الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية |  السنة الخامسة عشرة – العدد 180 |  جمادى الآخرة 1442 ھ – يناير 2021 م . 

31-01-2020

 

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”

الاحتلال جعل من الفساد “هندسة لبناء المجتمعات والدول” وليس إنحرافاً عابراً

الإفساد هدف وغاية الاحتلال.. والسلاح الحقيقي لإستعباد الدول

 

 

– معركة الإمارة ضد الفساد لا تتعلق فقط بالجانب الأخلاقي ـ بل تعتمد أيضا على الجوانب التشريعية والقضائية، والبناء الإداري والرقابي. فيجب أن يكون بنيان الإمارة نفسه مقاوماً للفساد ومانعاً له.

– قوات الاحتلال الأمريكي جاءت إلى أفغانستان بمرض الفساد الذي تحمله بداخلها. فالجيش والمخابرات الأمريكية مؤسسات فاسدة لدرجة تؤهلها لأن تكون مثالاً للأجهزة الأفغانية.

– بعد انتهاء المعركة مع (الاحتلال بالجيوش) تأتي المعركة مع (الاحتلال بالفساد)، والذي يحقق أهداف الاحتلال العسكري.. بدون حرب.

– لابد من تقوية الجهاز القضائي وتزويده بقوة رادعة للتنفيذ، حتى تمضي أحكامه على أصحاب المراكز العالية، والانتماءات القبلية التي قد يحتمون بها ضد أحكام القضاء.

– ليس هناك معونات اقتصادية أو إغاثية، تقبلها الإمارة، قبل أن تبحثها الأجهزة المختصة ومجلس الشورى، للتأكد من مناسبتها من النواحي الأمنية والسياسية.

– الاستثمارات المخصصة لخدمة شريحة فائقة الثراء، هي اتجاه مدمر للقيم المعنوية للإمارة وروابط الثقة بينها وبين مواطنيها الذين تحملوا الحرب والتضحيات لأكثر من أربعة عقود، ومن حقهم على الإمارة أن يكونوا محور اهتمامها، ودعمهم بالخدمات التعليمية والصحية والسكن والعمل والمواصلات، بأفضل صورة ممكنة.

– يُحْظَر تشغيل مشروعات خارجية بغير مشاركة ورقابة الإمارة، وإلا فإن أمنها واستقرارها السياسي سيكون في مهب الريح. وقد يتحول مسئولوها إلى وكلاء علنيين أو مخفيين لشركات كبرى، خاصة وأن أفغانستان تعتبر واحدة من أغنى دول العالم بالخامات الاستراتيجية.

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

 

الفساد.. هو العنوان الكبير الذي يصف الحالة الراهنة لأفغانستان في ظل الاحتلال. بل إن أول وأكبر التحديات التي سوف تواجهها الإمارة الإسلامية بعد طرد الاحتلال هومكافحة الفساد، لتأسيس حياة جديدة لأفغانستان وشعبها.

يدَّعي النظام الحاكم أنه يحاول مكافحة الفساد. وأحيانا يُلقي بتهم بالفساد على بعض الموظفين الكبار، وذلك في إطار الصراع الداخلي بين أجنحة الحكم. وإلا فإن الفساد هي المادة الخام التي بنيَّ منها النظام. فجيش الاحتلال الأمريكي وهو أكبر مؤسسة للإفساد على سطح الأرض، جاء لتأسيس الفساد بمعناه الشامل في جميع مرافق الدولة والمجتمع.

الاحتلال جعل من الفساد “هندسة لبناء المجتمعات والدول” وليس انحرافاً عابراً، بل برنامج شامل متكامل ترعاه قوة عظمى وتنفذه بكافة قدراتها الجبارة بما فيها الجيوش، وقوة شركاتها العظمى العابرة للقارات التي هي أغنى وأقوى من معظم حكومات العالم. وترعاه بقواها “الناعمة” من إعلام مرأي ومسموع ووسائل التواصل الاجتماعي. وترعاه بقوة المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة بلجانها ودعواتها المنافقة عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل، بينما هدفها إفساد كل هؤلاء.

فما كان لمن يرسل الجيوش لقتل الملايين وإهلاك الحرث والنسل أن يتكلم عن أي نوع من الحقوق. في ظل الاحتلال تصبح جميع أجهزة الدولة فاسدة، بل قائمة على الفساد. فأداة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وغيرها من المستعمرات المحتلة ليس هو الجيوش بل الفساد. فيمكن تسميته بدقة متناهية أنه (احتلال بالفساد). بل أن النفوذ الدولي للقوة الأمريكية قائم على قدرتها على نشر وتثبيت وتشريع الفساد في حياة البشر جميعا. فإذا استحكم الفساد من الدولة المستهدفة، قد يصبح الاحتلال بالقوات العسكرية غير ضروري، فإما أن تنسحب بالكامل أو أن يبقى منها أعداد قليلة. فالإفساد هو الهدف والغاية والسلاح الحقيقي لاستعباد الدول.

– لهذا يكون الفساد أكبر من مجرد انحراف أخلاقي، بل هندسة لبناء الدولة والمجتمع بحيث يقود نفسه بنفسه على طريق الانحراف، بدون الحاجة إلى جيوش ترغمه على الخضوع والاستسلام، فالمجتمع قد خضع ذاتيا للاحتلال بالفساد وانطلق في الإنحرافات بكل جموح.

– الفساد الاقتصادي هو الأكثر وضوحا في الدول (المحتلة بالفساد)،لأنه يظهر في معظم المعاملات اليومية بين الناس والأجهزة الرسمية للدولة، التي تم تركيبها بحيث لا تعمل بغير المعاملات الفاسدة، من رشاوي واستغلال.

وفي ذلك يعتبر نظام كابول هو الأكثر فسادا على مستوى العالم كله. وليس ذلك غريبا بعد كل هذا المجهود الخرافي الذي بذله الأمريكيون في بناء الفساد وتشييده بواسطة حرب دامت ما يقرب من 20عاما.

للمفتش العام ـ الأمريكي ـ لإعادة إعمار أفغانستان أقوال كثيرة تكشف عمق الفساد في البنيان الاحتلالي لأفغانستان. فيقول (الفساد لا رادع له في أفغانستان وقد راعينا نحن ذلك الفساد ).. فيالها من صراحة يحسد علها !!.

ومن المعلومات التي كشفها قوله: (الأموال التي أنفقت على الإعمار في أفغانستان تجاوزت 132 مليار دولار، وهذا أكثر مما أنفقته أمريكا على خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية). فأين ذهبت كل تلك الأموال ؟؟ إنها ببساطة ذهبت في صناعة الفساد.

فقوات الاحتلال الأمريكي جاءت إلى أفغانستان بمرض الفساد الذي تحمله بداخلها. فالجيش والمخابرات الأمريكية هي مؤسسات فاسدة لدرجة تؤهلها لأن تكون مثالا يحتذى للأجهزة الأفغانية الجديدة.

فالرشاوي وتجارة المخدرات والانغماس في النشاط الإجرامي لأهداف شخصية، واتخاذ الربح غاية من كل مغامرة الغزو والاحتلال. حتى إن الفئات المتنافسة والمتصارعة داخل النظام، تلجأ إلى الأجهزة الأمريكية العسكرية والاستخبارية للبحث عن العون والحماية.

– في الجهاز الإداري المحلي تباع الوظائف في مقابل المال. وبالمثل في أجهزة الشرطة والأمن. يعترف رئيس الدولة (أشرف غني) أن بيع الوظائف موجود في وزارة الداخلية. ومقاعد البرلمان لها بورصة للبيع والشراء. والمجلس التشريعي تديرة من قَصْرِها ” السيدة الأولى”. أما الوزارة التي تمثل الجهاز التنفيذي فإن إقرار تشكيلها يستلزم دفع مبالغ خيالية من الدولارات لأعضاء البرلمان، الذين عليهم تعويض ما خسروه من مال في شراء مقاعدهم.

وجميعهم ـ تقريباـ (نواب الشعب والوزراء) منخرطون في تجارة المخدرات وغسيل الأموال. ويستخدمون عصابات إجرامية للحماية الشخصية وتهديد الخصوم، وتسهيل بعض النشاطات المخالفة لقوانين الدولة التي وضعها البرلمان نفسه.

حتى المؤسسة التعليمية التي تربي أجيال المستقبل فهي على نهج الفساد ذاته، وفيها تباع الوظائف. والدفع إلزامي مهما كانت نتيجة اختيارات التوظيف. وفي ذلك إفساد للمستقبل يضاف إلى إفساد الحاضر بكافة جوانبه.

– أموال “إعادة الإعمار” والمشاريع”الإغاثية” مجال رحب جدا للفساد والإفساد. فالهيئات الاحتلالية والأجنبية التي تحمل الأموال هي ذات طبيعة فاسدة. والأجهزة المحلية وقنوات الإنفاق هي على نفس المنوال من الفساد، وغالبا ما تتحد مسارات الفساد الخارجية والمحلية ليصبحا مسارا أعظم للإفساد، تحت العناوين البراقة للإعمار والإغاثة الإنسانية.

يقول المفتش الأمريكي العام لشئون إعادة إعمار أفغانستان أن الوكالات الفيدرالية الأمريكية، ومنذ بدء حرب أفغانستان رصدت نحو 137 مليار دولار لإعادة بناء وتأهيل مرافق عامة داخل أفغانستان. وأن إهدار تلك الأموال يبدأ بدفع الرشاوي والإتاوات، وصولا إلى إقرار عقود لمشاريع كبيرة تحصل عليها الشركات الأجنبية (!!) ثم تتولى تنفيذها شركات محلية بأسعار أرخص بكثير، وبالتالي تنهار المشاريع بعد وقت قصير من إنجازها.

– أما الإفساد الأخلاقي والفكري فيتم بوحشية عبر أجهزة الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعي وجيوش المرتزقة من الإعلاميين و(الذباب) الإعلامي.

وهناك نشر شبكات الدعارة، والشبكات الكَنَسيَّة، وجماعات”المجتمع المدني”، ومؤسسات استخبارية لا حصر لها تحت عناوين تَدَّعي العمل التعليمي أو الإعلامي أو الخيري. برعاية الاحتلال صار الفساد نمط حياة ومؤسسات دولة، وتيارات إجتماعية ناشطة ومدعومة بقوة من الإحتلال ودول الغرب.

– كل ذلك الركام العفن من الفساد هو ما تسميه أمريكا وكلاب الناتو المفترسة بالإنجازات. ويهددون بعدم الإنسحاب مالم تتعهد طالبان بالحفاظ عليها. إنهم يريدون استمرار الاحتلال تحت مسمى السلام، أي وقف الحرب وإدامة “الإحتلال بالفساد” في أفغانستان.

 

الإمارة الإسلامية هي الحل:

لا مخرج من تلك الطامة الكبرى إلا بعون من الله، وحكم الإمارة الإسلامية بمنهجها الواضح في تحقيق العدل الذي يفتقده شعب أفغانستان وصار حلما للبشرية جميعا. كانت غاية الإمارة في فترة حكمها الأولى كما سيكون في قادم الأيام هو إتباع الآية الكريمة: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ـ 82 القصص.

بداية التحدي ستكون مع أجهزة الدولة القائمة كلها وفق هندسة الفساد. حتى يكاد إصلاحها يكون مستحيلا. ولا نستبعد وجود أقلية من غير الفاسدين داخل تلك الأجهزة.

ولكن لابد من تغيير طريقة عمل الجهاز الحكومي، واستبدال القائمين عليه بقيادات جديدة تُمَثِّل المُثُل الأخلاقية للإمارة الإسلامية، خاصة من بين هؤلاء الذين خاضوا الحرب ضد الإحتلال. فبعد انتهاء المعركة مع(الاحتلال بالجيوش) تأتي المعركة مع(الاحتلال بالفساد)الذي يحقق أهداف الإحتلال العسكري ولكن بدون حرب.

– القيادات الجهادية في معركتهم الجديدة ضد الإحتلال بالفساد سيواجهون مشاكل وتحديات أشد صعوبة، وقد لا ينجح فيها البعض. لهذا ينبغي أن تدعمهم الإمارة بالإرشاد والتأهيل الفني إضافة إلي المتابعة والرقابة المنظمة الدائمة حتي لا تجتذبهم آله الفساد القديمة وتطحنهم بين تروسها. فالمعركة ضد الفساد لها صعوباتها وضحاياها حتى من بين القادة والكوادر الذين نجحوا في معركة السلاح ضد جيوش الإحتلال.

– لاستكمال أدوات المواجهة مع الفساد لابد من تقوية الجهاز القضائي وتزويده بقوة رادعة للتنفيذ، حتي تمضي أحكامة على أصحاب المراكز العالية أو الإنتماءات القبلية التي قد يحتمون خلفها ضد أحكام القضاء.

– أما عن الفساد المصاحب لتدفق المعونات الخارجية، والهيئات الأجنبية العاملة في النشاط الإغاثي والإنساني، فإنه تحدٍ كبير لابد أن تتصدى الإمارة له بشكل حاسم ولا تترك له المجال كي ينشر المزيد من الفساد أينما ذهب وكيفما شاء.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

مراقبة العمل الإغاثي والمعونات الخارجية:

المعونات الخارجية والمشروعات الإغاثية لابد أن توافق عليها الإمارة ومجلس الشورى لبحث مطابقتها للشروط الموضوعة، وأنها لا تمس أمن أو سيادة الإمارة. فليس هناك موافقة تلقائية على أي معونات قادمة من الخارج سواء من مصادر حكومية أو أهلية. فغالبا ما يأتي السم في عسل المعونات الخارجية. كما ليس هناك ضمانة لإستمرارية أي مشاريع إغاثية كانت قائمة مالم يعاد فحصها أمنيا وسياسيا، فإن تمت الموافقة عليها وإلا تُوقَف فورا. ويمنع تشغيل أي مشروعات خارجية بغير وجود رقابة من الإمارة أو مشاركة فعلية في الإدارة والتشغيل، وإلا فإن أمن الإمارة واستقرارها السياسي سيكون في مهب الريح، وقد تتحول الإمارة إلي مجرد كيان إفتراضي، ويتحول مسئولوها إلي وكلاء علنيين أومخفيين لشركات كبري، فتتولي الشركات والهيئات الخارجية التحكم في الإقتصاد وبناء شبكات تجسس وجماعات ضغط داخل الإمارة لصالح إحتكارات إقتصادية خارجية، خاصة وأن أفغانستان تعتبر واحدة من أغني دول العالم بالخامات الإستراتيجية، ومن أجل ذلك تحركت الولايات المتحدة لإحتلال أفغانستان لضمان إبتلاع شركاتها الجزء الأعظم من تلك الثروات.

– مشاريع الاستثمار الخاص، المحلي أو الخارجي، يشترط لقبولها ألا تتعارض مع خطط التنمية التي تقرها الإمارة كما لا يسمح بعمل برامج مخالفة للنظرة السياسية للإمارة، مثل إدخال مدارس أجنبية مغايرة للبرنامج الرسمي للإمارة. أو تشييد مرافق صحية باهظة التكلفة بحيث لا يتمكن من العلاج فيها إلا القلة من الأثرياء. أو بناء أحياء للصفوة، ومجمعات سكنية باهظة لا تتماشى مع متوسط حياة المواطن العادي.

فذلك الاتجاه لخدمة القلة التي تمكنت من تكوين ثروات طائلة في ظروف مشبوهة، إذا أطلق له العنان فإنه سيضر بالعلاقة بين الشعب والإمارة، ويشيع مناخ من انعدام الثقة في شعارات العدالة وتكافؤ الفرص، وأن الإمارة هي إمارة للأغنياء فقط.

إن الاستثمارات الباهظة المخصصة لخدمة شريحة فائقة الثراء، هي اتجاه مُدَمِّر للقيم المعنوية للإمارة، ولروابط الثقة بينها وبين مواطنيها الذين تحملوا الحرب والتضحيات لأكثر من أربعة عقود، ومن حقهم على الإمارة أن يكونوا هم محور اهتمامها، وتدعمهم بالخدمات التعليمية والصحية والسكن والعمل والمواصلات بأفضل صورة ممكنة، حسب طاقة الإمارة التي ستنمو باستمرار ببَرَكِة الإيمان، وبدعم ومحبة الشعب، والثروات الكامنة في الأرض الأفغانية.

 

الانحراف.. ومواجهة الانحراف:

من الطبيعي ظهور الإنحراف فذلك من طبيعة البشر. ولكن العبرة بالتصدي الحاسم له، من أي مستوى جاء، ثم حماية الجميع قدرالمستطاع من الوقوع فيه، وذلك بالتوجيه والمراقبة والمحاسبة العادلة والحاسمة على الجميع، مهما كانت مراكزهم أو تاريخهم أو قبائلهم. فذلك هو الفارق بين نظام الحكم في الإمارة، القائم علي شرائع الدين التي تتصدي للفساد وتتوقي منه، وبين أنظمة قائمة علي الفساد وتبذل كافة طاقتها لنشره واستشرائه بين شرائح المجتمع.

– أهم واجبات الإمارة هو تأهيل كوادرها الإدارية بالمعارف الحديثة اللازمة، ثم مراقبتهم بإستمرار، أثناء قيامهم بواجباتهم. وكبح أي إنحراف منذ بدايته المبكرة، وعدم إستثناء أي أحد مهما كانت عظمة سابقته في الجهاد.

– كتب أنس حقاني واصفا الأيام الأخيرة في حياة والده، العالم والمجاهد العظيم، مولوي جلال الدين حقاني، وكان جالساً يبكي، فسأله أولاده عمَّ يبكيه فأجابهم: {أنا أبكي لأني لا أعرف خاتمتي. وعندما أرى رفاقي السابقين في الجهاد كيف باعوا ضمائرهم وغيرتهم ووقفوا بجانب الكفار، أخاف أن تسوء عاقبة أعمالي. ياليت رفاقي يفقهون الآن ويتركون موالاة الكفار} ـ (مجلة الصمود عدد 177) ـ مولوي حقاني كان يقصد قادة من الصف الأول في الأحزاب الجهادية السابقة، الذين احترفوا العمل السياسي، ومن لحق بهم من قادة الجبهات الذين اجتذبهم قادة بيشاور لتدعيم أحزابهم، فابتلعتهم دوامة الفساد والسعي وراء المال. وعندما شاركوا في السلطة بعد سقوط النظام الشيوعي في كابول أضافوا لأنفسهم مكانة سياسية إلى جانب الثروات المالية. حتى أن أحدهم / وقد شارك في حكم العملاء لخدمة الاحتلال الأمريكي/ قال ممازحاً رفاقه: {أنا الآن أكثر غنىً من قارون، وأكثر عِلماً من إبليس} “!!”.

على حالته تلك قُتِل الرجل في معارك دارت في كابول. فمن يأمن مكر الله ؟؟.

– فليكن حرص الإمارة على استقامة من تولِّيهِم مسئوليات الإدارة أشد من حرصها عليهم في أوقات القتال ضد جيوش الكافرين. فمن المأثورات عن الصديق أبو بكر رضي الله عنه، أنه قال: ( لو أن لي قدم في القبر وأخرى خارجة، ما أمِنتُ مَكرَ الله ).

 

بالجهاد.. الأفغان في المقدمة:

يسير العالم صوب مصير غامض يشبه العَدْو في الظلام. ربما يقود إلى فوضى شاملة ودمار مجتمعات وتشريد ملايين البشر. فهل يكون ذلك سببا لرجوع الناس إلى رب الناس؟؟.

كان الشعب الأفغاني أسبق الجميع في السعي إلى الله، كسبيل وحيد للخلاص من الطغاة الذين أرسلوا جيوشهم لإستعباده، كما فعلوا بمعظم شعوب الأرض.

جاهد الأفغان في سبيل الله فرارا من عبودية العباد، ولإخلاص العبودية لله وحده لا شريك له.

– جهاد شعب أفغانستان ضد الطاغوت الأمريكي كانت هي التجربة الأكبر والأخطر في كل التاريخ الجهادي لذلك الشعب، الذي بدمائه إفتدى حريته وافتدى دينه، وأبقى على الإسلام الذي كاد أن يندثر بفعل الهجمات الطاغوتية على المسلمين وانحسار حقيقة الإسلام عن معظم بلادهم.

دافع شعب أفغانستان وحفظ الإسلام للبشرية جمعاء، ورسم بدماء أبنائه طريق الخلاص أمام البشرية التي قد تدخل نفق الفوضي الشاملة. ولكن الأفغان بجهادهم يرفعون مشعل الهداية في نهاية النفق المظلم.

إن طرد جيوش العدوان والحصول على الحرية والاستقلال هي بداية الطريق. ورغم صعوبة الوصول إلى تلك البداية بعد سنوات طويلة من الجهاد والتضحية وملايين الشهداء وأضْعَافِهم من المصابين. فإن طريق الخلاص الحقيقي هو طريق بناء الإنسان والمجتمع والدولة على ضوء من هدي الشريعة.

فالإنسانية في انتظار نموذج إسلامي حقيقي، يرشدها إلى سواء السبيل. فالعدالة هي السلعة المفقودة من حياة البشر منذ قرون، وذلك منبع جميع الرزايا.

فالعدالة تأتي إذا كانت شريعة الخالق هي مصدر الأحكام وليس طبقة متسلطة ولا عائلة طاغية تستأثر بالمال والسلطة، ثم تتصرف وكأنها خالق الخلق والمتحكم في مصير العباد لا راد لحكمها ولا دافع لقضائها ولا حدود لسلطانها. فذلك هو الطاغوت الذي حكم لقرون متطاولة فوق أرض الله طولا وعرضاً. حتى تأصل الفساد في البر والبحر.. وهو ينطق بلسان الحال: (أنا ربكم الأعلى).

الدولة الإسلامية مجرد وسيلة لبناء الإنسان، وتسهيل مسيرته في طريق يرضاه الخالق. فالإنسان لم يُخْلَق ليكون خادما للأشياء التي سخرها الله لخدمته.

فهو سيد الكائنات، وجُعِلَت الأشياء لخدمة مسيرته إلى الحق. فالدولة وسيلة لخدمة الناس. وهم ليسوا عبيدا لها، فالدولة ليست هي الغاية، بل هي وسيلة.

أما الغاية فهي تعبيد الناس للخالق بإقامة العدل والإحسان والمساواة في واقع حياتهم وليس فقط في الأحلام والأساطير.

 

الدولة.. وسيلة لخدمة الناس وليس لإستعبادهم أو إرهابهم:

بناء دولة للإسلام تكون في خدمة المسلمين ولحماية الدين، هي أصعب المعارك علي الإطلاق لأنها ليست معركة ضد معسكرين متمايزين فيسهل وقتها إتخاذ المواقف والقرارات، ولكن المعركة ستكون داخل كل إنسان وتضعه أمام حقيقة نفسه التي غالبا ما يجهلها. فالدنيا تتجاذب كل نفس. والنجاح في المعركة ضدها هو الأصعب، ولا يكون الفرد ناجحا علي طول الخط ولا يسير علي وتيره واحدة. والذي ينجح في معارك السلاح، قد ينجح أو لا ينجح في المعركة التالية عندما تخضع له الدنيا وتقبل عليه ـ أو يقبل هو عليها ـ إقبال المشتاق الجاهل بعواقب التنافس عليها. وقد كان وقت القتال يجهل أن الدنيا مغرية إلي هذا الحد. أو كما جاء في الحديث الشريف: {والله ما الفقرُ أخشي عليكم، ولكن أخشي عليكم أن تُبْسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت علي من كان قبلِكُم فتنافسوها كما تنافسوها فتُهلِكَكُم كما كما أهلَكَتهم}.

– في معركة الجهاد ضد السوفييت وما أعقبها من إنتصار(وحُكْم) تغير الكثير من الأبطال واندفعوا لحيازة الدنيا بكل الطرق، حتي بمخالفة بمبادئ الدين الذي حاربوا من أجله. ومضي بعضهم في سبيل الإبقاء علي مكاسبه من أموال أو سلطة سياسية ونفوذ إجتماعي إلي الإستعانة بأعداء الدين. بل عمل إلي جانب إحتلال جديد وجيوش كفر أخري، مادامت تحافظ له علي ما هو فيه من نعيم الدنيا وزخارفها !!!.

معركة الإمارة ضد الفساد لا تتعلق فقط بالجانب الأخلاقي ـ علي أهميته المطلقة ـ بل تعتمد أيضا علي الجوانب التشريعية والقضائية والبناء الإداري والبناء الرقابي. فليست مقاومة الإمارة للفساد مجرد مجهود وعظي وتثقيفي، بل يجب أن يكون بنيان الإمارة نفسه مقاوماً للفساد ومانعا له. والقدوة التي تمثلها القيادة لها دور كبير جدا على نتائج تلك المعركة الأكبر من كل ما سبقها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإمارة الإسلامية في صدارة المواجهة مع “الاحتلال بالفساد” بعد مواجهة “الاحتلال بالجيوش”




حقاني.. العالم الفقيه والمجاهد المجدد (الحلقة 29(

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 29

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية |  السنة الخامسة عشرة – العدد 180 |  جمادى الآخرة 1442 ھ – يناير 2021 م . 

31-01-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (29)

وفشل الانقلاب المنتظر!!

 

– حقاني يقول لإذاعة غربية: إنها ليست حرباً قومية بل هي حرب إسلام وكفر.

– كانت جلال آباد أسوأ موطن “لتجارة الجهاد” التي مارسها عدد من العرب الذين سبحوا بمهارة فوق برك الدماء العربية.

– قبل الانقلاب “المنتظر” بفترة وجيزة كان قد قُتِل خمسة من العرب اغتيالاً في جلال آباد، ثم طُلِب من زملائهم القصاص لقتلاهم ففعلوا، فبدأت الدورة الشيطانية بطلب الثأر.

– العجزعن حسم أي موقف عسكري حَوْلَ المدن المحاصرة ليس عجزاً واقعياً بل هو عجز مصطنع تُسْأل عنه القيادات الأفغانية قبل غيرها.

– كان حسم معركة خوست عسكرياً يعني سقوط النظام بالقوة، ويعني فشل الخطة الأمريكية السوفيتية لعلمنة أفغانستان.

– حكمتيار يطلب من حقاني وقف العمليات الهجومية على خوست لأن المدينة سوف تستسلم لرئيس الأركان المنقلب شاه نواز.

– حكمتيار يعرض على حقاني اقتسام المدينة سويا بعد استسلامها، وحقاني يرفض.

– حقاني يحذر حكمتيار بأنه لن يقبل بأي مشاركة للشيوعيين في حكم خوست، وأنه سيعامل من يتحالف معهم على أنه واحد منهم.

– المجاهد “الشهيد” سيد جمال الدين، كان لديه القدرة على أن يصيب بصواريخه الثقيلة أي هدف في خوست بدون الاستعانة بخرائط أو معدات توجيه.

– المئات قدموا من ميرانشاه بالسيارات لنقل الغنائم، وتكدسوا أمام مركز خليل فلم نستطع مقابلة حقاني.

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

في يوم الثلاثاء 6 مارس 90، وقع وفشل الانقلاب المنتظر في كابل. ولا أعلم انقلاباً قبل ذلك كان الجميع يتحدث عنه، وعن التداعيات المتوقعة للأحداث المترتبة عليه، وكأنه في الحقيقة كان مَخْرَجاً للأزمة.

أزمة وقع فيها الحل الدولي القاضي بتكوين حكومة مشتركة مزدوجة الولاء للكتلتين الدوليتين معاً. كان نجيب الله في كابل مرحباً بالفكرة التي تضمن له البقاء والاستمرار، وأحزاب بشاور “الجهادية” مرحبة بالفكرة (سراً) لكونها ستحقق أملاً طال انتظاره وهو لعب دور عمالة سياسية من فوق كراسي الحكم في عاصمة بلادهم، وليس مجرد عمالة لاجئين سياسيين واقعين تحت الإذلال حكومة من الدرجة العاشرة هي نفسها تحت الإذلال الأمريكي.

وكانت المشكلة هي صعوبة قبول نجيب الله على المستوى الشعبي سواء من المهاجرين أو المجاهدين، فالرجل كأي رئيس لجهاز جاسوسية في العالم الثالث، ثم تحول إلى رئيس دولة، حَوَّل الدولة كلها إلى كابوس من الجاسوسية، فالذي لايعمل جاسوساً سوف يتعرض للتجسس عليه. والأكثرية تفضل أن تبيت ظالمة ولا تبيت مظلومة، والمجازر العسكرية زادت وتيرتها هي الأخرى وليس القمع البوليسي فقط.

ويبدو أن اللقاءات المتتالية بين جورباتشوف رئيس الاتحاد السوفيتي وريجان رئيس أمريكا أعطت جورباتشوف ترضيات ضئيلة في مقابل انحسار بلاده المريع في المجال الدولي، بعد انسحابها من أفغانستان. ومن أهم تلك الترضيات هي عدم إراقة ماء الوجه السوفيتي في أفغانستان نفسها، والحفاظ علي الرموز الشيوعية هناك ضمن أي تسوية قادمة.

وقد حصل جورباتشوف على ترضية مماثلة في اليمن، حيث طبقت نفس القاعدة هناك، وتم تزاوج غير شرعي بين يمن الشمال “القبلي” ويمن الجنوب ” الشيوعي” واستمرّ عدة سنوات إلى أن أفشله الشباب المسلم في اليمن عام 1994 وقضى على الشيوعية هناك وأبعدها عن السلطة السياسية في البلاد.

الأفغان استمروا في القتال حتى أفشل المجاهدون مشروع المشاركة في الحكم مع الشيوعيين. كانت أحد وظائف الانقلاب المنتظر ـ وكنتيجة لاقتسام السلطة ـ هو تمييع الأساس العقائدي للصراع في أفغانستان وكونه صراع إسلام مع كفر، هكذا بكل وضوح وبلا أدنى شبهة. كان ذلك منذ الأيام الأولى لحمل السلاح ضد حكومة حزب خلق الشيوعي. واستمر ذلك واشتد مع التدخل العسكري للسوفييت. وكانت الولايات المتحدة كعادة الغرب دائماً تخشى أن تضع الشعوب الإسلامية خاصة، علاقة الصراع بينها وبين الغرب في ذلك الإطار الواضح الصريح الذي هو في صالح الطرف الإسلامي وحده لأنه يستنفر فيه أسمى طاقات الدفاع عن الذات. وترغب أن تضع الصراع في صورة صراع حضاري أو اقتصادي أو ثقافي ولكن ليس عقائديا.

ولأجل تمييع الطابع العقائدي للمسلمين عامة، والذي تأثر بالطرح العقائدي للصراع في أفغانستان، كان لابد من التخلص من المجاهدين العرب الذين هم التجسيد العملي لطابع المواجهة العقائدية بين أمة الإسلام وأمم الكفر.

لذا بدأ برنامج أمريكي غاية في القسوة والهمجية والمكر في سبيل التخلص من هؤلاء المتطوعين العرب.

وقد رأينا مجهوداتهم عام 89 والتي كان أبرزها ترتيب مجزرة جلال آباد ثم اغتيال عبد الله عزام، رمز هذا التواجد ومُنَظِّره الديني. ذكرنا أن مجزرة جلال آباد التي بدأت عام89 قد استمرت تحرق الشباب العربي حتى نهاية الحرب عام 92. كان هناك تشجيع سعودي خفي بتوجيه الشباب نحو تلك المحرقة وتسهيل وصولهم إليها. وكان عملاء وجواسيس السعودية في المضافات المنتشرة في بشاور يرتبون “رحلات الموت” من بشاور إلى جلال آباد وتمول “معسكرات الجزارة”. وميليشيات عربية حقيرة من عملاء السعودية يقودون الشباب الجدد عديمو الخبرة إلى أقصر الطرق نحو القتل الذين أسموه شهادة رغم أنه مجرد جريمه قتل عَمْد مكتملة الأركان.

عدد من الشباب الانتهازي في جلال آباد تحولوا إلى أمراء، وصار لهم سيارات وأسلحة وذخائر، ومصادر تمويل، وسفراء يطوفون بالسعودية والخليج لجمع تبرعات من المحبين والمشجعين، وسفريات للحج والعمرة. ومثل كبار العملاء المحترمين، يستقبلهم عملاء السلطة وكبار موظفيها حتى صار لهؤلاء التافهين كينونة أدارت رؤوسهم فتمسكوا بها حتى الثمالة.

كانت جلال آباد أسوأ موطن “لتجارة الجهاد” التي مارسها عدد من العرب الذين سبحوا بمهارة فوق برك الدماء العربية.

ومنذ عام 90 بدأت حوادث ـ كانت قليلة إلا أنها تكررت ـ وهي حوادث اغتيال العرب داخل أفغانستان. وبعضها كانت جرائم مركبة، بمعنى أن مدبري الحادث الحقيقيون يلقون القبض على بعض المنفذين، ثم يطالبون من العرب القصاص لقتلاهم، وهذا يسعد العرب بالطبع.

ولكنهم لا يدركون خبث العملية، إذ أنهم بتنفيذ القصاص قد أصبحوا مطلوبين قبلياً للثأر. والقبلية لا تنظر إلى أن العملية كانت قصاص بل ترى أن عربياً قد قتل أحد أبناءها. فتوسعت دائرة قتل العرب، ورفضهم شعبياً وبعنف من جانب القبائل الموتورة.

وقد اضطر بعض العرب البارزين إلىمغادرة الساحة الأفغانية عندما اكتشفوا أنهم تورطوا بطيب خاطر في ثأر قبلي لايمكن تسويته، بينما كان يظن أنه ينفذ حداً شرعياً في قاتل أوشيوعي مرتد.. إلخ.

مؤامرات دبرها بعض الخبثاء العاملين في مخطط طرد العرب أو تصفيتهم. قبل الانقلاب “المنتظر” بفترة وجيزة كان قد قُتِل خمسة من العرب إغتيالاً في جلال آباد، ثم طلب من زملائهم القصاص لقتلاهم ففعلوا فبدأت الدورة الشيطانيه بطلب الثأر.

إذن فضرب المرتكز العقائدي للجهاد في أفغانستان كان ـ في نظري ـ الهدف الأساسي لذلك الإنقلاب المنتظر. ولكن من يجرؤ على عبور تلك الفجوة المخيفة التي تفصل ماهوعقائدي وأساسي وبين ماهو مخالف للدين والعقيدة ومصالح الشعب؟

مثل ذلك الدور، الذي وصفه الحقيقي هو الخيانة، تقوم به عادة زعامات صنعتها قوى خارجية وأكسبتها نجومية مزورة وأضفت عليها هالات من الجسارة والعبقرية، بحيث تجتذب قلوب شعبها.

فإذا حدث ذلك فإنها تقفز فوق الفجوة المخيفة، وتنتقل من البطولة المزيفة إلى الخيانة الحقيقية، وبحيث يبدو ذلك إنجازاً وبطولة جديدة من جانب معظم الغوغاء. أمّا من يعترض على سحر البطولة المزيفة فيبقى معزولاً بحيث يسهل القضاء عليه من جانب “بطل الحرب والسلام” الذي صنعته دعاية الأعداء كي يقوم بالقفزة البهلوانية الخطرة.

هكذا فعل أتاتورك في تركيا، البطل المزور في ميادين الحرب الاستعراضية ضد الإنجليز، فسجد له الشعب التركي كبطل حرب مستحيلة، فقفز أتاتورك وأدي دوره الأساسي، فضرب الإسلام في مهد الخلافة العثمانية، وأعلن علمانية أشد كفراً من صليبية أوروبا.

وهكذ فعل السادات ـ بطل حرب أكتوبر ـ الذي كان في الحقيقة خائنها الأول. فبعد إضفاء هلات البطولة المزورة قفز هو الآخر وأدى حركته الخطيرة والأخيرة، وعبر بمصر والعرب من خانة العداء لإسرائيل، إلى خانة الانبطاح بجدارة تحت أحذية إسرائيل وأمريكا.

أما أفغانستان، فكان أتاتورك والسادات معاً هو البطل الشاب “الأصولي المتطرف” إلى آخر هالات الزيف التي حرص الغرب على لصقها بالنجم الشاب، وبيعه للشعب الأفغاني ومسلمي العالم على أنه بطل أفغانستان الذي لايباري في حدته وجديته.

قام البهلوان الأفغاني بقفزته الأساسية ولكنها جاءت في فراغ وفشل الإنقلاب ولكن اللاعب العنيد والمسلم الأصولي كرر لعبته عدة مرات بعد ذلك، ولكنه لسوء حظه ظل يفشل في كل مرة حتى طُرِد من كابل هو ومن شابهه من لاعبين فاشلين مثل رباني وسياف من قادة “الجهاد الافغاني” الذين طبل لهم “الإعلام الإسلامي” الإخواني، مندوب أمريكا في العمل الحركي الإسلامي. وفي النهاية تحالفوا جميعاً بعد أن طردهم طلاب العلوم الشرعية في أفغانستان (جنود الإمارة الإسلامية)، فتحالف هؤلاء القاده المجاهدون مع روسيا!!

ولم يجدوا غضاضة في العمل مع عبد الرشيد دوستم أبشع زعيم ميليشيات شيوعية في تاريخ البلاد!! فما هي حقيقه هؤلاء الزعماء؟ وكيف وصلوا إلى الزعامة؟؟. وما صلة الإخوان المسلمين بكل ذلك القيح السياسي ؟؟

نعود مره أخرى إلى تلك النقطة الهامة وهي تفريغ الصراع في أفغانستان من طابعة العقائدي، وإيجاد مزالق (جاهلية) يستمر تحت غطائها ذلك الصراع.

فقد ظهرت منذ عام 89 دعاوى عرقية، والصدامات على أساس عرقي، وكان حادث فرخار أول حادث اشتهر من ذلك النوع، وإن كان مسعود في شمال البلاد قد بذل كل طاقته، متعاوناً مع السوفييت ونظام كابل في إجراء تطهير عرقي للشمال.

وخطوته الأولى كانت تصفية قوة البشتون هناك. وبدأ بالقادة الكبار أصحاب الشوكة. وأعترف أنني لم أنتبه إلى تلك الحقيقه إلا متأخراً جداً، وبعد فتح كابول حين دخلها مسعود متحالفاً مع دوستم، وبدأ القتال بينه وبين حكمتيار في معسكرين متمايزين واحد للطاجيك المتحالفين مع الأوزبك(مسعود ودوستم)، والآخر للبشتون(حكمتيار).

وقد نفخ الإعلام الغربي في تلك الجمرات كثيراً حتىاشتعلت وتأججت ولم يكن الإعلام وحده في الساحة، فقد كانت باقي أجهزة الغرب الإستخبارية تدفع الأفغان في نفس المسار.

 

حقاني: إنها حرب إسلام وكفر :

وقد سُئل حقاني في نهايه 89 من قبل إذاعة غربية هذا السؤال: (بعد إحكام حصاركم على مدينه خوست فهل تلجأون إلى حل القضية معهم سلمياً علىاعتبار أنهم بشتون مثلكم؟).

فأجاب حقاني بإسهاب موضحاً أنها ليست حرب قومية بل حرب إسلام وكفر. وفتح الغرب مسارب أخرى للقتال في أفغانستان، لطمس سمتها العقائدية الأساسية.

واحد من تلك المسارب هو الحرب المذهبية، وقد بدأها أيضاً حكمتيار،ممثلاً لسياسة باكستان، في مقابلة جميل الرحمن زعيم كونار السلفي (ممثلا لسياسة السعودية). بدا ذلك بوضوح عام 90 ثم تدخلت الأحزاب جميعها في الحرب خلف حكمتيار مشكلين تحالفاً “حنفياً” في مقابلة وهابية جميل الرحمن، ودارت مجازر في كونار.

كان من أهدافها أن تشمل العرب في أفغانستان علىاعتبار أنهم جميعاً مع الوهابية. ولكن الاستجابة خارج كونار كانت ضعفية وفشلت باكستان والسعودية في جعلها حرب شاملة تطال المتطوعين العرب. وقد بذلت السعودية غاية جهدها في توسيع نطاق المعركة وإقحام العرب فيها. فأرسلت عدداً من جواسيسها إلى أفغانستان، وافتعلوا صدامات مذهبية مع المجاهدين وأعلنوها حراباً على “شركيات” الأفغان “وقبورية” المجاهدين، وعبثوا ببعض القبور ونزعوا تمائم من على صدور المجاهدين وأطفال الأفغان بكل الغلظة المعروفة عنهم، حتى أن أحدهم أخرج سكيناً ووضعها على رقبة طفل لقطع حبل التميمة المربوطة حول عنقه.

لولا أن بعض زملائه منعوه حتى لا يحدث قتال مع الأفغان وهم يرون”عربي” يضع السكين على رقبة أحد الأطفال كي ينزع آيات من القرآن من حول عنقه.

الحرب المذهبية في كونار عندما لم تنجح في الامتداد إلى باقي الولايات لتطال العرب المجاهدين هناك كان لابد من إدخال العرب وتوريطهم مباشرة في حرب كونار.

وقد تم ذلك عندما أقنعت جماعة حكمتيار وعناصر من الإستخبارت السعودية أقنعت شاباً عربياً متحمساً بأن يتولى قتل جميل الرحمن الذي صوروه له عقبة كأداء ضد توحيد المجاهدين وإيقاف الحرب بينهم.

تولي ذلك الشاب قتل جميل الرحمن. وقتله فى الحال حراس القتيل، فاختفى معه سر الجريمة.

ولكن مخابرات باكستان والسعودية تولوا إكمال العمل فحذروا جميع القادة الميدانين المشهورين في أفغانستان، والذين يعمل في جبهاتهم متطوعون عرب، بأن هناك “شبكة إرهابية”بين هؤلاء العرب تهدف إلى قتل القادة الأفغان المشهورين. تركت تلك الوشاية أثارها وساد نوع من الحذر والتوجس لكنه لم يصل إلى درجة القطيعة أو القتال، على عكس ما تمنت باكستان والسعودية.

نعود مرة أخرى إلى “الإنقلاب المنتظر”، وهذا ما كتبته عنه في وقتها في مقال تحت عنوان: (شاه نواز: هل كسر الحاجز النفسي). وقد نشر في مجلة أفغانستان (العدد 19/20).

 

شاه نواز: هل كسر الحاجز النفسي؟

في غياب التطور العسكري للمجاهدين الأفغان منذ نكسة جلال آباد في العام الماضي،صارت أشد الأحداث تفاهة على المستوى الداخلي تمثل تغييرا مثيراً يشغل مساحة اهتمام أكبر بكثير من حجمه الحقيقي. وهكذا كانت المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها وزير الدفاع الأفغاني شاه نواز تاناي، في مارس 1990.

ورغم فشل الانقلاب إلا أنه غني بدلالات التي ترسم صورة واضحة لتوازن القوى لأطراف الصراع: المجاهدون من ناحية وحكومة نجيب في كابل من ناحية أخرى.

 

الانقلاب المنتظر:

فالانقلاب كان يفتقد أهم عناصر العمل الانقلابي وهو المباغتة. فمنذ ما يقرب من عام وهناك أكثر من زعيم من زعماء المجاهدين يبشر بإنقلاب قادم من داخل الجيش يحمل في طياته بدايات الحل للمشكلة الأفغانية. وتم رسم سيناريو لذلك الحل بأن تتشكل حكومة انتقالية يشارك فيها الانقلابيون مع قاده المجاهدين “حول كابل” وتشرف تلك الحكومة علىانتخابات يختار فيها ممثلين، يقررون بدورهم شكل النظام القادم في أفغانستان.

والحل المطروح، على ما يحتويه من غموض وخطورة، ليس هو الغريب بقدر غرابة التلويح العلني بعمل من المفروض أن يتم في الخفاء، ألا وهو الانقلاب العسكري المنشود. فقد أعلن البعض، زيادة في التأكيد، عن وجود ارتباطات قوية مع ضباط الجيش يرتبون لانقلاب قادم في كابل.

ولما كان نجيب الله ليس استثناء من رجال الحكم في كل مكان، فما كان له أن ينظر بتساهل إزاء تلك التصريحات. ورجل في مثل خبرته في إدارة أجهزة التجسس السرية لم يكن منتظراً منه بأي شكل أن ينظر لتلك التصريحات بروح رياضية.

وقام بما يجب على من كان في مثل موضعه أن يقوم به، فأجرى عمليات”غربلة” و”تمشيط” للقوات المسلحة خاصة المستويات القيادية، وأولى عناية خاصة لوزير دفاعه “شاه نواز” وباقي الطاقم (الخلقي) الذي مازال يتمتع بنفوذ كبير داخل الجيش في دولة (برشمية).

فتم اعتقال وزير الدفاع واستبعاده، كما ألقي القبض على عشرات من كبار الضباط. وحسب بعض المصادر فإن وساطة سوفيتية كانت وراء عودة وزير الدفاع إلى منصبه حرصاً على “وحده الصف” و”توحيد الجهود” و”لقاء الأشقاء”.. إلخ

كان ذلك في ديسمبر العام الماضي وهو في حد ذاته كفيل بإلقاء بعض الشكوك على أن السوفييت كانوا على تعاطف مع نواز وجماعته، بل ربما أرادوا إعطائهم فرصة لإزاحة نجيب الذي أصبح، بشكل شخصي، عقبة أمام تمرير التسوية، خاصة وأن موضوع المشاركة في حكم “موسع” يضم القوى العاملة فوق الساحة الأفغانية أو الأطراف الإقليمية في منطقة النزاع، بل والأطراف الدولية الشغوفة بالتورط في المنطقة.

إن نجيب بالنسبة للسوفييت الآن، على مايبدو،يتمتع بمركز استثنائي كالذي تمتع به سالف الذكر “تشاوشيسكو” في رومانيا، حيث أغمض السوفييت أعينهم عنه وهو يقف أمام بنادق فرقة الإعدام، لكي يفتح موته الباب لرومانيا لتلحق بالعهد الجديد الذي دشنه جورباتشوف للإمبراطورية الروسية وتوابعها.

إن بقاء نجيب على رأس الحكم في كابل يمنع أفغانستان من اللحاق “بالبروسترويكا” الروسية تحت مظلة حكومة موسعة ترضي جميع الأطراف وتجعل كل فريق يحصل على جزء من الكعكة الأفغانية التي ستبقى طبقاً لذلك الحل فوق المائدة السوفييتية.

ولكن ذلك يناقض ما يدعيه وزير الدفاع الانقلابي “نواز” من أن السوفييت هم العقبة التي صادفته وأن طائراتهم المنطلقة من داخل الأراضي السوفيتية هي التي دمرت مقر قيادته وطائراته المقاتلة في مطار “بجرام” قرب كابل، وهو إدعاء يصعب إثبات صحته. ولكن الأحداث التي شهدتها كابل في ذلك الوقت تبرهن علي أن العملية الانقلابية لم تكن مُحْكَمَة، وأن إخمادها من جانب نجيب وأعوانه كان سهلا نسبياً رغم الخسائر الكبيرة التي صاحبت المحاولة.

وكون الانقلاب منتظراً منذ ما يقرب من عام، وتم الإعلام عنه وعن الاتصالات بين قادة من المجاهدين وضباط الجيش بهذا الخصوص. كل ذلك يجعل استعدادات نجيب وأعوانه في قمتها ويوقظ لديهم كل حواسهم التجسسية، وإمكانات جهازهم الخاص بأمن الدولة “واد”. “نواز” نفسه كوزير دفاع كانت تحت المجهر طول الوقت ويمكن التكهن أيضاً بأن كل المتصلين به كانوا كذلك. وليس هناك أيسر من إحباط انقلاب منتظر من وزير دفاع مشتبه فيه إلى جانب كونه خصم سياسي لرئيس الدولة.

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

إيجابيات الانقلاب:

لقد أعطت المحاولة الانقلابية الفاشلة بعض المردود لصالح المجاهدين. مثل إظهار التفكك الحاصل في جبهة التحالف الشيوعي الهش في كابل، وإبراز الصراع “الخلقي/ البرشمي” كعامل مدمر مازال يعمل منذ سنوات طويلة حتى قبل التدخل الروسي في أفغانستان.

كما أن المحاولة المذكورة أضعفت المركز السياسي لنجيب الذي يحاول احتواء جميع أطراف المجتمع الأفغاني تحت عباءته. وأظهرت عجزه حتى عن احتواء زملائه الشيوعييون، فكيف بباقي الأطراف الأخرى؟

كما أبرزت المحاولة ضرورة تغيير نجيب تحت كل الظروف وأيا كان الحل القادم. ويمكن القول بأن المحاولة الانقلابية وأن كانت قد فشلت في الإطاحة بنجيب، إلا أنها قضت على مستقبله السياسي. وبالنسبة للمؤسسة العسكرية، التي هي الركيزة الرئيسية لنظام نجيب، فقد تأثرت سلبا بالمحاولة الإنقلابية التي سبقتها عمليات “تطهير” داخل المناصب القيادية في الجيش.

لحقتها عمليات “أشد تطهيراً” بعد فشل المحاولة. كل ذلك سيضعف قوة الجيش تنظيمياً إلى جانب الانهيار المعنوي في صفوف القيادات الصغرى بين الضباط، ناهيك عن الجنود الذين تجاوزت روحهم المعنوية حد الإنهيار.

 

سلبيات الإنقلاب:

أما النتائج السلبية للمحاولة الانقلابية فلها عدة جوانب:

الجانب الأول: أنها أظهرت بشكل سريع ومباشر تفكك الجبهة السياسية للأحزاب في بشاور.

وكالعادة لم يكن هناك موقف موحد،أو حتى منسق، بين تلك الأحزاب تجاه المحاولة الانقلابية والقائمين عليها.

فبينما اندفع طرف إلى درجة بعيدة في تأييد المحاولة إلى درجة تقترب من التحالف السياسي مع “شاه نواز” وطاقمه “الخَلْقِي” في إطار برنامج مشترك لإسقاط النظام في كابل وتشكيل ملامح نظام بديل يتم الوصول إليه بمجهود مشترك.

وقد دافع نواز عن ذلك التحالف مع الجماعة التياحتضنته من المجاهدين بأنه تحالف تكتيكي بينما أنكرت الجماعة المذكورة وجود أي تحالف. وذلك في حد ذاته تكتيك قديم حول المسميات الخاصة بحقائق ثابتة.

والتحالف التكتيكي لا تتغير طبيعته إذا أطلقنا عليه مسميات أكثر لطفاً مثل “تعاون مؤقت” أو”إستفادة من الظروف” إلخ.

والتحالفات، مؤقته كانت أو دائمة، لا مأخذ عليها في حد ذاتها لكونها ضرورة سياسية لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن المعيار في الأخذ بها أو رفضها هو مدى الفائدة المرجوة منها. والفائدة المعنوية قد تعطي أولوية عن الفائدة المادية،خاصة في صراع عقائدي كذلك الدائر على أرض افغانستان. وعلى ذلك فالتحالف بين حزب جهادي في أفغانستان وبين مجموعة شيوعية منشقة عن حكم كابل يسبب إضعافاً في منطلقات العمل الجهادي، ويحوله من صراع قائم على أساس العقيدة إلى صراع سياسي بحت هدفه السلطة وبأي وسيلة كانت.

والفارق كبير في الحالتين، وقد مرت قضايا إسلامية في هذا القرن بذلك المنزلق الخطر. وكانت نتيجة التحالفات السياسية “التكتيكية” هي تحول إستراتيجي في منطلق الصراع نفسه، وتحويله من مجال العقائد إلى مجال المنافع السياسية الوقتية.

يعتقد بعض المحللين أن من النتائج الجوهرية للمحاولة الانقلابية الفاشلة لشاه نواز،هي بوادر تحول جذري في المنطلق العقائدي للقتال الدائر في أفغانستان،كي ينتقل من المجال الأيديولوجي الذي ظل دائراً في فلكه لأكثر من عقد من الزمان، ليدخل مجال الصراع السياسي القائم على أسس نفعية.

لقد اتخذت خطوات متوازية في هذا المجال، واحدة من جانب شاه نواز وأخرى من جانب مضيفه الجرئ. في تحول جذري بهذا الشكل، وتفادياً لقوة الرأي العام،الذي مازال في إجماله يتبع المنطلق العقائدي الإسلامي في الصراع ضد الشيوعية داخل أفغانستان.

فإن التحول يبدأه طرف أكثر جرأة ليحطم ” الحاجز النفسي” بينما يلجأ الزملاء إلى المعارضة اللفظية العنيفة، وبعد أن يكتمل انهيار الحاجز النفسي لدى الجمهور الأفغاني، تكتمل مسيرة “المصالحة الوطنيه” ويتم الهجران الجماعي للمنطلق الأيديولوجي الذي كان مناسباً في مرحلة القتال كنوع من التعبئه المعنوية للمحاربين، والذي لابد من هجرانه في مرحلة التسوية السياسية المبنية على واقع الحقائق الباردة للوضع الإقليمي والدولي، الذي تتحكم فيه مصالح قوى أعظم كانت تُسَعِّر القتال طوال سنوات تحت ستار أيديولوجي وأعينها على تسوية سياسية في نهاية المطاف تراعي المصالح وليس العقائد.

 

تنازلات عقائدية:

“شاه نواز” قدم تنازلات عقائدية أعمق وأسرع، وإن كان لم يخرج كثيراً عن الإطار الذي رسمه عدوة اللدود في كابل “نجيب الله” فكلاهما أعلن تخليه عن الشيوعية وأكد بأنه “مسلم أصيل” كما أكد كلاهما بأن حزبه بحاجة إلى عملية “ترميم” ليصبح أكثر قبولاً من جانب الشعب الأفغاني. وبينما يردد نجيب تلك الأقاويل، منذ أشهر طويلة ومن تحت حراب البنادق في كابل، فإن “شاه نواز” وجد الفرصة لكي يردد نفس الأقوال من خنادق المجاهدين وهو يحمل هالات “البطوله الوطنية” في مكافحة نظام يرفضه الشعب.

لاشك أن كهوف لوجار،حيث قالوا أن نواز متواجد فيها مع جماعة حكمتيار، أكسبت دعاوى نواز مصداقيه أكثر من أقوال نجيب التي تكذبها حملاته العسكرية ضد الشعب الأفغاني. وتلك خدعة إعلامية، بقصد أو بدون قصد، قدمها مجاهدون أكثر جرأة لتكسير الحاجز النفسي الذي بَنَتْهُ الدعاوى الأيدولوجية السابقة. وتمهيداً لا شك فيه لكي يقبل الشعب الأفغاني فكرة “توبة” الشيوعيين الأفغان ومنحهم صكوك الغفران التي تغسل الدماء التي تخضبت بها أيديهم لأكثر من عقد من الزمان.

إن الصورة التي ساهمت تجربة شاه نواز في تأكيدها لدى الرأي العام الأفغاني والدولي هي أن الحرب في أفغانستان إنما هي حرب أهلية بين أفغاني مسلم وأفغاني مسلم، وإن اختلفت درجة الجودة هنا أو هناك.

 

 

وماذا بعد؟

بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة كيف ستسير الأمور داخل أفغانستان؟

سنكتفي برصد بعض المظاهر دون الدخول في مجازفة التنبؤ بالغيب. فممّا لاشك فيه أن مرحلة جديدة في مسار القضية الأفغانية تتمخض عنها الأحداث الجارية.

تنبئ الظواهر أن القوى العظمى تمسك بأكثر خيوط اللعبة، وذلك لا يعني حتمية أن تسير الأمور على هوى تلك القوى بشكل كامل، فأي طرف مهما كان حجمه صغيراً يمكنه إحراز مفاجآت في الوضع تؤدي بدورها إلى شيء من التعديلات.

والخوف من الركود العسكري الذي تعيشه المقاومة الأفغانية قد يؤدي إلى إفلات كثير من الأوراق من بين يديها لكي تطير إلى أيدي أحد اللاعبين الكبار. وليس سراً أن أوراقاً هامة طارت من يد الأحزاب الأفغانية إلى يد اللاعب الأمريكي. وذلك إهدار لاشك فيه لحقوق الشعب الأفغاني الذي عانى وضحى بأرواح مئات الألوف من زهرة شباب أولاده.

والعجز عن حسم أي موقف عسكري حول المدن المحاصرة ليس عجزاً واقعياً بل هوعجز مصطنع تُسْأل عنه القيادات الأفغانية قبل غيرها.

كذلك الشرخ الحادث في الموقف المبدئي العقائدي الذي لف موقف المنظمات في حاجة إلى إعاده تأكيد بواسطة برامج عمل وليس بمجرد بيانات مصاغة بلغة (عربية) بليغة وفصيحة، فتلك السلعة التي كانت رائجة في سنوات ماضية، في بوار تدريجي.

فالشعب الأفغاني هو الذي يحتاج هذا التأكيد قبل أي طرف عربي فيما وراء البحار. فالدماء الأفغانية هي التي أريقت، والديار الأفغانية هي التي خُرِّبَت، والشعب الأفغاني هو الأكثر حاجة لأن يعرف وجهة المسير، وأن يعرف بوضوح أكثر، وبطريقة عملية أين الإسلام من كل ذلك الذي حدث في الماضي وما يحدث حالياً وما سيحدث مستقبلا على أرض أفغانستان.

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

 

خوست… زحف النهابين :

أول تأثير سلبي على المجاهدين من ظهور شاه نواز المتحالف مع جلب الدين حكمتيار، كان في خوست.

كان الجميع يتوقعون أنه بعد سقوط تورغار في يد المجاهدين فإن المدينة لن تبقى طويلاً، ربما أسابيع وتصبح هي الأخرى في أيدي المجاهدين، وبمعنى أدق بين يدي حقاني. وتلك بلا شك كارثة.. كارثة على أحزاب بشاور الذين ارتبطوا منذ وقت طويل بالخارجوينتظرون أن يحملهم ذلك الخارج إلى كراسي الحكم في كابل بأي صيغة كانت.

كان حسم معركة خوست عسكرياً يعني سقوط النظام بالقوة، يعني فشل الخطة الأمريكيةالسوفيتية لعلمنة أفغانستان.

في ظني أن فتح تورغار عجل بولادة الانقلاب المنتظر الذي كان متعسر الولادة، بل كانخطيراً على القائمين عليه بسبب أنه فقد عنصر المفاجأة الحيوية لكل انقلاب.

والذي يثير الشك في أن أحداث خوست كانت محركاً أساسياً في التعجيل بالانقلاب، الذي تأخر كثيراً، هو أن أول تحرك جدي وسريع للثنائي الحليف (حكمتيار/ نواز) كان إلى خوست. في البداية أعلنت دوائر حكمتيار أنه تحرك مع حليفه إلى جاجي ثم إلى لوجار. ولكن الحقيقة أنهما جاءا إلى معسكر “جهاد وال” التابع لحكمتيار والمجاور لمعسكر جاور التابع لحقاني. ومن “جهاد وال” بدأت الثنائي الثوري في إتلاف العمل العسكري في خوست. لقد طلب حكمتيار من حقاني إيقاف العمليات الهجومية الوشيكة والتي كانت على وشك البدء بها بدعوى أن المدينة سوف تستسلم لشاه نواز الذي له أتباع كثيرون وأصدقاء في حامية خوست وأنه يتصل بهم لأجل التسليم بدون قتال.

عندما شاع نبأ المفاوضات واحتمال استسلام المدينة عمّت الفوضى وعم التراخي، فالمقاتلون في معظمهم يفضلون الغنائم الباردة عن الحرب الساخنة ومآسيها وذلك طبيعي. وانتشر الخبر على الجانب الآخر من الحدود، فاستنفرت القبائل ومعسكرات المهاجرين، وتدفق الناس إلى مراكز قياده حقاني في مركز خليل حتى ضاقت بهم الشعاب والوديان.

والطريف أن الجميع يطالب بالمشاركة في الفتح!! وجميعهم مسلحون بالبنادق الآلية وكان مشهداً غريباً، ومأساويا بقدر ماهو هزلي. وقد انتهى بهم ذلك الجشع على الغنائم الباردة إلى مصيبة مغلظة، فلم أستطع كبح نفسي عن الشماتة بهم.

ويحاول حكمتيار رشوة حقاني فيعرض عليه اقتسام المدينة سويا بعد استسلامها، ولكن حقاني ينتبه للفخ. فإلى جانب لا أخلاقية العمل فإنه أيضاً سوف يتسبب في مذبحة رهيبة بين المجاهدين، فهناك من وقفوا في المعركة لأكثر من عشر سنوات، وهناك مجاهدي المنطقة على نطاق الوادي الفسيح، ثم هناك الهمج والسارقين الذين حضروا بأسلحتهم لأخذ حصتهم من الغنائم، لأنهم ساعدوا المجاهدين يوماً ما. بل أنهم ادعوا أنهم مجاهدون فعلاً طوال الوقت، رغم وجوههم الكالحة التي لم ينعم أحد برؤيتها في الجبهات قبل ذلك.

ثم اشترط حقاني وحذر حكمتيار بأنه لن يقبل أي مشاركة للشيوعيين في حكم خوست أو في أي عمل آخر، وأنه سيعامل من يتحالف مع الشيوعيين نفس معاملته للشيوعيين أنفسهم، وأن الذي يستسلم منهم ليس له إلا الأمان على نفسه وماله وعائلته، وليس أكثر من ذلك.

وفي النهاية فشل مشروع (حكمتيار/ نواز) في خوست، كما فشل قبل ذلك في كابل. ولم تتوقف مسيره الفشل لحكمتيار حتى كتابة هذه السطور. أما شاه نواز فيقال أنه يعمل الآن في خدمة الاستخبارات الباكستانية.

 

الثلاثاء 6 مارس 90:

كنا في جبل الترصد إلى جانب عبد العزيز وهو منهمك في أعماله اللاسلكية عندما جاء إلى ذلك المركز مجاهد شاب يدعى “سيد جمال الدين”، وهو من إحدى القرى في غرب خوست. وكنت قد تعرفت عليه حديثاً وهو يعمل على قاذف صواريخ صقر رباعي المواسير. وكان الغريب عند سيد جمال الدين هو قدرته على الرماية على أي هدف داخل خوست، بدقة متناهية، وبدون استخدام أي معدات توجيه.

كنت أعجب مما يفعل فكان يضحك ويقول: إن خوست كلها مرسومة في خريطة داخل رأسي. كان ذلك أمراً مشهوداً به، ولا أنسى قذيفته الشهيرة التي أصاب بها، من أول صاروخ، غرفة اجتماع كبار ضباط خوست في مقر قيادة الفرقه 25 (حيث أسكن حالياً على بعد خطوات منها لذا فمازلت أرى أثار تلك القذيفة العجيبة التي أخرقت سقف الغرفة تماماً)، ولكن الاجتماعات كانت تعقد في غرفة تحتية واسعة ذات تحصينات وأسقف أسمنتية، لذا لم تتأثر قاعة الاجتماعات العسكرية ولكن العديد قتلو وجرحوا من جراء ذلك الصاروخ.

سيد جمال جاءنا بعد الغروب ليخبرنا عن نبأ وقوع محاولة انقلاب عسكري في كابل بقيادة وزير الدفاع شاه نواز تناي وأن القتال مازال دائراً في مطار بجرام وأماكن أخرى. كانت علائم الفشل واضحة منذ البداية فالذي يحرك للإنقلاب هو عدد من الطائرات، ولا أثر في الأنباء لجنود مشاة تحركوا للسيطرة على العاصمة. أما المعارك المستمرة فليست من علائم النجاح في الانقلابات بل غالباً تكون من علائم الفشل، فالمفروض في الإنقلاب السرعة وليس الاستنزاف البطيء.

 

الأربعاء 7 مارس 90:

أنباء متداولة بين المجاهدين أن حكومة خوست تتفاوض سراً مع حقاني من أجل التسليم. في الواقع أن شاه نواز قد هرب من كابل أمس مع أسرته في طائرة هليوكبتر إلى باكستان، ومنها مباشرة إلى خوست!!، وليس إلى الأماكن الأخرى التي وردت في الأنباء مثل لوجر أو جاجي، وهذا ما يؤكد وجود صلة قوية بين فرار شاه نواز وبين معركة خوست، ووصول المدينة إلى حافة السقوط.

راديو كابل مازال يذيع بيانات ضد (وزير الدفاع الخائن) الذي أسموه (شاه نواز جلب الدين)، ولكن جلب الدين حكمتيار صرح منذ الأمس أن لاعلاقة له بالانقلاب ولكنه أصدر أوامره بالاستفادة منه!

نزلنا لرؤيه حقاني في مركز خليل ولكن ذلك كان صعباً للغاية فهناك عشرات السيارات ومئات البشر قدموا من ميرانشاه وأماكن أخرى لرؤية حقاني، لقد بدأت الذئاب تشم رائحه الدم. كان حقاني في اجتماع موسع وبرفقته مولوي نظام الدين والدكتور نصرت الله، كان الإرهاق ظاهراً عليه، فلم أستطع الحديث معه لأن المئات يتدافعون في الخارج للحديث معه حول (افتراس خوست)!

تحميل مجلة الصمود عدد 180 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقاني.. العالم الفقيه والمجاهد المجدد (الحلقة 29(




من المسئول عن الهجوم على مبني الكونجرس الأمريكى ؟

من المسئول عن الهجوم على مبني الكونجرس الأمريكى ؟

من المسئول عن الهجوم على مبني الكونجرس الأمريكى ؟
ما هي العلاقة بين 11 سبتمبر 2001 ، 6 يناير 2021 ؟

 

– لماذا إكتفي بن لادن بمهاجمة مبني التجارة العالمية و لم يهاجم مبني الكونجرس؟

– غياب الإرهاب الإسلامي عن الساحة الأمريكية زاد العبء علي الإرهاب المحلي .

لهذا يبحث بومبيو عن تنظيم القاعدة، و زاد الدعم لإحياء داعش .

– ظهر بايدن قزما فى يوم التنصيب ، وظهر مأزق (حكم العسكر) الذى وقع فيه الشعب الأمريكى “العظيم” .

الصراع الحالى فى أمريكا بين الوطنيين المسيحيين المتطرفين، وبين اليهود وكتلتهم الليبرالية وأجهزة الدولة المسلحة، هوالساحة الأساسية لحسم الصراع الدينى بين الطائفتين.  هذا يعنى إلغاء قضية فلسطين ـ وتهويد جزيرة العرب ـ وإستكمال إبادة شعب اليمن، والسيطرة المُحْكَمَة على المقدسات الإسلامية، وتغيير أداء المناسك بتحويلها إلى نوع من السياحة الحديثة على النمط الغربى، الذى يجعل الدعارة والمخدرات جزءاً من السياحية.

 

لا تبحث السلطات الأمريكية عن “الفاعل الأصلي” وراء الهجوم على مبنى الكونجرس فى السادس من يناير الماضى . بل وكما هى العادة يحاولون التعتيم عليه ، وحرف الأنظار بعيدا عن الفاعل الحقيقى .

إختصارا .. من رتب الهجوم على الكونجرس فى يناير 2021 هى نفس الجهة التى رتبت لهجوم الحادى عشر من سبتمبر 2001 .

من هاجم الكونجرس فى السادس من يناير الماضى ليسوا هم مجموعة الرعاع الذين أظهرت بعضهم عدسات التلفزيون . ولا عناصر متعصبة مندسة فى الحرس الوطنى وحرس الكونجرس ، ولا بعض أعضاء من مجلس الشيوخ ، ولا حتى الرئيس المطرود أو (المنقلب عليه ) دونالد ترامب .

 كما أن الفاعل الحقيقى لأحداث 11 سبتمبر، بالتأكيد لم يكونوا هؤلاء الضحايا من العرب الذين ظهروا أمام العدسات التى كانت تتابعهم منذ سنوات قبل شروعهم فى تنفيذ غزوة سهلة وبلا عوائق تمنع الوصول إلى جدران ناطحتى السحاب فى منهاتن.

 فى الأصل كانت الصفقة واحدة، أى الهجوم على ناطحتى السحاب فى منهاتن ، والهجوم على مبنى الكونجرس فى “الكابيتول”. ولسبب ما إختار بن لادن الإنخراط فى العمل على أبراج منهاتن ، ربما للشهرة التى إكتسبها مركز التجارة العالمى منذ ذلك الهجوم بالشاحنة المفخخة التى نفذه الباكستانى رمزى يوسف .

إكشفوا عن الفاعل الحقيقى لإحداث سبتمبر . فهو نفسه الفاعل الحقيقى لأحداث يناير .

 

 

منهاتن أم الكابيتول ؟؟ .. طائرة واحدة وهدفان .

غزوة “منهاتن” عندما عُرِضَت على أسامه بن لادن عام1996  كان إستهداف مبنى الكونجرس فى “الكابيتول” أحد الخيارات .

فى جلسة سَمَر ضَمَّت عددا من سكان قرية “عرب خيل” فى ضاحية نجم العلوم فى جلال آباد ، عَرَض بن لادن على عدد من شباب القرية نبأ إقتراح وصل إليه بإستخدام طائرة ركاب فى ضرب برج التجارة العالمى أو مبنى الكونجرس فى الكابيتول. وأن من قدموا المشروع قالوا أن كلا الهدفين ممكن فنياً ، وأن الأفراد المؤهلين جاهزين ، ومن اليسير إستكمال مالديهم من نقص فى التدريب .

قال بن لادن أن الفكرة جاءت من الإخوة فى ألمانيا إلى جماعة رمزى يوسف فى باكستان . ورمزى هو صاحب المحاولة الشهيرة لنسف مبنى التجارة العالمى والتى أحدثت أضرارا بسيطة فى المبنى وعددا من الإصابات .

كان بن لادن يطرح خاطراً مدهشاً وليس مشروعاً . فشارك عدد من الحاضرين بخواطر مماثلة فقال أحدهم إذا كان لديك طائرة واحدة وأمامك هدفان أحدهما يمثل رمزاً وشعاراً مثل الكونجرس والآخر يمثل قدرة إقتصاديا عالمية ، مثل برج التجارة العالمى ، فإن الخيار المنطقى سيكون للهدف الثانى وليس الأول .

شرح بن لادن أن ذلك البرج لن يصمد أمام إصطدام طائرة ركاب وأنه سوف ينهار. وذلك بناء على خبرته فى مجال المقاولات . ثم توقف الحديث نهائيا عن الموضوع ، على الأقل علناً ـ إلى أن فاجأ الجميع فى 11سبتمبر 2001 بغزوة منهاتن “المباركة” ، بالشكل الذى تمت به.

 – إسرائيل مع اليمين الأمريكى المتطرف (المحافظين الجدد) هم من خطط وتابع تنفيذ غزوة منهاتن . ولسبب مجهول تأجل القضاء على مبنى الكونجرس إلى أن أتيحت لهم فرصة الإستيلاء عليه ، معتزمين قتل عدد من النواب فى السادس من يناير2021 لمنع تأييد إنتخاب بايدن كرئيس جديد، بديلا عن ترامب الذى ظل يصرخ متهماً أعدائه بالتزوير والإستيلاء على السلطة.

يلاحظ تكامل المهام بين عملية تفجير مبنى التجارة بالطائرات ، ثم بعد عقدين من الزمان الهجوم على مبنى الكونجرس بقطعان البلطجية ـ المدعومين سراً بأجهزة “سيادية “.

تقول قاعدة البحث الجنائى (إبحث عن المستفيد) فمن هى الجهة التى إستفادت من حادث 11 سبتمبر؟؟ . لم تستفد “القاعدة” التى شتت الأمريكيون شملها وقتلوا قائدها ورموا بجثته فى بحر العرب(!!).

ولم تستفد أفغانستان وقد أسقطوا إمارتها الإسلامية وقتلوا عدة مئات الألوف من أهلها ، وملأوا أرضها خرابا بالمواد المشعة والجرثومية وفرق الموت والمرتزقة .

–  قانون باتريوت (الوطنى) هو شعار المنتصرين فى غزوة سبتمبر، الذين إنقَضّوا على جزء كبير من هامش الحرية الذى كان متاحاً للمواطن الأمريكى . فأصبحت الدولة تتبنى الفاشية قانونيا، تحت ستار حماية المواطن بقانون”الوطنى”، الذى لا يمت للوطنية بشئ .

 

 

فى حكم أمريكا : تسقط الوطنية .. وتحيا العولمة.

عندما وصل إلى الحكم رئيس”وطنى” شعبوى ـ هو ترامب ـ رافعا شعار أمريكا أولا، على حساب العولمة التى تفرضها البنوك وشركاتها العظمى العابرة للقارات. سلَّطوا عليه جهنم الإعلام، فتضاعف جنونه الفطرى ، إلى أن رفسوه خارج الحكم . وقد يصبح ممنوعاً من العودة للرئاسة لينتهى بذلك مستقبله السياسى . وهناك إحتمال قوى بأن صراخه المبكر بوجود مؤامرة لإخراجه من الحكم بواسطة إنتخابات مزورة كان صحيحا . ولكن لم يصدقه أحد بسبب صورته كمجنون وطائش ونرجسى وكذاب ، إلى آخر قائمة طويلة جدا من الإتهامات ، وكأن ترامب جاء إلى الحكم عبر إنتخابات لم يصوت فيها غير مرضى مصحات الأمراض العقلية.

    الصراع الحقيقى كان بين (وطنية ترامب) و(عولمه البنوك) . بوصول بايدن إنتصرت عولمة البنوك . وإكتشف ترامب وأعوانه كم كانوا مغفلين عندما صَدَّقوا أن فاشية قانون باتريوت تعنى الوطنية . بل هى كالعادة تسمية معكوسة للواقع . تحت راية ذلك القانون رحب الشعب بالفاشية نتيجة التخويف بالخطر الإسلامى . وهو الخطر الذى يجمع الأمة الأمريكية، كما يجمع الأمم الأوربية ، والأنظمة العربية على حد سواء .

من أجل إصدار قانون الوطنى كان لابد من 11سبتمبر . ذلك القانون مضى قُدُماً بسيطرة القوى البنكية على الولايات المتحدة وتحويلها من دولة إلى تحالف شركات عظمى ، فتديرها البنوك اليهودية العملاقة . وزحفت الشركات لتدير صميم سيادة الدولة ، وتقوم بأدوار كبيرة فى الجيش والمخابرات والأمن”الوطنى”. ولا نتكلم عن السياسة الخارجية التى تعتبر وزارتها تابعة لإسرائيل مباشرة . حتى البيت الأبيض زحفت الشركات لتدير قطاعات من أعماله الإدارية.

هذا مجرد نموذج لإنجازات البنوك اليهودية والشركات العظمى نتيجة لغزوة 11 سبتمبر . أما إنجازاتها فى غزوة الكابيول حيث الكونجرس ، فمداها أبعد ، وأعماقها تظهر تدريجيا مع الوقت.  ولكن دلائلها تشير إلى توجهاتها .

فإحتلال العاصمة والكونجرس ، وإحتكار مراسم تنصيب الرئيس بواسطة الأمن والحرس الوطنى وحماية الجيش ، يشير إلى مركز القوة الحقيقى فى نظام ما بعد غزوة الكونجرس، فى تأكيد لسيطرة الأجهزة المسلحة وإستبعاد الشعب أو نوابه فى البرلمان من المشاركة حتى ولو فى مجرد مظاهرة إفتتاح (النظام الأمريكى الجديد).

     ومن الآن فصاعدا من العبث البحث عن توجهات الولايات المتحدة فيما يثرثر به بايدن وطاقمه العجائبى الحاكم . فمصالح البنوك اليهودية وشركاتها العظمى هى البوصلة الحقيقية لدولة (الشركات والبنوك المتحدة الأمريكية) ـ المعروفة مجازا (بالولايات المتحدة الأمريكية) .

 

 

القزم “بايدن” .. بين أيدى العمالقة :

ترامب ، وبايدن رئيسيان مفصليان فى تاريخ الولايات المتحدة . الأول ، ترامب، راح ضحية خطأ فهمه لتوجه الدولة بعد 11 سبتمبر، وقانون الوطنى الذى ظن أنه قانون للوطن المتعصب ، وليس للبنوك اليهودية وشركاتها العظمى تحديدا… وفقط .

ـ والثانى “بايدن” وهو أول رئيس تأتى به ـ وبشكل مباشر ـ البنوك اليهودية التى أصبحت تدير الدولة والأجهزة السيادية ـ وظهر بايدن قزماً أمام آله القمع المسلح الجبارة التى جاءت به إلى الحكم ونصَّبته رئيسا منفرداً مستفرداً به. ونظرة واحدة على فيلم يوم التنصيب يوضح مدى ضئالة بايدن ، وخطورة مأزق (حكم العسكر) الذى وقع فيه الشعب الأمريكى”العظيم” .

أحد النتائج هى أن الكثير من الشخصيات التى إستلمت الحكم مع بايدن هم من اليهود، فهى الإدارة الأكثر يهودية فى تاريخ أمريكا، إضافة إلى نماذج أخلاقية ساقطة من “العابرين!!” جنسيا والمثليين . وعلى الفور فتح الجيش أبوابه ليدعم صفوفه بتلك الفصائل ذات الفضائل.

– المهاجرون فى أمريكا من أصول أخرى (من غير الأنجلوساكسون) شعروا بخطر العنف الذى يتجهز له “الوطنيون” بالمئات من الميليشيات المسلحة الجاهزة للقتال . وجد ذلك التيار “الآخر” مأوى سياسى فى الحزب الديموقراطى ومبادئه الليبرالية التى تقبلتهم كمواطنين بكافة حقوق المواطنة. وتبنى الحزب إقتصاديا إتجاه العولمة وسيادة البنوك. أما التيار الوطنى فمضى بعيدا فى تطرفه حتى لأبعد من الحزب الجمهورى الذى يعتنق نفس الرؤية . الحزب الجمهورى وجد فى جنون ترامب وتطرفه مرآة صادقة عن حالة الأغلبية فى المجتمع، فإضطر الحزب إلى قبول ترامب فى صفوفه ، ودخل به إنتخات الرئاسة التى فاز فيها ترامب بإسم الجمهوريين .

 

إنقسم المجتمع الأمريكى طوليا إلى قسمين متضادين وربما شبه متساويين عدديا:

القسم الأول : وطنى متطرف يطالب بإغلاق أمريكا على الصفوة من الجنس (أبيض/أنجلوساكسون/ بروتستانت) أو إختصاراً “واسب”. ويرى فى أمريكا (وطنا مقدساً خاصاً لعرق بعينه وديانة خاصة)ـ مثلما ترى إسرائيل فى نفسها ـ  مع الإنكماش خارجيا فى حدود المستعمرات التى تُؤمِّن المواد الخام الإستراتيجية ، بدون ممارسة دور شرطى العالم ، وحروبه المتصلة وآثارها الجانبية المهلكة للمجتمع الأمريكى.

القسم الثانى : هم المهاجرون “الآخرون” ، الذين لا يرون فى أمريكا وطنا مقدساً خاصاً لعرق وديانة واحدة ، كما يراه الوطنيون، بل يرونها (فرصة العمر للمحظوظين ) للحصول على حياة أفضل مما هو متاح لهم فى أى مكان آخر.

وذلك هو جوهر الصراع الذى يضرب أمريكا فى العمق . صراع بين رؤيتين مختلفتين لنفس البلد . بين وطنيين يرونه (وطنا مقدسا خاصاً لعرق وديانة محددة)، ونظرة أخرى ليبرالية تراه مجرد (فرصة حياة أفضل للمحظوظين) . الفصيل الأول يريد أمريكا منغلقة على نفسها بشعار ترامب “أمريكا أولا” . والفصيل الثانى يراها إمبراطورية معولمة تجعل من العالم كرة قدم تلعب بها البنوك والشركات الكبرى ، طالما أن البنوك هى حليفهم الحالى داخليا والسند الحقيقى الذى يرجح الكفة فى أى صراع داخل الولايات المتحدة أو خارجها . وأن “الليبراليون” إكتسبوا مزايا، يمكنهم ـ بشئ من الحظ ـ الدفاع عنها ضد وحشية الوطنين وميليشياتهم المسلحة .

البنوك من جانبها ترى فى دهماء الكتلة الليبرالية المستضعفة ، سنداً لها وسلاحاً فى شارع الرعاع لمواجهة إنعزالية الوطنيين وكراهيتهم لليهود والعولمة.

 

 

عندما ينتهى التحالف بين المسيحيين واليهود :

 { من المفيد ملاحظة أن الإتحاد الدينى بين اليهود والمسيحية المتصهينة ينتهى مع هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء هيكل سليمان ، وهو أمر لا يمنعهم الآن عنه شئ عمليا. وقتها يرى اليهود أن العالم سيصبح مملكة جاهزة كى يحكمها من القدس ملك من نسل النبى داود . بينما ترى المسيحية المتهودة أن العالم وقتها يصبح مملكة جاهزة لحكم المسيح عليه السلام . أى أن الإتحاد الدينى بين الطائفتين اليهودية والمسيحية ينتهى مع بناء هيكل سليمان فى القدس . يعقب هذا الإنفصال ، وربما قبل تحقق إحدى النبوءتين ، مجازر إستئصال حتى تنهى أحدى الفئتين الفئة الأخرى . وذلك جانب هام جدا وغير معلن من جوانب الصراع العقائدى/ الذى يأخذ شكلا سياسيا مموها/ بين البنوك اليهودية والتيار الوطنى المتعصب دينيا وعرقيا فى الولايات المتحدة.

على صلة بنفس الموضوع يرى المسلمون أن إنقاذ العالم سيأتى على يد المهدى المنتظر.

أهل السنة يرون أنه سيولد بمشيئة الله فى الوقت المناسب ، وترى الشيعة أنه موجود بالفعل فى إنتظار أمر الله له بالظهور العلنى . لهذا يحظى الشيعة بدرجة عالية من العداء من جانب الطرفين المتصارعين على السلطة فى أمريكا، بإعتبار الشيعة خطر فوري وقريب جغرافيا من فلسطين. وذلك واضح فى الأحداث السياسية التى تعصف بالمسلمين السنة والشيعة معاً، وفى شتى بقاع الأرض .

والصراع الحالى على السلطة فى أمريكا بين الوطنيين المسيحيين المتطرفين وبين اليهود وكتلتهم الليبرالية وأجهزة الدولة المسلحة، هو الساحة الأساسية لحسم الصراع الدينى بين الطائفتين . ومن ينتصر فى الساحة الأمريكية يكون إنتصارة على إتساع العالم فى ذلك الصراع الدينى أسهل ، نظرا لعظم الوسائل التى تصبح بين يديه }.

 

الإرهاب الإسلامى المفقود :

نقطة الضعف الكبرى فى غزوة الكابيتول ضد الكونجرس كانت غياب “الإرهاب الإسلامى” فهو الذى يوحد الفئتين الكبيرتين المتناحرتين ضد عدو يرونه أشد خطراً على قيمهم المشتركة ويذهب بطريقتهم المثلى .

الطاقة الهائلة من الحقد والكراهية والعدوانية التى صاحبت الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، ومن وجهة نظر يهود البنوك ـ وإسرائيل ـ والمحافظين الجدد ـ وحتى معظم الملونين غير البرتستانت جميعهم كان يخدمهم وجود عنصر (الإرهاب الإسلامى) فى أحداث غزوة الكونجرس ، لتهدئة التوترات الداخلية وتجميعها ضد هدف خارجى يمثل عقبة مستقبلية كبرى أمام أى منهما عند توليه الحكم .

لعل إدارة ترامب إكتشفت مؤخراً سلبيات ممارستها العنف الشديد ضد تنظيم “القاعدة” بحيث لم يعد قادرا على شن هجمات عالمية ـ ولو تحت ملاحظة غربية .

فقد إغتالت إدارة أوباما زعيم القاعدة أسامة بن لادن لأهداف منها إفساح المجال أمام داعش لتقود العمل الجهادى “السنى!!”. ولكنها قضت عمليا على التنظيم الذى فقد القيادة والتمويل الذاتى وبدأ يتخبط ويذبل ، عاجزا عن الخروج من شرنقة العجز التى وقع فيها.

أما داعش فإنه تلقى ضربات قاصمة فى حروبه فى العراق والشام ، وبالذات بعد معركة الموصل بالعراق . وأيدلوجية التنظيم الوهابية إنحسرت بشدة فى بلاد العرب وخارجها ، فتضائل التجنيد إلى قريب من الصفر . وإعتمد التنظيم على مبدأ الإرتزاق وتجنيد المجرمين العاديين ـ وكان ليندثر، أو يخبو أكثر من القاعدة، لولا عمليات الإنعاش المالى من مشيخات النفط ، وإستخدامه كقوة إرتزاق “إنكشارية” فى صفوف الجيش التركى فى مسارح عملياته الخارجية.

     حاولت أمريكا إحداث صدمة كهربائية فى تنظيم القاعدة حتى يُظْهِر قوته المخفية. فأعلنت عن إغتيال أحد قياداته فى طهران . تبعتها بسلسلة تأليفات عن (تعاونه الإرهابى) مع إيران . ولكن لا حياة لمن تنادى ـ لقد مات التنظيم فلا يتحرك منه غير خيالات هنا وهناك . إلى أن يتداركه بومبيو بغرفة إنعاش مثل تلك التى وفرها لداعش.

– فى أمريكا وأوروبا ، العصابات المسلحة من كل صنف بدءاً بالمخدرات وصولا إلى الجريمة المنظمة أصبحت تقود أو تشارك فى السلطة الحاكمة. وهناك إحتياج شديد للتغطية على نشاطها وسيطرتها السياسية والمجتمعية بالترويج لأكذوبة “الإرهاب الإسلامى” . لهذا يستميتون من أجل إحياء أسطورة القاعدة وتقوية داعش التى تهاوت أيدلوجيا، ولم يعد يرفدها غير عصابات الإجرام العادى  من القتلة والنشالين.

إنحسار فكر داعش جعل التنظيم عاجزا عن تجنيد القوة البشرية التى تُغَطِّى تزايد الطلب على خدماته فى عدة ساحات ، فظهر عجزه فى المجالين الأوروبى والأمريكى . ولولا صحيفة “شارل إبدو” التى تستفز المسلمين حتى الموت، لوقعت فرنسا هى الأخرى فى ورطة غياب الإرهاب الإسلامى، لتظهر عندها السطوة الحقيقة (للإرهاب المحلي) كما ظهرت قوته فى أمريكا أو أشد.

– بومبيو يجهز نفسه كمرشح قادم للحزب الجمهورى لرئاسة الجمهورية . وقد وَثَّق علاقته مع “السيد” الإسرائيلى وقطيع أبقار الخليج . وداخليا هو جزء من التيار “الوطنى الإنعزالي” فى الولايات المتحدة .

لهذا كان بومبيو كوزير خارجية ـ ورئيس سابق للمخابرات ، أكثر عدوانية تجاه إيران بإغتيال رجلها الأقوى الجنرال سليمانى، وإغتيال عالمها النووى الأشهر فخرى زادة ، وترتيب عدة تفجيرات ضد أهداف هامة داخل إيران. أيضا فى محاولة لإستجلاب رد فعل “إرهابى” شيعى .

ثم إدعائه قتل أحد قيادات القاعدة فى إيران ، كتمهيد لإتهام إيران بدعم القاعدة ومشاركتها الإرهاب كما إتُهِمَت حركة طالبان من قبل . فى تلميح وتهديد بحرب ضد إيران أو على الأقل عدوان واسع عليها . فشلت سياسة بومبيو فى إيقاظ النشاط الخارجى للقاعدة ، وهى التى خسرت سوقها الجهادى فى بلاد العرب وأفريقيا لصالح منافسيها الدواعش .

غياب بن لادن ترك فراغاً هائلا تعانى منه الآن الإدارات الأمريكية ، جمهورية كانت أو ديموقراطية. فكلما قاموا بعمل ضد “الإرهاب الإسلامى” نتج عنه آثار جانبية لا تقل ضررا عن “المرض” الأصلي .

 

عالَم بايدن المدهش :

ما يعنى المسلمين هو خضوع إدارة الديموقراطين بقيادة بايدن لتوجهات البنوك اليهودية لغرض عولمة الكرة الأرضية . بحيث تضعف جميع الحكومات الوطنية، ويمحى أثر جميع الأيدلوجيات (ماعدا الصهيونية ) . وتُصادَر جميع ثروات الأرض لصالح البنوك الكبرى ، وتتفكك كيانات الدول الكبرى (خاصة روسيا والصين)، وترسيخ الإمبراطورية اليهودية الجديدة (الشرق الأوسط الجديد)، بحيث تُجَسِّد فى النهاية الإدارة السياسية الحاكمة للعالم، والتى تدير الدول كما تدير شركات الإنتاج ، وتدير إستخبارات وجيوش الدول كما تدير شركات المرتزقة.

 هذا يعنى إلغاء قضية فلسطين ـ وتهويد جزيرة العرب ـ وإستكمال إبادة شعب اليمن، والسيطرة المُحْكَمَة على المقدسات الإسلامية، وتغيير طبيعة أداء المناسك بتحويلها إلى نوع من السياحة الحديثة على النمط الغربى الذى يجعل الدعارة والمخدرات جزءاً من طبيعة العمل السياحى.

ثم إستمرار حرب أفغانستان بأشكال أخرى بحيث يكون الثابت هو السيطرة على تجارة الهيروين فى العالم . وضمان(حقوق) إسرائيل فى مياه الأنهار الإسلامية فى آسيا الوسطى (سيحون وجيحون) وأنهار الهلال الخصيب (دجلة والفرات).

كان التيار الوطنى المتعصب أشد إحتياجا “للإرهاب الإسلامى” على الساحة الأمريكية لجذب الأضواء بعيدا عن القوة المسلحة لذلك التيار والتى ظهر جزء ضئيل للغاية منها فى أحداث الكونجرس . فاضْطُرَّت دوائر الأمن الأمريكية منحه لقب “إرهاب محلي” لإخفاء صفاته الحقيقية فى التعصب العرقى والدينى .

وبقى الإسلام وحيدا فى محبسه مع صفة “الإرهاب الإسلامى” ، ولم يتكرم الأمريكيون عليه  بلقب مماثل لزميله الأمريكى فيطلقون عليه لقب (الإرهاب الأجنبى) مثلا.

 فالجريمة الحقيقة فى نظرهم ليست الإرهاب ، بل الإسلام نفسه كدين.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

من المسئول عن الهجوم على مبني الكونجرس الأمريكى ؟




قریبا .. فى ظلال تركيا : العمل الإسلامى العربى : " إنكشارية " .. و" طبل خانة "

فى ظلال تركيا : العمل الإسلامى العربى : ” إنكشارية ” .. و” طبل خانة “

فى ظلال تركيا :

العمل الإسلامى العربى : “إنكشارية” .. و”طبل خانة” .

اهم العناوين :

– أهم المشاريع اليهودية فى جزيرة العرب هى خطوط الطاقة ، مترافقة مع مشاريع السكة الحديد والطرق البرية السريعة، التى تربط حقول إستخراج الطاقة والمدن الرئيسية فى جزيرة العرب مع إسرائيل ، وتحديدا مع ميناء حيفا.

– الشركات التركية مرشحة لإمتلاك حصة الأغلبية فى ميناء حيفا الذى تريد الحكومة الإسرائيلية بيعه بمبلغ 590 مليون دولار.

– إسرائيل غول الطاقة العالمى : حقول الغاز .. وخطوط نقل الغاز .. حروب وحروب.

    [[ برنامج الشرق الأوسط الجديد، الذى وضعه شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل، وشرحه فى كتاب شهير، صار وكأنه [ كتاب مقدس ] تلتزم به الحكومات العربية والتيار الإسلامى ، بشقيه  “السلفى الجهادى” ، و(السياسى)، أى الإخوان المسلمين]] .

– أفغانستان : إحتلال إسرائيلى/ تركي مشترك –

 [[لم تعد فى أفغانستان قوة إحتلال عسكرى نشطة ويحسب حسابها سوى القوات التركية . فهى تقوم بمعظم المهام التى كانت منوطة بحلف الناتو ]].

– تركيا مع إسرائيل فى ولاية بدخشان، بمشاريع سطو مشتركة على مناجم الذهب والخامات النادرة ، ومشروع مائى قرب منابع نهر جيحون لسحب المياه إلى خارج أفغانستان مستقبلا .

– إسرائيل تضع إقليم بدخشان فى شبه حصار إستخبارى إقليمى .

–  تركيا تخطط لبقاء دائم فى أفغانستان/ بعد إنسحاب الناتو/ بمشاريع بنية تحتية ومشروعات إغاثية ، تغطى تواجد إستخباري مشترك مع الإسرائيليين حتى بعد عودة الإمارة الإسلامية إلى الحكم .

– لتأمين الدور التركى فى أفغانستان تجهز تركيا عناصرها الأخوانية فى كابول وإسطنبول .

– الأدوار السعودية والقطرية تدعم قادة إخوان كابول ، كما تدعمهم حاجة إسرائيل لدور الإخوان النابع من رؤية شيمون بيريز.

–  وحيدا مع الدب الروسى فى المصيدة : أذربيجان .. مصيدة التهور التركى .

– التدخل العسكرى يستدعى المزيد من التدخل ـ والنصرالأوَّلي يغرى بالإستمرار. وتحدث الإستفاقة فى منتصف الكارثة حين يصعب الإستمرار كما يصعب التراجع.

 

 

لم يكن  التطبيع العربى مع إسرائيل سوى إشهارا علنيا لعلاقة آثمة ، قديمة ومستمرة، قامت على خيانة الدين والوطن .

نعتمد ذلك التعريف إلى حين التوصل إلى تعريف آخر أكثر إيجازا .

موجة التطبيع الأخيرة كانت مرتبطة بإحتياجات إنتخابية لكل من ترامب فى أمريكا ونتنياهو فى إسرائيل . وهناك أيضا ضرورات عملية كانت فى الإنتظار.

بدأت الموجة الأولى بالإمارات والبحرين ، لأن الأوان قد آن لتطوير مشروع السيطرة اليهودية على جزيرة العرب/إقتصاديا وسياسيا وأمنيا وعسكريا/ وصولا إلى تغيير هويتها الدينية والثقافية والإجتماعية . وربط الكيانات السياسية فى جزيرة العرب بإسرائيل مباشرة مع إضعاف علاقاتها الثنائية، وإضافة المزيد من التفتيت لتلك الكيانات، وتغيير التركيبة السكانية لمعظمها بإضافة هجرات سكانية من خارج الجزيرة من غير المسلمين . واحتمال إعطاء “هدايا” من الأرض والثروة التجارية فى المنطقة لقوى كبيرة طمعاً فى كسب إسنادها للمشروع اليهودى فى الخليج والجزيرة ، ولإبعادها عن أى محور قد يعارض ذلك المشروع . وهناك ترشيحات للهند لتكون أحد تلك القوى الكبرى المؤيدة لجوهر المشروع اليهودى فى جزيرة العرب بشكل عام ، إضافة إلى تأييدها للمشروع الإسرائيلى فى أفغانستان .

والترشيح القائم للهند ممكن أن يُلْغَى حسب تطورات أفغانية .. وليست عربية .

 

 

إسرائيل .. غول الطاقة العالمى :

أهم المشاريع اليهودية فى جزيرة العرب هو مشروع خطوط الطاقة (غاز ونفط) مترافقا مع مشاريع السكة الحديد والطرق البرية السريعة، التى تربط حقول إستخراج الطاقة والمدن الرئيسية فى الخليج والجزيرة مع إسرائيل ، وتحديدا مع ميناء مدينة حيفا، التى فى طريقها لتكون العاصمة الإقتصادية والتجارية والثقافية، ونافذة لمشيخات الخليج على أوروبا ، وأهم موانئ التصدير والإستيراد لعرب النفط .

يترتب على ذلك تهميش كبير لدور مضيق هرمز كممر أساسى لتصدير النفط (40% من إحتياجات العالم) وأيضا ستقل كثيرا حركة السفن التجارية المارة فى الخليج الفارسى .

وبالتالى سيكون العالم أقل حساسية لأى إشتباكات عسكرية حول هرمز . فتنطلق يد إسرائيل وحلفائها الأمريكيين والعرب، فى تصعيد التوترات العسكرية مع إيران فوق مياه الخليج .

– تحويل حيفا إلى أهم مركز عالمى لتسويق الطاقة، هو عنصر مؤثر بشكل مباشر فى أمن مضيق هرمز ـ وإيران تحديداً. وتهديدا لا يستهان به لإقتصاد روسيا ومكانتها الجيوسياسية.

ساعتها قد تجد الصين نفسها مرغمة على التواجد المباشر فى المحيط الهندى ومياه الخليج دفاعا عن وارداتها من نفط إيران ، وإلا فإنها ستخضع للولايات المتحدة كمُوَرِّد أساسي لإحتياجاتها من النفط فتصبح فى القرن الحادى والعشرين تابعا للولايات المتحدة بسبب إحتياجها للطاقة ، كما كانت تابعة لبريطانيا فى القرن التاسع عشر لإحتياجها إلى الأفيون. بالمثل قد تجد روسيا من الضرورى أن تتواجد على مقربة من ميناء تشبهار فى إيران دفاعا عن مصالح تجارية كبرى مع الهند وشرق أسيا وأفريقيا.

 

 

حيفا عاصمة جزيرة العرب :

{{ الشركات التركية مرشحة لإمتلاك حصة الأغلبية فى ميناء حيفا الذى تريد الحكومة الإسرائيلية بيعه بمبلغ 590 مليون دولار .

وذكرت وكالة أنباء بلومبرج أن تكتلا صناعيا تركيا ـ يضم شركة أمريكية ـ سيقدم عطاءات لشراء “ميناء حيفا” أكبر ميناء بحرى فى إسرائيل ـ وذلك بعد أن ثارت مخاوف أمريكية بشأن النفوذ الصينى والتداعيات الأمنية التى ينطوى عليها بيع ذلك الميناء للصين .

إذن تركيا فى الطريق لقبض رشوة ضخمة لقاء ليونة فى موقفها إزاء تغول إسرائيل على غاز شرق المتوسط . والتماشى بسلاسة مع البرنامج الإسرائيلى الشامل .

كما تلوح إسرائيل ـ ليس فقط برشوة تركيا بإشراكها فى كنوزعائدات ميناء حيفا ـ بل تلوح أيضا بإمكانية رشوة الصين . ربما لتهدئتها إزاء الهجمة الإسرائيلية على الخليج الفارسى ، بتقليص أو منع مرور إمدادات الطاقة منه ، بما يهدد أمن الطاقة للصين التى تشترى 30% من صادرات إيران النفطية }} .

– من المتوقع ألا تصمد روسيا كثيرا أمام إغراءات الغاز الإسرائيلى لأوروبا، على حساب الغاز الروسى . سيصبح وقتها توجيه الغاز الروسى صوب الصين تصحيحا لخطأ الإستراتيجية الروسية فى التهالك على أسواق غرب أوروبا خاصة ألمانيا. فيكون توجيه الغاز الروسى إلى الصين دعما لكتلة إقتصادية وسياسية وعسكرية بين الدولتين لمواجهة ضغط أمريكى أوروبى لإضعاف الدولتين تمهيدا لتفكيكهما، كآخر العقبات التى تعوق سيطرة الغرب المطلقة على العالم.

     يضاعف من أهمية حيفا فى سوق الغاز الطبيعى حقيقة أن غاز قطر الواصل إليها يعتبر الأعظم حجماً فى العالم بعد الغاز الروسى . إضافة إلى أن إسرائيل إبتلعت حتى الآن معظم مكامن الغاز الطبيعى تحت مياه شرق المتوسط . فأخذت غاز مصر بالكامل تقريبا ، إضافة إلى جميع نفط وغاز سيناء . وتغتصب من نصيب قبرص واليونان لقاء حمايتهم ودعمهم سياسيا، وإستجلاب الدعم الأروبى والأمريكى لهما لمواجهة الغول التركى الذى يرعبهما . وتسعى إسرائيل إلى إبتلاع معظم غاز لبنان بعد ترسيم الحدود البحرية لصالحها ، وتحجيم حزب الله أو إزاحته نهائيا إن أمكن.

 

 

مزاحمة بين الحلفاء :

هناك مزاحمة بين إسرائيل وتركيا فى شرق المتوسط . ويقاتل أردوغان ببسالة من أجل مركز متميز ـ ولو قليلا ـ فى غنائم غاز المتوسط . فتوترت أجواء علاقاته مع اليونان وقبرص ـ ولكنه يتجنب الإحتكاك بإسرائيل نظراً لترابط المشروعين”الحضاريين” التركى والإسرائيلى ، على نطاق جغرافى واسع جداً فى الشرق الأوسط وفى الجوار الإسلامى التالى له، والعمق الإسلامى البعيد فى آسيا .

– روسيا هى المتضرر الأول من صعود إسرائيل إلى مرتبة المُصَدِّر الأول للغاز فى العالم ، فذلك يهدد سوق الغاز الروسى فى أوروبا وبالتالى يهدد إقتصاد روسيا ومكانتها الجيوسياسية .

ويضع روسيا تحت إمكانية الضغط الإسرائيلى، وحتى إملاءاتها السياسية والإستراتيجية. تركيا فى صراعها على غاز المتوسط يجعلها تهديدا متصاعدا لروسيا . خاصة وأن تركيا وسعت صراعها من أجل الغاز ضد روسيا ليمتد من سوريا حتى ليبيا .

روسيا بدورها شعرت بخطر التقلبات القادمة فى سوق الغاز، والصراع على السوق الأوروبى بينها وبين إسرائيل التى تزحف بقوة نحو صدارة سوق الطاقة عالميا . ثم صراع مع تركيا التى تسعى لأن تحجز لنفسها مكانا طموحا فى غاز شرق المتوسط .

 

 

حقول الغاز .. وخطوط نقل الغاز .. حروب وحروب:

خطوط نقل الغاز أيضا تمثل موضوعاً للصراع والحروب . ظهر ذلك جليا فى حرب سوريا التى إجتذبت أقطاب صراع الغاز: من إسرائيل إلى تركيا وقطر وروسيا. ثم إيران وحزب الله، وإن كان صراعهما فى سوريا يستهدف أساسا فتح طرق الإتصال البرية بين طهران ودمشق وبيروت. لكن حزب الله يجد نفسه معنيا بالدفاع عن حقوق لبنان فى حقول الغاز الموجودة فى المياه الإقليمية.

     من قَدَرْ سوريا ، وقوعها على الحافة الشمالية الشرقية لإمبراطورية “الشرق الأوسط اليهودى” الجديد . لتمثل بموقفها السياسى المعاند حاجزا جغرافيا بين إسرائيل وتركيا، أى عقبة أمام الإتصال البرى بين الإمبراطورية الإسرائيلية وأوروبا .

الموقع السورى يعترض أيضا مشروع “خط أنابيب السلام” الذى كان من المفترض أن ينقل مياه دجلة والفرات من خلف السدود التركية إلى إسرائيل ومنها الى السعودية والمشيخات .

النظام السورى لم يتمتع بالمرونة التى تمتعت بها أنظمة الشرق العربى إزاء متطلبات الإمبراطورية اليهودية الجديدة . فكان لابد من الحرب التى خاضها “المجاهدون” المحليون والدوليون تحت شعار{ إقامة دولة لأهل السنة والجماعة !! }. وكأن الوظيفة الدينية لأهل السنة والجماعة هى خدمة الأهداف الصهيونية، وإزالة أى عقبة تعترض قيام إمبراطورية يهودية عابرة للقارات مركزها العالم العربى .

    سوريا هى العقبة الأخيرة أمام مشاريع نقل المياه والطاقة والإتصال البرى مع أوروبا ، والمقررة فى البرنامج اليهودى للمنطقة . وفى المغرب العربى عقبة أخيرة متبقية، وهى الجزائر الثابتة على موقف معاند مشابه للموقف السورى. فإنتزعت أمريكا منها إقليم الصحراء ومنحته للمغرب فى خطوة لتفتيت مقاومة الصخرة الجزائرية ، ليصبح طريق المغرب العربى كله سالكاً من طنجة إلى تل أبيب ، بلا أى عوائق سياسية.

    بصمات الصراع على الغاز والنفط واضحة فى الحرب الليبية ، حيث أهم أقطابها، أى تركيا وروسيا وإسرائيل وأوروبا ، يَظهَرون إما مباشرة أو بواسطة أدواتهم : الإمارات وقطر والسعودية ومصر. إنهم ـ ما عدا مصر ـ نفس الأطراف المتصارعة فى الحرب السورية، مع تبديلات مدهشة فى المواقع الروسية والتركية . فروسيا فى ليبيا تقف فى صف من تحاربهم فى سوريا “مشيخات النفط” ، وضد “الحكومة الشرعية” فى بنغازى . أما تركيا فعلى عكس موقفها فى سوريا، نراها تقف فى صف الحكومة الشرعية فى بنغازى وفى مواجهة مشيخات النفط ، لأن البوصلة السياسية تتجه دوما صوب المصالح، وليس صوب الشرعية أو الأيدلوجية.

فى ليبيا تقف روسيا فى صف”الرجعية العربية”ضد تركيا . وفى سوريا تقف روسيا ضد تركيا المتحالفة مع”الرجعية العربية”. أما إسرائيل فمتواجدة فى ليبيا على كلا الجانبين . فهى تشعل جميع الحروب وتكون الفائز الوحيد فيها بعد أن يخسر أصحاب الحروب كل شئ .

 

 

مواجهة روسيا “وظيفة” تركية :

تركيا منذ إلتحاقها بالمعسكر الغربى بعد سقوط إمبراطوريتها، رأت أن قيمتها الجيوسياسية يحددها الغرب، بمواجهتها للإتحاد السوفيتى سابقا وروسيا الإتحادية حاليا .

فى صراع تركيا لحيازة نصيب جيد من غاز شرق المتوسط ، تجابه السطوة الإسرائيلية ولكن بشكل غير مباشر عبر الصراع مع حلفاء إسرائيل فى اليونان وقبرص ومصر و”ليبيا حفتر”.

 لأن التنافس التركى الإسرائيلى بخصوص غاز المتوسط يجرى تحت إشراف إدارة سياسية يقظة فى كل من تركيا وإسرائيل. فمهما يكن فلن تبلغ تركيا مكانة فى سوق الغاز تقترب من المكانة الإسرائيلية . ثم إن برنامج التعاون بين الدولتين واسع جدا ويشمل رؤية بعيدة المدى لدور كل منهما، وإن كان الصدام وارد على المدى البعيد . وقلق إسرائيل وأوروبا نابع من الدور المُتَلَوِّن للتركى المغامر. وأول الوسائل لتحجيمه هى إستبدال نظام العلمانية المتأسلمة الذى يمثله أردوغان ، بنظام عسكرى غبى وباطش على النمط المصرى أو السودانى أو”الشرق ليبى”.

على أى حال ظل التركى يلعب أوراقه بذكاء إلى جانب خشونته الإستعراضية ، متمتعا بدعم إسرائيلى كبير فى سوريا ، وبدعم من حلف الناتو فى ليبيا، لأنه يواجة روسيا هناك بالسلاح كما يفعل فى سوريا.

 

 

فى ظلال تركيا : العمل الإسلامى العربى “إنكشارية” و”طبل خانة” .

 الغاية الأولى لإستراتيجية الغرب إزاء تركيا هى إستخدامها كرأس رمح ضد روسيا. والهدف الثانى هو الإستفادة من دورها القائد لتيار إسلامى رئيسى فى العالم الإسلامى، ذو جوهر متصالح و قابل للتعايش مع المشروع الإسرائيلى فى المنطقتين العربية والإسلامية. ويغتصب ذلك التيار شعار”أهل السنة والجماعة” أثناء تطبيقه لبرنامج الشرق الأوسط الجديد، الذى وضعه شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل، وشرحه فى كتاب شهير صار وكأنه [كتاب مقدس] تلتزم به الحكومات العربية والتيار الإسلامى ، بشقيه : “السلفى الجهادى” ، و(السياسى)، أى الإخوان المسلمين .

إستضافت تركيا جموع الفريقين، الجهادى والإخوانى ، بعد فشلهم فى مصر ثم فى سوريا. فأصبحت يدها طليقة فى إستخدامهم كيفما شاءت. الجهاديون تحولوا إلى قوة إرتزاق تعمل ضمن الجيش التركى فى نظام أقرب إلى نظام قوات الإنكشارية الذى كان مُطَبَّقاً فى الجيش العثمانى. وهو نظام شبه مملوكى قائم على أطفال المستعمرات، وتربيتهم بصرامة، عسكرية ودينية . أما الإخوان المسلمون فقد طبقت تركيا عليهم نظاما كان معمولا به فى الجيش العثمانى والجيوش القديمة فى تشكيلات غير قتالية ملحقة بالجيش، تعمل فى القطاع المعنوى أثناء القتال أوالإحتفالات الرسمية وقت السلم . تلك هى فرق (الطّبْل خانة) والتى تستخدم آلات الموسيقى العسكرية من طبول وأبواق وأدوات نحاسية ، وتسير مع الجيوش لإثارة حماسها بممارسة الطبل والزمر بدون أن تنخرط فى القتال . وفى السلم تمشى فرق “الطبل خانة” بآلاتهم وملابسهم المزركشة يعزفون فى موكب السلطان، لجذب الناس وإكتساب إعجابهم  وهتافهم .

 

 

فى أفغانستان : إحتلال إسرائيلى تركى مشترك .

لا تَخْفَى غِيرَة أوروبا الغربية ودول حلف الناتو من تصاعد الدور الجيوسياسى لتركيا. فتركيا منفردة تكاد تكفى عن جميع حلف الناتو فى أهم مسارح الصراع ، خاصة فى المنطقة العربية والخليج . وفى أفغانستان تجلت مقدرة تركيا التى تقوم بمعظم مهام حلف الناتو ثم راحت مع إسرائيل تضعان قوانين جديدة للحرب بعد فرار الجيش الأمريكى وتهاوى نظرية الحرب الهجينة أو حرب الجيل الرابع . فكانت الشراكة وثيقة بينهما فى الميدان الأفغانى، فالجيش التركى الآن هو أكبر قوة إحتلال نظامية متبقية من حلف الناتو. بينما الأمريكان يراقبون الحرب من بعيد ـ حسب قول وزير خارجيتهم ـ ويشنون غارات جوية من وقت إلى آخر لدعم الجيش الأفغانى معنويا بقتل المزيد من المدنيين .

والبريطانيون (أقل من 5000 جندى) متفرغون لسرقة المواد خام وعلى رأسها اليورانيوم من ولاية هلمند . وأوروبا الشرقية بعثت حثالات قليلة من الجنود الذين كل نصيبهم من الجندية هو الملابس الأمريكية المعقدة .

 – تدير إسرائيل الجانب القتالى فى أفغانستان بواسطة (جيش سرى إستخبارى). وأهم جنودها هم المرتزقة الدوليون والطائرات بدون طيار (الدرون). وهناك فِرَق الموت التى شكلتها CIA من العناصر المحلية وتديرها عناصر أمريكية وخبراء إسرائيليين، جميعهم ذوى خبرة فى قتل المدنيين، وفى تقويض الثورات والإنتفاضات الشعبية، من فلسطين إلى أمريكا اللاتينية، مرورا بمآسى”الربيع” العربى.

– ويقاتل الأتراك فى أفغانستان بجنودهم مباشرة، بحرص وبدون الإعلان عن خسائرهم إلا نادراً . ويعتمدون أكثر على الدواعش المستجليين من الشرق اللأوسط ، خاصة ذوى الأصول التركية من الصين ودول آسيا الوسطى . فمناطق الجيش التركى فى أفغانستان هى مناطق للدواعش المستندين على الدعم التركى العسكرى واللوجستى.

وبينما تتمدد تركيا على الكثير من الساحة الأفغانية ، تركز إسرائيل على العاصمة والقواعد العسكرية الأساسية وعلى الشريط الشمالى من أفغانستان. وهو مشروع إنفصالى تتعاون فيه تركيا وإسرائيل .

– هذا إلى جانب إلى عملهما المشترك فى إقليم بدخشان المجاور للصين وطاجيكستان  والهند وباكستان. إقليم يثير المُخَيِّلَة الإسرائيلية نظرا لإمكاناته المعدنية والمائية والجيوستراتيجية. كونه يجاور إثنين من أكبر قوى آسيا البشرية والإقتصادية، وهما الصين والهند الجاران اللدودان ، كما يجاور باكستان عدو الهند التقليدى . ذلك الخليط المتفجر من العلاقات والكتل البشرية المتناقضة يثير المخيلة الإسرائيلية ويفتح أمامها مشاريع إفساد وتوسع إقتصادى وسياسى بلا حدود ، مع فرص أوسع لإثارة حروب كبرى عظيمة الربح فى منطقة مزدحمة بالتناقضات من كل صنف .

–  وجود إسرائيل فى بدخشان إلى جانب منابع نهر جيحون ، وغير بعيد عن شقيقه نهر سيحون ، ينعش المشروع خط “أنابيب السلام” القديم بين إسرائيل وتركيا لنقل مياه هذين النهرين إلى إسرائيل ، ومعهما مياه دجلة والفرات المختزنة خلف السدود التركية . وهو مشروع قديم وطموح بات معقولاً وممكناً. ومع أنابيب السلام للمياه هناك أنبوب “سلام” آخر لنفط وغاز جمهوريات آسيا الوسطى ، وربما كنوز أفغانستان من النفط والغاز المطمورة عمدا لأسباب جيوسياسية تتعلق بتحجيم دورأفغانستان والتقليل من شأنها.

– وهناك فى بدخشان سد مائى بنته تركيا بتمويل ألمانى ـ هبة مالية غير قابلة للرد ـ ويعتقد أن لهذا السد علاقة بمشروعات إسرائيل لسرقة مياه نهر جيحون ، خاصة وأن هناك مشروع زراعى مرتبط به وتُرَتِّب له تركيا مع جهات نافذة فى حكومة كابل . ويُعْتَقَد أن هذا “المشروع الزراعى” مجرد غطاء أو تمهيد لسحب مياه جيحون إلى خارج أفغانستان فى مرحلة تالية بواسطة خط أنابيب قد يتجه جنوبا (إلى باكستان) أو شمالا (صوب أذربيجان) حسب تطورات الحروب الدائرة فى المنطقة، خاصة حروب أفغانستان وأذربيجان وأرمينيا.

– هناك مشاريع تركية عرقلتها الحرب لنهب الذهب من ولاية بدخشان بالإشتراك مع شخصيات نافذة فى حكومة كابل . وهو ثانى أكبر مخزون للذهب فى أفغانستان. وأيضاً مشاريع لنهب مناجم الخامات الأكثر ندرة فى العالم . ونظرا لتواجد تركيا وإسرائيل فى بدخشان فمن الطبيعى أن يكون الطرفان متداخلان فى عملية السطو الكبرى للذهب والمعادن النادرة هناك.

– ولإسرائيل قواعد إستخبارية تحيط بدخشان من جانب الحدود الباكستانية ، وربما من جانب حدود طاجيكستان المجاورة . فلا ينقصها حتى يكتمل ذلك الطوق إلا أن تتواجد أيضا على الجانب الهندى المجاور ذو الطبيعة الثلجية القاسية ، والجانب الصينى ذو الطبيعة السياسية الأشد صعوبة. إنها إحتمالات عسيرة التحقيق ، ولكن لأجل الكنوز الأفغانية فإن إسرائيل قد تعمل حتى على إشعال حرب نووية.

– تركيا تخطط لبقاء دائم فى أفغانستان بعد إنسحاب حلف الناتو. وذلك بدخول شركاتها من الآن فى مشروعات البنية التحتية . ثم عبر هيئاتها الإستخبارية ذات الغطاء الإغاثى فى شبكة واسعة من المشروعات الصغيرة التى تتيح لها تمددا جغرافيا واسعا وتمازجا أكبر مع السكان. وتتقاسم تلك المزايا مع المخابرات الإسرائيلية، لضمان إستمرارية عملهما المشترك على أوسع نطاق جغرافى داخل افغانستان بعد تحريرها وعودة إمارتها الإسلامية إلى الحكم .

– ورغم أن ثقل المشاريع الإسرائيلية والتركية يتركز فى الشمال والشمال الشرقى من أفغانستان ، ويعتمدان على فكرة إنفصال ذلك الإقليم ، إلا أنهما يعملان لإيجاد نظام فى كابول يكون متعاونا ولا يعرقل مشاريعهما، ثم يرتبط معهما ، طبقا لخطة إسرائيلة طموحة ، لوراثة الدورالأمريكى العملاق والفوز بدور مهيمن على أفيون أفغانستان، وتصنيع وتصدير الهيروين دوليا.

وهو مشروع تَقَدَّم بالفعل عدة خطوات من غير ثقة كاملة فى مستقبله. وللإمارات فيه دور متواضع ، وإن كان مجهودها يصب فى النهاية فى المستودع الإسرائيلى بعد أن وضعت إسرائيل يدها على إقتصاد الإمارات ونظامها البنكى والمصرفى ، وبالتالى سيطرت على صناعة غسيل الأموال التى هى العماد الأساسى لإزدهار الإمارات ما قبل “التطبيع” .

 – ولتأمين دورها الدائم فى أفغانستان تعمل تركيا على حشر بقايا الإخوان المسلمين الأفغان فى أى نظام أفغانى قائم الآن أو قادم فى المستقبل . وهى تجهز عناصرها الإخوانية بكل نشاط، من كابل إلى إسطنبول.

ولعل السعودية أدركت مدى خسارتها بتفريطها فى ورقة الإخوان الذين إلتقطتهم تركيا . وتحاول أن تعيد الحياة لوجودها المتقزم فى أفغانستان ، بتنشيط علاقتها مع القادة الإخوان فى كابل الذين كانوا طوع أمرها فى حقبة الحرب ضد السوفييت، بل وشكلت لأجلهم حكومة دخلوا بها كابل بعد “الفتح”. ودور قطر المُتَعَمْلِق فى أفغانستان يصب فى مصلحة الإخوان. وأيضا المصالحة السعودية القطرية ستزيد من مكاسب إخوان أفغانستان ، ويضاف إليهم ، بل وقبلهم جميعا، حاجة إسرائيل إلى ذلك الدور الإخوانى النابع من رؤية شيمون بيريز.

 

 

تحالف قائم على الخيانة :

ويبدو أن الشريكين اليهودى والتركى سيقتل أحدهما الآخر عند مرحلة معينة من تطور المؤامرة الكبرى . وقَتْلْ الشريك التركى يتمثل أساسا فى إستبدال “العلمانية المتأسلمة” لأردوغان بأخرى فاشية عسكرية على الطراز التركى الإنقلابى .

وهو إنقلاب يتشكل الآن بشكل طبيعى وثابت، من باطن التوسع العسكرى التركى الذى يغلب عليه الغرور الإستعراضى لأردوغان ، وإفراطه فى إستخدام الجيش خارج الحدود التركية فى مجازفات غير محسوبة بدقة رغم ما بها من إغراء وطموح . ذلك الإستخدام المستهتر للجيش جعل الجيش فى حالة عداء مكتوم مع القيادة السياسية التى يسانها جهاز المخابرات . وهى صورة تركية مستنسخة من أصل الأزمة فى أمريكا بين الجيش والمخابرات، والتى تجلت بشكل مأساوى فى أفغانستان وكانت من أسباب الكارثة الأمريكية هناك.

–  فى سوريا إكتسب التركى أراضى جديدة فى الشمال. ومن بقايا”مجاهديها” أسس ميليشيا رديفة لجيشه ، أو”إنكشارية”حديثة ، يستخدمها فى ميادين عديدة.

وفى ليبيا فرض نفسه بقوة فى الميدان الليبى لتقاسم غنائم الطاقة فى البر والبحر.

 فى أفغانستان يرتع التركى حاليا فى مكاسب ضخمة إضافية فى ظل المشروع الإسرائيلى الذى ورث معظم الدور الأمريكى ـ أو يكاد . فالطائرات العسكرية الأمريكية التى كانت تُقلِع بالهيروين من قاعدة بجرام الجوية إلى أرجاء العالم الواسعة . تطير محلها الآن ، أو بالتوازى معها ، طائرات تركية (إسرائيلية) من مطار كابول ومزار شريف وغيرهما (وهى مطارات تديرها الإمارات) فى الطريق إلى تركيا (وإسرائيل).

 –  تراهن تركيا العلمانية على خداع الأفغان بوجهها الإسلامى المستعار . ولكن دورها كأكبر قوة عسكرية محتلة لأفغانستان على وشك الإفتضاح ، فتتبدل قواعد اللعبة. وشِباك التمويه التركى بمشروعات “إنسانية” لن تجدى، لأن الشعب الأفغانى تَعَلَّم بما يكفى ، وعرف أنه لا إنسانية مع الإحتلال. وكل قوات دخلت أفغانستان تحت راية الحرب الصليبية التى أعلنها جورج بوش هى قوات صليبية ، مهما أدعت أن لها ديانة أخرى، أو إدعت الإسلام كما تدعيه حكومة كابل .

 

 

الإحتلال التركى فى أفغانستان :

المكانة المميزة لتركيا داخل حلف الناتو يجعل موقفها هام جدا لإنهاء حرب أفغانستان . نتيجة للتطورات داخل أفغانستان ــ بإنتصار واضح للإمارة الإسلامية ومجاهديها من حركة طالبان ــ وتطورات أخرى داخل حلف الناتو الذى صار أكثر ضعفاً وتفككا من أى وقت مضى ، لدرجة أن قال الرئيس الفرنسى أن الحلف “ميت سريريا” . ذلك الميت يجد نفسه وحيدا فى أفغانستان بعد فرار القوات الأمريكية التى أشعلت الحرب واستدعته إليها بدون إستشارة أو مصلحة لدول الحلف . وتقول مصادر الناتو أن الحلف سوف يقرر فى شهر فبراير2021 ما إذا كان سيستمر فى مهمته فى أفغانستان (فى تقديم المشورة والمساعدة!!) أم سينسحب من هناك. ويعتبر ذلك تراجعاً كبيرا عن تصريحات سابقة للحلف بأنه ينوى البقاء فى البلاد إلى أن تسمح الظروف الميدانية للقوات الأمنية المحلية بالحفاظ على الإستقرار، بمعنى أن الحلف سيبقى إلى حين القضاء على جهاد شعب أفغانستان وإستقرار النظام العميل فيها بشكل نهائى .

من الواضح أن دول الناتو تنوى الرحيل ، بل أن نشاطها العسكرى حاليا متدنى للغاية ولا قيمة له . ولم تعد هناك قوة إحتلال عسكرى نشطة ويحسب حسابها سوى القوات التركية . فهى تقوم بمعظم المهام التى كانت منوطة بحلف الناتو فى أفغانستان ، من تدريب ومشورة عسكرية ومساعدة قتالية بالقوات التركية أو بقوات”إنكشارية” حرب سوريا من جهاديين ودواعش.

 يكفى عقدين من الزمان شارك فيها الجيش التركى فى مناصرة أمريكا وحلف الناتو فى حربهم على شعب أفغانستان وعلى الإسلام فى هذا البلد بقوة مقدارها عشرة آلاف جندى تركى.

–  فإذا قررت تركيا سحب جيشها الآن فذلك يقدم خدمة جليلة للشعبين الأفغانى والتركى ، ويحفظ جسور المودة فى المستقبل، بعد أن يعتذر النظام التركى ويقدم التعويضات المناسبة عما أحدثه من تخريب. ولإثبات حسن النية ينبغى أن تكشف تركيا عن أسرار مشروعها المشترك مع إسرائيل لتقسيم أفغانستان، وأن تتخلى عن القادة الإنفصاليين الأفغان المقيمين فى تركيا.

وأن تقطع علاقاتها بجواسيس الناتو وإسرائيل من بقايا أحزاب الإخوان المسلمين الأفغان والذين يتخذون من تركيا قاعدة لوجستية لعملهم فى أفغانستان ، وأن توقف فورا برامج التدريب العسكرى والإستخبارى لعملاء الإحتلال (من الرجال والنساء) فى كل من تركيا وأفغانستان .

 

 

آذربيجان .. مصيدة التهور التركى :

فى آذربيجان يتحد المشروعان الإسرائيلى والتركى . فكلاهما يحتاج إلى ممر يصل تركيا مع آذربيجان وتركمانستان وصولا إلى شمال أفغانسان وشمالها الشرقى عند حدود الصين والهند وباكستان وطاجيكستان .

آذربجان قاعدة كبرى للمخابرات الإسرائيلية . وأكثر من60% من أسلحة تلك الدولة مصدرها إسرائيل . وهى قاعدة عسكرية إستخبارية لإسرائيل تستخدمها بنشاط ضد إيران وروسيا.

ومجموعة خطوط الأنابيب التى يجتمع عليها المشروعان الإسرائيلى والتركى وهى: (نفط + غاز+ ماء )، تعترضها عقبتان : الأولى ضرورة إقتطاع آذربيجان لقطعة من أرض أرمنيا للعبور منها إلى تركيا بدون المرور بدولة ثالثة . وفى ذلك تغيير للخرائط يصعب حدوثة فى بلد تحيط به قوى مناوئة لمشاريع التقسيم والتجزئة والحروب الإثنية والدينية والمذهبية .

والمشكلة الثانية هى تمديد مجموعة الأنابيب عبر بحر قزوين المُغْلَق ، الذى تتشارك فيه خمس دول ، ولا يسمح القانون الدولى بعبور تلك الأنابيب منه ، بدون إجماع الدول المطلة عليه ـ ومنها روسيا وإيران ـ بما يجعل الإتفاق مستحيلا .

 

 

وحيدا مع الدب الروسى .. فى المصيدة .

روسيا تعتبر نفسها حامية لأراضى أرمنيا فى مواجهة عسكر تركيا المنتشون بقوتهم .

لهذا إذا أفلت منها الوضع فى أرمينيا وإستطاعت تركيا قضم تلك القطعة من الأرض الأرمينية الواصلة بين آذربيجان وتركيا ، فإن البلطجة والنفوذ الأمريكى الدولى كفيلان بتطويع قانون بحر قزوين بحيث تمر منه كافة أنواع الأنابيب التى تطلبها إسرائيل، سواء أنابيب مياه أو طاقة.. أو مخدرات .

تستغرق تركيا فى أحلام إمبراطورية تتجاوز قدراتها، وتتجاوز معطيات الواقع الذى تتحرك فيه عسكريا بنزق يحاكى تفاهة مسلسلاتها الشعبية التاريخية.

فنشرت قواتها فى ساحات بعيدة عن قواعدها، فوق ما تتحمله قدرة هذه القوات. وفتحت جبهات بطريقة مسرحية . وإغلاق تلك الجبهات سيكون مأساويا، والخروج منها لن يكون بسهولة الدخول . وتلك قاعدة فى جميع تلك الميادين ، من ليبيا إلى سوريا إلى أفغانستان وآذربيجان.

– إستفاد الأتراك من بعض دروس الحرب الأمريكية فى أفغانستان خلال 20سنة الأخيرة. ومن أبرزها الإعتماد على المرتزقة، متمثلين فى قوات الإنكشارية من الدواعش والجهاديين من سوريا، ومن الإخوان المسلمين فى طورهم النهائى كطلائع”طبل خانة” إسلامية للمشروع الصهيونى فى الشرق الأوسط الكبير، فيستبدلون الجهاد لتحرير فلسطين بإثارة الفتن والحروب المذهبية والعرقية بين المسلمين أنفسهم .

تعَجَل أردوغان كثيرا بإعلان الإنتصار وإنجاز مهماته العسكرية، كما فعل جورج بوش بالإعلان عن إنجاز مهمة إحتلال العراق من فوق ظهر حاملة طائرات. واكتشف بوش ـ ومن تلاه، أنهم دخلوا مصائد يصعب الخروج منها . سواء فى أفغانستان أوالعراق أوسوريا واليمن وليبيا.

إكتسب أردوغان ثقة زائدة كونه وكيل (أوشريك) عن الإمبراطورية اليهودية الجديدة فى العالم العربى . فتَوَلَّى دور حصان طروادة وأدخل إسرائيل ميادين يصعب أن تقاتل فيها منفردة بدون تركيا، خاصة فى أفغانستان وسوريا وآذربيجان.

    فى آذربيجان هنأ أردوغان نفسه بإنجاز المهمة على طريقة جورج بوش . وهنأ المسلمين بالفتح المبين، متوسلا بتحرير مسجد صغير مهجور فى إقليم”قرة باغ” . لم يكن هو المسجد الحرام  أو المسجد النبوى ولا المسجد الأقصى ـ بل مسجدا كان مهجوراً وممتهنا .{ وأى مساجدنا غير ممتهن بعد ضياع المساجد الثلاث التى يُشَد إليها الرحال؟؟ ، والتى شُيِّدَت مراتع الفجور على مرمى حجر منها، وزاحمتها مرافق الدعارة التى تديرها إسرائيل والسعودية؟؟ }.

–  هنأ بوش نفسه بإنتصاره السريع والسهل فى أفغانستان، الذى قدمه له على طبق من ذهب تحالف الشمال الأفغانى الذى كان الإخوان المسلمون حلفاء تركيا ضمن قادته الكبار، والذين تُنَسِّق معهم حاليا مشاريعها داخل أفغانستان .

 أحدهم “حكمتيار”، يديرالآن”دواعش شمشتو” لصالح الإحتلال ، والآخرـ كبيرهم “سياف”ـ يفتى ضد الجهاد والمجاهدين لصالح الإحتلال ويقدم نصائحة ومشوراته للمحتلين .

– فى آذربيجان  إكتشف أردوغان أن جيشه مهدد بالوقوع فى مصيدة حرب عصابات لن تلبث طويلا حتى تصبح محرقة لم يشهد مثلها الأتراك قبلا. وجميع شروطها فى مصلحة عدوهم الذى تساعده الطبوغرافيا المحلية ، والجغرافيا السياسية للمنطقة، مع الثقة المتدنية التى يحظى بها أردوغان شخصيا .

    إلهام علييف .. الرئيس الآذرى، أدرك المصيبة القادمة بعد أن بدت علاماتها المبكرة. فأسرع إلى إيران ليزيل أى سوء تفاهم ويوطد العلاقات التى إهتزت نتيجة عنتريات أردوغان وتلويحة بواسطة أبيات شعرية قديمة بتقسيم إيران وفصل الجزء الآذرى من أراضيها.

ليست إيران مصدر الخطر، فهى التى تصرخ خشية من الإنكشارية التكفيرية التى جلبها أردوغان ضمن عساكر جيشه العلمانى .

نيابة عن تركيا يهدئ الرئيس علييف من روع إيران ـ وذلك ممكن ـ ولكن كيف يهدئ مخاوف الجار الروسى الذى تشتبك تركيا معه فى سوريا وليبيا ، ثم الآن آذربيجان، فى معركة غاز تمس أمن وإستقرار روسيا . تلعب روسيا الآن دور الوسيط فى قرة باغ ، وتحمى حدود أرمينا من أى تعديل بالقوة قد تفرضه القوات التركية . ولكن هل يبقى الدور الروسى محايدا إذا إندلعت حرب عصابات أرمينية ضد التواجد التركى؟؟.

قد يقع أردوغان ضحية سهلة فى براثن الدب الروسى داخل منطقة نفوذه التاريخى . وقتها لن يحمى أردوغان كونه  مجرد حصان طروادة لإسرائيل، وسيجد نفسه منفردا وبعيدا عن قواعده داخل قفص قوقازى محكم ، ومعه صديقه التاريخى ـ الدب الروسى!!.

قد تتحول قرة باغ إلى محرقة حرب عصابات تجبر الجيش التركى على الخروج المُذِل ، أو أن يخرج منها فى إطار صفقة سياسية تتراجع فيها تركيا من ميادين إشتباك أخرى مع روسيا مثل سوريا أو ليبيا.

فى كلتا الحالتين لن يغفر الجيش التركى لأردوغان تلك الحماقة الإستراتيجية. وخطأ أردوغان فى قره باغ قد يدفع ثمنه على يد الجيش التركى نفسه فى إسطنبول . ولن ينفعه وقتها فريق الإنكشارية الذى قد يعمل ضده مباشرة مع الجيش النظامى المنقلب عليه ، كما إنقلبت الإنكشارية على سلاطين آل عثمان من قبل.

التدخل العسكرى يستدعى المزيد من التدخل ـ والنصرالأوَّلي يغرى بالإستمرار ـ وتحدث الإستفاقة فى منتصف الكارثة حين يصعب الإستمرار كما يصعب التراجع.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

فى ظلال تركيا : العمل الإسلامى العربى : " إنكشارية " .. و" طبل خانة " .




حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (28 )

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 28

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة السنة الخامسة عشرة – العدد ( 179 ) | جمادى الأولى 1442ھ – ديسمبر 2020 م  .

01-01-2020

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (28)

رمت الطائرات قذائف نابالم أنتجت سحبًا من الدخان الأسود اللزج على طول كيلومترات، ثم قنابل ثقيلة أمام موقعنا، ثم قصف على مناطق المدفعية والمناطق الإدارية.

– قبل أن يهبط حقاني وضيوفه شاهد الجميع عرضًا ناريًا هائلاً في السماء. صوت انفجار كبير وكرة ضخمة من النيران، ثم انفجار آخر وتفتت الكرة إلى ثلاثة أجزاء تهوي مشتعلة.

– اليوم هو “اليوم العنقودي”، من كثرة عناقيد النارالتي هبطت علينا من السماء.

– ما أن بدأ السائق  في الحركة حتى ظهرت في السماء ست طائرات فضية متجهة نحونا.

– فالذي يرى تلك الغارات عن بُعد يستطيع أن يجزم  أنه لم يتبق أحياء فوق الجبل.

– كنت في حالة من الدهشة والذهول ولا أكاد أن أصدق أنني فعلاً فوق ظهر جبل تورغار الرهيب، وأنه أصبح جبلاً صديقًا وليس كابوسًا قاتلاً.

– لا أزعم أنني أحببت هذا الجبل يوماً ما، ولكنني احترمه بكل تأكيد، ولا تبارح مخيلتي صورة عبد الرحمن وهو مدرج بدمه قريبًا من قمته.

– كنت معجبًا دومًا بالحاسة الهندسية لحقاني، وأنه لن يضيع وقتًا في مد طريق إلى رأس تورغار، ليصبح “الطريق الدائري” حقيقة واقعة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

الثلاثاء 20 فبراير90:

صباح مشرق جميل، ولكنه عند المجاهدين نذير ليوم صعب مع الطيران، وهذا ما كان.

لقد أرسلت الدولة كل سلاحها الجوي، ولا أستبعد أن الروس هم أيضًا شاركوا. كان الطيران مصابًا بداء الكلب، هائجًا يضرب في كل مكان، لاتشعر له بهدف محدد، ولم يكد يتوقف طوال اليوم.

الساعة 8.33: 

أول غارة اليوم على مركز خليل ـ حيث حقاني متواجد ـ  ألقوا هناك ثلاثة قنابل من عيار ألف رطل، ثم قنبلتان على توده شني، وإثنتين تحت تورغار الكبير.

الساعة 8.43 : 

فاصل من الجنون، طائرات كثيرة تقصف في أماكن متباعدة وفي كل مكان، وعلى أي هدف. تصاعد دخان  كثير في معظم المناطق: خلف تورغار الكبير، وفي منطقة دروازجي ،شرق تورغار، ومنطقه ليجاه.

الساعة 8.50:

كأن قطار بخاري يسير خلف موقعنا، لقد رمت الطائرات قذائف نابالم كثيرة خلفنا فأنتجت سحبًا من الدخان الأسود اللزج على طول كيلومترات، ثم قنابل ثقيلة أمام موقعنا ثم قصف على مناطق المدفعية والمناطق الإدارية في بوري خيل.

إلى جانب النابالم والعنقودي ظهرت القنابل الفسفوري بدخانها الأبيض الجميل الذي يتصاعد في أعمد رشيقة على غير العادة. شجرة الحور العتيقة القريبة من بوري خيل أمسكت بها نيران الفسفور وبدأت تحترق، فشعرت بالحزن. قريبًا منها راجمة صواريخ وموقع مدفعي للمجاهدين ولكنها مزودة بمغارات جيدة وحفر للخنادق.

الساعة 8.55: في جنوب تورغار الكبير غابة كثيفة من الدخان. المنطقة هناك مليئة بالشجيرات، ومع النابالم لابد أن تكون المنطقة قطعة من لهب.

الساعة 10.20: غارة جوية ضد دبابة خليل تحت الجرف، وغارات مباشرة  ضد تورغار الكبير والصغيرة.

الساعة 10.30 إلي 10.50:  غارات متصلة لاتتوقف على أماكن متفرقة .

 

الساعة 11.20 الي  11.35 :

القنابل العنقودية لا تتوقف فرقعاتها في الأرض ولا في السماء. وخيوط الدخان  ترسم مسارها، الهابط من الجو نحو الأرض. بعد انفجارها الأول في الفضاء والذي تعقبه انفجارات كثيرة في الفضاء أيضًا ثم عناقيد من اللهب الأحمر الهابط إلى الأرض حيث يتفجر وينشطر في فرقعات لاحصر لها من القنابل الصغيرة على سطح الأرض.

انفجارات لا تنقطع في الجو، ثم شلال من النيران الحمراء يجر خلفه دخان أبيض هابط نحو الأرض، ثم انفجارات بلا عدد فوق سطح الأرض. تلك هي القنابل العنقودية التي لايكاد يتوقف سيلها النازل من السماء.

 

الساعة 12 :

ظهرت الأنتينوف لأول مره وبدأت ترمي قذائفها الثقيلة في خط طويل منتظم، كما هي عادتها. الجو صحو تمامًا، حتى أننا نشعر بالحرارة. لا أدري أكان ذلك من الانفعال، أم من نيران الحرائق حولنا في كل اتجاه، أم أن الشمس حارة فعلاً في ذلك اليوم من فبراير ؟ من أخبار عبد العزيز: أمسك المجاهدون دبابة سليمة بالأمس في منطق تورغار الصغير وهم ينظفون لها طريقًا من الألغام حتى ينقلوها إلى مواقعهم.

ـ حصلنا أخيرًا على ساعتين راحة، ثم استأنف الطيران عمله كالمعتاد. عند الظهر وصل الشيخ حقاني ومعه عدد من قادة العمليات مثل مولوي حنيف شاه ومولوي أليف جول وغيرهم، وبقوا مجتمعين حتى حل الظلام وانصرفوا بدون أن أتمكن من الحديث مع حقاني.

اكتشفت أنهم أحضروا حقيبتي وبها الكاميرات. كان الوقت متأخرًا جدًا بعد أن ضاعت فرص تصوير الجنون الجوي الذي حدت اليوم.

ومع هذا فإن الطيران استمر يعمل طوال الليل ولكن بكثافة أقل مما حدث في النهار. حاولت الحكومه عند العشاء التمهيد لإنزال إحدى طائراتها العسكرية في المطار، فقام بغارات شديده ضد “جبال” تورغار لتغطية هبوط الطائرات، ولكن تورغار الكبير استخدم أحد مضاداته الجوية الثقيله “23 مليمتر” ضد الطائرة وهي في الجو، ولكنه لم يحقق إصابات.

ولم تنجح تلك الطريقه فيما بعد لإيقاف محاولات الهبوط في المطار. أرسلت اليهم اقتراحًا فيما بعد بأن يستخدموا ذلك المدفع ضد مدرج المطار عندما تهبط الطائرة لأنها تكون في حالة سكون ويمكن إصابتها. لكن الاقتراح وصل متأخرًا لأن دبابات العدو عطلت أحد المدفعين وأصابت الآخر بشظايا فقرروا تفكيكه وإنزاله من فوق الجبل حتى لا تدمره القذائف المعادية. في نفس الليلة، وقبل أن يهبط حقاني وضيوفه شاهد الجميع عرضًا ناريًا هائلاً في السماء.

فوق الوادي من جهه الغرب صوت انفجار كبير وكرة ضخمة من النيران في السماء ثم انفجار آخر وتفتت الكرة إلى ثلاثة أجزاء أو أكثر تهوي مشتعلة. لم أفهم مغزى ما أراه لكونها المرة الأولى الذي أرى فيها مثل ذلك المشهد. لكن عبد العزيز العجيب أتى لنا بالخبر، فقد اتصل به المجاهدون في الجبال الشمالية المواجهه لنا، بأن المجاهدين في “جاني خيل” كانوا في كمين فوق الجبال ومعهم صاروخ ستنجر، فأصابوا به طائرة نقل حكومية.

وجاء الرد من كابل عصبيًا وعديم الجدوى كالعادة. فقد ضربوا منطقه باري بصاروخ سكود، ووصلنا التقرير التقليدي : لم يصب أحد.

ومن الطريف أننا شاهدنا صاروخ سكود وهو ينطلق من كابل وخلفه خيط أحمر طويل استمر لثوان ثم اختفى لفترة إلى أن سقط في باري. وكان الوقت كافي كي يبلغ عبد العزيز جميع المواقع بأن “سكود” قادم، ويأمرهم بالإنذار التقليدي: “ستر وإخفاء”.

ـ تأكد اليوم أن المجاهدين في عمليتهم ضد تورغار الصغير لم يتكبدوا أية خسائر في الأرواح ولا حتى جرحى.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

الأربعاء 21 فبراير 90:

غارات اليوم لاتقل عنفًا عن غارات الأمس لكنها أكثر تركيزًا ومنهجية. وحتى الحادية عشر ظهرًا كانوا قد غطوا كل المناطق الهامة بغارات مركزة. ولكن لم يبلغ أحد بوقوع خسائر حتى الساعة الواحده ظهرًا. لاشك مع كل هذا العنف الجوي أن الحكومه توجه ضربة إجهاضية لهجوم متوقع على المدينة.

ولها أن تتوقع ذلك بعد استيلاء المجاهدين على “عائلة تورغار” وبالتالي هناك ثغرة واسعة في الخط الدفاعي خاصة من طرف تورغار والجبال المواجهة للمطار. فالمواقع فيها ثانوية وليست متينه بالشكل الكافي وكانت كلها متكئة على تورغار. والحكومة في حاجة إلى عدة أسابيع لتقوية خط دفاعي جديد، ليس فيه تورغار، وهي نقطة ضعف أكيدة.

الطائرات غير متأكدة تمامًا من موقعنا، أو أنها أخذت أحداثيات خاطئة من المراقبه الأرضية. قذائف عنقودية كثيرة حولنا أمام وخلف ويمين ويسار. تورغار أصابه نصيب وافر منها الطائرات المشاركة كثيرة بشكل غير عادي. يبدو كأنه طيران “دولي” وليس أفغاني فقط.

إذا أردت أن أطلق اسما على هذا اليوم فسوف أسميه “اليوم العنقودي”، من كثرة عناقيد النارالتي هبطت علينا من السماء، لكن الله حفظ الجميع بمعجزة لا لبس فيها، فنصف القنابل التي ألقيت في فتره الصباح فقط كافية لقتل جميع المجاهدين عدة مرات .

اليوم التقطت من الصور للقصف الجوي ماعوضني عن عدم التصوير بالأمس.

وصل خبر من مجاهدي”جاني خيل” بأنهم فتشوا حطام الطائرة التي أسقطت بالأمس فوجدوا بها عشرين جثة لضباط، وحصلوا على بعض أوراق هوية مازالت سليمة، كما كانت الطائرة تحمل  ذخائر.

حصلنا على قائمه بالغنائم من عمليه “ورا تورغار”وهي كالتالي:

18 أسير، 19 كلاشنكوف، 1 دبابة سليمة، 2 شاحنة عسكرية، 1 هاون غرناي، 2 زيكوياك ، رشاش ثقيل 14.5 مليمتر،1 شلكا 23 مليمتر، 12 جرينوف خفيف، 1جرينوف ثقيل، 2 مولد كهرباء، مخابرة كبيرة، ذخائر كثيرة جداً لمختلف أصناف الأسلحة في المخازن الرئيسية، وكانت هناك مسجلات وتلفزيونات .

ــ توقف القصف لمدة ساعتين لهذا اليوم أيضًا. فانتهزت الفرصة ونزلت مع حاجي إبراهيم لمقابلة حقاني في مركز القيادة “مركز خليل”، وكان اتفاقنا معه أن أذهب مع حاجي إبراهيم لزيارة تورغار. عند المركز قابلنا صديقنا القديم، المجاهد سابقا والمصور التلفزيوني حاليًا “زكي”، وكان قد زار تورغار وعاد لتوه من هناك. لقد سبقنا إلى هناك كما سبقنا أيضاً صالح إلهامي.. وهو شاب أردني مجاهد ويعمل صحفيًا في مجلة الجهاد في بشاور، وعلمنا أنه زار الجبل بعد فتحه بقليل ولكنه في رحلته خرج قليلاً عن ثغرة الألغام فانفجر به لغم أطار قدمه وأصابه في وجهه ، وقد نقل إلى بشاور للعلاج.

أخذتنا إحدى السيارات المتوجهة إلى مركز” د.نصرت الله” في بوري خيل، كان علينا قطع الرحلة على طريقه “الأوتوستوب” لعدم إمكان توفر سيارة خاصة.

وصلنا مركز” د.نصرت الله” وكانت المنطقة قد قصفت بوحشية خلال اليومين الماضيين. جزء من الرجال فوق تورغار هم من مجاهدي ذلك المركز، فوجدنا سيارة تحمل إليهم إمدادات عبارة عن كيس من الحمص وثلاثه صفائح بترول. ركبت مع إبراهيم في صندوق السيارة ومعنا راكب آخر، وفي المقدمة السائق ومعه رجلان. كان الجميع في عجلة غير عادية قبل أن تدهمنا الطائرات. وما أن بدأ السائق  في الحركه حتى ظهرت في السماء ست طائرات فضية دفعة واحدة، وجميعها متجة نحونا، فيما ظهر لنا.

صاح إبراهيم يعاونه الراكب الآخر بالسائق أن يتوقف على جانب الطريق لأن الطائرات النفاثة قادمة نحونا، لم يسمع السائق ولكن مع الصياح المتواصل والدق العنيف فوق كابينة القيادة توقف السائق وأخرج يده وهو يصرخ بغضب: ماذا تريدون ؟.

وقبل أن يسمع الرد رأي الطائرات فأدخل رأسه وضغط بكل قوته على دواسة البنزين بينما اختلفت آراء السادة الركاب: جزء يصرخ طالبًا التوقف، وجزء آخر يصرخ طالب بالعجلة في الرحيل بأقصي ما يمكن من قوة.

لكن السائق كان قد قرر ـ بوعي أو بدون وعي ـ فقد استمات بقدمه على دواسه البنزين، وتيبست أذراعه على عجلة القيادة مقتحما أهوال الطرق، أولها جدول الماء الرقراق، التي تحول إلى  نافورة ضخمة تلف سيارتنا وخرج منها كتل الحصي المستديرة الكبيرة وصخور مختلفة الأحجام فكان يقتحمها بلا تمييز. ثم سمعنا فرقعة العنقودي فوق رؤوسنا، فأيقنا بالهلاك فانبطحنا ـ المجموعة الخلفيةـ في صندوق السيارة.

وكنا نضحك من شدة اليأس فما معنى أن ينبطح الإنسان في صندوق سيارة مكشوفة بينما أطنان من القنابل العنقودية الصغيرة تهبط نحوه من السماء؟ نطقنا بالشهادتين وقلصنا عضلات أجساما بشده تحسباً لتناثر الأعضاء من جراء الإنفجار، وأغمضنا العيون نصف إغماضة مع الضغط الشديد على الأسنان ـ التي لم ترتعش لحسن الحظ ـ ثم دوت انفجارات العنقودي حولنا، ويا لدهشتنا أن وجدناها تنفجر على الهضاب المرتفعة يمينًا وشمالاً، أما وادينا الضيق المتلوي فلم تسقط فيه واحدة منها!!

وكأن الأمر لم يعجب واحدًا من الطيارين الأشرار فانقض علينا بطائراته، التي خلعت قلوبنا وسيارتنا، وهي تمرق من فوقنا، وتلقي قنبلة ضخمة على هضبة مواجهة لنا. لم نكن قد متنا بعد، ولكن كنا في نصف إغماءة عندما سمعنا انفجارات من كل الأنواع تحيط بنا وبالمراكز حولنا.

ولما تبين لنا أنها ذهبت ـ أي الطائرات ـ بدأت أصواتنا تخرج، فهذا يضحك بهستيريا وذلك يصيح إعجابًا بمهارة السائق ـ الذي هو بطل رغم أنفه ـ حتى وصلنا إلى مركز المدفعية المقابل وكان به قاذف صاروخي كبير وراجمة صواريخ. سألناهم عن الأحوال، فكانت:

” خير خيريّت” فلا إصابات، فحمدنا الله وواصلنا المسير ونحن نضحك على تصرفاتنا العاجزة والحمقاء وقت الغارة، أي وقت مصافحة الموت عن قرب. انحرفنا مع الطريق جهة الشرق ومررنا من أمام قلعه بوري خيل المدمرة ـ والتي دمرها المجاهدون بعد فتحها عام 1980 تقريبًا.

في الطريق أقام المجاهدون مركزاً لصناعة الخبز لتزويد مجاهدي تورغار وما حوله. وكان المركز على المدق الضيق من طرف جبل زرمانكي المجاور لتورغار وأمامه ساحة واسعة بها شجيرات برية وقد بثت الألغام في تلك الساحة، خاصة تحت الشجيرات التي يمكن الاحتماء تحتها من حرارة الشمس، وهي ألغام وضعتها القوات الحكومية للحد من حرية حركة المجاهدين في المنطقة المواجهة لتورغار، والتي يصعب مراقبة معظمها من فوق الجبل بسبب الشجيرات الكثيرة وبسبب زوايا الرؤية التي لا تتيح المرقبة الجيدة من فوق الجبل.

على يمين المدق في منحدر صغير هناك قبر الشهيد السعودي أبو الدرداء. نرلنا من السيارة التي إنتهت مهمتها عند ذلك الموضع. وواصلت سيري مع حاجي إبراهيم وبرفقتنا شابين صغيري السن في طريقهما إلى مركز للمجاهدين في طرف تورغار من جهة الغرب.

كان المغرب قد اقترب ومن الأفضل لنا الإسراع بالوصول إلى مراكز المجاهدين حتى لا نضل الطريق في الليل فتضربنا الألغام، أو نقع فريسة الغارات الجوية المفاجئة. وصلنا مركز المجاهدين وكان على نفس استقامة مركز أبو الحارث الذي يبعد عنه حوالي مئتي متر من جهة الشمال القريبة من مدخل الوادي الكبير. كان الجو باردًا والمغارة مزدحمة فجلسنا في طرفها وكان علينا أن نقضي الليل هنا فلا أحد يصعد الجبل ليلاً. أحد المجاهدين عندما علم أنني عربي، غضب بشدة وقال: لماذا لا يذهب إلى مركز العرب؟ لا تقدموا له شيء بروبية واحدة.

لم يترجم لي حاجي إبراهيم ما يقوله الرجل، ولم أخبره أنني فهمت ما يعنيه، وسكت كلانا على مضض. ولكن باقي المجاهدين كانوا أكثر كرمًا فقدموا لنا الطعام والمأوى حتى الصباح.

لم تكن تلك هي المرة الأولي التي أجد فيها ناقمين على العرب من بين المجاهدين، فقد لمست تلك الظاهرة منذ عام 1986. وكان المسئول عنها هو العرب أنفسهم خاصة الشباب السلفي الوهابي من السعودية ومصر وغيرها. وكان ذلك الطابع الأغلب للشباب في الجبهات فحدثت بينهم وبين الأفغان “صدامات عقائدية” الذين لم يكونواغير شعب من “القبوريين الأحناف المشركين” في نظر هؤلاء الشباب، فهم لايرون صورة للإسلام السمح و “العقيدة الصحيحة” إلا في أنفسهم وفي الطريقة السلفية الوهابية.

نمنا في الثامنة والنصف واستيقظنا في الخامسة والنصف لصلاة الفجر. ومع الشروق بدأت الطائرات تدك بعنف. وكنا في المغارة لا ندري أين تضرب، ولكن هناك غارات فوق الجبل، وهذا لا يمكن الخطأ فيه لأننا في نفس الجبل لكن عند التحامه بالأرض من جهة الغرب.

وتواجهنا بداية جبل زمانكي الذي كان حتى العام الماضي يشكل جناحاً غربياً لمساندة تورغار حتي إقتحمه المجاهدون بالقوة. قال زملاؤنا في الغار بأن خمسة جنود وصلوا عند الفجر، ومعهم RPG ومسلحين وقد قتلوا ضابطهم وفروا إلى المجاهدين.

وقالوا بأن المجاهدين طلبوا أن ننتظر حتى تأتي البغال لتحميلها بالمواد إلى تورغار ونذهب معها. خشينا التأخير خاصة وأن موضوع البغال غير مؤكد حيث أنها لم تحضر بعد من مكان بعيد كي تمارس عملها الجديد لأول مرة. لذا فضلنا أن نتحرك مع مجموعة من الشباب الذاهبين إلى ظَهر الجبل. تحرك بنا ركب من عشرة شباب أقوياء في حركة سريعة نحو الجبل كنت مع إبراهيم قرب المقدمة وبعد دقائق صرنا في وسط الركب ثم خمس دقائق أخرى صرنا في آخر المجموعة، ثم خمس دقائق ثالثه وجدنا أنفسنا منفردين وقد اختفى الركب النشيط.

لقد اكتشف إبراهيم أنه مصاب بنزلة برد واكتشفت أن جسدي كله يؤلمني، و قدمي في حذائها الجديد الذي ضغط علي أحد أعصاب القدم اليمني صار كأنه مسمار مغروز في رأسي فكنت أعرج في المسير.

كنا حريصين على السير في المدق الظاهر لنا، وقادنا إلى ساحة واسعة كثيفة الشجر نوعًا ما وتقع أسفل القمة العليا في الجبل التي هي أقوى النقاط سابقاً عند العدو والتي إلى شرقها الدبابة الشهيرة، والتي استشهد صديقي عبد الرحمن تحتها بعدة أمتار.

إلى هنا ضاعت معالم الطريق، استطعنا أن نشاهد عدة حفر هائلة أحدثتها صواريخ سكود، وحفر كثيرة من قنابل الطائرات، وآثار حرائق في الأشجار التي تغطي سفوح الجبل والوادي البري المواجه له والذي يشبه مناطق السافانا الفقيرة في أفريقيا.ولا تنقصه إلا بعض الأسود

والنمور والبقر الوحشي. ولكن الألغام منعت كل صور الحياة في المنطقة، ويمكن ملاحظة هياكل عظمية لحيوانات إنفجرت بها ألغام هنا وهناك. إنها ساحة مخيفة للموت الرابض تحت التراب، قليلون جداً هم من يعرفون مسالكها المأمونة التي هي نادرة جداً على أية حال.

ولو كنت أعلم الغيب لعلمت أنه بعد عام تقريبًا سأقوم مع أبو الحارث وعدد من شباب معسكره بشق طريق في وسط تلك الأحراش لنربط به منطقه بوري خيل بمنطقه “دروازجي” ليصبح مرور السيارات ممكناً لأول مرة في تاريخ تلك المنطقه، وقد انعكس تأثير ذلك على مجرى المعارك النهائية لفتح خوست كما لم نكن نتصور حدوثه نحن ولا غيرنا ممن أعجبه إنجاز تلك المجازفة المُلَغَّمَة.

كنت وحاجي إبراهيم في ورطة خطيرة، وحلها الوحيد هو أن نعود أدراجنا. وحتى ذلك ليس بالحل الأمثل والطائرات تقصف كل مكان بما فيه المركز الذي جثنا منه منذ قليل، وهي إذاً لاحظت تحركنا علة المدق فسوف تقصفنا وتقصفه كما تفعل دوماً مع طرق المجاهدين. كنا نرى عدد من المجاهدين يتحركون على سفح الجبل صعوداً نحو القمة. اقترحت عليه أن ينادي عليهم كي يرشدونا إلى المدخل الصحيح  للمدق الصاعد إلى الجبل، أو أن ننتظر حتى يمر بنا فوج آخر، الله أعلم متى يمر، وكيف نجلس والمنطقه على رأس مهام طائرات العدو وصواريخه؟

شاهدنا مواقع لهاونات ومدافع عديمة الارتداد وصواريخ كاتيوشا وحتى أن بعض القذائف جاهزة للاستخدام ثم تركت كما هي. يظهر أننا قريبون من موقع تم استخدمه مؤخراً لضرب العدو فوق الجبل. تقدمنا نحوه وتفحصناه ونحن نحاول إحصاء نوع وعدد الأسلحة التي كانت موجودة والأهداف التي كانت تتعامل معها.

جازفنا بالتقدم أكثر مع أخذ ما يمكن من الاحتياطات حتى عثرنا على ما يمكن تخيل أنه المدق المطلوب. واصلنا السير البطيء وبحذر شديد وما أن صعدنا قليلاً في الجبل حتى كان الطريق كله صخوراً صلدة لا تصلح إلا لنصب الألغام السلكية للإعثار. أراحنا ذلك نسبياً فالرؤية جيدة، والحاج إبراهيم نظره حاد، وإن كنت أنا لست كذلك ولكن ثقتي به كافية بما يجعلني أتبع أقدامه بإطمئنان وبعد التدقيق الممكن.

في أكثر من منطقة كان الصعود شبه رأسي بحيث يتحتم استخدام الأيدي مع الأرجل في التسلق، تقطعت أنفاسنا عدة مرات فجلسنا للاستراحة، كما اعترضتنا عدة غارات كانت تقصف الجبل سواء السفح أو القمة، فجلسنا أو تمددنا للإستراحة.

سقطت قنابل قريباً منا فأردنا الانبطاح فما كان علينا سوى أن نميل فقط عدة درجات فنلتصق تماماً بالأرض التي هي جدار صخري في الجبل القائم بتحدي. وصلنا بصعوبة إلى أعلى النتوء الأسود البارز على سطح الجبل ..أخيراً.. هذا هو تورغارالذي كنا نحلم به منذ سنوات طويلة!! كم سهرنا لأجله الليالي الطوال، ووضعنا الخطط ، وبنينا الأحلام. واستشهد عبد الرحمن وهو يسعى لتحقيق واحد من أكثر أحلامنا طموحاً.

ولكنه فُتِحَ أخيراً بدوننا، لقد افتتحه حقاني ورجاله منفردين، مع بعض العرب كأفراد عاديين في الهجوم، ولم يكن لهم دورهم الخاص أو مهامهم المحددة المنوطة بهم. كنت أشعر بالأسف لذلك، وأشعر بالتقصير أنني لم أشارك شخصيًا ولو على ذلك المستوي المحدود. لم أشارك أنا ولا أي من أصدقاء عبد الرحمن المقربين. لا شك أن كثيرًا من الإحساس بالمسئولية ينقصنا.

صعدنا إلي مسئول الموقع وهو جاكران “رائد” فهيم، وهو عسكري سابق فيه سمات الصلابة والإستقامة، ويبدو أنه من النوع الذي ينفذ بحزم الأوامر التي يتلقاها من قيادته العليا. في حديث قصير معه حول الأوضاع في الجبل ونتائج قصف الطائرات عليهم قال إنهم في وضع قوي وأن كل تلك الغارات لم تصب واحداً من رجاله بجرح، وفي ظني أنه لايمكن لمن لم يعايش الحرب الأفغانية أن يصدق هذا الكلام، فالذي يرى تلك الغارات من بُعد يستطيع أن يجزم بإطمئنان أنه لم يتبق أحياء فوق ذلك الجبل.

من الطريف أنني وحاجي أبراهيم وإخواننا في العمليات ضد المطار تعرضنا بعد ذلك لمثل ذلك الموقف في جبل قريب وكان إخواننا من عرب وأفغان يجزمون أن الطيران قد قضى علينا، وكان يصيبهم من الدهشه لبقائنا أحياء ما يصيبنا الآن أمام “جاكران فهيم” وهو  يقول أنه لاخسائر لديه في الأفراد، حتى ولا جريح واحد.

التقطت بعض الصور لقائد الموقع وهو يمسك بيده جهاز اللاسلكي الصغير. وأخذت صوراً كثيرة لخوست ومناطق المجاهدين كما تظهر من فوق تورغار، وكنت في حالة من الدهشة والذهول ولا أكاد أن أصدق أنني فعلاً فوق ظهر تورغار الرهيب، أو أنه أصبح جبلاً صديقاً وليس كابوساً قاتلاً.

جلسنا مع فهيم حتى توقفت الغارات الجوية على الجبل، فلم أكن أرغب أن أكون وزميلي حاجي ابراهيم أول شهداء القصف الجوي على جبل تورغار. وأعطانا الرجل بكل ترحاب إذناً بالتجول فوق الجبل كما نشاء مع الاحتراس عند عبور مناطق إجبارية ولكنها مكشوفة للعدو في الوادي وقد سلط عليها عدد من فوهات الدبابات ونصحنا إما بالزحف أو بالعدو السريع أو كليهما.

قابلنا مجموعات المجاهدين المتناثرة هنا وهناك. وكان قريباً منا مجموعة من جماعة أبو الحارث قد تمركزت فوق النتؤ الأعلي بالقمة، كما تمركز آخرون منهم في تورغار الصغير.

من الآن فلاحقاً وحتى الفتح كان لتلك الجماعة ارتباط حميم مع ذلك الجبل وأدوا دوراً لا ينكر في المحافظة عليه وفي استخدام بعض الأسلحة من فوقه بما سبب خسائر ملموسة للعدو.

ومازال أبو الحارث حتى الآن لا يعشق مكاناً على ظهر المعمورة مثلما يخفق قلبه لهذا الجبل، ولم أر مثل تلك الحالة في حياتي أن يعشق رجلاً جبلاً ويحبه كأنهما توأمان.

ورغم أنني لحظة كتابة هذا الجزء أستطيع أن أرى تورغار من منزلي في خوست تحت هضبة متون المجيدة، إلا أنني لا أزعم أنني أحببت هذا الجبل يوماً ما، ولكنني احترمه بكل تأكيد، ولا تبارح مخيلتي صورة عبد الرحمن وهو مدرج بدمه قريباً من قمته.

ومع الدور الهام الذي قام به أبو الحارث ومجموعته فوق الجبل إلا أنه كان أقل كثيراً مما كنت أتصور . دخلت مع إبراهيم الحصن الأكبر الذي أنشأه العدو على الحافة العليا جهة الغرب، وهو عبارة عن دشمة بدائية لكنها قوية جداً، مسقوفة بجذوع أشجار ضخمة وفوقها صخور وتراب تجعلها تصد أي قذائف ثقيلة لدى المجاهدين. كان يمكن لتلك التحصينات أن تظل عقبة دائمة لولا دبابة خليل الرائعة وخليل نفسه، الذي كنا نقول عنه أنا وأبو الحارث: “لايفل الحديد إلا خليل”، وإن كان علي صعيد التعاون في عمل الجبهة كنا نعتقد أن خليل يتعمد ألا يجيب لنا طلباً، ولم نقصده مرة في مركزه “مركز خليل” لطلب شيء عندما يكون أخيه الأكبر”الشيخ حقاني”غير موجود ، إلا جابهنا بالرفض قائلاً : “نشته”. حتى أطلقنا تلك الكلمة على المركز نفسه، وذلك كان بيني وبين أبو الحارث فقط.

ورغم قوة تلك التحصينات إلا أنها غير مريحة بالمرة، وأي إنسان عادي لا يطيق الجلوس بها أكثر من دقائق . ويبدو أنه من شدة حصار المجاهدين فإن العدو اتخذ نفس التحصينات كدورات مياه لقضاء حاجة الجنود، فكانت جانبي التحصين من الداخل وهو مفتوح من طرفين عبارة عن صورة من حواري ميرانشاه حيث تراصت، بلا فواصل تقريباً  أكداس الغائط المنتن، أما البول فقد جعل الأرض رطبة ذات رائحة كريهة نفاذه .وأما الذباب اللزج فقد غطى كل شيء.

لم نطق البقاء طويلاً وغادرنا المكان بسرعة. وبشكل عام فإن كل مواقع الشيوعيين سواء العسكرية أو المدنية كان ذات رائحة منتنة ومنظر قبيح يقبض الصدر، وغير صالحة للمعيشة أو الاستخدام، وكان ذلك أشد في المواقع الجبلية من خنادق وتحصينات حيث لا يمكن لأي حشرة أن تطيق البقاء فيها لدقائق. ولم يستخدم المجاهدون أيا من تحصينات العدو أو خنادقه واستحدثوا لأنفسهم ملاجئ جديدة في زوايا مختلفة.

سرنا في الخنادق الإرتباطية المواجهة للمجاهدين في الجنوب، وكنا نراقبها باهتمام في السنوات الماضية، حتى وصلنا إلى موقع الدبابة العتيدة التي استشهد عبد الرحمن أسفل منها بعدة أمتار، كان المجاهدون قد استطاعوا إتلافها قبل عملية الهجوم، ولكنهم يعملون الآن على إصلاحها.

في الخندق الإرتباطي أثناء عودتنا حبستنا عدة مرات غارات قوية بالطيران ولكن كل القنابل سقطت أمامنا أو خلفنا. ومع العمق الكبير للجبل المتعامد كان التأثير منعدماً لتلك القنابل، لكننا إضطررنا للجلوس داخل الخندق الإرتباطي الضيق ، فلاحظت على جداره في مقابلتي قطع صغيرة جداً من ثياب متفحمة وكان الجدار كله أسود فاحم، والثياب ملونة وليست عسكرية فسألت عن هويتها، فقالوا إنها بقايا مجاهد سقطت عليه في الخندق قذيفة مباشرة من قنابل الدبابات، فلم يتبقى منه شيء غير هذا الذي تراه.

من الأكيد أن ما نجلس فوقه وأمامه الآن في ذلك الخندق الضيق هي بقايا مجاهد تبخر بفعل قذيفه مباشرة. أما الذي لا أستوعبه أنها قذيفة دبابة كما يقولون فذلك غير ممكن بالنسبة لزواية رماية الدبابة والأرجح أنها قذيفة هاون، فهو الوحيد الذي يمكنه إسقاط قذيفتة بمثل تلك الزاوية الحادة، ولاشك أنه هاون ثقيل”غرناني”، الموجود بكثره عند العدو.

كان حاجي إبراهيم متعجلاً في العودة، والطائرات لا تكاد تتوقف عن القصف.التقطت أكثر من مئه صورة فوق الجبل، وفي طريق العودة ودعتنا الطائرات بمثل ما استقبلتنا من حفاوة وتكريم.

في العودة عثرنا على بعض عظام بشرية منها جمجمة اخترقتها رصاصة من الخلف، تصورت أنها عملية إعدام تمت فوق الجبل لأحد الجنود عندما حاول الفرار، ثم رموا جثته من فوق الجرف، وتولت السباع تمزيق الجثة وتوزيعها هنا وهناك. ما أتعس أن يساق إنسان تحت تهديد السلاح كي يقاتل عكس قناعاته ضد شعبه ودينه.

أحد الأماكن التي جلسنا فيها للاستراحة على المدق أثناء الصعود أصيب بقذيفة مباشرة من الطائرة. لاشك أن التوقيت شيء مهم في الحرب، لقد وصلت القذيفة إلى المكان الصحيح لكن في وقت متأخر قليلاً عن موعد تواجدنا فيه. في الطريق كان هناك فريق من المجاهدين والجنود منهمكين بهمة في إصلاح الطريق وتمهيدها لتسهيل حركة سيارات المجاهدين.

كنت معجباً دوماً بالحاسة الهندسية لحقاني، ولاشك عندي أنه لن يضيع وقتا في مد طريق إلى رأس تورغار، وأن يصبح “الطريق الدائري” حقيقة واقعة، وهو طريق تخيلت أنه يصعد من غرب تورغار ويهبط في جانبه الشرقي، رابطاً بذلك دروازجي مع بوري خيل، ورابطاً كلاهما مع تورغار فيكون الثلاثة حلقة دفاعية لايمكن للجيش الحكومي اختراقها، بل يكونون قاعدة اندفاعية لعمل هجومي كبير يحمل المجاهدين إلى هضبه متون.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (28 )

 




الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. ولماذا لا يريدها العدو؟.

الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. و لماذا لا يريدها العدو؟

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة  الصمود السنة الخامسة عشرة – العدد ( 179 ) | جمادى الأولى 1442ھ – ديسمبر 2020 م .

31-12-2020

 

الإمارة الإسلامية :

لماذا هى مهمة؟.. و لماذا لا يريدها العدو؟.

 

– الإمارة مطلب وجودي لشعب أفغانستان، وأهمية استراتيجية لدول الجوار، وضرورة إنقاذ للأمة الإسلامية.

– تضع الإمارة اقتصاد البلاد فى خدمة مواطنيها. فلا يصبح المال العام (بيت المال) نهباً لفئة مغتصبة لحقوق المسلمين، تفعل ما تشاء في أمورهم، بدون رضاهم ولا اختيارهم.

– بالإمكانات الاقتصادية الهائلة سوف تبني الإمارة الإسلامية أفغانستان واقتصاد قائم على زراعة قوية تحقق الاكتفاء الذاتي للمواطنين، وصناعة تلبي احتياجات البناء لدولة حديثة.

–  بالمشاريع المشتركة مع دول الجوار والمنطقة، وتسويق الخامات في مقابل تأسيس بنية تحتية زراعية وصناعية، فإن إجراءات الحصار والعقوبات لن تجدي نفعًا.

– الشعب الأفغاني لا تخطر في باله أي أوهام انفصال. والقادة العملاء المغامرون مصيرهم الفناء، مالم يستسلموا للإمارة الإسلامية بدون قتال .

 

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

ضاقت صدور الأمريكان كثيراً باسم “الإمارة الإسلامية” وطالبوا بتغييره قبل البداية فى مفاوضات الجلاء، المعروفة خطأ “بمفاوضات السلام”، وطالبوا مع أصدقاء لهم أن تُغَيِّرالإمارة اسمها، بحجة أن ما يسمى بالمجتمع الدولي لا يروق له اسم”الإمارة الإسلامية”وأن لقب جمهورية ملائم أكثر، لأنه يجعل الاندماج بين مجاهدي الإمارة الإسلامية وبين مرتدي ومنافقي نظام كابول أكثر سلاسة، ضمن دولة عصرية يرضى عنها المجتمع الدولي، أي أمريكا. فتعيش أفغانستان بلا مقاطعة اقتصادية، أوعقوبات اقتصادية ومنع من السفر، أو مطالبات قضائية بتعويضات عن حوادث إرهابية لا دخل للإمارة بها، أو دواعش يضربون الاستقرار الداخلي.

– يمكن أن تسمح أمريكا بوجود كلمة الإسلام ضمن اسم الجمهورية ، كبديل عن تطبيق الشريعة . فهكذا فعلت مع العديد من الدول التي أصبحت إسلامية بأسهل السبل وبدون أن يغضب منها لا المجتمع الدولي ولا أمريكا ولا “ناتو”، ولا دول”إسلامية” صديقة أو شقيقة .

– المشكلة ليست في صفة ” إسلامي” بل فى حقيقة التطبيق الإسلامى، وإعادة الحياة إلى قوانين الإسلام في المجتمع بكافة شؤونه الاقتصادية والاجتماعية . بمعنى أن تضع الإمارة اقتصاد البلاد في خدمة مواطنيها، وخدمة المؤسسات  التي تحمي المجتمع وتقوم بتطويره. فلا يصبح المال العام (بيت المال) نهباً لفئة مغتصبة لحقوق المسلمين، تغتصب المال وتستبد بالسلطة، تفعل ما تشاء في أمور المسلمين بدون رضاهم ولا اختيارهم.

ومعلوم أن الاقتصاد هو السلاح الأكثر فعالية في يد المستعمرين لإخضاع الدول والسيطرة عليها. حتى أن الحرب هي في الغالب مجرد وسيلة للسيطرة على اقتصاد الخصوم واستخدامه في كسر إرادتهم وفرض أي شيء عليهم، حتى ولو ضد معتقداتهم ومواريثهم الاجتماعية.

– بعد تجربة الاحتلال المريرة يدرك شعب أفغانستان معنى سيطرة العدو على اقتصاد البلد وثرواته. وشراء طبقة من الفاسدين يساندونه في إحكام قبضته على البلاد والعباد في مقابل رشاوى مالية ومناصب فارغة، حيث أن السلطة الحقيقية كلها في يد المحتلين.

 فيحتكر العدو ثروة البلاد، ويرمي بالفتات للخونة المتعاونين معه. ويتبقى للشعب العَوَز والفقر الذي هو توأم الكفر ومنشأ كل رذيلة. لهذا فإن إفقار الشعوب هو هدف يسعى إليه المحتل كما يسعى إليه الحاكم المستبد، لإفساد الشعب وتدمير الأخلاق لتسهل السيطرة عليه، وتحريك من يشاء كيفما يشاء، مستغلا حاجة الفقير إلى أبسط ضرورات الحياة. هذا بينما تحتكر قلة من الناس معظم الثروات، ويستأثرون بسلطة الحكم ومؤسساته الإدارية والمسلحة.

 

“الإمارة الإسلامية” ضرورة لشعب أفغانستان :

   إن عودة الإسلام الحقيقي إلى الحكم في أفغانستان هو ضرورة حياة وضرورة بقاء لشعب أفغانستان حاضراً ومستقبلاً. لإنقاذه مما يعانيه على يد الاحتلال وأعوانه، وإنقاذ الأجيال القادمة من أهوال النشأة في ظلمات الحرب على الدين التي تشنها جيوش الكفر.

شعور الشعب الأفغاني بحاجته إلى الإمارة الإسلامية وحكمها العادل كان حافزًا للوقوف خلفها كقيادة للجهاد ضد الاحتلال الأمريكي. وذلك هو العنصر المادي الحاسم في موضوع الانتصار، قبل أي عنصر آخر من مستلزمات الجهاد وتجهيزاته ووسائله. فالحرب عموما هي نشاط اجتماعي تكسبه الشعوب قبل أن تكسبه الجيوش. والمجتمع المنتصر هو الشعب صاحب العقيدة الذي يمتلك قيادة لها مميزات الإيمان والكفاءة والإخلاص.

– إعادة “الإمارة الإسلامية”، هو هدف لجهاد الشعب الأفغاني، وضرورة وجود لهذا الشعب . وهي جائزة الإخلاص لهذا الجهاد. ولن تتوقف على رضا أو موافقة أي طرف ـ خاصة الطرف المعتدي ـ الذي يريد أن يفرض على الأفغان الطريقة التي يستمر بها في السيطرة عليهم بعد رحيل جيوشه وبقاء عملائه في مواقعهم.

 

 

“الإمارة الإسلامية” ضرورة لدول الجوار الإقليمي:

أعلنت الإمارة الإسلامية عن خطتها في السياسة الخارجية، سواء لدول الجوار أو دول العالم . وأنها ترغب في علاقات متكافئة وسلمية، وتبادل للمصالح بشكل عادل الجميع.

وتشكل العلاقة مع الدول المجاورة لأفغانستان أولوية خاصة، نظرًا للترابط الشديد في التركيبات العرقية والتاريخ المشترك والمصالح المترابطة التي تحتاج إلى تعامل متوازن وعادل طبقا للمبادئ الشريعة الإسلامية، حيث جميع جيران أفغانستان هم من المسلمين. وحتى الصين الشعبية التي لا تدين بالإسلام فإن الجار الملاصق منها لأفغانستان هم المسلمين الإيغور الذين تقتضي مصالحهم ومستقبلهم تعاوناً مرناً وبعيد النظر بين البلدين. ينطبق نفس القول على مسلمي روسيا الاتحادية والهند فعلاقات أفغانستان مع تلك الدول إذا كانت قائمة على أسس صحيحة فإن مسلمي المنطقة جميعا سوف تعاد صياغة علاقاتهم بدولهم، ليعود المسلمون مرة أخرى ليمثلوا ضمير آسيا وأنشط عناصرها العلمية والثقافية والاقتصادية، بعد أن يتحرروا من الصورة البشعة الذي حصرهم فيها العدو الأمريكي الإسرائيلي بتصوير الإسلام على أنه خطر على الإنسانية وليس منقذا لها، ويصور المسلمين وكأنهم سفاكوا دماء وليسوا دعاة لرسالة دينية مقدسة جاءت لخير البشر جميعا وسعادتهم.

    وبقدر قوة الإمارة الإسلامية ونهضتها داخليا، ومع نشاط علاقاتها الخارجية مع دول المنطقة في مجالات الاقتصاد، فسوف ينعكس ذلك إيجابيا على أوضاع مسلمي المنطقة، فيندمج الكثير منهم في العلاقات التي تربط الإمارة بأوطانهم، خاصة في مجالات التبادل الاقتصادي، بما يتيح لهم فرصة للحركة الواسعة والتفاعل الثقافي والديني مع الإمارة .

    علاقة الإمارة مع الجوار ستكون ضمانة لتنمية اقتصادية وإعادة الإعمارعلى أسس التكافؤ والتعامل الاقتصادي العادل، بعيدا عن الاستغلال والنهب الاستعماري الغربي، وطريقاً لخلق سوق إقليمي كبير يستغني عن عملة الدولار التي أذل الأمريكيون بها العالم، وبعيداً عن قنوات البنوك الدولية الربوية التي سيطر بها اليهود على شعوب العالم. سوق قائم على التعامل بالعملات المحلية، أو بعملة موحدة مستقبلا، مع اعتماد مبدأ مقايضة السلع بدون استخدام العملات، وهو نظام قائم حاليا بشكل جزئي بين بعض الدول الهامة في المنطقة.

بثرواتها الطبيعية الهائلة سوف تبني الإمارة الإسلامية أفغانستان من جديد، وتبني اقتصادا قائما على زراعة تحقق الاكتفاء الذاتي لاحتياجات المواطنين، وصناعة تلبي احتياجات بناء دولة حديثة ومتطورة. وبالمشاريع المشتركة مع دول المنطقة وتسويق الخامات في مقابل تأسيس بنية تحتية زراعية وصناعية فإن إجراءات الحصار والعقوبات ضد الإمارة لن تجدي نفعا.

إن علاقة أفغانستان مع دول الجوار لها أهمية استراتيجية لجميع شعوب المنطقة، لتنميتها واستقرارها بعيدًا عن النزاعات الداخلية أو التدخلات الاستعمارية الخارجية.

وفي المستقبل قد تتوصل دول المنطقة إلى إنشاء مؤسسات تشرف على الشؤون العامة المتعلقة بالاقتصاد والنزاعات والمشكلات المستجدة ، كبديل عن المؤسسات الدولية الحالية التي أثبتت فشلها على الدوام وتحوّلها إلى أداة في يد أمريكا بشكل خاص والدول الاستعمارية عامة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

” الإمارة الإسلامية” ضرورة للعالم الإسلامي:

لا يقل احتياج العالم الإسلامي عن احتياج شعب أفغانستان لقيام”الإمارة الإسلامية”. فحالة تراجع المسلمين شاملة، سواء الحالة الدينية أو الأحوال السياسية والمعيشية. وتقترب معنويات شباب المسلمين من اليأس الناتج عن حالة الانهيار.

عودة الإمارة وإعادة حكم الإسلام إلى أفغانستان يمثل انبعاثا حقيقيا للأمل في الشرايين المتيبسة للأمة الإسلامية. فعودة الإمارة لن تكون عادية، بل تأتي بعد حرب طاحنة ومتصلة، كانت هي الأقسى في الحروب الجهادية جميعا، والحرب الأطول في تاريخ المستعمر الأمريكي.

– { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  } ـ 16 سورة البقرة  ـ

لم يكن من السهل القتال ضد الاحتلال الأمريكي وحلف الناتو، بكل ما معهم من أسلحة لم يسبق استخدمها في أي حرب، وكانت مهيأة في الأصل لحرب عالمية ضد قوى عظمى وليس دولة صغيرة ضعيفة تداولت عليها حروب المستعمرين.

خسائر الحرب على الجانب الشعبي كانت مهولة وأضعاف ما كانت عليه خلال الحرب ضد السوفييت. ولكن المستعمر الأمريكي تكتم على جميع المعلومات المتعلقة بالحرب، وأطلق الأكاذيب، خاصة ما يتعلق بخسائره العسكرية، وأعداد الأهالي الذين قتلهم.

ولكن على الجانب الآخر كان في تلك الحرب خيرعظيم يصعب حصره، كما يستحيل الحصول عليه في غير تلك التجربة القاسية. فنيران الحرب صهرت معادن الرجال فصنعت جيلا من الشباب والرجال ـ يمكن القول بكل اطمئنان ـ أنه لا نظير لهم في عالم اليوم وليس العالم الإسلامى فقط . فمعظم هؤلاء ـ من جنود الله على الأرض ـ لا يعرف أكثر الناس أسماءهم ولا صورهم . فعلاقتهم مع الله مباشرة، من مواقعهم تحت ظلال السيوف، وسط نيران الحرب ضد أقوى جيوش الأرض التي لم يسبق للشيطان أن امتلك مثلها في أي زمان.

لهذا فهزيمة أمريكا وإسرائيل والناتو في أفغانستان هي بداية الانهيار الفعلي لمملكة الشيطان على الأرض. وبداية حقيقية ليقظة المسلمين، وانبعاث الأمل في النفوس المحطمة لكل البشر المستعبدين، أيا كانوا، في أي أرض ومن أي دين.

– مآزق صعبة لا يوجد غير الإمارة لديه القدرة على العبور بالأمة الإسلامية منها . أوِّلُها كما ذكرنا أزمة اليأس، وفقدان الثقة في النفس، وابتعاد الشباب عن الدين .

– الأزمة الثانية هى تمزيق الأمة في صراع الإبادة بين المذاهب الإسلامية، وتقسيم الأمة الواحدة إلى طوائف متصارعة. فيسارع بعضهم لتقديم الولاء للكافرين مستقويا بهم على باقي المسلمين، سعيًا منه للتشبث بأذيال السلطة مستعينًا بقوة الكافرين وسلطانهم.

من هذا المدخل استولى الأعداء على الكثير من أراضي الأمة وثرواتها . بل وسرقوا شبابها واستولوا على عقولهم وضمائرهم. واستفاد العدو من إمكانات المسلمين لتدمير المسلمين أنفسهم حاضراً ومستقبلاً .

– من أسباب نجاح الإمارة الإسلامية في جهادها ضد الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي هو تفاديها محاولات توريطها في قتال داخلي، سواء مذهبي أو عرقي، فيحولها ذلك إلى واحدة من حركات الفتنة التي انتشرت في العالم الإسلامى لتدمير الأمة واستنزاف طاقتها داخليا، وتصرفها عن قتال العدو، فجَعْل هؤلاء المنحرفون من الفتنة منهجاً مقدساً وهدفاً لدين اخترعوه لأنفسهم . الدواعش من هؤلاء، إلى جانب أمثالهم من خريجي نفس المدرسة التخربية المنحرفة.

– بعد الاحتلال الأمريكي لم يتحارب السنة والشيعة في أفغانستان، بل قاتلوا جنباً إلى جنب تحت الراية المنتصرة للإمارة الإسلامية. إسرائيل وحلفاؤها اعتبروا ذلك عملا عدائيا يهدد احتلال اليهود لفلسطين ، فبقاء اليهود وتمدد سلطانهم على بلاد المسلين قائم على توسيع رقعة الفتنة الدامية بين السنة والشيعة، وإزكاء كل ما هو ممكن من الفتن العرقية والدينية والمذهبية.

– يرى البعض أن أفغانستان في ظل الاحتلال الأمريكي باتت مهددة بحركات انفصال عرقية ومذهبية يدعمها اليهود وأعضاء بارزون في حلف الناتو، بعضهم للأسف من المسلمين. ولكن تنامى قوة الإمارة على أرض أفغانستان، ورجاحة موقفها السياسي، جعل مشاريع الانفصال قائمة على غير أساس، ولا تحظى بدعم إقليمى سوى دعم متردد قادم من الهند يمكن وقفه بوسائل سياسية غالبا. ناهيك أن الأساسات العسكرية للانفصال  قائمة على قوات الاحتلال، وبالتالي سوف تنتهي تلك الأحلام بسرعة. فالشعب الأفغاني لا تخطر في باله أي أوهام انفصال. أما القادة العملاء المغامرون فمصيرهم الفناء مالم يستسلموا للإمارة الإسلامية بدون قتال.

تحميل مجلة الصمود عدد 179 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

الإمارة الإسلامية : لماذا هى مهمة؟.. ولماذا لا يريدها العدو؟.




طلوع ظريف

طلوع ظريف

طلوع ظريف

حديث وزير الخارجية الإيراني السيد ظريف مع قناة طلوع الأفغانية كان مضطرباً ومتناقضاً وغير دقيق . فبالنسبة لحادث مزار شريف1998 الذى راح ضحيتة 8 من أعضاء القنصلية الإيرانية ، فإن الناجى الوحيد من الحادث السيد (مدد الله شاهسون) قد أدلى للإعلام المحلى بإفادته كشاهد عيان ، ونسف الرواية الرسمية التى شاعت منذ ذلك الوقت .

–  نعطى العذر للسيد ظريف ، فهو يعانى من أكبر فشل فى حياته المهنية نتيجة أنهيار الإتفاق النووى الذى خرجت منه أمريكا وتريد تطويره إلى نزع سلاح وتحجيم للدور السياسى لإيران بما يعنى وضعها تحت الوصاية الأمريكية . وبشكل ما يُعتَبَر ذلك فشلاً لمهندس الإتفاق الوزير ظريف والتيار السياسى الذى يمثله ، وتحديا حقيقيا لهم فى إنتخابات الرئاسية القادمة.

–  لن تكون حركة طالبان إرهابية إلا إذا إعترفنا بالمعايير الأمريكية للإرهاب التى تشمل المقاومة الفلسطنية وحزب الله . ولو كانت حكومة مشتركة بين طالبان وحكومة العملاء فى كابول عملا منطقياً، لكان لازماً تشكيل حكومة فى طهران بعد نجاح ثورتها الإسلامية يشترك فيها ممثلين عن النظام البائد ، وعن الشيوعيين بحزبهم الأقوى فى المنطقة .

–  عدوان أمريكا وحلف الناتو على أفغانستان لم يكن لخدمة شعب أفغانستان أو لتشكيل حكومة ديموقراطية. وإلا كانت حكومة نتنياهو حكومة ديموقراطية تمثل الشعب الفلسطينى .

فالجهاد ضد الإحتلال وطرده يكون عبثاً لو أعقبة حكم مشترك مع عملاء الإحتلال .

فالأمريكيون لم يتركوا لأفغانستان غير الفساد الذى يستدعى التطهير، ثم إعادة البناء من جديد.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

جواد ظريف علي قناة طلوع الافغانية

 

 




من ترامب إلى بايدن : إنتصار زائف وتراجع حقيقي

من ترامب إلى بايدن : إنتصار زائف وتراجع حقيقي

من ترامب إلى بايدن
إنتصار زائف وتراجع حقيقي

 

ترامب يصور نفسه على أنه بطل وضحية مؤامرة أبعدته عن دفة قيادة أمريكا والعالم .

فى الواقع هو من أسس ـ بغباء ـ لمرحلة الإندحار فى أهم حروب البنوك الصهيونية وإسرائيل . فشل أمام إيران التى لم تستسلم لضغوطه القصوى ، بل تأقلمت ـ إلى حد كبير ـ مع الحرب الإقتصادية ، وحروب الكورونا المبرمجة جينيا ـ وصمدت أمام الحرب النفسية والتهويلات العسكرية القادمة من الضفة الغربية للخليج (العبرى الذى كان عربيا) ـ وأمام ضربات ضد أمنها الداخلى طالت العاصمة كما طالت أطراف البلاد.

بايدن قادم ليحصد الفشل الذى جهزه ترامب بسياساته الفاشلة ضد إيران ، وفى حرب لا تنتهى فى أفغانستان خسرتها أمريكا وإسرائيل بجدارة . فحولوها إلى حرب من نوع جديد ، تتضح أهدافها فى كلمة منسوبة إلى بايدن قال فيها (إن أفغانستان لن يتم توحيدها أو بناءها أبدا ). وهذا يعبر عن نقمة شخص مهزوم، خسر جولة كبرى فى حرب لن تسير أبدا لصالحه .

خسر ترامب كثيراً فى أفغانستان، وجيشه غادر ساحة المعارك، تاركاً فى قواعده عدة مئات لمجرد المتابعة وإنتظارا لأى ثغرة أو صدفة قد تغير المسار. وتاركاً خلفه وريث غير شرعى هو الجيش السرى الإستخبارى الذى يدير الحرب بواسطة ضباط كبار أمريكيين وإسرائيليين .

– بتحييد قاعدة باجرام الجوية بضربات المجاهدين خسر ترامب مواقع تحضير الهيرويين الأساسية، ويلعب الآن فى زواريب صغيرة هنا وهناك . وبتحرير طالبان للأراضى خسر ترامب خطوط إمداد كانت تزوده بشلال لا ينضب من خام الأفيون القادم من المزارع إلى القواعد الجوية . تقطعت السلسلة وتناوشتها مئات الذئاب من داخل السلطة التى بناها الإحتلال وأنفق عليها المليارات . ضباط جيش ومخابرات وشرطة ورؤساء ميليشيات ، وإثنان مرة واحدة يرأسان الدولة ، وأعضاء برلمان وشورى ، وقطيع هائل من سماسرة الأفيون، ولوردات مخدرات من الرجال والنساء (تأكيدا لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين).

 

تركيا بطل المرحلة الثانية من الحرب :

– تركيا دخلت بتوسع لتملأ الفراغ الناتج من إنسحاب أمريكا وإنخفاض نشاط حلف الناتو. دخلت بإسلوب عسكرى وإستخبارى جديد يناسب المرحلة الثانية من حرب الأفيون الثالثة التى شنها جورج بوش تحت شعار الحرب الصليبية على أفغانستان والعرب والإسلام .

شمال أفغانستان له أهمية خاصة فى المرحلة الثانية للحرب الثالثة، ومنه تُنَفَّذ إستراتيجية مشتركة تركية/ إسرائيلية طموحة، تتخطى أفغانستان لتصل (وبصحبتهم الدواعش) إلى حدود الصين، وصولا إلى شواطئ البحر المتوسط مرورا بآسيا الوسطى والقوقاز.

فالشمال الأفغانى هو قلب إستراتيجية المخدرات الجديدة . كما أنه جزء هام من إستراتيجية المياة المشتركة بين تركيا وإسرائيل والتى تقتضى بمد” خط أنابيب السلام” الذى يزود إسرائيل بمياه الأنهار الإسلامية دجلة والفرات وسيحون وجيحون(فى آسيا الوسطى)، لتوصيل ما يتبقى منها إلى عرب النفط فى الجزيرة والخليج. وهذا ما كُشِف عنه النقاب فى منتصف التسعينات الفائتة. ولهذا تتعاون إسرائيل وتركيا لفصل الشمال الأفغانى عمليا فى البداية، ثم رسميا عندما تنضج الظروف.

– خط التهريب الأساسى للهيروين بعد أن كان ينطلق من قاعدة بجرام الجوية أصبحت بدايته مطارات فى الشمال الأفغانى خاصة مدينة مزار شريف التى تحميها ميليشيات “جلم جم” الأوزبكية وعصابات الدواعش العاملة مع الجيش التركى . بدأ خط التهريب بطائرات تركية فى البداية رفعا للحرج، وهى غالبا طائرات إسرائيلية أو تستأجرها إسرائيل من تركيا . ليبدأ التوزيع الدولى للهيروين من تل أبيب وحيفا وغيرها . فإسرائيل لا تُحوِّل فقط مجرى الأنهار صوب فلسطين المحتلة كما حولت أنهار الأردن واليرموك وأنهار لبنان . فى المرحلة الإمبراطورية الجديدة تضع أناملها فى أنهار سيحون وجيحون فى أفغانستان وآسيا الوسطى الإسلامية . وأيضا تحوِّل ماهو أكثر ربحية وسطوة دولية وهو نهر الهيرويين المصنوع فى أفغانستان.

وبالتوازى مع تحويلها مجرى نهر الهيرويين حوَّلت أيضا مجرى الأموال القذرة . فبدلا من ذلك الجزء الهام الذى كان يصب فى الإمارات ـ وروافد ثانوية فى الخليج ـ أخذ يتحول صوب بنوك إسرائيل مباشرة.

النتيجة أن المشاريع الهائلة التى كانت تقام فى الإمارات وباقى المشيخات بشكل عام، أصيبت بالسكتة القلبية . فتوقفت مشاريع ضخمة وهبطت القيمة السوقية لها، وأصبح بعضها يباع بأقل من ربع قيمته الأصلية.

وهنا جاء القرار”السيادى” للمشيخات بالتطبيع مع إسرائيل . الذى من ضمن أهدافه، وليس أهمها، إقناع اليهود بترك شيئ “للمواطنين”، بعد أن ظهر أن المواطنين الحقيقيين هم يهود إسرائيل (بدأوا فى إلتقاط صور لهم مرتدين الدشاديش الوطنية). أما أصحاب السيادة المشايخ ، والسادة المواطنين المنتفخين غرورا وتفاهة ، فقد سبقت عليهم كلمة لتيودور هرتزل مؤسس الصهيونية، قالها منذ قرن أو يزيد:{ حين نحتل البلاد يجب أن نستخلص ملكية الأرض ، ونشجع فقراء السكان على النزوح ونرفض إعطائهم عمل فى بلدنا}. يمكن تغيير كلمة “بلدنا” لتصبح أبوظبى أو دبى أو قطر أو الرياض أو نيوم أو جده .. أوعدن أو سوقطرى .. أو حتى إدلب أو الموصل أو كركوك أوالسليمانية.

فإسرائيل ترى تلك البلاد هى “الشرق الأوسط”، أرضهم “الموعودة الواعدة “حسب تعبير شيمون بيريز. أما بن جورين أحد كبار اليهود المؤسسين فيقول (إن اليهود لا يحتلون شبراً واحداً من أرض العرب ، ولا زال العرب يحتلون مساحات واسعة من أرض إسرائيل ) .

بمعنى أن على كل عربى أن ينظر تحت قدميه ليشعر بالخجل من نفسه لأنه يقف على أرض مغتصبة من اليهود . فليس فقط الخليج (العربى!!) لليهود بل جزيرة العرب كلها .. بل وأراضى العرب جميعا ــ من طنجة إلى أبوظبى ــ

تغيير عالمى ليس بالهين ، سيرى العالم آثاره تِبَاعاً مع عهد بايدن الوشيك ، عهد الهزائم الكبرى التى سوف تلتصق به وبحزبه الديموقراطى، رغم أنها مجرد حصاد لإستراتيجية ترامب . التيار الأمريكى الفاشى يتجهز للعودة بعد أربع سنوات من الفشل والعار الذى سيدمر سمعة الديموقراطيين (هذا إذ لم يرجع الفاشيون إلى الحكم عبر حرب أهلية أو إنقلاب تسانده أجهزة الدولة فى نسخة عملاقة من تجربة 11 سبتمبر المجيدة). أو قد نرى بعد أربع سنوات عودة مظفرة لوزير الخارجية الإستخبارى بومبيو الذى وثّق عرى تحالفه مع إسرائيل وعرب العار فى الجزيرة.

 

كابوس إسرائيلى على جزيرة العرب :

إنهارت البيوت المالية فى الخليج ، وتهاوت أسعار المشروعات الكبرى والعقارات ، وتراكمت الديون . والعملات الخليجية أصبحت مجرد أوراق ملونة تنتظرعود ثقاب إسرائيلى ليحرقها. ولكن إسرائيل تقبض/ على هيئة قرارات سيادية بالتطبيع/ ثمن تأجيل إعلانها عن وفاة المشيخات وإقتلاعها من الجذور. فتضمن إستمراريتها إلى حين قرارسيادى سوف يصدر هذه المرة من”القدس” بإسدال الستار على المسرحية السمجة للمشيخات، ورفع كلمة (إنتهى الدرس أيها الأغبياء). وذلك سيكون مجرد مدخل لبداية العهد اليهودى فى الخليج والجزيرة . سيشترى اليهود كل شئ فى مقابل (تراب الفلوس). بداية من بيوت المواطنين الذين ينافقون اليهود ويقيمون لهم الحفلات المنزلية ، وحتى شركات النفط الوطنية العملاقة المحجوزة عمليا لمشتريها اليهود ، فى إنتظار التوقيت الملائم لإعلان الشيوخ عن بيعها لليهود/ يهبونها لهم فى الحقيقة / بقرار سيادى على أوراق من دفتر التطبيع .

نفط الخليج والجزيرة موقوف منذ سنوات للإنفاق على مجهودات إقامة إسرائيل العظمى المسماة (الشرق الأوسط الكبير) ومشاريعها الكبرى القادمة، والتى إستفاض بيريز فى وصف أهميتها وصورتها العامة فى كتابة الشهير الذى يحمل نفس الإسم ، خطوط نفط وغاز وخطوط سكة حديد وطرق برية تربط أنحاء جزيرة العرب بعاصمتهم الجديدة (حيفا) وأسيادهم الجدد/ القدماء، يهود إسرائيل.

 

أخبار سارة :

فليبتهج أغنياء النفط بالخبر القادم من تل أبيب والقائل بأن إسرائيل أصبحت مركزاً مهولاً للبغاء الذى يدر على دولة البغى والبغاء مليارات تفوق ما يتأتى لها من صناعة السلاح .

أما فقراء الجزيرة الذين سينجيهم الله من جحيم مملكة الشيطان ، فإن ما يسعدهم هو وجود فرص تكفى لإحراز النصرـ فلا أعذارـ فالمقومات المادية لجهاد ناجح لإخراج المشركين والكفار واليهود من جزيرة العرب موجودة، بل متوفرة إذا توفرت العزيمة . ما فى الجزيرة الإسلامية المباركة يكفى للنصر، من الصحراء إلى البحر والجبال المطلة علية، إلى ذخائر سلاح لا ينفذ، التقليدى منه والمتطور . والأهم هو ذخيرة الإيمان خاصة إذا دعمته وسائل وأسباب سخرها الله، وجعلها فى نفس جزير الإسلام التى تخلى عنها أهل الردة من العرب ، ولكن لم يتخل عنها المؤمنون . ومع الإيمان لا تضرالقِلَّة ، ومع الباطل لا تفيد الكثرة.

ونصر الله فى إنتظار من ينصرالله.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 

من ترامب إلى بايدن : إنتصار زائف وتراجع حقيقي

 




الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

نفذت إسرائيل قدرا كبيرا من الإغتيالات ضد علماء الذَرَّة . ليس فقط فى إيران بل أيضا فى العراق التى شنوا حرب إبادة على علمائها، ومصر التى شتتوا علماءها النوويين ، وعلماء من تركيا و فلسطين و تونس وغيرها . كما إغتالت عددا كبيرا من الأطباء والمهندسين وخبراء التكنولوجيا المتقدمة ، طالما هم خارج إنظمة السيطرة اليهودية .

الإغتيال لن يستمر طويلا كإمتياز حصري لإسرائيل . بل إن ظهور مملكتها المسماة “الشرق الأوسط الجديد” / ومدخله المسمى بالتطبيع/ سوف يجعلها مستقبلا هى الأضعف فى ذلك النشاط. وطبقا للمنطق الإسرائيلى نفسه سيصبح الإسرائيليون مستهدفون ، ومعهم ذلك السرب الطويل العريض من اَوِّزْ التطبيع ، وقطعان الأبقار.

ولن يكون علماء العدو هم فقط المستهدفون، بل أيضا أصحاب نشاطات إقتصادية، ومروجون تجاريون، وقوادو إعلام . فإغتيال العدو وكلاب حراستة وطَبَّالي الزفة قد يتحول إلى نشاط شعبى. والإغتيال الإنتقائى أو حتى العشوائى سيكون عملاً أرخص وأسهل، وربما تحول ذات يوم إلى رياضة شعبية.

ليس ذلك رجما بالغيب بل بناء على سوابق تاريخية. لا نستطيع حصرها فى بلاد العرب من المغرب العربى إلى السودان والشام والعراق. لذا سنورد نماذج موجزة للغاية من مصر وشعبها المشهور بأنه مُسالِم فوق العادة .

 

– فى الحملة الصليبية الفرنسية على مصر . وإحتلالها مدينة دمياط الساحلية وتقدمها نحو مدينة المنصورة الحالية . إستجاب المصريون لدعوات الجهاد وعمَّ بكاء الناس فى مساجد المحروسة ، وتقدموا إلى ساحات القتال ضد الفرنجة (الفرنسيين) . وأبدعوا فى أساليب المقاومة الشعبية براً وبحراً. وخطفوا الكثير من جنود وفرسان الفرنجة، وأرسلوهم أسرى لرفع معنويات سكان المحروسة . وقال أحد المؤرخين القدماء عن تلك الفترة أن ما فعله العامة ضد الفرنجة كان أكثر مما عمله جيش السلطان الأيوبى . وإنتهت الحملة بهزيمة الفرنسيين وأسر مَلِكِهم .

– فى ثورة 1919 كانت حملة المقاومة الشعبية وحركة الفدائيين السرية فى مصر ضد جنود الإحتلال البريطانى ، عنصرا ضاغطا أثار ذعر جيش الإحتلال وذعر الخونة المحليين . وبعض قادة الثورة أصابهم الذعر أيضا ، فسارعوا إلى عقد إتفاق مع الإحتلال يضمن مصالحهم ويخلصهم من التبعة الثقيلة للمقاومة الشعبية . وتمت تصفية المجاهدين المقاومين بمجهود مشترك بين الإحتلال والقصر الملكى وعدد من قادة ثورة 1919 الأثرياء الإقطاعيين.

 

– وفى حرب 1948 كان أخطر ما واجهه اليهود هم الفدائيين الإسلاميين ـ خاصة من الإخوان المسلمين المصريين ـ فسارع إلى التنكيل بهم فريق من الإستعماريين (اليهود والبريطانيون والأمريكان) والقصر الملكى المصرى . وفى مقدمة الجميع كانت “الأجهزة السيادية” المصرية، إبتداء من”جيش التشريفات والموالد” إلى البوليس السياسى(الجد الأكبر للأمن الوطنى).

– خرجت المقاومة الشعبية العربية لمساندة الشعب الأفغانى وقت الغزو السوفيتى ، على هيئة آلاف الشباب المجاهد . فكان الموضوع المتفق عليه فى المفاوضات بين العملاقين (السوفيتى والأمريكى ) هو تصفيتهم أولا، ثم البحث عن حل لمشكلة أفغانستان ثانيا .

وما زال البحث عن علاج لفيروس الجهاد هو الشغل الشاغل لأعداء الأمة ، وعلى رأسهم إسرائيل ثم أمريكا، ثم كبار الأنذال منزوعى الشرف والسيادة .

 

– التدافع السريع للأحداث أصاب الأمة (العربية/الإسلامية) بالصدمة. فارتماء الأنظمة تحت أحذية اليهود كان غير مُتَخيَّل حتى فى كوابيس الرعب . ولكنه أصبح حقيقة مُتَبَجِّحَة ، فيُمَارَسُ إنحطاط الإستسلام فى ثياب الإنتصار والبطولة.

تكشفت للأمة حقائق السقوط السياسى والفراغ المعنوى . فتهاوت الرموز والمؤسسات الحكومية والتنظيمات الشعبية الإسلامية. والشعوب أصابها الشلل من هول الصدمة . والشباب فى معظمه فقد الثقة والإتزان . ومن المعلوم أن المخطط الصهيونى لتهويد “الشرق الأوسط” قديم ومكتوب منذ ما يزيد عن قرن ، ومعظمه ليس سريا. ورغم ذلك فأبعاد الكارثة مازالت مجهولة للأكثرية، لأن شعوبنا دوما حبيسة التجهيل والتضليل . وتلك مصادفة متفق عليها بين الحكام الطواغيت وبين المعارضة العلمانية والإسلامية. فبدون الجهل والتضليل ما كان لهذا الغثاء أن يستمر، سواء فى الحكم أو فى المعارضة.

وطبقا لذلك المشروع القديم (الشرق الأوسط الجديد)، فإن منطقتنا لن تعود إسلامية ولاعربية ، بل مجرد مستعمرة يهودية كبرى تسيطر فيها إسرائيل على كل شئ . وسوف تلاقى منطقتنا ما لاقته القارات التى”إكتشفها”الأوربيين، حيث تُفَرَّغ الأرض من السكان الأصليين/ بالإبادة والتهجير/ ليعاد تعبئتها بسكان جدد من أجناس مهاجرة ، وعبيد آخرين من غير العرب.

سيفهم الشباب بمرور الوقت أن عليهم ألا ينتظروا أحدا. وعليهم إعداد الزاد المعنوى للمواجهة بإحياء حقيقى للإسلام ، بعيدا عن المؤسسات الدينية الرسمية، وبعيدا عن علماء (نفاق الدولة)، وبعيدا عن الضلال السعودى ، المعروف بإسم السلفية الوهابية ، الدعوى منها والمسلح.

وأيضا.. بعيدا عن الجماعات الإسلامية القديم منها والجديد. فالجميع دخلوا فى منظومة “الشرق الأوسط الجديد” أو الإمبراطورية اليهودية الجديدة. دخلوها بعلم و”ذكاء” من البعض، وبحماس غبى من الأغلبية الصاخبة. فالصحوة التى بَشَروا بها ظهر أنها إغماءة الموت. ودولة الدَعْوَشَة الهستيرية التى تخبطوا بها ، كانت وَبَالاً وذبحا للمسلمين بشعارات الإسلام .

وفى كل الحالات ظهر أن الحماس العاطفى مع غياب العقل ومحاربة الوعى ، هو طريق الهلاك ، وسبيل لسيطرة الأعداء على الجموع المتهيجة ، التى تظن أنها على طريق الحق والصواب.

 

– ضمن محاولات الأعداء لتحطيم ما تحقق من نجاحات ، بعيداً عن السجن العربى الكبير،لا ننسى” نخاس” المرتزقة فى أبوظبى ، الذى نصح الأمريكيين بتنفيذ برنامج إغتيالات موسع ضد قادة طالبان ، كى يدخلوا إلى التفاوض وهم فى وضع ضعيف يستجيب لمطالب أمريكا.

وبالفعل يدور فى أفغانستان برنامج واسع جدا للإغتيالات يقوم به الإحتلال الأمريكى/الإسرائيلى. مستخدمين تكنولوجيا فائقة التطور ، من ضمنها الأقمار الصناعية وطائرات “درون” وأجهزة التنصت والتتبع ، وقائمة طويلة لا تكاد تنتهى من معدات كانت مجهزة لحرب عالمية ضد دول كبرى . وبالفعل فَقَدَ طالبان الكثير من المجاهدين والكوادر.

ولكنهم واجهوا حملة العدو بحملة إغتيالات مضادة، فكانت كفَّتَهم هى الأرجح، رغم الفارق التكنولوجى الهائل ومفعوله القَتَّال . فاغتال المجاهدون قادة نافذون، وجنرالات من الجيش والأمن والإستخبارات ، وفوق ذلك عناصر من الموساد الإسرائيلى وشقيقته الكبرىCIA. حتى فقد العدو توازنه وتناثرت صفوفة تطلب النجاة باللجوء إلى طالبان وإمارتهم الإسلامية.

عناصر قوة طالبان فى تلك الحرب كانت: سيطرتهم على معظم الأرض ـ ومحبة الشعب لهم وثقته فيهم ـ وخشية العدو من قوتهم وهيبتهم ـ وإختراقهم لأجهزة الدولة واستقطاب عناصرها المترددة أو التى غيرت نظرتها للحرب. وفى مقدمة عناصر النجاح تأتى قوة القيادة وكفاءتها العالية مع وحدة وتماسك التنظيم الجهادى (طالبان) وتلاحم قواعدهم الشعبية والقبلية.

– إذا كان من نصيحة للشباب العربى والمسلم فهى : أن أفغانستان هى مجد الإسلام والمسلمين، فتعلموا من الأفغان تنتصروا .. تعلموا منهم الدين وتعلموا منهم الجهاد.. وتعلموا منهم أصول الإنتصار فى حروب المواجهة ، وفى حروب الإغتيال الإنتقائى ، الذى يظن الأعداء أنهم سادته.

ويوم يأتى الشباب المؤمن سيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإغتيال الإنتقائى .. حرب يمارسها العدو

 

 




جلال الدين حقاني مجلة الصمود الإسلامية || السنة الخامسة عشرة - العدد ١٧٨ | ربيع الثاني ١٤٤٢ ھ - نوفمبر ٢٠٢٠م

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 27

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود السنة الخامسة عشرة – العدد ( ١٧٨ ) | ربيع الثاني 1442ھ – نوفمبر 2020 م .

30-11-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (27)

– من ضمن أسرى تورغار ضابط سِكّير يكرهه الجميع . وجندى فصيح يقول أن الضباط لم يخبروه أن المجاهدين طيبون .

–  “على جول” الضخم الأسطورى لا يخشى فى الجبهة سوى من الألغام . أحبه العرب وكرهه ضباط العدو فى الخط الأول ، وأحدث إستشهاده صدمة.

–  البدو يتألقون ويستولون على جبل “ورا تورغار” يقودهم البطلان “جولاب” و”أورانج”.

–  حقانى يغادر مركز القيادة فى منتصف الليل. والغرفة الضيقة فوق الجبل إمتلأت بمجاهدين مترامين كيفما اتفق.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 178 : اضغط هنا

 

الأحد 18 فبراير 90 :

يوم مُشرِق بدأت فيه غارات الطيران مبكراً فعمل الطيران بعنف بالغ، ولم تكد الطائرات تتوقف عن قصف تورغار بشكل مستمر.

فى مركز خليل عقد حقاني إجتماعاً مع قادة الميدان لمناقشة معارك تورغار والتخطيط لمعركه (ورا تورغار) القادمه.

ثم وصلت أفواج الأسري، وكانت دفعة كبيرة من الجنود وبعض الضباط تم أسرهم فوق الجبل، كان من بينهم ضابط في حوالي الثانية والعشرين، قوي البنية مثل بغل إسترالي، ذو ملامح غليظه بليدة.

وكان موضع إزدراء وكراهية الجنود، والضباط القليلون الذين أسروا معه. كان من منطقة جاجى ومن قبائل منجل، ويظهر أنه كان الحزبي الوحيد فى المجموعة. إشتكى الجنود أنه كان يحتسى الخمر كثيراً و يعاملهم بقسوة. وإعترف هو بأنه تلقى تدريبيه في الإتحاد السوفيتى، لم تكن الجلسة للمحاكمة ،لذا لم يقتل ذلك الضابط رغم الكراهية التى أحاطت به من كل جانب.

لكن جندياً أحمقاً أثار ضحك الجميع فخفف المخاطر عن الضابط الكريه. كان الجندي مشهوراً بين زملائه ببساطته المتناهية لذا كانوا يضحكون كلما بدأ الكلام.وكان يقف أمام حقاني مشدود القامة بأكثر مما ينبغي لدرجة أنه كان مقوساً إلي الخلف بشكل يدعو للسخرية، كانت يداه في خشونة لحاء شجرة معمرة.

ومن وقفته العسكرية المضحكة كان يجيب علي أسئلة حقاني الذى سأله متحبباً إليه:

أيهما أفضل المجاهدين أم حكومة كابل؟. فأجاب ذلك الفلاح الفصيح بعكس ما كان متوقعاً، أى الإجابة التى يجيب بها الجنود عادة عندما يقعون في الأسر بأن “المجاهدين أفضل بالطبع” وبدلاً عن ذلك أجاب الجندى المقوس: كلاهما جيد يا سيدي العالم.

فأجابه حقاني مندهشاً: كيف أن كلاهما جيد ؟.

فأجاب الجندى: لأنهم مسلمون ومن الأفغان ياسيدى!.

فضحك الجميع بما فيهم حقاني، الذي لقنه درساً طويلاً بدأه بقوله:

كيف تقول ذلك أيها الأحمق ألا تعلم أن حكومة كابل شيوعية.. إلخ.

كان الجندى مرتبكاً والجميع يضحكون من حوله حتى زملائه، وفى الأخير إعتذر عن غلطته وألقى باللائمة على ضباط وحدته الذين كانوا يلقنونه أشياء مخالفة لذلك.

لم يمكث هؤلاء الجنود في الأسر طويلاً وأخذ كل منهم مئتى روبية باكستانية لإعانته على العودة إلى قريته، أما الضباط فلم أسمع عنهم بعد ذلك.

كان هناك فارون من الجنود فى(ورا تورغار) وكان عددهم حوالى الأربعين، حملوا معهم

3 كلاشنكوف، وعدد 2 قاذف صاروخى RPG وعدد 2 جرينوف.

أجريت أحاديث مطولة مع الفارين والأسري، وكان أفضل من أفادني هو الضابط “ضياء محمد” ، 25 عاما ، من هيرات. وقد فرّ من موقع (ورا تورغار) وقت هجوم المجاهدين علي تورغار الكبير.

وقد درس ضياء حتي الصف الثاني عشر ، تدرب فى كابل سته أشهر وتخرج ضابطاً. قال أنه يعلم بوصول تعزيزات إلي خوست، وهى جزء من الكتيبة 33 التابعة للفرقة 17 في هيرات، وجزء من لواء (جاردخاص) من كابل ،وهو من قوات الصفوة وأعضاؤه حزبيون،و جزء من فرقه 18 المتواجدة في مزار شريف، هذا بالإضافه إلى فرقه 25 المتواجدة أصلا فى خوست، وقوات (داو طلب) أى المتطوعين. وعن قطع المدفعية التى إستطاع أن يحصيها من موقعه أثناء الخدمة،  قال أنه أحصى 4 راجمات صواريخ BM-41 وأربع مدافع DC عيار 122 مليمتر، وأربع مدافع جبلية عيار 76 مليمتر، وقال بأنه فى المدينة طائرتى هيلوكبتر طراز (مى ـ 24) إنفجرت إحداها وبقيت واحده فقط.

وأكد أن الحاله الغذائية فى المدينة متردية وكذلك الخدمة الطبية التى لا يلقي الجنود شيئا منها، وأن قائد المخابرات (خاد)فى المدينه ويدعي( رحمت شاه) هو المسئول عن عمليات التهريب من باكستان وأهم ما يركز عليه هو البترول والطعام.

وقال بأن القيادة العسكرية في المدينة منقسمة على نفسها بين (خلق) و(البارشام) وكل فريق يحاول دعم موقفه وتقوية نفسه فى مقابل الفريق الآخر، ولكنه أكد أن كلا الفريقين مصمم علي القتال حتي النهاية، رغم كلامهم الكثير عن الوفاق والصلح.

 

الاثنين 19 فبراير 90:

في وقت الضحي كان مركز خليل يضج بالنشاط، وعسكر من الفارين يقومون بكل همة بتنظيف صواريخ كاتيوشا من التراب والشحم تمهيداً لتوزيعها على  الخطوط الأولي.

وسيارات البيك آب تأتى لتحميل الذخائر من المغارات المحيطة بالمركز ثم تذهب مسرعة. وعلي بعد أمتار من المركز هناك دبابة  وصلت  بالأمس وهي مغطاه بغطاء من قماش عسكرى سميك، بينما دبابة أخرى يعمل بها طاقم الإصلاح الذين غطاهم الزيت الأسود والأتربة حتى صاروا كأشباح مخيفة ولايحاول أحد مصافحتهم. ومخبز المعسكر قد إزداد نشاطه وتعزز عدد العاملين فيه، فالجبهة كلها تأخذ خبزها من هنا ثلاث مرات يومياً. فهو إذن لايكاد يتوقف غير ساعة أو إثنين أثناء النهار، والعديد من المراكز يعتمد على مطبخ مركز خليل في كامل الوجبات ، مثل مركز الترصد مثلاً.

ورغم الأمطار والطين والبرد فى أيام الشتاء إلا أن الأعمال الإدارية كانت تسير بشكل جيد ، على الأقل كانت الشكاوى نادرة . وجزء من الفضل فى ذلك يعود إلى التوفيق فى العمليات الذي ينسى الناس الجوع والتعب، وحتى عدم توافر الأغطية فى ليل خوست القارس.

لكن اليوم مشرق وجميع الدلائل تشير إلى أن عملية ما على الأبواب. ولم يكن هناك أكثرأهمية من الجبل المتبقي أى (وراتورغار) الذى جعل الإنتصار الضخم يوم الجمعة الماضى معلقاً بين السماء والأرض.

كانت إحدى سيارات البيك آب فى طريقها لنقل طعام وذخائر إلي موقع دبابة خليل الشهيرة، فوجدت من المناسب زيارة تلك الدبابة الرائعة وموقعها العجيب. ورأى الصحفى البريطانى (تيم) أنها فرصة مناسبه أيضاً أن يقوم بزيارة إلى موقع فى الخطوط الأولى قبل مغادرته إلى ميرانشاه اليوم.

تحركت بنا السيارة المكدسة بالمجاهدين والصناديق والخبز وأوعية الطعام.  بعد حوالى ساعة كنا في”بورى خيل”حيث مركز” نصرت الله” قائد كتيبه سلمان الفارسى. وهو مركز ضخم ملئ بالمغارات وأمامه ساحة متسعة بين الجبال، وتفصله عن وادى خوست القريب عدد من التلال المنخفضة، وعلى مسافات غير بعيدة عدة مراكز مدفعية وراجمات صواريخ للمجاهدين، لكل منها مغارة أو أكثر تستخدم للمبيت وتخزين المهمات، أو للإحتماء من الطيران وبالفعل فإن مجموعات المدفعية التى تكاسلت عن حفر المغارات وإستعاضت عنها ببيوت طينية ،كما فعلت إحدى المجموعات، أو تلك التى بنت مغارة غير مناسبة، جميعها أصيبت بخسائر في الأرواح غير الجرحى.

 ــ بعد دقائق أصبحنا فى الوادى الفسيح بلا أى عائق جغرافى عن المدينة، هناك القلعه العتيدة على هضبه متون التى أصبحت لدينا رمزا لمدينة خوست، مثلماهو برج إيفل بالنسبه لباريس.

إنحرف السائق صوب الشرق ومضى بأقصى سرعة ممكنه، وقال بأن سيارة قد تحطمت هنا منذ أيام بقذيفة دبابة. لم يكن ذلك مطمئناً بطبيعة الحال. كانت سحابة الأتربة خلفنا تمتد لأكثر من كيلومتر وترتفع لعدة أمتار.

كان طبيعياً أن يرسل لنا العدو قذائف الترحيب، وهو ما حدث فعلاً ولكنه أرسلها إلى المركز لذى نقصده. كنت أحمل عدة قتال كاملة فسألنى تيم عن السبب فقلت له: “لأننى إذا وقعت في الأسر فسوف يقتلوننى فوراً، أما أنت فسوف يُطلق سراحك خلال إسبوع لأنك أوروبى”.

ذهبت إلى دبابة خليل أتفحص موقعها، كانت تحت جرف يحجبها عن أعين العدو فى الوادى، ولكنها ظاهرة تماماً للعدو فى تورغار وما خلفه. لم يكن يحيط بها أى تحصينات تذكر، كانت ببساطة.. واقفه تحت الجرف!!.

فى ظنى أنه كان يمكن عمل الكثير بالنسبة لدبابة مستهدفة من الجو ومن الهاون، كأكثر من أى هدف آخر في كل الجبهة. ولو أن ذلك قد حدث فلربما وفرنا فى عدد القتلى الذين تساقطوا حولها، سواء من الأطقم أو المساعدين.

وعلى أيه حال فإنه دبابة فى مثل ذلك الموقع لا يمكن أن يصمد فيها بشر عاديون، يكفى فقط عشرات الغارات الجوية التى هاجمتهم ومحاولات الهجوم الأرضية التى قام بها أفراد الميليشيات القبلية. أما الموقع نفسه وهو فى هضبه مقابله فكان أكثر من رائع فى تجهيزه الهندسى. شبكة كاملة من المغارات المتصلة الطويلة مع شبكة كبيرة من الخنادق شبه الدائرية حول الهضبة، وهى تكفى لمسير الأفراد بدون إنحناء، ولما كانت الهضبة غير مرتفعة فإن حفر المغارات كان متجهاً الى أسفل لتوفير إرتفاع كاف فوق المغارات. تذكرت السيول ولو أن أحدها تدفق إلى تلك المغارات لتحولت إلى نهر عميق. ولكنهم كانو قد إحتاطوا للأمر بشكل جيد،ولم يحدث لهم أن تعرضوا لتلك المحنة.

تجولت مع تيم فى شبكة الخنادق الخارجية، ولم يكن قد سبق لى ان رأيت تورغار من جانبه الخلفى ومن تلك المسافة القريبة. إلتقطنا عدداً من الصور، حتى إنهالت علينا فجأة سيول من قذائف المدفعية، جعلتنا نجري بسرعة إلى داخل المغارات خاصة وأن بعض القذائف سقطت إلى جانبنا على حافة الخندق .

رحلة العودة كانت أكثر إثارة، والسبب هو”على جول” ذلك الشخص الأسطورى، وكان أبو الحارث قد حدثنى عنه كثيراً لكننى أراه الآن لأول مرة. ولسؤ الحظ أنه جلس معنا فى المقعد الأمامى للسيارة، بينى وبين”تيم” الإنجليزى، وكان رابعنا هو السائق، أما أنا فقد سحقنى”على جول” بجسده الضخم ولصقنى تماماً فى باب السيار، أما تيم المسكين الذى لم يجد مكان للجلوس سوى ما بين كتف”على جول” وكتف سائق السيارة،وإلتصق باقى جسده النحيل فى سقفها. “على جول” طيب القلب الشجاع أمام أى شئ فى الكون سوى الألغام ، وهذا سبب شهرته بين العرب. جلس يكلمنى بلغته المهجنة التي تعلمها ، أو إخترعها ،أثناء عمله بالسعودية لعدة سنوات، عن مغامراته الأخيرة فى الإقتراب من الخط الأول للعدو، والكلام مع الجنود عبر مكبر الصوت . وفى الحقيقه أنه لم يكن فى حاجه الى ذلك الجهاز، لأن صوته “السوبر جهورى” كاد أن يصيبني بالصمم خاصة وأن أذنى اليمني،التى كمن علي جول، على بعد مليمترات منها، طبلتها مرهقه أصلاً

ــ  قال “علي” أنه إكتسب ود وصداقه الجنود الذين يسمعون له بإحترام وتأثير ولكن الضباط “الملاعين”يسبونه بأقبح السباب الذى يندى له الجبين، ويرغمون الجنود علي إطلاق النار عليه، و ضربه بالهاونات.

ولكن مجهوده أثمر، وهرب علي يديه عدد لابأس به من الجنود الذين إستمعوا إليه في النهار وهربوا فى الليل. كان كل ما قاله صحيحاً، إلا جزء واحد بسيط، عندما قال أنه كى يتقرب من خطوط العدو فإنه يرفع الالغام (بحرص شديد) فلما رآنى أنظر إلى وجهه،ولم أكن قد فعلت منذ بدأ يقصفنى بحديثه داخل طبله أذنى اليمنى ، فشعر بذكائه الحاد أن  شيئاً من الإشاعات  قد وصلنى .أقصد الإشاعات المغرضة التي تقول أنه يخاف(جداً)من الألغام ، فأضاف قائلاً:

ــ وأحياناً آخذ معى أحد الاخوة العرب ليساعدني في نزع الألغام. وفى الحقيقة فقد أحبه العرب فى مركز أبو الحارث كثيراً وأعجبوا بشجاعته وقوته وطيبة قلبه وكرمه .

كان دائماً يدعوهم الى بيته كي يذبح لهم حروف ( بدون نقطة على حرف الخاء). ولكن لم يذكر لى أحد أنه لبى الدعوه لأكل  لحم ذلك”الحروف”. ولكن العرب كانوا يمازحونه كثيراً بالنسبه لموضوع الألغام، وكان هو نفسه يضحك كثيراً من ذلك ويعترف فى النهاية بروح رياضية بأنه يخاف منها كثيراً.

كل من تعامل مع على جول كان يحبه لدرجه غير عادية ، لذا عندما إستشهد بعد ذلك بعدة أشهر بكى عليه الجميع.

حتى خليل أخو جلال الدين حقانى الذى يبدو بطبعه لامبالياً، بكى كطفل فقد أبواه ، حتى أن أبو الحارث كان يتعجب من ذلك، وكان واقفاً وقت دفن ذلك “البطل الضخم”. وقال بأن خليل إرتمى على القبر وبكى بحرقه لم يرى مثلها قبلاً. لم أكن لأصدق أن خليل فعل ذلك لو أن غير أبو الحارث هو الشاهد والراوي لما حدث.

ــ لاحظ علي جول أننى أحمل “كاميراتين” للتصوير واحدة كبيرة بعدسة مقربة، وأخرى صغيرة توضع فى الجيب. فطلب منى أعطيه الكاميرا الصغيرة ،فإعتذرت بأننى أستخدمها للتصوير لمجله حقانى. ظننت أنى أغلقت عليه الطريق، فقد كانت كاميرتى الخاصة. ولكنه فاجأنى بالقول: “إن حقانى قريبى، أنا وهو من نفس القبيلة، ثم إننى سأصور بها في الجبهة وأعطيك الصور لتنشرها فى المجلة، وأكون بذلك أحد العاملين معكم” .

إعتذرت مرة أخرى، لكنه أصر وتشبث مثل طفل صغير تعلق  بأحد الألعاب لدى طفل آخر. وصلنا الى المركز ونحن مختلفان،فعرضت الأمر على حقانى فجعلته حكماً بيننا، فضحك حقانى ووافق بأن أعطيه الكاميرا وأن يعمل علي جول معنا مصوراً ميدانيا. إضطررت  للإذعان، وكاد “علي جول” أن يطير فرحاً.

–   بعد إسبوعين تقريباً قابلته فى نفس المركز وكان أبو الحارث قد أخبرنى بأن”علي جول” يبحث عنى منذ أيام لأن معه صوراً  لى.

سرنى ذلك، ومنيت نفسى بصور نادرة من الخط الأول. جاء “علي جول” ومعه ثلاث صور كلها لأفراد داخل غرفة وفوقهم نافذة مفتوحة، فسألته أين الصور؟ . قال:هذه هى تجربتى الأولى فى التصوير وأردت أن أعرضها عليك حتى تعطينى رأيك.

كانت خيبه أمل بالنسبة لى فسألته عن باقى صور الفيلم.  فأجاب بأنها إحترقت جميعاً وهذه فقط التى نجحت. فشرحت له بأنها لم تنجح لأن النافذة يدخل منها ضوء شديد، وبالتالى فإن وجوه الأشخاص تحتها جاءت معتمه جداً حتى أنه يصعب تحديد هوية أصحابها. قال”علي جول”: إذن أنت لم تعرفنى؟ هذا هو أنا أجلس فى المنتصف وعلى يمينى إبن عمى وعلى يسارى إبن خالى.

فسألته بدهشة: وكيف أخذت الصورة إذن؟.

فرد على مصححاً خطئى:لا يابوى، أنا ما خذت هادى الصورة. هادى الصورة أخذها لى واحد صديقى.

فسألته: لكنك قلت أنك إلتقطت الصور.

فرد بأن الصور التى  إلتقطها لم تظهر فى التحميض وهو يجهل السبب، ويريد  فيلماً جديداً حتى يحاول ويجرب حظه مرة أخرى.

وبهدؤ وبدون جدال، وبكل مشاعر اليأس والإحباط مددت يدى إلى جيب حقيبتى العسكرية وأعطيته فيلماً. فأخذه وهو يشكرنى متهلل الوجه.

لم أشاركه السرور بل ذهبت بى الأفكار بعيداً، بحثاً عن السبب الحقيقى الذى لأجله يأمر ضباط العدو جنودهم بضرب “علي جول” بالهاونات!!.

طلب منى حقانى أن أرافق الصحفى الضيف فى سيارة المركز حتى ميرانشاه لأنه ربما إحتاج وساطتى  لدى الأطباء العرب للسماح له بالركوب فى أحدى سيارات الإسعاف التابعة لهم.

ـ   كانت علاقة حقانى وجماعته متدهورة مع الأطباء العرب العاملين فى الهلال الأحمر الكويتى، بل مع الهيئة الكويتية نفسها. فى هذه المرة لم يكن هناك وقت لبروتوكولات التكريم، فالسيارة مزدحمة والطائرات تقصف المنطقه، فقفزت مع الضيف فى الصندوق الخلفى لسيارة إسعاف كان بها جريحان.

السائق يحاول الطيران لينجو بنفسه وبمن معه من القنابل المتساقطة، وإضطر للتوقف مرة أو إثنين حينما  حاصرته الرمايات من الأمام ومن الخلف. تنهدت مستريحاً عندما عبرنا نقطة الحدود فى غلام خان، لقد إنتهت مطاردة الطائرات كما إنتهت مطبات الطريق الصخرى.

في مكتب حقانى الرئيسى كانت ثلاث سيارات إسعاف مهيئة للتحرك صوب بشاور ، وقبلوا أن يصحبوا “تيم” بدون صعوبة، ولكنه إعتبر أننى ساعدته كثيراً وكنت مجاملاً معه عندما حضرت وإصطحبته إلى ميرانشاه.  أفهمت الأفغان الذين فى القافلة أن هذا الصحفى هو  ضيف حقانى، فأسرعوا بتقديم كل مساعدة ممكنه له.

وهذا التقليد بإحترام الضيف، وكذلك إحترام ضيوف الآخرين هو واحد من أعرق وأنبل الأخلاق الأفغانية. عدت مسرعاً إلى “مركز خليل” فى أول سيارة صادفتها. ثم إنتقلت إلى جبل الترصد والقيادة فى سيارة مركز خليل التى كانت تنقل الماء والخبز إلى هناك. وصلت الي القمه فى حوالى الرابعة وكان حقانى هناك. وفوراً بدأت مدفعية المجاهدين فى العمل ضد “تورغار الصغير” وأخبرنى عبد العزيز أن القصف الجوى على تورغار لم يتوقف منذ الثانية ظهراً وحتى الآن ولكن  لم يبلغ أحد عن وقوع إصابات.

 مدفعية المجاهدين أصابت مخزن مواد غذائية وذخائر فوق تورغار الصغير وقتل هناك عدد من الجنود، أبلغنى عبد العزيز بذلك بعد أن إستمع الى مكالمات العدو اللاسلكية، وكانت سحب دخان تتصاعد من فوق تورغار الصغير.

الساعة 5.24: غارة أخرى على نفس الهدف، ولكنها أصابت خطوط العدو نفسه فى جبل “تورغار الصغير” وأحدثت خسائر، وقد هلل المجاهدون لذلك.

الساعة 5.37: دبابة خليل تضرب بعنف مراكز العدو في الجبل الصغير. الدبابة التي من المفروض أن تعمل من شرق الجبل لم تصل حتى الآن.

الساعة 5.55: جماعة الكوتشى المهاجمين يتصلون مع حقانى، ويقولون بأن العسكر يهربون من الجبل، وأنهم سيطاردونهم. حقانى يضحك ويصيح فيهم مشجعاً. وكانوا يتقدمون من شرق الجبل.

الساعة 6.00: مكالمه لحقانى من المهاجمين:” نحن نحاول الإقتراب بسرعة من دفاعات الخط الأول حتى نستفيد من الضوء الباقى لنتفادى الألغام”.

الساعة 6.06:  جماعة من الكوتشى بقيادة “أورانج” يصلون إلى الخط الأول للعدو فوق الجبل. حقانى يصدر أخطر قرارات اليوم. لقد أمر المدافعين عن تورغار الكبير بالنزول إلى تورغارالصغير ومساعدة زملائهم في تطهيره والدفاع عنه ضد أى هجوم معاكس.

لقد صار “تورغار العظيم” مجرد خط خلفى لإسناد خط الدفاع الأول الذى إنتقل إلى شقيقه الأصغر”ورا تورغار”. لقد كان حقاني متألقاً هذا اليوم. وكذلك فرق المهاجمين خاصه الكوتشى، جماعة الشهيد عبد المنان ، والذين يقودهم أخوه”جولاب”وقد إنضم إليه اليوم القائد الشهير أورانج، وهو من نفس الفريق.

لقد أثارت شجاعة ذلك الفريق الحماس والبهجة كما أثارت الإبتسامات والضحكات. ومن أشهر نكاتهم هو إسخدامهم موجه لاسلكية واحدة، منذ إستلامهم لتلك الأجهزة وحتى نهاية الحرب.

وهذا الرقم هو 4444، وكانت الحكومة تضعه بإستمرار تحت التصنت وكانت تعرف نواياهم ونوايا المجاهدين  من خلال هذا الرقم. وجماعة الكوتشى لا يكذبون أبداً، لذا فهم مصدر موثوق لدى الحكومة. أما عندما يلجأون إلى السرية، وهذا لا يحدث إلا بعد نجاح الإقتحام وبداية جمع الأسري والغنائم فأنهم يستخدمون شيفرة ليست كثيرة التعقيد. كما حدث هذه الليلة مثلاً، فعندما يأسرون جندياً فإنهم يقولون على المخابر :(لقد أمسكنا بقرة). أما إذا أسروا ضابطاً فالرسالة تكون: (لقد أمسكنا خنزيراً).

الساعة 6.09: وصلت الطائرات النفاثة فقصفت تورغار الكبير وما حوله، بعد الغارة قال المجاهدون أنه لم يُصَب أحد منهم.

الساعة 6.12: قائد العدو علي الجبل الصغير يطلب من قيادته فى المدينة إرسال مصفحة لنقله فاتصل حقانى بالمهاجمين وطالبهم بالبحث عن ذلك الضابط وإمساكه حياً.

الساعة 6.18:  راجمات الصواريخ لدى العدو تطلق قذائفها ضد تورغار. وعبد العزيز وجماعتة يشوشون على موجه اللإسلكى الخاصة بمدفعية العدو.

الساعة 6.20: عبد العزيز يخبر حقانى أن طائرات نفاثة قادمة للقصف، وحقانى يأمر المجاهدين بوقف الرمايات حتى تنتهى الغارة الجوية .وكان الوقت ليلاً ومن السهل على الطيار تحديد موقع رمايات المدفعية ومن ثم إصابه المدافع.

أقبلت الطائرات وأفرغت حمولات كبيرة من القذائف العنقودية فوق تورغار، ومخابرة من المجاهدين هناك تقول: لقد أصابوا جنودهم فى تلك الغارة، ويبدو أن بعض الأسرى قد أصيب بالقنابل العنقودية.

الساعة 6.27:  غارة جوية على تورغار إستخدمت فيها قنابل عنقودية ثم قنابل ثقيلة الوزن، ثم غارة جوية على قاعدة المجاهدين فى “بورى خيل” حيث  كتيبة  سلمان الفارسى.

الساعة 6.29: السيارات الحكومية وصلت لنقل الهاربين من الجبل الى المدينة.

الساعة 6.36: ثلاثة من المجاهدين الكوتشى عثروا على ستة من الجنود وأخذوهم أسرى، حقانى يضحك ويصيح بهم مشجعاً على جهاز اللاسلكى “زنده باد”.

الساعة 6.40: ضحكات النصر وممازحات مع الكوتشى من حقاني وباقى المجاهدين، فقد كانوا هم نجوم هذا اليوم.

هبط الظلام على المنطقه إلا ما تبقى من شفق ضعيف.

طائرات الأنتينوف القاذفة تشن عده غارات متوالية، ولكن بدون أن تحقق إصابات.

الساعة 9.25 : كنا داخل الغرفة نلتمس شيئاً من الدفء، سمعنا صوت إنفجار صاروخ سكود، وتبعه صاروخ آخر بعد ثوان، كانت رسائل تهنئة للمجاهدين قادمه من كابول.

الساعة 11.30: كنت مستغرقاً في النوم داخل الغرفة التى إمتلأت بالمجاهدين وكل فرد نام بطريقه عشوائية. أيقظنى حارس حقانى وقال بأن الشيخ سوف يغادر الي معسكر خليل ويسألنى إن كنت سأرجع معه أم أبقى حيث أنا، فأجبت بأننى سأبقى هنا.

سمعت صوت السيارات تغادر المركز، ومن وقت لآخر إستيقظ علي صوت إنفجارات كبيرة وأصوات الطائرات بأنواعها تروح وتجئ، ولكى لم أشعر بالقلق أو الإنزعاج، ولا أحد ممن حولى تزحزح من نومته، فالكل يعلم أن الطائرات ، كل الطائرات ، لن تعيد “عائلة تورغار” إلى قوات الحكومة مادامت تلك القوات قد فرت ولا تنوى العودة مرة أخرى .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 178 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

حقانى : العالم الفقيه والمجاهد المجدد. ( 27 )