عودة إلى الحوارات (2) : المفاوضات : متى تكون حلالا أو حراما

عودة إلى الحوارات (2) : المفاوضات : متى تكون حلالا أو حراما

عودة إلى الحوارات  (2)

– المفاوضات : متى تكون حلالا أو حراما .

– حدود العنصرية عند الإشادة بالأفغان .

– الكلام عن السعودية .. منطقة خطر .

 

أسئلة الجولة الثانية من الحوارات  :

أولا – هل المفاوضات حرام؟؟ :

هل هجومك علي المفاوضات الطالبانية الامريكية في الدوحة يعكس الوضع الداخلي ؟ .
و لماذا تهاجم المفاوضات و القيادة موافقة ؟ و هل المفاوضات بين طالبان و أمريكا حرام و حلال علي الدول الاخري ؟. و كيف الوفد الأسير يسافر الصين و روسيا و ايران و باكستان بحرية كاملة؟.

 

ثانيا : (حكمة الجهاد) :

يا شيخ أبو الوليد الرجاء انصح ولا تهاجم اخوانك .

الجهاد امتحان وابتلاء .

يوجد بيننا الصادقين المخلصين و بيننا ايضا المخطئ و الخائن .  الجهاد برئ من القيادات المنافقة مثل الجولاني و حكمتيار و سياف سابقا ..

لا  تساعد الاعداء علي تفرقة المجاهدين و تستعين بالعنصرية في كتاباتك ( لو أننا كنا أفغانا  .. لما ضاعت فلسطين) .

قالَ رسولُ اللهِ، صـلى اللهُ عليهِ و سلـم :{ لا فرق بين عربي و لا أعجمي و لا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى } .

 

 

ثالثا – رسالة من مجهول :

أنت لست عربيا ولا سعوديا .. فما شأنك بما يحدث في السعودية يا ايراني؟.

 

ابو الوليد المصري (الإجابة الأولى) : 

لا إعتراض على المفاوضات من حيث المبدأ ، ولا توجد حرب إلا واقترنت بالتفاوض الذى هو معركة خطيرة تحتاج إلى يقظة وخبرة .

وكما أن الحرب لا تحسم فى جولة قتال واحدة فإن التفاوض لا يحسم بجولة تفاوض واحدة . وفى التفاوض كما فى القتال: مناورات هجوم ودفاع كما يحتوى على إستطلاع وتجسس ، وأيضا خيانات ، وأخطاء .

– والنتيجة النهائية للتفاوض ترسم أحداث مستقبلية تكون تأثيراتها طويلة المدى. وقد يحافظ المفاوض على نجاحات جيشه وربما تمكن من زيادتها . وأيضا ربما أضاع مكاسب الجيش وتضحيات المقاتلين. لذا قال البعض أن الخطأ فى عملية التفاوض أخطر بكثير من الخطأ فى ميدان الحرب .

لا يقاس التفاوض بأنه حلال أو حرام بالمطلق .. ولكن هو حلال طالما يحقق مطالبنا ويناسب ظروفنا،  وهو”حرام” إن كان عكس ذلك .

– يجب أن يكون التفاوض مناسب من نواحى:

التوقيت ، المكان ، طبيعة وتركيبة الوفود المتفاوضة ، والمناخ السياسى والعسكرى المحيط بالتفاوض . فلا تفاوض فى وقت الضعف أو الهزيمة ، أو عند الوقوع تحت ضغط عسكرى أو إقتصادى  أو سياسى زائد عن الحد. حتى لا نحصل على نتائج ضعيفه وكأنها إستسلام .

وهناك دلالات لإختيار مكان المفاوضات وتوقيتها : كونها إشارات قد تدل على مضمون وروح الإتفاقات المنشودة .

(مثل دلالات توقيع إتفاق مع الأمريكيين فى كامب ديفد ، المرتبط بمفاوضات خائنة تنازل فيها العرب عن حقوقهم لإسرائيل . ومعنى توقيع إتفاق سلام فى نفس المكان إشارة إلى موافقة ضمنية على مسار المفاوضات العربية /الإسرائيلية، خاصة من ناحية الإعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها) . وكذلك هناك دلالة على عقد إتفاق أو مؤتمر مع حلول ذكرى مشهورة لإنتصار أحد الطرفين أو هزيمة الآخر . ومكان توقيع الإتفاق هام جدا . فالطرف المنتصر يوقع الإتفاق فوق أراضيه أو فوق الأراضى التى إحتلها أو فى مكان مهين للطرف الآخر (مثل بارجة عسكرية للمنتصر ، أو مجرد عربة قطار مهجور فى البلد المنتصر . والطرف المنهزم يوقع على وثيقة الإستسلام حسب مايمليه عليه المنتصر . والحل الوسط الذى يحفظ ماء وجه الطرفين هو التوقيع فى أرض محايدة . لذا فالأنسب لنا هو توقيع الإتفاق فى قندهار أو كابل بعد إنسحاب المحتلين منهما . وعلى كل الأحوال لا يجوز أن يستدعى الرئيس الأمريكى وفدنا المفاوض إلى بلاده حتى يوقع معهم وثيقة إتفاق (خاصة وأنها وثيقة مجهولة المحتوى) . فى ذلك إهانة لا تليق بكرامة الشعب الأفغانى وكرامة دماء شهدائه. وبالمثل لا يجوز توقيع إتفاق فى قطر ، لأنها عمليا قاعدة جوية أمريكية ، والأفغان لا يوقعون وثيقة إستسلام للأمريكيين حتى يوقعوها فى قاعدة أمريكية، أو أحد سفن الأسطول الأمريكى ، كما فعلت اليايابان بنهاية الحرب العالمية الثانية .

– التنبيه إلى الأخطاء ليس تشهيرا بأحد ، وليست هجوما على مبدأ التفاوض . ولكن السكوت عن الخطأ جريمة قد تؤثر على مصير شعب وتطيح بنتائج تضحيات جسام ودماء غالية . ومحاولة ( شخصنة ) النصيحة خطأ . كما أن محاولة إسكات صوت النصيحة تعنى دعما متعمداً لمسيرة خاطئة .

وفى كل الأحوال فإن الصمت جريمة ، وللنصيحة وقتها الذى إذا تأخرت عنه فقدت قيمتها . وفى حالتنا التفاوضية : النصيحة فى مسألة عامة لابد من الإعلان عنها لأنها تمس مصالح أعداد كبيرة جدا من الناس . بعكس النصيحة الشخصية التى تمس سلوكا لفرد ، فإن الإعلان عنها غير محبب وقد يكون بها وتشهير يضر بسمعته .

ولكن الشخص المنحرف الذى يتسبب فى أضرار عامة لجمهور الناس ، لا بد من نصيحته علناً ، بل والحذير من تصرفاته مع شرح خطورتها .

وفد التفاوض لا يقوم بوظيفة خاصة به بل هو مكلف من (الإمارة الإسلامية) بوظيفة عامة تمس الشعب الأفغانى خاصة والشعب الإسلامى عامة ، لذا من حق أى مسلم إبداء وجهة نظره فى أى شئ يتعلق بالمفاوضات إذا تأكد لديه أهمية ما يقول بالنسبة لمسار التفاوض والجهاد عموما .

وللإمارة ان تقبل أو ترفض ما تشاء . ولم يحدث أن إعترضت الإمارة على حرية قول الآخرين، حتى ولو عارضت وجهات نظرها الرسمية . وذلك يعكس متانة موقفها السياسى والأخلاقى .

قيادة الإمارة موافقة على مبدأ التفاوض، لكنها تعترض وتوقف أى خلل فى عملية التفاوض قد لا يناسب مصالح شعبها وجهاده المستمر .

– أما عن أداء وفد التفاوض فى الدوحة ، فلنا عليها العديد من الإعتراضات :

أولا قطر ليست بالمكان المحايد، بل إنها على صغر حجمها الشديد ، إلا أنها تحتوى على أكبر قاعدة أمريكية فى الشرق الأوسط وفيها مقر القيادة المركزية للقوات الأمريكية .

فكيف تقبل الإمارة بإجراء التفاوض فى مكان مثل ذلك ، إلا أن تكون هذه المفاوضات غير جدية ، أو أنها لشغل الوقت الزائد .

ودلت مسيرة التفاوض منذ بدايتها على أن الجانب الأمريكى أنما جاء لتمرير أهدافه التى عجز من تمريرها فى ساحة القتال .

وفجأه ظهر مشروع إتفاق غامض لم يُعْلَن عن محتواه ، حتى أن القيادة العليا لم تحاط به علما بشكل واضح وشفاف. وكان من المفترض توقيع ذلك الإتفاق فى إجتماع “سرى” مع الرئيس الأمريكى فى (كامب ديفد) ضمن لقاء كان مفترضا بين ترامب ومفاوضين أفغان من وفد الدوحة . بدون الإعلان عن محتويات الإتفاق ، أو حتى أخذ موافقه القيادة عليه !! .

وقد أعتبر مراقبون ذلك عملاً حكومياً قطرياً ، لا دخل للإمارة به . وحتى لو ظهر مستقبلا أن أحد من أعضاء وفد الإمارة قد شارك فى تلك الخطوة الخطيرة، فإن ذلك يعتبر إنحرافا عن المهام الرسمية المكلف بها . وربما رأت الإمارة عدم تصعيد شوشرة لا جدوى منها حول ذلك التجاوز ، خاصة وأن المفاوضات منذ البداية لا ينظر إليها نظرة جدية من جانب الأمريكان الذين أوصدوا فى وجه الإمارة أى فرصة لإختيار مكان محايد للتفاوض . وإختاروا الدوحة لتكون مقرا للتفاوض فى نفس مقر الإقامة الجبرية للقادة المفرج عنهم من معتقل جوانتانامو ، والموضوعين تحت حراسة قطرية بإشراف أمريكى .

أى أن المفاوضات بدأت من (مَحْبَس) للإقامة الجبرية فهل هذا معقول ؟؟ .

التفسير الوحيد أنها مفاوضات نتائجها محسومة سلفاً، وأن لا حل إلا فى ميدان القتال . أو بنقل التفاوض فى مكان أقرب إلى الحياد. وقد تكون ماليزيا هى الأنسب عمليا خاصة بعد “مؤتمر القمة الإسلامى” الذى عقد هناك رغم التحفظات علية ــ إلا أنه يشير إلى إتجاه لتصحيح مسار مؤتمرات القمة تلك ، التى هيمن علها أمراء وملوك النفط المنحرفون .

بالنسبة لسفر وفد التفاوض إلى دول أخرى غير قطر ، مثل الصين وروسيا وإيران وباكستان، فهى فرصة جيدة لأعضائه لإكتشاف شئ من الأجواء السياسية المحيطة بقضية أفغانستان .

ولكن غير متاح للوفد أن يختار مقار أخرى للتفاوض غير الدوحة . ولا يمكنه أن يسافر طليقا حيث يشاء ، بغير رقابة أو وصاية من المضفين الرقباء فى قطر . أو أن يسافر  على غير وسيله النقل المحدده له، وإلى البلد غير الذى توافق عليه أمريكا وتأخذه إليه قطر. وأعضاء الوفد لا يمتلكون وثائق سفر تصلح للتنقل الحر إلى حيث يختارون ويريدون .

أظن أنه من علامات جدية المفاوضات أن تتم فى مكان آخر غير قطر ، توافق عليه الإمارة بدون قيود السفر التى تفرضها أمريكا على قيادات طالبان ، وتعرضهم الدائم للإعتقال أو إعادة الإعتقال .

– ثم أن عملية التفاوض مبنية على خدعة كبرى تتجاهل أن طبيعة الحرب فى أفغانستان قد تغيرت، بحيث أن الجيش الأمريكى أصبح قوة صغيرة وغير قتالية (فى حدود 3 آلاف جندى) وأن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية تديران حربا قوتها الضاربة هم المرتزقة (بلاك ووتر ـــــ بن زايد/برنس) وداعش والميليشيات المحلية والجيش الوطنى !! .

فالإنسحاب الأمريكى هو هدف مخادع لمفاوضات عمادها الخداع . وبالتالى أمريكا تدير مفاوضات وهمية، بينما توجه ضربات حقيقية فى ميدان الحرب .

 

ابو الوليد المصري (الإجابة الثانية) : 

حكمة الجهاد :

(الجهاد يخطط له العباقرة ـ ويخوض غماره الإستشهاديون ـ وتفوز بثماره قطر). تلك هى الكلمة التى نشرناها فى هذا الموقع تحت إسم (حكمة الجهاد). فهل يعتبر ذلك تفرقة بين المجاهدين؟. وما هى علاقة قطر بالجهاد والمجاهدين؟. فمن الخطأ أن تجرى عملية التفاوض بين المجاهدين والإحتلال الأمريكى على مقربة من أكبر قاعدة جوية أمريكية فى الشرق الأوسط ، تنطلق منها الطائرات لقصف الشعب الأفغانى !! . إن فى ذلك مفارقة غريبة ، لابد أن نشير إليها مادمنا غير مطلعين على خفايا قرار التمركز التفاوضى فى الدوحة .

ولتلافى التفرقة وسوء الفهم فإن الوفد التفاوضى للإمارة مُطالب بالشفافية فى إجراءاته ، وتفسير التناقضات التى تحيط بمهمته .

إن الدفاع عن الخطأ ، والتستر عليه ، وإرهاب أى محاولة للإستفسار أو النقاش فى أمر عام من أمور المسلمين ، هو عمل ضار بالإسلام والمسلمين .

– ومن ضروب الإرهاب الفكرى ، ومحاولة التستر على الإنحراف ، الإدعاء بأنه من العنصرية القول : (لو أننا كنا أفغانا .. لما ضاعت فلسطين ) .

ثم إستخراج نصوص شرعية وإستخدامها فى غير موقعها وفى غير المقصود منها .

مثل الحديث الشريف(لا فرق بين عربى وعجمى ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى ) .

فهناك أحاديث أخرى مشهورة عن فضل بعض البلاد والشعوب والقبائل. مثل الأحاديث عن فضل اليمن وأهلها، والشام، ومصر . وفضل جيوش خراسان واليمن فى أحداث آخر الزمان .

– ولاننسى موقف خالد بن الوليد فى أحد الغزوات عندما دعا قوات الجيش إلى التمايز حسب الإنتماء القبلى ، حتى يعلم الناس من أين تأتى الهزيمة . وكان الجيش قد إنكشف عدة مرات . ولكن بعد التمايز إستماتت القبائل فى الثبات خوفا من الفضيحة ، حتى أبيدت بعض القبائل عن آخرها . فهل كان سيف الله المسلول عنصريا؟؟.

وفى مقال (لو أننا كنا أفغانا ..) دعوة للعرب لأن يقتدوا بمناقب إخوانهم المجاهدين الأفغان فى الشجاعة والغيرة والتضحية والكرم والصبر على المكاره .. إلى آخر صفات مكنتهم دوما من دحر غزوات الكفار  و هزيمتهم .

وعكس ذلك ، وبكل أسف نجده عند عرب اليوم ، وقد كانوا فى السابق من خير الأمم . تلك دعوة إلى النهوض وليس للتفرقة العرقية . وأقول أيضا :

{ لو كان الفخر بالأفغان عنصرية .. فليشهد الثقلان أنى عنصرى} .

وذلك على منوال قول الإمام الشافعى رضى الله عنه :

 { لو كان رفضاً حبَ آلِ محمدٍ … فليشهد الثقلان أنى رافضي }.

وقوله رضى الله عنه : { أحبُ الصالحين ولستُ منهم ..}.

 

ابو الوليد المصري (الإجابة الثالثة) : 

ردا على من قال لى :

{  أنت لست عربيا ولا سعوديا .. فما شأنك بما يحدث في السعودية يا إيراني؟}.

 

له أقول :

إننى عربى من سلالة قوم هم عرب منذ الأزل . وتلك حقيقة أقِرُ بها، وأحمدُ الله عليها . كما أننى بفضل الله لست سعوديا.  وأدعو لأهلنا العرب الأصلاء فى جزيرة العرب والخليج أن يطهرهم الله من رجس تلك العائلة الشيطانية – اليهودية – وأمثالها . وأن تَطْهُر جزيرة العرب من المشركين والمنافقين لتعود نقية كما أرادها الله ورسوله .

أما قولك بأننى إيرانى، فأستعير قول أحدهم فى موقف مشابه :

 ( هذا شرف لا أدعيه .. تهمة لا أنفيها ).

– وما شأنك أنت بقوم يدركون الإيمان ولو كان فى الثريا ، كما قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

19/01/2020

 

المفاوضات : متى تكون حلالا أو حراما

 




عودة إلى الحوارات (1) : مع الإخوان ، و الحكمة و البعد عن التهويل

عودة إلى الحوارات (1) : مع الإخوان ، و الحكمة و البعد عن التهويل

( نعود مرة أخرى إلى الحوارات بعد إنقطاع طويل بسبب هجمات إلكترونية ضارية على موقع مافا السياسى . مع عناية خاصة بذلها المعتدون لإزالة أو تخريب رسائل الحوار . ولم ينْجُ من العدوان سوى رسائل الشتائم ، وهى غزيرة بفضل الثقافة الجديدة التى يحقنها العدو بإصرار وكثافة فى الأوساط العربية ، بما فيها دوائر إسلامية ذات مواصفات سياسية وفكرية، ملتزمة بمعاداة دينها وأمتها . نحاول إصلاح بعض الرسائل أو تخمين محتواها .  ومن الرسائل النادرة التى وصلتنا سليمة  كانت الرسالة التالية التى نبدأ معها رحلة جديدة من الحوار الذى نرجو  أن يكون نافعا ، وجالبا لقدر  أقل من العداوات .. والشتائم ).

 

عودة إلى الحوارات  (1)

مع الإخوان ، والحكمة والبعد عن التهويل :

الوضع فى مصر حرج ولا نريد صراعا يكسر ظهر البلد .

بعد إستعادة الشرعية يمكن حل مشكلة سد النهضة بالتحكيم والقوانين الدولية.

 

نص الرسالة :

استاذي ابوالوليد

علي راس أزمة سد النهضة السيسي .
تنفيذ المشروع تم بجدية بعد الانقلاب العسكري بإتفاق مع الصهيوني شمعون بيريز مقابل نقل ميلون و نصف متر مكعب من المياه يوميا عبر ترعة السلام.

يجب العمل على تغيير النظام العسكري الديكتاتوري و استرجاع الحكومة الشرعية التي تعبر عن شعبها، بعد ذلك يمكن جدا عبر التحكيم بالقوانين الدولية ابرام اتفاق سلمي و عادل.

لا حاجه لحرب او تفجير. فالمنطقة مشتعلة بنيران التطرف و قوى الاستبداد.  و الوضع في مصر حرج ولا نريد صراع يكسر ظهر البلد للأبد.

أنت في كل مناسبة تحمل الاخوان جميع الإنتكاسات والفشل . ما الفرق بينك و بين الاعلام السعودي الاماراتي ؟!

فلنكن متفائلين وندير أمورنا بحكمة بعيدا عن العنف و التهويل ؟!

 

جواب ابو الوليد المصري : 

الأخ المحترم .. شكرا على رسالتك .

السيسى يقف على قمة هرم الطغاة الذين حكموا مصر . وسيحفظ التاريخ إسمه كصاحب إنجاز تدمير مصر كوطن وكدولة وشعب . وهى مسيرة تمت بسرعة خارقة إبتداء من السادات وربما عبد الناصر . حتى أن إستعادة مصر لعافيتها مرة أخرى تبدو مهمة شبه مستحيلة .

   أما “السد الأثيوبى” فقصته طويلة بدأت من قبل ثورة يوليو ، ومسيرته الجديدة بدأت منذ عهد مبارك . والحلقة الأخيرة بدأت مع عهد الرئيس مرسى  ثم السيسى من بعده .

فالرئيس مرسى رحمه الله، كان يمكنه القيام بدور تاريخى لوقف دمار مصر بواسطة سد النهضة ولكنه لم يفعل . وفى الحقيقة أن تلك كانت أكبر خطاياه . فهو لم يفعل شيئا لمصر ، حتى أنه لم يحاول الإستقلال عن سيطرة المجلس العسكرى وإسترداد سلطاته القانونية كاملة كرئيس للجمهورية  .

وكان أقل ما يمكن فعله هو مصارحة شعب مصر بحقيقة وضع الإنهيار وطبيعة الأخطار. فإن كان عاجزا ، هو والإخوان عن إنقاذ مصر ، فعلى الأقل كان يمكن مصارحة شعبها ووضعه أمام حقائق الإنهيار ولو لمجرد إبراء الزمة .

– هذا يأخذنا إلى الفقرة الأخيرة من رسالتك والتى تقول فيها :

{ولنكن متفائلين وندير أمورنا بحكمة ، بعيدا عن العنف والتهويل} .

وأقول عن التفاؤل : أرجو أن تدلنا على نقطة واحدة فى الواقع المصرى / الشعبى أو الرسمى / تقودنا إلى التفاؤل . فليس لنا سوى حسن الظن بالله سبحانه وتعالى ، وسوى ذلك فلا دليل فى واقعنا يأخذنا صوب التفاؤل .

ليس معنى ذلك أنه لا يوجد حل لما نحن فيه ، بل معناه أن الطريق خطير وعسير للغاية ، لدرجة أن أحدا لا يجرؤ على توصيفه بصراحة ووضوح لجمهور المصريين الغارقين فى معضلات حياتهم اليومية . إننا نكتفى بأن (نلوك) كلمة التفاؤل بشكل مهين ، وكأننا “نتعاطى” ما يغيبنا عن الوعى .

التفاؤل المستمد من واقعنا المصرى .. لا يكاد يكون موجودا .

أما التفاؤل المستمد من حسن الظن بالله .. فهو جزء من الإيمان .

ثم ما هو العنف ؟؟ هل تقصد “الجهاد” بشروطه الشرعية وقيادته المسنيرة ؟؟ إن كان ذلك فلا أرى مخرجاً لأى مشكلة مصرية ، بداية من سد النهضة ، إلى فساد “أمناء” الشرطة وشراسة عقاربها ، وصولا إلى الإنهيار المعنوى الشامل بين الناس، حتى أنهم يفرون من واقعهم بالإنتحار بدلا عن مواجهة الظالمين والضرب على أيديهم بقوة، إذ لا جدوى من “الموعظة الحسنة”.

 ثم أين هو التهويل فيما نقول عن هول الأوضاع فى مصر ؟. إنها أسوأ بكثير مما نقول . فالوضع المصرى “مهول” ولا يحتاج إلى تهويل !! .

فإذا كان تشخيصنا للواقع غير صحيح ، فأى مقترحات للعلاج ستكون غير مفيدة ، بل ضارة جدا . لأن فشل العلاج يستفيد منه الأعداء فى التعجيل بقتل المريض .. الذى هو شعب مصر ، الضحية التاريخية لحكامه المستبدين وأبنائه “المستنيرين” .

 

ثم الفقرة الأهم فى رسالتك والتى تقول فيها :

(يجب العمل على تغيير النظام العسكرى الدكتاتورى وإسترجاع الحكومة الشرعية التى تعبر عن شعبها ، بعد ذلك يمكن جدا عبر التحكيم بالقوانين الدولية إبرام إتفاق سلمى وعادل) .

   ولكن كيف يتم تغيير النظام العسكرى الدكتاتورى ؟؟. فأنت ترفض مبدئيا “العنف” ـ أى الثورة .. أو الجهاد ، أو أى شكل لإستخدام القوة فى عملية التغيير . فهل نوكل مهمة التغيير إلى “التحكيم والقوانين الدولية”؟؟ وهكذا يرحل الحكم العسكرى الغشيم والغاشم ؟؟. وهى نفس الوسيلة التى تقترحها لمواجهة تهديد”سد النهضة” وكأنها مجرد خلافات قانونية هامشية ، وليست قضايا مصير ، وخطر الموت عطشا وجوعاً وتعذيبا لمئة مليون إنسان..

ولنسأل : كم مشكلة دولية حلتها تلك القوانين الدولية ؟؟ .

هل نرى فى وقتنا الحالى أى دليل على وجود قانون آخر غير قانون القوة المتعسفة ؟ . وكم قانون دولى نفذته إسرائيل من تلك القرارات المكدسة لصالح الفلسطينيين؟ .. لم يسترد الفلسطينيين شيئا من حقوقهم . بل ضاعت حقوق شعوب المنطقة . وتفتك إسرائيل بمصيرهم وكأنها ذئب ضارى بين نعاج لا قرون لها، فلا تجيد صراخاً ولا نطاحاً.

– ليس بين المصريين وبين الحبشة (فى قضية مياه النيل)، أو بين المصريين وإسرائيل (فى قضية فلسطين)، أى سؤ فهم يحتاج إلى وساطة أو تطبيق لخدعة القانون الدولى. الموجود بيننا هو صراع وجود .. لا أكثر .. ولا أقل .. وبلا مبالغة أو تهويل ـ فقانون الغابة الدولية  هو الصراع بين الأقوياء . أما الضعفاء فليذهبوا إلى الجحيم أو إلى محكمة العدل الدولية ..لا فرق.

– لا بد من إزالة سد النهضة ـ بنفس النعومة والبساطة التى شيدوه بها . لأنه سيف معلق على رقاب المصريين ، يهدد وجودهم فى كل لحظة ويضعهم تحت هيمنة الحبشة (إسرائيل فى حقيقة الأمر). أما مشكلتنا مع إسرائيل فإن ذلك الكيان لابد أن يذهب كما جاء . و يلزم إستخدام مقدار مناسب من القوة لمساعدته على الرحيل. وإلا فإن وجود مصر سيظل فى خطر دائم كما نرى الآن بعد إستسلام نظامنا العسكرى لعدونا الوطنى والتاريخى والدينى .

ولكن على المصريين تغيير أنفسهم أولا حتى يتمكنوا من تغيير واقعهم ودحر أعدائهم فى الداخل والخارج ـ (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

عن (أزمة سد النهضة ) تسترسل قائلا : (لا حاجة لحرب أو تفجير ـ فالمنطقة مشتعلة بنيران التطرف وقوى الإستبداد . والوضع فى مصر حرج ولا نريد صراعا يكسر ظهر البلد للأبد ).

   وأقول أن إسرائيل وحليفها الأمريكى هم من يشعلون المنطقة بالحروب ونيران التطرف والإستبداد  . فهم من صنعوا داعش (رمز التطرف). وهم أنفسهم من وضعوا “السيسى” (رمز الإستبداد) حاكما فوق رقاب المصريين .

وحروب المنطقة ليست فى إنتظار شعب مصر ـــــــــــ الذى لا ينوى شن أى حرب حتى على أعدائه ـ فالحروب دائرة فى معظم بلاد المنطقة ولسنا فى حاجة لذكر الأسماء . ومؤخرا ساق السيسى جيشه صوب حرب فى ليبيا ضد تركيا(!!). رغم أنه يتدخل عسكريا فى ذلك البلد منذ وقت طويل بالنيابة عن شياطين الإمارات والسعودية ، الذين أنشأوا لجيش مصر العظيم قاعدة(محمد نجيب!!) العسكرية، قرب الحدود الليبية، لزراعة “الجرجير والكنتالوب”، ولشن الحرب على شعب ليبيا . وهكذا أصبح حال (خير أجناد الأرض !!)فى عصر السلام والإستسلام لإسرائيل.

تقول : (أنت فى كل مناسبة تحمل الإخوان جميع الإنتكاسات والفشل . مالفرق بينك وبين الإعلام السعودى والإماراتى ) .

فأقول بأن الإخوان مسئولين عن معظم الإنتكاسات الإسلامية وليس كلها . رغم أن لهم الفخر الأكبر فى جهاد فلسطين عام 1948 . ثم فى الجهاد ضد الإحتلال البريطانى عام 1951 وهجمات “الفدائيين” على القواعد البريطانية فى الإسماعيلية والشرقية . ولعل العديد من قياداتهم المعاصرة تشعر بالخطر من ذلك السجل “الإرهابى” وتتمنى لو أنه حذف من التاريخ.

وبعد ذلك لا أجد شبهة نجاح ـــــ ولا أقول إخلاص ــــ  بل لهم جريمة عظمى فى جهاد أفغانستان ضد السوفييت، مستمرة حتى الآن ، ولم يكلفوا أنفسهم حتى مجرد الإعتذار عن ذلك أو شرح أسبابه ، ناهيك عن التبرؤ منه رسميا .

وعليهم المسئولية الأكبر فى إجهاض محاولة الشعب المصرى إستعادة شئ من حريته فى إنتفاضة يناير 2011 ـ فتكامل دورهم الإنتهازى مع الدور الإجرامى لقادة جيش مصر العظيم : السيسى وأفاعى المجلس العسكرى بقيادة المشير طنطاوى ، الذى كل مؤهلاته العسكرية هى إستقباله الحسن والمضياف للقوات الإسرائيلية التى عبرت “ثغرة” الدفرسوار على القناة فى حرب1973ـــــــ إذ نزل الإسرائيليون فى منطقته بهدؤ وسلاسة أثارت دهشتهم. وقد حفظ اليهود له الجميل فتبنوا مسيرته العسكرية والسياسية . أما السيسى فهو واحد منهم : ديناً وسياسة ، وحاكما بالنيابة عنهم فى ولاية مصر . كما هو بن سلمان وبن زايد فى السعودية والإمارات .. مجرد قناصل للإمبراطورية الإسرائيلية على حافتها الشرقية الحالية (فطموحات التوسع الإسرائيلى لم تنته بعد ، والعقبة الإيرانية مازالت تقاوم ، لأنهم “روافض” للتطبيع والخنوع ) .

أما الكارثة السورية فالإخوان من مؤسسيها الكبار . واعتبروها وسيلة لتوثيق التحالف مع قطر وتركيا للحصول على دعمهما المالى والسياسى . وكانت وسيلة للهروب من مسئولياتهم فى مصر التى وصلوا إلى حكمها بتواطؤ مع المجلس العسكرى .

وكانت صيحة الرئيس مرسى (لبيك يا سوريا) إعلانا لفراره من مشاكل مصر ، سعيا خلف مصدر رزق فى حرب بالوكالة فى سوريا . التى حول الإخوان إنتفاضة شعبها إلى حرب عصابات دولية لتدمير سوريا شعبا ودولة . وكل ذلك لمصلحة إسرائيل أولا وأخيرا ، وليس سعيا لتحقيق هدف خيالى هزلى يقول بإنشاء (دولة لأهل السنة والجماعة) . فمتى كانت الدولة الإسلامية مقصورة على مذهب واحد أو عرق خاص ، فلا تسع ولا تقبل سوى مجموعة وهابية محدودة العدد ، ضيقة العقل؟؟ .

تتابع فشل الإخوان من سوريا عام 1981 ، إلى حرب أفغانستان ضد السوفييت. فشلوا فى كل مكان ذهبوا إليه منذ خروجهم من مصر فى عهد عبد الناصر ، وانتقالهم من رمضاء معتقلات عبد الناصر ، إلى نيران الإنحراف السياسى والعقائدى فى السعودية ومشيخات النفط.

– الفرق بينى وبين إعلام السعودية والإمارات هو أن نصيبى من كراهية ذلك الإعلام وأصحابه لا تقل عن كراهيتهم للإخوان ( مع الفارق الهائل فى الأحجام ، بين فرد ضعيف وبين جماعة عظمى هى الأكبر فى العالم العربى ، وهى الأم لجميع من أتى بعدها من جماعات الإسلام الحركى) .

ثم إننى عبَّرْتُ عن آرائى تلك منذ فترة الحرب ضد السوفييت فى الثمانينات . فنالتنى تهديدات شتى بالقتل، وإتهامات إخوانية لا حصر لها ، كما هى عادة الإخوان فى الحوار الموضوعى والمنصف .

ذلك فى وقت كان للإخوان مكانة شامخة فى الخليج والسعوية . حتى وصلوا إلى مناصب وزارية فى أبو ظبى ، وحضور علنى فخم فى كل من الإمارات وقطر والسعودية والكويت ، وشوكة قبلية فى اليمن بدعم من السعودية .

… وذلك هو الفرق .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

18/01/2020

 

 

عودة إلى الحوارات (1) : مع الإخوان ، و الحكمة و البعد عن التهويل

 




جلال الدين حقاني 17

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 17

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 167 ) | جماد الأولي 1441 هـ / يناير 2020 م . 

11/01/2020

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 17 )

(1986) -أفغانستان تحت النظام الجديد،دولة يمتلكها جهاز إستخبارات .

 

حقاني يقول في مواجهة مؤامرة دولية لفرض تسوية ظالمة على  شعب أفغانستان:

{ إن أفضل طريقة لإفشال التسوية السياسية هي تصعيد عملياتنا ضد القوات السوفيتية والحكومية. فالسوفييت يشترطون على باكستان أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أفغانستان أثناء فترة انسحاب القوات الروسية. وليس في مقدور أحد أن يوقف جهادنا حتي تتحقق الشروط الإسلامية في حكم أفغانستان.التسوية المطروحة ليست مقبولة لدينا. وبقاء الشيوعيين على كراسي الحكم بعد انسحاب الجيش الأحمر مستحيل. فالشعب الأفغاني سيقتلهمم فردًا فردًا، والجيش الأفغاني سينضم للمجاهدين لأن السوفييت هم الذين يكرهونه على قتالنا. وجهادنا مستمر حتى لو أغلقت الحدود، فاعتمادنا أولًا وأخيرًا على الله. ولعلنا في المرحلة القادمة نتخلص مما علق بحركة الجهاد من شوائب في المرحلة السابقة }.

حقاني العقبة الرئيسية أمام التسوية الدولية، والعدو الأول لنظام كابل ورئيس الدولة الجديد.

فيما يلي رؤيتي للموقف السياسي آنذاك (في يونيو 1986 بعد انتهاء الحملة الثانية على جاور وتنحية بابرك كارمل عن رئاسة الدولة في كابل وتعيين نجيب الله رئيسًا جديدًا بدلًا عنه)، كما جاءت في مقال نشرفي صحيفة الاتحادالإماراتية تحت عنوان (دولة للجواسيس).. ونبدأ بملاحظات مسبقة حول ذلك المقال:

1ـ كان من المفروض أن تكون معركة جاور الثانية، محورًا لمرحلة جديدة في القضية الأفغانية، لحلها سياسيًا باتفاق بين السوفييت والولايات المتحدة. بما يضمن مصالحهما معًا في أفغانستان، والتي تلتقي في نقطة رئيسية واحدة هي استبعاد المجاهدين (الحقيقيين) من الوصول إلى حكم ذلك البلد.

2ـ كان من المفروض أن تبقى القوات السوفيتية والحكومية في قاعدة جاور/على أقل تقدير/ إلى حين انتهاء جولة المفاوضات بين حكومتي باكستان وأفغانستان والمقررة فى 5 /5/1986  حتى تكون ورقة ضاغطة لتمرير المطالب السوفيتية من موضع قوة .

ولكن معركة جاور أخذت مسارًا مختلفا. لقد تصور السوفييت أنها ستكون ضربة خاطفة بقوة أرضية وجوية لا قِبَلْ لا أحد بها (من 30 إلى 50ألف جندي، مع غطاء جوي يضم أحدث الطائرات السوفيتية).

لكن حقاني قاد المعركة ضدهم بحيث استغرقت 21 يومًا ولم تتمكن قوات الجيش الأحمر من البقاء أكثر من (8ـ 18 ساعة ) ثم غادروها مسرعين تاركين مهمات كثيرة خلفهم وكأنهم كانوا متلهفين على الفرار. ولولا أصابة حقاني بضربة نابالم لانتهت الحملة السوفيتية بعبارة (لم ينج أحد) فقد كان سهلا عليه حصارهم وإبادتهم في جاور.

3 ـ نظام كابول كان في حاجة إلى بقاء جاور تحت الاحتلال إلى حين الاحتفالات بعيد الانقلاب الشيوعي في 27 أبريل ولكن القوات المهاجمة فرت في 20 أبريل فضاعت فرصة دعائية كان النظام الشيوعي في أشد الحاجة إليها.

4 ـ القيادة السوفيتية كانت في حاجة إلى مدة احتلال أطول لقاعدة جاور إلى حين الفراغ من مشاورات داخلية في الحزب الشيوعي لاتخاذ قرار نهائي بانسحاب (مُشَرِّف) من أفغانستان.

5 ـ نجاح حقاني في إفشال المخطط السوفيتي في جاور، جعل الحلّ السياسي الدولي مهدّدًا بالفشل التام، إلا إذا استطاعت القوّتين الدوليتين من القيام بحملة أخرى ضد حقاني وفتح الطريق البري إلى خوست لتوفير غطاء أدبي للقيادة السوفيتية، وللحفاظ شكليا على كرامة الجيش الأحمر المنهزم والذي أهين بشدة في قاعدة جاور ومدينة خوست. فكانت هي المدينة الوحيدة التي لم يتمكن الجيش الأحمر من الدخول إليها عن طريق البر. لهذا فإن المعركة القادمة كان عنوانها (طريق زدران) الواصل بين جرديز (عاصمة باكتيا) وبين خوست التي يحاصرها حقاني، بحيث أن الجيش الأحمر بكل جبروته فشل في الوصول إليها لعدة سنوات.

6 ـ معركة جاور الثانية (1986) كانت أكبر معركة فعلية يخوضها الجيش الأحمر حتى انسحابه من أفغانستان. لأن معركة (طريق زدران)التالية، وسوف نمر عليها لاحقا، كانت مؤامرة دولية لحفظ ماء وجه السوفييت وتمكنيهم من الانسحاب (بكرامة).

7 ـ استعد السوفييت لمرحلة انسحابهم من أفغانستان والمرحلة التالية، باختيار رئيس جديد للدولة هو نجيب الله رئيس جهاز الاستخبارات(خاد) الذي هو الفرع الأفغاني للمخابرات السوفيتية (كي جي بي) أي أنهم سيتركون أفغانستان رهينة لتواجد استخباري سوفيتي، يمثل احتلالا غير مرئي ولكنه قاسٍ وفعال.

وهذا ما ينادي به حاليا الرئيس الأمريكي(ترامب) الذي قال بأنه سينسحب من أفغانستان تاركاً خلفه تواجدا قويا للمخابرات الأمريكية CIA. إنها نفس الخطة السوفيتية مع تعديلات تتوافق مع ظروف مستجدة ومع طبيعة استئصاليه خبيثة للإحتلال الأمريكي.

اصطلاح تواجد استخبارى لا يعني فقط شبكات تجسس، بل يشمل أيضا تشكيلات مسلحة تتبع الاستخبارات بشكل رسمي، مع تشكيلات أخرى غير رسمية تمارس الأعمال الأشد وحشية ضد المدنيين بدون أن تتحمل الاستخبارات أو الحكومة تبعات تلك الأعمال. وهذا هو المعمول به حاليا في أفغانستان.

8 ـ أصيب المجاهدون بضربة معنوية بدخول القوات الشيوعية إلى(جاور) التي هي بالنسبة لهم أكبر من مجرد قاعدة عسكرية وإدارية، بل هي رمز اعتزاز وقوة. وقد استشهد في المعركة ما يقارب 130 شهيدًا وعدة مئات من الجرحى والمعوقين (و ذلك أكبر قليلا من خسائر المجاهدين عند فتح مدينة خوست في عام 1991، الذي هو الإنجاز العسكري الأكبر في حرب أفغانستان ضد الشيوعية).

– في الأيام الأخيرة من شهر إبريل 1986 وقع حادث انفجار مفاعل شيرنوبل النووي في أوكرانيا ـ الاتحاد السوفيتي ـ فاعتبرها الأفغان انتقامًا إلهيًا من المعتدين السوفييت. فبدأوا مع حقاني في التجهيز النشط لمرحلة القتال التالية والتي توقعها حقاني في جبال ستي كندوـ عند بداية الطريق البري إلى خوست والقادم من كابول . وهي معركة طريق زدران التي وقعت بعد حوالي عام ونصف في شتاء(1987 ـ 1988) وكانت موضوع لكتاب أسميته (خيانة على الطريق). وهي الخيانة التي تعرض لها حقاني ورجاله.

9 ـ في جولة مفاوضات جنيف(5/5/1986) شروط التسوية المعروضة للبحث رفع منها مطلبًا كان يدعوه بأن تكون  أفغانستان بعد التحرير ” دولة إسلامية محايدة” . ووضع بدلا عنه بنداً آخر يقول (توفير ضمانات دولية لتنفيذ اتفاقية التسوية فى أفغانستان ) .

ويتطابق ذلك مع ما يطالب به الاحتلال الأمريكي حاليا من استبعاد نظام الإمارة الإسلامية بدعوى أنه غير مقبول دوليا. ويترافق ذلك مع مطلب بتشكيل حكومة مشتركة بين حركة طالبان (بعد فك ارتباطها بالإمارة الإسلامية) وبين نظام كابول العميل.

وهكذا تتوارث إمبراطوريات الاحتلال عدائها للإسلام في أفغانستان، والعمل على استبعاده من الحكم بل ومن الحياة والثقافية الشعبية الأفغانية.

وذلك هو الجوهر “الحضارى” للصراع الدائر في أفغانستان بين الإسلام والحضارة الهمجية للغرب المتوحش.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

دوله للجواسيس

(1968) أفغانستان تحت النظام الجديد ـ دولة يمتلكها جهاز استخبارات

– دكتور نجيب الرجل الأقوى في أفغانستان ورئيس جهاز الإستخبارات (خاد) يصبح رئيساً للدولة.

– ركاكة التنظيمات الشيوعية في أفغانستان يجعل الإنسحاب السوفيتي مغامرة غير مضمونة. * التسوية السياسية مبادرة من باكستان أم صفقة دولية؟.

– المنظمات الأفغانية في حالة ترقب والمجاهدون لن يوقفوا القتال.

 

(رسالة أفغانسان ــ مصطفى حامد ــ في 10/5/ 1986 )

أزاح السوفييت (بابراك كارمل) عن رئاسة الجمهورية في أفغانستان لإفساح الطريق للتسوية السياسية, وفتح صفحة جديدة لنظام شيوعي جديد في كابول ولكن بتنقيحات أكثر.

فبابراك كارمل لم يكن مقبولاً داخل أو خارج أفغانستان بصفته الحاكم الذي جاء محمولاً فوق الدبابات السوفيتية في الإنقلاب, أو الغزو الذي حدث في السابع والعشرين من ديسمبر 1979 و الذي قتل فيه حفيظ الله أمين الذي كان يسعى إلى خط ماركسى مستقل عن موسكو.

كما أن تغيير كارمل قبل أيام من إنعقاد دورة المحادثات السابعة في جنيف بين ممثلي دولتي أفغانستان وباكستان قد زاد من إمكانية تحويل هذه المباحثات إلى مباحثات مباشرة، وسهل عملية إعتراف باكستان بالنظام القائم في كابول. ويبقى تسهيل آخر لا بد أن تقوم به موسكو وهو تقديم جدول زمني للإنسحاب يكون مقبولاً من حكومة إسلام آباد التي تطالب بفترة انسحاب مقدارها ستة أشهر بينما تطالب موسكو بفترة قد تمتد إلى عامين.

ولا يبدو من الصعب التوصل إلى حل وسط بهذا الخصوص. ولا شك أن اعتراف باكستان بالحكم الشيوعي في كابول سوف يفتح صفحة جديدة في القضية الأفغانية لن تكون بأي حال أقل تعقيداً من المرحلة الماضية .

 

رئيس الجواسيس :

في كابول تربع الدكتور نجيب على كرسي الرئاسة  كونه سكرتيراً لحزب (بارشام), إلى جانب رئاسته لجهاز الاستخبارات الأفغانية (خاد) وهذا هو الجانب الأهم. فالدكتور نجيب الذي ولد في محافظة باكتيا عام 1947 وتخرج من كلية الطب بجامعة كابول إنخرط في تيار الحركة الشيوعية في أفغانستان. وبعد إنقسام الحزب الشيوعي المسمى الشعب الديموقراطي إلى جناحيه (خلق) و(بارشام) كان الدكتورنجيب في جناح (بارشام) الذي يترأسه (كارمل) ولكن الروس ضغطوا على (نور محمد طراقي) رئيس حزب خلق ورئيس أفغانستان بعد الإنقلاب الشيوعي في إبريل 1978 وأرغموه على قبول دكتور نجيب في الحكومة وفي اللجنة المركزية للحزب. ولكنه اتهم فيما بعد بخيانة الحزب وأطلقت عليه النار فأصيب بجروح وغادر أفغانستان حتى الغزو السوفيتي الذي عين (كارمل) وحزب بارشام متسلطين على الحكم في البلاد. وتولى دكتور نجيب تشكيل جهاز المخابرات الأفغاني (خاد) عام 1981 ونجح في مهمته نجاحاً ملمواساً نتيجة لتعاونه التام مع جهاز الإستخبارات السوفيتي (كي جي بي)حتى عرف نجيب بأنه الرجل الأول للإستخبارات السوفيتية في أفغانستان، وبالتالي أصبح نجيب الرجل الأقوى في الدولة حتى في ظل حكم كارمل. وفي إمكان نجيب تدمير أي شخصية في الدولة من حيث أنه يمتلك مفاتيح الأسرار الخاصة لجميع المسئولين. والتي يمكن إستخدامها في الوقت المناسب لحرق أوراق أياً منهم. ومن المعروف في كابول منذ تولى نجيب إنشاء( خاد) وإدارتها أنه ليس في وسع مسئول حكومي كبير الإستمرار في منصبه بدون تقديم الرشاوي لرجال الاستخبارات السوفيتية وللدكتور نجيب، رجلهم الأول في أفغانستان.

 

دولــة خـــاد:

وفي تعيين نجيب رئيس جهاز الإستخبارات خاد، رئيساً للدولة إشارة كافية إلى الأهمية التي يعلقها السوفييت على هذا الجهاز في مستقبل أفغانستان.فالدور الأول لإخضاع البلاد للنظام الماركسي سيكون منوطاً بجهاز الإستخبارات وليس القوات المسلحة، التي سيكون دورها في المستقبل وكما هو الآن حالياً، يتمثل في تأمين الحدود مع باكستان وإيران.

أما العمليات العسكرية ضد جيوب المقاومة فستكون بإرشاد وإدارة خاد ستقوم بالتمهيد لهذه العمليات بواسطة عمليات للتجسس وإختراق منظمات المجاهدين وشراء الأعوان والجواسيس والتعامل مع قبائل الباتان والبلوش على الجانب الباكستاني والعمل على شرائهم لصالح مخططات موسكو. لا شك أن النظام الأفغاني القادم سيعتمد أساساً على هذا الجهاز. ومن المرجح أن يعمل بالنيابة عن الجهاز الأم (كي جي بي) في دول الشرق الأوسط والدول الإسلامية الأخرى. وتولية نجيب رئيس جهاز الإستخبارات رئيساً للدولة يعني ببساطة أن أفغانستان ستصبح دولة يمتلكها جهاز مخابرات، وليست دولة تمتلك جهازاً للمخابرات. وهذا يقترب كثيراً من الصورة في المعسكر الشرقي بوجه عام.

 

صراع الرفاق:

ولكن هل يعني تولية رجل قوي مثل نجيب زمام السلطة في كابول نهاية للصراع الداخلي بين (بارشام) وخلق؟.  من المشكوك كثيراً أن يحدث ذلك. فالتقارير الواردة من كابول تفيد بأن مواجهات مسلحة قد حدثت بين الفريقين.وقد تتسع هذه المصادمات بعد إنسحاب الجيش الأحمر الذى يمسك بيده الموازين. بل أن المعارك العنيفة التي حدثت في  خوست (جاور) مؤخراً فى شهر أبريل الماضي شهدت صداماً مسلحاً بين وحدات عسكرية موزعة الولاء بين ضباط خلق وضباط بارشام.ولا شك أن توسيع رقعة الصدام بين الأجنحة الماركسية سيهدد النظام بأسره خاصة وأن الحرب الأهلية في أفغانستان لن تتوقف بالتسوية، فقطاعات قوية ومؤثرة من الشعب مصرة على إستمرار الجهاد ضد الحكم الشيوعي وإستبداله بحكم إسلامي مهما كان الثمن.

كما أن حزب بارشام الحاكم مقسم إلى ثلاث مجموعات يرأس إحداها رئيس الوزراء سلطان علي كشمند، وكان  من المرشحين لتولي منصب الرئاسة بعد تنحية كارمل. وحزب خلق الذي يعتبر أكثر شعبية من البارشام يعاني هو الآخر من عدة إنقسامات داخلية. وهكذا تصبح الكتلة الشيوعية في البلاد في حالة من الركاكة بحيث قد تدفع السوفييت إما إلى إلغاء برنامج التسوية السلمية من أساسه أو المغامرة بالإنسحاب على أمل أن يتمكن نجيب من السيطرة علي الوضع. على أمل آخر هو أن ينهار وضع المجاهدين بسرعة بعد تخلي باكستان عنهم وكذلك دول الخليج وباقي الأصدقاء.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

خيوط نجيب:

 الرهان على (نجيب) له ما يبرره من جانب السوفييت فخيوط القوه التي يمسكها بيده، بالإستعانة بجهازه لا تدانيها قوة أخرى حزبية أو عسكرية. وجميعها خيوط مؤثرة في ظروف أفغانستان الحالية. * فقد عمل نجيب فترة من الزمن في وزارة شئون القبائل وخلالها أقام علاقات جيدة مع كثيرمن الرؤوس القبلية وتجمعت لديه دراية كافية عن شئون القبائل الأفغانية ، وهي القوة الرئيسية المعارضه للنظام الماركسي والمؤيدة للمجاهدين.

– كما أن نجيب على علاقة جيدة مع عدد من القبائل على الجانب الباكستاني وضمن ولاءها له، كما تربطه علاقة قوية بالحزب (القومي الديموقراطي الباكستاني) النشط في مناطق الحدود والذي يرأسه (خان عبد الوالي خان) وهو حزب ذو علاقات تاريخية بموسكو ونيودلهي وكابول.

– إستطاع نجيب خلال رئاسته (لخاد) من إختراق تنظيمات المقاومة الأفغانية في بشاور, بدرجات مختلفة، ولكن إلى درجة تسمح له بممارسة دور ملموس داخل بعض من هذه المنظمات. ومع هذا فإن حالة الضياع السياسي التي تعيشه هذه المنظمات لا يتحمل دكتور نجيب وجهازه السري غير جانب صغير منه أما المسئولية الكبرى فيتحملها أصدقاء المقاومة الأفغانية وتدخلاتهم العميقة في شئون هذه المنظمات.

 

صفقة أم مبادرة؟

تقول إحدى النظريات التي تفسر عملية التسوية السياسية في أفغانستان. أن تلك التسوية هي من ضمن صفقة كونية بين السادة العظام. وأن موافقة السوفييت على إطلاق يد أمريكا في دول الشرق الأوسط مما يلي الحدود السوفيتية وحتى شواطيء الأطلنطي قد قوبل بموافقة أمريكية على جعل أفغانستان دولة شيوعية خاضعة لموسكو والسماح للجيش الأحمربالخروج من ورطته هناك. والنظرية الأخرى تقول بأن المبادرة كلها إتخذتها الحكومة الباكستانية منفردة وعلى غيرموافقة أمريكا نتيجة لرؤية خاصة ترى أن مصالحها القومية تتحقق من خلال هذه التسوية. وأن المرحلة التي إستفادت منها باكستان من هذه الحرب قد إنتهت وأصبح إستمرارهذه الحرب وتواجد الجيش الأحمر في أفغانستان يشكل مخاطر صرفة على باكستان. وأن زمن الإستفادة قد ولى وحان وقت المغرم. أصحاب الرأي الأخير يعززونه بالقول بأن التوازنات السياسية داخلياً أملت على الحكومة الحالية في باكستان هذا الموقف. وأنها بذلك قد إنتزعت بمهارة آخر سهم في جعبة أحزاب المعارضة. فالسهم الأول كان الأحكام العرفية التي كانت المعارضة تتجمع حول شعارمقاومتها. فأقامت لذلك تحالفاً فيما بينها أسمته (حركة استعادة الديموقراطية) ولكن بعد رفع الأحكام العرفية وعودة الأحزاب لم يعد هناك مجالاً لعمل هذه الحركة. وكان آخر سهم لتجمع هذه الأحزاب الذي يقودها حزب الشعب اليساري هو القضية الأفغايية والمناداة بحلها سلمياً حتى لا تتعرض باكستان لخطر البطش السوفيتي وتدخلات المهاجرين الأفغان في السياسة الباكستانية . الآن وبعد التسوية لم يعد أمام المعارضة أي قضية جوهرية للحديث عنها,حيث أن القضايا الأساسية المتبقية لا يكاد تظهر فيها فروقاً بين وجهات نظر الحكومة والمعارضة وهذه القضايا مثل الصداقة للولايات المتحدة وإستمرار توازنات القوى الإقتصادية والإجتماعية في الداخل بدون تغير إلى جانب الإعتراف بالدور الأبوي للمؤسسة العسكرية.

 

تشاؤم وتفاؤل:

 المعارضون في باكستان لمبدأ التسوية لديهم تخوفات قوية لها ما يبررها منها أن السوفييت يمارسون نفس التكتيك القيصري القديم في إبتلاع المناطق الإسلامية وذلك بحصارها وقطع خيوطها عما خلفها من ممالك إسلامية عن طريق إرهاب هذه الممالك وتخويفها حتى توقع مع الروس معاهدة تعترف بالأمر الواقع وتنشد السلامة والصداقة مع الروس.

ولكن هذه المعاهدات وفي كل مرة تنتهي حالما يفرغ الروس من هضم الجزء الإسلامي الذي إبتلعوه ثم يهاجمون الذي يليه ويحتلونه وهكذا…هؤلاء المتشائمون يرون أن هدف الروس من إبتلاع الأراضي الإسلامية هو توسيع الرقعة والإستيلاء على المواد الخام والقوة البشرية ولكن الهدف النهائي والأهم هو الوصول بأطراف الإمبراطورية إلى المياه الدافئة.

 

يقول هؤلاء أيضا:

أنه لم يتبق في هذا المخطط بعد أفغانستان إلا ضربة واحدة في باكستان وبعدها يطل الروس على المحيط الهندي من بلوشستان. يقول هؤلاء : إن الضربة التالية والأخيرة ستكون علينا وأن توقيع معاهدة التسوية في جنيف

إنما هو توقيع صك على نهاية باكستان وتسليمها إلى الروس. وهم يرون أن اليسار الباكستاني سيكمل المهمة ويمهد لدخول الروس كما فعل اليسار الأفغاني قبلاً وكان المخلب الذي أسال دماء الأفغان لصالح الروس. وأن الشيوعيين سيقومون بدور حصان طرواده للجيوش الروسية في طريقها إلى المياه الدافئة. وقال أحدهم بيأس معلقا على مفاوضات جنيف أنها فى أحسن صورها كامب ديفد أخرى ولكن في جنيف. أما المتفائلون فيدافعون عن قبول الحكومة الباكستانية للتسوية السلمية قائلين بأن الشيوعيين الأفغان ليس لديهم القدرة على الصمود في وجه الشعب الأفغاني المسلم الذي لن يقبل بهم.

وهم لن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم بدون حماية الجيش الأحمر حتى أن الجيش الأفغاني  رصيداً للجهاد وسوف ينضم بأفراده ومعداته للمجاهدين وهذا سيعوض لهم إمدادات السلاح التي ستقطع عنهم بإغلاق الحدود الباكستانية.

 

إسلامية محايدة:

بدأ الحديث عن تسوية سياسية في أفغانستان يأخذ طابعاً جدياً عام 1983 ومنذ ذلك الوقت طرحت الحكومة الباكستانية أربعة شروط لهذه التسوية وهي :

1- إنسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان.

2-عودة المهاجرين الأفغان إلى ديارهم.

3-عودة أفغانستان دولة محايدة إسلامية.

4-وقف التدخلات الخارجية في شئون أفغانستان الداخلية.

ولكن منذ بداية الأزمة وحتى تولي جورباتشيف زمام السلطة في الكرملين لم يبدي السوفييت أي تهاون فيما يتعلق بإلغاء البند الثالث. فقد أصروا على أن تكون أفغانستان خاضعة لحكم شيوعي موالي لموسكو. فهذا الموضوع غير خاضع للتفاوض بأي شكل. وما سوى ذلك يمكن التفاهم حوله. وفي قائمة شروط التسوية التي طرحت على مؤتمر جنيف الأخير حول أفغانستان لم يعد لهذا البند وجود واستبدل بشرط آخر يقول بتوفير ضمانات دولية لتنفيذ إتفاقية التسوية في أفغانستان الإتفاق على تسوية سلمية بدون ضمان نظام الحكم القادم بأنه (محايد وإسلامي) يعتبر تخلياَ تاماً عن المقاومة الأفغانية والشعارات الإسلامية التي طرحتها. أو كما قال أحد المجاهديين :

إنهم قد باعونا في جنيف. فالشعب الأفغاني لم يقدم مليوني شهيد وخمسة ملايين مهاجر في جهاده ضد السوفييت والنظام الذي أقاموه في كابول لكي يقبل بعد سبعة سنوات من القتال بنفس النظام الذي رفع في وجهه السلاح منذ البداية.

 

عودة للبداية: 

ليس هناك أدنى شك في أن الشعب الأفغاني يرفض تسوية من هذا النوع . وإجماع المجاهدين داخل أفغانستان هو إستمرار القتال ضد الشيوعية المحلية المتملثة في حزبي خلق وبارشام. يقول أحد قادة المجاهدين في الداخل:  (إن إغلاق الحدود مع باكستان سيخلق لنا مشاكل جمة. وعلى أي حال نحن لا يمكننا القبول بهذه التسوية وسنعود إلى القتال بواسائلنا الأولى بدون الإعتماد على أحد). ويتخوف قادة المجاهدين في الداخل من عودة المهاجرين في ظل حكومة ماركسية في كابول لأن هؤلاء الناس تحت ضغط الحاجة سيعتمدون على الحكومة ويخضعون لسلطانها. وأن حكومة كابول سوف تجند هؤلاء العائدين في صفوف الجيش الذي ستستخدمه في التنكيل بالمسلمين. كما أنها ستأخذ منهم أبناءهم وترسلهم إلى روسيا لكي يتحولوا إلى الشيوعية هناك ويعودون إلى أفغانستان خداماً لموسكو وحرباً على شعبهم. وهذه هي السياسة التي إتبعها

الروس أيضاً في المناطق الإسلامية المحتلة في آسيا الوسطى.

 

السمان والعجاف:

ومهما يكن فإن إختلاف زعماء المنظمات الأفغانية المتمركزة في بشاور وعدم أتفاقهم حتى على الحد الأدنى من البرامج المشتركة قد أضاع على الجهاد الأفغاني فرصة تحقيق تفوق وسيطرة داخل أفغانستان بحيث يتمكن المجاهدون من بسط نفوذهم على البلاد، أو حتى إستئناف مقاومة منظمة ضد النظام الشيوعي الجديد. لقد إنقضت سبع سنوات على بداية المقاومة الأفغانية وحتى الآن ،كانت بحق سبع سنوات سمان من حيث الإمكانات المادية الكبيرة التي توفرت لدى المنظمات. ولكنها جميعاً تبخرت بدون ترسيخ جذورمقاومة منظمة في الداخل وعلى إتساع البلاد.. وبعد التسوية تبدأ السنوات العجاف بالنسبة للمقاومة الأفغانية بدون أن تجد رصيداً يعتد به من السنوات السمان. فلا يمكن للمنظمات الأفغانية مجتمعة أو منفردة الإدعاء بأنها قد إستعدت للمرحلة القادمة أو حتى أنها تمتلك تصوراً لما يمكن أن تكون عليه المقاومة. وتكتفي المنظمات في بشاور بإعلان الإحتجاج اللفظي على التسوية الجارية في جنيف بينما  دلائل العجز لا تخفى على العيان. ولا شك أن المواقف الفعلية لهذه المنظمات ستنجلي بعد إتضاح مصير مفاوضات جنيف فمازال يحدو الجميع أمل بأن يحدث شئ ما وتفشل هذه المفاوضات. بلا شك أن ذلك سيرضي عامة الشعب الأفغاني والمجاهدين، ولكن بعض المنظمات الأفغانية في بشاور على إستعداد للقبول بالتسوية  عند ضمان نجاحها بل إن البعض لديه الإستعداد للمشاركة فيها إذا وجهت إليه الدعوة بطريقة مناسبة.

 

تصعيد العمليات:

يقول جلال الدين حقاني: الذي مازال يعاني من حروق أصيب بها في معارك خوست الأخيرة:

(إن أفضل طريقة لإفشال التسوية السياسية هي تصعيد عملياتنا ضد القوات السوفيتية والحكومية.فالسوفييت يشترطون على باكستان أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أفغانستان أثناء فترة إنسحاب القوات الروسية. وليس في مقدور أحد أن يوقف جهادنا حتي تتحقق الشروط الإسلامية في حكم أفغانستان .التسوية المطروحة ليست مقبولة لدينا. وبقاء الشيوعيين على كراسي الحكم بعد إنسحاب الجيش الأحمر مستحيل. فالشعب الأفغاني سيقتلهمم فرداً فرداً والجيش الأفغاني سينضم للمجاهدين لأن السوفييت هم الذين يكرهونه على قتالنا. وجهادنا مستمر حتى لو أغلقت الحدود فإعتمادنا أولاً وأخيراً على الله. ولعلنا في المرحلة القادمة نتخلص مما علق بحركة الجهاد من شوائب في المرحلة السابقة).

ليست المنظمات الأفغانية في بشاور وحدها في حالة ترقب لما يحدث في أفغانستان. بل إن الشعوب الإسلامية بأسرها  تنظر وتترقب موقف هذا الشعب المسلم في أفغانستان ، الذي على خلاف ما عداه- لم يخضع لبطش الإحتلال أو تخديرات التسويات السياسية.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

جلال الدين حقاني 17

 




هذا الحاضر .. إلى أى مصير يأخذنا ؟؟

هذا الحاضر .. إلى أى مصير يأخذنا ؟؟

هذا الحاضر .. إلى أى مصير يأخذنا ؟؟

( حرب دينية ) ولكن بتسمية جديدة هى (حرب ثقافية) .

 

ترامب غير إسم “الأهداف الدينية” إلى “أهداف ثقافية” . وهدد بتدمير 52هدفا منها داخل إيران وحدها ، وقال أنها رهائن لديه ، ربما ليمهد الطريق أمام طلب فدية بمليارات الدولارات للإفراج عنهم .

ولأول مرة تظهر “الأهداف الثقافية” على سطح إستهدافات ضمن حرب شاملة، تدار بالقطعة. ولكن فى النهاية سيتم تحقيق كافة الإستهدافات على مدى زمنى أطول. فمجرد الحديث عنها يدل على وجود مخطط جاهز لتدميرها . والمدخل سيكون بتقسيمها إلى مقدسات شيعية وأخرى سنية، تسهيلا للتنفيذ وتأكيدا لتقسيم أمة إستبدلت أمر الله : (واعتصموا)(ولا تفرقوا) ، بأمر معبودها من بنى إسرائيل شمعون بيريز: (تفرقوا)( تنابذوا بالألقاب)( وليقتل بعضكم بعضا).

وبذلك يضمن الأمريكى “ترامب” أن قطاعاً من(أهل السنة العرب) سيكونون من المؤيدين والداعين له بالنصر(!!). وعندما يستدير الأمريكى لضرب المقدسات الإسلامية الجامعة(المساجد الثلاث فى مكة والمدينة والقدس) فمن السهل عليه إتهام إيران والشيعة بتنفيذ الجريمة ـ وسيجد من حلفائه العرب من يُقسِم على عصمة أقوال (الإمام ترامب) وعلى وحدانية ديانة “شمعون بيريز” القائل بأن الخطر الأوحد فى الشرق الأوسط هو إيران . لذلك كُتِبَ على (أهل السنة العرب) الإتحاد مع إسرائيل للحرب ضدها .

 وإنجاز الأمريكى لهدفه ـــ سواء كان ترامب أو من يخلفه ــ فذلك يعتمد على تطورات الحملة الصليبية الكبرى على الإسلام والتى بدأها جورج بوش(الصغير) بغزو أفغانستان فى عام (2001) ثم العراق(2003) ثم حرب لبنان (2006) ثم موجة ثورات الربيع العربى الكاذب فى 2011 . ثم حرب ليبيا، فسوريا، فاليمن . والإستكمالات المتبقية من تلك الحملة أسوأ من مقدماتها ، مادامت منطقتنا العربية خالية من الشعوب ومليئة (بالأنظمة) .

 

أمة بلا مقدسات :

فى ظل آل سعود ، فإن أى عملية لإعادة أعمار المقدسات التى دمرها الأمريكى ، ستتحول فيها مكة والمدينة إلى منشآت ثقافية متطابقة مع رؤية الترفيه السعودية ، والتى تجمع بين التسلية وحفلات الطرب، وتجمعات شبابية مختلطة وصاخبة لأتباع للديانات الثلاث، ومعارض بالصوت والصورة عن تاريخ الديانات فى جزيرة العرب ، مع إبراز الدور “الرائد” للديانتين اليهودية والنصرانية ، وحقوق اليهود فى اليمن والجزيرة ، أو أى أرض سمع عنها أو مشى فوقها أى يهودى فى أى زمان .

أما المسجد الأقصى فبعد أن يدمره الأمريكى فإن اليهود لن يضيعوا وقتا فى بناء الهيكل مكانه ، شاكرين للأمريكى حسن صنيعة ، وشاكرين لأتباع ديانة شيمون بيريز ممن يسمون أنفسهم تبجحا “بالسنة العرب” حسن إلتزامهم بالأخُوَّة الصهيونية.

 ومع تحول نفط الخليج والجزيرة إلى ملكية بيوت المال اليهودية، بشرائهم شركات إستخراجة وتكريره فى البورصات . سيصبح الخليج جنة إستثمارية ليهود العالم، تتواصل جغرافيا مع عاصمتهم الدينية فى القدس ، على إنقاض الإسلام الذى أصبح خاليا من المقدسات ، وقد إستبدله آل سلمان بديانة الترفيه (الحديثة) على إنقاض ديانة الإسلام (القديمة) .

الجزيرة بدون مقدسات فى مكة والمدينة ، لن تعود جزيرة للعرب بل جزيرة لليهود مع حلفائهم (الصليبيين الجدد) الذين سيشترون النفط مع شركات أرامكو وأدنوك وأمثالهما .

– هذه الجزيرة لن تصبح إسلامية ، ولن تستمر عربية . وعلى الأقلية العربية أن ترحل عنها . وبما أن أحداً لن يقبلهم لاجئين أو مستثمرين (إذ لن يعود لديهم ما يستثمرونه ـ فالغرب سوف يصادر أموالهم، كما يهدد ترامب الآن بمصادرة أموال العراقيين لديه ومقدارها 35مليار دولار، فى مقابل منشآت مطار أمريكى واحد فى عين الأسد!!. أما عائدات بيع نفط العراق فتذهب إلى بنك الإحتياطى الفيدرالى الأمريكى فى نيويورك وليس إلى أى بنك عراقى) .

فإلى أين يذهب عرب الجزيرة بعد أن تصبح عبرية يهودية ؟.. المنفذ الوحيد المتاح هو صحراء الربع الخالى . وتلك رؤية أمريكية قديمة لمصير عرب السعودية والخليج . فعليهم إستعادة مهاراتهم التاريخية فى تربية قطعان الماعز ، ليبدؤا من الصفر دورتهم الحضارية.

– من الواضح أن شعب اليمن قد فُتِحَت أمامه أبواب هجرة واسعة إلى العالم الآخر . فمن ضمن سكانه الثلاثين مليونا ، هناك 24 مليون مريض وجائع وضائع .. يزحف إليهم الموت رويدا رويدا على يد أبناء سلمان وأبناء زايد ومرتزقة (حمدوك) ثائر الخرطوم(!!) الذى جلبته إلى الحكم رياح السموم التى هبت على السودان .

 

عاصفة السموم .. من الحبشة إلى مصر :

(نظام عسكر حمدوك) فى الخرطوم هو تجديد لشباب نظام البشير ليكون أكثر ديناميكية فى التفاعل مع عاصفة سموم عاتية تتجمع نذرها فى سماء وادى النيل (الحبشة ـ السودان ـ مصر). الحبشة كظل سياسى لإسرائيل ستكون الكهف الملعون الذى تهب منه رياح الخراب على مصر والسودان ـ ولاحقا على صنعاء ومكة ـ فى تكرار أكثر من محتمل لمأساة تاريخية، التى لولا القرآن ما تذكرها أو تذكَّرَهم أحد .

–  سد النكبة الأثيوبى سيحجز كل مياه النيل الأزرق عن مصر والسودان . وترفض الحبشة مبدأ تقاسم مياه ذلك النهر مع مصر التى تستمد منه 85% من إحتياجاتها المائية.

مفاوضات تضييع الوقت ، يخوضها نظام عسكر مصر مع نظام(نوبل للسلام) فى الحبشة ، حتى ينتهى تشييد الأمر الواقع ليفرض نفسه وقوانينه على مصر تحديدا .

أهم تلك القوانين : أن لا مياه مجانية . فللمياه أسعار دولية كما للنفط تسعيرة دولية . ولا شئ مجانيا كما بشرنا “سيسى” مصر .

إدفع تشرب .. إدفع تأكل .. إدفع تعيش . السلعة المجانية الوحيدة والمضمونة هو الموت، لذا فأكثر زبائنه هم الفقراء ، الذين هم ضحايا الجوع والمرض والحروب فى أوطانهم .. وهم ضحايا الحروب على أراضى الغير كمحاربين مرتزقة ضمن شركات بلاك ووتر (علمانية أو إسلامية ــ أمريكية أو خليجية ــ عربية أو إسرائيلية ــ لا فرق).

بدون مياه فلا زراعة فى مصر ، بل مجاعات متصلة ودائمة . وأمراض سارية وأوبئة فتاكة . ومجرى النيل”القديم” مجرد حفرة للقاذورات والسوائل المنتنة، ترعى فيها الأفاعى والفئران والبعوض . ومئة مليون مصرى عليهم الرحيل والبحث عن مأوى يعصمهم من الموت ويوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الذليلة .

وهنا مربط الفرس ــ أو مربط السيسى ــ إذ أن الجارة أوروبا ستكون هى المتضرر الأكبر والمستهدف الأول لطوفان الهجرة المصرى .

فإذا كانت تصرخ من (سرسوب) صغير من الهجرة السورية ، من مجرد ثلاث ملايين مهاجر سورى فى تركيا يتفلتون إلى أوروبا ـ فكيف بالمئة مليون مصرى يصنعون جسراً من القوارب تحجب مياه المتوسط ؟؟؟!!! . قد يُغْرِق السيسى جزءا منهم بأسلحته الفرنسية: “المسترال” حاملة المروحيات، ومقاتلات “الرافال” التى يمكن أن تحقق فى معاركها ضد قوارب المصريين فى البحر الأبيض ، نصرا عسكريا وحيدا وسهلا ، تتباهى به فى سوق السلاح الدولية. ولكن جزءا لا يستهان فى القوارب سوف يتفلت ويتساقط على سواحل الفردوس الأوروبى الممنوع .

– فكيف تمنع أوروبا شر الهجرة المصرية ، وتقطعه من جذورة ؟ .

– وهل هناك من حل واحد يمنع الهجرتان المصرية والسورية فى قوارب الموت إلى أوروبا؟.

نعم .. بالطبع يوجد ، ولم لا ومنطقتنا العربية قد هجرتها شعوبها وإستوطنتها الأنظمة . فلماذا لا يهاجر المصريون العطشى والجوعى إلى ليبيا ؟؟ . ولماذا لا يهاجر السوريون المشردون الجوعى إلى ليبيا أيضا ؟؟ .

المصريون يفتح لهم السيسى طريقا بقواته المتحالفة مع الجنرال حفتر نحو شرق ليبيا. والسوريون تحملهم سفن الأسطول التركى إلى غرب ليبيا .

ومع تحول ليبيا إلى معسكر دولى لمهاجرى مصر والشام .. قد لا تكون مكانا مكتمل الأمن والإستقرار. ولكن حتى مع حالته هذه، فلن يسمح بنفاذ باقى الهجرات الإفريقية عبر شواطئ ليبيا . خاصة مع فرض حصار دولى بحرى وجوى على “الجيتو” العربى فى ليبيا .

وبهذا تتحول نذر الحرب فى ليبيا بين مصر وتركيا إلى فرصة للسلام الإيجابى الذى يحل مآسى المهاجرين المصريين والسوريين . والذين فشلوا فى إقامة وحدة فى منتصف القرن العشرين قد ينجحون فى إنشاء سجن صحراوى كبير أو ( معزل بشرى ــ جيتو) فى القرن الحادى والعشرين ، ولو على أنقاض شعب عربى ثالث هو الشعب الليبى ، الذى طمحوا فى التحالف معة فى القرن الماضى فى وحدة تشمل السودان أيضا . ولكن مصالح أوروبا هذه المرة قادرة على تحقيق ما فشلت فيه أمنيات شعوب العرب وعبث حكوماتهم الخائرة .

“المهجر الليبى” المفترض ، يحصر سكانه بين مقبرتين عظمتين : مياه المتوسط شمالا ورمال الصحراء الإفريقية العظمى جنوبا . وشرقاً المقبرة المصرية التى إستعمرها اليهود .

وغرباً بلاد المغرب العربى غير المضيافة لجراد الموت إذا إستوطن ليبيا قادما من مصر والشام.

 

إسرائيل تتبرع لنا بأراضينا !!

–  إسرائيل ستتبرع ببعض رمال سيناء لتكون وطنا بديلا للفلسطنيين أو جزء منهم . فتتنفس غزة الصعداء بالتوسع غربا ، مع ميناء ومطار تديرهما إسرائيل مع منظومة للأمن تدفع تكاليفها مشيخات النفط .

 شمال  سيناء مستعمرة إسرائيلية، توهب للفلسطينيين لتوسيع زنزانة غزة . ولأهل النوبة تهب إسرائيل مستعمرة أخرى فى أقصى جنوب مصر تشمل عدة محافظات لتكوين دويلة (نوبية) أهم معالمها(السد العالى) طيب الله ثراه ، وربما تم منحها جزء من شمال السودان .

تلك الدويلة النوبية ستفصل مصر عن عمقها السودانى الذى كان جزءاً من وجودها. واليوم وقد ماتت مصر ، وتم طرد شعبها غربا إلى ليبيا بين “بحر الروم” والصحراء الأفريقية ، فما جدوى السودان لمصر ؟ وما نفع مصر للسودان ؟ .

وأى ماء (يتسرب) من سد النهضة ، سوف يحتجزه (سد النوبة العالى) لتتفاض بشأنه دويلة النوبة مع أى حاكم فرضه اليهود على مصر، سواء كان إسمه (سى سى) أو (سو سو). فالدولة ماتت ، والشعب هاجر وتبَقَّى فى مصر رئيس وجيش مرتزق وسجون مليئة بالهياكل العظمية مثل باقى قبور الفراعنه “العظام”. وبذلك المشهد البائس يسدل الستار على أطول حضارة بائدة شهدتها الأرض.

 

إلى أين ؟؟

 أمة هجرت دينها .. بل تحاربه بإخلاص .

 فبعد قرون عاش فيها العرب عالة على الإسلام .. تحولوا الآن إلى خطر عليه .

إلى أين يذهب أناس لاخلاق لهم ، دينهم ترفيه بن سلمان ونبيهم شيمون بيريز الإسرائيلى ؟؟.

من حاضر كهذا : أمة بلا دين .. وأنظمة حكم بلا شعوب .. فأى مستقبل ينتظرنا ؟؟.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

هذا الحاضر .. إلى أى مصير يأخذنا ؟؟

 




ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 167 ) | جماد الأولي 1441 هـ / يناير 2020 م . 

11/01/2020

 

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية

– جيوش المرتزقة بديلا عن حلف الناتو في أفغانستان، من تجارب “الناتو” المريرة مع الحليف الأمريكي.    

– الارتزاق العسكري .. وتوأمه الارتزاق الترفيهي، من القرية الخضراء إلى قاعدة بجرام الجوية.

تبدأ حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية قبل عام من الإدلاء بالأصوات. ولكن حملة ترامب الأولى عام 2016 لم تكد تهدأ حتى الآن . فهو الرئيس الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة. وهو أسوأ الرؤساء بشهادة أغلبية مساعديه ومنافسيه وأعدائه على حد سواء. والذي قيل فيه لم يسبق له مثيل لأي رئيس أمريكي أو حتى رئيس من الدرجة الثالثة في العالم الثالث.

الطعن في الرئيس شمل سجاياه (اللا أخلاقية) وضعف قدراته العقلية، وضعف فهمه للسياسة بل وحتى للمسائل العادية. حتى قال عنه وزير الدفاع السابق ماتيس (إن ترامب يفهم الأمور وكأنه طالب في الصف الخامس أو السادس ويتصرف على هذا الاساس) .

وترامب نفسه قال ذات مرة : (إن وسائل الأعلام تتعامل مع الكلب أفضل من تعاملها معي). ويقصد ذلك الكلب”المعجزة” المدعو كونان، والذي نسبوا إليه أكذوبة المساهمة في تصفية “البغدادي” زعيم تنظيم داعش .

ذلك الرئيس الأسوأ ، يرجح كثيرون بأن حظوظ فوزه بفترة رئاسية ثانية هي الأعلى بين المرشحين. ولديهم أسباب لقول ذلك، رغم اعترافهم بكل نقائصه كرئيس وكرجل عادي.

ومن أخطر المآخذ عليه هي إحداثه انقسام عميق في المجتمع الأمريكي، بدرجة تهدد بوقوع حرب أهلية. حتى أنه لوَّح بذلك التهديد في وجه أعداء الداخل. فهو يمثل كتلة دينية شديدة التطرف، ويعادي بكل وضوح كل الكتل الاجتماعية الأخرى، على أساس ديني وعرقي، وهو ما ينافي فلسفة المجتمع والدستور الأمريكي.

 

ومن مآخذ الأمريكيين على رئيسهم داخليًا:

وصوله إلى السلطة بخداع الناخبين. وأنه واصل الخداع وإساءة استخدام سلطاته كرئيس، كما حدث في قضية أوكرانيا التي حاول مقايضة رئيسها على المعونات الأمريكية في مقابل محاكمة نجل منافس ترامب الانتخابي.

واتهموا ترامب بالعمل لصالحه الشخصي ومصالح المجموعة الأكثر ثروة في أمريكا، وأنه استمرّ في إدارة أعماله التجارية وهو على كرسي الرئاسة مخالفًا بذلك القانون.

وأنه يعمل ضد مصالح الفقراء. فبينما أعطى تخفيضات هائلة في ضرائب الأغنياء، هاجم المعونات الغذائية المقدمة للفقراء.  وقالوا: إنه معادي للأقليات الدينية والعرقية لصالح العرق الأبيض “المتفوق”. فاعتبروه (خطراً وجوديا، وتهديدا لهوية الأمة الأمريكية).

إيجابيات ترامب داخليا، يتكلم عنها أنصاره، ومن يحاول الإنصاف من المعسكر المضاد له. وتكاد تنحصر فى المسيرة الإيجابية للاقتصاد الأمريكي. فنسبة البطالة الآن هي الأدنى منذ 50 سنة.  وانتعشت أسواق الأسهم والسندات. وسعر جالون البنزين لا يتجاوز دولارين ونصف. وإنه حقق ما وعد به في حملته الإنتخابية من تحسين الاقتصاد الداخلي، والعودة بأمريكا إلى قيادة العالم إقتصاديا.

ترامب يتصدى لمعارضيه بهجوم مضاد، فيقول أن ما يقومون به ضده ليس إجراءات عزل بل هو انقلاب لنزع السلطة. ويشير الواقع إلى أن الشعب الأمريكي يفقد ثقته في الديمقراطية الأمريكية وفي الأحزاب . أو كما قال كاتب أمريكي مشهور (إنها أفضل ديموقراطية يستطيع المال شراءها)، لذا جاء ترامب من خارج السرب . وتبدو فرصته عالية للفوز بفترة حكم ثانية رغم الخلافات من حوله وبسببه ــ إلى جانب أخطائه السياسية ــ التي أدت إلى إنقسام سياسي واجتماعي وصفه البعض بأنه (الانقسام الأسوأ من الانقلاب). بينما يصف ترامب معارضيه بأنهم منقلبون على الديموقراطية الأمريكية.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

لا عقوبة على الجرائم الخارجية:

لا شيء من كل ذلك يدعو إلى تفاؤل الدول المستضعفة. لأنه في طول تاريخ أمريكا لم يتعرض أي رئيس إلى عقوبة نتيجة جرائمه وحروبه في الخارج. ولم تدفع أمريكا أي تعويض مالى عن حروبها وسياساتها التخريبية المخالفة للقوانين الدولية . سواء في عهد الرئيس ترومان صاحب قرار القصف النووي اليابان عام 1945 . أو ليندون جونسون الذي ضاعف حدة حرب فيتنام فضاعت أرواح آلاف الجنود الأمريكين وملايين من أهل البلاد. أو جورج بوش صاحب حروب أفغانستان والعراق لأسباب مزورة، فأزهاق أرواح الملايين من البشر.

– المواطن الأمريكي لا يتفاعل كثيراً مع الأحداث الخارجية طالما لا تؤثر على أحواله المعيشية. وهو يتبع آراء الإعلام الذي هو في قبضة القوى المالية الكبرى التي تشتري السياسيين والإعلاميين وتقف خلف إشعال الحروب في العالم. وتدعي الإدارات الأمريكية أسبابًا كاذبة حول الدوافع الحقيقية لتلك الحروب، وتخفي حجم خسائر الحرب والفساد المالي والأخلاقي المتلازم معها . وإن تسرب شيء من ذلك إلى الرأي العام الأمريكى فلا يتسبب في ملاحقات قانونية للمسئولين، وسريعًا ما يزول تأثيره عن الجمهور الذي لا تشتغله إلا رفاهيته المعيشية. والحقائق إن ظهرت في وسائل الإعلام فإنها تظل محدودة الأثر على قرارات الإدارة الأمريكية.

قليلًا ما تصحو ضمائر الإعلام ـ بعد فوات الأوان ومرور الزمن وانكشاف الوثائق الحكومية ـ وتظل الكتلة الرئيسية للإعلام ملتزمة بإثارة الغبار والتغطية على الحقائق حفاظا على مصالح أولياء نعمتها من الرأسماليين الكبار .

وحتى يحقق ترامب أهم انتصارته الداخلية ـ في مجال الاقتصاد وتحسين الأحوال المعيشية للمواطن ـ ارتكب أكبر خطاياه التي أدت إلى فقدان بلاده لمصداقيتها وإخلاص أقرب حلفائها في العالم . لقد حقق بالفعل مكاسب مالية ضخمة ، لكن في مقابل فقدان الثقة والمصداقية، حتى أصبحت أمريكا أكبر خارج عن القانون الدولي والمجرم الأول في العالم، فلم تعد لها أي قيمة أخلاقية.

ومن أجل تحقيق المكسب المالي ــ الهدف الأول لسياسات ترامب الخارجية ــ لم تعد هناك أي قيمة للاتفاقات أو القوانين الدولية . ورفع ترامب شعار (أمريكا أولا) الذي عزل أمريكا ومصالحها عن باقي العالم، بل جعل من تلك المصالح نقيضا للعدالة والمساواة بين الأمم.

 

 تجارب “الناتو” المريرة مع الحليف الأمريكي:

ولم يعد لأمريكا شركاء ، بل أتباع منصاعون للإملاءات . سواء الأوربيون في “حلف الناتو” الذين يطالبهم ترامب بالمزيد من دفع الأموال لقاء حمايته لهم من أخطار متوهمة. وصولا إلى دول الخليج التى يراها مجرد كائنات “حلوبة” إلى درجة الجفاف المؤدي إلى الذبح.

الأوربيون يرون أن “الناتو” صار تابعا لأمريكا تستخدمه في مغامرات دولية لا شأن لأوروبا بها ، بل ربما تضر بمصالحها . وتذمرت فرنسا من طريقة إدارة ترامب للأزمة في سوريا وتنسيقه مع تركيا خارج نطاق التشاور مع الحلف . حتى أن الرئيس الفرنسي (ماكرون) أطلق قوله الشهير عن حلف الناتو بأنه توفي (بالموت الدماغي)، مما أشعل الموقف بينه وبين الرئيس التركي (أردوغان) الذي تمتلك بلاده ثاني أقوى جيش في “الناتو” . كما أن القوات التركية (المسلمة) كانت الأكثر عددا بعد القوات الأمريكية عند احتلال أفغانستان . ومازالت تشغل نفس الترتيب حتى الآن.

ورغما عن صدامهما العابر فقد جربت الدولتان ــ فرنسا وتركيا ــ مسارات استقلالية داخل الحلف بعيدة نسبيا عن الهيمنة الأمريكية . فبينما  فرنسا تقود دعوة إلى إنشاء جيش أوروبي مشترك بعيدا عن السيطرة الأمريكية، فإن تركيا تخطت بالفعل العديد من المحاذير، باعتمادها جزئيا على السلاح الروسي في الدفاع الجوي، بشراء منظومة(400 ــ S)، وربما تشتري أيضا طائرات (سوخوى ــ 35) الروسية المتطورة ، كبديل عن طائرات(35 ــ F) الأمريكية، التي تشارك تركيا في إنتاجها، ولكن أمريكا تمانع في تسليمها ، وفرضت شروطا تمس السيادة التركية لضمان انصياع سياسي أوضح في مقابل الحصول على سلاح أمريكي متطور.

وفي خضم ذلك التنازع داخل حلف الناتو ونزوع تركيا صوب مسيرة مستقلة، فمن حق الشعب الأفغاني أن يطالب إخوانه الأتراك بسحب جيشهم من أفغانستان والتوقف عن دعم العدوان الأمريكي المستمر منذ 18 عاما على شعب أفغانستان المجاهد.

فمعظم قوات حلف الناتو غادرت أفغانستان بالفعل، ولكن بعض الدول أبقت على قوات رمزية. ولتركيا الآن 800 جندي بدلا عن عشرة الآف شاركوا فى بداية الغزو. وآن الأوان لسحب تلك القوات، ووقف استخدام مطارات تركيا في تصدير مرتزقة داعش إلى أفغانستان. على تركيا  إفساح المجال أمام الشعب الأفغاني المسلم المجاهد للحصول على حريته.. فتركيا مثل باقي دول حلف الناتو ليس لها مصلحة في تلك الحرب، ناهيك عن رابطة الإسلام التي تربطها مع شعب أفغانستان .

ونفس القول يصلح لدول عربية تشارك / سرا أو علنا / بقواتها ، وبتسهيلاتها العسكرية الممنوحة للعدو الأمريكي، بل وتمويلها، لحربه ضد الشعب الأفغاني.

–  تجربة حلف الناتو في أفغانستان كانت تجربة مريرة أثبتت تبعيته السياسية والعسكرية للولايات المتحدة بدون وجود أي مصلحة أمنية (أو اقتصادية) لدول الحلف في تلك الحرب. النتائج العسكرية لمشاركة حلف الناتو في أفغانستان كانت ضعيفة جدا، ولم توقف تقدم مجاهدي الإمارة الإسلامية ولم تمنع توسع سيطرتهم على الأرض واتباع الناس لهم . فاكتشفت دول (الناتو) إنها في المكان الخطأ والمعركة الخاطئة، لذا انسحبت مصحوبة بعار الهزيمة. هذا بإستثناء بريطانيا التي، وبتصريح أمريكي، تتمتع بحصة محدودة من أفيون “هلمند” مع صلاحيات واسعة لسرقة خام اليورانيوم من تلك المحافظة.

 

جيوش المرتزقة بديلا عن حلف الناتو :

بمغادرة قوات الناتو(أو معظمها) لأفغانستان، دخلت الولايات المتحدة فى مرحلة جديدة من الحرب في ذلك البلد. فاعتمدت على (قوات المرتزقة) التي صارت عماد العقيدة العسكرية الأمريكية في أفغانستان ، بل و”الشرق الأوسط” ، بساحاته في العراق وسوريا واليمن وليبيا.

 أمريكا ــ وبإشراف مخابراتها المركزية ــ أعطت توكيل حرب أفغانستان لجيش من المرتزقة الدوليين عماده شركة بلاك ووتر في ثوبها الإسرائيلى الإماراتي، ولجيش مرتزقة داعش بجناحيه : الباكستانى ( داعشتو ــ أى دواعش معسكر شمشتو). وجناح داعش الإقليمى المكون من(إيغور/أوزبك/طاجيك). ناهيك عن الكتلة العددية الأكبر من مرتزقة الجيش الأفغاني (الوطني) والميليشيات المحلية (المناطقية والعرقية). ذلك الغثاء العددي يزيد عن ثلث المليون!! ويستزف المال الأمريكي، وطاقاتها الإدارية والاستخبارية، لتكون الحصيلة النهائية لصالح الإمارة الإسلامية.

 سوف يسجل التاريخ تحول العمل العسكري إلى عمل ارتزاقي على يد الولايات المتحدة خاصة في عهد ترامب. وأهم التطبيقات كانت في أفغانستان . حتى أن بعض الدول فاقدة القيمة حولت جيوشها إلى قوات (مرتزقة) معروضين تحت الطلب في سوق الحروب، كمصدر لجلب الأموال بالعملة الصعبة ، ولضمان الدعم السياسي الأمريكي.

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

الارتزاق العسكري .. وتوأمه الترفيهي:

– بتحويل الحرب إلى نشاط اقتصادي ارتزاقى، ظهرت صناعة الارتزاق بالدعارة المنظمة، التي أطلقوا عليها إسما منافقا هو الترفيه. وتديرها جيوش الإحتلال للترفيه عن قواتها وعن المرتزقة الدوليين . بعض الحثالة من الدول حولت الترفيه إلى صناعة وطنية، عمادها الإرتزاق الجنسي الذي تديره الدولة للترفيه عن المحتلين فوق أراضيها ( مدنيين وعسكريين) أو لتصديره إليهم في ساحات الحروب الارتزاقية التي تنشرها أمريكا حول العالم.

لقد أصبح الإرتزاق الدولي الذي ابتدعته أمريكا واستخدمت كامل قواها لنشره ، أصبح ثقافة ومفهوما “حضاريا” ونشاطاً اقتصاديا جالبا للثروة ، ومفهوما تتبناه أنظمة ودول تتاجر بدماء شبابها وأعراض نسائها، في نشاط ارتزاقي يشمل تلك التجارة الشيطانية بشقيها القتالي والترفيهي.

وفي عهد ترامب ظهرت بوضوح ظاهرة الدول التي حوّلت جيوشها (الوطنية) إلى قوات مرتزقة. وترافق معها ظاهرة عسكرة الدعارة ـ كجزء من العمل اللوجستي ـ للترفيه عن جيوش المرتزقة.

الولايات المتحدة ــ في عهد ترامب أيضا ــ كانت السباقة في دمج النشاط الارتزاقي كله تحت إدارة عسكرية موحدة . فاتخذت من قاعدة بجرام الجوية في أفغانستان مقرا لتلك القيادة الارتزاقية ــ القتالية والترفيهية ــ تحت سلطة استخبارية عسكرية موحدة. والأسطول الجوي العسكري يقدم خدماته لتلك القيادة. وعندما حاولت تلك القيادة المشتركة أن تطل برأسها خارج قاعدة بجرام أتتها الضربة الصاعقة على أيدي أبطال الإمارة الإسلامية الذين دمّروا مقر الرذيلة في (القرية الخضراء)، وهي التسمية المنافقة لأكبر مقر إستخباري عسكري  “ترفيهي” للأمريكيين . فانكمش نشاطهم إلى داخل القاعدة الجوية في بجرام، التي لن يكون مصيرها أفضل من مصير القرية الخضراء.

– حتى الجيش الأمريكي نفسه تحول إلى أكبر قوة ارتزاق عسكري في العالم، حيث يؤجر خدماته للحلفاء مقابل دفعات مالية مناسبة. ولا يخجل ترامب من مطالبة حلفائه (من أوروبا .. إلى اليابان وكوريا .. إلى الخليج ) بدفع المزيد من المليارات “ثمنا لحمايتهم” بقوات وأسلحة أمريكية .

* فلابد من إثارة أزمات وحروب لجلب المزيد من طلبيات إستئجار قوات أمريكية للدفاع . فتزداد صفقات شراء الأسلحة ، وتنتعش الصناعات العسكرية الأمريكية .

* العقوبات المالية والتجارية ـ أي الحروب الاقتصادية ـ تجلب المعاناة والفقر على الشعوب المستهدفة . فتزداد حاجتها إلى القروض. والجهات المانحة للقروض في العالم خاضعة للسطوة اليهودية بالشراكة مع الصهاينة المسيحيين في أمريكا.

وهكذاــ بالحروب العسكرية والاقتصادية وجيوش المرتزقة والصناعات الارتزاقية بالبشر رجالا ونساءً ــ ينتج الخراب المادي والأخلاقي، ويزداد الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة. ليصبح عهد ترامب واحدا من عهود الازدهار الاقتصادي الأمريكي، مهما جلب ذلك من خراب ودمار على الإنسانية جمعاء.

إنها سياسة ترامب التي تقول بأن (أمريكا أولا) .. والمال قبل المبدأ .. والدولار هو المعبود الأوحد. فلماذا الاستغراب من أن تتمسك أمريكا بحربها على شعب أفغانستان، وتواصل حرباً في سبيل الأفيون، هي الثالثة من نوعها التي تشنها الحضارة الغربية على دول آسيا؟؟  مادامت تلك الحرب تجلب مئات المليارات سنويًا إلى سوق المال في الولايات المتحدة، وتجلب الرخاء للشعب الأمريكي، وتسجل نجاحًا لواحد من أفشل القادة، وقد يفوز بولاية حكم ثانية ، وقد طوَّر مبادئ جديدة لحكم أمريكا والعالم . وهي مبادئ الخراب والانتكاس بفطرة الإنسان التي فَطَرَه الله عليها .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 167 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

ترامب خطر داخلي وكارثة دولية




إستهدافات ترامب الثقافية : هل تصل إلى الكعبة و المسجد النبوى والأقصى ؟

إستهدافات ترامب الثقافية : هل تصل إلى الكعبة والمسجد النبوى والأقصى ؟

إستهدافات ترامب الثقافية :

هل تصل إلى الكعبة والمسجد النبوى والأقصى ؟

ترامب يهدد يقصف 52 موقعا ثقافيا فى إيران .. لماذا؟؟.

لأنه يعلم غيرة الإيرانيين على تراثهم ( الدينى / الثقافى ) ، وهما شئ واحد فى الغالب .

وأما رقم 52 فهو عدد الأسرى الأمريكيين الذين أخذهم الطلاب الإيرانيون كرهائن عند إقتحامهم السفارة الأمريكية فى بدايات الثورة الإسلامية عام 1979 . ترامب يريد القول بأن فى قبضته رهائن “ثقافية” ، وأن بلاده حقودة ولا تنسى ثأرها مهما طال الزمن . تماما كما تصف إسرائيل نفسها.

–  دخل ترامب فى عداد المنتصرين منذ لحظة إغتياله لكل من الجنرال قاسم سليمانى ، وأبو مهدى المهندس وزملائهما بضربة جوية عقب خروجهم من مطار بغداد الدولى فى رحلة قادمة من دمشق .

فى نفس اللحظة ضَمِنَ ترامب فوزه فى الإنتخابات الرئاسية القادمة فى عام 2021 ، وأيضا خروجه سالما من الحملة الشرسة لمحاكمته أمام الكونجرس، على تجاوزاته واستخدام سلطاته لخدمة مصالحه الخاصة .

ود ترامب لو يوقف الزمان عند هذه اللحظة المنتصرة . وأشد ما كان يخشاه هو ردود فعل إيران ، وإحتمال أن يتحول ذلك النصر إلى هزيمة تفقده إمكانية إنتخابه للمرة الثانية .

– خدمة عظمى قدمها ترامب لإسرائيل بعملية إغتيال سليمانى ، متوجاً هداياه التى لم يسبقه بمثلها أى رئيس أمريكى آخر : من إعترافه بالقدس الموحدة عاصمة “أبدية لإسرائيل”، التى إعترف بشرعية ضمها للجولان السورية ، إلى إعترافه بشرعية المستوطنات التى إبتلعت الكثير مما تبقى من ممتلكات الفلسطينيين فى بلادهم . إضافة إلى تحقيقه لمكاسب يهودية عظمى فى الخليج وجزيرة العرب واليمن لم تكن تحلم بها إسرائيل .

– هذا السجل “الناصع” من الخدمات العظمى لإسرائيل ، توَّجَهُ بعملية إغتيال كانت أُمْنية غالية لإسرائيل ، ضَمِنَ ترامب رضا القوة المالية اليهودية فى الولايات المتحدة . وهى صاحبة القرار الحاسم فى تحديد نوعية وشخص الرئيس ضمن أطر (الديموقراطية) الأمريكية. فهى القوة المهيمنة على مجلسى النواب والشيوخ ، وعلى التيار الغالب فى الإعلام . إختصارا هى القوة الحقيقية الحاكمة والمتحكمة فى تلك الدولة “الأعظم” فى العالم .

– ولكن الذى حدث هو أن عملية الإغتيال أدت إلى تفاعلات فى الداخل الأمريكى ، وفى السياسة الدولية ، ثم فى العراق ومنطقة الخليج والجزيرة. تفاعلات كانت عموما فى صالح إيران وفى غير صالح عملية الإغتيال التى أضحت علامة فارقة بين عهدين : ما قبل ، وما بعد الإغتيال.

فإذا إبتلعت إيران الإهانة ، كانت تلك خطوة أولى سريعا ما يتبعها شريط طويل من تنازلات تنتهى بإيران إلى وضعية مشابهة لأى مشيخة على الشاطئ الغربى من الخليج . أما إذا رَدَّتْ الصاع صاعين ــ كما هى عادتهاــ  فإن ترامب تعهد بإستخدام غير متكافئ للقوة . وهو يعلم أن ذلك لن يخيف إيران التى جربت الحرب المكشوفة فى حربها مع العراق لثمان سنوات واجهت فيها العالم، من الإتحاد السوفيتى إلى أمريكا وكبراء حلف الناتو، وقوة أموال نفط الخليج .

الرادع الذى يظن ترامب أنه فعال هو خشية الإيرانيين وحرصهم على تراثهم (الدينى /الثقافى) الذى من أجله سافر الآلاف منهم الى العراق وسوريا للدفاع عن ـ المراقد المقدسة ـ التى هددها الدواعش وإخوانهم ، بل وفجروا أجزاء منها .

– ربما تصور ترامب أن الشعب الإيرانى سوف يضغط على قيادته من أجل الإمتناع عن الثأر الذى قد يؤدى إلى دمار كامل للتراث (الدينى الثقافى) الشيعى فى إيران . ولكنه كان مخطئا ، وكذلك مستشاروه . لأن الشعب الإيرانى خلال مراسم تشييع جنازة الشهداء أبدى عزيمة لا تردد فيها على الأخذ بالثار والإنتقام مهما كانت النتائج . وجميع فجوات السياسة الداخلية ردمتها بسرعة عملية الإستشهاد الذى تعرض لها الجنرال سلمانى ــ البطل الشعبى فى إيران ــ حتى أصبحت دعوات الثأر للشهداء عاملا ضاغطا يستحيل تجاهله ، أو تأجيله طويلا، بغير ثمن كبير يدفعه النظام من رصيد مصداقيته وصلابته .

 

إذن سوف تَرُدْ إيران على جريمة الإغتيال . فهل ينفذ ترامب تهديده بالدمار”الثقافى” ؟؟ .

لا يمكن تأييد ذلك أو نفيه. ولكن يمكن الترجيح قياساً على مجريات الأمور داخل النظام الأمريكى ، وتأثُرِه / أوخضوعه/ لمطالب مموليه اليهود .

والهدف اليهودى ليس تدمير الأماكن المقدسة للشيعة ، بقدر ما هو تدمير المساجد الثلاث المقدسة للمسلمين جميعا ، أى الكعبة المشرفة فى مكة، والمسجد النبوى الشريف فى المدينة ، والمسجد الأقصى فى القدس .

ليس تدميرها فقط ، بل وإلصاق تلك الجريمة بإيران(والشيعة)، بدعوى أنهم خلال عمليات الثأر وتطاير آلاف الصواريخ إنتقموا لتدمير مساجدهم “الشيعية” ، فدمروا المساجد الثلاث بإعتبارها مساجد”سنية”.

وهكذا يتأصل الصراع الدامى بين طائفتى السنة والشيعة إلى درجة الإستئصال . ومن خلال ذلك الصراع (الوجودى) تتعمق التحالفات “السنية” مع أمريكا وإسرائيل ، أكثر مما هو قائم حاليا مع حكومات وتنظيمات حركية سنية . فاتهام الشيعة بالعدوان على المساجد الثلاث هو أسهل الأمور على أمريكا وإسرائيل وحلفائهم من العرب. فأثناء العدوان على شعب اليمن كانت حكومة بن سلمان تدعى أن “الحوثيين ” يستهدفون مكة ، وذلك إذا سقط أى صاروخ بالقرب من الرياض أوحتى فى الربع الخالى .

– إن تدمير الكعبة هو أمنية لدى المتطرفين من المحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة فى الولايات المتحدة. وكانت وصفة مفضلة لدى العديد منهم للقضاء على الإسلام . حتى أن بعضهم طالب بتوجيه ضربة نووية إلى مكة . وفى ظنهم أن تهديم الكعبة بشكل نهائى سوف ينهى الإسلام ، فتنزاح آخر العقبات التى تؤرق الغرب الصليبى .

ومازلنا نذكر تصريح السكرتير العام لحلف الناتو فى بداية التسعينات، من أن الغرب قد تخلص خلال القرن العشرين من أهم عدوين له وهما النازية والشيوعية . ومهمته المتبقة هى التخلص من الإسلام .

–  قد يكون هدم الكعبة بضربة صاروخية (تقليدية أو نووية) هو العلاج النهائى الناجز. رغم أن بن سلمان قد وضع مملكته خارج نطاق الإسلام . والسعودية التى حاربت المسلمين (بعقيدة إبن عبد الوهاب) فأسقطوا خلافة المسلمين فى بدايات القرن العشرين ، وبالتالى تمكن اليهود من إحتلال فلسطين وتمزيق العرب إلى دويلات (سجون) لا تسمن ولا تغنى من جوع . ثم تحولت السعودية فى بداية القرن الحادى والعشرين إلى مملكة (للترفيه) الذى يعنى الدعارة المنظمة تحت رعاية الدولة ، وتجارة الرقيق الأبيض فى شبكات داخل المملكة ، تضمن إمداد جيوش الإحتلال المتمركزة داخل البلاد باحتياجاتها الجنسية . ودوليا إمداد قوات مرتزقة بلاك ووتر( بإدارة : بن زايد / أريك برنس) بفتيات الترفيه.

أما شعوب الفقر والتخلف ، فقد أوصِدَتْ أمامها أبواب الرزق، فلا طريق إلى الثروة سوى أن يكون شبابها ضمن جيوش المرتزقة ، وفتياتها ضمن منظومة البغاء. تلك الصناعة التى يروجها آل سعود تحت مسمى الترفيه، وينفقون فى تشييد بنيتها التحتية ملايين الدولارات ، ولكنها تعود بالمليارات على الملك وحاشيته .

فمن أجل تنويع مصادر الدخل جعل بن سلمان من الدعارة والقمار مصدرا ” شرعيا” وأساسيا لثروة المملكة التى أصبحت “قِبْلَة” يأتيها فَسَقَة العالم من كل فج عميق.

 فلو دمر ترامب الكعبة ، فإن آل سعود وآل سلمان لديهم من موارد ” الترفيه” ما يعوض خسائرهم .. وهكذا يديرون الأراضى المقدسة!! .

– أيدى اليهود ستظل بريئة من هدم المسجد الأقصى إذا استهدفه ترامب ضمن حملته التى يهدد بها “الأهداف الثقافية” الإسلامية . ولن يضيع اليهود وقتا فى عملية إعادة البناء . ليس إعادة بناء المسجد الاقصى بل بناء(هيكل سليمان) مكانه .

ولن يثأر لهدم المقدسات أحد من معسكر ترامب الإسلامى . بل سينتقمون من باقى المسلمين، ويتبادلون معهم الإتهامات حول من الذى هدم المقدسات الإسلامية … وكانهم لا يعلمون !!.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

إستهدافات ترامب الثقافية :  هل تصل إلى الكعبة و المسجد النبوى والأقصى ؟

 




الإحتلال الأمريكى ، الثوابت والمتغيرات : مكاسب دائمة وخطط متغيرة .

الاحتلال الأمريكي، الثوابت والمتغيرات

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 166 ) | ربيع الثاني 1441 هـ / ديسمبر 2019 م .

06/12/2019

 

الاحتلال الأمريكي، الثوابت والمتغيرات :

مكاسب دائمة وخطط متغيرة .

 

ترامب في قاعدة بجرام: رئيس فاشل بين جنود منهزمين، حيث يتاجر الجنرالات كل شيء، من الهيرويين وحتى الرقيق الأبيض.

 

أهداف أمريكية ثابتة :

1 ــ  تحقيق أكبر مكسب مالي من الحرب.

2 ــ  الاحتفاظ بقواعد أرضية بعد الحرب.

 3ــ  إدامة الحرب بطرق أخرى.

الخدعة العسكرية وراء معارك الشمال :

1ـ سحب قوات طالبان بعيدًا عن العاصمة.

2ـ استنزاف طاقة طالبان في أهداف ثانوية على الحدود.

– الاحتلال يحول الشمال إلى مزرعة للميليشيات العرقية، إلى جانب داعش.

–  بدأ العدو في نقل نشاطات الهيرويين من بجرام، نتيجة لضربات طالبان، وأغلق بالفعل بعض الأقسام السرية داخل القاعدة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

 

تجري أمريكا تغييرات على استراتيجيها العسكرية في أفغانستان بما يتناسب مع عجزها المهين عن إخضاع الشعب الأفغاني ومجاهدي الإمارة الإسلامية. ولكن المبدأ الأمريكي الثابت في حرب أفغانستان وفي أي تورط عسكري أمريكي حول العالم، ومهما كانت درجة الشدة، هي:

أوّلا: الاحتفاظ بأكبر مكسب مالي كعائد من المغامرة العسكرية. أي النظر إلى الحرب كعمل اقتصادي يقاس نجاحه أو فشله بمقدار ما يسفر عنه ماليًا من مكسب أو خسارة.

ثانيًا: الاحتفاظ بقواعد عسكرية دائمة. أي الاحتفاظ بتواجد دائم على الأرض، مهما كان رمزيًا، لاستثماره في مغامرات قادمة ضد شعوب المنطقة أو ضد القوى الدولية المنافسة، خاصة روسيا والصين.

ثالثًا: إدامة الحرب بطرق أخرى. فالانسحاب الأمريكي ـ أو التواجد الرمزي ـ لا يعني عودة الهدوء إلى البلد المبتلى، ولكن تستمر الحرب الأمريكية على ذلك البلد بصور أخرى. أهمها الحرب الأهلية بين المكونات العرقية أو الدينية لذلك البلد. وإذا تعذر ذلك أو لم يكن كافيا بالقدر اللازم، تدعمه أمريكا بحرب بين الدول المتجاورة، مهما كانت شدة تلك الحرب منخفضة، لأن المكاسب المالية تضمنها صناعة السلاح الأمريكية على شكل صفقات للدول المتحاربة.

لقد غيرت أمريكا سلوكها العسكري في أفغانستان، وغيّرت أسلوب تناولها السياسي، ولكن المبادئ الثلاث المذكورة آنفًا ستظل ثابته على الدوام. ولنلق عليها نظرة أخرى.

المبدأ الأول: { أكبر مكسب مالي من الحرب}. ومن واقع الرسائل الأمريكية الواضحة أنها تريد ضمانات بالحفاظ على “حصتها من أفيون أفغانستان” قبل أن تنسحب وتترك هذا البلد.

وهو المكسب المالي الأكبر من احتلال أفغانستان، بل وأكبر مكسب على الإطلاق تحصل عليه أمريكا من أي مغامرة عسكرية أو سياسية، أو حتى نشاط تجاري قانوني.

المبدأ الثاني: { قواعد عسكرية دائمة} أي الاحتفاظ بأي مكسب على الأرض لإستثماره في مغامرات لاحقة.

فتحاول أمريكا الاحتفاظ بأي مكسب عسكري على الأرض الأفغانية، على شكل قواعد عسكرية وجوية. لأن أفغانستان تعتبر أهم المواقع الاستراتيجية التي منها يمكن التدخل ضد أعداء أمريكا ومنافسيها الأخطر، وهم: روسيا ـ الصين ـ إيران.

في البداية حاول المحتل الأمريكي أن يُغيِّر توصيف وضعه في أفغانستان من محتل إلى وسيط يحافظ على السلام بين فئات محلية متصارعة، ويرعى حكومة ضعيفة مناصبها موزعة حسب اعتبارات عرقيه ومذهبية، ودستور يحمي حاله التفكك والضعف الداخلي. والعراق هو النموذج الأقرب لما يريده الأمريكيون لأفغانستان . حتى داعش تم نقلها من (العراق والشام) إلى أفغانستان حتى تتطابق التجربتين، على أمل أن تعطي نفس النجاحات. ودستور الحكم الذي وضعه (بريمر) للعراق يوجد نظير له يحكم أفغانستان. الفارق الوحيد هي الإمارة الإسلامية التي قلبت المخطط الاستعماري رأسًا على عقب. والمبادئ الاحتلالية الثلاث أضحت متصدعة ولا تكاد تقوى على الوقوف على قدميها.

المبدأ الثالث: {الحروب الدائمة.. الأهلية والإقليمية} وإذا رأينا التطبيق الأمريكي في العراق ثم في الشام، نجده في الحالتين اخترع داعش لإشعال الحرب الدينية والمذهبية “سنة ـ شيعة ـ دروز ـ علويين “. وساعد وجودها على ظهور ميليشيات عرقية (أكراد ـ عرب ـ تركمان) .

أسلوب عمل داعش يساعد على ظهور كافة المجموعات المسلحة الأخرى، كونه يهدد الجميع، والاحتلال الأمريكي مستعد لدعم الجميع ضد الجميع بما يحفظ مصالحه الدائمة من مكاسب مالية ومزايا استراتيجية. فأينما ظهر داعش ظهرت إلى جوارها ميليشيات مسلحة عرقية ومذهبية. ولا يحدث ذلك بشكل تلقائي تمامًا، بل بإغراء ودعم الاحتلال، وأحيانًا بتصنيعه المباشر كما يحدث الآن في أفغانستان.

  فالاحتلال الأمريكي انسحب تقريبًا من أفغانستان تاركا الحرب تديرها (مرتزقة بلاك ووتر) بإشراف المخابرات الأمريكية.

ولأسباب مالية وأمنية استخدمت بلاك ووتر بمجموعات داعش في صدارة العمل العسكري في مواقع مختارة. فتعداد قوات داعش المشتبكه بالنيران مع الأهالي وقوات طالبان أكثر من قوات بلاك ووتر المشتبكة بالفعل، والتى تدَّخِر قوتها من أجل الهجمات الليلية على القرى  والأهداف المنعزلة والضعيفة حتى تتجنب الخسائر البشرية.

أما داعش فهي مجموعات رخيصة الثمن يسهل تجديدها من معسكر شمشتو للمرتزقة وحثالة المجتمع. لذلك يدفعونها إلى المواجهات الصعبة أمام طالبان لتتحمل الخسائر البشرية.

 

مزرعة للميليشيات في الشمال الأفغاني:

شرع الاحتلال الأمريكي في بناء ميليشيات عرقية في شمال أفغانستان، حيث نقل التركيز الداعشي إلى هناك، ليستكمل مشهد الفتنة مع مليشيات عرقية يشرف عليها أعمدة من النظام الحالي وكبار مساندي الاحتلال مثل(حنيف أتمر) مستشار السابق لأشرف غني لشؤون الأمن القومي. وعبد الرشيد دوستم زعيم الميليشيات المشهور بخدماته للشيوعية والرأسمالية معًا. ويعيد الاحتلال بناء جماعة أحمد شاه مسعود باعتبارها أحد الأجنحة الهامة في الفتنة العرقية المنشودة، ضد الأوزبك والبشتون.

مزرعة الميليشيات تلك دليل على يأس وفشل الاحتلال. لأنه لا يجهل أن المناخ الشعبي في أفغانستان قد تغير ولم يعد كما كان خلال العهد الذهبي لتلك الميليشيات في الحقبة السوفيتية. إن الدول المحيطة بأفغانستان قد تغير موقفها السياسي ونظرتها لما يحدث في أفغانستان. ويمكن القول أن مواقفها أقرب إلى طالبان، لخشيتها من الأهداف الأمريكية الكامنة وراء بعث حطام تلك الميليشيات من جديد. وموقف حكومة كابل وحقيقة عمالتها وضعفها يؤيد ماذهبت إليه الدول الجارة من أن الإمارة هي الحل الأمثل لأفغانستان والمنطقة من حيث الأمن والاستقرار والتنمية.

يؤسس الاحتلال الأمريكي لمراكز جديدة لزراعة الأفيون وتصنيع الهيروين في شمال أفغانستان. وتتوزع مهام حمايتها على الميليشيات التي أسسها ليقاتل بعضها بعضا، ولكن لها هدف مشترك هو (حماية صناعة الهيروين، بثوبها الحديث ومعداتها المتطورة) التي انتقل بعضها من قاعدة بجرام التي يجري تصفيتها بالتدريج ونقل نشاطها إلى عدة أماكن من أفغانستان تحت حماية (الميليشيات) والدواعش.

تلك الخطوة أيضًا تعكس يأس الاحتلال وقصر نظره. صحيح أن تلك الميليشيا ستوفر حماية لكنوز صناعة الهيرويين في مناطقها، ولكن بحكم طبيعتها سوف تلجأ إلى الاستئثار بالعائدات، ولن تقبل بالتقاسم مع الأمريكي الذي يديرها من خلف الحدود مع باكستان، ولا يمتلك قدرة الردع العسكري التي كان يمتلكها أيام احتلاله المباشر لأفغانستان. أي أن الميليشيا ستوجه سلاحها أيضا ضد وكلاء الاحتلال الذين يعملون معها. وستنشب حروب أفيون لطرد النفوذ الأمريكي أو تقليصه بشدة لصالح ملوك الهيرويين المحليين. وهم غالبًا قادة الميليشيات المتحالفين مع  قادة قبليين. ولكن جيوش الهيرويين تلك ستجد نفسها بين نارين: قوات طالبان من خلفها، وحكومات الدول على الجانب الآخر من الحدود. إذن تصفية تواجدها سيكون مهمة أسهل بكثير من دحر الاحتلال الأمريكي قبل ذلك.

عندما يتحقق ذلك السيناريو في أفغانستان فسوف تنتقل العدوى إلى القبائل الباكستانية التي “تستضيف” نشاطا مماثلا فوق أراضيها، مضافًا إليه تواجد أهم قيادات المشروع من أمريكيين وإسرائيليين وإماراتيين وباكستانيين. وفي قمة ازدهار عمل تلك القبائل في المخدرات في عهد الرئيس الراحل ضياء الحق، كانت العلاقة بين القبائل والحكومة مرسومة جيدًا وبدقة. فالحكومة كان لها الجمارك على المادة المنقولة، والعمولة على الصفقات بين تجار تلك القبائل مع المافيات الدولية (كثيرًا ما كان كبار رجال الدولة هم سماسرة تلك الصفقات ويشكلون لوبيات ضغط لصالح كارتلات دولية أو قبلية).

 وبغير تلك المعادلة لا يمكن أن تستمر علاقة أخرى. لذا من المتوقع نشوب حرب أفيون في باكستان أيضًا، لترسم بالدم، حدود لعلاقة جديدة. قد تكون حرب قبلية من النمط القديم، أو حركة مطالب الاجتماعية في ثورة ملونة حديثة، تبدأ بمطالب العدالة والتطهر من الفساد وإزاحة الطبقة السياسية الحاكمة والأحزاب. وفي النهاية السعيدة، بعد ثورة ملونة تحرق ولاتذر، تنتج خريطة لعلاقات واقعية داخل منظومة الهيرويين التي ترسمها أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وتفرضها بالحرب على رقاب  شعوب المنطقة والعالم.

 

لماذا شمال أفغانستان:

يُعطى الاحتلال الأمريكي أولوية كبرى لشمال أفغانستان في الوقت الحاضر. وفي درجة تالية من الأهمية تجيء جلال آباد شرقا، ثم الشريط الحدودي مع إيران، في الطرف الغربي من أفغانستان.

من ناحية عسكرية يهرب الأمريكيون إلى الأطراف ساحبين خلفهم الكتلة الأساسية من الدواعش  والطائرات بدون طيار(درون) والمروحيات.

وهدفهم الأول عسكريا هو جذب اهتمام الطالبان بعيدًا عن هدفهم الاستراتيجي الحالي وهو العاصمة كابول. فبدلًا من تركز قوتهم في قلب أفغانستان لإنهاء الحرب في منطقة القلب يضطرون إلى توزيع قواتهم على الطوق الحدودي. وبالتالي يضعف تركيزهم حول كابول ولا يصبح كافيًا للحسم العسكري.

وفي نفس الوقت يصيبهم الإرهاق واستنزاف الموارد بالتوزيع الواسع لقواتهم على مسافات ومساحات واسعة في الأجواء الباردة للشتاء، بدون أمل في حل المشكلة مع الطيران المعادي.

والخسائر البشرية من المجاهدين والمدنيين في أطراف البلد، بينما كابول آمنة والنظام مستمر، والاحتلال يواصل مؤامراته في الداخل والخارج. وأعوانه الدوليون ـ مسلمون وغير مسلمين ـ يقدمون له شتى أنواع الدعم المالي والتآمري، خارج أفغانستان وداخلها، وصولا إلى أسوار كابول.

 في وقت يحتاج طالبان تركيز قوتهم في الوسط، يحاول العدو خداعهم ليجبرهم على سحبها إلى الأطراف. فتكسب العاصمة وقتًا هي في أشد الحاجة إليه. وتلك أهم خدعة عسكرية يقوم بها العدو حاليا.

أما أهداف العدو في هذه المرحلة من نشاطه الأفيوني، فهي استكمال المرحلة الثانية من إعادة بناء صناعة الهيروين على ضوء تصاعد قوة طالبان وأخذهم زمام المبادرة عسكريا وتضييق حاصرهم على كابول وتصعيد تواجدهم (السري) الملموس في حياة العاصمة. وفي المقدمة يأتي تضييقهم على قاعدة بجرام الجوية وإحداث خسائر مادية وصلت لدرجة أن نقل صناعة الهيروين منها أصبح ضرورة. وبالفعل أغلق العدو بعض الأقسام “السرية” في القاعدة العملاقة.

 

ترامب في بجرام: رئيس فاشل بين جنود منهزمين.

يبيع الجنرالات الأمريكيون كل شيء، بالمعنى الحرفي للكلمة. ويتاجرون بكل شيء بدءا من الهيرويين وصولا إلى الرقيق الأبيض. هناك في قاعدة بجرام وقف ترامب فخورًا بين جنود جيوش العار الأمريكية، التي تنشر الخراب والدمار أينما حلت، سلمًا أو حربًا.

لأسباب انتخابية بحتة زار الرئيس ترامب قواته المتخلفة في بجرام. وقال أن ذلك بمناسبة عيد الشكر ــ وهو عيد اخترعه الأمريكان في بداية استعمارهم لأمريكا، بدعوى تقديم الشكر لله على نجاتهم من المجاعة !! ــ وفي ذلك التفاتة من ترامب إلى أن أفغانستان وصناعة الهيرويين في بجرام أنقذت أمريكا من الإفلاس الذي هددها عندما أوقفت الإمارة الإسلامية زراعة الأفيون. وزع ترامب على أيتامه العسكريين وجبات غذائية، ليحصد بذلك أصوتًا في السباق الانتخابي للرئاسة. لا ندري كيف تم استقباله؟ ــ وهل ما زال في بجرام قاعة تحت الأرض لاستقبال كبار الزوار في زياراتهم الليلية المفاجئة والسريعة للغاية، والتي يستجلب إليها الرئيس الأفغاني بحراسة أمريكية كما تقاد الذبيحة إلى مسلخ البلدية. حيث يوقظه رجال الأمن الأمريكيون من نومه ويخبروه بوصول رئيس أمريكي في بجرام، ثم يسحبوه من قفاه منفردًا بلا حراس ولا مودعين. ووقف الرئيس الأفغاني أشرف غني في صف الجنود خلف ترامب، في موقف مهين لرئيس عينه جيش الاحتلال.

ترامب زار قاعدة عسكرية تليق به وبمقام دولته المحطم. رئيس فاشل في قاعدة عسكرية منهزمة. فالقاعدة في حالة رحيل، وكبار ضبّاطها مشغولون في “بزنس” التصفيات وممارسة التجارة في معدات جيش مهزوم. وجنرالات يحولون الهزيمة إلى فرصة للثراء و(تراكم رأس المال). الجنرالات يبيعون كل شيء بالمعنى الحرفي للكلمة. فالهيروين يتسرب من منافذ وثقوب سرية ويباع للقطاع الخاص. وكذلك تتسرب أسلحة ذات سمعة مهيبة. وحتى تأجير المروحيات للاستخدام في السوق المحلي لأي قادر على دفع الإيجار، وهؤلاء عادة هم تجارالمخدرات الكبار. وفي الجيش المهزوم يتصدع الانضباط العسكري وتتحول المخازن العسكرية إلى بازار مفتوح، وفيه الهيلوكبتر المهيبة يمكن أن تتحول إلى ركشا أو (توك توك) بالإيجار للرحلة أو لليوم. وبعد تحطيم المركز العسكري للدعارة في “القرية الخضراء” التي هاجمها مجاهدوا طالبان محدثين خسائر جسيمة في العسكريين الأمريكان وفتياتهم. فنقل الجنرالات مركز تجارة الرقيق الأبيض إلى قاعدة بجرام مباشرة لتكون في أعلى درجات الأمن والحماية وتحت إدارتهم المباشرة. وتكون على صلة جوية بشبكات الدعارة الدولية كما هو الهيرويين، وعلى نفس الطائرات العسكرية.

 

أين يذهبون بعد بجرام ؟؟

نظريًا كان الانتقال من بجرام إلى جلال آباد هو الاختيار الأول لعدة اعتبارات. ولكن عنف مقاومة جنود الإمارة الإسلامية، جعلت من ذلك عملا خطيرًا للغاية. والدواعش الذين تم استجلابهم من باكستان وبلاد (العراق والشام) انشغلوا بالدفاع عن أنفسهم، وبقتل المدنيين، ولم يستطيعوا الحفاظ عن قواعدهم الأساسية في (تورابورا) وغيرها.

وبدلًا من أن يكونوا سادة الأفيون في الشرق (جلال آباد)، وجد الأمريكيون أنفسهم يُهَرِّبون خام الأفيون إلى باكستان مثل أي عصابة تهريب تعيسة. ولم تقدم لهم داعش الكثير في الحماية على جانبي الحدود. ولما ظهر أن داعش في جلال آباد عبئًا وليست إضافة أو دعمًا، إذ هي نفسها في حاجة دائمة لدعم الطيران الأمريكي والقوات المحمولة من القوات الحكومية والمرتزقة. لذا قرّر الاحتلال إبعادهم إلى مناطق حدودية في الشمال. أظهروا ذلك في إطار عرض مسرحي سيء، للاستفادة الدعائية لتبييض سمعة حكومة الأشباح في كابل. وقبل النقل أظهروا الدواعش وكأنهم استسلموا مع أسلحتهم للحكومة. وبعد العرض الذي لم يكن محبوكا بما يكفي، رحل الدواعش جوًّا للخدمة في مناطق حدودية أخرى شمالًا وغربًا.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

 

حروب وثورات الأفيون القادمة :

الجانب الباكستاني لا يتحمل صناعة تحويلية كبيرة تتعلق بالأفيون، فالذئاب القبلية كثيرة ومتمرسة ولا تقبل الرشوة ــ إلا مؤقتا ــ  ولا ترضى بغير الشراكة !!.

لابد أن يوافق الأمريكيون (والإسرائيليون)على وضع مؤقت بين قبائل الحدود في باكستان، إلى حين استكمال الشبكة الجديدة البديلة عن قاعدة بجرام وأمجادها الأفيونية. فشلت محاولة نقل صناعة الهيروين إلى كونار تحت حماية داعش ورجال حكمتيار صاحب التواجد التاريخي في ولاية كونر، والمرشح لدور مستقبلي ـ أفيوني ـ فيها، هذا لو تمكن من الدفاع عنها ضد طالبان. وهو ما فشل فيه هو والأمريكييون والدواعش حتى الآن.

 الثقل الأساسي لداعش في حقيقية الأمر يوجد في الشمال على حدود طاجيكستان وأوزبكستان. حيث تمكن الأمريكيون من تركيز تواجد لداعش لا بأس به، وهو الأقوى لهم في أفغانستان، بفضل الثقل الجوي الذي منحه الأمريكيون لهم.

في نفس المنطقة من الشمال وعلى حوافها أنشأ الأمريكيون عدة مليشيات عرقية، تحت قيادات مجرية ومشهورة أو في طريقها إلى اكتساب الشهرة والقوة بدعم الطيران الأمريكي وأساتذة المرتزقة في بلاك ووتر والإسرائيليين .

الدواعش مع الميليشيات العرقية في مهمّة لتثبيت رؤوس جسور على نهر جيحون لتأمين اتصال مباشر مع عصابات نقل المخدرات والأسلحة على الجانب الآخر من النهر.

سيذهب الهيروين، وتأتي في المقابل أسلحة ومواد غذائية ونفط ودولارات. ذلك سيخفف كثيرًا من مشاكل الإمداد على تلك العصابات فتتمكن من أعالة نفسها واكتساب مزيد من القوة تحت إشراف المخابرات الأمريكية التي ستضبط حركتهم الأفيونية بالتحكم في العملية التكنولوجية المتطورة لتحويل الأفيون إلى بلورات نقية أو مسحوق هيروين نقي.

زيارة ترامب لقاعدة بجرام تعتبر دفعة لمشروع داعش والميليشيات. جاء ترامب ليستجدي التفاوض مع الإمارة الإسلامية، والتأكد من جنرالات استخباراته في بجرام أن الترتيبات الجديدة لصناعة الهيرويين سوف تحافظ على مستوى عال من الدخل لأمريكا. وأن الخسارة لن تكون تامة وشاملة.

تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

الإحتلال الأمريكى ، الثوابت والمتغيرات : مكاسب دائمة وخطط متغيرة .

 




جلال الدين حقانى 16

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 16

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 166 ) | ربيع الثاني 1441 هـ / ديسمبر 2019 م .

06/12/2019

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 16 )

ولننظر الآن إلى بعض أسرار حملة جاور 1986 ــ والتي أرسلتها فى يونية 1986 إلى صحيفة الاتحاد الإماراتية، بعد انتهاء المعركة، وتوافر معلومات إضافية وصلت إلى الشيخ جلال الدين حقاني عبر شبكة استخباراته الخاصة من المتعاونين معه في مدن خوست و جارديز و كابول العاصمة.

رسالة أفغانستان

مصطفى  حامد  10 /6/86

ـ أسرار من حملة جاور (1986) ـ

 

– إعدام المسئولين الأفغان المسئولين عن عملية الكوماندوز الفاشلة. * مدفعية خوست قصفت القوات الأفغانية والسوفيتية بدلاً من قصف المجاهدين. * القوات الأفغانية تسقط طائرتين سوفيتين فوق مدينة خوست. * خاض السوفييت21 يوما من المعارك العنيفة في مقابل 18 ساعة قضوها في جاور. أصبحت 8 ساعات فقط نتيجة مقاومة طالبان .
–  بطولة طالبان في جاور: كمين من عشرة شباب يؤخر آلاف الجنود الشيوعيين والسوفييت لمدة عشر ساعات. فاستشهد منهم ثلاثة وجرح سبعة جروحا خطيرة.
– قائد طائرة وزير الدفاع الأفغاني حاول اللجوء بطائرته إلى باكستان. * قصة الكمين الأخير الذي دافع عن جاور وأخر القوات المهاجمة يوماً كاملاً.
من أجل الوصول إلى قاعدة جاور دفع السوفييت بقوات أفغانية مقدارها ثلاثون ألف جندي من مختلف الأسلحة البرية يساندها خبراء سوفييت في قطاع المدفعية والمعدات الإلكترونية بالإضافة إلى ستة آلاف من جنود الكوماندوز السوفييت الذين يشاركون في تدعيم المواقع الجبلية التي استولى عليها الجيش الأفغاني. وللسيطرة على موقع (جاور) عن طريق جبل مرتفع يقع إلى الشمال الغربي منها ويدعى (رغبلي). لقد تمكن المجاهدون من تطهير هذا الجبل عدة مرات ولكن الكوماندوز السوفييت مدعومين بسلاح الجو والمدفعية أعادو احتلاله وتمسكوا به.
وأدى ذلك في نهاية المعركة إلى استيلائهم على (جاور) نفسها. أما المجهود الجوي فقد بدأ يأخذ طابعاً عنيفاً منذ الثلاثين من مارس الماضي، حيث تراوحت الطائرات المغيرة على (جاور) منذ ذلك التاريخ وحتى سقوطها في19/4/86، ما بين ثمانين إلى مئة وثلاثين طلعة طيران يومياً. وقد استخدم الروس طائراتهم الحديثة التي يقودها طياروهم، فاستخدموا طائرات (توبولوف26) القاذفة الاستراتيجية التي تنطلق من قواعد على الحدود السوفييتية مع أفغانستان لكي تقذف قاعدة (جاور) التي تبلغ مساحتها واحد كيلومتر مربع فقط !!..

الطائرة المعجزة :

أما الدور البارز والمؤثر فقد كان لطائرات السوخوي الحديثة، خاصة (سوخوي-25) ، (سوخوي 27) وهي طائرات ما زال العالم يجهل الكثير عنها حتى أن صورها غير معلومة على وجه الدقة. وقد صور المجاهدون هذه الطائرات أثناء عمليات (جاور) الأخيرة وكشفوا الكثير عن أسرار هذه الطائرات من ناحية القدرات التكتيكية التي أثارت الدهشة. وقد أفاد المجاهدون الذين واجهوا هذه الطائرات بواسطة رشاشاتهم الثقيلة. والتي تعتبر عديمة الجدوى أمام هذه الطائرات ، أن الأنواع الحديثة من طائرات السوخوي يمكنها إبطاء سرعتها أثناء عملية القصف حتى تصبح مثل سرعة طائرات الهيلوكبتر وهذا يعطي الطيار فرصة التصويب الدقيق واختيار الهدف.
كما أن زاوية استدارتها قليلة جداً، بحيث يخيل إليهم أنها تنعكس على نفس الخط الذي أقدمت عليه ويمكنها القصف في طريق الذهاب والعودة.
وبعض العاملين على الرشاشات يؤكد أن بعض هذه الأنواع مصفح من الأسفل بحيث لا تخترقه طلقات الرشاشات الثقيلة حتى عيار ( 14,5 مليمتر). وكانت تلك الطائرات تهاجم مواقع المدفعية وتدمرها بدون خوف. ولكنها كانت تفر إذا استخدم المجاهدون ضدها قذائف (آر بي جي) المضاد للدبابات.

نصر أم هزيمة؟

وقد أفادت التقارير الواردة من داخل مدينة خوست أن عدد الطائرات التي أُصيبت في هذه المعركة وسقطت في وادي خوست أو عند محاولتها الهبوط في مطار المدينة وهي تشتعل قد بلغ6 طائرات هيلوكبتر و8 طائرات نفاثة، هذا بالإضافة إلى الطائرات التي أُصيبت وأُسقِطَتْ فوق جاور أو قريباً منها وبلغت3 طائرات هيلوكبتر وثلاث طائرات نفاثة.
كما أُصيبت أيضاً طائرتي نقل( أنتينوف) وهما جاثمتان على أرض المطار نتيحة لقصف مدفعي على المطار من جانب المجاهدين. وأشارت التقارير أيضاً أن القصف الصاروخي الذي صبه المجاهدون على القوات المهاجمة والمساندة لها في الوادي قد أوقع بها خسائر فادحة ما زالت لم تحصَ بشكلٍ دقيقٍ حتى الآن. وحسب تلك المصادر فإن القوات الحكومية التي دخلت (جاور) لم تستطع المكوث فيها لأكثر من ثمانية عشر ساعة فقط بعد معركة امتدّت واحد وعشرين يومًا.
ويرجع ذلك إلى قوة القصف الصاروخي للمجاهدين على القاعدة نفسها عندما دخلتها القوات الحكومية. والسبب الآخر والأهم هو خشية هذه القوات من هجوم مضاد يشنه المجاهدون فيقطعون خطوط مواصلات هذه القوة ويقضون عليها. ففضلت هذه القوات العودة على عجلٍ حتى أنها لم تُحكم تلغيم القاعدة. وتركت الألغام والمتفجرات وانسحبت على عجل. هذا وقد كشفت بعض أسرار عملية الكوماندوز الفاشلة والتي راح ضحيتها أكثر من خمسمائة جندي كوماندوز حكومي بين قتيل وأسير وحاول السوفييت بهذه العملية الاستيلاء على جاور بضربة مفاجئة من الخلف والجوانب.
ولكن كمائن المجاهدين كانت جاهزة في الأماكن المتوقع هبوط هذه القوات بها بناءً على معلومات تسربت إليهم عن العملية. وقد أفادت التقارير التي جمعها المجاهدون من داخل مدينة خوست نفسها بأن الضبّاط المسئولين عن هذه العملية بما فيهم طيارين، قد تسرّبوا إلى المناطق  المرشحة للإنزال حول قاعدة جاور وعاينوها بأنفسهم بالاستعانة ببعض الجواسيس وذلك قبل تنفيذ العملية.
 ولكن التصدي المبكر للمجاهدين أجهض العملية وحولها إلى كارثة كانت الأكبر من نوعها لسلاح الكوماندوز الذي ظل متمتعا بسمعة عسكرية جيدة بالنسبة لباقي قطاعات الجيش الأفغاني من ناحية الكفاءة والفعالية. وقد تعرضت قوة الكوماندوز إلى كارثة تاريخية في حرب أفغانستان ومن بين عشر طائرات هيلوكبتر شاركت في نقل هذه القوات دمر المجاهدون ست طائرات، ثلاثة منها في  مواضع الهبوط وثلاثة أخرى تحطمت قبل وصولها إلى خوست. أما أفراد القوة فلم ينج منهم أحد من القتل أو الأسر. وعلى أثر هذه الكارثة ألقي القبض على الضباط الذين استطلعوا الموقع قبلاً وتم توجيه الاتهام إليهم بالتخابر مع المجاهدين وتم تكبييلهم بالقيود الحديدية وعصب أعينهم وأرسلوا إلى كابول للمحاكمة. وأعدم بعضهم رميًا بالرصاص أمام الجنود في خوست. وهناك عدة اتهامات أخرى بالخيانة وجهت لعدد من الضباط الأفغان وتم إعدام بعضهم في حوادث متفرقة.
تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

الطوبجي الأعمى

إحدى هذا الحوادث كان في سلاح المدفعية. فقد تم تشكيل قوة أفغانية سوفيتية للتقدم نحو جاور من جناحها الشرقي وأثناء التقدم طلبوا من المدفعية تسليط نيرانها على أحد المواقع التي يكمن فيها المجاهدون ولكن المدفعية سلطت نيرانها على القوة المتقدمة وأوقعت بها خسائر فادحة.
وادعى ضباط المدفعية أنهم قصفوا المواضع التي حددتها القوة المتقدمة نحو جاور. ولكن هذا لم يعفيهم من الاتهام بالخيانة وإرسالهم إلى كابول بنفس الطريقة السابقة.

مفاجئة ليلية

في تلك الأيام المرهقة لمعارك جاور كانت الطائرات السوفيتية تقصف قاعدة جاور وما حولها ليلاً ونهاراً وكان إلقاء المشاعل ليلاً وقصف الطائرات قد تحول إلى مشهد روتيني. وفي إحدى الليالي فتحت المدفعية المضادة للطائرات  في مدينة خوست نيرانها على الطائرات الموجودة في سماء المنطقة. وأصابت طائرتين سقطتا على أطراف الوادي. وبعد التحقيق تبين أن العيار الذى أصيبت به الطائرات ليس له نظير لدى المجاهدين.
وتبع ذلك إلقاء القبض على ضباط من سلاح المدفعية المضادة للطائرات وإعدامهم في محاكمات عسكرية   تمت في خوست أيضاً.

طيار الجنرال

من أبرز الحوادث التي تمت في صفوف ضباط الجيش والتي أوضحت روح التمرد في الجيش على الأوضاع القائمة هو ما حدث مع وزير الدفاع الأفغاني الجنرال (نظرمحمد) الذي جاء إلى خوست في طائرة هيلوكبتر خاصة لكي يشرف على سير العمليات  ضد (جاور).
ولكن الطيار الخاص لوزير الدفاع تمكن من الإقلاع من مطار خوست متوجهاً صوب الحدود الباكستانية في محاولة للفرار. ولكن دوريات سلاح الجو التي كانت في سماء المعركة لاحقت الهيلوكبتر الهاربة واشترك في المطاردة عدد من الطائرات النفاثة وطائرات الهيلوكبتر.  فاضطر الطيار الفار من الهبوط في مكان قريب من الحدود الباكستانية وحاول الفرار سيراً على الأقدام. ولكن طائرات الهيلوكبتر حاصرته وألقي القبض عليه، وتمت محاكمته في خوست أمام محكمة ميدانية وأعدم رمياً بالرصاص أمام الجنود.
بطولة طالبان في جاور:
عشرة من طلاب المدارس الدينية من المجاهدين في قاعدة (جاور) رفضوا الانسحاب من القاعدة بعد أن طوقتها القوات الحكومية وبدأت في التقدم بحذر نحوها. كانت المجموعة في شكل كمين بالأسلحة الخفيفة وقاذف (آربي جي) واحد مع عشرة قذائف. وتمكن هؤلاء العشرة من فوق كمينهم الجبلي من تأخير القوات الكثيفة التي تقدمت نحو القاعدة مدة يوم كامل.
وتم توجيه جميع الأسلحة من مدفعية وطيران على أفراد هذا الكمين حتى أصيب سبعة منهم بجروح خطيرة واستشهد منهم ثلاثة.  وفي الليل تمكن المجروحون من الانسحاب بكامل أسلحتهم عبر الجبال حتى وصلوا إلى الحدود الباكستانية، وعند موقف سيارات الأجرة سقط المجاهدون السبعة  فاقدي الحركة. وتجمع الناس وحملوهم إلى مستشفى مدينة ميرانشاه الحدودية، وما زال الصامدون السبع تحت العلاج وفي (صحة معنوية) عالية ** طلاب المدارس الدينية ( أو طالبان ) بهذا الكمين البسيط في أحد مضائق الطريق إلى جاور وقريبا منها، تمكنوا إذا من تخفيض مدة بقاء القوات الشيوعية بالقاعدة الى أقل من عشرة ساعات.على اعتبار أن جاور انسحب منها المجاهدون لمدة 18 ساعة فقط ، استهلك منها هذا الكمين عشر ساعات على الأقل.

المخاطر قائمة :

قاعدة جاور التي أقامها مجاهدي باكتيا بقيادة حقاني تتحكم في طرق إمداد المجاهدين في سبعة عشر ولاية أفغانية, وقد فقد حقاني, الذي جرح في قاعدة جاور أثناء هذه المعركة, ثلاثة وتسعون شهيداً من رجاله بالإضافة إلى مئتين وثمانية من الجرحى. أما باقي الجماعات التي تدافعت للمساعدة في الدفاع عن القاعدة وحماية تلك المنطقة الاستراتيجية فقد استشهد منهم ما يقارب الأربعون رجلاً. ورغم هدوء المعارك حالياً  فإن جميع الاحتمالات ما زالت قائمة. (أ.هـ)
تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

قوات غير عادية :

10 مايو 86 ـ ميرانشاه ـ
في حديثی معه قدر حقاني عدد القوات التي شاركت في الحملة بحوالي 50 ألف جندي. وهي حسب ما أفاد به الأسرى ورسائل المتعاونين في خوست وكابول، كالتالي:
– الفرق العسكرية رقم 7، 8، 12، إلى جانب الفرقة 25 المتمركزة بشكل دائم في خوست، إضافة إلى اللواء الحدودي التاسع.
– قطعات من الفرق رقم 14، 20، 9، مع جزء من قوة حماية كابول.
– لواء الكوماندوز رقم 37، ولواء الكوماندوز 38.
– لواء من القوات الروسية الخاصة.
– كتيبة ميكانيكية من القوات الروسية.
– 250 طائرة ما بين قاذفة ومقاتلة وهيلوكبتر وطائرات نقل عسكرية.
– شاركت القاذفات الاستراتيجية التي تحركت من داخل الأراضي الروسية مباشرة لقصف قاعدة جاورـ كما فعلت ذلك مرات عدة في معارك مختلفة في بانشير وغيرها وهي طائرات (توبلوف 16-22-26). قال حقاني: إن السوفييت استخدموا في تلك المعركة أربعة أنواع من الطائرات سوخوي، وخمسة أنواع من طائرات ميج المقاتلة. أما محمد يوسف في كتابه فخ الدب فقال عن القوات الشيوعية التي شاركت في المعركة بأنها إلى جانب قوات خوست الأساسية (فرقة 25 واللواء الحدودي)، فقد حشد السوفييت ما يلي:
الفرقة 7، الفرقة 8 من كابول – الفرقة 12 من جارديز – الفرقة 14 من غزني – ونقلت ثلاث كتائب ( 1500رجل) ليكونوا رأس حربة للتقدم في الجبال (كانوا من القوات الخاصة لكنه نسي أن يذكر ذلك) وعلق يوسف قائلاً: كان سيصاحب العملية المظلة الجوية المعتادة وإسناد المدفعية والصواريخ مع عشرات من طائرات الهيلوكبتر المقاتلة والناقلة للجنود.
إن استطاعة الجيش الأفغاني أن يشن مثل هذه العملية دليل قاطع على استعادته لقدرته العسكرية. فقيامهم بمثل هذه العملية قبل ثلاث سنوات فقط كان أمراً غير وارد، وقال يوسف أيضاً( إن أعظم انتصار حققوه أثناء هذه المعارك )يقصد المجاهدين. كان هو القضاء الكامل على كتيبتين من اللواء 37 قوات خاصة. هذا وقد قدر يوسف القوات الشيوعية بحوالي 30 ألف شخص . ( انتهى )
– استغرق تطهير جاور من الألغام عدة أيام.. واستطاع العدوّ أن يدمر مغارتين. أما تفجير باقي المغارات فلم يؤدِ إلا إلى توسعتها  ، فقد انهار جزء من السقف والأجناب فتوسعت المغارات بدلاً من أن تهدم. أما المسجد الجديد المحفور في نفس الهضبة فلم يمسه أحد بسوء.
وقد أعجبني منهم هذا التصرف، لكونه ينم عن ذكاء سياسي. فالجنود الأفغان لن يعجبهم تدمير المسجد وقد يدفعهم الغضب إلى الفرار خاصة والحدود قريبة جداً، وكذلك قبائل المنطقة سوف يتأجج عداؤها أكثر إذا سمعت بذلك. في أثناء فترة العمليات أفاد الأسرى من الضباط أن الشائع لديهم هو أن القوات السوفييتية والحكومية سوف تهاجم منطقة (زدران) بعد الانتهاء من جاور بهدف فتح الاتصال البري بين خوست وجرديز عبر أقصر وأفضل طريق بري بينهما وهو الطريق المار بمنطقة قبيلة زدران.
وبدلاً عن ذلك فإن القوات الشيوعية بعد انسحابها من جاور بدأت تعود إلى كابول والسبب هو شدة الخسائر التي منيت بها بشكلٍ لم تكن تتوقعه. وقال لي حقاني وقتها أنه غير متأكد من النوايا الحقيقية للعدو، ويخشى أن يكون ذهابهم إلى كابول هو للخداع حتى يتراخى المجاهدون ويتمكن العدو من شن هجوم مفاجيء على زدران.

الدفاع الثابت.. والدفاع المتحرك

 وقتها اقترحت على حقاني أن يضع خطة للدفاع عن الطريق( بين خوست وجرديز) ثم يختار مواقع متحكمة على الطريق من بين الجبال المشرفة عليه، نتعاون معه في تجهيزها هندسياً بحيث نعد مواقع قوية ومحمية للأسلحة التي سوف تستخدم. مع حفر مواضع مبيت للأطقم البشرية وحفر مخازن كافية وفي مواضع مناسبة. وافق حقاني على الفكرة واستحسنها وقال بأن ذلك يستدعي معدات تعمل بضغط الهواء حتى يمكن استخدام المتفجرات أثناء حفر الأماكن المطلوبة. فقلت له إنني سأحاول شراءها بمساعدة الدكتور عبدالله عزام. وبالفعل كتبت له رسالة شارحاً له الموقف وضرورة أن نعمل بسرعة في تجهيز دفاعات الطريق قبل أن تدهمنا الأحداث. ولكنه تجاهل الأمر فقد كانت علاقتي به قد وصلت إلى أدنى مستوى لها بعد كتاباتي في “الاتحاد” بطريقة أغضبت سياف كثيراً.. وبالتالي الإخوان المسلمين والدوائر السعودية في بشاور وهي عناصر لصيقة ومؤثرة على أفكار الشيخ   عزام ومشاريعه.
بالطبع لم تسمح الإمكانات المالية لإخواننا في الإمارات أن تغطي مثل هذا المشروع. وأستطيع الآن القول بأن ذلك المشروع لو نُفِذ لربما تغير تاريخ الحرب في أفغانستان. الذي تغير فعلاً في تلك المناطق ومعاركها الدامية. لذلك كنت كثيراً ما أفكر فى مجهودات أبوعبدالله (أسامة بن لادن) لو أنها توجهت في مكانها الصحيح، ومنها ذلك الطريق لكانت أجدى بمراحل كثيرة من تسخيرها لإقامة فنادق جبلية للزعيم الوهمي سياف. وحتى أن تلك الإنشاءات نفسها أدت لنشوب معركة العرب في جاجي عام (1987) لا لشيء إلا للدفاع  عن تلك المنشآت التي أصبحت مستهدفة من العدو. .. الخنادق ومواضع الرماية والمخازن المقترحة لم تكن تعني مشروعاً للدفاع الثابت عن الطريق. ولكن تعني تحصين النقاط المتحكمة حتى يتمكن المجاهدون العمل منها لمدة طويلة في مواجهة نيران العدو( وتثبيت قوات العدو المتقدمة) ولكن الكمائن المتحركة لها دور أساسي في (إبادة قوات العدو التى عرقلتها كمائننا المحصنة)، وذلك طبقا للخطة العامة للدفاع .
ولكن حتى تلك الكمائن لابد من تجهيزها بمراكز خلفية قوية ومجهزة بالعتاد والطعام في مخازن على مسافات مناسبه من الخطوط الأولى للقتال. ولعلنا تعلمنا من معركة جاور أهمية الكمائن المتحركة.. فهناك الكمين الشهير ضد طائرات الهيلوكبتر التي كانت تنقل جنود الكوماندوز، ثم أخيراً كان هناك كمين طلاب العلم العشرة الذين حشروا القوة في الوديان الضيقة المؤدية لجاور لمدة يوم كامل. وكانت فترة كافية لشن هجوم معاكس ضد تلك  القوات في وضعها البائس هذا وربما كانت تحطمت القوة وفشلت في الوصول إلى جاور. ولكن ذلك لم يحدث.. وبكل أسف.  وطريق (جرديز/خوست) المار بأراضي قبيلة زدران هو طريق مثالي للكمائن على طول تسعين كيلومترتقريباً.. وقد تأملته عدة مرات جيئة وذهاباً وكنت واثقاً أن هذا الطريق يستعصي على أي جيش أن يعبره بغير (مؤامرة) أو صفقة مع تلك القبائل أو مجموعات المجاهدين العاملة قريباً منه. وهذا ما حدث فعلاً. كما كنت واثقاً أيضاً بأن مئة من الرجال ذوى التصميم تساندهم بعض التجهيزات الهندسية الجيدة يمكنهم تحطيم أعتى الجيوش ومنعها من استخدام هذا الطريق.
– تناولنا في مكان سابق الأهداف السياسية التي تسعى إليها موسكو من تلك الحملات العنيفة والمكلفة، رغم أنها قررت الانسحاب من أفغانستان وأبلغ السوفييت الولايات المتحدة بذلك العزم وكانت مرحلة جديدة من العلاقات بين الدولتين قد بدأت بوصول جورباتشوف إلى رئاسة الكرملين.
مرحلة يتأخر فيها السوفييت عدة خطوات إلى الخلف لصالح منافسهم الأمريكي. يتبقى السؤال. كم خطوة إلى الخلف؟.. وهنا نقطة الصراع بينهما.. صراع معلن أو خفي .. اقتصادي أو عسكري.. سياسي أو نفسي. ولكنه في كل الأحوال ومهما كانت صورته فهو صراع على أراضي الغير وفي سبيل السيطرة على هؤلاء الأغيار وكانت أفغانستان في مقدمة ذلك الصراع وفوق قمته. كانت الدماء تسيل أنهاراً فوق جبال أفغانستان من أجل التوصل إلى تحديد دقيق لنسبة توزيع النفوذ بين السوفييت وأمريكا في تلك البلاد.. بل في العالم أجمع ضمن مرحلة جديدة من توازن القوى. .. ولما كان سفك دماء المسلمين مطلوباً في حد ذاته، من كلاهما، فقد عمل كل منهما بطريقته الخاصة على زيادة كثافة هذا النزيف وتوسيع الجرح الدافق بالدم.

المفاوضات : سرية .. وعلنية .

بدأ الروس بعد معركة (جاور) إسراع الخطى نحو الخروج من أفغانستان ونشطت مباحثات  جنيف. وإن كانت هناك مفاوضات أخرى سرية لم تتم إليها الإشارة إلا بعد ذلك بسنوات، وبدون كشف تفاصيل كثيرة، وهي نشاطات (يهودية) ووساطات بين الأطراف المعنية قام بها ( الملياردير) اليهودي (هامر) الأمريكي الجنسية والمقرب كثيراً للنظام الشيوعي في موسكو منذ عهد ستالين. وكما شاهدنا في أزمات دولية كثيرة فإن القاعدة العامة هي أن هناك نوعين من التفاوض حول الأزمات، أحدهما رسمي وعلني وربما في إطار المنظمات الدولية وهو عديم القيمة تقريباً. وفي الظلام تدور مفاوضات أخرى هي المفاوضات الحقيقية  ومنها تخرج القرارات  بالسلم أو بالحرب.وهذا النظام المزدوج في العمل السياسي شاهدنا بعض أمثلته في المنطقة العربية. على شكل اتصالات علنية بطيئة وشكلية بين العرب وإسرائيل من خلال الأمم المتحدة وواسطتها. بينما هناك اتصالات حقيقية في الظلام تخرج لنا منها فجأة وبدون سابق إنذار اتفاقات تأخذ طريقها إلى النتفيذ بسرعة البرق..
كانت مفاوضات جنيف على الأبواب في (5/5/86) ، أي الشهر التالي لمعركة (جاور) التي انتهت في (22/4/86) كان من المفروض أن تؤدي تلك الحملة إلي تحسن كبير في الموقف التفاوضي للسوفييت. ولا أظنهم قد حصلوا على ما يريدون. لقد أظهروا في تلك الحملة أن لديهم قدراً هائلاً من قوة النيران والأسلحة الفتاكة ولكنهم في الوقت نفسه أظهروا فعالية أقل وعدم قدرة على كسب المعارك. فهم قد دفعوا ثمناً باهظاً جداً لاحتلال هدف صغير جداً وفوق ذلك لم يستطيعوا الحفاظ عليه حتى تحين لحظة التفاوض التي كانت قريبة جداً. إذن لتفاوضوا وقتها من موضع قوة بينما فوهات دباباتهم تطل على أرض باكستان.

دولة للجواسيس:

بعد الحملة مباشرة بدأ الروس في ترتيب (البيت من الداخل) في أفغانستان وتنظيم أوراقهم الأفغانية. فعزلوا الرئيس الأفغاني (بابراك كارمل) الذي لم يكن مقبولاً خارج البلاد, ناهيك عن داخلها، لكونه دخل العاصمة كابول على ظهر الدبابات السوفيتية. ثم وضعوا مكانه ( نجيب الله) مدير جهاز الأمن (خاد)، وفي ذلك إشارة كافية على العهد القادم في أفغانستان كما يريده  السوفييت.
كما يعتبر أيضا تهدئة لخواطر قبائل (البشتون) الذين يمثلون أغلبية السكان والحكام  التقليديون للبلاد. ثم عمل السوفييت على توحيد الحزبين الشيوعيين خلق وبارشام في حزب  واحد أسموه (حزب الوطن). وحاولوا توسيع قاعدة الحكم وضم شخصيات مستقلة ومحايدة، وإن كانت هامشية.رؤيتي للموقف السياسي آنذاك كتبته في تقرير نشرته صحيفة الاتحاد تحت عنوان (دولة للجواسيس)..
تحميل مجلة الصمود عدد 166 : اضغط هنا

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 16 }

 




جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

 

أصوات أفغانية ترتفع منتقدة :

الإحتلال الأمريكى ـ وحكومة كابول ـ وباكستان : أسسوا داعش الأفغانية الجديدة، بينما دول الإقليم تتعامى عن تلك الحقيقة وتؤيد حكومة الإحتلال فى كابول .

– روسيا والصين وإيران والهند ، هى الدول الأساسية المستهدفة بإرهاب داعش ، وأمام تلك الدول أحد الخيارات التالية لمواجهة داعش :

– التفاوض مع الأمريكيين  لإقناعهم بالتخلى عن دعم لداعش .

– مهاجمة قواعد داعش فى أفغانستان .

– إمداد طالبان بصواريخ متطورة مضادة للطيران ، وبأعداد كافية .

– أو أن تتخلى طالبان عن الدفاع عن الحدود التى تستهدفها داعش مع الصين وطاجيكستان وأوزبكستان ، و إيران . وتترك تلك الدول لتحل مشاكلها مع داعش بنفسها .

–  لا يعقل أن تحارب طالبان ضد داعش المدعومة بالطيران الأمريكى وبالقوات البرية الأفغانية، ثم تلتزم تلك الدول بالحياد ، بل وتدعو طالبان إلى التفاهم مع حكومة الإحتلال فى كابول!! .

– دول الإقليم ترغب فى إستمرار حركة طالبان فى قتال داعش ، ولكن ليس لديهم رغبة فى عودة طالبان إلى الحكم . فإعلامهم يديننا ويتجاهلنا ، وسياستهم تدعونا للإستسلام لحكومة الإحتلال فى كابول.

 

وإنتقادات أفغانية أخرى .. فى الإتجاه المعاكس :

– أهم أخطاء طالبان التى أدت إلى أزمة ثقة ، هى الإرتماء السياسي فى أحضان قطر.

–  إذا إتضح الموقف السياسى للإمارة فيمكن أن تتضح مواقف الدول الأساسية فى الإقليم . فهى لن تكون (ملكية أكثر من الملك)، مادام الملك نفسه يتبنى مواقف معتمة وملتبسة !!.

– الهند فقط تعارض عودة طالبان إلى الحكم . أما الصين وروسيا وإيران فلا مانع لديهم ، بل ويرونها الأفضل لأفغانستان والمنطقة .

– ينبغى فتح ملف العلاقات مع الهند بعيدا عن الضغوط الخارجية ، وبصرف النظر عن نوع الحكومة التى تحكم الهند حاليا .

– مناطق أهل السنة فى إيران المشاركة فى جهاد أفغانستان ، لم تشارك فى “إنتفاضة البنزين”.

– قبائل من أهل السنة فى إيران ، وشيعة أفغانستان ، قاموا بأدوار هامة فى الجهاد ضد الإحتلال الأمريكى . ويوم ينسحب المحتلون ستظهر الكثير من أسرار سقوط الطائفية والحدود السياسية ، فالجهاد هو السبيل الأمثل لتوحيد الأمة .

– فى معارك الحدود : داعش رهينة وليست تهديدا .و إنهاؤها يأتى بعد التحرير، وضمن مؤتمر إقليمى يحدد مسارات دعم أفغانستان وفق ثلاثة شروط .

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 

 

فى أفغانستان تجهز الولايات المتحدة تنظيم داعش ليقوم بما هو أكثر من دور “التنظيم الإرهابى” التقليدى ، كما هو دوره فى بلاد العرب وفى أفغانستان حتى وقت قريب .

وظيفة داعش الحالية مازالت هى تخريب الوضع الداخلى، وخلق الحروب الطائفية ، وترويج الرعب بين المدنيين لتصبح الحياة مستحيلة بدون أن يحمل الجميع السلاح لقتل الآخرين . فتضعف الجبهة الداخلية المتحدة ضد العدو المستعمر.

بل يتحول العدو مع الوقت إلى حليف استراتيجى أو على الأقل (وسيط) لا غنى عنه. أو ضامن لسلامة الفئات المتقاتلة من أن تُبَاد. فيمدها بالسلاح وبالمال لتستمر فى القتال، وإلا تركها تواجه مصيرها إن هى توقفت.

وفى مفاوضاته مع طالبان حاول المفاوض الأمريكى أن يقف خارج حلبة المساءلة بأن يدعى موقف الوسيط من أجل (إحلال السلام بين الأفغان) ، لتكوين حكومة مشتركة فيما بينهم .

وهذا مشابه لما نراه فى العراق وسوريا . حيث للجيش الأمريكى القواعد العسكرية بلا حساب، وللشركات الأمريكية النفط والغاز. ثم لباقى الفئات أن تتقاتل كما تشاء، وأن تقبل بالأمريكى وسيطاً وحمامة سلام تعمل بين متوحشين .

داعش أفغانستان تخطى كل ذلك منذ بداية عهد ترامب وسياسة خصخصة الحرب فى أفغانستان ، إذ تخلى الجيش الأمريكى (تقريبا) عن الحرب، مفوضاً أمرها للمخابرات الأمريكية CIA (بالإندماج مع الموساد الاسرائيلى) .

وبموقع أفغانستان ، وثرواتها الأفيونية ، وبتنظيم داعش كقوة دمار وتخريب ، تتحول أفغانستان طبقا لمقولة عضو بالكونجرس الأمريكى قبل الغزو (سنحول أفغانستان إلى إسرائيل وسط آسيا). تلك الروح التخريبية الشريرة لداعش، فى حالة سيطرتها على أفغانستان سوف تحولها إلى نسخة عن إسرائيل فى وسط آسيا .

أمريكا ـ مع إسرائيل يمدان داعش بما يلزم من أدوات الحرب للقيام بذلك الدور ــ والعبث بأمن وإستقرار أهم دول المنطقة ــ وتحويل المسلمين فيها إلى أحزمة ناسفة تتجول فى مجتمعاتها ، وأدوات لحروب أهلية تضر بمن حولهم ولا تفيد المسلمين بشئ ، بل تضر إستقرارهم ، فتحولهم إلى منفيين ومتسولين فى بلاد غريبة لا ترى فيهم سوى صورة الإرهابى .

داعش هو روح إسرائيل فى أفغانستان ـ ليؤدى فى الإقليم دوراً شبيها فى جوهره بما قامت به إسرائيل فى بلاد العرب(فوضى وإرهاب وحروب صغيرة متصلة وتخريب الموارد وحرف أهداف الأمم عن غاياتها بإضعاف الروابط الدينية والقومية.. وفى النهاية فتح المنطقة على مصراعيها لأمريكا وإسرائيل لنهب ثرواتها .. خاصة الطاقة).

– توزيع قوات داعش فى أفغانستان ــ أو بالأحرى حول محيط أفغانستان ــ يشير إلى أهدافها المستقبلية . بحيث تهدد مباشرة كل من إيران (هدفا ذو أولوية)، وجمهوريتى طاجيكستان وأوزبكستان، أى إستهداف روسيا بشكل غير مباشر ، وتهديد الصين عبر ولاية بدخشان “شمال شرق” . أما ولاية ننجرهار(جلال آباد) فى الشرق فهى رئة الإمداد البشرى واللوجستى القادم من باكستان إلى داعش والقوات الأمريكية.

القمة التى طمعت فيها داعش هى مناطق الجنوب، فى قندهار وهلمند وأرزجان وزابل . أرادت داعش إختراق تلك المنطقة بإستخدام عنصر بشرى محلى من الجنوب . تم ذلك فى ظل فقدان القيادة التاريخية للإمارة الإسلامية ” الملا محمد عمر” رحمه الله. لكن حركة طالبان تمكنت من إزالة الدواعش من تلك المنطقة ، فلم يعد لهم أى مقر هناك.

قيادة داعش مركزها الحالى يوجد كابول إلى حين إشعار آخر ، عند إستيلاء حركة طالبان على العاصمة ، فربما ينتقل المقر الداعشى إلى باكستان على الحدود مع جلال آباد.

– قد تبدو الهند بعيدة عن الإنتشار الجغرافى لداعش داخل الحدود الأفغانية . ولكن خطر داعش بات يهددها أكثر من ما مضى لسببين ، الأول أن التنظيم أصبح ضمن الترتيبات الجديدة للمنطقة أكثر قوة من السابق . والسبب الثانى أن باكستان تتولى جزءاً محورياً فى الدور الجديد لداعش ، وعناصر إستخباراتها تسبح بغزارة فى الموج الداعشى . والمخزون البشرى الأساسى لداعش يرقد فى “معسكر شمشتو” قرب بيشاور ، ويضم رعايا حكمتيار من نشالي الأسواق، وقاطعى الطرق، ومروِّجى المخدرات بالقطعة.

داعش مرتكزة على معسكر شمشتو وبنيته الإجرامية المتوارثة منذ عصر الإحتلال السوفيتى لأفغانستان . ويمكن إعتباره معسكر داعش الإستراتيجى فى المنطقة كلها . إنه معسكر أساسى لتنظيم (داعشتو) أى المزيج الناتج من داعش مع البيئة الإجرامية لمعسكر شمشتو، كما كان داعش العراق والشام هجينا تنظيميا ما بين تنظيم القاعدة وحزب البعث العراقى .

– معلومة شائعة فى أفغانستان ، والدول المحيطة بها ، تقول بأن الولايات المتحدة إستوردت العمالة الداعشية الزائدة من العراق والشام وشحنتهم إلى قواعدها الجوية فى أفغانستان خاصة فى جلال أباد . وعينت لقيادة داعش أفغانستان كل من (حكمتيار و حنيف أتمر مستشار الأمن القومى السابق ) . ومروحياتها نقلت قوات داعش إلى ولايات أفغانية مختلفة ، وفى محيط العاصمة : فى لوجر قرب المدخل الجنوبى للعاصمة ، و سروبى على مدخلها الشرقى .

 

 

صوت الخلافة  الداعشية .. من قاعدة أمريكية  !!.

تمكنت حركة طالبان من تنظيف الجنوب الأفغانى من عصابات داعش (أو داعشتو). وفى الشرق (جلال أباد) أقترب الوضع من ذلك ، لولا إمدادات بالمجرمين لا تنقطع من شمشتو وإمدادات بالسلاح الأمريكى ، وغطاء جوى توفره المخابرات الأمريكية وشقيقها الموساد.  ومع ذلك، فوضع داعش فى جلال آباد غير مستقر وأضعف مما كان منتظراً . كما أن الدعم الأمريكى لداعش فى جلال آباد أثار إستياء القبائل ومسئولين حكوميين أضيرت مصالحهم القبلية ، وهيبتهم الوظيفية .

– أحد قيادات حركة طالبان يروى طرفاً من مأساة داعش فى أفغانستان ، وبدأ بما جرى ويجرى فى جلال آباد ـ شرق أفغانستان ثم تطرق لما يجرى فى سائر المناطق . فيقول:

فى 23 إبريل 2017 أسقط الطيران الأمريكى على منطقة “أسد خيل” فى ننجرهار أثقل قنبلة فى ترسانتهم الحربية وأسموها “أم القنابل”. وفى بيان عسكرى إدعى الأمريكيون أن قنبلتهم إستهدفت الدواعش ، وأن عشرات منهم قتلوا، وكان من بينهم قيادات هامة .

وكان الأهالى قد رصدوا حاوية مليئة بالأسلحة ذهبت إلى منطقة الدواعش قبل عدة أيام من إسقاط القنبلة . وتسلم الأهالى إنذاراً بالإبتعاد عن المنطقة التى إستهدفتها القنبلة ، وهى عبارة عن نفق قديم لإستخراج المعادن .

بعد يوم واحد من عملية “أم القنابل” إنطلقت مرة أخرى إذاعة داعش والمسماة ــ صوت الخلافة ــ من داخل القاعدة الجوية الأمريكية فى مطار جلال آباد ، تحت إسم ساخر هو(صوت الخلافة) بعد أن كانت صامتة لفترة من الزمن . وكأن القاعدة الجوية الأمريكية هى(دار الخلافة) الداعشية. كيف لا ، وإليها أحضرتهم الطائرات الأمريكية من العراق والشام . ومنها تنقلهم إلى حيث يظهر الإحتياج الأمريكى داخل أفغانستان .

– قبل عشرة أيام من عملية “أم القنابل” أنزلت طائرات مروحية 500 داعشي فى منطقة (يارا آباد) فى ننجرهار، بهدف السيطرة على مناطق إستراتيجية حساسة فى ننجرهار، منها الطريق بين كابل و”جلال أباد” لتأمين الإمدادات الواردة من باكستان إلى العاصمة خاصة متطلبات قاعدة بجرام الجوية . وحاول الدواعش الإمساك بمناطق فى جبال تورابورا ومناطق أخرى واقعة تحت سيطرة طالبان ، خاصة عند (تورخم) وهى مدخل الطريق الدولى بين أفغانستان وباكستان.

– التعاون العسكرى بين داعش وقوات الإحتلال والجيش المحلى ، أصاب بالضرر مصالح قوى قبلية لها تمثيلها فى الحكومة ، مثل عضو البرلمان فى جلال آباد (ظاهر قدير)،الذى إنتقد ذلك التعاون ونتائجه السيئة على السكان.

فى ولاية بروان “شمال كابول” التى توجد فيها قاعدة بجرام الجوية، تكلم الوالى(محمد عاصم) عن التعاون بين الإحتلال والدواعش . وفى أواخر2017 قال بأن سلطات الولاية إعتزمت إعتقال المدعو عتيق الله (أمير) الدواعش فى الولاية. لكن قوات الإحتلال أمرت بعدم إعتقاله بدعوى أنه لا يشكل خطرا ولم يتسبب فى أى ضرر . وطالبوا السلطات المحلية أنه فى حال إعتقال المذكور فيجب تسليمه لقوات الإحتلال وعدم إحتجازه فى السجن .

 

 

سلاح الطيران : أمريكى/ داعشى .

يساند الطيران الأميركى مجموعات الدواعش كما لو كانت قوات أمريكية. فيوجه الضربات الجوية الى قوات طالبان التى تتصدى لهم ، فيسقط ضحايا من طالبان. ويمكن لطالبان أن يتحملوا تلك الضربات ويجاوبوا عليها فى وقت لاحق وربما أماكن أخرى .

ولكن الأصعب والأخطر هو تلك الضربات الجوية ضد القرى ، وسقوط أعداد كبيرة من الأهالى ما بين شهيد وجريح . إضافة إلى تهديم البيوت وتخريب المساجد والمدارس والعيادات الطبية ، وقتل العلماء والأطباء والممرضين وطلاب المدارس الشرعية .

إنها خسائر فادحة لا يمكن لحركة طالبان تعويضها ـ إلا جزئيا ـ كما لا يمكن منعها على الإطلاق . تصنيع المحن الجوية صار هو أساس عمل قوات الإحتلال . وفى بعض الأماكن إكتسبت مجموعات داعش (مناعة جوية) نتيجة الغطاء الجوى الأمريكى .

 فى الشمال إستفادت داعش من المظلة الجوية الأمريكية ، وحققت ما يشبه الإستقرار فى بعض المواضع على الحدود مع الدول المجاورة خاصة طاجيكستان وأوزبكستان حيث قاموا بعمليات ضد حرس الحدود وقتلوا عددا منهم . وتواجدت داعش تحت المظلة الأمريكية فى بدغيس (شمال غرب)على حدود تركمانستان ، وفى فراة غرباً على حدود إيران .

تأثير المظلة الجوية الأمريكية على السكان كانت هى العامل الحاسم فيما أحرزه الدواعش من تمركز فى بعض مناطق الحدود الشمالية ـ والشمالية الشرقية فى بدخشان المجاوره للصين . وتحت الضربات الجوية تكاد أن تصبح معادلة التعامل بين السكان وطالبان هى    { إن لم تستطيعوا حمايتنا .. فإعملوا بعيدا عن قُرانا } .

معنى ذلك أن حدود الصين وجمهوريات آسيا الوسطى(روسيا بشكل غير مباشر) أصبحت أكثر عرضة لإختراقات داعش المحمية جوا فى أفغانستان ، والتى تحصل على دعم إستخبارى أمريكى / إسرائيلى فيما وراء الحدود الأفغانية تجاه روسيا والصين وإيران.

ورغم الخسائر الشديدة من القصف الجوى الأمريكى ، تمكنت حركة طالبان من حرمان داعش من الإستقرار ضمن قواعد كبيرة دائمة.

 وتتدخل القوات المحتلة المحمولة جوا لتحرير أسرى الدواعش ، وإنقاذ المحاصرين منهم أو فك أسراهم من سجون طالبان وتهريبهم مع عائلاتهم إلى قواعد أمريكية كبيرة لحمايتهم. كما حدث فى ولاية بدغيس حين أسر طالبان 42 داعشيا معظمهم من جنسيات آسيا الوسطى، وحبسوهم فى أحد السجون . وبعد أشهر شنت القوات الأمريكية(والأجنبية) غارة على السجن وقتلوا الحراس واصطحبوا الأسرى إلى قاعدة عسكرية أمريكية يعتقد أنها قاعدة شيندند غرب أفغانستان ( فى ولاية هيرات) .

حركة طالبان أعلنت عن الحادث فى بياناتها ، لكن إعلام الدول المجاورة المستهدفة والتى تشتكى من داعش وتخشى عدوانها، لم تذكر بيان طالبان ، وأخذت بما قالتة حكومة كابول من أكاذيب حول ذلك الحادث وكل حادث آخر .

 

 

ردود فعل غاضبة :

دول الجوار المهددة بداعش ، وهى روسيا والصين وإيران، موقفها أنتج مرارة وتيارا من الغضب بين قطاع من مجاهدى طالبان .

يقول هؤلاء إن قتالنا على طول حدود أفغانستان ضد الدواعش وحلفائهم من أمريكيين ومرتزقة ، قد كلف طالبان وسكان الولايات الحدودية ، خسائر ثقيلة فى الأرواح والأموال والممتلكات . ومازال الأفغان مكشوفين إلى حد كبير أمام الهجمات الجوية الأمريكية بدون إمتلاك أى سلاح دفاعى مناسب.

وفوق ذلك لا تحظى حركة طالبان من تلك الدول حتى بتغطية أعلامية منصفة ومتساوية مع إهتمامهم بالإعلام الحكومى والأمريكى . حيث يتم إهمال وجهات نظر طالبان وبياناتهم العسكرية لصالح أكاذيب الإعلام الأمريكى والحكومى .

لا يقف الأمر عند التجاهل الإعلامى بل يطال المستوى الدبلوماسى . ورغم أن تلك الدول من وقت إلى آخر توجه الدعوات لمسئولين من حركة طالبان ، إلا أنها تدعم حكومة كابول على الدوام ، وتدعو حركة طالبان إلى الإندماج فيها. بما يعنى بقاء الإحتلال الأجنبى والنفوذ (الأمريكى/الإسرائيلى) وكارثة تصنيع الهيروين التى يديرها الأمريكيون . وبقاء داعش كأحد مكونات النظام الذى أنشأه الإحتلال فى أفغانستان .

ويرى هؤلاء المجاهدون الغاضبون : إن تلك الدول المعنية لديها رغبة فى أن تستمر حركة طالبان فى قتال الدواعش . ولكن ليس لديهم رغبة فى رؤية طالبان يعودون إلى حكم أفغانستان مرة أخرى . وهذا سبب تجاهلهم الإعلامى لطالبان ، وإنحيازهم الدبلوماسى والسياسى لحكومة العملاء فى كابول . فتركوا طالبان فى مواجهة مكشوفة مع الطيران الأمريكى أثناء القتال الشرس ضد الدواعش.

بل أن بعضاً من الدبلوماسيين والإعلاميين فى تلك الدول يضع داعش وطالبان فى درجة واحدة ، ويعتبرهما معاً خطراً على دول المنطقة . وبالتالى يدعو إلى بقاء حكومة كابول وإنضمام طالبان إليها . ومفهوم أن داعش هى جزء هام من الحكومة ، لأنها تحظى بدعم قادة النظام وقوات الإحتلال.

يقول الجناح من حركة طالبان ، المنتقد لموقف دول الجوار : أمام تلك الدول أن تختار واحد من ثلاث خيارات للتعامل مع مشكلة داعش :

– التفاوض مع الإحتلال الأمريكى للبحث عن حل للمشكلة ، ووقف إستيراد داعش من باكستان وبلاد العرب ، ووقف نشاطهم عبر حدود ضد الدول المجاورة .

– مهاجمة قواعد داعش داخل أفغانستان ــ وتحمل عواقب ذلك ــ حيث يكون الصدام العسكرى مع الأمريكيين وارِداً ، وليس بينهم من يقدر على تحمل تبعاته .

– إمداد حركة طالبان بصواريخ متطورة مضادة للطائرات ، وبأعداد كافية.

فإذا فشلت الدول المعنية فى المسارات الثلاث المقترحة ، فإنهم لن يتمتعوا طويلا بالدفاع المجانى عن حدودهم والذى توفره حركة طالبان رغم خسائرها الكبيرة ومعاناة الشعب فى تلك المناطق . وعلى تلك الدول أن تحمى أمنها وتحل مشاكلها بنفسها مع داعش .

فلن يقبل شعب أفغانستان وحركة طالبان أن تتم أى مساومة إقليمية على حساب حريتهم وإستقلالهم . والدول الإقليمية العظمى لا ينبغى أن تخفى عجزها وخوفها من الأمريكيين على حساب شعب أفغانستان بدعوته إلى الإستسلام ودخول قفص الإحتلال بقبول حكومة عميلة فى كابول والمشاركة فيها.

سينتزع الشعب الأفغانى حريته رغم العدوان الأمريكى ورغم الضعف الإقليمى وعدم الوضوح . فلا مكان فى أفغانستان للإحتلال الأمريكى أو الإسرائيلى أو الداعشى .

فمنذ أربعة عقود فى خوست، قال الشاعر والقائد الشهيد أحمد غنى :

{ يخوفنا “بابراك كارمل” بالدبابات والطائرات .. ونحن نقول له إننا سنقابله فى ميدان المعركة وليس معنا إلا الله ذو الجلال .. ولنرى لمن سيكون الإنتصار } .

فانتصر الشهيد وسقط الإتحاد السوفيتى . ولن يخلف الله وعده .

 

نقد فى الإتجاه المعاكس ــ

خطوات ضرورية حتى تكتمل الحُجَة على دول الإقليم :

لا زال الموقف السياسى للإمارة الإسلامية يفتقر إلى المزيد من الوضوح . فإذا زال ما به من إلتباس فمن الممكن أن تصبح مواقف دول الإقليم أكثر وضوحاً وصراحة. فالموقف السياسى المتميع لا يساعد دول الإقليم على أن تكون (ملكية أكثر من الملك)، مادامت مواقف الملك ملتبسة وغير شفافة .

أكثر الإلتباس يأتى من التمسك بالدوحة مستقرا للمكتب السياسى للإمارة ، رغم الإهانات التى صاحبت ذلك من إنزال لعلم الإمارة ، وتحويل المكتب إلى مجرد سجن للإقامة الجبرية ضمن صفقات الأسرى مع الأمريكيين .

وصل الأمر إلى درجة أن قطر تولت التفاوض أو دفعته قسراً نحو صفقة كامب ديفيد الغامضة ، التى تخلى عنها ترامب عندما شعر أن الطرف الأفغانى غائب عنها تقريبا، وأن الطبخة قَطَرِية بالكامل ولن تعطى مفعولها فى أفغانستان .

تلاحظ دول العالم ــ والدول الإقليمية من بينها ــ أن مكتب السياسى للإمارة فى قطر معدوم الإنجاز، ولم يقدم غير صفقات غير متزنة . فهو يمثل وجها سياسيا باهتاً لا يتماشى مع عظمة العمل الجهادى الأفغاني ، وصموده الأسطورى وإنتصاراته . فهناك تناقض كبير ــ لا ينبغى تواجده ــ بين العمل السياسى المتميع، والعمل العسكرى القوى والمشهود له من الجميع .

{ تفسير يقول : أن حركة طالبان تعرف تماما وضع قطر، ولكن الحركة لم تجد من يمد لها يد العون أو يرتبط معها بعلاقات دبلوماسية ، لذلك أضطرت إلى الإرتماء في أحضان قطر ــ قاطرة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط} ــ وفى ذلك عذر ربما كان مقبولاً فى البداية ، ولكن لا مبرر له الآن بعد تجارب إستمرت حوالى 6 سنوت مع المكتب المذكور .

      وهذا يجعل المراقبين يتساءلون عن طبيعة النظام السياسى الذى ستحمله (الإمارة الإسلامية ) إلى الحكم . فهل ستكون نسخة من إمارة خليجية أخرى ؟؟.

فالنظام القادم إلى كابول مع الإمارة الإسلامية هل سيكون للشورى فيه دور حقيقى أم شكلى؟. وهل ستكون هناك رقابة حقيقية على أعمال الحكومة ، أم أنها ستكون (حكومة مقدسة) يستحيل محاسبتها؟ . وماذا عن كيفية تَوَّلي السلطة العليا فى الإمارة وكيفية إنتقالها؟ . وما هو خيارها الإقتصادى ؟. هل هو تسليم الثروات للشركات العظمى العابرة للقارات ، فى صفقات مبهمة وغير شفافة (على شاكلة مشروع كامب ديفد) ، أم سيكون هناك توجيه من الدولة وخطط تنمية (مع رقابة من مجلس الشورى) لبناء إقتصاد الدولة الإسلامية القوية العادلة فى أفغانستان ؟؟ .

العديد من الأسئلة ، تتجاهلها سياسة الإمارة وإعلامها ، لكن المراقب من الخارج يضعها فى الحسبان ثم يصل إلى نتيجة عملية تقول: { فاسد تعرفه ، خير من مجهول لا تعرف عنه شيئا}.

والفاسد هو حكومة كابول ، التى تمثل أمراً واقعاً هو الأكثر فسادا بين حكومات العالم، ولكنه مكشوف ومعروف بالتفاصيل، لذا يسهل على الدول التعامل معه. أما المجهول فهو حكم الإمارة الإسلامية الذى لم تتضح ملامحه الأساسية بعد . وما ظهر منه من خلال “المكتب السياسى” لا يعطى فكرة مشرقة أو حتى يشجع على التفاؤل .

والحكومات تتبع مصالحها ، وتتعامل مع الواقع ولا تهتم كثيرا بالإفتراضات والنوايا ، أو حتى الشعارات. لهذا يفضلون التعامل مع حكومة كابول العميلة ، ولا يفضلون التعامل مع مستقبل مفترض لحكومة الإمارة الإسلامية ، بسبب الإشارات السلبية الصادرة عن مكتبها السياسى ، وضعف جهازها الإعلامى المكبل هو الآخر بعجز الجهاز السياسى .

 

سياسة الإمارة تجاه عمالقة آسيا :

ومع كل قصور عملها السياسى فإن الإمارة تتمتع بتقدير أخلاقى كبير فى الأوساط العالمية وبين دول الأقليم بشكل خاص ، بصرف النظر عن الجفاء الذى يسود غالب علاقة الإمارة مع دول الإقليم .

جميع تلك الدول وصلت إلى قناعة بأن الإمارة الإسلامية عائدة لا محالة إلى حكم أفغانستان، وأن الواقعية تفرض بحث ذلك الإحتمال وتحديد طريقة التعامل معه. ومن المعلوم أيضا أن ثلاثة من القوى الإقليمية الكبرى تتقبل ذلك الإحتمال ، بل ومستعدة للتعامل الإيجابى معه عندما يتحقق .

وليس غير الهند من دول الإقليم الكبرى هى المعارض ـ والمقاوم ـ لذلك الإحتمال . وتحاول الهند إقناع الثلاثى الآخر بتغيير موقفهم . ولكن الآخرون وهم الصين وروسيا وإيران ، منفتحون على قبول تغير فى أفغانستان يفرض طالبان قوة منتصرة وحاكمة.

فإذا عادت الهند معزولة عن أفغانستان فى حال إنتصار طالبان، فسوف تخسر موقعها المتميز الذى كسبته خلال 18 عاما من الإحتلال الأمريكى الذى كانت سندا نشطاً له . كما أنها إستثمرت المليارات فى مشاريع إقتصادية ترتكز على أفغانستان ، خاصة فى مشروع ميناء(تشبهار) الإيرانى الذى يمثل منفذا إستراتيجيا للهند تدخل منه إلى أسواق روسيا وآسيا الوسطى عبر أفغانستان . وكان ذلك نصراً إستراتيجيا لها على باكستان التى ظلت تحرص دوما على إبعاد الهند عن أفغانستان بدعوى الخشية من تحويلها إلى قاعدة هندية تهدد أمنها وتطوقها سياسيا وربما عسكريا .

 

 

فتح الملف الهندى :

العمل السياسى للإمارة ، يمكنه القيام بتحرك إستراتيجى صوب الهند لفك عقدة التعامل معها ، بعيدا عن تدخلات أى دولة أخرى خاصة باكستان التى ستعترض على أى علاقة بين الإمارة الإسلامية والهند ، فهى تنظر إلى أفغانستان كدولة تدور فى الفلك الباكستانى .

لا أحد يمكنه تجاهل الهند كقوة إقليمية عظمى ، وقوة إقتصادية ومكانة سياسية دولية لا بأس بها . فللشعبين الهندى والأفغانى مصالح لا شك فيها لإقامة علاقات طبيعية لصالح البلدين بصرف النظر عن تقييم كل دولة لنظام البلد الآخر . فالهند يحكمها حاليا نظام هندوسى متعصب يعادى المسلمين بتطرف غير طبيعى ، وهذا يجعله سياسيا أقرب إلى إسرائيل . ورئيس الوزراء الهندى هو نسخة هندية من الرئيس الأمريكى ترامب . ومع هذا لا يمكن تجاهل حقيقة أن تعداد المسلمين فى الهند قد يصل إلى 200 مليون مسلم ، هم فى غالبيتهم رصيد أدبى وثقافى وإقتصادى للإمارة الإسلامية .

لن يبقى المتعصب ” نارنيدرا مودى” رئيسا لوزراء الهند إلى الأبد . وسوف يطاح به فى أحد الإنتخابات القادمة ، ولكن ستبقى الهند وأفغانستان فى نفس مواضعهما على الخريطة الجغرافية والسياسية لآسيا. وستظل لشعبيهما نفس المصالح فى علاقات سلمية بناءة .

وبالمثل فإن العلاقات الإيجابية بين الإمارة الإسلامية والصين ــ القوة العالمية الأولى خلال عقدين قادمين ــ لها أهمية إقتصادية وثقافية لأفغانستان وللإيجور المسلمين داخل الصين .

عموما سيكون لمسلمى المنطقة أهميتهم فى ترسيخ التعاون والتطبيع بين شعوب آسيا والحضارة الإسلامية التى ستصبح الإمارة الإسلامية فى مركز متقدم منها خلال عقود قليلة قادمة .

 

 

إيران .. وطالبان :

إيران تدرك أهمية الإمارة كتواجد جهادى إسلامى قوى ومعتدل . فالإمارة ــ ومنذ عهد المؤسس الملا محمد عمر رحمه الله ــ لم تنجرف إلى مستنقع القتال المذهبى ، رغم إغراءات أموال النفط ، والتلويح بفك العزلة السياسية عنها ، وتهديد ” الرياض” بمنع الأفغان من الحج إلى بيت الله الحرام إن لم تستجب الإمارة لمتطلبات الفتنة المذهبية !! .

حكومة طهران منشغلة فى صراع بقاء مع أعدائها بقيادة أمريكا وإسرائيل ومشيخات الخليج، فلم تقدم ما كان مأمولا من دعم لمجاهدى طالبان . وسياسيا إتخذت موقفا منحازاً بالكامل لحكومة كابول .

– ورغما عن ذلك ظهرت مبادرة جهادية بين قبائل البلوش (السنية) فى إيران وباكستان ، فى إندفاعة لا تعترف بحواجز الحدود أو المذاهب ، ولم تنتظر إذناً من أحد لأداء فريضة الجهاد . فتدفقت إلى أفغانستان ، وقدمت الكثير من الشهداء فى بطولات مذهلة لم يحن بعد وقت الحديث عنها.

والجدير بالملاحظة أن مناطق “أهل السنة والجماعة” المشاركين فى جهاد أفغانستان لم تشهد أى مشاركة فى (إنتفاضة البنزين) التى إشتعلت فى إيران (فى نوفمبر2019). كان ذلك مفاجأة غير سارة لأمريكا ومحورها ، ولكنه خبر سار لجميع المسلمين ، إذ الحواجز المصطنعة بين الأمة بشعارات طائفية ومذهبية وعرقية ما هى إلا عراقيل هشه تنهار أمام تصميم الشعوب المسلمة . وأن يوم إتحاد المسلمين وإندفاعهم لتحرير القدس ومكة ، هو يوم قريب وليس ضرباً من خيال . وكما ظهر من موقف مجاهدى البلوش فإن الفتنة والجهاد لا يسيران معا . فإذا حرص الناس على الفتنة إختفى الجهاد ، وإذا تمسك المسلمون بفريضة الجهاد رحلت عنهم الفتن ولم تقدر على تثبيت أقدامها . والذين يَدَّعون الدخول إلى ساحة الجهاد من بوابة الفتنة ماهم إلا مراوغون يبتغون الفتنة وإفشال الجهاد بتمزيق صفوف المسلمين .

لم يقتصر الأمر على مبادرة جهادية من(أهل السنة والجماعة) فى إيران . بل شمل الشيعة فى أفغانستان نفسها . إذ بمبادرة جهادية من بين صفوفهم إنخرط الكثير منهم مع طالبان فى العمل الجهادى العسكرى . وبعضهم أدى أدواراً مشهورة ضمن ملاحم هامة . وبعض تخصصات العمل الجهادى يتكفل بمعظمها الشيعة الأفغان . ويوم ينسحب المحتلون وقواتهم ، سوف تحين ساعة الكشف عن الكثير من الأسرار الجهادية الحساسة فى أفغانستان ، تثبت إمكانية تخطى ألغام الطائفية والحدود السياسية ، التى زرعها أعداء الإسلام .

 

 

الفتنة .. لهدم البنيان الجهادى المرصوص :

وحتى يوقفوا عملية الترابط ، وحتى لا يتحول المسلمون بالفعل إلى بنيان مرصوص فى ميادين الجهاد ، يعمد الأمريكيون فى حربهم النفسية ضد الشعب الأفغانى عموما ، أن يوزعوا إتهامات العمالة على الشخصيات العامة ، حتى يذهب بريق الشخصية الأفغانية الإسلامية المجاهدة . متجاهلين رباط الدين والقبيلة والتاريخ المشترك والمصالح المترابطة عبر الحدود المصطنعة .

ومع ذلك فإن أى عمل دعوى صادر عن الإمارة، يسقط الكثير من تلك المجهودات الأمريكية. فمثلا الخطابات العامة التى يوجهها أمير المؤمنين الملا هيبة الله ، أعطت الكثير جدا من الإيجابيات ، وينادى المخلصون بضرورة الإصرار عليها إعلاميا وتكرارها لتقوية الروح المعنوية للمجاهدين والشعب الأفغانى عموما، ولرفع معنويات المسلمين وإحياء الأمل فى نفوسهم وإعادة ثقتهم فى طريق الوحدة والجهاد لإسترداد حقوقهم .

– و بطريقة أوضح لا ينبغى أن تَسْجِن الإمارة الإسلامية مواقفها السياسية وتفكيرها المستقبلى فى داخل نفس القفص الحديدى الذى سُجِنَت فيه مواقف أحزاب بيشاور خلال الفترة السوفيتية، أى القفص الباكستانى الخليجى .

فالعالم قد تغير تماما منذ ذلك الوقت، وقيمة أفغانستان فى الجغرافيا السياسية للإقليم قد إرتفعت بشكل غير مسبوق ، فى مقابل تراجع قيمة باكستان ونظامها الفاسد والمرتهن للأمريكين وأموال الخليج .

وإمارات الخليج تدهورت قيمتها الإقتصادية ، وخسرت معظم قيمتها السياسية والمعنوية بإنفتاحها على إسرائيل وفتح الأبواب لها على مصراعيها ، وفقدان الإرادة السياسية إلا من الإملاءات الإسرائيلية / الأمريكية. حتى وصفهم الرئيس الأمريكى بالأبقار التى تُحْلَب إلى أن يجف ضرعها ثم تذبح .

لا يصح أن تبقى خيارات الإمارة الإسلامية هى نفس الخيارات السياسية لأحزاب بشاور”الجهادية” التى تنازلت عن دورها السياسى لصالح باكستان ، وسمحت للسعودية وباقى الخليجيين بالتدخل فى أدق شئون الأحزاب فزادتهم رهقا . فكلما تدخلوا فى مجال زادوه إعوجاجا ، خاصة التعليم الذى بذر بذور الداعشية التى مازال بعضها يتحرك فى أفغانستان.

إن وراثة الضعف السياسى لأحزاب المجاهدين هو خطأ ينبغى ألا تقع فيه الإمارة الإسلامية. والقيمة السياسية للإمارة هى ــ الآن ــ أعلى مما تتمتع به باكستان وإمارات الخليج. والقوة الإقتصادية الكامنة فى أرض أفغانستان هى أعظم بكثير من نفط الخليج . ومن ناحية سكانية فإن الثروة البشرية لأفغانستان وقوة سكانها المعنوية والدينية لا يمكن قياسها مع باكستان أو أى بلد خليجى أو عربى آخر .

 

 

فى معارك الحدود : داعش رهينة وليست تهديدا .

ربما أن العدو أوقعنا فى عدد من الأخطاء التكتيكية ، وقادنا إلى المبالغة فى الدور الذى يمكن أن تقوم به داعش عسكريا فى المرحلة الحالية.

فأقصى ما يمكن أن تفعله داعش ــ وبكل صعوبة رغما من الدعم الجوى الأمريكى ــ هو الإحتفاظ بمواقع على الحدود مع واحد أو أكثر من الجيران ، لتوجيه الضربات أو إقامة قاعدة خلفية داخل أفغانستان لإدارة مجموعات داعشية فى الجانب الآخر من الحدود.

ورغم الدعم الجوى إستطاع مجاهدو طالبان إقتلاع الدواعش من مراكز حصينة فى ننجرهار، خاصة مراكزهم فى جبال (تورابورا). وفى ولاية كونار رغم غاباتها الجبلية لم تستطيع داعش الصمود أمام طالبان . حتى أن المروحيات الأمريكية تدخلت لنقلهم من قمم الجبال بعد أن عجز القصف الأمريكى عن حمايتهم .

إذَن ليس لمرتزقة داعش قابلية كبيرة للقتال ضد طالبان حتى مع الدعم الجوى . حتى لو تمركزوا فى أى موقع منيع، فإن إقتلاعهم منه مرهون بمجرد قرار من حركة طالبان .

لهذا فإن التهويل بخطر تمركز داعش على مواقع حدودية مع الجيران ليس عملا صحيحاً ، فلا ينبغى للمجاهدين أن يغيروا خططهم الإستراتيجية /باستدعاء إمدادات إضافية/ من أجل مقاومة التواجد الداعشى على الحدود ، طالما هو تحت السيطرة وفقا لتقدير قادة طالبان الميدانيين.

فالمعركة ليست للحفاظ على منافذ حدودية يأتى منها الدعم للمجاهدين ــ كما كان الحال فى الحرب مع السوفييت ــ  بل تتعلق بمنافذ تهدد أمن جيران لا يهتمون بدعمنا. لذا يمكن أن نؤجل حماية حدودهم معنا إلى توقيت آخر، وفى ظروف سياسية أنسب لنا.

 فتجاهل طالبان لقوات داعش / طالما هى بحجم محدود وتحت السيطرة / يصلح كحافز لدول الجوار كى تتحرك للتعاون معنا. فدفاع طالبان عن أمن الجيران لا يصح أن يظل مجانيا و بلا ثمن .

إختصارا .. ينبغى تحويل تواجد داعش على الحدود إلى رهينة عسكرية وسياسية فى يد طالبان ، للمقايضة بهم مع دول الجوار.

ثقل المعركة حاليا هو العاصمة كابول ، وفيها ستكون الكلمة الفصل . وبعد تحريرها يمكن الإلتفات إلى مواضيع فرعية مثل الحدود وتطهيرها من الدواعش وفق شروط خاصة.

 فتحرير كامل الحدود مع جميع الجيران يمكن تأجيله إتمامه إلى حين عقد مؤتمر إقليمى (فى إطار مجموعة شنغهاى مثلا) لبحث أنواع الدعم المطلوب تقديمه لحكومة الإمارة كمساهمة إقليمية لطرد داعش وتطهير الحدود. ليس من منظور أمنى فقط بل من منظور تنمية إقتصادية شاملة لأفغانستان وإعادة إعمارها ، وتسليح قوات جيشها الجديد ، وإدماجها فى مشاريع الترابط الأرضى والجوى (والبحرى عن طريق تشبهار) فى قارة آسيا وبين دولها الكبرى .

إن وقوف داعش على بعض الحدود لن يؤثر على المواقف العسكرى لطالبان . ولكن الإنشغال بهم على حساب معركة كابول سيكون خطأً غاية الخطورة .

 وتقديم طرد داعش كخدمة مجانية ، لأمن أكثر الجيران، سيحرم المجاهدين والشعب الأفغانى من الحصول على مساعدة تسليحية واقتصادية كانت من حقهم . وفى دنيا السياسة فإن الطرف الأحمق هو من يقدم ما عنده قبل أن يفعل الطرف المقابل نفس الشئ .

{ من المفيد التذكير بكلام وزير الخارجية الأمريكى هنرى كسينجر. عندما سأله أحدهم : لماذا لم تقدموا للسادات ثمناً فى مقابل طرده للخبراء السوفييت من مصر، وقد كان ذلك مطلبا أمريكيا رئيسيا ، وكنتم مستعدين لدفع أى ثمن لتحقيقه ؟؟ . فقال كيسنجر : لقد قدم السادات  بالفعل ما عنده ، فلماذا ندفع له الثمن الآن ؟؟ }.

 

 

شروط للقضاء على داعش :

أزمة داعش فى أفغانستان ممكن أن تضع الموقف الجيوسياسى فى الإقليم أمام معادلة تقول بأن التخلص من داعش لا يتم إلا وفق شروط هى :

  1 ـ إتمام تحرير أفغانستان من الإحتلال الأمريكى، بتقديم مساعدات فعالة لحركة طالبان .

   2 ـ  تحالف إقليمى للوقوف خلف الإمارة الإسلامية لإعادة بناء أفغانستان إقتصاديا وأمنيا .

   3 ـ  ربط أفغانستان براً وجواً بطرق آسيا وأسواقها .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري 
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

جاءتكم داعش .. فحاربوها أنتم !!

 

 




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 15

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 15

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 165 ) | ربيع الأول 1441 هـ / نوفمبر 2019 م .  

08/11/2019

 

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

(15)

 

– ملحمة حقاني في جاور عام (1986) قدمت للعرب أهم دروسهم القتالية في أفغانستان،

 فكانت سببًا في انتصارهم مع بن لادن في معركة جاجي (1987).

– نكسة السوفييت في عملية الكوماندوز كادت أن تفشل برنامجهم كله، لولا كارثتان أصابتا المجاهدين وهما: انهيار مغارات في جاور، وإصابة حقاني بقنبلة نابالم.

– أبوحفص المصري: أحصيت 84 طائرة سوخوي هاجمتنا في جاور خلال فترة وجيزة، ولم أشهد مثل ذلك القصف الجوي في أفغانستان من حيث القوة والدقة.

– تصورها السوفييت معركة خاطفة، ولكنهم احتاجوا إلى أكثر من 20 يوما للوصول إلى جاور، وبقوا فيها لساعات.

– فاصل من الفكاهة الجهادية: وجاءت المقاومة الشعبية من عرب بيشاور لتحرير جاور!!.

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

 

جاور مدرسة قتالية :

لم تكن مساهمة أبوحفص وأبوعبيدة مفيدة كما لم تكن من وجهة نظري حكيمة. ولكنها أفادت كثيراً في تشكيل فكرهما العسكري. فقد كانت (جاور) هي مدرستهما العسكرية الرئيسية، وما استفاداه من دروس حقاني في ملحمة جاور كان عدتهما الرئيسية في معركة (جاجي) التي دارت بعد ذلك بعام تقرياً، لتكون أول وأشهر معارك العرب في أفغانستان. ومنعطفاً في تاريخ التواجد الجهادي للعرب  في تلك القضية. وكلاهما كان فارس ميدان تلك المعركة وقائداها الحقيقيان. لقد استغرقنا وقتاً طويلاً بعد ذلك في بحث ونقاش حول معركة جاور وأفادنا كثيراً التمعن في أحداثها. وقارنا بين ما أحدثه كمين واحد في المعركة أدى إلى تدمير كتيبة كوماندوز تقريباً.

وبين دفاع ثابت عن جاور أدى إلى إصابة قائد المعركة واستشهاد عدد من كبار قادة المجموعات في حادث المغارة، وعدد من أشجع أطقم المدفعية المضادة للطيران.

وكنا مقتنعين تماماً بأن ملحمة المدفعية المضادة لم يكن لها ما يبررها وأن خسائرها أكبر كثيراً من فوائدها.. وأن أسلوب الكمائن المتنقلة هو خير أسلوب في تلك الحالات. وكان ذلك الدرس هو مفتاح النجاح لهما في معركة جاجي.

انتصارات المجاهدين ضد الكوماندوز السوفييت في جاور 1986، أفادت العرب في انتصارهم على الكوماندز في جاجي 1987.

وكأن تلك النقاشات كانت تضع تصوراً مفيداً للغاية لمعارك (جاجي) التي قادها أبوحفص و أبوعبيدة وكان أروع ما فيها ذلك الكمين الذي أوقعوا فيه قوة للكوماندوزالسوفييت فأبادوها فوق إحدى القمم.(مستفيدين أيضا من تجربة كمين ناجح نفذه طلاب الشريعة في جاور).

كان الجيش الأحمر قادراً على الوصول إلى أي نقطة يريدها في البلاد، وهكذا أراد أن يثبت في معركة جاور ثم معركة فتح الطريق إلى خوست عبر مناطق قبائل زدران، وقد ساعدتهم أمريكا عبر باكستان، على إشباع حاجتهم إلى حفظ كرامتهم العسكرية. في مثل هذه الأوضاع ليس من الحكمة تبني شعار الدفاع عن كل شبر من الأرض أو الثبات حتى آخر رجل.

بل يجب أن نتبني شعاراً يقضي بإيقاع أقصى خسائر للعدو، حتى يصبح نصره نصرا  زائفا وشكليا، لأن فداحة خسائره أفقدت النصر معناه، ومع ذلك فقد حدث ذلك جزئياً في جاور وكانت خسائر العدو في الأفراد والمعدات أكثر من أن تكون مقبولة، وبشكل خاص أنه لم يمكث  في جاور إلا أقل من عشرين ساعة  فلم يتمكن من استثمار انتصاره.

باعتبار أن جاور كانت المنفذ لحوالي 20% من إمدادات المجاهدين”حسب أقوال محمد يوسف” كما أن تأثيراتها على القبائل على جانبي الحدود هي تأثيرات عظيمة لسهولة الاتصال بهم وتهريب الأسلحة والأموال وبالتالي نقل ولائهم من باكستان إلى (كابول) أو تحييد نشاطهم المعادي على أقل تقدير.

 

نكسة الكوماندوز : 

نعود إلى عملية الكوماندوز مرة أخرى  لنجد أنها تمت في الثالث من إبريل وكانت معارك جبل رغبلي ما زالت على أشدها، وشهدت قتالاً متلاحماً على القمة عدة مرات.

ولكن المجاهدين كانوا في قمة الحماس والنشاط. وخطوط إمدادهم سليمة ومتصلة فلم يكن القصف الجوي الذي بدأ منذ نهاية مارس قد أثر على سلامة تلك الخطوط أو سلامة الروح المعنوية. لهذا فإن عملية الكوماندوز (جنوب جاور) كانت مبكرة عن موعدها المناسب وكان ينبغي الانتظار أكثر حتى يظهر تأثير القصف الجوي على معنويات المجاهدين وخطوط إمدادهم.

والاحتمال الوارد لهذا الاستعجال إما أن يكون محاولة تخفيف الضغط على الكوماندوز السوفيتي فوق جبل رغبلي أو الاستعجال في إنهاء المعركة بطريقة خاطفة، ولم يكن مرّ عليها سوى عدة أيام وهذا ينطوي على استخفاف كبير بقدرات المجاهدين وغرور زائد بالقوة السوفيتية البرية التي تشارك بهذه الكثافة لأول مرة في باكتيا، وتحت حماية لم يسبق لها مثيل من سلاح الطيران السوفيتي. نكسة الكوماندوز زلزلت البرنامج السوفيتي. وكان يمكن أن ينهار البرنامج كله على إثر ذلك لولا الكارثتان اللتان لحقتا بالمجاهدين. الأولى حادثة انهيار المغارة ومقتل عدد من القياديين بداخلها، ثم أعقب ذلك إصابة حقاني والأثرالسيء لتلك الإصابة على معنويات المجاهدين، خاصة أن إذاعات العدو والمنشورات التي أسقطتها الطائرات عملت على تضخيم آثار حادثي المغارة وإصابة حقاني. وبلا شك فإن غياب حقاني ترك فجوة كبيرة في السيطرة والقيادة.

عملية الكوماندوز كانت دليلاً على أن السوفييت تصوروا معركة خاطفة تنتهي سريعاً. ولكنها استغرقت أكثر من عشرين يوماً حتى استطاعوا الوصول إلى جاور. ومن المستبعد أن يخطط السوفييت لحرب خاطفة على جاور القريبة من باكستان بدون أن يتلقوا ضوءً أخضر يضمن مساندة باكستانية. وهذا ما تثبته  شواهد عديدة.

رغم ادّعاءات (محمد يوسف) في كتابه بأنه هو صاحب فكرة تحويل جاور وجاجي إلى مراكز قوية للدفاع عن أمن باكستان من إختراق سوفيتي. والحقيقة هي أن جاور تحولت إلى (قلعة) صعبة الاختراق بسبب طبيعة (حقاني) كقائد عنيد صلب المراس، من الصعب جداً دفعه إلى الخلف، خاصة في مناطق ارتبطت به شخصياً.

لهذا قاتلت جاور بصلابة أمام  أعتى حملتين سوفيتيتين على باكتيا خلال نصف عام فقط. بينما جاجي كانت تستسلم حتى قبل أن تصل إليها قوات العدو ويقوم مقاتلوها بسلب القاعدة ونهب محتوياتها والفرار إلى باكستان. ولذلك أسباب أهمها ضعف عنصر القيادة المتمثل في سياف الذي كان رجاله يصفونه بأنه (مداري) أي ممثل أو نصاب!!. ولم تتحول جاجي إلى قلعة إلا عندما قاتل فيها العرب معركتهم عام 1987 (بقيادة بن لادن( فكانت هي المرة الوحيدة في الحرب الذي تظهر فيه منطقة جاجي كقلعة حصينة أمام العدو. .. وذكرنا أن باكستان تركت مجالها الجوي مفتوحاً أمام الطيران السوفيتي كي يقصف مواقع المجاهدين في جاور لأكثر من ثلاثة أسابيع متصلة ليلاً ونهاراً بدون اعتراض عملي أو حتى شفوي.

كما قصف الطيران مراكز للمهاجرين الأفغان داخل الحدود الباكستانية ومناطق أخرى في العمق يعتقد أنها مراكز مهاجرين. أما دفاعات جاور الجوية، فقد زودها (محمد يوسف) بمدفع أرلكان واحد من عيار(20 مليمتر) وليس ثلاثة مدافع كما فعل في جاجي إضافة إلى أربعة رشاشات زيكوياك عيار 14.5 مليمتر ومدفعي دوشيكا عيار 12.7 مليمتر . وهذا الأخير ليس له أي قيمة في مواجهة الطيران فيما عدا الهليكوبتر القريب.

والغريب أيضاً أن الدفاعات الأمامية قد تدخل (يوسف) لأخذ زمامها في يده. وكان يحدث ذلك كمقدمة ضرورية لكل كارثه تحل بالمجاهدين حين تتولى المخابرات الباكستانية العمل الحيوي في معركة عسكرية. فالمجموعات الأمامية لم يزودها (يوسف) بأي جهاز اتصال لاسلكي صغير لتسهيل الاتصال بين المجموعات المتناثرة.

لأجل ذلك كان على تلك المجموعات أن تعمل بإحدى طريقتين:

إما أن تتوزع في كمائن كما هو مفروض ولكنها في هذه الحالة سوف تفقد الاتصال فيما

بينها لعدم وجود أجهزة اتصال. وبذلك تنعدم السيطرة على القوات أو أنها تتجمع وتتكدس كلها في مكان واحد فيضعف تأثيرها على العدو وتتزايد نسبة خسائرها في الأفراد.

فالعدو ما أن يحدد مكان ذلك الجيش الصغيرحتى يصب عليه حمم المدفعية والصواريخ وفي ظرف دقائق  تكون الطائرات فوق رؤوسهم فتذيقهم الأمرين. وقد  أشار يوسف في كتابه إشارة غامضة إلى تلك المأساة حين قال بأن: (حقاني كان يتولى قيادة القوات كلها نظرياً أما عملياً فإن كل قائد سوف يخوض معركتة مستقلاً). إن المساحة الفعالة في جاور لاتتجاوز كيلومتراً مربعاً. ولنا نتخيل تأثير هذا القصف الجوي الذي لم يسبق له مثال على تلك الرقعة الضيقة من الأرض ولمدة ثلاثة أسابيع متصلة.

 

صمتت جاور .. والروس لايتقدمون !!.

الإسراف المبالغ فيه في استخدام القوة هو جزء من العقيدة القتالية للسوفييت (الروس). لقد سكتت أخيراً مدفعية جاور وأصبحت القاعدة شبه خالية ولكن السوفييت لا يتقدمون؟.. لأنهم يعلمون أن عملية التقدم في الممرات الجبلية الضيقة نحو جاور هو النقطة القاتلة في العملية كلها.

وكان من المفروض أن تكون خسائرهم الرئيسية هي خلال تنفيذ تلك الجزئية. وبدلاً عن ذلك إذ مجموعات المقدمة والأجناب التي يديرها جواسيس باكستان من رجال الاستخبارات تنسحب.. ولكن السوفييت أيضاً لا يتقدمون!! فيقوم مجهول.. بتوجيه الدعوة لهم بالتقدم عبر جهاز اللاسلكي فيتقدم الجيش الأحمر نحو القاعدة.. فيستولي على ما تبقى بها من حطام..

ويدمر ما يدمر من مغارات. ويبث الألغام على عجل هنا وهناك. ثم ينسحب فجأة قبل أن يكمل يوماً في القاعدة… وهنا أيضا لا يلاحقه أحد، ولا يبث الألغام في طريقه أحد، وكان من السهل قفل الباب خلفه وإفناء تلك القوة التي احتلت جاور.. ولو تحقق ذلك لخرج السوفييت من أفغانستان بهزيمة، بل بفضيحة عسكرية.

وهو ما بذلت أمريكا وعملائها قصارى جهدها لمنع حدوثه، حفاظاً على كرامة السوفييت حتى لا يتصرفوا بعصبية زائدة فتضطر أمريكا للتورط معهم في مواجهة لا يستطيعون عليها بغير الأسلحة النووية، أمام قوة برية متماسكة وقوية مثل الجيش الأحمر. كما أن أمريكا ساعدت السوفييت خوفاً من انبعاث مارد إسلامي من القمقم الأفغاني، ومايعنيه ذلك من انتهاء السيطرة “الصليبية اليهودية” على العالم.

ـ لقد كانت معركة (جاور) أول خيانة باكستانية (أمريكية) للمجاهدين استطعتُ أن أرصدها في أفغانستان وإن كنت لم أفهمها بوضوح كامل إلا في وقت متأخر. أما الخيانة الأخرى بعد ذلك بعشرين شهراً عندما فتحت باكستان الطريق إلى خوست خلال مناطق (زدران)الجبلية فكانت الخيانة واضحة تماما حتى أن بعض المتورطين فيها قالوها لنا صراحة (هذه أوامر باكستان).

فكانت صدمة لنا أن نعرف أن (أوامر باكستان) تقضي بتدمير المجاهدين بهذه الصراحة الوقحة.

– وأخيراً دخلت القوات الشيوعية إلى جاور مساء السبت(19/4/86). كانت صدمة قاسية على الجميع، خاصة حقاني الراقد فوق فراشه بحروق النابالم . والذي يأتي إليه طبيب عربي من مستشفى ميرانشاه كي يضمد له جراحه فی غرفة ضيقة مثل خلية النحل لا تخلو معظم النهار من الوفود.

في صباح الأحد تأكد الخبر لدى الجميع. (دخلت الحكومة إلى جاور) هكذا تناقل الناس الخبر في (بازار) المدينة، وهم بين مبتئس مصدوم أو شامت يخفي مشاعره بصعوبة. ذهبنا لزيارة حقاني لمعرفة الوضع الحالي وكان قد أخبرني قبل سقوط جاور بيوم واحد أن (الوضع سيء) فما عساه أن يقول الآن؟. أنهى حقاني اجتماعه مع حوالي عشرين من رجاله الأقوياء وقادة مجموعاته وكأنه كان يجهز للعمليات القادمة لما بعد سقوط جاور. بعد ساعة من الانتظار جلست معه على انفراد كان متماسكاً وصريحاً كعادته، قال لي مباشرة: (لقد دخل الروس إلى جاور.. إنها هزيمة)..لم أوافقه على ما قال، وقلت له بتأكيد:

( بل هم هزموا لأن خسائرهم كانت كبيرة جدا وأكبر بكثير من خسائر المجاهدين.  كما أن في استطاعتنا حصارهم وإبادتهم في جاور،هذا المكان سيكون بمثابة مصيدة الموت.. لن يستطيعوا إمداد قواتهم في جاور عن طريق الجبال، فالمجاهدون أقدر على القتال في تلك المناطق وإبادة أي قوة تتحرك فيها.. والإمداد بطائرات الهيلوكبتر يمكن منعه لأن الجبال عالية ويمكن ضرب الهيلوكبتر عند انخفاضها ومحاولتها الهبوط في جاور. إن حصار جاور و إبادتهم فيها أمر ممكن جداً، لقد أخذوا جاور بثمن باهظ جداً وهذا يكفينا كقوات عصابات تواجه جيش عسكري. ومعروف لدى الجميع أن من المستحيل لنا الاحتفاظ بمواقع إذا صمم الجيش على دخولها ولكن المطلوب من المجاهدين في هذه الحالة إيقاع أكبر خسائر في صفوف الجيش  المتقدم وقد فعلوا ذلك. أما بقاء العدو في جاور فسوف يكون كمن حفر قبره بيديه، فيمكننا إبادتهم هناك..)

واقترحت على حقاني كتابة بيان بهذا المعنى لطمأنة المسلمين حتى لاينتابهم اليأس مما حدث. فوافق حقاني واتفقنا أن أقوم بصياغة البيان وأن أعرضه عليه عصراً لمناقشته النهائية، وإقرار صياغته قبل أن أقوم بتوزيعه على الصحف وإرساله إلى صحيفة الاتحاد التي أعمل بها.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

عرب يبشاور في الطريق إلى جاور :

لم يتصل بي حقاني في الوقت المتفق عليه وكان السبب هو وصول الدكتور عبد الله عزام وبصحبته 35 شاباً عربياً قدموا من بشاور لتحرير جاور!! .لقد شبهتهم وقتها بالمقاومة الشعبية التي نعرفها في مصر. وهي ذلك النوع من (القوات) التي تشكله الحكومة عندنا في مواكبة كل هزيمة في حروبها مع إسرائيل. وقوات المقاومة الشعبية تلك يتمثل أقصى مساهماتها في المجهود الحربي للدولة بتلك الصيحات المدوية والتي يطلقونها ليلاً في عبارة شهيرة تقول (طفي النور)!!.

كان الشباب العربي الذين قدموا، لا يعرفون المنطقة ومعظمهم لم يتدرب كلياً أو جزئياً، وليس لديهم أية فكرة عما يحدث هنا سوى أن جاور سقطت وأن الدكتورعبد الله عزام  قد استنفرهم للقتال وأحضرهم إلى هنا.

ولا أنكر أن تلك الطريقة في العمل كانت تفقدني رشدي . كنت أعتبرها (مظاهرات لتوريد القتلى وزيادة عدد الشهداء والمصابين). لذلك لم أذهب إليهم ولم أقابل الدكتور عبدالله بل ذهب إليه أبوعبيدة العراقي وأبوصهيب المصري الذي وصل مؤخرا .

وعرضوا على الدكتور عبد الله تكوين مجموعة لمهاجمة المطار بالصواريخ، وطالبوا بسيارة

(بيك آب) يضعون عليها راجمة، ولكن مساعدو الدكتور عبد الله طالبوا (بمعلومات وافية) عن ( مجموعة خوست)، وهو اللقب الذي أطلقوه على مجموعتنا- لكنهما رفضا ذلك الشرط.

وقررنا العمل منفردين وبطريقتنا الخاصة.  وفي يوم الاثنين ( 21/4/86 ) طلب الدكتور عبدالله أن يأخذ أفراد مجموعتنا ويتوجه بهم إلى جاورعلى أن يكون عبدالرحمن المصري وأبوعبيدة العراقي أمراء على مجموعتين للشباب العرب. عقدنا اجتماعاً لمجموعتنا في بيت للضيافة خصصه حقاني للعرب في ذلك الوقت. وخصصناه فقط للمجموعة العاملة في خوست. ناقشنا هناك ضرورة أن يكون عملنا ضد المطار فقط. أما الهجوم على جاور فإن هناك عشرات أو مئات من المجاهدين قادرون على أداء المهمة خير منا.. بينما المطار لا يتوجه إليه أحد رغم خطورته على سير العمليات.

كنا جاهزين للحركة ولكن لم نستطع العثور على سيارة كي تنقلنا إلى منطقة (باري) حيث مركزنا الرئيسي للعمل ضد المطار.عند العصر سمعنا انفجارا ضخما من مسافة بعيدة. صعدنا إلى سطح البيت فشاهدنا سحابة ضخمة من الدخان تتصاعد إلى السماء من اتجاه جاور.

تحيرنا في تفسير ما حدث وخمنت وقتها أن العدو قام بتدمير ذخائر عثر عليها في  جاور.. ولكن لماذا لم يسحبها خارج القاعدة؟.. أو يستخدمها للدفاع عن جاور إذا كان ينوي الاحتفاظ بها؟.. وشككت وقتها في أن العدو قد لا يمكث في جاور طويلاً. أسعدتني الفكرة ولكن أزعجني أن يفلت العدو، فقد كنت على قناعة تامة بأنها مصيدة الموت، وأن القوات الشيوعية في جاور ينبغي ألا تخرج سالمة.شاعت بين الناس أنباء متضاربة حول جاور. بعضهم قال أن المجاهدين ما زالوا هناك  وآخرون قالوا بأن العدو تركها.

في صباح الثلاثاء (22/4/86) أرسل الشيخ حقاني دورية استطلاع من خمسين رجلاً ومعهم جهاز لاسلكي كي يأتوا بالخبر من (جاور). اتصلت المجموعة وقالوا أنهم وصلوا إلى(جاور) وأن القوات الشيوعية قد انسحبت من هناك. وأن أفراد المجموعة خائفون من الألغام. فأمرهم حقاني باحتلال رؤوس الجبال وألا يدخلوا القاعدة حتى يتم تطهيرها من الألغام بواسطة مجموعة خاصة سوف يرسلها فيما بعد. وعلى الفور أصدر حزب إسلامي حكمتيار بياناً وزعه على وكالات الأنباء أنهم قد طردوا الجيش السوفيتي من قاعدة جاور وقاموا بتسليمها لحقاني!!. أثار الخبر حنق حقاني وثار رجاله لأن الخبر كاذب ويطعن في رجولتهم.. ولكن الأزمة مرت بسلام ولكنها أضافت نقطة سوداء أخرى لصحيفة العلاقات بين الطرفين التي بالكاد توجد فيها نقاط بيضاء.

 

 

صفحات من سجل العرب في جاور :

ـ ننقل الهوامش الثلاث التالية عن كتاب (صفحات من سجل الأنصار العرب في أفغانستان) الجزء الأول الإصدار الثاني، للأخ الزميل باسل محمد، وهو الكتاب الوحيد حسب علمي الذي حاول أن يضع تأريخاً للتواجد العربي المصاحب للجهاد الأفغاني. والكتاب طبعته لجنة البر الإسلامية السعودية عام 1991م ــ 1412هـ . وهذا بعض ما کتبه عن معرکة جاور:

(1) يقول أبو الحسن المدني ـ وائل جليدان ـ : كنت أول من شهد تلك المعركة من الإخوة العرب.. فبعد أن سمعت بالهجوم ذهبت إلى هناك فوجدت الأخوين أبا حنفي وأباعبيدة اللحام المصري في ميرانشاه فاصطحبتهما معي إلى هناك ومعنا د.عبدالقدوس الأفغاني على أمل أن ننقل الجرحى من المعركة إلى  المستشفيات. لحظة وصولنا وجدنا ثلاثة كهوف دمرت على من فيها من المجاهدين وكانت الساعة الخامسة عصراً، حاولنا حفر منفذ للمحاصرين تحت الركام… مضت نصف ساعة وإذا بأحد المجاهدين يصيح من أعلى الجبل .

جاءت الطائرات فسألنا: أين نذهب؟ قالوا ادخلوا هذا الكهف. فدخلنا . وكان الرابع الذي يلي الثلاثة المتهدمة، ومن هناك رأينا سلسلة طويلة متصلة على مد النظر من طائرات سوخوي25 .. كانت الطائرة التي ترمي حمولتها لا ترجع.. تأتي ثانية غيرها.. وهكذا… وبعد القذيفة الثالثة دُمّر نفس الكهف الذي دخلناه.. كانت الساعة الخامسة والنصف، وكنا داخل الكهف سبعة‌ ـ أنا وأبوعبيدة اللحام ود.عبدالقدوس الأفغاني والممرض سلطان الأفغاني، وثلاثة إخوة آخرين من المجاهدين الأفغان. كنا مع كل قذيفة ندفن تحت الأرض أكثر.

ولم أعرف معنى الظلام الدامس في حياتي إلا في هذا المكان. في الساعة السادسة وعشر دقائق، أي بعد أربعين دقيقة من الاحتجاز جاءت آخر طائرة وآخر قذيفة، لتفتح لنا في بوابة الكهف كوة.

فكانت لنا طريقاً إلى النور من جديد. ( ويتابع أبو الحسن ) كان أول ما فكرنا فيه بعد خروجنا هو الشيخ جلال الدين فقد كان معنا في الكهف الذي يلينا، ولكنه قبل القذيفة الثالثة التي دفنتنا، ذهب خلف جبل حجري صغير واحتمى هناك.. ذهبنا نبحث عنه فوجدناه محروقاً… والإخوة الذين معه محروقين أيضاَ. والضابط الذي معهم مصاب إصابة بليغة جداً، ظلوا أول نصف ساعة بعيداً جميعاً عن القصف. ولكن إحدى القنابل نزلت خلف هذا الجبل الصغير بالقرب منهم، فدفعت الشيخ جلال بقوتها دفعة عالية ليسقط وسط النيران، وسرعان ما رمى أحد المجاهدين نفسه داخل النار ليخرج الشيخ جلال بينما استشهد الضابط الذي كان معه.

 

صدمة السوخوى !!

(2) ويتابع أبو حفص المصرى (النائب الثاني لأسامة بن لادن فيما بعد ) :

.. في بداية المعركة كان القصف يستمر طوال اليوم ولكنه أصبح بعد ذلك طوال النهار وطوال الليل.. فإذا توقفت الطائرات تبدأ المدفعية. وكانوا راصدين المواقع كلها رصداً دقيقاً جداً جداً.. وكانت طائرات السوخوي والقنابل الباراشوتية تستخدم لأول مرة.. وكانت الحكومة مصممة على الوصول إلى جاور بشكل عجيب.. وفي بداية المعركة أصيب الشيخ جلال.. وردم الكهف على أبوالحسن فنزل فيما أظن إلى ميرانشاه. ونحن أتينا بعده بخمسة أيام. وأثناء المعركة جاء أسامة وشفيق رحمة الله.

– { أسامه ازمراى اختطفته امريكا من دولة أسيوية و اتهمته بالاشتراك فى عملية تفجير مبنى التجارة العالمي في عام 1993م ـ وهو سعودي الجنسية من أصل اوزبکي ـ شارك في معرکة جاجي 1987 و معرکة جلال آباد 1989.

شفيق المدني، سعودي من أصل باکستاني، استشهد في معارك جلال آباد ضمن مجموعة اسامه بن لادن}.

كان بعض الإخوة الأفغان على موقع (دوشيكا) فحصل عليهم قصف شديد تركوا المدفع بسببه. فطلع أسامة وشفيق واستلموه واشتبكوا مع الطيران.

لكن بقية الإخوة العرب الذين وجدوا لم تكن لهم مشاركة وظلوا داخل الأنفاق ومنهم أبوحنفي الونش والأخ عامر.. وكان الأفغان قد منعوا أحداً من الدخول لأن المعارك شديدة جداً.

ودمرت كل مواقع الأسلحة المضادة للطائرات تقريباً. وأصيب أبوعبيدة بعد عدة أيام من القتال إصابة لم تكن خطيرة.. فوقتها كان لدينا شبه خندق مفتوح الجانبين نختبئ فيه من الطيران والقصف.. وفي تلك المعركة كان الجيش الباكستاني يشارك مشاركة فعلية.. فأتى عقيد باكستاني ومعه نقيب مظلات وأربعة ضباط صف يريدون أن يجربوا صواريخ (بلوبايب) البريطانية لأول مرة.. فاختاروا موقعنا نفسه وجلسوا فيه.. وكانت أسوأ تجربة..ضربوا تسعة صواريخ تقريباً فما أصابوا أي طائرة, لكن الموقع قصف بسبب ذلك قصفاً مركزاً.. أصيب أبوعبيدة على إثره، فحملته وأنزلته إلى المستشفى بالأسفل، ثم صعدت مرة أخرى،  واشتد القصف.. وحقيقة أنا لم أشاهد في كل أفغانستان قصف طائرات مثل ما شهدته في جاور في الدقة والكثافة. ففي يوم من الأيام جلست أحصي الطائرات فبلغت في فترة وجيزة 84 طائرة كانت تأتي وراء بعضها.. تقصف وتعود. وكانت المشكلة التي تقابلنا في طائرات السوخوي التي كانت دقيقة جداً في الرمي وقادرة على الانخفاض إلى مسافة قريبة جداً دون أن تتأثر بالمضادات.. حتى أصيب المجاهدون بحالة من اليأس.. وعلى هذه الحال حتى قبل دخول القوات إلى جاور بيوم أو يومين، ولم يصب موقعنا طوال ذلك من فضل الله إلا في هذا اليوم. حينما كان النقيب الباكستاني يصور طائرات السوخوي وهي تتحرك فوقنا.. وفجأة سقطت قذيفة في وسطنا تماماً، كنت أقرب واحد منها فدخلت في الموجة الانفجارية، ولكنني كنت مرتفع قليلاً عنها، وأحسست كأن خناجر دخلت في ظهري حتى ظننت أنني قتلت حتماً.. ولكن وجدت نفسي بعد ذلك لا أزال أتنفس.. فتحاملت ونهضت وكان القصف لا يزال مستمراً، ذهبت أبحث عن أحد يحملني… دخلت الغرفة التي نحتمي فيها فوجدت كل من فيها قد أصيبوا إصابات أشد مني. واحداً قُطِعَتْ رجله وآخر مصاب في رقبته.. وكلهم في حالة إغماء.

الأفغان والباكستانيين الأربعة الرقباء، والنقيب الباكستاني أصيب أيضاً وطار مع بداية الانفجار في الهواء.. ولم يكن غيري من يستطيع أن يتحرك ولا كان أحد يستطيع الصعود إلينا أصلاً.. مشيت إلى  الخلف حيث كان لنا بغل نحمل عليه الذخائر فوجدته مقصوماً نصفين هو أيضاً.. فقلت لنفسي؟ أتوكل على الله وأعتمد على قوتي الجسمانية.. وكنت وقتها قد أصبت بحالة شديدة جداً من اللامبالاة.. فأثناء نزولي أتت بعض الطائرات وقصفت… وكنا قد أصبحنا نتيجة الخبرة في المعارك نستطيع أن نعرف مكان سقوط القذائف وهي في الجو.

فلما رأيت الطائرة تقصف أحسست أن القذائف ستأتي على نفس مكاني، وسبحان الله كانوا 6 قذائف.. فقلت لا داعي لأن أنبطح أو أتوارى فالموضوع انتهى خلاص. لكن القذيفتين اللتين نزلتا أمامي مباشرة لم تنفجرا، والأربعة الأخرى التي نزلت أعلى مني انفجرت كلها، ولكني لم أصب بأي شيء.. وتابعت النزول.. وكانت المشكلة أن تأتي سيارة لتأخذني، لكن أخاً أفغانياً لما علم أنني أصبت وكان من أعز أصدقائنا جازف بنفسه ودخل (جاور) بسيارته تحت هذا القصف ونقلني إلى مستشفى ميرانشاه..( إ هـ ) ص 176 من نفس المصدر السابق..

 (3) … وفي مقر الحزب الإسلامي في ميرانشاه بايع الجميع (العرب المستنفرون) الشيخ

 عبدالله عزام على القتال، فسمَّانا وقتذاك (كتيبة الغرباء…) … كانت معنويات الذين نفروا طيبة جداً، وكان الإخوة في شوق لدخول الجبهات، لكن الشيخ جلال لم يسمح لنا بذلك وكان يقول(الخطب جلل، لا تستطيعون تصور الحكاية..) هكذا يفتتح أبو هاجر أمير مكتب الخدمات وقتذاك سجل ذكرياته المرهفة عن هاتيك الأيام فيقول:

أبقونا ثلاثة أيام جالسين هناك استفدنا منها بتنظيم دروس للإخوة حتى نمتص انتظارهم. وفي ذلك اليوم سمانا الشيخ عبدالله (كتيبة الغرباء)، وقال: سميناكم كذلك لأنكم غرباء، وهذه أول مرة نخرج فيها بهذه الكثافة، وأول مرة يأتي العرب دفعة واحدة لمناصرة الأفغان. فكان للكلمة وقع في نفوس الإخوة، وأعطوا الشيخ عبدالله بيعة على الجهاد، ولكن بعض الناس فهمها على أنها بيعة على الموت فقلنا لهم:

(لا يا إخوة بيعة الموت معناها الاّ ترجعوا أبداً فإما أن يظهركم الله على عدوكم أو أن تقتلوا في سبيله…). وأخيراً قرابة العاشرة ليلاً وصلنا (جهاد وال) { معسكر تابع لجماعة حكمتيار ويقع خلف جاور على مسافة عدة كيلومترات} وابتدأ الليل فيها، وفي الصباح وصل حكمتيار وقال بأن القوات انسحبت من المنطقة وتراجعت إلى الخلف، وأن وجودكم هنا لم يعد له داع.. ( وجزاكم الله خيراً وأحسن إليكم.. فارجعوا).وبالفعل قرر الشيخ عبد الله عزام أن يرجع بنا وأعلن ذلك، لكننا تضايقنا، وتضايق أبوعبدالله (أسامة بن لادن) وأبو البراء وكل الشباب وقالوا:

المفروض حتى لو انسحبوا أن نطاردهم على الأقل أو أن نتقدم قليلاً..لكن الشيخ عبدالله قال لهم ( إن شاء الله تكونوا مأجورين..وقفلة كغزوة.. ثم نصب لنا علامات وقال لنا ارموا عليها.. فجعل كل منّا يتدرب على الرمي .. عدنا بعد ذلك تنفيذاً للأوامر، ووصلنا إلى ميرانشاه.. وانحلت كتيبة الغرباء.

 

فوضى في كتيبة الحُمُّصْ :

وهنا لا يفوت الأخ أبا هاجر أن يسجل بعضاً من مشاهداته المتميزة أيضا .. فيقول: بعد إصرار العرب على المشاركة تقسمت المجاميع، وحمل كل واحد ما يشتهي من الأسلحة.. وملأ الإخوة جيوبهم بالزبيب والحمص على أساس أننا مقبلون على معركة.. لكن الإخوة أكلوا ما في جيوبهم خلال الطريق حتى انتهى أكثره قبل أن نصل إلى العدو. فسماها البعض كتيبة الحمص. ولما صدر الأمر بالعودة، وما أن رجع الإخوة إلى ميرانشاه حتى انتهى الجهاد كفرض عين..وسارع كل منهم نحو أقرب فلاينكوتش (باص متوسط الحجم) متجه إلى بشاور بعد أن رمى سلاحه كيفما اتفق في مضافة الشيخ حقاني، الأمر الذي ضايق الأفغان جداً.

هل هذا السلاح للاتحاد أم للحزب أم للشيخ حقاني؟ تداخلت جميعاً، وضاعت بعض قطع منها، فاضطر حكمتيار إلى كتابة كتاب يتحمل فيه ما فُقِدْ ويعفينا من المسئولية!.

ويضيف أبوهاجر.. وهكذا، وللأفعال الظريفة التي فعلها إخواننا في تجربتهم الجماعية الأولى هذه سميناها بكتيبة الظرفاء!!..”إ هـ” نفس المصدر ( كتاب سجل الانصار العرب ) .

تحميل مجلة الصمود عدد 165 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

 

حقانى : العالم الفقيه .. والمجاهد المجدد . { 15 }