جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 33

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية | السنة السادسة عشرة – العدد 184 | شوال 1442 ھ – مايو 2021 م.   

28-05-2021

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (33)

حقاني في الخط الأول: التراجع ممنوع في هذه المعركة

 

–  “ماليزي” مفاجأة معركة الفتح، والعدو يحصل على ساعة الصفر قبلها بساعات.

–  حقاني يفاجئ قواته وقوات العدو، وينقل المحور الرئيسي للعمليات إلى ماليزي في الشرق بدلا من غرب تورغار.

–  عند الفجر احتل المجاهدون جبال ماليزي بسهولة، ولكن العدو اقتلعهم ظهراً بعنف. فذهب حقاني إلى الخط الأول وقال لمجاهديه: إنه باقٍ إلى أن يستردوا جبال ماليزي المفقودة.

–  شباب”وردك” الفقراء قلبوا موازين المعركة. ورئيس الدولة يفاوضهم ويسبهم على الهواء.

–  حقاني قبل معركة فتح خوست يفقد أقرب ثلاثة من أفراد من أسرته.

–  “إبراهم” شقيق حقاني تقيأ دماً بعد فقدان والدته وشقيقه، ولم يتبق مع حقاني سوى الأخ الأصغر “خليل ” الذي كان جيشاً كاملا، وكنا نتعجب منه قائلين (لا يفل الحديد إلا خليل).

–  التجار يهددون حقاني إن لم يرفع الحصار عن خوست، ويدفع الديون المستحقة عليه.

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

مركز ماليزي وراجمة البدو كانت أول خطوة عملية لنا في المشروع الجديد. خلف مركز البدو بحوالي ثلاثمئة متر، كانت سلسلة منخفضة من التلال، اتخذ فيها مركز مجبور موقعا جديدا ليكونوا أكثر قربا من منطقة “لاكان” التي حاولوا العمل فيها ضد المطار الجديد، ولكنهم فشلوا في الإستمرار. فاستعرنا منهم مغارة ذات بوابة حديدية لتكون مركزا لتخزين الصواريخ لعمليتنا القادمة، خاصة لراجمتنا في ماليزي.

في الجبهة الشرقية كان التحدي الأكبر. والمشهور أن هناك اتفاقا سريا بين “المجموعات الجهادية” هناك وبين العدو في ميثاق عدم اعتداء (على أقل تقدير). أي ألا تُستَخدم منطقتهم لإيذاء العدو، الذي لن يتعرض لهم في المقابل.

في المنطقة لا توجد مغارة واحدة، ولا خندق واحد سوى الخنادق والحُفَر التي كانت تستخدمها القوات الحكومية، وجميعها مكشوفة من جهة المدينة، أي لا تصلح لاستخدم المجاهدين.

بدأنا بأقصى طاقتنا في حفر ثمانية مغارات دفعة واحدة. أربعة منها لاستخداماتنا وأربعة لمجموعات “المجاهدين” في الخط الأول. وكانوا قد طالبونا بحفر مغارات لهم عندما شاهدوا العمل عندنا. ورحبنا بحالة الحماس التي رافقت ذلك العمل.

كان ذلك الخط فقيرًا جدًا في الرجال والمعدات. فهناك أربع مجموعات تتبع أربع تنظيمات مختلفة وإن كانوا جميعا من أهل المنطقة.

أحد هذه المواقع يشغله شيخ في حوالي السبعين معه خمسة من أحفاده دون السادسة عشر من عمرهم. مواقع أخرى كان عدد أفرادها لا يزيد عن خمسة أفراد.

الجميع مسلحون بأسلحة خفيفة وهناك هاون واحد ومدفع واحد عديم الارتداد. بعد جولة سريعة في ذلك الخط أيقنت أنهم سوف يفرون في أول فرصة تتاح لهم، أو أنهم سينقضون علينا إن هَزَمَنا العدو.

قيادات المنطقة كانت سيئة جدا، لكننا قابلنا الكثير من المجاهدين وسكان المنطقة وكانوا من الطيبين الشجعان، مثل أغلب سكان الجبال، وقد عاملونا بترحاب ومودة.

من المفاجآت الحسنة أن قابلت هناك “الضابط كمال” الذي تعرفت عليه في معركة ليجاه عام 1982ـ وقد تحول إلى حزب حكمتيار، وظل شقيقه الأصغر، وكان من القلائل الجيدين، ظل ضمن جماعة حقاني.

كان والدهما ـ عبد القيوم خان ـ من أعيان منطقة لاكان وأغنيائها المعدودين وهو شخصية جهادية تاريخية في المنطقة، لكونه أول من اصطدم بالسلاح مع الشيوعيين في خوست عند بداية عهدهم المتغرطس والدموي عام 1978.

عند وصولنا إلى منطقة لاكان وقبل أن نعبر نهر شمل كان منزل عائلة عبد القيوم أول مراكزنا للاستراحة وتناول الطعام الذي كان دومًا من نوعية جيدة، مع استقبال حميم من رجال الأسرة ومجاهديها.

ما إن نعبر نهر شمل ونصبح في الجبهة الشرقية حتى ننحرف مئة متر إلى اليسار حيث أحد البيوت المهجورة التي اتخذها المجاهدون قاعدة إدارية لهم، وسمحوا لنا باستخدامها.

عندما وصلنا البيت ليلا لم ألاحظ أن أحدا يحرس المكان، فقد تركوا المهمة لجرو صغير جداً في حجم الكَفْ. وما أن دخلنا حديقة البيت حتى وجدته ينبح بشدة وقد التصق بقدمي يريد أن ينهشها. لم أكن متعودا على الكلاب ومزاحهم الثقيل. لذا هممت أن أوجه رفسة إلى هذا الجرو التافه فأطيح به إلى العدو في هضبة متون.

وما أن تهيأت لفعل ذلك، حتى سمعت زمجرة، ولمحت على بعد خطوات قليلة إلى اليمين وفي الظلام كلبة مهولة في حجم أسد كبير تربض في وضع الاستعداد، فقد كانت تلك السيدة هي والدة الأستاذ الجرو العزيز. فاعتدلت في وقفتي وابتسمت بنفاق للجرو اللطيف، وصرت من ليلتها من محبي الكلاب وأنصار حقوق الحيوان.

أطلقت على هذا الجرو المفترس اسم “نصف نعل” وصار ذلك إسماً لمَقَرِّنا الإداري الجديد، نستخدمه للتمويه عند الحديث على المخابرة.

 

 

جيش وردك للحفريات:

حقيقة كانوا جيشاً عظيم الأهمية ـ وقلما انتبه أحد إلى خطورة دور هؤلاء الشباب الفقراء على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.

سبق وأن تحدثنا عن”شركات ” الحفريات التي شكلها شباب من ولاية وردك (غرب كابول). ولما كانت خوست هي ذروة العمل العسكري في أفغانستان، فقد توجه إليها عشرات من الشباب الذين تربطهم وشائج القربى والجيرة، كي يعملوا معا في سلسلة “شركات” لحفر المغارات في جبال خوست.

القصف الهستيري بالطائرات وصواريخ سكود، أقنع المجاهدين تماما أن لا مجال لأي عنتريات، وأن العمل وفق ” الأصول” هو خير سبيل لتجنب الإبادة بل ولتحقيق النصر.

لقد أدركوا بالتجربة الطويلة، والفِطْرَة القتالية المرهفة صحة الحكمة الصينية القائلة:

“عندما تكون قويا انقض من أعلى مثل العُقاب، وعندما تكون ضعيفا احفر عميقًا في باطن الأرض”.

الرئيس نجيب الله “كان ممن قدروا الدور الخطير” لجيش وردك”، فمنحهم لقب “الفئران أولاد الفئران”، متهماً إياهم بإفشال المجهود الجوي لقواته، وبالتالي نجاح المجاهدين في قضم المواقع الحكومية حتى ضاقت الأرض بقواته في خوست.

ثم وعدهم “نجيب” بإجزال العطاء لهم إن هم تركوا خوست وحضروا إلى كابول. كان الوقت قد تأخر كثيرا، فلا أحد يثق في النظام، ولا مدينة خوست قادرة على الصمود أكثر من ذلك، فالهجوم النهائي على وشك أن يبدأ.

قدمنا تسهيلات كبيرة لرجال الحفريات حتى ينجزوا أعمالنا في الجبهة الشرقية بأسرع ما يمكن فقد كنا في سباق محموم مع الوقت. واشترينا لهم كافة مستلزماتهم، ووعدناهم بترك كل ما اشتريناه من معدات هدية لهم بعد إنجاز العمل.

فأنجزوا المطلوب في وقته المحدد، وكانوا سعداء بما قدمناه من أجر وهدايا، فكانوا يعطون أعمالنا أولوية مطلقة.

في مواضعنا القديمة “للمطار90” حفروا لنا مغارة جديدة في موقع الراجمة رقم5 (مركز أبوالأهوال) احتياطا لاحتمال عودتنا إليه، إذا استدعى الأمر، للعمل ضد المطار القديم مرة أخرى. ولكن لحُسْن الحظ أن ذلك لم يحدث أبداً.

ولحسن الحظ أيضا أنه لم تحدث فتنة بين العرب والبدو بسبب تلك المغارة. فقد كان شابا عربيا ـ من القاعدة ـ يتابع عملية الحفر هناك عندما جاء صبي من البدو ليرعى قطيعا من الأغنام فوق هضبة قريبة، وكان يعزف لأغنامة عن مزمار معه.

طلب منه العربي التوقف عن العزف لأنه “حرام”. الصبي لم يفهم ما يريده العربي فواصل العزف. صاحبنا العربي جن جنونه وكاد يطلق النار على البدوي، لولا وصولنا في الوقت المناسب. ولما عرفنا منه المشكلة، نقلناه إلى مكان آخر بعيداً عن المزمار، وحتى لا يتحول مسار الأحداث في خوست من عملية اقتحام لفتح المدينة إلى عملية إطفاء لفتنة عمياء بين العرب وبدو المنطقة.

 

 

حقاني قبل المعركة:

تلقى حقاني كمية من الصدمات القاسية في العام “1990”، قبل أشهر من عمليات الفتح. بعض تلك الضربات كانت على المستوى العائلي الحميم.

بدأت بفقده أخاه أسماعيل، أحد أشقائه الثلاثة، وكان شخصية محورية لحماية منطقة زدران والعمل ضد عاصمة الولاية “جرديز”. فأتاح ذلك فرصة لحقاني نفسه أن يركز عمله في منطقة خوست بدون أن يخشى طعنة خطيرة تأتي من جرديز أو زدران حيث ثقله القَبَلي والبشري.

تلي ذلك وفاة والدته التي كانت عماد الأسرة وملاكها الحارس. بل وكانت كذلك بالنسبة لجميع الاُسَرْ في منطقة المهاجرين التي يعيش فيها حقاني في ميرانشاة. فكانت القوة الروحية المُلهِمَة بالأمل والشجاعة لجميع المجاهدين الذين ينطلقون من ذلك الحي صوب جبهات القتال في شكل جماعي أو منفرد.

كانت المربي والمؤدب لجميع أطفال الأسرة والحي، ولجميع النساء. فهي تحل المشاكل وتضبط التوترات الداخلية، بحزم ورقة الأم العطوف.

كانت خسارة حقاني لشقيقه إسماعيل ووالدته الكبيرة خسارة فادحة حقا. وكانت كذلك بالنسبة للكثير جداً من الأسر والرجال المجاهدين.

لم يلبث إبراهيم ـ الشقيق الثاني لحقاني ـ أن تفاقمت حالته الصحية بعد الوفاة المتتابعة لإسماعيل والأم الكبيرة. فأخذ يتقيأ دما فنقلوه بسرعة إلى المستشفى العسكري في روالبندي.

لم يتبق مع حقاني من قوته العائلية الضاربة سوى شقيقه الأصغر “خليل “.

ولكن الأخ الأصغر يبقى دائما “أخاً أصغر”. ولكن خليل تجاوز جميع التوقعات في معركة خوست ثم في معركة جرديز التي تلتها بعد ذلك بعدة أشهر. لقد كان جيشا كاملا واستحق بجدارة وصفا منحناه إياه حين قلنا متعجبين من أدائه:” لا يفل الحديد إلا خليل”.

هكذا كان خليل بدون أي مبالغة، بل بكل تواضع أيضا. وعندما علم شقيقه “إبراهيم” أن معارك خوست الحاسمة أصبحت على الأبواب قطع علاجه وحضر إلى ساحة المعارك، ليُكَوِّن مع أخيه خليل أعظم ثنائي شهدته معارك خوست، ثم معارك جرديز.

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

التجار يهددون حقاني:

– تجار ميرانشاه بدأوا يشكلون أداة ضغط خطيرة على أعصاب حقاني. فهم الآن لا يتذمرون، بل يهددون. فحصار المدينة ومطاردة عمليات التهريب إليها، يهدد مصالحهم التجارية الهائلة القائمة على تهريب النفط والسلع الغذائية للمدينة المحاصرة. وبدون حياء قالوا لحقاني أنهم استثمروا ثرواتهم كلها في شراء تلك السلع، ومنع التهريب سيؤدي إلى إفلاسهم، وأنهم لن يسكتوا حتى يشاهدوا خراب بيوتهم، بل سيتحركون ضده !!.

– التجار الذين يقرضون حقاني السلع الغذائية والنفط وحتى السيولة النقدية، بدأوا يتذمرون، بل ويهددون ـ إن حدود الائتمان المسموح بها لهذا القائد الكبير قد تجاوزت حد المعقول. وبدأوا يطالبونه بالسداد لأنهم بصراحة بدأوا يشكون في إمكان ذلك بعد انحسار التأييد الحكومي الباكستاني، والعداء الدولي للمجاهدين وللعمل العسكري في أفغانستان.

– المخابرات العسكرية (ISI ) بدأت هي الأخرى عهدا جديدا من العداء المكتوم على مستوى القيادة العليا خاصة رئيسها “دوراني” الذي رفض حقاني استدعاء وجهه إليه.

” الجنرال إمام” الذي رافق المجاهدين معظم الفترة الماضية، تم تغييره بوجوه جديدة ناعمة ومريبة. بعكس “إمام” الخشن الملتحي الذي يقابل المجاهدين بالوجه المتدين الملتزم، ويحتفظ بالوجه الآخر ـ الحقيقي ـ للأمريكان ورؤسائه في روالبندي وإسلام آباد.

معونات الأسلحة والذخائر توقفت فعليا ـ إلا القليل من الذخائر التي تُبْقي على” شعرة معاوية ” سليمة تحسباً لتقلبات الزمان.

– ظروف حقاني القاسية، ربما أغرته بالركون إلى نوع من الأمنيات الخادعة.

فهناك “عميلا ” له في المدينة أوهمه أن المعدات المتوفرة لدى سلطات خوست لا تصلح لإتمام المطار، سوى لطائرات خفيفة جداً مثل الطائرات الرياضية.

وكانت خدعة سيئة أدت إلى إطالة أمد المعركة سته أشهر أخرى. فتأجيل سقوط المدينة من عام”90″ إلي العام”91″.

ـ أمنية أخرى بأن الخط الدفاعي الأول عن المدينة سوف يستسلم بدفع الأموال. فدفع عدة ملايين لكن الخبر تسرب، كما هي العادة دوما، فأحبطت الحكومة المحاولة وتدخل الطيران مع المدفعية ساعة التنفيذ، فقُتِل العديد من الضباط وفر آخرون إلى المجاهدين، وفشلت المحاولة. وكان خط الدفاع المرشح للتسليم هو الخط الجنوبي على امتداد تورغار إلى جهة الشرق. وسوف نرى كيف استولى عليه المجاهدون في معارك الفتح. وكيف أنه كان ركيزة الزحف صوب مركز المدينة.

 

أحزاب بيشاور.. خيانات مستمرة:

– الطعنات القريبة أكثر إيلاما. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي توجه أحزاب بشاور “الجهادية” طعناتها لحقاني، ولعديدين غيره من قيادات الداخل الناجحين.

لم يخبر حقاني أحداً بأنه ينوي اقتحام المدينة، بل أعلن أنه ينوي شن هجمات كبيرة عليها (ولكنه قبل العمليات بحوالي أسبوعين همس لي بأنه ينوي فعلا اقتحام المدينة).

قبل عمليات بهذا الشكل يخوض حقاني بكل صبر وسعة صدر مفاوضات موسعة مع قادة المجموعات حول خوست، تتناول المفاوضات كل ما يتعلق بالمعركة القادمة وطرق التعاون وتحديد المهام وطريقة توزيع الغنائم.. الخ.

كل ذلك يتم بناء على العلاقات الشخصية والقبلية بعيدا عن بشاور وأحزابها.

بعد إتمام كل ذلك أو معظمه شعرت قيادات بشاور “بالمؤامرة” فأرسلوا تهديدات شديدة اللهجة بالطرد والحرمان وكل العقوبات الممكنة ضد كل من يساهم في المعركة القادمة أو يتعاون مع حقاني في أي شيء!!.

انسحب القادة الميدانيون من اتفاقهم الذي أبرموه مع حقاني. وذهب أحدهم إلى بشاور لمراجعة قائده الأعلى هناك (سياف). ولكنه سمع نفس الكلام بلهجة أشد. ومن هناك اتصل مع حقاني تلفونيا معربا عن أسفه وانسحابه من أي اتفاق سبق إبرامه.

كان حقاني في أشد الثورة وقتها. ولكنه بقدرته الفائقة على كبح مشاعره تمالك نفسه، ولم ينْجَر إلى مهاترات أو معارك ثانوية مع أي أحد، وظل محافظا على هدفه الرئيسي ـ فتح خوست. وتلك ميزة أخرى من مزاياه الكبيرة.

الذين انسحبوا من الاتفاق مع حقاني، لم ينسحبوا من مواقعهم، فالذي يحدث عادة بالنسبة للمجموعات التي لا تشارك في المعارك هو اتخاذ موقف “التربص” تمهيدًا للانقضاض على غنائم المعركة.

فإن فاز “المجاهدون” كان “المتربصون” هم الأسبق إلى مواضع الغنائم الدسمة. لأن “المجاهد” يتحرك وفقاً لضرورات المعركة ومتطلباتها التكتيكية أما “المتربص” فعينه دوما على مواضع الغنائم فينقض عليها فوراً. وكانت تلك القاعدة صحيحة طول مدة الجهاد.

وأثناء اشتعال المعارك يتمكن المتربصون من اصطياد أي غنيمة طارئة حتى ولو من إخوانهم المجاهدين، وهذا من التصرفات المعتادة. وإذا فاز المجاهدون أو فازت “الحكومة ” فإن للمتربصين أوراقا يمكن الاعتماد عليها مع كلا الفريقين.

إذن “فالمتربص” فائز على جميع الوجوه، ومنتصر دوما ولكن بلا حرب (على طريقة الرئيس الأمريكي نيكسون).

 

 

عمليات فتح خوست

 

الإثنين أول رمضان 1411 ـ (17 مارس 1991):

في هذا اليوم بدأت عمليات “فتح خوست”. كان يمكن أن يبدأ حقاني العمليات قبل ذلك بعدة أيام بعد أن صار كل شيء جاهزا، ولكنه فضل الاستفادة من الأجواء الروحانية في شهر رمضان، حيث تكون معنويات المجاهدين في أعلى درجاتها.

 

حقاني يفاجئ قواته وقوات العدو معاً:

منذ عدة أشهر والمجاهدون ـ والعدو أيضا ـ يتوقعون هجوما رئيسيا ينطلق من الطرف الغربي لجبل تورغار. واستعد الجميع لذلك استعدادا كبيرا ـ المجاهدون والعدو معاـ حتى إن العدو استدعى قوات خاصة عالية التدريب ومزودة بصواريخ سلكية حديثة، سوفيتية الصنع مضادة للدبابات. وحشد عددا كبيرا من قواذف الصواريخ المضادة للدبابات. هذا إضافة إلى الحشد المدفعي الموجه على هذا المحور تحديدا.

ماليزي مفاجأة معركة الفتح ـ والعدو يحصل على ساعة الصفر قبلها بساعات في ماليزي كان البدو متواجدين منذ عدة أشهر في خطين:

الأول سلسلة جبال على بعد أمتار من الخط الأول الجبلي للعدو.

والثاني خط إسناد خلفي على بعد نصف كيلومتر خلف مجموعة تباب منخفضة لكنها توفر مواضع ممتازة للأفراد والهاونات.

العيب الكبير في ماليزي كلها كان عدم توفر الماء، فكان البدو يرسلون سيارتهم إلى قرية “لاكان” للتزود بالماء من نهر شمل هناك.

الطريق كان طويلا وصعبا عند المطر وخطر أحيانا. قَدَّرْنا وقتها أنه إذا اشتدت العمليات وتعذر تزويد مراكز البدو بالماء فقد ينسحبون من المنطقة فتكون كارثة. فقررنا حفر بئر ماء لهم على نفقتنا. وشرعت إحدى شركات “وردك للحفريات ” في العمل بهمة. ولكن وصل الحفر إلى عشرين مترا ولم يعثروا على الماء وبدأت المعارك، وبسرعة وصل البدو إلى نهر شمل من مناطق قريبة منهم في ماليزي.

كان الشاب البدوي الشجاع (الحاج محمد أفريدي) وقت العصر قد أعلن ساعة الصفر للعدو أثناء حملة من الشتائم والتحديات على جهاز المخابرة، لا يقطعها سوى فاصل من نيران مدفعه “الدوشيكا” أو هاونات العدو ورشاشاته. ومن حسن حظ المجاهدين أن العدوّ لم يلق بالا إلى تهديدات الشاب الشجاع واعتبرها (إحدى حماقاته)، كما كانوا ينظرون إلى شجاعته الخارقة) ويضحكون منها ويسبوه. فطلب منهم البدوي الشجاع ألا يهربوا لأنه قادم لذبحهم في الساعة الرابعة فجرا.

ويبدو أن حقاني قد أخبر تلك المجموعة (مجموعة جولاب) بالاستعداد للهجوم على سلسلة الجبال الموجهة لهم عند الرابعة فجرا. فلم يطق “الحاج أفريدي” صبرا، وأفضى بمكنون صدره إلى جنود العدو وهو يتبادل معهم الشتائم والرصاصات.

 

 

حقاني في جبال ماليزي: التراجع ممنوع

وبالفعل.. في الرابعة من فجر ذلك اليوم تحركت قوة مشتركة من البدو (الكوتشي) من جماعة جولاب، ومجموعة أخرى من كتيبة (غوند) أبو جندل. والهدف كان الاستيلاء على جبال ماليزي.

كان الجو باردا وممطرا، وتم الهجوم بدون تمهيد مدفعي. وفوجئ العدو بالمجاهدين فوق رأسه، ففر الجنود لايلوون على شيء. وبهذه السهولة سقطت جبال ماليزي.

غادر الكوتشي الجبل وتولي رجال أبو جندل حمايتة.

عند الظهر في هجوم صاخب ساندته المدفعية والطيران استعاد جنود الحكومة الجبل في هجوم كاسح، فعصفت بالمجاهدون حالة معنوية سيئة. انتقل حقاني بسرعة إلى ماليزي واجتمع بالمجاهدين وقادة المجموعات وكان حازما في كلامه: { في هذه المعركة غير مسموح بالتراجع عن أي موقع يتم تحريره}. وقال حقاني أنه باق في الخط الأول من ماليزي إلى أن تتم استعادة سلسلة الجبال المفقودة.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 184 : اضغط هنا

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world