من ترامب إلى بايدن : إنتصار زائف وتراجع حقيقي

من ترامب إلى بايدن
إنتصار زائف وتراجع حقيقي

 

ترامب يصور نفسه على أنه بطل وضحية مؤامرة أبعدته عن دفة قيادة أمريكا والعالم .

فى الواقع هو من أسس ـ بغباء ـ لمرحلة الإندحار فى أهم حروب البنوك الصهيونية وإسرائيل . فشل أمام إيران التى لم تستسلم لضغوطه القصوى ، بل تأقلمت ـ إلى حد كبير ـ مع الحرب الإقتصادية ، وحروب الكورونا المبرمجة جينيا ـ وصمدت أمام الحرب النفسية والتهويلات العسكرية القادمة من الضفة الغربية للخليج (العبرى الذى كان عربيا) ـ وأمام ضربات ضد أمنها الداخلى طالت العاصمة كما طالت أطراف البلاد.

بايدن قادم ليحصد الفشل الذى جهزه ترامب بسياساته الفاشلة ضد إيران ، وفى حرب لا تنتهى فى أفغانستان خسرتها أمريكا وإسرائيل بجدارة . فحولوها إلى حرب من نوع جديد ، تتضح أهدافها فى كلمة منسوبة إلى بايدن قال فيها (إن أفغانستان لن يتم توحيدها أو بناءها أبدا ). وهذا يعبر عن نقمة شخص مهزوم، خسر جولة كبرى فى حرب لن تسير أبدا لصالحه .

خسر ترامب كثيراً فى أفغانستان، وجيشه غادر ساحة المعارك، تاركاً فى قواعده عدة مئات لمجرد المتابعة وإنتظارا لأى ثغرة أو صدفة قد تغير المسار. وتاركاً خلفه وريث غير شرعى هو الجيش السرى الإستخبارى الذى يدير الحرب بواسطة ضباط كبار أمريكيين وإسرائيليين .

– بتحييد قاعدة باجرام الجوية بضربات المجاهدين خسر ترامب مواقع تحضير الهيرويين الأساسية، ويلعب الآن فى زواريب صغيرة هنا وهناك . وبتحرير طالبان للأراضى خسر ترامب خطوط إمداد كانت تزوده بشلال لا ينضب من خام الأفيون القادم من المزارع إلى القواعد الجوية . تقطعت السلسلة وتناوشتها مئات الذئاب من داخل السلطة التى بناها الإحتلال وأنفق عليها المليارات . ضباط جيش ومخابرات وشرطة ورؤساء ميليشيات ، وإثنان مرة واحدة يرأسان الدولة ، وأعضاء برلمان وشورى ، وقطيع هائل من سماسرة الأفيون، ولوردات مخدرات من الرجال والنساء (تأكيدا لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين).

 

تركيا بطل المرحلة الثانية من الحرب :

– تركيا دخلت بتوسع لتملأ الفراغ الناتج من إنسحاب أمريكا وإنخفاض نشاط حلف الناتو. دخلت بإسلوب عسكرى وإستخبارى جديد يناسب المرحلة الثانية من حرب الأفيون الثالثة التى شنها جورج بوش تحت شعار الحرب الصليبية على أفغانستان والعرب والإسلام .

شمال أفغانستان له أهمية خاصة فى المرحلة الثانية للحرب الثالثة، ومنه تُنَفَّذ إستراتيجية مشتركة تركية/ إسرائيلية طموحة، تتخطى أفغانستان لتصل (وبصحبتهم الدواعش) إلى حدود الصين، وصولا إلى شواطئ البحر المتوسط مرورا بآسيا الوسطى والقوقاز.

فالشمال الأفغانى هو قلب إستراتيجية المخدرات الجديدة . كما أنه جزء هام من إستراتيجية المياة المشتركة بين تركيا وإسرائيل والتى تقتضى بمد” خط أنابيب السلام” الذى يزود إسرائيل بمياه الأنهار الإسلامية دجلة والفرات وسيحون وجيحون(فى آسيا الوسطى)، لتوصيل ما يتبقى منها إلى عرب النفط فى الجزيرة والخليج. وهذا ما كُشِف عنه النقاب فى منتصف التسعينات الفائتة. ولهذا تتعاون إسرائيل وتركيا لفصل الشمال الأفغانى عمليا فى البداية، ثم رسميا عندما تنضج الظروف.

– خط التهريب الأساسى للهيروين بعد أن كان ينطلق من قاعدة بجرام الجوية أصبحت بدايته مطارات فى الشمال الأفغانى خاصة مدينة مزار شريف التى تحميها ميليشيات “جلم جم” الأوزبكية وعصابات الدواعش العاملة مع الجيش التركى . بدأ خط التهريب بطائرات تركية فى البداية رفعا للحرج، وهى غالبا طائرات إسرائيلية أو تستأجرها إسرائيل من تركيا . ليبدأ التوزيع الدولى للهيروين من تل أبيب وحيفا وغيرها . فإسرائيل لا تُحوِّل فقط مجرى الأنهار صوب فلسطين المحتلة كما حولت أنهار الأردن واليرموك وأنهار لبنان . فى المرحلة الإمبراطورية الجديدة تضع أناملها فى أنهار سيحون وجيحون فى أفغانستان وآسيا الوسطى الإسلامية . وأيضا تحوِّل ماهو أكثر ربحية وسطوة دولية وهو نهر الهيرويين المصنوع فى أفغانستان.

وبالتوازى مع تحويلها مجرى نهر الهيرويين حوَّلت أيضا مجرى الأموال القذرة . فبدلا من ذلك الجزء الهام الذى كان يصب فى الإمارات ـ وروافد ثانوية فى الخليج ـ أخذ يتحول صوب بنوك إسرائيل مباشرة.

النتيجة أن المشاريع الهائلة التى كانت تقام فى الإمارات وباقى المشيخات بشكل عام، أصيبت بالسكتة القلبية . فتوقفت مشاريع ضخمة وهبطت القيمة السوقية لها، وأصبح بعضها يباع بأقل من ربع قيمته الأصلية.

وهنا جاء القرار”السيادى” للمشيخات بالتطبيع مع إسرائيل . الذى من ضمن أهدافه، وليس أهمها، إقناع اليهود بترك شيئ “للمواطنين”، بعد أن ظهر أن المواطنين الحقيقيين هم يهود إسرائيل (بدأوا فى إلتقاط صور لهم مرتدين الدشاديش الوطنية). أما أصحاب السيادة المشايخ ، والسادة المواطنين المنتفخين غرورا وتفاهة ، فقد سبقت عليهم كلمة لتيودور هرتزل مؤسس الصهيونية، قالها منذ قرن أو يزيد:{ حين نحتل البلاد يجب أن نستخلص ملكية الأرض ، ونشجع فقراء السكان على النزوح ونرفض إعطائهم عمل فى بلدنا}. يمكن تغيير كلمة “بلدنا” لتصبح أبوظبى أو دبى أو قطر أو الرياض أو نيوم أو جده .. أوعدن أو سوقطرى .. أو حتى إدلب أو الموصل أو كركوك أوالسليمانية.

فإسرائيل ترى تلك البلاد هى “الشرق الأوسط”، أرضهم “الموعودة الواعدة “حسب تعبير شيمون بيريز. أما بن جورين أحد كبار اليهود المؤسسين فيقول (إن اليهود لا يحتلون شبراً واحداً من أرض العرب ، ولا زال العرب يحتلون مساحات واسعة من أرض إسرائيل ) .

بمعنى أن على كل عربى أن ينظر تحت قدميه ليشعر بالخجل من نفسه لأنه يقف على أرض مغتصبة من اليهود . فليس فقط الخليج (العربى!!) لليهود بل جزيرة العرب كلها .. بل وأراضى العرب جميعا ــ من طنجة إلى أبوظبى ــ

تغيير عالمى ليس بالهين ، سيرى العالم آثاره تِبَاعاً مع عهد بايدن الوشيك ، عهد الهزائم الكبرى التى سوف تلتصق به وبحزبه الديموقراطى، رغم أنها مجرد حصاد لإستراتيجية ترامب . التيار الأمريكى الفاشى يتجهز للعودة بعد أربع سنوات من الفشل والعار الذى سيدمر سمعة الديموقراطيين (هذا إذ لم يرجع الفاشيون إلى الحكم عبر حرب أهلية أو إنقلاب تسانده أجهزة الدولة فى نسخة عملاقة من تجربة 11 سبتمبر المجيدة). أو قد نرى بعد أربع سنوات عودة مظفرة لوزير الخارجية الإستخبارى بومبيو الذى وثّق عرى تحالفه مع إسرائيل وعرب العار فى الجزيرة.

 

كابوس إسرائيلى على جزيرة العرب :

إنهارت البيوت المالية فى الخليج ، وتهاوت أسعار المشروعات الكبرى والعقارات ، وتراكمت الديون . والعملات الخليجية أصبحت مجرد أوراق ملونة تنتظرعود ثقاب إسرائيلى ليحرقها. ولكن إسرائيل تقبض/ على هيئة قرارات سيادية بالتطبيع/ ثمن تأجيل إعلانها عن وفاة المشيخات وإقتلاعها من الجذور. فتضمن إستمراريتها إلى حين قرارسيادى سوف يصدر هذه المرة من”القدس” بإسدال الستار على المسرحية السمجة للمشيخات، ورفع كلمة (إنتهى الدرس أيها الأغبياء). وذلك سيكون مجرد مدخل لبداية العهد اليهودى فى الخليج والجزيرة . سيشترى اليهود كل شئ فى مقابل (تراب الفلوس). بداية من بيوت المواطنين الذين ينافقون اليهود ويقيمون لهم الحفلات المنزلية ، وحتى شركات النفط الوطنية العملاقة المحجوزة عمليا لمشتريها اليهود ، فى إنتظار التوقيت الملائم لإعلان الشيوخ عن بيعها لليهود/ يهبونها لهم فى الحقيقة / بقرار سيادى على أوراق من دفتر التطبيع .

نفط الخليج والجزيرة موقوف منذ سنوات للإنفاق على مجهودات إقامة إسرائيل العظمى المسماة (الشرق الأوسط الكبير) ومشاريعها الكبرى القادمة، والتى إستفاض بيريز فى وصف أهميتها وصورتها العامة فى كتابة الشهير الذى يحمل نفس الإسم ، خطوط نفط وغاز وخطوط سكة حديد وطرق برية تربط أنحاء جزيرة العرب بعاصمتهم الجديدة (حيفا) وأسيادهم الجدد/ القدماء، يهود إسرائيل.

 

أخبار سارة :

فليبتهج أغنياء النفط بالخبر القادم من تل أبيب والقائل بأن إسرائيل أصبحت مركزاً مهولاً للبغاء الذى يدر على دولة البغى والبغاء مليارات تفوق ما يتأتى لها من صناعة السلاح .

أما فقراء الجزيرة الذين سينجيهم الله من جحيم مملكة الشيطان ، فإن ما يسعدهم هو وجود فرص تكفى لإحراز النصرـ فلا أعذارـ فالمقومات المادية لجهاد ناجح لإخراج المشركين والكفار واليهود من جزيرة العرب موجودة، بل متوفرة إذا توفرت العزيمة . ما فى الجزيرة الإسلامية المباركة يكفى للنصر، من الصحراء إلى البحر والجبال المطلة علية، إلى ذخائر سلاح لا ينفذ، التقليدى منه والمتطور . والأهم هو ذخيرة الإيمان خاصة إذا دعمته وسائل وأسباب سخرها الله، وجعلها فى نفس جزير الإسلام التى تخلى عنها أهل الردة من العرب ، ولكن لم يتخل عنها المؤمنون . ومع الإيمان لا تضرالقِلَّة ، ومع الباطل لا تفيد الكثرة.

ونصر الله فى إنتظار من ينصرالله.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world