لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين ، دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين

دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

 

ماذا سيحدث فى مايو 2021 ، عندما تنتهى مهلة إنسحاب جيوش الإحتلال من أفغانستان حسب إتفاق الدوحة للسلام ؟؟. فهل تنسحب القوات الأمريكية وتوابعها؟؟.أم أنها ستماطل وتطالب بإتفاق دوحة “جديد”، لعلاج الثغرات فى الإتفاق “القديم”، كما يفعلون مع الإتفاق النووى الإيرانى ؟؟. أم أنهم سيبقون فى أفغانستان على الصورة العراقية، حيث سفارة أمريكية تحكم، وقوات أمريكية تفعل ما تشاء فى العراق وما حولها. وحكومة فى العاصمة لا تحكم أحداً، وتعجز عن التحكم فى أطماع الشركاء المتشاكسين فيها، حيث يجاهد كل منهم من أجل مصالحه الشخصية تحت حماية شعارات طائفية وعرقية؟.

فهل ستكون أفغانستان هكذا بعد  جهاد عقدين من الزمان ؟. وماذا يقول إتفاق الدوحة للسلام؟. فهل نَظَّم الإنسحاب وجعله محددا فى جدول زمنى وخرائط توضح حركة القوات المنسحبة؟ أم أنه كان سابحاً فى فضاء لا حدود له ولا يفضى إلى سلام محدد أو حتى حرب محدودة ؟ .

–  كان العدو الأمريكى منهزماً وينسحب بالفعل ، فسارعنا إلى عقد إتفاق الدوحة الذى أسماه المحتل “إتفاق سلام” وليس إتفاق إنسحاب. سلاماً مع قوات مازالت تحتل البلد، ومع حكومة هى ظل الإحتلال . فكيف يكون سلام المجاهدين مع ظل المحتل؟ وبأى شكل؟.

النتيجة هى أن المحتل إلتقط أنفاسه ، ليعيد توزيع أثقال الحرب وتغيير شكلها وأهدافها. فبعد أن كانت فقط حرب أفيون، ستصبح أيضا حرباً لتشكيل نظام دولى جديد ، تبقى فيه أمريكا هى القائد الأوحد . وتنقل معركتها لحصار الصين منافسها الأول فأدخلوا أفغانستان فى برنامج حصار الصين، وقطع إحتمال تمديد (مشروع الحزام والطريق) عبر أفغانستان صوب البحر المتوسط ، عبر إيران والعراق وسوريا (أو الأردن) ثم شواطئ فلسطين المحتلة (أو لبنان).

 

– إتفاق الدوحة فى أبعاده الواسعة كان “إتفاق حرب” ، أتاح لأمريكا  فرصة لعمل الآتى :

1 ـ تغيير هيكلية الحرب فى أفغانستان، وإعادة توزيع الأعباء والغنائم مع الدول والشركاء الرئيسيين فى المرحلة الجديدة.

2 ـ إعادة تنظيم القوى المحلية الأفغانية التى ستقاتل لصالح الأمريكيين فى المرحلة الجديدة. وتشكيل قناع سياسى محلى لتغطية وجه الإحتلال. لتبقى أمريكا والناتو يحاربان فى أفغانستان بإعتبارهما قوة شرعية تخوض حربا مشروعة ضد قوات (إرهابية). لتستمر الحرب إلى مدى غير محدود بحيث تحقق أمريكا أهدافها ، وهى :

أولا ـ إبقاء أفغانستان كمزرعة أفيون ومصنع لهيروين العالم .

ثانيا ـ عدم إعطاء شعب أفغانستان فرصة للعيش الكريم، أو بناء دولة إسلامية مؤثرة فى بقعة من أهم بقاع العالم إقتصاديا وإستراتيجياً.

ثالثا ـ وبدلا من أن تتحول أفغانستان إلى حلقة إرتباط إقتصادى بين جهات آسيا الأربعة، تتحول إلى ساحة صراع دولى ، لحصار الصين وكبح قواها الإقتصادية وقطع أحد أهم طرق إتصالها البرى مع العالم.

رابعا ـ عزل الصين عن إيران وتحجيم إتصالها البرى مع روسيا وآسيا الوسطى.

– وجاء تفجير المركز الحدودى فى إسلام قلعة بين أفغانستان وإيران للتذكير بما يمكن أن تفعله أمريكا لفرض تصورها للعلاقات بين دول منطقة. ذلك بإستخدام العمل العسكرى والإرهابى والضربات الإستخبارية النوعية. فى رسالة ثلاثية إلى(الإمارة الإسلامية) وإلى كل من الصين وروسيا، ولإرعاب دول آسيا الوسطى.

– أمريكا تسعى نحو الحروب المستمرة . فالحرب أساس إزدهارها الإقتصادى وعقيدة وجودها.  وتجهز لكل شعب برنامج خاص للعدوان عليه . فأثناء إنشغال الشعب الأفغانى بالحرب مع السوفييت ، كانت أمريكا تجهز له حرب ما بعد السوفييت ، فكانت الحرب الأهلية . وخلالها كانت تجهز لحرب إستيلائها على كنوزالأفيون والثروات المعدنية لأفغانستان وميزات موقعها الجغرافى . وأمريكا الآن ـ إنتهت أو تكاد ـ من تأسيس مرحلة الحرب القادمة فى أفغانستان، مرحلة حرب ما بعد “إتفاق سلام الدوحة”.

 

 

ألمانيا والهند .. موعد مع الوجوه الكالحة :

فى أول شهر مايو القادم سوف تسفر الوجوه الكالحة لتظهر جلياً طبيعة الحرب التى جرى تجهيزها للمرحلة التالية . حرب قاعدتها أفغانستان وفروعها تصل إلى بكين وموسكو وطهران وتنغمس فيها بشكل أوضح عواصم جديدة تواقة إلى لعب أدوار أكبر على رقعة الشطرنج الدولية، وعلى المسرح الأفغانى تحديدا . فى المقدمة قد تأتى الهند كمفاجأة المرحلة، حيث باكستان مرشحة للقيام بإنعطاف كامل لموقفها من جارتها اللدود فى الهند ، بما يشابه إستدارة العرب أمام إسرائيل. وبدء تعاون غير متوقع بين البلدين فى ميادين كانت موضع صراع وتنافس بينهما مثل الميدان الأفغانى وآسيا الوسطى .

– هناك مشروع/ بإشراف إسرائيلى/ لربط نيودلهى مع إسلام آباد، بطريق برى وسكة حديد تصلهما بآسيا الوسطى وتركيا، ثم إسرائيل لاحقاً. تلك الطرق ستربط أفغانستان مع إسرائيل ، حيث تنتقل البضائع الإسرائيلية إلى أسواق أفغانستان بواسطة تركيا فى بداية الأمر.

–  الدور المُرَشَح للهند يقلل كثيراً من فوائد إتصال روسيا بالمحيط الهندى عبر ميناء تشبهار فى إيران. وتقليل القيمة التجارية لذلك الميناء بإنسحاب الهند منه، إعتمادا على فتح طرق برى أمام تجارتها مع آسيا الوسطى عبر باكستان. إسرائيل والولايات المتحدة سيفتحان أمام الهند سبل الوصول إلى أسواق أوروبا عبر تركيا وموانئ البحر المتوسط فى مقابل تقليص تجارتها مع روسيا، فيذبل ميناء تشبهار مسببا خسائر كبيرة لإيران وروسيا معا.

– ألمانيا مرشحة أيضا لدور طموح فى أفغانستان، لتستعيد أمجادها العسكرية على أراضى المسلمين وبدمائهم، لعلها تحظى برضى اليهود الذين إستهلكوها ماليا وأدبيا بأكذوبة “الهولوكوست”،التى أدى بعض”كبارعلماءالمسلمين” فريضة الصلاة بين مقابر يهودها الهالكين، ولم يجدوا فى ذلك بدعة ولا ضلالة، ولاشِركاً قُبورياً.

 ستكون ألمانيا شريكا للمشروع الإنفصالى الذى ترعاه إسرائيل فى الشمال، ويكفيها ذلك فخرا.

ألمانيا فى حاجة إلى مغامرة عسكرية يجد فيها يمينها المتطرف بديلا عن حرب أهلية. وفى الحقيقة فإن معظم دول الغرب بما فيها أمريكا لديهم إحتياج لحرب خارجية تقيهم حرباً أهلية داخلية، وحبذا لو كانت الحرب ضد المسلمين حتى تجتمع حولها القلوب والإرادات بسرعة.

– قوات ألمانيا التى تحتل شمال أفغانستان ـ ومنذ سنوات ـ تمهد لمشروع إسرائيلى طموح لفصل الشمال الأفغانى وتقسيمه بين عرقيتين ، هما عرقية طاجيكية (بتأييد ألمانى هندى)، وعرقية أوزبكية بتأييد قوات تركيا المشاركة فى إحتلال الشمال .

 فى فترة “السلام” التى أعقبت إتفاق الدوحة كانت تجهيزات أمريكا وإسرائيل فى أعلى درجاتها للحرب الجديدة . فالاتفاقات على المستوى الإستراتيجى تتابعت فى نشاط محموم ، لإكتساب شركاء وبناء أحلاف (قوة أمريكا فى المجال الدولى ترجع إلى قدرتها على إنشاء التحالفات).

–  أفغانستان حلقة هامة جدا للحرب القادمة للسيطرة على العالم. فأمريكا لا تريد التنازل أو مقاسمة أى قوة أخرى فى المركز الأول المسيطرعالميا. وإسرائيل بالنيابة عن القوى المالية اليهودية ـ تتصرف عمليا على أنها قيادة العالم ، وأن أمريكا مجرد رديف لها فى تلك الحرب ، لخدمة نفس البنوك التى لولاها لما كانت هناك أمريكا التى يعرفها العالم الآن ، ولا قامت إسرائيل فى الأساس .

البيئة السياسية الدولية يعاد تشكيلها، بما يناسب الحرب الجديدة فى أفغانستان ـ والتى كانت مرحلة “السلام” ما بعد إتفاق الدوحة، مجرد فترة عمل مريح نسبيا لتجهيز ما يلزمها من تحالفات دولية وإقليمية وقوى داخلية فى أفغانستان نفسها .

 

 

إلتزام وحيد الطرف:

–  يقارن بيان رسمى للإمارة الإسلامية ، مواقف الأطراف فى مرحلة ما بعد “إتفاق سلام الدوحة”، الذى هو فى حقيقته حرب تقع ما بين حربين، سابقة ولاحقة.

يقول نص البيان { فى المقابل فإن إدارة كابول بدأت بتنفيذ عمليات واسعة فى شتى الولايات ، حتى أن القوات الأجنبية قامت بدعمها فى بعض العمليات ، إضافة إلى ذلك فقد إستمرت فى مداهمتها على المدنيين ، ومازالت الغارات الجوية التى تشنها الطائرات الأمريكية ـ خلافاً للإتفاقية ـ مستمرة حتى الآن } .

ويقارن البيان تجاوزات المحتل والعملاء بإلتزام الإمارة فى الآتى : (تخفيض ملحوظ فى مستوى العمليات العسكرية ) ـ (وعدم الإعلان عن عمليات ربيع لهذا العام) ـ (وعدم تحرير وفتح مراكز المديريات واحدة تلو أخرى) ـ (ولم تنفذ عمليات كبيرة فى المدن الكبرى ، ولم يخطط للسيطرة على مركز أى ولاية ) .

وفى مقابل ذلك الإلتزام أحادى الجانب (بسلام الدوحة) يلاحظ نفس البيان الصادر فى 13فبراير 2021 ـ أن بنودا جرى الإتفاق عليها ولم ينفذها الطرف الآخر، الذى لم ينته من الحرب الأولى حتى أخذ يجهز للحرب التالية. من تلك المخالفات يذكر البيان { لم يطلق سراح جميع أسرى الإمارة الإسلامية فى غضون ثلاثة أشهر بعد بدء المحاثات الأفغانية حتى الآن . كما أن أسماء قادة الامارة الإسلامية وزعمائها لم ترفع من القائمة السوداء ، ولم ترفع عنهم الجوائز المعلنة}.

–  لا يمكننا تجاهل حقيقة أن أى إتفاق مع الولايات المتحدة هو عملية إنتحارية سياسياً. فهى لن تطبق أى شئ فى الإتفاقية سوى ما يحقق مصالحها فقط . وإذا تنازلت مؤقتا عن شئ لخصومها فإنها تعمل على إستعادته وإلغاء مفعوله فى أقرب فرصة .

ثم أنها سَتُلزِم الطرف الآخر بكل شئ تريده هى ، سواء كان مذكورا فى الإتفاق أو لم يكن. وسوف تفرض عليه عقوبات وحصار، ثم تُرْغِم باقى دول العالم على إتباع خطواتها فى عقاب الطرف المعتدى عليه ـ وما نووي إيران عنا ببعيد ـ

 

 

.. عن الأسرى

لم يفرج النظام عن أسرى الإمارة ـ ليس بمبادرة منه ـ بل لحاجة أمريكية إلى إستخدم الأسرى كورقة سياسية لفرض شروط معينة. وأيضا لإستخدامهم فى التفاوض على مصير الأسرى والمفقودين الأمريكيين والإسرائيليين .

وتطمع أمريكا فى تكرار عملية التفاوض السابق على أسيرها لدى طالبان وكانت المساومة على خمسة من معتقلى الإمارة فى جونتانامو،فماذا الآن والمساومة ستكون على عدة مئات؟ . غالبا لن يتكرر الخطأ مع ظهور قيادات قوية فى العمل السياسى للإمارة من أمثال ملا بردار ومولوى عبد الحكيم والعديد من أفضل الشباب فى الجهازين السياسى والإعلامى، ناهيك عن أبطال وعباقرة العمل العسكرى فى الميدان.

 

 

.. عن القائمة السوداء

المقايضة على رفع أسماء قادة وزعماء فى الإمارة من القوائم السوداء هى مقايضة مرتبطة مباشرة بإسرائيل ، طبقا لمعادلة الإعتراف بإسرائيل فى مقابل رفع الأسماء من القوائم السوداء. ولعل ما حدث مؤخرا مع الحكومة السودانية يحمل برهاناً كافياً على ذلك .

وبشكل مباشر إذا أراد أى نظام حكم فى العالم أن يحافظ على إستقلاله ومصالح شعبة فعلية أن يتوقع أن يصبح ضيفاً مستديماً على القوائم الأمريكية للإرهاب والمنع والحظر والمصادرة. وإقفال كافة السبل أمامه، سوى سبيل واحد هو الإستسلام بلا قيد أو شرط للثنائى الطاغوتى: أمريكا وإسرائيل.

فالطريق إلى النار محفوق بالشهوات والطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره .

وكما تصبر الشعوب لعشرات السنين على مكاره الجهاد (كُتِبَ عليكم القِتالُ وهو كُرْهٌ لكم). فيمكن لبعض السياسيين تَحَمُّل شئ من مَكارِه حظر التجوال والسفر .

 

 

عن الحصار الإستراتيجى على أفغانستان .

من مظاهر ذلك الحصار :

1 ـ إنشاء سور حديدى يفصل باكستان عن أفغانستان على طول الحدود . لحصار أفغانستان من أطول الحدود مع جيرانها ، ولفصل الشعب الواحد على جهتى الحدود لصالح عنصر خبيث  وافد على المنطقة.

2 ـ حملة عسكرية كبرى تقوم بها قوات المرتزقة والمحتلين للسيطرة على بدخشان وإغلاق ممر واخان الواصل بين أفغانستان والصين.

3 ـ تفجير الجمارك الحدودية فى إسلام قلعة ، يشير إلى أن التجارة بين الجارين الأفغانى والإيرانى أصبحت عملا خطيرا، وهدفا عسكريا لعمليات التخريب الأمريكية.

4 ـ تَحَوُّل فى موقف طاجيكستان إلى الإتجاه الأمريكى الجديد لحصار أفغانستان، بعد أن كانت محسوبة تقليديا كساحةً للنفوذ الروسى القديم .

5 ـ جذب أوزبكستان إلى المحور الأمريكى الإسرائيلى فى مشروع لتمديد  طريق للشاحنات والقطارات ، بين أوزبكستان وباكستان والهند. فى مشروع يمتد إلى تركيا بإشراف إسرائيلى. سيمر الطريق فى المنطقة الأوزبكية التى تجهزها تركيا للإنفصال عن أفغانستان.فهى أيضا ستكون ذات إرتباط خاص مع إسرائيل.

 

– إلى أن يأتى أول مايو المقبل ستكون تغييرات إستراتيجية كبرى مرشحة للحدوث على يد إدارة بايدن . لتكوين بيئة دولية مناسبة لشن حرب جديدة على أفغانستان ، بتحالفات جديدة وبرنامج متطور.

– فى النهاية ـ لم يتمتع الأفغان بالسلام ــ الذى كان حرباً جاءت بعد حرب وقبل حرب ــ بل كان “السلام” حرباً فى حد ذاته. فمن قال أصلا أن أمريكا تريد السلام أو رغبت  فيه يوما؟؟.

 لقد دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

لم يكن سلاماً .. بل حرباً بين حربين ، دخلت أمريكا إلى أفغانستان بالحرب ، وبالحرب ستخرج منها.