1

جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 33

مجلة الصمود الإسلامية عدد 184

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 184 | شوال 1442 ھ – مايو 2021 م.   

28-05-2021

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (33)

حقاني في الخط الأول: التراجع ممنوع في هذه المعركة

 

–  “ماليزي” مفاجأة معركة الفتح، والعدو يحصل على ساعة الصفر قبلها بساعات.

–  حقاني يفاجئ قواته وقوات العدو، وينقل المحور الرئيسي للعمليات إلى ماليزي في الشرق بدلا من غرب تورغار.

–  عند الفجر احتل المجاهدون جبال ماليزي بسهولة، ولكن العدو اقتلعهم ظهراً بعنف. فذهب حقاني إلى الخط الأول وقال لمجاهديه: إنه باقٍ إلى أن يستردوا جبال ماليزي المفقودة.

–  شباب”وردك” الفقراء قلبوا موازين المعركة. ورئيس الدولة يفاوضهم ويسبهم على الهواء.

–  حقاني قبل معركة فتح خوست يفقد أقرب ثلاثة من أفراد من أسرته.

–  “إبراهم” شقيق حقاني تقيأ دماً بعد فقدان والدته وشقيقه، ولم يتبق مع حقاني سوى الأخ الأصغر “خليل ” الذي كان جيشاً كاملا، وكنا نتعجب منه قائلين (لا يفل الحديد إلا خليل).

–  التجار يهددون حقاني إن لم يرفع الحصار عن خوست، ويدفع الديون المستحقة عليه.

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

مركز ماليزي وراجمة البدو كانت أول خطوة عملية لنا في المشروع الجديد. خلف مركز البدو بحوالي ثلاثمئة متر، كانت سلسلة منخفضة من التلال، اتخذ فيها مركز مجبور موقعا جديدا ليكونوا أكثر قربا من منطقة “لاكان” التي حاولوا العمل فيها ضد المطار الجديد، ولكنهم فشلوا في الإستمرار. فاستعرنا منهم مغارة ذات بوابة حديدية لتكون مركزا لتخزين الصواريخ لعمليتنا القادمة، خاصة لراجمتنا في ماليزي.

في الجبهة الشرقية كان التحدي الأكبر. والمشهور أن هناك اتفاقا سريا بين “المجموعات الجهادية” هناك وبين العدو في ميثاق عدم اعتداء (على أقل تقدير). أي ألا تُستَخدم منطقتهم لإيذاء العدو، الذي لن يتعرض لهم في المقابل.

في المنطقة لا توجد مغارة واحدة، ولا خندق واحد سوى الخنادق والحُفَر التي كانت تستخدمها القوات الحكومية، وجميعها مكشوفة من جهة المدينة، أي لا تصلح لاستخدم المجاهدين.

بدأنا بأقصى طاقتنا في حفر ثمانية مغارات دفعة واحدة. أربعة منها لاستخداماتنا وأربعة لمجموعات “المجاهدين” في الخط الأول. وكانوا قد طالبونا بحفر مغارات لهم عندما شاهدوا العمل عندنا. ورحبنا بحالة الحماس التي رافقت ذلك العمل.

كان ذلك الخط فقيرًا جدًا في الرجال والمعدات. فهناك أربع مجموعات تتبع أربع تنظيمات مختلفة وإن كانوا جميعا من أهل المنطقة.

أحد هذه المواقع يشغله شيخ في حوالي السبعين معه خمسة من أحفاده دون السادسة عشر من عمرهم. مواقع أخرى كان عدد أفرادها لا يزيد عن خمسة أفراد.

الجميع مسلحون بأسلحة خفيفة وهناك هاون واحد ومدفع واحد عديم الارتداد. بعد جولة سريعة في ذلك الخط أيقنت أنهم سوف يفرون في أول فرصة تتاح لهم، أو أنهم سينقضون علينا إن هَزَمَنا العدو.

قيادات المنطقة كانت سيئة جدا، لكننا قابلنا الكثير من المجاهدين وسكان المنطقة وكانوا من الطيبين الشجعان، مثل أغلب سكان الجبال، وقد عاملونا بترحاب ومودة.

من المفاجآت الحسنة أن قابلت هناك “الضابط كمال” الذي تعرفت عليه في معركة ليجاه عام 1982ـ وقد تحول إلى حزب حكمتيار، وظل شقيقه الأصغر، وكان من القلائل الجيدين، ظل ضمن جماعة حقاني.

كان والدهما ـ عبد القيوم خان ـ من أعيان منطقة لاكان وأغنيائها المعدودين وهو شخصية جهادية تاريخية في المنطقة، لكونه أول من اصطدم بالسلاح مع الشيوعيين في خوست عند بداية عهدهم المتغرطس والدموي عام 1978.

عند وصولنا إلى منطقة لاكان وقبل أن نعبر نهر شمل كان منزل عائلة عبد القيوم أول مراكزنا للاستراحة وتناول الطعام الذي كان دومًا من نوعية جيدة، مع استقبال حميم من رجال الأسرة ومجاهديها.

ما إن نعبر نهر شمل ونصبح في الجبهة الشرقية حتى ننحرف مئة متر إلى اليسار حيث أحد البيوت المهجورة التي اتخذها المجاهدون قاعدة إدارية لهم، وسمحوا لنا باستخدامها.

عندما وصلنا البيت ليلا لم ألاحظ أن أحدا يحرس المكان، فقد تركوا المهمة لجرو صغير جداً في حجم الكَفْ. وما أن دخلنا حديقة البيت حتى وجدته ينبح بشدة وقد التصق بقدمي يريد أن ينهشها. لم أكن متعودا على الكلاب ومزاحهم الثقيل. لذا هممت أن أوجه رفسة إلى هذا الجرو التافه فأطيح به إلى العدو في هضبة متون.

وما أن تهيأت لفعل ذلك، حتى سمعت زمجرة، ولمحت على بعد خطوات قليلة إلى اليمين وفي الظلام كلبة مهولة في حجم أسد كبير تربض في وضع الاستعداد، فقد كانت تلك السيدة هي والدة الأستاذ الجرو العزيز. فاعتدلت في وقفتي وابتسمت بنفاق للجرو اللطيف، وصرت من ليلتها من محبي الكلاب وأنصار حقوق الحيوان.

أطلقت على هذا الجرو المفترس اسم “نصف نعل” وصار ذلك إسماً لمَقَرِّنا الإداري الجديد، نستخدمه للتمويه عند الحديث على المخابرة.

 

 

جيش وردك للحفريات:

حقيقة كانوا جيشاً عظيم الأهمية ـ وقلما انتبه أحد إلى خطورة دور هؤلاء الشباب الفقراء على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.

سبق وأن تحدثنا عن”شركات ” الحفريات التي شكلها شباب من ولاية وردك (غرب كابول). ولما كانت خوست هي ذروة العمل العسكري في أفغانستان، فقد توجه إليها عشرات من الشباب الذين تربطهم وشائج القربى والجيرة، كي يعملوا معا في سلسلة “شركات” لحفر المغارات في جبال خوست.

القصف الهستيري بالطائرات وصواريخ سكود، أقنع المجاهدين تماما أن لا مجال لأي عنتريات، وأن العمل وفق ” الأصول” هو خير سبيل لتجنب الإبادة بل ولتحقيق النصر.

لقد أدركوا بالتجربة الطويلة، والفِطْرَة القتالية المرهفة صحة الحكمة الصينية القائلة:

“عندما تكون قويا انقض من أعلى مثل العُقاب، وعندما تكون ضعيفا احفر عميقًا في باطن الأرض”.

الرئيس نجيب الله “كان ممن قدروا الدور الخطير” لجيش وردك”، فمنحهم لقب “الفئران أولاد الفئران”، متهماً إياهم بإفشال المجهود الجوي لقواته، وبالتالي نجاح المجاهدين في قضم المواقع الحكومية حتى ضاقت الأرض بقواته في خوست.

ثم وعدهم “نجيب” بإجزال العطاء لهم إن هم تركوا خوست وحضروا إلى كابول. كان الوقت قد تأخر كثيرا، فلا أحد يثق في النظام، ولا مدينة خوست قادرة على الصمود أكثر من ذلك، فالهجوم النهائي على وشك أن يبدأ.

قدمنا تسهيلات كبيرة لرجال الحفريات حتى ينجزوا أعمالنا في الجبهة الشرقية بأسرع ما يمكن فقد كنا في سباق محموم مع الوقت. واشترينا لهم كافة مستلزماتهم، ووعدناهم بترك كل ما اشتريناه من معدات هدية لهم بعد إنجاز العمل.

فأنجزوا المطلوب في وقته المحدد، وكانوا سعداء بما قدمناه من أجر وهدايا، فكانوا يعطون أعمالنا أولوية مطلقة.

في مواضعنا القديمة “للمطار90” حفروا لنا مغارة جديدة في موقع الراجمة رقم5 (مركز أبوالأهوال) احتياطا لاحتمال عودتنا إليه، إذا استدعى الأمر، للعمل ضد المطار القديم مرة أخرى. ولكن لحُسْن الحظ أن ذلك لم يحدث أبداً.

ولحسن الحظ أيضا أنه لم تحدث فتنة بين العرب والبدو بسبب تلك المغارة. فقد كان شابا عربيا ـ من القاعدة ـ يتابع عملية الحفر هناك عندما جاء صبي من البدو ليرعى قطيعا من الأغنام فوق هضبة قريبة، وكان يعزف لأغنامة عن مزمار معه.

طلب منه العربي التوقف عن العزف لأنه “حرام”. الصبي لم يفهم ما يريده العربي فواصل العزف. صاحبنا العربي جن جنونه وكاد يطلق النار على البدوي، لولا وصولنا في الوقت المناسب. ولما عرفنا منه المشكلة، نقلناه إلى مكان آخر بعيداً عن المزمار، وحتى لا يتحول مسار الأحداث في خوست من عملية اقتحام لفتح المدينة إلى عملية إطفاء لفتنة عمياء بين العرب وبدو المنطقة.

 

 

حقاني قبل المعركة:

تلقى حقاني كمية من الصدمات القاسية في العام “1990”، قبل أشهر من عمليات الفتح. بعض تلك الضربات كانت على المستوى العائلي الحميم.

بدأت بفقده أخاه أسماعيل، أحد أشقائه الثلاثة، وكان شخصية محورية لحماية منطقة زدران والعمل ضد عاصمة الولاية “جرديز”. فأتاح ذلك فرصة لحقاني نفسه أن يركز عمله في منطقة خوست بدون أن يخشى طعنة خطيرة تأتي من جرديز أو زدران حيث ثقله القَبَلي والبشري.

تلي ذلك وفاة والدته التي كانت عماد الأسرة وملاكها الحارس. بل وكانت كذلك بالنسبة لجميع الاُسَرْ في منطقة المهاجرين التي يعيش فيها حقاني في ميرانشاة. فكانت القوة الروحية المُلهِمَة بالأمل والشجاعة لجميع المجاهدين الذين ينطلقون من ذلك الحي صوب جبهات القتال في شكل جماعي أو منفرد.

كانت المربي والمؤدب لجميع أطفال الأسرة والحي، ولجميع النساء. فهي تحل المشاكل وتضبط التوترات الداخلية، بحزم ورقة الأم العطوف.

كانت خسارة حقاني لشقيقه إسماعيل ووالدته الكبيرة خسارة فادحة حقا. وكانت كذلك بالنسبة للكثير جداً من الأسر والرجال المجاهدين.

لم يلبث إبراهيم ـ الشقيق الثاني لحقاني ـ أن تفاقمت حالته الصحية بعد الوفاة المتتابعة لإسماعيل والأم الكبيرة. فأخذ يتقيأ دما فنقلوه بسرعة إلى المستشفى العسكري في روالبندي.

لم يتبق مع حقاني من قوته العائلية الضاربة سوى شقيقه الأصغر “خليل “.

ولكن الأخ الأصغر يبقى دائما “أخاً أصغر”. ولكن خليل تجاوز جميع التوقعات في معركة خوست ثم في معركة جرديز التي تلتها بعد ذلك بعدة أشهر. لقد كان جيشا كاملا واستحق بجدارة وصفا منحناه إياه حين قلنا متعجبين من أدائه:” لا يفل الحديد إلا خليل”.

هكذا كان خليل بدون أي مبالغة، بل بكل تواضع أيضا. وعندما علم شقيقه “إبراهيم” أن معارك خوست الحاسمة أصبحت على الأبواب قطع علاجه وحضر إلى ساحة المعارك، ليُكَوِّن مع أخيه خليل أعظم ثنائي شهدته معارك خوست، ثم معارك جرديز.

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

التجار يهددون حقاني:

– تجار ميرانشاه بدأوا يشكلون أداة ضغط خطيرة على أعصاب حقاني. فهم الآن لا يتذمرون، بل يهددون. فحصار المدينة ومطاردة عمليات التهريب إليها، يهدد مصالحهم التجارية الهائلة القائمة على تهريب النفط والسلع الغذائية للمدينة المحاصرة. وبدون حياء قالوا لحقاني أنهم استثمروا ثرواتهم كلها في شراء تلك السلع، ومنع التهريب سيؤدي إلى إفلاسهم، وأنهم لن يسكتوا حتى يشاهدوا خراب بيوتهم، بل سيتحركون ضده !!.

– التجار الذين يقرضون حقاني السلع الغذائية والنفط وحتى السيولة النقدية، بدأوا يتذمرون، بل ويهددون ـ إن حدود الائتمان المسموح بها لهذا القائد الكبير قد تجاوزت حد المعقول. وبدأوا يطالبونه بالسداد لأنهم بصراحة بدأوا يشكون في إمكان ذلك بعد انحسار التأييد الحكومي الباكستاني، والعداء الدولي للمجاهدين وللعمل العسكري في أفغانستان.

– المخابرات العسكرية (ISI ) بدأت هي الأخرى عهدا جديدا من العداء المكتوم على مستوى القيادة العليا خاصة رئيسها “دوراني” الذي رفض حقاني استدعاء وجهه إليه.

” الجنرال إمام” الذي رافق المجاهدين معظم الفترة الماضية، تم تغييره بوجوه جديدة ناعمة ومريبة. بعكس “إمام” الخشن الملتحي الذي يقابل المجاهدين بالوجه المتدين الملتزم، ويحتفظ بالوجه الآخر ـ الحقيقي ـ للأمريكان ورؤسائه في روالبندي وإسلام آباد.

معونات الأسلحة والذخائر توقفت فعليا ـ إلا القليل من الذخائر التي تُبْقي على” شعرة معاوية ” سليمة تحسباً لتقلبات الزمان.

– ظروف حقاني القاسية، ربما أغرته بالركون إلى نوع من الأمنيات الخادعة.

فهناك “عميلا ” له في المدينة أوهمه أن المعدات المتوفرة لدى سلطات خوست لا تصلح لإتمام المطار، سوى لطائرات خفيفة جداً مثل الطائرات الرياضية.

وكانت خدعة سيئة أدت إلى إطالة أمد المعركة سته أشهر أخرى. فتأجيل سقوط المدينة من عام”90″ إلي العام”91″.

ـ أمنية أخرى بأن الخط الدفاعي الأول عن المدينة سوف يستسلم بدفع الأموال. فدفع عدة ملايين لكن الخبر تسرب، كما هي العادة دوما، فأحبطت الحكومة المحاولة وتدخل الطيران مع المدفعية ساعة التنفيذ، فقُتِل العديد من الضباط وفر آخرون إلى المجاهدين، وفشلت المحاولة. وكان خط الدفاع المرشح للتسليم هو الخط الجنوبي على امتداد تورغار إلى جهة الشرق. وسوف نرى كيف استولى عليه المجاهدون في معارك الفتح. وكيف أنه كان ركيزة الزحف صوب مركز المدينة.

 

أحزاب بيشاور.. خيانات مستمرة:

– الطعنات القريبة أكثر إيلاما. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي توجه أحزاب بشاور “الجهادية” طعناتها لحقاني، ولعديدين غيره من قيادات الداخل الناجحين.

لم يخبر حقاني أحداً بأنه ينوي اقتحام المدينة، بل أعلن أنه ينوي شن هجمات كبيرة عليها (ولكنه قبل العمليات بحوالي أسبوعين همس لي بأنه ينوي فعلا اقتحام المدينة).

قبل عمليات بهذا الشكل يخوض حقاني بكل صبر وسعة صدر مفاوضات موسعة مع قادة المجموعات حول خوست، تتناول المفاوضات كل ما يتعلق بالمعركة القادمة وطرق التعاون وتحديد المهام وطريقة توزيع الغنائم.. الخ.

كل ذلك يتم بناء على العلاقات الشخصية والقبلية بعيدا عن بشاور وأحزابها.

بعد إتمام كل ذلك أو معظمه شعرت قيادات بشاور “بالمؤامرة” فأرسلوا تهديدات شديدة اللهجة بالطرد والحرمان وكل العقوبات الممكنة ضد كل من يساهم في المعركة القادمة أو يتعاون مع حقاني في أي شيء!!.

انسحب القادة الميدانيون من اتفاقهم الذي أبرموه مع حقاني. وذهب أحدهم إلى بشاور لمراجعة قائده الأعلى هناك (سياف). ولكنه سمع نفس الكلام بلهجة أشد. ومن هناك اتصل مع حقاني تلفونيا معربا عن أسفه وانسحابه من أي اتفاق سبق إبرامه.

كان حقاني في أشد الثورة وقتها. ولكنه بقدرته الفائقة على كبح مشاعره تمالك نفسه، ولم ينْجَر إلى مهاترات أو معارك ثانوية مع أي أحد، وظل محافظا على هدفه الرئيسي ـ فتح خوست. وتلك ميزة أخرى من مزاياه الكبيرة.

الذين انسحبوا من الاتفاق مع حقاني، لم ينسحبوا من مواقعهم، فالذي يحدث عادة بالنسبة للمجموعات التي لا تشارك في المعارك هو اتخاذ موقف “التربص” تمهيدًا للانقضاض على غنائم المعركة.

فإن فاز “المجاهدون” كان “المتربصون” هم الأسبق إلى مواضع الغنائم الدسمة. لأن “المجاهد” يتحرك وفقاً لضرورات المعركة ومتطلباتها التكتيكية أما “المتربص” فعينه دوما على مواضع الغنائم فينقض عليها فوراً. وكانت تلك القاعدة صحيحة طول مدة الجهاد.

وأثناء اشتعال المعارك يتمكن المتربصون من اصطياد أي غنيمة طارئة حتى ولو من إخوانهم المجاهدين، وهذا من التصرفات المعتادة. وإذا فاز المجاهدون أو فازت “الحكومة ” فإن للمتربصين أوراقا يمكن الاعتماد عليها مع كلا الفريقين.

إذن “فالمتربص” فائز على جميع الوجوه، ومنتصر دوما ولكن بلا حرب (على طريقة الرئيس الأمريكي نيكسون).

 

 

عمليات فتح خوست

 

الإثنين أول رمضان 1411 ـ (17 مارس 1991):

في هذا اليوم بدأت عمليات “فتح خوست”. كان يمكن أن يبدأ حقاني العمليات قبل ذلك بعدة أيام بعد أن صار كل شيء جاهزا، ولكنه فضل الاستفادة من الأجواء الروحانية في شهر رمضان، حيث تكون معنويات المجاهدين في أعلى درجاتها.

 

حقاني يفاجئ قواته وقوات العدو معاً:

منذ عدة أشهر والمجاهدون ـ والعدو أيضا ـ يتوقعون هجوما رئيسيا ينطلق من الطرف الغربي لجبل تورغار. واستعد الجميع لذلك استعدادا كبيرا ـ المجاهدون والعدو معاـ حتى إن العدو استدعى قوات خاصة عالية التدريب ومزودة بصواريخ سلكية حديثة، سوفيتية الصنع مضادة للدبابات. وحشد عددا كبيرا من قواذف الصواريخ المضادة للدبابات. هذا إضافة إلى الحشد المدفعي الموجه على هذا المحور تحديدا.

ماليزي مفاجأة معركة الفتح ـ والعدو يحصل على ساعة الصفر قبلها بساعات في ماليزي كان البدو متواجدين منذ عدة أشهر في خطين:

الأول سلسلة جبال على بعد أمتار من الخط الأول الجبلي للعدو.

والثاني خط إسناد خلفي على بعد نصف كيلومتر خلف مجموعة تباب منخفضة لكنها توفر مواضع ممتازة للأفراد والهاونات.

العيب الكبير في ماليزي كلها كان عدم توفر الماء، فكان البدو يرسلون سيارتهم إلى قرية “لاكان” للتزود بالماء من نهر شمل هناك.

الطريق كان طويلا وصعبا عند المطر وخطر أحيانا. قَدَّرْنا وقتها أنه إذا اشتدت العمليات وتعذر تزويد مراكز البدو بالماء فقد ينسحبون من المنطقة فتكون كارثة. فقررنا حفر بئر ماء لهم على نفقتنا. وشرعت إحدى شركات “وردك للحفريات ” في العمل بهمة. ولكن وصل الحفر إلى عشرين مترا ولم يعثروا على الماء وبدأت المعارك، وبسرعة وصل البدو إلى نهر شمل من مناطق قريبة منهم في ماليزي.

كان الشاب البدوي الشجاع (الحاج محمد أفريدي) وقت العصر قد أعلن ساعة الصفر للعدو أثناء حملة من الشتائم والتحديات على جهاز المخابرة، لا يقطعها سوى فاصل من نيران مدفعه “الدوشيكا” أو هاونات العدو ورشاشاته. ومن حسن حظ المجاهدين أن العدوّ لم يلق بالا إلى تهديدات الشاب الشجاع واعتبرها (إحدى حماقاته)، كما كانوا ينظرون إلى شجاعته الخارقة) ويضحكون منها ويسبوه. فطلب منهم البدوي الشجاع ألا يهربوا لأنه قادم لذبحهم في الساعة الرابعة فجرا.

ويبدو أن حقاني قد أخبر تلك المجموعة (مجموعة جولاب) بالاستعداد للهجوم على سلسلة الجبال الموجهة لهم عند الرابعة فجرا. فلم يطق “الحاج أفريدي” صبرا، وأفضى بمكنون صدره إلى جنود العدو وهو يتبادل معهم الشتائم والرصاصات.

 

 

حقاني في جبال ماليزي: التراجع ممنوع

وبالفعل.. في الرابعة من فجر ذلك اليوم تحركت قوة مشتركة من البدو (الكوتشي) من جماعة جولاب، ومجموعة أخرى من كتيبة (غوند) أبو جندل. والهدف كان الاستيلاء على جبال ماليزي.

كان الجو باردا وممطرا، وتم الهجوم بدون تمهيد مدفعي. وفوجئ العدو بالمجاهدين فوق رأسه، ففر الجنود لايلوون على شيء. وبهذه السهولة سقطت جبال ماليزي.

غادر الكوتشي الجبل وتولي رجال أبو جندل حمايتة.

عند الظهر في هجوم صاخب ساندته المدفعية والطيران استعاد جنود الحكومة الجبل في هجوم كاسح، فعصفت بالمجاهدون حالة معنوية سيئة. انتقل حقاني بسرعة إلى ماليزي واجتمع بالمجاهدين وقادة المجموعات وكان حازما في كلامه: { في هذه المعركة غير مسموح بالتراجع عن أي موقع يتم تحريره}. وقال حقاني أنه باق في الخط الأول من ماليزي إلى أن تتم استعادة سلسلة الجبال المفقودة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدد (الحلقة 33)

 

 




إنها أفغانستان أيها الغبي !

مجلة الصمود الإسلامية عدد 183 أبريل 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 183 | رمضان المبارك 1442 ھ – أبريل 2021 م .   

27-04-2021

 

إنها أفغانستان أيها الغبي !

– على أي رئيس لأمريكا ألا يتمادى في الخطأ، حتى لا يدمر بلاده في أطول الحروب خلال تاريخها القصير. إنها ليست الشرق الأوسط.. إنها أفغانستان أيها الغبي.

– تشكيل حكومة مختلطة بين نظام كابول والإمارة الإسلامية، هو مطلب يشمل جميع الشروط اللازمة لإحباط أهداف الجهاد وإعادة أفغانستان إلى وضعية المستعمرة الأمريكية.

– العلاقات الجيدة، والموقع المتوسط بين دول الإقليم، يعتبران الملجأ الأول للإمارة الإسلامية للوقاية من العقوبات الإقتصادية المتوقعة، والتي تمارسها أمريكا على الدول غير الخاضعة لها.

– تعتبر بدخشان هي (المغارة السرية لكنوز أفغانستان) من الأحجار الكريمة والذهب والخامات النادرة، ومنابع نهر جيحون التي تنسج إسرائيل من حولها خيوطاً معقدة من التآمر اليهودي.

– الهزيمة العسكرية أورثت أمريكا ضعفاً سياسياً بين حلفائها، وتراجعاً نسبياً في قدرتها على السيطرة داخل التحالف (خاصة المرتزقة ومراكز القوى المتصارعة داخل نظام كابل، وتَغَوّل النفوذ الإسرائيلي وطغيانه حتى على المصالح الأمريكية نفسها).

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

لم تلجأ الولايات المتحدة إلى التفاوض مع الإمارة الإسلامية إلا بعد أن واجهت هزيمة حتمية في ميدان المعركة، قادتها إلى قرب نقطة الجلاء الشامل عن أفغانستان وسحب جميع قواتها بدون مفاوضات.

وإذا اعتمدنا على الأرقام التي تذيعها أمريكا ـ مع تحفظنا الكامل على صحتها ـ فإن أمريكا بدأت حربها باستخدام مئة الف جندي من قواتها. أما قوات حلف الناتو فإنها بلغت حوالي ثلاثين ألف جندي.

فتكون أمريكا قد بدأت حربها بحوالي 130,000 جندي على أقل تقدير، وهو رقم يقترب من عدد قوات الجيش الأحمر الذي غزى أفغانستان في أواخر ديسمبر 1979. مع الفارق الهائل في مستوى تطور الأسلحة ـ خاصة سلاح الطيران ـ والذخائر التي استخدمها، مثل قنابل اليورانيوم، ذات قوة التدمير غير المعهودة مع التلويث الإشعاعي طويل الأمد. وأنواع لا حصر لها من القنابل والصواريخ، وصولا إلى (أم القنابل) ذات الأحد عشر طنا وهي أكبر قنبلة تقليدية في العالم.

تقول التقارير الأمريكية أن الرئيس أوباما خفض عدد قواته في أفغانستان حتى وصل إلى 8400 جندي بنهاية فترة رئاسته الثانية ـ أوباما كان قد وعد بإخراج قوات بلاده من أفغانستان (بحلول 2014) وكان قد اغتال بن لادن في أول مايو 2011.

ثم أجَّلَ أوباما موعد الانسحاب إلى نهاية 2014. ثم تجاهل أيضا ذلك الموعد، إلى أن تسلم الرئاسة منه ترامب، الذي أحدث تغييراً شاملا في استراتيجية الحرب على أفغانستان لتصبح بالكامل حرب تتولاها شركات (المتعاقدين) أي المرتزقة.

في البداية رفع ترامب عدد قواته في أفغانستان إلى 14000 جندي لتفادي انهيار القوات الأمريكية والحليفة لها. ولكن مع اكتمال التحول إلى نموذج حديث من حروب المرتزقة، لم يجد ضرورة لكل تلك الأعداد من الجيش النظامي، فخفض عدد قوات بلاده حتى وصل به إلى 2500 حسب تصريح الأمريكيين.

كان الجيش الأمريكي وحلفائه في مسيرة محتمة نحو هزيمة عسكرية، وخسارة متزايدة ليس في الأرواح والمعدات فقط، بل أيضاً في تحقيق أهداف العدوان. أي تحويل أفغانستان إلى أكبر مصنع للهيروين وتصديره إلى العالم.

بمجهود شعبي وجهادي انكمش ذلك الهدف تحت أرجل العدوان، وأصبح العائد المتبقى في أيدي الأمريكيين غير مُجْزٍ في مقابل حرب كبيرة بهذا الشكل. ومع ضعف الأمريكيين عسكرياً تدخل عدد كبير من المنافسين والطامعين والأعداء فيما تبقى من غنيمة الأفيون. فأصبحت الحرب (غير اقتصادية) بالنسبة للأمريكيين، ناهيك عن فضائح خسارة الجيش الأمريكي التي بدأت تتسرب إلى العالم، بعد حرب طويلة واستخدام أسلحة هي الأرقى والأخطر في العالم، ولكنها كانت الأكثر فشلاً في إخضاع شعب فقير معظم أفراده يعيشون على الحافة بين الحياة والموت. ويقوده في تلك الحرب الحديثة المعقدة شباب طلاب العلوم الشرعية، الذين ارتقوا في استيعاب فنون الحرب لدرجة جعلت من جيوش أمريكا والناتو يظهرون كجيوش من القتلة الفاشلين.

 

هروب نحو التفاوض

لجأت أمريكا إلى المفاوضات تحت ضغط فشلها العسكري، ومسيرتها المؤكدة نحو هزيمة عسكرية ستكون وبالاً على مكانتها الدولية.

وما كان ينبغي مسايرة الأمريكيين في طريق التفاوض، وكان الأولى مواصلة الضغط العسكري عليهم لإرغامهم على الانسحاب في ظلال الهزيمة العسكرية.

لكن أمريكا نجحت في تكتيل عدد كبير من الوسطاء وأدوات الضغط السياسي والدعائي في الداخل والخارج تدعو إلى التفاوض. وكان هدفها استدراج الإمارة الإسلامية بعيدًا عن ميدان الحرب نحو ميدان لا يجيدون السير فيه. فخبرات المجاهدين الأفغان منذ الغزو السوفيتي كانت محصورة تقريبًا في المجال العسكري، أما الجانب السياسي فكانت تتولاه عادة الدولة المضيفة للأحزاب أو الممولة لهم وتحتضن مجهودهم الدعائي والإعلامي.

ربما لأول مرة خلال قرن من الزمان أو أكثر، تتولى حركة جهادية التفاوض بالأصالة عن نفسها. لهذا كان من الطبيعي أن تحدث أخطاء. ولكن المجاهدين تعلموا الدروس بسرعة أدهشت الأمريكيين الذين ارتَدَّت عليهم الكمائن السياسية التي جهزوها للقضاء على الإمارة الإسلامية، وتبديد ثمار جهادها الناجح في العقدين الأخيرين. أكبر هذه الكمائن كان مؤتمر اسطنبول الأخير الذي رفضت الإمارة الإسلامية حضوره. فسقط الأمريكيون في الكمين الذي جهزوه بأنفسهم للإمارة الإسلامية.

المسافة الفاصلة بين موقف الإمارة الإسلامية من مؤتمر اسطنبول، وبين أهداف الولايات المتحدة من عقد ذلك المؤتمر توضح مدى الكارثة السياسية التي وقعت فيها الولايات المتحدة. يتضح ذلك فيما صرح به الدكتور محمد نعيم وردك المتحدث الرسمي للمكتب السياسي للإمارة مُذَكِّراً بثوابت الموقف السياسي للإمارة، وهي:

1 ـ استقلال البلاد.

2 ـ انسحاب القوات الأجنبية.

3 ـ إقامة نظام إسلامي.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

أما المطالب الأمريكية.. فمحاورها الأساسية هي:

1- تشكيل حكومة مختلطة بين نظام كابول والإمارة الإسلامية. وهو مطلب يشمل جميع الشروط اللازمة لإحباط أهداف الجهاد وإعادة أفغانستان إلى وضعية المستعمرة الأمريكية التي تدار وفقاً للنموذج المشوه الذي تدير به أمريكا دولة العراق، بأقل قدر من قوات الاحتلال، مع تحقيق كامل لجميع أهدافه السياسية والاقتصادية، ومطاردة أي مقاومة مسلحة، مع إشعال الصراعات الداخلية المذهبية والعرقية، وتغيير شامل لثقافة المجتمع وما تبقى فيها من آثار للإسلام، وإحلال الثقافة الغربية مكانها، تحت إدعاءات (الحقوق) ما بين حقوق امرأة ـ وطفل ـ وأقليات ـ وحريات تعبير واعتقاد. وترويج وحماية الفساد كمظلة عامة للمجتمع، أو بالأحرى ديانة جديدة تشمل كافة نواحي الحياة.

واضح أن النموذج الاستعماري في حكم العراق يتعارض بالكامل مع النموذج الإسلامي للإمارة الإسلامية المحدد في مطالب (د.نعيم): أي استقلال البلاد ـ انسحاب القوات الأجنبية ـ وإقامة نظام إسلامي.

2- ثاني الأهداف الأمريكية الكبرى من مؤتمر اسطنبول كان إلغاء مبدأ الانسحاب العسكري. وخروج المؤتمر بسلسلة قرارات أهمها إجبار الإمارة الإسلامية (وحركة طالبان) ولو بقوة السلاح للإنخراط في حكومة مشتركة مع نظام كابول العميل.

وكما تناسى أوباما وعوده بالانسحاب في 2014، يتناسى بايدن تعهد بلاده في اتفاق الدوحة بإنجاز انسحاب كامل لجيوشها من أفغانستان بحلول أول مايو2021.

3- ترغب أمريكا بالإبقاء على تواجد عسكري صغير نسبيًا ومتفوق نوعيًا وتكنولوجيًا، للإشراف على برامجها في أفغانستان ـ خاصة برامج النهب الاقتصادي. وبرامج إخراج الإمارة الإسلامية من دائرة التأثير فى شؤون قارة آسيا، بما يتناسب مع عظمة انتصارها العسكري، كما حُرِمَ المجاهدون سابقًا من الثمار السياسية لانتصارهم على السوفييت. وما يخيف أمريكا أكثر هو التطور الكبير للقوى الأسيوية خاصة الصين وإيران وروسيا، واتجاههم نحو استقلالية وندية في مواجهة أمريكا. وأن الضغوط الأمريكية على أفغانستان سيجعلها تقترب أكثر إلى محيطها الأسيوي وليس إلى تحالفها التقليدي مع أمريكا وأوروبا ودول النفط العربي.

يُقلق أمريكا كثيرًا وجود الإمارة الإسلامية على أحد أهم محاور طريق الحرير، يربط بين الصين وإيران. وموقعها المتوسط كأهم حلقة اتصال في آسيا بين دول الجنوب والشمال الأسيوي وشرق آسيا وغربها، بما يضمن تفوقاً فى الجغرافيا السياسية لأفغانستان، واحتمالات إمتلاكها لقوة عظمى في الاقتصاد والتأثير الثقافي، وإمكانية تشكيل مركز روحي وثقافي تلتف حوله الأقليات المسلمة في دول آسيا الكبرى، التي تحتفظ بعلاقات متوترة أو ملغومة مع مواطنيها المسلمين.

العلاقات الجيدة والموقع المتوسط بين دول الإقليم، يعتبران الملجأ الأول للإمارة الإسلامية للوقاية من العقوبات الاقتصادية المتوقعة، والتي تمارسها أمريكا على الدول غير الخاضعة لها، حتى لو استمرت الضغوط لعشرات السنين. الجغرافيا هنا تلعب دورًا مركزيا. وسياسة الإمارة الخارجية مع دول الإقليم ودول الجوار ستكون العنصر الحاسم لإبطال سلاح الحرب الاقتصادية التي سوف تشنها أمركيا على الإمارة الإسلامية التي تتمسك بجدية الالتزام بمبادئها.

4- التصور الأمريكي لحل مشكلة أفغانستان (وهو حكومة مشتركة) يضمن احتلالها للبلاد بأرخص التكاليف، وبلا مقاومة مسلحة، بل وتخريب مرتكزات الجهاد فتجعله، فكرة غير قابلة للتنفيذ مستقبلا. وقد نجحت في ذلك في الكثير من الدول الإسلامية والعربية. هذه المرة تتصور أمريكا أفغانستان محتلة بنظام فاسد ومجتمع فاقد الهوية، تَرَاجَعْ فيه الإسلام تحت ضغوط شتى من الحرب إلى الدعاية. دولة تدور في الفلك الأمريكي وتسيطر عليها إسرائيل. أي مجرد دولة شرق أوسطية ولكن في وسط آسيا.

5- على رأس المشاريع الاقتصادية / السياسية لأمريكا في أفغانستان يأتي التنظيم الجديد لتجارة المخدرات في ظل ظروف الهزيمة العسكرية وإعادة صياغة الاحتلال العسكري. فإلى جانب تسهيل استخدام ثوري للحشيش في العالم، شرعت منذ فترة داخل قواعدها الجوية في أفغانستان ابتكار مخدرات صناعية (خطيرة أو عالية الخطورة)، وأخرى نصف صناعية، لتعوض خسائرها في السوق الدولي للمخدرات نتيجة لتَزَاحُمْ المنافسين حتى من الحلفاء أنفسهم. الهزيمة العسكرية أورثت أمريكا ضعفاً سياسياً بين حلفائها وتراجع نسبي في قدرتها على السيطرة داخل التحالف (خاصة المرتزقة ومراكز القوى المتصارعة داخل نظام كابل، وتَغَوّل النفوذ الإسرائيلي وطغيانه حتى على المصالح الأمريكية نفسها).

6- ولاية بدخشان تحتل مكاناً في مقدمة الأهداف الاقتصادية والسياسية للاحتلال الذي يخطط له الأمريكيين في أفغانستان. فمن ناحية اقتصادية تعتبر بدخشان هي (المغارة السرية لكنوز أفغانستان) من الأحجار الكريمة والذهب، إلى الخامات النادرة. إلى منابع نهر جيحون الذي تنسج إسرائيل حول منابعه خيوطاً معقدة من التآمر اليهودي.

ومن ناحية الجغرافيا السياسية لبدخشان فإنها مرشحة لتغيرات خطيرة قد تقود الى حروب مدمرة ومزمنة، لأسباب منها تغيير الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان. وبين كل من الهند وباكستان مع ولاية بدخشان. وإغلاق ممر واخان في وجه طريق الحرير المزمع امتداده من الصين عبر أفغانستان صوب إيران وصولا إلى الخليج الفارسي وبحرالعرب.

وحاليا تشهد بدخشان حرباً طاحنة مرشحة للتصاعد وربما التوسع إقليميا أو حتى دوليا. فإسرائيل تُعامِل بدخشان على أنها الحدود الشرقية لإمبراطوريتها اليهودية العالمية التي مركزها القدس الشريف.

حدود بدخشان (الإسرائيلية) لها صفة العالمية، بدعم من القوة العسكرية الأمريكية. فهي تجاور بل (وتهدد!!) الصين، القوة الأولى الوشيكة للعالم. وتلاصق الهند، الدولة الأسيوية الأولى في عدد السكان، والثالثة اقتصادياً، والحليف الأسيوى الأوثق لإسرائيل بفضل الحكم الهندوسي المتطرف في نيودلهي. يزمعون (أمريكا وإسرائيل) اقتطاع جزء من الحدود الجبلية الجليدية بين الصين وكل من الهند وباكستان، وضمها إلى بدخشان. وبذلك ينقطع الاتصال البري بين الصين وهذين البلدين، كجزء من حصار الصين ومنع وصولها إلى مياه بحر العرب عن طريق باكستان.

مهما كانت المخططات الأمريكية (الإسرائيلية) طموحة ومحكمة وشيطانية، إلا أن من وضعوها سوف يسقطون فيها، ويغرقون في أفغانستان. مقبرة الإمبراطوريات الغازية ـ والحصن الأعظم للإسلام.

فما زالت بنادق البريطانيين، التي غنمها الأفغان في حروبهم ضد الحملات البريطانية، موجودة ضمن مقتنيات الكثير من العائلات الأفغانية ـ بل وقاتلوا بها ضد الانقلاب الشيوعي عام 1978.

والأسلحة السوفيتية التي غنمها المجاهدون من الجيش الأحمر كانت هي أساس المقاومة الجهادية التي صفعت وجوه الأمريكيين وحلفائهم عام 2001.

والأسلحة الأمريكية المكتسبة من غنائم الجهاد ضد الحملة الصليبية الأمريكية، هي نفسها التي تحرق تلك الحملة الآن، وتحرق أولا بأول مسيرة الحملة الإسرائيلية لاحتلال أفغانستان(تحت حماية أمريكا وحلف الناتو).

إمارة أفغانستان ليست إحدى إمارات النفط في الشرق الأوسط. وجهادها جهاد حقيقي نابع من إسلام حقيقي، يعتنقه ويدافع عنه بالأرواح رجال حقيقيون، وليسوا أشباه رجال.

على أي رئيس لأمريكا ألا يتمادى في الخطأ حتى لا يدمر بلاده في أطول الحروب خلال تاريخها القصير. إنها ليست الشرق الأوسط.. إنها أفغانستان أيها الغبي.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

إنها أفغانستان أيها الغبي !




جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 32

مجلة الصمود الإسلامية عدد 183 أبريل 2021 م

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 183 | رمضان المبارك 1442 ھ – أبريل 2021 م .   

27-04-2021

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (32)

– استعدنا سيارتنا القديمة المتهالكة من عند حقاني، وتوجهنا فورا إلى مركز أبوالعباس. كان البدو قد احتلوا جميع مغاراته واتخذوها فندقا لهم ولأغنامهم.

– زاد الأمر سوءا استشهاد “أبو الشهيد القطري” الذي كان من أفضل الكوادر العاملين في “مشروع المطار 90” وكنت أتوقع أن يكون من أعمدة المشروع الجديد.

– شاركنا في المشروع “ابن عمر” وهو ضابط سابق في سلاح الدبابات في جيش “اليمن الجنوبي”. وهو من ذلك النوع من الشباب الذين تذكرك رؤيتهم بطاعة الله.

– كان وقتاً عصيباً خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام هي مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتَصَنُّع اللامبالاة وبالضحكات.

– الوحدات التي أرسلها حقاني إلى الجبهة الشرقية، سريعا ما عادت وهي تشكو وتتذمر.

– وَعَدَنا حقاني بوضع 3 دبابات تحت تصرفنا. ولكن ما إن صار الموقع جاهزا حتى بدأ العد العكسي لبدء العمليات، ولم يَعُد لأحد قدرة على سحب دبابة واحدة خارج البرنامج المقرر.

– أخبرني حقاني أن العمليات القادمة ستكون كبيرة وقال إنه يعتمد على “وزير” وجماعته في التصدي للمطار الجديد، ويريد مني أن أرتب العمل كله بنفس الطريقة السابقة.

– تأكدت أن هناك “مؤامرة باكستانية” للإبقاء على المطار الجديد مفتوحًا وإفشال المعركة القادمة، أو جعلها معركة محدودة لا تؤدي إلى فتح المدينة.

– كان البدوي الشاب يهدد جنود العدو بالذبح فيضحكون منه. هذه المرة كان أكثر تحديدًا إذ أخبرهم أنه قادم إليهم في الرابعة من صباح فجر الغد ويطالبهم بالانتظار وعدم الهروب. كان التهديد دقيقًا بدرجة مميتة. لحُسْنِ الحظ أن العدوّ ضحك ولم يأخذ التهديد بجدية، فلربما تغيّر تاريخ أفغانستان المعاصر.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

غادرت إلى بشاور وتركت إدارة المشروع لكوادر القاعدة، أبو تميم وأبو الشهيد، حتى أحاول تحريك جبال بشاور واتخاذ قرار بتصعيد مشاركتهم لمطاردة المطار الجديد، والعمليات البرية الأخرى إن إمكن. بالطبع فشلت في مسعاي ذاك، وانسحبت القاعده تدريجياً من “دزجات ستان”، خاصة بعد استشهاد أبو الشهيد القطري. وأورد هنا تقرير صادر من نقطة الترصد وموجه إلى أبو تميم الذي كان يتولى الإدارة وقتها، وهو بتاريخ 23/9/90 وأورده هنا ملخصاً..

 

تقرير من الترصد

ليلة السبت كان التالي: نزلت حوالي 8 طائرات وكانت الأولتين في المطار القديم، ونجحوا في النزول وتنزيل الحمولة، والصعود كذلك، أما باقي الطائرات فنزلت في المطار الجديد، وكانت الطائرة الثالثة هي التي أصيبت بل قسمت قسمين، ورأينا الدبابة تسحبها في اتجاه مبنى قرب المدرج.

1 – الأمر الأول هو أن المهمة صعبت قليلاً: أ ـ نصف القوة الليلة الماضية لم تشتغل معنا : شاه خان، ومركز رقم 9، ومجبور لم يرمي بسبب وجود حوالي 5 سيارات في مركزه. ب ـ أصبح للعدو مطارين فهو ينتهز الفرص ويغير التكتيك من حين لآخر، مما يصعب المهمه، كذلك انسحاب مركزين مهمين من العمل على المطار القديم (شاه خان ورقم 9).

2 – الأمر الثاني: لاحظنا وبكل تأكيد أن الإنزال يتم بسرعة رهيبة جدًا جدًا لا تتجاوز 8 دقائق على الأكثر بحيث أن الطائرة تنزل وتلف في المطار ثم تفتح الباب السفلي (الخلفي) وترمي بكل حمولتها على مدرج المطار وهي تمشي على المدرج بدون توقف وعند الانتهاء، مباشرة تطير. والذي يؤكد هذا الكلام هو أننا رأينا في نقطة تنزيل المطار الجديد التي على اليمين منذ حوالي 5 أيام البضائع متناثرة في نقطة التنزيل، مما يؤكد أن الطائرة تسير وعملية التفريغ تتم بدون إعاقة، فلو كانت الطائرة تنزل في مكان واحد لرأينا أنها مكدّسة في مكان واحد، لكن الملاحظة خلاف ذلك، كذلك الحمولة في المطار القديم تنزل بسرعة أسرع من المطار الجديد.

3 – الأمر الثالث: عمليات التموين من العدو وعمليات الإرهاق بالنسبة للمجاهدين، وذلك بتحليق أكثر من طائرة من نوع “جاموسة”، تغطية الأصوات بالجِتْ (يقصد الطائرات النفاثه)، وإنارة المطارين القديم والجديد في نفس الوقت والتظاهر بالإنزال في أحد المطارات.

أما الإرهاق فحدث عنه ولا حرج، نرى المجاهدين في بداية الليل يشتغلون بكل نشاط ولكن بعد الساعة الواحدة يكون بعض قطع المدفعية قد توقف عن العمل.

– ثم في آخر التقرير يقدم كاتبه (وهو غير معروف) فكره لتوزيع النيران المتوفرة على مدرج المطارالقديم، يتضح منه وجود ثلاث راجماتBM12  وراجمة واحدة فردية لجماعة أبو الحارث وهي قوة جيدة على أية حال، ولكن مناورات العدو جعلت المعلومات مشوشة، حتى التصنت اللاسلكي لم يكن يستطيع تحديد المطار الذي سوف يستخدمه العدو.

على أية حال لم يستمر العدو طويلاً في تلك المناورات بل توقف عنها سريعًا وأقتصر على استخدام المطار الجديد. حتى أن الكثير من المجاهدين أكدوا أن العدو لم يستخدم إطلاقًا المطار القديم منذ أن توقف عن استخدامه في آخر ليلة عمليات لنا في العاشر من سبتمبر. وأميل إلى تصديق ذلك، وبذلك يكون ترصدنا قد وقع فريسة تمويهات العدو، الذي لم يستخدم سوى مطار واحد فقط هو المطار الجديد منذ يوم الثلاثاء 11/9/90.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

الطريق إلى فتح خوست

كما ذكرت سابقا فإن من عملوا معي في مشروع “المطار90” على قدر إعجابهم بأداء العرب في العملية، ونتائجها على الأرض، إلا أنهم انصرفوا من الجبهة انصرافا جنائزيا كأنهم فشلوا في المعركة وخسروا الحرب كلها.

كان حزنهم كبيرًا لأن المجاهدين الأفغان لم يستفيدوا من إغلاق المطار لمدة شهر وكان المشهور أن ذلك سيؤدي إلى سقوط خوست.

ثانيا – ما شهدوه من تكاسل شبه متعمد وترك العدو يكمل عمله في المطار الجديد بدون أي تدخل ـ تقريباـ من جانب المجاهدين. وقد كان مدفعًا واحدًا أو دبابة واحدة كافية لإيقاف المشروع وتدمير المعدات الصفراء اللون التي تعمل طول النهار ـ وكنا على استعداد للقيام بالعملية لكن أحد لم يزودنا بما هو مطلوب، رغم تفاهته وقتها.

وكما هي العادة اشتدت الحرب النفسية في بشاور على من شاركوا معنا في العملية، بدعوى أن الأفغان غير جادين لا في الجهاد ولا في إقامة دولة إسلامية ـ وكانت تلك هي النغمة السائدة في التوأم السيامي “القاعدة والجهاد المصري” وتبنتاها تنظيمات الشام (سوريا)، ثم تنظيمات الشمال الأفريقي التي غمرت الجميع بالتكفير.

زاد الأمر سوءًا استشهاد “أبوالشهيد القطري” الذي كان من أفضل الكوادر العاملين في “مشروع المطار90” وكنت أتوقع أن يكون من أعمدة المشروع الجديد، وقد استشهد أثناء محاولة تفجير قذيفة هاون تالفة من مخلفات الحرب. وكنا قد احتفظنا بها في مكان مهجور لتفجيرها عندما تسنح الفرصة، وحتى لا يأخذها البدو من جامعي الشظايا، فتؤدي بحياة بعضهم. ولكنها أودت بحياة واحد من أفضل شبابنا وأنبلهم خلقًا وأكثرهم شجاعة.

كان أبو الشهيد قد تولى قيادة مركز أبوالعباس بعد انصرافي، وإلى حين تصفية المركز، بعد أن انتهت العملية التي كان “أبو العباس” قلبها النابض.

أثناء العملية (المطار 90) ورغم خطورتها الاستثنائية، إلا أننا لم نفقد فيها أي شخص لا شهيد ولا جريح، ولكن تصفية المعسكر أفقدتنا أهم كادرعندنا!!

من المفارقات أن “أبوالشهيد” عبر ذات ليلة مظلمة من وسط حقل ألغام في جبل الترصد ووصل إلينا بلا خدش، وبدون أن يدري حقيقة ما قام به. إنها مفارقات الحرب المحزنة.

وهاهو الشاب النبيل يحاول الحفاظ على حياة أطفال البدو من جامعي الشظايا حول معسكرنا ـ من خطر قذيفة هاون صدئة من عيار 82 مليمتر. ولكن القذيفة تصيبه بشظية في جبهته فيلقى ربه بعد دقائق. حقاً.. ما أهون هذه الحياة!

في أول يوم من العام “1991” كنت في ميرانشاه مع ابني الأكبر وليد “20 عاما”، وبسرعة لحقت بي العائلة كاملةـ ماعدا عبد الرحمن الذي كان الوحيد بينهم الذي كان مازال مرتبطاً بالتعليم في مدرسة باكستانية. سكنت أسرتي في نفس منزلنا السابق ـ وأصبح لنا جيران هذه المرة. فالبيت المجاور يسكنه حاليا مولوي “عزيزجان” مدير المدرسة الدينية “منبع الجهاد ” وهو صديق قديم وعزيز، وشخصية جهادية تاريخية. (توفي بالسرطان بعد ذلك بأعوام قليلة).

حاجي إبراهيم ـ زميلي في المجلة وفي العمليات ـ كان سعيدًا للغاية أن نعود مرة أخرى إلى الجبهة في مشروع جديد للمطار الجديد.

أبو الحارث كان جاهزا “لاحتلال” مركز أبوالعباس وإدارته بأفراد من جماعته. استعدنا سيارتنا القديمة المتهالكة من عند حقاني في ميرانشاه، وتوجهنا فورا إلى مركز أبوالعباس. كان البدو قد احتلوا جميع مغاراته واتخذوها فندقا لهم ولأغنامهم.

وافقوا على المغادرة في غضون ساعات ـ فهذه هي حياتهم ـ وكان المركز في حاجة إلى أكثر من يوم لتنظيفه، فقام شباب أبو الحارث بالمهمة خير قيام كعادتهم دومًا في المهام جميعا، سهلة كانت أم صعبة. ومعسكرات القاعدة أمدتنا بالفرش وأدوات الطبخ، ثم بقايا صواريخ “كاتيوشا” من فائض عمليتنا السابقة.

ما لبث “أبوالعباس” أن صار أحد مراكز أبوالحارث، وتولى هو إدارته وكانت بعض إداريات المركز تأتي من مقر جماعتهم الرئيسي في غرب جبل تورغار.

كان الدفاع عن جبل “تورغار الصغير” عملهم الدفاعي الرئيسي في خوست وقتها، وكان ذلك مبعث ارتياح حقاني وباقي المجاهدين. فالجماعة أصحاب قوة وبأس، وشبح بيع الجبل قد انتفى تمامًا، وهو الخطر الماثل بقوة منذ أن باع أحدهم تورغار عام “1984”. وجبل “تورغار الصغير” هو مقدمة الدفاع عن “تورغار الكبير” الذي لا يمكن للقوات الحكومية أن تهاجمه بدون التقدم من الأصغر فالأكبر.

على تورغار الكبير كان لجماعة أبوالحارث تواجد ملحوظ، ويستخدمون من فوقه راجمة صواريخ فردية، يقصفون بها مواقع حكومية متعددة، وقد طوروا قاعدتها فصارت رمايتها أكثر دقة. ومع ذلك لم تقم جماعة أبوالحارث بما كنت أتوقعه منهم بتحويل جبل تورغار إلى بارجة نيران حقيقية.

كنت حزينا لتدهور القيمة التكتيكية لذلك الجبل بعدما انتقل إلى أيدي المجاهدين. كنت أتصور أن دبابة واحدة فوق الجبل ومجهزة هندسيا بشكل مناسب، يمكنها تدمير كافة الأسلحة الرئسية للعدو في خط دفاعه الأول الذي مازال يمثل مشكلة. تلك الدبابة يمكنها أيضا النيل من مراكز العدو الحساسة التي مازالت في العمق.

ضغطت كثيرًا على حقاني وأبو الحارث لتوفير دبابة لهذا الغرض. وشرعنا بالفعل في حفر موقع لها في موضع متحكم فوق تورغار.

شاركنا في المشروع “ابن عمر” وهو ضابط سابق في سلاح الدبابات في جيش “اليمن الجنوبي”. وهو من ذلك النوع من الشباب الذين تذكرك رؤيتهم بطاعة الله.

وافق “ابن عمر” على تجهيز الموقع واستخدامه ضد دبابة العدو (التي حاولت جماعة القاعدة تدميرها). ومن الموقع الذي كنا نجهزه قال ابن عمر إنه يستطيع تدمير دبابة العدو من الطلقة الأولى أوالثانية على الأكثر.

وكنا نطالع دبابة العدو من موقع تورغار المرتفع. ونحن نجهز بالمتفجرات موقع دبابتنا الموعودة، وكان حقاني قد وافق على المشروع وقال إنه سيزودنا بها بعد تجهيز الموقع (وَعَدَنا في الحقيقة بوضع 3 دبابات تحت تصرفنا)، ولكن ما أن صار الموقع جاهزا حتى بدأ العد العكسي لبدء العمليات، وعندها لم يكن لأحد قدرة على سحب دبابة واحدة خارج البرنامج المقرر. وكانت الدبابات تابعة كلها لكتيبة “العمري” التي يديرها أشقاء حقاني إبراهيم ثم خليل (الذي يرفض دومًا تزويدنا بإبرة خياطة وليس دبابة).

عندما انتقلنا إلى “الجبهة الشرقية” جاء معنا ابن عمر وقضيت معه أياما نتفحص الجبال والسهول شبرًا شبرًا. لتحديد ملامح استخدام محتمل للدبابات من جانبنا ضد العدو، وكانت اكتشافاتنا مذهلة.

وصاحبنا “ابن عمر” كان ذو خبرة وخيال خصب في استخدام سلاحه التخصصي. تحمسنا كثيرًا لأفكارنا الجديدة، سواء ما هو ضد المطار الجديد أو ماهو ضد مواقع العدو في سهل خوست المواجه لنا، أو مرابض مدفعية العدو خلف مطاره الجديد، أو مخازن أسلحته السرية التي اكتشفناها مؤخرًا، ولا يعلم أحد عنها شيئا، حيث أنها ظهرت فقط من منطقتنا الجديدة بعد صبر وجهد في المتابعة.

 

طريق بين الألغام

جنوب جبل تورغار ساحة واسعة جدًا مليئة بالأعشاب والأشجار البرية. كانت كثيفة النباتات بشكل ملفت للنظر، ربما لأن أحدًا لا يجرؤ على استخدام تلك المنطقة المحرمة، التي زاد من وحشيَّتِها كثافة الألغام التي بثها العدو بشكل مدروس ومنظم أحيانًا، وبشكل عشوائي أحيانًا أخرى.

كانت أشبه بمناطق “السافانا” الأفريقية، ولكن بدل من الحيوانات المفترسة، يوجد هنا الألغام الحقيرة القاتلة التي تهون إلى جانبها أي ضواري أفريقية.

القاعدة هنا: كل شيء ملغوم، خاصة الأشياء الجميلة التي تجذب النظر، أو الجاذبة لاهتمام شخص يجوب المنطقة، مثل شجرة ظليلة أو بركة ماء صغيرة، أو مدق ترابي قديم.

كان يجب اختراق تلك المنطقة وشق طريق خلالها حتى نحقق اتصالا بين مركز أبو الحارث ومركز أبوالعباس، وبالتالي يتحقق اتصال ذو قيمة تكتيكية كبيرة بين (بوري خيل) ومناطق حيوية شرقا وشمالا مثل دروازجي ولاكان ومناطق جنوبيه مثل (توده شني). إذن تكتمل شبكة حيوية بطرق هي الأقصر والأكثر أمنا في المنطقة.

تحدثت مع أبو الحارث في الفكرة، فاستوعبها وتحمس لها، وشرعنا في إجراءات التنفيذ. كان علينا أن نطارد -وبصبر- ذلك التراكتور الوحيد الذي يخدم المنطقة بأسرها، وهو مزود بسكين خاص لتسوية التربة، وهو ما نحتاج إليه لتمهيد الطريق. وأخيرًا حجزنا دورنا لاستلام التراكتور في يوم محدد.

وكان علينا أن نستكشف الطريق الذي سيسلكه قبل أن يحضر إلينا، فهو ليس كاسحة ألغام، وليس مهندس طرق. لابد أن نحدد له الطريق المطلوب، والأهم أن نطمئنه أنه خال من الألغام.

كان المشاة القادمون إلينا من مركز أبوالحارث وما جاوره يسيرون على الحافة الصخرية للجبال، متحاشين منطقة “السافانا”.

لا أحد يعرف شيئا عن طريقة توزيع الألغام في “السافانا”. نحن إذن أمام خيار واحد لا غير وهو أن نسير في المنطقة بأنفسنا، نختار الطريق المفترض و”نضمن” خلوه من الألغام!!

سرت مع أبو الحارث في منطقة “السافانا” عدة مئات من الأمتار، نسبر الأرض بأعيننا، وأحيانا بقطعة من خشب، كان وقتا عصيبًا خاصة وأن كل التكنولوجيا التي نمتلكها لاكتشاف الألغام كانت مجرد قطعتين من الخشب. كتمنا مشاعر التوتر بتصنع اللامبالاة وبالضحكات أحيانًا، حتى وصلنا إلى مدق للمشاة كان يستخدمه مجاهدو المنطقة. فحمدنا الله بأننا قد أنجزنا أهم فقرة في إعداد الطريق.

ولم نلبث أن أحضرنا التراكتور، ومجموعة من شباب مركز أبو الحارث لمساندته في تلك المهمة التاريخية، ولردم بعض الخنادق العميقة التي حفرتها الأمطار والسيول..وأخيرًا صار لدينا طريقًا عسكريًا جديدًا وانقلابيًا.

أول القيادات العسكرية مرورًا في الطريق كان مولوي “نظام الدين” نائب حقاني، الذي جاءنا متهلل الوجه يبارك لنا ذلك الطريق ويقول بأنه “مفيد جدا للمجاهدين”. ولكن لا هو ولانحن أدركنا ـ حتى تلك اللحظة ـ أنه سيكون مفيدًا إلى هذا الحد بتحويل محور الهجوم الرئيسي من بوري خيل (غرب تورغار) إلى ماليزي (شرق تورغار).

 

الطريق الطويل إلى خرمتو

بعد أسبوع أو أكثر من انتقالنا إلى “أبو العباس” تبين أن أموراً كثيرة قد تبدلت وأن عودة العمل ضد المطار القديم بالصورة السابقة أضحى مستحيلًا. وليس أمامنا سوى العمل على مطار واحد هو المطار الجديد. وحتى هذا ظَهَرَ أنه أمر صعب جدا ومحفوف بالمخاطر. فجميع الوحدات التي أرسلها حقاني إلى الجبهة الشرقية، سريعًا ما عادت وهي تشكو وتتذمر.

ذهب جولاب ومجموعته من البدو وسريعا ما رجعوا من هناك، وتلك هي أفضل مجموعة قتالية في خوست، وربما في كل أفغانستان. وقَبْلَهُ ذهب مجبور ـ من كتيبة (غوند) أبوجندل ـ ومعه مدفعي هاون غرناي ثم رجع. وتلاه إبراهيم شقيق حقاني ـ قائد “غوند” العمري ـ ومعه مدفعي هاون غرناي ثم رجع. لم يبق سوانا!!. ومن نحن؟؟

من قدماء مشروع “المطار90 ” كان معي حاجي إبراهيم الأفغاني، وأبو تميم الذي هو معنا بشكل مضطرب في انتظار بدء أي عملية أرضية حتى ينضم إليها. أي أنه ليس معنا في حقيقة الأمر.

ثم أبو الحارث الذي أصبح ضيف شرف في مجموعته الذي أسسها وتبتعد عنه واقعيا، ومن أجل صداقتنا يستنزف كل رصيده الأدبي في المجموعة كي يستخلص لنا بعض أفرادها، وحتى هؤلاء غير مضموني البقاء في المشروع إذا بدأت أي عمليات أرضية، فمن يمكنه كبح جماحهم حتى يستمروا في عمية مدفعية، أو في الأغلب مجرد عمليات إمداد لمواقع مدفعية!!

ما حول “أبو العباس” أصبح خاليا. منطقة “دزجات ستان” أضحت منطقة أشباح. الجميع رحلوا بعدما رحل المطار القديم. كابوس يجثم على صدري: ماذا لو عاد العدو لاستخدام المطار القديم فجأة؟؟ يمكنه المناورة بحرية بين المطارين، وهذا أفضل له، وأصعب علينا.

نحن في حاجة إلى شهرين حتى نعيد بناء قوة نيران معقولة للعمل ضد المطار القديم. أما لبناء قوة نيران تعمل في وقت واحد ضد المطارين فنحتاج إلى معجزة مستحيلة التحقيق، فأيدينا خالية بكل معنى الكلمة، ولا نملك سوى مجرد تصورات!!

كنت أتابع مع حقاني تطورات الموقف العام وتطورات مشروعنا والمشاكل الكثيرة التي تعترضه. فطلب مني مقابلة “وزير” قائد مجموعة البدو التابعين لحزب “السيد أحمد جيلاني” وكان لنا علاقة قديمة معه منذ عام 1988 ولكنها انقطعت بعد استشهاد صديقي عبد الرحمن.

أخبرني حقاني أن حكومة باكستان تزود “وزير” بالصواريخ حتى يعمل ضد المطار الجديد. أثار ذلك ارتيابي وزاد من فضولي في مقابلة وزير والحديث معه.

لم أصارح حقاني بشكوكي، فكنت أعرف أنه يرفض معظمها، وإن كانت علاقته مع الباكستانين قد توترت بشكل متصاعد منذ مصرع ضياء الحق وعزل “حميد جول” قائد الاستخبارات. وكنت أعلم أن علاقته مع مدير الاستخبارات الجديد “أسد دوراني” متوترة بشكل خاص. فقد “استدعاه” دوراني بشكل غير لائق فرفض حقاني الذهاب إليه قائلا لزبانية الاستدعاء: “إن كان دوراني يريدني فليأت هو إلي مقابلتي بعد تحديد موعد مسبق”. مرت الأزمة ولكن ظل الجمر متقداً تحت الرماد.

أخبرني حقاني أن العمليات القادمة ستكون كبيرة ـ ولكنه لم يحدد الهدف منها ـ وقال أنه يعتمد على “وزير” وجماعته في التصدي للمطار الجديد، ويريد مني أن أرتب العمل كله بنفس الطريقة السابقة في” المطارالقديم”.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

صواريخ.. ثمن الخيانة

بعد رحلة ممتعة عبر منطقة “خارصين” التي كانت اكتشافًا جديدًا بالنسبة لي، وصلنا في سيارتنا القديمة إلى مركز القائد “وزير” قبل المغرب بقليل.

وكان معي “حاجي إبراهيم” و”أبو تميم”. وجدنا المركز يعج بالنشاط، وعشرات من البدو الأصحاء ينقلون أكداسًا كبيرة من صواريخ الكاتيوشا الجديدة داخل صناديقها الخشبية.

كانت المعنويات مرتفعة للغاية، خاصة “الكومندان وزير” الذي قابلنا بابتسامة عريضة وترحاب واضح وانشراح كبير، وكل ذلك ليس من عادة البدو غالبًا، إلا في المناسبات الخاصة.

“وزير” أخبرنا بصراحة تلقائية وبدون أن نسأل، بأن تلك الصواريخ الجديدة زودته بها حكومة باكستان كي يعمل بها ضد المطار الجديد. سلمناه رسالة خطية من حقاني، وفيها أننا مكلفون بالعمل ضد “المطار الجديد” ويرجوه التعاون والتنسيق معنا نظرًا لسابقتنا الناجحة في “المطار القديم”.

قرأ “وزير” الرسالة وأعاد الترحيب بنا وسألنا عما نريد أن نفعله. فشرحنا له النقاط الرئيسية في العمل ضد المطار بشكل مركز على هيئة نقاط.

وكلما أوضحنا نقطة، رد علينا بحماس وبابتسامة عريضة بأن هذا بالضبط ما قرر فعله وأتفق عليه مع “حقاني”. شعرنا أن الرجل سحب البساط كله من تحت أقدامنا، فهو يعرف كل ما نعرفه ويمتلك من الوسائل مالا نحلم بامتلاك جزء يسير منه.

ليس لدينا شيء سوي حفنة من الصواريخ، وأفراد ثابتون أقل من أصابع اليد الواحدة. فسألت إبراهيم وتميم إذا كان أحدهم يود أن يضيف شيئا قبل أن ننصرف، فقالا بأن لا شيء لديهم. فاستأذنا وانصرفنا.

بعد فترة من الصمت ونحن سائرون في المجاهل صوب “توده شني” قلت لزميلاي، أنه ليس من المهم أن نشارك نحن في العملية مادام هناك من يمكنه القيام بها. وافقاني على مضض، فكلاهما يشعر أن هناك شيئا ما غير صحيح. أما أنا فكنت على ثقة في أعماقي نفسي أن الذخائر الضخمة التي شاهدناها وتلك التي في المخازن ولم نشاهدها، هي (ثمن الخيانة) أي ثمن ألا يشارك وزير في ضرب المطار. بينما يعتمد المجاهدون في خطتهم على “وزير” في إغلاق المطار، يكون وزير انسحب من المعركة تاركا “المطار” كي يستجلب من كابول كل مستلزمات النصر في المعركة القادمة.

اجتمعنا مع حقاني مرة أخرى وأخبرناه عن “النتائج الوردية” لمقابلتنا مع وزير ولكنه نفى أن يكون قد اتفق معه على تفاصيل العمل التي ذكرناها!! فتأكد لدي أن هناك “مؤامرة باكستانية” للإبقاء على المطار الجديد مفتوحًا وإفشال المعركة القادمة، أو على الأقل جعلها معركة محدودة لا تؤدي إلى فتح المدينة.

زاد حماسي للمشروع، ونجحت في نقل جزء من ذلك الحماس إلى صديقي “أبوحفص” في القاعدة، فانبسطت أيديهم معنا ـ قليلا ـ ووصلنا عدد من الأشخاص وكمية من الصواريخ، فتحسن وضعنا نسبياً، وأصبحت على ثقة من أننا في معركة المطار الجديد لسنا منفردين. ولكن أكثر تخوفنا وحذرنا من أننا قد نتلقى ضربة مباشرة إلى أشخاصنا داخل الجبهة أو خارجها ـ خاصة في ميرانشاه. وأثبتت الأحداث صحة تلك التخوفات.

 

 

بطولات البدوي الشجاع

في منطقة ماليزي، كان البدو من جماعة جولاب يشغلون الخط الأول الذي كان على مسافة قريبة جدًا من جبال الخط الأول للعدو. وكانت الاشتباكات متقطعة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والهاونات.

كان مكانًا خطرًا. وصديقنا القديم “الحاج محمد أفريدي” الذي تعرفنا عليه في عمليتنا السابقة “المطار القديم ” كان نجمًا ساطعًا في الخط الأول.

ونجح في تثبيت مدفعه “الدوشكا” وإلى جانبه العلم الأبيض وخاض جولات مشهودة ضد العدو، اختلطت فيها صليات الرشاشات مع صليات الشتائم المهينة التي يصبها جنود العدو غير المهذبين على بطلنا الشاب الذي كان يتهددهم بالذبح مثل النعاج في القريب العاجل.

خلف جبل الخط الأول ساحة واسعة يخترقها مجرى سيل جاف وعميق اتخذه البدو”مقرا إداريا” حفروا فيه مغارات للراحة والنوم والمخازن. وعلى حافته وضعوا راجمة صواريخ بجوارها حفر عديدة للذخائر والطعام.

كتب حقاني رسالة إلى جولاب كي يسلمنا الراجمة، وأن يسمح لطاقم من عندنا باستخدامها من نفس موقعها ضد المطار الجديد. وافق البدو بترحاب، خاصة وأننا أوضحنا لهم أننا سنستخدم الراجمة ليلا فقط ضد المطار، أما أثناء النهار فيمكنهم استخدامها إذا احتاجوا إليها في عملياتهم، بشرط أن لا يستخدموا شيئا من ذخائرنا، فوافقوا بروح رياضية.

لم نكن نعلم وقتها -وربما أن حقاني لم يكن قد قرر بعد- أن تبدأ حملة تحرير خوست من ذلك المكان الذي يشغله البدو، وعلى أيديهم.

عندما قرر حقاني وتحددت ساعة الصفر للهجوم على جبال العدو وخط دفاعه الأول في ماليزي، كان الأمر غاية السرية ولم يعلم به سوى أفراد قلائل. فقط في اليوم السابق للعملية كان رجال البدو في ماليزي قد علموا بتفاصيل ماهو مطلوب.

العدو كان على أتم الاستعداد، ولكن جهة الغرب من تورغار، أما ماليزي وغيرها فكانت في إطمئنان تام. هذا لولا ملاسنة بالشتائم والرشاشات خاضها العدو ضد الشاب “الحاج محمد أفريدي ” ويبدو أن عناصر العدو كانوا يستمتعون بذلك الروتين القتالي مع الشاب البدوي المتحمس لدرجة الجنون. فكانوا يشتمونه على جهاز المخابرة ويصفونه “بالبدوي الأحمق”.

كالعادة كان البدوي يهددهم بالذبح في القريب العاجل، فيضحكون منه. ولكنه هذه المرة كان أكثر تحديدًا، فبعد السباب التقليدي أخبرهم البدوي الفصيح أنه قادم إليهم في الرابعة من صباح فجر الغد، ويطالبهم بالانتظار وعدم الهروب.

ضحك ضباط العدوّ وأغرقوا في الضحك، ولكنهم ندموا كثيرًا في صباح الغد، فقد كان التهديد دقيقًا بدرجة مميتة. ولحسن حظ المجاهدين أن العدو لم يأخذ ذلك التهديد مأخذ الجد فلربما تغير تاريخ أفغانستان المعاصر.

تحميل مجلة الصمود عدد 183 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (32)

 




12 سؤال من كابل ( الجزء السادس و الاخير )

12 سؤال من كابل ( الجزء السادس و الاخير )

12 سؤال من كابل 

( الجزء السادس و الاخير )

حدود الحرية الشخصية .. وحدود السيادة الوطنية .

 

 

السؤال ـ 6

تكلمت عن إنحرافات آل سعود وآل زايد وكل أنواع(الآلات) ونشاطهم ضد الأمة والمسلمين وتدخلهم التخريبى فى كل المنطقة، خاصة فى قضية مكة والمدينة والمقدسات ومساعيهم المطلقة لتخريب الدين فى السعودية والدول الإسلامية .الخلاصة أنهم يدمرون الجميع ويدمرون أنفسهم.

بالطبع يجب الوقوف أمامهم وهو حق لأى شعب مقاوم . لكن ما يريدونه لأنفسهم فهذا عائد لهم . من النخبة من يقول : نفرض أن قطر أكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط، فلماذا نغضب طالما هم وكبراؤهم راضين . وكذلك السعودية والكويت؟؟ .

السعودية من الناحية الدينية والثقافية تريد أن تكون مثل الغرب، وهذا إختيارهم، وطالما لا يتدخلون فى أمورنا فهم أحرار مع شعوبهم .

كل الدول الخليجية راضين من التقارب الإسرائيلى الخليجى . لماذا نريد إجبارهم على تنفيذ “أدبيات” هم لا يريدونها ( يقصد هنا الدين) . بعض النخبة عندنا يقولون أن هذا نوع من أنواع التدخل.

 

إجابة السؤال السادس

تلك النخبة التى تذكرها تمثل الثقافة الغربية . وتمثل طبقة متحالفة مع الإحتلال . وهى تود أن يتغاضى عنها المسلمون لأنها إرتضت بالإحتلال وبالتفريط فى الأرض، وقبلت بالوصول إلى السلطة على ظهر دبابات (وطائرات) المحتلين. وجميع الشعوب لا تتسامح مع الخونة { فأغلبية البشر لايقبلون أن تكون الخيانة مجرد وجهة نظر} ، ولا أحد يتهاون مع لصوص المال العام والمفرطين فى ثروات الوطن لصالح شركات أجنبية.

حتى الغرب الليبرالى لم تسمح له الديموقراطية المزعومة أن يقبل من تعاونوا مع الإحتلال النازى لأوروبا . بل قتلوهم وسجنوهم ولم يسمحوا لهم بالمشاركة فى الحياة السياسية أو تشكيل أحزاب أو مجرد الحديث فى وسائل الإعلام .وحتى النساء الخائنات الساقطات كان لهم عقوبات تراوحت من الإعدام إلى قص الشعر أمام الجمهور الساخط ..

أما فى بلادنا فإن الغرب يحترم من خانونا طالما خدموا مصالحه السياسية ومصالح شركاته الناهبة للثروات . بإختصار إتفق عقلاء العالم على أن الخيانة ليست وجهة نظر، بل الخيانة هى الخيانة .. وليست حرية شخصية ولا نشاطاً ديموقراطياً ليبرالياً.

ومثل ذلك أو أشد هو التلاعب بالدين . دخولا وخروجاً . وكأنه باب دوار مستباح لأى عابث. حسب أحكام الشريعة فلا إكراه فى قبول الدين، ولكن الإرتداد عن الدين عقوبته الموت . وذلك حكم لأى مسلم ، وليس السعوديون إستثناءً. فإعلان ردة العديد منهم والتحاقه بديانة الترفيه والدعارة وخدمة اليهود ليس حقاً مكتسبا لهم، بل جريمة سوف يحاسبون عليها فى الدنيا ـ إذا سنحت الفرصة والقدرة للمسلمين ـ أو يعاقبون عليها فى الآخرة إذا لم يتوبوا عنها .

ليس من حق أى حاكم فى أى بلد إسلامى أن يعلن {تحت إدعاء السيادة الوطنية} إرتداده عن الإسلام، أو أن يفتح بلاده لأعداء الأمة والدين، المعتدين على شعوب إسلامية.

ليس ذلك من حق الحاكم ـ ولا حق الشعب (مع العلم أن لا رأى للشعوب العربية والإسلامية فى أى شئ . فالسلطة للحاكم وقوات الكافرين القادمة لدعمه من الخارج ) .

و بالنسبة لدول الديموقراطية والليبرالية التى صدرت لنا مثل هذا الهراء الذى ملأ عقول بعض (الصفوة)، هل رضيت بالنظام الشيوعى فى دول أوروبا الشرقية؟. أو رضيت ببقاء النازية كحكم أو حتى كأيدلوجيه فى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية؟ ، أو قبلت بالفاشية فى أيطاليا؟ . فلماذا على المسلمين القبول بآل سعود ، وآل كرزاى !! .

و الدول التى بها مقدسات إسلامية لا يجوز أن تتصرف بها كما تشاء خارج حدود الشرع . والحاكم الذى يتصرف على هذه الشاكله ينبغى أن يخلعه شعبه مستعينا بما يكفى من قوة المسلمين عموما. فالمشاعر المقدسة ليست ملكية عائلية أو لمجموعة قبائل تدعى أنها شعب ، بل هى ملكية عامة لجميع المسلمين . ولا يشملها إطلاقا مفهوم السيادة الوطنية .

وعموما فإن بلاد المسلمين تعتبر ملكية عامة لجميع المسلمين ، ولا يجوز للمقيمين فيها التنازل عنها أو بيعها أو إباحتها لغير المسلمين .

لهذا فالدفاع عن جميع أراضى المسلمين هو فرض عين على جميع المسلمين، إذ لم يكن أهل البلد أو البلاد المجاوره له قادرين على المحافظة عليها والدفاع عنها .

تاريخيا شارك الكثير من قبائل المسلمين من خارج بلاد العرب فى إستعادة القدس من الصليبين ـ أكثر من مرة ـ خاصة الأكراد والترك، ومجاهدى اليمن والمغرب العربى ومسلمي “خوارزم” من بلاد ما وراء النهر فى وسط آسيا. ويبدو أن الأوان قد أزف لمشاركتهم الجميع مرة أخرى لتحرير القدس، ومكة والمدينة ـ حيث إنقرض العرب الأصلاء ـ وبقي قوم يدعون أنهم عرب، لكن لا ندرى من أى طين بِرَكِ الأرض جاءوا.

ـ الإنحراف الموجود حاليا ـ باسم السيادة الوطنية ـ وإستخدامه فى التفريط فى المقدسات وفى أراضى المسلمين وثرواتهم الطبيعية هو إنحراف غير مقبول شرعاً وينبغى تصحيحه ولو بالقوة ـ وذلك واجب على جميع المسلمين ـ عندما يرجعون إلى دين الله أفواجاً .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

12 سؤال من كابل ( الجزء السادس و الاخير )

 




12 سؤال من كابل (الجزء الخامس)

12 سؤال من كابل (الجزء الخامس)

12 سؤال من كابل 

( الجزء الخامس)

فلسفة حروب المرتزقة .. وتناقضات بن زايد .

 

 

السؤال ـ 5

أول شرارة جذبتنى لحرب المرتزقة كان من موضوعك على الموقع . قلت عن شركات المرتزقة بأيدى الإمارات بمقالة طويلة جعلتنى أبحث أكثر عن شركات المرتزقة ودورهم فى أفغانستان. وفهمت أنها تجارة قديمة ولكن لأول مرة تكون منظمة وتدار فى دولة عربية مثل الإمارات . محمد بن زايد بذكاء فائق وبهذه الطريقة جعل نفسه شخصاً مهماً فى الحروب المعاصرة ، وإسمه مطروح بأهمية كبيرة جداً .

وأتعجب من تدخله فى أمور كثيرة أكبر من منطقته، ومن عدد سكان بلاده. وهذا يحتاج إلى طاقة وجرأة كبيرة جدا . وخاصة بعد الحصول على “عقود عمل” للمرتزقة فى أفغانستان واليمن .

لكن مالا أفهمه لماذا بن زايد أقحم نفسه ونظامه فى ألعاب قذرة كهذه . وهى ألعاب هو لا يساوى فيها شيئا ومن السهل إستبداله . وقد فعل الغرب ذلك مراراً .

هل إستطاع أن يزن الخسارة والربح فى هذا الميدان؟ . لم توضح كيف لهذا الشخص أن يقبل هذه المخاطرة مهما كانت كمية الأرباح . خاصة وأن الإمارات كانت معروفة بأنها دولة مسالمة بعكس الآن باتت معروفة بأنها دولة حرب .

 

إجابة السؤال الخامس

موضوع شركات المرتزقة ، وقبل أن يكون متعلقاً بالربح والخسارة ، فهو مرتبط بإستراتيجية دولية للقوة الأولى فى العالم(أمريكا) . وللمسألة جوانب فلسفية عميقة تتعلق بنظرة الغرب المتطور إلى الحياة ودور الإنسان فها .

فالإنسان الغربى عموما لا يقبل فكرة الموت ، وغير مُقبل على الحروب سوى تلك المضمونة، حيث الخصم لا يمتلك فرصة معقولة للدفاع عن النفس . يشعرون فى الغرب أنهم وصلوا إلى قمة الحضارة ، ويريدون البقاء فوق تلك القمة ، وأن يدفع باقى البشر تكلفة ذلك ، بما فيها تكاليف حماية النهب الإستعمارى . ويتفرغ الإنسان الغربى للتمتع بثمار الحضارة ورفاهيتها . وينشغل بالإنتاج الفكرى والفنى وتطوير تكنولوجيا راقية تمكنه من السيطرة والإدارة ، بإستخدم عقلة ومهاراته ، تاركا الأعمال الشاقة لباقى البشر المتخلفين بما فى ذلك النشاط القتالى . من هنا نشأت فكرة شركات المرتزقة ـ وخصخصة الحرب ـ كنشاط إقتصادى يقف الإنسان الغربى فوق قمته وفى يده التكنولوجيا والإدارة، وأبعد ما يمكن عن إحتمالات الموت.

وفرز الغرب لجيوش بلاده أكثر الأفراد هامشية من الطبقات الدنيا فى المجتمع أو الوافدين الجدد الباحثين عن إقامة أو فرصة عمل .

–  مهمة شركات المرتزقة هو وضع ذلك المفهوم الجديد للحرب ـ المفهوم الفلسفى والطبقى ـ فى إطار رأسمالى منظم، فكانت شركات المرتزقة التى تجمع سقط المتاع من البشر المستعدين لإحتراف القتل مقابل المال . وهم من مجتمعات فقيرة جاهلة إلى درجة لا تقبل أن تتعايش مع اى نوع من القيم الدينية أو الإنسانية التى تعارف عليها البشر.

 

أما إختيار أبوظبى كمستقر لأهم تلك الشركات فى العالم فيرجع إلى أسباب عديدة منها :

ـ لتكون الشركة بعيدة عن الأراضى الأمريكية، فلا تكون مطالبة بدفع ضرائب أو تقديم سجلات رسمية لأعمالها . ولن تكون مسئولة أمام القضاء الأمريكى بسبب أى تجاوزات جنائية أو جرائم حرب . وستكون بعيدة عن متطفلى الإعلام . ولتكون فى قلب منطقة الأزمات التى تحتاج إلى خدمات المرتزقة . وهى منطقة الخليج واليمن ـ والمنطقة العربية ـ وأفغانستان وشرق أفريقيا.

وهى مناطق غنيه بالحروب ـ أى بالتعاقدات القتالية المجزية . وسيكون على رأس أولويات تلك الشركات حماية أنظمة المشيخات وحماية المنشآت النفطية ، والمساهمة فى زيادة قمع شعوب هى مقموعة فى الأساس.

– ليس ذلك من إختيار أبوظبى ، فتلك الكيانات الخليجية/ والعربية عموما/ ليس لها وجود حقيقى ، فالقرارت تأتى من المستعمر الغربى ـ والآن من المستعمر الإسرائيلى الذى أستلم زمام قيادة الشرق الأوسط نيابة عن الولايات المتحدة ودول الإستعمار الأوروبى القديم .

الإحتياجات الإسرائيلة تقتضى وجود مركز رئيسى لشركات المرتزقة فى تلك المنطقة لتلبية مطالب الحروب فيها (سوريا ـ عراق ـ يمن ـ ليبيا ـ أفغانستان ) ولإسرائيل تواجد كبير فى كل تلك الجبهات ، ومعظم الحروب فيها تديرها إسرائيل عبر شركاتها للمرتزقة . وتدير بها مجالا واسعا لغسيل الأموال ونقل وتوزيع المخدرات ، وطرح أنواع مبتكرة  من المخدرات الصناعية.

ومشيخات الخليج سوق واسع لشركات الأمن الإسرائيلية، لتقديم الحماية للقصور الملكية ومنشآت النفط والمطارات والموانئ .. والأماكن المقدسة فى مكة والمدينة المنورة !!! .

 

تسأل عن مكاسب أبوظبى من الدخول فى ذلك المجال الخطر:

أولا / المكاسب المالية مضمونة ليس فقط من التعاقد المباشر، بل من المكاسب غير المباشرة التى ربما لا تُذْكَر فى التعاقد . مثل نصيب فى تجارة الهيروين وتوزيعه دوليا.

إلى جانب نشاط غسيل أموال المخدرات . وهو نشاط مربح أكثر من تجارة الهيروين نفسها . حتى أن الإزدهار المعمارى والتجارى / خاصة فى إمارة دبى/ يعود إلى نشاط غسيل أموال الهيروين الأفغانى . وبشكل عام إستفادت باقى المشيخات من نشاط غسيل الأموال . أما المقر الأساسى لغسيل الأموال فهو إسرائيل وربما هى الأكبر فى العالم . تليها الولايات المتحدة وبريطانيا ..  ثم آخرون .

– إن إختيار أبوظبى كمقر لشركات المرتزقة ، ومركزاً لغسيل الأموال ، إلى جانب نشاطات آخرى كثيرة إستخبارية ودعائية وثقافية ، فإن ذلك تكليفاً وليس إختياراً .

فالبقاء على كرسى الحكم له ثمن ، وتلك بعض أثمان ذلك الكرسى المقدس . ويقابله مكاسب منها أرصدة شخصية بالمليارات . وليس هناك الكثير من الناس يمكنه رفض عروض مغرية كهذه .

– كانت الإمارات مشهورة بأنها دولة مسالمة .. هذا صحيح عندما كانت وظيفتها تستلزم ذلك المظهر. فالنظام القَبَلي دموى بطبيعته، ورغم ذلك فهو الأكثر مطواعية للإحتلال الأوروبى ـ ثم اليهودى حاليا .

– أما محمد بن زايد فإنه مؤهل جيداً لدوره فى إدارة شركات المرتزقة الدوليين وتعاقدات الحرب فى الإقليم والعالم . وذلك بحكم تأهيله العسكرى الجيد فى بريطانيا . وهو شخصية أشتهرت بالنزاهة والإستقامة ، وأحياناً بالتدين، وله علاقات حسنة مع شباب الضباط فى الإمارات. فكان ذلك رصيدا دفع بمشروعه الإرتزاقى العسكرى خطوات كبيرة إلى الأمام . وربما هو الآن الأكثر قوة ونفوذا بين الحكام العرب ، وهو أقربهم إلى إسرائيل ، والأكثر إندفاعاً فى خدمتها . وحتى أردوغان رغم عظمة وإمكانات وتاريخ وشعب تركيا، إلا أنه عجز عن مجاراته فى النفوذ والقرب من إسرائيل.

أما بن سلمان ـ نظيره فى السعودية ـ فهو شخصية بلا مواهب ويعانى من الإعاقة العقلية ، مع قدرة غير عادية على إكتساب كراهية واحتقار الآخرين، حتى حلفائه فى واشنطن وتل أبيب.

– وهنا (تناقضات) كثيرة ومربكة . ولا أظنها قابلة لفك رموزها إلا بمرور الزمن.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

12 سؤال من كابل (الجزء الخامس)

 




12 سؤال من كابل (الجزء الرابع)

12 سؤال من كابل (الجزء الرابع)

12 سؤال من كابل 

( الجزء الرابع )

سياسة طالبان الداخلية : السهل الممتنع .

 

 

السؤال ـ الرابع

أنت قلت أن المخدرات والمعادن والمواد النفيسة هى عوامل أصلية للإحتلال الأمريكى لأفغانستان . قرأت معلومات جذبتنى وكانت جديدة بالنسبة لى ، خاصة نقل المخدرات وغسل الأموال ودورها فى الإقتصاد العالمى . فلم أكن أتصور أن المخدرات لها دور كبير فى الإقتصاد لهذه الدرجة . هذا رغم أن أطرافاً كبارأً فى المنطقة، ودوليين، متورطين ويتابعونها فى أفغانستان  . ولكن حتى أصحاب الشأن ـ طالبان ـ لم يتكلموا للناس عن هذا .

السؤال هو : لماذا لم يتكلم طالبان عن الموضوع ؟؟ .

 

إجابة السؤال ـ 4

يتميز طالبان بطريقتهم العملية فى إدارة الملفات المعقدة ، والتى تتعلق بحياة الناس ومصالحهم. إذ يكون المطلوب هى طرح واضح سهل يحقق الصالح العام ويتجنب التعقيد سواء فى التطبيق أو فى شرح جوانبه الشرعية ، أو دواعيه السياسية .

وموضوع الخشخاش يتعلق بحوالى عشرة ملايين إنسان مرتبطون بذلك الإسلوب الإقتصادى، ولا يتعمقون فى أمتدادته المعقدة. لأن موضوع المخدرات(المتفرع من موضوع زراعة الخشخاش)هو كما ذكرت موضوع غاية التعقيد إقتصاديا وسياسيا وإستراتيجيا على مستوى العالم كله وليس أفغانستان فقط . وهو أمر لا يطيق إستيعابه أكثر المثقفين، فما بالك بالمزارع البسيط أو أصحاب المهن والحرف البسيطة التى تنمو حول مناطق الزراعة بسبب العائد المالى “المرتفع” نسبيا ـ رغم أن محصول الأفيون حتى بأسعاره الحالية يعتبر شبه مجانى ـ تماما كما هو النفط كسلعة إستراتيجية أولى فى الصناعة . والدول المتخلفة من أمثالنا ليس أمامها غير بيع الخامات بأبخس الأسعار للدول المتقدمة .

وتسرى نفس القاعدة على جميع “الخامات” ـ طالما هى خامات ـ سواء كانت يورانيوم أو حديد ـ أو ماس أو ليثيوم ، أو رخام أو أخشاب أو رمال .. الخ .

لهذا فبعد تحرير أفغانستان على الإمارة الاسلامية أن تتجنب تحويلها إلى منجم خامات عالمى ـ وهى دولة غنية جدا بالخامات ـ بل يجب تصنيع تلك الخامات إلى أقصى ما هو ممكن ـ وبالتدريج حتى نصل إلى التصنيع الكامل ـ وذلك يستدعى تطويراً فى التعليم والتدريب والثقافة الإجتماعية.

وللأفيون إستخدامات دوائية لا حد لها. فجميع المسكنات يدخل الأفيون فى صناعتها، وتصينع تلك الادوية فى أفغانستان كفيل بأن يجعلها من الدول الغنية .

– حرص حركة طالبان على الحذر فى طرح المسائل المتعلقة بالأفيون متصل بمجهودها على محورين هامين :

الأول : منع العدو المحتل من الإستحواز على القاعدة البشرية للمزارعين فى مناطق إنتاج الخشخاش .

الثانى :  تنمية تيار شعبى لا يتعامل مع العدو فى موضوع الأفيون . وضرب مصادر حصوله على تلك المادة . وعدم التعاون مع شبكات العدو لنقل الخام . أو ضربها عسكريا كعمل أساسى من أعمال القتال ضد الإحتلال .

–  وتجب ملاحظة أن العدو بعد إحتلاله لأفغانستان صرح بأن لا شأن له بموضوع المخدرات وأنه غير معنى بمقاومتها . وعمليا دفع بكل قوة لإعادة زراعة الخشخاش إلى ما كانت عليه قبل ان توقفها الإمارة الإسلامية . فوصل بها إلى 3600طن ثم 4000طن فى مدة وجيزة للغاية ، ورفع أسعار الخام لإنعاش قطاع زراعة الخشخاش ، حتى يلاحظ المزارعون الفرق بين الإزمة الكبرى التى صادفوها عندما منعت الإمارة زراعة الخشخاش وبين التوسع الكبير فى الزراعة وزيادة الأسعار فى عهد الإحتلال ( إرتفع سعر الأفيون الخام إلى عشرة أضعاف ).

وكان من الخطورة بمكان أن يستحوز العدو على ذلك القطاع السكانى الهام خاصة وأن تلك المناطق كثيفة السكان نسبيا وهى قاعدة بشرية لحركة طالبان. فالصراع مع الإحتلال ليس فقط حول محصول الأفيون، بل الأهم هى القاعدة البشرية من المزارعين وأصحاب الحرف والتجار.

– هذه السياسة الحريصة والعملية ـ مع سنوات طويلة من الجهاد ـ أثمرت وعياً شعبيا كبيراً ـ حتى فى أوساط المزارعين بخطورة مادة الأفيون . وأنها مسألة دولية من الطراز الأول وليست مجرد محصول زراعى عادى .

وهنا نقول أن حركة طالبان أوضحت وشرحت ومارست مع جمهورها الزراعى والقبلى والجهادى وإنتجت وعياً كبيراً ، وبأسهل الطرق الممكنة.

وما تسأل عنه أنت هو عدم وجود إنتاج نظرى من حركة طالبان يشرح للناس وأصحاب العلاقة موضوع المخدرات . وذلك صحيح ، ولكن الوعى قد ظهر وأنتج حركة جهادية فاعلة فى حرب الأفيون على الجانب الشعبى . وهذا يكفى إلى حين .

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

12 سؤال من كابل (الجزء الرابع)

 

 




12 سؤال من كابل (الجزء الثالث)

12 سؤال من كابل (الجزء الثالث)

12 سؤال من كابل 

(الجزء الثالث)

المشكلة هى التبعية وعدم القدرة على التفكير المستقل

 

السؤال ـ الثالث

أكثر كتاباتك نقدية ، تقريبا لكل الجماعات الجهادية خاصة القاعدة . وكل الأنظمة وبشكل خاص السعودية. ألا تشعر أنك تركز نقدك على الجهاديين وتحميلهم ذنوب ومصائب الحركة الجهادية. فتصفهم بالحماقة أو العمالة أو كلاهما . فلماذا لا تنظر إلى تأثير الأعداء وتفاوت القدرة التكنولوجية والعسكرية . أو قدراتهم الضعيفة فى أنها أسباب لوقوعهم أمام أعدائهم ، ولكنهم ليسوا عملاء أو حمقى . هم يقولوا أسبابا أخرى فهل سمعت أسبابهم؟. هل فكرت فيما يقولون؟.هل بحثت صحة أسبابهم التى يقولونها ؟ . ما هى النقاط التى ترضيك عنهم ؟ .

 

إجابة السؤال الثالث

لا أتوقع الحصول على معجزات على يد العمل الجهادى ، لأن معركة الإسلام صعبة للغاية وظروف المسلمين معقدة ، لكن من المفروض أن نحشد لمعاركنا أفضل ما عندنا سواء فى العلوم الشرعية أو العلوم الدينية والدُنيَوية .

وأهم مبادئ مواجهة العدو هو حشد قوة المسلمين (وأعدوا لهم ما ستطعتم من قوة ومن رباط الخيل..) . وملخص نشاط العمل الجهادى السلفي هو تبديد هذه القوة . فأهداف الجهاديين مختلفة عن أهداف شعوبهم . وأولوياتهم مقلوبة أو مصطنعة بالتفرقة بين الأمة على أساس المذهب فتحولوا إلى فرقة مذهبية جامحة ودموية . وبدلا من تجديد الفكر الدينى والفقه، عادوا بالفكر الدينى إلى أسوأ عصور التراجع ، حين أمْلَتْ السياسات الفاسدة على الفقهاء الآراء التى تخدم المستبد الحاكم، ثم عرضوها على الجمهور المسلم على أنها الفقه الصحيح وطريق الفرقة الناجية ـ طبعا الناجية من بطش الحاكم المستبد ، وليس من غضب الله.

ورجعوا بالمجتمع إلى زمن الذبح على الهوية المذهبية (ليست فقط بين السنة والشيعة بل بين السنة أنفسهم مثل السلفيين والصوفية ، أو حتى القتال بين الجماعات الجهادية السلفية نفسها ، وتسابقها للحصول على دعم الطواغيت) . فعندما تنطلق الفتنة من عقالها فإنها تطال حتى من أشعلوها . وعندما يتسابق المجاهدون على الرئاسة والمال والشهرة فإن أبواب جهنم تُفتَح على مصراعيها لتبتلع الشعوب ، وتبتلع تلك الجماعات نفسها . والأمثلة أمام أعيننا الآن واضحة من سوريا حتى اليمن ومن العراق حتى ليبيا .

بدلا من أن يكون الجهاد هو الحل ، والجماعات الجهادية هى الدليل والقائد نحو التحرر من الطاغوت ، رأيناهم مشكلة ضاعفت المآسى وضياع الأمة . حتى أصبح المسلمون فى حاجة إلى من يجاهد معهم لتحريرهم من هؤلاء (المجاهدين)!!.

رأينا مثلا أفغانستان عندما غزاها الدواعش . فكان لزاما أن يبدأ الشعب ومجاهديه فى التخلص من هذا الخطر العاجل. وأصبحت الحرب على داعش فى مقدمة الحروب فى أفغانستان إلى أن تم كسر شوكتهم وليس التخلص منهم تماما . حيث أنهم جزء من الإحتلال الأمريكى وقواته الضاربة ، وجهازه للحرب النفسية والدينية .

–  وهذا هو دور الدواعش فى بلاد العرب . وباقى التنظيمات السلفية تدور حول نفس المعنى إجمالا . وإن تفاوتت أحيانا فى شدة الإلتزام بالفتنة وسؤ التقدير .

–  عندما إختار المجاهدون منهجهم السلفى ، لم يكن ذلك عن تفكير مستقل أو إختيار حر  وبصيرة نافذة، بحثاً عن مصالح الأمة ومتطلبات معركة عظمى مع أعداء الإسلام المتحكمين فى الأمة وكافة شئونها الداخلية . بل كان الخيار نابعاً من الحاجة إلى التمويل الخليجى . فمباركة علماء السؤ ومجرد رضاهم يجلب المال ويعطى البَرَكَة المقرونة تعسفاً بالحرمين الشريفين الذين يتحدث بإسمهما علماء الوهابية .

حتى توجههم إلى أفغانستان لم يكن عن تفكير مستقل، بل من تحريض وإلحاح علماء المملكة . فمن أستجاب لهم تلقى الدعم. فذهبوا إلى جبهات الجهاد ، وهناك تلقوا المزيد من الدعم عندما ساروا على طريق الإنحراف السائد فى أحزاب بيشاور.

وعندما تفشى داء التشظى والإنقسام فى مجموعات بيشاور الجهادية خاصة عندما حان مَوْسِمَه منذ آواخر1989 تلقى الجميع معونات من نفس المصادر فى المملكة والخليج .

لم يكن كل ذلك دافعا إلى يقظة السلفية الجهادية، بل أنه إستدرجها إلى مزيد من الإنحراف والفُرْقَة والصراع الداخلى ، وتقديس منهج علماء المملكة . لدرجة أن بن لادن نفسه عندما أصدر بيانه الشهير بإعلان الجهاد لإخراج المشركين من جزيرة العرب ، أضطر تحت ضغط الشيوخ وطلاب العلم فى المملكة إلى الرحيل بجهاده إلى خارج المملكة ، وجهاد الأمريكيين فى الخارج لتجنيب المملكة “الفتنة”.. أى الجهاد .

فرحل بعيدا حتى وصل إلى منهاتن التى مازال المسلمون يعيشون فى ظلالها (ظلال منهاتن) خاصة شعب أفغانستان الضحية الكبرى للسلفية السعودية الجهادية .

 التيارات الجهادية السلفية مستتبعة لمشيخات النفط منذ نشأتها الأولى . لذا حفلت بكل الأخطاء التى جعلتها فى مسار معاكس لمصالح أمتها وشعوبها . وأول سبيل للإصلاح هو أن يمتلك التيار الجهادى قدرته الخاصة على تقرير مساره الفقهى وسبيله الجهادى ، ورؤاه السياسية ، وأساليبه القتالية حسب تنوع الظروف .

إن رؤية إسرائيل ومشيخات النفط للقضايا المنخرط فيها التيار الجهادى ، هو نفسها رؤية الجماعات الجهادية . وحتى المجهود الإعلامى والدعائى متطابق فى خطوطه الأساسية وفى أكثر التفاصيل . وما نراه هو نجاح كامل لعقيدة بيريز التى وضعها “لأهل السنة والجماعة” بأن يتَّحِدوا مع إسرائيل ضد إيران والشيعة ، بإعتبارهم الخطر الوحيد فى الشرق الأوسط مضافاً إليهم مجموعات أخرى إرهابية {يقصد مارقين من أهل السنة عن ذلك المنهج الشيطانى}.

فلننظر كيف يرى الجهاديون الحرب فى سوريا واليمن والعراق. ونظرتهم عموما إلى فتنة الربيع العربى ، نجد أنها متطابقة تماما مع رؤية إسرائيل ومشيخات النفط  رغم الخلاف الفاضح بين ذلك التقييم وبين الواقع على الأرض . ولكنها التبعية العمياء وعدم القدرة ـ أو الخوف ـ من التفكير المستقل ، وما قد يعنيه من حرمان من التمويل والإيواء والدعم الإعلامى (الدولى) لوجهات نظرهم فى تلك القضايا .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

 

12 سؤال من كابل (الجزء الثالث)

 




هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

هولوكوست 11 سبتمبر .  ( من 1 إلى 8 )

مطلوب لجنة إستماع دولية لشهادة عبد السلام ضعيف .

أول مايو .. إلتزام مؤكد بالإنسحاب ، و11 سبتمبر موعد مخادع .

متى يتكلم الدكتور أيمن الظواهرى ؟؟ ـــ  أليس الصبح بقريب ؟؟

 

صنعت أمريكا من حادث 11 سبتمبر ، مأساة هولوكوست تريد تعليقها فى رقبة شعب أفغانستان، لإذلاله إلى الأبد، وإستنزافه ماليا، وتحقيرة سياسيا، كما تفعل إسرائيل مع ألمانيا بإستخدام أكذوبة الهوكولوست وإدعاء أن اليهود خسروا 4 مليون شخص فى محارق أقامها لهم الألمان النازيون.

ثم فرض اليهود حظرا قانونيا على التطرق إلى الحادث بما يخالف الرواية اليهودية. لدرجة وصلت إلى عقوبات بالسجن على شخصيات علمية كبرى فى أوروبا، حتى خرست ألسنة الأوروبيين ، إلا من الإساءة للمسلمين ونبى الإسلام .

– إدعت أمريكا كذباً أنها هاجمت أفغانستان واحتلتها وأسقطت نظامها الاسلامى ثأراً من القاعدة وزعيمها ، وانتقاماً من الإمارة لحمايتها لهم .

لم تذكر أمريكا أن سبب حربها على أفغانستان هو الأفيون أولا، ثم لتمرير خطوط نفط وغاز آسيا الوسطى عبر أفغانستان ، إلى أى إتجاه تريده أمريكا ـ سواء الهند أو غيرها .

– كما لم تذكر أمريكا أنها هى التى طلبت من السودان ـ حكومة البشير ـ أو على الأقل وافقت على ما ذهبت إليه تلك الحكومة من إبعاد بن لادن من الخرطوم إلى جلال آباد فى أفغانستان .

وحسب ما ورد فى كتابات مدير الاستخبارات السودانية وقتها فإن أمريكا أخبرت السودان أن فى ترحيل بن لادن إلى أفغانستان ، خيراً له وللسودان ولأمريكا وللجميع .

– لم تعلق أمريكا على ماقاله “قطبى المهدى” مدير إستخبارات السودان وقتها. كما أنها لم تذكر ولن تعلق على حادث شبيه تماما ـ ولكن فى الإتجاه المعاكس ـ وهو طلبها من الإمارة الإسلامية ـ بألا تسمح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان (فى يناير 2001) .

وكان ينوى مغادرتها بعد حفل تزويج نجله محمد ـ وكنتُ إستعد لمرافقته إلى خارج أفغانستان ـ وتحديدا إلى مناطق القبائل الحدودية ـ كمراسل لقناة الجزيرة التى سمحت بإستخدام معدات التصوير التابعة لها فى تسجيل الرحلة .

لكن أمريكا أرسلت إلى الإمارة فى قندهار ـ بواسطة عبدالسلام ضعيف سفيرالإمارة فى باكستان، بأن لا تسمح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان . لأن فى مغادرته تلك ضررا له ولأفغانستان ولمصالح الولايات المتحدة وأصدقائها . وصادف أن قرأت بنفسى تلك الرسالة المكتوبة على ورق عادى ـ غير رسمى ـ وبكل أساليب الغطرسة والوقاحة الأمريكية .

 

وحيث أن أمريكا تريد تحويل 11 سبتمبر إلى هلوكوست خاصا بها ، لحرق مستقبل أفغانستان وإمارتها الإسلامية . فإن المطلوب بشكل عاجل هو:

– تشكيل لجنة دولية للإستماع إلى شهادة عبد السلام ضعيف حول المذكرة الأمريكية المذكورة.

وتأمينه على حياته ـ وإستضافته تحت حماية دولية ـ ليقيم فى مكان آخر غير كابول .

– فإذا كان حادث 11سبتمبر من تنفيذ تنظيم القاعدة ـ وهذا ما لم تستطع أمريكا إثباته حتى الآن  وبإعتراف شخصيات أمريكية لها وزنها:

فلماذا عملت أمريكا على إبعاد بن لادن من السودان إلى أفغانستان عام 1996 ؟؟

ثم لماذا أصرت على عدم مغادرته أفغانستان فى يناير 2001 ؟؟ .

{ بالتأكيد لتحميل الإمارة مسئولية الكارثة الكبرى القادمة فى نيويورك ــ التى كانت معلومة لديها منذ فترة كافية، ومتوقعة منذ إخراجه من السودان }.

والخلاصة : ليس للإمارة الإسلامية دخل من قريب أو بعيد بحادث 11 سبتمبر . وترفض تعليق تلك الأكذوبة فى رقبتها ورقبة شعب أفغانستان. ومن الخطوات الهامة المفترضة سيكون الخروج من إتفاق الدوحة وما يحتوية من تلميح لمسئولية الإمارة عن الحادث ، وتكليفها بضمان أمن أمريكا وحلفائها بدعوى عدم السماح بإستخدام أرض افغانستان ضد أمنهم.

إن ذلك التهديد الأمنى لم يحدث أبدا فى الماضى، ولن يحدث مستقبلا . والإمارة لن تكون حارساً لأمن أمريكا وإسرائيل والناتو. لأن فى ذلك تسلط على أفغانستان وتكليفها بما لا تطيق، وتحميلها ذنوبا لم ترتكبها بل إرتكبها الأمريكيون أنفسهم.

 

أهم إلتزامات إتفاق الدوحة هو إنسحاب القوات الأمريكية وحلفائها من أفغانستان بعد مرور 14 شهرا من توقيع الإتفاق ـ أى فى أول مايو 2021 .

رفضت الإمارة الإسلامية خديعة تجاهل أمريكا لموعد إنسحابها، وإشغال الإمارة الإسلامية والعالم بمؤتمرات متتابعة لا تنتهى ، وكان المفروض أن يكون آخرها فى إسطنبول. وقد رفضت الإمارة حضور أى مؤتمر قبل إتمام إنسحاب القوات الأمريكية وحلفائها.

إتفاق الدوحة ملزم ، وليس من حق أمريكا والناتو تغيير الموعد المتفق عليه للإنسحاب . فأول مايو هو موعد إنسحاب آخر جندى محتل ، وإلا فإن الشعب الأفغانى سيكون مضطراً إلى طردهم بقوة السلاح.

وليس فى مقدور أمريكا أو الناتو، أو أى أحد، أن يقرر مستقبل أفغانستان. ولكن الإحتلال وأعوانه يتصنعون الغباء لأنهم لن يكونوا مشمولين فى ذلك المستقبل. إذ لا فرق بين جيش الإحتلال وبين حكومة أعوان الإحتلال الذين جلبهم بالطائرات. فإنهم أعداء الشعب وليسوا جزءاً منه بأى حال.

لاحظ البعض أن أول مايو كان ذكرى إغتيال بن لادن. وربما أرادت أمريكا التأكيد على تاريخ 11 سبتمبر، فأجلت إنسحابها إلى موعد كارثة صنعتها لنفسها كما صنعت مأساة بيرل هاربر حتى تدخل الحرب العالمية الثانية ضد اليابان . تأجيل الإنسحاب هو لإعطاء فرصة لتثبيت حكومة أمريكية على رقاب الأفغان بقوة السلاح . ولكن ما فشلت فيه أمريكا خلال عشرين عاما لن تنجح فيه لا فى عدة أشهر ، ولا فى ما تبقى لها من حياة.

 

متى يتكلم الدكتور أيمن الظواهرى ؟؟

يتناقص عدد شهود العِيان على بعض الأحداث المفصلة فى تاريخنا. حتى أوشكوا على الانقراض . والقليل منهم مستعد لأن يشهد بما يخالف مصالحه الشخصية أوالحزبية.

تكلمنا عن ضرورة حديث ملا عبد السلام ضعيف أمام لجنة إستماع دولية فيما يخص الطلب الأمريكى بعدم السماح لأسامة بن لادن بمغادرة أفغانستان فى يناير 2001 .

لا يقل أهمية ـ بل غالبا يزيد عليها ـ شهادة مطلوبة من الدكتور أيمن الظواهرى زعيم تنظيم القاعدة . شهادة بخصوص إجتماع أمير المؤمنين الملا محمد عمر بقادة المجموعات والتنظيمات العربية فى أفغانستان . إجتماع عقد فى قندهار وكان الدكتور الظواهرى يمثل تنظيم القاعدة .

أهم ما جاء فى الإجتماع حدود رسمها الملا عمر لعمل تلك المجموعات خارج أفغانستان. وتحذيره لهم من توجيه أى ضربة لأمريكا ، خشية من رد فعل باكستان(!!). ولكنه قال لو أن الضربات ضد إسرائيل فلن تستطيع باكستان أو غيرها الإعتراض على الإمارة (وكانت فلسطين تغلى بسبب تعديات يهودية على المسجد الأقصى).

–  و يمكن للدكتور الظواهرى الشهادة على مناقشتى مع بن لادن بخصوص تهديده لأمريكا بعملية كبرى ضحاياها سيكونون بالآلاف . وتحذيرى له من أن ذلك يعنى إعلان حرب أمريكية على أفغانستان ، بدون علم أمير المؤمنين ورغم تحذيراته. وكان الدكتور الظواهرى مشاركاً نشطاً فى ذلك النقاش . وهو النقاش الذى حضر”أبوالخير” آخر ثلث ساعة منه ، ولكنه أنكر بعد ذلك حدوث اللقاء أصلا !! .على الدكتور أيمن أن يتكلم قبل أن يندثر شهود وقائع كان حاضرا وفاعلا فيها، وبعضها يتعلق بمصير شعب أفغانستان، الذى تَحَمَّل وزر (حرب 11 سبتمبر) التى لا ناقة له فيها ولا جمل . وتريد أمريكا تحميله وزرها إلى الأبد ، بدعوى مسؤوليته عن إستخدام أرض أفغانستان ضد أمن أمريكا وحلفائها !! .

– يمكن لحركة طالبان

 أن تحصل على تلك الشهادات بطرقها الخاصة ، حفاظاً على الحقيقة.

 

وصاية على أفغانستان .. وعقوبات أبدية

لا تنوى أمريكا الإنسحاب من أفغانستان إلا بشرط بقاء النظام  العميل فى كابول بدون أن يواجه مقاومة جهادية مسلحة ، و ذلك بدمج الإمارة الإسلامية فى حكومة مشتركة مع عملاء كابل .

أمريكا أجلت إنسحابها من أول مايو إلى 11 سبتمبر 2021 .على أمل إكتساب وقت كاف لوضع الإمارة تحت ضغط سياسى أقليمى ودولى يرغمها على الأنصياع للإرادة الأمريكية .

 وفوائد أخرى للتأجيل ..هى :

– خداع العالم عن الطبيعة الإستعمارية لحربها فى أفغانستان، كحرب أفيون ـ لإعادة زراعته وتصنيعه إلى هيروين وتوزيعة إلى العالم، وتصويرها حرب إنتقام من حادث إرهابى.

 – من أهداف الحرب .. إلى جانب الأفيون .. كان العبور بخطوط نفط وغاز آسيا الوسطى (تابى) من أفغانستان إلى باكستان ومنها إلى الهند وميناء جوادرعلى بحر العرب .

– فتصبح حرب أفغانستان هى {حرب 11 سبتمبر} ــ بدأت بحادث منهاتن ، وإنتهت فى ذكراه العشرين . بدأت الحرب وانتهت ولكن تبقى “مظلومية أمريكا” التى ستطالب أفغانستان بدفع تكاليف(سبتمبر) إلى الأبد. فتتعهد بحماية الأراضى أمريكا وحلفائها، من أى عدوان يطالهم من أرهابيين قادمين/ مستقبلا/ من أفغانستان . فى شرط متعسف غير محدد بمكان أو زمان، أو جهة مسئولة تتحكم فى الشطط الأمريكى . بمعنى أن تبقى أفغانستان إلى الأبد تحت وصاية أمنية وسياسية ، وعرضة للعدوان ، وتلَقِّى عقوبات ـ تقدرها أمريكا كما تشاء، بمقدار ما تشاء.

 

أليس الصبح بقريب ؟؟

أعلنت أمريكا أنها لن تنسحب من أفغانستان فى أول مايو القادم حسب إتفاق الدوحة . فجر ذلك اليوم سيكون فجر الحقيقة . ستدق ساعة الجهاد لتصفية بقايا الحملة الصليبية التى شنتها أمريكا على أفغانستان ظلماً وعدوانا منذ عشرين عاماً. سيكون أول مايو هو يوم إفتضاح الغدر والعدوان الأمريكى، بإمتناع تلك الدولة الصليبية المعتدية عن سحب قواتها من أفغانستان تطبيقا لإتفاق وقعته على مرأى ومشهد من العالم أجمع.

– وبذلك أسقطت أمريكا إتفاق الدوحة ، فلم يعد ملزماً للإمارة الإسلامية. بل يلزمها الآن الإعلان رسميا عن سقوط الإتفاق ، وتحررها من شروطه الجائرة، خاصة تكليفها بحماية أمريكا وحلفائها من إرهاب مفترض ينطلق من الأراضى الأفغانية.

– بسقوط إتفاق الدوحة يلزم سحب المكتب السياسى من هناك. ولذلك أسباب عديدة معروفة .

– أما الإعلان عن المواقف السياسية للإمارة ، فهى نفسها آرائها الجهادية التى تعلنها فوق كل شبر من أفغانستان. وهى متاحة لمن أراد الإطلاع عليها.

– سقوط إتفاق الدوحة هو سقوط للحملة الصليبية على أفغانستان . ولا مكان فى أفغانستان بعد اليوم سوى لعلم واحد ، هو علم الإمارة الإسلامية .

إن موعدهم صباح أول مايو .. أليس الصبح بقريب ؟؟.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

هولوكوست 11 سبتمبر  ( من 1 إلى 8 )

 




12 سؤال من كابل (الجزء الثاني)

12 سؤال من كابل (الجزء الثاني)

12 سؤال من كابل 

(الجزء الثاني)

السؤال ـ الثانى

يوجد بعض الناس يقولون أنك مأجور أو مرتبط بالنظام الإيرانى . أو أنك رابط بين القاعدة وايران،أو بين إيران وطالبان . حتى بعض المرتبطين بكم وكانوا فى نفس خندقك كان عندهم إتهامات مشابهة .

ـ فى كلامى مع صديق كنا نتكلم عن أنواع الإتهامات ونحللها ، لاحظت تشوش الأذهان . هو قال : كيف أبو الوليد قضى سنوات فى سجن إيران ، ثم نقلوه إلى الحبس المنزلي لسنوات. وبعد أن تحرر ورجع بلده مجددا إختار الرجوع إلى إيران .

وفى كلا الحالتين كان عنده إتصالات بالخارج وكان حرا وكان يتابع إتصالاته ومقالاته. والنقطة المبهمة أكثر هى كيف ترجم كتبه إلى فارسى وينشرها وهو فى الحبس؟. هل عندك تفسير لهذا التناقض.

 

إجابة السؤال 2     

خطوط الطول والعرض كوسيلة للتمييز بين الحق والباطل .

نعود إلى الإتهامات مرة أخرى . وأبدأ بالإشارة إلى إستراتيجية الإتهام الشخصى والتى قد يلجأ إليها الخصم لتحويل مسار القضايا المثارة، والتَهَرُّب من المناقشة، وجذب الجمهور بعيدا عن الموضوع “الثقيل” إلى ترفيه “الإشاعة”وجمال غموضها، وإمكان التأرجح بها فى كل إتجاه . بينما (النقاش الموضوعى) له اتجاه واحد فقط هو الحقيقة ، مهما تعددت وجوهها. وذلك ثقيل على أعداء الحقيقة ـ وجمهورهم الباحث عن الترفيه والتسلية .

–  (بدلا عن الموضوع المثار يجعلونك أنت الموضوع المستهدف). هكذا قال أحد الخبراء، فالإتهام الشخصي وسيلة للتخلص من النقاش الموضوعي، بالسباحة فى مستنقع المهاترات.

فإذا واجهت المفلس بما يحيط بعمله من أخطاء، ومسيرته من كوارث، فيكون الرد {بل أنت عميل ومرتزق وخائن .. وكان أصلك وفصلك..الخ } فإذا إنتقلت للحديث معه على نفس موجة السباب والإتهامات فقد أرحته وأسعدته وأخرجته من ورطة العجز التى تغرقه. فهو عاجز وخائف ويدرك أنه مُدَان، وأن ميدان التفاهة والسباب والإتهام هو طريق الخلاص الوحيد أمامه.

تلك كانت مقدمة “موجزة ” لما سيأتى من شرح لشبهات أثيرت حول قصتى فى إيران .

بدأت القصة من العلاقة بين الإمارة الإسلامية ، وجمهورية إيران الإسلامية الجاران الإسلاميان المحاطان بحقول ألغام ظاهرة وخفيفة ، تحمى حالة الخصام والتوتر، فلا تسمح بأى تحسن ، وتسمح فقط بالحركة فى إتجاه واحد فقط هو المزيد من القطيعة والتوتر وصولا إلى الصدام العسكرى إن أمكن .

كنت أجهل المخاطر المحيطة بتلك العلاقة والعقبات وحقول الألغام المبثوثة ـ على الجانبين ـ إلا بعد أن إندفعتُ مزوداً بما يسمونه “شجاعة الجهل بعواقب الأمور”.

 فعرضت إقتراحاً على الملا عمر ـ رحمه الله ـ أثناء زيارته لمقر بن لادن بالقرب من مطار قندهار ـ فى غرفة متوسطة الحجم مزدحمة برفاق وحراس أمير المؤمنين ، وبالمثل حراس ومرافقى بن لادن ـ وكان الحديث قد وصل إلى نقطة شكوى مشتركة للطرفين من مضايقات باكستان للإمارة والأفغان عموما ، وحجبها مرور المواد الغذائية والنفط ، وسوء التعامل مع الناس على الحدود ، وإعتقال العديد من العرب حتى أصبح مرورهم من الحدود خطيراً للغاية. وكان للتجار الأفغان شكاياتهم من سلطات ميناء كراتشى ، وفساد الموظفين الباكستانين وإرتفاع الرشاوى المطلوبة فى كل خطوة لتجارتهم فى باكستان .

فإقترحت أن نفتح لنا طريقا عبر إيران . فمن الأفضل أن يكون لأفغانستان طريقان صوب البحر حتى لا تتعرض لضغوط من طرف واحد متحكم . ظهرت الدهشة على وجه الملا عمر، ربما من جرأة الإقتراح ، وما يشى به من سذاجة وجهل بالواقع وصعوباته ومخاطره (وهذا ما أعانى منه حتى الآن) ، حتى وصل الأمر إلى السجن والإعتقال المنزلي ، ثم إتهامات من الأمَّة السلفية.

–  مع الوقت ـ وتعدد المهام بين قندهار وطهران ـ إكتشفت أن جداراً قويا غير مرئى يحفظ القيادة العليا فى البلدين من مجرد التفكير فى الإقتراب من أحدهما الآخر . إكتشفت جزء من ذلك الجدار غير المرئى فى قندهار فى شخصية أو أكثر من النافذين. وفى طهران إرتطمت بالجدار غير المرئى ، فسبب لى ألما ًولكننى لم إكتشف له جسماً محدداً، أو شخصاً بعينه.

كانت هناك مكابح قوية على الجانبين . ولكن ظللت متمسكا “بشجاعة الجهل” ومثالية فتيان الكشافة المدرسية . فصرت معروفا على الجانبين . ولم أعد غريباً على طهران ـ ولا ما أفعله مستهجناً لدى الإمارة فى قندهار .

لهذا عندما اُعتقلتُ فى طهران مع باقى العرب من أفراد وعائلات ، أصبت بشئ من الدهشة . صحيح أننى دخلت من الحدود متسللا . ولكن عذرى أن مدينة هيرات كانت تسقط من ورائى ، وفرق كلاب المطاردة تنطلق خلفى ، وخلف آخرين عبروا الحدود إلى إيران خشية على حياتهم من عدو مسعور تماما، ونَهِمْ لسفك الدماء كأفضل ما تكون وحشية البشر .

 

الفوضى العربية تنتقل إلى إيران :

فى تقييمى الخاص أن العرب كانوا سببا فى حرق أفغانستان . ثم بدأوا فى التوافد إلى إيران (التى يُحَرِّمون حتى النطق بإسمها). وما أن وصلوا حتى بدأوا على الفور برامجهم التخربية . كان يمكن التغاضى رسميا عن وجودهم لو أنه تم بطريقة مستترة . لكن المجاهدين العرب لهم طبيعة فضائحية . وسرعان ما تميز بعضهم بملابس شبه موحدة . وانشروا جغرافيا . والأخطر كان أجهزة “الموبايل” وما يدور عليها من أحاديث مطولة حافلة بكل ما لا ينبغى أن يقال من أسرار. حتى ضجت أمريكا وضجت معها حكومات العرب والأمم المتحدة، وقدموا تسجيلات وشهود وأدلة.  فكان لابد من تحجيم الفوضى التى تهدد الأمن القومى لإيران.

فنفذت الأجهزة المختصة ضربة شاملة وسريعة جمعت الكل (أو معظمهم). وذات يوم وجدت نفسى فى سيارة رسمية تضعنى مباشرة فى سجن إيفين الشهير . وفى محكمة الثورة وجه القاضى لى إتهامين الأول هو أننى دخلت البلاد بطريقة غير مشروعة وبدون أوراق رسمية . وإعترفت بهذه الجريمة فورا. لكن لم أذكر أن الرصاص قد أطلق علينا قرب الحدود ـ وكان يرافقنى عدد من كوادر حزب النهضة الطاجيكى ـ وعند عبورنا الحدود كان جندياً شاباً فى العشرين يتحرق شوقا لقتلنا لولا “الشاويش” المرافق له ، الذى نهره ونهاه .

والإتهام الثانى من قاضي محكمة الثورة : هو أننى تلقيت أموالاً من حركة طالبان طبقاً لمعلومات قُدِّمَت إليه . كان ذلك مضحكاً ولكن تمالكت نفسى، وشرحت للقاضى أننى كنت أعمل مراسلا لقناة الجزيرة، وأن مرتبى كان أعلى بكثير جدا من راتب أمير المؤمنين فى إمارة لا يحصل وزراؤها على رواتب ثابتة ، أو لا يحصلون على شئ أصلا سوى إعانات غذائية ـ أحيانا ـ

– حصلت على حكم بالسجن ستة أشهر . ثم حوكمت مرة أخرى فحصلت على حكم لم أستطع أن أفهم كم هو . ولم أحاول، لأن لا فائدة من ذلك ، فليس عندى أى حل آخر . وأن “إيفين” أفضل بكثير من جوانتانامو أو سجن العقرب، فلا مال عندى ولا مكان .. كل ما أملكه هو أسرة كبيرة وأحفاد يتعلقون برقبتى .. ومطالبات أمنية كثيرة تتلهف على نفس الرقبة . بينما فقَدْتُ الوطن الأفغانى . فبعد الإنتصار على العدو السوفيتى صرنا مهزومين ومطاردين بوحشية أمام (الصديق) الأمريكى !! .

– وبعد زمن إكتشفت أن أعدائى كانوا غاضبين من وجودى فى إيران ، ومن عودتى إليها مرة أخرى بعد 5 سنوات قضيتها من مصر. فى ظروف هى إمتداد لظروف هزيمتنا فى أفغانستان وإنتصار الأمريكان علينا.

–  كانت تجربة (إيفين) قاسية نفسيا لأنها بالنسبة لي غير مُبَرَّرَة ، فلست عدواً لإيران، وقد سعيت منذ أول لحظة إلى تقارب إسلامى بين البلدين إيران وأفغانستان . والجميع يعرف ذلك .

لأجل ذلك لم أصادف فى السجن أو الإقامة الجبرية أى نوع من الضغط أوالإهانة، بل العكس حاولوا تعويض ما لحقنى من ضرر وسؤ معاملة ، بأن أتاحوا لى قدراً من الحرية ـ والإحترام ـ فاستطعت من خلال إبنى عبد الله أن أنشر كتبى فى موقع (مافا) الذى إبتكره. وعبر مهاراته فى التعامل مع أرواح العالم السفلى للإنترنت ، إستطاع عبدالله أن يحصل على قدرات لموقعه أكثر بمراحل مما كان متاحاً له . وبواسطته إستطعت الإرتباط مع أسرتى فى مصر . ثم إرتبطت مع مجلة الصمود التابعة للإمارة واستأنفت الكتابة لهم من “مسكنى الإجبارى” فى طهران . ثم ورطنى عبد الله فى حوار غيرمتوقع مع الآنسة (ليا فارال) الباحثة الإسترالية. فدارت بيننا مناظرات كانت مدهشة لجمهور الإنترنت والمهتمين بتلك الموضوعات “الإرهابية” فى ذلك الوقت . وتطور الحوار إلى مشروع كتاب باللغة الإنجليزية ـ أتممناه وقمت بترجمته أثناء وجودى فى مصر .

فى أواخر إقامتى فى إيران ظهر كتاب بالفارسية يحتوى على بعضٍ من كتبى. لم أهتم بالأمر ولم أسأل ولم يخبرنى أحد عن كيفية ظهوره أو من ترجَمَه ، فأنا أعتبر كل كتبى وكل ما أكتبه مجانياً ومتاحاً لكل من يرغب فى كتابته أوطباعته ـ ويمكنكم فى كابل ترجمة وطباعة جميع كتبى ومقالاتى ـ مجانا ـ على شرط عدم تغيير محتواها.

– سمعت فيما بعد أن ذلك الكتاب باللغة الفارسية لاقى قدراً من الإهتمام فى إيران من أوساط أكاديمية وثقافية . بعكس الحال تماما فى مصر حيث حُظِر إستخدام كتبى فى الأبحاث الجامعية. ولم يُطبَع من كتبى ولو صفحة واحدة فى مصر أو فى أى بلد عربى ، ولم يناقشنى فيها أحد أويكتب عنها نقدا موضوعيا، سوى تصنيفها إجمالا كأعمال إرهابية أو شيعية أو تأريخاً للقاعدة فى أفغانستان!!.

والذين طالتهم إنتقاداتى لم يناقشنى منهم أحد لا شفويا ولا كتابيا ، ولكنهم عوضوا ذلك بالسباب وترويج الإتهامات عبر المواقع الإلكتروتية. حتى صرتُ أحفظ إتهاماتهم عن ظهر قلب.

وفى السعودية أفتى بعض الشيوخ بتحريم قراءة كتبى أو مقالاتى ، وكذلك فعلت جماعات سلفية. وأول تعليق سمعته على عتبة مطار القاهرة بعد وصولى من إيران ، وكان لشباب كان سابقاً  على صلة مع بن لادن فى أفغانستان ، فقال لى بنبرة تحدى : “إن كتبك فيها نفَس شيعي”. ولم يشرح لى أحد حتى الآن ماهو ذلك النفس الشيعى الموجود فى 14 كتاباً. والأغلب أنهم إعتبروا النقد الذى وجهته إلى السلفية الجهادية هو أخطر أنواع التشيُّع . وهو إتهام لا يستلزم أى نقاش ، فهو فى حد ذاته كافٍ وزيادة.

– الأوساط العربية الأمنية والإعلامية ، لم تستخدم كتبى إلا لإصطياد ثغرات يمكن تحويلها إلى إتهامات وجرائم . مثل صلتى مع بن لادن وقيادات القاعدة ، وحضورى مجالسهم ، والتشاور المشترك، وذهابى إلى إيران (لدوافع إجرامية) لترتيب هجمات ضد أهداف أمريكية. طاف الإعلام الأمنى العربى بعدة إتهامات ليضعنى فى زاوية الإرهاب. فمرة وصفنى أحد جهابذتهم بأننى “مُنَظَّر الأفغان العرب”، وتَمَطَّى الآخر وقال، بل هو” مؤرخ تنظيم القاعدة”. ولم أستطع تفسير تلك التركيبات اللغوية الغريبة .

 

تسريبات أبوت آباد :

– تقول (أن بعض المرتبطين بكم وفى خندقكم كان عندهم إتهامات مشابهة ) . وأظنك تقصد ما نُشر من رسالتهم لي والتى فاضت بتفاصيل تلك الإتهامات والتى نشرها الأمريكان فيما إشتهر بإسم تسريبات (أبوت آباد) . والتى لم ينشروا معها ردى على تلك الإتهامات ، فنشرتُها فى موقع “مافا” وهى رسالة مفصلة كتبتها ردا على مذكرتهم. وفى الرسالتين ما يكفى لتغطية ذلك الموضوع . ولكن البعض يهمهم مواصلة إتهامى لعجزهم عن الرد على أى إعتراض لى على أعمالهم ـ خاصة منذ 11 سبتمبر وحتى كوارث العراق والشام . وعجزهم عمليا عن تحقيق أى تقدم ولو جزئى فى أى ساحة أو أى مجال. إنهم مجرد حالة فشل دائم ومتضخم. وإتهاماتى لهم واضحة وثابتة ولم تتغير ، وليس فيها أى طعن شخصي ، بل طعن فى حركتهم الجهادية وعدم كفاءتها ، وكارثيتها العملية ، ومنهجها الفكرى المُدَمِّر للأمة . وردهم الوحيد كان القفز من النقاش الموضوعى إلى السباب والإتهام “بالتشَيُّع “. وهو مجال لا أدخل فيه ولا جدوى منه.

 

تطبيقات جوجل للتمييز بين الحق والباطل :

ثم برروا جميع إتهاماتهم لي لمجرد تواجدى فى إيران. وكأنهم على صواب فى كل شئ لمجرد عدم وجودهم فى إيران . أو كأن الحق والباطل مسألة تتعلق بخطوط الطول والعرض ويمكن تعريفها جغرافيا .

وبعد أن كانوا يعرفون الحق بالرجال ـ وليس كما ينبغى، بأن يكون الحق معروفا بذاته ، وبه تكتشف معادن الرجال وتعرف مواقفهم، حقها من باطلها ـ صار الحق والباطل فى العصر السلفى الجهادى مسألة يحددها تطبيق موقع “جوجل” للخرائط ـ وبمعنى آخر : (قل لى مِنْ أين تتكلم أعرف مَنْ أنت، وهل أنت من أهل الحق أم من أهل الباطل ). فلو تَوقَفَتْ خدمات “جوجل” لألتبس عليهم الحق والباطل .

–  فى رسالة إتهامات ” أبوت آباد ” كانت تحمل توقيع كاتبها (أبو الخير) وهو صديق قديم إلتحق بالقاعدة متأخرا جدا ، حوالى عام 2001 بعد إنقسام شهير فى تنظيم الجهاد فى قندهار والذى كان يحوى وقتها 11 عنصراً أنضم منهم 5 مع الدكتور الظواهرى إلى تنظيم القاعدة إندماجيا وليس إتحاداً كالسابق وانفصل نصف التنظيم الآخر ـ خمسة أفراد تحت قيادة أخرى .

–  ورغم أن جوهر إعتراضاتى على القاعدة والتيارات السلفية الجهادية كان ثابتاً منذ أيام الجهاد الأول، وبعضهم سمعها منى مباشرة فى الأيام الخَوَالي ، أو قرأها مدونة فى أوراق ضمتها كتبى إلا أن وجودى فى الإعتقال فى إيران كان طوق نجاة لهم، وفرصة لإتهامى بالوقوع تحت تأثير إيران ( عميلا .. مأجورا .. مرتبط ..) الخ وإلا فأيام أفغانستان لم يكن لديهم ما يقولونه سوى الهمس سراً (إنه علمانى متأثر بالمنظمات الفلسطنية التى عمل معها) فى إشارة لعدة أسابيع قضيتها فى لبنان مع منظمة فتح وقت الإستنفار ضد الإجتياح اليهودى لجنوب لبنان عام1978 فكانت تلك نقطة “سوداء” تعلقوا بها ـ إضافة إلى طعنهم فى أسلوب كتاباتى(!!) كونه علمانيا وليس إسلاميا (أى خالي من السجع والإستشهاد بدون مناسبة غالبا بالنصوص الشرعية كدليل على حسن النية وسلامة الإنتماء السلفى، خاصة عند التعلق بفتاوى إبن تيمية وأبناء باز وعثيمين.

ولكن أرائى المنشورة والثابتة تدين السلفية الجهادية كلها بما فيها القاعدة. وهو موقف ثابت منذ ثمانينات القرن الماضى ، قبل إختراع تطبيق جوجل للخرائط ، أوموقع جوجل للتمييز بين الحق والباطل .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

12 سؤال من كابل (الجزء الثاني)

 




12 سؤال من كابل (الجزء الاول)

12 سؤال من كابل (الجزء الاول)

12 سؤال من كابل

(الجزء الاول)

 

مقدمة بين يدى الأسئلة :

وصلتنى رسالة من الإستاذ {إسماعيل} وهو إعلامى أفغاني مقيم فى كابول  . لديه أسئلة موجهة لي تحت عنوان  (12 سؤال .. لمصطفى حامد ) .

ولكننى وجدت أن العدد الحقيقى للأسئلة يتخطى ذلك العدد بكثير ـ وفى ذلك (تناقض) ـ وقد إشتكى صاحب الاسئلة من أنه ضبط تناقضات فى بعض مواقفى . ولكنه أوجد لى عذرا لأننا ـ حسب قوله ـ {نعيش فى زمن ملئ بالإضطرابات والفتن والحروب . زمن يختنق فيه الحق ويرقص فيه الباطل على عرش المقدسات. فالذين إدَّعُوا سابقا أنهم أهل الحق ، ويقيمون الحد على كل من يخالف الشريعة ، هم أنفسهم اليوم يتزاحمون على الخمارات وصالات القمار . وأتذكر وجوهم فى الحالتين } .

ويقول أيضا: {إن ما نراه اليوم ليس جديداً ، ولكننا كنا بعيدين جداً عن الصورة الحقيقية إلى حد الصدمة }. ثم ينقل تعليق لصديق له على حاله هذا : (إحمد الله أن ذهنك قد نضج ، ولكن يجب أن تدفع الثمن . وكل إنسان طيب أو شرير سيدفع الثمن وكل إنسان سيقرر مساره عندما يبلغ هذه النقطة ) .

ثم يعتذر بلباقة عن خشونة بعض الأسئلة ، أو صيغتها غير المجاملة ، معطياً لي الحق فى الرد أو عدم الرد على أى سؤال . وفى الحقيقة كانت الأسئلة وصياغتها مهذبة جداً . ولا يمكن مقارنتها بأسئلة وأساليب كثيرة وصلتنى من العالم العربى حيث بلاغة الهجاء لامست قاع الإنحطاط البعيد.

–  وبالنسبة للتناقض فى آرائى ومواقفى ، فلم أجد له أثراً فيما أورده من أسئلة . ولكن كما ذكرت فى مقدمة كتابى الأول (15 طلقة فى سبيل الله) فإن ما كتبته كان تسجيلاً للأحداث وأيضا للحالة الفكرية التى كانت سائدة بين العرب وقتها . وقلت أن العديد من آرائى تبدلت بمرور الزمن وتوالي الأحداث ، ومع تكشف الكثير من جوانب الواقع التى لم تكن واضحة فى البداية . وأننى أوردت آرائى كما كانت وقتها بما فيها من قصور أو أخطاء ، فلم أدعى الحكمة بأثر رجعى كما يقولون . وأظن أن ذلك ليس تناقضاً بل تطورا طبيعيا للأفكار، وهو ما يناقض الجمود والإنغلاق .

نبدأ الجولة مع الأسئلة القادمة من كابول العزيزة على قلوبنا . وكانت إجاباتى مستفيضة أحيانا ـ حتى يطول أمد اللقاء . وقد أجبت علي الأسئلة جميعا.

وتمنيت لو قضيت وقتا أطول فى الحوار الممتع .. بالنسبة لي على الأقل .

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

 

12 سؤال من كابل …  (الحلقة ـ 1)

 

السؤال ـ الأول

قلت فى بعض الحوارات التى أجريتها أنك لست من القاعدة. ولكن الكثير من التحليلات والأخبار سواء المحلية أو العالمية يقولون أنك قيادى أو  مستشار أو مساعد أو كل ذلك .

– أنت ربطت نفسك عائليا مع القاعدة بزواج إبنتك من سيف العدل .وكان لك حضور فى جلسات كثيرة بها كبار القاعدة، وعشت بينهم. وأيضا بايعت الملا عمر نيابة عن بن لادن وكل القاعدة. كيف تشرح التناقض الموجود؟؟.

– من جهة أخرى بعض المحللين الذين يكلمونى يقولون لى : مصطفى حامد من أكبر مشاورى الطلبة، بدليل أنك كنت أول عربى يبايع الملا عمر نيابة عن العرب وعن نفسك. وحتى هذه اللحظة أنت إلى جانب الطلبة ومستمر معهم بأى وسيلة متاحة لك .

هل لك رد على هذه التحليلات ؟؟.

 

إجابة السؤال ـ1 :

علاقتى مع القاعدة ـ وحركة طالبان .      

أولا ــ علاقتى بالقاعدة :

كررت مرارا أننى لم أكن يوما عضواً فى تنظيم القاعدة . ولم يمنع ذلك من أن يكون مؤسسي القاعدة هم من أقرب أصدقائى . خاصة أبو حفص المصرى وأبوعبيده البنشيرى .

وهما المؤسِسَان التنفيذيان للقاعدة بداية من صيف1987 بتوجيه من أبوعبدالله (أسامة بن لادن). فمنذ عام 1985 عملنا كفريق فى منطقة خوست (لأول مرة تعمل مجموعة من العرب كفريق). نعمل مكتملين أحيانا ، وفى معظم الأوقات أعمل مع صديقى الشهيد عبد الرحمن المصرى منفردين. وأنضم إلينا لفترة (أبوالخيرالمصرى) الذى إلتحق بتنظيم الجهاد ثم بالقاعدة فى مرحلة متأخرة . وأفراد قلائل آخرين شاركونا أحيانا.

تعرفت على بن لادن شخصيا مع بدايات1988 وتكلمنا خلال عدة جلسات عن جهاد أفغانستان وعن نظرية حرب العصابات التى كانت مدهشة بالنسبة للعرب ويرونها غير قابلة للتطبيق.

ومثل كثيرين غيرى ممن قابلوا بن لادن فأحبوه وقدروا صفاته الرائعة، التى نادرا ما تجتمع فى شخص واحد ، فقد إعتبرت أننا أصبحنا أصدقاء مقربين ، وذلك يرجع إلى كرم أخلاقه.

وكأصدقاء قريبين كنا نتزاور ونتشاور ونتناقش. نتفق أحيانا ونختلف أحيانا أكثر ، وكانت علاقاتنا تتوثق بإستمرار . لم تهتز لكثرة الخلاف فى وجهات النظر حول تقييم جهاد أفغانستان والجهاد عموما . وكنا نتشاور حتى فى المسائل الشخصية والعائلية . وقد شاورتهما فيما يتعلق بزواج بناتى. وأخذت بمشورتهما بداية من زواج أبنتى الكبرى بسيف العدل الذى كان قد إلتحق حديثا بالقاعدة فى عام 1990 تقريبا.

لم تتوتر العلاقة إلا بعد التهديد العلنى العنيف الذى وجهه بن لادن للولايات المتحدة قبل عملية سبتمبر ـ وقد ذكرت لقائنا الأخير بتفاصيله تحت عنوان وداعاً قندهار فى كتاب صليب فى سماء قندهار . واستمر خلافى شديدا مع عدد من منتسبى القاعدة ، الذين لم تشملهم العلاقات التى كانت تجمعنى مع المؤسسين الثلاثة : بن لادن/ أبوحفص/ أبوعبيده . فلم تسنح فرصة لتوثيق العلاقات الشخصية معهم، لا فى الحياه العامة ، ولا فى الجبهة التى تبنى أقوى العلاقات بين المجاهدين .

ــ لم يكن فى خلافاتنا أى عنصر شخصي ، بل كنا أقرب الأصدقاء ، لهذا ظن أكثر من نظر إلينا من الخارج أن الذى يجمعنا كان رباطاً تنظيمياً وثيقاً . وأننى ربما كنت قيادياً أو مشاوراً أو أى منصب تنظيمى آخر . لقد كانت علاقتنا أقوى وأرقى من كل ذلك. رحمهم الله جميعا ، فقد تركوا خلفهم عالماً خالياً إلا من الأشباح .

 

ثانيا ــ علاقتى بحركة طالبان :

حسب متابعاتى فإن طلبة العلوم الشرعية (طالبان) ظهروا خلال الحرب السوفيتية فى تجمعات صغيرة فى بعض الجبهات ، ولم يكن لهم تنظيماً خاصاً ، بل إنتموا إلى تنظيمات جهادية قائمة، أولها تنظيم إنقلاب إسلامى (مولوى نصر الله منصور) . وإنقلاب إسلامى (مولوى محمد نبى محمدى) ، وحزب إسلامى (يونس خالص ). وقابلت الكثير منهم فى جبهات مولوى جلال الدين حقانى . هؤلاء الشباب وشيوخهم الذين تمكنت من رؤيتهم ، ومجموعاتهم المجاهدة، هم من أعطونى ثقة غير محدودة فى مستقبل الإسلام فى أفغانستان .

وأول قادتهم الكبار الذين قابلتهم كان مولوى إحسان الله إحسان . وكنت أعتبره قائدا مثاليا ذو فكر إسلامى عميق ورؤية سياسية شاملة ونافذة . قابلته أولا فى خوست بعد أن دخلتها قوات طالبان تحت قيادته فى عام 1995 . ثم قابلته ومعى بن لادن ومجموعة صغيرة من العرب فى غرفة ضيقة إلى جانب أحد سلالم (القصر الجمهورى) فى كابل . كنا مكدسين فى غرفة مزدحمة بالكتب وكان الفصل شتاءً . وحدثنا الشيخ حديثا لم نسمع مثله قبلاً ، وجميعنا خرجنا بأعين باكية ، وعرق يتصبب . وظننت أن لهذا الرجل دور كبير فى المستقبل . ولكننا والإسلام والأفغان خسرناه فى الحرب الأهلية فى محافظة بغلان . وقد ذكرت التفاصيل فى كتاب (صليب فى سماء قندهار).

– طالبان وبطولاتهم التى عاصرناها كانت كثيرة جدا فى مرحلة الحرب مع السوفييت لهذا عندما ذهبت لمبايعة الملا عمر ـ رحمه الله ـ أميرا للمؤمنين ، لم أكن ذاهباً إلى المجهول ، بل متوجها صوب أمل طال إنتظاره . ورغم قصر مدة تعارفنا، وقلة المناسبات التى جمعتنا ، شعرت دوما برباط قوي يربطنى مع هذا الشخص النادر ـ ولا أشك أن كثيرين جدا قد إنتابهم نفس الشعور تجاهه .

ومع المجموعة القليلة الذين عرفتهم من حركة طالبان شعرت بالأخوَّة الوثيقة التى تربطنا منذ أيام الجهاد الأولى والمعارك مع الشيوعيين والسوفييت . لهذا لم تكن هناك عقبات فى تبادل وجهات النظر فى مسائل عديدة ـ بعضها هام ـ بدون أن يكون ذلك موصولا برباط تنظيمى، فهناك ما هو أقوى من الرباط التنظيمى، وهو الأخوَّة التى تربط المسلمين، إذا أتيحت لهم الفرصة المناسبة لتحقيق معانيها.

وبمعنى آخر كانت علاقتى بحركة طالبان ـ وأمير المؤمنين ـ إمتدادا لعلاقتى بالقاعدة وأسامة بن لادن من تلك الناحية. وليس ما يهذى به (محللون ومتابعون من هناك أو هنا). فأكثر أقوالهم تعبر عن أمراض العصر الحالى وتشوهاته الفكرية ، التى إنتقلت من الغرب إلى الشرق المسلم.

 

لماذا بايعت الملا عمر ؟ ونيابة عن مَنْ ؟

كانت هناك عدة نقاط تمثل مصدر ثابت للإختلاف بينى وبين المجاهدين العرب عموما وعلى وجه أخص الأصدقاء الثلاثة : بن لادن ـ أبوعبيده ـ أبوحفص . من تلك النقاط : دور العرب فى أفغانستان ـ وأفضل أسلوب لمشاركتهم القتالية ـ وخطورة التوتر المذهبي الذى يوقد نيرانه الوهابيون والسلفيون العرب . حتى وصلنا لمرحلة إنتهاء الحرب ودور العرب القادم إلى أفغانستان بعد التحرير .

لم نصل إلى حل لإختلاف وجهات النظر ، ولا حتى تقارب ـ ولاحاجة للقول أن ذلك لم يكن ليؤثر فى علاقتنا الأخوية المتينة ، ولا تبادل وجهات النظر فى كل شئ ، مهما كانت درجة الخلاف أو الوفاق فى كل موضوع .

– كنت منذ البداية المبكرة جدا أحذر من إستطعت من المجاهدين العرب أننا سوف نقع ضحية الغدر الدولي فى نهاية المطاف ، عندما ينتهى الإحتياج إلينا فى أفغانستان . وقتها سوف نُعْتَقل ونُسجَن ونُقتَل ، ويشوهون سمعتنا بكل الطرق. فاعتبر أكثرهم ذلك إغراقا فى التشاؤم ، أو تثبيطاً عن الجهاد . تكلمت عن الفساد المستشرى فى أحزاب بشاور، وسلوكهم المُعْوَج فى الجبهات، فأضافوا لي إتهاماً جديداً هو العمل ضد الجهاد . وإتهمنى (سياف) فى حديث مع برنامج إذاعى سعودى بأن (مايقوله “فلان” ـ يقصدنى ـ وما يقوله راديو موسكو يخرج من مشكاة واحدة ) ـ وانتشر إلى حد ما إتهامى بأننى شيوعى متخفى يعمل على تخريب الجهاد. والطريف أن صفوة من اليساريين العرب ، وبناءً على مقالاتى فى صحيفة الإتحاد الإمارتية ـ إتهمونى بأننى عميل أمريكى فى أفغانستان يعمل لصالح الإمبريالية الإمريكية.

وهكذا فى نفس الوقت تلقيت إتهامين متضادين ، أعمل فيهما ضد الإتحاد السوفيتى والولايات المتحدة ـ كعميل مستأجر ـ فى أفغانستان !! .

حذرت إخواتى المجاهدين وفى طليعتهم قيادات القاعدة وإقترحت عليهم الإستمرار فى أفغانستان وتشكيل قبيلة عربية ـ تدير شئونها بنفسها إلى أن تنتظم دولة إسلامية. فنُساهِم فى بناء البلد وندافع عنه بدون أن نثقل عليه من أى ناحية .

والنتيجة : لم يستمع أحد . وبعد فتح كابول بدأ العرب يغادرون باكستان أفواجا تطاردهم قوات الأمن الباكستانية ، يدعمها طيف واسع من أجهزة المخابرات العربية .

بشكل عام كان فتح كابول فى أبريل1992 إيذانا بعودة العرب إلى أوكارهم القديمة، والشروع فى تجارب جهادية جديدة لم تكن سعيدة ولا ناجحة ، بل ذاخرة بكافة دروس التجربة الأفغانية التى أسئ فهمها. إلى أن عاد بن لادن إلى جلال آباد ، مُبْعَداً من الخرطوم فى مايو 1996 .

فبدأ رجوع العرب أفراداً وجماعات . بعضهم إلتف حول بن لادن وآخرون فضلوا الإستقلال . والجميع يعمل بنفس طريقتهم القديمة فى بيشاور. أوضاع أفغانستان لم تكن تحتمل ذلك، لكن فكرالعرب كله كان منحصرا فى تنمية جماعاتهم، مع قليل من الإنتباه إلى أفغانستان نفسها.

وقتها طرحتُ فكرة مبايعة ـ أمير المؤمنين الملا عمر ـ والإندماج فى الحالة الإفغانية بدلا من هذا المسار الخطير من التشرزم . فقال العرب أن الإمارة الإسلامية هى دولة أفغانية ـ وأمير المؤمنين ـ هو أمير على الأفغان فقط . فى الحقية كانوا يدافعون بإستماتة عن إستمرار تنظيماتهم، فى حالة التشرزم والخلاف التى أصبحت طبيعة تلازمهم وتتقدم على ما سواها، حتى على مصالح الإسلام والمسلمين.

شعرت بالخطر الكامن خلف تلك المفاهيم ، فقررت أن أثبت لهم العكس فتحركت من كابول إلى قندهار ، وقدَّمْتُ بيعتى للملا محمد عمر رحمه الله . ثم حاولت إقناع العرب بالبيعة فماطلوا لأسابيع حتى وافق بن لادن على أن أذهب أنا وأبايع الملا محمد عمر نيابة عنه ، وفعلت . وبعدها لا أدرى كيف بايع الآخرون ومتى . فقد إنتهى دورى فى موضوع البيعة عند ذلك الحد.   ولكن لاحظت إبتعاد العرب عني تدريجيا ـ بدون أسباب ظاهرة. وعلمت أننى “متهم” بينهم أننى(طالباني) ولست (عربيا ). وكان ذلك على ما أظن آخر “إتهام” أصاب به فى أفغانستان .

– بعد التشرد وسقوط نظام الإمارة بالغزو الأمريكى ـ وكتاباتى عن أخطاء العرب والقاعدة فى أفغانستان. ودورهم الضار والخطير فيما جرى من أحداث إنتهت بإحتلال البلد وسقط الإمارة ، تحت مظلة وفرها هجوم 11 سبتمبر ، عندها بدأت إتهامات من نوع جديد ، وهو أننى شيعى واقع تحت سيطرة (إيران) ـ خاصة وأننى خُضتُ حوارا فى موقع “مافا” شارك فيه لأول مرة شيعة من أفغانستان إلى جانب إعلاميين من حركة طالبان. وتلك كانت خطيئتى الكبرى فى نظر بقايا القاعدة وجحافل السلفية الجهادية ـ وهى خطيئة غير قابلة للمحو أوالغفران .

 

صهر سيف العدل:

ضمن لائحة الإتهام التى يوجها لي الإعلام الحكومي العربي، والدولي ـ هو زواج إبنتى من سيف العدل. ويعتبرون ذلك قرينة لا يمكن دحضها على صحة ما ينسجونه من أكاذيب حول علاقات، جنائية وتآمرية . بإعتبار أن أى شئ يتعلق بي أو بالقاعدة أو بالمجاهدين عموما هو نوع من الإجرام والإرهاب والتآمر الخفى . وأن أوثق المعلومات عن حقيقة أحوالنا ونوايانا هو تقاريرهم الإستخبارية المخمورة .

 

كمين متفجرات .. سبباً للمصاهرة:

تعرفت على سيف العدل قبل أشهر من زواجه بإبنتى . لم يقدمه لى أحد للتعارف ، بل هو قدَّم نفسه لي عبر كمين بالمتفجرات”!!” ، إستهدفنى ذات مساء أنا ومجموعتى بينما نحن متجهين صوب الخط الأول، للإشتباك ليلا مع مطار خوست .

فبينما نحن  فى (بيك أب) متهالك وسط وادى ضيق جدا بين تلال تكسوها الشجيرات ، ويخترقه جدول ماء صغير ، دوى إنفجار ، وطارت إحدى الشجيرات لتستقر أمام السائق على الزجاج الأمامى . ركاب الصندوق الخلفى ـ من شباب المجاهدين الأفغان ـ كانوا فى لمح البصر تحت السيارة ، وأنا ظللت متجمداً إلى جانب السائق فى شجاعة مصدرها حصولي على معلومة مبكرة بوجود كمين قبل أن نتحرك بالسيارة. أمدنى بالمعلومة أحد شباب القاعدة المتعاطفين مع مشروعنا على مطار خوست. أعقب الإنفجار شلال من الطلقات السريعة ـ فى الهواء طبعا ـ ثم تقافز أصحاب الكمين للإطمئنان على سلامتنا، وأصروا على أن نتناول الشاى معهم فى غرفة معلقة فوق جرف يشرف على المكان.

وكان يقودهم شاب ذو ملامح شرق آسيوية ـ بأعين ضيقة ماكرة ـ وإبتسامة بريئة لمتآمر محترف. كان خفيف الحركة نشيطاً ضاحكاً ـ أحببته كثيرا رغم غدره بمجموعتى . وقلت فى نفسى إن هذا الفتى محارب أصيل، ينتظره مستقبل كبير لو أنه ظل حياً .

بعد أشهر تقدم للزواج من أبنتى ـ ولم أكن فى حاجة لمشاورة أحد ـ لولا محبتى لعمالقة القاعدة أبوعبيدة وأبوحفص ـ فقد إستشرتهما فى أمر الزواج فوافقا على الفور .

–  واضح من هذه القصة العجيبة أنه لم يكن زواجاً سياسيا بينى وبين القاعدة ، بل كان كمين بالمتفجرات ـ كان يستهدف فى الأصل أبوعبيده وأبوحفص ولكنه أصابنى ومجموعتى . فكان سببا فى المصاهرة ـ وسببا فى كمين آخر قام به سيف مع واحد من أشجع مقاتلى القاعدة وهو أبوإسلام ـ شهيد الشيشان ـ لتدمير دبابة للعدو تستحكم فوق جبل فى خط الدفاع الأول . وذلك بناء على إقتراحى الذى وافق عليه مولوى جلال الدين حقانى. وقد فشل الكمين فى تدمير الدبابة المستهدفة لكنه وثق علاقتى بإثنين من أفضل شباب القاعدة وقتها، وهما الشابان سيف العدل وأبو إسلام . أما الدبابة فقد غنمها المجاهدون سليمة فى معارك فتح خوست.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

12 سؤال من كابل (الجزء الاول)