ذات يوم (31) .. وا إسلاماه !.. يا الله أنصر عبدك قطز على التتار

0

ذات يوم (31)

(وا إسلاماه !)

يا الله أنصر عبدك قطز على التتار

 

” الجمعة 25 رمضان 675 هـ”

وتقدم الملك المظفر قطز لسائر الولاة بإزعاج الأجناد في الخروج للسفر ، ومن وجد منهم قد إختفي يضرب بالمقارع.

وسار حتي نزل بالصالحية وتكامل عنده العسكر ، فطلب الأمراء وتكلم معهم في الرحيل فأبوا كلهم عليه وامتنعوا من الرحيل .

فقال لهم: (يا أمراء المسلمين ! لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون وأنا متوجه، فمن أختار الجهاد يصحبني ومن لم يختر ذلك يرجع إلي بيته. فإن الله مطلع عليه ، وخطيئة حريم المسلمين في قارب المتأخرين) .

وذكَّرَهم بما وقع بأهل الأقاليم من القتل والسبي والحريق ، وخوفهم وقوع مثل ذلك ، وحثهم علي استنقاذ الشام من التتر ونصرة الإسلام والمسلمين ، وحذرهم عقوبة الله .

فضجوا بالبكاء ، وتحالفوا علي الاجتهاد في قتال التتر ودفعهم عن البلا. فتكلم الأمراء الذين تخيرهم وحَلَّفَهم في موافقته على المسير ، فلم يسمع البقية إلا الموافقة وانفض الجمع .

فلما كان ركب السلطان ، وقال: (انا ألقي التتار بنفسي)

فلما رأي الأمراء مسير السلطان ساروا علي كُرْة ، وأمر الملك قطز الأمير “ركن الدين بيبرس البندقداري” أن يتقدم في المعسكر ليعرف أخبار التتار، فسار بيبرس إلي غزة وبها جموع التتار ، فرحلوا عند نزوله ، ومَلَكَ غزة، ثم نزل السلطان بالعساكر إلي غزة وأقام بها يوما، ثم رحل من طريق الساحل علي مدينة عكا. وبها يومئذ الفرِنج ، فخرجوا إليه بتقادم ، وأرادوا أن يسيروا معه نجدة ، فشكرهم وأخلع عليهم ، واستحلفهم أن يكونوا لا لَهُ ولا عليه ، وأقسم لهم أنه متي تبعه منهم فارس أو راجل يريد أذي عسكر المسلمين رجع وقاتلهم قبل أن يلقي التتار .

فأمر السلطان حينئذ أن يسير الأمير ركن الدين بيبرس البند قداري بقطعة من العسكر ، فسار حتي لقي طليعة التتر.

فكتب إلي السلطان بعلمه بذلك وأخذ في مناوشتهم ، فتارة يقدم وتارة يحجم ، إلي أن وافاه السلطان على (عين جالوت ).

وكان كتبغا وبيدار نائبا هولاكو ، لما بلغهما مسير العساكر المصرية جمعا من تفرق من التتر في بلاد الشام ، وسارا يريدان محاربة المسلمين ، فالتقت طليعة عسكر المسلمين بطليعة التتر وكسرتها.

فلما كان يوم الجمعة خامس عشرين شهر رمضان : التقي الجمعان ، وفي قلوب المسلمين وَهْمٌ عظيم من التتر ، وذلك بعد طلوع الشمس. وقد امتلأ الوادي وكثر صياح أهل القري من الفلاحين ، وتتابع ضرب السلطان والأمراء فحيز التتر إلي الجبل فعندما اصطدم العسكران اضطرب جناح عسكر السلطان وانتفض طرف منه .

فألقي الملك المظفر عند ذلك خوذته علي رأسه إلي الأرض وصرخ بأعلى صوته: (وإسلاماه !) وحمل بنفسه وبمن معه حملة صادقة ، فأيده الله بنصره وقتل كتبغا مقدم التتر ، وقتل بعده الملك السعيد حسن بن العزيز ـ وكان مع التتر .

وانهزم باقيهم ومنح الله ظهورهم المسلمين يقتلون ويأسرون وأبلي الأمير بيبرس أيضا بلاء حسناً بين يدي السلطان.

مما اتفق في هذه الواقعة ، أن الصبي الذي أبقاه السلطان من رسل التتر وأضافه الي مماليكه ، كان راكبا وراءه حال اللقاء . فلما التحم القتال فوَّق سهمه نحو السلطان ، فبَصُر به بعض من كان حوله فأمسك به وقتل مكانه، وقيل بل رمي الصبي السلطان بسهمه فلم يخطئ فرسه وصرعه إلي الأرض، وصار السلطان علي قدميه ، فنزل اليه “فخر الدين ماما” وأركبه فرسه حتي حضرت الجنائب فركب فخر الدين منها .

ومرَّ العسكر في أثر التتر إلي قرب بيسان ، فرجع التتر وصافوا مصافا ثانيا أعظم من الأول ، فهزمهم الله وقتل أكابرهم وعدد منهم . وكان قد تزلزل المسلمون زلزلا شديداً فصرخ السلطان صرخة عظيمة :(ياالله أنصر عبدك قطز على التتار).

فلما انكسر التتار الكسرة الثانية ، نزل السلطان عن فرسه ومرغ وجهه علي الأرض وقبَّلها ، وصلي ركعتين شكراً لله تعالي ثم ركب ، فأقبل العسكر وقد امتلأت أيديهم بالغنائم

فَوَرَد الخبر بانهزام التتر إلي دمشق ليلة الأحد سابع عشرية ، وحملت رأس كتبغا مقدم التتار إلي القاهرة ، ففر “الزين الحافظي” ونواب التتار من دمشق، وتبعهم أصحابهم فامتدت أيدي أهل الضياع إليهم ونهبوهم  فكانت مدة استلاء التتر علي دمشق سبعة وعشر أيام .

(عن كتاب السلوك في سيرالملوك ــ للمقريزي)

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

 

ذات يوم (31) .. وا إسلاماه !.. يا الله أنصر عبدك قطز على التتار



ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا