدهم عن العمل . وحكومة الولايات المتحدة ليست ملزمة بهم عند وقوعهم فى الأسر . إلا فى حالات خاصة جدا تتعلق بالحفاظ على أسرار هامة أو خبرة نادرة .

– كشفت حرب أفغانستان الحالية عن نقاط ضعف خطيرة فى إستخدام المرتزقة، وفى خصخصة الحرب وخضوعها لمبدأ “الربح” بدون إرتباط ولو شكلى بأى مبادئ أو مصالح وطنية عظمى ـ فقد أظهر المرتزقة وحشية بالغة فى التعامل مع المدنيين قتلا وتعذيبا وإستهتارا بكل شئ، كما أظهروا جبناً وتردداً فى خوض مواجهات أرضية مع المجاهدين . أى أنهم مجرد مجموعات من القتلة وليسوا مقاتلين. فهم متطرفون فى الوحشية مع المدنيين ، ومتطرفون فى الجبن فى مواجهة المجاهدين .

أثبتوا خلوهم من المشاعر الإنسانية ، وحرصاً شديدا على جمع المال بشتى الطرق . لأن المال هو معبودهم الذى يبذلون لأجله حياتهم وحياة ضحاياهم .

أعطى ذلك نتائج إيجابية لصالح مقاتلى طالبان ـ فقد تمكنوا من إختراق صفوف المرتزقة الذين جعلوا لكل شئ ثمنا . فاشترى منهم طالبان كل ما يقدرون على دفع ثمنه .

سواء كان معدات أو ذخيرة أو معلومات ، أو تنفيذ أعمال قتالية أو إغتيالات وتخريب لأهداف حساسة فى المعسكر المعادى .

وعندما بدأت كفة الحرب تميل لصالح طالبان وإمارتهم الإسلامية ، تفشى بين المرتزقة ظاهرة العمل على الجانبين . أو الحرب ضد الجميع لصالح من يدفع أكثر . فزادو من تردى أوضاع الإحتلال .

وإنتقلت تلك الروح إلى القوات المسلحة المحلية التى أنفق الأمريكيون المليارات على تشكيلها . أما الميليشيات فحدث ولا حرج، فقد نشأت على الوحشية والفساد قبل أن ترى المرتزقة الأجانب ، ولكن بمرافقتهم فى الحرب زاد فساد الميليشيات ـ وأصبحت أكثر وحشية ، وتحول الكثير منهم إلى مجرد تشكيلات إجرامية صرفة.

 

صدمة فرق الموت :

أخطر نشاطات المرتزقة ، كان تشكيل فرق الموت المنقوله جوا ، والتى تهاجم ليلا القرى البعيدة ، أو غير المحمية بقوات من المجاهدين، ثم إقامة إحتفالات رعب تشمل قتل وتعذيب وإستخدام الكلاب المتوحشة ، ونسف منشآت القرية خاصة المسجد والمدرسة الدينية والعيادة الطبية ، ثم إختطاف عدد من السكان واصطحابهم فى الطائرات .

قد تحدث بعض تلك المداهمات نهارا فى حماية مكثفة من طائرات هليكوبتر وطائرات بدون طيار بأعداد كبيرة ، فإذا حدثت مقاومة فإنهم ينسفون القرية بالكامل . وأحيانا يستكمل الجيش مهمة فرق الموت بعد مغادرتها، بأن يقصف القرية بالمدفعية والصواريخ أو بالطائرات .

– الطائرات بدون طيار ( الدرون ) كثيرا ما عملت كفرق”موت جوى” فتضرب أهداف مدنية وسيارات على الطرق العامة ، وإحراق محاصيل زراعية ، ورصد وإغتيال شخصيات هامة .

– إستخدم الأمريكيون ورقة فرق الموت والمرتزقة كسلاح ضغط أثناء مفاوضاتهم مع حركة طالبان . فقد أدرك العدو مدى معاناة المدنيين من الوحشية المفرطة لفرق الموت .

– قام الجيش الأفغانى بتقليد نفس الأسلوب ، ونفذه بشكل منفرد ، أو بمشاركة عناصره فى عمليات مرتزقة الموت الدوليين.

 

صدمة حرب الإغتيالات :

وهى من أهم المجهودات القتالية للولايات المتحدة فى أفغانستان . وتشرف المخابرات بشكل مباشر على ذلك النشاط. والمرتزقة هم السلاح الأساسى فى يد المخابرات والقوة الضاربة الأساسية فى يد الإحتلال . والفرق الخاصة بالإغتيالات لها سلاحها الجوى الخاص من طائرات (الدرون) . وقد تستخدم طائرات عسكرية مقاتلة ضد أهداف معينة .

–  إغتيال قيادات المجاهدين من أهم واجبات المخابرات. فجهاز المخابرات الأمريكى (CIA) والإسرائيلى (الموساد) يديران تلك الحرب سويا ، وهدفهم الأكبر هو أفيون أفغانستان وتحويله الى هيروين يتاجرون به دوليا . والهدف العقائدى هو إقتلاع الإسلام من أفغانستان.

وطبيعى أن تكون قيادات حركة طالبان والإمارة الإسلامية فى صدارة قوائم الإغتيالات .

وجهاز الإغتيالات مكون من تركيبة معقدة تنظيميا ومتشعبة ، وتشمل إلى جانب العناصر الأمريكية والإسرائيلية جنسيات شتى على رأسهم العنصر المحلى الأفغانى ، وعناصر من باكستان وآسيا الوسطى ، وعرب وأتراك .. وأى عنصر يمكن الإستفادة منه .

ونشاط الإغتيالات لا يعترف بأى قيود ، سواء أخلاقية أو جغرافية أو سياسية .

– تتميز الإدارة الأمريكية بالمرونة الكبيرة ، وعدم الإلتزام كثيرا بأى معايير إخلاقية أو حتى تنظيمية ، فالنجاح يقاس بتحقيق الهدف ، ونوع الوسيلة غير مهم طالما تحقق النجاح .

ولأجل النجاح فى حرب الإغتيالات ، أو حرب الإستخبارات عموماً ، تستخدم طيفاً واسعاً من الأدوات ، منها عصابات إجرام عادية ، وقتلة مأجورين ، وعصابات تهريب مخدرات تقدم خدماتها فى مقابل تزويدها بالمخدرات .

 

صدمة حرب الدواعش :

مشروع الدواعش مُوجَّه ضد الإسلام ، تحت شعار الإسلام . كما كانت الوهابية التى نشأ منها عقائديا . وحتى تنطلق الداعشية كان لابد من عملية إزالة شخصيتين إسلاميتين هامتين .

– فى الأوساط السنية العربية، كان لابد من إزالة (أسامة بن لادن) لأن شهرته مع مصداقيتة التاريخية كانت ستكبح داعش ، التى نشأت تحت ظل القاعدة فى العراق . وبإزالة بن لادن إنطلقت داعش فى الآفاق العربية .

– وإسلاميا كانت شخصية الملا محمد عمر فى أفغانستان ـ أمير المؤمنين ـ الذى حكم لمدة خمس سنوات وبايعه قادة جهاديون عرب وغير عرب ـ أهمهم كان أسامة بن لادن . لهذا كان الملا عمر عقبة أهم ، وإزالته تتيح لظاهرة داعش الإنسياح فى العالم الإسلامى كله .

– وبإزاحة الرجلين فى توقيت متقارب، إنساحت داعش فى الميدان العربى خاصة سوريا والعراق . وفى أفغانستان سريعاً ما ظهر دواعش أفغان بإنشقاق داخل حركة طالبان . وكان من بينهم أسماء حازت شهرة فى ولايات الجنوب ، معقل طالبان تاريخيا .

القاعدة بدورها تشجعت لإقتحام الميدان الأفغانى بشكل تنظيمى مستقل عن الإمارة الإسلامية وحركة طالبان . فشكلت مجموعتين أو أكثر من الأفغان مدعومين بعدد محدود من العرب . أما الدواعش فقد دعموا صفوفهم بعناصر باكستانية ومن تركستان الشرقية .

– حركة طالبان بقيادة الملا منصور الذى إنتخب لقيادة الإمارة الإسلامية بعد وفاة مؤسسها الملا عمر، تصدت بالسلاح للدواعش وكسرت شوكتهم فى أفغانستان. أما القاعدة فقد تمت تصفية إختراقها بواسطة التفاهم مع العناصر الأفغانية الذين إستجابوا للإمارة وسلموا أسلحتهم .

– ساهم الدواعش فى حرب الإغتيالات الذى تديرها المخابرات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية  وعملوا كفرق موت لتحطيم نفسيات المدنيين وبث الرعب فيهم ، وفض تجمعهم حول الإمارة الإسلامية وحركة طالبان .

وتخصصت داعش فى ضرب المساجد والجنازات ، والمواكب الدينية والمؤتمرات الشعبية والتجمعات العامة . مع التركيز على الطابع الطائفى بحيث يبدو أكثر النشاط على أنه موجه ضد الشيعة . كما يضرب أهدافا عرقية لإتهام عرقيات آخرى وإشعال حروبا عرقية .

وحاولت داعش التمركز فى المشرق الأفغانى فى جلال آباد وكونار، بالقرب من خطوط إمدادها القادمة من باكستان. وقد إضعفتها كثيراً ضربات حركة طالبان .

 

حرب ثقافية وإعلامية وإقتصادية (معركة العقول والقلوب ) :

هدفها هز قناعات الأجيال القديمة ، وتحويل قناعات الأجيال الجديدة صوب الثقافة الغربية. فيتخلون عن الجهاد وعن قيم الحرية التى قاتل لأجلها الأجداد ، ويتشبثون بالإحتلال ويتفاخرون  بخدمته . يصف المستعمر تلك الحرب بأنها حرب السيطرة على العقول والقلوب. وأهم أفرع تلك الحرب هى: التعليم ـ الإعلام ـ الإقتصاد .

 

حرب التعليم :

وضع المستعمر نظاما تعليميا جديداً. يتخرج منه أعوان المستعمر المتصالحين معه ثقافيا وإعتقاديا . وصرفت مليارات الدولارات على ذلك النظام ، وتخرج منه عدة ملايين يستبعد الدين من إهتماماتهم ، أو يعاد صياغته وتحريفه ، وكذلك يفعلون بالتاريخ ، وبالعادات الإسلامية الراسخة فى المجتمع خاصة ما يتعلق بالأسرة وترابطها ، ودور المرأة فى المجتمع .

 

حرب الإعلام :

يدرك الأمريكيون أن الإعلام الحر كان سببا رئيسا فى فضيحة مجازرهم ضد شعب فيتنام . وبالتالى نشوب ما يشبه الثورة الداخلية فى الولايات المتحدة ضد تلك الحرب ، ومطالبات شعبية كاسحة بضرورة وقفها وسحب الجيش الأمريكى من هناك .

وضع الجيش الأمريكى والإستخبارات ـ يده الثقيلة على جميع المادة الإعلامية المتعلقة بأفغانستان ـ والأخبار والتحقيقات الخارجه منها .

وتم قمع الإعلام الدولى ـ الذى هو فى معظمه معادى لحركة طالبان ـ ولا يكاد يطيق إسم أفغانستان ، أو كلمة جهاد التى شاع إستخدامه لها فى زمن الحرب السوفيتية .

 الإعلام المحلى كان أكثر تعرضا للقمع والمنع والحظر، والتوجيه صوب خدمة الإحتلال وحملاته النفسية ضد المجاهدين ، وضد فكرة مقاومة الإحتلال أو الإعتراض على السلوكيات الإجتماعية التى فرضها على الأفغان ومجتمعهم الإسلامى المحافظ .

 

حرب الإقتصاد .. (خصخصة وفساد) :

– هدف الغزو الأمريكى لأفغانستان كان السيطرة على محصول الأفيون وتحويله إلى هيروين فى القواعد الجوية وتصديره عالميا .

– و بالمثل باقى الثروات المعدنية وتسليمها للشركات العملاقة عابرة القارات .

– وتحويل الإقتصاد الأفغانى إلى إقتصاد يعتمد على هبات المحتل ومعوناته للحكومة ، وللسرطان المسمى”مؤسسات المجتمع المدنى” وهى تجمعات إستخبارية من أفراد الطبقة المثقفة الجديدة.

– حصر الثروات الداخلية ــ من فضلات الإستعمار الإقتصادى ــ فى يد فئة محدودة من وكلاء المستعمر، ومندوبى شركاته.

– توسيع قاعدة الفقر إلى أقصى نطاق ممكن فى المجتمع، وذلك لتسهيل مهام الإحتلال فى محاربة الدين ، ونشر الرذيلة ، وتعاطى المخدرات ، والعمل فى التجسس ، والقتل الخاص، أو الإلتحاق بالميليشيات والعصابات المحلية .

– بناء إقتصاد محلى ـ تابع للإقتصاد الأمريكى وخادم لمصالحه ـ يعتمد على الرشوة والفساد المنظم الذى يشكل تركيباً عضوياً للإقتصاد لا ينفصل عنه ، ولا يعتبر مشكلة أخلاقية فردية ، فالرشوة جزء أساسى من الإقتصاد تأخذ أحيانا صفة مشروعة هى العمولة. وأحيانا صفة سمسرة أو وساطة . فالتنافس بين الشركات للحصول على إمتيازات أو تسهيلات عمل فوق الأرض الأفغانية الخطرة يستلزم دفع رشاوى كثيرة ومتعددة لجهات حكومية فى الجيش والأمن والإدارة ، وحتى للميليشيات والمرتزقة .

– الإحتكارات الإقتصادية الكبرى والشركات العظمى متعددة الجنسيات لها جماعات ضغط فى النظام وتنفق الأموال على ميلشيات محلية. وكانت نشطة على هامش مفاوضات الدوحة لضمان مساحة مستقبلية لمصالحها .

– وعندما تفشل الرشوة فى فتح الطرقات المغلقة فى الإدارة أو على الأرض ، تبدأ حرب فعلية مسلحة ، وكل طرف يشترى جهات تقاتل لأجله . شركات أجنبية تفعل ذلك ، بل وحكومات أجنبية لها مصالح نفطية أو أفيونية أو فى غسيل الأموال ، أو مطامع إستراتيجية فى توسيع دور إقليمى يضعها فى مكانة مؤثرة مستقبلا . تفعل ذلك عدة دول عربية نفطية ، وتفعل تركيا وباكستان ، وجهات أوربية .

– فبدون سوق تنافسى، وتصنيع للفساد كنشاط إقتصادى معترف به ، فقد تتوقف المنظومة الإستعمارية كلها ، وتنهار المصالح الأمريكية والإسرائيلية وحلفائهما، فى أفغانستان والعالم.

– خصخصة الإقتصاد تعنى مباشرة تحويل الفساد إلى مؤسسة لها أنظمتها التى إن إهتز توازنها فقد تحدث حروب وتصفيات وتفجيرات، إلى أن يعود الإستقرار من جديد إلى مؤسسة الفساد ، وإلى سياسة الخصخصة الإقتصادية .

– عند تلك النقطة، فإن دور شركات المرتزقة الدوليين ، والدواعش كمنظمة إرتزاقية، يظهر ضمن مؤسسة الفساد كأحد أدواتها الرئيسية لإزاحة العقبات التى تقابل الخصخصة وتوأمها الفساد . وتعود الحياة إلى الدوره الإقتصادية و”الفساد ” الإجتماعى المتعلق بها .

 

عن الحلف الأمريكى الإسرائيلى فى أفغانستان:

ذلك التحالف كان موجودا وفاعلا أثناء التورط  السوفيتى فى أفغانستان، وله شبكة حلفاء داخل باكستان وأفغانستان . وبعد الرحيل السوفيتى نشط ذلك التحالف وبدأ فى تصعيد نشاطه ، واضعاً نصب عينيه الإستيلاء على أفغانستان ووضع نظام حكم يُغَيِّر مسار أفغانستان (مرة واحدة وإلى الأبد)، من الإسلام إلى اللا إسلام . ومن وضعية “الدولة العازلة” إلى وضعية القاعدة الأمريكية العظمى لصناعة الهيروين ، للعمل الإستخبارى ، وكقاعدة جوية ، وقاعدة للصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى. وللعمل ضد الصين وإيران وروسيا ، وإبتلاع مصادر الطاقة فى آسيا الوسطى ، والسيطرة على إقتصاد الهند والتحكم فى إمداداتها من الطاقة عبر خط أنابيب تابى (القادم من آسيا الوسطى إلى الهند).

وأخيرا أيها المجاهدون : تلك صورة موجزة لما يمكن أن يواجهكم به العدو ، فى أى ساحة تعملون فيها . فماذا أنتم فاعلون ؟؟. ذلك هو التحدى الحقيقى .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

03-07-2020

 

مأزق بغال التحميل 3

 




مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 2 )

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 2 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الثاني )

دور التمويل فى إنحراف العمل الإسلامى

والعلاقة بين سماسرة السياسة وبغال التحميل

 

مقدمة فى النقد الذاتى :

بإستثناء الحركة الإسلامية عامة والجهادية خاصة ، لا توجد مؤسسة فى العالم ـ مدنية أو عسكرية ـ ليست فى حاجة إلى تقييم أعمالها وإعادة النظر فى أساليب عملها، على ضوء النتائج التى تحققت والتجارب التى مضت .

– الفريق سعد الدين الشاذلى ـ رئيس أركان حرب القوات المصرية خلال حرب أكتوبر 1973 ـ والمهندس الحقيقى للإنتصارات التى تحققت فى بدايتها، والضحية الأولى للأخطاء المتعمدة التى إرتكبها السادات حتى يكسر الجيش المصرى، ليبدأ مفاوضات مع إسرائيل من وضعية المنهزم، فى نهاية حرب حقق الجيش فى بدايتها مكاسب كبيرة .

– نجحت خيانة السادات، والنتيجة ظاهرة للعيان فى أحوال مصر ، تحت حكم جنرالات من سلالة السادات، مع تمادى فى الجهل والغرور.

– أقوال الفريق الشاذلى يؤكد فيها على أهمية دراسة التجارب وتحديد الأخطاء والإستفادة منها، وعدم الإقتصار على ترديد القصائد عن الإنتصارات والمبالغة فيها .

– ما ذكره الشاذلى ينطبق تماما على الجماعات الإسلامية عموما، والجهادى منها بشكل خاص . وفى كلامه يمكن إستبدال إسم السادات بإسم أى أمير من تلك الجماعات.

موقف السادات من نقد الشاذلى هو موقف قادة العمل الاسلامى تجاه أى تقييم موضوعى لأعمالهم ، أو نقد ذاتى يصدر من بين صفوف جماعاتهم.

 

قال الفريق  سعد الدين الشاذلى ــ فى كتابه “حرب 1973”:

– الأخطأ ليست عيبا ، ولكن التستر عليها جريمة فى حق الأمن القومى للوطن .

– لماذا لم تشكل لجنة قضائية عليا حتى الآن لتقصى الحقائق عن حرب أكتوبر، كما حدث فى إسرائيل وكما يحدث فى الدول المتحضرة فى أعقاب كل حرب ؟؟ .

– إذا إقتنع الجيل الجديد بتلك الأخطاء فتلك مصيبة لمستقبل مصر.

– إذا إكتفينا بذكر الأعمال المجيدة التى تمت خلال حرب أكتوبر وعدم ذكر الأخطاء التى إرتكبت ، يمكن أن يُولَد لدى قادة الأجيال التالية شعوراً بالتفوق الزائف ، الذى قد يؤدى إلى إرتكابهم نفس الأخطاء التى إرتكبها أباؤهم وأجدادهم. لذلك يجب أن نعترف أنه رغم النجاح الباهر الذى حققناه بعبور قناة السويس وتدميرنا خط بارليف فى 18 ساعة . فقد إرتكبنا سلسلة أخطاء .

– الدروس المستفادة من كل حرب تعتبر ثروة لا تقدر بثمن لأنها تكون رصيداً للدولة إذا ما إشتركت فى حرب أخرى .

– نريد حواراً لا يكون هَمْ كل طرف فيه أن يدافع عن الأخطاء التى إرتكبتها القيادات السياسية والعسكرية .

– شكلت بريطانيا لجنة لتقصى الحقائق فى أعقاب حرب فوكلاند عام 1982 . وشكلت إسرائيل لجنة مماثلة فى أعقاب حرب أكتوبر، وأخرى فى أعقاب الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982 .

– حجب المعلومات تحت شعار السرية ، هو إسراف فى تعبير”أسرار حربية” وهو محاولة بائسة من السادات ونظامه لكى يحجب الحقائق عن الشعب المصرى، لكى ينقذ نفسه من مسئولية الأخطاء الجسيمة التى إرتكبها فى حق مصر وقواتها المسلحة .

– المقصود من تعبير ” أسرار حربية ” هو إذاعة معلومات عن القوات المسلحة الوطنية لم يكن العدو يعرفها . ونتيجة تلك المعرفة يمكنه أن يهدد أمن وسلامة الوطن .

– مالا يعرفه العدوهو: لماذا يتصرف المصريون بمثل هذه الحماقة، ومن هو المسئول عن هذه القرارات الخاطئة .

– السادات لا يريد أن يسمح لشعب مصر أن يقرأ إلا ما يريد له السادات أن يقرأ . إنه لا يريد لأحد من أبناء مصر أن يكتب إلا إذا كان ما يكتبه معبراً عن وجهة نظر حاكم مصر.

–  وفى نفس الكتاب نقلا عن أمين هويدى ، مدير مخابرات ووزير دفاع فى عهد عبد الناصر: { أن تغطية سلبيات قواتنا المسلحة يسمح للسوس أن ينخز عظامها}.

 

على الساحة الأفغانية :

 بن لادن ، وعزام ، مدرستان مختلفتان .

القتال فى أفغانستان لم يكن أولوية لدى عزام أو بن لادن . فى البداية لم يكن عبدالله عزام يخطط لمشاركة عسكرية للعرب فى أفغانستان إلا إذا جاء مصادفة ولمجرد رفع معنويات الأفغان . لأن المهمة الأساسية التى شرحها للشباب عبر(مكتب الخدمات ) كانت تقديم الخدمات الإنسانية للمهاجرين فى باكستان أو إيصالها للمجاهدين فى أفغانستان. والعمل على إصلاح العلاقات بين مجموعات المجاهدين ، عندما تفشت بينهم الإشتباكات الداخلية .

وألحَقْ عزام المتطوعين ببعض دورات التدريب فى معسكرات المهاجرين فى بيشاور. وكانت مثل فصول محو الأمية للتدريب البدائى على الأسلحة .

لم يطور عزام برامج للتدريب إلا بعد وصول بن لادن وأنغماسه فى منطقة جاجى ومعركتها الشهيرة ثم شروعه فى برامج تدريب عسكرى جادة نسبيا فى خوست ، ثم تأسيس تنظيم القاعدة . كل ذلك بشكل متتابع إستغرق عاما واحداً أو أقل . فإضطر عزام إلى تكريس إهتمام أكبر بالتدريب إضافة لما كان يشرف عليه ” مكتب الخدمات” قبل وصول بن لادن بعدة أشهر. فمن تخرجوا من معسكر عزام فى منطقة “صدى” الحدودية الباكستانية كان لهم دور بارز فى إنجاح معركة (جاجى) الذى قادها بن لادن والتى بدأ بها أسطورته فى أفغانستان .

– بن لادن لم يكن يفكر مطلقا فى خوض عمل عسكرى فى أفغانستان . ولكنه فى زيارة شخصية لمعسكر جاجى التابع لسياف إكتشف مدى التقصير المريع فى كل شئ ، فقرر التدخل لسد العجز ببناء قاعدة لسياف فى جاجى . واستقدم شباب من متطوعى المملكة وجلب بعض معداته الثقيلة من هناك . فشعر العدو بتحرك إنشائى واسع وتجمع للمقاتلين ، فتحرك هجوميا إلى أن وصل الذروة بمعركة جاجى فى رمضان 1405 التى كانت نصرا كبيرا للعرب ، ومحسوبة بالإيجاب لأسامة بن لادن. وعلى ذلك النصر غير المتوقع قامت أسطورة بن لادن المستمرة حتى الآن.

– لم يكن(لمكتب الخدمات) الذى يقوده عزام ، أو (تنظيم القاعدة) الذى أسسه بن لادن مشاركة قتالية مؤثرة فى أفغانستان.

فيما عدا معركة جلال آباد (1989) التى قادها بن لادن وعاد منها بما يشبه هزيمة خفف من أثرها التمسك بجبل سمرخيل، أهم هيئة حاكمة على الطريق الدولى من تورخم إلى جلال آباد. حدث ذلك بمبادرة من شباب القاعدة بعد إنسحابهم المنهك والخطر من خطوطهم الأولى إلى الحدود مع باكستان (هنا نذكر بإحترام الشهيد “أمير الفتح” ـ المصرى ـ صاحب تلك المبادرة وقد قتله الأمريكيون فيما بعد).

– عبد الله عزام إستمر فى تشغيل معسكر التدريب التابع لمكتب الخدمات قرب الحدود الأفغانية مع باكستان. وقد تحسن مستوى التدريب فيه نتيجة التنافس مع معسكرات تدريب القاعدة ( هنا أيضا لابد أن نذكر بإحترام الضابط السورى أبو برهان الذى كان عماد التدريب فى معسكر صدى، وكان أكثر المدربين العرب إحتراما وتأثيرا. وتخرج على يديه عدد كبير من المدربين الشباب). إلا أن النشاط الأساسى لمكتب الخدمات ظل على ما هو عليه أى توزيع المعونات فى الداخل على مناطق المجاهدين بمختلف أحزابهم . كما أوصل مساعدات عينيه ومالية لعدد من مجموعات العرب المقاتلين داخل أفغانستان.

أما نشاط القاعدة فقد ركز بشكل كبير ـ نوعاً وكماً ـ على التدريب ، داخل أفغانستان خاصة فى منطقة خوست. مستفيدين من مواقع المجاهدين القريبة من العدو كمناطق للتدريب العملى ، وتطعيم المتدربين بالنيران. ولم تكن لهم معارك مستقلة ، ولا قوة مشاركة ثابتة ، كما فعلت مجموعات عربية أخرى . (هنا أيضا ينبغى ذكر المدرب المصرى/الأمريكى “حيدرة” الذى أحدث طفرة تدريبية نوعية. وأكثر من إستفاد منها كان تنظيمي القاعدة والجهاد المصرى المندمج معه فى ذلك الوقت).

إمتلكت القاعدة (كتنظيم) أكبر وأفضل مجموعة مدربين تخرجوا من أفغانستان، مع مشاركة قتالية محدودة، كان أهمها تجربتى (جاجى) و(جلال آباد) ـ ومشاركات محدودة فى معارك كبيرة خاصة فى خوست ثم جرديز .

ومع ذلك حدث تهويل غير عادى فى دور القاعدة كقوة قتالية فى أفغانستان . أما مكتب الخدمات فلم يكن له تأثير قتالى يذكر . ولكن من تدربوا فيه إنضموا إلى مجموعات وكانت لهم مساهمات عادية ـ فيما عدا (مجموعة ابو الحارث الأردنى) التى كان لها مشاركة ثابتة إلى جانب قوات جلال الدين حقانى ، بل كجزء عضوى منها . ومعظمهم تدربوا فى معسكر صدى التابع لمكتب الخدمات.

ولم تحقق اى مجموعة عربية أخرى إنجازا عسكريا وتأثيرا فى الجبهة يقترب مما حققته تلك المجموعة ـ (وكانت بالطبع متعددة الجنسيات . وتم حلها بعد فترة قصيرة من بداية الحرب الأهلية فى كابول، وإنضمامها إلى حكمتيار ضد مسعود، ولم يكن أبو الحارث على رأس المجموعة وقتها) .

يلاحظ هنا أن هدف بن لادن فى تأسيس تنظيم القاعدة لم يكن الجهاد فى أفغانستان التى إعتبرها ميدان تدريب ــ وكان ذلك موضع أول خلاف كبير بينه وبين عزام ــ إذ أراد بن لادن نقل التجربة الأفغانية إلى اليمن ــ بينما عزام كان يرى أن العرب جاءوا لمساندة الأفغان ماديا ومعنويا وليس قتاليا. وتم وضع الإختلاف بهذه الصورة : جاء مكتب الخدمات لإفادة أفغانستان ، بينما جاءت القاعدة للإستفادة من أفغانستان

 (أن مكتب الخدمات جاء لمساعدة الأفغان بمشارع توزيع المعونات عليهم داخل أفغانستان ورفع معنوياتم بالدعوة وإصلاح ذات البين ـ وربما القتال إلى جانبهم إذا تيسر ذلك . بينما بن لادن جاء للإستفادة من أفغانستان بهدف التدريب وتجنيد العناصر القتالية ، وليس هدفه الأول أو الحقيقى هو أفغانستان).

كان الخلاف صارخا لبعض الوقت أو كامناً معظم الوقت . وجرت محاولات تنسيق وعمل مشترك لم تكن مجدية، وسريعا ما توقفت .

كان بن لادن يريد القتال ضد الشيوعيين فى اليمن على رأس قوة جهادية عالمية ، بنفس الزخم الأفغانى. وكان حلفاؤه من تنظيم الجهاد المصرى ، لا يرون حتى شرعية القتال فى أفغانستان لأنه “لن يؤدى إلى إقامة دولة إسلامية” حسب قولهم . وكانوا يأملون بتحالفهم مع بن لادن أن يجتذبوا قوته المالية ، وسمعته الإسلامية العالمية ، إلى جانبهم فى معركتهم ضد (طواغيت) مصر وإقامة (شرع الله) هناك . لم يكن بين التنظيمين وحدة فى الأهداف . والإتفاق الوحيد كان على إستخدام أفغانستان كميدان تدريب ، بدون أدنى إهتمام بمصير ذلك الجهاد سوى “أطيب التمنيات”. وكما قال قادة تنظيم الجهاد وقتها { إن الأعاجم لا يمكنهم إقامة دولة إسلامية ـ ولكن العرب يمكنهم ذلك لأنهم يفهمون الإسلام بشكل أفضل}!!!!!!.

ونرى الآن كيف برهن الواقع على عكس ذلك تماما .

 

تجربة الإخوان المسلمين مع الجهاد :

المجاهدون تَحَوَّلوا إلى ( بغال تحميل )

والإخوان أمسكوا بالرَسَنْ .

بعد تجربتهم المريرة فى حرب فلسطين عام1948 طبق الإخوان المسلمون عمليا سياسة “وداعا للسلاح” . وكتنظيم لم تحمل أيديهم السلاح رغم أن قلة من أفرادهم فعلوا ذلك. إختار الإخوان لأنفسهم دوراً غريبا وخطيراً. بإتخاذ موقعا لهم على هامش الإستراتيجية الأمريكية فى المنطقة الإسلامية عموما ـ والمنطقة العربية على وجه الخصوص.

معتبرين موقف التحالف الوثيق ـ أو الخادم المخلص ـ فى ركاب الإستعمار الأمريكى،هو أفضل وسيلة للبقاء داخل الحلبة السياسية . ويدرك الإخوان محدودية فرصهم خارج المظلة الأمريكية أوبعيدا عن التزلف لإسرائيل ـ التى لن تنسى لهم أبدا إرسال مجاهدين إلى فلسطين فى حرب 1948 ـ لهذا لم يحصل الإخوان إلى الآن على ما يعادل أهمية دورهم “الجيوسياسى” كمقاول حروب بالوكالة ومحرك لقطعان بغال التحميل ـ من المثاليين الغافلين ـ والزج بهم فى ميادين الحرب، بالوكالة عن الولايات المتحدة فى ميادين تحت السيطرة الأمريكية الكاملة أو الغالبة .

 –  فكرة التحالف الإستراتيجى مع أمريكا مطروح بين الإخوان منذ الأربعينات . وبعد إنقلاب عبد الناصر فى مصر، و “جائحة” الحكم العسكرى الذى حطم عظام الإخوان ـ كانوا فى حاجة إلى وطن بديل للإقامة والعمل وتكوين عائلات. فكانت السعودية ومشيخات النفط بإقتراح ومباركة أمريكية. وكانت أوروبا والولايات المتحدة وطنا بديلاً لفئة المحظوظين منهم.

فى الخليج والسعودية بدأت مرحلة تحول عظى عقائدياً وسياسياً للإخوان ، وإنتقال إلى التبعية الكاملة لأمريكا عبر السلفية الوهابية التى تحتضنها إنظمة الخليج والسعودية .

بدأوا برنامج الحرب إلى جانب أمريكا ـ ضد الشيوعية والقومية العربية ـ وتصدوا لهما ثقافيا ودعائيا ـ والحجة كانت مخالفتهما للإسلام.

وعندما جاء دور القتال ضد مناوئى أمريكا فى المنطقة العربية ـ والبداية كانت فى سوريا ـ فى بداية الثمانينات ، إختطف الإخوان حركة “الطليعة السورية المقاتلة” وتاجروا بها فى السوق الدولية فحصلوا على أموال نفطية غزيرة، ودعما حتى من جهات قومية عربية مثل بعث العراق. ومن مصر(السادات). وحصل مرشحوا الإخوان على تدريب عسكري متطورعلى أيدى أجهزة المخابرات فى تلك الدول . تزامن ذلك مع تجربتهم فى اليمن بوجود قادة قبليين تبنوا النهج الإخوانى ، فجمعوا بذلك بين دعم دعائى ودينى من الإخوان ، وبين المال السعودى ، والعطف الإستراتيجى من الولايات المتحدة .

– قبل العودة إلى الجريمة العظمى التى إرتكبها الإخوان فى أفغانستان ، نكمل تجربتهم فى المنطقة العربية والتى بلغت ذروتها بإستلامهم حكم مصر فى 2012 لمدة عام واحد .

حين أخذ جنرالات مصر(إستراحة محارب) لإعادة تموضعهم على قمة مصر فى ظل التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة، وإستفراد إسرائيل بسيادة شبه مطلقة على المنطقة العربية ، متقدمة على السيادة الأمريكية ودول أوروبا الإستعمارية القديمة .

الإخوان أثناء ممارستهم للسلطة فى مصر (بتوكيل من المجلس العسكرى الحاكم الفعلى للبلاد) لم يخرجوا عن خطهم القديم فى الولاء الإستراتيجى للولايات المتحدة(وإسرائيل بطبيعة الحال) وأبرز براهين ذلك هى :

– لم يقتربوا ولو خطوة واحدة نحو إستلام حقيقى لحكم مصر، ورضوا بأن يكونوا مجرد ستارا لحكم المجلس العسكرى.

– لم يقدموا أى تصور لإعادة بناء مصر أو إعادة تشكيل أجهزتها السيادية المنفلته . خاصة الجيش والشرطة والمخابرات .

– لم يقدموا أى تصور إقتصادى جديد لمصر ، سوى ما هو موروث من عهد مبارك أى الإقتصاد الطفيلى غير المنتج . القائم على السياحة،وخدمة إستهلاك السوق الأوروبى، والإستيراد الواسع ، وتمويل الدولة بالقروض.

– لم يغيروا شيئا من حقيقة فتح الإقتصاد المصرى للمغامرين، والبنوك الدولية، والشركات متعددة الجنسية، وتصفية القطاع العام وتصفية الزراعة والصناعة الحقيقية. والتنازل لإسرائيل عن غاز سيناء ، وبقاء مليارات الدولارات مهربة بدون المطالبة بها رسميا.ولم يقتربوا من النفوذ الإسرائيلى الضخم والمتشعب فى مصر. مع وجود قواعد عسكرية وإستخبارية لأمريكا غير معلن عنها .

– إخفاء حقائق كارثة سد النهضة الأثيوبى عن الشعب ، حتى لا يغصب “الجيش الوطنى” أوإسرائيل أوعرب النفط الممولين لمشروع السد وللإخوان فى نفس الوقت.

 

الرئيس مرسى على خطى “شعبوية” ناصر:

كان للرئيس مرسى صيحتان هامتان، تذكرنا بصيحات عبد الناصر”الشعبويه”. الأولى هى (لن نترك غزة وحدها) .وذلك وقت العدوان الإسرائيلى على غزة . والثانية هو(لبيك يا سوريا) مع إشتعال الحرب الأهلية فيها.

فإلى أين ذهب بتلك الشعارات؟؟.

– فى غزة ذهبت إستخبارات السيسى للتفاوض مع الإسرائيليين للتوصل إلى تهدئة وهذا كل شئ. ولم تجرؤ مصر فى عهد مرسى على إدخال جندى إلى سيناء خارج “الإتفاق التاريخى” مع إسرائيل . إلى أن طلبت إسرائيل من العسكر إشعال حرب أهلية فى سيناء لتصفية أهلها وطردهم تمهيدا لخطوة أخرى فى تصفية قضية فلسطين، وتدمير شعب غزة الذى تريد إسرائيل تركيعه وإجباره على ترك البندقية الفلسطينية الوحيدة التى مازالت مرفوعه للجهاد . ولكن مجاهدو غزة ـ رغم خلفيتهم الإخوانية ـ كانوا أكثر شراسة، فلم يقبلوا الرَسَنْ الإخوانى/ القَطَرِى بأن يلتف حول أعناقهم ، ليجرهم إلى حيث تريد أمريكا وإسرائيل .

 

– وماذا عن صيحة (لبيك يا سوريا) ؟؟ إلى أين أخذت مصر وأخذت سوريا ؟؟ .

 طول المدة ما بين حركة 25 يناير 2011 وحتى إسقاط حكم الإخوان فى يوليو 2013 ، كان التيار الإسلامى موحدا إلى درجة كبيرة تحت قيادة الإخوان وشعارات طرحوها . أهمها القفز فوق كل المشاكل الداخلية والإكتفاء بشعارات (تطبيق الشريعة) التى لا تحديد لها سوى الإستفزاز الإجتماعى وأعمال عنف مجهولة المصدر. إضافة إلى صدامات مع المسيحيين معظمها من تحريك وتنفيذ مخابرات العسكر وموافقة التيار الإسلامى والإخوان . ثم الشعار الحماسى المشتعل ـ بلا منطق واقعى ـ حول العداء للشيعة داخل وخارج مصر . رغم أنه لا يكاد يظهر للشيعة وجود أو تأثير فى مصر.

وتم شحن الشباب الجهادى ـ القديم منهم والجديد ـ للسفر إلى سوريا، فى حشد طائفى وشعار العداء المطلق والعقائدى للشيعة. وسافر آلآف الشباب إلى تركيا ومنها إلى سوريا. كما أصبحت تركيا وسوريا ملاذا للمتخوفين من عسكر مصر، ومن عدم قدرة الإخوان على الإستمرار فى الحكم، فقد كان ضعفهم السياسى واضحاً ومصداقيتهم المتراكمة تاريخيا تتبخر بسرعة غير متوقعة. حتى إذا بدأ العسكر بالإنقلاب على حكمهم ثم ذبحهم بهمجية لم يسبق لها مثيل فى تاريخ مصر، فى مجزرة ميدان رابعة، لم يهب الشعب لدعمهم . فتحملوا الكارثة وحيدين تماما .

 كانت الساحة السياسية فى مصر خالية للعسكر، ومعهم المعسكر المعادى للإخوان، من توجهات شتى، من المسيحية السياسية إلى اليسار العلمانى عالى الصوت الذى لا يثق به أحد . لهذا إستدار إليه العسكر وبطشوا به هو أيضا ، حيث كان عالى الصوت فى فترة (الثورة) ، ولكن بلا عمق شعبى ، سوى علاقات خارجية بمنظمات دولية تموله وتسانده دعائيا . فانهار كما ينهار عش العنكبوت.

 وبعد سقوط الإخوان ظهر أن “الخطر الشيعي” فى مصر هو مجرد وهم ، وأنه مجرد عش عنكبوت آخر. وأن مرسى قضى عليه فى حادثه (أبوالنمرس) جنوب الجيزة. حيث بطش الناس بأفراد معدودين، بمن فيهم زعيم التيار الشيعى فى مصر. وتشير دلائل إلى تغاضى الرئيس عنه ، وإصداره أمرا للشرطة بإلتزام الحياد !!. فظل الحياد هو شعار الشعب، حتى إزاء مجازر العسكر ضد الإخوان أنفسهم ،  بما لم يسمع بمثله تاريخ مصر.

 

أزمة الإخوان مع السعودية والإمارات :

–  من ثورة يناير 2011 وحتى سقوط حكم الإخوان فى 2013 ، إنهارت علاقاتهم تماما مع السعودية والإمارات . وكان لهم مراكز قوية للغاية فى هذين البلدين، منذ الخمسينات وحتى بداية القرن الحالى. وربما بدأ التصدع مع إرهاصات “الربيع العربى” الذى كان ربيعاً للإخوان وإضافة فعلية لقيمتهم السياسية (أوالجيوسياسية) فى العالم العربى.

ولكن الإخوان إستعاضوا بعلاقات أقوى مع قطر “كممول” ومع تركيا كملجأ آمن . وصارت البوصلة السياسية ، وسقف الرؤية الإستراتيجية للإخوان يحدده هذان البلدان . وفى سوريا خاضوا بالمشاركة مع قطر وتركيا أقوى تجربة جهادية لهم بعد الحرب الأفغانية التى خاضوها تحت السقف السعودى.

 

 جهاد .. لكن  لغير الإخوان :

ظل الدور الجهادى الجديد للإخوان يدور فى إطار ما قاموا به فى أفغانستان فى الثمانينات، أى التحريض على الجهاد ، وتجميع الشباب فى ساحاته المطلوبه أمريكيا.

والعمل على إمداد القضية الجهادية بالدعم الدعائى ، والإسناد الشرعى ، والتحريض الجماهيرى على أداء الفريضة المقدسة . وظل محظوراً عليهم “رسميا” الإنخراط فى العملية القتالية نفسها . وهذا ما صرح به مرشد عام الجماعة (حامد أبو النصر) فى زيارته التاريخية لمدينة بيشاور فى أوائل التسعينات . فأثار إستياء وسخرية الشباب المجاهد المتكدس فى تلك المدينة التى تحتوى مقار الأحزاب الأفغانية ومعسكرات تدريب مجاهديها.

حديث المرشد كان مسجلاً وتم توزيعه على نطاق واسع. فأثار إستياء وإنتقاد الكاتب والمفكر الكويتى “عبدالله النفيسى”ـ المحسوب على الإخوان ـ الذى كتب مندداً بالمرشد وضعفه .

– وكما فشلت تجربتهم السورية فى بداية الثمانينات ـ فشلت تجربة الإخوان فى سوريا “الربيع العربى” 2011 ـ وظهرت الحركة الجهادية فى سوريا كنشاط لنوع ردئ من بغال التحميل، بقيادات أكثر فسادا من القيادات الأفغانية الحزبية. مع تشنج طائفى وقيمة هامشية لقادتها إلى مجرد عرائس خشبيه فى لعبة أقليمية ودولية تدور حول سوريا وعلى أرضها، فى صراع مصائر لا يعرف أنصاف الحلول، أول ضحاياه كان شعب سوريا . مع مسئولية كاملة على عاتق ” ثوار تحميل” ركبهم الغرور والعناد، فى وعاء من الفساد والتوحش المتغطرس. ولا مكان فى التاريخ لهذا المزيج البدائى.

 

موقع الإخوان فى أفغانستان :

– ولكن ماذا حدث لأفغانستان.. ولماذا أخلى ساحتها التنظيم الدولى للإخوان، تاركا قياداته هناك يخوضون حربا أهلية؟؟ .

فى الحرب ضد السوفييت قُتِل ما يقارب مليونى أفغانى . وكان الثلاثى الإخوانى الشهير من نجومها الزاهرة ، وعلى رأسهم عبد الرسول سياف مرشد إخوان أفغانستان ، ومفتى الإحتلال الأمريكى ومستشاره السياسى حاليا. والمحارب العقائدى ضد مجاهدى طالبان، يُحَرِّم جهادهم ويدعو إلى شنقهم على بوابات كابول .

الشخصية الإخوانية الأخرى هو حكمتيار، الشهير بالدموية والإغتيالات والثورية المتطرفة أيام الجهاد السابق . ويدير حاليا تنظيم داعش فى أفغانستان بالمشاركة مع مستشار الأمن القومى لنظام كابول (حنيف أتمر) تحت إشراف المخابرات الأمريكية والإسرائيلية .

أما ثالث المجموعة فهو الزعيم (برهان الدين ربانى) الذى قتله المجاهدون لأنه كان يجول على القبائل داعيا إياها إلى سحب دعمها لطالبان، والتحول إلى دعم حكومة كابول التى عينها الإحتلال ووضع لها دستورا تحكم به البلاد.

ترك الإخوان الدوليون الساحة الأفغانية متجاهلين مصائب رجالهم فيها ، وإنتقالهم إلى خدمة الإحتلال الأمريكى ، بدون حتى أن تستنكر الجماعة أعمالهم أو تتبرأ منها ، وذلك يعنى موافقة الجماعة عليها . إنه ذات الخط الإستراتيجى الذى تلتزم به الجماعة، منذ ما بعد حرب فلسطين 1948 ، وأوائل الخمسينات (حرب الفدائيين ضد الإنجليز قرب قناة السويس).

– وتسهيلا على من يرى فى البحث والإستقصاء أمراً صعباً ، أن ينظر إلى أعمال ومواقف قادة الإخوان فى أفغانستان ، ليدرك بدقة موقع الجماعة من العمل الإسلامى، ودورها التاريخى فى حروب المسلمين، وأنها من أهم المتاجرين بالجهاد والعاملين على تحويل المجاهدين إلى بغال تحميل ، بينما أمسكت الجماعة بالرَسَنْ ، وتذهبت للمتاجرة بهم فى سوق السياسة العالمية.

وطبقت بذلك نظرية بريجنسكى ــ مستشار سابق للأمن القومى فى البيت الأبيض ــ الذى قال {نُسَلِّح الإسلام لتحقيق مكاسب جيوسياسية} وهى مكاسب لأمريكا بالطبع وليست للإسلام. وفازت فيها حركة الإخوان بعمولة السمسرة .

وما دام مركز الحركة موجود فى منطقة الشرق الأوسط ، فإن الحصول على رضا إسرائيل يعتبر أكثر من ضرورى . لهذا إلتزمت الحركة ، ومعها الحركات السلفية الجهادية ، بالدستور أو المنهج الحركى الذى وضعه شيمون بيريز رئيس إسرائيل السابق ، والذى وتقول عقيدته بأن الخطر فى منطقة الشرق الأوسط يأتى من إيران والشيعة . فعلى إسرائيل وأهل السنة أن يتحالفا معا فى العمل المشترك ضدهما . وأن إسرائيل بخبراتها وبأموال العرب قادرة على بناء الشرق الأوسط.

وجد الإخوان المسلمون ــ والحركة الجهادية السلفية بشكل عام ــ أن نظرية شمعون بيريز توفر لهم عدوا بديلا عن إسرائيل ـ التى صارت فى الواقع حليفاً إستراتيجيا لهما ـ وتحت شعار العداء لإيران والشيعة إرتكبوا شتى التجاوزات أو إن شئت قل الخيانات.

فبدون الإلتزام بعقيدة بيريز ، سيخسر الإخوان ـ والتيارات السلفية المسلحة ــ الدعم المالى الخليجى (القَطَرى) والدعم اللوجستى(التركي) . وأيضا أى دعم يأتى من أوروبا والولايات المتحدة. لهذا تنحصر معارضة الإخوان للإنظمة العربية المناوئه لها،على مطالب ديموقراطية حقوقية، أساسها الإرتهان للإقتصاد الغربى(الليبرالى الحر) ومنظومته السياسية والقيمية، المبنية على شعارات حقوق الإنسان ـ مع تحفظ شكلى إلى بعض السلوكيات الإجتماعية فى الغرب .

 

فى الطريق إلى ميدان القتال :

أخطر الأعمال وأثقل التبعات تقع على عائق المجاهدين، الذين أيسر ما يواجهونه هو الإستشهاد وأسوأ ما يهددهم هو التحول إلى مجرد (بغال تحميل)، وأن تتمكن جهة معادية من السيطرة على عملهم ونتائجة. بل وتستنفر الشباب صوب ميادين تريدهم فيها. وهناك يعملون وفق قواعد حددتها تلك القوى المعادية ، فهى التى تحدد القيادات العليا {قادة الأحزاب والتنظيمات القتالية} وتحصر عمل المجاهدين فى الإشتباك العسكرى المباشر. وتفرض على المجموعات خطة الحرب العليا وميادينها وأولوياتها . وتتحكم فيهم عبرالتسليح والإمداد بالذخائر والمعدات والطعام ووسائل النقل . وتحرص على عدم توحدهم فى عمل مشترك حتى يسهل التحكم فيهم . فتجمعهم فقط فى حالات خاصة ومؤقته عندما تقتضى مصلحتها ذلك. وكثيرا ما تعمل على إشعال الصراعات بينهم ، وتأديب بعضهم ببعض ، وإستخدام بعضهم لمنع البعض الآخر من العمل بشكل صحيح أو مستقل.

 

حدود وظيفة بغال التحميل :

ومن المواصفات الهامة لمنظمات (بغال التحميل) هو الإنخراط فى التكتيك وليس الإستراتيجية. أى الإشتباك القتالى المجرد وليس التخطيط العسكرى الشامل للحرب التى يخوضونها.

2 ـ  ومن أهم مميزاتهم هو الإبتعاد التام عن العمل السياسى المتعلق بالقضية موضع الصراع، وتركه بشكل كامل للراعى الأجنبى أو الجهة المسيطرة أو صاحبة (قطيع البغال المقاتلين). فترك السياسة هو أهم ما يميز (بغال التحميل).

– ويمكن القول أن العمل السياسى هو عملية حصاد لنتائج المعارك، لهذا تستأثر به القوى المهيمنة على القطيع الذى لا يناله سوى واحد أو أكثر من الخيارات التالية :

الصرف بالحسنى ــ القتل ــ الإعتقال ــ المطاردة ــ الإغتيال المعنوى بتشويه السمعة وإلصاق أبشع الإتهامات والأوصاف بمن إنخرطوا فى ذلك القتال، ومعاملتهم حتى نهاية حياتهم معاملة المشبوهين والمشكوك فى إجرامهم . وحشرهم تحت شعار {العائدون من …} .

فأسماء الميادين التى قاتلوا فيها تصبح مدانة ومشبوهة (أفغانستان ـ البوسنة ـ الشيشان …)

فتصدر قوانين تستهدفهم وتستبيح حقوقهم فى الحياة العادية وتبرر البطش بهم .

 

ضمانات لديمومة التضليل :

من أجل أن تضمن القوة المهيمنة ديمومه ظاهرة بغال التحميل فإنها تحرص على التالى :

–  إستبدال الإيمان والوعى الدينى، بالتعصب الأعمى والعنيف. وكلما زاد هياج الفرد والجماعة، كلما كان ذلك دليلا على صحة “المنهج” وقوة الإيمان .

– التجهيل السياسى ، فيما عدا تلقينات سطحية أعدتها القوة المهيمنة نفسها، خاصة ما يتعلق بالقضية موضع الجهاد وكل ما يتعلق بها وبأهدافها . وتقديم صورة حماسية غير صحيحة عن كل ما يتصل بها أو بمن يشارك فيها من أطراف داخلية وخارجية . بحيث يعيش المقاتل (أو بغل التحميل) فى قوقعة مزيفة من الوعى الذى صنعة إعلام القوة المهيمنة خصيصا لتضليل بغال التحميل وحشو أذهانهم بالأوهام والأكاذيب على أنها حقائق. والتغطية على ما يشوب عمل المجاهدين من نقص أو إنحرافات، بل تمجيد ذلك والدفاع عنه.

– التركيز على عبادة الاشخاص ، والمبالغة فى قيمة وقدرات الزعمات المصنوعة، والتى تخدم جهات خارجية معادية. وتحويل التنظيم أو الحزب أو الجماعة إلى صنم يعبد من دون الله وتنصرف إليه وحده عقيدة الولاء والبراء ، والحب والبغض (فى التنظيم وليس فى الله).

 

لبغال التحميل مزارع تربية ومؤسسات إحترافية :

قبل ظهور (بغال التحميل) قتالياً ، كانت مزارع إنتاجهم فكريا وسلوكيا تعمل منذ عقود . هذه التربية الدينية المسطحة والمتعصبة والعنيفة ، كانت هى الوسط الفكرى والإجتماعى الذى تَخَرَّج منه معظم بغال التحميل . وهناك قطاع آخر جاء من بيئات مختلفة بعضها غير متدين ولكنه إلتحق بالقطيع، وتأثر بالموجة السائدة فكريا وسلوكيا .

– ذلك المناخ إصطلح على تسميته (بالسلفية الجهادية) ــ بصرف النظر عن دقة التسمية أو عدم دقتها ــ فإن بصمتها الميدانية كانت مميزة منذ أول ظهور لهم فى أوساط المتطوعين العرب فى حرب أفغانستان ضد السوفييت. ومن تلك “المميزات” .

– النفور من السياسة وإعتبارها إنحرافاً وتلويثاً لروحانيات الجهاد .

– إعتبار القتال فى الإسلام يعنى خطوتين هما : 1 ـ هجوم   2ـ إستشهاد.

ومن الأفضل أن تكون الخطوتان ملتصقتان وفى وقت واحد .

هؤلاء عارضوا التدريب العسكرى والتخطيط للمعارك (إعتبروا ذلك من البدع وأعمال الماسونية!!). ورفضوا مجرد تصور، إستخدام الزمن فى تطوير العمل العسكرى ــ وهو مبدأ هام فى حروب العصابات ــ التى يعملون داخل إطارها. ويعتبرون أن تأخر النصر دليل على كثرة المعاصى . بدون فَهْم أن الإنتصارات التكتيكية موجودة ومستمرة ، وأن الهزائم تحدث أحيانا، وهى وسيلة للتعلم من التجربة . ولكن الحصول على النصر النهائى يحتاج إلى وقت طويل لبناء القوة الذاتية ، وتغيير ميزان القوى لصالح المجاهدين رغم فداحة العجز المادى لديهم .

 فتراهم يتعجلون المعارك الحاسمة فى كل وقت وحين . فكانوا مادة نادرة لتجار الدماء الذين إستخدموا تضحياتهم لرفع قيمة التجار فى أعين الرأى العام الدولى والإسلامى.

 فدماء الإستشهاديين متوفرة على الدوام ، بل أكثر مما هو مطلوب فعليا للمعارك. فأسرف التجار فى إستخدامها، ولكن لإهداف دعائية ، أو فى صراعات داخلية ، أو لمجرد التخلص من عناصر متمردة  تثير الكثير من المشاكل طلبا للشهادة بأى شكل وبأى طريقة .

فأُهْدِرَتْ أهم الطاقات وأكثرها ندرة، بطريقة عشوائية بل وإجرامية أحياناً.

ـ هذا الطراز من “المقاتل الإستشهادى” ذو التفكير البسيط ـ المتعجل فى كل شئ ـ الرافض لأى نوع من الإنضباط إلا فى أضيق الحدود ـ المعادى للتعمق فى فهم أمور الدين كما أمور الدنيا ـ العنيد العصبى العنيف المتقلب. ترى فيه قيادته مجرد “بغل”، ربما كان التخلص منه فى عملية إستشهادية عملاً محبذا.

ـ ذلك النموذج (لبغل التحميل) يعتبر مقاتلاً سيئاً ـ من الأفضل إستبعاده من أى عمل قتالى منظم طويل المدى يتعلق بقضايا مصيرية للأمة.

ومع ذلك فهو يعتبر عُمْلَة مطلوبة بشدة لدى مقاولى الحروب ـ تجار الدماء ـ ليحقق لهم نتائج ميدانية سريعة. فمن السهل تجنيده ـ ومن الأسهل التخلص منه بوسيلة أو بأخرى. وخداعه ممكن دوما بشرط الحديث معه على نفس موجة التفكير الخاصة به ، بالعاطفية غيرالعقلانية المتعصبة المتهيجة المندفعة إلى القتال والشهادة كأقصر وسيلة للوصول إلى الجنة.

– إحتياجات العدو تطلبت توفير هذا النوع من المقاتلين، ضمن تشكيلات قتالية ثابتة أشبه بالشركات ، تتيح مخزونا بشريا من هذا الطراز تحت الطلب فى أى وقت ، لأى ميدان على سطح الأرض . فهو قليل التكلفة مقارنة بالجيوش النظامية ، كما أن نتائجة أفضل فى مجال التدمير الإجتماعى والحروب الأهلية والمذهبية . بحيث أصبح لا غنى عنه فى تلك المجالات .

عَيَّن العدو مديرين لتلك المؤسسات القتالية ، وحدد كوادرها الرئيسية و باقى التفاصيل ليحصلوا فى النهاية على شركة قطاع خاص فى مجال الحروب الأهلية (الإسلامية).

 أشهر تلك الشركات وأبعدها أثرا كانت “شركة داعش” العابرة لقارات .

ويلاحظ أن الإدارة العليا لداعش تقع فى يد أجهزة مخابرات ـ أمريكية (و) أو إسرائيلة ـ حسب منطقة النشاط . فمثلا داعش تعمل فى أفغانستان بإدارة مشتركة أمريكية/ إسرائيلة لأن حرب أفغانستان تدار مناصفة بين جهازى الإستخبارات فى البلدين .

وبشكل مباشر تشرف قيادة أفغانية مركزية على نشاط داعش فى أفغانستان، تتكون حاليا من عنصرين هما{الزعيم الإسلامى الإخوانى الأصولى} جلب الدين حكمتيار . ومعه (حنيف أتمر) وزيرالخارجية حاليا مستشار الأمن القومى سابقا، والجنرال الشيوعى أيام الحكم الشيوعى. وكلاهما( الإخوانى المتطرف والشيوعى المتطرف)، على علاقة وثيقة مع جهازى الإستخبارات سابقي الذكر.

–  وتعتبر داعش حالة مثالية للبحث الذى نحن بصدده. وكيف أنها تحولت إلى مؤسسة إرتزاقية دولية مرتبطة بإستراتيجية الولايات المتحدة . ولأجل تغطية تلك “الخيانة” تبنت داعش مثل باقى(السلفيات القتالية والسياسية) عقيدة شيمون بيريز بالإتحاد مع إسرائيل ضد العدو البديل (إيران والشيعة) .

وخلال عام واحد، وبإشراف تركى ، إنتقلت أفرع هامة من شركات بغال التحميل، برا وجوا وبحرا من سوريا والعراق إلى ليبيا وأفغانستان وغرب أفريقيا. تلك الظاهرة الإرتزاقية هى المساهمة الإسلامية فى سلسلة (الحروب الهجينة)، أى الحروب فائقة التكنولوجيا، متعددة الأدوات من السلاح المتطور إلى الإقتصاد والإعلام ، فى حروب مرتبطة بالصناعة البنكية اليهودية. وللمرتزقة دور محورى فى تلك الحروب تحت مسمى “الشركات المتعاقدة”ـ ونموذجها الدولى الأشهر هى شركة بلاك ووتر الأمريكية ـ وشركات “بن زايد/برنس” العاملة فى أفغانستان ـ  تلك الشركات تعمل فى مهام وتخصصات شتى تمتد من تشغيل الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة ، إلى قتل المدنيين وإغتيال المجاهدين، ونسف المساجد والمناسبات الإجتماعية والدينية .

 

 قيود التمويل :

– وسواء برضاها أو بحكم الأمر الواقع فإن التنظيمات الجهادية أو المعارضة الإسلامية غير المسلحة والتى تحتفظ بأعداد كبيرة نسبيا من الأعضاء ، تكون فى حاجة دوما إلى تمويل، هو عادة سعودى أو خليجي ـ وبأوامر أمريكية وإجازة إسرائيلية. لهذا يرى البعض ـ بغير خطأ كبير ـ أن التيار الإسلامى المسلح، المشهور أحيانا بالسلفية الجهادية أو الوهابية القتالية أوبغال التحميل ــ أيا كان الإصطلاح الذى يركز على جانب معين من جوانب تلك التنظيمات ــ ولكنه يرى أنها فى النهاية تقف فى المعسكر المُعَادى لمصالح المسلمين الحقيقية ـ بل أن ضرباتهم موجهة فى الأساس ضد المسلمين وضد مصالحهم.

لقد إستطاع أعداء الإسلام أن يختطفوا فريضة الجهاد، و يضربوا بها صدور المسلمين.

 

 من تاريخ قيود التمويل :

كان جهاد الأفغان ضد السوفييت تجربة غنية جدا فى كثير من نواحيها. ليس فقط للشعب الأفغانى بل أيضا لتنظيمات العمل الإسلامى العربى ، خاصة المنظمات الجهادية وحتى التجمعات السياسية والدعوية .

فهناك ظهرت أهمية المال فى تقييد العمل الجهادى(والدعوى) والسيطرة عليه لصالح القوى المعادية للإسلام والتى تمتلك المال عادة . وبما أننا بصدد جهاد إسلامى فإن الممول لابد أن يتمتع بالمظهر الإسلامى. والأكثر مهارة فى ذلك هو العنصر الخليجى عامة والسعودى بشكل خاص ، صاحب النفوذ الساحق على الساحة الأفغانية (1980 ـ 1993 ) فإخترق ـ بالدولار النفطى ـ منظمات الجهاد الأفغانى ـ ومنظمات الجهاد العربى آنذاك “ماعدا القاعدة كما سنفصل فى ذلك”. لم يكتف المال السعودى بتمويل ما هو قائم من منظمات (أفغانية وعربية) بل إبتكر تنظيمات جديدة ، وساهم فى تقسيم ما هو قائم منها، وأوقع العداوة فيما بينها ، وحاول إحداث فتنة مذهبية بين الأفغان”أحناف”والعرب”سلفيون”.وفتنة أخرى بين الأفغان (أحناف/شيعة).

وعمل الدولار النفطى السعودى فى شراء الأحزاب الأفغانية الجهادية فى بيشاور، وسحبهم نحو التسوية الدولية لتشكيل حكم مشترك فى كابل يكون قادة تلك الأحزاب ضمن مكوناته . والمال السعودى هو الذى شكل أول حكومة للمجاهدين دخلت كابول برئاسة مجددى ثم ربانى .

وأدوار آخرى كثيرة، فى إدارة الأحزاب الجهادية الأفغانية والجماعات العربية فى أفغانستان. ذلك الدور التخريبى للعنفوان المالى فى الأوساط الإسلامية ورثته قطر. ليس فقط فى المنطقة العربية بل فى أفغانستان بشكل خاص . وتحاول ان يكون لها كلمة الختام فى جهاد الأفغان ضد الإحتلال الأمريكى ، فى إطار تسوية سياسية تكون فيها حركة طالبان ضمن حكومة مشتركة مع عملاء أمريكا فى كابول .

ولكن قطر تواجه فى أفغانستان حاليا مشاكل خطيرة لم يواجه السعوديون مثلها فى الجهاد السابق ضد السوفييت . ولذلك أحاديث أخرى .

– كان رهان السعودية الأكبر وقت السوفييت هو عبد الرسول سياف وحزبه المسمى (الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان) وتراهن قطر على مجموعة محتجزة لديها فى معتقل سياسى تفاوضى “مكتب للتفاوض”!!! . فيهم أكثر من سياف ولكن بكفاءة أقل وإفتقار إلى “كاريزما” سياف وبلاغته ، أو ذكائه وعلمه الشرعى الأزهرى .

 

تأثير التمويل السعودى على قادة العرب فى أفغانستان .

مولت السعودية عدد لا يحصى من المجموعات العربية ـ ومتطوعين غير عرب ـ وأهم الرموز الذين تفيدنا دراسة حالتهم هما /عبدالله عزام / وأسامة بن لادن .

تمويل عبد الله عزام :

فى عام (83) إنتقل عزام من السعودية إلى باكستان ليعمل فى الجامعة الإسلامية فى إسلام آباد وهى جامعه سعودية أيضا . بالتدريج أصبح عزام موضع ثقة كبيرة من المسلمين فى المملكة وخارجها فتلقى مساعدات مالية كبيرة لإيصالها إلى المجاهدين الأفغان فكان يوزعها على الأحزاب حسب رؤيته لفاعليتها وإخلاصها . وكان يفضل الجناح الأخوانى ، الثلاثى الشهير (سياف / حكمتيار/ ربانى ) .

ونتيجة لثقة الحكومة السعودية فيه، تشجع التجار والعلماء والجمهور على منح تبرعاتهم لعزام. وكان التمويل السعودى ـ الشعبى والرسمى ـ هو الأكثر غزارة فى تلك الحرب / بالنيابة عن الخزانة الأمريكية/ وتقدر تلك التكلفة بثلاثة  مليارات دولار(وفى رواية أخرى تسعة مليارات) .

– الملحق العسكرى فى السفارة السعودية كاد أن يكون ركيزة محورية لمكتب الخدمات الذى أسسه عزام عام 1984 مع أسامه بن لادن (كممول رئيسى) ومباركة سياف ، كزعيم شرعى لجهاد أفغانستان ـ حسب تصنيف الإخوان . وظن سياف أن مكتب الخدمات سيكون تابعاً له، ولكن خاب أمله إذ تصرف عزام بإستقلالية أكسبته عداوة الزعماء الأفغان. بعضهم جاهر بها وبعضهم كتمها فى صدره وعبر عنها فى جلساته الخاصة .

لا يُعْرَف أى تمويل رسمى سعودى لنشاط عزام ، وإن كان الهلال الأحمر السعودى وهو مؤسسة رسمية (إستخبارية تحديدا) كانت تمد المكتب بإمدادات إغاثية كبيرة . وليس مستبعدا أن الملحق العسكرى السعودى ، الذى كان ملحقا أيضا بمكتب الخدمات كان يأتى بتبرعات من “فاعلى الخير” فى المملكة. وقد وصفه عزام أمام منتقديه بأنه ( أطهر من ماء السماء)، ولابد أن هناك دليل مالى يبرر ذلك الوصف. كما وصف عزام قادة الأحزاب الأخوانية (الأصولية) بأنهم {أفضل من أنجبتهم الأمة الاسلامية خلال قرون} .

وكان رحمه الله ـ مؤيدا للفتنة بين السنة والشيعة ـ وفى أحد خطبه المسجلة فى بيشاور زف نبأ لجمهور المسجد بأن القبائل السنية قد (فتحت) قرية شيعية فى قتال طائفى على حدود باكستان  مع أفغانستان. وهكذا كانت الأرضية المذهبية والسياسية ممهدة بين عزام والمملكة. وإن كان له مبارزة فقهية شهيرة مع علماء المملكة متهما إياهم بشرك القصور ، فى مقابل إتهامهم للأفغان بشرك القبور.

 

تمويل أسامة بن لادن فى أفغانستان ( 1986 ـ 1992 ) :

كان بن لادن مستقلا تماما فى تمويل تنظيمه الجديد (القاعدة)، معتمدا على ماله الشخصى. وذلك خلال فترة عمله الأولى فى أفغانستان ( 1986 ـ 1992 ). وكان يتمتع بسمعه عالية ، حتى إعتبره شباب المملكة (بطلا إسلاميا). فكان قناة موثوقة لإيصال التبرعات إلى المجاهدين الأفغان . ولم يستخدم درهما واحدا من تلك الأموال فى نفقات القاعدة ـ وقد سمعت منه ذلك عدة مرات ـ وهو صادق تماما فى قوله ـ لهذا كان خلال تلك الفترة الأكثر إستقلالية .

 

الفترة الثانية من عمله فى أفغانستان ( 1996 ـ 2001)، مرحلة التمويل المختلط :

 وكان بن لادن قد فقد معظم أمواله التى فى السودان ، وجمدت السعودية أمواله فى المملكة. فاعتمد على التبرعات لأول مرة فى حياته كلها.

ومع ذلك كانت قوته المعنوية وشعبيته ، سببا لتمتعه بممولين رغم قلتهم وخطورة ما يقومون به فى المملكة التى ناصبته العداء الشديد وسحبت منه الجنسية وجمدت أمواله.

إلا أن إستقلاليته أصبحت نسبية. وأخطر تأثيرات ذلك عليه كان فشله فى الإحتفاظ بالتوجيه الإستراتيجى الذى أصدره (فى بيان أكتوبر1996) بعد أشهر قليلة من عودته إلى أفغانستان مُبْعَداً من السودان. كان البيان يدور حول{طرد المشركين من جزيرة العرب} وفيه أعلن الجهاد على الولايات المتحدة من أجل تحقيق ذلك الهدف. ثم أدخل توسعا فى الهدف بإصدار بيان لاحق حول تحرير المقدسات الإسلامية كلها ، فى (مكة والمدينة والقدس).

فأعلنت المملكة الإستنفار ، واعتبرت بن لادن خطرا داهما. والكثير من العلماء وطلاب العلم إستنكروا أن تصبح المملكة ميدانا “للإرهاب” ــ أى الجهاد ضد الأمريكيين ــ وكان العلماء وطلاب العلم أهم المجموعات التى يَحْسِبْ لها بن لادن ألف حساب .

وخشى أن تحاربة تلك الفئة داخل المملكة، أو يصدرون ضده فتاوى تخرجه من الدين أو تسئ إلى سمعته . فأصدر توضيحات أن جهاده فى المملكة لن يطال الشرطة أو الجيش . ودعا أتباعه هناك بالإستسلام للجهات الأمنية إذا حدثت معهم مواجهة مسلحة .

 بدأت مجموعات من الشباب فى العمل المسلح داخل المملكة. لم تستغرق طويلا حتى قضى عليهم الأمن . وكثير من العمليات كان يفتعلها الأمن لأغراض دعائية ضد القاعدة وبن لادن ، ولتبرير عمليات الإعتقال والتنكيل .

أضطر بن لادن إلى التوجه بجهاده إلى خارج المملكة ، لضرب الأهداف الأمريكية حول العالم فابتدأ بعمليات أفريقيا ضد سفارتين لأمريكا فى كينيا وتنزانيا.

ثم عملية تفجير ضد السفينة العسكرية (إس إس كول) التى كادت أن تغرق فى ميناء عدن. والعملية الثالثة كانت (غزوة منهاتن) الشهيرة ضد أبراج مركزالتجارة العالمى .

– الشاهد هنا هو أن قدرة منابع التمويل على ممارسة ضغط على (التنظيم الجهادى) قد تصل إلى إجباره على تعديل هدفه الإستراتيجى ، أو تطبيقه بعيدا عن مكانه المفترض فيفقد تأثيره المطلوب ، فيتحول إلى عمل إستعراضى ، بلا نتائج على أرض الصراع . وفى الحقيقة فإن”غزوة منهاتن” كان تأثيرها سلبيا على العمل الجهادى والإسلامى داخل المملكة وخارجها .

–  وخلال فترة وجوده الثانية فى أفغانستان ـ خلال حكم الإمارة الإسلامية ـ فشل بن لادن فى إقناع العلماء (الإصلاحيين) الذين إعتقلتهم المملكة بأن يأتوا إلى أفغانستان حيث الحكم الإسلامى والشريعة الإسلامية ـ لكنهم رفضوا العرض وأعرب بعضهم عن تفضيله دخول السجن فى المملكة عن القدوم إلى أفغانستان .

ربما كان ذلك حباً فى المملكة و”نظامها الإسلامى” ، أو إعتراضاً على “عقائد” الأفغان، كما واظبوا على قول ذلك أثناء فترة الجهاد ضد السوفييت .

– الشاهد هنا أيضا أن علماء المملكة الذين أسبغوا فى السابق الشرعية على بن لادن وجهاده، سحبوا ذلك التأييد وأرغموه على الإبتعاد بجهاده عن المملكة للمحافظة على أمنها وسلامتها . بينما لم ينجح بن لادن ـ كمتلقى للمعونة المالية والشرعية ـ أن يقنع العلماء وطَلَبَتَهُم أن يأتوا إلى الإمارة الإسلامية فى أفغانستان للمساهمة فى بنائها والدفاع عنها .

أكدت تلك التجربة أن الجهاد يتبع التمويل ، وليس العكس كما هو مأمور به شرعاً بالقرآن والسنة .

–  أنتج التمويل الشخصى فى تنظيم القاعدة ، قيادة فردية بحته ، رغم وجود عنصر المشورة لمجرد إستعراض الأفكار. فكان صاحب المال / هو صاحب التنظيم / هو صاحب القرار.

 كان فى ذلك خصخصة لفريضة الجهاد وتحويلة من فريضة تقوم بها وتمولها الأُمَّة ، إلى نشاط يموله فرد. وقتها حذَّرْتُ من العواقب المستقبلية لذلك التوجه.

 

فى المرحلة الثالثة والأخيرة (2001 ــ 2011 ) :

تلك المرحلة من قيادة بن لادن لتنظيم القاعدة تمتد منذ خروجه من أفغانستان أثناء الحرب الأمريكية عليها (2001) وحتى تاريخ إختفائه ـ أو إغتياله ـ عام (2011). وهى مرحلة التمويل العشوائى للتنظيم.

 ونعيد ترتيب المراحل التمويلية للقاعدة فنقول :

1 ـ (1987ـ 1995) مرحلة إستقلالية كاملة وتمويل شخصى للتنظيم.

2 ـ (1996ـ2001 ) مرحلة شراكة محدوده فى التمويل ، أفسحت مجالاً لتأثير مشايخ السعودية وطلاب العلم فى القرارالإستراتيجى للتنظيم، بالإبتعاد عن المملكة فى صدامه مع الولايات المتحدة . أى الجهاد لأجل إخراج المشركين من جزيرة العرب ولكن من خارج جزيرة العرب، ومن خارج السعودية تحديدا.

3 ـ (2001 ـ 2011) مرحلة التمويل العشوائى. وهى المرحلة الأسوأ فى تاريخ التنظيم. حيث فقد قدرته على التمويل الذاتى الذى كان يعتمد على شخص بن لادن ، كما فقد السيطرة على مساره، وصار تابعا لإستراتيجات العمل التى وجدها جاهزة وفاعلة فى الميادين التى ذهب إليها ، تابعاً وليس قائداً، مثل العراق ثم سوريا وبعدها اليمن . فأرسى التنظيم لنفسه مبدأ “المشاركة القتالية فى مقابل التمويل”. وهو المسار الأسوأ لأى مجاهد. لهذا تغاضى التنظيم عن إنحرافات خطيرة فى تركيبتة التنظيمية المحلية ، ومسار عمله الجهادى فى تلك المناطق . وقد إعترض التنظيم المركزى على بعضها ولكن (بعد خراب مالطا) كما يقول المثل.

ولأن إسم القاعدة فى ذلك الوقت كان هو الأعلى والأهم بين كل التنظيمات السلفية الجهادية ، وكانت القيادات الشبابية الجديدة فى تلك الميادين لا تمتلك شهرة القاعدة ولا جاذبيتها ، فقد إختارت تلك القيادات المحلية الإعلان إنضمامها للقاعدة ـ لإستخدام إسم القاعدة وشهرتها . ودعمتهم القاعدة بمدربين وكوادر عسكرية خدمت سابقا فى أفغانستان . فوصلت القاعدة إلى مصادر تمويلية جديدة كانت تدعم الجماعات القتالية فى العراق وسوريا واليمن . فمنحها ذلك إمكانية الإستمرار والبقاء على مسرح الأحداث .

بعض أفرع القاعدة فى الميادين البعيدة ـ خارج المنطقة العربية ـ تمكنت فى الوصول المستقل إلى منابع التمويل السعودى والخليجى ، أو تمكنت تلك المصادر من الوصول إليها والعمل المباشر معها من خلف ظهر التنظيم الأم الذى إزداد تفككا وضياعاً، وفقد القدرة على تحديد إتجاهه أو الهدف من وجوده . وعانى من مشكلة قيادة بعد إختفاء بن لادن. الذى ظل مكانه فوق قمة التنظيم شاغراً. فالتنظيم شأن باقى التنظيمات العربية كان تنظيم الرجل الواحد والقائد التاريخي ـ الذى من بعده يأتى الفراغ أو التيه والضياع . هكذا هى”القاعدة” بعد أن فقدت بن لادن، ومن قبلها الإخوان المسلمين بعد فقدهم حسن البنا، فلا يعود التنظيم إلى ما كان عليه أبدا.

 

الإخوان المسلمون ، وقيود التمويل :

– فى عهد مؤسسها الشيخ حسن البنا إعتمدت الحركة بشكل كامل تقريبا على التبرعات الشعبية من جمهور الحركة ومؤيديها من الطبقات الشعبية والتجار وأصحاب الملكيات الزراعية . وقد أمَدَّتْ الحركة التحركات الشعبية الفلسطينية بالأموال. وأحيانا بكميات قليلة من الأسلحة قبل حرب 1948.

وأرسلت الحركة أفضل من قاتلوا فى تلك الحرب، وتكفلت بمعظم نفقاتهم. وتكفل الجيش المصرى بتسليحهم وألحقهم بتشكيلاته المحاربة فى فلسطين. ومع نهايات الحرب تم إعتقال مجاهدى الإخوان وهم على أرض فلسطين ، داخل وحداتهم العسكرية فى الجيش المصرى. ولم يلبث أن أغْتيل حسن البنا. وما زالت الحركة تعانى من تلك الخيانة المريرة حتى الآن.

– فى تجارب سوريا واليمن وأفغانستان . كان دور الجماعة الدولية هو دور السمسار ومقاول الأنفار ، وجهاز الدعاية المساعد ، وماكينة الدعم الشرعى لمشاريع أمريكا فى المنطقة العربية والإسلامية . فاستفادت الحركة مالياً وسياسياً وأصبحت رقما لا غنى عنه فى ذلك المجال الذى تنتعش أعماله باستمرار.

ذلك الدور هو تصريح بقاء للجماعة ، فالأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة مازالت فى حاجة إلى الدور الإسلامى للإخوان ، جهاديا ودعويا وفى مجال الثورات الملونة (للربيع العربى) .

ويمكن إستنتاج أن جماعة الإخوان تؤدى دورها، بمنطق إقتصادى تجارى، فى بورصة جهادية ذات عائد مالى وسياسى جيد.

 ليس لجماعة الإخوان قوة قتالية خاصة بها ، لكونها مجرد سمسار قتالى . ولكن وزنها السياسى المكتسب من ذلك الدورجعلها عنصراً يحسب حسابه . مع أنها تواجه تحديا خطيراً من”داعش” التى هى أكبر جهاز قتالى إرتزاقى دولى يحمل شعارا إسلاميا.

ولكن ذلك التحدى محصور فى المجال العسكرى فقط لأن داعش مجرد صفر سياسى .

فالإخوان يجاهدون بلا مقاتلين، وداعش تقاتل بلا سياسيين. وبصياغة أخرى: الإخوان يحاربون بمقاتلى غيرهم ، وداعش تديرها قيادات سياسية من خارجها. أما إستثمار داعش سياسياً فتقوم به عدد من الأيدى “الإسلامية”التى تمولها. وعلى رأسهم تركيا والسعودية والإمارات وقطر وباكستان وأفغانستان. فكل جهة من تلك الجهات تمتلك قدراً من التوجيه على الدواعش الخاضعين لها .

 

قريبا فى موقع مافا السياسى

ــ الجزء الثالث ــ

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

16-06-2020

 




المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 172 ) | شوال 1441هـ / يونيو 2020م .

05-06-2020

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة

لسان حال الإمارة الإسلامية يقول :

 دعهم ينسحبون بهدؤ ، وإلا فإننا نعرف كيف نرميهم خارج بلادنا.

– للاحتلال ثلاث مناطق استراتيجية في أفغانستان، تخَلِّيه عنها يعتبر اعلاناً للهزيمة الكاملة.

– تسيطر قوات الإمارة الإسلامية على ولايتي كابل وبروان، وهذا يعني حصار العاصمة وحصار قاعدة بجرام الجوية.

– بعد توقيع اتفاق الدوحة بساعات توجهت أول ضربة جوية أمريكية ضد الإمارة الإسلامية في ولاية هلمند .. لماذا؟.

–  فرق الموت في أفغانستان: التكوين .. والمهام .

–  الدرونز الإسرائيلية: أفغانستان أكبر ميدان لمجازرها، وهي أداة الاغتيال رقم واحد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

منذ توقيع اتفاق الدوحة سارت الأمور على أرض أفغانستان على عكس ما أراده من أحكموا مصيدة سياسية، تكون القاضية على جهاد شعب أفغانستان. والإجهاز الهادئ على الإمارة الإسلامية، التي نظمت ذلك الجهاد وجمعت الشعب في بوتقة واحدة وبرنامج موحد لإعادة حكم الشريعة ونيل الحرية.

توقع ( بومبيو وخليل) أن المجاهدين وقياداتهم سوف يركضون صوب مواقع السلطة السياسية، ويتقاتلون ويسفكون دماء بعضهم بعضًا. ويتشرذم الشعب إلى قبائل وأعراق ومذاهب، في سباق محموم صوب غنائم متوقعة. ويلتفّون حول سقط المتاع من قيادات دموية تعبد ذواتها، وتعبد الذهب الذي يتدفق بغير حساب، من خارج أفغانستان إلى داخلها، لإطفاء نور الجهاد بنيران حرب الأطماع والأحقاد.

– التشابه التاريخي كبير بين ما يحدث في أفغانستان على يد المحتل الأمريكي وما حدث على يد المحتل السوفيتي، مع فوارق لابد منها. وشرح ذلك يطول جدًا. لكن أهم فارق يعمل لصالح الشعب الأفغاني هو قيادة الإمارة الإسلامية لجهاده وتوحيد صفوفه والمحافظة علي المثل الإسلامية في القتال كما في التعامل السياسي والإنساني في الداخل والخارج .

لا يمكن مقارنة ذلك بالفوضى والارتهان للقوى المعادية، ذلك الفساد الذي تسببت فيه الأحزاب المستقرة في بيشاور .

– وقَّع السوفييت مع الأمريكيين اتفاقا لانسحاب الجيش الأحمر من أفغانستان (130ألف جندي) خلال ستة أشهر ، في مقابل تقاسم السلطة في كابول بين أعوان الطرفين: الشيوعيين في طرف السوفييت، وأحزاب بيشاور وأنصار الملك السابق في الطرف الأمريكي.

– انسحب الجيش الأحمر من المدن، وقلص الجيش الحكومي خطوط دفاعاته عنها تاركا مساحات كبيرة حولها كان يتخذها مراكز عسكرية واستخبارية .

تَعَثَّر الجيش الحكومي أثناء تلك المناورة . وإختلت الدفاعات عن معظم المدن الهامة لأن الجيش الروسي كان كثيف العدد وله قوات أرضية كبيرة. بعكس الأمريكيين الذين وفَّروا جنودهم واعتمدو على المرتزقة (محليين ودوليين) وعلى سلاح الطيران حتى صارت الطائرات بدون طيار(درونز) هي نجم الحرب بلا منازع . كما كانت طائرات الهليكوبتر الروسية (مي 24) . مع فارق كبير في التأثير لصالح “الدرونز” التي مازالت متفوقة على الأسلحة المضادة لها. إضافة إلى ندرة هذه الأسلحة وصعوبة الحصول عليها وإحجام القوى المعادية لأمريكا عن تحديها صراحة في الساحة الأفغانية، كما تحدى الأمريكيون السوفييت في ثمانينات القرن الماضي.

– نتج عن الانسحاب السوفيتي توسع مناطق المجاهدين وتمددهم في الأرياف. ولم تكن الميليشيات كافية لمنع تقدمهم في المناطق التي يعمل فيها قادة مجاهدين أقوياء. ولم تكن هي المناطق الأوسع، لأن الفساد الحزبي كان مستشريًا فضاعت فرصًا نادرة من أيدي المجاهدين للاستيلاء على العديد من المدن الكبرى.

– والآن ثغرة الفساد الحزبي لم تعد موجودة لتفعل فعلها المدمر. وارتد سهم التآمر إلى صدور المحتلين الأمريكيين وأعوانهم داخل أفغانستان وخارجها. فقد أعلن الأمريكيون عن نيتهم في الانسحاب وقدموا جدولا زمنيا لذلك. ورغم تنوع وجهات النظر لم يحدث صراع داخلي في صفوف الإمارة الإسلامية، ولا شقاق بين مجاهديها، ولا انفصال بين الشعب والإمارة ـ وكل ذلك كان من أحلام الأمريكيين الكبرى. والعكس تمامًا حدث بتقدم غير المسبوق على الأرض والسيطرة عليها وتحرير سكانها.

كما حدث إقبال غير مسبوق للشباب بالتطوع في صفوف المجاهدين، وتسابقوا على التطوع في “القوات الخاصة” التي نمت بشكل كبير جدا من حيث النوع والكم. وتنافسوا على الالتحاق بفرق الاستشهاديين التي صارت عملياتها أكثر براعة وارتباطا بالأعمال التكتيكية الكبرى واستراتيجية الإمارة في كل قطاع .

كل ذلك برهن على ارتفاع المعنويات، وثقة شعبية متصاعدة في الإمارة الإسلامية ومجاهديها.

–  في مقابل ذلك كان مشهودًا انهيار الدولة وجهازها العسكري والأمني وجهازها الإداري وصولا إلى أعلى مستوياته في كابول. فتواجدت الإمارة، في كل وحدة عسكرية أمنية وإدارية للنظام . تواجُد عناصر الإمارة الإسلامية في كابول يبدأ من القصر الجمهوري وصولا إلى آخر زقاق فقير في العاصمة، مرورا بقيادات الجيش والاستخبارات.

–  يقول المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية . وحتى جهاز أمن العاصمة لا يمكنه فعل شيء إلا بعد استئذان المكتب العسكري للإمارة الإسلامية، أو إخطارهم مسبقاً على الأقل، هذا وإلا تحمل عواقب ثقيلة. وقد نشرت الإمارة الإسلامية على سكان العاصمة أرقام هواتفها الخلوية للاتصال بها عند احتياجهم إلى مساعدة . وأذاعت اللجنة العسكرية البيان التالي بين سكان العاصمة وتم تطبيقه: { إن كنت من سكان العاصمة كابول وتواجه أي مشكلة أمنية أو حقوقية أو اجتماعية، فما عليك إلا أن تتصل هاتفيا بأحد أرقام اللجنة العسكرية للإمارة الإسلامية في العاصمة. كما نرجو الإبلاغ عن أي شخص يدَّعي أنه من أفراد الإمارة الإسلامية ويقوم بمضايقة الأهالي أو يطلب منهم أموالاً }.

 

أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة:

هذا الخطاب لا يسري على “فرق الموت”، التي سنتكلم عنها لاحقا، والتي أسستها المخابرات الإسرائيلية بالتعاون من CIA لتكون هي القوة الضاربة للاحتلال المشترك الإسرائيلي /الأمريكي لأفغانستان. خاصة بعد الاكتساح السياسي والعسكري الذي حققته الإمارة داخليا وكسرها للكثير من أطواق العزلة مع الخارج، خاصة مع القوى الإقليمية الأساسية والقوى الدولية التي تريد لنفسها مكاناً مستقبلياً في أفغانستان يحترم رؤية وسيادة الإمارة الإسلامية.

–  للاحتلال الأمريكي/ الإسرائيلي ثلاث مناطق استراتيجية في غاية الحيوية

بحيث أن تخليه عنها يعتبر إعلانا نهائيا للهزيمة الكاملة.. وهي:

1 ـ ولاية  كابول .. وتمثل النطاق السياسي والإداري ومركز الدولة الأفغانية المحتلة.

2 ـ ولاية بروان .. و تحتوي على قاعدة بجرام الجوية الأضخم في أفغانستان وفيها أهم قوات الاحتلال الجوية، وأخطرالمشاريع الاستراتيجية. منها ما هو شبه معلن مثل مصانع الهيروين الحديثة. ومنها ما هو سري للغاية مثل معامل الحرب البيولوجية، والصواريخ النووية قصيرة المدى ـ والقيادة المركزية للعمل الاستخباري المشترك في أفغانستان والمنطقة.

3 ـ منطقة الأفيون .. في ولايات الحزام الجنوبي. ومركزها ولاية هلمند. وتمتد المنطقة لتشمل قندهار وأرزجان ويمكن اعتبار ولايتي زابل وفراه ضمن هذا التجمع ليصبح خماسي الأضلاع.

الوضع الحالي في تلك المناطق هو كالتالي :

1 ـ ولاية كابول: واقعة تحت سيطرة الإمارة الإسلامية. وتبقى مدينة كابول العاصمة تحت الحصار من جميع الجهات ـ مع تواجد قوي جدا للمجاهدين بداخلها لمراقبة العدو وتوجيه ضربات نوعية عند الضرورة. إلى جانب رعاية المواطنين . باعتبار الإمارة الإسلامية سلطة شرعية تسيطر على العاصمة ولو بشكل جزئي.

2 ـ ولاية بروان: واقعة تحت سيطرة الإمارة الإسلامية، وتبقى مدينة بروان، وفيها القاعدة الجوية الأمريكية، وهي تحت الحصار والمراقبة الشديدة من داخل القاعدة وخارجها. ونتيجة لعدم ثقة المجاهدين في نوايا الأمريكيين وقدرتهم على الإيفاء بالعهود، فإن المجاهدين يراقبون جدية انسحابهم من أفغانستان من خلال مراقبتهم الداخلية لقاعدة بجرام، ومحيطها الخارجي ورصد تحركاتها الجوية والأرضية .

فمن الوارد جدا أن يغدر الأمريكيون . وهُمْ على أي حال سوف يستأنفون الحرب بشكل آخر وطرق جديدة. وسيظهر ذلك جليا بعد محطات أهمها الانتخابات الأمريكية في خريف هذا العام . ونظرًا لأزمتها المالية المتفاقمة فمن المستبعد أن تنسحب الولايات المتحدة بهدوء من أفغانستان، تاركة كنوز الهيروين.

3 ـ منطقة الأفيون: وهي أول منطقة انتهك الأمريكيون فيها ما أسموه (اتفاقية السلام) مع الإمارة الإسلامية. والسبب كان هجومًا للمجاهدين على موقع عسكري للجيش المحلي وهو أمر لا يتعارض مع اتفاقية الدوحة، وكانت الضربة الجوية الأمريكية تحمل رسالة معناها: ” نتهاون في كل شيء ما عدا أفيون أفغانستان”. فكان رد الإمارة الثابت دومًا، من خلال ضرباتها العسكرية المتنوعة: ” لن نترك لكم حبة رمل في أفغانستان”.

– الآن يلتزم الأمريكيون بالهدوء، وخمد نشاط طيرانهم التقليدي غير المسيَّر. والموعد النهائي لانسحابهم معلوم طبقا لاتفاقية الدوحة. والجبهات التي مازالت نشطة ضد العملاء والمرتزقة وفرق الموت. ولسان حال الإمارة الإسلامية يقول: دع الأمريكيين ينسحبون بهدوء، وإلا فإننا نعرف كيف نرميهم خارج بلادنا.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

فرق الموت: لماذا .. وكيف ؟؟

استخدمت الولايات المتحدة ما أسمته (فرق الموت ) بإدارة مخابراتها المركزية ، لقهر شعوب أمريكا الجنوبية والوسطى، وإرغامها على قبول السطو الأمريكي على الثروات والاستبداد بالقرار السياسي بواسطة حكومات عميلة وجيوش إجرامية مدعومة بعصابات من القتلة. تكونت (فرق الموت) من مجموعات منتقاة من الجيش الوطني، ومن مجرمين محترفين. وتخصصت تلك الفرق في مجال يشمل اختطاف واغتيال المعارضين والقادة الاجتماعيين والدينيين والمثقفين من كتاب وصحفيين أحرار.

كما يشمل إحراق القرى وتدمير ممتلكات المعارضين. وبثّ الرعب الجنوني في نفوس السكان، لإخماد قابليتهم للمقاومة، وإصابتهم بصدمة مذهلة تتيح للشركات الأمريكية أن تنفذ ما تريد، بدون أي معارضة. (فرق الموت) تعمل بشكل غير رسمي، يمكن أن تتبرأ منه الحكومة العميلة.

–  في بداية احتلالها لأفغانستان استخدمت أمريكا قواتها النظامية كفرق موت عظمى للقتل الجماعي والإرهاب المذهل حتى يرتدع الشعب الأفغاني العنيد عن مجرد التفكير في المقاومة. فضربوا بشكل منهجي القرى الآهلة، وهاجم الطيران الأمريكي حفلات الزفاف والمآتم.

ودمر وسائل النقل العام والخاص على الطرق الرئيسية والفرعية. وهاجمت قواتهم الخاصة القرى ليلا، وأقاموا فيها حفلات من الرعب والقتل والتعذيب باستخدام الكلاب المتوحشة. وأعطوا أولوية لقتل علماء الدين وطلاب المدارس الدينية، وتفجير المدارس الدينية وإحراق كتبها بما فيها القرآن الكريم. وقتلوا الأطقم الطبية ودمروا مخازن التجار ومحلاتهم، وأتلفوا المحاصيل في الحقول ـ وأخفوا قسريًا عددًا كبيرًا من السكان، وزجوا بهم في سجون مجهولة  ثم باعوا أعضاءهم ضمن تجارة دولية مربحة، إلى جانب اتجارهم في المخدرات.

 

تكوين فرق الموت:

في أفغانستان  تشكلت فرق الموت في بدايتها من القوات الأمريكية الخاصة وقوات الحلفاء، واشتهر من بينهم البريطانيون والكنديون والأستراليون، مع عناصر إسرائيلية منتشرة بين تلك القوات، ولم تظهر بهويتها الصريحة تفاديا لاستفزاز الشعب الأفغاني الغيور. ولاحقا انضمّت عناصر محلية إلى تلك الفرق، ومن مختلف دول العالم.

– عصابات داعش تمارس تلك الأعمال منذ لحظتها الأولى، كوظيفة أساسية. ولكن تضاعف خطرها وصارت أكثر تنظيماً في أفغانستان منذ تولي أمرها حكمتيار بالمشاركة مع “حنيف أتمر” عندما كان مستشارًا رئاسيا لشؤون الأمن القومي، ومازال يمارس نفس المهمة مع داعش وهو في وظيفة “وزير خارجية” جامعاً بين وظيفة الاستخبارت والمهام السرية والإرهابية في الداخل والخارج ، متشابها في ذلك مع “بومبيو” وزير خارجية أمريكا . حتى أسماه البعض “بومبيو” أفغانستان .

في بدايتها نشأت داعش كقوة مرتزقة ذات تخصص طائفي. وما زالت ثابتة على ذلك التخصص، وأضافت إليه في أفغانستان الفتن العرقية تحت إشراف قائديها (حنيف وحكمت).

– أنشأ الإسرائيليون في أفغانستان مجموعات حديثة من”فرق الموت”، مارست عدداً من العمليات التي تعتبر تجديداً نوعيا في بشاعة الاستهداف غير المسبوق. فهذه المرة ليس المطلوب فقط بث الرعب في الشعب ــ فقد انقضت تلك المرحلة بعد الإقبال الحالي على التطوع الجهادي والتدريب المتطورــ فالمطلوب الآن بث الفرقة بين الشعب والإمارة الإسلامية، وإفقاد الشعب ثقته في قدرة المجاهدين على حمايته. وتوقعوا أن يتحقق ذلك بعد ظهور اللمسات الإسرائيلية في التنكيل بأضعف فئات المواطنين بما يتجاوز أعراف الحيوانات.

– وأنشأت المخابرات الأمريكية فرقاً أفغانية خاصة منتسبة إلى الأمن وتحت مسميات تليق بأفلام المغامرات، مثل صفر واحد، صفر اثنين وهكذا، أصفار تعقبها أرقام، لماذا ؟؟. لأنها العقلية الأمريكية المريضة والمسطحة والمتوهمة.

إجمالا تخصص الدواعش في تفجير المساجد والمواكب الدينية والجنائز والاحتفالات. وتخصص الباقون في تفجير المستشفيات والمدارس والمهرجانات والمواصلات.

ومؤخراً انخرط الطرفان في (النشاط الخاص) خارج الخطة المحددة رسميا. مثل انشغال جزء من فرق الموت في عمل إضافي لزيادة الدخل، بالقتل لصالح أطراف داخلية تدفع أكثر. فاغتالوا ونسفوا لصالح مسئولين كبار، ضمن تصفية حسابات، أو لحسم منافسات مالية أو سياسية. أو لسرقة بعض ما سرقه آخرون، أو لاعتراض أموالهم المنقولة والمهربة أو حتى أموالهم في البنوك .. إلخ.

– حالة الفوضى العارمة التي تجتاح الطبقة المسيطرة في أفغانستان جعلت سوق المرتزقة بجميع أنواعهم معروضة للاستخدام الشخصي لمن يدفع أكثر . فأصبح المشهد مأساويا ومربكا لأي متابع .. فمن يقتل من ؟ .. ومن يعمل ماذا ؟ ولماذا ؟. إنها أجواء السقوط لا أكثر .

ومن الطبيعي أن تستفيد الإمارة الإسلامية من تلك الفوضى التي أغرق فيها العدو نفسه، بسياساته التي ظن أنها سَتُكسِبَهُ الحرب. وإذا بالمكر السيء يحيط بأهله ويبتلعهم في ظلماته.

الدرونز الإسرائيلية: أفغانستان أكبر ميدان لمجازرها.

من أهم مساهمات إسرائيل كان الطيران المُسَيَّر(بدون طيار ــ درونز) الذي معظمه من صناعتها. وتعتبر حرب أفغانستان أكبر ميدان استخدمت فيه تلك الطائرات بكثافة نادرة، وحققت أعلى خسائر في صفوف المدنيين بما لم يسبق أن حققت مثله في أي مكان.

وكان لها دور كبير في تنفيذ عمليات اغتيال نوعية لقادة ميدانيين، بهدف إحداث خلل في سلسلة القيادة لدى المجاهدين، ودفعهم إلى التنازل سياسيًا ـ حسب نصائح قدمها نفطيون من أصحاب شركات المرتزقة ــ ولكن شيئًا من تلك الأهداف لم يتحقق. وتظل الدرونز الإسرائيلية هي أداة الاغتيال رقم واحد في أفغانستان.

ويعتقد البعض أن تلك الطائرات لا تنقطع عن التحليق في جميع الأماكن والأوقات ـ وأن أنواعها كثيرة وذات قدرات متنوعة. بعضها يستطيع التحليق لساعات طويلة وعلى ارتفاعات شاهقة يصعب رصدها، وتنتظر فريستها بصبر لأوقات طويلة قبل أن تضرب ضربتها القاتلة. اختصارا تجربة الدرونز في أفغانستان تجربة نادرة وغير مسبوقة في تاريخ الحروب . تماما كما كانت تجربة الذخائر الحديثة والمحرمة دوليا والتي تحتوي على اليورانيوم المخصّب والمنضب . وكذلك استخدام ترسانة كبيرة ومنوعة من الأسلحة البيولوجية والكيماوية.

لم يسبق أن شاهد العالم شيئا من ذلك. وهذا واحد من الأسباب التي دفعت الاحتلال الأمريكي كي يمنع كافة المعلومات التي تخرج من أفغانستان عن غير قنواته العسكرية والاستخبارية.

 

القفز من السفينة الغارقة

بسبب تلك الفوضى التي وقع فيها الاحتلال ونظامه العميل، توسعت سلطة الإمارة الإسلامية على أرض أفغانستان، وفي صفوف الأجهزة الحاكمة، وبين الطبقات الميسورة التي استفادت من الحرب ولكن لا تنوي الرحيل، أو تنوي الرحيل ولكن بدون إحراق الجسور من خلفها. أصحاب رتب عليا ومتوسطة في النظام الحاكم قدموا عمليا براهين الولاء للإمارة الإسلامية. ورغم أن نظام كابل يمتلك رئيسان للجمهورية في وقت واحد بل في قصر جمهوري واحد، فإن ذلك لم يعد كافيا . فرغم أن رئيس واحد منهما يستطيع إغراق النظام، فإن وجود رئيسين يغرقه أسرع . وفي نهاية الشارع الذي يقع فيه القصر الجمهوري مازال عمود الإضاءة الذي شنق علية الرئيس الشيوعي نجيب الله قائما، وبجانبه عمود آخر، بل وأعمدة كثيرة بطول شارع العملاء.

– جهاز”الدعوة والإرشاد” أصبح من أكثر أجهزة الإمارة انشغالا. إذ يتهافت عليه المئات من جنود الجيش والشرطة والميليشيات، وموظفي الدولة، معلنين ولاءهم للإمارة متبرئين من الاحتلال ونظامه الحاكم في كابول. فالسياسة العسكرية الخرقاء التي مارسها جيش الاحتلال الأمريكي، ساعدت على حشد الشعب خلف إمارته الإسلامية وخلف مجاهدي طالبان .

وتزدحم ملفات جهاز “الدعوة والإرشاد” بقوائم المستسلمين للإمارة والمبايعين الجدد لها . أما في الأرياف فلا يحتاج الأمر إلى تجديد بيعة، فالسكان منذ البداية هم مع الإمارة سراً أوجهراً. وعندما فُتِحَت المزيد من الأراضي أمام الإمارة فإن كل ما يفعله السكان هو الترحيب بقوات طالبان، وبأجهزة الإمارة المدنية والعسكرية . ومساعدتها على السيطرة وبسط الأمن .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

المأساة الأمريكية فى أفغانستان : أكثر من مجرد حصار .. وأكبر من مجرد هزيمة




مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

مأزق بغال التحميل و الطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

مأزق بغال التحميل

و الطريق إلى جهاد صحيح

( الجزء الأول )

 

فريضة الجهاد هى (ذروة سنام الإسلام )، لأنها تمثل وسيلة الدفاع الجماعى الذى تمارسه الأمة دفاعاً عن نفسها وعن حقوقها الدينية والمادية وحفاظا على حريتها ، ضد أى عدوان خارجى ، وضد أى إنحراف داخلى بممارسة ظلم شديد وإضهاد. إن القتال فى سبيل الله يشمل القتال لأجل حقوق المستضعفين كافة :{ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴿٧٥﴾ } – النساء.

– فأجتهد الطغاة من داخل الأمة وخارجها ، لطمس فريضة الجهاد ـ أو تضليلها لتأخذ غير مسارها الشرعى الصحيح . فاجتهدوا لمنعها تماما بشتى الذرائع . مثل أنها من أعمال العنف والإرهاب ـ مستفيدين فى ذلك من إنشاء جماعات إجرامية متهوسة يستخدمونها فى أعمال بشعة ينسبونها إلى الجهاد ، وذلك لتنفير الناس / مسلمين وغير مسلمين/ من الجهاد بل من الإسلام ذاته . ثم تشريع قوانين تجرم فعل الجهاد ، وينبرى مشايخ السلطة وعلماء السؤ لإطلاق فتاوى تطال الأصول الشرعية للجهاد وتبطله . وتمجد الظلم والظالمين سواء كانوا من الداخل أو من الخارج .

– بعد قرون متوالية من تجاهل الإسلام ، نسى الناس حقيقيته ، فهجروا الكثير من تكاليفه وأهمها الجهاد . والحكام إستخدموا ـ إسم الجهاد ـ لتوسيع سلطانهم على رعاياهم أو خارج الحدود ، إلى أراضى الجيران ـ حتى لو كانوا مسلمين أيضا.

– حرب فلسطين عام 1948 أوضحت شيئا عن مفهوم الجهاد ، وبدأت فى إيقاظ المشاعر الإسلامية الكامنة . لم تستمر الحرب طويلا، وسرعان ما خمدت ، ليظهر أنها كانت جزء من مسرحية لنقل ملكية فلسطين إلى اليهود كجزء من صفقة عالمية. وكان المجاهدون جزء من تمثيلة الحرب ، وضحية بريئة تخيَّلَت أن ما يحدث جهادا وليس مؤامرة على دينها ومقدساتها وبلادها .

– جاءت حرب أفغانستان ضد السوفييت واستمرت سنوات متتابعة وبعنف كبير، وسقط فيها آلاف الشهداء وكان العنصر الدينى فيها بارزا بل وحاسما . ومشاركة غير الأفغان كانت مشهودة وواضحة فأعطت للجهادة بعده كشعيرة تؤديها الأمة . وكانت المؤامرة على ذلك الجهاد واضحة . ولمس الشباب المجاهد أن ما يجرى هو أخطر وأعقد بكثير مما تخيلوه . وكانوا يفتقدون إلى الخبرة وإلى القيادة وإلى التنظيم . فابتلعتهم شباك العدو، وكانت قياداتهم غير مؤهلة لهذا الدور الذى تورطت فيه بالصدفة. وتأهيل الشباب وقادتهم، الفقهى والسياسى، لم يكن يمكنهم من أداء أكثر مما قاموا به بالفعل ــ أى بغال تحميل ــ تجاهد بكل حسن نية ولكن على غير بصيرة . فابتلعهم صراع دولى جبار لا يرحم، ولا يعطف على المغفلين بل يعتصرهم حتى آخر نقطة دم ، ثم يلفظهم إلى المقابر أو المعتقلات .

فيما يلى جزء من مقدمة كتاب ( 15 طلقة فى سبيل الله) عن تجربة العرب فى أفغانستان. أجعله منه مقدمة لما شرعت فى كتابته عن موضوعنا : (مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح)) :

كانت أفغانستان هي الحدث الأول على الساحة الدولية ـ وبالتالي الساحة الإسلامية ـ     وقرر الغرب بزعامة أمريكا أن يلعب بالورقة الإسلامية لإحراج منافسه السوفييتي . وأعطيت الأضواء الخضراء كي تنطلق أكبر حملة مساندة في العالم الإسلامي خلال هذا القرن لنصرة ـ الجهاد الأفغاني ـ بالأموال ، بدماء الشباب ، بالإعلام . وصارت أفغانستان قضية المسلمين الأولى .

وما أن أتم السوفييت إنسحابهم من أفغانستان ثم سقط النظام الشيوعي في كابل بعد ذلك بثلاث سنوات  تقريبا ، حتى إنقلبت الصورة رأسا على عقب وتبدلت المواقف والتحالفات . تحول الأعداء إلى أصدقاء ، والأصدقاء إلى أعداء ، وتحول المجاهد مجرماً مطارداً ، والمجرمون أصبحوا زعماء مسيطرين وزالت الإيديولوجيات وعم السلام تحت راية القطب الأوحد ولم  يتبق للعالم أجمع إلا عدو واحد هو  (الأصولية الإسلامية) !!. وجاءنا نظام (دولي جديد) يدافع عن حقوق الإنسان وحرية التجارة وينشر الديموقراطية، ولا يرى غير الإسلام عدوا لدودا يهدد طريقته المثلى, و يظهر في الأرض الفساد . أعلن ذلك النظام البشع عن ميلاده على أرض جزيرة العرب عندما وطأتها أرجل الجيوش النصرانية واليهودية ، في الحرب التي أسموها حرب تحرير الكويت. النصر الذي تحقق على أرض أفغانستان ضد الجيش الأحمر السوفييتي أدى إلى هيمنة أمريكية مطلقة  على العالم .

أما على الجانب الإسلامي فقد تحول إلى كارثة إسلامية شاملة ، في صورة حرب صليبية دولية ضد الإسلام  كان أول من دفع ثمنها هو الشعب الأفغاني نفسه الذي أوقدوا على أرضه حربا حزبية قومية تدمر أول ما تدمر آثار الجهاد بل آثار الإسلام في تلك البلاد ، التي شهدت أكبر نصر عسكري للمسلمين منذ عدة قرون . وأول من دفع ثمن النصر الإسلامي في أفغانستان ، هم هؤلاء المتطوعون العرب الذين نالوا النصيب الأوفى من الإضطهاد والملاحقة وتشويه السمعة ، سواء من الغرب أومن الحكومات الإسلامية, خاصة في باكستان, أو الحكومة الإسلامية في أفغانستان نفسها. وتلك أعظم المفارقات وأكثرها إيلاما.

ورغم تفوق تكنولوجيا السلاح في الغرب ، إلا أن حملاته الإعلامية أشد فعالية وتأثيرا من حملاته العسكرية . ومن الواضح أن المال  والإعلام هما السلاحان الرئيسيان في يد اليهود للسيطرة على الغرب ومن ثم العالم بأجمعه.  وقد تسلطت الآلة الإعلامية الدولية على رأس المتطوعين العرب في أفغانستان ، حتى صاروا أشد  فئات المجرمين الدوليين خطورة في نظر العامة وليس فقط الحكومات. لقد تشتت ذلك التجمع النادر المثال ولوحق  في أصقاع الأرض ، ومن تبقى حتى الآن في أفغانستان ـ لا يتعدى عدة عشرات ـ يعيش على خوف وتوجس من بوادر إنقلاب إفغانى ضدهم بتحريض أمريكي/ إسلامي  !!! ذلك المجهود الإعلامي الدولي ، والذي ساهم في جعل أفغانستان قضية العالم الأولى لأكثر من عشر سنوات ، أعمل معاول الهدم في الشعب الأفغاني نفسه وشوه صورته عالميا .

وهكذا فإن من  ساهموا في صنع ذلك النصر التاريخي الفريد على أرض أفغانستان قد تحولوا جميعا إلى مجرمين منبوذين على مستوى العالم أجمع  ـ يستوي في ذلك العرب والأفغان ـ بينما فازت أمريكا بصدارة العالم بلا منازع  وإلى حين إشعار آخر .

مصطفى حامد

معسكر الفاروق خوست

الأحد 7 أغسطس 1994م  

 

 

بين أفغانستان وفلسطين مع الشيخ عبدالله عزام .

وتستمر الصفحات الأولى من الكتاب المذكور على النحو التالى :

في البداية كنت أنظر حولي وأشعر بغصة ألا أجد أحدا من أبناء جيلي.  لذلك شعرت بالفرح عندما قابلت الشيخ عبد الله عزام لأول مرة في بيشاور في سبتمبر 1984م كان من نفس الجيل وإن كان أكبر مني بثلاث سنوات ، يومها شعرت أنني لست وحيدا . ولكن لسوء الحظ ، فإن اختلاف رؤيتنا للأحداث ومواقفنا منها أدى لأن تكون علاقتي معه فاترة ومتحفظة وإن سادها الإحترام المتبادل. هناك خيط مشترك يربط أبناء الجيل الواحد مع بعضهم البعض بسبب معايشتهم لنفس الظروف والأحداث . لهذا كان هناك قدرا مشتركا ـ لا بأس به ـ بيني وبين الشيخ عبد الله عزام تجاه قضية أفغانستان والموقف منها بشكل عام . وكان أكبر نقاط التنافر بين مواقفنا هو تقييم قادة الأحزاب الأفغانية ودورهم في القضية . فبينما مضى هو إلى أقصى حد في تمجيدهم خاصة الثلاثي: سياف ،حكمتيار،رباني، ذهبت أنا إلى الطرف المناقض تماماً .

–  كنت متفقا مع الشيخ عبد الله على أن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة أمام الأمة الإسلامية للدفاع عن دينها ومصالحها في مواجهة القوى المتكالبة عليها، وأن المعركة الرئيسية للمسلمين هي معركتهم مع اليهود والصليبية المتحالفة معهم .

وأن أفغانستان هي فرصة نادرة لمسيرة الجهاد التي ينبغي أن تستمر وتتصاعد وأن تكون أفغانستان هي المدرسة الكبرى للممارسة العملية على نطاق الأمة .

 

جيلنا كان وافر الحظ مع الحروب، فقد جاء جيلنا إلى الحياة مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وقبل أن يدرك ما حوله نشبت حرب 1948م بين اليهود والعرب وضاعت معظم فلسطين وظهرت إسرائيل كأبشع حقيقة سياسية في حياة العرب المعاصرين.

تلتها سلسلة من الإنقلابات في العالم العربي كرست عملية الإنتقال من التبعية للإستعمار البريطاني والفرنسي إلى التبعية الجديدة للإمبريالية الأمريكية. ثم حرب 1956م بين مصر من جانب وإسرائيل مدعومة بفرنسا وبريطانيا من جانب آخر . وفي عام 1967 كانت أبشع الهزائم العربية في التاريخ الحديث أمام إسرائيل وضاعت بقية فلسطين مع مساحات شاسعة من الأراضي المصرية والسورية .

وفي عام 1973م كانت حرب (التحريك) بين مصر وسورية من جانب وإسرائيل من الجانب الآخر وفعلا تحركت المنطقة نحو مسيرة طويلة  للتسوية السلمية مع إسرائيل لتنتهي بها إلى إستسلام كامل للهيمنة الإسرائيلية على كامل المنطقة العربية مع إعتراف بالقطب الأمريكي المسيطر الأوحد على الساحة الدولية. وفي أبريل 1978م كان الإنقلاب الشيوعي في أفغانستان تلاه الغزو السوفييتي في ديسمبر 1979م ، وبدأ نجم الجهاد في أفغانستان يبزغ على إستحياء حتى تلقفته الدوامة الدولية. ولمدة عشر سنوات كان الجهاد والمجاهدون في أفغانستان هم حديث الساعة عالمياً.

بدا لنا أن الفرصة سانحة وأن الراية التى رفعت فى جبال أفغانستان ينبغى أن تظل خفاقة حتى النصر وأن تواصل المسير فى الآفاق حتى تعود للمسلمين دولتهم وعزتهم.   هكذا كنا نحلم -وفي هذا الإتجاه حاولنا أن نعمل – أما النتائج فكانت شيئا آخراً .

كانت هناك عدة فروق بين الحرب في أفغانستان والحروب التي شهدتها المنطقة العربية مع إسرائيل . وهي فروق أدهشت الشعوب العربية وجعلت الإسلاميين فيها ينجذبون إليها . ـ لقد قام الأفغان ضد حكومة شيوعية مدعومة بقوة عظمى ومع ذلك لم يستسلموا بل تصاعدت مقاومتهم .

ـ رفع الأفغان شعار الجهاد فأجج ذلك مقاومتهم وأكسبهم تعاطف المسلمين في كل مكان . ولما كان جيلنا قد أدرك متأخرا أن الحروب العربية ـ الإسرائيلية إنما هي حروب من جانب واحد تواطأت فيها الحكومات العربية ـ التي لا تتولى السلطة إلا بموافقة ومساعدة القوى الغربية ـ وذلك لفرض الهزيمة على الشعوب العربية وتكريس سيادة إسرائيل على المنطقة .

لهذا صار لزاما على هذه الحكومات أيضا أن تعمل ضد الإسلام نفسه ، وتعمل على إضعافه أو إقتلاعه من المنطقة حتى يسهل إستقرار وسيطرة اليهود عليها . رغم صغر حجم إسرائيل وقلة سكانها من اليهود إلا أنها استطاعت أن تفرض إرادتها على دول المنطقة . وجيوشنا كانت سريعا ما تنهزم وتفر أمامهم في ميادين القتال وإذا قاتلت فلأيام معدودة يبدأ بعدها سيل من الإتفاقات وعهود السلام . والشعوب ضعفت عقيدتها وانهارت معنوياتها وأصبحت تقبل بأي شيء في مقابل إستمرارها في حياتها المهينة . ثم جاءت أفغانستان لتقدم صورة مناقضة تماما لتلك الصورة العربية الكئيبة . في أفغانستان شعب خشن ذو عزيمة وتصميم يقاتل لأجل الإسلام ، ويتحمل أهوالا  تعجز الجبال عن تحملها والأعجب أنه يحقق إنتصارات ضد أقوى جيوش الأرض : الجيش السوفييتي .

إنه الصورة المناقضة لحالنا ، والحلم الذي يراود المسلمين يتحقق أخيرا . لقد تخيلنا أن الأمل بدأ يتحقق ، ومن أفغانستان سوف تخرج جيوش الفتح الإسلامي.

لهذا جئت إلى أفغانستان ، وجاء غيري مئات وآلاف من الشباب ، لتبدأ ملحمة العرب في أفغانستان ، كواحدة من أغنى تجاربنا الإسلامية الحديثة.

عندما نشبت حرب فلسطين عام 1948 كان الجهاد مازال حيا في الذاكرة الشعبية للعرب ، وتبنته جزئيا وسائل الإعلام العربية في ذلك الوقت من خلال الأغاني والأناشيد الحماسية . وضع الإنجليز مخطط حرب فلسطين ، بهدف إخراج الهزيمة بشكل مسرحي ـ تشارك فيه  (حكومات الردة الوطنية) عن عمد ـ بهدف تحطيم معنويات الشعوب ودفعها تدريجيا للإستسلام لليهودية الدولية. وأعطى هذا المخطط ثمارا يانعة في السبعينات وحتى الإستسلام الكامل لليهود في التسعينات من هذا القرن .

لقد كانت حرب فلسطين عام 1948م تجربة غنية للعمل الإسلامي مليئة بالدروس والعبر. ولكن للأسف عندما خاض المسلمون في التجربة الأفغانية لم يستفيدوا من تلك الدروس  وكرروا الأخطاء ـ بل زادوا عليها ـ ثم تعرضوا لنفس النكسات والضربات الأليمة و بالطريقة نفسها تقريبا مع تحويرات تتناسب والتغيرات في الزمان والمكان والملابسات المحيطة .

لقد كانت بريطانيا هي القوة المهيمنة على كل الحكومات العربية والمحتلة لأكثر الدول العربية المحيطة بفلسطين ، ونفذت بريطانيا مخططها في فلسطين وفي الحرب الفلسطينية عام 1948م عبر الحكومات العربية التي دخلت الحرب بسبعة جيوش. وفي الحالة الأفغانية كانت أمريكا منذ عام 1981م هي القوة المهيمنة على الحرب الأفغانية , وتحركت مع مجموعة من الحكومات  خاصة الحكومة السعودية  والباكستانية. وكانت أدواتها على الساحة الأفغانية هي الأحزاب الأفغانية المسماة بالمنظمات الجهادية وعددها سبعة منظمات، وهو نفس عدد الجيوش التي دخلت حرب فلسطين تحت إمرة الجنرال جلوب باشا الإنجليزي.

وقد تحكمت المخابرات الأمريكية إلى درجة كبيرة بالعمل  القتالي في أفغانستان بواسطة جهاز المخابرات الباكستاني (ISI) والذى أنشأه ضياء الحق عام 1979م بهدف التدخل في أفغانستان التى تحولت إلى الشيوعية. في الحالتين دخلنا الحرب بقيادة جنرالات كفرة أو (أشباه مسلمين).

ومع هذا لم تستطيع الولايات المتحده أن تحكم سيطرتها على جهاد الشعب الأفغانى بنفس القدر الذى أحكمت به بريطانيا سيطرتها على الجيوش العربيه فى فلسطين. فالجيوش العربية الضعيفة التجهيز والمعنويات، والشعوب العربية المقهورة بحكومات مستبدة والبعيدة عن دينها، كان من السهل، ومازال، إيقاع الهزيمة بها وإرغامها على تجرعها حتى الثمالة، ثم القبول بالأمر الواقع. أما الشعب الأفغانى ذو الطبيعة القتالية، والتركيب القبلى، والمتمرس على القتال والمتعصب لدينه، فكان التحكم به صعبا، لذلك إستطاعت القوى الإسلامية المخلصة في أفغانستان رغم التعب الذي أصابها ، أن توقع الهزيمة بالسوفييت ثم أسقطت النظام الشيوعي في كابل.

كل ذلك رغماعن كل المحاولات الأمريكية للخروج بنتيجة لا غالب ولا مغلوب ثم تشكيل     حكومة علمانية تقود البلاد تحت نفوذ أمريكي سوفيتي مشترك . ـ كانت حرب فلسطين في حقيقتها هي (دعوة إلى وليمة الهزيمة).

بريطانيا هي صاحبة الدعوة والجيوش العربية السبعة هم ضيوف الشرف . فما هو دور المتطوعين المسلمين ؟ … ولماذا سمحت لهم بريطانيا بالمشاركة ؟

أولا : سمحت بريطانيا للإخوان المسلمين بالمشاركة العسكرية في فلسطين حتى يصبحوا شركاء في الهزيمة المنتظرة فلا يكون لهم فضل على الأنظمة ولا يزايدون عليها بإسم الإسلام .

ثانيا : إستطلاع عمق الشعور الجهادي داخل الجماعة وفي صفوف الشعوب العربية .

ثالثا : كشف العناصر الناشطة إسلاميا والفاعلة جهاديا وتقديمها إلى صفوف القتال للقضاء عليها . وقد كان المجاهدون من صفوف الإخوان يكلفون بأخطر المهام القتالية في ميدان القتال . ويعلم الإنجليز بخبرتهم العسكرية أن الإخوان كقوات فدائية سوف يصابون بأعلى الخسائر في لأرواح.وكان ذلك هو المطلوب .

رابعا : بعد إشراكهم في الهزيمة وتقديمهم قرابين بشرية لنيران اليهود ، تتكفل أجهزة الأمن المصرية ـ وغيرها ـ بتصفية الباقين في المعتقلات وعلى أعواد المشانق .فقبل قليل من إنتهاء الحرب صدرت الأوامر للجيش المصري بنزع سلاح كتائب الإخوان المسلمين.

فقام ضباط الجيش المصري بنزع سلاح زملائهم من وحدات الفدائيين المسلمين ، الذين قاتلوا إلى جانبهم وأنقذوهم من عشرات المآزق القاتلة ومن الهلاك في حصار الفالوجا وغيرها .

ثم وضع ضباط الجيش المصري زملائهم من كتائب الإخوان المسلمين في سجون الوحدات العسكرية حتى إستلمتهم السلطات المصرية ووضعتهم في معتقلات نائية بدون أن تسمح لهم حتى بالعودة إلى الوطن لزيارة عائلاتهم . أي من الجبهة إلى المعتقلات .

والغريب أن هؤلاء المتطوعين في فلسطين قد إستمر إعتقالهم وإضطهادهم حتى جاء الإنقلاب العسكري عام 1952م. (ثورة يوليو) فلفقت لهم القضايا وتم إعدام عدد منهم واعتقال آخرين تحت ظروف التعذيب الوحشي حتى قتلوا. ولم ينج منهم إلا أفراد قلائل فروا من  مصر قبل إعتقالات عام 1954م, ولم يتمكنوا من العودة إليها مرة أخرى رغم مرورعشرات السنين على حرب فلسطين. أما عناصر الإخوان الذين لم يشاركوا في القتال فقد سمح لهم السادات في بداية عهده بالعودة إلى مصر في إطار معين للحصول على لقب الرئيس المؤمن. وكان ذلك نصف الطريق المرسوم له من الغرب ، أما النصف الآخر فقد أنجزه بعد حرب أكتوبر 1973 م بحصوله على لقب بطل الحرب والسلام . عندئذ صار الطريق مفتوحاً أمامه لتوقيع إتفاقية الإستسلام مع إسرائيل بصفته الكاملة وهي: “الزعيم المؤمن بطل الحرب والسلام” .

أي أنه في حالتي الحرب 1948 والسلام 1977م كان الإسلاميون عرضة للإستغلال من جانب الغرب، وحكومات العلمانية الوطنية، في تنفيذ مخططاتهم ضد الإسلام في المنطقة العربية.

هذا ما حدث مع الإسلاميين في قضية فلسطين فماذا حدث معهم في قضية أفغانستان؟؟.

 

إن التشابه كان مدهشا بين الحالتين:       

لقد بدأ تسرب المجاهدين العرب إلى أفغانستان ، وكان هناك في البداية تضييقا على حركتهم نحو الحدود الأفغانية. وكان حكم الجنرال ضياء الحق في باكستان لا يرغب في تصعيد إجراءات منع العرب من النفاذ إلى أفغانستان من أجل الجهاد وذلك لأسباب داخلية كثيرة ، ولتحالفه في ذلك الوقت مع التيار الإسلامي في باكستان لمواجهة المد الشيوعي والعلماني المتحالف مع الهند وموسكو من أجل إسقاط نظام حكمه .

وقررت أمريكا مع زيادة تورطها في القضية الأفغانية أن تلعب بالورقة الإسلامية في مواجهة موسكو لإحراجها في كل العالم الإسلامي . وللإستفادة من دماء المسلمين المبذولة بسخاء في ميادين الجهاد وأموالهم المتدفقة لمساعدة المجاهدين كي تخوض أمريكا حلقة في إطار الحرب الباردة لا تكلفها شيئا تقريبا.

وقررت أمريكا أن تقوم الخزينة السعودية بتمويل الحرب في أفغانستان ، أما الدماء في المعارك فسوف يتسابق المجاهدون العرب والأفغان لبذلها في سبيل الله . أما أمريكا فدورها  التوجيه والتخطيط ثم جني الثمار ـ وحدها فقط ـ وإن إستدعى ذلك قتل شركائها. فقتلوا ضياءالحق ثم تميم العدناني ثم عبد الله عزام ثم دمروا التواجد الجهادي العربي في باكستان وأفغانستان بحملات بوليسية وإعلامية مركزة  .

 

والإشتراطات الأربعة التي وضعتها بريطانيا لمشاركة المجاهدين العرب في حرب فلسطين كانت هي نفسها الإشتراطات التي وضعتها أمريكا لاشتراك المجاهدين العرب في أفغانستان . ولنستعرضها مرة أخرى في الحالة  الأفغانية :

 

أولا :

تصورت أمريكا أن دعوة المتطوعين العرب للجهاد في أفغانستان هي دعوة على مائدة الهزيمة. لأن خيوط القيادة والتوجيه تنتهي إلى اليد الأمريكية والقرار الأمريكي ، ولأن اللاعبين الرئيسيين هم من الأتباع المخلصين إما لأمريكا مباشرة:  باكستان و السعودية ثم مصر.  أو أتباع مخلصون لأتباع آخرين مخلصين  مثل قادة المنظمات الجهادية الأفغانية , وكلهم تابع لهيئة الإستخبارات الباكستانية (آي،إس،آي). ويتلقى أوامره اليومية ومساعداته من أموال وأسلحة من أيدي موظفي الحكومة الباكستانية.

 ثانيا:

أرادت أمريكا أن تسبر غور التيار الإسلامي في المنطقة العربية بعد سنوات من الإنفراج النسبي في العلاقة معه ، وأن تكتشف عمق المشاعر الجهادية والناشطين جهاديا باعتبارهم أول خصومها في المنطقة وأكبر المخاطر على إسرائيل ومشروعها الشامل للسيطرة.

ثالثا :

أن القتال في أفغانستان لن يكون نزهة على أية حال ، والمتطوعون العرب المملوءون حماساً وغير المدربين وغير المنظمين لن يكونوا سوى فريسة سهلة للنيران السوفييتية. وهذه  أرخص السبل وأسرعها للقضاء عليهم قضاء إختيارياً لا يحرج أحدا من الحكومات . وعلى هذا الأساس سهلت الحكومات العربية خروج شبابها للجهاد في أفغانستان، وقدم بعضها تسهيلات كبيرة .

رابعاً :

إذا استطاع أحد من المتطوعين العرب أن ينجو من نيران الجيش الأحمر ، فإن جيوش المخابرات في أنظمة الردة سوف تتولى أمره  كالمعتاد . ويمكن تلخيص تلك الخطوات الأربعة بأربعة عناوين هي:

إستدراج ــ إستطلاع ــ إغتيال ــ تصفية . خطوات أربعة تكررت كما هي ضد المجاهدين العرب في فلسطين ثم في أفغانستان على أيدي نفس الفئات:  اليهود والصليبية والمرتدون . فكم من المرات سوف نلدغ من نفس الجحر؟ . دعنا نتأمل في بند التصفية لنرى مكوناته وكيفية تنفيذه في الحالتين :حرب فلسطين والحرب الأفغانية.

أ ـ لقد شملت التصفية في الحالة الفلسطينية في أول لحظة المقاتلين الإسلاميين ، وفور أن إنتهت الحرب، ولم يسمح لهم أن تطأ أقدامهم أرض الكنانة ، فقد إعتقلوا داخل الوحدات العسكرية العاملين معها .

ب ـ وبعد فاصل زمني قصير أصدرت الحكومة قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق مراكزها وإعتقال جميع المنتمين إليها .

جـ ـ ثم كانت الخطوة الأخيرة هي إغتيال قائد التنظيم ، الشيخ حسن البنا ، في أحد شوارع القاهرة أمام المقر الرئيسي للإخوان . وقد تمت الخطوات الثلاث خلال عدة أشهر. ومن المعلوم أن مشاورات مكثفة حول برنامج التصفية قد جرت بين الدول الثلاث: الولايات المتحدة ، بريطانيا ، فرنسا .

وبالطبع فإن إسرائيل والقوى اليهودية العالمية كانت هي الموجه الرئيسي لتلك الإجتماعات . إذن فأهداف التصفية ثلاث عناصر:

أ ـ المقاتلين    ب ـ التنظيم     ج ـ القائد

والقائمون على التصفية ثلاث فئات هم:

أ ـ اليهود  للتوجيه والتحريض.

ب ـ الصليبيون للتخطيط.

جـ – المرتدون  للتنفيذ والتمويل.

وقد يتعجب البعض من كون التمويل هو من نصيب المرتدين وليس الصليبيين أو اليهود. ولكن هذا ما حدث في الحالتين الفلسطينية والأفغانية . فميزانية الدولة المصرية تحملت تكاليف عملية تصفية الإخوان المسلمين عام 1948م  وما تلى ذلك من حملات. أما في الحالة الأفغانية فإن ميزانية الدولة السعودية قد تكلفت بسداد جميع الفواتير التي أمرت الولايات المتحدة الحكومة السعودية بسدادها.

ولننظر إلى برنامج تصفية المجاهدين العرب في أفغانستان لنرى أوجه التشابه والإختلاف     بين الحالتين .

أ ـ بدأت عملية التصفية بقتل الشيخ عبد الله عزام في بيشاور  نوفمبر 1989م  أي بعد إنسحاب الروس من أفغانستان بتسعة أشهر فقط . كان ضياء الحق قد اغتيل في أغسطس من نفس العام ، كما أغتيل مساعد الشيخ عبد الله عزام وهو تميم العدناني، أثناء علاجه فى أمريكا، قتلوه بالسم وظهرت الوفاة طبيعية  .

ب ـ أما تصفية المقاتلين والتجمع العربي في باكستان فكان من المفترض أن يعقب عملية إغتيال الشيخ عبد الله عزام مباشرة في صورة حملة إعتقال شاملة . ولكن حساسية وتعقيد الوضع السياسي في باكستان وأفغانستان والحرب الدائرة في أفغانستان جعلا العملية مستحيلة فأحجمت عنها حكومة باكستان ، ولم تتح الفرصة إلا بعد انتهاء الحرب الأفغانية فبدأت حملة شاملة ضد العرب في 5 /4/1993م أعقبتها حملات نفسية وبوليسية أسفرت عن نتائج ـ حتى وقت كتابة هذا الكتاب ـ هي :

– تصفية الجانب الأعظم من التواجد العربي الجهادي في أفغانستان ولم يتبق إلا أفراد قلائل مشتتون .

ـ تصفية التجمع العربي في بيشاور وتم إستبداله بمجموعات من الموظفين العرب العاملين مع هيئات الإغاثة العربية .

لقد سجنت الحكومة الباكستانية عشرات من المجاهدين العرب وأبعدتهم خارج البلاد ، وفرت عشرات الأسر العربية إلى الخارج وتم تلفيق عدة قضايا مخدرات لعدد من المجاهدين العرب. وتم البرنامج تحت رعاية مباشرة من السفير الأمريكي في باكستان مع لجان أمنية عربية و إسرائيلية .

 

برنامج التصفية في الحالة الأفغانية قد شارك فيه:

أ ـ إسرائيل والقوى اليهودية العالمية.

ب ـ الولايات المتحدة التي أصبحت القوة الأولى في العالم بعد هزيمة السوفييت في أفغانستان.

جـ ـ المرتدون وأهمهم الحكومة السعودية ، النظام المصري  ، الحكومة الباكستانية  كما شارك النظام التونسي والجزائري كقوى ثانوية تطالب برؤوس رعاياها في باكستان وأفغانستان. لقد تعهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بعد إنتصاره على العراق في مسرحيته الهزلية “حرب تحرير الكويت”, صرح بأن بلاده سوف تطارد “العرب الأفغان” ـ كما أسموهم ـ في صحاري العالم . إنها نفس السياسة ، فكما أن مجاهدي الإخوان في فلسطين دفعوا وما زالوا يدفعون الثمن حتى هذه اللحظة ، فإن المجاهدين العرب في أفغانستان العرب الأفغان سوف يطاردون في أقطار الأرض وليس في بلدانهم فقط .

وهناك أحداث تشير إلى أن عملية الملاحقة ضدهم فى العالم كله مستمرة. فأجهزة الإستخبارات في  أوروبا صرحت علانية أنها تراقب العرب الذين وفدوا إليها من باكستان بعد طردهم من هناك ، وأنها سوف تطارد المتطرفين منهم وتعتقلهم .

أما في البلاد العربية فالأمر لا يحتاج إلى تعليق فهناك حاليا قانون في مصر يتكفل بإعدام كل مصري جاهد في أفغانستان. ولم يتبق ملجأ لهؤلاء المجاهدين حاليا غير السودان واليمن .

وتعيش هاتان الدولتان في ظل حصار وتآمر دولي شديد ، فقد أشعلت أمريكا وحلفاؤها حربا أهلية في اليمن لتقسيمها ولكن خطتهم فشلت . أما السودان فيعيش في ظل حصار اقتصادي دولي خانق ، وحرب في الجنوب تمولها السعودية والصليبية الدولية .

إن مطاردة المجاهدين العرب ـ في فلسطين وأفغانستان ـ هو قرار لا يتقيد بمدة محددة . ورغم أن القانون الوضعي يسقط التهم بعد مرور فترة من الزمن ـ عشرون عاما ـ إلا أن مجاهدي فلسطين ما زالوا ممنوعين من دخول مصر حتى الآن ، رغم أنهم الأن تخطوا الخامسة والستين من العمر . ومنذ شهرين فقط سمحوا  لأحدهم أن يدخل مصر وهو في حالة احتضار كي يموت هناك بعد أيام من وصوله, وكانت حالة استثنائية نادرة . رأينا كيف أن الجهات التي تآمرت ضد المجاهدين العرب في فلسطين وأفغانستان هي نفس الجهات ، وأن مخططهم هو نفسه من حيث الجوهر . والعمل الإسلامي الجهادي كان واحدا من نفس الجوهر وهو خروج جماعات من شباب المسلمين لنصرة إخوانهم في الدين ، ولكن  خارج  الحدود الوطنية التي فرضتها عليهم الصليبية الدولية بعد إنهيار الدولة العثمانية آخر خلافة للمسلمين. ولقد جوبه هذا التحرك الإسلامي بقمع دولي.

لأنه من وجهة النظر الصليبية فإن العمل الإسلامي ينبغي أن يحترم الحدود الوطنية التي وضعها الصليبيون. وحتى إن أمكن ، ينبغي أن يكون للجهاد فهما وطنيا،فأطلقوا مصطلح “الجهاد الأفغاني” لإكساب الجهاد صبغة وطنية وذلك لأول مرة في تاريخ المسلمين.

والعجيب أن وسائل إعلام الجماعات الإسلامية إستخدمت المصطلح المشبوه كما هو . ولكن تدفق المتطوعين العرب قد أبطل المكيدة وأعطى الجهاد مفهومه الإسلامي الأممى الصحيح، كحرب عقائدية وليست حرباً وطنية .

والملاحظ أن المجاهدين العرب في أفغانستان لم يستفيدوا من دروس الجهاد في فلسطين، وأكثرهم لم يقرأ إلا قليلا عما حدث عام 1948 م. وبشكل عام فإن دراسة التاريخ وأخذ العبر منه ليست واردة عند هؤلاء الشباب . ومازالت تلك الثروة التاريخية الإسلامية  منذ عام 1948 وحتى الآن  لم توظف بعد في خدمة التحرك الإسلامي المعاصر وبالشكل المناسب . وفي بعض الجوانب كان واضحا أن العمل الجهادي العربي في أفغانستان أشد تخلفا بكثير من العمل الجهادي في فلسطين ، رغم الفارق الزمني الكبير بين الحدثين.

أما تكرار نفس الأخطاء فهو يدل على أننا قوم لا نقرأ، وإذا قرأنا فإننا لا نفهم، وإذا فهمنا فإننا لا نطبق ما فهمناه . لقد دخل المتطوعون العرب حرب فلسطين وهم في حالة تنظيمية رائعة ، خاصة إذا قورنت بحالة العرب في أفغانستان .

1 ـ  كانت القيادة الدينية والتنظيمية مركزة في يد الشيخ حسن البنا مؤسس ومرشد الجماعة . ولم تكن هناك أي مزاحمة أو شك في جدارته بمنصبه .

2 ـ  كانت الجماعة في وضع تنظيمي جيد ومحدد ، وتتمتع بقاعدة شعبية واسعة من الأنصار.

3 ـ كان للمجاهدين تنظيما منفردا وملحقا بالجماعة( النظام الخاص) وكان يتم إختيار أعضائه من أفضل شباب الإخوان إلتزاما وخلقا وقوة جسمانية .

 

وإذا قارنا تلك الصورة بمثيلتها في أفغانستان نجد أن: 

1 ـ كان الشيخ عبد الله عزام يؤدي وظيفتي التحريض والتجميع بالنسبة للشباب العربي . فمعظمهم قد أتى إلى أفغانستان نتيجة لخطب الشيخ البليغة والمؤثرة . واتجه هؤلاء صوب بيشاور للمشاركة في الجهاد .

2 ـ لم يسفر التجمع العربي في بيشاور عن أي كيان منظم  وكان الشكل الغالب لمهام التجمع الذي أحاط بالشيخ عبد الله عزام هو تقديم خدمات للجبهات في أفغانستان وتقديم المساعدات بشكل مباشر إلى هناك . إضافة لمشاريع وخدمات تعليمية وصحية في أنحاء متفرقة من أفغانستان .

ثم بدأت بالتدريج تظهر التجمعات القطرية للجنسيات العربية المختلفة وظهرت لها قيادات وأعقب ذلك سلسلة من الإنشقاقات في كل تجمع من هؤلاء. كان تنظيم هؤلاء الشباب العرب عملية مستحيلة ، فالإتجاهات الفكرية والفقهية متباينة أشد التباين ، وأفكارهم عن المستقبل الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية أشد تباينا وغموضا. وإذا أضفنا إلى ذلك الإختراقات الأمنية العميقة والكثيفة لهذه التجمعات أدركنا مدى المأساة التنظيمية التي عاشها المجاهدون العرب في أفغانستان ، وبالتالي محدودية تأثير الشيخ عبد الله عزام على هذا التجمع . وندرك كذلك ضعف تأثير هذا التجمع على أفغانستان وباكستان قياسا بالإمكانات الهائلة التي إمتلكها من العناصر البشرية والمالية .

3 ـ بينما كان المجاهدون من إخوان 1948م ، منتقون من أفضل عناصر التنظيم . كما أنهم تلقوا تدريبا في معسكرات الجيش المصري قبل التحرك نحو فلسطين ، فإن المجاهدين العرب في أفغانستان كانوا أبعد ما يكون عن أي نوع من أنواع الإنتقاء أو الإنتظام أو التدريب مع  إستثنائات قليلة للغاية. وبدأت برامجهم التدريبية تظهر بشيء من الجدية بعد عام 1987م .

كما بدأت بعض المجموعات تنظم نفسها ، خاصة الجماعات التي وفدت  من بلادها بغرض تدريب عناصرها ، وعملت أيضا على تجنيد مزيد من العناصر التي جاءت أفغانستان بدون إرتباطات تنظيمية سابقة. لقد شهدت بيشاور كثيرا من المعارك الكلامية والمهاترات والإتهامات والإنقسامات ، وتبادل الإشاعات وحروب المنشورات بين هذا الخليط المتنافر ، وكلما تقدم الوقت كانت تلك السلبيات تتضخم ، خاصة مع مجهودات هيئات الإستخبارات العربية العاملة وسط تلك الجماعات . وعندما جاءت النكبة لذلك التجمع في أبريل 1993م ، كان تعليق البعض أنها نعمة من الله، لأن تجمعاً بهذا الشكل إذا إستمر كان سيفرز كثيرا من المهازل والمصائب .

– وبالفعل عندما وصلت مأساة التجمع العربى فى بيشاور إلى ذروتها، ظهر تنظيم الخلافة الذي لجأ إلى الجبال في مناطق القبائل القريبة من بيشاور ، وأعلن تكفير كل من لم يبايع الخليفة وعين حكاما من طرفه في عدد من البلاد الإسلامية . وأرسل الخليفة فرمانا إلى سكان فلسطين يعلن أنه قادم لتحريرهم ويطالبهم بقطع شجر الغرقد حتى لا يختبئ خلفه اليهود .

وهدد عرب بيشاور بالقتل إن لم يبايعوا وأنه سوف يسبي نساءهم . ورغم أن القبائل قتلت مساعد الخليفة إلا أن حركته إنتقلت الآن إلى أفغانستان . هذا مثال لما كان يمكن أن يسفر عنه تجمع جهادي عشوائي بهذا الشكل تعبث به الأهواء وتنخر في عظامه أجهزة المخابرات الدولية والعربية.

(بعد ذلك بسنوات عاد الخليفه إلى بريطانيا التى يحمل جنسيتها بعد ما فشل مشروعه، وخذلته الأمة الإسلامية، فقد رفض الجميع مبايعته، من الأحزاب الأفغانية إلى القبائل إلى حركة طالبان إلي أسامه بن لادن ، فعاد إلى الدولة الأم .. بريطانيا التى لم توجه له أى تهمة ، حتى عن جرائم القتل التى إرتكبها فى عهد خلافته ) !!.

{ ملاحظة : ويمكن رصد نقاط التشابه بين تجربة الخلافة فى بيشاور وتجربة داعش فى العراق وسوريا. من نواحى كثيرة منها التدخل الإستخبارى . وعدم قدرة التجربة الجهادية الأصلية التى جاء إليها المتطوعون على تحقيق أحلامهم الهلامية . إضافة إلى المنطلقات السلفية والوهابية الغالبة على أوساط الجهاديين منذ حرب أفغانستان} .

 

 في التجربتين الفلسطينية والأفغانية كان للمجاهدين العرب أخطاء مشتركة من أهمها :

1 ـ وقوع المجاهدين فريسة مخططات الدول الصليبية الكبرى التي تمكنت من إستدراجهم إلى ساحات القتال وجعلوهم يعملون بها وفق شروطها، ثم إستولوا على نتاج قتالهم لصالح المخططات الصليبية في المنطقة . لقد نزل المجاهدون إلى ساحات قد خططها الصليبيون ووضعوا قواعد اللعب بها . كما إستولى الصليبيون على المفاتيح الرئيسية للعمل ، وتركوا للمسلمين مهمة الموت . وعندما جاءت ساعة الغنائم ـ في أفغانستان ـ ذهبت جميعها تقريبا إلى أيدي الصليبيين، ولم يجد المسلمون في أيديهم سوى الحرب الأهلية للأفغان  والمطارة والتشريد والتشويه للعرب.

2 ـ في الحالتين الفلسطينية والأفغانية كان التحرك الإسلامي الجهادي عاطفيا، لا يملك رؤية سياسية ولا إستراتيجية عمل جهادي متكامل .

3 ـ في الحالتين إنقطعت صلة المجاهدين بعد الحرب بالساحة التي قاتلوا عليها وإندمجوا في مسارات أخرى. وإنقطع تأثيرهم وتعاملهم مع الساحة التي دفنوا فيها إخوانا لهم .

فليس هناك أي برامج طويلة المدى لخدمة القضية الإسلامية  في تلك المناطق . وكأن الجهاد حادث عارض مبتور، أو فورة عاطفية سريعا ما تزول وتتلاشى  فلا منهج ولا خطة. وقد دفعت تلك الملاحظة بعض المتابعين إلى التشكك بأن قوى الغرب تمتلك القدرة على تحريك عواطف المسلمين متى شاءت كي يجاهدوا في الإتجاه الذي يخدم مصالح الغرب وفي التوقيت الذي يناسبه.

فحالات  الجهاد الأممی ـ وليس القطري ـ  وهما حالتى فلسطين ثم أفغانستان ثم البوسنة والهرسك منذ 1992م أي بنهاية الحرب الأفغانية وحتى كتابة هذه السطور، تثبت أن الغرب يمتلك هذه القدرة ، وهذا لا يطعن بأي حال في إخلاص المجاهدين وشجاعتهم وحسن نواياهم، ولكن ذلك كله لا يكفي بدون عقل يدبر ويخطط لاستثمار النتائج لصالح المسلمين أنفسهم وليس لصالح أعداء الإسلام.

4 ـ أخطأ الإخوان المسلمون عام 1948م في تقييم النظام المصري وحاول الشيخ حسن البنا أن يكسب الملك إلى صفة للعمل ضد الإنجليز.

وكان مجاهدوا الإخوان في فلسطين يعملون تحت إشراف مباشر من الجيش المصري  وكانت النتيجة أن الملك فاروق هو الذي أمر باغتيال الشيخ حسن البنا ، وأن الجيش المصري هو الذي ألقى القبض على مجاهدي الإخوان . وفي الحالة الأفغانية فإن الشيخ عبد الله عزام قد أحسن الظن في ضياء الحق ونظامه ، وأحسن الظن في نوايا الحكومة السعودية وموظفي إستخباراتها في باكستان، وظن الشيخ عزام ومعظم المتطوعين العرب أن أمريكا لا تستطيع أن تمد لهم يدا، وأن باكستان أعجز من أن تتصدى لهم . فماذا كانت النتيجة ؟ ،أغتيل الشيخ في بيشاور بأوامر أمريكية وأيدي باكستانية ومساعدة إستخباراتية سعودية . أما الشباب العربي فقد تعرض لحملات متلاحقة خلعتهم من المنطقة كلها ـ ولم تترك إلا قليلا من الصامدين حتى الآن، وكانت الإستخبارات السعودية هي صاحبة اليد الطولى في مراقبة الشباب العرب في أفغانستان ، الذين إعتمدوا إلى أكبر حد على تبرعات أهل الخير من السعودية.

وكانت تلك أكبر الثغرات التي دخل منها عملاء الحكومة السعودية. وكانت تلك المعلومات التى كدسوها ذات فائدة عظمى لباقي أجهزة المخابرات المتحالفة ضد المسلمين في أفغانستان بل وضد الإسلام في كل مكان.

….  …  …

ماسبق يرجع تاريخ كتابته إلى عام 1994، مأخوذاً من كتاب (15 طلقة فى سبيل الله)، وما جاء فيه حول تطبيقات تحول فيها المجاهدون المخلصون إلى (بغال تحميل) لأعدائهم .

فماذا يمكن أن أضيفه الآن بعد تلك لسنوات الطويلة وما جاءت به من أحداث جسام وحروب ودمار ، وما صاحبها من جهاد ، لم يخرج عن مفهوم (بغال التحميل) فيما عدا التجربة البطولية الناجحة لشعب أفغانستان فى جهاده ـ بقيادة حركة طالبان ـ ضد الإحتلال الأمركي؟؟. ذلك هو موضوع الجزء الثانى من هذه الدراسة .       

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

09-06-2020

مأزق بغال التحميل والطريق إلى جهاد صحيح ( 1 )

 




جلال الدين حقانى-22

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 22

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 172 ) | شوال 1441هـ / يونيو 2020م .

05-06-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (22)

– “أبو الدرداء” الشهيد الغريب .. من الحجاز إلى جبل تورغار.

– حقاني يرتب مع مطيع الله، أكبر تقدّم عسكري يشهده وادي خوست حتى ذلك الوقت.

–  خسائر المجاهدين كانت عالية لكنهم صرّحوا بمقتل ستة مجاهدين من بينهم عربي واحد، كما جرح45 شخصاً من بينهم مولوي عبد الحــليم، من وزيرستان.

 –  حكومة مجددي لم تحدث فارقاً، لا انتقال إلى الداخل ولا مباشرة أي أعمال، اللهم إلا مزيد من التخبط.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

مقدمة :

أوشك مؤتمر بندي على الفشل، وأن تتوقف محاولة تشكيل حكومة انتقالية تمثل جميع الأحزاب بعد انسحاب الجيش الأحمر السوفيتي.

صدام كبير وقع بين مولوي حقاني وبين حكمتيار الذي حاول سحب أي صلاحية من العلماء والقادة الميدانين في اتخاذ أي قرار مصيري يمس أفغانستان، مدعياً أن قادة الأحزاب السبعة هم فقط أصحاب الحل والعقد، وأن مجلس الشورى عليه تنفيذ أوامرهم.

حقاني هدّد بأن يتولى المجاهدين أمرهم بأنفسهم، وأن يشكلوا حكومتهم داخل أفغانستان، بل ويقاتلوا قادة الأحزاب إن هم حاولوا إحداث فتنة داخل أفغانستان.

الحل جاء بتشكيل لجنة أسموها “الشورى القيادية” مكونة من 70عضوا / من بين مجالس شورى الأحزاب / مهمتها تشكيل حكومة، وتعهد الزعماء بتنفيذ قرارات تلك اللجنة.

اختيرت اللجنة برئاسة مولوي حقاني رغم أنه لم ينتظر منها الكثير. اتفقت اللجنة على منح المناصب الوزارية العليا لقادة الأحزاب السبعة حسب نتائج التصويت، حتى لا يحدث نزاع.

 

التصويت وتوزيع الحقائب الوزارية :

كانت هناك مشكلتان أمام اللجنة، الأولى هي كيفية الإدلاء بالأصوات لأن كل مجموعة سوف تصوت لزعيمها، وكان الحل هو أن يكون لكل عضو صوتان الأول لقائد حزبه والثاني لأي قائد آخر. والمشكلة الثانية هي توزيع المناصب بين المنظمات، فتم الاتفاق على تقسيم الحقائب الوزارية إلى سبعة “أكوام” متدرجة الأهمية. وتوزيع الأكوام حسب الأصوات التي فاز بها كل زعيم.

فالفائز الأول يأخذ الكوم رقم واحد الذي يشمل رئاسة الدولة مع حقيبة وزاره الصحة. والفائز الثاني يأخذ الكوم الثاني الذى يحتوي على رئاسة الوزراء مع حقيبة وزارة المواصلات… وهكذا إلى الكوم السابع. وهكذا حافظت اللجنة على ما أكد عليه حكمتيار بأن يكون الزعماء السبعة هم محور العمل كله فكانوا هم زعماء المنظمات وهم أهم الوزراء في الحكومه. وقد عين بعضهم من ينوب عنه في المنصب الهام الذي فاز به. وقد فعل ذلك حكمتيار وجيلاني. ولكن حكمتيار عاد وتولى منصب وزير الخارجية بنفسه. وقد أدى جيلاني دوراً استشهادياً لصالح محور المعتدلين عندما أعلن أنه لن يرشح نفسه لرئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء، أي أن أعضاء كتلته سوف يصوّتون لواحد من المعتدلين الآخرين الذي كان هو مجددي، لأن جماعة جيلاني قد سربوا أخباراً عن رشوة ضخمة دفعتها السعودية “لمحمدي” حتى ينضم إلى تيار المتشددين وقالوا إن هذه الرشوة تقدربملغ 200 مليون روبية باكستانية .

( وإن كنت شخصياً أرى أن المبلغ كبير والأنسب أن يكون20 مليون ). وتسعير الرشاوي كانت كالتالي حسب مصادر جيلاني :

للفرد العادي عضو الشورى (مليون روبية) للقائد الميداني وعضو الشورى ( 4 مليون روبية)، أحد قيادات الحزب البارزين وعضو في الشورى (10 مليون روبية). وأخيراً تم التصويت وأعلنت الحكومة” يوم الجمعة 24  فبراير89″ وفاز مجددي بالمنصب الأول (174 صوتاً)، ثم سياف بالمنصب الثاني (173صوتاً) أي بفارق صوت واحد، وبذلك فشلت الأموال السعودية في تنصيب سياف رئيساً للدولة كما كان هدفها آنذاك. وكان ترتيب الفائزين كالتالي: محمدي ـ حكمتيار ـ خالص ـ رباني ـ جيلاني .

أي أن الترتب سار هكذا: معتدل ـ متشدد ـ معتدل ـ متشدد … إلخ. وهذا يعكس قوة التيار المعتدل الذي حقق تلك المزاحمة الشديدة رغم الرشاوي الواسعة والكريمة من السفارة السعودية ورغم تطفيش الشيعة، وحتى بعض الغائبين عن التصويت كانوا محسوبين على الجناح المعتدل في المجلس، أو بالأحرى المضاد للأحزاب الأصولية في بشاور.

وقد كان أكثر من فوجئ بتلك النتيجة… هو مجددي نفسه، وكما هو متوقع أطلق مجددي تصريحات رنانة ومجاملات دبلوماسية، ووعد بأن تنتقل حكومته إلى داخل أفغانستان خلال شهر و أن تباشر عملها من الآن .

وبالطبع لم يحدث شيء من ذلك، لا انتقال إلى الداخل ولا مباشرة أي أعمال،اللهم إلا مزيداً من التخبط. ولم يكن واضحاً بشكل مؤكد برنامج هذه الحكومة، ولا مدة بقائها. وما صّرح به مجددي بعد الانتخابات كان مخالفاً لما أتفق عليه. أو العكس كأن يكون قد صرح بما اتفق عليه ثم كذبه باقي الزعماء. فقد قال بأن مدة حكومته عام واحد… فتصدى له حكمتيارعلى صفحات الجرائد قائلا : ( بل ستة أشهر فقط ). وفي داخل المؤتمر في مدينة الحجاج كان مفهوماً أن من مهام تلك الحكومة التجهيز لوضع سياسي دائم قائم على مجلس شورى وحكومة منتخبة. ولم يكن معروفاً كيف سيتم اختيار أعضاء الشورى والوزراء، وهل هي انتخابات عامة شاملة على نظام صوت لكل مواطن، وهو ما أيده البعض ومنهم حكمتيار، أم على أساس جركا قبلية “مجلس من زعماء القبائل”، وهو ما يؤيده أنصار الملكية الذين يعرفون أن زعماء القبائل يريدون الملك الذي ضاع نفوذهم بعد ضياع ملكه.

أم أن حرية الاختيار سوف تقصر على المجاهدين والعلماء وأنصار الجهاد مع استبعاد المعسكر المضاد بأكمله. لم يستقر الرأي على شيء من ذلك. وبذلك لم يتقدم الموقف السياسي للمجاهدين خطوة واحدة مع تشكيل تلك الحكومة، بينما الأحداث تتسارع بحدة، والنتيجة هي تقهقر شامل سريع ينذر بأوخم العواقب، ولم تلبث أن بدأت معارك جلال آباد في 6 مارس 1989، كي تؤكد أن حكومة مجددي قد ولدت ميتة كما ولدت حكومة أحمد شاه من قبل.

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

بداية متوترة :

كانت اللحظة تاريخية، وأجواء الترقب تثير الأعصاب. والجميع يتوقع انهيارا سريعا للنظام في كابل، والآن جاء قادة المنظمات الجهادية لتشكيل حكومتهم التي ستتولى قيادة البلاد في تلك الظروف. الإعلام الدولي كان يتحدث بلهجة مثيرة عن تلك الموضوعات ويؤكد على سقوط قريب لكابل، وتجاهل كل الإشارات والدلائل على أن ذلك ليس صحيحاً، والأغلب أنه تعمد ذلك. لذا توافد على مدينة الحجاج في روالبندي حوالي50 صحفيا أجنبيا لتغطية أحداث المؤتمر.

في يوم الافتتاح… تأخرت الجلسة الأولى عدة ساعات بسبب الخلافات، والضغط الزائد على منظمي الحفل وأعصاب الحضور. كان الإشراف الكامل على كل ذلك هو للمخابرات الباكستانية ISI التي تكفلت بالأمن والإدارة السياسية للمؤتمر وتوجيه الأحداث داخله. افتتحت الجلسة وبدأت كالعادة بتلاوة من القرآن الكريم ثم سمح للمراسلين الأجانب بالبقاء عشر دقائق فقط لتبدأ بعدها جلسة سرية، وقد تم إخراجهم بغلظة. فغضبوا وقرروا مقاطعة المؤتمر.

– كانت الأجواء متوترة أكثر من اللزوم، وليس أدل على ذلك مما حدث لأحمد شاه رئيس الوزراء (في الحكومة المؤقتة السابقة). لقد وصل أحمد شاه في سيارته الفخمة من طراز “رانج روفر” وأراد أن يصل بها إلى البوابة الرئيسيه لقاعة المؤتمر ، على عادة الكبار . ولكن رئيس الحرس الأفغاني أوقفه، وطلب منه ترك سيارته في الموقف العام والقدوم مشياً حتى الباب الرئيسي. لكن أحمد شاه استنكر ذلك وصاح به: ألا تعرفني؟ … أنا أحمد شاه رئيس الحكومة. {حكومة مؤقتة سابقة تشكلت قبل الانسحاب السوفيتي}. فأجابه رئيس الحرس بغلظة: بل أنت فرد عادي، إنما عقد هذا المؤتمرلاختيار رئيس حكومة. فأجابه أحمد شاه بالسباب، فأجابه رئيس الحرس بتجهيز بندقيته للإطلاق وهو يطلق الشتائم السريعة . فتدخل الناس وفضوا الاشتباك قبل أن تسيل الدماء. وخضع أحمد شاه للقانون. لكن دماءً أخرى  سالت على أعتاب قاعة المؤتمر ففي أحد الأيام فوجئ الناس بطلقات سريعة في الساحة وجثة تسقط ودماء تسيل، وارتباك وفوضى وحالة طوارئ وذعر يسود الجميع. في اليوم التالى أعلنت حكومة باكستان في بيان مقتضب أن جندياً  قَتَلَ ضابطاً من الحرس وأن الدافع كان ثأراً عائلياً، ولم يهتم أحد  بالحادث وتوقفت الصحف عن المتابعة.

” ولأن حقاني كان يدرك عقم كل مايحدث في بندي، وأن لا حكومة قادمة، بل شكل جديد من تلاعب أحزاب بيشاور بمصير أفغانستان وشعبها. قبل عدة أيام من إعلان تشكيل الحكومة أعطى حقاني أوامره باستئناف العمليات في خوست حسب البرنامج المقرر سلفا ” .

 

 

“أبو الدرداء” الشهيد الغريب ..

من الحجاز إلى جبل تورغار .

في يوم الثلاثاء21 فبراير كنت في زيارة لبيت جماعة حقاني في روالبندي وهو لا يبعد كثيراً عن مدينة الحجاج،  حيث جاءتنا أخبار أشاعت فينا البهجة والسرور، فقد هاجم المجاهدون جبل تورغار في خوست واستولوا عليه. ولكن في اليوم التالي ضاعت الفرحة حين وصلت أخبار أن الحكومة استردت  الجبل.

شعرت  أن خسائر المجاهدين كانت عالية لكنهم صرحوا بمقتل ستة مجاهدين من بينهم عربي واحد، كما جرح 45 شخصاً من بينهم صديقي القديــم مولوى عبد الحليم، من وزيرستان، وقالوا إن ساقه قد بترت بانفجار لغم وأنه يعالج الآن في بيشاور. وقالوا أيضاً إن قتالا داخلياً بين جماعة حكمتيار قد حدث في باري. بعد ذلك بأشهر علمت أن محاولة الاستيلاء على تورغار قد فشلت في وقتها، ودبّت الفوضى في صفوف المهاجمين، وكان بعضهم قد صعد إلى قرب مواقع العدو فوق سطح الجبل. ثم صدرت إليهم أوامر بالعودة، وكانت تلك الجماعة تحت قيادة مولوي عبد الحليم، ومعهم عربي من السعودية يدعى أبو الدرداء، رفض أن ينسحب قبل أن يطلق على العدو قذيفة آر بي جي، ولكى يتمكن من ذلك كان عليه أن يخطوه إلى اليمين قليلاً خارج المدق الصغير جداً الذي استخدمه في الصعود. وما كاد  يفعل حتى انفجر لغم تحت قدمه أطار ساقه وقذفه بعيداً وسط منطقـة ملغومــة ومكشوفة للعدو، وكان الوقت قريباً من المغرب، فتقدم مولوى عبد الحليم كي يحمله ويعود به فانفجر به هوالآخر لغم أطار ساقه. قتل أبو الدرداء بعد قليل، وكان معه بعض زملائه من العرب فدفنوه على موقع ليس ببعيد من تورغار في اتجاه الطريق الضيّق الواصل إلى بوري خيل. ومازال قبر أبو الدرداء واضحـاًعلى جانب مائل من الطريق الذي شقته بعد ذلك البولدزرات بعد فتح تورغار “بعد عام تقريباً”.

وقد ركز المجاهدون العديد من الأعواد الخشبية وعليها رايات بيض فوق القبر للتعريف بأن مجاهداً قد دفن هناك، في منطقة لم يدفن بها أحد من المجاهدين قبل أو بعد ذلك.  قبر ذلك الشباب يطبع في النفس الحزن والوحشة، وسط تلك الجبال والوديان ذات الأشجار البرية وحقول الألغام المجهولة. وقد تناثرت الآن عدد من البيوت حول مجرى الماء الصغير في المنطقة، وربما وصل بعض الأطفال أو الرعـاة إلى قرب القبر، الذي تمر إلى جانبه سيارات تنقل القرويين وخلفها ساحبات كثيفة من الأتربة الناعمة تنثرها فوق القبـــر وراياته المشرعة، لكن أحداً منهم لم ير أبو الدرداء أو سمع عنه. وكان هو العربي الثاني والأخير الذى يقتل بواسطة لغم فوق جبل تورغار. بعد عام تقريباً من استشهاد صديقي عبد الرحمن فوق نفس الجبل بواسطه لغم أيضاً.

 

 

عام  (1989):

تقدم في قطاع خوست الغربي

أولاً/ مسيرة حذرة تسلطت الأضواء دوماً على المكان الخاطئ، والأشخاص الخاطئين. تلك كانت (ميزة) آثمه للإعلام الذي رافق المسيرة الأفغانية خاصة الإعلام العربي، الذي لم يكن هو الآخر بعيداً عن التأثيرات الحزبية، والنزعات الشخصية وروح الإقليمية… إلخ. كانت خوست في الظل أو شبه الظل، لذا انصرف عنها العرب الأقوياء وبقي فيها ضعـفاء العرب أو منبوذيهم،  لكن بقيت فيها معسكرات تدريب تابعة للأقوياء خاصة جماعة أسامة بن لادن (القاعدة). وجماعة عربية ناشئة ظهرت هناك، ونمت بالتدريج واكتسبت أهمية بمرور الوقت، وهي جماعة (أبو الحارث الأردني)، التي كان لها دور هام في العمليات الأخيرة والحاسمة خاصة فتح جبل تورغار ثم فتح مدينة خوست. جماعة يمنية تمركزت في ليجاه (مجموعة مصطفى اليمني)، تواجدهم لم يكن ثابتاً ولكنهم ساهموا بقوة في عـدة معارك دارت قريباً من ليجاه.لذا كان دورهم محدوداً في المعارك النهائية التي دارت إلى الشرق من مواقعهم.

وكانت تلك الجماعة تابعة للشيخ الزنداني في صنعاء. كان المجاهدون يتلمسون طريقهم بحذر وهم يتقدمون في الوادي بعيداً عن جبالهم الحصينة، فتقدّموا من باري، منطقتهم الأساسية من الآن فصاعداً، واتّجهوا نحو حصون (جنـداد) و(مالانج) وفشلوا في ذلك عدة مرات، فاستولوا على الحصون ثم تركـوها تحـت ضغط الهجمات المعاكسة. وكان آخر محاولاتهم التي بدأت ناجحة ثم فشلت بعد ذلك، هو هجوم يوم الإثنين 23/5/89 الذي وصفه مراسل مجلة الجهاد بأنه كان مباغتاً، وفي الحقيقة أنني كنت أول من باغته الهجوم لأنني بعد أن قضيت فترة في انتظار للمشاركة في ذلك الهجوم، ثم تركت المنطقة في صباح ذلك اليوم بعد أن تأكدت أن معظم قادة المنطقة قد صرفوا النظر عنه، بل سربوا أخبار خطط الهجوم وموعده لحكومة كابل التي نشرته في إذاعاتها، فكانت مهزلة مهينة. لذا لم تتوقع تلك الحكومة أن يقوم أحد بمثل ذلك الهجوم، وكان ذلك هو استنتاجي أيضاً. لكن إخوة جلال الدين حقاني (إبراهيم وخليل) بالاتفاق مع قيادات ميدانية من التابعين لسياف وحكمتيار قاموا بهجوم جاء وصفه في مجلة (الجهاد) كما يلي:

[خوست ، من مراسلنا أبي معاذ المغربي:  شنّ المجاهدون صباح يوم الإثنين 23/5/89 هجوماً مشتركاً على مواقع ومراكز العدو في المنطقة المحيطة بخوست مباغتين العدو في ساعة لم يكن يتوقعها، مما أسفر عن سقوط بعض هذه المراكز وهي، مالانج، جنداد، باتالون، الواقعة جنوب خوست، وحاجى جول، ومركزين آخرين شمال غرب المدينة، ومركز “واليم” جنوب مدينة خوست.

وقد قام المجاهدون فجراً بالتوجه إلى هضبه تطل على السهول المنبسطة للمدنية، وقامت مجموعات أخرى بالتحرّك يمينا بموازاة جبل تورغار، وبدأ المجاهدون قصفاً مدفعياً مركزاً مباغتين العدو حيث لم يتركوا له فرصة  للرد على هجومهـم مما أثـر على معنويات العدو حيث بقي المجاهدون يقصفون مراكزه مدة ساعتين متواصلتين، أو يزيد، وبعد 4 ساعات من المعارك تم فتح مركز مالانج وبعده مركزجنداد كما قام المجاهدون بقصف مواقع العدو داخل المدينة مما حدا بطائرات العدو إلى القيام بقصف لمواقع المجاهدين فأطلقت عليهم ما يزيد عن 40 قذيفة، وقد أطلق العدو 10 صواريخ سكود في محاولة منه لإيقاف المجاهدين نحو المدينة. وقد استشهد في هذه المعارك ثمانية عشر مجاهداً وجرح سبع عشر آخرين. وفي حوار مع القائد الميداني خليل (شقيق جلال الدين حقاني) قال إنّ مراكز المجاهدين تستقبل يومياً أعداداً من الجنود والميليشيا الحكومية الذين يستسلمون للمجاهدين. وقدر أعداد الشيوعيين اثني عشر ألف في مدينة خوست وأضاف إن معارك جلال آباد تستنزف كمية هائله من الذخيرة.

وأثناء لقاءنا حاولت طائرات النظام إسقاط بعض المؤن والذخيرة داخل مدينة خوست للقوات الحكومية المحاصرة. وقال لنا القائد خليل إن الطائرات نادراً ما تحط في مطار خوست لأنه يقع تحت رماية المجاهدين(العدد 56، يونيو 89)] .

ومن مكتب حقاني في بشاور علمت أن العدو استطاع استعادة حصن مالانج بعد أن مكث تحت سيطرة المجاهدين لمدة يوم كامل وقد عزّز العدوّ قوات الحصن بدبابتين. وقد سقط على منطقة ليجاه صاروخين من طراز سكود ولكن أحداً لم يصيب منها. ولكن شاب يمني استشهد. وقالوا أيضاً بأن هناك نقصاً شديداً في ذخائر الهاونات.

ثانياً ـ تقدم في القطاع الغربي:

يوم وقفة عيد الأضحى من ذلك العام، كان يوم حافلاً، فبينما العرب مستغرقون في معارك باسلة حول جبل سمر خيل في جلال آباد التي تسلطت عليها أضواء العالم كله، شهدت خوست واحدة من أجمل العمليات العسكرية للمجاهدين في مدة الحرب كلها. كانت الفكرة مبتكرة، والتنفيذ دقيق ومتقن، وتوافرت المفاجأة عدة مرات في المعركة لصالح المجاهدين، ومع ضخامة الانتصار فقد كانت المعركة سريعة جداً، بحيث لم يكن لدى العدو خيار آخر  غير التسليم بالأمر الواقع، الذي هو ضياع حصن نادر شاه كوت التاريخي، ومواقع جبال (دوامندو) الحصينة والتي كان اقتحامها في هجوم جبهوي عملاً جنونياً وغير ممكن التنفيذ. الخطة في شكلها المكتمل تتمثل في فقرتين منفصلتين:

 

الفقرة الأولى:

أـ الاستيلاء على حصن نادر شاه كوت (وهي قلعة بناها الملك نادر شاة “929ـ1933″ والد الملك ظاهر شاه”1933ـ1973”).

ب ـ مهاجمة حصن دوامندو من الخلف.

أي من طرف الطريق الرئيسى القادم إليه من مدينة خوست.

 

الفقرة الثانية:

مهاجمة حصن دراجي والاستيلاء عليه بشكل دائم.

وهذا الحصن هو القاعدة العسكرية الرئيسية للطرف الغربي من الوادي. ودراجي هي قرية شهيرة في المنطقة ومسقط رأس وزير الدفاع شاه نواز تاناي.  والفقرتان معاً كان من نتيجتهما فقدان القوات الحكومية جزء واسع جداً من غرب الوادى بما في ذلك المضيق الإستراتيجى عند (دوامندو) الذي ينتهي عنده طريق زدران) خوست، جرديز، كابل ( ليبدأ وادي خوست الذي يخترقه من طرفه الشمالي الغربي الطريق إلى مركز المدينة. لقد أصبحت مواصلات المجاهدين إلى جارديز أقصر وأسهل، كذلك إمكانية تموين مراكزهم في المواقع في الجبال شمال خوست في منطقة منجل أي أن طوق الحصار صار أضيـق وأقوى. كان البرنامج كله من ترتيب جلال الدين حقاني والقائد مطيع الله (من باكتيكا) والأخير هو صاحب الفكرة المبدعة في الهجوم على نادر شاه كوت وتطويره في هجوم آخر سريع على (دوامندو)، واحتوى البرنامج على استقدام دبابتين من الأورجون بشكل سري، مع تمهيد طريق لها في الجبال ثم استخدامها في هجوم مباغت على الحصن الضخم في (نادر شاه كوت)، وقطعت الدبابة مسافة تستغرق أكثر من يوم في حالة اكتمال الطريق. وبغير هذه الطريقة كان من المستحيل وصول أية دبابات للمجاهدين إلى ذلك الحصن، كما أن ظهور الدبابات المهاجمة دمّر معنويات المدافعين، وكان مفاجأة مذهلة وبالمثل كانت فكرة مهاجمة ( دوامندو) من اتجاه خط الإمدادات القادم إليها من خوست وهو أمر مستحيل أن يتوقعه أحد حتى من المجاهدين أنفسهم وكان ذلك أحد المفاجأت المذهلة للقائد الفذ مطيع الله. أما توقيت الهجوم فى وقت وقفة عيد الأضحى وبعد الإعلان الواسع عن سفر جلال الدين حقاني إلى الحج فقد كان مفاجأة أخرى. فلا هجوم يحدث عادة من طرف المجاهدين في وقت الأعياد، كما أن سفر حقاني، وهوالمحرّك الأساسي للعمليات الكبيرة في المنطقة، أشاع جواً من الراحة والأمن في صفوف القيادات العسكرية في خوست. في وقفه عيد الأضحى يوم الجمعة 12يوليو 1989، أكمل مطيع الله الجزء الخاص به من العمل على أكمل وجه، منجزاً واحدة من أفضل اللوحات الفنية في التكتيك العسكري في تلك المنطقه. ومن المؤسف أنه قتل بعد أسبوع واحد بانفجار لغم في سيارته على مسافة ليست بعيدة من الحصن الذي شهد أفضل إبداعاته العسكرية.

 

الفقرة الثالثة :

كانت من نصيب حقاني الذي عاد من الحج مسرعاً ليجد صديقه وشريكه في البرنامج قد استشهد. وكانت تلك الفقرة متناسبة تماماً مع طبيعـة الإسلوب العسكري لجلال الدين. فهي تحتاج إلى الشجاعة والثبات والتصميم. ولما كانت طبيعتها أقرب إلى اشتباك في حرب تقليدية فكانت تقتضي درجة عالية من النظم والسيطرة على القوات. ولابد لذلك من قائد قوي ذو هيبة.

لأن المطلوب ليس مجرد غارة على موقع قوي جداً ذو خطوط إمداد قصيرة وآمنة، بل المطلوب الثبات فيه، بينما طبيعته المفتوحة لاتوفر غطاءً ضد قصف الطيران والمدفعية وصواريخ سكود ناهيك عن الجنود النظاميين، والأدهى هم أفراد الميليشيا من أهل المنطقة، الموالية تقليدياً للحكومة الشيوعية في خوست. فالمنطقة واقعة في أرض قبيلة تاناي المنتمي إليها وزير الدفاع شاه نواز تاناي. قبل الاستيلاء على دراجي كان لابد من الاستيلاء على عدد من المواقع المتقدمة التي تحميه، ثم التقدم بالمشاة والدبابات في أرض مفتوحة في أول مجابهة من نوعهـا بهذا الشـكل في خوست أو باكتيا كلها. وكانت جلال آباد ومآسيها ماثلة في أذهان المجاهدين وفي ذهن حقاني الذي بات يفهم جيداً معنى أن يقاتل المجاهدون في أرض مفتوحة، وسماء مفتوحة لطيران قوي للغاية وصواريخ سكود المدمرة. لقد نجحت المحاولة الأولى في الاستيلاء على الحصن (24/8/89) ولكن الهجوم المعاكس للعدو خلعهم منه بقسوة(28/8/89)، ولكن حقاني أعاد الكرة مرة أخرى (5/9/89) واستولى على دراجي للمرة الثانية والأخيرة، حيث فقدها العدو إلى الأبد.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 172 : اضغط هنا

 

 

معركة ناىر شاه كوت

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجددّ (22)




حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 21

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 171 ) | رمضان 1441هـ / مايو 2020م .

04-05-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (21)

في مباحثات “راولبندي” مواجهة حادة بين حكمتيار وحقاني، حول الشورى وصلاحيات العلماء والمجاهدين في اختيار الأمير ورسم السياسات.

العناوين :

– السياسيون أم العلماء وقادة المجاهدين: من هم أصحاب الحلّ والعقد؟ ومن لهم الحق في تشكيل الحكومة؟ وتعيين الأمير؟ وتحديد سياسات الدولة؟

– حكمتيار هدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، قائلا: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) .

– حقاني يرد: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة.. فمن يكون؟ بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدين هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميرًا شرعيًا للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) .

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

مقدمة:

(نحن الآن في شهر فبراير من عام 1989)

كانت معركة طريق زدران هي بوابة لانسحاب السوفييت من أفغانستان انسحابًا “مشرفًا ” بعد تحقيق نصر متوهم بعبور الجيش الأحمر لذلك الطريق الاستراتيجي، الذي لم يتمكن خلال سنوات من الاحتلال من مجرد السير عليه.

كانت المعركة مؤامرة دولية، شاركت فيها أحزاب بيشاور ولكن المتضرر الأكبر كان مولوي حقاني الذي فقد أكثر من مئة مجاهد، وكاد أن يستشهد في تلك المعركة. وقبيلة زدران نفسها ـ التي ينتمي إليها ـ هاجرت بشكل واسع جدًا لأول مرة في تلك الحرب.

بدأ انسحاب السوفييت بعد إشهر قليلة من المعركة، وأتموا الانسحاب في فبراير 1989.

وبعد الانسحاب بحوالي شهر بدأت معركة جلال آباد التي كانت مؤامرة دولية أخرى شاركت فيها أحزاب بيشاور كما هي العادة. والهدف كان فرض هزيمة عسكرية كبرى على المجاهدين ، تكون مبرراً لقيادات بيشاور كي ينخرطوا في حل سياسي ينتهي بتشكيل حكومة مشتركة لا ينفرد فيها المجاهدون بحكم أفغانستان، ويبقي الشيوعيون في الحكم ومعهم عناصر موالية للولايات المتحدة.

في بداية عام 1989 بدأت في باكستان ـ مدينة راولبندي ـ مشاورات لتشكيل حكومة مؤقتة لأحزاب المجاهدين تكون طرفًا في الحل السياسي القادم. الذي تصوره المجاهدون الحقيقيون مواصلة للجهاد حتى إسقاط الحكومة الشيوعية في كابول. وكان مولوي حقاني علي رأس ذلك التيار. أما التيار الآخر والذي يمثله قادة أحزاب بيشاور فكان جاهزاً لأي حل دولي تتفق عليه أمريكا مع السوفييت.

مشاورات تشكيل تلك الحكومة لم يحضرها الإعلام الدولي وكانت مشحونة بالتدخلات الخارجية ـ خاصة من السعودية وباكستان ـ كي تأتي حكومة موافقة لمتطلبات أمريكا والحل السياسي الذي اتفقت عليه مع السوفييت.

كنت علي اتصال يومي مع مولوي حقاني لمعرفة مجريات مباحثات راولبندي ـ وكانت صحف باكستان زاخرة بتفاصيل كانت مفيدة لاستكمال صورة ما يحدث في تلك المباحثات الباعثة علي اليأس.

مولوي حقاني ضغط بشدة علي زعماء الأحزاب، يسانده عدد كبير من القادة الميدانيين المخلصين الأعضاء في شوري المؤتمر، يحدوهم الأمل بتوحيد جهود الأحزاب في عمل عسكري كبير يستكمل فتح أفغانستان ـ ولكن أسفرت اجتماعات راولبندي عن تشكيل حكومة يرأسها سيّاف رئيسًا للوزراء ـ ويشغل فيها مجددي رئاسة الدولة. أول أعمال الحكومة كانت إشعال حماسة كبري، بدعم من الإعلام الدولي، لمعركة في جلال آباد. المعركة شهدت أكبر خسائر بشرية في معركة واحدة خلال الحرب كلها. وكاد يتوقف الجهاد في كل أفغانستان كما توقعت الجهات الدولية التي ضغطت لتشكيل حكومة بهذا الشكل الهزيل. لكن حقاني واصل عملياته العسكرية المذهلة ـ ولولا فضل الله علي المجاهدين، وفتح مدينة خوست لظل الشيوعيون مكوناً رئيسيًا في حكم أفغانستان إلي اليوم.

– أهم حوارت مؤتمر راولبندي هو ما دار بين قادة الأحزاب السبعة بقيادة حكمتيار، وبين أعضاء الشوري في المجلس من علماء وقادة ميدانيين ويقودهم مولوي حقاني. لقد تبارزا بحدة حول عدد من أهم التحديات الفكرية والحركية التي مازلت تواجه العمل الإسلامي، ألا وهي:

1ـ من هم أصحاب الحل والعقد؟

2ــ من الذي يختار رئيس الدولة؟

3 ــ من يرسم سياسات الدولة؟

4 ـ أزمة الثقة واختلاف الرؤي بين السياسيين المحترفين وبين العلماء والمجاهدين.

 

الحكومة المؤقتة الثانية (حكومة راولبندي) :

– أصيب الجهاد الأفغاني بلعنة (الاحزاب السبعة) ، ورغم الانقسامات العديدة ومحاولات التوحيد الكثيرة… لم يزد العدد أويقل عن سبعة، البعض يتفاءلون بهذا الرقم، لا ندري من هو المتفاءل، هل هي الحكومة الأمريكية أو باكستان والسعودية، أم القادة السبعة أنفسهم. الحكومة المؤقتة الأولي، حكومة أحمد شاه، لم تنجح في توحيدهم، بل ولدت ميتة وعاشت الأحزاب السبعة لا هي حرة ولا هي مستقلة. يطلقون عليها اسم حزب أو تنظيم، ولكنه اسم علي غير مسمي، تماماً كاسم حكومة التي أطلقوه علي حكومة أحمد شاه ثم مجددي من بعده. الفرد هنا هو الأساس، وحوله عدد من الأقارب والأصدقاء والمتملقين يسميهم مجلس شوري.

وهو أيضاً اسم علي غير مسمي، والأفضل تسميته مجلس (الثرثرة) ، أما القرار فهو لزعيم الحزب. وحتى هذا الزعيم الأوحد له مستوى متدني للغاية في قراراته، أما مستوى القرارات الخاصة (بالسيادة) فهي لأصحاب السيادة، أي المخابرات الباكستانية التي ترسم الإطار العام وأكثر ملامح العمل التنفيذي، ومن فوقها تأتي المخابرات الأمريكية التي تتحكم في دولة باكستان بالضغط الاقتصادي (والإملاء) السياسي والتهديد الأمني، حتى لأمن رئيس الدولة.

فقرار تنصيب رئيس دولة باكستان، أو عزله، وربما قتله، هو قرار أمريكي من صميم اختصاصات السيادة الأمريكية والأمن القومي الأمريكي. فقد قتل ضياء الحق نسفًا، كما عينت (بي نظير بوتو) انتخابًا، بقرار أمريكي. وأمريكا أرادت حكومة (جهادية) جديدة أكثر حيوية من حكومة أحمد شاه المتوفاة. ولكن لا تريدها حكومة حقيقية، بل تريد حكومة لا تترك المجال خاليًا أمام حكومة كابل التابعة لمنافسها وغريمها القديم، الاتحاد السوفيتي. تريدها حكومة تكون ستاراً أفغانيًا للنفوذ الأمريكي، ومشجبًا لتعليق الهزيمة والخسائر والضعف حتى ينسب كل ذلك للجهاد وللشعب الأفغاني وحلفائه من المسلمين المجاهدين. كانت أمريكا تنادي بحكومة (ذات قاعدة عريضة) لا لشيء إلا لتمييع الطابع الإسلامي للمجتمع والدولة، ولاستعباد المجاهدين والرموز الإسلامية النشطة. كانت تريد حكومة من عملاء أمريكا والسوفييت، ومن أصحاب العقائد المعادية للإسلام أو المنكرة له. ومن اللطيف أن نذكر ذلك المأزق الذي وقعت فيه أمريكا بسبب ذلك الشعار الذي بمقتضاه لابد أن يشارك الشيعة في الحكومة، خاصة وأن لهم ثمان منظمات جهادية مستقرة في إيران، وهم معتبرون كقوة جهادية مسلحة، مع اختلاف في وزنهم العسكري وفعاليتهم، ولكنهم بلا جدال أفضل بكثير من قوي أفغانية هاجرت إلي الغرب وحملت جنسياته وجوزات سفره، أو هؤلاء الذين سوف يأتون من كابل لتمثيل (الشيوعيين الطيبين) ، أي الذين لم يشاركوا في قتل المسلمين وقد قررت منح هؤلاء “الطيبين” 19 مقعداً في مجلس الشوري الذي سوف يختار الحكومة المؤقته الجديدة. ولكن الخلاف حدث بالنسبة لتمثيل المنظمات الشيعية، وكانت أول أزمة كبيرة تواجه تشكيل الحكومة الجديدة، التي تقرر أن تعقد الجلسات من أجل تشكيلها في مدينة الحجاج الواقعة على الطرف الشمالي لمدينة راولبندي. كانت الخطة الأمريكية للخروج من ذلك المأزق تعتمد على تكتيك بسيط وفعال، وهو أسلوب “التطفيش”، أي إثارة أعصاب الخصم فيضطر إلى ترك الساحة غاضباً، وعندها يمكن تحميله ذنب ما حدث وأنه هو الذي رفض وترك. وذلك ما حدث فعلاً. لكن بما أن هناك أطرافاً أفغانية هي التي ستقوم بواجب التطفيش، وأن ذلك يستدعي دفع أتعاب معينة. فكان لابد أن تكون الخزينة الأمريكية بالنيابة “أي السعوديه”، جاهزة وقريبة جداً.

وقامت السفارة السعودية في إسلام آباد بالواجب المطلوب منها. فتابعت ما يحدث عن كثب ووزعت الأموال على كثيرين كي تحصل علي النتائج المطلوبة. وكان أهم مطلب هو استبعاد الشيعة الذين ينظر إليهم سياسياً كقوة موالية لطهران، وذلك سيشكل عقبة كبيرة لحكومة المجاهدين المحسوبة واقعياً ضمن النفوذ الأمريكي، وبالتالي السعودي والباكستاني. الخطوة الأولى: استدعاء الخصم “الشيعة” ،والخطوة الثانية: إثارة أعصابه لإجباره على ترك الساحة، الخطوة الثالثة: تحميله مسئوليه ما حدث. من أجل استدعاء الشيعة تم عرض مشاركتهم في تشكيل الحكومة وعرض عليهم مئة مقعد مجلس الشوري الذي سيشكل الحكومة. كان لكل حزب في بشاور 60 مقعد في مجلس الشورى، وبعد مساومات طويله ومباحثات بين باكستان وإيران، شارك فيها وزيرا الخارجية في البلدين نجحت الجهود ووافق قادة أحزاب بيشاور على منح الأحزب الشيعية الثمانية مئة مقعد في المجلس.

صبغة الله مجددي رئيس اتحاد المجاهدين في بشاور، الذي يتناوب الزعماء رئاسته في دورة مدتها ثلاثة أشهر لكل زعيم ذهب إلى طهران حاملاً النبأ السعيد إلى المنظمات الثمانية هناك وتم الاتفاق على حضورهم جلسات مدينة الحجاج في بندي لتشكيل الحكومة الجديدة. وما أن وصل المئة مندوب من طهران حتى بدأ فوراً تكتيك “التطفيش”. فقد استنكر زعماء بشاور ما حدث وادعوا أنهم لم يوافقوا عليه وأن مجددي تصرف من تلقاء نفسه، وأن الشيعة لايجوز أن يشغلوا كل تلك المقاعد. فكانت أول أزمة كبيرة واستعدّ الوفد الشيعي بقيادة “خليل الله خليلي” لمغادرة المؤتمر عائدًا إلى طهران. مجددي غضب بشدة من خيانة زملائه الذين وافقوا ثم أنكروا، مع أن ذلك كثيرًا ما حدث من أجل توريط بعضهم بعضًا، فيتفقون مع قائدهم سرًّا ثم يخذلونه علنًا مدعين أنهم لم يوافقوا.

حدث ذلك عندما قرّروا حل اتحادهم في بشاور وبناءً على طلب أمريكي أيضًا، وعندما ذهب ربّاني ثم خالص لمقابلة ريجان، وعندما…. الخ. بعض القادة الآخرين وأعضاء الشورى الذين لم تطالهم أموال السعودية احتجوا على نقض العهد بهذه الصورة المفضوحة. وكان لابد من تخطي تلك الأزمة وإقناع الوفد الشيعي بالبقاء، ثم تطفيشه في وقت لاحق، خاصة وأن الصحف الباكستانية انتقدت موقف أحزاب بشاور، ولمحت إلى النفوذ السعودي والأمريكي وراء ذلك التصرف. تشكلت هيئة “إطفائية” لمجلس الشوري لأن الأزمات توالت. وأن كانت البداية مع الشيعة، ولكن النّيران امتدّت إلى داخل مجلس الشورى، وبين أعضاء الشورى والزعماء السبعة. قاد هيئة الإطفائية جلال الدين حقاني، عضو مجلس الشورى ضمن وفد تنظيم يونس خالص.

وبعد مجهود كان حل المشكلة هو أن يأخذ الشيعة سبعين مقعدًا، ستون مقعدًا علنية حسب ما طالب به، وأصرّ عليه بعض زعماء أحزاب بشاور، ثم عشرة مقاعد ـ سرية ـ خمسه ضمن وفد مجددي في الشورى، وخمسة تبرعت بها منظمات أخرى، ومرت الأزمة الأولى. ولكن محورالمعتدلين (مجددي/ جيلاني/ محمدي) شعر بالخطر من التدخل السعودي وشعر أنه سيكون الضحية، فالأموال السعودية سوف تقلب موازين الشورى التي كانت في صالح المعتدلين.

وساعد على ذلك أن مجددي أثناء فترة رئاسته للاتّحاد، وكانت آخر فترة قبل مؤتمر راولبندي، كان قد ضمن أصوات الأحزاب الشيعية، لكونه هو الذي حمل إليهم النبأ السعيد بتخصيص مئة مقعد في الشورى مع وعد بسبعة حقائب وزارية. والجناح المعتدل لايعادي الشيعة بعنف مبالغ فيه كما يفعل الجناح الأصولي وبالتالي فإن تصويت الشيعة سوف يكون في صالح المعتدلين. كذلك فإن مجددي في فترة رئاسته منح 19مقعدًا في الشورى، “للشيوعين الطيبين في كابل”، وبموافقة جميع الزعماء الكبار، ولكن أحدًا لم يعترض كما حدث مع الشيعة، حتى أن كل الناس تقريبًا لم تشعر بأن حكومة كابول كان لها ممثليها، غير الرسميين، في مؤتمر راولبندي.

كذلك فإن كتلة ” المهاجرين الأفغان في الدول الغربية” وهي كتله تهتم بها أمريكا كثيرًا، وتراهن على أن تمسك في المستقبل (المتوسط) القيادة المطلقة لدولة أفغانستان، تلك الفئة حضرت المؤتمر وشاركت في المناصب الحكومية الهامة، فيما دون منصب الوزير. تم ذلك بدون ضجة أو إعلان، حتى أن العمل العسكري لتلك الحكومة رغم هزاله كان في يد واحد من هؤلاء يحمل الجنسية الاسترالية. {تلك الفئة من (الأفغان الغربيين) تولوا حكم أفغانستان بعد احتلال أمريكا لها عام2001 ويرأسهم حامد كرزاي، معظم الوزراء يحملون جنسيات أمريكية وغربية. وكثير منهم تنصر سرًا واحتفظ باسمه القديم كما هو}.

كتله صغيرة أخرى كانت ستقف إلى جانب المعتدلين وهم كتلة المستقلين، والتي تضم مولوي نصر الله منصور، وقاضي محمد أمين وقاد ورفيع الله مؤذن، ولهم جميعاً عشرون مقعداً فقط.

وكان توازن القوى في المجلس، قبل التدخل السعودي هو كالتالي:

عدد الأعضاء المعتدلين:

(محمدي) 60 عضواً + (جيلاني) 60 عضوا + (مجددي) 60عضوا + (الشيعة) 70عضوا (الطيبون) 19 عضوا = 289 عضوا.

الأصوليون:

(سياف) 60 عضوا + (حكمتيار) 60 عضوا + (رباني) 60عضوا + (خالص) 60عضوا =240 عضواً.

وقبل التصويت نجحت الأموال السعودية في تطفيش الشيعة، كما نجحت أيضاً في سحب “محمد نبي محمدي” ومندوبوه في الشوري إلى جانب (المتشددين) . وبعملية حسابية بسيطة نجد أن توازن الأصوات داخل المجلس أصبح كالتالي:

المعتدلون 159 عضواً.

المتشددون 300 عضواً.

بهذا الشكل ضمنت السعودية أن يكون مجلس الشورى رهن مشيئتها وأن تشكل هي الحكومة التي تريد. (وقد فعلت ذلك عندما فتحت كابل ولم يكن للمنظمات حكومة يدخلون بها العاصمة كقيادة شرعية. فتولى مدير المخابرات السعودية تركي الفيصل تشكيل تلك الحكومة التي كلفته 150 مليون دولار فقط توزعت بين سياف ومجددي “مئة لسياف، خمسين لمجددي”.

وقد كلف تركي الزعيم سياف بتشكيل الحكومة، فاختار مجددي رئيساً مؤقتاً للدولة ووزع المناصب على الزعماء الكبار أو من ينوب عنهم كما هي العادة في كل مرة) .

لكن حادثان عرقلا نسبياً ذلك التخطيط، الأول كان سوء تفاهم خطير بين مجلس الشورى والزعماء السبعة هدد بانهيار المسرح على رؤوس من فيه من الممثلين في مدينه الحجاج. الثاني هو نظام توزيع المناصب الوزارية ونظام التصويت والذي ابتكره جلال الدين حقاني (رئيس فريق الإطفائية) والذي أنقذ العملية برمتها من الانهيار عدة مرات حتى خرجت بنتيجتها النهائية، وذلك خير من انهيار المؤتمر وفشله في مهمته المعلنة.

وذلك إذا حدث سيعتبر فضيحة كبيرة.

جرف الحماس أعضاء مجلس الشورى في بداية جلساتهم. فقد طرح في البداية اقتراح بتجديد المدة لحكومة أحمد شاه، الذي قدم تطويرًا هامًا لحكومته تمثل في استحداث وزارة لشئون المرأة (!!) وبالطبع كان من المفروض أن تشغله امرأة، أثار ذلك استهجان أعضاء مجلس الشورى وأسقطوا حكومة أحمد شاه، من الجولة الأولى وبالضربه القاضية. وفتح ذلك شهية الأعضاء كي يمارسوا مهامهم بجدية فأثار ذلك ذعر القادة السبعة.

فمجلس الشورى يريد أن يحاسب الزعماء وأن يكون شريكاً حقيقياً في اتّخاذ القرار بشأن مستقبل البلاد بما في ذلك الحكومة الجديدة. إذًا فقواعد اللعبة على وشك أن تتغير، وهناك من يناقش أولياء الأمر ويحاسبهم، ويريد أن يشارك في صنع القرار.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

كان لابد للقادة أن يدافعوا عن كيانهم ضد “تعديات” الشورى، التي اختاروا رجالها، فتقدم حكمتيار وهدد أعضاء الشورى بضراوة وقحة، فقال لهم: (إننا لم نحضركم إلى هنا لاختيار الحكومة أو رسم سياسة أفغانستان المستقبلية، فأنتم لستم أهلاً لذلك ولا تستطيعونه، ولستم أصحاب الحل والعقد، بل أن ذلك كله من حقنا نحن القادة السبعة) . وهكذا اتحد المعتدلون والمتشددون في جهة واحدة من سبعة أشخاص، ضد (نواب الشعب!!)

الذين اختارهم القادة السبعة أنفسهم. وكانت لحظة مليئة بالمعاني العميقة ليس للأفغان فقط بل للمسلمين عامة والحركة الإسلامية خاصة. لحظات عبّرت عن نظرية الذات، أو الذوات المقدسة لأولياء الأمور حكامًا كانوا أم زعماء لمنظمات جهادية أو دعوية أو.. والخلاف الأبدي حول أصحاب الحل والعقد من هم ومن يختارهم وما هي صلاحيتهم ؟ ومن يحميهم من ولي الأمر من أن يقتلهم أو يسجنهم أو يشتريهم بالذهب والفضة والمناصب اللامعة؟.

لقد هاج المجلس وماج، وتصدى كثيرون للرد على وقاحات حكمتيار الذي يتكلم ذلك الكلام الجارح أمام مجلس فيه نسبه لا بأس بها من العلماء والمجاهدين ذوي الاحترام والهيبة. الوقت المخصص لكل عضو للتعبير عن رأيه هو خمس دقائق فقط. لذا لم يتمكن أحدهم من الاستفاضة أو إكمال التعبير عن وجهة نظره، حتى يجد أن الميكروفن قد أغلق، وأن هناك عددًا من الأصحاء من حراس المجلس يدفعونه بلطف وإصرار بعيدًا عن المنصة.

لكن حقاني كان الوحيد الذي استطاع في الوقت المحدد أن يرسل برقية حادة حملت كل نذر الخطر والجدية. قال حقاني: (إذا لم يكن العلماء هم أصحاب الحل والعقد والقيادة فمن يكون؟. بحكم الشرع فإن العلماء والقادة المجاهدون هم أصحاب الحل والعقد. وما أحد منهم إلا وله شهيد أو أكثر من أفراد أسرته أو أصيب بجروح وإصابات في جسمه، هؤلاء الذين ضحوا في الجهاد هم أصحاب الحل والعقد بحكم الشرع وبأي حكم آخر. إننا نحن القواد نطالبكم بتوحيد الصفوف وأن تتخذوا أميراً شرعياً للبلاد، وإذا لم تفعلوا فإننا سوف ندخل إلى أفغانستان ونحدد الأمير ونختار الحكومة، ومن يدخل منكم إلى أفغانستان يبتغي الفتنه فسوف نقاتله) . كان التهديد أكثر من خطير، وساد الصمت أرجاء القاعة، ولم يزد القادة سوى أن طأطأوا رؤوسهم وتمتموا:” نعم… نعم”. ثم تحول المسار.

لقد أتقن الزعماء السبعة فن اللعبة وكم امتصوا مثل تلك الأزمة التي أثارها أمثال حقاني. إن حقاني يهدد بثورة هو محركها وقد يصبح قائدها.. وليس أفضل لامتصاص الثورة أو قتلها من تشكيل لجنة. فليكن حقاني زعيم لجنة لا زعيم الثورة، وليكن أفراد اللجنة من أخلص أتباع القادة.

كل زعيم يرسل عشرة من أتباعة المخلصين فتتشكل لجنة من سبعين عضواً يرأسها حقاني تكون مهمتها اقتراح الحلول الملزمة للخروج بشيء من ذلك المؤتمر الذي طالت أيام انعقاده في جلسات سرية أقصيت عنها الصحافه عمداً… والكل ينتظر ولادة متعثرة داخل مدينة الحجاج.

حقاني هو الآخر يعرف هؤلاء الزعماء جيداً وأنهم أسرع من ينقض العهد وينكر ماتعهد به، لذا طالبهم بتفويض مكتوب فوقعوا تعهداً يقول: { لإقرار الأمن والنظام في أفغانستان وإقامة حكم إسلامي فيها فقد فوضنا هذه اللجنه يتشكل الحكومة وأن هؤلاء السبعين يعتبرون “الشورى القيادية” وأن يقيموا حكومة انتقالية. وإذا أصدر هؤلاء السبعون أي قرار فإننا نقبلها ونحن مكلفون بالتنفيذ، وأن يباشر هؤلاء السبعون عملهم هذا ويتابعوا تنفيذة}.

التوقـيع: “رباني، سياف، حكمتيار، خالص، مجددي، محمدي، جيلاني”.

“وكان ذلك يوم الاثنين 20 فبراير1989 أي بعد 16 يوم من بدء العمل. لم يكن ممكناً فعل الكثير بمثل تلك اللجنة التي هي ملكية أكثر من الملك”.

تحميل مجلة الصمود عدد 171 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 21)




كورونا طوفان يُغرق العالم .. فمن لديه سفينة النجاة ؟؟

كورونا طوفان يُغرق العالم .. فمن لديه سفينة النجاة ؟؟

كورونا طوفان يُغرق العالم

.. فمن لديه سفينة النجاة ؟؟

للصين معركة مصير قادمة ، مع النظام اليهودى “العالمى الجديد” .

 

العناوين : 

– الهند قادمة لتحتل المكانة العالمية للصين: بتجزئة أفغانستان بالقوة المسلحة / بالتعاون مع أمريكا وتركيا/ لتصل إلى غاز ونفط آسيا الوسطى عبر مشروع أنابيب “تابى”. ونقل الصناعات الأمريكية من الصين إلى الهند. ومنحها ميناء “جبل علي” لتتحدى إيران فى مياه الخليج نيابة عن إسرائيل وأمريكا ، وتهدد إمدادات الطاقة الذاهبة إلى الصين. وتستبدل تجارتها مع روسيا عبر ميناء تشبهار فى إيران بتجارة مع أوروبا عبر ميناء حيفا وخط سكة حديد إسرائيل/ المشيخات.

– الرد على التحدى قد يدفع إلى تكوين غرفة عمليات بحرية وجوية مشتركة بين إيران وكل من الصين وروسيا ــ مقرها ميناء تشبهار ــ  لتأمين سلامة شحنات النفط ، ولمكافحة الإرهاب والقرصنة وتهريب المخدرات والبشر، فى المحيط الهندى والبحر الأحمر.

– إستعصى الشعب الأفغانى وإمارته الإسلامية على الإخضاع . بل كَسَرَ بالفعل الآلة العسكرية الأمريكية فإضطرت للفرار تاركة الحرب لشركات المرتزقة.

– منطقة فلسطين وجزيرة العرب تمثل جوهر الصراع الدينى بين اليهودية “البنكية/السياسية” وأمة الإسلام.
– جزيرة العرب تهودت سياسيا على يد آل سعود المتحالفين مع الوهابيين ، وانخرطوا منذ أول يوم فى حرب ضروس على الإسلام ، متمثلا فى دولة الخلافة العثمانية.

 وبمساعدة (حكومة الهند البريطانية) دانت لهم معظم جزيرة العرب ، فاقتلعوا منها الإسلام مستبدلينه بالوهابية التى أصبحت بغواية أموال النفط الوجه الغالب للإسلام.

– وصلوا فى أوج تطورهم إلى” الترفيه الداعر” الذى يفرضه آل سعود وفارسهم بن سلمان ـ بالنار والمنشارـ كما فرضوا الوهابية من قبل بالسيف.

– لإسرائيل سيطرة شبه مكتملة ، مع توقعات “بإنتفاضة ما” فى جزيرة العرب تمثل بعض الجمر الجهادى المختبئ تحت جبال من الرماد والرمال.

– روسيا وتركيا يستكملان فى ليبيا صراعهما فى سوريا . ذهبت تركيا لدعم حكومة الوفاق ، وذهبت روسيا لدعم الجنرال حفتر رجل الإمارات ومصر.

–   لا حل إلا بالعودة إلى الدين الحق:

بدون ربا ــ وبدون بنوك يهودية ــ وبدون نظام دولى يديره القراصنة والسفاحون.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

حضارة الكورونا قادمة ، عالم ما بعد الوباء لن يشبه شيئا مما سبق . وعلى مقدار عنف المأساة وطول أمدها يكون مقدار وحشية التغيير القادم .

لن يكون تغييرا فى بلد واحد أو إثنين ، بل يمضى على نفس مسار الوباء فيدخل فى كل بلد ، وكل بيت ، جامعاً العالم فى سلة واحدة كما جمعهم الوباء . وباء يفتح الطريق لليهود وبنوكهم العظمى لإبتلاع العالم كله دفعة واحدة ، وليس بلداً بلداً .

    كورونا زلزال ضرب العالم ، وموجاته الإرتدادية أعنف وأبعد أثرا من الزلزال نفسه . لن يكون هناك بلد بعيد عن الوباء ودَفْع فواتير التكلفة ، مع فوائد باهظة ، لمن تسبب ونشر وإستفاد من الوباء .. البنوك اليهودية .. العائلات البنكية العظمى ـ المئتى عائلة التى تمتلك 40 ترليون دولار . مبلغ سوف يتضاعف بعد طوفان الوباء، وبعد إمتصاص دماء جميع أمم الأرض ، وخراب دول وتشريد شعوب وإنقراض أجناس .

البنوك اليهودية تطبق النسخة الأصلية من(عقيدة الصدمة) بدون تحريف أو تحسينات : كارثة عظمى تتلوها تغييرات جذرية فى حياة الناس لصالح أقلية مالية ، مع قهر وحشى لمنع أى مقاومة شعبية.

الكارثة العظمى هذه المرة ليست زلزالا وليست حرباً ، أو إنقلابا عسكريا لجنرال عميل للبنوك وأصحابها، وليست فيضاناً أو حريقاً . هى أكبر من كل ذلك حتى لو إجتمع كله فى حزمة واحدة .

وما أن يفيق العالم من الصدمة حتى يكتشف أن صناع الأزمة قد أبتلعوا ثروات الأمم ، وأقاموا نظاما دولياً لم يكن ليقبل به أحد قبل طوفان الكورونا. ولكن فى ظل الرعب والألم والضياع يخضع الناس ـ بل يتمسكون طوعاً ـ بما فرضه عليهم المجرمون ، الذين يملكون ما يقولون عنه أنه المَخْرَجْ ، لأن لديهم المال كله والثروة جميعها ، ويقيمون حكومة عالمية يديرونها بأنفسم ، لفرض”النظام” و”الاستقرار” بأشد طرق العنف والجور والوحشية. لتتنازل الشعوب عن أمور كانت دافعت عنها بشراسة قبل وقوع الكارثة.

–  النظام الذى تقيمه الرأسمالية المتوحشة عبارة عن حكومات تحمى الشركات ، وتفرض على الشعوب رقابة أمنية وسجون، وتجعل من التعذيب قانونا ثابتاً، بل شعاراً للنظام الحاكم. تلك هى (دولة البنوك)، أو (عالم البنوك). حكومة تحكم العالم وتصادر أى ثروات للأمم مازالت بعيده عن يدها : (بترول إيران وفنزويلا ـ مصانع الصين ـ نفط وغاز وتكنولوجيا روسيا). وتلغى نصيب أى شركاء يقاسمونها ثروات العالم بأى نسبة ولو كانت تافهة.

الهدف الآن لدى البنوك ليس إستعمار بلاد ، بل تشكيل حكومات جديدة تبيع خدماتها العامة (تعليم ـ صحة)، وتبيع أصول وممتلكات بلادها مقابل دراهم معدودة.

حكومة عالمية ، تدير حكومات إقليمية ذات مهام محدودة لخدمة وحماية النظام الدولى البنكى الجديد. (أمريكا الماسونية) ــ وهذا هو توصيف هنرى كيسنجرــ مرشحة لتكون هى تلك الحكومة . وصهاينة البنوك هم العقل المدبر والضميرالحاكم ، ومرشد المسيرة حتى نهاية الزمان . والأهداف المحددة للإنسانية بسيطة وهى : { لا إسلام ـ لا حكومات وطنية ، أى لا سيادة وطنية على الثروات والقرار السياسى ـ ولا ثروات خارج ملكية البنوك العظمى (اليهودية) ـ ثقافة دولية واحدة تلغى الثقافات القديمة وتستبدلها بثقافة معولمة تضمن الخضوع الطوعى للنظام البنكى الجديد } .

 

مواجهة النظام اليهودى البنكى ضد الإسلام تأخذ شكلا حاداً فى منطقتين، هما :

 أولا ــ المنطقة الحيوية : أفغانستان وإيران .

 وهى منطقة حرجة جغرافيا، إذ لأفغانستان حدود مع الصين التى هى الهدف الأضخم فى المعركة البنكية اليهودية ضد العالم.

وللمنطقة حدود بحرية بين روسيا وإيران عبر بحر قزوين ، (وروسيا هى ثانى الأهداف الضخمة أمام البنكية الدولية) .

وفى المنطقة حدود بحرية لإيران عبر الخليج الفارسى مع السعودية ومشيخات الخليج والتى تشكل الآن الحدود الشرقية لإسرائيل الكبرى . القائمة بالفعل بدون إعلان رسمى .

وحدود برية لإيران مع العراق ، الواقعة ضمن المنطقة العربية المتوترة، الخاضعة لسيطرة يهودية غير مكتملة . وتساهم إيران ـ بشكل ما فى عدم الإكتمال ـ ويمتد مجهودها المعرقل هذا إلى سوريا ولبنان .

لهذا فهى تحت التأديب الأمريكى بهدف (تعديل سلوك نظامها الحاكم ) الذى ظهر إستعصائه على التحطيم بوسائل عسكرية مدعومة بالحرب الإقتصادية والنفسية .

 

ومن ملامح المعركة الدائرة فى تلك المنطقة الحيوية :

1ــ أفغانستان: تخوض أفغانستان ، جهادا مستمرا منذ 18 عاما ضد الغزو الأمريكى/ الصليبى (حسب تصنيف جورج بوش لحملته على أفغانستان). الإمارة الإسلامية التى حكمت أفغانستان لمدة خمسة سنوات فقط تقود جهادا لا هوادة فيه طوال تلك السنوات بقوة شعبية متماسكة ، رغم مجهودات أمريكا ومشيخات الخليج لتفتيت وحدتها. ولكن إستعصى الشعب الأفغانى وإماراته الإسلامية على الإخضاع . بل كسر بالفعل الآلة العسكرية الأمريكية فإضطرت للفرار تاركة الحرب لشركات المرتزقة . فمبدأ خصخصة الحرب هو أحد مبادئ الرأسمالية المتوحشة، طبقا لفلسفة اليهودية البنكية فى خصخصة الدولة ، وقَصْر عملها على حماية مصالح الشركات الكبرى . والخصخصة تشمل الحرب والأمن (داخلى وخارجى) .

وأجهزة الجيش والأمن الداخلى موجهة لإخضاع الشعب فى الأساس ، لحماية مصالح الشركات وقمع التحركات الشعبية المناوئة لها .

وذلك هو وضع أفغانستان الآن فى ظل نظام الإحتلال فى كابول . والمطلوب أن يبقى كذلك فى المستقبل ، مع إشراك الإمارة الإسلامية فيه عبر أفراد من حركة طالبان أو من المحسوبين عليها .

وخطر أفغانستان على النظام البنكى العالمى، مصدره إستقلالية نظامها الإسلامى السياسى المنبثق عن توجه دينى ، ومن محافظته على ثروات بلاده لتسخيرها لخدمة الشعب (الفقير فى غالبيته العظمى) لتطوير أوضاعه وإعادة بناء أفغانستان ، إقتصاديا وثقافيا ـ بعد سنوات الحرب وما خلفه المعتدون فى خراب مادى وثقافى.

 

أساس العداء القائم والقادم ، بين “اليهودية البنكية ” وبين أفغانستان الإسلامية:

 1 ــ حاكمية الإسلام على المجتمع والدولة .

2ــ حاكمية (الإمارة الإسلامية الأفغانية) على سيادتها وإستقلالها السياسى والسيطرة على ثرواتها لصالح شعبها وتنمية وطنها .

 

2 ــ إيران :

الجمهورية الإسلامية فى إيران ـ تواجه حرباً لم تنقطع على جميع الأصعدة. فمنذ نجاح ثورتها الإسلامية فى فبراير 1979 . والحصار عليها قائم منذ ذلك اليوم فى الإقتصاد والسياسة . من جوارها الإقليمى ـ ومن المحافل الدولية . وشهدت حرباً ضاربة لثمان سنوات مع نظام بعث العراق . وتواجه حاليا تهديداً بالغزو العسكرى أو بضربة عسكرية شاملة تقوم بها أمريكا بمعاونة إسرائيل، بإسناد وتمويل السعودية والمشيخات .

تواجه إيران عداءً مريراً من الصهيونية البنكية والغرب التابع لها ، بناء على نفس التحديات الذى تمثلها أفغانستان وهى:

1 ـ الإصرار على هوية إسلامية للدولة ـ مستندة إلى أغلبية سكانية داعمة وحماسية.

2 ـ التمسك بالإستقلال السياسى والسيطرة على الثروات الوطنية ، وإصرارها على بناء دولة قوية ، وتنمية شعب له الكلمة العليا فى بلاده . مع إستقلال ثقافى مرتكز على تراث دينى عميق ، وتراث وطنى ممتد منذ آلاف السنين .

هذا ما يضع كل من أفغانستان وإيران فى صدارة التحديات التى تواجه نظام دولى ، تسعى عبر”جائحة كورونا” أن تقيمه البنوك اليهودية لتحكم به العالم ، عبر حكومة ماسونية عالمية هى (الولايات المتحدة الأمريكية) .

 

ثانيا ــ  منطقة القلب الإسلامى المحتل ـ ونطاقه الأمنى المتزلزل .

ويشمل فلسطين وجزيرة العرب . وهى منطقة تمثل جوهر الصراع الدينى بين اليهودية “البنكية/السياسية” وأمة الإسلام.

–   وقد أحكم اليهود سيطرتهم الفعلية على أراض فلسطين بواسطة الإنتداب البريطانى على فلسطين فى أعقاب الحرب العالمية الأولى ، وصولا إلى حرب الإشهار الرسمى لقيام إسرائيل فى عام 1948 ، التى كانت “إحتفالية”عربية/ يهودية للإعلان عن دولة يهودية قائمة منذ زمن، فلا العرب كانوا يدافعون فعلا عن فلسطين ولا اليهود كانوا يخوضون فعلا (حرب تحرير) لوطن تاريخى. كانت كذبة مشتركة وخدعة كبرى تستهدف الأمة المسلمة.

–   جزيرة العرب تهودت سياسيا على يد آل سعود المتحالفين مع الوهابيين ، وانخرطوا منذ أول يوم فى حرب ضروس على الإسلام ، متمثلا فى دولة الخلافة العثمانية. وبمساعدة الإنجليز(حكومة الهند البريطانية) دانت لهم معظم جزيرة العرب ، فاقتلعوا منها الإسلام مستبدلينه بالوهابية التى أصبحت بغواية أموال النفط الوجه الغالب للإسلام. حتى وصلوا فى أوج تطورهم إلى” الترفيه الداعر” الذى يفرضه آل سعود وفارسهم بن سلمان ـ بالنار والمنشار، كما فرضوا الوهابية من قبل بالسيف.

– الآن المقدسات الإسلامية كلها تحت سيطرة اليهود . ومكة يديرون شئونها الدينية من باطن حماية أمنها وأمن بن سلمان ومملكته ، ومعها باقى المشيخات وعلى رأسهم مشيخة الإمارات ، أقوى المشيخات والأكثر إلتصاقا بإسرائيل والصهيونية الدولية .

لإسرائيل سيطرة شبه مكتملة ، مع توقعات “بإنتفاضة ما” فى جزيرة العرب تمثل بعض الجمر الجهادى المختبئ تحت جبال من الرماد والرمال.

العقبة الكبرى هى عدم وجود (شعب) فى تلك المنطقة . فهى تَجَمُّع قبلى حول آبار النفط ، ليحميها فى مقابل (جراية) يصرفها لهم الحكام المتعاقدون مع الإحتلال (بريطانى ـ ثم أمريكى –  ثم إسرائيلى )، طبقا لمعادلة : “إدفع تحكم” التى أوضحها (ترامب) بوقاحة ، لا تحتملها حتى خنازير المزرعة .

 

إقتصادياً : ما تريده اليهودية البنكية هو السيطرة الكاملة على الثروة النفطية فى جزيرة العرب. وهو واحد من أضخم المخزونات النفطية على الكوكب . وفى جزيرة العرب مخزون هائل من المعادن خاصة اليورانيوم ، وهو بالطبع تحت السيطرة الأمريكية.

 { ملاحظة: يوجد فى أفغانستان مخزون هائل من اليورانيوم ، وهبته أمريكا رشوة لتابعتها بريطانيا، التى تستخرجه بنشاط من مركز سنجين فى ولاية هلمند ، تحت ستار أمنى كامل ، وباستخدام تكنولوجيا متقدمة } .

– وتتشابه أفغانستان مع جزيرة العرب فى وجود ثروة كبيرة من النفط والغاز ـ ولكنها فى أفغانستان خارج نطاق الإعلان والإستخدام لإسباب معلومة لدى(اليهودية البنكية) التى تركز فى المقام الأول ــ وقبل أى هدف إقتصادى فى العالم أجمع ــ على أفيون أفغانستان وصناعة الهيروين. كما يركز يهود البنوك على إخراج بترول وغاز دول  آسيا الوسطى عبر أفغانستان لتسويقه عالميا ـ وإيصاله إلى الهند ضمن صفقة تعقدها الإمبراطورية البنكية اليهودية مع الهند فى دور إقليمى واسع يشمل أفغانستان ، لفصل شمالها ، بالتعاون مع تركيا وقواتها المتمركزة هناك. كما يشمل الدور الهندى المفترض منطقة الخليج الفارسى.

– تركيا يبدو أنها تحظى بصفقة مع النظام اليهودى البنكى القادم ــ تبدأ من أفغانستان وتصل إلى ليبيا، بعد ظهور دور تركيا كجندى إسلامى نشط لدى عصابة حلف شمال الأطلنطى . فقد أدت للحلف أدوارا تاريخية فى كل من أفغانستان وسوريا، ثم ليبيا حاليا ، ضمن الرؤية اليهودية فى الإستئثار بالثروة النفطية الليبية ، وإستبعاد شعبها عن أى فعل إيجابى سوى الإقتتال الداخلى ، والإلتحاق بإطراف خارجية متنافسة على النفط والموقع الإستراتيجى.

للدور التركى فى ليبيا جانبه الحرارى (نفط / غاز) . فإتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين اليونان و(حكومة الوفاق) فى طرابلس جذبت الأطماع التركية والروسية إلى نيران الصراع الليبى . فى إطار الصراع على غاز البحر المتوسط ــ حقول وأنابيب نقل الغازــ وليس من أجل الشرعية أو القانون الدولى وما إلى ذلك من خرافات يتعلق بها العجزة والأغبياء.

روسيا وتركيا يستكملان فى ليبيا صراعهما فى سوريا . ذهبت تركيا لدعم حكومة الوفاق ، وذهبت روسيا لدعم النقيض،”الجنرال حفتر”، رجل الإمارات ومصر. وطبيعى أن تقبض تركيا تعويضا مناسباً من حكومة الوفاق ، يعوض عن خسائرها فى حقول الغاز نتيجة إتفاق ترسيم الحدود البحرية بين حكومة الوفاق واليونان .

 

الهند وتركيا .. أدوات إقليمة للنظام القادم :

– الطرف الموازى لتركيا ــ وهو الهند ــ لها دور مزدوج فى كل من أفغانستان ومشيخة الإمارات . ولديها دوافعها النفطية . بتقسيم أفغانستان تفتح الهند بالقوة المسلحة مجالا لإحياء مشروع (تابى) لتمديد أنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى إلى الهند عبر أفغانستان . لجعل الهند مستقله تماما عن أى إمدادات من حوض الخليج الفارسى ، سواء من إيران أو السعودية والإمارات وقطر . كما يحرم عدوها الصين من جزء هام من موارد الطاقة فى آسيا الوسطى.

 ومن أجل أن تصبح الهند فى وضع يمكنها من التحكم عند الضرورة فى إمدادات الطاقة الذاهبة إلى الصين عبر الخليج الفارسى، فهى موعودة ، بتواجد ثقيل الوزن فى دبى، بشكل مهيمن يتراوح من تحويل دبى إلى ولاية هندية (جمهورية مستقلة لرعايا الهند بديلا عن مشيخة دبى ) أو على أضعف الإحتمالات ــ السيطرة على ميناء “جبل علي” وتجارته الدولية.

ولكن إذا أكملت أمريكا عمليتها الكبرى لإخضاع الصين : بالأوبئة وتجميد الأرصدة وسحب الإستثمارات الأمريكية من الصين. فماذا لو نقلت المصانع الأمريكية من الصين إلى الهند لتحتل الهند نفس مكانة الصين الحالية فى الإقتصاد العالمى كثانى أكبر قوة إقتصادية فى العالم؟؟ . ستعود الصين قرناً من الزمان إلى الخلف وتتقدم الهند عليها بعدة قرون ، مع قوة نووية راقية واستقلال فى موارد الطاقة “مشروع تابى” ، ومكانة متقدمة فى التجارة الدولية من شواطئ “جمهورية دبى الهندية” .

– إذا تمكنت الهند من الإستقرار فى دبى أو “جبل علي”، وقتها لن تصبح فى حاجة إلى التعامل مع إيران أومشاركتها فى ميناء جوادر الذى يمثل شريان تجارى للهند مع روسيا وآسيا الوسطى ، ومنفذا تجاريا واستراتيجيا لروسيا مع الخليج والمحيط الهندى.عوضا عن ذلك وأكثر، يمكن أن تحققه الهند بتحويل تجارتها مع أوروبا إلى ميناء حيفا عبر خط سكة حديد (حيفا/ المشيخات) الواصل إلى دبى . وفى ذلك ضربة إقتصادية واستراتيجية لإيران وروسيا. والأسطول الهندى يمكنه تسديد الفواتير لإسرائيل وأمريكا بنقل جزء من قوته إلى الخليج الفارسى للإحتكاك بإيران . وعند الضرورة تهديد إمدادات النفط التى يمكن أن تتحرك من الخليج الفارسى صوب الصين.

– الرد على التحدى قد يدفع إيران إلى تكوين غرفة عمليات بحرية وجوية مشتركة ــ مقرها ميناء تشبهار ـ مع الصين وروسيا ، لتأمين سلامة شحنات النفط ، ولمكافحة الإرهاب والقرصنة وتهريب المخدرات والبشر، فى المحيط الهندى .

 

القاتل يطلب تعويضا :

( النفط والغاز ) فى السعودية والمشيخات سوف يؤمم لصالح النظام البنكى العالمى ويذهب إلى الولايات المتحدة كتعويضات عن (خسائرها) من (جائحة) أسعار النفط المجانى، الذى تسبب فيه بن سلمان، فأضر شركات النفط الأمريكية (بأوامر أمريكية بالطبع ) ـ مثلما حدثت جائحة 11 سبتمبر 2001 بترتيب أمريكى ، وتنفيذ عناصر سعودية . وستدفع السعودية تعويضات عن جائحة منهاتن ، مضافاً إليها جائحة النفط المجانى التى أضرت بشركات النفط الأمريكية ، رغم أنها صبت مئات المليارات فى الإقتصاد الامريكى وجيوب المستهلك الأمريكى ، على حساب الميزانية السعودية ، وخراب شعب المملكة الذى لا وزن  له ولا حساب. فهو كشعوب العرب كافة ، مجرد زائدة بشرية ملحقة بنظام حكم لا شئ يربطه بشعبه

الأوضاع السياسية فى جزيرة العرب ومشيخات النفط لن تبقى على ما هى عليه ، فقد أنقضى ذلك الزمان الذى صنعت لأجله . وجاءت أوضاع جديدة ونظام دولى جديد ، يستدعى أنظمة أكثر تعبيراً عن حقائقه .

فالجزيرة والمشيخات أضحت جزءاً عضوياً من الإمبراطورية الإسرائيلية، ومصادر الطاقة بكاملها ملكية للشركات الأمريكية والبنوك الصهيونية .

 

ثانيا ــ منطقة النطاق الأمنى المتزلزل.

 وتشمل العراق ، والشام ما عدا فلسطين أى (سوريا ـ لبنان ـ الأردن) .

كما تشمل اليمن ، الموضوع رهن(الإبادة الجبرية) بإدارة إسرائيلية أمريكية ، لتأمين المملكة الإسرائيلية فى سائر جزيرة العرب وشواطئها .

الحرب على اليمن نموذج للحرب الحديثة الشاملة . عسكرية /إقتصادية / نفسية / سياسية . يشارك فيها معظم دول(عرب إسرائيل) والحركة الإسلامية بشكل عام، بجاهليتها الطائفية.

لليمن أهمية خاصة فى جزيرة العرب، ومن حيث الموقع الجغرافى على البحار. مع ماضى إسلامى عريق ، وبسالة قتالية تشكل تهديدا وجديا للإحتلال اليهودى لجزيرة العرب ومقدساتها. ذلك إضافة إلى سبب آخر لا يقل أهمية وهو إشراف اليمن على باب المندب بما يجعل لها موضعاً مؤثراً على تجارة مياه النيل والقادمة بعد سنوات وستكون أكبر تجارة شرعية فى عالم الإقتصاد القادم مع النظام اليهودى البنكى.

فالحبشة  ستبيع مياه “سد النهضة” من ميناء بحرى قد يكون فى جيبوتى أو الصومال أو بورسودان، وهو الأفضل إقتصاديا والأسهل فنيا. وبعد ثورة “الجنجويد” فى السودان بات سهلا على إسرائيل فعل أى شئ هناك ، مثل إنشاء دولة حول ميناء بورسودان مهمتها حماية الميناء ومتعلقات تمديدات الماء القادمة من الحبشة .

 

 

المومياء المصرية العازلة

والمغرب العربى .. المغترب

إستمر إحتلال العسكر لمصر منذ ثورة يوليو 1952 فى عهد “البكباشى”عبد الناصر، وصولا إلى عهد المشير”الفتاح العليم”، وظلمات الفجورالعسكرى،وموت شعب مصر العظيم والدولة المصرية . وحكم يهودى مباشر بشعار(تحيا مصر) والذى ترجمته الحرفية (الفناء لمصر الحاضر والمستقبل ، وحتى الماضى). السودان الشقيق يسير على نفس الدرب ولكن بنكهة سودانية أوصلته إلى حقبة صهيونية مشابهة لتلك المصرية ، ولكن بطابع “جنجويدى” محلى.

مصر الجسد الميت العظيم .. ينتظر الدفن .. والتخلص من ملايين الجثث الفائضة عن حاجة النظام الحاكم ومطالب أمن إسرائيل . إنتظارا لبناء اليهود لمصر أخرى محدودة السكان جدا وصهيونية بالكامل.

مصر تشكل ثلث تعداد العرب تقريبا ، و سداً ركامياً يحجز خلفه بلاد المغرب العربى بعيدا عن إسرائيل ، وعن ثقافة العرب المعاصرين.

ومع ذلك فالمغرب العربى أكثر إشراقاً من المشرق الذى غابت عنه الشمس . ولكنه مغترب حضاريا ، فلا هو مندمج فى ثقافة إسلامية (لم تعد قائمة إلا فى الشكل)، ولا أوروبا قبلت به تابعاً ثقافياً ومختلف دينياً. فأوروبا نادى مسيحى متعصب مسلح جيدا وحاقد . وتلك أيضا مشاكل تركيا المعاصرة فلا هى إستمرار لثقافتها الإسلامية العريقة ، ولا هى مقبولة لدى الجار الأوربى المتفوق حضاريا وإقتصادياً وعسكرياً ويكره الأتراك أكثر من كراهيته لباقى البشر بسبب التاريخ الإمبراطورى العثمانى .

والآن تركيا ـ مثل المغرب العربى ـ مغتربة وضائعة ، تلعب على جميع الخيوط فتحقق فشلا أخطر من أى نجاحات فى جوانب ليست جوهرية .

فالحل الذى يتعامى عنه الجميع ـ من عرب وأتراك ـ هو العودة الحقيقية للإسلام وتسمية الأسماء بمسمياتها الحقيقية ، وتحديد العدو بشكل واضح. فالنفاق لا يفيد شيئا سوى تغييب الشعوب وإستبعاد طاقتها عن أهم المعارك المصيرية .

لا شك أن الطوفان البشرى فى المغرب العربى ، بسماته الإسلامية والحضارية والقتالية ، لو وجد منفذا نحو الشرق لعاد مرة أخرى لإعمار حى المغاربة فى القدس ،الذى أنشأه صلاح الدين لتوطين مجاهدى المغرب العربى أصحاب البصمة الجهادية المميزة للغاية .

ولكن التابوت المصرى الذى يحفظ جسد شعب عظيم ، لا زال مسجى على سطح الأرض ، وينتظر يوم الدفن فى تربة وطنه الخالد.

 

الصين .. معركة مع النظام الدولى القادم مع كورونا .

تعلن الولايات المتحدة بكل صراحة أن الصين هى”عدوها” الأول. لا سبب للعداء سوى قدرة الصين على تحقيق الأرباح . ومراكمة إحتياطى ضخم من الدولارات الأمريكية فى شراء سندات الخزينة هناك بما يزيد عن 2 ترليون دولار . وهى كتلة مالية فى يد”عدو” يمكن أن يستخدمها بشكل عدوانى يعرض الإقتصاد الامريكى إلى أشد المخاطر ـ قد تصل إلى الإفلاس ـ فى حالة بيع تلك السندات دفعة واحدة أو المطالبة بسداد قيمتها فوراً .

فى ظلال جائحة كورونا تريد الولايات المتحدة نزع تلك القنبلة المالية من يد الصينيين والإستيلاء عليها (بطريقة شرعية)، أى كتعويضات عن الأضرار التى أصابت الولايات المتحدة من جراء الفيروس الذى يدعى ترامب أنه فيروس صينى.

هناك إستثمارات أمريكية فى الصين ، وصناعات أمريكية لو نجح ترامب أو غيره فى سحبها من الصين لأفلست. والمهم هو ما يلى ذلك من إضطرابات وحروب داخلية ، ثم تقسيم الصين،  فالحلم الأكبر لليهود وأمريكا هو إضعاف العالم وبث الفوضى والحروب فى كل مكان، ليتمكنوا من وضع يدهم على كنوز الأرض ، وثروات الشعوب ، بالمعارك المباشرة أو بصفقات السلاح أو بترويج المخدرات.

– كعادتها دائما تدفع أمريكا أحد صبيانها المخلصين لإستكشاف الطريق المجهول. هذه المرة تقدمت ألمانيا لإستكشاف الطريق نحو نهب الصين وتحميلها نفقات وباء كورونا على أراضيها،  ويقال أنها تجهز رقم 130 مليار كتعويضات من الصين . ترامب قال متعجرفاً بغبائه المعهود أنه سيطالب بمبلغ أكبر بكثير ولكن لم يحدده. (بالطبع لن يقل عن مجموع الموجودات المالية للصين داخل الولايات المتحدة) .ولم يلبث أن أرسل أحد مدمراته العسكرية إلى مياه الصين فى تهديد واضح . فطردتها البحرية الصينية وسلاح الجو، وأعلنت الصين لأول مرة عن الحادث فى نفس اليوم.

وهكذا أنعش فيروس كورونا طموحات أمريكا بتركيع الصين فقراً وتجزئة . ولكن الواقع له فى الغالب مسار مختلف عن مسار الخطط .

الوهم الأكثر إحتمالا هو فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية ـ ولكن ليس بالألعاب “الديموقراطية ” المشهورة ـ أى الإنتخابات ـ ولكن عن طريق توريط البلاد فى حرب أو دفعها إلى حافة حرب حقيقية ـ فيتم إلغاء الإنتخابات والتمديد لرئاسة (ترامب). تكلم البعض عن هذا السيناريو ـ ولمح إليه “جو بايدن” المرشح الديموقراطى المحتمل للرئاسة ، محذرا الشعب الأمريكى من ذلك .

– عزوة منهاتن فى 11 سبتمبر 2001 (وهى صناعة أمريكية ) كانت إيذانا بوضع النفط السعودى ، والمخزونات المالية السعودية ، رهن المشيئة الأمريكية وقابلة للمصادرة فى أى وقت ، تحت مظلة عسكرية أمريكية إن إستدعى الأمر .

وغزوة كورونا (وهى صناعة أمريكية أيضا) . وفَّرَت لأمريكا ذريعة لمصادرة ترليونات الدولارات المملوكه للصين داخل السوق الأمريكى .

من الإرتدادات الضارة “لغزوة منهاتن” كان إحتلال أفغانستان ومصادرة ثروته الهائلة ـ ثم إحتلال العراق ومصادرة نفطه وتغريمه نفقات الغزو كتعويضات لأمريكا عن إحتلالها لأراضيه . ثم كان “الربيع العربى” أحد تلك الإرتدادات ، فاحتلت السعودية البحرين ـ وأعلنت مع شقيقتها الإمارات حرباً أبديه على اليمن حتى فناء آخر يمنى ونفاذ آخر “بترودولار” فى خزينة البلدين .

نظام كورونا الدولى قادم .. وهو ليس متعدد الاقطاب كما يتمنى الحالمون ، بل هو متعدد البنوك اليهودية ، المجتمعة تحت راية صهيونية واحدة.

وللشعوب .. وللمسلمين خاصة.. حروب دائمة ، وتفتيت للأوطان ، وتبخر للثروات ، ويأس لا يزول. لا حل إلا بالعودة إلى الدين الحق :

بدون ربا ــ وبدون بنوك يهودية ــ وبدون نظام دولى يديره القراصنة والسفاحون.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

04-05-2020

 

كورونا طوفان يُغرق العالم .. فمن لديه سفينة النجاة ؟؟




الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

خلال الشدة المستنصرية ، أكل الناس كل شئ ، حتى أكل بعضهم بعضا . وفى عصر البيادة تسير المحروسة إلى ما يشبه ذلك . خاصة بعد سد النهضة الذى سيقطع مياه النيل ، إلا ما يكفى لتربية الضفادع وأسراب الهاموش. مضافا إلى ذلك خراب الزراعة و زوال الصناعة ، وإنهيار الصحة العمومية، ورحيل التعليم، و إندثار الأخلاق العامة ، وغرق أم الدنيا فى ديون خارجية  غير قابلة للسداد قبل يوم الحساب.

– سقطت الدولة وتفرعنت الأجهزة بما يتناسب مع إنهيار الشعب . ثم جاءت الكورونا بخلاصة الكوابيس ــ ليس فقط لأنها موت و خراب ديار ــ أى فيروسات وإعتقال منزلى ، و لكن خروج الجياع و المرضى إلى الشوارع أصبح نتيجة أكثر من منطقية لأوضاع البلد المخروب .

– النظام مطمئن إلى أنه قادر/تحت مظلة دولية/ على إرتكاب مجازر ضد شعبه “الإرهابى”. ويثق أكثر من اللازم بموت “شعب مصر العظيم” . ولديه تقدير مبالغ فيه لأجهزة حكم هى توليفة من الخواء والفساد المسلح حتى أذنيه.

– فماذا لو نجح الجياع المرضى فى دخول قصور الفرعون وقلاعه ، التى ظاهرها القوة وباطنها ترعى فيه ديدان جثث الموتى؟؟.

الطائرات الخاصة جاهزة فى مطارات المحروسة ، والحسابات السرية مشحونة وموزعة فى أرجاء الملاذات الآمنة حول العالم ، من أوروبا إلى نيويورك و بنما . ونستثنى دبى لأنها لم تعد آمنه ، ولا توفر ملاذا حتى لحكامها .

– ماذا لو تحولت إنتفاضة الجياع المرضى إلى ثورة ، بفرار الأجهزة الخشبية المسلحة مع وصول (أمواج الجوعى) إلى عقر القلاع و القصور؟. وهو ما لم يحدث فى هوجة يناير 2011.

– ماذا لو أن “سبارتاكوس” مصرى ، خرج من أحد الأزقة ، على رأس عبيد المحروسة ، الجوعى المرضى ، وأعلنها جمهورية لليائسين؟؟ ، الذين سيمضون إلى آخر الشوط مهما كانت النتائج ، لأنه من المستحيل أن يكون هناك أسوأ مما هو كائن بالفعل .

–  طريق الخلاص ملغوم للغاية ، فلو نجح المسعى إنصلح الحال .. وإن فشل فلن يتألم جسد الشعب الميت .. فالإحتمال الوحيد هو أن يتألم أعداؤه الذين إنتفشت أجسادهم بدماء شعب (تحيا مصر) . ويمكن أن تنفرط المسبحة بالشكل التالى .. والترتيب قابل لإعادة النظر:

إلغاء الديون الخارجية. وتحرير جوعى ومرضى المحروسة من عبودية الدَيْنْ الخارجى. فلن يدفع عبيد “الأرض المصرية” الجوائز لمافيا البنوك الخارجية ، أو للفاسدين المحليين.

تأميم الأموال والممتلكات العائدة لدول الخليج والسعودية ، وضمها إلى ميزانية مصر(وليس حسابات “علي بابا” والأربعين مغارة .. وتحيا مصر!!). إنها ميزانية أول ثورة فيروسية فى تاريخ مصر، ولكنها لن تكون الثورة الوحيدة فى عالم ما بعد الكورونا ، فثورات الجياع اليائسين ستكون علامة مميزة لعصر قادم . بعضها قد يكون ثورات حقيقية، وأكثرها سيكون مجرد فوضى عقيمة .

تأميم الجيش ، بكامل هيئاته ، ما تبقى له من آثارعسكرية ، وما هو قائم من إمبراطوريتة للمال و الأعمال ، و منهوباته فى البنوك الداخلية و الخارجية ، وضمها فورا فى ميزانية الدولة . و معها ممتلكات الجنرالات و عائلاتهم .

فتح معسكرات لتدريب مليون شاب، جائع و مريض ، لتكوين جيش قتالى حقيقى يحمى المحروسة : ولا يمتلكها و يسرقها ويُذِلَها و يبيعها لمن يدفع أكثر.

وإنشاء معسكرات أخرى لتدريب مليون شاب ، جائع و مريض، لتولى مهام الأمن الداخلى الحقيقى: أمن يحمى كرامة وحقوق المواطنين.

الإفراج فورا عن جميع مساجين مصر. وفى مقدمتهم السياسيين و الصحفيين . و إستبدالهم بأبناء البيادة القديمة ، من أعوان ورموز وزبانية ومطبلين .

إلغاء جميع الإتفاقات مع إسرائيل ، و طرد جميع رعاياها من مصر وإعتقال موظفيها الرسميين ، أو شبه الرسميين فى الأراضى المصرية .

إغلاق جميع القواعد العسكرية الأجنبية ، وجميع مقرات الإستخبارات الأجنبية ، السرى منها والعلنى.

تطهير سيناء من أى وجود غير مصرى فى أى مجال كان . وتعويض سكانها عما أصابهم من خسائر على يد أبناء البيادة القديمة . و محاكمة المسئولين عن تلك الجرائم علنا ، و تنفيذ الأحكام بحقهم  على الملأ وأمام سكان سيناء، حتى تطمئن نفوسهم.

تحقيق إتصال بَرِّي كامل بين سينا و بَرْ مصر ، بردم قناة السويس التى مثلت دوما ثغرة كبرى فى دفاع المصريين ضد الأخطار القادمة من المشرق . وفَصَلَتْ الجزء الأسيوى من مصر عن الجزء الأفريقى منها .

10ـ توجيه تهمة الخيانة العظمى ، لكل من شارك فى كارثة النيل أو تواطأ مع إسرائيل والحبشة فى بناء سد النكبة . ويشمل ذلك محاكمة كل رؤساء جمهورية مصر منذ أن بدأت دراسات بناء سد النكبة عام 1998 . و محاكمة وزراء الخارجية والمخابرات والدفاع.

11ـ إستعادة الأرض التى بُنِى عليها سد النكبة الحبشى، بإعتبارها ممتلكات إشترتها مصر فى عهد الخديوى إسماعيل/ طبقا لوثائق قانونية موجودة بالفعل/ و بالتالى تصبح إزالة سد النهضة ، ممارسة لأعمال السيادة المصرية.

12ـ إعادة دور الدولة فى الإقتصاد: فى التصنيع و الزراعة و البنوك و التجارة الخارجية والداخلية. و إعادة الدولة إلى ممارسة واجباتها فى إحترام المواطن ، وحمايته وتوفير الخدمات الأساسية له ، خاصة فى التعليم و العلاج و السكن الآدمى و العمل و الحقوق القانونية والطبيعية.

13ـ المساس بكرامة و أمن الإنسان المصرى جريمة عظمى ، و منعه من ممارسة حقوقه جريمة أمن دولة. فلا أمن و لا كرامة لدولة لا يتمتع مواطنوها بالأمن والكرامة .

14ـ تحرير الأزهر من أى تأثير حكومى ، إدارى أو مالى ، وإعادة الأوقاف إليه . ومشيخة الأزهر ينتخبها العلماء و الخريجون . و يحظر على الأزهر ومشايخه إستلام أى أموال من الخارج ، أو من الحكومة المصرية أو الشركات . ولا تزيد التبرعات الفردية إليه عن مقدار معقول تحدده الإدارة. حسابات الأزهر تنشر على موقعه الإلكترونى ـ وكذلك حسابات الهيئات الأهلية والإعلامية.

15 ــ حرية الوصول إلى المعلومات حق عام للمواطنين .

16ـ مصادرة محتويات “الصناديق السيادية” ، و محاسبة المشرفين عليها بأثر رجعى منذ إنشائها و إلى يوم نجاح (ثورة الجياع والمرضى).

17ـ تفعيل قانون (من أين لك هذا؟) ، على أصحاب الثروات المُتَورِّمَة و المشبوهة و غير المُبَرَّرَة . و إعادة النظر فى مشروعية الملكيات الحالية للأراضى فى جميع أنحاء مصر.

18ـ إلغاء الملكية الخاصة والأجنبية للإعلام . بتشكيل شركة إعلامية مساهمة ، يمتلكها الشعب ، مع حد أقصى من الأسهم لكل مُشارك ، بحيث يمتنع الإحتكار الفردى أو العائلى.

19ـ منع أى هيئة شعبية من إستلام تمويل خارجي ـ بدون موافقة الحكومة و مجلس الشعب ـ و إلا تعرضت للمساءلة الجنائية.

20 ـ يحظر على أجهزة الدولة تَلَقِّى أى معونات مالية خارجية . و أى معونة فنية أو تعاون أجنبى لابد من موافقة مجلس الشعب عليه .

21 ـ إلغاء جميع الإتفاقات غير المتكافئة أو المشبوهة ، مع الدول الخارجية ، خاصة مع الولايات المتحدة والدول الغربية والسعودية ودول الخليج. وإلغاء أى إتفاقية لترسيم / الحدود البرية أو البحرية / مع إسرائيل أو السعودية أو اليونان. وقطع علاقة مصر مع مشروع نيوم السعودى/ الإسرائيلى ، و استعادة الأراضى المصرية الممنوحة له. و استعادة وضع مصر القانونى على خليج العقبة و جزيرتى تيران وصنافير ومياه البحر الأبيض المتوسط و ثرواته من حقول الغاز والنفط .

22ـ تأميم مصادر الطاقة ، و المناجم، و المرافق العامة، و الصناعات الإستراتيجية.

23ـ إستعادة ثروات مصر المنهوبة: من أراضى ومنشآت عامة ، وغاز ونفط ومناجم. وأموال هُرِّبَت إلى الخارج. ومصادرة الثروات التى تكونت بوسائل غير مشروعة مثل خيانة الأمانة وسؤ إستغلال السلطات الوظيفية .

24ـ إنشاء علاقات إستراتيجية مع دول آسيا الكبرى فى مجال الإقتصاد ، و المال ، و التعاون التكنولوجى و التسليحى ، بما فيه الصناعات الدفاعية و الفضائية ، و تبادل البعثات العلمية و التعليمية.

“سبارتاكوس” روما هُزِمَ و هو يحاول الهروب من أيطاليا مع (شعب العبيد) ، ليعودوا إلى أوطانهم . لكن عبيد المحروسة ليس لديهم مكان آخر ليهربوا إليه ، لأنهم مستعبدون داخل أوطانهم . فليس أمامهم سوى الرحيل الإجبارى من سطح الأرض إلى باطنها .

و باطن الأرض أرحم بكثير من ظاهرها الماثل أمامنا الآن .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

22-4-2020

الشدة السيساوية : موت و خراب ديار

 

 




بين  CIA و الجيش الأمريكى صراع أفغانى أم عالمى ؟؟

بين  CIA و الجيش الأمريكى صراع أفغانى أم عالمى ؟؟

بين  CIA و الجيش الأمريكى صراع أفغانى أم عالمى ؟؟

جهاد الأفغان يكشف الصراع المرير بين الجيش الأمريكى والمخابرات الأمريكية .

صراع العمالقة : البنوك ضد الصناعيين ــ ( أو CIA ضد الجيش )

العناوين: 

– نظام المرتزقة الدوليين بدأ ينهار فى أفغانستان ، سواء مرتزقة بن زايد أو مرتزقة داعش ، أو “جلم جم” الأوزبكية .

– بعد الكورونا ستَرْكَع عشرات الحكومات وملايين البشر أمام أبواب البنوك الأمريكية طلباً للقروض بأى شروط ، فى غزوة ربوية نادرة المثال . فى هذه المرة لن تكون صكوكا للقروض بل صكوكا لإستعباد البشر ، ومن بينهم المسلمين بالطبع ( إلا إذا فرض المجاهدون الحقيقيون ــ بسلاحهم ــ واقعاً آخر يناسب دينهم وأمتهم وباقى خلق االله . أى خرجوا من وصاية “عقيدة بيريز” على عقولهم ودينهم) .

– الكورونا فوضى عالمية .. تمهد لحكومة عالمية .

-سكان أقل = إستقرار أكثر لليهود  ـــ  وكيسنجر ينصحهم : أبيدوا العرب !!.

– بعد الكورونا : أمام الفقراء طريقان للموت : إما الموت جوعا ، أو الموت عند محاولة الحصول على طعام .

– بعد الكورونا : ستتلقى الحكومات معونات لإبادة شعوبها ، وللتنازل عن ثروة البلاد وسيادتها .. ودينها .

– بين أمريكا والصين ، مباراة “بنج بونج” بالفيروسات .

– بعد الكورونا : الغزو الأمريكى للخليج قادم . ورأس الرمح قد يكون بلاك ووتر .. و “بن دحلان” قد يصبح من النخبة السياسية الجديدة .

 

 

القوى العظمى التى تجرأت على غزو أفغانستان ، خرجت منها مدحوره خائبة ، وسقطت من عرش العظمة إلى مزابل التاريخ ، وبعضها غادر التاريخ نهائيا . ولأنها كانت قوى عالمية مهيمنة فقد تغيرت صورة العالم كله ، عدة مرات، بإنتصار شعب أفغانستان .

الولايات المتحدة تخوض نفس التجربة المريرة ، بشكل أعمق وأقسى وإستطاعت أن تجر العالم كله معها إلى هاوية الهزيمة ، بل والوقوف به على حافة الإنهيار ـ وربما الزوال .

 ليس خروج الغزاة من أفغانستان مثل دخولهم إليها . والعالم الذى شارك بدرجة أو بأخرى فى جريمة الغزو ، يشارك أيضا بدرجة أو بأخرى ـ فى عواقب هزيمة الغزاة الدوليين .

وباء الكورونا ـ الدولى ـ كشف الصورة التى وصلت إليها أمريكا ـ والعالم ـ بعد هزيمة واضحة فى أفغانستان فى حرب إستمرت 18 عاما ، ومازالت أمريكا تنفخ فى نيرانها كى تستمر بصورة أخرى .

لكن العالم كله إكتشف فى (مرآة الجهاد الأفغانى) ـ الصورة الحقيقية لأوضاعه ، ولحقيقة القوى التى تقوده من واقع بائس إلى مستقبل مجهول، ينتهى إما إلى زوال الحضارة (الغربية) التى إتبلعت العالم ، أو أن يزول العالم كله هلاكا حقيقيا وليس مجازيا فقط .

 

 

صراع فى أفغانستان

بين CIA والجيش الأمريكى

( راجع مقال حول نفس الموضوع فى مجلة الصمود العدد  170 ــ إبريل 2020  )

فى أفغانستان ظهرت علائم ذلك الصراع وتأثيراته (الإيجابية) على المجاهدين . إذ أتاح لهم فرصاً يستحليل تخيلها . وهذا ما دفع ترامب لأن يهرول لتوقع إتفاق(الخداع الإستراتيجى) مع (مكتب الدوحة السياسى!!)، كى يؤجل الهزيمة الفاضحة لبعض الوقت .

ورغم خطورة ذلك الصراع ونتائجه الفادحة على الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان إلا أنه كشف عن صراع أعمق فى صلب البنيان الأمريكى ـ والعالمى ـ وبالتالى يهدد الدولة الأمريكية نفسها ، والنظام الدولى بالتالى .

–  فى أفغانستان صراع مصالح بين كبار قادة الجيش والإستخبارات . الكفة العليا فيه للإستخبارات حيث أختار البيت الأبيض أن تدير الإستخبارات تلك الحرب بالشراكة مع الجيش. ولكنها شراكة غير متكافئة، وضع الجيش فيها هامشي إلى حد ما .

ومع الخسارة فى الميدان دب الفشل فى صفوف الجهتين ، وبدأت القيادات العليا والمتوسطة ـ وصولا إلى الجنود ـ يعملون لمصالحهم الخاصة فى إطار حرب خاسرة (عسكرياً) وفاسدة (أخلاقيا) .

“الحكومة الدُمْيَة ” فى كابول يتقاسمها طرفى الصراع ، فكان الولاء مزدوج أحيانا. ولكن جبهة حلفاء CIA فى أوساط النظام أوسع وأقوى .

ولكن من الطبيعى أن يكون نفوذ الجيش الأمريكى أقوى داخل الجيش الأفغانى المحلى فهو الذى ينفق عليه ويسلحه ويدربه ويربى قياداته. وفى أوساط الميليشيات المحلية يحتفظ الجيش الأمريكى بنفوذ مشابه . وبدرجة أضعف له نفوذ داخل أجهزة المخابرات والشرطة التى ولاؤها الأساسى هو للمخابرات الأمريكية CIA .

 

 

( CIA & الموساد) تحالف إندماجى :

كشفت حرب أفغانستان إلى حقيقة تهميش دور الجيش الأمريكى فى التركيبة الأمريكية الحاكمة ، سواء داخل الولايات المتحدة أو على مستوى العالم كله .

بل أن دور الجيش الأمريكى فى أفغانستان ، كمساند للمخابرات الأمريكية وليس قائداً لها أو حتى شريك متكافئ معها ، هو مجرد جزئية من الصورة العامة لعلاقات القوى بين هذين الجهازين العملاقين . مع حقيقة أن كلاهما مجرد أدوات فى يد القيادة (الحقيقية) للولايات المتحدة والعالم .

 (والقيادة الحقيقية) ليست القيادة(الرسمية) فى البيت الأبيض برؤسائه الهزليين . بل القادة الحقيقيين لأمريكا والعالم ، والذين يديرون الجيش والإستخبارت هم اليهود أصحاب(الصناعة البنكية المالية).

قبل الحديث عن العلاقات الخاصة جدا بين المخابرات الأمريكية CIA وبين قادة أمريكا (الحقيقيين) أباطرة البنوك العملاقة . نتحدث عن أحد التفصيلات الهامة فى تركيبة CIA ، التى ظهرت فى أفغانستان ، ثم إتضح أنها ظاهرة عالمية وليست خصوصية متعلقة بالحرب على أفغانستان .

تلك هى العلاقة الإندماجية بين CIA والموساد الإسرائيلى . وكلاهما يخوض فى أفغانستان الحرب الأطول فى تاريخ بلده ، وأكثر تلك الحروب فشلاً . ولكن قيادة العالم الحقيقية نجحت فى تصدير ذلك الفشل إلى العالم ونظامه غير المنتظم .

 سعى مرابو أمريكا ــ عمالقة الصناعة البنكية ــ إلى نظام عالمى جديد يظهر عبر حرب عالمية (ثالثة) قاتلة، متبخترة المسير،  متدرجة الشدة، متنوعة الأسلحة .

بدأت من أفغانستان عام 1989(فور إتمام إنسحاب الجيش السوفيتى) ومستمرة حتى الآن . وتدحرجت لتشمل العالم كله بمصائبها التى طالت الصديق كما العدو ، وهى الآن فى مرحلة الأوبئة الفيروسية .

فهؤلاء القوم لهم صديق واحد هو أنفسهم، أما باقى المخلوقات فهم إما حمير للركوب ، أو أبقار للحليب والذبح (أنظر عرب النفط) .

ذلك الإندماج الإستخبارى ( CIA & موساد) هو الذراع العملياتى لأباطرة المال اليهودى (فى نيويورك ولندن) بزعامة عائلتى روكفلر/ روتشيلد . ومعلوم أن السيطرة على أفيون أفغانستان ـ (90% من إنتاج العالم) ـ  يمثل دخلهم المالى الأعظم على مستوى العالم .وذلك هدف لا يمكن أن يتنازل عنه الأباطرة وبنوكهم الوحشية .

 ومادامت تلك الشياطين تسعى خلف المخدرات ومزارعها وأسواقها أينما كانت، فإن من يمثل ذراعهم الضاربة هو التحالف الإستخبارى الإندماجى (CIA & الموساد)، الذى سريعاً ما ينشئ أفرعاً محلية وإقليمية تسانده فى مسارح عملياته الرئيسية.

– فى أى مسار سلكته أموال المخدرات وفى أى مستودع إستقرت ، فإنها فى نهاية المسيرـ وبشكل حتمى ـ لابد أن تصب فى البنوك اليهودية العملاقة .

فى أفغانستان قليلون يمكن التعرف على علاقتهم التنظيمية بالإندماج الإستخبارى سابق الذكر، ولكن لا يمكن أن يخطئ الإنسان أداء أذرعهم القتالية.

فلديهم قواتهم الخاصة (أمريكية وإسرائيلية)، وهى قليلة العدد نسبيا ومتخصصة بالعمل عالى المستوى ، قياديا وتقنيا . أما “الحمير” التى يركبونها فى الميدان ، وينقلون عليها أثقال أعمالهم القذرة .. فهم مرتزقة على ثلاثة أنواع :

1 ـ المقاتلون المرتزقة الدوليون المحترفون .

2 ـ المقاتلون المرتزقة من ميليشيات شبه دينية أو شبه وطنية .

3 ـ التشكيلات المدنية ، من مرتزقه الثورات الملونة: أحزاب/ صحفيون / كتاب/ باحثون/ مجتمع مدنى / قيادات إجتماعية / نجوم إعلام ورياضة وفنون / شخصيات ثقافية ودينية.. إلخ.

الأنواع الثلاث متواجدون ونشطون فى أفغانستان . ونظرا لأن الحرب الدامية هى طابع التواجد الإستخبارى الإندماجى المشار إليه ، فإن “المرتزقة” المقاتلون هم الأكثر جذباً للإنتباه ، سواء المرتزقة الدوليون (بلاك ووتر) أو مرتزقة الميليشيات شبه الدينية (داعش)، أو شبه الوطنية (جلم جم الأوزبكية) .

 

 

الارتزاق :

 رؤية يهودية ـ مأزق عملياتى ـ تهديد وجودى !!

الإرتزاق له دعم قوى من الرؤية اليهودية الدينية . فجميع البشر هم مجرد حمير لخدمة اليهود . وأفضل خدمة يقدمونها لليهود هى الحرب لأجلهم وخوض معاركهم،  كما يحدث الآن فى أفغانستان واليمن وسوريا وليبيا .. إلخ .

اليهودى يرى نفسه مخلوقاً أوحداً ، وأنه أرقى الكائنات . وبما أن رسالته هى ركوب مليارات البشر، فإن السيطرة عليهم تقتضى تقليص عددهم إلى مقدار مناسب لطاقتة المتوفرة للضبط والربط والسيطرة .

وإن خاض حرباً خاضها عن بعد ، من خلف جدر أو من قرى محصنة. لهذا إزدهرت صناعتة واستخدمه للطائرات بدون طيار فى المعارك وفى التجسس. وإستخدام الأقمار الصناعية فى أغراض التجسس ، و الحرب السيبرانية (ضد أنظمة الكمبيوتر). ومؤخرا الحرب(الفيروسية/الجرثومية) وقبلها إعتماد (القنبلة النيترونية)كبديل حضارى للقنبلة الذرية، فهى تقتل البشر وتترك المنشئات والبنوك والمناجم والنفط ، ولا تلوث محصول الأفيون .

–  يروح اليهود لعبادة الذهب ، لتصبح هى الدِيْن الوحيد للبشرية. لأنهم كبار مالكيه ، ومحتكرى أسرار تجميعة وتخزينة .

المرتزقة هم فصيل من(عُبَّاد الذهب)، فهم يقتلون الآخرين ، ويضحون بأرواحهم فى سبيل الحصول عليه . وهم عبيد لمن يعطيهم الذهب، لذا يشكلون خطرا شديدا على أسيادهم إذا حصل أى خلل فى عقد التشغيل. أى لم يحصلوا على ما يكفى من الذهب ، أو أن مخاطر العملية زادت كثيرا عن مكاسبها المتوقعة .

أو أن أعمال”السيد” أصابها خلل ، و”السيد” إعتراه ضعف واضطربت أحواله ولو قليلا . فسريعاً ما ينتقل ولاء المرتزقة إلى سيد آخر، أقوى ويمكنه أن يدفع أكثر .

– شئ من ذلك حدث فى أفغانستان فاضطرب نظام المرتزقة ، وظهرت مخاطرهم وانتشر إزدواج الولاء لأكثر من سيد فى نفس الوقت. أو حتى الإنتقال بالكامل من جهة إلى أخرى أكثر كرماً . والبعض أنشأ أعمالا إجرامية خاصة ليجلب ثروته مستقلا . فالخُلُقْ الأكثر شيوعاً لدى المرتزقة هو إنعدام الأخلاق . ويكفى أن يصبح القتل هو الوسيلة الأساسية ـ أو الوحيدة ـ للحصول على الثروة .

بعضهم باع سادته وزملائه . وبعضهم باع سلاحة ، وأسرار شركته وقتل إخوانه الذين قاتل سابقا إلى جانبهم . وبعضهم إمتلك تجارة المخدرات الخاصة به .

–  إنها (أخلاق الذهب) أخلاق المرتزقة ـ وإذا تفشى ذلك الوباء فمن المستحيل أن ينتصر الجيش الذى يستأجرهم ، أو أن ينجو هو نفسه من الهلاك .

نهاية الطريق ، هو نهاية الإمبراطورية التى يشكل المرتزقة العمود الفقرى لمقاتليها. والعبرة هنا هى أن أبوظبى لن تكون فى مأمن من شرورهم .. ولا حتى واشنطن وتل أبيب .

فعندما تدق ساعة التغيير لإزاحة أنظمة(الخليج) فإن الأداة الأنسب هى (بلاك ووتر) وإخوانها . وهى ملكية مشتركة ما بين بن زايد ، وإريك برنس (الأمريكى) مع الموساد الإسرائيلى .

أنظمة الخليج إهتزت مع إنهيار أسعار النفط ، بالتوازى مع “جائحة” كورونا(!!) . ويبدو حتميا التخلص من تلك الأنظمة التى لم يعد لها محل من الإعراب. وأداة التغيير الأسهل هى(بلاك ووتر) نفسها. لتصبح المنطقة بعدها متطابقة مع المقاييس الإسرائيلية، التى إمتدت حدودها من شواطئ المتوسط إلى شاطئ خليج”العرب!!”.

 

 

صراع العمالقة :

البنوك ضد الصناعيين ــ ( أو CIA ضد الجيش ).

صراع العمالقة فى الدولة الأمريكية حول المسيرة والمصير ، يدور بين عمالقة المال { أى صناعة العملة الورقية وبمعنى أدق طباعتها } .

(عن مهزلة طباعة الدولار الأمريكى ، راجع كتاب: إستعباد العالم ـ نهب على الطريقة اليهودية ــ فالنتين كاتاسونوف ــ الإستاذ فى جامعة العلاقات الدولية ـ موسكو) .

وعلى الجانب الآخر الصناعيين ، وعلى قمتهم أصحاب الصناعات العسكرية ، عماد القوة العسكرية الأمريكية .

عمالقة المال متحالفون مع المخابرات المركزية CIA . وعمالقة الصناعة متحالفون بطبيعة الحال مع الجيش راعيهم وزبونهم الأساسى .

رغم أن العملاقين المتصارعين متفقان على ضرورة السيطرة على شعوب الأرض بإستخدام كافة الأساليب المتاحة مادامت ناجحة ، فإن الخلاف يدور حول الطريق الأمثل لتحقيق ذلك .

  يرى المرابون أن الطريق الأمثل للسيطرة على العالم يكون بالقوة المالية {قوة الدولار وإحتكار طباعته وفرضه على العالم كعملة تداول أساسية لكافة الإقتصادات والبنوك} . بينما الدولار ماهو إلا ورقة ملونة ليس لها غطاء من أى شئ له قيمة فى ذاته . ولكن به تحصل أمريكا على ما تريد من منتجات العالم ، بدون أن تكون فى حاجة حقيقية لأن تنتج أى شئ.

والمفارقة أنها كلما أنتجت أقل وكان عجزها التجارى أكبر كلما زادت أرباح بنوكها التى تُرَاكِم ثروات هائلة من إقراض العالم أوراقاً ملونة إسمها “دولار” ـ مع التمتع بالسلع المجانية المتدفقة من كل العالم . فلماذا الصناعة والتعب، والتلوث البيئى ، ومشاكل العمال والتصدير؟؟ . تكفيهم مشكلة إدارة مطابع العملة. وحتى الأوراق وأحبار الطباعة ، يمكن إستيرادها من خارج الولايات المتحدة ودفع أثمانها بالدولار الورقى المزيف.

–  لكن الجيش يرفض ذلك التوجه لأنه يعرضه للخطر. فإنتقال الصناعة إلى ما وراء البحار ـ وفى آسيا تحديدا ـ يحرم الجيش من قدرات صناعية وتكنولوجية ، أو تجعل تلك القدرات بعيدة جغرافيا عن متناوله، بحيث يمكن عرقلة تدفقها بسبب أعداء أو أحداث دولية مفاجئة ( مثل وباء كورونا مثلا) . وفى ذلك تهديد واضح للأمن القومى الأمريكى .

–  إنه صراع بين قوتين ، واحدة تريد بناء الدولة على قوة الربا (والدولار المزيف بتصريح من الدولة). وبين قوة أخرى تريد إقتصادا قائما على الصناعة، والرأسمالية الصناعية القديمة التقليدية.

 المخابرات CIA مع الطرف الأول ـ والجيش مع الطرف الثانى . والصراع دائر خلف الكواليس فوق الأرض الأمريكية . ولكنه إنكشف بشكل فاضح على الأرض الأفغانية . فنيران المجاهدين سريعاً ما تنير الطريق ، فيتضح الحق من الباطل .

– الكفة تميل إلى جانب عمالقة المال اليهودى ، ورؤيتهم لتحويل الولايات المتحدة إلى مجرد دكان مرابى (البنوك العظمى هى الشكل المعاصر لدكان المرابى القديم).

ترامب أكثر ميلا للمرابيين وسؤعلاقته مع الجيش واضح. ويحاول ترضية الجنرالات ببعض الشعارات والقليل من الإجراءات ، بعضها خطير مثل الضربة البيولوجية للصين (رغم أنها ضربة إقتصادية فى الأساس) . ومثل مناداته بشعار أمريكا أولا الذى أحد معانيه إستعادة الصناعات الأمريكية المهاجرة فى آسيا ، لعلاج مشكلة البطالة من جهة (وفى ذلك مكسب إنتخابى) ومن جهة أخرى إسترضاء جنرالات الجيش الراغبين فى إعادة الصناعات الهامة إلى الأراضى الأمريكية .

 

 

“كورونا فوبيا” .. سلاح بنكى :

المرابون رحبوا بالضربة البيولوجية وبتوسيعها إلى نطاق عالمى ، لإحداث إنهيار إقتصادى شامل يتقدمون فى نهايته لشراء المشاريع الهامة التى أفلست بفعل الكورونا. فكل أزمة أو كارثة أو حرب ، تأتى بأرباح للمرابين. ويتناسب حجم مكاسبهم مع حجم الكارثة التى ضربت الآخرين .

فأزمة (كورونا) تحمل خرابا واسعاً لإقتصاديات العالم ، وللمشاريع الإقتصادية. فسكان الأرض حبسهم الفيروس ــ وبالأحرى الإرهاب الإعلامى الذى رافق “الجائحة!!” وروج لها ــ فأحدث خرابا إقتصاديا لا يمكن علاجه بدون قبول إملاءات البنوك اليهودية الأمريكية .

المرابون وجهازهم الإعلامى الدولى ، أصاب العالم أجمع بالرعب غير المبنى على أساس واقعى . وتلك ظاهرة تحتاج إلى الكثير من التأمل فى تطور سطوة السيطرة النفسية على العالم التى حققها إعلام المرابين وشبكاتهم العالمية ، بما فيها مؤسسات دولية مفروض أنها محايدة ، حملة شاركت فيها معظم الحكومات خوفا من عقاب أو أملا فى معونة أم حتى لمجرد الحصول على عبارات مديح .

كل ذلك له ترجمة فى الأرباح ، وفى ضياع ثروات الأمم لصالح بنوك المرابين فى “منهاتن” التى غزاها العرب ذات يوم من سبتمبر 2001 !!.

– بعد الكرونا .. ستركع الحكومات وملايين البشر، لإستجداء القروض من البنوك ، فى غزوة ربوية نادرة المثال . فى هذه المرة لن تكون صكوكا للقروض بل صكوكا لإستعباد البشر ، ومن بينهم المسلمين بالطبع ( إلا إذا فرض المجاهدون الحقيقيون ــ بسلاحهم ــ واقعا آخر يناسب دينهم وأمتهم وباقى خلق االله ـ أى خرجوا من وصاية “عقيدة بيريز” على عقولهم ودينهم) .

سيستلمون القروض بالدولارات الملونة، فى مقابل ثروات بلادهم التى لا تقدر بثمن ، والأهم هو ضياع إستقلالهم ، والدخول من أوسع الأبواب إلى عبودية القروض الربوية . وكلما فقدت الحكومات سيادتها وفقدت الشعوب دينها وحريتها، كلما تحقق الأمل الأسمى للماسونية ، وهو قيام حكومة عالمية “أمريكية” ، تمحو الأديان السماوية وتستبدلها بثقافة عالمية موحدة . لا إيمان فيها بخالق ، ولا مكان فيها لخلق كريم .

 

 

سكان أقل = إستقرار أكثر لليهود  ..

 وكيسنجر ينصحهم :  أبيدوا العرب .

تخفيض سكان كوكب الأرض هدف أساسى يساعد على قيام الحكومة العالمية ، ويقوى سيطرتها ، ويخفف من أعبائها .

ذلك هدف أساسى للماسونية ، أو كما عبر عنه هنرى كسينجر وزير خارجية أمريكا السابق (77ــ 1975) والمفكر الماسونى البارز : { تقليص أعداد البشر هو المحور ذو الأفضلية الأولى فى السياسة الخارجية الأمريكية تجاه بلدان العالم الثالث }.

ولم يغفل الماسونى الكبير عن تقديم أحد جواهر نصائحه ، فقال : {على الغرب أن يبيد العرب فى أى حرب عالمية قادمة }.. هكذا بلا خجل أو مواربة !! .

كيسنجر نفسه فى حديث له عام 2017 تحدث عن ضرورة إسقاط العقبتين : روسيا وإيران ، على يد أمريكا وإسرائيل ، وذلك { .. لتتمكن أمريكا الماسونية من بناء عالم جديد لن يكون فيه مكان سوى لحكومة واحدة تتمتع بالقوة الخارقة } .

ومن ضمن نبوءاته تلك : { الحرب العالمية على الأبواب ، وإيران ستكون هى ضربة البداية فى تلك الحرب التى سيكون على إسرائيل خلالها أن تقتل أكبر عدد ممكن من العرب وتحتل نصف الشرق الأوسط}.. مرة أخرى إبادة العرب !!.

  الكورونا وباء معظمه مبالغات وأقله مرض قاتل . ولكن تأثيراته المالية يصعب حصرها ، ولن تكون مسبوقة فى أى كارثة عالمية بما فيها الحروب العالمية . أما خسائر الأرواح من المرض نفسه فهى حتى الآن قليلة بحيث لا يمكن أن يسمى (وباء) أو حتى “جائحة” حسب بلاغة منظمة الصحة العالمية. إذ يستحيل قياسة بوباء الإنفلونزا الأسبانية التى ظهرت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى وتسببت فى مقتل 50 مليون إنسان بينما الحرب العالمية نفسها أهلكت 20 مليوناً فقط !! .

 

 

 كورونا :  فوضى عالمية تمهد لحكومة عالمية .

بعد زوال التأثيرات الطبية للكورونا ، من المتوقع حدوث إضطرابات إجتماعية عنيفة نتيجة الجوع والفقر الذى أحدثه ـ أو فاقمه ـ الوباء كنتيجة متعمدة لسياسة الإعتقال المنزلى لمعظم سكان العالم . فمواطنو الطبقات الوسطى سيهبطون إلى مرتبة الفقراء . والفقراء أنفسهم أمامهم طريقان للموت: إما الإستسلام للموت جوعا ، أو الموت وهم يحاولون الحصول على أى طعام من أى مصدر كان . سيأكل الناس بعضهم بعضا(بالمعنيين الحرفى والمجازى) وتعم فوضى عارمة.

بعض الفوضى ستتوجه صوب(الأنظمة) التى ستحصل على دعم “دولى” حقيقى فى التصدى المسلح لشعوبها، أى لإبادتها فى حقيقة الأمر . كما ستتلقى قروضا من بنوك اليهود فى مقابل التنازل عن ثروة بلادها وسيادتها .. ودينها !!.

ومؤخرا تنبأت ـ هيئات دولية بإضطرابات إجتماعية وسياسية فى بلدان العالم الثالث ومن بينها بلاد العرب . ليس بتأثير مرض كورونا ـ بل بتأثير إعتقال البشر وقطع أرزاقهم وتحطيم حياتهم ، بدعوى حمايتهم من فيروس”شبح” لا يكاد “العلماء” يقطعون بشئ من أمره ، ولا يعرفون له علاجاً ولا لقاحاً !!.

 

 

أمريكا والصين ، مباراة “بنج بونج” بالفيروسات .

يجزم البعض بأشياء كثيرة مرعبة ـ مثل أنه وباء”عنصرى ـ يستهدف أجناسا بعينها” ، مصنوع مخبريا وتم نشره فى أماكن مدروسة بدقة ، وأن طبيعته متبدلة ، وأن فيروسات أخرى دخلت إلى الخدمة العالمية فى نفس الفترة ، وجميعها (مستحدث) وله طبيعة مختلفة . وأن حرب الكورونا بدأتها أمريكا ضد الصين فى “ووهان” ، فردت الصين بضربة (ربما فى نيويورك). وهكذا دخلت الدولتان فى مباراة (بنج بونج) الكرة فيها “فيروسات” الكورونا ، والطاولة كامل ساحة البلدين مضافا إليهما أوروبا (المنافس الإقتصادى الأكبر بعد الصين الذى يتحدى الإستفراد الأمريكى بإقتصاديات العالم ، وإدارة الدنيا).

وكما بدأت علاقات البلدين بمباريات (البنج بونج) التقليدية ، سوف تدخل العلاقات فى مرحلة نوعية جديدة، بمباراة غير تقليدية بحزمة من فيروسات كورونا . هذا إذا لم تنفلت قوانين اللعبة أو أن يحاول أحدهما تغييرها أثناء المباراة.

– حكومة أمريكا مرشحة صهيونياً لتكن هى (حكومة العالم)، ولكن القوة الفعلية والإدارة الحقيقية ستكون للمرابين اليهود . فالحكومة الأمريكية ستخرج من أزمة كرونا مدينة أيضا أو ذات عجز هائل فى الميزانية ، وفى حاجة إلى مزيد من الترليونات لتضاف إلى دينها العام الذى تجاوز 20 ترليون دولار .

ستنفق الحكومة الأمريكية 100 مليار دولار على هامش أزمة الكورونا، ولديها أكثر من 22 مليون عاطل ـ ومثلهم من طالبى إعانة البطالة/ كل ذلك مشفوعا بعبارة (للمرة الأولى). أذن إنطمست إنجازات ترامب الإقتصادية التى باهى بها الأمم ، وأشبع شعبه مناً وأذى .

 

 

إسرقوا العرب :

فى ظل الأزمة المالية ، أمام الحكومة الأمريكية وأمام ترامب المتهالك على الرئاسة ، تبدو عملية السطو على نفط السعودية والخليج أمراً لا مفر منه.

ولا يحتاج ترامب إلى إختراع حجج جديدة، فهو قد حذر الأبقار بأنه سوف يذبحهم بعد أن تجف ألبانهم. الآن وقد جف كل شئ ، سيعود النفط وبلا مواربة أو نفاق إلى مالكه الأمريكى . الغزو الأمريكى قادم ، ورأس الرمح قد يكون (بلاك ووتر)!!. وبن دحلان قد يصبح من النخبة السياسية فى القطاع اليهودى الجديد ، بعد أن كان مجرد عنصر من المستعربين ، وضابط إرتباط بين بن زايد والموساد.

حتى إحتلال “الخليج” سيكون إستخباري (CIA & موساد) والجيش الأمريكى مجرد عصى غليظة للتخويف . والصناعة الوحيدة المرخص بها فى جزيرة العرب ستكون صناعة الترفيه الداعر بإدارة آل سعود .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

19-4-2020

 

بين CIA و الجيش الأمريكى صراع أفغانى أم عالمى ؟؟

 




الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي

الصراع في أفغانستان بين CIA و الجيش الأمريكي

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الخامسة عشر – العدد ( 170 ) | شعبان 1441 هـ / أبريل 2020 م .

09/04/2020

الصراع في أفغانستان بين CIA  والجيش الأمريكي

 

العناوين: 

– CIA  والجيش الأمريكي يتبادلان الضربات تحت الحزام في أفغانستان.. وطالبان تستفيد.

– الجنود ليسوا ضمن اهتمام المفاوض الأمريكي بل الخريطة الجديدة لصناعة الهيرويين. فعدد الجنود قليل ولا يبرر الاهتمام بهم، والمرتزقة بحكم القانون ليسوا جنودا أمريكيين .

{ العائدون من أفغانستان } في نسختهم الأمريكية :

2000  جندي أمريكي، بلادهم ليست جادة في التفاوض على انسحابهم .

ويشكلون خطرًا اجتماعيًا وأمنيًا في حال عودتهم .

– الوضع في أفغانستان خرج عن السيطرة الأمريكية فظهرت دعوات لتوريط الهند وتركيا.

المجاهدون: لا ينقصنا في كابول سوى رفع أعلام الإمارة الإسلامية .

– الفشل العسكري في أفغانستان والشرق الأوسط جعل السلاح الأمريكي بائرًا ولا يوزع إلا بالتهديد والعقوبات .

– تراجع دور الجيش في هرم السلطة الأمريكية، وبفعل السياسة أصبح عاجزًا عن تحقيق انتصارات، فتحوّل إلى قنبلة محتملة في حرب أهلية متوقعة داخل الولايات المتحدة .

– الجيش يهين ترامب في العيد الوطني، وترامب يرد بسرقة  مليارات من ميزانية الجيش ليبني جدارًا عازلا على حدود المكسيك !! .

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

تتشابه كثيرا الظروف التي يواجهها شعب أفغانستان الآن مع نظيرتها عندما أوشك الحكم الشيوعي في كابل على الانهيار في أبريل 1992 .

كان النظام يتداعى ويتحلل داخليا بينما الإسناد الخارجي له قد بلغ ذروته . وفي الوقت الذي اقترب  فيه المجاهدون من الانتصار الكامل كانت الحملة الدولية ضدهم على أشدها. وكان لتلك الحملة أصداء قوية داخل أفغانستان، وأثرت نفسيًا على الشعب، بل استجابت “الأحزاب الجهادية” للحملة وروجت لأهدافها، وأهمها الدخول في مفاوضات مع النظام الشيوعي لتشكيل حكومة مشتركة، بحيث يمتنع قيام حكم إسلامي في أفغانستان.

حتى أقرب “الأصدقاء” في الخارج كانوا ينادون بإيقاف الجهاد والتفاوض مع نظام كابول.

وجاءت الدعوة إلى ترك الجهاد ومشاركة الشيوعيين في الحكم، من شخصيات عربية محسوبة على العلماء وطلاب العلم. فطلبوا من المتطوعين العرب العودة إلى بلادهم لأن الجهاد قد انتهى، وأن القتال الدائر في أفغانستان أصبح “فتنة “!! .

حتى أن”صبغة الله مجددي”، رئيس الحكومة المؤقتة لأحزاب المجاهدين كان يهاجم حقاني بسبب حملاته العسكرية على الجيش الشيوعي في خوست وجرديز ومناطق أخرى من غزني وبكتيكا. وإمعانًا في محاولة إفشال الجهاد، تحولت الأحزاب “الجهادية ” إلى القتال على أساس عرقي بين البشتون من جهة وبين الطاجيك وحلفائهم من الأوزبك والهزارة .

وتصدر ذلك السباق المنحرف (حزب إسلامي) بقيادة حكمتيار ممثلا للبشتون، للقتال ضد (الجمعية الإسلامية) بقيادة رباني ممثلا عن الطاجيك . فكانا فرسا رهان في حرب الفتنة العرقية، التي سريعًا ما طغت على ساحة أفغانستان، وضعف في المقابل الجهاد ضد النظام الشيوعي وقواته العسكرية وميليشياته .

وكان الجيش السوفيتي قد انسحب من أفغانستان، وتبقى منه عدة آلاف من الخبراء يديرون بطاريات صواريخ سكود والطائرات الحديثة. وقد أفادت تقارير من جلال آباد باعتراض اتصالات لاسلكية تفيد بوجود طيارين هنود

– وعندما أوشك مولوي جلال الدين حقاني على إتمام تجهيزاته لغزو مدينة خوست ، وصله تحذير من “دولة صديقة”، بأن السوفييت أبلغوهم تهديدا بضربة نووية للمدينة إن استولى عليها المجاهدون. { وهذا قريب جدا لما يفعله المحتلون الأمريكيون الآن بتمرير تهديدات بتدمير كابول إن استولى عليها مجاهدو طالبان. كما كرر ترامب تهديدات بارتكاب إبادة جماعية فى أفغانستان يقتل فيها مئات الألوف ، قائلا : ” إنه لا يرغب في ذلك”.. بما يعني التهديد أكثر من النفي } .

 

دعوات لاجتذاب تركيا والهند إلى المستنقع :

وتجري محاولات لاجتذاب الهند إلى الغرق في المستنقع الأفغاني. وبتوجيه من المحتل الأمريكي تبذل حكومة كابول جهدا في هذا الصدد، وتبذل جهودا  مماثلة مع تركيا أيضا.

فبعد زيارة أشرف غني لتركيا قيل في كابل أن تركيا وعدت بإبقاء قواتها فى أفغانستان، بدون توضيح زمن محدد للتورط التركي. حيث لهم الآن 500 جندي في أفغانستان، وكانوا قد شاركوا في بداية الغزو بعشرة آلاف جندي. يقول نظام كابل أيضا أنه يجتذب تدخلا هنديا عسكريا إلى أفغانستان. وليس هناك ما يؤكد نجاح تلك المساعي، إذ لا يمكن تخيل مدى الكارثة الاستراتيجية التي قد تحل بالهند من جراء مثل ذلك التورط. ويُسْتَبْعَد أن تكون الهند غافلة عن ذلك .

– وتشير معلومات لدى مجاهدي طالبان إلى عمليات انسحاب لقوات أمريكية، وإخلاء بعض المواقع. فأجواء الفشل والانهيار تحيط (بالتواجد الأمريكي) العسكري منه والسياسي، حتى خرج الوضع في البلد عن قدرة الاحتلال على السيطرة. وبدأ يعاني من نفس الأمراض التي جاء لعلاجها، خاصة الفساد المستشري، والانهيار الاخلاقي، وتفكك الإدارة وانتشار التكتلات المصلحية بداخلها، ووقوف الأفيون خلف كل المظاهر السلبية التي فكّكت بنيان الاحتلال كما بنيان النظام المتهافت في كابول، الذي أصبح مجرد إئتلاف بين عصابات إجرامية تتقاتل وتتصارع أكثر مما تحكم. والبلد يسيطر عليها مجاهدو طالبان الذين تواجدوا في كل المدن الكبرى. وحسب قول مجاهدين: { لا ينقصنا في كابول إلا أن نرفع أعلام الإمارة الإسلامية  } .

إنه تواجد جهادي ــ قتالي واستخباري ــ داخل المعسكرات والقواعد العسكرية والوزارات الحكومية، والمؤسسات الخدمية، في تداخل لا يتيح للعدو أن يستخدام الأسلحة الثقيلة ناهيك عن سلاح الطيران. فالاشتباكات القادمة قد يدور معظمها بالسلاح الأبيض والأسلحة الخفيفة، وبعض المتفجرات .

هذا الوضع أرعب الاحتلال وأفقد ترامب ما تبقّى لديه من قليل عقل. فأخذ يهذي بتهديدات كبرى، لا يقدر عن تنفيذها أو تحمل تبعاتها الميدانية والدولية.

 

لماذا نحن هنا ؟ :

سؤال يؤرق الجيش الأمريكي في أفغانستان، من أدنى المراتب إلى أعلاها . فأسباب وأهداف الغزو اتضح أنها كاذبة، و مستحيلة التنفيذ. فالقضاء على تنظيم القاعدة ظهر أنه شعار زائف لأن أفغانستان لم يعد بها “قاعدة” أو أي تنظيم عربي آخر. وقد كان من المفترض أن يكون اغتيال بن لادن عام 2011 نهاية رسمية لهدف القضاء على تنظيم القاعدة .

أما طالبان فقد اتضح أنهم (كل شعب أفغانستان)، وأنهم منحوتون من صخور الجبال، منسابون بين رمال الصحاري، حارقون مثل صواعق السماء .

لم يكن ممكناً أن يوضح البيت الأبيض حقيقة أهداف غزو أفغانستان، وأنها في الأساس للسيطرة على محصول الأفيون ــ الذي كان قبل أن توقف زراعته الإمارة الإسلامية ــ الأكبر من نوعه في العالم . الهدف التالي كان تمرير خطوط نقل الطاقة (نفط وغاز) من آسيا الوسطى إلى الهند، وللتصدير من ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب. وبعد ذلك تأتى ثروات معدنية هائلة كامنة في أرض أفغانستان تبلغ قيمتها المعلنة ترليوني دولار، وقيمتها الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، ناهيك عن القيمة الإستراتيجية للعديد من معادنها النادرة التي تتحكم في الصناعات الحديثة .

ولما كانت حرب أفغانستان صعبة وقاسية، ولا يمكن للقيادة الأمريكية في البيت الأبيض أن تشرح لجيشها الأهداف الحقيقية لتلك الحرب. فلم يكن الجيش الأمريكي قادر على الاستمرار في مثل ذلك الوضع الشاذ بدون أن تتعرض معنوياته للانهيار.

وفى هذه الحالة قد يصبح الجيش مصدرًا للمتاعب داخل الدولة الأمريكية نفسها، ورافدًا هامًا لحرب أهلية بات كثيرون حتى الرئيس الأمريكي ترامب يتوقعها، بل ويهدد بوقوعها إن أزاحه أحد عن كرسي الرئاسة “!!”. يحدث ذلك في أكبر ديموقراطية في العالم، وليس في أحد مزابل العالم الثالث .

فكان قرار البيت الأبيض ــ الذي تكتم عليه أوباما وأفصح عنه ترامب ــ هو تجنيب الجيش الأمريكي تلك الحرب، وتولية قيادتها للمخابرات المركزية الأمريكية. وللجيش مهام محدودة داخل ذلك الإطار، ولكنه ليس من يدير الحرب أو يتولى معاركها الهامة .

إنه قوة إسناد، وأحيانًا قوة طوارئ. الخطوة الكبرى والمتهورة اتخذها ترامب بأن أعطى توكيل الحرب كصفقة أعمال لشركات المرتزقة، خاصة شركة(بلاك ووتر) المملوكة لصديقه (إريك برنس)، الذي نقل  مقر إدارة شركته إلى أبوظبي لتوافر التمويل.

وتتحمل الشركة معظم المهام القتالية وتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان . وحسب قيادات جهادية في أفغانستان فإن للشركة ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل مرتزق من جنسيات مختلفة، بما فيهم إسرائيليون وأمريكيون . بينما انخفض تعداد جنود الجيش الأمريكي إلى حوالى ألفي مقاتل فقط . وتدعي القيادة الأمريكية كذباً أن لها 14 ألف مقاتل ، للتهويل على الإمارة الإسلامية وابتزاز تنازلات جوهرية ضمن تسوية سياسية تؤدي إلى إفشال الجهاد وإحباط أهدافه. وتشير جولات التفاوض إلى عدم وجود نية أمريكية حقيقية لسحب جنودها القلائل المنسيون هناك.

الجيش الأمريكى شاهد زور ، وصاحب دور ثانوي في حرب هي تجديد أو استمرارية لحروب الأفيون في القرن التاسع عشر التي استهدفت الصين وحولت الهند إلى مزرعة عظمى للأفيون تديرها (شركة الهند الشرقية البريطانية). أي مستعمرة قطاع خاص وحرب أفيون عظمى كانت أهم ما يدور في قارة آسيا من أحداث. وبالمثل هي حرب أفغانستان الحالية، تجديد لحرب قطاع خاص، محورها الهيروين ( وليس الأفيون الخام مثل السابق ).

والجيش الأمريكي لا يجد له دورًا عسكريًا يدعو إلى الشرف أو الفخر، فانخرط الجنرالات في لعبة الهيروين لحسابهم الخاص. وفعل الجنود ما يمكنهم فعله ضمن هذا الإطار، فتعاملوا مع الهيروين، ومع تجارة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، بيعاً وتأجيراً .

ومع صناعة وتهريب الهيروين تنبت تلقائيا صناعة تبيض الأموال وتهريبها . فتداخلت مجالات أعمال الجيش الأمريكي مع مجالات المخابرات المركزية. فاشتعل صراع خفي بلغ أحيانا درجة الخطورة . خاصة عندما تعمد كل طرف أن يخرب ما يفعله الطرف الآخر ، فيكشف أعماله للعدو (طالبان) ، أو يطلق أعوانه المحليين لضرب أعوان الطرف الآخر وتقطيع خطوطهم، وكشف أسرارهم على الملاً. وتلك أعمال يحرقها الضوء ، ولا تنمو وتنجح إلا في الظلام التام .

بعض شرارات تلك الحرب الخفية ـ تنخرط فيها بالضرورة حكومة كابول ، خاصة الجيش والاستخبارات، كل منها خلف كفيله أو نظيره الأمريكي. مثل واقعة الحكم بسجن مدير مكافحة المخدرات في شرطة كابول، ويدعى (ميا أحمد)، لمدة 17 عاما عقاباً على “تواطؤه ” مع مهربي المخدرات. وأحكام أخرى على موظفين كبار في شرطة كابول بتهم مماثلة. متحدث باسم خارجية كابول قال أن “ميا أحمد” كان أحد كبار مهربي كابول، و يأخذ الإتاوات من تجار المخدرات. وتلك مجرد شرارة سطعت من حريق كبير يلتهب تحت الأرض. ويمكن اعتبارها ضربة غير مباشرة موجهة إلى المخابرات الأمريكية CIA قادمة من جنرالات جيش الاحتلال الأمريكي. وكلاهما يدرك أن انتصارهم في أفغانستان هو المستحيل ذاته. وأن البحث عن المصالح الشخصية هو الخيار الأمثل .

– وبينما يفتقر الجيش إلى برنامج يرتبط بخدمة الوطن الأمريكي، فإن CIA يمكنها الادعاء بامتلاك مثل ذلك الدليل الوطني ـ إلى جانب واجب خدمة الأهداف الشخصية لكبار المسئولين .

هدف CIA متطابق مع رؤية البيت الأبيض، وهو الانتقال إلى الخطة البديلة لحرب الهيروين بعد أن خسروا حرب أفغانستان ومعها الخطة الأساسية لحرب الهيرويين الذي تمثل تجارته أعظم دخل مالى للاقتصاد الأمريكي، والبنوك العظمى لغسيل الأموال .

الجيش الأمريكي تحول إلى عبء وعنصر معرقل لاندفاعة المخابرات الأمريكية في أفغانستان. وحكومة كابول العاجزة رغم جيشها الذي كلف الخزينة الأمريكية حوالي 68 مليار دولار، وأشرف الجيش الأمريكي على تدريبه وتسليحة ، ومع هذا لا يمكنه حتى الدفاع عن نفسه، بشهادة جنرالات وخبراء أمريكا.

الميليشيات المحلية بأنواعها المسلحة والممولة من ميزانية الجيش الأمريكي، تعمل لمصالحها الخاصة كعصابات إجرامية، ولا تحمل أي نظرة سياسية لقتالها.

– صحيفة التايمز البريطانية (في يوليو 2009) قالت ما يلي : تعداد القوات الأجنبية في أفغانستان 80 ألفاً . وإذا تمكنت في السيطرة على بعض المناطق التي تحت يد المجاهدين فإن قوات حكومة كابول لا تستطيع المحافظة عليها والبقاء فيها، لذا فإن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان لا فائدة فيه } .

وبدلا عن ذلك زادت الولايات المتحدة تعداد قواتها من 80ألف إلى 120 ألف جندي .

وفي نفس العام قال الجنرال ماكريستال ـ قائد القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان:

{ إن طالبان تمتلك اليد الطولى في أفغانستان حاليا وهو ما اضطر واشنطن إلى تغيير استراتيجيتها هناك عبر زيادة عدد قواتها !!}.

– بريطانيا ــ أقرب حلفاء أمريكا إليها في أفغانستان حتى ذلك الوقت ــ كان لنواب البرلمان هناك رأيا آخر ، لذا قالوا (في عام 2009 أيضا ) :

{ إن المهمة العسكرية الدولية في أفغانستان لم تحقق النتائج المرجوة بسبب انعدام الاستراتيجية المبنية على الحقائق التاريخية لهذا البلد، وأن المجهود الدولي في أفغانستان منذ 2001 أعطى نتائج أقل مما كان مأمولا فيه، وقد ضعف تأثيره كثيرًا نظراً لانعدام الرؤية والاستراتيجية المتماسكتين المبنيتين على حقائق التاريخ والسياسة والثقافة في أفغانستان }  .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

الجيش الأمريكي ضحية البيت الأبيض :

الجيش الأمريكي يكرر في أفغانستان المأساة التي تعرض لها الجيش الأحمر الذي تحمل وزر قرار القياده السياسية العليا بإرساله إلى أفغانستان في حرب قال عنها العسكريون قبل غيرهم أنه يستحيل الانتصار فيها .{ وكرر الأمريكيون خطأ السوفييت في حدوث صراع مرير بين الجيش والاستخبارات} .

وعندما وقعت الهزيمة وانسحب الجيش الأحمر تخلى عنه السياسيون . ولم يستقبله أحد منهم عند دخوله الحدود السوفيتيه عائدًا من أفغانستان. قائد “الجيش السوفيتي الأربعين” المنسحب تحدث بمرارة عن تلك التجربة وعن تقصير القيادة السياسية في حق الجيش الذي تحمل تبعات فشلها .

عمليا يبتعد البيت الأبيض ورئيسه ترامب عن الجيش تلافيا للفضيحة العسكرية في أفغانستان . فتقرب ترامب أكثر إلى جهاز الإستخبارات CIA ـ ووضع وزارة الخارجية تحت سلطة المخابرات باختياره مديرها (بومبيو) وزيرا للخارجية .

فتحولت CIA إلى أداة في يد البيت الأبيض لحكم الشعب الأمريكي، وشعوب الأرض جميعا عبر وزارة الخارجية التي يمتلكها الجهاز الذي صار يحدد طريقة التعامل مع دول العالم و أسلوب سيطرة أمريكا على شعوب الأرض .

– جاء تهميش الجيش الأمريكي، وتراجع مرتبته في سلم السلطة، وتحميله مسئوليات الخطأ التاريخي للقيادة السياسية في البيت الأبيض بغزو أفغانستان، مع الفساد الذي نخر عظامه هناك، ليتحول الجيش إلى قنبلة موقوتة داخل الدولة الأمريكية، محتضنا مشروع انقلاب على النظام، أو أن يتحول أفراده العائدون من الخدمة إلى قنابل أمنية في مجالات الإجرام والانخراط في الميليشيات المسلحة التي تنتشر بالمئات في الولايات المتحدة. وآخرون سيعملون لصالح مجموعات الإجرام المحلية، أو لأنفسهم في عمليات المخدرات والسطو.

 

ترامب يسرق من ميزانية الجيش :

الصراع بين ترامب وجيش الولايات المتحدة يشبه جبل من الجليد الغاطس في مياه المحيط، وأول ما ظهر للعلن كان الصدام المكتوم بين الطرفين في احتفالات عيد الإستقلال في الرابع من يوليو 2019 . وهو إحتفال تقليدي ذو طابع مدني، ولكن ترامب ولأجل النفخ في شعبيته أراد إضفاء طابع عسكري إمبراطوري على الاحتفال، الأمر الذي أغضب قيادات الجيش فقاطع معظمهم الاحتفال . ومن بين خمسة آلاف موظف في البنتاجون استلموا بطاقات دعوة، حضر منهم 800 فقط ، في خطوة أعتُبِرَت “إزدراءً ” بالرئيس . وصرح قادة عسكريين أن ترامب يحاول تسييس الجيش لصالح أهدافه الإنتخابية .

أحد ردود ترامب على الإهانة كان سَطْوِه على 3,38 مليار دولار من ميزانية الجيش للإنفاق على بناء سور عازل بين بلاده والمكسيك . ترامب أراد في البداية أن يكون بناء السور على نفقة المكسيك نفسها ، وذلك مطلب مهين ومستحيل التنفيذ . ولم يكن ممكناً تمويل بناء السور من الميزانية الأمريكية في وقت تعانى فيه من أزمات وضغوط كثيرة ومعارضة عنيفة في الكونجرس خاصة وأن المبلغ المطلوب هو 18 مليار دولار . ترامب بطبيعته الفاشية فكر في إعلان (حالة الطوارئ) للحصول على تمويل رغما عن الجميع . لكن المعارضة الداخلية كانت أعنف مما توقع .. فتراجع عن “مشروع الإنقلاب” .

ثم وجد الحل العبقري الذي يحقق له بناء الجدار العازل، مع تحقير الجيش وإلزامه بالحدود المتدنية التي رسمها له ، كمجرد فزاعة وقوة إحتياط لحروب المخابرات المركزية حول العالم.

فالجدار العازل مع المكسيك هو مشروع له ارتباط قوى مع المخابرات المركزية، ليس لحماية الحدود من عمليات تسلل المهاجرين غير الشرعيين كما تدعى الحكومة ، ولكن لعرقلة تهريب المخدرات من المكسيك إلى الولايات في تجارة تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وذلك يمثل إخلالا بمسئوليات المخابرات المركزية فى السيطرة على سوق المخدرات داخل الولايات المتحدة، وهو السوق الأكبر من نوعه فى العالم، فذلك يعنى خسارة مالية كبيرة . لكن الأهم هو ما يحدثه من خلل في خطط المخابرات المركزية لتوزيع المخدرات داخل الولايات المتحدة طبقا لاعتبارات اجتماعية مرتبطة بالسياسة الداخلية ، والنظرة العرقية والدينية والطبقية للمجموعة الحاكمة في الولايات المتحدة، وهي قلة معدودة تمتلك معظم الثروة وكل القرار السياسي في الداخل الأمريكي .

حل مشكلة تمويل الجدار جاء على حساب الجيش الأمريكي، وخصمًا من التمويل المخصص للبنتاجون (وزراعة الدفاع) . فاعترض الكونجرس الأمريكي على القرارــ سواء الجمهوريين أو الديموقراطيين ــ بإعتباره خطوة غير دستورية ، وإن ترامب”يسرق أموال الجيش” المخصصة للتسليح والتطوير ، لتحقيق وعود إنتخابية سابقة .

الجيش الأمريكي يتلقى إهانات متواصلة من البيت الأبيض المتحالف مع CIA ولكنه يبدى ردات فعل ملحوظة في المجال الأفغاني ومرشحة للاتساع في ميادين أخرى، لإحراج التحالف (السياسي/ الاستخباري) داخل البيت الأبيض، الذي يهين الجيش محملا إياه أخطاء هو غير مسئول عنها ، رغم أنها أخطاء تظهر في سورة فشل عسكري في العديد من الميادين ، وعلى شكل هزيمة كاملة فى الميدان الأفغانى تحديدا.

 

تجارة السلاح ضحية للفشل العسكري :

الفشل العسكري ـ أيا كانت الجهة المسئولة عنه ـ أثر سلباً على طلبيات شراء السلاح الأمريكي. ولولا أسلوب الإبتزاز والسيطرة على حكومات ثرية، لأصبح السلاح الأمريكي بائراً نظراً لعدم قدرته على “الإنتصار” فى ميادين يدور فيها صراع عسكري مرير، في أفغانستان والشرق الأوسط . لقد مرت سنوات كثيرة بدون انتصار أمريكي، وبهزيمة واضحة في (أفغانستان ) وهزيمة مستترة في المشرق العربي (العراق ـ سوريا ـ اليمن).

فاضطرت الحكومة الأمريكية إلى تهديد الحلفاء بفرض عقوبات اقتصادية عليهم إن هم تحولوا إلى شراء السلاح الروسي المنافس. مثل تعرض تركيا ــ العضو في حلف الناتوــ إلى ضغوط شديدة وتهديدات حتى توقف صفقة صواريخ 400S مع روسيا.

نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي هدد المكسيك بفرض عقوبات اقتصادية عليها إن هي اشترت مروحيات عسكرية من روسيا ، وقال أن العقاب قد يتم وفقا لقانون “مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات “.

وهكذا .. فإن شعار(أمريكا أولا) يعني تمزيق القانون الدولي والدوس على كرامة الدول وحقوق الإنسان . فشعار (أمريكا أولا) يعنى ضمناً (الإستخبارات الأمريكية أولا) . بينما أقوى جيش في العالم يعيش مهاناً مهيض الجناح أمام التحالف السياسي/ الاستخباري، الذي يحكم أمريكا والعالم من داخل البيت الأبيض .

 

الجيش الأمريكي يواجه الإحباط بالانتحار :

من مظاهر الانكسار التي يعيشها الجيش الأمريكي، حالات الانتحار المتزايدة في صفوف العسكريين. وفي أرقام نشرت بشكل غير رسمي يتضح أن حالات الانتحار في سلاح الجو الأمريكي في عام2019 قد بلغت مستوى قياسيًا هو الأعلى منذ ثلاثة عقود. الأرقام المسربة من سلاح الجو تشير إلى 84 حالة انتحار في عام (2019). بينما البيانات السابقة التي نشرها البنتاجون تشير إلى أن حالات الانتحار في سلاح الجو عام2015 قد بلغت 64 حالة، وصفت وقتها بأنها الأعلى في سلاح الجو خلال هذا القرن !! .

ولكن بيان رسمى صدر منذ حوالي 11 عاما، وتحديدًا في شهر أغسطس عام 2009 ، قال أن معدلات الانتحار بين الجنود كان هو الأعلى خلال30عامًا . صدر البيان في أعقاب فشل أكبر حملة عسكرية للجيش الأمريكي بعد الحرب الفيتنامية شنها على أقليم هلمند شارك فيها4000 جندي أمريكى عدا الحلفاء والجيش المحلي. فهل تصلح تلك الحملة كتبريرلارتفاع نسبة (الانتحار) في ذلك العام؟.

أرقام أخرى صدرت في نفس العام (2009) تقول بأن 300,000 جندي أمريكي ممن خدموا في أفغانستان والعراق يعانون من نوبات قلق ومشاكل ما بعد الصدمة. وأن 120,000 جندي ممّن حاربوا في أفغانستان والعراق يعانون من (أمراض عقلية) .

(يلاحظ أن 110 من الجنود الأمريكيين أصيبوا “بارتجاج في الدماغ !!” نتيجة للقصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد في العراق ـ في يناير 2020 ) .

إذن الدماغ الأمريكي سريع الإرتجاج ـ والجندي الأمريكي مريض عقليا ـ والانتحار في كل عام هو الأعلى من كل ما سبق.. إنها مؤسسة عسكرية محبطة ويائسة بفعل التعدي السياسي.  يقول جنرال في سلاح الجو الأمريكي يعمل في القوى العاملة والخدمات، أن الانتحار “مشكلة وطنية صعبة ودون حلول يمكن تحديدها بسهولة ” . وتلك مراوغة للتغطية على خطأ جسيم يرتكبه رؤساء أمريكا ــ تدعمهم الاستخبارات ــ بتوريط الجيش فى مهام غير محددة تتطور إلى حروب فاشلة وطويلة ، تنتهي بهزيمة تعود أسبابها إلى السياسة أكثر من تقصير القوة العسكرية .

– وفي أفغانستان تناور القيادة السياسية الأمريكية لأجل حل يضمن مصالحها المالية العظمى في تجارة الهيروين الدولية . غير مبالية بالجنود الأمريكيين الذين تبقى منهم حوالى ألفان فقط تخلت عنهم أمريكا لضآلة عددهم ، وهامشية دورهم، الضار أحيانًا بالمصالح الأمريكية .

– بينما المرتزقة ليسوا قوة أمريكية من وجهة نظر القانون الأمريكي، لذا لا تفاوض أمريكا على انسحابهم. والعدد الضئيل من جنود الجيش الأمريكي المهمشين قد يذوبون في مجتمع العاصمة كابول كباحثين عن عمل، أو متسولين لأجرة العودة إلى الوطن. ليصبحوا داخل بلادهم نسخة أمريكية من (العائدون من أفغانستان) .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 170 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الصراع في أفغانستان بين CIA والجيش الأمريكي