جلال الدين حقانى .. العالم الفقية .. والمجاهد المجدد 19

بقلم : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مجلة الصمود الإسلامية / السنة الرابعة عشرة – العدد ( 169 ) | رجب 1441 هـ / مارس 2020 م . 

12/03/2020

جلال الدين حقانى

العالم الفقية .. والمجاهد المجدد

( 19 )

خيوط المؤامرة تتكشف على طريق زدران

 

 

– كان حقاني قد جرح منذ عدة أيام بقذيفة دبابة قتلت مرافقه .

– سياف يقول للمتطوعين العرب { لقد نصرتم حقاني أكثر من اللازم}.

ويقول للمتطوعين الأفغان { لقد انتهت المعركة .. ارجعوا}.

– لم يتأثر التجمّع العربي بدروس المعركة وظل يعمل بنفس الأساليب.

– تنظيم الجهاد المصري: لا يجوز شرعا القتال في أفغانستان لأنه لن يؤدي إلى قيام دولة إسلامية.

 

بقلم  : مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

 

ولكن أتيحت لى الفرصة كاملة للتعبيرعن مشاعري وآرائي عندما وصل ضابطي الإستخبارات. أمدني بالشجاعة شعوري بالإحباط الناتج عن موقفي الخاص والموقف العام، فبينما يوقفني هؤلاء “الأوباش” أثناء عودتي من الجبهة، يتقدم السوفييت إلى خوست وقد تصبح ميرانشاه هدفا تالياً.

وإن لم تُحْتَل فإنها قد تتعرض للتدمير بالقصف المدفعي والجوي.ألقى ضابط الاستخبارات نظرة على محتويات الصندوق، وفهموا ماذا تعني، فسألوني عن اسمي وعملي وكيف حصلت على هذه الأشياء ولماذا ؟.. إلخ.

قدمت نفسي باسم “عزالدين حميد” صحفي مصري.. قادم من باري من أحد مراكز حقاني وهو مركز “عيد جول”ــ كانوا يعلمون أسماء الجميع في باري وغيرها ـ وأن هذا الصندوق لهم أوصوني بإيصاله إلى مكتبهم في ميرانشاه.

ثم تحول الحديث إلى الأحداث الدائرة في خوست فوضعتهم تحت نيران النقد العنيف والاتهام المباشر.قلت لهما في البداية أنى رأيتهما في جاور أثناء معركة1986 .

فقال أكبرهما أنه كان هناك فعلاً، وعندما سألني عن محل إقامتي، فظهر أنه يسكن في شارع مجاور لبيتي في إسلام آباد، وأن أخوه يمتلك مطعماً هناك باسم  “المطعم الباكستاني الأفغاني”.. ثم سألني عن الأوضاع في خوست وباري وتحديداً في المطار، هل هبطت طائرات هناك، وهل صعدت قوات روسية فوق جبل تورغار؟.أخبرته بما أعلم ثم سألته بشيء من الحدة، لماذا تركتم السوفييت يدخلون خوست؟

فأجاب: لم نتركهم يدخلون، ولكن المجاهدين لم يستطيعوا منعهم.

فقلت له بل أنتم تركتموهم يدخلون، ولو أردتم منعهم لكانت هناك إجراءات أخرى.

فأجاب: لا يمكننا القتال بدلا عن الأفغان، فهذه هي حربهم.

فقلت له، إن وصول السوفييت إلى خوست يجعل مكاننا هذا وميرانشاه كلها في مرمى مدافعهم وصواريخهم، وهكذا تجد نفسك معنياً بالأمر!!. كان يمكنكم منع السوفييت من عبور ذلك الطريق فأنا أعرفه جيداً.. مئة أو مئتي مجاهد مدرب يمكنهم ان  يمنعوا أي جيش في العالم  من استخدام الطريق، إن حماية هذا الطريق مسأله تمس أمن بلادكم، حتى لو لم يرغب الأفغان في القتال دفاعاً عن أرضهم  وذلك شيء مستحيل  فكان من الممكن إرسال عدة مئات من رجال قبائل البشتون في باكستان للقتال هناك، ولايمكن للسوفييت تمييزهم عن البشتون الأفغان فهم من نفس القبائل التي تعيش وتتنقل على جانبي الحدود.

ولكن تركتم بدلاً من ذلك قادة شيوعيون من أمثال “نظر محمد” الذي يعمل مع سياف  كي يضع فى يد قواته المفتاح الاستراتيجي للطريق فوق جبال”ساتي كندو”ـ وقد سلمها فوراً إلى السوفييت مع كامل الأسلحة والذخائر التي بحوزته.

ظهر الاهتمام على وجه الضابط وسألني بحدة: أين “نظر محمد” الآن؟

ولم أدرِ سبب هذا الاهتمام، وهل هو حقيقي أم مصطنع، وهل هو حقا لايعلم أم أنه فوجئ بمعرفتي بأمر داخلي لايعرفه “الأجانب” عادة ؟

فأجبته قائلاً: كيف لي أن أعرف أين هو الآن؟ ربما عاد إلى كابل كي يحصل على أوسمة جديدة، وربما كان في ميرانشاه أو بشاور أو إسلام آباد¬ أو في “بابي” عند زعيمه سياف، ولكن ذلك لن يغير الأمر الواقع في شيء، فالجيش الأحمر في خوست الآن، ولابد أنه سيحاول إغلاق المنافذ الحدودية على الأقل، هذا إذا لم يفكر في اختراقها بقواته أو قصف مناطقكم الحدودية الآهلة بالسكان.

قال الضابط بهدوء وثقة صدمتي، وألقت على رأسي الملتهب “سطلاً” من الماء البارد:

لاتقلق من وجود السوفييت في داخل خوست، هذا أمر عادي وطبيعي. لن يغلقوا منافذ الحدود أو يقصفوا مناطقنا الحدودية، فقط سوف يعملون على تموين المدينة وتقوية دفاعاتها ثم يغادرونها، إنهم يفعلون ذلك دائماً.

أذهلني أنه لايتكلم كأنه يتوقع مجريات الحدث ولكن يخبرني عن شيء يعرفه بالتأكيد. وقفز إلى ذهني على الفور ماذكره لي “أبوأنيس” عما سمعه في السعودية عن هدف الحملة، وهو ما ينطبق تماماً مع مايذكره لي ضابط الاستخبارات الآن!!.

جزمت وقتها بصحة معلومة أبوأنس، وفهمت سر هدوء ذلك الضابط وثقته في نفسه في ظل ذلك الخطر الداهم على بلاده والرابض على مسافة قريبة من الحدود. إن مايجري الآن هو عمل عسكري في ظل صفقة سياسية كبرى، أو هو هزيمة مفروضة على المجاهدين، ونصر مصطنع للسوفييت. شعرت بقسوة وسفالة تلك الصفقات، والتي تهدر فيها أرواح المئات أو الآلاف، لا لشيء إلا لأنهم يعارضونها أو لايفهمونها. لقد باعتنا باكستان للسوفييت، وبأوامر من أمريكا، وسوف تنقلب علينا، نحن العرب بعد نهاية الحرب بأوامر من أمريكا أيضاً، فأين إدعاءات ضياء الحق والساسة في باكستان عن الجهاد في سبيل الله، والأخوَّة بين المسلمين؟؟.

لقد ركن المجاهدون إلى طواغيت السياسة، فذاقوا وبال أمرهم.

تهيأ الضابط للانصراف وهو يقول: لقد انتهت المعركة بدخول السوفييت إلى خوست، وأن على حقاني أن يعود إلى جاور للدفاع عنها تحسباً للأمر.

شعرت بالغيظ من عنجهيته في تقرير مصير المعارك ومحاولة إلقاء الأوامر بهذا الاستهتار إلى قادة كبار من وزن حقاني.

فأجبته بحنق محاولاً التشفي منه: أنت لاتعرف من هو حقاني، إنه سوف يستمر في القتال على الطريق وحول مركزه في سرانا حتى يدفع السوفييت إلى الخلف أو أن يُقتل هناك. لن يترك حقاني مكانه في المعركة طالما هو واقف على قدميه. إنه مثل فارس الجبال الذي يرفض الهزيمة ويقاتل حتى النفس الأخير مهما كانت المعركة تسير في غير صالحه.

توجه الضابطان إلى سيارتهما، بدون أن يتكلما عن موضوع احتجازي، فعلمت أن أمري لا يهمّهما في شيء، وربما ضاقا صدراً بما أقول، وأن قرار احتجازي هو من مسؤولية جهات حكومية أخرى في ميرانشاه.

بعد حوالى ساعة وصلت سيارة فخمة وضخمة في حراسة سيارتين من الحرس نزل منها ضابط ذو رتبة كبيرة من حرس الحدود، علمت أنه حاكم ميرانشاه.

تبادل حديث قصير مع جنود الميليشيا وأمر بوضع الصندوق في أحد السيارات التابعة له، ثم حدثني بالإنجليزية طالبا مني الركوب في أحد السيارات ثم توجهنا إلى قلعة ميرانشاه. وهي مقر الحكومة وفيها السجن الرئيسي. لم يضعوني في السجن لحسن الحظ ولكن أجلسوني على كرسى خشبى وسط الحديقة، وجلس القائد الكبير على كرسي آخر وألقى عدداً من الأسئلة ثم تركني ومضى، وجاء شخص بملابس مدنية ذو جسم سمين، عرفني بنفسه أنه ضابط بالجيش. وبدأ يسألني في أشياء كثيرة ولما علم بأني صحفي أزور أفغانستان من وقت إلى آخر سألنى بتعجب وسذاجة شعرت أنها طبيعية: وهل تستطيع المشي في الجبال؟

وزنه الضخم جعل السؤال طبيعيا ولا يدعو إلى الدهشة. تركني هو الآخر وبقيت وسط الحديقة الخضراء منزرعاً فيها فوق كرسي خشبي. حاولت أن أتسلى بجمال الأشجار والخضرة، ولكني لم أشعر بغير التقزز من المكان وكل من فيه، من بشر وشجر، وتمنيت أن أغادره في أقرب فرصة.

فى الواحدة والنصف جاء الفرج مجسداً في شخصين الأول” حاجى دين محمد “صديقي القديم والمحرك الحقيقي”لحزب إسلامي” التابع لمولوي خالص، وبرفقته صديقي “عبدالله خان” الذي استأجرنا بيته لجماعة أبوعبدالله (اسامة بن لادن)، وكان شاباً مهذباً رقيقاً مجاملا مضيافاً.لكنه مليء بالألغاز أيضاً، على الأقل بالنسبة لي.

لم يتعرف ” حاجي دين محمد” عليّ، فكلانا قد تغير وزاد الشعرالأبيض الذى يتلألأ فوق وجهه ورأسه، فلما عرفني زال تحفظه، وانطلق في سجيته المرحة، يلقى بالنكات والتعليقات الساخرة، فقال لي ضاحكاً: أنا لم أعرفك، لقد تغيرت كثيراً وزاد الشيب في لحيتك ورأسك!! هل تحب أن نتركك هنا في سجن القلعة ؟!! أنت لا تعرف سوى حقاني فقط ؟؟ هل نسيت أصدقاءك القدماء ؟

كان عتاباً ضاحكاً لا يخلو من تقريع، وقبل أن يغرقني الخجل تحول دين محمد بنيرانه الساخرة على قائد المنطقة نفسه.

وأدهشني تلك الصداقة التي بينهما والتي لا تستدعي شيئاً من التكلف حتى أن دين محمد قال للضابط : إن قبيلتكم “أفريدي”، مشهورة بسرقة الأسلحة والمتاجرة بها. ورد الضابط الكبير:إن أحزابكم تختلس الأسلحة وتبيعها، وبعضكم يلعب في تجارة المخدرات لم يكن حاجى دين محمد في حاجة لأن يقول للضابط الكبير غير:” هذا الأخ صديق قديم هل تريدون منه شيء ؟ “.

ضحك الضابط قائلاً: يمكنك أن تأخذه معك، وأيضاً الصندوق. والتقطت للضابط صورة فوتوغرافية شرط ألا أبتزه بها في المستقبل كما قال لي ضاحكاً. إنتهت إذن المشكلة، وبدون أية مشكلة !!.

ولا داعي للتذكير بما تعنيه” أمانات الصندوق الخشبي” وأنها كانت كفيلة الآن بأن تجعلني أشهر مشنوق بأمر محاكم أمن الدولة في بلدان كثيرة.

ظل كلام ضابط الاستخبارات العسكرية يطن في رأسي مثل خليه من النحل. فإذا صح ذلك الكلام، وهو غالباً صحيح حسب ما أصبحت أعتقد وقتها¬ فمعنى ذلك أنه لا معركة لنا في “باري”، وأننا يجب أن نعيد حساباتنا، وأن ننظر مع من نتعامل؟ فمن هو المجاهد؟ ومن هو عميل أجهزة المخابرات على أنواعها؟ وما هو موقعنا¬ كمتطوعين عرب في وسط هذه الأمواج والتطورات العنيفة التي لا تعرف الرحمة ؟ هل يطردوننا؟ أم يقتلوننا؟ أم يضعوننا في السجون؟ هل نتعرض نحن أيضاً إلى “إيلول أسود” من نوع إسلامي؟

هل امتطتنا القوى الدولية إلى غايتها القصوى بينما عجزنا نحن عن تحقيق شيء لإسلامنا؟! هل نحن بشر تعقل أم دواب تمشي بلا عقل وحتى بلا أعين؟

لأول مرة أرى خيانات هائلة الحجم مثل هذه، فإلى أي مدى تصل تلك الموجه؟ هل تطوى القضية الأفغانية كلها وتطوينا معها أيضاً؟

في بيت أبوعبدالله الجديد ـ مقر قيادته ومقر ضيافة جماعته، أخذت الصورة تكتمل بالتدريج. وعندما اتّضحت لم نصل جميعاً إلى نفس النتائج بدليل أن التجمع العربي لم يتأثر كثيراً في فكرة وحركته بدروس تلك المعركة الرهيبة، وظل كما هو تقريباً يتحرك بنفس الأساليب السابقة.

لقد عادت المجموعة التي أرسلها أبو عبدالله إلى منطقة ” دومندو ” التي تضم المضيق الاستراتيجي الممتد عدة كيلومترات والذي يدخل منه طريق ” زدران ” إلى وادي خوست الفسيح . في تلك المنطقة عدد من المراكز القوية.. للمجاهدين، وكان يمكنها فعل الكثير تجاه قوة عسكرية تسير أمامها في طريق ضيق متعرج بين الجبال، ولكن ماحدث كان شيئاً آخر. وصل الشباب إلى هناك، حيث كان متواجداً في نفس المنطقة “مطيع الله” القائد الشهير لدى جماعة خالص ، فطلبوا مقابلته ولكنه رفض!! ويمكن تفسير ذلك الرفض بتبريرات مختلفة، ولكن الشباب طلبوا مقابلة قائد آخر هو “خان سردار” وذهبوا إليه في بيته .. ولكنه لم يقابلهم بل أرسل لهم رسالة يشكرهم فيها على الحضور، ويخبرهم بأن أهل المنطقة قد باعوها للحكومة ولايسمحون للمجاهدين للعمل فيها!! وفي نهاية رسالته إليهم قال:” أرجو أن تكون هذه هي آخر ليلة لكم هنا”.

وبالفعل قضى شباب العرب ليلتهم في بيت “خان سردار” فلم يكن لديهم بديل آخر في ليالي الصقيع الشتوي. وغادروا صباحاً ليشاهدوا آثار الهزيمة أو الخيانة في الطريق، فالمجاهدون ينسحبون إلى الخلف نحو منطقة قبيلة “تاناى” ساحبين معهم أربعة راجمات صواريخ “B.M.12” لم يطلقوا منها طلقة واحدة.

فمن باع منطقة “دوامندو” الاستراتيجية؟ هل هم الأهالي؟ أم مجموعات المجاهدين؟. لاشك عندي أن “خان سردار” كان كاذباً.وأنه كان ينسحب طبقاً لأوامر قيادته الحقيقية أي المخابرات الباكستانية. وذلك لايمنع أن أهالي المنطقة أو من تبقى منهم قد تلقوا بعض الهدايا من القوات الغازية كما تفعل عادة فى مثل تلك الحالات، التي يلتزم فيها الأهالي بقواعد السلوك الحسن.

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

 

إصابة حقاني:

الذين عادوا من عند جلال الدين حقاني قالوا أنه قد جرح منذ خمسة أيام تقريباً، بينما كان يستطلع القوة المتقدمة مع أحد مرافقيه، فاجأتهما قذيفة دبابة قتلت المرافق وجرحت حقاني. قالوا أيضاً أن حقاني ينوي التوجهه إلى النقطة الحدودية “بغر” من أجل العلاج، وأن القوة السوفيتية تطارده في العمق بعد سرانا وعلى بُعد سبع  ساعات من الطريق العام.لم يكن ذلك صحيحا فلم تتعمق القوة السوفيتية أبعد من سرانا لعدم جدوى  ذلك وخطورته، وربما أيضاً لأنه خارج برنامج الخيانة المتفق عليه، فهناك أماكن لاتبعد كثيراً عن “سرانا” مثل منطقه “نكا” التي كانت مكتظة بالسكان والمجاهدين والإمدادات وهيئات الأغاثة بشكل غير عادي ولكنها لم تُقصَف بالطيران وكان ذلك مثيراً للدهشه والتساؤل!

ثم نقلوا عن حقاني رسالة إلى المتطوعين العرب تقول لهم بعدم ضرورة حضورهم نتيجة لبدء تهاطل الثلوج، ولعدم معرفتهم بمسالك المنطقة وعدم توافر الطعام والمأوى. ثم طلب منهم الدفاع عن جاور فقد يحاول العدو الوصول إليها، مستفيداً من عدم تواجد حقاني، مع حالة الانهيار والإحباط السائد بين المجاهدين مع ارتفاع معنويات العدوّ وقوات خوست والميليشيات الشيوعية بها.

– عقدنا ليلاً اجتماع في بيت أبو عبدالله، عَرَضَت فيه كل مجموعه تقارير عن منطقتها، وكان القرار في النهاية اتخاذ إجراءات للدفاع عن جاور على أن تبدأ تلك الإجراءات من جبل رغبلي الشهير والذي كان ركيزة الحملة الشيوعية الماضية، وقررنا إرسال دورية لدراسة المنطقة هناك لوضع خطة عمل.

– قبل المغرب وصل أبوحفص وأبوجهاد مع أبوخالد، والجميع أصبحوا الآن في تنظيم الجهاد المصري، وكان أبو حفص يحمل لي رسالة من الأهل في إسلام آباد، أخبروني فيها أنهم استلموا بعض الأموال من أصدقاء في أبوظبي.

أما أبو الحسن المدني فقد أفاد أن هناك ضغوطاً كبيرة على القادة السبعة الأفغان، قادة المنظمات كي يلقوا بثقلهم في المعركة، وأن أحدهم سوف يتم تعيينه قائداً عاماً لها.

ولاداعي للقول بأن شيئا من ذلك لم يحدث، وأنه ربما كان جزءاً من خطة تعمية على حقيقة مايحدث ودور باكستان وقادة الأحزاب الأفغانية فيه.

قال أبو الحسن أيضاً أن شباب كثيرون في طريقهم إلى هنا قادمون من السعودية من أجل المشاركة في المعركة!!.

– أخبار أخرى عن سياف في اجتماعه مع العرب في بشاور، وشبه مناوشة بين الطرفين إذ صرخ العرب في سياف، أمير الجهاد في أفغانستان كما يعتقدون، بأن يتحرك لنجدة حقاني فصاح فيهم كالعادة، أنتم نصرتم حقاني أكثر من اللازم وأعطيتموه أكثر من حجمه!!.

تأثر العرب وكان بعضهم قد زار حقاني وشاهده وهو جريح فقالوا له: لا وقت لمثل هذا الكلام، فحقاني يقاتل وحيداً وهو جريح وليس حوله أحد.

لم يتأثر سياف بتلك الصورة المؤثرة التي نقلوها، وفي اليوم التالي شاهد مجموعة من الأفغان المهاجرين في منطقته”بابي”وكانوا متوجهين نحو المعركة ولكنه أعادهم قائلاً: انتهت المعركة، لقد دخلت القوة إلى خوست … ارجعوا..

 

 

الثلاثاء 5/يناير/88 :

في الثامنة والنصف صباحاً عقد اجتماع آخر مع أبو عبدالله حضره من تنظيم الجهاد كل من أبوخالد وأبو حفص، لأبداء المشورة حول الموضوع.

كانت هذه أول مرة يزورنا فيها أبوحفص وأبوجهاد وهما من أفراد مجموعتنا القديمة، ولكنهم هذه المرة تحت إمرة أبوخالد وضمن تنظيم الجهاد، وقد أحاطا نفسيهما بغلاف سميك من السرية والغموض أثناء حديثهم معنا. ورغم أنهما أخذا بوجهه نظر”تنظيم الجهاد” في أحداث أفغانستان، وهي وجهة نظر كنت أراها غبية وقاصرة، وهى تقول بأن أفغانستان قد أنتهت، وأن القيادات قد باعت القضية، وأن هذا الجهاد لن ينجح، وأنه حتى لونجح فلن يؤدى إلى قيام دولة إسلامية ، وبالتالي لايجوز شرعاً القتال في أفغانستان، والأولى هو استغلال الفرصة في التدريب للقتال في مصر حيث القيادة الإسلامية الصحيحة التي تفهم الإسلام، وأن دولة الإسلام لن تقوم في” بلاد العجم” الذين ينقصهم فهم الإسلام، وتنتشر فيهم الصوفية والعقائد المنحرفة..

لقد إلتزم ذلك التنظيم بوجهة نظرة تلك بإستثناء أنه رمى بثقله العسكري في جلال آباد”1989م

بدعوى شرعية المعركة، وتناسوا أو غيروا وجهة نظر سمعتها منهم سابقاً بعدم شرعيتها لعدم جدواها وانحراف عقائد الأفغان وقياداتهم. وسبب هذا التغير في ظني هو أن أبوعبدالله قد رمى ثقله كاملا في معركة جلال آباد، فقفز خلفه كثيرون، وماكان تنظيم الجهاد ليتخلف عن القافلة! اعتقدت يومها أن الثقل المالي يسحب خلفه الثقل الأيدولوجي والبشري.

– تحركت مع قافله عربية يقودها أبو عبدالله إلى”جهاد وال”،  المركز الرئيسي لجماعة حكمتيار، وهو قريب من منفذ صدقي الحدودي وإلى الخلف من جاور بعدة كيلومترات. صعدنا إلى أحد جبال المنطقة ننظر إلى خوست بالمناظير المقربة، لم نشاهد شيئاً يذكر فكل شيء هادئ تماماً، باستثناء دبابات ثلاث تتحرك قريباً من حصن “جنداد”.

في خيمة تحت الجبل عقد أبوعبدالله إجتماعاً مع المجموعة التي أرسلها إلى جبل “مانى كاندو”، وهى على بعد ساعة ونصف من جاور.نقلت المجموعة إلى أبوعبدالله النقاط التالية:

1ـ جماعة حكمتيار في “مانى كاندو” صرحوا بأن الحكومة الباكستانية قد طلبت منهم إخلاء طريق “جرديز-خوست” بلا قتال، طبقاً لإتفاقية سياسية بين باكستان وحكومة كابل!.

2ـ طلبت باكستان أيضاً عدم إزعاج القوة وتركها في حالها طالما أنها  لم تتعرض لهم.

3ـ طلبت منهم باكستان عمل استحكامات على الشريط الحدودي للدفاع إذا تجاوزت القوة حدودها. لقد تم تنفيذ النقطتين الأولى والثانية حرفياً كما أمرت باكستان. انسحب المجاهدون من مواقعهم المتحكمة في الطريق بلا قتال، تاركين حقاني “يأكلها منفرداً” وأيضاً لم يتعرضوا للقوة بأي شكل في أي وقت. ولكن البند الثالث لم يتحقق وهو عمل استحكامات على الشريط الحدودي.

 

 

الخميس 7/يناير/88 :

اجتماع في العاشرة صباحاً مع أبوعبدالله وآخرين. طرحوا فكرة تواجد عربي صغير في باري، طلبوا مني المشاركة، فقلت بأني أريد رؤية حقاني أولاً ويمكنهم الاعتماد على عبدالرحمن في المساعدة. ذهبنا إلى غرفة المخابرة التابعة لمكتب حقاني كي نسأل عن أخباره فقالوا بأنه قد غادر “بغر” إلى جهة غير معلومة قد تكون أفغانستان وقد تكون باكستان. بعد العصر وصل أبو أسامة المصري”عبدالعزيز علي”، وكان موضوعه الرئيسي الذي وصل لأجله هو بحث إنشاء معسكر تدريب للشباب العربي القادم إلى الجهاد في أفغانستان. وكان أبوعبدالله بالتنسيق مع الدكتور عزام، قد استدعياه لذلك الغرض. وقبل أن يدخل في بحث موضوعه الأساسي مع أبوعبدالله أخبرنا بما يدور في بشاور وأصداء معركة الطريق هناك.

فقال بأن الشيخ الصواف قد اجتمع مع سياف يستحدثه على مساعدة جلال الدين في محنته الصعبة، فرد سياف بكذبة كبيرة حين قال، بأنه عرض على حقاني ـ باللاسلكي ـ أن يرسل له قوة كبيرة لمساعدته، ولكن حقاني رفض ذلك مشترطاً أن تكون القوة من أبناء المنطقة. ومن سوء حظ سياف أن تميم العدنانى الذي عاد لتوه من عند حقاني كان جالساً ، ورغم هيامه الشديد بسياف إلا أنه لم يطق صبراً على ما يسمع من أكاذيب، فانفجر قائلاً:

” أنا كنت عند جلال الدين ولم يصله شيء منك أو من أي أحد آخر، وقد أوصانى باستنفار العرب والعجم لنجدته”.

– علمنا أن الشيخ حقاني قد وصل إلى بيته في ميرانشاه، ذهبنا إلى هناك بعد العشاء، وتركنا له رسالة بأننا نرغب في جلسة مطولة معه في مساء الغد.

تحميل مجلة الصمود عدد 169 : اضغط هنا

….

في الحلقة القادمة: حقاني يروي ما حدث في معركة طريق زدران.

 

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world