نحو إستراتيجية إسلامية لتحرير فلسطين

نحو إستراتيجية إسلامية لتحرير فلسطين ، و المقدسات الإسلامية ، و الجزيرة العربية

نحو إستراتيجية إسلامية لتحرير فلسطين ،

والمقدسات الإسلامية ، والجزيرة العربية .

 أربع خطوات إستراتيجية مقترحة من أجل تحرير فلسطين :

1 ـ العودة إلى الأصول .

2 ـ فتح المجال الجغرافى والبشرى { كل البلاد فلسطين ، وكل مسلم مجاهد}.

3 ـ أسلمة ثروات المسلمين .

4 ـ تحديد مسارح العمليات ، وترتيب أولوياتها ، ونوعيات النشاط فيها .

– الوحدة الإسلامية شرط أساسى لتحرير المقدسات ، والتحرر من الربا والتبعية الإقتصادية ، ولأسلمة ثروات المسلمين .

– الوحدة الإسلامية أكثر قربا الآن ، مع حماقة أمريكا وأزمة الغرب ، وتشكيل نظام دولى أسيوى، المسلمون من كبار صانعية . 

ــ المثلث الحديدى : الإقتصاد ـ السياسة ـ الحرب .

ــ الإقتصاد والإستراتيجية العسكرية .

ــ الإقتصاد فى موجة الجهاد الجديدة .

ــ قطاعات جهادية فرعية لجهاد أممى شامل .

ــ الصليبى .. والداعشى .

–  العلاقة بين القتال فى فلسطين ، والقتال فى جزيرة العرب ، والقتال فى العمق الإسلامى.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

جهاد مسلمى فلسطين حفظ تلك القضية من الإندثار فى زمن الإنحطاط العربى والتمزق الإسلامى . وقد دفع الفلسطينيون أثمانا باهظة لقاء جهادهم العظيم . إلا أنه غير كاف لتحرير فلسطين . حيث أن معركة فلسطين هى الشكل الأخير للحروب الصليبية بين الغرب والعالم الإسلامى ، الذى إنهزم وتفكك للمرة الأخيرة بعد الحرب العالمية الأولى .

إسرائيل هى رأس رمح الإستعمار الغربى . بينما شعب فلسطين لا يمثل إلا نفسه منعزلا أو متآمراً عليه من إخوانه العرب منسيا من أمته الإسلامية .

ستتحر فلسطين بمجهود طويل مستمر وجماعى . والمعركة الحاسمة ستكون فى ظل موازين دولية مختلفة (نظام دولى قادم ) لا يشكل فيه الغرب الإستعمارى قوة ساحقة مهيمنة دوليا . كما أن المسلمين سيكونون فى تحرك نحو الأعلى بمزيد من التلاحم والقوة المادية والدينية الصحيحة (غيرالوهابية) .

وتلك المسيرة طويلة وشاقة، وهى ضمن جهاد طويل صوب المعركة الفاصلة لتحرير كل فلسطين . وهى معركة مرتبطة عضويا بمعركة تحرير جزيرة العرب وما تحتوية من مقدسات أساسية للمسلمين ، ونعنى بها مكة والمدينة المنورة .

بعد وصول قضية فلسطين إلى وضع التصفية الشاملة الذى تقوده اسرائيل ، بإسناد من الولايات المتحدة وحمايتها العسكرية والسياسية ، وبتآمر علنى غير مسبوق من معظم الحكام العرب ، وبشكل خاص حكام السعودية ودول الخليج وعمان . الذين ظهر إنخراطهم الحماسى لتصفية القضية الفلسطينية ، وفتح أبواب السعودية والخليج أمام إسرائيل ، وسحب العرب والمسلمين إلى حرب بديلة مع إيران والشيعة العرب . ليس هذا فقط ، بل وتجريم ومعاداة ومحاربة كل أعداء إسرائيل، وكل من يهدد أمن الدولة اليهودية خاصة المجاهدين المقاومين .

 

الخطوة الإستراتيجية الأولى ــ العودة إلى الأصول .

المؤامرة على فلسطين مرت بخطوات مدروسة متتالية، حتى وصلت إلى مرحلتها الحالية التى من المفروض أن تكون نهائية بالنسبة لفلسطين ، وفتح ملف الضياع أمام الأمة الإسلامية جميعا بسيطرة إسرائيل على مكة والمدينة ، وبالتالى على الإسلام كدين ، وإحكام القبضة اليهودية على عقيدة الأمة ، بعد أن أحكموا قبضتهم على ثروات المسلمين ومزقوا وحدتهم السياسية وسيطروا على أنظمة الحكم لديهم .

أول المؤامرة على فلسطين كان بعزلها عن (الأمة الإسلامية) والإدعاء بأنها “قضية العرب” الأولى . وإنحدر الوضع فى خطوة تالية من القومية العربية إلى (الوطنية القطرية) فى كل بلاد العرب ، وأصبحت قضية فلسطين (قضية وطنية) للفلسطينيين (يتعاطف) معهم فيها إخوانهم المفترضون (العرب) .

وفى الأخير أصبحت فلسطين قضية شخصية مرتبطة بالزعيم ـ كما هى حال بلاد العرب الأخرى ـ فلا قومية ولا وطنية ، ولكن الذاتية المتورمة لدكتاتور يقف على قدميه بفضل الدعم الإسرائيلى والغربى . فأصبح الوطن يعنى الزعيم الأوحد الذى وضع كل شئ فى جيبه ــ كل الثروات وكل السلطات وجميع القرارات ــ وجميع الحاضر والمستقبل ، بقرار ذاتى لا شريك له من شعب ولا وازع من دين ، أوعقيدة من أى نوع .

 

الخطوة الإستراتيجية الثانية ــ فتح المجال الجغرافى والبشرى :

{ كل البلاد فلسطين ـ وكل مسلم مجاهد} .

ذلك هو الوضع المثالى ـ وهو غير موجود حاليا ـ ولكنه سيبدأ مهما كان محدودا، متجها صوب الشمول بمضى الوقت واحتدام الصراع .

ولو أن المسلمين تمسكوا بأوامر ربهم (تلك أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) لما وصلنا إلى هذه الحالة المناقضة تماما للأمر الإلهى . فمزق وحدتنا كل متجبر طاغية ، يخدم أعداء الأمة ويبطش بأبنائها ويحارب دينها .

إنحدرنا من القومية إلى الوطنية ثم إلى الفردية الطاغوتية ، بكل يسر وسهولة . وآن الوقت لوقف الإنحدار . ولا نتوقع نتائج سريعة حاسمة . بل نعمل على تغير بطئ متراكم . يتسارع بتصاعد الجهاد واحتدام المواجهات ،  ويهدأ أو حتى يتوقف إذا توقفت عملية الصراع .

 

–  كيف تصحو الشعوب ؟؟:

1 ـ تصحوا بفعل قيادة جامعة . أو قيادات ميدانية مؤقته تفرضها ظروف المعركة .

2 ـ وبفعل طليعة مؤمنة واعية ـ تدرك أبعاد رسالتها وتدرك الخطوط العامة لحركة إنبعاث الأمة حول فريضة الجهاد .تسعى نحو هدف أعلى هو تحرير المقدسات الإسلامية . مرورا بتوحيد الأمة تحت قيادة شرعية ذات دين ودراية ، قوة وأمانة (القوى الأمين) .

 

 

الخطوة الإستراتيجية الثالثة ــ أسلمة ثروات المسلمين .

المال المنهوب من الشعوب الإسلامية (الأمة الإسلامية) بواسطة الإستعمار الغربى المباشر أو غير المباشر(الإمبريالية)، أو بواسطة الإحتلال بالنيابة (الحكم الوطنى ـ للطاغوت الفرد المتورم ـ العسكري أو الملكى) ، كل ذلك المال ومهما كانت مساراته يصب فى النهاية فى خزائن البنوك اليهودية .

ونخص بالذكر الثروات الكبرى وفى مقدمتها النفط والغاز والمواد الخام الإستراتيجية مثل الحديد واليورانيوم والنحاس والماس..الخ . وفى صدارة كل ذلك الأفيون المنهوب من أفغانستان بقيمة غير محددة رسميا ، ولكنها مقدره بما يفوق الترليون دولار من قيمة الهيرويين المباع فى الشوارع بالتجزئة .

–  ما توفر من أموال لشعوبنا ينفق على شراء منتجات المستعمرين وفى مقدمتها السلاح (ضد من؟؟) . ثم الكماليات للأقلية المترفة ، ثم طعام للأغلبية العاجزة عن إطعام نفسها بفعل سياسات النظام الحاكم . كل المصروفات تذهب إلى البنوك العالمية مضافا إليها مدخولات الحيتان المحلية من نشاطات إقتصادية ضارة ، من التصدير والإستيراد مع المستعمر فى مبادلات عقيمة وغير متوازنة. إلى الإنفاق على إستيراد شبه رسمى للمخدرات (تعادل أحيانا ميزانية الدولة)، ونشاطات الإقتصاد المدمر والمنظم بتدخل حكومى فى مجالات ، مثل الدعارة والتهريب بأنواعه ، والإتجار فى البشر والأعضاء البشرية ، وسرقة الآثار وبيعها .. إلخ .

– ذلك النزيف المالى المتواصل يتوجب العمل على وقفه : إما بالاستيلاء على تلك الأموال ــ أو بمنع العدو من الحصول عليها بأى صورة ــ أو بإتلافها وتدميرها .

 

–  أسلمة الثروات الإسلامية ، وتعنى :

أولا ــ وقف إستيلاء الأعداء عليها بدون وجه حق .

ثانيا ــ توجيهها لبناء المجتمع على أساس العدالة والإكتفاء الذاتى فى الإحتياجات الحيوية ، كالطعام والدواء والسلاح والتعليم والصحة .

ثالثا ــ التبادل الإقتصادى مع الأمم الأخرى على قاعدة العدالة والتكافؤ .

رابعا ــ إيجاد مخارج للمأزق الربوى الذى وقعت فيه الإنسانية بفعل سيطرة اليهود على الإقتصاد والتجارة الدولية { وبالتالى السياسة الدولية ، أو ما يسمى بالنظام الدولى ، وما يستصحبه من حروب وتوترات لا تنقطع لأنها تجلب الربح للبنوك الحاكمة } .

– لا توجد معاملة إقتصادية صغرت أم كبرت ، ( سواء تمت فى الفاتيكان أو فى تل أبيب أو فى مكة المكرمة) ، تتم بمعزل عن الأساس الربوى ، الذى هو من الذنوب العظام فى الإسلام. ومع ذلك تأقلم عليه المسلمون وأصبحوا يتنفسون الربا مع كل درهم ، كما يتنفسون الكذب مع كل جملة “مفيدة” يسمعونها . ولا يفكر قادتهم الدينيين أو الدنيويين ، فى الخروج من التعامل الربوى حتى فى منامهم . وأقصى ما يمكنهم فعله هو تبريره أو التمويه عليه بشتى الحيل الشرعية والمصلحية .

 

الوحدة الإسلامية شرط أساسى لتحرير المقدسات ،

وللتحرر من الربا والتبعية الإقتصادية ، ولأسلمة ثروات المسلمين .

شعار الوحدة الإسلامية أصبح مستهلكا من كثرة الترديد ، بدون نية لفعل شئ . ومع ذلك فإن الظرف الدولى الراهن مع كل مساوئه ومخاطره يبدو مناسبا أكثر من أى وقت مضى منذ الحرب العالمية الأولى ، وما أسفرت عنه من تفكيك الإمبراطورية العثمانية ، ثم ما تلاها من كوارث بدأت بضياع فلسطين ولم تنته بتسلط أسوأ أنظمة الكون على بلاد العرب ، بشعارات كاذبة من قومية ثم وطنية . وظلت بلاد العرب مستعمرة بالنيابة ، ومعظم بلاد المسلمين كانت كذلك وما زالت .

حماقة القوة الأمريكية تدفع ، بدون قصد ، نحو نظام دولى جديد ـ آسيوى ـ عماده الصين ومعها الفريق المكون من روسيا والهند وإيران .

ثم دول أخرى مرشحة للإلتحاق من خارج آسيا . وحيث أن إيران من القوى الأساسية بصراعها مع الولايات المتحدة من أجل الإستقلال السياسى والقوة الإقتصادية والعسكرية ، فإنها عضو مؤسس للنظام القادم . وأفغانستان تأتى جغرافيا فى مركز ذلك التكتل كما أن صراعها المرير ضد الإحتلال الأمريكى ، جعل شعبها هو “المجاهد الأكبر” فى الصراع مع إسرائيل التى تعتمد أساسا على القوة الأمريكية ، بحيث أن أى هزيمة لأمريكا أو ضعف فى مكانتها، تحسب تلقائيا لحساب جهاد المسلمين لتحرير فلسطين . وجهاد شعب أفغانستان هو عنصر حيوى زلزل المكانة الأمريكية دوليا ، وكشف تهافتها العسكرى والسياسى والأخلاقى .

وجود أفغانستان وإيران فى مكانة متقدمة من التكتل الأسيوى / الدولى القادم ، يجعل منهما معاً نواة قوية لتجميع مسلمى وسط وجنوب آسيا فى إطار قوة إسلامية أو تكتل إسلامى ـ له آليات عمل وتنسيق مستقل ـ ومتناغم مع النظام الجديد (الأسيوى /الدولى) .

من إيران وأفغانستان ومسلمى آسيا الوسطى يمكن بلورة “كونفدرالية ” ـ إتحاد أوَّلي ـ يفعل الكثير للسير قدما بالوضع الإسلامى العام ، بما فيه الجهاد من أجل تحرير المقدسات الإسلامية المغتصبة .

تلك “الكونفدرالية ” يمكنها أن تطور نظاما إقتصاديا إسلاميا متكاملا . وتنسيقا سياسيا يمكن أن يتطور إلى تعاون أمنى ودفاعى إسلامى، يكون التخلص من التبعية للربوية الدولية على رأس الأولوياته الإقتصادية ، والتخلص من تحكم العملات الإستعمارية وإستبدالها بعملة إسلامية موحده أو حتى آسيوية موحدة ـ مع نظام مقايضة للسلع بعيدا عن العملات جميعا إلى حين الإستقرار على وضع مالى ثابت وعادل ، وغير ربوى داخل النظام الأسيوى الكبير .

–  بحكم التطور الدولى يقترب شعار التوحيد الإسلامى من إطاره الواقعى . ولا ننسى أن إنشاء إسرائيل جاء نتيجة تطور الوضع الدولى لصالح الغرب الإستعمارى الرازح تحت الهيمنة الإقتصادية الربوية لليهود . ولم يكن ممكنا للمسلمين مقاومة ذلك الزحف الإستعمارى /اليهودى بعد هزيمتهم الكبرى فى الحرب العالمية الأولى وتنامى صعود الغرب وقدراته العسكرية والإقتصادية والسياسية وتنامى الضعف العربى والإسلامى بشكل مضطرد، وتخبط محاولات الصحوة بحيث تحولت إلى كبوات وكوارث متلاحقه ، وسقوط فى هوة لا قرار لها ، بعد أن هيمنت السعودية بدولاراتها النفطية على جميع التحرك الإسلامى تقريبا . فقادته إلى مهاوى الفشل حتى أصبحت الوهابية هى(الإسلام السنى). وبضغط من الإحتياجات الأمريكية حملت الوهابية السلاح ، فصارت الداعشية الإجرامية هى أعلى مراحل تطور الوهابية.

وغنى عن القول ، أن المعلوم بالضرورة لدى المسلمين الآن هو أن التحرر من “الوهابية ” ومشتقاتها يعد الشرط الأساسى للنهضة الإسلامية القادمة ، والسعى نحو الوحدة والتحرير .

فلدى المسلمين الآن معركة كبرى من أجل إسترداد المقدسات الثلاث : مكة والمدينة والقدس. ويَلزَم ذلك بالضرورة إسترداد جزيرة العرب وتحريرها من الصهاينة الحاكمين (أشباه العرب/ أشباه المسلمين/ أشباه الرجال)، ومن أنظمة هى رمز الذل والفساد والولاء لليهود .

 

الخطوة الإستراتيجية الرابعة ــ

تحديد مسارح العمليات ، وترتيب أولوياتها ، ونوعيات النشاط فيها .

من المفترض أن تكون بلاد المسلمين جميعا مسرحاً لعمليات من أجل تحرير المقدسات. بنشاطات تبدأ بالدعوة والتوعية وتصل إلى الجهاد بالسلاح .

عملياً ستكون بعض البلاد ذات أهمية عاجلة أكثر من غيرها . فمثلا البلدان المعنية مباشرة بالمقدسات ستكون ذات أولوية وأهمية قصوى : مثل فلسطين نفسها وجزيرة العرب كلها من حدود الشام إلى شواطئ المحيط الهندى جنوب جزيرة العرب .

ويمكن تقسيم ذلك المسرح الكبير إلى ثلاث قطاعات فرعية :

الأول : فلسطين .

الثانى : الحجاز وجزيرة العرب .

الثالث : اليمن وعمان ( ومن المنطق السليم أن تضاف الصومال أيضا ، الذى هو إستراتيجيا الجناح الأفريقى لليمن ، التى هى الجناح الأسيوى للصومال . وتاريخيا الشرق الأفريقى كان معظمه جزءا من إمبراطورية عمانية ).

ولكل قطاع فرعى برنامجه الخاص ، الذى يبدأ بالتوعية والدعوة ، ويرتفع وصولا إلى الجهاد المسلح طبقا لإستراتيجية عسكرية متدرجة .

 

 

المثلث الحديدى : الإقتصاد ، السياسة ، الحرب :

المؤرخ العسكرى كلاوزفتز هو مكتشف العلاقة بين السياسة والحرب وأنهما شئ واحد ذو صورتين مختلفتين ، فقال { إن الحرب والسياسة وجهان لعملة واحدة }. كان ذلك فى أعقاب حروب نابليون فى أوروبا . ولكن حروب أوروبا الإستعمارية فى العالم منذ ذلك الحين ، أكدت بعداً ثالثا يقول : { إن الحرب والسياسة والإقتصاد ، ثلاث تعبيرات لحقيقة واحدة } .

فحروب الإستعمار لم تنفصل أبدا عن الإقتصاد . فهى عموما إما للحصول المجانى على المواد الخام ، أو لفتح أسواق للصناعات الغربية . أو لمجرد جنى مكاسب مالية كبيرة كما هى حربى الأفيون الأولى والثانية ، ضد الصين ، ثم حرب الأفيون الثالثة ضد أفغانستان .

هناك العنصر أيدلوجى فى الحرب ، يقف خلف إستيلاء الغرب على فلسطين والخليج وجزيرة العرب . ولكن الأيدلوجية عندهم هى / بوابة مخفية /لأطماع إقتصادية واسعة .

– بالنسبة لشخصية اليهودى فإن الهدف الإقتصادى يأتى على رأس أولويات الحياة لديه. فهو يفضل أن تزهق روحه ، على ألا تؤخذ محفظة نقوده . والغرب الإستعمارى ـ خاصة الولايات المتحدة ـ له ذهنية صهيونية ـ لذا يأتى عندهم المال أولا. كما أن الحروب بالوكالة سهلت لهم خوض حروب إقتصادية بدماء الآخرين من المرتزقة ومحترفى الإجرام ، أمثال الدواعش وإخوانهم من شركات المحترفين على منوال “بلاك ووتر” .

ــ بالنسبة للمجاهدين فى ميادين المواجهة مع اليهود والأمريكيين وباقى القطيع الإستعمارى ، فإن العنصر الإقتصادى يجب أن يحظى بأولوية ، بحيث يكون الصدام الدامى وسيلة لإغلاق مورد إقتصادى فى وجه العدو ، أو الإستيلاءعليه لصالح المسلمين .

–  ولدرجة كبيرة يصلح جهاد الشعب الأفغانى بقيادة حركة طالبان لأن يكون نموذجا لفهم دور العنصر الإقتصادى فى الحرب . ونضرب مثالا مختصرا للتعامل الجهادى مع الأهداف الإقتصادية للإحتلال الأمريكى .

الأول ــ هدف تمديد خطوط الطاقة من آسيا الوسطى إلى باكستان ومنها إلى الهند أو إلى ميناء جوادر على بحر العرب لتصديرها دوليا .

الثانى ــ هدف الإستيلاء على محصول الأفيون ، وتحويله إلى هيروين عالى النقاوة فى القواعد الجوية . ثم بالطائرات ، مع وسائل أخرى ، يتم تصديره إقليميا ودوليا .

الهدف الأول تم ضربه بتحرير الأراضى الضرورية لتمرير خطوط الطاقة ، وبذلك إستحال تمديدها . كما تم الإستيلاء على جزء كبير من الأراضى المزروعة بالأفيون ـ {حسب تقارير للأمم المتحدة من 20% إلى 80% منها تقع فى قبضة طالبان }. إذن إستحال تقريبا الإستفادة من محصول تلك المناطق لصالح الإحتلال . وما تبقى من أراضى تجرى معارك عنيفة لإستكمال تحريرها .. إضافة إلى :

1 ـ مصادرة محصول الأفيون من أيدى التجار الوسطاء المتصلين بالإحتلال .

2 ـ  إعتراض الطرق البرية للتهريب وإحراق الهيروين ـ كون المستعمر وكبار أعوانه هم القادرون فقط على إنتاجه لإحتكارهم المواد الكيماوية اللازمة .

3 ـ  ضرب المطارات حيث مصانع الهيروين . وحيث عمليات نقله جوا .

4 ـ  ضرب الإتصال البرى مع القواعد الجوية ـ لمنع وصول خام الأفيون إليها .

5 ـ تجنب الإضرار بمصالح المزارعين وقراهم . بتأجيل الحل الجذرى لمشكلة الأفيون إلى حين عودة الإمارة الإسلامية إلى الحكم ، لتطرح حلولا إقليمية ودولية لتلك المشكلة العالمية.

ذلك الدليل الأفغانى فى التعامل مع الجانب الإقتصادى للحرب يصلح للإسترشاد به كفلسفة عمليات ـ عند التصدى لعمليات نهب النفط الإسلامى من الخليج وجزيرة للعرب .

 

الإقتصاد والإستراتيجية العسكرية :

تجدر الإشارة إلى الجوانب الإستراتيجية كدوافع للقتال . كأن يستولى العدو على ممرات بحرية أو موانئ هامة أو مواقع برية متحكمة . كل ذلك رغم أهميته الظاهرة إلا أنه عديم القيمة مالم يرتبط  بمردود إقتصادى ذى أهمية . فإحتلال رأس الرجاء الصالح أو قناة السويس ، أو مضيق جبل طارق ، أو مضائق البسفور والدردنيل ، قيمتها الحقيقية ليست إستراتيجية صرفة ، بل فى تحكمها فى شرايين التجارة الدولية ، ومرور أنهار الذهب القادم من المستعمرات ، و بضائع المستعمِرين ، والمواد الخام من البلدان المستعمَرة .

وكان إحتلال ذئاب الغرب لجزر الصين ، ليس للأهمية الإستراتيجية البحتة ، بل لدورها كمرتكز لتجارة الأفيون فى شبه القارة الصينية .

–  إذن الأهمية الإستراتيجية ليست مقياساً عسكرياً بحتاً ، إلا بقدر ما تمثله من أهمية إقتصادية ، فذلك هو المقياس الحقيقى .

–  السياسة أيضا لا تستحق وصف سياسة مالم تمثل المصلحة الإقتصادية . فهى ليست مجرد مؤامرات أو إستعراض للقدرات الشيطانية . فلا توجد سياسة منفصلة عن الإقتصاد ، بل هى تابع ومجرد ظل للمصلحة الإقتصادية ، وغير ذلك مجرد عبث ، أو مجرد غباء يؤدى إلى التهلكة . (ظهور جانب أخلاقى للسياسة الدولية ، متوقف على عودة الإسلام إلى الحكم).

تجسيد السياسة للمصلحة الإقتصادية ، لا ينحصر فى العلاقات بين الدول فقط ، بل أيضا فى داخل كل دولة على حده . فليس هناك سياسة داخلية لا تمثل مصالح إقتصادية لكتل إجتماعية معينة . والأقوى إقتصاديا هو من يفرض سياسته الداخلية . والثورات هى مخاض إجتماعى عنيف ليس لإستعادة السلطة السياسية فقط ، بل فى الأساس لإعادة توزيع الثروات . فالإستلاء على السلطة السياسية هو عمل ضرورى للإستيلاء على الثروة وإعادة توزيعها إجتماعيا . وبالتالى تتغير السياسات الداخلية ، وبالتأكيد تتغير السياسات الخارجية للدولة المعنية بالثورة .

 

ملخص ما سبق :  الإقتصاد هو وقود المعارك ، والسبب الأول لإشعالها ، والموجه الأول لإستراتيجيات الحرب والسياسات المرافقة لها .

ــ بإستهداف أعمدة الإقتصاد المعادى ، نعثر على إستراتيجية الحرب وسياساتها .

ــ كما قلنا فإن أعمدة إقتصاد الحرب الأمريكية على أفغانستان هى الأفيون والنفط ، وقد رأينا كيف أن حركة طالبان قد إستهدفتهما ، فشيَّدَت جوهر إستراتيجيتها العسكرية الناجحة والناجعة. حتى أوشك الإحتلال الأمريكى على الموت إختناقاً أو الفرار لا يلوى على شئ .

 

الإقتصاد فى مَوْجَة الجهاد الجديدة :

فى مواجهة الإحتلال اليهودى /الأمريكى لفلسطين وجزيرة العرب ، يجب تحديد الأعمدة الإقتصادية للحرب { رغم طبيعتها العقائدية الجذرية }. وسنجد فى المقدمة الغاز تحت قاع المياه العربية والتركية فى البحر الأبيض ، كما فى مياه الخليج بالنسبة للعرب وإيران .

ونجد النفط والغاز فى جزيرة العرب وشواطئها . وما يتصل بها من وسائل نقل الطاقة برا وبحرا . أى الإنابيب والناقلات البحرية .

ــ وهناك مشروع ربط جزيرة العرب بإسرائيل بواسطة قطارات ، فى الأساس لنقل البضائع . أى أنه نهر من الذهب يتدفق فوق عجلات قطار . ومن المؤكد أن جزءاً أساسياً من أنابيب نقل الطاقة سوف تأخذ نفس مسار القطار نحو حيفا لترسيخ قيادة إسرائيل لسوق الطاقة الدولى .

ــ وهناك مشاريع إستنزاف إقتصادى كبرى فى البر الأفريقى . خاصة مشروع “سد النكبة” الأثيوبى الذى أنهى فعليا كيان الدولة المصرية ، أو إمكانية تغيير ثورى فيها ، أو إقامة نظام يتمتع بأدنى درجات الإستقلال ، أو تمكين المصريين من مجرد العيش بدون هلاك واسع لأعداد ضخمة منهم ، وخضوع تام للأوامر الإسرائيلية المباشرة أو عبر نظام أثيوبى متعفن ، ونظام مصرى الشكل ، يهودى الجوهر ، مختزل فى (الفرعون ، وجيش الفرعون) فقط ، بلا شعب أو مياه أو قيمة إنسانية . وكأنها محمية طبيعية لكائنات ممسوخة تمثل إنتكاسة فى تطور الجينات البشرية.

ولأجل إستراداد مصر ، ودفاعاً عن الحياة البشرية فوق أرض ذلك البلد الكريم لابد من إزالة سد النهضة وأى سدود أخرى تعترض مجرى النيل الأزرق وروافده . والعمل على إيجاد وحدة تبدأ من الصومال لتشمل إرتيريا والحبشة والسودان ومصر . ومن الأفضل توسيعها فيما بعد لتشمل كل أرض يمر فيها رافد من روافد النيل . وتخليص الجميع من النفوذ الإستعمارى القديم ، والسرطان الإسرائيلى الجديد .

 

قطاعات إستراتيجية لجهاد أممى شامل :

–  مستقبلا ومع تعمق الإستراتيجية الجهادية ، ربما يسعى المسلمون إلى إنشاء عدة قطاعات إستراتيجية قائمة على مهام متخصصة ، تتكامل فى صنع القوة الإسلامية الشاملة على المسرح العالمى . قد يكون هناك القطاعات التالية :

1 ــ قطاع فى القلب (الجغرافى/ السياسى) للنظام الدولى القادم (الأسيوى/ العالمى) .

ومركز هذا القطاع يتكون من أفغانستان وإيران معا .كقوتين مؤسستين للنظام الأسيوى/ الدولى ، وبعملهما المشترك يتجمع التواجد الإسلامى فى آسيا الوسطى (الجمهوريات الخمس) ، ومعهم لاحقا مسلمى شبه القارة الهندية . لتشيكل ثقل إسلامى إقتصادى وسياسى وثقافى له تأثير عالمى ، بحكم موقعه الجغرافى والسياسى فى مركز النظام الدولى ، وبحكم القِيَمْ الروحية والأخلاقية التى يمثلها الإسلام لجميع البشر ، أيا كانت ديانتهم ومعتقداتهم .

2 ــ قطاع المقدسات ، ويشمل جزيرة العرب (بما فيها اليمن وعمان) والشام الكبير، والعراق. فلسطين هى مركز ذلك القطاع ، نظرا للقيمة القدسية والموقع الجغرافى والمحيط الديموغرافى الكبير ، من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة .

وهذا القطاع يرعى المقدسات ويحميها . ويفعل نفس الشئ بالنسبة للطاقة وممراتها المائية والبرية . وإعادة البحر الأحمر إلى طبيعته التاريخية ، كبحيرة إسلامية داخلية متاحة عالميا للمرور السلمى لغير الأعداء ، وتحت سيادة المسلمين .

3 ــ القطاع الأفريقى ــ ومركزه مصر .

ويشمل النطاق الإفريقى للإسلام ، الممتد من مصر إلى الصومال جنوبا وإلى مراكش غربا .

ومهامه حماية مياه النيل وتعمير سيناء وربطها بريا مع الأرض المصرية بلا حواجز مائية ، وحماية مقدسات فلسطين والجزيرة وإعادة مصر إلى الحياة من جديد ، وربط المغرب العربى كله بفلسطين وبالمشرق العربى والشرق الأفريقى ، بالطرق الجوية والبحرية والبرية.

إضافة إلى دورالمغرب التاريخى كنافذة حضارية وتجارية مع أوروبا ، جنوبها وغربها ، وإتصاله الحضارى والتاريخى مع غرب القارة الأفريقية .

4 ــ قطاع شرق آسيا والمحيط الهادى ـ ومركزه أندونيسيا.

ومهامه دعوية وسياسية فى الأساس ، لتجديد البنيان الفكرى والعقائدى للإسلام ، ثم إشراك مسلمى ذلك القطاع فى القضايا الجهادية للأمة وحمل رسالة الإسلام إلى الشرق الأسيوى الذى مازال يجهل الإسلام ، أو يحمل عنه أفكارا غير واقعية .

5 ــ قطاع شرق المتوسط ، ومركزه إسطنبول .

ومهمتة حماية منابع مياه دجلة والفرات ، وتوزيعها بعدل ، وأسلمتها بالكامل، والتوقف عن بيعها ـ ومواجهة التمدد اليهودى فى الأناضول ـ وتنمية العلاقات الإيجابية مع البلاد الروسية والترابط مع مسلميها وتطوير العلاقات العلمية والتكنولوجية والإقتصادية مع روسيا الإتحادية.

وإعادة التعريف بالإسلام فى شرق أوروبا ، وحماية حقوق المسلمين فى البلقان ، والدفاع عن مصالح تركيا ولبنان وفلسطين ومصر فى الطاقة الغازية الكامنة تحت سطح البحر المتوسط . وحرمان إسرائيل وأمريكا وضباع أوروبا من السيطرة عليها .

وعدم تصدير مياه (دجلة والفرات) إلى إسرائيل ، وقطع التعاون العسكرى والأمنى معها ، وتجهيز المجاهدين الأتراك والأكراد لخوض المعركة الفاصلة لتحرير فلسطين والمسجد الأقصى . وإشراكهم فى تحرير مكة والمدينة ، وتأمين جزيرة العرب عسكريا .

 

العلاقة بين القتال فى فلسطين ، والقتال فى جزيرة العرب ، والقتال فى العمق الإسلامى :

طلقة واحدة فى فلسطين ضد اليهود المحتلين قد تعادل عدة صواريخ تطلق عليهم فى ميادين أخرى . لذا يجب العمل على إستمرار الجهاد المسلح فى فلسطين ( فى الضفة وفى غزة حتى عند توسيعها نحو سيناء).

ومن الواجب فى نفس الوقت فتح المعركة مع يهود الإحتلال على كامل الرقعة الإسلامية ، خاصة فى الميادين المحتدمة حاليا فى أفغانستان واليمن . أو تلك التى قد تندلع فى أى وقت ، فى مناطق الأكراد مثلا ، حيث تعتبر إسرائيل أراضيهم هى مجرد إمتداد لفلسطين المحتلة .

وكما ذكرنا فأى إشتباك مسلح مع الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان ، هو إشتباك لتحرير فلسطين ، وإن كانت خارج النطاق الجغرافى لفلسطين .

فالتواجد الإسرائيلى فى حرب أفغانستان قوى ودائم ولكنه متستر تحت جنسيات مختلفة . فهم مشاركون بقوة فى الجو وعلى الأرض ، وبتشغيل التكنولوجيات العسكرية .

– وفى اليمن اليهود متواجدون أيضا ، مع القوات السعودية والإماراتية ، وضمن مجهود الدعم والإسناد الأمريكى للحرب الخليجية على شعب اليمن . وبالتالى فإن المجهود الإسلامى فى حرب اليمن يطال مباشرة القوة اليهودية المحتلة لفلسطين ، كما يطال التواجد الإستعمارى اليهودى والصليبى فى جزيرة العرب .

– وكما أن يهود الإحتلال يقاتلون من أجل أطماعهم فى أفغانستان واليمن ، فإن على المسلمين واجب القتال إلى جانب إخوانهم فى أى ميدان يقاتل فيه الإسرائيليون أو الأمريكيون .

–  والعمل الجهادى فى شرق أفريقيا خاصة فى الصومال ، أى خاصرة الحبشة ، يعتبر تهديدا للحبشة كقاعدة إسرائيلية عسكرية ، وتهديدا لمشروع إنهاء مصر بنهب نصيبها من ماء النيل. فمشروع (إستعادة مصر من أنياب إسرائيل) وتحريرها من نظام الإحتلال اليهودى بالنيابة ، يعتمد على التضييق العسكرى على الحبشة ، وتهديد مصبات تهريب المياه المصرية عبر موانى سودانية أو صومالية . فالتجارة فى مياه مصر المنهوبة ، ستكون المورد الأعلى من بين جميع التجارات الدولية غير الشرعية ، وعلى رأسها المخدرات .

والسوق الدولى لتلك التجارة سيتمحور حول باب المندب . وهذا واحد من أهم مسببات حرب اليمن . أى تأمين تجارة المياه المنهوبة فى أول تجربة عالمية راح ضحيتها شعب مصر  ودولتة ، ويضيع شعب اليمن ودولته ، من أجل تأمين مصبات تجارة المياه المنهوبة ، فى البحر الأحمر وباب المندب. ( يلاحظ أن دول الخليج هى الممول الرئيسى لبناء سد النهضة ، وهو مشروع إسرائيلى فى الأساس).

لهذا فالجهاد فى شرق أفريقيا والصومال تحديدا ، وتوسعته فى إتجاه الحبشة هو خطوة لإسترداد مصر وفلسطين معاً من أيدى يهود الإحتلال .

 

 

الصليبى .. والداعشى .

يثير الحديث عن الإسلام والجهاد ، حساسية لدى قطاع من غير المسلمين . بل ويثير حساسية عملاء اليهود من بين المسلمين .

وكلمة “صليبى” يعتبرها البعض موجهة ضد المسيحيين ، وذلك إلتباس ناتج عن أحداث دامية عصفت بأكثر من بلد عربى ومسلم .

مع أن علاقة ” الصليبى” بالمسيحية ، تعادل تماما علاقة ” الداعشى” بالإسلام . فالصليبى يمارس الإجرام والتوحش الإستعمارى تحت ستار الدين المسيحى . وفى ذلك تدليس وإفتراء على الدين المسيحى .

وبالمثل فإن”الداعشى” يمارس إعمالا إجرامية تحت ستار الإسلام و(الجهاد فى سبيل الله) وذلك إفتراء وكذب بنفس المقدار الموجود فى الحالة الأولى ـ أى الإجرام الصليبى ـ فالإجرام الداعشى ليس له علاقة بالإسلام ، بل هو إجرام بحت يتم إستخدمه سياسيا من جهات غير إسلامية .

ــ والإجرام الصليبى هو إجرام بحت ، ولا صلة له بالمسيحية ، وتستثمره أنظمة لا تؤمن بالمسيحية كدين ، بل تتخذ منها غطاءً لإرتكاب جريمة (الصليبية) الإستعمارية .

ــ والجهة التى إخترعت الصليبية واستفادت منها ، هى نفسها التى إخترعت الداعشية واستفادت منها . وهى جهة تعادى الإسلام والمسيحية معا .

ــ (الجهاد الإسلامى) هو جهاد فى سبيل الله ، أى فى خدمة الإنسان الذى هو أفضل خلق الله . والظلم محرم على الجميع ، لأن الله حرمه على نفسه . والإجبارعلى إعتناق الدين ممنوع ، فتلك علاقة ضمير بين الإنسان وخالقه الذى منع (الإكراه فى الدين).

ويجب أن تخدم السلطات الإسلامية جميع رعاياها على السواء ، وتؤدى إليهم حقوقهم كاملة ، مجانا وبكل يسر وسرعة . وأى إنحراف أو ظلم هو خروج على مبادئ الإسلام سواء كان ضد مسلم أو أى إنسان آخر غير مسلم .

والسلطة المنحرفة يجب أن يتحداها المسلم باليد أو باللسان ، أو بالقلب فى أضعف الحالات . وإنحراف السلطة لا يتوقف على إنسان دون آخر . فالطغيان يطغى على الجميع ــ مسلمين وغير مسلمين ــ لذا (فالجهاد) من أجل العدالة ومن أجل إستراد الحقوق المغتصبة من مال أو أرض أو حقوق معنوية ، هو جهاد يجب أن يمارسه الجميع . وهو على المسلم فريضة دينية وعلى غير المسلم فريضة إنسانية ، كون الإنسان الذى كرمه الله لا يجوز أن يسمح لأى إنسان آخر أن يظلمه . والجهاد لنصرة المظلوم ـ سواء كان مسلما أو صاحب ديانة آخرى ، أو أنه بدون ديانة ـ هو فريضة يتقرب بها المسلم إلى خالقه. أى أن الجهاد فريضة دينية على المسلم ، وفريضة إنسانية بحكم التكوين البشرى الكريم ، مفروضة على كل إنسان آخر .

حتى أن ظلم الكائنات الأخرى هو عمل يستدعى التصدى له بقدر من القوة الكافية لمنعه. سواء كان المظلوم حيوانا أوطائرا ، أو عناصر طبيعية هى ملكية عامة للبشر أجمعين . (لاحظ مثلا أن إبادة الغابات تؤدى إلى هلاك البشر، لذا فهى ملكية إنسانية عامة يجب الحفاظ عليها ولو بالقوة . وتجب حماية حتى الغلاف الجوى، الذى يحمى كوكب الأرض ، يظلل ويحفظ ما خلق الله على سطحها) .

– عبادة المال وما تقود إليه من حروب ومن إستهلاك مسرف لموارد الأرض ، وتخريب للمناخ يؤدى إلى كوارث ومجاعات وهلاك واسع للكائنات الحية ، هى من أبرز شواهد الإفساد فى الأرض وإهلاك الحرث والنسل . وذلك من أكبر دواعى الجهاد الإسلامى والإنسانى العام ، لمقاومتها واستبدالها بنظام إسلامى لا يحابى جنسا أو فئة من الناس ، ويرى الجميع سواسية بمعيار الحقوق كافة . والتفاضل يكون فقط بالتقوى التى لا يَطَّلِع عليها إلا الله ، وهو الذى يحاسب عليها يوم الحساب.

فالأرض خلقها الله ـ للأنام ـ أى لكل البشر ـ وليس لأصحاب دين معين أو جنس معين . وبالتالى فللجميع حقوق متساوية فى كل خيرات هذه الأرض ، حتى يبقى الإنسان كريماً لا يهينه فقر ، ولا يحتقره أو يستعبده إنسان آخر هو نظير له فى الخلق .

–  فالجهاد بمعناه الأوسع ، يأتى لرفع كافة أنواع ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، ولدرء كافة المخاطر عن البشر . إنه فريضة دينية إسلامية ، وفريضة فطرية لجميع الخلق. ولأنه فريضة دينية على المسلمين ــ يبتغون بها وجه الله فقط بدون إنتظار لعائد شخصى دنيوى ــ فهى عندهم (جهاد فى سبيل الله). وهو شعار إنسانى لمصلحة جميع البشر ، لتجميعهم إنسانيا  ورعاية مصالحهم دنيويا . لهذا فإن الجهاد فى سبيل الله هو شعار إسلامى إنسانى جامع ، تتآلف حوله قلوب البشر المستضعفين الباحثين عن العدل . وليس موجها ضد أى أحد سوى الطواغيت المستبدين . هؤلاء حقا عليهم أن يموتوا رعبا .

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




أزمة نووية تصنعها أمريكا تهدد أفغانستان وجيرانها

أزمة نووية تصنعها أمريكا تهدد أفغانستان وجيرانها

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (153) | ربيع الأول 1440 هـ / نوفمبر 2018 م. 

20/11/2018

أزمة نووية تصنعها أمريكا

تهدد أفغانستان وجيرانها

لغز سقوط المقاتلة الأمريكية “F 35 B”

 

– بعد تسببها فى حرب تجارية ، أمريكا تسعى إلى الإبتزاز النووى ضد روسيا والصين .

– ماهى عواقب إلغاء أمريكا لإتفاقها السابق مع السوفيييت لحظر تطوير ونشر الصواريخ قصيرة والمتوسطة المدى ؟؟ .

– تسعى الولايات المتحدة إلى إشعال “فوضى عالمية خلاقة” تتيح لليهود جنى ثروات لم تخطر بعقل بشر .

– هل يبنى الإحتلال على أرض أفغانستان قواعد للصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى، لتهديد روسيا والصين وإيران ؟؟.

– على الدول التى يطالها التهديد النووى الأمريكى أن تعمل ضمن جبهة دولية، لإخراج المحتلين من أفغانستان ، ودعم حركة طالبان سياسيا وعسكريا .

– أين تنفق أمريكا 45 مليار دولار سنويا فى أفغانستان ، فى ظل الهزائم المتوالية وفرار الجنود من الجيش والشرطة بسبب خسائرهم الفادحة وإهمال الدولة لإحتياجاتهم ؟؟.

–  الطائرة الشبح : هل سقطت فى شرق أفغانستان أم فى شرق الولايات المتحدة؟؟

– الطائرة الأمريكية المعجزةB 35F تفشل فى مقابل منظومة بنادق ” لى أنفيلد 303″ الإنجليزية ، كما فشلت السوخوى السوفيتية فوق جبال “تورابورا” عام 1982.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

يتزايد الخطر الأمريكى على أمن وإستقرار العالم ، وتعتبر الولايات المتحدة هى التهديد الأكبر لسكان الكوكب. فبعد الحرب التجارية التى شنتها على أهم دول العالم ـ من بينهم حلفائها أنفسهم ـ إذ إنسلخت من إتفاقات دولية ، وفرضت عقوبات تجارية على نصف العالم بإدعاءات كاذبة وبلا أى حياء أو إحترام لقواعد التعامل بين الدول . وهى على وشك التسبب فى كارثة إقتصادية لمعظم دول العالم ، بتلاعبها فى أسعار النفط ، بعد فرض عقوبات متعسفة على إيران ، لمنعها من تصدير مليونى برميل يوميا من نفطها ، بما يهدد بإنفلات جنونى فى أسعار النفط . ثم الضغط على منظمة أوبك لزيادة إنتاجها لتعويض النقص المتوقع فى المعروض فى سوق النفط رغم علمها أن ذلك مستحيل عمليا . وتعمل فى الوقت نفسه على تقويض المنظمة ، وتشكيل تجمع آخر لمنتجى النفط يكون تابع تماما لسياستها الإستعمارية فى نهب ثروات الشعوب.

 

ثلاثة مسارات للحرب الإقتصادية التى تشنها الولايات المتحدة :

ــ ضربت سوراً من الحماية الجمركية على أسواقها متخلية بذلك عن سياسة العولمة الإقتصادية والأسواق المفتوحة .

ــ فرضت عقوبات إقتصادية على أصدقائها قبل أعدائها .

ــ صراع متغطرس مع إيران ثم منظمة الأوبك بما يهدد بإرتفاع كبير فى أسعار النفط ـ خاصة إذا فرضت عقوبات نفطية صارمة على إيران لمنعها نهائيا من صدير نفطها ـ وقد يسبب ذلك أزمة إقتصادية كبرى للدول غير المنتجة للنفط ، تؤدى إلى إضطرابات سياسية واسعة داخل تلك الدول ، وربما حروب إقليمية أيضا .  ويبدو أن ذلك هو الهدف الحقيقى الذى تسعى إليه الولايات المتحدة ، أى إشعال “فوضى دولية خلاقة” تتيح لليهود جنى ثروات لم تخطر بعقل بشر.

بالعناصر الثلاث السابقة تسعى أمريكا بكل قوتها وتحت مظلتها العسكرية لأن ترهب العالم ، وتعربد كما تشاء ضد كل المعاهدات والأعراف والقوانين الدولية  ، التى رغم جورها إلا أنها كانت تحفظ شيئا ضئيلا من الإنتظام فى الشئون المتصلة بالسلم والعلاقات الدولية ــ أى أنها تحقق نوعا من الوحشية الدولية المنضبطة بتوازن الرعب والردع متبادل ــ وذلك أهون الكفر.

مزقت الولايات المتحدة إتفاقها النووى مع إيران ، رغم مشاركة كل الدول الكبرى فى ضمانته ، وذلك بدعوى خروج إيران على الإتفاق . وهو إدعاء متبجح لأن هناك الوكالة الدولية للطاقة النووية ، المخولة بالمراقبة والتفتيش وتحديد التجاوزات فى برنامج إيران النووى . وتلك الوكالة لم تقدم أى إعتراض ، رغم جولاتها التفتيشية المتصلة والمشددة فوق العادة ، على البرنامج والمنشآت النووية فى إيران .

وفى المجال النووى الدولى يكرر ترامب نفس الرعونه متهما روسيا وبعدم إحترام الإتفاق الذى وقعته بلاده عام 1987 مع الإتحاد السوفيتى والقاضى بوقف تطوير ونشر الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى (من 500كم إلى 2500كم) ، ومتهما الصين أيضا بتطوير ذات الأسلحة. وقالت وزارة الخارجية الصينية أن ربط الإنسحاب الأمريكى من المعاهدة بالصين هو خطأ تماما وأن ذلك الإنسحاب الأحادى من المعاهدة سيكون له أثار سلبية فى العديد من المجالات .

وقد نفت موسكو إتهامات ترامب بأنها طورت تلك الصواريخ ونشرتها بالفعل بما يهدد أوروبا ويعرضها لضربة نووية مع فترة إنذار ضئيلة.

إذا حسمت الولايات المتحدة أمرها بالإنسحاب من معاهدة القوى النووية (TNF) المبرمة مع الإتحاد السوفيتى . فستكون خطوتها التالية هى نشر شبكات صاروخية قصيرة ومتوسطة المدى موجهة للأراضى الروسية  وشبكات أخرى موجهة إلى الأراضى الصينية . حيث أن التهديد الأمريكى شمل الصين أيضا. فأين ستنشر أمريكا تلك الشبكات الصاروخية ؟. وهل ستكون الأراضى الأفغانية مرشحة لنشر تلك الصواريخ النووية الموجهة إلى روسيا والصين؟ حيث الموقع الجغرافى لأفغانستان يتيح لتلك الصواريخ أن تتطال روسيا والصين معا وتهديد إيران أيضا ، فى إطار الضغط عليها لتفكيك برنامجها النووى السلمى ، أو التهديد بتدمير ذلك البرنامج .

فما هى نتائج ذلك التطور المأساوى لسياسة الجنون الأمريكى عندما يصل إلى السلاح النووى بعد أن تخطى الجنون الإقتصادى والعقوبات المالية والحماية الجمركية ، تحت الشعار العدوانى الدائم لترامب (أمريكا أولا) الذى يذكر العالم بشعار هتلر(ألمانيا فوق الجميع)؟؟.

فإذا نشرت أمريكا صواريخها النووية القصيرة والمتوسطة المدى فى أفغانستان لتهديد روسيا والصين . فإن الدولتان وبعد إلغاء الإتفاقية ، ستتقدمان بقواعدهما الأمامية لتطال القواعد الأمريكية الجديدة فى أوروبا وأفغانستان ، أو أى دولة أخرى فى آسيا إستقبلت قواعد صاروخية أمريكية .

هذا الإحتمال ، الذى سيشكل تهديدا نوويا لأفغانستان لأول مرة فى تاريخها ، سيشكل تحديا جذرياً للإمارة الإسلامية ، ويفرض عليها تحركا سياسيا وعسكريا جديدا لمواجهته .

كما يفرض تحديا مماثلا على الجيران الإقليميين فى كل من الصين وروسيا وإيران .

–  أما حكومة كابول فلا تملك من أمرها شيئا . فهى العبد الذليل الذى لا يملك سوى أن يبصم موافقا على أى قرار يتخذه المحتل الأمريكى . موفرا بذلك ستارا من الشرعية الزائفة على العربدة الأمريكية وتجاوزها على دماء وثروات الشعب الأفغانى ، وأمنه ، وأمن المنطقة كلها إلى درجة التهديد بالدمار النووى .

–  سيفرض التهديد النووى الجديد على دول المنطقة إجراءات سياسية غير مسبوقة لتحدى الإحتلال الأمريكى فى أفغانستان، وتشكيل ضغط عالمى لإخراجه ورفع يده عن ذلك البلد . وترك شئونه الداخلية ليقررها شعبه بحريه بلا تدخل خارجى مهما كان مصدره .

فيجب أن تغير دول الأقليم سياسة الحياد الظالم ، الذى تقفه إزاء مآسى الشعب الأفغانى . فإن ممالأة الوضع الرسمى فى كابل والتعامل معه كأمر واقع ، تلك السياسة ستكون خطرا على دولهم . فالأمر تخطى العواصف الأمنية التى صارت فى ظل الإحتلال الأمريكى عادية”!!” ، مثل خطر الإرهاب الداعشى وخطر عصابات الجريمة المنظمة من تهريب المخدرات إلى الإتجار بالبشر ، حتى وصلت الأخطار إلى الإبتزاز النووى ، وخطر الإبادة الشاملة لشعوب المنطقة والعالم .

يجب إعتبار حركة طالبان حركة دفاع عن حقوق شعبها والدفاع عن أمن المنطقة عموما . ويجب دعم هذه الحركة بشكل جماعى ومنظم من حكومات المنطقة ، وإمدادها بكل ما يلزم من دعم سياسى وإعلامى وتسليحى ، كى تمارس ذلك الحق المشروع ، الذى أصبح حقا دفاعيا مشتركا لجميع دول المنطقة وشعوبها . فقد تعدى الخطر الأمريكى كل الحدود المحتملة ، وأصبحت المنطقة والعالم على شفا كارثة نووية ، بعد أن كان إلى وقت قريب يواجه فقط كارثة إقتصادية عالمية تصنعها أمريكا .

هل تجهز أمريكا قاعدة صواريخ نووية فى أفغانستان ؟:

هذا سؤال يطرح نفسه بجدية على ضوء الأزمة النووية التى إحتدمت مؤخرا مع روسيا والصين ، نتيجة الإتهامات الأمريكية للدولتين بتطوير أسلحة نووية قصيرة ومتوسطة المدى وبالتالى إعتزامها نقض إتفاقية حظر تطوير ونشر تلك الأسلحة .

بالتأكيد سيترتب على ذلك نشر أمريكى لتلك الأسلحة على الأراضى الأوربية ، ثم تجميع الإتاوات المالية مقابل تلك الحماية التى لم يطلبها أو يرغب فيها أحد فى أوروبا !! .فالخطر تصنعه أمريكا ، ثم ترشح نفسها مدافعا أوحدا ، ثم تطالب الضحايا بدفع ثمن الحماية التى كلفت أمريكا الكثير . وهذا ما يسمى (البلطجة الدولية).

أفغانستان التى تمرح فيها قوات المحتل بلا حسيب أو رقيب ، لينهب الثروات ويصنع تشكيلات داعش ويوزعها حول العالم مهددا بها روسيا والصين وإيران ودول آسيا الوسطى ، والهيروين الذى ويوزعه على العالم بمئات المليارات من الدولارات سنويا . تماما كما سيفعل مع الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى .

يقول الأمريكيون أنهم ينفقون على إحتلالهم أفغانستان مبلغ 45 مليار دولار كل سنة . فأين يذهب هذا المبلغ الخيالى ، والذى يعادل تسعة أضعاف ما كان ينفقه السوفيت سنويا على إحتلالهم لأفغانستان خلال الثمانينات الماضية .

علما بأن جنود الجيش الأفغانى ـ حسب شكاويهم الموثقة ـ يعانون الجوع وغياب العناية الصحية ، والإفتقاد إلى الدعم الكافى أثناء المعارك . وفى حال الوفاة أو إنتهاء الخدمة يعانون الأمرِّين هم وعائلاتهم للحصول على مستحقاتهم . بل تتعرض نساؤهم للإغتصاب فى مقابل الحصول على الحقوق المالية !! . { فى تقرير شهر أغسطس  الماضى والذى رفعته لجنة الدعوة والإرشاد جاء أن عدد الجنود الذين هربوا من الجيش وانضموا إلى الإمارة الإسلامية بلغ 877 جنديا ــ حسب مجلة الصمود العدد 152 ص 31 ــ قالت المجلة أيضا أن نسبة الهاربين من الخدمة العسكرية أثناء تواجدهم فى الولايات المتحدة بلغت 13% عام 2016 }. وقال أحد الخبراء فى مجلة “فورن بوليسى” أن ذلك يُذَكِّرْ بأجواء إنهيار جيش فيتنام الجنوبية الذى شكلته الولايات امتحدة ليقاتل إلى جوارها هناك.

يفر مئات الجنود شهريا ، وينضم بعضهم إلى صفوف طالبان . أما الشرطة فأحوالها أسوأ . وإشتكى أحد زعماء كابل المتحولون من أن معدل خسائر الشرطة عالٍ إلى درجة أنها مهددة بالزوال !! .

أين مبلغ 45 مليار دولار المخصص للإنفاق سنويا على الإحتلال ؟؟ .

وأين تذهب تلك الإعتمادات المالية الهائلة ؟؟ .

لا يمكن سرقة كل ذلك المبلغ ، كما لا يمكن إنفاقه على العمل العسكرى المنكمش بإستمرار فى مقابل إنتصارات دائمة لحركة طالبان وتوسع مضطرد فى مساحات الأرض المحررة .

يكون منطقيا إذن لو تساءلنا إذا كان ذلك المبلغ ينفق على بناء قواعد جديدة لصواريخ نووية تهدد الثلاثى الإقليمى الأهم : روسيا ـ الصين ـ إيران ؟؟ .

ويكون منطقيا أيضا لو تولت اللجنة العسكرية فى حركة طالبان تناول ذلك الموضوع الخطير مع دول الجوار سعيا إلى موقف ضمن جبهة عالمية وإقليمية لدعم جهاد الشعب الأفغانى سياسيا وعسكريا ، والضغط على الإحتلال الأمريكى للإنسحاب فورا بدون قيد أو شرط .

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

لغز سقوط المقاتلة الأمريكيةF35 B  :

أذاعت وكالات الأنباء العالمية أن طائرة أمريكية من طراز F35B سقطت يوم الجمعة (28سبتمبر الماضى) بعد أولى طلعاتها القتالية على موقع لحركة طالبان أفغانستان فى اليوم السابق أى “الخميس27 سبتمبر” .

الوكالات أسبغت صفات القوة والخطورة على الطائرة ، فقالت أنها أسطورة القوات الجوية الأمريكية . وأنها طائرة (شبح) لا ترصدها الردارات ويصل سعرها إلى 115 مليون دولار لتكون هى الطائرة الأغلى فى العالم .

وذكروا أن الطائرة سقطت يوم الجمعة أثناء مهمة تدريبية فى شرق الولايات المتحدة ، وأن التحقيق دائر لمعرفة سبب السقوط ، وأن “التفسيرات المحبطة” تلوح أمام المحقيقين ، وأن “خللا غامضا ” فى الطائرة أجبر قائدها على القفز منها .

ويقول الخبر أن تلك الطائرة نفذت يوم الخميس طلعتها القتالية الأولى على مواقع حركة طالبان فى(قندهار) ، بمشاركة أكثر من طائرة أقلعت من سفينة الهجوم البرمائية (يو إس إس أسيكس). معنى ذلك أن الطائرة التى شنت غارتها “القتالية” الأولى بنجاح (يوم الخميس)فى ولاية قندهار فشلت (يوم الجمعة) فى تنفيذ “مهمة تدريبية” فى شرق الولايات المتحدة !!! .

–  عن نفس الغارة قالت مصادر حركة طالبان أن الطائرة B35F أغارت على مواقعهم فى ولاية ننجرهار فى يوم (الجمعة 28 سبتمبر)، وليس يوم (الخميس 27سبتمبر) فى ولاية قندهار كما يقول الأمريكيون . ومعنى بيان طالبان أن الغارة والسقوط كانا فى يوم واحد هو الجمعة ، أى فى نطاق عملية عسكرية واحدة فى أفغانستان  وليس عطل فنى فى أراضى أمريكا . لم يتحدث بيان طالبان عن سقوط أو إصابة الطائرة ، ربما لأنها طائرة شبح يمكنها إخفاء إصابتها والسقوط بعيدا عن ميدان المعركة وعن أعين الشهود .

ملاحظة : دائما ما يتدخل الطيران الأمريكى فى ننجرهار لوقف زحف قوات طالبان على أوكار داعش فى جبال ولاية ننجرهار .

مرة أخرى :   يوضح بلاغ حركة طالبان أن طائرة من طراز B35F أغارت على مواقعهم يوم الجمعة 28/9 أى فى نفس اليوم الذى أعلن الأمريكيون فيه عن سقوط طائرتهم B35F  فى شرق الولايات المتحدة . وأن الغارة تمت فى ننجرهار وليس قندهار.

إذاً لا يمكن أن نستبعد أن الحديث يدور عن نفس الطائرة . أى أن نفس الطائره التى أغارت على ننجرهار يوم الجمعة قد سقطت فى أفغانستان يوم الجمعة . أما سبب السقوط فلا بد أن يكون (شئ ما) أطلقه المجاهدون على الطائرة !! .. قد يكون طلقة من بندقية إنجليزية قديمة . فأى طائرة أمريكية تسقط فى أفغانستان يدَّعى الأمريكيون فورا أنها سقطت نتيجة “خلل فنى” . وكأن ذلك “الخلل الفنى” أصبح سلاحاً سرياً تستخدمه حركة طالبان فى دفاعها الجوى ضد الطائرات .

–  إذاً لن تكون الطائرة المعجزة B35F خارج نطاق أسطورة الخلل الفنى ، فهى أيضا سقطت لأسباب فنية .. ولكن أين سقطت ؟؟ .

هل فى شرق الولايات المتحدة حقا؟؟ أم فى إقليم ننجرهار شرق أفغانستان فوق أحد الجبال الشاهقة وهى فى الطريق لهبوط إضطرارى فى مطار بجرام مثلا . أم سقطت فى البحر قبل أن تستطيع الهبوط فوق {سفينة الهجوم البرمائية يو إس إس أسيكس} . أم سقطت فى مكان ما فوق صحارى وجبال طريق العودة ؟؟.

ملاحظة : شهد إقليم ننجرهار عام 1982 سقوط أول طائرة سوخوى سوفيتية فوق جبال (تورابورا) تحديدا . و قتل أحد طياريها وأسر الآخر. وقد سلمته باكستان إلى حكومة بلاده بعد فترة وجيزة . والسلاح المستخدم كان بندقية إنجليزية قديمة من طراز” لى أنفيلد”.

لا ننتظر أن يتمتع الجيش الأمريكى بشئ من الشجاعة فيعترف أن طائرته المعجزة B35F (110 مليون دولار)،قد سقطت بطلقة ثمنها (10 سنت أمريكى) أثناء أداء مهمتها القتالية الأولى شرق أفغانستان . فتسقط بالتالى فى صراع المبيعات المستعر بينهم وبين الروس فى سوق السلاح الدولى .

السقوط .. قضاء وقدر

يتوالى سقوط الطائرات الأمريكية فى أفغانستان ، بفعل القضاء والقدر و”الأعطال الفنية ” .

– فى (24 أكتوبر) أسقط المجاهدون طائرة كبيرة بدون طيار فى ولاية قندهار .

– فى (22 أكتوبر) أسقطوا مروحية أمريكية ضخمة فى ولاية لوجر جنوب كابل، بإستهداف مباشر بالنيران أثناء محاولة هبوطها بقوات خاصة أمريكية ومحلية .

وقد وصلت طائرات الهيلوكبتر الأمريكية لنقل الأعداد الكبيرة من القتلى والجرحى …

ومازال سقوط الطائرات يتوالى .

الطائرة الأمريكية المعجزةB 35F فى مقابل

منظومة بنادق ” لى أنفيلد 303″ الإنجليزية .

–  تمتلك إسرائيل طائرات 35ــF الأمريكية . وهى تتحسب كثيرا لمنظومة 300S الروسية المضادة للطائرات ، والتى زود بها الروس الجيش السورى . لهذا يتدرب الطيارون الإسرائيليون فى أوكرانيا التى تمتلك نفس المنظومة الروسية ، و تقدم أوكرانيا لليهود خبراتها وتكشف لهم نقاط الضعف فى المنظومة الروسية .

شئ مماثل فعله الإسرائيليون مع اليونان ، التى تمتلك أيضا منظومة صواريخ 300S . ولكن بعد ما نرجح أنه حدث فى أفغانستان لطائرتهم المعجزة B35F ، فإن الجيش السورى أو حزب الله أو أى دولة تهددها الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية من طراز 35F ما عليهم إلا عقد صفقة مع المجاهدين الأفغان لشراء (منظومة) بنادق ” لى أنفيلد 303 ” الإنجليزية  من طراز عام 1914 مُعَدَّل ، والتى أثبتت كفاءة تامة فى إسقاط B35F من الغارة الأولى، وربما من الطلقة الأولى .

تقول المعلومات الصحفية: أن الطائرة   F 35 Bأسرع من الصوت ، ولا يرصدها الرادار، وتتميز “برشاقة” فى التحليق (وفى السقوط أيضا)، بدأ العمل عليها فى تسعينات القرن الماضى فى مشروع تكلفته 400 مليار دولار . وسقوط “طائرة أفغانستان” هو الحادث الأول التى يقفز فيه بالمظلة طيار لهذا النوع من الطائرات .

ولن يكون ذلك هو السقوط الأخير لهذا الصنف من الطائرات الشبح الذى تستطيع إلتقاطه بنادق “لى أنفيلد” ، التى يمكن الحصول عليها من أفغانستان بسعر عشرة دولارات للبندقية الواحدة . أى أن منظومة مكونة من عشرة بنادق مضادة لطائرات F 35 B ستكلف فى حدود مئة دولار فقط !! … فمن يشترى تلك الطائرات؟؟.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world

 




جلال الدين حقانى 3

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 3

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية /السنة الثالثة عشرة – العدد (153) | ربيع الأول 1440 هـ / نوفمبر 2018 م. 

20/11/2018

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 3 )

– الغنائم .. نعمة ومشكلة . وكانت فى حاجة إلى إجتهاد جديد

– حكمة حقانى وبعد نظره ، كانت سببا فى تفادى القتال الداخلى ، والوصول إلى فتح كامل لمدينة خوست وإقتحام جرديز .

– عمليات ” الغلول” والكبيرة المنظمة ، كانت ذات بعد سياسى لتعطيل الفتح وإستبداله بالفتن القَبَلِيَّة .

– حقانى كان “بنك إقتراض” معتمد لدى المجاهدين وتجار القبائل ، فتمكن من عبور أزمات التسليح والإمداد .

– الطلقة الثالثة ثابتة .. فى المدفع البلجيكى المضاد للطائرات !! .

– جاهد حقانى لإسقاط أسطورة الطيران الذى لا يقهر. والحفريات التى قام بها أفشلت أسلحة العدو المتقدمة .

– قصة السلاح الأول المضاد للدروع (ضد الدبابة) وكيف غنمه المجاهدون واستخدموه فى نفس المعركة .

– البراعة السياسية لحقانى لا تقل عن موهبته العسكرية ، وكانت سببا لعبوره من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

عندما تركنا موقع ” مطيع الله ” فى الأورجون ، كان الرجال يجمعون الغنائم فى خيمة واحدة ، مليئة بالأسلحة وأجهزة اللاسلكى وصناديق الذخيرة . وعندما وصلنا إلى مركز”سرانا” عند مولوى جلال الدين حقانى ، كانت عملية مشابهة تجرى فى مكان قريب من المركز ، بعد المعركة الكبرى فى منطقة إبراهيم خيل .

 

حديث فى سرانا عن بخارى وسمرقند :

شارك حقانى ورجاله فى المعركة إلى جانب رجال”ابراهيم خيل ” الذين هم أحد بطون قبيلة زدران . كانت الغنائم كبيرة جدا وذاع نبأ النصر والغنائم بسرعة كبيرة فى الولايات القريبة ومنها ولاية غزنى . قابلت “مولوى” شاب قادم من هناك ، وصل إلى قمة الجبل حيث يقيم حقانى . كان يجيد العربية ، وكالعادة أدهشه وجود عربى فى ذلك المكان . وبدأ الحديث معى وهو مازال متقطع الأنفاس .

دار بيننا حواراً شيقا ، ورغم قصره إلا أنه لمس عدداً من النقاط الحساسة ، منها سؤال عن “مذهبى” لم أدرك مغزى وخطورة السؤال إلا بعد ذلك بسنوات . وهو الآن أصبح ذو أبعاد أخطر بعد ظهور الحركات الوهابية المسلحة . وإنتقال داعش إلى أفغانستان لتكون خير عون للإحتلال الأمريكى .

عندما سألت المولوى الشاب عن برنامجهم للجهاد . قال أنه بعد تحرير أفغانستان سوف يتوجه المجاهدون لتحرير بخارى وسمرقند من إحتلال الروس .أصابتنى إجابته بصدمة ، أولا لأن هناك من المسلمين من يتذكر إلى الآن تلك الأسماء التاريخية (المندثرة). وثانيا بينما الجهاد مازال يحبو بصعوبة فى خطواته الأولى ، فإن ذلك الشاب يتحدث عن تحرير بخارى وسمرقند ، وليس جرديز القريبة أو خوست الأبعد قليلا .

سألته عن سبب قدومه إلى سرانا ، فقال إنه يريد سلاح ” ضد الدبابة” . كنت أعتقد أن الطائرة هى أخطر سلاح فى العالم . وقد تأكد لى ذلك فى بداية طريقنا إلى أفغانستان ، عندما شاهدنا الطائرات وهى تدمر عددا من القرى ، ولم نشاهد أى دبابات .

قال شارحا السبب : أن الطائرات تقصف وتمضى فى حال سبيلها ، أما الدبابات فتجلس فى القرى ومعها الجنود الذين يقتحمون البيوت ويعتدون على الأموال والأعراض.

ثم قال: سمعت أن مولوى حقانى حصل فى غنائم المعركة الأخيرة على سلاح”ضد الدبابة” ـ هكذا كان إسم ذلك السلاح بين المجاهدين فى ذلك الوقت ـ وجئت للحصول على واحد منها .

تعجبت لسرعة إنتقال الأخبار بين الولايات رغم عدم وجود وسائل إتصال حديثة . وهكذا من قرية مجهولة بين جبال باكتيا إلى قرية فى صحراء غزنى يطير الخبر خلال ساعات .

 

نعمة الغنائم ، ومشاكلها :

بعد تجميع الغنائم كان يجرى تخميسها ، بحيث يحصل المجاهدون على أربعة أخماس الغنائم ، ويذهب الخمس الباقى إلى “بيت المال” أو قيادة الجبهة . ولهذا النظام مرتكز شرعى صحيح إلا أن تطبيقه كان يحتاج إلى إجتهاد جديد ، لأنه فى ظروف الحرب الحديثة ومعداتها كان التقسيم يؤدى إلى ضياع جزء كبير من إمكانيات قتالية هامة ، وإلى عجز مالى كبير لدى قيادة الجبهات إذا حاولت شراء المعدات الثقيلة الهامة من مدافع ودبابات وذخائر. لذا كان معظم تلك المعدات الهامة يذهب ليباع فى أسواق السلاح الحدودية . وعند محاولة شرائها مرة أخرى كانت أسعارها تتضاعف ، هذا إن وجدت أصلا ، لأن جهات معنية بإفشال الجهاد وعرقلة مسيرته ، كانوا يجمعونها بأى سعر ثم يخفونها عن الأنظار. لم تكن تلك مشكلة عادية إذ أوشكت بالفعل على كبح إنتصارات المجاهدين ووقف الجهاد قبل التحرير الكامل . أى إجبارهم على الدخول فى مساومات تقسيم السلطة بين السوفييت والأمريكيين .

وكانت الغنائم وتوزيعها وظهور الإحتياج إلى الأسلحة الثقيلة وذخائرها من المشكلات الكبيرة التى واجهت القيادات الجادة المخلصة من أمثال حقانى . وظهرت فى وقت لاحق مشكلة “الغلول” أى سرقة الغنائم أو إختطافها بالقوة . أحد الأحزاب إتخذ من تلك الجريمة منهجا ثابتا لرجاله فى الجبهات ليضعهم أمام خيارين إما الدخول معهم فى صدام مسلح وفتنة بين المجاهدين أو الرضوخ للأمر الواقع حفاظا على وحدة المجاهدين .كان حقانى يفضل الخيار الثانى . تكونت مجموعات خلف الحدود الباكستانية بأعداد كبيرة لإختطاف الغانائم من أيدى المجاهدين . وعملية الغلول كانت تحدث عادة فى الدقائق القليلة الحاسمة قبل نهاية المعركة ، بحيث تضع المجاهدين الحقيقيين أمام خيارين : إما ترك المعركة وإفشالها حتى يمنعوا غربان الغلول ، أو إنهاء المعركة والرضا بالقليل من الغنائم التى تبقت.

معركة فتح خوست التى بلغ فيها المجاهدون بقيادة حقاتى قمة تطورهم العسكرى ، شهدت أيضا قمة التطور فى فن جريمة الغلول . ولولا حكمة حقانى وبعد نظره لوقعت مجازر كانت ستؤدى حتما إلى فشل الفتح سواء فى خوست أو فى جرديز . وفيها تبدت بوضوح الأبعاد السياسية لعمليات الغلول، وأنها تهدف إلى حرف المجاهدين عن الفتوحات وتحويلهم إلى الفتن القبلية بديلا عنها ( ولنقارن ذلك مع فتنة داعش الآن ، والتى تفرض الفتن الطائفية والعرقية كبديل عن جهاد العدو المحتل ) . وليس سرا أن نقول أن بصمات الحكومة الباكستانية كانت واضحة ، وكذلك أحزاب بيشاور ، خاصة حزب حكمتيار الذى هو تشكيل باكستانى أكثر منه أفغانى ، أى خاضع لإدارة كاملة من المخابرات الباكستانية (ISI). ذلك الحزب كانت له اليد الطولى فى عمليات الغلول داخل أفغانستان ، ومع ذلك فقد كان الأسرع دوما إلى إصدار بيانات من بيشاور تنسب أى إنتصار داخل أفغانستان إلى الحزب الذى كان يحظى بدعم كامل من الإعلام الباكستانى . بالطبع كانت هناك مجموعات إجرامية مستقلة كانت تعمل فى خطف الغنائم ، بل وعمليات سرقة وقتل بهدف السرقة ، ولكن ضررها كان محدودا جدا مقارنة بالعمل المنظم ذو العمق السياسى لعمليات الغلول . حتى العمليات الإجرامية محدودة الحجم كانت ذات دلالات سياسية أحيانا ، مثل البحث عن العرب تحديدا، لقتلهم فى الجبهات أو على الحدود أو فى العمق الباكستانى . ولكن إهتمام المتطوعين العرب بمثل هذه الأشياء كان وقتيا ومحدودا ، فلديهم برامج أخرى ، وكانوا يفتقدون إلى قيادة مركزية جامعة . فالعربى الذى يغتال أو يستشهد كان موضع إهتمام أصدقائه المقربين فقط ، أو على الأكثر الجماعة أو التنظيم الذى يتبع له. وكثرة شهداء أى تنظيم كانت تحمل دعاية مباشرة له ، لذا كانت خير وبركة من وجهة نظر تنظيمية .

حركة طالبان فيما بعد طبقت إجتهادا جديدا إذ إحتجزت كل الغنائم “لبيت المال” ، فى مقابل ما يحصل عليه المجاهدون من إمدادات قتالية وأحيانا مكافآت مالية . وفى هذا التطبيق بعض الصعوبات أيضا ، مع أنه حل جانبا هاما من المشكلة .

 

حقانى .. بنك معتمد :

سألت حقانى عن سلاح ” ضد الدبابة ” وكم قطعة غنموها . فأجاب أن نصيب “بيت المال” كان قطعتان فقط ، واحد منها سليم تماما والآخر محترق بحيث لم يتبق منه سوى الهيكل الحديدى ، وقد ذابت كل القطع البلاستيكية . وقد رأيته وكان مشوهاً بالفعل .

فسألته كيف سيتصرف مع المولوى القادم من غزنى ، قال أنه سيشترى قطعة سليمة من أحد المجاهدين ، ويعطيها له . كنت أعلم أن حقانى لا يمتلك نقودا فى الوقت الراهن ، ولكننى إستحيت أن أسأله كيف سيشترى ذلك السلاح؟؟.

بعد قليل رأيت مجاهدا جبليا خشنا يخرج من غرفة حقانى وهو يمسك ورقة صغيرة فى حجم نصف الكف ، وهو يحملق فيها مذهولاً وعلى وجهه إبتسامة سعادة ودهشة .

سألت عن سر هذه الورقة المدهشة . فعلمت أن ما فى يده هو إيصال بالمبلغ الذى تعهد حقانى بسداده ثمنا لسلاح (ضد الدبابة) الذى باعه إليه ذلك الرجل .

أدركت وقتها مدى الثقة التى يتمتع بها حقانى بين رجاله ، لدرجة أن هذا المجاهد الفقير إعتبر أن تلك الورقة هى مال حقيقى حصل عليه . وأثبتت الأيام أن ثقة الرجال بذلك القائد هى أكبر من ذلك بكثير . جانب من هذه الثقة يعود إلى كونه عالم دين وهى منزلة محترمة جدا إجتماعيا. جانب آخر من الثقة يعود إلى مميزاته الأخلاقية العالية وقدراته القيادية الفريدة . فهو صادق ودود مع رجاله وحازم فى قيادته . وكان الأشجع على الدوام ، وهى صفة ذات منزلة كبيرة بين رجال القبائل ، وهى تلى مباشرة منزلة عالم الدين . تلك المميزات لحقانى مكنته من تعويض النقص فى الذخائر والأسلحة والمهمات من طعام ووقود ، معتمدا على مصداقيته فى الأسواق القبلية ، حيث منحة التجار قروضا وصلت إلى ملايين عديدة فى بعض الأوقات ، أو باعوه بالأجل جميع متطلبات جبهته ، معتمدين أنه رجل صادق أولا ، ثم أنه منتصر دوما ويربح الغنائم الكثيرة وقادر على السداد .

 

حقانى فى أكاديمية الجهاد :

بالتدريج كانت قوة المجاهدين تزداد ، والمعارك تكبر من ناحية الحجم والشدة. قدرات حقانى القيادية كانت تنمو معها بإستمرار . فهو الرجل ذو التعليم الدينى ، والذى لم يخدم يوما فى الجيش، كان يتعلم الحرب بالممارسة ، وبالملاحظة العميقة والذكية ، وبالإستفادة من أى معرفة تأتيه من أى جانب كان ، حتى من أسراه العسكريين .

كان يجلس مطولا مع الأسرى ، خاصة الضباط منهم . ويسألهم كثيرا عن كل شئ يتعلق بحياتهم العسكرية وأحوال الجيش المعنوية والقتالية وعن الأسلحة الموجودة لديهم وتكتيكاتهم فى القتال ويطلب منهم تقديم خدمات لتدريب المجاهدين على بعض الأسلحة الجديدة ، وعن إصلاح تلك الأسلحة إن أمكن .

قرب نهاية رحلتنا الأولى ، جاء إلى “سيرانا” حوالى عشرة من الضباط متوسطى الرتب ، فروا من جرديز ، حاملين معهم ثروة من المعلومات الداخلية ، تقود إلى نتيجة واضحة وهى أن النظام يتهاوى ، وأن الجيش بدأ فى رفض الحرب القائمة . وأن تمردا حدث فى أحد الألوية فى كابول . وتمردا آخر لضباط فى جرديز مع جنودهم ، كانت منهم تلك المجموعة .

بعضهم كانوا ضباطا فى سلاح الدبابات ، فطلب منهم حقانى الذهاب إلى موقع المعركة الأخيرة ، لبحث إمكانية إصلاح شئ من الدبابات والمدرعات والمعطوبة هناك . أمضوا هناك قرابة اليوم وعادوا بنتيجة سلبية ، بأن لا شئ هناك قابل للإصلاح . فالمجاهدون إنتزعوا من الدبابات كل شئ يمكن لهم خلعه ، ثم أحرقوا باقى الدبابة . شعر حقانى بالأسف وأنا أيضا شعرت بالأسف ، لأن المجاهدين على شجاعتهم الكبيرة ، فى حاجة إلى الكثير من التعليم والتدريب ، وأيضا الأمكانات الحديثة . بإختصار كانوا فى حاجة إلى عناصر بشرية إسلامية إضافية ، وتخيلت وقتها أن المتطوعين العرب هم ذلك العنصر المفقود . ولكن بعد سنوات تمنيت لو أن العرب لم يأتوا إلى أفغانستان ، إذ خلقوا مشكلات أكثر وقدموا إيجابيات أقل مما توقعت.

 

“إبراهيم خيل” خطوة مبكرة لفتح خوست :

–  لم يقص عليَّ حقانى تفاصيل معركة (إبراهيم خيل) ، معتبرا إياها مجرد واحدة أخرى من المعارك . وهى لم تكن كذلك بالضبط ، لأنها منعت الجيش الحكومى ، وحتى السوفيتى فيما بعد، من مجرد التفكير فى المرور بالقوة من ذلك الطريق . أى أن معركة “إبراهيم خيل” كانت البداية المبكرة والخطوة الأولى لفتح مدينة خوست بعد مشوار طويل (أكثر من عشر سنوات) من المعارك الحافلة بالبطولة والإنتصار، كما لم تخلوا من الهزائم والخيانة .

والعبرة هى : إن أى إنتصار جزئى هو خطوة ضرورية على طريق الإنتصار الكامل.أقول ذلك لأنه فى فترة لاحقة شاع فيها اليأس والإنهزامية بين المتطوعين العرب بعد أن طالت المدة وكثرت عوامل الإحباط ، فكانوا يستصغرون شأن أى إنتصار جزئى قائلين ( إن ذلك النصر الصغير لن يحرر أفغانستان). إن النصر فى حروب العصابات هو عملية تراكمية طويلة. فالإستثمار الإيجابى لعملية كسب الوقت (بالتجهيز والتنظيم والتدريب) هو محور أساسى لتلك الحروب .

–  كان لابد من إتفاق “سياسى” وبالأحرى ضخ الكثير من الأسلحة والأموال بين أيدى القبائل لشراء ولائها ، لضمان عبور دائم وآمن لقوات الجيش على ذلك الطريق الحيوى ، ولكن كان حقانى هو العقبة الكبرى . وظل ذلك الوضع قائما حتى شتاء(1987 ـ 1988) حين تمكن الروس من كسر ذلك الحاجز بقوة الخيانة التى كان نجمها الساطع (عبد الرسول سياف) زعيم حزب الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان ، متحالفا مع الجنرال نظر محمد وهو من قبائل زدران ، وشغل يوما منصب وزير الدفاع فى الحكومة الشيوعية. وفى تلك المعركة أصيب حقانى فى المعركة بجرح كبير فى ركبته ، وتمكن مرافقوه من حمله بصعوبة من خلال الثلوج حتى يتم علاجه بعيدا عن نيران العدو .

العدو بحماقته ساهم فى تخليد ذكرى هزيمته المدوية فى “إبراهيم خيل”، بأن جعل الدبابة الوحيدة التى نجت من المحرقة ، رمزا على بوابة أحد القيادات العسكرية فى بداية طريق خوست . واضعا تحتها لافتة حجرية كتب عليها (الدبابة البطلة!!)،حسب طريقة التمجيد السوفيتية . وكتبوا على اللافتة تاريخ المعركة التى نجت منها الدبابة منفردة وكسيرة الجناح .

إغلاق هذا الطريق كان ركيزة أساسية لمعارك فتح خوست بأن وضع المدينة تحت حصار برى إستمر حتى شهر مارس من عام 1991 حين إقتحم المجاهدون المدينة بعد معركة ضارية إستمرت ثلاث أسابيع.

خلال تلك المدة كان إمداد المدينة يعتمد فى الأساس على الإمداد الجوى عبر مطار المدينة . ومن هنا كانت أهمية إغلاق المطار وإخراجه من الخدمة ، قبل ستة أشهر تقريبا من إقتحام المدينة ، فى معارك ليلية بالراجمات إستمرت ما يقرب من شهر.(عن معركة إغلاق المطار قال عرب محبطون أن تلك العملية لن تحرر أفغانستان ـ رغم أن الذين قاموا بها كانوا عربا نسقوا جيدا مع مجموعات المدفعية والمراقبة اللاسلكية الأفغانية).

فتح المدينة تم بنجاح تام بقيادة حقانى فى مارس عام 1991 . فقيادتة كانت سببا مباشرا لذلك الفتح ، بعد معارك جزئية ضارية إستمرت لسنوات ، دفع فيها مئات الأبطال أرواحهم فى الجبال المحيطة بالوادى وفى السهول والقرى المحيطة بالمدينة .

وأبرزت معركة فتح خوست قمة التطور فى قدرات حقانى كقائد هو الأبرز فى كل الحرب ضد السوفييت بإنجازاته العسكرية التى توجها بفتح خوست ثم إقتحام مدينة جرديز ، التى بعدها بأيام تهاوت كابول نتيجة تصدعاتها الداخلية وتحلل جيشها وإنقلاب المكونات المتحالفة داخل النظام الشيوعى .

– لابد أن نشير هنا .. وسنعود لاحقا ومرارا.. إلى التأكيد على أن موهبة حقانى العسكرية والقيادية ، كان تماثلها مهاراته السياسية فى التعامل مع القبائل . وتلك نقطة خطيرة سنعود إليها مرارا . لأنها سر كبير فى بقاء وإستمرارية حقانى . عكس كثير من الأبطال الكبار الذين طوتهم المؤامرات الداخلية والخارجية . حتى أصبح حقانى قوة لا يمكن تجاوزها فى باكتيا ، وبالتالى كل أفغانستان . ومن ذلك إستمد قوة سياسية فى المجال السياسى الخارجى أيضا، فاستطاع أن يخرج من عنق الزجاجة الذى فرضه الأعداء على جهاد أفغانستان .

– ونضيف أيضا أن نجاح حركة طالبان والإمارة الإسلامية ، وقدرتها على الإستمرار والإنتصار ، يرجع أساسا إلى براعتها التى لا تضاهى فى التعامل مع المجتمع القبلى فى أفغانستان. و تلك النقطة تحديدا جعلت من حقانى وحركة طالبان نسيجا واحدا إسلاميا وأفغانيا أصيلا ، لا يمكن عزله أو إقتلاعه من التربة الأفغانية أو تعمد نسيانه أو تجاهله، من الآن وإلى قيام الساعة .

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

فى مواجهة الطائرات : الطلقة الثالثة .. ثابتة :

الطيران معضلة دائمة تواجه حرب العصابات فى كافة مراحلها . خاصة فى مرحلتها الأولى حيث تنعدم الخبرة اللازمة، إلى جانب نقص الأسلحة الثقيلة الملائمة “لتخويف” الطائرات ، أو إسقاطها بفضل الدعاء إلى الله .

أول تجربة مباشرة عاصرتها مع الطيران ، فى مرحلة الحرب الأولى كانت عند حقانى فى مركز سرانا . حيث حطم نظرتى لسلاح الطيران بشكل غير متصور . كنت أعرف أن الحرب التقليدية تحسم فى السماء أولا فمن يسيطر عليها يكسب المعركة . ونتيجة لتجربة بلادنا فى حرب 1967 روج النظام المصرى بشدة لقدرة الطيران الخارقة فى كسب الحروب ، وكتبوا عن قدرات الطيران الحديث أشياء كثيرة، بعضها صحيح وبعضها مبالغ فيه لتبرير هزيمتهم المخزية . بهذه الخلفية عن الطيران بما فيها من صواب وخطأ وتشويش ـ وجدت نفسى أصطدم مع “العقيدة العسكرية ” لحقانى .

أخذنى حقانى إلى أعلى قمة فى الجبل كى يطلعنى على قمة تطورهم التسليحى ، وقدراتهم “لمكافحة ” طيران العدو . كان سلاح ” الدفاع الجوى” ـ إن جازت التسمية ، وهى قطعا لا تجوز ـ عبارة عن مدفع صنع فى بلجيكا لحساب ” الجيش الملكى الأفغانى” عام 1941 حسب ما هو منقوش على لوحة على سطح السلاح ـ الرامى على المدفع شخص واحد هو “بادشاه” أى الملك ، وهو إبن عم حقانى ، وشخصية لم يصادفنى لها نظير فى كل ما تلى ذلك من سنوات .

متوسط الطول ذو جسد صلب قد من صخور “ساتى كاندو” . عيونه زرقاء مثل شاهبين ثاقبين . كان مشهورا بالشجاعة ، وفى ذلك مبالغة كبيرة ، لأنه فى الحقيقة لم يسمع يوما عن شئ إسمه خوف ، كان هكذا بالفطرة . كان واحدا من أبناء عمومة حقانى الذين وقفوا إلى جانبه بكل ما يملكون . ونتيجة لصفاته سالفة الذكر كان هو الأنسب فى كل أفغانستان الذى يمكن أن يقف ذلك الموقف الذى شاهدته . هو ومدفعه العتيق متمركزان تماما على خط الأفق على قمة الجبل . فأصبحا معلما بارزا تراه جميع طائرات العالم . تلك كانت مواصفات الرجل .

أما مميزات المدفع الذى يعمل عليه (بادشاه) فهى أنه يتعطل فى الطلقة الثالثة ، فينحشر المظروف فى ماسورة السلاح ، بكل دقة وبلا تأخير أو تقديم فى عدد الطلقات . لم يعجبنى شئ مما رأيت أو سمعت . فقد رأيت أن “بادشاه” سوف يستشهد عاجلا وليس آجلا . وذلك المدفع المستهلك سيكون سببا لهلاكه ، وجاذبا للطائرات صوب مقر القيادة الذى يقيم فيه حقانى . وبذلك يتعرض هو أيضا للخطر .أما القرية على القمة القريبة المقابلة ، فهى هدف سهل سنراه محترقا ومدمراً  كما شاهدنا القرى والطيران يحرقها ونحن فى الطريق .

أنزلوا المدفع قليلا إلى السفح فى منطقة تم تمهيدها كطريق للمشاه . وبدأ حقانى ورجاله فى التمرين على الإطلاق تحت إشراف (بادشاه) الذى كان سعيدا ونشيطا وهو يشرح ويعطى الإرشادات . ثم يأخذ قضيبا طويلا من الحديد كى يخرج الطلقة (الثالثة) المحشورة فى ماسورة المدفع .

الجميع كانو ا سعداء ، ولم أكن كذلك . تكلمت مع صديقى أحمد حول مخاوفى من قصة المدفع . ذهبنا للحديث مع “بادشاه” بجانب مدفعه على خط الأفق . واقترحنا عليه أن نقيم له محيطا من الأحجار للوقاية من شظايا القنابل . وبدأنا على العمل  الهندسى وصنعنا دائرة من الصخور حول المدفع متسعة تكفى للحركة الدائرية الكاملة ثم وضعنا بين الصخور أفرع من نباتات وأشجار للتمويه .

بعد ذلك المجهود المرهق . سألنا “بادشاه” عن رأيه فقال أنه عمل جيد وجميل . فنزلنا نحو جدول الماء بالأسفل من أجل الوضوء وغسل وجوهنا من العرق والأتربة . وما أن بدأنا الصعود حتى كان “بادشاه” قد حمل مدفعه إلى خارج الإستحكامات ، قائلا أنها تعيق حريته .

بدأ أول إشتباك مع الطائرات عندما كنت قريبا من القمة . طائرة “ميج” سوفيتية إسقطت قنبلتان على الجانب الآخر من الجبل ، أحدها لم تكن بعيدة عن المدفع .أخذت الطائرة تدور حول الموقع فى دائرة واسعة ، و”بادشاه” غير مبالى بها منشغلا بإخراج الطلقة الثالثة المحشورة فى المدفع .

كان السفح يخلو من أى خندق أو حتى مجموعة صخور مناسبة للإختباء ، كان يجب أن أنزل حتى مجلس الإجتماعات حيث مجموعة جيدة من الصخور فجريت نحوها . عندها شاهدنى حقانى متلبسا بتلك الجريمة . وما أن إبتعدت الطائرة عن الموقع لتدور فى حلقة واسعة حول المكان حتى صرخ غاضبا يؤنبنى قائلا : أنت عربى .. لماذا لا تطلق النار على الطائرة ؟؟  لماذا تجرى ؟؟ ..

كنت مذهولا من كلامه، حيث كنت أعتقد بأننى أتصرف بطريقة صحيحة ، وأن العثور على مكان مناسب يأتى أولا ، ثم بعدها إطلاق النار .. إن كان ضروريا ، فما بالك وأنا لا أرى له أى ضرورة ، لأنه ما أن رفعت رأسى إلى السماء حتى كانت الطائرة الميج قد أصبحت فوق القرية بدون أن تقصفها ثم مضت بعيدا .. لم يستغرق الأمر وقتاً ، فما جدوى إطلاق النار فى أعقاب طائرة نفاثة؟؟. ليس هناك فرصة لإصابتها ، وما لدينا من طلقات هو قليل بالفعل ، فلماذا نصرفه بدون إحتمال ، ولو بنسبة ما ، من أمكانية التأثير ؟؟.

كان حقانى غاضبا ، وأنا مندهشا ، والدخان يتصاعد من خلف الجبل و”بادشاه” منهمك مع الطلقة الثالثة .

تذكرت على الفور ما قاله المولوى الشاب من “غزنى” إذ قص على قصته عندما كان جالساً مع أمه على سطح البيت . وإذ بالطائرات النفاثة تنقض على القرية وتمطرها بالقنابل فانتفض الشاب واقفا ، ساحبا أمه للإحتماء بشئ أسفل الدار . فانتهرته بشدة قائلة له : ألا تخجل من نفسك !! أنت مولوى حافظ لكتاب الله وتخاف من كافر .. إجلس !!. فجلس معها إلى أن إنتهت الغارة . ثم نزلا ليعالجا النتائج .

ذلك التحدى بلا حدود هو أحد مكونات الشخصية الأفغانية والمجاهدين بشكل خاص . فى البداية ظننت أنه أمر لا معنى له حتى ظهر تأثيره المدمر على نفسيات العدو . البعض أفرط فى التحدى فكانت الخسائر كبيرة . من حسن الحظ أن حقانى لم يكن كذلك بل كان مهتما جدا بإجراءات الحماية ، قدر إهتمامه بإجراءات الهجوم .

فعندما كنا أسفل الوادى تحت الأشجار فى مكان اللقاء الأول الذى ألقينا فيه الخطب ، كان حقانى يأمر رجاله بالوقوف تحت الأشجار وفى الظل حتى لا تراهم الطائرات . وكان من وقت إلى آخر يرفع رأسه إلى السماء ويجول بعينيه فى محيط المكان .

إذن فما هى المشكلة .. ولماذا غضب منى هكذا ؟؟.  أكتشفت لاحقا أنه كان يخشى من تفشى حالة الخوف وانتقالها بين الرجال بالعدوى . لأن إمكانية التصدى للطائرات هى عمليا معدومة . فلو إكتشف الرجال ذلك فربما ضربهم اليأس وأنصرفوا عن الجهاد ، لأنه مستحيل عمليا بسبب الطائرات .

{ مثل هذه الحالة ضربت سكان القرى فى أفغانستان فى بداية الغزو الأمريكى حيث فشلت خبرة طالبان القديمة فى معالجة التفوق التكنولوجى للطيران الأمريكى ، فتكبدوا خسائر كبيرة ، وتعرضت القرى المحيطة بهم لضربات إنتقامية من الطيران الأمريكى } .

بالتجربة والخطأ وبطول الممارسة وبذل الدماء تعلم المجاهدون الأفغان كيف يواجهون الطيران . أفضل السبل حسب ما رأيت كان إستخدام الأرض لمواجهة الهجوم القادم من السماء ـ الوسيلة الأفضل هى الخنادق والمغارات ، بعد ذلك تأتى إستخدام التضاريس الطبيعية مثل الصخور ومجارى السيل ، والأجمل كانت التضاريس متفاوته الإرتفاع فى الجبال . فكثيرا جدا جاءت القنابل قريبة للغاية من المجاهدين ولكن على مستوى من الأرض أعلى أو أقل إرتفاعا ، فيضيع تأثيرها فى الحالتين . ونادرا ما كانت القنابل تأتى بشكل مباشر على رأس الأفراد . وعموما كانت الطائرات هى أقل أدوات الحرب التى أوقعت قتلى بين المجاهدين ، بالمقارنة مع الوسائل الأخرى . ولكنها كانت الأكثر تأثيرا معنويا على المجاهدين أكثر من أى سلاح آخر لدى العدو . بينما خسائرها للمدنيين فى القرى كانت هائلة فى الأرواح والماديات .

 

حقانى وتحييد سلاح الطيران الطيران :

لابد أن نذكر هنا ، كيف أسقط حقانى هيبة الطيران بأساليب مختلفة فى فترات زمنية مختلفة ، وربما فى نفس الفترة الزمنية لكن فى مناسبات مختلفة .

أذكر مجهوده فى ذلك خلال معركة “ليجاه” فى جنوب خوست عام 1982 كان هدف العملية هو إزالة موقع حصين للجيش الحكومى يمنع المجاهدين من دخول وادى خوست الفسيح حيث المدينة ومطارها وحزامها الأمنى الأول . كانت بداية العملية ناجحة ، وأوشك العدو على الإنهيار لولا حقول الألغام التى أوقفت زحف المجاهدين .

أخذ الطيران يقصف بشدة ، وبدأت النفاثات الروسية فى حرق الشعاب . وكانت تؤدى عروضا إستعراضية فى بعض الأحيان ، مظهرين المهارة وفرحة الإنتصار ، وكان ذلك يبعث على الغيظ والقهر . كان لدى المجاهدين رشاش وحيد من طراز”دوشيكا ” ولم يُجْدْ نفعا ، حتى إلتزم الصمت عندما ركزت عليه الطائرات . المروحيات بدورها كانت تهاجم فى مجموعة من أربعة أو خمسة طائرات دفعة واحدة . توقف المجاهدون حتى عن الرماية عليها بالبنادق عندما شعروا بعدم جدوى ذلك . النتيجة : نحن صامتون ونزحف من صخرة إلى أخرى أو بين الشجيرات ، بينما المروحيات فوق رؤوسنا تماما .

وما أن نجتمع للصلاه أو لتناول لقيمات من الخبز ، حتى يداهمنا الطيران ويحَوِّلْ راحتنا إلى دروس فى الزحف بين الأعشاب والتسلل يين الصخور .

ضاعت منا المبادرة تماما . وحقول الألغام أوقفت الزحف إلى الأمام . لم يكن حقانى معنا وقتها ، ولم يدر أحد ماذا علينا أن نفعل .

جاء حقانى إلى ليجاه برفقة أربعة من رجاله ، وصعد على الفور إلى القمة المواجهة لتجمعنا الرئيسى . وكان تسليحه الشخصى وقتها هو (RPG) . وكان يستخدمه كمدفع مضاد لطائرات الهيلكوبتر تحديدا .كانت النفاثات تدور مرتفعة حول الموقع ، وجلس حقانى مع رجاله فوق القمة ـ ولم تحضر المروحيات فى ذلك اليوم . لكن بجرأته وتحديه إنبعثت حياة جديدة فى المجاهدين . وكان قد أحضر معه كاشف عن الألغام إشتراه من سوق الأسلحة فى مدينة ميرانشاة الحدودية . فتجمع حوله المجاهدون ليشاهدوا هذا المخلوق العجيب ، وهو يشرح لهم طريقة عمله وهم فرحون كالأطفال فى أول أيام العيد . جربوا الجهاز فوق قطع معدنية مدفونة فأعطى أشارة ، فهللوا فرحين . ومع ذلك لم يفد ذلك الجهاز بشئ حيث أنه يعطى إشارات على الدوام لأن الأرض مليئة بالشظايا ، فعادوا مرة أخرى إلى الكشف اليدوى عن الألغام . ولكن هذه المرة تحت حماية جوية يقف على رأسها حقانى معه مدفعه المضاد للدبابات الذى يستخدمه لمكافحة المروحيات . عادت الحياة إلى رامى مدفع الدوشكا وبدأ يمارس نشاطه من جديد . والمجاهدون يطلقون نيران بنادقهم على الطائرات إذا كانوا فى وضع ملائم . وهكذا إنبعث من جديد مشروع فتح حصن ليجاه . بعد أن أسقط حقانى بشجاعته فقط “هيبة ” الطيران بواسطة تسليحه الشخصى الجديد ، قاذف “RPG ” الذى لم يسقط أى طائرة . ولكن إسقاط هيبة السلاح وخوف الناس منه أهم بكثير من تدمير السلاح نفسه . أسقط المجاهدون الأفغان هيبة الدبابة ثم هيبة الطائرة حتى قبل أن يتمكنوا من إمتلاك وسائل تدميرها فعليا. إيمان وشجاعة القيادة والمجاهدين كانا أدوات النصر وإسقاط هيبة العدو ، وجميع أسلحته .

تواصلت مجهودات حقانى لتحييد سلاح طيران الخصم . وكان أعظم خطواته وأبعدها أثرا هو برنامج للحفريات تواصل لسنوات حتى سقوط مدينة خوست . لذلك تحول إلى مشروع إستراتيجى وكان له أهمية كبرى فى فتح المدينة المنيعة . وقد أعترف العدو بتلك الحقيقة ، حتى أن رئيس الدولة(نجيب الله) كان يخرج على الهواء فى الإذاعة مخاطبا حافرى مغارات خوست ، وكانوا فى أغلبهم من ولاية (ميدان وردك ) ، ويطالبهم بالقدوم إلى كابول وسوف يقدم لهم ما يطلبونه من أموال ، قائلا أن مغاراتهم أبطلت مفعول طائراته وصواريخه. ولكن الوقت كان قد فات وتبقى القليل جدا من الوقت حتى يقتحم المجاهدون خوست ، وتَبَقَّى من عمر النظام كله حوالى عام واحد .

إبطال سحر الدبابة :

إبطال التأثير النفسى للدبابة كان خطوة كبرى فى العام الأول للجهاد . وكانت هى الخوف الأكبر للأهالى والمدنيين على السواء . ولذلك قصة شهيرة فى ولاية باكتيا سمعناها ممن خاضوا التجربة . سمعنا القصة فى ليلة مقمرة فوق أحد سطح بيت قروى أثناء تحركنا نحو جرديز مع مولوى حقانى ، وكان ذلك فى عام1986، وكان حقانى معنا فى تلك الجلسة المقمرة التى لم تتكرر بعد ذلك( حضر تلك الجلسة كل من أبو حفص المصرى ، وأبو عبيدة البنشيرى وعبد الرحمن المصر ى ، وقد تجمعنا من أجل المشاركة فى عمليات قرب جرديز . ولم يكن تنظيم القاعدة قد تشكل بعد )  . وفى تلك الجلسة أخبرنى حقانى عن بعض أسرار معركة جاور الأخيرة ، وسوف نذكرها فى موضعها . كما حكى مجاهدو القرية عن تجربتهم فى الحصول على سلاح “ضد الدبابة” لأول مرة ، وكانت كالتالى :

 كانت القرية  مصدر قلق للحكومة الشيوعية لتمركز القائد “شاكرين” ومجموعته يهددون منها الطريق الرئيسي والمراكز الحكومية المنتشرة على طوله، لذا قصفها الطيران عدة

 مرات وهجرها معظم السكان لكن “شاكرين” لم يتوقف، فقررالعدو شن حملة  لإقتحام القرية وكانت الخطة  أن تتقدم القوات على محورين الأول من الطريق الرئيسي نفسه ثم تنحرف الدبابات والمشاة نحو القرية حيث يوجد مدق ترابي يصلح لمرور الآليات.

والمحور الثاني تتقدم عليه قوة أخرى عبر وادي شمل حيث ينزل المشاة ويتسلقون الجبال ثم يتوجهون صوب القرية، وهناك تلتقي القوتان وتهاجمان القرية في وقت واحد.

كانت الخطة جيدة،( ولكن على الورق وليس على الأرض). فعند التنفيذ وصلت القوة  القادمة  من إتجاه شمل أولاً. وأبلغ بدو الجبال شاكرين بتقدم القوات نحوه فخرج مسرعاً مع رجاله ونصب كميناً للقوة فدمرها وأسر وقتل جميع من شارك فيها. ولم يكد يفرغ من عمله حتى كانت القوة الأخرى قد وصلت بدباباتها إلى الطريق العام وبدأت تتقدم نحو القرية عبر المدق الجبلي، شعر الرجال بالذعر لتقدم الدبابات المفاجيء نحو قريتهم. ولكنهم كانو قد غنموا سلاحاً عجيباً منذ قليل أخبرهم الجندي الذي يحمله أنه سلاح (ضد الدبابة) فطلبوا من الجندي أن يتقدم معهم لإستخدامه ضد الدبابات المتقدمة لكن الخوف أصاب الجندي  ورفض أن يتحرك خطوة واحدة حتى ولو قتلوه. فطلبوا منه أن يشرح لهم كيفية إستخدام ذلك السلاح فشرح لم وأوصاهم بالتصويب على خط التقاء البرج مع جسم الدبابة.

أحد المجاهدين إلتقط السلاح وتقدم به نحو الخطر القادم ومن الطلقة الأولى طار برج الدبابة في الهواء وإشتعلت فيها النيران. ولم تقف المفاجأة عند ذلك الحد، فالطابور المتقدم من الدبابات والمدرعات التي تحمل الجنود، وجميعها محشورة في مدق ضيق لا يصلح  للمناورة. ذلك الطابور صدمته المفاجأة، إذ كان الضباط على يقين بأن ليس لدى المجاهدين أي  سلاح مضاد للدبابات، وإعتمدوا على حقيقة أن مجرد صوت الدبابة كفيل بأن يدفع، أشجع الرجال لأن يفر من ساحة المعركة.

لذا قفز جميع الضباط والجنود من داخل الآليات رافعين أيديهم إلى أعلى معلنين الإستسلام لشاكرين ورجاله. ( وكانت قصة مازال يتداولها المجاهدون إلى الآن).

كان توفيقاً من الله ألا تصل القوات المهاجمة في وقت واحد حسب الخطة المقررة. وأن يتمكن شاكرين من القضاء على الطابور الأول وتسليح رجاله بقاذف (RPG) ليكون سلاحه الرئيسي ليس لتدمير دبابة واحدة للشيوعيين بل لتدمير وأسر القوة المتقدمة كلها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 153 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

20/11/2018

www.mafa.world




إيران : الدين .. والنفط .. والثورة

إيران : الدين .. و النفط .. و الثورة

نقلا عن موقع الحوار المتمدن   13/11/2018

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

إيران : الدين .. والنفط .. والثورة .

منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية لم يشهد العالم فوضى فى علاقاته كما يشهدها الآن .

فوضى يحدثها عمدا النظام الأمريكى بقيادة الرئيس ترامب ، الذى هو الأنسب للمهمة التى كلفه بها النظام ، نظرا لتطابق شخصية الرئيس مع طبيعة المهمة .

توصيف الحالة يعرفه الجميع ، فلا أمن ولا إستقرار ولا قوانين ولا مؤسسات دولية . فكأن الأمر مقامرة خطيرة أو أنه تقدم مدروس نحو الهاوية . على كل الأحوال فالنظام الغربى الذى يقود العالم منذ قرون يتفسخ تدريجيا ويتهاوى ، ويحافظ جاهدا على نفسه بشتى الوسائل غير المشروعة .

النظام الدولى ساقط وأمريكا لا تسمح ببناء نظام جديد لن تكون هى مركزه . قد ينتهى الحال المضطرب إلى حرب عالمية تبدأ إقتصادية وتنتهى نووية . فى وسط التوتر والخوف يأمل المقامر ترامب أن يسعده الحظ ويربح صفقة عالمية عظمى ، هى إن حدثت ، (صفقة العصر) التى ستكون صفقتنا العربية الإسرائيلية المسماة “صفقة القرن” ، مجرد مفردة صغيرة جدا ضمن تفاصيلها.

بدأ ترامب فى تصنيع الإعصار بالخروج من عدة إتفاقات دولية بلا أى مبرر مقنع سوى أنه (لا يريدها هكذا ، فأمريكا أولا.. وأخيرا) ، ولديه شروط جديدة لجميع الإتفاقات السابقة . وكأن الدول والشعوب أشباحاً لا وجود لها . مارس تلك الغطرسة المذلة ضد الحلفاء والأصدقاء (أوروبا كندا) والمنافسين (الصين وروسيا) والأعداء (إيران) . إفتتح الأزمات مع العالم بالمناخ والإقتصاد وإنتهت مع إيران بالنووى ، كما هو مسار الأزمة العالمية إذا تمادت بشكلها الراهن ، فقد تنهى أمريكا حربها الإقتصادية مع العالم ، بحرب نووية شاملة (هرمجدون) .

جوهر أزمة إيران هو إجبارها على تطبيع العلاقات مع إسرائيل فى وضعها الجديد ، المُتَسيِّد على بلاد العرب ، والمتشاطئ فى مقابلها على الضفة الغربية من الخليج (العربى !!!!) .

بما يعنى إستدارة النظام الإسلامى فى إيران بمقدار 180 درجة ليأخذ نفس إتجاه النظام الشاهنشاهى الذى حطمه . وهذا لن يحدث بحرب إقتصادية ، ولا بأى حرب ساخنة ، لأن منطقة الخليج بها من (الطاقة الحارقة) ما يزيد عن طاقة التفجير النووى . واللعب بالنيران مع إيران سيطلق تلك الطاقة بشكل عفوى أو متعمد .

فإما أن ترامب يناور للوصول إلى صفقة جديدة مع إيران تكون فى صالحه ، أو أنه يسير وَجِلاً نحو كارثة عالمية مسلحة . فإحراق الخليج النفطى يعنى إحراق العالم الذى مازال يدار بالنفط ، من المحراث والسيارة إلى الصاروخ .

وبرميل النفط الذى شارف على الثمانين دولارا ربما يصل إلى عدة مئات إذا إحترق الخليج، فتنشب فوضى دولية لا قِبَل لأحدٍ بها . فهل سياسة ترامب هى مساومة عنيفة ؟ أم هى إقتراب متمهل صوب الخراب ؟ . الدلائل قائمة على صحة كلا الإحتمالين .

فمن دلائل تحوط أمريكا والغرب لإحتمال الحرب كطريق حتمى تقود إليه الأزمة الإقتصادية والمالية فى الولايات المتحدة وأوروبا، ما يتوقعه المحلل السياسى الروسى(الكسندر نازاروف) من أن الولايات المتحدة لن تعيد الأموال لتلك الدول التى تستثمر فى سندات الخزينة الأمريكية. لأن إعادة الأموال إلى أصحابها وسداد ديونهم يعنى إنحدارا شديدا فى مستوى معيشة المواطن الأمريكى قد يستمر زمنا طويلا . وذلك سيؤدى إلى حرب أهلية طاحنة تدمر الدولة الأمريكية. لذا فعدم السداد أهون الشرين رغم ما يرافقة من فقدان الثقة فى النظام الإئتمانى الأمريكى والأوروبى ، طالما أوروبا ستفعل الشئ نفسه بمصادرة ما فى أسواقها من سندات وقروض وفى بنوكها من ودائع .

قال الخبير، أن الغرب يتحول من لعب دور “المصرفى” إلى دور”القرصان” و”الصليبى”. وأن الزمن الذى كان العالم ينعم فيه بالإزدهار قد ولى إلى غير رجعة ، وأن جنرالات أمريكا يعلنون الآن بلا مواربة أن بلادهم سوف تحارب الصين خلال خمسة عشر عاما . تلك الحرب يمكن أن تندلع نتيجة إمتناع الولايات المتحدة عن سداد أموال الصين التى إستثمرتها فى السندات الأمريكية بقيمة 1,2 ترليون دولار. وبالتالى فإن جميع أموال الدول التى تستثمر فى الغرب سوف تجمد أو تصادر ( لا ننسى الدين القومى الأمريكى الذى يقترب من 20 ترليون دولار ) والجدير بالذكر أن للسعودية 169,5 مليار دولار تستثمرها فى السندات الأمريكية . وللإمارات 59 مليار ، وللكويت 43,6 مليار ، وحتى مصر لها 2,1 مليار دولار”!!” . ومجموع إستثمارات الدول العربية فى السندات الأمريكية حوالى 321,4 مليار دولار .

بنوك أوروبا بدأت بالفعل فى عمليات النهب. فتلك هى بلجيكا وقد وردت منها أنباء عن ضياع (!!) أكثر من عشرة مليارات دولار من أموال ليبيا المجمدة لديها ومقدارها 16 مليار دولار .

أما بريطانيا العظمى فهى تفضل الذهب الفنزويلى ، وتمتنع عن إعادة 14 طنا من الذهب مودعة فى بنوك المملكة المتحدة ، التى تماطل فنزويلا فى أنتظار صدور قرار أمريكى “يعاقبها” ويمنعها من التصرف فى ممتلكاتها من الذهب . عندها تصادر بريطانيا ما لديها من ذهب فنزويلى بشكل قانونى وبتغطية من حفيدها القرصان الآخر على الطرف المقابل من الأطلسى.

هذا رغم أن فنزويلا تعيش أزمة إقتصادية طاحنة ، وبلغ عدد من هاجروا منها إلى دول الجوار وغير الجوار حوالى 2,4 مليون إنسان فقير وجائع ، وهى الدولة النفطية التى تطمح أمريكا إلى الإستحواز على نفطها بواسطة نظام عميل .

وهو نفس الطموح الأمريكى بالنسبة لإيران ، لإستبدال حكمها الإسلامى بنظام شاهنشاهى يقدم نفط إيران عربونا للصداقة ، وضريبة حماية (جزية) للمتجبر الأمريكى .

فبترول وغاز إيران هما ثروة خارجة عن متناول اليد الأمريكية فى الخليج . ولو نجحت فى إستعادتها فإن كل نفط وغاز ضفتى الخليج ، سوف يسير بالتوازى مع خط سكة حديد (مسقط/ حيفا) ليصل لاحقا إلى أوروبا. فتصبح إسرائيل أكبر سوق عالمى للطاقة. يومها ستأتى موسكو زحفا على بطنها إلى القدس طلبا للمغفرة ، ويفتح الكرملين أبوابه أمام حلف الناتو بلا قيد أو شرط .  أما الصين التى لا نفط لديها ، فستكون رهن إشارة الماسونية الدولية ، تأمر فتطاع ، إلى أن يباح تدخين الأفيون مرة أخرى فى شوارع بكين . يومها لن تكفى مزارع أفغانستان ، ولا المثلث الذهبى، أو حتى كولومبيا ، لتلبية إحتياجات “الكيف” فى سوق الصين العظيم .

إذن إيران هى بوابة الدفاع عن قوى آسيا الكبري فى معركتها الراهنة ضد حرب التركيع الأمريكية . والسيناريو السابق يقول أن تحقيق فرضية إنتصار أمريكا على إيران، قد تجعل تلك الحرب هى الأخيرة  ، وسقوط باقى قلاع آسيا سيكون مسألة وقت ليس إلا ، من ركوع موسكو إلى وإنبطاح بكين . فمن سيتبقى من عمالقة العالم ؟؟.. ليس سوى إسرائيل والماسونية الدولية .

 

ماذا ستفعل إيران ؟

تحاول إيران إبقاء الصراع ضمن حدوده الدنيا ، مع الإستعداد للأقصى . فالعالم فى طريقه إلى إلغاء الدولار كعملة دولية متحكمة ، الذى هو ساقط فى جميع الأحوال بعد سقوط نظام الإئتمان الدولى ، وسرقة مدخرات العالم المؤتمن عليها قراصنة الغرب . جميع العملات الورقية فى العالم سوف تسقط . فلماذا يباع النفط مقابل مجرد أوراق ملونة لا قيمة لها ؟؟.

هناك إحتمال (نظرى على الأقل) بأن تتوقف إيران عن تصدير النفط نهائيا ، وبشكل إختيارى طبق تخطيط ، ومجازفة محسوبة .

فيتوجه النفط الإيرانى (4,5 برميل يوميا) لبناء الإقتصاد الداخلى فى أفرع الصناعة والزراعة والبنية التحتية والخدمات ، وبيع النفط داخليا بسعر التكلفة (ربما دولارين للبرميل) . وكما شيدت أوروبا إقتصادها المدمر تماما بعد الحرب العالمية الثانية بالبترول الخليجى شبه المجانى ، والقروض الأمريكية ، فيمكن لإيران بناء إقتصادها بنفطها المجانى ، وبلا قروض ، إعتمادا على بنية تحتية سليمة وقوية وقابلة للتطوير السريع ، مع توافر الخبرات البشرية عالية المستوى وبأعداد كبيرة فى كافة المجالات .

بناء الإقتصاد الإيرانى الجديد لن يكون وفقا للنظرية الرأسمالية الغربية فى تنمية التكدس الرأسمالى لأقلية مسيطرة ، بل سيكون لتلبية إحتياجات الأغلبية ، ومكافحة الفقر والتفاوت الطبقى الظالم .

لن يكون ذلك الإفتراض غريبا على الفكر الدينى فى إيران ، وذلك يعطيه أصالة أيدلوجية ، وثباتا إجتماعيا فى أوساط شعب متدين ومطيع لمراجعه الدينية .

وفى أشارة ذات دلالة قال المرجع الدينى آية الله حسين نورى همدانى /فى أوائل شهر أكتوبر الماضى/ أن الإسلام يرفض وجود الفقر فى المجتمع ، وأن الفقر الحادث فى المجتمع الإسلامى هو ناتج عن عدم العمل بالشريعة الإسلامية .

وقال المرجع الدينى { شرع الإسلام الأنفال لتكون بيد القائد الإسلامى بغية القضاء على الفقر}.. وأوضح أن الأنفال هى المناجم التى يجب أن توضع تحت إدارة النبى أو الأئمة ونوابهم . وأكد على ضرورة توظيف هذه الإمكانات بشكل سليم لخدمة المجتمع الإسلامى والتخلص من الفقر .

ــ إذن الدعوة إلى إستثمار النفط فى بناء الإقتصاد الداخلى كوسيلة للتخلص من الفقر ، وعدم بيع النفط الخام فى مقابل عملات ورقية على وشك أن تفقد كامل قيمتها ، هى دعوة دينية مقبولة ، ولن يكون إجتهادا إقتصاديا مستوردا .

لذلك فإن عملية إعادة الهيكلة الإقتصادية والإجتماعية وفق ذلك المنظور ، وفى ظل وضع إقليمى ودولى متفجر ، سيتقبلها الشعب الإيرانى وسيكون مهيئا للدفاع عنها .

قد تكون الأزمة الخطيرة التى تعيشها إيران والمنطقة والعالم ، فرصة لإنطلاقة ثورة إيرانية جديدة ، ذات طاقة هائلة مستمدة من الدين ومن النفط معا .

تلك الثورة ستغير إيران جذريا للمرة الثانية بعد ثورة 1979 ، وقد تتغير الكثير من دول العالم ، بتغير المفاهيم الإجتماعية والإقتصادية والأخلاقية عبر تطبيق عملى ناجح . وهو ما يفتقر إليه الإنسان المعاصر .

ويبقى ذلك ــ حتى الآن ــ مجرد إحتمال .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




أيها المسلمون : حرروا مكة والمدينة وجزيرة العرب

أيها المسلمون : حرروا مكة و المدينة و جزيرة العرب

أيها المسلمون  :

 حرروا مكة والمدينة وجزيرة العرب .. فلا تقبل الله منكم حجاً ولا عمرة مالم تفعلوا .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

 

نتنياهو وزبانيته يجوثون خلال الديار، فى دول الخليج والجزيرة ، ليل نهار ، سرا وعلانية ، لربطها إقتصاديا وعسكريا وسياسيا وأمنيا بإسرائيل . وفوق كل ذلك خط سكة حديد يربط الجميع فى حزمة واحدة ، من عُمَان إلى حيفا !!.

فهل تَبَقّى مِنْ عرب فى جزيرة العرب ؟؟، وهل تَبَقّى فيها مسلمون حقاً ؟؟.

وأرض الجزيرة التى هى حرم إسلامى محرم على المشركين :

هل مازالت عربية إسلامية ؟؟ .. أم حولوها إلى عبرية يهودية ؟؟.

 

 

تركيا تحذر .. والمصيبةُ أعظمُ :

تركيا تحذر من أن “حضرة منشار المفدى” يشكل خطورة على أمن حجاج بيت لله الحرام . لأن كل حاج من الآن فصاعدا هو “مشروع خاشقجى” ، ولكن بدون جنازة إعلامية .

الخطر على الحجاج ليس مصدره فقط “صاحب الضخامة منشار المفدى” ، بل من نظام الحكم فى مهلكة (منشارستان) ، الذى أدخل كل زناة الأرض إلى حرم المقدسات فى مكة والمدينة ، وإلى مساجد ضرار شتى بنوها لتكون مزارا سياحيا لبغايا بنى إسرائيل .

وسابقا أدخل آل “منشار” بالتضامن مع إخوانهم “مناشير العرب ” جميع زناة الليل إلى القدس (عروس عروبتهم) وجلسوا يسترقون السمع .

جميع أنظمة جزيرة العرب متواطئة الآن ، على تسليم مقدسات الحجاز إلى اليهود ، وفوقها المخزونات النفطية والمالية ، ومعها أرض الجزيرة (من فلسطين إلى عُمَان واليمن) ، والعربون هو مشروع نيوم (بتكلفة  خمسمئة مليار دولار نفطى) ، وهو يضاعف مساحة إسرائيل . ثم يرتكبون معا أبشع مجزرة فى تاريخ العرب والمسلمين بإبادة شعب اليمن ، لتسليم اليمن أرضا بلا شعب ، ليهود إبتلعوا كل الأرض العربية .

 

أيها المسلمون  :

أوقفوا الحج والعمرة إلى أن تتحرر”المهلكة” وجزيرة العرب بالكامل من أيدى اليهود ، فتعود إلى الإسلام والمسلمين  ليقيموا عليها حكما شرعيا يرتضونه ويتوافق مع أحكام الدين ، ويطردون منها المشركين والمطبعين والمنافقين والخنازير من كل صنف ولون .

الآن وقت الغزو والجهاد لإسترداد مقدسات الحجاز فى مكة والمدينة ، ومنها يتواصل مسير الغزو إلى القدس . وتلك هى الفريضة العينية المُغَـيَّبَةُ بتواطؤ عام بين علماء الدولار وجمهور المطبلين منزوعى الكرامة والدين . .

فلا تتذرعوا بحج ولا بعمرة إلى مقدسات سدنتها يهود ويتحكم بها مسوخ يدعونهم ملوكا ، و”أمراء”  ذوى مناشير ، سفهاء ومعدومى الضمير.

 

أيها المسلمون :

 فليكن جهادكم هو حجكم وعمرتكم .. ولتكن ثياب إحرامكم هى أكفانكم .

فلتعتصم ملايينكم بكعبتكم وقبر رسولكم فلا يتركوها لحظة نهبا لقتلة الأنيياء ومبيدى البشر.

ولتكن حياة ملايين أخرى قربانا وفداء لتحرير باقى حرم جزيرة العرب ، المحرم على المشركين والمطبعين المنافقين .

 حرروا مكة والمدينة وجزيرة العرب .. فلا تقبل الله منكم حجا ولا عمرة مالم تفعلوا .

وتقبل الله جهادكم ودماء تضحياتكم من أجل دينة الخالص ، بلا شريك ولا أصنام ملكية .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world




أفغانستان فى مركز النظام الدولى القادم

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (152) | صفر 1440 هـ / أكتوبر 2018 م.      

16/10/2018

أفغانستان فى مركز النظام الدولى القادم

 

– لم تعد أفغانستان منطقة عازلة ، بل أصبحت حلقة وصل أساسية بين أقاليم آسيا .

– الإستعمار الأمريكى يحتضر ، وهو آخر السلالات المتوحشة للإستعمار الأوروبى .

– شعوب آسيا تدرك الآن أهمية جهاد شعب أفغانستان لحماية شعوب القارة من العدوان الأمريكى والإرهاب الداعشى ، ومن حقه أن يحصل على دعمهم السياسى والتسليحى .

– التعاون مع شعب أفغانستان فى وقت الضيق الحالى ، سوف يحدد مدى تعاونه مع أصدقائه فى عصر السلام القادم .

– ستنتشر هداية الإسلام أينما سار طريق الحرير ، وسارت طرق القطارات  عبر أفغانستان إلى برارى آسيا وموانئ العالم .

– ليس السؤال هو متى ينسحب الجيش الأمريكى من أفغانستان ، بل السؤال هو كم من جنوده يمكنهم النجاة من أفغانستان ؟؟.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

 

ليس هناك أى شك فى أن “النظام الدولى” أحادى القطبية قد إنهار . وأن نظاما آخر قيد التشكيل وسط مقاومة أمريكية عنيفة ومتهورة .

تلك المقاومة الحمقاء تعجل بتشكيل النظام الدولى القادم ، وكل الدول المتماسكة تبحث لنفسها عن مكان بداخله . والدول المسحوقة فاقدة الإرادة تتمسك بالسيد الأمريكى ، ومستعدة للذهاب معه إلى الجحيم ، وتدفع له الإتاوات وتنفذ كافة مطالبه عسى أن يقبل تعلقها الذليل به .

من إستوعبوا الحكمة الكامنة فى التاريخ كانوا يقولون أن أمريكا إرتكبت أكبر خطأ فى تاريخها بغزوها لأفغانستان بينما عبرة سقوط الإتحاد السوفيتى مازالت ماثلة للعيان . وكانوا يقولون أن أفغانستان صارت محصنة ضد أى غزو خارجى بعد ما حدث للسوفييت . ومن قبله ما حدث لبريطانيا التى كانت عظمى وإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ولكن بعد ثلاث حملات عسكرية لإخضاع أفغانستان تحولت إلى دولة من الدرجة الثانية ، ثم إلى مجرد “ذيل حضارى” للإمبراطورية الأمريكية التى سيطرت على النظام الدولى فى مقابل كتلة شيوعية منافسة . فكان نظاما ثنائي الأقطاب إستمر حتى هزيمة السوفييت فى أفغانستان وسقوط إمبراطوريتهم ، وأعلان أمريكا عن نفسها كمنتصر أوحد فى حرب أفغانستان ، وتعلن نهاية الحرب الباردة وأنها سيد العالم الأوحد بلا منازع وإلى مالا نهاية .

ثم رفعت راية “العولمة” التى هى “أمركة” العالم إقتصاديا وثقافيا ، تحت سطوة أمريكا العسكرية ، وأحادية سيطرتها على كل بنى البشر فى كل أنحاء الأرض .

بلغ الغرور الأمريكى حدا تجاهلت فيه السُنَّة التاريخية الثابتة ، والتى تقول أن أفغانستان هى مقبرة الأمبراطوريات الظالمة التى تخترع للبشر نظاما للإستعباد ” تسميه ” النظام دولى”.

لم يكن غير الأحمق جورج بوش الصغير هو من يمكن أن تبلغ به الجهالة إلى حد الإقدام على غزو أفغانستان . لتبدأ عملية تركيع أمريكا على يد مجاهدى الشعب الأفغانى .

كان واضحا للرئيس أوباما أن بلاده لن تفوز فى حرب أفغانستان ، ولكنه لم يمتلك القدرة على مواجهة مجموعات الضغط التى تريد إستمرار الحرب حتى ولو كانت حربا عقيمة عسكرياً طالما إنها تحقق أرباحاً طائلة فى جوانب أخرى مثل الأفيون والنفط ونهب الثروات المنجمية ، إضافة إلى ترويج منتجات صناعة السلاح والصناعات الأمنية وشركات المرتزقة (المتعاقدون)، وفوق الجميع البنوك الكبرى العاملة فى عوائد النشاطات آنفة الذكر خاصة المخدرات .

–  حتى اللحظة الراهنة لم تخرج القوات الأمريكية من أفغانستان ، وإن كانت قد إنخفضت إلى جزء من عشرة أجزاء من حجمها الأصلى . أى أنها الأن 15 ألفا بدلا من 150 ألف جندى قبل عام 2015 . ولكن لا تتوافر إحصاءات رسمية عن قوات(بلاك ووتر) وأشقائهم من الدواعش من “فرق الموت” الوهابية التابعة للجيش الأمريكى . وهناك قوات مستخزية أخرى ، هم (أولاد الحرام) الذين يمولون الناتو ويقاتلون معه حيثما حل فى بلاد المسلمين ، بدون أن يعترف الحلف بأنهم أبناء شرعيون له .

–  ومع هذا فإن ترامب (المجنون ، المختل نفسيا ، المنحرف إخلاقيا ) قد يحصل على فرصة فريدة لتخليص بلاده من حفرة النار الأفغانية التى سقطت فيها. ومن المتوقع أن الفترة ما بعد إنتخابات التجديد النصفى فى شهر نوفمبر القادم سوف تشهد مفاجآت أمريكية غير متوقعة ، أيا ما كانت نتائج الإنتخابات .

ــ (النظام الدولى) الأمريكى أحادى القطبية قد أنتهى منذ سنوات وبهذا تكون أفغانستان أوفت بعهدها ، وقضت على مكانة دولة عظمى، و(نظام دولى) حاول إذلال العالم ، ولم ينتبه إلى خطواته التى أسكرها الغرور فسقط فى جهنم الأفغانية .

ــ العالم الآن بلا نظام دولى . وهناك نظام فى طور التكوين ، وللمفارقة فإن تخبط السياسة الأمريكية تدفع نحو بلورته بسرعة . وكتلته الصلبة سوف تكون الصين وروسيا ، وحولهما إيران ودول أخرى تمتد من الهند إلى جنوب أفريقيا والبرازيل .

تنبهت أمريكا بعد فوات الأوان إلى الخطأ الذى وقعت فيه بمعاداة روسيا والصين معا ــ فحاولت إجتذاب الهند بعيدا عنهما ــ فخصها ترامب بعبارة مجاملة فى خطابه الفكاهى فى الدورة 43 للجمعية العامة للأمم المتحدة ، الذى أضحك قادة العالم على ما وصلت إليه الولايات المتحدة ، التى قضت على أنظمة العالم وقوانينه ، بينما يقف رئيسها يتباهى بجهله ومغالطاته المضحكة .

– أفغانستان التى حطمت خلال قرن ونصف ، ثلاث أنظمة إستعمارية كانت تدير العالم ، لم تستفد فى أى مرة من أنجازات دفعت ثمنها غاليا من الدماء والأموال . يعود ذلك إلى ضعف القيادة السياسية للبلد ، وقدرة القوى الإستعمارية على إشعال الفتن الداخلية ، والتدخل فى أمور الدولة إلى درجة تعيين الحكام ومساندة طرف على أطراف أخرى منافسة .

آخر الفرص التى ضاعت كانت إنتصار الشعب الأفغانى على الغزو السوفيتى الذى كلف دماء وأرواح مليونى شهيد وإضعاف ذلك من المعاقين والجرحى .

ولكن عدم وجود قيادة سياسية للجهاد ، أتاح فرصة للدول الخارجية كى ترسم المسار السياسى لأفغانستان ، فأوقعتها فى حرب أهلية طاحنة منعتها من جنى ثمار إنتصارها الكبير .

الجهاد الحالى ضد الإحتلال الأمريكى ، يدور فى مناخ إقليمى ودولى تأثر كثيرا بالفشل الأمريكى فى إخضاع أحد أفقر الشعوب إقتصاديا ، وأغناها معنويا ودينيا، مما أدى إلى ظهور أقطاب كبرى حول أفغانستان تزحف بثبات نحو قيادة العالم ، فى مواجهة معارضة وعرقلات أمريكية كثيرة وقوية . ولكنها مسألة وقت ليس إلا ، حتى يبزغ نظام أسيوى يقود العالم ، ستكون أفغانستان فى مركزه ، ولديها المؤهلات لذلك  ، وهى :

 

أولا ـ إنقلاب فى الدور “الجيوسياسى” لأفغانستان :

فى القرن التاسع عشر كان ينظر ـ دوليا ـ إلى أفغانستان على أنها ” دولة عازلة” تفصل بين كتلتين من أعظم كتل العالم ، تزحفان فى إتجاهين متعاكسين . الروس يزحفون لتوسيع إمبراطوريهم القارية من الشمال إلى الجنوب ، وغاية زحفهم كانت مياه المحيطات الدافئة أى إنتزاع الهند من التاج البريطانى . وإمبراطورية بريطانية “بحرية” لا تغيب عنها الشمس زاحفة فى الإتجاه المعاكس من الجنوب نحو الشمال ، لتبتلع المساحات الشاسعة فى آسيا الوسطى وجبال القوقاز وما خلفها من بلاد .

ولأن الصدام بينهما سيكون كارثيا للإمبراطوريتين ، فإتفقتاعلى تحييد أفغانستان وجعلها منطقة عازلة تمنع التماس المباشر بينهما وما قد ينتج عنه من حروب .

– الآن إختفت تلك المعادلة الدولية . فروسيا الإمبراطورية لم تعد موجودة ، وبريطانيا العظمى إختفت عظمتها . والإمبراطورية السوفيتية إختفت كلها ، والولايات المتحدة فشلت فى فرض نظام دولى جديد لأن الأفغان حطموا أحلامها ، حتى صار رئيسها أضحوكة العالم فى الأمم المتحدة . ودول آسيا تبحث عن تواصل إقتصادى يرفع من مستوى الشعوب وليست فى حاجة إلى مساحات عازلة ، بل تحتاج إلى أفغانستان كحلقة إتصال جغرافى بين إتجاهات آسيا الأربعة . وتلك ميزة جغرافية تكسب أفغانستان قوة سياسية فى الإقليم ودورا حيويا فى نهضة إقتصادية عالمية القائمة على حرية وكثافة تنقل البضائع والأفراد بين أرجاء آسيا ، خاصة كتلها الكبرى : الصين ـ روسيا ـ الهند ـ إيران .

إيران والهند بمباركة روسية ، بدأتا بالفعل خطوات لإنجاز تلك الرؤية عبر مرتكزين هامين الأول ميناء تشبهار على بحر العرب ، والثانى خط سكة حديد لربط الميناء بآسيا الوسطى وروسيا . لذا يمكن أن نطلق عليه مشروع (الميناء والقطار) .

ومشروع الصين العظيم الذى أسمته (الحزام والطريق) وهى مشروع صينى ذو عمق عالمى يربط مناطق كثيرة من العالم القديم مع الصين ، كمركز إقتصادى وأكبر قوة تصديرية فى العالم . والمشروع يستلهم فكرة طريق الحرير التاريخى الذى كان يربط أوروبا بالصين التى يمكن أن تتطور مستقبلا إلى قطب قائد للسياسة العالمية . وإذا إتجه ذلك العملاق صوب حضارة عسكرية على النمط الغربى الذى مارستة الدول الإستعمارية فى أوروبا وأمريكا فسوف يدخل العالم فى نفق أسود . ولكن التمنيات تقول أن ذلك لن يحدث على أمل أن التراضى الإقتصادى وتقاسم الأرباح الهائلة بشئ من العدالة لن يجعل “عسكرة” النظام الدولى القادم أمراً مفيداً للإقتصاد أو للسياسة .

– لأفغانستان دور فى كلا المشروعين ، الصينى (الحزام والطريق ) ، أو فى مشروع (الميناء والقطار) أى مشروع ميناء تشبهار وخط القطارات المنطلق منه. ويؤكد المشروعان على أن الدور الجيوسياسى لأفغانستان ما بعد التحرير هو كونها حلقة وصل جامعة لكل آسيا . ومَعْبَراً لعدد من أهم دولها للخروج إلى البحار الواسعة من خلال ميناء تشبهار .

 من ضمن أهداف أمريكا فى أفغانستان هو إستخدامها كقاعدة لتخريب النظام الأسيوى الدولى، والعمل منها ضد أهم ركائزه ، وهم الصين وروسيا والهند وإيران ، بإستخدام ورقة “الإرهاب الداعشى” الملحق بالجيش الأمريكى وحلف “الناتو” .

إدراك أقطاب آسيا للأهداف الأمريكية بكل وضوح ، جعل الميدان السياسى مفتوحاً أمام تقدم حاسم للإمارة الإسلامية لتثبيت جذورها فى النظام الأسيوى القادم ، وإقتحام الميدان الأسيوى منذ الآن بتمهيد الطرق مع تجمعاته المتعددة ، وإيضاح موقفها من أوضاع العالم الحالية ، والخطر الذى تمثله الولايات المتحدة وحلف الناتوعلى أمن وإستقرار العالم وشعوب آسيا . وأن إمارة أفغانستان الإسلامية بعد التحرير، تعى دورها فى حفظ السلام والأمن فى آسيا وتخليصها من سرطان الإحتلال الأمريكى وإرهابه الداعشى ، لإتاحة الفرص أمام أوسع نطاق ممكن من تحسين أوضاع المنطقة وتنمية ثرواتها فى ظلال من العدالة والسلام .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

الإمارة الإسلامية تتصدى لأمريكا وداعش :

يتابع العالم ـ والقوى الأسيوية تحديدا ـ المعركة الضارية بين حركة طالبان ـ القوة الضاربة للإمارة الإسلامية ـ وبين جيش الإحتلال الأمريكى ، وما يتبعه من حلفاء وذيول وحشرات متسلقة . ومن أهم مكونات الإحتلال تأتى داعش (كتيبة المرتزقة الوهابيين) الملحقة بجيوش أمريكا والناتو .

لقد فشلت داعش فى تحقيق أى من مهامها فى أفغانستان . ولم تنجح فيما فشل فيه سادتها الأمريكيين ، رغم ما بذلته من تخريب وقتل لإشاعة الفتن المذهبية والعرقية ، وإرهاب مُنَسَّقْ مع أجهزة الدولة فى كابول ، وإنخراط فى صراعات حزبية وأمنية ، وحروب بين ميليشيات النافذين فى النظام . فلم يقتنع أحد فى الشعب الأفغانى بأن إجرام داعش له أى صلة بجهاد حركة طالبان . وحتى دول الجوار لم يساورها أى شك فى ذلك ، سواء الجيران فى الصين أو إيران أو روسيا والهند . فالمسلمون فى القارة الآسيوية هم منارة هدى وحضارة ومُثُل دينية عليا ، وليسوا مع الإرهاب أو التخريب ، ولن يكونوا (ورقة ) فى يد أمريكا أو إسرائيل والناتو لتخريب أمن شعوب آسيا وعرقلة نهضة تلك القارة العريقة. فالمسلمون كانوا دوما ضمير آسيا ومنارة الهداية المشرقة فى أرجائها. والأجواء القادمة فى آسيا والعالم ستجعل الإسلام يشق طريقه بالهداية والدعوة . وعلى خطوط التبادل التجارى التى ستغطى آسيا والعالم سينتشر الإسلام مع حركة الناس والتجار وطلاب العلم ، كما كان الحال فى الأزمان الخالية قبل الهجمة الإستعمارية على دول آسيا المسالمة . ستسير هداية الإسلام أينما سار طريق الحرير، وسارت خطوط القطارات عبر أفغانستان إلى برارى وموانئ آسيا والعالم .

أما الغزاة المعتدين فمصيرهم معروف ، ومن المفروض أن أحدا لن يفكر يوما فى تعكير صفو أمن الشعب الأفغانى ، أو شعوب آسيا الحرة المتشوقة إلى هداية الإسلام الذى سيعرض عليها فى أجواء من السلم والثقة .

 

 

تحديات المستقبل والعلاقات مع دول الجوار :

–   تطوير علاقات الإمارة الإسلامية مع أقطاب آسيا (الصين ـ روسيا ـ إيران ـ الهند ) له هدفان رئيسيان :

الأول : إعاة بناء أفغانستان .

الثانى : مواجهة الموجة الجديدة من الحروب الأمريكية ، وفى طليعتها الإرهاب الداعشى ، والمخدرات .

وكلا الهدفين مرتبط بالآخر إرتباطا وثيقا لدرجة يمكن إعتبارهما هدفا واحدا . وكلاهما فى حاجة إلى ترابط إقليمى بين أفغانستان ومحيطها الأسيوى العملاق . فمواجهة خطر الإرهاب الداعشى ، ومشتقاته يحتاج إلى بناء جيش قوى ركيزته القوات الجهادية الحالية بعد تحديثها وتسليحها جيدا ، وإعادة تدريبها على مزيد من المهام المستجدة فى الحروب الحديثة . ويحتاج إلى نظام معلوماتى قادر على التصدى للحرب الإستخبارية المساندة للإرهاب الداعشى ، وقادر على الإسهام فى تعاون إقليمى لرصد الشبكات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات التى تديرها أمريكا حاليا فى أفغانستان وباقى دول المنطقة لإغرقها فى مستنقع المشاكل الأمنية بدلا من التركيز على مشاريع التنمية الإقتصادية والإجتماعية ، ومشاريع الإتصال بين دول آسيا .

هذا الإنفتاح الهائل أمام أفغانستان برا وبحرا سيصنع القيمة الجيوسياسية الجديدة لهذا البلد. وليس هذا بالخبر السار للمحتل الأمريكى ومشاريعه المنهارة فى أفغانستان الذى طمع فى أن يجعلها (إسرائيل جديدة فى المنطقة ) حسب قول عضو فى الكونجرس الأمريكى قبل العدوان الأمريكى على أفغانستان ، أى بجعل ذلك البلد قاعدة للتخريب والحروب ونهب الثروات ونشر الفتن بأنواعها .

–  أما مكافحة المخدرات فهى عمل لا يمكن إنجازه بدون تعاون إقليمى يقديم حلا جذريا للمشكلة . فأمريكا هى المتسبب الأول فى مشكلة المخدرات كما فى مشكلة الإرهاب الوهابى . لذا فإن الحقيقة التى يدركها العالم ودول الجوار الأفغانى هى أن خروج الإحتلال الأمريكى من أفغانستان هو شرط ضرورى لحل مشكلتى الإرهاب الوهابى والمخدرات ، خاصة تصنيع الهيروين وتوزيعه دوليا ، والذى تقوم به قوات الإحتلال من قواعدها الجوية . ومن المعروف دوليا أن أمريكا بعد إحتلالها لأفغانستان رفعت إنتاج الأفيون إلى أكثر من خمسين ضعفا مما كان عليه فى عام دخولها الإجرامى إلى هذا البلد .

–  ويمكن تقديم إقتراح لتنفيذه بشكل جماعى من دول المنطقة ، وهو مشروع لصناعة دوائية عملاقة تستخدم محصول الأفيون الأفغانى فى إنتاج الأدوية المحتوية على المسكنات بحيث تكفى إحتياجات دول الأقليم ـ وهى دول تحتوى على أكثر من ثلث سكان العالم . فتساهم أفغانستان بأرض لإقامة المشروع ، وبمحصول الأفيون اللازم . ودول الإقليم تساهم فى التمويل وتقديم الآلات والخبرات الفنية . ويعد ذلك يحظر زراعة أى مساحات إضافية من نبات الخشخاش إلا لتلبية طلبات مصانع دوائية معترف بها فى مناطق أخرى من العالم .

–  أما الإرهاب الوهابى فهو وافد مصطنع حقنه الإحتلال الأمريكى للإضرار بالجهاد وضرب قاعدتة الشعبية والفقهية ، وإستبداله بالفتن الطائفية والعرقية .

والتوجد الداعشى هو جزء من الحضور العسكرى لإمريكا وحلف الناتو . وهو يمثل تهديدا لأفغانستان (لأنه يريد إتخاذها مركزا دائما ومتوسطا بين الدول المستهدفة ). فهو خطر على باقى الدول خاصة إيران وروسيا والصين ، وهذا يفرض نوعاً من التعاون لإنهاء تواجد ذلك الخطر ماديا .

وبزوال الإحتلال يزول ذلك المرض الخبيث . وأى مجموعات يرسلها الإحتلال سيكون القضاء عليها سهلا نتيجة لإفتقارها إلى البيئة الإجتماعية التى تقبل بذلك الفكر المريض .

 

 ويظل الخطر الأمريكى مستمرا :

زوال الإحتلال لا يعنى أن الولايات المتحدة ستتوقف عن العمل ضد النظام الجديد ، وضد الترتيبات الجديدة فى الإقليم ، لأنها ترى فى ذلك نهاية لدورها فى العالم .

والمرجح أن أفغانستان وإمارتها الإسلامية سوف تتصدر قائمة التخريب الأمريكى ، كضيف دائم على قائمة “محور الشر” أو “الدول المارقة” أو “الدول الراعية للإرهاب” ، التى هى قوائم بأسماء المعارضين لسياسات الهيمنة الأمريكية .

     وجود قواعد أمريكية فى دول الجوار يشكل خطرا على إستقرار أفغانستان . لهذا يجب التعاون جماعيا لجعلها منطقة خالية من التواجد العسكرى لأمريكا وحلف الناتو وملحقاتهم الداعشية ، ومقاومة أى تحالفات أمنية أو عسكرية تقيمها أمريكا مع دول المنطقة .

     ومن باب أولى فإن أى إتفاقات عقدتها الحكومات التى أقامها المحتل فى كابول يجب إعتبارها لاغية وفى مقدمتها الإتفاقات العسكرية والأمنية ـ أو أى”تعاون” يضع التعليم أو التشريع تحت وصايته وبمرجعيات غير إسلامية .

    أما أى إتفاقات إقتصادية مع أطراف أخرى تمت فى عهد الإحتلال ، خاصة المشاريع ذات الأهمية الإستراتيجية ، مثل مشاريع الطاقة والثروات المنجمية ، فيعاد النظر فيها وأخذ قرارات بشأنها بما يتناسب مع الطبيعة الإسلامية للنظام ، ووفقا لرؤيتة لدور أفغانستان فى الإقليم والعالم .

     ويقع على أفغانستان الإسلامية مسئولية التأسيس لتعليم دينى يتماشى مع تراثها الفقهى الذى هو من نفس النسيج الفقهى لمسلمى آسيا ، وأن تخصص له موارد مالية كافية أو وقفا إسلاميا قد يكون جزء محددا من دخل الدولة . فالتراث الدينى لتلك المنطقة لم يعرف التطرف الدموى الوهابى ، الذى زرعه فى جزيرة العرب الحكم البريطانى للهند .

 

غطرسة الغريق :

” سأوى إلى جبل يعصمنى من الماء ” ، كلمة لإبن نبى الله نوح ، الذى كفر برسالة ربه فكابر وهو يغرق زاعما أنه سيجد جبلا يأوى إليه ليعصمه من الغرق . ولكن قضاء الله إذا جاء فإن جبال الدنيا كلها لا تعصم منه كافرا واحدا .

القائد العسكرى الأمريكى الجديد فى أفغانستان أتخذ نفس الموقف ، عندما قال فى مطلع تسلمه لسلطاته المشئومة ، أن بلاده لن تخرج من أفغانستان . تلك الغطرسة لن تعصم بلاده من الغرق فى الطوفان الجهادى ، وسيغرق جيشه كما غرق الجيش البريطانى ومن بعده السوفيتى. ويفهم المسلمون أن ذلك إستدراج من الله لتلك الدولة التى طغت على عباده فى الأرض وقالت لهم (أنا ربكم الأعلى ) . وموعدها مع الإنتقام الإلهى الشامل هو موعد لا يخلفه ، وتلك سنتة فى أمم قد خلت فذاقت عذاب الدنيا قبل الآخرة .

 

حشرجة موت الإمبراطورية :

هذا هو تفسير الهياج الأمريكى على كل الجبهات ، فهى دولة لا تمتلك غير الحرب والحصار والتهديد ، ضد الجميع . ولم تترك لنفسها صديق حول العالم إلا “براميل النفط” ، وإسرائيل . ورئيسهم ترامب أضحك العالم على غبائه ورعونته ، وهذا لم يحدث قط لأى طاغية من قبل .

التوتر والحروب يزيد قوة حلفاء ترامب من اليمين المتطرف العنصرى وهم جمهوره الإنتخابى . ويزيد من أرباح مجموعات الضغط ، المكونة من صناعات السلاح والنفط وصهاينة (إيباك) والبنوك اليهودية . وهم قوة التمويل وتصنيع سياسات الدولة الأمريكية فى الداخل والخارج .

حلفاء ترامب الإنتخابيون ، والماليون ، يناسبهم تماما سياسات حافة الهاوية والمغامرات الصاخبة والتهديد والحصار والقصف . خاصة إذا كان ذلك ضد المسلمين أولا .. ثم ضد روسيا والصين وكوريا الشمالية وفنزويلا .. إلخ .

–  ترامب رأس نظام الإمبراطورية المنهارة ، فرض عقوبات إقتصادية على نصف العالم ، ويهدد بالحرب على روسيا والصين . فيهدد روسيا بحصار بحرى كامل ، فردت فورا بأن ذلك غير ممكن بغير الحرب (!!) . فهددتها أمريكا مرة أخرى بضرب الصواريخ المجنحة الروسية قصيرة المدى ومتوسطة المدى ، داخل الأراضى الروسية نفسها !!.

 نفس الشئ مع إيران حين يهددها ترامب بحصار بحرى يمنعها من تصدير النفط ، فكان ردها مماثلا للرد الروسى ، وأنها ستغلق مضيق هرمز فى وجه الجميع ، وهو تعبير عن خوض الحرب الشاملة .

شعوب آسيا تدرك الآن أهمية جهاد شعب أفغانستان لحماية شعوب القارة من العدوان الأمريكى والإرهاب الداعشى . وأن من حقه الحصول منهم على دعم سياسى وتسليحى . فالتعاون مع شعب أفغانستان فى وقت الضيق الحالى سوف يحدد مدى تجاوبه مع أصدقائه فى عصر السلام القادم .

أما الصين فإن ترامب يَسُوق قطيع حلفائه لإستفزاز الصين عسكريا فى بحر الصين ، شرقه وجنوبه ، فى محاولة لسلب الصين حقوقها التاريخية فى ذلك البحر ، والذى فقدت سيادتها عليه نتيجة لحربى الأفيون الأولى والثانية . وإلى الآن ترفض أمريكا إعادة تلك الحقوق لأصحابها التاريخيين . تماما كما ترفض الأعتراف بأن هناك شعبا عربيا يمتلك فلسطين ، أو أن هناك عربا فى المنطقة العربية ، أو أن فى الخليج شعب عربى وليس كما يقول ترامب مزرعة ماشية للحليب والذبح . أو أن شعب اليمن له حق فى الحياه .. مجرد الحياة .

–  النظام الأمريكى نظام يحتضر وهو آخر السلالات المتوحشة للغرب الإستعمارى. وغطرسة الغريق ، أو حشرجته المتخبطة ، ليست سوى دلائل على زواله القريب. ورصاصة الرحمة سينالها من مجاهدى أفغانستان .

والسؤال ليس هو متى ينسحب الجيش الأمريكى ، بل هو كم من جنوده الذين يمكنهم النجاة من أفغانستان؟؟ .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

16/10/2018

www.mafa.world

 

 




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 2

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (152) | صفر 1440 هـ / أكتوبر 2018 م.      

16/10/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 2 )

 

– مصرع كافر قبيلة ” إبراهيم خيل” .

–  راهب الجهاد ” الشيخ محمود” يستشهد فوق بندقيته أثناء الصلاة .

– الشهيد الغريب “السيد أحمد” … سيد الهاون .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

هذا هو إلهى .. فأطيعوه :

الطريق القادم من جرديز ما أن ينتهى من سلسلة جبال (ساتى كاندو) المكسوة بغابات الصنوبر ، حتى تبدأ مناطق تسكنها قبائل “زدران” وتستمر حتى بداية وادى خوست لذا أطلقوا على الطريق إسم تلك القبائل فصار إسمه طريق ( زدران) .

رغم أن العديد من قادة الجيش الماركسيين الكبار هم من أبناء هذه القبيلة ، إلا أن العلماء وشيوخ القبيلة وأفردها ، لم يوافقوا على ما يحدث ، وكان قرار القبيلة أن الحكومة الجديدة (كافرة) ولهذا قرروا مقاطعتها ، وألا يسمحوا لها بالمرور من أراضيهم ، أى أنهم قطعوا الإتصال بين جرديز وخوست .

تحت أقدام “ساتى كاندو” تبدأ منطقة يسكنها فرع من زدران يدعى”إبراهيم خيل” ـ يعنى قوم إبراهيم ـ تصادف أن يكون منهم القائد العسكرى فى جرديز وقتها هو ضابط شيوعى شاب ومتحمس للغاية يدعى إبراهيم ، وكان قائدا لسلاح المدرعات فى الولاية ، فذهب إلى قبيلته كى يقنعهم بفتح الطريق .

قصة الضابط إبراهيم مع قبيلته كانت على العكس تماما من قصة نبى الله إبراهيم مع قومه. كان الضابط إبراهيم كافرا وقبيلته من المؤمنين . بالحجة حاول أن يقنعهم بالكفر ، ولما فشل حاول إجبارهم عليه بقوة الدبابة ــ إلهه الجديد كما زعم ــ فكانت نهايته المأساوية .

شيوخ القبيلة رفضوا مرور الجيش من أراضيهم لأن الحكومة كافرة لا تؤمن بالله . الضابط إبراهيم ناقشهم طويلا وهددهم بأن الحكومة ستفتح الطريق بالقوة إذا لم يفتحوه طوعاً ، وأن بيوتهم ستدمر وتحرق ، وأن لا طاقة لأحد بهذه الحكومة وجيشها الجبار .

أصر شيوخ القبيلة على موقفهم ، فتحداهم الضابط إبراهيم قائلا: تقولون أننا الشيوعيون لا نؤمن بالله .. فأين هو إلهكم ؟ .

فردوا عليه قائلين : إن الله هو خالق كل شئ ، ولكن لا أحد يستطيع رؤيته .

ضحك إبراهيم مستهزئا وقال بأن عنده إله قوى وجبار أقوى من إلههم ولكن يمكن رؤيته ، وسيحضره معه صباحا كى يريهم إياه ، وطلب منهم إنتظاره فى وقت محدد من صباح الغد .

فى الوقت المحدد حضر الضابط المغرور ممتطياً ظهر دبابة سوفياتية من طراز (تى62) وهى الدبابة الأثقل لدى الجيش وقتها .

كان رجال القبائل يخشون الدبابات كثيرا ، وهذا كان أول إحتكاك لهم مع واحدة من تلك الوحوش التى لا تصرعها طلقات بنادقهم العتيقة ، وكان مجرد صوتها يثير خوفهم . وصل إبراهيم وصوت دبابته يهز الجبال ، وقد تجمهر شيوخ القبيلة والكثير من أفرادها المبهورين الخائفين ، وإبراهيم منتصب القامة فوق دباباته وكأنه قهر بها العالم . ثم أخذ يروح بها ويجئ ويستدير ويعتدل ، ويطلق القذائف على قمم الجبال القريبة والبعيدة فيرتج المكان والأبدان .

إمتقعت وجوه الحاضرين ، ولا أحد منهم ينطق ببنت شفة . نزل إبراهيم منتشيا مزهوا من على ظهر دبابته ، ووقف متحديا شامخاً أمام شيوخ القبيلة ، وتكلم بزهو المنتصر :

ــ هذا هو إلهى !! هل رأيتم كم هو قوى وجبار ؟؟ . إنه سيفتح لنا هذا الطريق ، وإن لم تطيعوه فإنه سيدمركم .

وقف الشيوخ واجمون صامتون ، ثم طلبوا منه إمهالهم ساعة للتشاور قبل إعطائه الرد. غادروا المكان للتداول فى مكان آخر . وبعد قليل عادوا من مجلس تداولهم ، وتقدم أكبرهم سناً حتى يبلغ الضابط الشاب بنتيجة بحثهم . قال الشيخ :

ــ يا إبراهيم لقد بحثنا الأمر ، وقد تأكد لدينا أنك أيضا كافر مثل حكومتك ، ولن نترككم تمرون من هذا الطريق مهما حدث . أما إلهك هذا فليس سوى كومة من صفيح ، فخذه معك وإرحل من هنا .

فبهت الذى كفر ، واستشاط الضابط المغرور غضبا ، وثار مهددا متوعدا :

ــ سنمر من هذا الطريق بالقوة وسنحرق قراكم ، سآتى بالجيش غدا صباحاً فى مثل هذا الوقت من ضحى الغد ، إحضروا كل القبيلة وسأرى من منكم يستطيع منعى .

وغادر إبراهيم المجلس غاضبا ، وركب إلهه الفولاذى وغادر به إلى جرديز .

دقت طبول الحرب فى”إبراهيم خيل” وكل قبائل زدران ، إستعدادا لصراع غير متكافئ بين أجساد الرجال وبنادقهم العتيقة وبين جيش جرديز ودباباته الفولاذية التى لا تقهر .. وموعد اللقاء الرهيب كان ضحى الغد .

شارك حقانى ورجاله فى ذلك الكمين . وبسبب إنشغاله فى ترتيب أمر الكمين والمشاركة فيه تأجل ذهابنا إلى لقائه فى سرانا ليوم أو إثنين .

لم يكن لدى القبائل أدنى فكرة عن أن هناك سلاح يمكن أن يواجه الدبابة ، ولا عن أى طريقة لمواجهتها . إنهم يواجهون المستحيل ، وكانوا حقا يذهلوننا بذلك . عندما كنا نسألهم فى مواقف مشابهة “ماذا ستفعلون؟؟ “، فكان ردهم دوما وبكل هدؤ وثقة ” توكل بخداى” ـ أى التوكل على الله !! ــ كنا نظن أن تلك مجرد كلمة . ولكنها عند الأفغان سلاحهم السرى الذى لايقهر …  والدليل ؟؟ :

فى ضحى اليوم التالى للقائه مع شيوخ قبيلته “إبراهيم خيل” ، جاء الضابط إبراهيم مع قافلة عسكرية ضخمة مهمتها فتح الطريق بالقوة ، وإيصال المؤن إلى مدينة خوست . فبدأ سيل من الدبابات ومئات الجنود المدججين بالسلاح فى سياراتهم المصفحة . ورجال قبيلة زدران يرون الزحف المرعب يزلزل جبال ستى كندو وترجف منه جبال إبراهيم خيل .

نزل الجيش من جبال ستى كندو وبدأ التقدم عبر منطقة “إبراهيم خيل”. فدوت صيحة جماعية من رجال القبائل المستحكمين خلف الصخور: “الله أكبر” !! صيحة زلزلت هى الأخرى جبال “ستى كندو” و”إبراهيم خيل” ، وغطت على زمجرة عشرات الدبابات والمصفحات والشاحنات العسكرية ، وطائرات الميج النفاثة التى تمزق الفضاء .

والنتيجة !!.. لم تعبر القافلة .. ودُمِّرتْ عن آخرها .. ولم ينجو جندى واحد ولا ضابط واحد حتى إبراهيم كان من بين القتلى . دبابة روسية واحدة قديمة جدا من طراز”تى ـ 34″ إستطاعت الفرار ووصلت منفردة إلى خوست كى تنقل نبأ الفاجعة .

كيف حدث كل ذلك ؟؟.. لا أحد يدرى لا من القتلى ولا من الأحياء ، ولا من الذين قابلناهم بعد ذلك نسألهم الخبر .

وكنا قريبين من المنطقة وقت المعركة ، وقد ذهبنا لرؤية آثارها وأخذنا الكثير من الصور لحطام القافلة العسكرية ، وكان ذلك أثناء زيارتنا الأولى لأفغانستان فى يونية 1979 . لقد كانت أفغانستان كلها ومازالت .. معجزة .

كتبت عن زيارتنا لمكان المعركة فى كتاب 15 طلقة فى سبيل الله .. فقلت :

ما زلت أتذكر زيارتنا لموقع المعركة ، بعد إنتهائها بيوم واحد تقريبا . لقد وقعت القافلة المتوجهة نحو خوست في كمين قاس .. كانت آثاره المدمرة واضحة . أكثر من عشرين شاحنة إحترقت تماما وجثث السائقين و معاونيهم قد تحولت إلى تماثيل بشعة من الفحم الذي تبرز منه عظام آدمية بيضاء إضافة إلى أكثر من عشر مصفحات محترقة ، وقد سقطت جثث الجنود خلف مزاغل إطلاق النار و بعضهم  إحترق داخل المصفحة  أو على أسفلت الطريق العام .

جثة أخرى لعسكري ـ أو ضابط ـ زحف إلى خارج الطريق وأسند ظهره إلى صخرة ومات تحتها . لقد تعفن الجسد وأصبح أسودا مثل الفحم بينما إنكشفت عظام الجمجمة واليدان فوق البطن وعظام الفك مفتوحة عن إستغاثة يائسة . عدد آخر من المدرعات ترك الطريق العام ونزل إلى الوادي الصخري المجاور حيث يسير نهر شمل بمياة قليلة لكنها شديدة الإندفاع .

فتعطلت بين الصخور وغرزت فيها العجلات والجنازير ، وهكذا ضاعت عدة دبابات في الوادي أيضا . وفوق الجسر منظر غريب آخر ، مصفحتان إقتحمتا الحاجزالحديدي كي تسقط في الوادي من إرتفاع ثلاثة أمتار تقريبا ، وكأن السائقين فوجئوا بالكمين فقرروا الفرار بهذه الطريقة ، والأغلب أنهم قتلوا. من المناظر الغريبة أيضا  إحدى ناقلات الجنود وقد إخترقت طلقة الحديد السميك المجاور لمزغل إطلاق النار فقتل الجندي وسقط فى مكانه.

نظرنا إلى المكان الذي جاءت منه تلك الطلقة الغريبة ، وكيف إستطاعت اختراق حديد بتلك السماكة ، وهذا غير ممكن إلا بطلقة ـ أو قذيفة ـ مضادة للدروع وهو الشيء الذي لا يمتلكه المجاهدون في ذلك الوقت . كان في الإتجاه المقابل للمزغل جبل صلد مرتفع لم تحدث من جهته أية عملية إطلاق لأن الكمين كله جاء من جهة واحدة عبر الوادي حيث تشرف عدة تلال متفاوتة الإرتفاع أما الجانب المقابل فهو جبل مرتفع لا يتيح للقوة أية فرصة للإختباء، فكأنها تقف أمام حائط كي يطلق عليها المجاهدون النارمن الجهة المقابلة، فسحقت القوة بالكامل وهي في وضع سيء.

إكتملت الصورة بكثير من الجثث التي تحللت وأصبحت أشبه بالرماد المحترق وقد تناثرت فوق الطريق وكأنها كتل بارزة من الإسفلت ، وقد تجمعت الكلاب حولها تنهش منها ما تشاء ، بينما جلست كلاب أخرى متكاسلة على جانبي الطريق وقد أصابتها التخمة . وفي وسط هذه اللوحة المأساوية وجدت كتابا ضخما وقد تلوثت صفحاته المصقولة بالدماء ، لقد كان ديوان شعر باللغة الروسية ، مزينا برسومات رومانسية غير متقنة لضباط وجنود مع فتيات جميلات ، حولهم العديد من الزهور والأشجار وزجاجات الخمر والطيور .

خمنت أن الديوان كله يتحدث عن ضباط وجنود ذهبوا إلى الجبهة للقتال وتركوا خلفهم الأهل والعشيقات ومتع الحياة . أضافت الدماء التي لطخت الصفحات خاتمة مأساوية لحياة إنسان فقد حياته على أرض غريبة.  لقد قتل وهو يطلق النار على الأبرياء بينما يقرأ أشعارا الغزل ولوعة الفراق ـ كمثل نيرون الذي أحرق روما وهو يغني أشعارا ـ لقد سقط الجندي الروسي ـ ولا ندري أين جثته وسط هذا الحشد المتفحم  ، فقد حياته بلا معنى . وبعد يوم وفاته بإحدى عشر سنة تقريبا سقطت الشيوعية وإنهارت دولة السوفييت فوق نفس الجبال في أفغانستان .

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

راهب الجهاد .. “الشيخ محمود” .

كل ما حولى كان أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة . الأرض ، الناس ، الأحداث ، لم يخطر على بالى شئ منها. فكنت أحاول إستجماع نفسى حتى أفهم ما حولى . كل ما رأيته فى رحلتى الأولى (يونيه 1979) كان معلومات تأسيسية ، وما تلى من سنوات كنت أبنى عليها فتزداد حصيلة فهمى لتلك العناصر . ولكن وحتى مغادرتى لأفغانستان فى نوفمبر 2001 لم أستكمل هذا الفهم . ولا أظن أنه ذلك ممكننا ، فكل ساعة فوق أرض أفغانستان ومع هؤلاء الناس ، وما يصنعونه من أحداث لا يمكن الوصول فيه إلى نهاية ، ويظل دوما فريدا ومفيدا .

ـــ فى عصر أحد الأيام ، رأيت بادشاه (يعنى الملك) ــ إبن عم حقانى ــ العامل على الرشاش البلجيكى الثقيل المضاد للطائرات ، وكان يحمل مدفعه من فوق القمة نازلا به إلى الوادى. شعرت بالسرور لأننى كنت لا أشعر بصداقة مع ذلك المدفع ، ولا مقتنعاً بفكرته ، وتسبب لى ذلك “بحفلة” تقريع من حقانى سيأتى ذكرها فيما بعد .

ولكن تعجبت أن “بادشاه” وافق على إخراج مدفعه من الخدمة ، وبهذه السهولة . سألت حقانى عن السبب ، وكان يهبط من منزله صوب الوادى . فقال أنه يأخذ المدفع إلى “الشيخ محمود” حتى يتفحصه . فسألته عمن يكون ” الشيخ محمود” .

فقال أنه من المجاهدين الأوائل الذين حملوا السلاح ضد حكم دواد ولم يترك سلاحه إلى اليوم . ولمدة ثلاث سنوات لم يغادر الجبهة ولكنه جاء منذ أيام إلى “سرانا” مريضا . فاشتاق إلى السلاح وكان متعجبا من وجود رشاش ثقيل عندنا يشتبك مع طائرات العدو ، فأراد مشاهدته فأرسلته إليه فى الوادى حتى لا يتكبد عناء الصعود وهو مريض .

ــ نزلت مع حقانى إلى الوادى حتى ألقى التحية على “الشيخ محمود” الأسطورة الذى لم يضع سلاحه منذ أن رفعه على “الكافرين” منذ أكثر من خمس سنوات .

رأيته مسندا ظهره على الجبل . فظهر وكأنه جزء منه ، بكيانه الضخم الصلب . كَفَّاهُ خشنتان كقطع من جذع شجرة صنوبر على سفوح ( ساتى كاندو). جبهته بارزه وحاجباه كثيفان تطل من تحتها عينان تلمعان بحدة وسرور . كان يقلب بكفيه الخشنتان المدفع الثقيل ، وكأنه طفل يتلقى هدية العيد من والده المحب . جلس إلى جانبه حقانى وهو يبتسم شارحاً للشيخ العملاق أسرار ذلك السلاح الجبار { وكنت أرى فى ذلك المدفع أفشل مشروع للدفاع الجوى ، ويراه حقانى تحديا يمرغ أنف الكافرين فى التراب ـ والآن ـ أظن أن كلانا كان على حق . كنت أنظر إلى الناحية التكتيكية لسلاح منفرد سريع العطب . وحقانى نظر إلى الجانب المعنوى لوجود سلاح فريد فى المنطقة ، رآه رافعا لمعنويات المجاهدين ومتحديا لجبروت الكافرين } .

ألقيت السلام على الشيخ محمود ، ومد إليّ يدا ثقيلة خشنة وألقى على وجهى نظره ثاقبة سريعة ، شعرت أنه فهم فى تلك الومضة كل ماهو محتاج إلى معرفته عنى ، أو أنه إطلع فى ومضة واحدة تاريخ حياتى كله من الولادة وحتى الممات . ثم عاد الشيخ يتفحص المدفع الملقى على ركبتيه ، وكأنه يداعب طفله الأول .

رغم قوته وكيانه المهيب كان يبدو مريضا ومنهكا . دفعنى الفضول لمعرفة أسرار هذه الشخصية التى رفعت سلاحها للجهاد ، منفردا وحيدا ، ضد دولة بجيشها ..وهو الآن فرح ليس فقط بالسلاح الجبار الملقى على ركبتيه ، بل لأن قبائل باكتيا وأفغانستان كلها لحقت به إلى الجهاد . الشيخ محمود كان واحدا من هؤلاء العظماء السبعة ــ  قائدهم حقانى ونائبه أحمد جول ــ الذين إفتتحوا الجهاد فى باكتيا ـ وسيطروا على قاعدة عسكرية قرب غابات الأورجون بالتكبير وبضع طلقات من بنادقهم القديمة.

– كانت زيارتنا الأولى لأفغانستان قد إنتهت ، عندما تعافى الشيخ محمود ، وذهب إلى موقع المجاهدين الذى كنا فيه حيث التماس الدائم مع العدو .

توضأ الشيخ محمود ، ووقف يؤدى صلاة العصر . وفجأة داهمت طائرات الهيلوكبتر الموقع ، وبدأت بإطلاق مدافعها الرشاشة على من فيه .

إختبأ الجميع بين الصخور ، إلا الشيخ محمود الذى ظل واقفا يكمل صلاته ، حتى أصابته طلقة فى رأسه فتهاوى كتلة واحدة شهيدا بين يدى ربه ، متمددا وصدره فوق بندقيته التى كانت حاجزا أمام مصلاه ، فبدا وكأنه يحتضنها فى وداع أخير . فكان شهيد المحراب الذى لم ينحن يوما لغير خالقة . وكان الشهيد الوحيد فى ذلك اليوم ، وإن لم يكن آخر الشهداء .

–  بالنسبة لى كان مذهلا ذلك الصنف من الناس ، الذى يقف منتصباً للموت ولا يظهر خوفاً أو تردداً ـ لماذا ؟؟ كنت أرى أن ذلك على ما فيه من بطولة وعزة إلا أنه عمليا قد يؤدى إلى القضاء على جميع المجاهدين فى ساعات أو أيام قليلة ، وتنتهى قصة الجهاد ويبقى “للكافرين” سطوتهم على الدنيا وما فيها . ولكن يكمن فى ذلك أحد أسرار الشخصية الأفغانية . كان التحدى جزءً من فطرتهم الإيمانية ، والشجاعة جزء من تكوينهم النفسى ، والمرونة والتكيف جزء من ذكاء فنون البقاء لديهم .

وهذا الخليط إمتزج فى النهاية ليخرج المجاهد الأفغانى الذى يتحدى العالم ، ويسقط أغنى وأقوى دول العالم ، الواحدة تلو الآخرى . بلا وجل ، ولا تعب ، ولا تردد ، ولا جمود .

 

السيد أحمد .. سيد الهاون :

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان ، (هاون السيد أحمد) كان السلاح الثقيل الثالث الذي شاهدناه  في حالة إشتباك .

“السيد أحمد” ــ من شمال أفغانستان ــ رامي الهاون في مجموعة مولوي عبد الرحمن ، وهى أول مجموعة قتالية نلتحق بها فى أفغانستان (كان مولوى عبد الرحمن يمزح ضاحكا : عندنا مجموعة من 12 مجاهدا يتكلمون أربع لغات مختلفة !! ) . وقد أرسلنا إليه حقانى إليهم بعد أن وصلت بنادقنا التى إشتريناها من غنائم جماعة مطيع الله فى الأورجون . مولوى عبد الرحمن شاب فارع الطول ذو إبتسامة ساخرة لا تكاد تفارق وجهة . كان يرتدى نظارة طبية بعد أن فقد إحدى عينيه خلال إشتباك مع العدو .. وعلى يد الرجلين ( مولوى عبد الرحمن ، والسيد أحمد) تلقيت بعض الدروس التي أفادتني طول مدة الحرب . كما أنها ظلت مستخدمة بين المجاهدين على  نطاق واسع .

أول هذه الدروس كان تأخير وقت الإشتباك إلى قرب غروب الشمس حتى لا يعطي للطيران فرصة للتدخل ضده . (فى فبراير 1990 خرج حقانى عن هذه القاعدة أثاء هجوم ضخم وناجح للإستيلاء على جبل تورغار ــ المفتاح الجنوبى للمدينة ومطارها ــ بعد صلاة الجمعة مباشرة والشمس فى كبد السماء!! . سنعود إلى ذلك فى موضعه ) .

الدرس الثاني كان دقة إختيار الأهداف … فقد كان (سيد أحمد) يتناقش مسبقا مع قائده (عبد الرحمن) في تحديد الأهداف التي سيوجه إليها نيرانه أثناد العملية قبل أن تبدأ .

الدرس الثالث كان الإقتصاد فى الذخيرة ، فقد كان لكل هدف طلقة واحدة ولم نسمع يوما أن (سيدأحمد) قد أخطأها .

بقي أن نعرف أن (سيد أحمد) كان مختصا في سلاح الهاون أثناء خدمته في الجيش الأفغاني وقبل أن يفر من وحدته ويلتحق بالمجاهدين . أخذ معه سلاحة ( الهاون عيار 82 مليمتر ) وظل يستخدمه أثناء إلتحاقه بالجهاد . والغريب أنه يقصف وحدته العسكرية المستحكمة في قرية (دارا) القريبة من جرديز على أول الطريق الذاهب إلى خوست .

ومن هذا نفهم لماذا لم يكن يخطئ الهدف أبدا ، فهو إلى جانب مهارته الفنية ، يحفظ تماما مواقع الأهداف ومسافاتها . ونفهم أيضا  لماذا يناقش إختيار الأهداف مع قائده عبد الرحمن ،  وكان يصر على عدم قصف خيام الجنود ، وكان دائما يقول:( إنهم ليسوا شيوعيين وقد كنت بالأمس واحدا منهم ، وكلهم ينتظرون الفرصة للإلتحاق بإخوانهم المجاهدين ولكن الضباط الشيوعيين يحرسونهم جيدا ويقتلون فورا كل من يشكون في نواياه من الجنود) .

لقد ظل المجاهدون طوال مدة الحرب يفرقون بين الجندي الأفغاني المغلوب على أمره وبين الضابط الشيوعي الذي يأمره ويتحكم فيه بل ويستعبده . وكل هؤلاء الجنود تقريبا كانوا من مزارعي الأرض في مناطق شمال أفغانستان الناطقة بالفارسية .

وكان ذلك ضمن مخطط الشيوعيين لإشعال الكراهية بين القوميات التي يتركب منها المجتمع الأفغاني . فالجنود والضباط في كل قومية يقاتلون في مناطق القوميات الأخرى . أما الضباط الشيوعيين (الحزبيين) فإنهم يقاتلون في كل مكان لأنهم يكرهون الجميع .

–  لقد إستشهد (السيد أحمد) بعد ذلك بعدة أشهر بواسطة قذيفة مدفعية . كان عائدا إلى المعسكر بعد زيارة لقبر أحد الصالحين يدعى “خدى بابا” الموجود على جانب طريق جبلى ، منحدر وضيق يقع على طريق المجاهدين، من قمة الجبل إلى مركزهم الخلفى تحت الجبل . قرأ الفاتحة وهَمَّ بالإنصراف. ولكن هبطت قذيفة مدفع قادمة من جرديز ، لتأخذ السيد أحمد فقط ، ولم تعقبها قنابل أخرى.

ما زلت أعتقد أن ذلك الشاب هو نموذج للمجاهد المثالي خلقا وعملا . كان من السادة ـ أي سلالة تنتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان سيدا نبيلا بكل معاني الكلمة ، هادئا دمث الطباع محبوبا من الجميع متواضعا . يتصرف بثقة من تعود على السيادة والقيادة هذا عن أخلاقه . أما مهنيا فلم أر مثله في أفغانستان شخصا يعشق سلاحه ويهتم به كما تهتم الأم بطفلها الرضيع . لقد حفر مغارة خاصة صغيرة تستوعب مدفعه وذخائره القليلة . أما بطانيته التي ينام عليها فكان يخصصها لتغطية ماسورة المدفع التي ينظفها يوميا من الأتربة ، عدا التنظيف الحتمي بعد الإشتباك والرماية . وأثناء التحرك بالسلاح إذا أمطرت السماء ، كان يتخلى عن ردائه “الباتّو” كي يلف به الماسورة حتى لا تطالها الأمطار، أما هو فلن يصدأ إذا تبلل جسده بالمطر أو لفحته الرياح.

كان فى مقتبل الشباب ، نحيل الجسم خفيض الصوت محبوبا من الجميع . يحيط به الشباب يمازحزنه أثناء الطعام ( أو ما يشبه الطعام). ويتسابقون على إصطحابه أثناء عمليات الرماية. ولكن مولوى عبد الرحمن كان يحدد العدد تفاديا للخسائر من جراء القصف المعاكس الذى كان العدو يسرف فيه جدا . فالضباط كانوا يعرفون أن الرامى هو السيد أحمد ، الجندى السابق الذى كانوا يستعبدونه بغبائهم العسكرى وقسوتهم ، يشاهدونه الآن وهو يقتلهم بكل حرية .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 152 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

16/10/2018

www.mafa.world

 

جلال الدين حقانى

 




الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

الفرار الأمريكي من أفغانستان.. هزيمة وليس صفقة

 

–  بالتفاوض يريد ترامب تحويل هزيمته فى أفغانستان إلى صفقة يحصل فيها على مزايا مستقبلية تعوض خسائر الإنسحاب.

– حتى حلفاء أمريكا لا يثقون فى تعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية والدولية.

– تختار أمريكا للبلاد المحتلة بديلا أكثر فتكا، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية.

– تهدف أمريكا إلى إسقاط حركة طالبان فى أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة.

– أمريكا تنقض على أى صفقة أبرمتها لتسترد ما دفعته فى وقت ضعفها.. وهكذا تفعل على الدوام.

– إذا وافق الجانب الأمريكى على الإنسحاب، فما هى أهدافه المتبقية من عملية التفاوض؟

– من أهداف أمريكا الكبرى: تفريغ الحكم الإسلامى من محتواه الحقيقى، وجعل الدولة تحت وصاية الشركات العالمية كبديل للإحتلال العسكرى.

– ما هى قائمة المطالب الأمريكية من أى نظام قادم لحكم أفغانستان؟

– وقف إطلاق النار أثناء عملية التفاوض ينزع السلاح من يد المفاوض الأفغانى، فتتحول المفاوضات إلى وظيفة أبدية، إلى أن يتوقف الجهاد.

– سقطت دوافع الحرب لدى العدو بفقدان سيطرته على معظم الأرض. فلا هو قادر على إستثمار كنوز الأفيون، ولا هو قادر على تمديد خطوط الطاقة عبر أفغانستان.

– لماذا إصرار الجانب الأمريكى على بدء المفاوضات الآن؟

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

يصف الأمريكيون رئيسهم ترامب بأنه الرئيس الأكثر فشلا فى تاريخ البلاد. فهو يعبر عن النظام الأمريكى، ولكن بطريقة فجة وفضائحية أثارت إستهجان العالم واشمئزاز الشعوب. رفع ترامب شعار(أمريكا أولا) والمعنى الآخر للجملة هو أن أمريكا فوق الجميع ـ وهو شعار نازى ـ لا يبالى بشعوب الأرض الأخرى، فى عنصرية فجة ذات طابع عرقى ودينى.

النظام الرأسمالى الليبرالى فى الغرب ذاهب إلى إنحلال وسقوط، وترامب يريد أن يقفز منفردا من السفينة الغارقة. فسخر كل طاقات بلاده لجمع الأموال بأى شكل ومن أى مصدر ممكن. فتراه يبتز شركاءه فى حلف الناتو حتى يزيدوا من مساهماتهم المالية فى الحلف، وأن يدفعوا له ثمن حمايته لهم. وقد فعل ما هو أبشع من ذلك مع دول نفطية غنية وسلب منهم بالقهر والتهديد مئات المليارات من الدولارات. وخرج من إتفاقات التجارة الحرة مع الحلفاء، وفرض رسوما جمركية على واردات بلاده منهم، وتوشك حرب تجارية شاملة أن تنشب بين بلاده وبين الصين وأوروبا.

كما خرج ترامب من إتفاقية المناخ التى وقع عليها (أوباما)، والسبب هو رفع أى حرج عن الصناعات الأمريكية فى تلويث البيئة كما تشاء بدون إلتزام بمعايير صحية تحافظ على كوكب الأرض وساكنيه. ويرفع ترامب توتر الأزمات إلى درجة العدوان المحدود أو الدفع نحو حافة هاوية الحرب النووية، حتى يساعد تجارة السلاح فى بلاده لتوزيع بضائعها المدمرة. لذا لا يثق أقرب الحلفاء بأمريكا ولا بقدرتها على الإلتزام بتعهداتها، ويعانون من سياساتها الإقتصادية ومن تلاعبها بالوضع الدولى وتعريضه للخطر من أجل الإبتزاز وجباية الأموال بالقوة، أى ممارسة نوع من البلطجة الدولية بأشد الأسلحة فتكا فى التاريخ، وليس بمجرد بلطة أو سكين كما يفعل البلطجية المحليون.

 

بشكل عام هناك نقاط أساسية فى سياسة ترامب:

1 ـ إنه يرغب فى سحب جيوش بلاده من جميع المناطق الملتهبة التى تتورط فيها عسكريا، وعلى رأسها أفغانستان، ومن ضمنها العراق وسوريا. ولا يعنى ذلك ترك تلك البلاد وشأنها، بل يتركها لبديل آخر أقل تكلفة وأكثر دمارا، مثل الحروب الأهلية والداعشية والحروب الإقليمية أو الرعاية الإسرائيلية ضمن منظومة إحتلال صهيونى جديد يبتلع المنطقة العربية اليوم ثم المنطقة الإسلامية غدا.

2 ـ أن يبقى الإنتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم (300,000 جندى أمريكى فى 770 بلدا) لبسط النفوذ، والتهديد بالحرب بهدف جنى الأرباح وبيع الأسلحة. وأظهار أمريكا بمظهر القوة الأولى فى العالم والمتحكمة فى النظام الدولى كله.

3 ـ أن يواصل صناعة الأزمات فى مناطق العالم المختلفة، إلى درجة الوقوف على حافة الحرب النووية (أزمات كوريا الشمالية وإيران) وحصد المكاسب المالية، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية. أو لطرد منافسين من مناطق معينة (إبعاد إيران عن الشرق الأوسط واليمن ـ وطرد روسيا من سوريا وأوكرانيا ـ وطرد فرنسا من غرب أفريقيا..) كل ذلك مع الحرص على عدم التورط فى حرب فعلية ساخنة.

تلك السياسة أفقدت ترامب وبلاده ثقة العالم، بل والثقة فى نظام المعاهدات الدولية، وبالتالى عدم الثقة فى النظام الدولى القائم الذى حول العالم إلى غابة من الفوضى، والبحث عن تكتل عالمى جديد يمكن أن يفرض نوعا من النظام على العلاقات بين الدول. وتكتل مثل دول البريكس هو الأقرب إلى أن يكون البديل فى المستقبل. وهذا يضيف الكثير إلى أهمية أفغانستان فى السياسة الدولية. لكونها فى موقع القلب من آسيا التى ستصبح مركزا للنظام العالمى القادم.

لا أحد فى العالم كله حتى أقرب الأصدقاء يثق فى أى تعهد أو إتفاق مع الولايات المتحدة. ناهيك أن الرئيس الحالى معرض لمغادرة منصبه مطرودا، أو مستقيلا، بعد الإنتخابات القادمة للتجديد النصفى للكونجرس فى خريف هذا العام.

 

الحرب والمفاوضات:

من المعروف أن معركة التفاوض أخطر من المعارك العسكرية لأنها أبعد أثرا. فمن خلالها تتحدد النتائج العملية للحرب. ومن الشائع القول بأن خطأ واحد فى عملية التفاوض قد يكون أخطر من خسارة عشرات المعارك.

بل أن المفاوض السئ قد يهدر نتائج حرب طويلة بُذِلَتْ فيها أنهار من الدماء. فالمفاوضات مليئة بالعروض (أو المشاريع) الملغمة، التى ظاهرها الرحمة وباطنها الهلاك. وصياغة الألفاظ المستخدمة فى لغة التفاوض وفى كتابة الإتفاقات هى مشكلة أخرى. فهناك خبراء فى الصياغات الملتبسة حمالة الأوجه. واللغات المستخدمة فى كتابة الإتفاق مشكلة إضافية إذ تتفاوت الترجمات (عمدا أو سهوا) فتحدث مشكلات كبيرة طويلة الأمد.

والإتفاقات السيئة غير المتوازنة هى غالبا تمهيد لحرب قادمة أشد وأدهى (بعد الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء المنتصرون مع المانيا المنهزمة إتفاقا جائرا، فى ” فرساى” بالقرب من باريس، بشأن الإستسلام والتعويضات. وكانت المعاهدة مهينة ومجحفة بالألمان فكانت سببا فى نشوب الحرب العالمية الثانية).

ــ وبعد حرب شعبية طويلة الأمد (جهاد شعبى) إذا كانت الإتفاقات الناتجة سيئة، فإن الحركة التى قادت الحرب يسقط إعتبارها فى أعين الشعب ولا يطيعها فى وقت السلم أو فى وقت الحرب، إذا كان هناك حرب أخرى.

ــ ولأهمية المفاوضات ونتائجها يسعى كل طرف إلى ممارسة أقصى ضغط على خصمه بهدف إيصاله إلى طاولة المفاوضات منهكا ومحبطاً. وكما نرى الولايات المتحدة تمارس ضد حركة طالبان جميع أنواع الضغوط فى نفس الوقت الذى تسعى فيه نحو المفاوضات بواساطات من كل أصدقائها. بل وتمارس ضغوطا بواسطة أصدقائها هؤلاء. فهناك مثلا:

ضغوط عسكرية: بزيادة الضربات الجوية والأرضية ضد المدنين، وضربات الدواعش ضد قطاعات عرقية ومذهبية منتقاة.

ضغوط سياسية: من داخل أفغانستان وخارجها، لعزل الحركة وإجبارها على قبول التفاوض تحت ضغوط لا تمكنها من الحصول على مطالب شعبها.

 ضغوط مذهبية: مثل تحريك (أشباه العلماء) فى الداخل والخارج لإدانة جهاد الحركة وتصويره على أنه تطرف مخالف للدين.

 ضغوط نفسية: ناتجة عن تضافر الضغوط السابقة مع بعضها، مع إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات الإعلامية فى الداخل والخارج.

وفى ذلك ملخص لأهداف الحرب النفسية الأمريكية ضد مجاهدى حركة طالبان لإيصالهم إلى طاولة التفاوض ـ كما يتمنى الأمريكيون ـ وهم منهكون من الحرب النفسية، وليس من الجهاد الذى يمارسونه بنشاط ونجاح وسط تأييد شعبى نادر المثال.

فى الواقع فإن ذلك التوصيف البائس ينطبق على الموقف الأمريكى منذ أن أدرك أوباما إستحالة كسب الحرب، وضرورة الإنسحاب من أفغانستان. وفى نفس الوقت زاد تعداد قواته 30,000 جندى إضافى عام 2009، وحدد موعدا للإنسحاب بنهاية عام 2014. ولكن تحت ضغوط مصالح إقتصادية داخل أمريكا { من لوبى النفط، ولوبى المخدرات، واللوبى اليهودى الذى يخشى من تأثير سلبى للإنسحاب على المشروع الإسرائيلى للهيمنة على المنطقة العربية} فجاء الإنسحاب الأمريكى محدودا، واستمرت الحرب.

وكان وعد ترامب فى الإنتخابات أن ينسحب من حرب أفغانستان. وفى الفترة الأخيرة أخذ يضغط بقوة من أجل التفاوض على أهداف أعلنها. أيضا حركة طالبان أعلنت عن إستعدادها للتفاوض وفق رؤيتها وأهدافها.

فماذا قالت الإدارة الأمريكية حول أهداف المفاوضات التى تريدها؟ قالت أن هدفها من التفاوض هو إستيعاب حركة طالبان ضمن ” النظام الجديد”. يقصدون الحكومة التى يريدون تشكيلها فى كابل بعد الإنتخابات القادمة فى أبريل (2019). بالطبع ذلك هو السقف الأعلى من المطالب الذى يريدون الدخول به إلى طاولة التفاوض، تاريكين لأنفسهم فرصة التراجع (قليلا) وتقديم تنازلات سطحية يصفونها عادة (بالتنازلات المؤلمة) حسب التعبير التفاوضى الإسرائيلى، حتى يطالبون خصمهم بتقديم تنازلات جوهرية.

– تنازلات أمريكية “مؤلمة! ” ناتجة على أقصى تقدير من عدد الوزراء من حركة طالبان الذين تسمح أمريكا بقبولهم فى الحكومة القادمة، فى مناصب غير جوهرية (وزارات غير سيادية)، وتعديل فقرة أو أكثر من الدستور الحالى، لا تمس جوهره الإستعمارى.

 

ذلك “الألم” الأمريكى فى مقابل ماذا؟

فى مقابل قبول طالبان بصيغة جديدة للإحتلال على شكل قواعد دائمة للقوات الأمريكية بشكل مكشوف أو بشكل متخفى ـ مثل بعثة دائمة للتدريب ـ أو قاعدة لحلف إسلامى/عربى تشارك فيه دول عربية ـ وإسرائيل بشكل معلن أو مستتر ـ وأمريكا بالطبع) وتدخل فيه أفغانستان، تحت إدعاءات مثل: تعزيز الدفاع المشترك ضد الأخطار”الخارجية” و”الإرهاب” الذى يهدد أفغانستان والدول المشاركة فى الحلف، أو ضمان (أمن واستقرار وتنمية أفغانستان والمنطقة). فتحتفظ أمريكا بقاعده باجرام ـ أهم قواعدها فى أفغانستان ـ وقد يضاف إليها عدة قواعد فرعية أخرى فى جلال آباد شرقا وشندند غربا ـ ومزار شريف شمالا.. وأماكن أخرى على قدر ما تسمح به ظروف ” التفاوض الحر والمتكافئ”!

إذا رفضت حركة طالبان عرض القواعد العسكرية ـ أو عرض إتفاقية الدفاع المشترك ـ أو التعاون الدفاعى والأمنى، وأصرت على الإنسحاب الأمريكى الكامل. فسوف يتسبب ذلك فى ألم بالغ للمشاعر الأمريكية الرقيقة، يستوجب أن تدفع حركة طالبان ثمناً “عادلا” فى مقابله.

الثمن الذى تريده أمريكا هو فى الإجمال إسقاط حركة طالبان من أعين شعبها وأعين المسلمين بتوريطها فى إتفاقات سياسية ملغمة لا تستطيع التملص منها وتسئ إلى سمعتها فى أعين الشعب الأفغانى على أنها كانت تسعى إلى السلطة والثروة، وتخلت عن الجهاد وأهدافه وتضحياته من أجل مشاركة فى السلطة مع عملاء الإحتلال فى ظل دستور وضعه المحتل.

فى إمكان الإحتلال تصنيع الإشاعة وترويجها عالميا. ومناخ التفاوض مناسب لأمثال تلك الشائعات. فحتى لو لم تنجح المفاوضات فإن ضرر الإشاعات سيكون قد وقع جزئيا أو كاملا لأن مجرد التفاوض يمهد الأجواء أمام شائعة محكمة النسيج يرددها العالم كله.

الفكرة الكبرى خلف المفاوضات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ هى تحويل إنسحابها العسكرى من هزيمة عسكرية فى أطول حرب خاضتها عبر تاريخها الدموى، إلى (صفقة) سياسية، فيظهر الإنسحاب (جزئى أو كلى) أنه كان فى مقابل ما دفعه الخصم (حركة طالبان) من أثمان وتنازلات متكافئة. وهكذا تخرج أمريكا من أفغانستان تحت غطاء صفقة سياسية وليس نتيجة لهزيمة تاريخية، وفضيحة مدوية كما هو الحال فعلا.

وبعد ذلك لا يهم كثيرا مصير الصفقة ـ التى ستنقض أمريكا عليها بكل تـأكيد فى وقت لاحق حتى تسترد ما دفعته، وتأخذ من خصمها ما سبق وأن منحته إياه. وتلك هى سياسة أمريكا على الدوام فى كل الصفقات التى تضطر إليها فى ظروف قهرية. فلا إحترام لأى إتفاق ـ حتى لو كان دوليا ومضمونا من الأمم المتحدة، كما حدث مع الإتفاق النووى مع إيران ـ فشعار ترامب وباقى الرؤساء الذين سبقوه هو (أمريكا أولا وأخيرا)، فلا أحد يأخذ منها شيئا، إلا بشكل مؤقت إلى أن تسترجعه مرة أخرى فى أقرب فرصة عندما تتحسن الظروف.

ولكن ماذا لو وافق الجانب الأمريكى المفاوض على الإنسحاب من أفغانستان، فما هى أهدافه المتبقية فى عملية التفاوض؟

الهدف هو ذاته لم يتغير، أى جعل الحكم القادم (للإمارة الاسلامية) صوريا، وتطبيقها للشريعة شكليا، فلا يصل تأثير الإسلام إلى عمق المجتمع وحياته:

فلا يصل إلى الإقتصاد على صورة عدالة فى توزيع الثروات ومنع إحتكار الثروة فى أيدى قله سياسية أو قبلية.وحماية الثروات العامة وتنميتها على أفضل وجه لصالح مجموع الشعب.

ولا يصل إلى السياسة فيقع الحكم فى يد أقلية متحكمة فى القرار السياسى وفى المال العام.

وكما سبق فى تجارب عربية فاشلة، يقتصر تطبيق الشريعة على قانون العقوبات (الحدود والتعزيرات) التى تنفذ على الضعفاء دون الأقوياء. ويترك لجماعة التنفير من الدين، والمسماة (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) كى تذل الناس بتطبيقاتها الخاطئة لمبدأ الحسبة فى الإسلام.

تريد أمريكا ترتيب (الدولة الأفغانية) على النمط الملائم لمصالح الغرب الإستعمارى فى طوره الجديد الذى هو إحتلال الشركات الكبرى العابرة للقارات كبديل لإحتلال الجيوش فى السابق.

دخول تلك الشركات إلى دولة ما، يعنى تقسيم الحكم فى تلك الدولة بين ثلاث هيئات أساسية، لكل منها تخصصه فى إدارة شئون تلك الدولة وفقا للتصور الجديد:

1 ـ الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات: لتسيطر على ثروات البلد وتستنزف موارده لصالح الغرب الإستعمارى. ومن واقع تلك السيطرة تمارس نفوذا كاملا على جميع أوضاع تلك الدولة من أكبرها إلى أصغرها.

2 ـ مؤسسات المجتمع المدنى: أو هيئات الأغاثة فى حالة أفغانستان، ودول أخرى طحنتها الحروب والكوارث. تلك المؤسسات تقدم معظم الخدمات التى كان من المفروض أن تتكفل بها الحكومة، ولكن بشكل غير مخطط ولا مُلْزِم وقابل للتوقف أو التغيير فى أى وقت. وتبدأ من التعليم إلى الصحة إلى الخدمات القانونية، وشئون الأسرة، وإدعاءات حقوق الإنسان والمرأة والطفل، كل ذلك بمنظور غربى بحت، لا يراعى الخصوصية الإسلامية والوطنية. ويراعى إخراج الحكومة تماما ــ أو إلى الحد الأقصى الممكن ــ من مجال تقديم الخدمات للمواطنين. ويكون هم الحكومة الأكبر هو حراسة تلك الأوضاع الجائرة.

3 ـ الحكومة المحلية “الوطنية”: وعليها أداء مهمتين رئيسيتين هما:

الأولى: تمكين الشركات الكبرى من السيطرة على كافة منابع الثروة فى البلد. وتوزيع مشاريع الدولة على الشركات المتعددة الجنسيات لتنفيذها بحيث تجعلها فى خدمة الإقتصاد الغربى، وتسهل كل أنشطتها التخريبة للبيئة والمجتمع وجهاز الدولة، مثل نقل المصانع الملوثة للبيئة من العالم المتقدم إلى تلك البلدان المتخلفة، والإستفادة من عوامل ضعف الأجور والتأمينات المتدنية على العمال وإنتشار الفساد الحكومى والتهرب الضريبى، والحصول على طاقة رخيصة أو مجانية. والتهرب من المتابعات القانونية فيما يتعلق بتلك المخالفات الجسيمة.

الثانية: الحفاظ على الأمن الداخلى: لهذا فتلك الحكومات تكون إستبدادية وفاسدة. لا رقيب عليها، وتحظى بحماية دولية كاملة فيما عدا الإنتقادات الشكلية التى لا تمس إستقرار تلك الأنظمة، إلا فى حالة أن يصيبها العجز عن تحقيق مهامها نتيجة أخطائها المتراكمة، وتوترعلاقاتها مع شعوبها إلى درجة الخطر (كما حدث مع أنظمة الربيع العربى ).

عندئذ تقوم الشركات الكبرى بإستخدام نفوذ دولها لإحداث تغيير فى شكل النظام بدون التأثير على وظائفه فى خدمة لتلك الشركات والدول الحامية لها.

مهمة الحكومة المحلية فى الأساس ـ هى الحفاظ على (الأمن) بأسوأ معانيه وتطبيقاته، التى تعنى قهر الشعب ونشر الظلم وحماية الطغيان والفساد وسيطرة الشركات الدولية ومصالح الدول الكبري الحامية للنظام الحاكم.

وأهم الأدوات اللازمة لذلك، هى الأجهزة المسلحة أى: جيش عميل وفاسد ـ جهاز شرطة متجبر وفاسد ـ أجهزة مخابرات منفلته ومتوحشة، تحصى على الشعب أنفاسه وتمارس تعذيبه وقهرة وتشويه أفكاره. جميع تلك الأجهزة تعى فلسفة عملها وهى: تحطيم الداخل (الوطن) لمصلحة الخارج (الشركات الدولية ـ وإسرائيل ـ والولايات المتحدة).

باقى أجهزة “الدولة الوطنية” تساند تلك الأجهزة المسلحة فى “إستتباب الأمن”. وأهم الأجهزة المساندة هى: الجهاز التشريعى (مجلس النواب) والجهاز الإعلامى، والجهاز القضائى، والجهاز الدينى(علماء النتاجون، وبغال الإفتاء) جماعات الفوضى المسلحة “البلطجية” من المجرمين والقتله المحترفين، والجماعات الدموية ذات الرداء الدينى (داعش وأخواتها ).

الثالثة: القوة الإستعمارية أى الولايات المتحدة وحلفائها ــ ودورها:

أـ ضمان أمن النظام (الوطنى) من أى تدخل خارجى من جانب قوى منافسه للولايات المتحدة.

ب ـ ضمان الأمن الداخلى عند الطوارئ ـ أى ذلك الإحتمال الضئيل بسقوط منظومات الأمن الداخلى نتيجة ثورة شعبية ـ أو إنقلاب عسكرى لمغامرين خارج السيطرة.

ج ـ ضمان توجيه المسار السياسى (للنظام الوطنى) فى الداخل والخارج بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما.

وتأتى مصالح إسرائيل فى المرتبة الأولى إذا كان ذلك (النظام الوطنى) عربيا أو إسلاميا.

– ذلك هو (الحكم الوطنى الجديد) فى أفغانستان، وفقا للمفهوم الأمريكى وأساسيات إقتصاد (الليبرالية الجديدة) للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والتى تقوم بدور الإستعمار الجديد، بديلا عن الإحتلال العسكرى المباشر.

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

فما هو المطلوب من ذلك الحكم الجديد فى أفغانستان؟

المطلوب أشياء كثيرة.. أهمها ما يلى:

1 ـ تمرير خط أنابيب (تابى) لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند، وفقا للشروط التى حددتها الولايات المتحدة سابقا، حتى قبل إحتلال أفغانستان. وهى شروط إقتصادية وسياسية وتشريعية تقوض تماما أى توجه إسلامى فى أفغانستان كما تهدم إستقلال ذلك البلد وتهدد أمنه الداخلى، وتجعل الطرف المنفذ للمشروع وهيئة إدارة المشروع خارج سلطة الدولة. أى أن المشروع هو دولة داخل الدولة.

2 ـ ضمان عدم وقف زراعة الأفيون ـ كما فعلت الإمارة الإسلامية سابقا ـ بل تفويض مسألة الأفيون إلى الأمم المتحدة ولجنة (UNODC) التى هى منشأة إستخبارية فوق القانون وتحفظ المصالح المالية الهائلة التى تجنيها الولايات المتحدة من زراعة الأفيون وتحويله إلى هيروين. والعودة إلى السياسة الأمريكية المراوغة المسماة (السيطرة على المخدرات)، وليس حظر زراعتها، وهى فى حقيقتها سياسة لدعم وتشجيع زراعة الأفيون.

3 ـ عدم المساس بالإستثمارات الأمريكية والغربية الموجودة حاليا فى أفغانستان، وهى عمليات نهب حقيقية. وأكثرها يعمل بشكل غير قانونى فى مناطق الإحتلال وتحت حراستة. مثل عمليات نهب خام اليورانيوم من سنجين فى محافظة هلمند لصالح البريطانيين والأمريكيين ـ والنحاس والحديد والفحم الحجرى فى كابل ومحيطها. وهى إمتيازات سحبها الأمريكيون من الصين بعد أن منحتهم إياها فى بداية الحرب كرشوة لشراء الصمت، (طبقا لقاعدة أمريكا فوق الجميع، وكل شئ لأمريكا فقط، وما دفعته أمريكا فى لحظة ضعفها تسترده عند قوتها ).

وهناك النفط والغاز فى شمال أفغانستان، وهو كنز هائل مسكوت عنه حتى الآن، ومن الطبيعى أن يكون من نصيب الشركات الأمريكية مستقبلا. وعمليات نهب الأحجار الكريمة والماس من شمال أفغانستان لصالح إسرائيل ـ أكبر مراكز صقل الماس وتجارته فى العالم ـ ولها شبكة مصالح إقتصادية وأمنية هامة فى أفغانستان.

4 ـ الإبقاء على آثار الإستعمار فى الحياة الثقافية والإجتماعية والتعليم فى أفغانستان. والنخب التى أنشأها الإستعمار فى السياسة والإعلام والإقتصاد الطفيلى. مع إلزام تلك النخب بشئ من الإحترام الشكلى للدين.

5 ـ إبقاء (حق) الإرتداد عن الإسلام، والمحافظة على أقلية من عملاء إشتراهم الإحتلال تحت ستار أقلية دينية يجب حمايتها.

6 ـ الإبقاء على المناهج التعليمية والنظام التعليمى الذى أقامه الإستعمار بكل قوة خلال 17 عاما لتربية أجيال متقبلة لوجوده وثقافته. ويمكن إضافة القليل من “التوابل” الدينية على مناهج التعليم “فى تنازل مؤلم!” مثل كتابة البسملة فى الصفحة الأولى من كل كتاب دراسى.

7 ـ إبقاء أفغانستان على تحالفها الوثيق مع أمريكا والغرب فى مجالات الدفاع والأمن والتسليح والتدريب والمناورات المشتركة.

8 ـ المحافظة على (الهيئات الدولية) العاملة فى أفغانستان تحت ستار الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية. وهى هيئات إستخبارية فى الأساس، وأدوات غزو سياسى وثقافى.

9 ـ إصدار عفو شامل عمن تعاونوا مع الإحتلال من سياسيين وقادة ميليشيات ومجرمين ومهربين وقتلة، وكل ذلك تحت مسمى المصالحة الشاملة ودعم الإستقرار والأمن الداخلى.

10 ـ عدم المحاسبة على الثروات غير الشرعية التى كونها البعض خلال عهد الإحتلال. وعدم إسترداد المنهوب من أراضى الدولة ومن المال العام. وعدم المطالبة بإسترداد الأموال المهربة إلى خارج البلاد. والعفو عن جميع الجرائم المرتكبة فى ظل الإحتلال.

11 ـ التعهد بسداد الديون المحسوبة على النظام العميل، وهى بالمليارات وستطالب بها أمريكا كديون على الدولة الأفغانية ـ { مع العلم أن أمريكا أنفقت على حرب أفغانستان 2000 مليار دولار بما فيها نفقات العناية بالجنود المصابين بعد الحرب، فى أكثر الحروب تكلفة على أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية } ـ وستطالب أمريكا بدفع كل ذلك كديون مستحقه على النظام القادم. وهو دين مستحيل السداد ويبقى الشعب تحت عبودية الديون إلى نهاية الزمان.

12 ـ الإشتراط على النظام القادم دمج نظامه الإقتصادى فى الإقتصاد الدولى الجديد (كما يشترطون على إيران الآن) ومعنى ذلك التمكين التام للشركات الدولية الكبرى، والإلتزام بالتجارة الحرة، أى عدم حماية الصناعات المحلية، وفتح النظام البنكى أمام السيطرة المالية والإشراف الدولي. وفى النهاية بناء دولة وفق مواصفات النظام الليبرالى الدولى، حسب ما سبق ذكره.

 

لا نهائية المفاوضات:

أولا: من الأفضل من حيث المبدأ ـ ألا تحدث تلك المفاوضات ـ لسبب بسيط وهو أن الإحتلال والعدوان الأمريكى تم بدون إذن أو دعوة أو تفاوض، لذا عليه أن يغادر بنفس الطريقة. كما أن التفاوض يعنى صفقة، والصفقة إذا كانت عادلة، فهى تعنى رعاية مصالح الطرفين بدون تغليب لمصلحة طرف على آخر. بينما تحرير أفغانستان لايخضع للتفاوض أو المساومة، ولا يمكن أن تحتويه أى صفقة، فدماء الشهداء ومصير الأرض والشعب والإسلام فى ذلك البلد المجاهد هى قضايا مبدئية وعقيدية وليست للمتاجرة أو لعقد الصفقات مع المحتل، فحملته الصليبية التى إستمرت لمدة 17 عاما لم تنته بعد.

فى حالتنا هذه فإن التفاوض المسموح به يكون علنيا ويشمل نقطة واحدة فقط هى تحديد موعد الإنسحاب ومدته حتى يضمن المحتل لجنوده الفارين إنسحابا آمنا ــ هذا إن وافقت الإمارة على ذلك التنازل المؤلم بالفعل ــ فالمطلوب هو التفاوض العلنى على الملأ، وبدون حضور طرف ثالث أيا كان، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، وليس التفاوض خلف الأبواب المغلقة التى لم تأت للأفغان بخير فى جهادهم ضد السوفييت ولن تأتى بخير الآن. فليس فى هذا التفاوض أسرار لتناقش خلف الأبواب المغلقة، فالإنسحاب ليس سرا وهو واقع فى جميع الأحوال، بالتفاوض العلنى أو بدون تفاوض على الإطلاق، وهذا أفضل حتى لا يحظى الجنود الفارين على أى ضمان لسلامتهم. عندها قد يتكرر ما حدث للحملة البريطانية عام 1843 ـ وكان تعدادها (17000 جندى) ـ وكانت محظوظة بنجاة جندى واحد من سيوف القبائل الأفغانية.

ثانيا: ليس من حق الإحتلال أن يشترط على الإمارة أن يتواجد فى التفاوض بشأن الأوضاع القادمة فى أفغانستان ـ فذلك يجعله شريكا فى صناعة مستقبل البلد ـ فيخرج من باب الحرب كى يدخل علينا من نافذة التفاوض. فشئون أفغانستان الداخلية هى أمور داخلية بحتة، ليس من شأن أى طرف خارجى أن يدس أنفه فيها.

فالسلام والإستقرار والتنمية والأمن والمصالحة الإجتماعية وشكل النظام القادم ومهامه، جميعها شئون أفغانية بحتة، يجرى بحثها داخليا، وتنفيذها جماعيا، من جميع مكونات الشعب وقبائله وعرقياته، بعيدا عن التدخل الخارجى والأمريكى بوجه خاص. والأمم المتحدة تستبعد تماما من كل ذلك فهى طرف منحاز ومتآمر على الدوام.

 

ماذا لو قبلت الإمارة بالتفاوض؟

إذا وافقت الإمارة الإسلامية على عملية التفاوض، لمصالح قد تراها، فعليها عدم وقف إطلاق النار فى أى مرحلة لا قبل التفاوض ولا خلاله ولا بعده، بل ينبغى تصعيد العمليات على الدوام، إلى أن يخرج آخر جندى محتل. لأن القتال هو وسيلة الضغط الوحيدة فى يد الشعب الأفغانى من أجل طرد المستعمر خارج البلاد مذموماً مدحوراً. فالقتال قوة للمفاوض الأفغانى، بينما وقف إطلاق النار أثناء التفاوض هو بمثابة نزع سلاح ذلك المفاوض. وغالبا سيطلب الأمريكيون وقف إطلاق النار تحت أى دعوى مراوغة، مثل توفير أجواء مناسبة للتفاوض، أو (لبناء الثقة! ). أو لتوفير الأمن والطمأنينه للمواطنين… إلخ.

فإذا توقف القتال فسوف يكون ذلك غلطة قاتلة. إذ سيماطل العدو لإطالة زمن التفاوض إلى مالا نهاية. ومع طول الوقت سوف تذوب الوحدات المقاتلة وتفتر الهمم، ويعود المجاهدون إلى بيوتهم وأسرهم وأعمالهم. فتخلوا الساحات للقوة العسكرية المعادية والمكونة من قوات أمريكا وحلفائها مع قوات الجيش العميل والمليشيات.

ولن تتمكن القيادة الجهادية من العودة إلى السلاح مرة أخرى عندما تكتشف خدعة التفاوض الأبدى. وهكذا يتمكن العدو بخدعة المفاوضات المصحوبة بوقف إطلاق النار من هزيمة حركة جهادية باسلة، مزقت أوصاله طيلة سنوات. ولن يكلفه ذلك سوى مجهود عسكرى محدود.

ملاحظات حول توقيت التفاوض:

يتهالك المحتل الأمريكى على طلب المفاوضات فى وقت قريب لأسباب تتعلق بالداخل الأفغانى وأخرى بالداخل الأمريكى وثالثة تتعلق بالمنطقة العربية.

 

 

فى أفغانستان:

إنفاق 2000 مليار دولار فى أفغانستان ــ حسب منسقة مشروع كلفة الحروب فى جامعة براون الأمريكية ــ هى خسارة أمريكية يستحيل تعويضها. فالعدو فقد سيطرته على معظم الأراضى بما فيها الأراضى المنتجة للأفيون. وترتب على ذلك عودة ذئاب تجارة الأفيون، خاصة الحليف الباكستانى والمنافس الروسى، عادوا لخطف تلك المادة من أفغانستان، كما كان الوضع قبل منع زراعة الأفيون عام 2001 فى عهد الإمارة الإسلامية. وبذا أصبح الأمريكى مجرد واحد ضمن قطيع الذئاب، وإن كان هو أقواها، ولكن ذلك لا يبرر بقائه، فالذى يرضيه هو أن يكون الذئب الوحيد فى حقول الأفيون ومجال تصنيع الهيروين. وهكذا سقط الهدف الأول لإحتلال أفغانستان وهو إستثمار كنوز الأفيون.

وسيطرة المجاهدين على معظم أراضى أفغانستان يجعل من المستحيل على المحتل الأمريكى تنفيذ مشروعات تمديد خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى الهند وميناء جوادر الباكستانى. وذلك كان الهدف الثانى للإحتلال وقد سقط إلى غير رجعة.

 

فى الداخل الأمريكى:

هناك إنتخابات التجديد النصفى لمجلس النواب (الكونجرس). وحيازة الجمهوريين للأغلبية، عامل هام جدا لمستقبل ترامب كرئيس للبلاد. فلو خسر الجمهوريون فإنهم سينضمون إلى الديموقراطيين / منافسيهم/ فى خلع ترامب والتخلص من فشله ومشاكله.

والإنسحاب من أفغانستان (أو حتى إدارة مفاوضات لا نهائية) ستكون فى صالح ترامب والجمهوريين، لأن الشعب ومعظم الأجهزة لم تعد ترى فى تلك الحرب أية فائدة.

 

فى المنطقة العربية:

ترغب أمريكا فى تركيز جهدها فى خوض معارك إسرائيل فى المنطقة العربية، وتثبيت أركان إمبراطورية يهودية فى بلاد العرب وفوق مناطق المقدسات الإسلامية كلها.

وإيران تمثل تهديدا جديا لذلك المشروع، وهى عقبة كبرى تستلزم تكتيل كل الجهد الأمريكى ـ أو معظمه ـ فى النواحى العسكرية والسياسية والإقتصادية والدبلوماسية لمعالجة تلك المعضلة. وضعف الموقف العسكرى الأمريكى فى أفغانستان لا يُمَكِّنْ أمريكا من ممارسة ضغط جدى من الأرض الأفغانية على إيران. بل أصبحت أفغانستان ساحة نزيف للقدرات الأمريكية ومعنويات جيشها ولسمعتها السياسية وهيبتها المهتزة فى العالم. لذا ترى أمريكا أنه يجب التخلص من الورطة الأفغانية بالتفاوض، مادامت الحرب قد فشلت ولم تصل لنتيجة إيجابية.

قد تكون المفاوضات هى الحل للأزمة الأمريكية وليس الأفغانية. فالمنتصر لا يعانى أى أزمة من جراء إنسحاب عدوه المهزوم.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 1

جلال الدين حقانى . العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 1

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

نقلا عن مجلة الصمود الإسلامية / السنة الثالثة عشرة – العدد (151) | محرم 1440 هـ / سبتمبر 2018 م.      

22/9/2018

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(1)

 

{ لا تدرى نفس ماذا تكسب غدا ولا تدرى نفس بأى أرض تموت } ـ صدق الله العظيم ـ

لم أتصور  ذلك يوما، ولا أحببت أن أكتب رثاء فى ذلك الرجل ، الذى تعلمت منه أهم دروس الحياة ، وما لا يمكن أن أتعلمه من أى شخص آخر ، فى أى مكان آخر غير أفغانستان .

حاولت الإعتذار عن الكتابة ، ولكننى جوبهت بإصرار من إخوة وأصدقاء على أن أكتب ما لا تصورت يوما أن أكتبه .

فقدان هذا العملاق أكبر من أن نقدم فيه التعزية . فمغزى ظهور تلك الشخصية فى مثل تلك الفترة التاريخية الخطيرة التى عاصرها ، هو فى حد ذاته جانب عميق يستحق التأمل ، كما أنه باعث على الأمل الذى يوازن الألم الناتج عن فقدانه . لأن الرحمة الإلهية واضحه فى إمداد الأمة بمثل هؤلاء العلماء الأفزاز والقادة الأبطال . ليدافعوا عن الإسلام فى واحدة من أخطر المراحل التى هددت أهم حصونه على الأرض … أفغانستان ـ

الغزاة كانوا الجيش الأحمر/ الصورة الأحدث لجحافل المغول/ وقد تقدمتهم “قوات الإستطلاع” من الشيوعيين المحليين الذين إستولوا على السلطة ـ فبدأوا القتل والحرق ـ

وفى دياجير ذلك الليل المظلم تسللت بالتدريج أضواء الجهاد . ورفع الراية أبطال من أفغانستان يندر مثيلهم فى التاريخ ، وكان “حقانى” من رموزهم الكبرى . ومع علمه وتقواه وخلقه الرفيع ، كان جنرالا عسكريا لا أعلم له نظيرا فى تلك الحرب الظافرة ضد السوفييت والشيوعيين . بل أنه وبكل تواضع هو أحد أساتذة حروب العصابات الحديثة ، وأحد المجددين لقواعدها . وعلى نفس طريق التطوير لنظرية الحروب الشعبية فى مواجهة جيوش ( ما بعد الحداثة) ، (وما بعد التوحش) ، جاء نجله “سراج الدين” ليواصل وبنفس العبقرية والإبداع طريق والده المجدد الأول للجهاد البطولى ، الذى تحتضنه أفغانستان على مر العصور .

ولنبدأ القصة من أولها ..

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

 

عبد الله .. والجبل :

جلال الدين حقانى ولد الشاب “عبدالله” ، والذى عرف فيما بعد بإسمه الحركى “جلال الدين”، فى أحضان جبل “ساتى كاندو ” العتيد وغاباته الصنوبرية . الجبل يقف مثل السد الجبار فى مقابل مدينة جرديز عاصمة ولاية باكتيا . ولد عبد الله فى قرية {كاندو كالاى} الصغيرة التى أهملتها الجغرافيا ولكنها صنعت التاريخ ، بمولد”عبدالله ” الذى وهبه والده لدراسة العلوم الدينية. وهى مهمة مقدسة فى المجتمع الأفغانى . ومن حيث لم يعلم أحد ، كانت تلك هى الخطوة الأولى لتجهيز “عبدالله” ليقف مثل جبل “ساتى كاندو” سدا منيعا فى وجه السيل الشيوعى المتدفق من العاصمة كابل عبر جرديز صوب جبال باكتيا وقبائلها . فكان عبد الله فى شموخ ومنعة جبل “ساتى كاندو”، بل أشد ، وكأن الجبل العتيد هو الذى إستمد صموده وصلابته من ذلك الشاب.

التدرج فى سلم العِلْم إستدعى منه السفر إلى باكستان لإستكمال الدروس الدينية فى مدارس المناطق القبلية ، حتى وصل إلى المدرسة “الحقانية” القريبة من بيشاور ، وهى أعلى المدارس الدينية فى تلك المناطق . ومن طالب علم نابغة ، إلى مدرس موهوب ، واصل “عبد الله” كفاحه الدراسى . واكتسب لقب”حقانى” نسبة إلى مدرسته التاريخية ، كما حصل على المرتبة الدينية “مولوى”.

وكأن القدر كان يرتب لصدام تاريخى مذهل . ففى نفس الوقت الذى يتأهل فيه عبد الله فى المدارس الدينية ، كان شباب من باكتيا ، وباقى مناطق أفغانستان، يتأهلون فى موسكو لغزو أفغانستان كلها .

كان عود الشيوعية يشتد تدريجيا ـ وشباب البشتون كانوا لا يستدعون إلى التجنيد الإجبارى ، ولكنهم يلقون ترحيبا وتشجيعا لدخول الكليات العسكرية ـ ومن باكتيا وتحديداً من المناطق حول جرديز وصولا إلى خوست ، عبورا بمناطق قبيلة “زدران” التى ينتمى اليها “عبدالله ” تخرج شباب يافعون كضباط فى الجيش ، أرسلوا إلى موسكو لتلقى دورات عسكرية وعقائدية. وأكثرهم عاد إلى بلاده شيوعيا مندفعا. ومنهم كانت أسماء لامعة فى تاريخ التأسيس للحكم الشيوعى والإنقلاب العسكرى الذى جاء به.. من تلك الأسماء كان :

-الجنرال عبد القادر ـــ القائد الفعلى للإنقلاب الشيوعى عام 1978 ـ  وهو من منطقة (زورمات ) جنوب مدينة جرديز .

-والجنرال إبراهيم من قبيلة “إبراهيم خيل”. وكان قائدا لسلاح الدبابات فى جرديز ، وله قصة نادرة فى القتال بنفسه ومن فوق دبابته ضد قبيلته ، فى معركة مأساوية . إذ جاء طالبا منهم ترك الإسلام وفتح الطريق (من جرديز إلى خوست ) أمام الجيش الشيوعى . فصنع أسطورة تشبه المآسى الأغريقية القديمة . وكانت المأساة قد إنتهت للتو عند وصولنا إلى “سرانا”فى زيارتنا الأولى عام 1979 وقد شاهدنا آثارها وصورنا بقايا المحرقة .

-والجنرال ” نظر محمد” من قبيلة زدران ، وله قصة معقدة ومظلمة من أحد أهم ملاحم المنطقة . وقد عاصرنا جزءاً منها فى أعوام (1987 ــــ 1988 ) . وكان هدفه أيضا فتح الطريق من الجرديز إلى خوست أمام الجيش السوفيتى ، ولكن من داخل صفوف المجاهدين هذه المرة . وقد نجح فى مسعاه بتعاون من “عبد الرسول سياف” الزعيم والمتحول الشهير ، الذى منحه الحماية والغطاء اللازم للعمل قائدا لجماعته فى جبل “ساتى كاندو” ، فمهد الطريق للقوات السوفيتية كى تمر.

– الجنرال “شاه نواز تاناى ” من قبيلة تاناى فى خوست . وكان وزيرا للدفاع ، حاول فى عام 1990 ترتيب إنقلاب عسكرى بالتعاون مع الزعيم المتحول الشهير “حكمتيار” ، ولكنهما فشلا .

ضد الجنرالين الأخيرين خاض حقانى صراعاً مريرا . وغيرهم أسماء أخرى من باكتيا أيضا من قبائل “منجل” و”جربز”. ومن رتب كبيرة ومتوسطة جمعتهم صفات مشتركة منها العناد والتهور والصلابة . وهى صفات إستخدمت للأسف فى غير مكانها المناسب .

سفكوا الكثير جدا من الدماء ، وخاض أكثرهم معارك ضد حقانى ، بعضها كان حملات موجهة خصيصا للقضاء عليه ، أهمها كانت الحملة السوفيتية/ الأفغانية على قاعدة جاور فى عام 1986 ، والتى إستخدموا فيها ثلاثين ألف جندى .

 عاد “عبدالله” إلى قريته {كاندو كالاى} خلال حكم السردار”محمد داود” الذى خلع إبن عمه الملك “ظاهر شاه” {1973} ، وتولى هو السلطة كأول رئيس للجمهورية فى تاريخ أفغانستان ، بعدأن قضى عشر سنوات كرئيس للوزراء ، وكانت سلطات الدولة معظمها فى يده.

إستعان “دواد” بالشيوعيين فى إدارة الدولة و الجيش وأجهزة الأمن فكانوا هم قوته الضاربة. ولكن سياساته لم تكن (ثورية) بما يكفى فانقلب علية “الرفاق” وقتلوه ، وتولوا السلطة مباشرة فى (27 أبريل 1978) معلنين جمهورية شعبية إشتراكية . فبدأت أكثر الفترات دموية فى تاريخ أفغانستان لإقتلاع الإسلام من جذوره وفى أقصر مدة ممكنة . وهنا كان مقتلهم لأن تلك اللهفة عجلت بنهايتهم بواسطة نهضة جهادية حركها العلماء . إلى أن ترنح النظام الجديد وأوشك على السقوط . فلم تجد موسكو مخرجا سوى التدخل المباشر بجيشها فى (28 ديسمبر1979) لإستكمال المهمة ـ لخشيتها الكبرى من أن سقوط نظام شيوعى فى أفغانستان قد يؤدى إلى سقوط متسلسل (مثل أحجار الدومينو) للأنظمة الشيوعية من وسط آسيا إلى شرق أوروبا . و كل ما حصل أنهم أجلوا ذلك السقوط لعدة سنوات ، حيث بدأ سقوط الإمبراطورية السوفيتية بعد عدة أشهر من إنسحابهم من أفغانستان فى فبراير(1989) .

 

 

لا شئ كما كان :

عاد “مولوى عبد الله” من رحلته ، العلمية ولكن قريته “كاندو كالاى” لم تعد كما كانت . فالقوات الشيوعية التى يديرها الرئيس “داود” ـ كانت قاسية ومندفعة . ولأول مرة يتجرأ جيش حكومى على إقتحام الجبال وإعتقال الرجال من القرى ، خاصة علماء الدين الذين يتكلمون ضد السطوة الشيوعية التى بدأت تظهر فى أجهزة الدولة والقوانين الجديدة التى سنتها الدولة خلافا للدين والأعراف .

الضباط الشباب عادوا أيضا  من الاتحاد السوفيتى . لم يعودوا “بالمبادئ ” الشيوعية فقط بل عادوا بأسلحة حديثة لا عهد للأفغان بها . فالجنود كانوا مزودين بالبنادق الآلية (كلاشنكوف) . وتنقلهم المصفحات التى لا يخترقها الرصاص ، والأخطر كانت الدبابة التى أثارت رعب الشجعان ، وصرير جنازيرها يخيف سكان القرى فيختبئون أو يغادرون قراهم ـ فقذيفة الدبابة تهز الجبال وتنسف الصخور وتهدم بيتا وتقتل من فيه . بينما طلقة البندقية لا تؤثر فيها بشئ ، وليس لدى الأهالى سوى بنادق الأجداد القديمة .

عاد المولوى الشاب “عبد الله حقانى” إلى قريته التى لم تعد هى نفسها . فبدأ يشجع الرجال ويدعوهم إلى الجهاد ، وعدم الخشيه من الكافرين وأسلحتهم الحديثة .

ولكن التردد جاء أيضا من الموقف الناس إزاء رئيس الجمهورية الجديد” محمد دواد” ، الذى كان هو حاكمهم الفعلى لمدة عشر سنوات ، ثم أنه ـــــــــ وهذا هو الأهم ـــــــــــ كان يدعى “الحاج محمد دواد” أى أنه مسلم موحد بالله ، فكيف يخرجون عليه ويرفعون عليه السلاح ؟؟!! .

وصلت دعوة حقانى إلى أسماع السلطات فى”جرديز” القريبة ، فأرسلوا قواتهم لإعتقاله ، فطوقوا القرية بالدبابات وشاحنات الجنود والمصفحات فى عملية كبرى لإستعراض القوة.

تمكن “عبدالله” بأعجوبة من الإفلات من الحصار ، وأحتمى بالجبال القريبة . ودعا الشباب والرجال إلى الإلتحاق به ، ولكن لم يستجب له سوى أقل القليل . ولم يكن لديهم سوى البنادق العتيقة التى لم تعد تفيد أمام جبال الصلب من دبابات ومصفحات .

جاء الشتاء والثلج أغلق الطرقات ، وإمتنع الطعام ، فهاجر “عبدالله” مع رجاله القليلون إلى باكستان ، لأعادة تدبير أمورهم .

فى ميرانشاه كانت عدة أسر قد هاجرت من باكتيا . وبعضهم فقد شهداء . وكان اليأس عاماً ، ولا عزيمة عند أحد حتى يخوض تجربة القتال ضد حكومة شرسة وجيش دموى مجهز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ورئيس جمهورية شيوعى .. نعم ، ولكنه من حجاج بيت الله الحرام !! .

ذهب مولوى “عبدالله حقانى” لأداء فريضة الحج مع صديق العمر وزميل الدراسة مولوى(أحمد جول)، الذى أصبح نائباً له فى فترة الجهاد التالية . وتلك الرحلة سمعت بعض تفاصيلها من الرجلين .

كانت تجربة لا تخلو من الطرائف كونها المرة الأولى للشابين التى يغادران فيها أفغانستان ، ذاهبين إلى الديار المقدسة براً عبر إيران والعراق .

فى أحد المطاعم الفقيرة على الطريق ، شاهدا التلفزيون لأول مرة فأصابهما الذهول . أناس تتحرك وتتكلم من داخل صندوق؟!! . ذهبا للنظر إلى خلف الصندوق لإكتشاف السر ورؤية ما يحدث خلفه . ولكنهما لم يجدا شيئا . بعد ذلك كانت تلك الطرفة واحدة من نوادر السمر بين الصديقين الشابيين .

قال لى حقانى : ” ونحن نصلى فى الكعبة خلف إمام الحرم كان حماسنا لا يوصف . فنحن كأحناف لا نقول (آمين ) بعد تلاوة سورة الفاتحة . ولكن عندما قالها إمام الحرم ، رددناها خلفه بصوت عال وحماسة ” .

(وفى ذلك عبرة لتأثير الحرمين فى نشر دعوة من يستولى عليهما) .

 فى العام التالى كتب المولوى الشاب”أحمد جول” إلى صديقه مولوى “عبدالله” أن يكررا تجربة الحج هذا العام أيضا . فكتب إليه مولوى “عبدالله ” :

“لقد أدينا فريضة الحج فى العام الماضى ، وحجنا مرة أخرى هو نافلة ، بينما الجهاد الآن فرض عين بعد أن إستولى الشيوعيون على الحكم وفرضوا شرائع جديدة مخالفة للإسلام” . وكان الشيوعيون قد أسرفوا فى القتل والحرق والتعذيب ، بشكل ليس له سابقة فى تاريخ أفغانستان من بعد غزو المغول .

 

 

الجهاد – من الكِتَاب إلى الميدان :

إجتمع الصديقان لبحث الخطوة الخطيرة فى الإنتقال بالجهاد من النظرية الشرعية إلى التطبيق العملى . تساءلا معا: ماذا  نفعل؟؟ . وبعد بحث طويل كانت الخطة جاهزة . البداية أن يعملا سرا على ضم المزيد من الأصدقاء المؤيدين . وبعد مجهود وبحث وصلت القوة البشرية فى إجمالها إلى 7 أشخاص . كل فرد سيدبر لنفسه بندقية وطلقات الرصاص .

جمعوا من بينهم أموالا إشتروا بها أغطية وطعام جاف (خبز ناشف وحمص وتوت مجفف وعسل قصب يابس “جُرْ ” ، شاى أخضر) .

و إشتروا حمارا ليكون هو أول وسيلة لنقل الإمدادات فى تلك الحرب الطويلة . إنتقل البحث عن أنسب مكان لبدء “العمليات الجهادية الأولى” . إستقر الرأى على أن تكون البداية من الجنوب الغربى لولاية باكتيا . وهو الجزء الذى حوله الشيوعيون إلى ولاية مستقلة أسموها باكتيكا . إختاروا المكان لكونه جبليا وعرا ، ويضاف إلى ذلك غابات الصنوبر التى تشكل مخبأ جيدا . تحركت القوة الضاربة الأولى للجهاد فى باكتيا ، بين الغابات الجبلية حتى وصلوا إلى أحد مواقع الجيش . فقادة الجيش بدافع الغرور والغباء نشروا قواتهم فى كل مكان يمكن أن يتمرد فيه السكان أو أن تبدأ فيه مقاومة . فتواجدوا فى القرى الجبلية وبعض أعماق الجبال.  ومن هنا بدأت قوة المجاهدين ضربتها الأولى .

إقترب المجاهدون السبعة حتى صار كل ما فى معسكر الجيش واضحا لأعينهم .

هتف المجاهدون مكبرين . ثم صاحوا بالجنود حتى يستسلموا وينضموا إلى المجاهدين . وألقوا نصائح ومواعظ بأصواتهم المرتفعة .فأرسل إليهم الضباط سيلا من الشتائم بمكبرات الصوت .

تنبه قائد الموقع إلى خطورة تأثير كلام المجاهدين . فأمر جنوده بصيحة الشيوعيين فى الحرب (هوراه ..هوراه ) لم يكن الجنود يفهمون معنى لذلك الصياح المنكر ، ولكنهم مجبرون على ترديده . ثم أمرهم بإطلاق جميع نيرانهم الثقيلة والخفيفة فى إتجاه مصدر أصوات المجاهدين ، وإستمروا كذلك حتى هدأ غضب القائد .

رد المجاهدون السبعة بالتكبير ، ثم بعدة بطلقات من بنادقهم الإنجليزية القديمة المتوارثة من غنائم آخر حملات بريطانيا على أفغانستان عام 1919 .

ثم توقفوا حتى لا تنفذ ذخائرهم بسرعة . وبدأوا مرة أخرى فى الوعظ والإرشاد والتكبير .. ثم ساد الصمت. وتداول المجاهدون فى الوضع ، خاصة وأن الذخائر قليلة جدا . فجأه سمعوا إطلاق نار شديد داخل المعسكر . ثم هدؤ .. ثم الجنود يخرجون رافعين الرايات البيضاء ، ويستسلمون بلا قيد أو شرط . وقالوا للمجاهدين {لقد قتلنا الضباط الشيوعيين ونحن نسلم لكم الموقع !! } .

صار ذلك الحادث نموذجا للعديد مما تلاه من حوادث فى باكتيا . والملخص هو رمايات قليلة من جانب المجاهدين مع الكثير من التكبير ، ثم إستسلام جنود القوة الحكومية بعد قتل الضباط الشيوعيين .

ومع ذلك نشبت الكثير من المعارك الطاحنة ، وسقط الكثير من الشهداء . ولكن النكسات والفشل كان المدرسة الكبرى التى تعلم منها المجاهدون فن الحرب ضد جيش حديث .

التعليم بالدم كان باهظ الثمن للغاية ، بذل فيه أفضل الرجال أرواحهم ، ولكن دروسه كانت راسخة ، ومتراكمة ومتواصلة حتى لحظتنا الراهنة .

بدأ المجاهدون الأوائل فى إتخاذ أسماء حركية ، حتى لا تعرف الحكومة هوياتهم فيتعرض أهاليهم للإنتقام . لم يتحقق هذا الهدف إلا لمدة قصيرة وبعدها صاروا  أشهر من نار على علم . فذهب سبب تغيير الاسماء ، ولكن ظلت الأسماء الجديدة على حالها .

و”عبدالله حقانى ” أصبح “جلال الدين حقانى ” الإسم الاكثر هيبة وإحتراماً منذ ذلك الوقت وحتى الأجيال القادمة .

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

توَكَلْ على الله ـــــ { تَوَكَلْ باخُدَاى } :

التوكل على الله شئ عظيم الخطورة لدى الأفغان . إنه ليس كلمة تقال ، من نافلة القول ، أو أنها علامة ضعف كما تستخدم أحيانا عندنا ـ أو حتى كلمة تحدى كما يستخدمها عوام المصريين بمعنى (إمشى غور من هنا !!) .

ولكنها منهج حياة ، وسلاح حرب ، ويستخدمونه بمعنى (وما النصر إلا من عند الله ) أو بمعنى (وإذا عزمت فتوكل على الله ) ، أو (لله الأمر من قبل ومن بعد ) . هى قريبة من أحد تلك المعانى  حسب الظرف الذى تقال فيه .كانت شعارا دينيا حيويا فى الحرب ، يعادل فى الأهمية شعار الله أكبر الذى هو العمود الفقرى للمجاهدين فى أعمالهم ، وحتى فى أنفاسهم.

فى رحلتنا الأولى إلى أفغانستان كنا ثلاثة وصلنا إلى مركز “جلال الدين حقانى” فى قرية سرانا القريبة من جبل {ساتى كاندو} . لم نكن متعودين على مثل تلك الرحلات الشاقة الطويلة ، مع طعام قليل يصعب أكله بدون حافز من حب البقاء .

بعد حفل إستقبال تحت أشجار “السرو” فى الوادى . وخطبة قصيرة ألقيتها نيابة عن الوفد العربى ، ثم خطاب طويل من حقانى ، صعدنا معه إلى قمة الجبل القريب حيث يسكن ، ويدير أمور مجاهديه المنتشرون فى المنطقة .

كان يسكن فى بيت من صخور وطين . صغير ومحشور  بين كتل صخرية ، ويصعب تمييزه إلا من مسافة قريبة . كانت أسرته تسكن معه أحيانا فى ذلك البيت ، وفى الشتاء يعودون إلى مدينة ميرانشاه الحدودية .

وكان له فى ذلك الوقت طفلان (نصير الدين ) و(سراج الدين ). فوق سطح قمة الجبل مباشرة ، ركز حقانى رشاشا ثقيلا من صناعة بلجيكية عام 1941 ، مهمته التصدى للطائرات التى تغير على الموقع وعلى القرية من وقت إلى آخر . تلك القرية موجودة على القمة المقابلة ، على مسافة ليست كبيرة ويفصلهما وادى . ويقيم فى تلك القرية عدد من عائلات المجاهدين

وأكثر من نصف القرية قد غادرها ساكنوها إلى باكستان خوفا من القصف المتكرر للطائرات .

قضينا ليلة فى القرية ثم إنتقلنا إلى القمة الأخرى حيث حقانى والمدفع المضاد للطائرات الذى سنعود اليه فى الفقرة الخاصة بإسقاط “هيبة الطائرات” ، ودور حقانى فى ذلك . وما خصنى به من توبيخ نتيجة تقديرى المبالغ فيه لقدرة الطائرات .

كان صديقنا (إسماعيل) قد غادرنا عائدا إلى بيشاور نتيجة لتورم فى ركبتيه المصابتين أصلا نتيجة ممارساته الرياضية . بقيت مع أحمد ، وهو صعيدى سريع الملل ، لكنه أبدى صبرا مدهشا رغم إنفلاتات عصبية عاصفة ، مرت بسلام .

كان لحقانى مجلس تحت الأشجار على سفح الجبل ، وقد مهدوا له مساحة صغيرة تصلح لأربعة رجال . كان يجتمع فيها بقيادات المجموعات القادمين إليه . جلست معه عدة مرات أستفسر عن أشياء كثيرة تتعلق بأوضاع الجهاد فى المنطقة وما حولها ، وعن أحزاب بيشاور الذى بدأت تظهر على إستحياء شديد فى ذلك العام . أهتممت بالإسفسار عن المشكلات بأنواعها . وكان واضحاً بالفعل  حاجة المجاهدين إلى كل شئ . إنتابنى مقدار كبير من الهَم ، لأن ما هو مطلوب يبدو أكبر بكثير جدا مما يمكننا توفيره ، حتى مع بذل أقصى مجهود .

أدركت أن الموضوع سيكون طويلا وصعبا ، بل أصعب مما تخيلنا ـ ملخص الوضع الراهن أنه لا توجد ذخائر كافية لأسلحة المجاهدين . والطعام متقطع وبمستويات متدنية حتى بالمعيار المحلى المتواضع جدا .

قال لى حقانى أنه جلس يوما قبل نومه مهموما لعدم وجود شئ لديه لإ طعام المجاهدين . وفى نومه ، رأى شخصا يخاطبه قائلا : “يا عبدالله لم يتركك الله جائعا يوما ، والآن بعد أن خرجت مجاهدا فى سبيله ، تظن أنه سيتخلى عنك؟؟. ستجد طعامك غدا معلقا بهذه الأشجار” . وفى الصباح جاءنا أحد الرعاة بخروفين تبرعا منه للمجاهدين .فذبحناهما وعلقنا اللحم على الأشجار لتوزيعه على مراكز المجاهدين.

وقال حقانى لولا التوكل على الله لما استطعنا البدء فى الجهاد أو الإستمرار فيه ولو لساعة واحدة .

لا توجد حركة للمجاهد كفرد أو للمجاهدين كجماعة إلا ويتجسد فيها معنى التوكل الحقيقى على الله ، حيث لا أسباب ولا وسائل تصلح لأن تعقد عليها الآمال . وكلما زادت القدرات كان عدد المتوكلين على الله يقل ، فالبعض كان يلتصق بالأسباب ويقاتل من أجلها وعندها كانت الكوارث والهزائم .

كان حقانى هو المعلم الأكبر لرجاله لتذكيرهم بمعانى التوكل على الله وعدم التعلق بالأسباب ، مع السعى الحثيث لحيازة أكبر ما يمكن من أدوات القتال الفعالة والتدريب عليها . وأرشدهم وأثبت لهم بنفسه عمليا أنه حتى مع عدم وجود الوسائل المناسبة للقتال فإنه بالتوكل على الله يمكن الإنتصار على العدو مهما كانت قوته .

تحميل مجلة الصمود عدد 151 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

22/9/2018

www.mafa.world




إيران والقاعدة .. أمريكا والإرهاب

إيران و القاعدة .. أمريكا والإرهاب ، طالبان و المشاكل فى العمل السياسى

اهم العناوين :

– إيران والقاعدة .. أمريكا والإرهاب

– طالبان .. مشاكل فى العمل السياسى

– عسى أن نخرج من هذا التيه

– أقل المتوقع من حركة طالبان هو إغلاق مكتبها فى قطر

– لا أهاجم .. بل أناقش الوقائع

– نعم أنا فى إيران

 

(1) إيران والقاعدة .. أمريكا والإرهاب

عماني مهتم :

بارك الله فيك شيخنا الحبيب

انتظر باقي الحوارات

تكلمت عن علاقة القاعدة بإيران أكثر من مرة و نفيت تلك العلاقة كما يصورها الإعلام الغربي العربي .

مع ذلك يا شيخ هذه الأيام الإعلام يأكد و يكرر باستمرار أن العلاقة بين المخابرات الإيرانية و قيادات القاعدة بما فيهم سيف العدل و حمزة بن لادن والظواهري حقيقية و قوية.

تقول في هذا الجزء من الحوار أن المخابرات الباكستانية عندهم صداقة مع بن لادن و نتيجة لتلك العلاقة سكن في أبوت آباد. إذا هناك علاقة و دعم من باكستان.

الجميع يعرف ان اغلب قيادات القاعدة كانت في إيران ومازال البعض منهم مقيم هناك.

الا تعتقد أن اقامتهم في ايران تقوي نظرية العلاقة بين الطرفين؟ انت ايضا مقيم في إيران و تكتب ما تشاء بحرية كاملة. أليس هذا نوع من العلاقة يا شيخ (لا اقصد انك من القاعدة و لكن شخصية جهادية و لها تاريخ عملاق) ؟

السوال الثاني.. ما مدي دعم أمريكا المباشر و غير المباشر للقاعدة رغم حربهم المعلنة على الإرهاب!!!؟

لماذا الجميع يدعم تنظيم القاعدة و يحاربه في نفس الوقت . مثلا باكستان و ايران و امريكا ووو

كيف افهم هذه العلاقة و سياسات تلك الدول مع تنظيم القاعدة؟

جزاكم الله خيرا

 

ج) ابوالوليد المصري :

هناك تعدد فى المعايير يتعامل بها الغرب مع المصطلحات التى يشغل بها العالم، مثل: الإرهاب ـ والديموقراطية ـ وحقوق الإنسان ـ والإقتصاد الحر ـ وأسلحة الدمار الشامل ـ وحقوق الإنسان ـ وحقوق الأقليات ـ وحق تقرير المصير .. الخ

ويتفادى الغرب أى تعريف محدد لذلك القاموس الملتبس والمصطلحات الزئبقية ، حتى يحتفظ بحريته فى التفسير وفقا لمصالحه فى كل حالة ، فيضمن أن يده طليقة فى التدخل فى المكان والوقت الذى يريد .

لكل مصطلح حقيقة يحاول الغرب إخفائها ، ومظهر خارجى (دعائى) يروجه . فيحول المصطلح إلى سلاح للإبتزاز السياسى والتشهير بالخصوم كجزء من الحرب النفسية ، التى تسبق حروباً أثقل منها ، مثل الحرب الإقتصادية من حصار ومقاطعة وعقوبات .

فإن كان ذلك كافيا لردع الخصم ـ “وتعديل سلوكه” ـ بمعنى الإنصياع للمطالب الأمريكية تحديدا ، وإلا فإن الحرب بالوكالة موجودة وفعالة . فهى تنهك الخصم إقتصاديا ومعنويا وسياسيا . وفى الأخير فإن الضربات العسكرية المتدرجة أو الصاعقة متوفرة ، ولا تحتاج إلا للتمهيد السياسى وتجهيز الرأى الدولى بالدعاية والإشاعات والشكاوى لمجلس الأمن وإستخدام المؤسسات الدولية .

–  والآن من العموميات إلى التخصيص . تسأل عن موضوع (الإرهاب) وهو الذى يجتهد الغرب على إتهام إيران بالتعامل معه وتشجيعه . وعند ذكرهم للقاعدة فهم يبيعون الوهم ويخفون الحقيقة التى تدينهم .

فالجماعات الجهادية السلفية بتدرجات إستخدامها للعنف ، واقعة تحت السيطرة الأمريكية/ الخليجية، وتُسْتَخْدَم فى نطاق المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها.

وهى إلى هذه الساعة خاضعة للتمويل الخليجى النفطى ، وتخضع لتوجيهات تلك المشيخات . والأساس العقائدى المشترك مازال قائما ، رغم الصدمة التى أحدثها ولى العهد السعودى بالتحول عن الوهابية كشريك فى الحكم ، ولكنه يحتفظ بها كأيدلوجية شعبية حفاظا على الولاء الداخلى القائم تاريخيا على الشراكة بين النظام الحاكم وبين مشايخ المنهج الوهابى . ودخلت إسرائيل على الخط ولها نفوذ كبير على العديد من”الوهابيات القتالية”. وسوريا أوضحت جزءً من هذه العلاقة . وكذلك سيناء فى مصر . وأسماء رجال إسرائيل العاملين فى ذلك المجال بات بعضها معروفا ، وأشهرهم محمد دحلان .

–  تعتبر القاعدة هى التنظيم “الأم” بالنسبة للتيار الجهادى السلفى . ومنها خرجت تنظيمات صارت أشهر وأقوى وأكثر مشاركة فى اللعبة الدولية المسماة بالإرهاب الإسلامى . تنظيمات مثل داعش ، والنصرة ، ومجموعات فى أفريقيا شمالا وشرقا وغربا .

معلوم أن القاعدة أصبحت راية أو شعارا يفيد دعائيا وليس تنظيما . بعد أن فقدت القاعدة عنصر القيادة فى داخلها . والفروع مستقلة بشكل شبه كامل . والرباط شكلى يقتصر على (بيعة) ثبت بالقطع أنها لا تفيد و ربما تضر . وبعد إختفاء الشيخ أسامة بن لادن فإن القيادة المركزية للقاعدة تصدعت وإختفت أو ضعفت إلى حد كبير . رغما عن بيانات تصدر على فترات ، فلا تأثير لها على الأرض سوى إثبات البقاء على قيد الحياة.

–  فليس فى مصلحة أحد الإعلان عن وفاة القاعدة . فذلك لا يخدم مصالح مستخدمى إسم التنظيم ، ولا يخدم المخطط الأمريكى العام . فالقاعدة هى الرمز الأكبر، فلا يطمح أحد فى الوصول إلى 11 ستبمبر أخرى تهز العالم كما فعلت القاعدة (مع التحفظ). وداعش رغم أنها قتلت أضعاف ما فعلت القاعدة وأثَّرَتْ فى أوضاع المنطقة العربية بشكل أوسع وأخطر، إلا أنها قوبِلَتْ بإشمئزاز عام ، ولم تحظ بهالة البطولة التى حازتها القاعدة بعد 11 سبتمبر .

فالقضاء على القاعدة (فى المجال الجهادى) يعادل القضاء على تنظيم الإخوان المسلمين (فى المجال السياسى) . أى أنه سيخلق فراغا قد يملأه كيان إسلامى صحيح البنيان تصعب السيطرة عليه. ومسيرة تنظيم الإخوان منذ تأسيسه عام 1928 حتى الآن توضح مدى التراجع الذى أصاب النهوض الإسلامى نتيجة لأخطاء التنظيم فى قيادة المسيرة نحو الهدف الذى قام لأجله ، وهو إحياء الخلافة الإسلامية . بالمثل لو قسنا مدى التدهور الذى أحدثته القاعدة ومشتقاتها / من داعش وحتى النصرة/ نجد أنها حققت إنهيارا غير مسبوق فى مسيرة المسلمين صوب النهضة عبر إحياء فريضة الجهاد .

– ومن باب أولى ليس من المصلحة أن يتم القضاء على الإرهاب ، لأنه أحد عناصر النظام الدولى الحالى ، وأحد أهم مفردات الإستراتيجية الأمريكية فى العالم .

بل وركن أساسى فى الإقتصادات الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الأوربية ـ من واقع مئات المليارات المستثمرة فى الصناعات والخبرات الأمنية ، ثم تسويقها تجاريا بالتوازى مع حالة الرعب من الإرهاب التى تنميها أجهزة الدعاية الأمريكية وحلفائها ، مستفيدين لأقصى حد من الممارسات الحمقاء لدواعش العمل الخارجى فى الغرب .

وبدون “الإرهاب الداعشى” و”الإرهاب الإسلامى” كيف يمكن أن يستمر الإحتلال الأمريكى لسوريا والعراق بل وأفغانستان أيضا ؟؟ ، ونشر عشرات ومئات القواعد العسكرية فى آسيا وأفريقيا . وما يترب على ذلك من دعم للرأسمالية الغربية المتوحشة والنفوذ الجيوسياسى لأمريكا وعصابة المستفيدين ؟؟

–  الإدعاء بوجود (قيادات القاعدة) فى إيران هو إبتزاز سياسى وحرب نفسية ضد إيران لدعم الحرب الإقتصادية الدائرة ، والحروب بالوكالة المشتعلة عليها ـ سواء حولها أو فوق أرضها . وذلك لسبب بسيط هو أنه ليس للقاعدة قيادة مركزية ، فلديها قيادات محلية وموضعية تتخذ من الإسم شعارا . وعندما تكبر تلك التنظيمات ولا تعود فى حاجة إلى وصاية ذلك الإسم ، وتبعاته السلبية عليها ، فإنها تسارع إلى خلعة .

–  إذن فالقيادات المشهورة للقاعدة ، هى مجرد أسماء كبيرة أو رمزية ولا تأثير عملى لها ، والتخلص منها بالسجن او بالإغتيال لا يفيد حاليا وقد يترك فراغا فى القيادة يحفز على ظهور عناصر أخرى تحمل مخاطر التجديد .

والفروع القاعدية أصبحت أقوى من الأصل التاريخى ، الذى خرج عن مسيرة التاريخ ويعانى من العزلة والجمود الفكرى والشلل الحركى . فى نفس الوقت تمتلك الفروع إتصالاتها السياسية ، الإقليمية والدولية، ومصادر التمويل ، وعندها لجانها الشرعية للإفتاء بما يلزم . فما حاجتها لقيادة تاريخية بلا تأثير أو فعالية ؟؟ .

– إتهامات أمريكا وفريقها لإيران لن تتوقف ، وكذلك كافة الحروب الممكنة من النفسى إلى الإقتصادى إلى الدموى ـ وسوف تستخدم كافة الأدوات والأساليب .

إتهام إيران بالتعاون مع القاعدة المقصود به ضرب التعاون الذى لا تنكره إيران مع حزب الله والمقاومة الفلسطينية والحشد الشعبى فى العراق . وبدون إعتراف إيرانى بإسرائيل والتسليم (بصفقة القرن) أو هيمنة إسرائيل على كامل بلاد العرب . فلن ترى إيران راحة من تلك الحروب . وهى بدورها لن تترك أعداءها يستريحون ، ولن ترضى بإسرائيل جاراً متشاطئاً معها على الخليج (العربى!!) أو ممسكا بجميع العواصم العربية ـ أوبأهمها حاليا ـ متحكما فى ثرواتها ، حارسا لمصالحه ومصالح أتباعه فى الغرب .

 

العلاقات ليست أبدية :

–  أى علاقة سياسية أو مصلحية مقيدة بأهداف محددة ، تنتهى العلاقة عند تحقيقها . وقد تتحول إلى أى شئ آخر، ربما العداء أو حتى الحرب .

وهكذا كانت علاقة القاعدة مع باكستان . والتى بلغت ذروتها فى معركة جلال آباد عام 1989 ـ كما ذكرت فى مقال سابق .

وكان ذلك تلبية لمصالح أمريكية أكثر منها باكستانية ـ والدليل أنه بعد أن إستفذت أمريكا أغراضها من تواجد (العرب الأفغان) طاردتهم بوحشية . وبعد أحداث 11سبتمبر أعلنت حربا عالمية عليهم تحت شعار محاربة القاعدة بشكل خاص (والإرهاب الإسلامى) عموما .

فانقلبت باكستان على العرب ، وكان بطشها أشد من بطش الأمريكيين ، لأن أمريكا كانت تدفع مبالغ كبيرة مقابل كل (رأس) عربى ، فتسابق الأمن الباكستانى على قطف رؤوساً عربية قد أينعت وحان قطافها . فباعوهم وعذبوهم وقتلوهم . لهذا فرت قيادات القاعدة وتنظيمات أخرى إلى إيران . ليس حباً فى إيران ـ ولا تقريبا بين المذاهب ـ ولكن فرارا من الجحيم الباكستانى . وفى تسريبات وثائق(أبوت آباد) التى نشرها الأمريكيون ، يتضح فى الكثير منها مشاعر الضغينة والشك التى طفحت بها المراسلات العربية ، رغم إعترافهم بحسن المعاملة التى عوملوا بها .

لم تنكل إيران بالعرب ، فإعتبرت أمريكا والسعودية ذلك تواطئا إيرانيا مع القاعدة، واعتبرته القاعدة مكرا وتقية من إيران؟؟ … فما هو المطلوب إذن ؟؟ .

–  لجؤ بن لادن إلى أبوت آباد كان عبر أصدقاء له من الفتره الذهبية لجلال آباد . وذلك هو تحليلى للأمر. ولكن ليس هناك من إشارة عن إستمرار علاقة خاصة بين باكستان والقاعدة .

– والصحيح أن باكستان تواطأت (منذعام 2002 تقريبا) مع نشاطات كبيرة لمعسكرات تدريب تكفيرية توافد عليها شباب عرب وغير عرب . وذلك على ما أعتقد كان تصنيعا للحركات الدموية من أمثال داعش وما تلاها .

وكان ذلك النشاط قبل ظهور داعش بسنوات ، ومنه خرجت حركة وهابية دموية التحقت بداعش ، وأفرادها من آسيا الوسطى ومن قومية الأوغور الخاضعين للصين .

إذن تواجدت حركتان متناقضتان فى نفس الوقت لأجهزة الأمن الباكستانية : تنكيل وحشى (بالعرب الأفغان) من جانب ، والتأسيس لنشاط تكفيرى مسلح فى منطقة القبائل الموازية لأفغانستان من جانب آخر .

لا أحد يذكر ذلك لأنه لا يخدم المصالح الأمريكية الحقيقية ، أما التشنيعات والتهويلات الإعلامية فهى مطلوبة ، وينفقون عليها بسخاء نفطى كبير .

ولو توافرت دلائل حقيقية على وجود قيادات للقاعدة فى إيران لأبرزوها على الفور  رغم علمهم أن الأسماء المذكورة أصبحت خارج الحلبة ومنتهية الصلاحية ، ولا يرغب فى إقتنائها أحد ، لكونها مغرما لا مغنم فيه . والأجيال الجديدة لا تريدهم بعد أن شبت عن الطوق ، ويرون أن القدماء من القادة غير مفيدين .

 

العلاقة !! .. ما هى ؟؟

فى رسالتك تتكلم عن العلاقة بشكل مربك وغير محدد . نعلم أن أى تعامل ـ مهما كان ـ هو علاقة . وعلى هذا فإن جميع العلاقات مشروعة ومطلوبة فيما عدا جزء قليل ضار ومستهجن فى الدين أو الأعراف ، فتلك علاقات غير مشروعة .

ونرى جميع التنظيمات السلفية والوهابية تهاجم إيران قولا أو فعلا .. وتلك علاقة .

ونرى تنظيمات من نوع مختلف تقيم علاقات تعاون أو صداقه أو حتى تحالفات مع إيران .. وتلك أيضا علاقة .

–  تقول : “أنت أيضا مقيم فى إيران وتكتب ما تشاء بحرية كامله” ثم تسأل : “أليس هذا نوع من العلاقة ؟؟” .

ــ نعم هو نوع من العلاقة . وبالنسبة لى أراها نعمة كبيرة أن أجد مكانا على سطح الأرض يسمح لى أن أكتب بحرية . فإن كنت تعلم أن هناك مكانا آخر يتحمل ما أكتبه فأرجو أن تذكره لى ، لعلى أذهب إليه يوما .

لم يكن لى أى مشكلة فيما أكتبه فى إيران ، حتى وأنا فى السجن .

وفيه كتبت معظم كتاب صليب فى سماء فندهار. وفى الإقامة الجبرية كتبت عدة كتب عن أفغانستان وكتاب عن حرب العصابات ، وكتاب(السائرون نياما) لنقد الحركة الجهادية العربية وتحديدا القاعدة ، وفيه أعنف نقد لسياسة إيران تجاه حركة طالبان. وليس عندى حتى الآن ما يتخطى ذلك السقف النقدى لإيران وقد كررته عدة مرات إحداها كانت قريبة من وقتنا هذا .

ولم يؤاخذنى أحد على ذلك ، سواء وأنا سجين أو محاصر فى الإقامة الجبرية . ثم كررت نفس الإنتقادات للسياسة الإيرانية فى أفغانستان عندما كنت فى مصر خلال نكبة الربيع العربى . ثم كررتها حديثا وأنا متواجد هنا بشكل قانونى ، أتمتع بكامل قواى العقلية ـ حتى الآن على الأقل ـ وبكامل حريتى ، ولم يطرق أحد بابى أو يزورنى فجرا أو حتى ظهرا . ومع ذلك هناك أقوياء لا يعجبهم ما أكتب فى بلادهم . وهذا طبيعى ، وأنا أترك لهم الحرية لأن يعترضوا بما شاءوا .

فتلك علاقة .. علاقة الأحرار . وهى ما نفتقده فى العالم العربى والإسلامى .

 

****

 

(2) طالبان .. مشاكل فى العمل السياسى

متابع افريقي:

طالبان تتعامل مع الاحداث في المنطقة كاي حركة او تنظيم جهادي . حتي هذه اللحظة رغم قدراتهم العسكرية و تفوقهم علي الاحتلال و الضغوط المحلية و الدولية . لم اشعر للحظة انهم نظام قادم !.

ج) ابوالوليد المصري :

هناك بالفعل قصور فى العمل الإعلامى نتيجة الحصار الإقليمى والدولى . وهناك أيضا قصور فى العمل السياسي الخارجى لحركة طالبان ، الذى يعانى من القيود المفروضة على سفر القيادات .  كما تفتقر الحركة  إلى حليف خارجى .لهذا فالحركة ممنوعة من توضيح مواقفها بالشكل الكافى .

 

****

 

(3) عسى أن نخرج من هذا التيه .

المصري التائه:

ابوالوليد سلام الله عليك

لم تترك لك صديق لا من قريب و لا من بعيد ! حتي البلد المقيم فيه لم ترحمهم من نيرانك .استعجب كيف عايش بهذه الطريقة .بجد كل شئ ينسب بعبارة )اسلامية( سواء جماعة او اشخاص بارزين تشكك فيهم !! .

هل فعلا يا شيخ الامر وصل لهذه الدرجة ؟

 

ج) ابوالوليد المصري :

تسألنى كيف أعيش بهذه الطريقة ، فأقول أعيش بهذه الطريقة ما استطعت ، وحتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .

وأنا لا أشكك فى الإسلاميين ، بل أناقش أحداث ، وأتأمل فى نتائج مجهودات إستمرت لسنوات ، وأسأل عن دماء سالت ، وعن بلاد خربت، وثروات نهبت ، وحاضر تعيس ومستقبل مظلم .

كيف كان ذلك ونحن مسلمون ؟ .. وما هى مسئوليتنا عما حدث ويحدث ؟ .

أين الخطأ ؟ ومن المسئول ؟ .. وما هو المخرج ؟ .. وماذا بعد ؟؟.

ليس فى طرح الأسئلة أى خطأ . قد نخطئ فى قراءة الحدث أو فى إستخراج النتائج منه . ولكننا نرتكب جرما عندما نغلق أعيننا ونتجاهل ما يحدث ، ونحاول صرف الأنظار عنه بإفتعال أزمات غير حقيقية ، وإلقاء التهم على الآخرين لتبرئه أنفسنا . ونخون حين نأكل الدنيا بالدين ، وحين نجعل من الدين تجارة وارتزاقا ، ووسيلة إلى الجاه والسلطان والشهرة . ونرتكب جرما أفدح إذا صار القتل مهنة ، وتجارة الدماء وسيلة للإثراء وإظهارا للقوة .

الإسلام فى خطر .. هذا ما أقوله .. والحركة الإسلامية يجب أن تُنَاقَشْ علنا .. والكل يجب أن يقدم كشف حساب .. ويتحمل النقد .. بل وأن يعترف بأخطائه ويوضح كيف سيصلح نفسه .

لم نسمع عن حاكم عربى ترك كرسى الحكم بمحض إرادته { فيما عدا سوار الذهب فى السودان } ، وأيضا لم نسمع عن فصيل إسلامى إعترف بفشله ، فقدم إعتذارا ـ على الأقل ـ هذا إن لم ينسحب من العمل العام إعترافا بعجزه .

مع كل ما نراه من كوارث متزايدة ، فلا أحد يقول شيئا سوى الهتاف وتكرار الشعارات الكبرى ، التى صارت بلا معنى ، بعد أن أصبحت مستهلكة من كثرة التكرار، حتى جعلتنا ندور حول أنفسنا إلى أن أغشى علينا .

أنت مصرى تائه .. وأنا أيضا .. وإلا قل لى :

ماذا يحدث فى سيناء ؟ .. أين ماء النيل ؟.. ما هى قصة سد النهضة ؟ ماذا سيحدث لنا مستقبلا عندما لا نجد ماء نشربه ولا أرضا نزرعها ؟.. هل سيفنى الشعب المصرى ولا يبقى منه سوى رئيس وجيش ؟.. أين النفط والغاز ؟.. ماذا يحدث لأرض مصر ومِلْكُ مَنْ تلك الأرض؟. ومياه البحار وما تحتها مع مَنْ؟. ولماذا تتسرب ممتلكاتنا إلى خارج أيدينا بإستمرار؟ ولماذا ثرواتنا تبخرت ولم تعد معنا ؟.

سيجد الفلسطينيون وطنا بديلا فى سيناء ، فمن سيعطى 100 مليون مصرى وطنا بديلا عن مصر التى خربت؟. لماذا حاضر المصريين بائس إلى هذه الدرجة ؟. ولماذا مستقبلهم يخلو من نقطة ضوء ؟.

لا أشُكْ .. بل أحاول رؤية الواقع؟؟ وأن أفهمه إن إستطعت . أو أن أسأل أصحاب الحل والعقد وولاة الأمر .

أين الإسلام فى مصر؟.. وما هى مسئولية تياراته العتيدة؟ .. سواء منهم من فى السجون أو فى المنافى أو على موائد السلطان أو فى جبهات الجهاد الداعشى؟ .

تسألنى : كيف أعيش بهذه الطريقة ؟ فأقول أننى أيضا أتعجب ، كيف إستطعت أن أعيش إلى الآن . بل كيف يستطيع أى مسلم أو أى إنسان من أى دين أو حتى بلا دين أن يتحمل كل ذلك ؟ .

ليس لدينا أى برنامج للإصلاح ، أو أى جماعة تسعى لغير مصلحة نفسها والمشاركة فى تصنيع المصائب ؟.

لا أحد يسأل ولا أحد يعترف .. والقافلة تسير !!. فأى تشكيك فى كل ما سبق؟ .

….. أخى المصرى التائه دعنا ندعو الله أن يخرجنا وإياك من هذا التيه .

 

****

 

(4) أقل المتوقع من حركة طالبان هو إغلاق مكتبها فى قطر

عماني مهتم:

السلام عليكم ورحمة الله

رد الشيخ علي سوال رقم 11 يوضح لنا جزء مهم جدا و هو السبب الرئيسي الذي يعيد صياغة العلاقات بين الجماعات السلفية و الانظمة العربية تلقائيا .

قبل ان يبرم تنظيم القاعدة اتفاق مع الامارات ، كان التنظيم علي علاقة جيدة و حميمة مع دولة قطر . طالما ان الانظمة العربية سنية او سلفية بشكل خاص سيظل التنظيم علي علاقة مع الانظمة كلها حسب الاتفاق.

ماذا عن علاقة حركة طالبان بقطر يا شيخ ابوالوليد ؟

بعد ما نشر موقع مافا السياسي موضوع باسم( المختصر فى ملف “الناتو” و قطر )، فهمت ان الموقع بداء يجهز هجوم شرس علي مكتب طالبان في قطر.

ياترى ماهو سبب هذا الهجوم و لماذا في هذا التوقيت ؟

دمتم بخير وعافيه

 

ج) ابوالوليد المصري :

فى عام  2011 وافقت قطر وبطلب من الولايات المتحدة على فتح مكتب لحركة طالبان من أجل البدء فى مفاوضات معها . أسفرت المفاوضات عن إتفاق لتبادل الأسرى وتمت الصفقة ، وكانت الإفراج عن الأسير الأمريكى الوحيد لدى الحركة فى مقابل الإفراج عن خمسة من قيادات طالبان من معتقل جوانتانامو ، على شرط إبقائهم محتجزين فى قطر تحت إشراف أمريكى .

ومن مصر كتبت فى فبراير عام 2012 ضمن سلسلة مقالات تحت عنوان (نهاية العالم فى مضيق هرمز) محذرا من أن قطر ليست بالمكان المحايد الذى تجرى فيه حركة طالبان مفاوضات مع الأمريكيين .

# موقع مافا لا يجهز لأى حملة على مكتب طالبان فى قطر ، فما كتبته سابقا مازال على حاله ، بل زاد تأكيدا بعد كشف العلاقة بين قطر وحلف “الناتو”، والتى تعود إلى عام 2005 أى قبل إفتتاح المكتب المذكور بحوالى سِتْ سنوات .

وبعد تكشف العلاقات الفعالة والنشطة بين الناتو وقطر، إضافة إلى العلاقات التاريخية بين قطر والأمريكى المحتل لأفغانستان ، وعلاقات قطر الرائدة مع الكيان الإسرائيلى المحتل لفلسطين . وحقيقة أن قطر ضمن أهم الناشطين فى تكوين حلف عسكرى عربى إسرائيلى أمريكى طالب به ترامب / وسيعلن دستوره لاحقا / وذلك الحلف ينشط منذ سنوات فى أكثر من جبهة حرب عربية وإسلامية ، رغم عدم إفتتاحه رسميا .

أظن أن الوقت مناسب الآن لسماع توضيح من حركة طالبان . وربما كان أقل ماهو متوقع ، بعد كل ذلك الوضوح ، هو أن يُغْلَقْ ذلك المكتب فى قطر .

 

****

 

(5) لا أهاجم .. بل أناقش الوقائع

عصام:

الشيخ هاجم تنظيم القاعدة علي اساس معلومة اعلامية مشبوهة !

اذاً فسر لنا علاقة طالبان و قطر بعد ما نشر موقعك هذا الموضوع ؟

ج) ابوالوليد المصري :

أرجو أن تكون المعلومة غير صحيحة . وأنا لم أهاجم تنظيم القاعدة ، بل شرحت رؤيتى لإرتباطات التنظيمات السلفية والوهابية بمشيخات النفط ، سواء من الناحية الفقهية ( المنهج الوهابى) أو الرابط التمويلى، وقلت أن ذلك يجعلهم فى صف واحد مع السعودية والمشيخات بحيث أن الخلاف يكون هو المستغرب وليس التحالف . ويمكن لهم أن يشرحوا وجهة نظرهم فى ذلك . فليس كل نقد أو حوار يوصف بأنه هجوم .

ـــ بالنسبة لعلاقة طالبان مع قطر فهو أمر ملتبس ويتعذر عليَّ فهمه ، وأرجو منهم توضيحه .

 

****

 

(6) بيان نفى منسوب إلى القاعدة

احمد:

هل من بيان رسمي بعد فضيحة تعاون الإمارات مع القاعدة في اليمن ؟.

ج) ابوالوليد المصري :

نعم صدر بيان نسب إى القاعدة ينفى الخبر .

 

****

 

(7) نعم أنا فى إيران

عربي:

هل انت في ايران ؟

 

ج) ابوالوليد المصري :

نعم أنا فى إيران

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world