سياسة الأرض المحروقة و إبادة المدن

0

سياسة الأرض المحروقة و إبادة المدن

 

سؤال من سوريا الي ابوالوليد المصري:

– إغيثونا ما هو الحل لسياسة الأرض المحروقة ، و إبادة المدن بالكامل ؟؟.

 

الجواب :

– سياسة الأرض المحروقة ، هى حرمان العدو  من الإستفادة من إمكانات أرض يحتلها ــــــ أومن الممكن أن يحتلها ـــــ سواء فى توفير الطعام أو المسكن أو حتى القوة البشرية .

فيجد العدو أرضا خالية لا تفيده كثيرا ، بل تحتاج منه إلى مجهود كبير لإعادة إحيائها للإستفادة منها . وذلك أمر صعب جدا وقت الحرب .

إتبع الروس تلك السياسة ضد غزو نابليون ثم هتلر ، ونجحوا فى الحالتين نجاحاً كبيرا ، غير من مسار الحرب فى روسيا و أوروبا و العالم .

فى حروب العصابات من مصلحة العدو أن يتبع نفس السياسة لحرمان رجال المقاومة من الإسناد الشعبى ، فيعمد إلى تهجير السكان قصرا بالقتل والقصف والتهديد . حتى فى الأماكن التى تسيطر عليها المقاومة فى عمق الجبال ، يستهدف طيران العدو  تدمير القرى الجبلية الصغيرة . و مضارب البدو وقطعان الماشية ـ حدث ذلك فى أفغانستان أيام السوفييت. فعند حدوث عملية كان العدو يقصف جوا نطاقا عميقا حول مكان العملية ، فتطال قرى فى الجبال حتى أن الكثير منها أصبح خاليا تماما .

فى المدن يعتمد المجاهدون على العمليات النوعية ـ صغيرة وكبيرة ـ ويعتمد العدو على المجهود الإستخبارى والمجموعات الضاربة المدربة وقوات الشرطة العادية .

فللمدن وضع حساس جدا عند الطرفين فى حرب العصابات وحتى فى الحرب التقليدية. ولكن الحسابات فى حروب العصابات تختلف . فقوة الإحتلال تبدأ من المدن زحفا صوب مناطق المجاهدين فى الأماكن الوعرة (الجبال ـ المستنقعات ـ الصحارى ..) والعكس تماما عند المجاهدين فهم يبدأون من المناطق الوعرة وتنتهى حربهم بالنصر عند المدن (الصغيرة فالكبيرة ) وصولا إلى العاصمة التى عندها يصبح نصرهم تاما ـ ليبدأوا مرحلة جديدة مختلفة وأكثر صعوبة هى مرحلة إعادة بناء الدولة و إنشاء نظامهم الجديد

يبدأ المجاهدون فى إقتحام المدن بعد أن تكتمل سيطرتهم على الأرياف أو الجزء الأكبر منها ، ومن قبلها تحرير الجبال ، ثم يبدأون فى قص أجنحة المدن من الأطواق الخارجية ، وقطع الطرق المؤدية إليها ، وكذلك وسائل النقل الجوى بإستهداف المطارات . ثم بناء مجموعات سرية داخل المدن تحت السيطرة ، بحيث تنشط عند طلب المجاهدين وحسب توجيهات محددة بنوع العمليات وربما توقيتها أيضا . فالعمل فى المدن يتميز بالإنضباط الصارم ، أكثر بكثير من الحال فى قتال الجبال والأرياف .

عند وصول المجاهدين إلى مرحلة الهجوم على المدن ، يكون الجيش الحكومى قد وصل إلى درجة من الإنهاك بحيث تقل عملياته الهجومية ، ويلجأ إلى الدفاع الثابت فى معظم الأحوال ، وتصبح حملاته الكبرى نادرة وفاشلة ومعنويات الجيش منخفضة للغاية .

حتى سلاح الطيران الذى تزيد أعباءه إلى درجة كبيرة نتيجة لإعتماد القوات الحكومية عليه بشكل متزايد لحمايتها حتى فى مواقعها الثابتة التى تتعرض لهجمات ، يصبح ذلك السلاح متعبا وأقل نشاطا وأضعف تركيزا .

– عند فتح مدينة خوست فى 1991 كان الطيران نشطا بجنون لمدة 3 أسابيع هى مدة المعركة . وبعد إقتحام المجاهدين للمدينة لم يظهر نشاطا يذكر . ولم يقصف المدينة مكتفيا بغارات قليلة جدا على أطرافها ـ وعموما كانت المدينة شبه خالية من السكان .

وليس بها إلا المجاهدون الموزعون فى مساحة كبيرة داخلها مع حراسات وطوق أمنى واسع جدا وتحت السيطرة منذ زمن طويل ، لأن المدينة كانت محاصرة بريا منذ سنوات .

بسقوط خوست سقطت (النظرية الأمنية للنظام ) وهى فى الواقع نظرية أمن كل مستعمر يعتبر المدن ورقته الأساسية فى البقاء وفى مساومة المجاهدين عند مفاوضات النهاية . حتى أن الرئيس الأفغانى وقتها (نجيب الله) قال قبل المعركة متحديا : ” إذا سقطت خوست فسوف أستقيل وأترك منصبى” ولكنه لم يفعل . فلا أحد من حكامنا يترك منصبه طوعا إلا  وهو جثه هامدة . وهكذا بقى نجيب حتى بعد سقوط كابل ، محتميا بالأمم المتحدة ، إلى أن إستولت حركة طالبان على الحكم ، وعلقته على أحد أعمدة الإضاءة فى العاصمة كابل .

–  أى محاولة لإقتحام المدن قبل بلوغ العدو مرحلة الإنهاك ، تكون محكومة بالفشل الدامى . وحدث ذلك فى أفغانستان وقت السوفييت .

–  وجهاد أفغانستان حاليا ملىئ بالدروس فى جميع النواحى ، حتى أن النظريات التقليدية لحرب العصابات نالتها تغييرات هامة .

فلم يسبق فى التاريخ مثل تلك المواجهة فى ظل تقدم خيالى فى إمكانات التسليح لدى العدو ، مع وجود الحركة الجهادية فى حصار شبه تام من الجوار ومن العالم ، وعدم مبالاه إسلامية . وتخلف هائل فى التسليح مقارنة بما لدى العدو  من قدرات .

حرب المدن حاليا فى أفغانستان جديرة بالدراسة . وقد خاضوا عدة عمليات إقتحام لم تنجح ، ليس بسبب قوة جيش العدو( فهى لا شئ أمام معنويات المجاهدين . وحتى قوات المستعمر البرية كذلك) . ولكن طيران العدو له قدرات خيالية ، خاصة وأنه غير محدود العدد  و قواعده كثيرة داخل أفغانستان وحولها ، خاصة فى الخليج (العربى!!) من قطر والسعودية والإمارات .

فما هو الحل ؟؟ .. ذلك هو السؤال المعضل . ولكن يبدو وكأن حلاً  ظهر فى أفغانستان لمشكلة إقتحام المدن وتحريرها . وتجربة غزنى الدائرة منذ العاشرة من شهر أغسطس الحالى . وحتى لحظتنا الحالية (15 أغسطس) ، لم يهاجم الطيران بنفس الوحشية التى تعودها فى أفغانستان . وكما فعل مثلا عند تحرير مدينة قندز فى الشمال . ومدينة فراه فى الغرب ، و مدينة لشكر جاه عاصمة هلمند .

السؤال الذى هو موضع التخمين هو .. لماذا ؟؟ . على أى حال ما حدث فى غزنى حتى الآن ملئ بالدروس الهامة . لقد إقتحمتها حركة طالبان فى غضون يومين فقط (!!) وما تبقى من أيام كان لتطهير مناطق محاصرة داخل المدينة ولجمع الغنائم والأسرى . وهذا وقت قياسى ومذهل بالنسبة لمدينة كبيرة وهامة وأساسية مثل غزنى ، بما يدل على حالة ضعف غير عادية فى جيش النظام وفى قوات الإحتلال الأمريكى .

والطيران إكتفى حتى اللحظة بقصف منطقة تتجمع فيها دكاكين متواضعة الحال فأحرقها تماما . فكان رد حركة طالبان أن سمحت للتجار بتعويض خسائرهم من ممتلكات الحكومة فى المدينة . فانطلقوا لتحصيل حقوقهم بأيديهم ، ليكون التجار وسكان المدينة فى صف المجاهدين قلبا وقالباً .

ويبقى السؤال : لماذا لم يدمر الطيران الأمريكى المدينة حتى الآن ، وكما جرت عادته فى أفغانستان ؟؟ .

 لا جواب قاطع حتى الآن سوى الإفتراض بوجود عناصر هامة جدا ، أمريكية أو إسرائيلية ضمن المحاصرين فى المدينة ، جارى البحث عنهم ، أو تم بالفعل القبض عليهم والتحفظ عليهم سرا ، مع  البحث عن أسباب أخرى تجيب على هذا السؤال .. لماذا ؟؟ .

تسأل عن إبادة المدن بالكامل .

بالنسبة لأوضاع حروب العصابات ، فإن ما سبق يكفى للإجابة . ولكن أظنك تعنى ما حدث فى سوريا . وهذا أيضا سبق الحديث عنه فى نقاشات على هذا الموقع . ونكرر  مرة أخرى أن المجموعات التى قاتلت فى سوريا ، لم تتخذ بنفسها قرار الحرب . كما أنها لم ترسم استراتيجية الحرب . ولكن القرار والاستراتيجية جاءت من دول الخليج ، مع سيل الإفتاءات التحريضية والتعبئة الإعلامية المضللة التى جذبت الشباب وحمستهم .

المال توفر بغزارة ( وهذا واحد من أسباب الإنحراف)   وكذلك الأسلحة الحديثة والوفيرة (مسبب آخر للإنحراف ) .

–  الاستراتيجية العسكرية فى سوريا كانت الإستيلاء على المدن من الداخل .كانت وصفة خراب لسوريا الوطن ، ودمار لسوريا الشعب ، وإلغاء لدور سوريا المستقبلى فى شئون المنطقة بعد تحويلها إلى مجموعة دول طائفية ( منها دول لأهل السنة والجماعة !!) .

وتتسيد إسرائيل على جميع سوريا المجزأة ، وأيضا العراق العليل بالطائفية والفساد والإحتلال والتقسيم . وهكذا كل ميدان تزوره سلفيتنا الجهادية التى فقدت زمام السيطرة على نفسها وعلى قرارها ، ولا تمتلك من زمام المعارك سوى الحماس والدم . ولكن لا تخطيط ، ولا معرفة ، ولا دراية بشئون العالم .

–  الإستيلاء على المدن من الداخل ، تستدعى كرد فعل تلقائى من أى نظام حكم متماسك قليلا ، أن يقصف المدن برا  وجوا وحتى بحرا إن أمكن .

فمن الخطأ أن نتوقع رد فعل غير ذلك من أى نظام حكم أيا كان نوعه . لأن أهم واجبات نظام الحكم هى الحفاظ على الأمن والإستقرار الداخلى ، واستتاب الأمور للنظام القائم .

فإذا إستولينا على المدن فى بداية الحرب، والنطام مازال بكامل قوته أو فى معظم قوته . وجيشه يعمل بكفاءة ولم يتم إستنزافه بعد ، فليس لنا أن نبكى ونشهر بالنظام لأنه حول المدن إلى مقابر جماعية .

اللوم الأساسى على من وضع مثل هذه الاستراتيجيه الغبية للحرب .  لا أحد له مصلحة فى دمار سوريا بهذا الشكل إلا إسرائيل . لذا فهى المخطط الأول للحرب علىى سوريا بهذا الشكل الذى تم بالفعل ـ

من المعيب للتيار الجهادى السلفى أن يواصل الإستمرار فى حرب غبية ومجدبة إلى هذه الدرجة . فإذا كان الشروع فى تلك الحرب وبتلك المواصفات جريمة كبرى ، فإن الإستمرار فيها حتى النهاية هو خيانة عظمى .

التيار الجهادى العربى يجب أن يحرر نفسه أولا من الأيدلوجية الوهابية وما تفرضه من جهالة فى كل ما يتعلق بالجهاد من معارف ونشاطات .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي ( ادب المطاريد )

www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here