جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 27

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود السنة الخامسة عشرة – العدد ( ١٧٨ ) | ربيع الثاني 1442ھ – نوفمبر 2020 م .

30-11-2020

 

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (27)

– من ضمن أسرى تورغار ضابط سِكّير يكرهه الجميع . وجندى فصيح يقول أن الضباط لم يخبروه أن المجاهدين طيبون .

–  “على جول” الضخم الأسطورى لا يخشى فى الجبهة سوى من الألغام . أحبه العرب وكرهه ضباط العدو فى الخط الأول ، وأحدث إستشهاده صدمة.

–  البدو يتألقون ويستولون على جبل “ورا تورغار” يقودهم البطلان “جولاب” و”أورانج”.

–  حقانى يغادر مركز القيادة فى منتصف الليل. والغرفة الضيقة فوق الجبل إمتلأت بمجاهدين مترامين كيفما اتفق.

 

تحميل مجلة الصمود عدد 178 : اضغط هنا

 

الأحد 18 فبراير 90 :

يوم مُشرِق بدأت فيه غارات الطيران مبكراً فعمل الطيران بعنف بالغ، ولم تكد الطائرات تتوقف عن قصف تورغار بشكل مستمر.

فى مركز خليل عقد حقاني إجتماعاً مع قادة الميدان لمناقشة معارك تورغار والتخطيط لمعركه (ورا تورغار) القادمه.

ثم وصلت أفواج الأسري، وكانت دفعة كبيرة من الجنود وبعض الضباط تم أسرهم فوق الجبل، كان من بينهم ضابط في حوالي الثانية والعشرين، قوي البنية مثل بغل إسترالي، ذو ملامح غليظه بليدة.

وكان موضع إزدراء وكراهية الجنود، والضباط القليلون الذين أسروا معه. كان من منطقة جاجى ومن قبائل منجل، ويظهر أنه كان الحزبي الوحيد فى المجموعة. إشتكى الجنود أنه كان يحتسى الخمر كثيراً و يعاملهم بقسوة. وإعترف هو بأنه تلقى تدريبيه في الإتحاد السوفيتى، لم تكن الجلسة للمحاكمة ،لذا لم يقتل ذلك الضابط رغم الكراهية التى أحاطت به من كل جانب.

لكن جندياً أحمقاً أثار ضحك الجميع فخفف المخاطر عن الضابط الكريه. كان الجندي مشهوراً بين زملائه ببساطته المتناهية لذا كانوا يضحكون كلما بدأ الكلام.وكان يقف أمام حقاني مشدود القامة بأكثر مما ينبغي لدرجة أنه كان مقوساً إلي الخلف بشكل يدعو للسخرية، كانت يداه في خشونة لحاء شجرة معمرة.

ومن وقفته العسكرية المضحكة كان يجيب علي أسئلة حقاني الذى سأله متحبباً إليه:

أيهما أفضل المجاهدين أم حكومة كابل؟. فأجاب ذلك الفلاح الفصيح بعكس ما كان متوقعاً، أى الإجابة التى يجيب بها الجنود عادة عندما يقعون في الأسر بأن “المجاهدين أفضل بالطبع” وبدلاً عن ذلك أجاب الجندى المقوس: كلاهما جيد يا سيدي العالم.

فأجابه حقاني مندهشاً: كيف أن كلاهما جيد ؟.

فأجاب الجندى: لأنهم مسلمون ومن الأفغان ياسيدى!.

فضحك الجميع بما فيهم حقاني، الذي لقنه درساً طويلاً بدأه بقوله:

كيف تقول ذلك أيها الأحمق ألا تعلم أن حكومة كابل شيوعية.. إلخ.

كان الجندى مرتبكاً والجميع يضحكون من حوله حتى زملائه، وفى الأخير إعتذر عن غلطته وألقى باللائمة على ضباط وحدته الذين كانوا يلقنونه أشياء مخالفة لذلك.

لم يمكث هؤلاء الجنود في الأسر طويلاً وأخذ كل منهم مئتى روبية باكستانية لإعانته على العودة إلى قريته، أما الضباط فلم أسمع عنهم بعد ذلك.

كان هناك فارون من الجنود فى(ورا تورغار) وكان عددهم حوالى الأربعين، حملوا معهم

3 كلاشنكوف، وعدد 2 قاذف صاروخى RPG وعدد 2 جرينوف.

أجريت أحاديث مطولة مع الفارين والأسري، وكان أفضل من أفادني هو الضابط “ضياء محمد” ، 25 عاما ، من هيرات. وقد فرّ من موقع (ورا تورغار) وقت هجوم المجاهدين علي تورغار الكبير.

وقد درس ضياء حتي الصف الثاني عشر ، تدرب فى كابل سته أشهر وتخرج ضابطاً. قال أنه يعلم بوصول تعزيزات إلي خوست، وهى جزء من الكتيبة 33 التابعة للفرقة 17 في هيرات، وجزء من لواء (جاردخاص) من كابل ،وهو من قوات الصفوة وأعضاؤه حزبيون،و جزء من فرقه 18 المتواجدة في مزار شريف، هذا بالإضافه إلى فرقه 25 المتواجدة أصلا فى خوست، وقوات (داو طلب) أى المتطوعين. وعن قطع المدفعية التى إستطاع أن يحصيها من موقعه أثناء الخدمة،  قال أنه أحصى 4 راجمات صواريخ BM-41 وأربع مدافع DC عيار 122 مليمتر، وأربع مدافع جبلية عيار 76 مليمتر، وقال بأنه فى المدينة طائرتى هيلوكبتر طراز (مى ـ 24) إنفجرت إحداها وبقيت واحده فقط.

وأكد أن الحاله الغذائية فى المدينة متردية وكذلك الخدمة الطبية التى لا يلقي الجنود شيئا منها، وأن قائد المخابرات (خاد)فى المدينه ويدعي( رحمت شاه) هو المسئول عن عمليات التهريب من باكستان وأهم ما يركز عليه هو البترول والطعام.

وقال بأن القيادة العسكرية في المدينة منقسمة على نفسها بين (خلق) و(البارشام) وكل فريق يحاول دعم موقفه وتقوية نفسه فى مقابل الفريق الآخر، ولكنه أكد أن كلا الفريقين مصمم علي القتال حتي النهاية، رغم كلامهم الكثير عن الوفاق والصلح.

 

الاثنين 19 فبراير 90:

في وقت الضحي كان مركز خليل يضج بالنشاط، وعسكر من الفارين يقومون بكل همة بتنظيف صواريخ كاتيوشا من التراب والشحم تمهيداً لتوزيعها على  الخطوط الأولي.

وسيارات البيك آب تأتى لتحميل الذخائر من المغارات المحيطة بالمركز ثم تذهب مسرعة. وعلي بعد أمتار من المركز هناك دبابة  وصلت  بالأمس وهي مغطاه بغطاء من قماش عسكرى سميك، بينما دبابة أخرى يعمل بها طاقم الإصلاح الذين غطاهم الزيت الأسود والأتربة حتى صاروا كأشباح مخيفة ولايحاول أحد مصافحتهم. ومخبز المعسكر قد إزداد نشاطه وتعزز عدد العاملين فيه، فالجبهة كلها تأخذ خبزها من هنا ثلاث مرات يومياً. فهو إذن لايكاد يتوقف غير ساعة أو إثنين أثناء النهار، والعديد من المراكز يعتمد على مطبخ مركز خليل في كامل الوجبات ، مثل مركز الترصد مثلاً.

ورغم الأمطار والطين والبرد فى أيام الشتاء إلا أن الأعمال الإدارية كانت تسير بشكل جيد ، على الأقل كانت الشكاوى نادرة . وجزء من الفضل فى ذلك يعود إلى التوفيق فى العمليات الذي ينسى الناس الجوع والتعب، وحتى عدم توافر الأغطية فى ليل خوست القارس.

لكن اليوم مشرق وجميع الدلائل تشير إلى أن عملية ما على الأبواب. ولم يكن هناك أكثرأهمية من الجبل المتبقي أى (وراتورغار) الذى جعل الإنتصار الضخم يوم الجمعة الماضى معلقاً بين السماء والأرض.

كانت إحدى سيارات البيك آب فى طريقها لنقل طعام وذخائر إلي موقع دبابة خليل الشهيرة، فوجدت من المناسب زيارة تلك الدبابة الرائعة وموقعها العجيب. ورأى الصحفى البريطانى (تيم) أنها فرصة مناسبه أيضاً أن يقوم بزيارة إلى موقع فى الخطوط الأولى قبل مغادرته إلى ميرانشاه اليوم.

تحركت بنا السيارة المكدسة بالمجاهدين والصناديق والخبز وأوعية الطعام.  بعد حوالى ساعة كنا في”بورى خيل”حيث مركز” نصرت الله” قائد كتيبه سلمان الفارسى. وهو مركز ضخم ملئ بالمغارات وأمامه ساحة متسعة بين الجبال، وتفصله عن وادى خوست القريب عدد من التلال المنخفضة، وعلى مسافات غير بعيدة عدة مراكز مدفعية وراجمات صواريخ للمجاهدين، لكل منها مغارة أو أكثر تستخدم للمبيت وتخزين المهمات، أو للإحتماء من الطيران وبالفعل فإن مجموعات المدفعية التى تكاسلت عن حفر المغارات وإستعاضت عنها ببيوت طينية ،كما فعلت إحدى المجموعات، أو تلك التى بنت مغارة غير مناسبة، جميعها أصيبت بخسائر في الأرواح غير الجرحى.

 ــ بعد دقائق أصبحنا فى الوادى الفسيح بلا أى عائق جغرافى عن المدينة، هناك القلعه العتيدة على هضبه متون التى أصبحت لدينا رمزا لمدينة خوست، مثلماهو برج إيفل بالنسبه لباريس.

إنحرف السائق صوب الشرق ومضى بأقصى سرعة ممكنه، وقال بأن سيارة قد تحطمت هنا منذ أيام بقذيفة دبابة. لم يكن ذلك مطمئناً بطبيعة الحال. كانت سحابة الأتربة خلفنا تمتد لأكثر من كيلومتر وترتفع لعدة أمتار.

كان طبيعياً أن يرسل لنا العدو قذائف الترحيب، وهو ما حدث فعلاً ولكنه أرسلها إلى المركز لذى نقصده. كنت أحمل عدة قتال كاملة فسألنى تيم عن السبب فقلت له: “لأننى إذا وقعت في الأسر فسوف يقتلوننى فوراً، أما أنت فسوف يُطلق سراحك خلال إسبوع لأنك أوروبى”.

ذهبت إلى دبابة خليل أتفحص موقعها، كانت تحت جرف يحجبها عن أعين العدو فى الوادى، ولكنها ظاهرة تماماً للعدو فى تورغار وما خلفه. لم يكن يحيط بها أى تحصينات تذكر، كانت ببساطة.. واقفه تحت الجرف!!.

فى ظنى أنه كان يمكن عمل الكثير بالنسبة لدبابة مستهدفة من الجو ومن الهاون، كأكثر من أى هدف آخر في كل الجبهة. ولو أن ذلك قد حدث فلربما وفرنا فى عدد القتلى الذين تساقطوا حولها، سواء من الأطقم أو المساعدين.

وعلى أيه حال فإنه دبابة فى مثل ذلك الموقع لا يمكن أن يصمد فيها بشر عاديون، يكفى فقط عشرات الغارات الجوية التى هاجمتهم ومحاولات الهجوم الأرضية التى قام بها أفراد الميليشيات القبلية. أما الموقع نفسه وهو فى هضبه مقابله فكان أكثر من رائع فى تجهيزه الهندسى. شبكة كاملة من المغارات المتصلة الطويلة مع شبكة كبيرة من الخنادق شبه الدائرية حول الهضبة، وهى تكفى لمسير الأفراد بدون إنحناء، ولما كانت الهضبة غير مرتفعة فإن حفر المغارات كان متجهاً الى أسفل لتوفير إرتفاع كاف فوق المغارات. تذكرت السيول ولو أن أحدها تدفق إلى تلك المغارات لتحولت إلى نهر عميق. ولكنهم كانو قد إحتاطوا للأمر بشكل جيد،ولم يحدث لهم أن تعرضوا لتلك المحنة.

تجولت مع تيم فى شبكة الخنادق الخارجية، ولم يكن قد سبق لى ان رأيت تورغار من جانبه الخلفى ومن تلك المسافة القريبة. إلتقطنا عدداً من الصور، حتى إنهالت علينا فجأة سيول من قذائف المدفعية، جعلتنا نجري بسرعة إلى داخل المغارات خاصة وأن بعض القذائف سقطت إلى جانبنا على حافة الخندق .

رحلة العودة كانت أكثر إثارة، والسبب هو”على جول” ذلك الشخص الأسطورى، وكان أبو الحارث قد حدثنى عنه كثيراً لكننى أراه الآن لأول مرة. ولسؤ الحظ أنه جلس معنا فى المقعد الأمامى للسيارة، بينى وبين”تيم” الإنجليزى، وكان رابعنا هو السائق، أما أنا فقد سحقنى”على جول” بجسده الضخم ولصقنى تماماً فى باب السيار، أما تيم المسكين الذى لم يجد مكان للجلوس سوى ما بين كتف”على جول” وكتف سائق السيارة،وإلتصق باقى جسده النحيل فى سقفها. “على جول” طيب القلب الشجاع أمام أى شئ فى الكون سوى الألغام ، وهذا سبب شهرته بين العرب. جلس يكلمنى بلغته المهجنة التي تعلمها ، أو إخترعها ،أثناء عمله بالسعودية لعدة سنوات، عن مغامراته الأخيرة فى الإقتراب من الخط الأول للعدو، والكلام مع الجنود عبر مكبر الصوت . وفى الحقيقه أنه لم يكن فى حاجه الى ذلك الجهاز، لأن صوته “السوبر جهورى” كاد أن يصيبني بالصمم خاصة وأن أذنى اليمني،التى كمن علي جول، على بعد مليمترات منها، طبلتها مرهقه أصلاً

ــ  قال “علي” أنه إكتسب ود وصداقه الجنود الذين يسمعون له بإحترام وتأثير ولكن الضباط “الملاعين”يسبونه بأقبح السباب الذى يندى له الجبين، ويرغمون الجنود علي إطلاق النار عليه، و ضربه بالهاونات.

ولكن مجهوده أثمر، وهرب علي يديه عدد لابأس به من الجنود الذين إستمعوا إليه في النهار وهربوا فى الليل. كان كل ما قاله صحيحاً، إلا جزء واحد بسيط، عندما قال أنه كى يتقرب من خطوط العدو فإنه يرفع الالغام (بحرص شديد) فلما رآنى أنظر إلى وجهه،ولم أكن قد فعلت منذ بدأ يقصفنى بحديثه داخل طبله أذنى اليمنى ، فشعر بذكائه الحاد أن  شيئاً من الإشاعات  قد وصلنى .أقصد الإشاعات المغرضة التي تقول أنه يخاف(جداً)من الألغام ، فأضاف قائلاً:

ــ وأحياناً آخذ معى أحد الاخوة العرب ليساعدني في نزع الألغام. وفى الحقيقة فقد أحبه العرب فى مركز أبو الحارث كثيراً وأعجبوا بشجاعته وقوته وطيبة قلبه وكرمه .

كان دائماً يدعوهم الى بيته كي يذبح لهم حروف ( بدون نقطة على حرف الخاء). ولكن لم يذكر لى أحد أنه لبى الدعوه لأكل  لحم ذلك”الحروف”. ولكن العرب كانوا يمازحونه كثيراً بالنسبه لموضوع الألغام، وكان هو نفسه يضحك كثيراً من ذلك ويعترف فى النهاية بروح رياضية بأنه يخاف منها كثيراً.

كل من تعامل مع على جول كان يحبه لدرجه غير عادية ، لذا عندما إستشهد بعد ذلك بعدة أشهر بكى عليه الجميع.

حتى خليل أخو جلال الدين حقانى الذى يبدو بطبعه لامبالياً، بكى كطفل فقد أبواه ، حتى أن أبو الحارث كان يتعجب من ذلك، وكان واقفاً وقت دفن ذلك “البطل الضخم”. وقال بأن خليل إرتمى على القبر وبكى بحرقه لم يرى مثلها قبلاً. لم أكن لأصدق أن خليل فعل ذلك لو أن غير أبو الحارث هو الشاهد والراوي لما حدث.

ــ لاحظ علي جول أننى أحمل “كاميراتين” للتصوير واحدة كبيرة بعدسة مقربة، وأخرى صغيرة توضع فى الجيب. فطلب منى أعطيه الكاميرا الصغيرة ،فإعتذرت بأننى أستخدمها للتصوير لمجله حقانى. ظننت أنى أغلقت عليه الطريق، فقد كانت كاميرتى الخاصة. ولكنه فاجأنى بالقول: “إن حقانى قريبى، أنا وهو من نفس القبيلة، ثم إننى سأصور بها في الجبهة وأعطيك الصور لتنشرها فى المجلة، وأكون بذلك أحد العاملين معكم” .

إعتذرت مرة أخرى، لكنه أصر وتشبث مثل طفل صغير تعلق  بأحد الألعاب لدى طفل آخر. وصلنا الى المركز ونحن مختلفان،فعرضت الأمر على حقانى فجعلته حكماً بيننا، فضحك حقانى ووافق بأن أعطيه الكاميرا وأن يعمل علي جول معنا مصوراً ميدانيا. إضطررت  للإذعان، وكاد “علي جول” أن يطير فرحاً.

–   بعد إسبوعين تقريباً قابلته فى نفس المركز وكان أبو الحارث قد أخبرنى بأن”علي جول” يبحث عنى منذ أيام لأن معه صوراً  لى.

سرنى ذلك، ومنيت نفسى بصور نادرة من الخط الأول. جاء “علي جول” ومعه ثلاث صور كلها لأفراد داخل غرفة وفوقهم نافذة مفتوحة، فسألته أين الصور؟ . قال:هذه هى تجربتى الأولى فى التصوير وأردت أن أعرضها عليك حتى تعطينى رأيك.

كانت خيبه أمل بالنسبة لى فسألته عن باقى صور الفيلم.  فأجاب بأنها إحترقت جميعاً وهذه فقط التى نجحت. فشرحت له بأنها لم تنجح لأن النافذة يدخل منها ضوء شديد، وبالتالى فإن وجوه الأشخاص تحتها جاءت معتمه جداً حتى أنه يصعب تحديد هوية أصحابها. قال”علي جول”: إذن أنت لم تعرفنى؟ هذا هو أنا أجلس فى المنتصف وعلى يمينى إبن عمى وعلى يسارى إبن خالى.

فسألته بدهشة: وكيف أخذت الصورة إذن؟.

فرد على مصححاً خطئى:لا يابوى، أنا ما خذت هادى الصورة. هادى الصورة أخذها لى واحد صديقى.

فسألته: لكنك قلت أنك إلتقطت الصور.

فرد بأن الصور التى  إلتقطها لم تظهر فى التحميض وهو يجهل السبب، ويريد  فيلماً جديداً حتى يحاول ويجرب حظه مرة أخرى.

وبهدؤ وبدون جدال، وبكل مشاعر اليأس والإحباط مددت يدى إلى جيب حقيبتى العسكرية وأعطيته فيلماً. فأخذه وهو يشكرنى متهلل الوجه.

لم أشاركه السرور بل ذهبت بى الأفكار بعيداً، بحثاً عن السبب الحقيقى الذى لأجله يأمر ضباط العدو جنودهم بضرب “علي جول” بالهاونات!!.

طلب منى حقانى أن أرافق الصحفى الضيف فى سيارة المركز حتى ميرانشاه لأنه ربما إحتاج وساطتى  لدى الأطباء العرب للسماح له بالركوب فى أحدى سيارات الإسعاف التابعة لهم.

ـ   كانت علاقة حقانى وجماعته متدهورة مع الأطباء العرب العاملين فى الهلال الأحمر الكويتى، بل مع الهيئة الكويتية نفسها. فى هذه المرة لم يكن هناك وقت لبروتوكولات التكريم، فالسيارة مزدحمة والطائرات تقصف المنطقه، فقفزت مع الضيف فى الصندوق الخلفى لسيارة إسعاف كان بها جريحان.

السائق يحاول الطيران لينجو بنفسه وبمن معه من القنابل المتساقطة، وإضطر للتوقف مرة أو إثنين حينما  حاصرته الرمايات من الأمام ومن الخلف. تنهدت مستريحاً عندما عبرنا نقطة الحدود فى غلام خان، لقد إنتهت مطاردة الطائرات كما إنتهت مطبات الطريق الصخرى.

في مكتب حقانى الرئيسى كانت ثلاث سيارات إسعاف مهيئة للتحرك صوب بشاور ، وقبلوا أن يصحبوا “تيم” بدون صعوبة، ولكنه إعتبر أننى ساعدته كثيراً وكنت مجاملاً معه عندما حضرت وإصطحبته إلى ميرانشاه.  أفهمت الأفغان الذين فى القافلة أن هذا الصحفى هو  ضيف حقانى، فأسرعوا بتقديم كل مساعدة ممكنه له.

وهذا التقليد بإحترام الضيف، وكذلك إحترام ضيوف الآخرين هو واحد من أعرق وأنبل الأخلاق الأفغانية. عدت مسرعاً إلى “مركز خليل” فى أول سيارة صادفتها. ثم إنتقلت إلى جبل الترصد والقيادة فى سيارة مركز خليل التى كانت تنقل الماء والخبز إلى هناك. وصلت الي القمه فى حوالى الرابعة وكان حقانى هناك. وفوراً بدأت مدفعية المجاهدين فى العمل ضد “تورغار الصغير” وأخبرنى عبد العزيز أن القصف الجوى على تورغار لم يتوقف منذ الثانية ظهراً وحتى الآن ولكن  لم يبلغ أحد عن وقوع إصابات.

 مدفعية المجاهدين أصابت مخزن مواد غذائية وذخائر فوق تورغار الصغير وقتل هناك عدد من الجنود، أبلغنى عبد العزيز بذلك بعد أن إستمع الى مكالمات العدو اللاسلكية، وكانت سحب دخان تتصاعد من فوق تورغار الصغير.

الساعة 5.24: غارة أخرى على نفس الهدف، ولكنها أصابت خطوط العدو نفسه فى جبل “تورغار الصغير” وأحدثت خسائر، وقد هلل المجاهدون لذلك.

الساعة 5.37: دبابة خليل تضرب بعنف مراكز العدو في الجبل الصغير. الدبابة التي من المفروض أن تعمل من شرق الجبل لم تصل حتى الآن.

الساعة 5.55: جماعة الكوتشى المهاجمين يتصلون مع حقانى، ويقولون بأن العسكر يهربون من الجبل، وأنهم سيطاردونهم. حقانى يضحك ويصيح فيهم مشجعاً. وكانوا يتقدمون من شرق الجبل.

الساعة 6.00: مكالمه لحقانى من المهاجمين:” نحن نحاول الإقتراب بسرعة من دفاعات الخط الأول حتى نستفيد من الضوء الباقى لنتفادى الألغام”.

الساعة 6.06:  جماعة من الكوتشى بقيادة “أورانج” يصلون إلى الخط الأول للعدو فوق الجبل. حقانى يصدر أخطر قرارات اليوم. لقد أمر المدافعين عن تورغار الكبير بالنزول إلى تورغارالصغير ومساعدة زملائهم في تطهيره والدفاع عنه ضد أى هجوم معاكس.

لقد صار “تورغار العظيم” مجرد خط خلفى لإسناد خط الدفاع الأول الذى إنتقل إلى شقيقه الأصغر”ورا تورغار”. لقد كان حقاني متألقاً هذا اليوم. وكذلك فرق المهاجمين خاصه الكوتشى، جماعة الشهيد عبد المنان ، والذين يقودهم أخوه”جولاب”وقد إنضم إليه اليوم القائد الشهير أورانج، وهو من نفس الفريق.

لقد أثارت شجاعة ذلك الفريق الحماس والبهجة كما أثارت الإبتسامات والضحكات. ومن أشهر نكاتهم هو إسخدامهم موجه لاسلكية واحدة، منذ إستلامهم لتلك الأجهزة وحتى نهاية الحرب.

وهذا الرقم هو 4444، وكانت الحكومة تضعه بإستمرار تحت التصنت وكانت تعرف نواياهم ونوايا المجاهدين  من خلال هذا الرقم. وجماعة الكوتشى لا يكذبون أبداً، لذا فهم مصدر موثوق لدى الحكومة. أما عندما يلجأون إلى السرية، وهذا لا يحدث إلا بعد نجاح الإقتحام وبداية جمع الأسري والغنائم فأنهم يستخدمون شيفرة ليست كثيرة التعقيد. كما حدث هذه الليلة مثلاً، فعندما يأسرون جندياً فإنهم يقولون على المخابر :(لقد أمسكنا بقرة). أما إذا أسروا ضابطاً فالرسالة تكون: (لقد أمسكنا خنزيراً).

الساعة 6.09: وصلت الطائرات النفاثة فقصفت تورغار الكبير وما حوله، بعد الغارة قال المجاهدون أنه لم يُصَب أحد منهم.

الساعة 6.12: قائد العدو علي الجبل الصغير يطلب من قيادته فى المدينة إرسال مصفحة لنقله فاتصل حقانى بالمهاجمين وطالبهم بالبحث عن ذلك الضابط وإمساكه حياً.

الساعة 6.18:  راجمات الصواريخ لدى العدو تطلق قذائفها ضد تورغار. وعبد العزيز وجماعتة يشوشون على موجه اللإسلكى الخاصة بمدفعية العدو.

الساعة 6.20: عبد العزيز يخبر حقانى أن طائرات نفاثة قادمة للقصف، وحقانى يأمر المجاهدين بوقف الرمايات حتى تنتهى الغارة الجوية .وكان الوقت ليلاً ومن السهل على الطيار تحديد موقع رمايات المدفعية ومن ثم إصابه المدافع.

أقبلت الطائرات وأفرغت حمولات كبيرة من القذائف العنقودية فوق تورغار، ومخابرة من المجاهدين هناك تقول: لقد أصابوا جنودهم فى تلك الغارة، ويبدو أن بعض الأسرى قد أصيب بالقنابل العنقودية.

الساعة 6.27:  غارة جوية على تورغار إستخدمت فيها قنابل عنقودية ثم قنابل ثقيلة الوزن، ثم غارة جوية على قاعدة المجاهدين فى “بورى خيل” حيث  كتيبة  سلمان الفارسى.

الساعة 6.29: السيارات الحكومية وصلت لنقل الهاربين من الجبل الى المدينة.

الساعة 6.36: ثلاثة من المجاهدين الكوتشى عثروا على ستة من الجنود وأخذوهم أسرى، حقانى يضحك ويصيح بهم مشجعاً على جهاز اللاسلكى “زنده باد”.

الساعة 6.40: ضحكات النصر وممازحات مع الكوتشى من حقاني وباقى المجاهدين، فقد كانوا هم نجوم هذا اليوم.

هبط الظلام على المنطقه إلا ما تبقى من شفق ضعيف.

طائرات الأنتينوف القاذفة تشن عده غارات متوالية، ولكن بدون أن تحقق إصابات.

الساعة 9.25 : كنا داخل الغرفة نلتمس شيئاً من الدفء، سمعنا صوت إنفجار صاروخ سكود، وتبعه صاروخ آخر بعد ثوان، كانت رسائل تهنئة للمجاهدين قادمه من كابول.

الساعة 11.30: كنت مستغرقاً في النوم داخل الغرفة التى إمتلأت بالمجاهدين وكل فرد نام بطريقه عشوائية. أيقظنى حارس حقانى وقال بأن الشيخ سوف يغادر الي معسكر خليل ويسألنى إن كنت سأرجع معه أم أبقى حيث أنا، فأجبت بأننى سأبقى هنا.

سمعت صوت السيارات تغادر المركز، ومن وقت لآخر إستيقظ علي صوت إنفجارات كبيرة وأصوات الطائرات بأنواعها تروح وتجئ، ولكى لم أشعر بالقلق أو الإنزعاج، ولا أحد ممن حولى تزحزح من نومته، فالكل يعلم أن الطائرات ، كل الطائرات ، لن تعيد “عائلة تورغار” إلى قوات الحكومة مادامت تلك القوات قد فرت ولا تنوى العودة مرة أخرى .

 

تحميل مجلة الصمود عدد 178 : اضغط هنا

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world