تأملات : كيف يفشل العمل الجهادى (2)

تأملات : كيف يفشل العمل الجهادى ؟؟.

( 2 من 3 )
بقلم :مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
مافا السياسي (ادب المطاريد) :   www.mafa.world 

نواصل مع فصل” تأملات” من كتاب (العرب فى حرب أفغانستان) . والهدف هو وضع دروس ما مضى فى خدمة مايحدث وما هو قادم من حروب مصيرية على الساحتين العربية والإسلامية .

تجنب تكرار نفس الأخطاء هو عملية هامة لتصحيح المسار. وما يحدث الآن فى فلسطين وبلاد الحرمين ، يكشف الكثير جدا من التيه الذى ضاعت فيه الحركة الإسلامية والجهادية بعيدا عن فلسطين ودور اليهود فى تخريب المنطقة العربية ومعتقداتها . ودور مشيخات الجزيرة بفكرها الوهابى وذهبها النفطى الذى أوصلنا إلى ما نحن فيه . طال نومنا حتى ضاعت فلسطين منذ سبعة عقود ، وصحونا فإذا اليهود فى ليسوا فقط فى الرياض وجدة ، بل أيضا فى مكة والمدينة . ولا تسل عن باقى باقى القطيع الخليجى الذى تستر على اليهود فى كل الشقوق والزوايا ، وفى كل ناطحات السحاب والأبراج الشاهقة والشركات الدولية و البورصات.

# لا نتكلم عن الأخطاء من أجل التشهير أو توسيع رقعة الخلاف ، ولكن تمهيدا لتجميع الصفوف على بصيرة وبينة ، وعلى أسس صحيحة لإنطلاق عمل مستنير طويل المدى وحاسم ، لننقل أمة كاملة من قاع الغابة الدولية إلى موقع الريادة الذى تستحقه .

– إذا أنت تتقدم فلا يعنى ذلك أنك تكسب ، فربما أنك تقع فى مصيدة . حدث ذلك مع العرب فى جلال آباد ، وحدث مع طالبان فى شمال أفغانستان . والنجاح الذى حققته أمريكا فى أفغانستان ربما كان مصيدة كبرى .

– فجوة كبيرة تفصل بين الشباب الجدد ومن تبقى من العرب الأفغان .

– شعار القاعدة الأصلى كان تحرير بلاد الحرمين الشريفين ، ولكن عملياتهم أدت إلى وقوع بلدين آخرين تحت الإحتلال .

– طالبان أوقفوا زراعة الأفيون و رفضوا تمرير خطوط النفط والغاز ، فكان واضحا أن الحرب قادمة.

– المجموعات العربية خسرت قضيتها الجهادية لأنهم فى كل مكان يذهبون إليه يتصرفون كمقاتلين أجانب لا يراعون العادات المحلية ، فتأتى ردات فعل من السكان المحليين خاصة من المناطق القبلية.

– إعتمدوا على المتفجرات وقتل الناس ، بدون إعطاء إهتمام لعملية إيقاظ الأمة والنهوض بها وبناء الأساسات الصلبة والإحتياجات الضرورية لبناء دولة إسلامية.

– السلفيون الجهاديون فى جهاد أفغانستان ربحوا سباق إجتذاب الشباب ، وذلك يرجع إلى طبيعتهم الحماسية ، وأن مجموعاتهم مليئة بالأفراد المتحمسين والمحرضين ، الذين يعرضون عليهم الحركة بينما الإخوان يعرضون عليهم القيود فقط .

– الحركات السلفية الجهادية إستقطبت عددا أكبر من المتطوعين الشباب المستعدين للمخاطرة والسعداء بالتنقل من جبهة قتال إلى أخرى ، ولديهم وقت قليل للتعلم والتأمل خاصة فى السياسة . فكانوا متقلبى المزاج ، ويفعلون ما يعتقدون لحظيا أنه الصواب . كانوا لا ينظرون إلى الأمام أو إلى الخلف لأخذ الدروس قبل النظر فيما يمكن عمله .

– مشروع الجهاد تمت خصخصته ، ولم يعد نشاطا تمارسه الأمة . وأى شخص يمكنه صنع جهاده الخاص . لا يجاهدون من أجل قضية بل يجاهدون لأجل أهداف الغير، منتقلين من حرب إلى حرب.

– من المدهش أن نرى القاعدة الآن أصبحت فى سورية تشبه إلى حد ما الإخوان المسلمين خلال الأزمة الأفغانية . فالشباب رأوها معرقلة فاتجهوا صوب مدرسة جلال آباد ومجموعاتها .

– القاعدة ربحت السباق مع الإخوان المسلمين منذ سنوات طويلة مضت . لكنها أصبحت الآن أكثر تقدما فى السن وأكثر إعتدالا أو “محافظة ” ، وتفقد الشباب لصالح مجموعات تفتقت عنها الأزمة وهى أكثر شبابية وأصولية ومنفلتة عن السيطرة .

– كان عزام وحيدا فى قوله بضروره نقل خبرة العرب الأفغان إلى فلسطين ، وهو ما حاول فعله عبر معسكره فى منطقة صدى.

– مشكلة كبيرة عندما تضع الشباب فى موضع يائس فلا يمكنهم العودة إلى بلادهم . بعد الحرب ضد السوفييت تحولنا من (مقاتلين لأجل الحرية) إلى مجرد مجرمين مطاردين فى كل مكان.

– سيحاولون الإستفادة من الشباب فى سوريا ، وذلك لن ينتهى بخير لا فى سوريا ولا فى غيرها.

– التصور الوهابى للدولة الإسلامية يخلو من أى سياق محلى سياسى أو إجتماعى . والنتيجة كانت أن المجموعات التى حاولت أن تقيم دولا إسلامية على هذا المنوال لم يستطيعوا الحصول على تأييد الشعوب فى تلك البلدان التى يعيشون فيها ، أو البلدان التى يقاتلون فيها .

– بعودتهم إلى بلدانهم الأصلية التى حدثت بها ثورات شعبية ، لم تستطع تلك المجموعات قبول مطالب الناس الذين قاموا بالثورة ، لأنها لا تتوافق مع الأولويات السلفية الوهابية . والنتيجة هى أن تلك الجماعات لا تخسر فقط فى ميادين المعارك بل تخسر أيضا فى الشوارع العربية .

– أعطى قادة التحالف الإخوانى السلفى تعهدات لأمريكا وإسرائيل وللبنوك الدولية بأنهم سيمنعون أى ثورة حقيقية تطالب بالعدالة الإجتماعية ، بمعنى عدالة توزيع الثروة الوطنية . فذلك النوع من الأهداف الثورية يثير الرعب فى الأنظمة النفطية فى الخليج أكثر مما يخيف أمريكا نفسها .

– ما توصل إليه الناس فى مصر وبلدان الربيع العربى أنه من المستحيل تحقيق الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للثورة مع تواجد السلفية الوهابية . وطالما أن أتباع السلفية الوهابية ممثلة بشقيها السياسى والجهادى منخرطون فى العمل ومتمتعون بمساندة فعالة وغطاء سياسى من دول النفط الخليجية ، وغطاء دولى وإقليمى ، فسوف يستمرون كعقبة . فالثورة فى العالم العربى قامت من أجل تغيير حياة الناس بعيدا عن البؤس والتخلف والإذلال .

– أحداث الربيع العربى وما تلاها ، أعلنت فشل ذلك المشروع الإسلامى الذى نشأ جزئيا على أرض مصر على يد سيد قطب ، وفى أفغانستان على يد عزام وبن لادن ومدرسة جلال آباد .  ذلك الفشل يشاهد بوضوح بفقدان تعاطف الناس مع الإسلاميين . وفى مصر إستغرق ذلك عام واحد فقط  .

فارال :  بعدم الحديث عن المشكلات والدروس والأخطاء ، وفى نفس الوقت القول ” نحن نريد أن نكون حركة للناس” ، فى حين أن تلك المجموعات كانت تعمل كحركة للصفوة ، ليس فقط فى علاقتها بالناس فى أوطانها الأصلية ، بل فى وقت لاحق علاقتها بطالبان وأفغانستان  .

على سبيل المثال مجموعات العرب الأفغان التى لم تبايع الملا عمر ، ولم توافق على أداء الأفغان للعبادات ، ظهر أنهم يتصرفون كصفوة وكأنهم  أفضل من الآخرين .

حامد :   بين المجموعات كان هناك إعتقاد بضرورة إظهار أنفسهم كمثاليين ولا أقل من ذلك . لقد ظنوا ، ولأنهم يدعون إلى الإسلام المثالى ، فإنهم لا بد أن يكونوا مثاليين . ذلك هدف نبيل ولكن أحدا لم يناقش فى ذلك . ينبغى ألا نخشى من الحديث عن السلبيات ، حتى تلك التى فى تاريخنا ، وبدلا عن ذلك فإن كل قديم يعتبر ثمينا كالذهب ، ومعنى ذلك ألا يتعلم أحد من التاريخ .

فارال :  كل قديم ثمين كالذهب ، هو توصيف دقيق جدا لتجربة العرب الأفغان فى أفغانستان . فالنجاج أدى إلى الغرور، والنتيجة أن كل تاريخ العرب الأفغان وعلى الأخص فى الحرب ضد السوفييت تم تغليفة بالنجاح ، ولم يتم الإلتفات إلى الأخطاء والتعلم من الدروس . نتيجة التركيز على النجاح هى عدم تعلم الدروس خاصة من أحداث مثل جاجى . فشل القاعدة تحت قيادة بن لادن جاء فى جزء منه كنتيجة لتركيزه على جاجى ، الأمر الذى أثر على تفكيره وحساباته بعد ذلك  .

حامد :  أبوعبدالله لم يعترف بالأخطاء التى حدثت فى معركة جاجى . هو وآخرين وصلوا إلى استنتاج مفاده أنه بالإمكان هزيمة قوة عظمى بواسطة قوة صغيرة فى الجبال .

بعد معركة جاجى وانسحاب السوفييت من أفغانستان فإن هذا هو ما قيل واعتقد فيه الناس بما فيهم أبوعبدالله  نفسه . لهذا السبب إعتقد أن بإمكانه هزيمة الأمريكيين فى “تورا بورا” . وبواسطة مجهوده فى تورا بورا فإن الأمريكيين سوف ينسحبون من أفغانستان منهزمين ، كما حدث للسوفييت قبلا فى جاجى  .

فارال :   لا يمكننى فهم أنه أو الآخرين فكروا بهذا الشكل ، فى الحقيقة لا أستطيع . أعرف أن الحرب المتماثلة يمكن أن تكون فعالة جدا ، ولكن الظن بأن معركة واحدة ونصر تكتيكى واحد فى خضم حرب مقاومة طويلة الأمد فى أفغانستان قد غيرت مسار الحرب هو تجاهل لعوامل كثيرة أخرى . هذا الإدعاء له قيمة دعائية كبيرة ، ولكن التاريخ أوضح أنه فى “تورا بورا” كان خطرا ، إذ تأسست عليه عمليات عسكرية فى المستقبل .

حامد  :  من الصعب فهم كيف أن الناس يأخذون مثل تلك الأفكار ثم يؤسسون عليها عملا عسكريا ، ولكنهم فعلوا . أتذكر تلك الأيام عندما أعطيت محاضرة للشباب بعد معركة جاجى . كتبت مذكرة عما يجب إدراكه من أفكار بعد المعركة ، والأخطاء التى إرتكبها الطرفان ، والدروس المستفادة وأشياء من هذا القبيل . أعطيت المحاضرة حول ذلك الموضوع ، ولكن يمكننى أن أؤكد لك أنه رغم جلوسهم هناك إلا أنهم لم يعطوا أى إنتباه ، لم يكن أحد يستمع  .

فارال :  لم يكونوا يستمعون ، أنا أفترض أن السبب هو أنهم لم يشعروا بالحاجة إلى ذلك ، لأنهم قد كسبوا المعركة . والغرور الناتج من النجاج على المستوى التكتيكى الذى يجعل الناس يظنون أنهم حققوا نجاحا استراتيجيا ـ إن ذلك يدهشنى . إن ذلك ليس وقفا على العرب الأفغان فقط ، أنه أمر شائع لدى قوى محاربة كثيرة . أخذ نصر تكتيكى والإدعاء بأنه إنتصار استراتيجى ، أو …

حامد :  أو أخذ فشل تكتيكى واعتباره خسارة استراتيجية .

فارال :   نعم ، كلا الجانبين .

حامد :   إذا  أنت تتقدم ، لا يعنى ذلك بالضرورة أنك تكسب ، فربما أنك تقع فى مصيدة . وذلك حدث فى جلال آباد عام 1989 . لقد أخذوا الأوراق التى كتبتها محذرا الآخرين من أن قواتهم تقع فى مصيدة ، فنثروها فى الهواء . وقالوا ” أنت مخطئ ، فماذا إرتكبنا نحن مـن أخطاء ؟؟. نحن نكسب ” .  وطالبان ذهبوا إلى الشمال لإنهاء قوات مسعود فى أواخر عام 2001  ولكنها أيضا كانت مصيدة  .

فارال :   أمريكا فى العراق أيضا قالت أن عملياتها العسكرية فى العراق قد أنجزت ولكنها إستمرت بعد ذلك لسنوات كثيرة . هناك أمثلة كثيرة على كلا الجانبين ، ويبدو أنها مشكلة مستشرية . مصيدة مادية ، وحتى مصيدة فكرية ، حيث تتناقض الأفكار مع ما يحدث فى الواقع على الأرض ، أنها مشكلة عامة فى النزاعات  .

حامد :  ” النجاح الكبير” الذى حققته أمريكا فى أفغانستان ، حتى لوكان نجاحاً حقا ، ربما كان مصيدة كبيرة ، فحتى لو كانت أمريكا تسيطر على العالم كله ، فإنها لا تستطيع فعل ذلك إلى الأبد .

فارال :  النجاح أو حتى شعور المرء بأنه ناجح ، بدون أن ينظر إلى الأخطاء التى إرتكبها، له تبعات كثيرة فى إتخاذ القرارات العملياتية والاستراتيجية فى أى مؤسسة . يمكنك رؤية ذلك فى القاعدة وتاريخها . لقد ناقشنا القاعدة وتسميتها بالتنظيم ذو المعارك الثلاثة الكبيرة : وهى : جاجى / جلال آباد / 11 سبتمبر . وكيف أن بن لادن إعتقد أن الأمر يستلزم فقط  ثلاث ضربات يوجها لأمريكا لإجبارها على الإنسحاب ، أو أن يجرها إلى مشكلة وهزيمة . المعركة الأولى من تلك السلسلة كانت هى الوحيدة الناجحة ، ولكنها كانت هى التى قادت إلى إتخاذ قرارات عملياتية واستراتيجية ، حتى بعد فشل المعركتين الأخريين . ويمكن رؤية ذلك فى تخطيط بن لادن لمعركة  تورابورا .

حامد  :   نعم ، لقد ظن أبوعبدالله أن ” أمريكا سوف تتلقى ثلاث ضربات وتكتمل المهمة ” . وهكذا صنع ثلاث معارك ضد أمريكا ولكن الثالثة منها أدت إلى الإجهاز عليه وعلى القاعدة ، ومحت تقريبا ثلاثة أجيال من المجاهدين ، الجيل الأول ، والثانى ، والثالث ، إنتهوا جميعا .

الضربات الثلاثة ضد الولايات المتحدة أدت إلى إنهاء الجيل الأول ، تأثيره صار ضعيفا . ومن يومها والأيدولوجية تغيرت وطريقة التفكير تغيرت ، وكذلك أسلوب القتال . الآن يقاتل الشباب فى كل مكان بطرق مختلفة . إنها حقا طريقة ” كل شئ جائز” ، ورغم أن ذلك التطور حدث بينما القاعدة قائمة ولم تنته بعد ، ولكن الآن لا شئ يتحدى ذلك الأسلوب .

السياسة أيضا ، صارت مختلفة تماما . فجوة كبيرة جدا تفصل الآن بين الشباب الجدد والقلائل الذين تبقوا من العرب الأفغان . هناك إختلافات كثيرة بينهم . هناك تدفقا جديدا وأفكارا وتوجهات جديدة . والجيل القديم لا يمكنه المشاركة بقوة أو فعالية فى أشياء مثل الثورة فى البلاد العربية ، فذلك إتجاه لم يكن ذلك الجيل القديم جزءا منه ، فهناك فجوة بينهم وبين الجيل الجديد .

الجيل القديم يشعر بالعزلة ، ومن الصعب عليهم خلق إرتباط بمجتمعاتهم لأنهم ظلوا بعيدين عنها لسنوات، وأشياء كثيرة قد تغيرت. الجيل الأقدم لديه قصص مختلفة ، وحياة مختلفة . فلا يمكنهم العيش فى المنطقة بأيدلوجيتهم القديمة ، وهم لا يفهمون الأيدلوجيات الجديدة أو سياسات الثورة  .

فارال :   لست متأكدة من أننى أوافق على أن معركة القاعدة الأخيرة قد أنهت التنظيم ، ولكنها بالتأكيد قد غيرته . أوافق على أن المعركة الثالثة قد أزالت القليل المتبقى من التنظيم الأصلى للقاعدة ، وأشك فى أنك قد توافق على أنه حتى ” القاعدة ” الأصلية قد إنتهت قبل 2001 بكثير . والقاعدة التى تواجدت بعد مغادرة أفغانستان فى أواخر 2001 ، هى منظمة مختلفة كثيرا عن تلك التى خاضت ثلاث معارك .

من منظور تحقيق الأهداف أقول بأن بن لادن فاز تكتيكيا إذا اعتبرنا معيار النصر هو تحقيق الهدف .. لماذا ؟ . هو أراد أن يجذب أمريكا إلى معركة فى أفغانستان ، وقد حقق ذلك الهدف . ولكن استراتيجيا خسر . فهدفه  من إستدراج أمريكا قد ضاع لأنه لم يستطع هزيمتها فى جبال “تورا بورا” . لقد حصل بن لادن على ما يريد ، جاءت أمريكا إلى أفغانستان ولكن ما فكر فى حدوثه بعد ذلك ، من إمكانية إنتصاره بواسطة قوة صغيرة فى “تورا بورا” ، فهذا لم يحدث . استراتيجيا خسر بإعتبار ما ظن أنه سوف يحدث وتأثير ذلك إيجابياً على القاعدة  .

حامد :  تلك الاستراتيجية الخاصة بإستدراج أمريكا إلى أفغانستان كانت متوهمة وجاءت فى وقت متأخر ، ولم تأت قبل العمليات . الحديث أن إجتذاب أمريكا إلى أفغانستان جاء بعد أن بات معلوما أن أمريكا قادمة لتحتل البلد ، الأمر بات واضحا بعد تشكيل الجبهة العالمية ثم عمليات الهجوم على السفارات ثم المدمرة كول .

شعار القاعدة المبكر كان تحرير السعودية من الأمريكيين . بدأت القاعدة عملياتها لأجل تحقيق ذلك ، عمليات أدت إلى إحتلال بلدين آخرين هما أفغانستان والعراق ، فما هى العبقرية فى ذلك ؟. فمشاكل الإحتلال وقعت فوق عاتق شعبى البلدين فى أفغانستان والعراق ، وليس القاعدة التى لا تمتلك جذورا عميقة فى أى منهما .

ينبغى أن نلاحظ أن الحرب كانت قادمة بالفعل ، فطالبان رفضوا قبول مشروع تمرير خطوط أنابيب البترول والغاز القادمة من وسط آسيا ، وأمروا بوقف زراعة الأفيون . كلا العملين أغضب الولايات المتحدة ، وأصبح واضحاً وقتها أن الحرب قادمة .

فارال  :    أكثر ما هو صادم فى تاريخ القاعدة ، من بين العرب الأفغان ، هو كيف ظن بن لادن أن هجمات 11 سبتمبر سوف تحول كل شئ إلى مصلحته . إنها لم تسحب أمريكا إلى ما ظن أنه هزيمة فى جبال ” تورا بورا” ، بل أيضا فرض الوحدة على العرب الأفغان ومجموعاتهم فى أفغانستان تحت قيادة القاعدة كان ذلك هدفا قديما ولكنه مخادع . فالوحدة بين المجموعات لم تستمر إلا قليلا ، ولم تعش بعد أن أمر الطالبان بالإنسحاب ولم ينهزم الأمريكان فى الجبال . ما غيرته هجمات القاعدة كان شعور أمريكا بالإرهاب على وجه الخصوص  .

تحت إدارة بوش الذى كان فى الحكم فى 11 سبتمبر بدأ يتعامل مع الإرهاب على أنه أكثر من مجرد تهديد استراتيجى  ، وعلى الأخص القاعدة ، التى إعتبر أنها خطر وجودى ، وهو مالم يكن كذلك بالفعل. رد الفعل هذا لم يغير شيئا إلى صالح بن لادن ، كما كان يأمل أن يحدث . كان هناك فشلا  فى الإدراك على الجانبين : الأمريكى تحت إدارة بوش ، والقاعد تحت قيادة بن لادن.

إدارة بوش أخطأت فى التعامل مع الهجوم الجماعى العنيف على أنه دليل على استعراض القوة والقدرة على التكرار . ورد الفعل كان أن عوملت القاعدة على أنها خطر وجودى بينما هى لم تكن كذلك . هل كانت تهديدا ؟ .. بالطبع . تهديدا كبيرا ؟ .. مطلقا .

11سبتمبر كان هجوما مرعبا تسبب فى قتل الآلاف مع تلفيات بالمليارات . ولكنه لم يستأصل الوجود الأمريكى .

القاعدة على الجانب الآخر ، أخطأت فى تقدير رد الفعل الأمريكى الزائد ، ومعاملة المجموعة على أنها خطر وجودى ، ودليل على هزيمة وشيكة للوطن . إنها لم تكن كذلك ، كما يتضح من الإستعراض أمريكى للقوة ، واستمرار الحرب فى أفغانستان وغيرها .

فى الحقيقة لم ينهزم أى من الجانبين بشكل كامل ، ولكن وبطرق مختلفة فشل الطرفان فى تحقيق هدفهما وتحقيق نصر كامل وهزيمة الآخر . وكلاهما أصابه الضعف فى محاولته تحقيق ذلك .

حامد :    هذه نقطة هامة للغاية . كلاهما فشل لإعتقاد كل منهما أن القوة سوف تحل المشكلة ، وأن الحرب سوف تحل المشكلة . لا يمكن حل المشكلات بالحرب فقط . لقد نصحت أبوعبدالله بذلك وقلت له ” نحن لا نستطيع أن نحل المشكلة بالحرب فقط ، الناس فى حاجه إلى تبصيرهم بالمشكلة ، يجب أن نشرحها لهم “. عندما كان أبوعبد الله يفكر فى ضرباته الثلاثه قلت له : “هذا ليس مناسبا ، البرنامج يجب أن يكون على ساحة الأمة، يجب أن نشرح المشكلة للأمة ، وما أن تدركها حتى تتوافر لنا طاقة ضخمة يمكننا بها حل المشكلة حتى بدون إطلاق النار”. ولكنه إعتمد على ضرباته الثلاث معتقدا أن ذلك سينهى المشكلة .

أمريكا على الجانب الآخر ، قامت بهجومين وسوف يحاولون القيام بالثالث ، وبعد ذلك أظنهم سينتهون . آسيا سوف تستفيد من ذلك ، فالحضارة الغربية لا تهيمن على العالم وذلك ناتج من التفكير بأن الطلقة والقوة سوف تحلان المشكلات ، ولكنها تجلب المزيد من الضعف لمن يستخدم القوة ، ومزيد من الضعف لمن يقاومون مستخدمى القوة . الإعتماد على القوة وقوة البندقية فقط تعنى فى الواقع أنك تخسر موقعك  .

فارال : لقد أبرزت نقطة هامة بالإشارة إلى أن القوة ليس مصدرها البندقية منفردة . على الرغم من فشل خطة  بن لادن لهزيمة الولايات المتحدة فى تورابورا ، فقد ظلت النظرة إلى الجهاد تهيمن عليها النزعة العسكرية والبندقية . سوف أجادل بأن ذلك كان ردة فعل على الغرب  بمعاملتة الهجمات على أنها حرب فإطلق ردود فعل عسكرية ، وذلك يعطى القاعدة أوكسجين سياسى ويعطى لابن لادن شرعية لم يكن قد حصل عليها بين المجموعات الأخرى فى أفغانستان.

بينما الحقيقة هى أن الإنتقام المسلح الذى يقوم به الغرب يلعب فى الأساس لصالح تلك المجموعات ، بحصولها على ردة الفعل التى كانت تسعى إليها . وهذا يعيدنا إلى مناقشتنا المبكرة عن الفرق بين الاستراتيجية والتكتيك . فيمكن الحصول على مكسب تكتيكى ولكن لا ضمانة للحصول على نصر استراتيجى  .

من وجهة نظرى فان الذى فشل الطرفان فى أن يتعلموه أو يبدو أنهم مصرين على تجاهله هو أن السياسة تأتى عند نقطة معينة . بالنسبة للمجموعات فذلك يعنى السياسة الخارجية مع أعدائهم أو مع هؤلاء الذين يسعون إلى تجنيدهم كجبهة تدعمهم ، أو مع هؤلاء الذين يزعمون تمثيلهم والدفاع عنهم  .

حامد  :   المجموعات العربية خسرت قضيتها الجهادية لأنهم فى كل مكان يذهبون إليه فإنهم يعتمدون على المتفجرات وقتل الناس ، بدون إعطاء إهتمام لعملية إيقاظ الأمة والنهوض بها وبناء الأساسات الصلبة والإحتياجات الضرورية لبناء دولة إسلامية .

فارال :   لاحظت أيضا إنهم عندما يذهبون الى أماكن كأجانب ، فإنهم يتعاملون مع كل مشكلة بنفس الطريقة : كمقاتلين أجانب لا يتكيفون مع العادات المحلية للمنطقة . ودائما هناك ردة فعل من السكان المحليين خاصة فى المناطق القبلية . ظهر ذلك مبكرا منذ وقت الجهاد ضد السوفييت وهو مستمر حتى الآن  .من وجهة نظرى ، يمكن تتبع الكثير من ذلك فى مدرسة جلال آباد ، رغم أن مثل تلك التصرفات تواجدت منذ وقت مبكر . ظهور تلك المدرسة ساهم فى ظهور طرق التفكير تلك التى أبعدت المجموعات عن الجمهور الذى يدعون حمايته .

بإنتشار المشكلات فى عدد من البلدان ، يبدو أن مدرسة جلال آباد قد أثرت فى تفكير الأجيال الشابة من المقاتلين . ذلك الموروث لم يقاوم ، بل إنه إنتشر أيضا منذ إنتهاء جهاد العرب فى أفغانستان . وذلك يعود فى جزء منه إلى أن الدروس لم يستفاد منها . ولم يكن هناك مبكرا حديث واضح وصريح ضد السلوك المدمر . وتأثير ذلك كان كبيرا على المشكلة التى تزايد مستوى العنف فيها حتى أصبحت تقريبا حمام دماء . موروث ” كل شئ جائز ” المأخوذ عن مدرسة جلال آباد يجعل الناس وكأنهم لا يقاتلون لأجل قضيتهم التى يعتقدون بها ، بل يقاتلون لأجل أنفسهم .

حامد  :   مدرسة جلال آباد هى الآن نمط تفكير لغالبية شباب الأجيال الجديدة ، ولمجموعات كثيرة ، والمقاتلين ، لديهم تلك الطبيعة الآن بشكل أكثر . تلك هى طريقة  تفكير مدرسة جلال آباد أى الإعتقاد فقط بالبندقية ومفهوم ” أما أن تقتل أو أن تقتل” مع الرغبة فى الشهادة .

  كان  لديهم نفس الكراهية لممارسات القبائل المحلية الموجودة فى جلال آباد آنذاك . وهذا هو نفس المنظور السلفى الذى لا يقبلون سواه ولا يقبلون سوى طريقتهم فى التفكير والتصرف . مع النظر إلى الجهاد على أنه مسألة حرب وقتل مستمرين ، بلا أى هدف سياسى لهذا العمل . ولا يدركون أن الحرب والسياسة  وجهان لعملة واحدة . إنهم لا يعرفون التاريخ وحتى لا يهتمون به ولا بعادات الناس فى المنطقة . لذا يمكننا القول بأن أحد الأسباب الرئيسية لسقوط  قضية الجهاد هى النظر إليه كعمل عسكرى بحت .

فارال :   بالنسبة إلى عسكرة الجهاد فإنى أراها نتيجة لفشل التعليم ، الذى تكلمنا عنه سابقا وأيضا فشل التدريب الذى إشتعل مع زيادة تأثير مدرسة جلال آباد .

حامد :   السبب الأكبر هوالفشل فى إنتاج القادة والجنرالات ، والفقر فى طبيعة التدريب المتاح للعرب الأفغان ، فالمعسكرات إنخرطت فى عملية التجنيد ، والدعم المالى ، وبناء الشهرة . وعندما وصلت إلى نقطة الإعداد للحرب فإن التدريب كان ضعيفاً ، كان آخر شئ يهتمون به ، لهذا لم يكن أداء المتدربين عاليا . ولأنهم لم يتدربوا جيدا فإنهم لم يفكروا جيدا .

ونتيجة لذلك فإن الكثير من المتدربين الذين تخرجوا من تلك المعسكرات ومارسوا أعمالا قتالية خارج أفغانستان ، إنتهت بتقديم الخدمة إلى أعدائهم أكثر من قضاياهم الأصلية .

القوى العظمى والنظام الدولى يحتاجون إلى تلك المجموعات ، وفى حاجة لأن يبقوا على نفس تفكيرهم وتصرفاتهم بتلك الطريقة المدمرة .  تلك المجموعات قد تسبب بعض الضرر للقوى العظمى ، ولكن الفوائد التى تعود عليها من تصرفات تلك المجموعات عظيمة جدا .

قد يقتلون بعض الأشخاص ، تكتيكيا قد يتسببون فى بعض التبعات ، ولكن على المستوى الاستراتيجى فإنها تأتى للقوى العظمى بفوائد كبيرة . تلك المجموعات تؤدى دورا أساسيا لصالح الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة .

فارال :   من الواضح أننا لا نتفق حول هذه النقطة . ولا أرى ما تراه فى تورط القوى العظمى . ولكننى أرى مشكلة فى خصخصة النزاعات المسلحة والجهاد . وهو الأمر الذى أنت فصلت فيه إلى حد ما . أظن الأكثر إنتشارا من القاعدة ومدرسة جلال آباد هى خصخصة النزاعات المسلحة وهى مشكلة كبيرة فى الغرب .

تلك مشكلة واحدة ، والمشكلة الأخرى هى التمويل الفردى للنزاعات المسلحة , فلو نظرنا إلى مشكلة القيادة فى مجموعات العرب الأفغان ، ومؤخرا المجموعات الجديدة ، لرأينا أنه منذ جلال آباد ، أى شخص يمكنه أن يصبح قائدا ويتولى السلطة سريعا جدا ، ويحصل على تمويل خاص . بالطبع المثال الأحدث والأشهر كان أبومصعب الزرقاوى فى العراق ، وأشك فى أننا قد نشاهد شيئا مماثلا فى سوريا  بالنسبة لظهور قائد ، وربما فى ليبيا أيضا .

إمدادات البنية التحتية التى تأتى من الممولين فى الخليج كانت الفيل فى الغرفة ، لدورها فى رفع كل المجموعات تقريبا . وأظن أيضا أن لها دور فى ظهور ونشر مدرسة جلال آباد وطريقتها فى التفكير . نتيجة ذلك هى عسكرة الجهاد بلا سيطرة ، وبلا مسئوليات ، لأنه غالبا صار نشاطا خاصا ، يمول ويدار بواسطة الصفوة ولأجل أهدافهم .

فيما يتعلق بتعليقك السابق عن القوى العظمى ، يمكن القول بأن نفس المشكلة موجودة على شكل شهادات التعاقد للعنف المسلح بواسطة المؤسسات الخاصة بالنيابة عن القوى العظمى . هناك عمليات فوق الحصر وهناك رؤية متزايدة بأن القوى العظمى نفسها تعمل بشكل متزايد خارج القانون الدولى كما تفعل تلك العصابات المسلحة المتعاقدة معها

حامد  :   مشروع الجهاد تمت خصخصته . ولم يعد نشاطا تمارسه الأمة ، إنه جهاد يقوده الأغنياء . قلت حتى قبل مقتل أبوعبدالله ” لا ندرى من سيأتى لاحقا ، لأن القانون أصبح هو أن أى شخص يمكنه صنع جهاده الخاص ” .  كان أبوعبدالله مخلصا ونزيها ، وضحى بكل شئ ، لهذا كان أهلا للثقة . أنا واثق أنه فى المستقبل فإن قادة آخرين لن يكونوا أمناء وجيدين مثلما كما كان بن لادن يسير فى طريقة. لأن الجهاد يجلب المال حاليا ، وصار أقرب للعمل الإرتزاقى .

أذكر منذ سنوات عديدة مضت أن صديقى “عبد العزيز علي” حذر الشباب من إتخاذ الجهاد كمهنة ، وقال ” الجهاد كمهنة يجلب الفساد”. والآن لدينا شباب فعلوا ذلك تماما ، فاتخذوا من الجهاد مهنة لهم ، ويمولهم التجار الأغنياء ، وهم يفتقدون إلى التعليم المناسب للمجاهد ، ويظنون أنهم يجاهدون لأجل قضية ، ولكنهم فى الحقيقة  يجاهدون لأجل أهدف الغير ، وينتقلون من حرب إلى حرب .

عمليا لم يتخذ أحد ، ممن قاتلوا معارك خوست فى زمانهم ، من الجهاد مهنة له ، على عكس الذين قاتلوا فى جلال آباد ، الذين تظهر آثارهم حتى الآن فى الساحات العربية والدولية .

فى خوست كانت مجموعة أبو الحارث الأردنى ، التى لم تشتبك فى أى عمليات خارج أفغانستان ، بمعنى أن تلك المجموعة لم تنخرط فى تيار السلفية الجهادية مثل مدرسة جلال آباد .

أو يظهر منهم ” قائد سلفى جهادى ” من وزن خطاب أو أزمراى فى جلال آباد ، أو فى معسكرات خلدن ودورنتا  . الإستثناء كان فى أبو مصعب الزرقاوى الذى ظهر بين مجموعة أبو الحارث فى أوائل التسعينات . ولم يكن شخصية رئيسية فى تلك المجموعة . وفى تلك الفترة كان أبو مصعب محبوبا وله سمعة طيبة . تاريخه فى العراق بعد الغزو الأمريكى معروف ، واتجاه أفكاره وقتها كان متطرفاً وهذا لم يكن موجودا فى مجموعة أبو الحارث الذى كان بعيدا عن الصراعات المذهبية أو السياسية .

وبدلا عن ذلك ركزت مجموعة أبوالحارث على الفعالية القتالية جنبا إلى جنب مع قوات حقانى ، ومعا استطاعوا فتح مدينة خوست وهى مدينة عسكرية هامة ، وهو حدث ليس له مثيل فى مسيرة الحرب الأفغانية .

فارال  :   أظن أن السر فى مجموعة أبو الحارث يكمن فى أنها غير دائمة أو إحترافية . لقد تجمعوا سويا لأجل هدف محدود ، وعندما تحقق إنتهت المجموعة . هل تظن أن الحديث عن الجهاد كمهنة كان يمكن الإستماع إليه لو كان بإمكان الشباب العودة الى أوطانهم بعد الجهاد ضد السوفييت ، أو حتى بعد حرب 2001 ؟ . الكثير من الناس لم يعودوا إلى بلادهم بعد إنتهاء الجهاد ، لأنه حسب ما فهمت ، خافوا مما سيحدث لهم لو أنهم عادوا إلى هناك . فلو كان هناك برنامج عفو بدلا عن ذلك ، هل تظن أن الكثير منهم كانوا سيعودون الى أوطانهم ، وبالتالى كان التاريخ سيتغير قليلا بعد الجهاد ضد السوفييت؟ ، هل سيعود الناس الذين تبقوا هناك ، أو الذين لا يجدون مكانا آخر يذهبون إليه ، والذين كانوا مطلوبين فى بلادهم أو يعتقدون أنهم كذلك ؟ .

حامد :   ليسوا جميعا ، ولكن كثيرون كانوا كذلك ، ولم يكونوا فقط من القاعدة . الكثيرون ظنوا أن عودتهم الى الوطن غير ممكنة ، ويريدون مكانا آخر .

فارال:  ماذا تظن عما كان سيحدث فى حال عودتهم إلى بلادهم ؟ .

حامد :  القليلون أرادوا الإقامة فى أفغانستان ، أو أرادوا الذهاب إلى جبهة آخرى . لكن الأغلبية أرادوا العودة إلى الوطن لكنهم لم يستطيعوا . أظن لو أن تلك البلدان تصرفت بشكل طبيعى معنا فى أعوام 1991 ، 1992 فإن أحداث 11سبتمبر لم تكن لتقع أبدا .

فارال :  كنت دوما أتعجب عما إذا كانوا قد قرروا البقاء والقتال لأنهم شعروا بأنهم حشروا فى الزواية ، وظنوا أن لا خيار آخر متاحاً أمامهم ، ولا يمكنهم العودة الى أوطانهم .

ذلك ليس مسوغا لممارسة العنف ، ولكننى أظن بضرورة إعتبار ذلك يحدث بالفعل ، وبالتالى ينبغى الإنتباه إليه بشدة ، لأنه ليس وقفا على موروثات العرب الأفغان فى أفغانستان .

الآن مع ما يحدث فى أعقاب الربيع العربى خاصة فى ليبيا وسوريا فهناك إمكان لتكراره مرة أخرى . إنها تظهر مثل قصة دعم مقاتلى التمرد فى سوريا ، حتى هؤلاء غير المرتبطين بتيار نموذج جلال آباد ، فيمكن أن ينقلبوا عليهم معتبرينهم أعداء .

حامد :   إنها مشكلة كبيرة ، وتضع الشباب فى موقف يائس عندما لا يمكنهم العودة إلى بلادهم .  أتذكر ذلك فى فترة الجهاد ضد السوفييت . عندما تحولنا جميعا من إعتبارنا مقاتلين لأجل الحرية إلى مجرد مجرمين . معظم هؤلاء الذين قاتلوا فى أفغانستان كانوا شبابا يعتقدون أنهم يقاتلون لأجل قضية عادلة ، وفجأة وجدوا أنفسهم مجرمين مطاردين فى كل مكان . عندها أدركوا أن الشئ الوحيد الذى يجب عمله هو الإستمرار فى القتال . ونفس الحال تكرر بعد حرب 2001 .

بالطبع هناك لوم يقع على عاتق قادة المجموعات ، مثل أبوعبدالله ، وهؤلاء الذين من مدرسة جلال آباد ، لأجل قراراتهم وما ترتب عليها ولكن الخطأ الأكبر يقع على الأمريكيين لأنهم إستغلوا الشباب ثم انقلبوا عليهم معتبرينهم مجرمين ، لأجل تحقيق برامجهم الخاصة.

فارال :   حسنا ، أنا لا أوافق هنا . على من تقع مسئولية الخطأ الأكبر . أظن أنه يقع على قادة المجموعات ، وعلى الذين نفذوا العمليات التى تقتل الأبرياء فقط ، وفعلوا ذلك طبقا لصلاحية لا يمتلكونها . ولكنك أثرت نقطة هامة عن تحويل المقاتلين من أجل الحرية إلى مجرمين ، والتى أصابت الكثير من الشباب . من وجهة نظرى فإن ذلك لا يعطى عذرا للمجموعات والأفراد الذين إرتكبوا العمليات بالقول أنهم وقعوا فى المصيدة . هؤلاء الذين نفذوا وسهلوا وقوع العنف ، يقع عليهم فى ظنى الخطأ الأكبر .

بالتأكيد ، رغما عن ذلك ، هناك خطأ تم إرتكابه فى الماضى ، والذى يبدو للأسف أنه يتكرر فى سوريا ، هذا ينبغى الإعتراف به وتصحيحه . أظن أن ما يتم التغاضى عنه ويحتاج إلى توضيح هو المصالح المبطنة للممولين الذين من أجلها تم إرسال هؤلاء الشباب للقتال ، وأن تتضح الفائدة من تمويل الشباب للذهاب من معركة إلى معركة . الكثيرون ممن مولوا الأجيال المبكرة من العرب الأفغان مازلوا منغمسين فى نشاطات تمويل . ومن وجهة نظرى ، إنهم مسئولون أكثر إزاء نشؤ ظاهرة  “بلاك ووتر الجهادية” كما أسميتها أنت. ويبدو  لى أنهم نشيطون جدا الآن ، فى أحداث ما بعد الربيع العربى واشتدادها ، فى ليبيا وسوريا  على وجه الخصوص .

حامد :    نعم ، ربما سيحاولون الإستفادة من الشباب فى سوريا ، الذين تأثروا كثيرا بمدرسة جلال آباد ، وذلك لن ينتهى بخير ، لا فى سوريا ولا فى أى مكان آخر .

ذلك أن خبرة شباب العرب الأفغان فى أفغانستان أسفرت عن نتائج مدهشة عديدة ، ولكن للأسف لم تؤسس لتأثير ثابت على الأرض . ظروف معينة دمرت النتائج الإيجابية وأيضا موروثات سيئة استمرت حتى اليوم .

الموروث السلبى كان يمكن تجنبه لو أن تاريخ العرب الأفغان قد تمت دراسته ، ولكن التجربة أثبتت أن العرب لديهم الحصانة ضد دراسة التاريخ والتعلم منه . وبدلا عن ذلك هناك ميل لقراءة التاريخ كوسيلة لتثبيت المعتقدات السلفية ، أو لدعم العمليات التى قاموا بها بالفعل .

الدروس لم يدرسها حتى الذين شاركوا فى الجهاد ، أو الناس بعد ذلك فى أى وقت . وفى النتيجة أرتكبت نفس الأخطاء كما نرى الآن فى سوريا وغيرها عبر العالم العربى ، ليس فقط من المجموعات المسلحة بل من المجموعات السلفية عموما مثل الإخوان المسلمين وآخرين.

من بين الإكتشافات المذهلة من جهاد الأفغان كان إكتشاف الشباب العرب لقدراتهم القتالية ، فلم يسبق لهم قبلا خوض حرباً كهذه ، رغم أنهم تدربوا على مستوى متواضع .

الشباب كانوا شجعاناً ، وخاطروا بجسارة وقدموا تضحيات عظيمة وحققوا بعض النتائج الممتازة فى عمليات جرت فى مواقع مثل خوست وجاجى وغيرها .

لسوء الحظ فإن نجاحاتهم لم تكن ثابتة ، فتأثرت بشدة بالسلبيات التى وقعت . أحد السلبيات التى برزت من خلال الجهاد ومازالت مستمرة حتى الآن مع ما ترتب عليها من تبعات قاسية حتى اليوم ، هو عدم تركيز الشباب على الإستفادة من تضحياتهم فى تحقيق النصر على العدو وتحقيق أهدافا سياسية . فنراهم ركزوا على رغبتهم فى الإستشهاد ودخول الجنة . وأعطوا إهتماما أقل للتدريب والاستراتيجية . واستمرت تلك النزعة فيما بعد مشكلة أفغانستان .

أنتج ذلك سلبيات كبيرة ، لأن التركيز على الشهادة كهدف من المشاركة فى القتال معناه أن المشاركة أصبحت فردية بدلا عن فائدة الجماعة أو الوطن حيث يجرى القتال لأجل التحرير . تلك الرغبة فى الشهادة وارتفاع الشعور بأن لا شئ يهم فى الحرب سوى الإنتقام أدت الى شن عمليات استشهادية ضد المدنيين . وأدت إلى إزدياد القسوة إلى حد التباهى أمام الكاميرات أثناء تنفيذ أعمال عنف بشعة .

حامد :  فى أفغانستان تعززت سيطرة السلفية الوهابية على المجموعات العربية المسلحة ، ومن وقتها تمددت وسيطرت على ساحة السلفية الجهادية حول العالم .أدى ذلك إلى تبعات مأساوية على الشعوب فى الدول التى عملت فيها تلك المجموعات ، ليس فقط فى سوريا حديثا جدا ، ولكن فى كل مكان ذهبوا إليه .

الشيشان كانت الضحية الأولى على أيدى خطاب ، من مدرسة جلال آباد ، الذى تسببت مغامرته الطائشة فى داغستان فى إعادة إحتلال الشيشان بواسطة القوات الروسية عام  1999  ـ  أفغانستان كانت هى الأخرى ضحية لزعيم سلفى جهادى هو أسامة بن لادن الذى أدت عملياته العسكرية إلى إحتلال أمريكى لأفغانستان والعراق وتدمير البلدين إضافة إلى عشرات الآلاف من القتلى وآلام لا حد لها لشعوب البلدين . العراق عانى مرة أخرى على يد قائد سلفى جهادى آخر هو أبو مصعب الزرقاوى الذى إنتقل من الجهاد ضد الأمريكيين المحتلين إلى القتال الطائفى بين السنة والشيعة ، فتحولت العراق إلى دولة فاشلة وترك أهلها فى حالة بائسة .

فى ليبيا ، قام الناس بثورة ، ولكن التدخل السلفى تسبب فى قتال داخل المجتمع مدمراً الإقتصاد معيدا الدولة إلى النزاع القبلى بما جعلها هشة أمام التدخل الخارجى . فى سوريا ، التدخل السلفى دفع الإنتباه بعيدا عن الثورة ، متسببا فى حرب طائفية أوقعت البلاد فى تدخلات إقليمية ودولية حولت سوريا إلى أنقاض دولة .

بعد الثورة فى مصر ، الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من السلفيين والجهاديين حازوا على قمة السلطة عندما فاز مرشحهم محمد مرسى برئاسة الجمهورية .ولكنهم نفروا الشعب منهم سريعا ، لأنهم أرادوا إدارة الدولة بطريقتهم السلفية ، فانتفض الناس ضدهم  وعاد العسكريون إلى السلطة . كان ذلك فى صالح أمريكا لأن مصر عادت مرة أخرى إلى خطها الاستراتيجى القديم الذى تريده أمريكا والذى إنتفض الناس ضده فى المرة الأولى . ذلك يعنى فى الحقيقة أن الإخوان المسلمين قد نفروا الناس منهم لدرجة أنهم فضلوا أن يعيدوا إلى السلطة مرة أخرى النظام الذى ثاروا عليه سابقا .

  لقد كانت أفغانستان هى التى تجمعت فيها العناصر سويا وشكلت ماكينة عمل لتيار السلفية الوهابية الجهادية ، تلك العناصر كانت :

 1 ـ غطاء دولى توفره أمريكا

2 ـ  غطاء إقليمى توفره إسرائيل 

3 ـ  غطاء سلفى وهابى يوفره علماء من السعودية ودول الخليبج .

4 ـ  شباب صغار طموحين لقيادة المجموعات .   

5 ـ  جبهات مفتوحة للقتال .

6 ـ إمدادات من المال والسلاح .  

7 ـ معسكرات تدريب .

هنا يجب ملاحظة أن توافر الغطاء السلفى الوهابى يعنى أن العاملين الأول والثانى ، أى الغطائين الدولى والإقليمى قد توفرا . لأن الغطاء السلفى الوهابى لا يمكن منحة بدون موافقة مسبقه دولية وإقليمية التى أعنى بها موافقة النظام السعودى ودول النفط الخليجية ، وأمريكا واسرائيل . وجود ذلك الغطاء يضمن تلقائيا توفر العامل السادس وهو التمويل وإمدادات السلاح كما أن العامل الرابع وهو الشباب الصغار الطموحين لا يمكن توفيرهم إلا بفتاوى علماء السلفية الوهابية التى تحرك الشباب .

 ــ    تلك فى الحقيقة هى العوامل التى أنشأت مدرسة جلال آباد فى فترة الجهاد الأفغانى والتى إنتشرت من يومها فى أنحاء العالم . مدرسة جلال آباد سمح لها بالظهور ظنا بأنها سوف تؤدى إلى إضعاف تنظيم القاعدة وكسر هيمنة أبوعبدالله على الساحة الجهادية . وأيضا لإحتواء والسيطرة على تلك الظاهرة الجديدة المعنية بقيام تشكيل دولي للسلفية الجهادية ، والتى أسموها “الجهاد الدولى” .

وقد سمعت بذلك الاصطلاح لأول مرة فى عام 1988 . فأنتابنى شعور بالقلق ليس فقط لأنه تركيب غير عادى فى الساحة السلفية ، ولكن أيضا لأنه يحمل دلالات سياسية كبيرة ، لا يهتم بها عادة هؤلاء الذين تناقلوا ذلك الإصطلاح . كنت أفكر فى أن العرب يدفعون نحو مسار لا يفيدهم ولا يناسب قضاياهم  .

كل المجموعات العربية التى وصلت الى أفغانستان من الخارج كانت ذات تكوين وطنى وانخرطت فى نشاطات خاصة بأوطانها ، ورغم أن الأيدلوجيه السلفيه تشير إلى وجود الأمة ، ولكن النشاط العملى كان يركز على ” الوطن ” . الكلام بكثرة كان عن الأمة ، بينما النشاط العملى كان وطنيا ، فيما عدا أبوعبد الله الذى منذ البداية أسس جماعته على إعتبار الأمة وليس الإعتبار الوطنى .

بالطبع لم تكن القاعدة هى التنظيم متعدد الجنسيات الوحيد على الساحة السلفية ، فالإخوان المسلمون كانوا كذلك أيضا ، ولكنهم كانوا دوليون بطريقة مختلفة . فقد كان للإخوان فروعا وطنية تجمعت فى تشكيل دولى . أما بن لادن فقد قبل الشباب من كل مكان ، لهذا كان دوليا أكثر من الإخوان المسلمين .

  الفكر السلفى تسرب إلى معظم الإخوان المسلمين كنتيجة لهروبهم من مصرو تنكيل عبد الناصر ، فوجدوا الملجأ والاستقرار فى السعودية ودول الخليج الغنية . فأصبح الإخوان أقرب عقائديا وسياسيا من الوهابية .

يدل التاريخ على أن الخبرة السياسية لدى الاخوان المسلمين كانت أكثر نضجا بكثير إذا قورنت بمثيلتها لدى مجموعات السلفية الجهادية المعتمدة غالبا على شباب قليل الخبرة عظيم الحماسة .

ولكن السلفيون الجهاديون فى جهاد أفغانستان ربحوا سباق إجتذاب الشباب ، وذلك يرجع إلى طبيعتهم الحماسية ، وأن مجموعاتهم مليئة بالأفراد المتحمسين والمحرضين ، الذين يعرضون عليهم الحركة بينما الإخوان يعرضون عليهم القيود فقط  .

الحركات السلفية الجهادية إستقطبت عددا أكبر من المتطوعين الشباب المستعدين للمخاطرة والسعداء بالتنقل من جبهة قتال إلى أخرى ، ولديهم وقت قليل للتعلم والتأمل ، خاصة فى السياسة فكانوا متقلبى المزاج ، ويفعلون ما يعتقدون لحظيا أنه الصواب . كانوا لا ينظرون إلى الأمام أو إلى الخلف لأخذ الدروس قبل النظر فيما يمكن عمله .

خلال الحرب الأفغانية مع السوفييت ، نجحت بعض الحركات السلفية الجهادية فى الإمتداد إلى منطقة الخليج فوجدت مصادر تمويل من دول النفط . واقترب السلفيون من الوهابيون وضاقت الفجوة بينهم ، كما فعل الإخوان المسلمون سابقا فى تلك المناطق .

ولكن رغم تقاربهم فى بعض المساحات إلا أن التنافس ظل مشتعلا بين الإخوان من جانب والمجموعات السلفية الجهادية من جانب آخر . وهو التنافس الذى فاز فيه الجهاديون .

تلك المنظمات إمتلأت بالشباب الذين يقاومون أى تقييدات . كانت شخصياتهم تتميز بالحركية والخشونة. لم يستطع الأخوان ردم الهوة مع هؤلاء نظرا لإفتقار الإخوان إلى كوادر شبابية يمكنها لعب دور قيادى فى منظمات الجهادية السلفية .

بين الشباب الجهاديين كان هناك قول شهير هو ” إن جماعة الاخوان المسلمين هى ثلاجة للشباب”  ويقصدون بذلك أنها معتقل كبير للقوة ومبرد للطاقات . كانو يظنون أن قادة الإخوان جامدون ومعرقلون. وما قالوه كان صحيحا . فالإخوان المسلمون لم يكونوا فقط  يفتقدون القيادات الشابة ، ولكن كيف يمكنهم قيادة جماعة تريد أن تقاتل بينما هم أصلا ضد هذا القتال . ليس لأنهم فى الأساس ضد القتال ولكن لأنه ضد مصالحهم السياسية .

الشباب كانوا يعلمون ذلك ، لذلك كان الإخوان يخسرون السباق مع السلفية الجهادية فى أوقات الأزمات المسلحة ، كما حدث فى أفغانستان وقت الجهاد منذ السوفييت ، وكما يحدث الآن فى سوريا حيث نشاهد الحالة الأفغانية تتكرر هناك . من المدهش أن نرى القاعدة الآن أصبحت فى سورية تشبه إلى حد ما الإخوان المسلمين خلال الأزمة الأفغانية . بهذا أقصد أن الشباب رأوها معرقلة فاتجهوا صوب مدرسة جلال آباد ومجموعاتها . بالطبع الموقف ليس متطابقا ولكن مازال هناك تماثلا فى الموقف الذى تجد القاعدة نفسها فيه ، بعد أن ربحت السباق مع الإخوان المسلمين منذ سنوات طويلة مضت . لكنها أصبحت الآن أكثر تقدما فى السن وأكثر إعتدالا أو “محافظة ” ، وتفقد الشباب لصالح مجموعات تفتقت عنها الأزمة وهى أكثر شبابية وأصولية ومنفلتة عن السيطرة . فى سوريا أيضا وكما كانت أفغانستان ، سيطر السلفيون الجهاديون على الميدان والقتال ، بينما الإخوان يتحكمون فى الأموال ومعظم الإعلام .

خلال جهاد أفغانستان كان الإخوان مسيطرون على العمل الإغاثى القادم إلى الأفغان والتسهيلات المقدمة للمتطوعين القادمين للقتال فى الجبهات الأفغانية ، فساند الإخوان عزام فى بيشاور بالمال والدعاية لإظهار أنه يعمل لحسابهم .

وقد كان عزام عضوا قديما فى تنظيم الإخوان المسلمين ولكنه إستقال إحتجاجا على موقفهم فى قضية فلسطين التى تركوها لصالح المنظمات العلمانية . ولكنه إستمر فى إظهار الولاء لفكر الجماعة بدون إخفاء إنتقاداته لها فى نفس الوقت .

أعلن عزام عن نفسه كسلفى حقيقى عندما أعلن عن كراهيته للشيعة وساند قبائل السنة فى شمال غرب باكستان فى القتال الطائفى ضد قبائل الشيعة هناك . وألقى خطابات فى هذا الخصوص ، موجودة فى كتبة التى طبعها مريدوه . كما سمح لمتطوعين عرب من معسكر صدى  بالإنضمام إلى السنة ضد الشيعة فى ذلك القتال .

يمكن القول  بأن عزام كان له نفوذ كبير على الإتجاه الجهادى السلفى على الرغم أن ذلك الإتجاه لم يأخذ من عزام الميل إلى فلسطين . كان عزام وحيدا فى قوله بضروره نقل خبرة العرب الأفغان إلى فلسطين ، وهو ماحاول فعله عبر معسكره فى منطقة صدى . المنظمات السلفية الجهادية رأت أن ذلك الهدف غير ممكن بغير المرور أولا بالعواصم العربية وتبديل الأنظمة هناك بحكم إسلامى . طريقة تفكير عزام كانت هى الأكثر سيطرة بين العرب إلى أن ظهر بن لادن والقاعدة فأخذ نفوذ عزام يخفت. وضعف أكثر بعد إنسحاب السوفييت من أفغانستان وتشكيل أحزاب الأفغان المجاهدين لحكومتهم الانتقالية الثانية فى بدايات 1989 الذى دعمها عزام ، ولكنها لم توافق رؤية السلفيين الجهاديين . عزام دعم تلك الحكومة لأن سياف ـ رئيس الإخوان المسلمين فى أفغانستان كان رئيسا للوزراء . رأى السلفيون العرب فى بيشاور أن عزام مسئول عن الإحباط الذى أصاب أمال المجاهدين العرب .

نفوذ عزام أيضا ضعف بسبب فشل مكتب الخدمات الذى يديره فى توجيه المساعدات إلى جبهات القتال الأفغانية وإنفاقه الزائد فى مناطق خاطئة . ذلك كان من الأسباب الرئيسية فى ظهور بن لادن ، الذى أخذ الأمور بيديه لأجل دعم الأفغان المجاهدين ، ولتنظيم قتال العرب فى أفغانستان بدون المرور على إدارات الإخوان المسلمين فى بيشاور ، أو الأحزاب الافغانية المختلفة هناك  ، بدأ فى بناء قاعدة له فى جبال جاجى داخل أفغانستان .

وبعد معركة جاجى تحول بن لادن من محاولة بناء قوة عربية مقاتلة فى أفغانستان إلى بناء قوة تقاتل فى كل مكان ، تلك القوة كانت هى القاعدة .

نظرة إلى الخلف إلى ما كان يجرى فى بيشاور أثناء ظهور الكثير من الجماعات السلفية الجهادية ، بما فيها القاعدة ، نجد أنها بلا شك كانت نوعا من الثورة على إبتعاد الإخوان المسلمين عن المعركة فالإخوان المسلمين دعوا الناس إلى الجهاد فى سبيل الله وجذبوا الشباب من أنحاء العالم ، ولكنهم لم يسمحوا لشبابهم بالقتال . والسبب كان خشية الجماعة من إثارة خوف الحكومات ، التى قد تظن أن الجماعة بصدد التجهيزات لعمل عسكرى للوصول إلى السلطة . وذلك ترك الساحة مفتوحة تماما لثورة الشباب وظهور التنظيمات السلفية الجهادية بما فيها القاعدة .

عانت القاعدة فيما بعد من ثورة مماثلة فقد ركز بن لادن على بناء جماعة للقتال فى كل مكان . بما يعنى عمليا أنه بعد معركة جاجى فإن القاعدة تركت المشاركة المباشرة فى المعارك إلى مجرد التدريب  .

معركة جلال آباد كانت إستثناء ، حيث شارك فيها بن لادن بكامل قوته ، متبوعاً بكل مجتمع العرب الأفغان تقريبا . بعد فشل المعركة ، إنسحب ليركز على التدريب والإستعداد للقتال فى كل مكان ، رغم أنه لم يوضح علنا ، الجهة التى ينتوى التوجه إليها . فى الواقع فإن غموض أهداف بن لادن والقاعدة أضعف قدرتهم التنافسية ضد الجماعات السلفيه الجهادية الوطنية ، التى أوضحت جميعا مناطق إهتمامها ، وضد المنظمات الأخرى المنافسة التى ظهرت حول جلال آباد . القاعدة كانت قد ضعفت جدا خلال تلك الفترة ، فمعظم الأعضاء غادروا التنظيم وانضموا إلى تنظيمات وطنية للسلفيات الجهادية .

كان للقاعدة أكبر معسكرات للتدريب داخل أفغانستان ، سواء فى وقت الجهاد أو فى عهد طالبان  لقد كانت مفتوحة فى مجال التدريب ، ورغم أن ذلك زاد من شعبيتها إلا أنها إفتقدت إلى جبهات قتالية خاصة بها . بعد إنسحابها من جلال آباد لم يعد للقاعدة أى جبهة قتال . وفى وقت طالبان لم يكن لها جبهة خاضعة لسيطرتها الكاملة كما كان الحال فى جاجى أو جلال آباد . ذلك الحال أضعف القاعدة لأن المنظمة التى تمتلك معسكرا للتدريب وجبهة القتال يتوجه إليها أكبر عدد من الأعضاء الجدد والمتبرعين .

جوبهت القاعدة بمنافسة قوية من المجموعات الجهادية الأخرى التى لديها المعسكرات والجبهات، خاصة هؤلاء القادمون الجدد فى جلال آباد ، ومن بينهم منظمات وطنية كثيرة .

واجهت القاعدة منافسة قاسية من خطاب الذى إفتتح لنفسه جبهة فى طاجيكستان وبعد ذلك فى الشيشان ، بينما القاعدة مشغولة فى السودان تمد الطرق وتزرع الأرض .

القاعدة لم تشارك فى حرب البوسنة ، بينما الجماعة الاسلامية المصرية شاركت هناك بكثافة . وتنظيم الجهاد المصرى شارك فى الشيشان  ، بينما القاعدة لم تشارك ، باستثناء بعض الأفراد الذين ذهبوا من تلقاء أنفسهم ، تماما كما فعل شباب الإخوان المسلمين فى أفغانستان فى ثمانيات القرن الماضى .

تلك الجبهات ، والمجموعات الأخرى التى ظهرت بقوة من جلال آباد أصبحوا منافسين للقاعدة .

وتميزوا بالحركية العالية ، والسن الصغير لأكثر القيادات ، والقرارات الطموحة والترحيب بالقتال. على النقيض من ذلك فإن القاعدة فى ذلك الوقت وقعت فريسة لجمود القياده تحت سلطة رجل واحد ، وليس لديها جبهة قتال فى أفغانستان أو أى مكان آخر . المجموعات الجديدة فى جلال آباد وخوست أصبحت أكثر شهرة لأنهم إنخرطوا فى القتال داخل أفغانستان ، وبعد ذلك فى أماكن أخرى .

لم تكن مدرسة جلال آباد فقط هى التى إجتذبت الشباب بعيداً عن القاعدة . كان هناك أبو الحارث الأردنى ، فمدرسته كانت هى الأهم من حيث المساهمة المباشرة فى الحرب الأفغانية ، ولكنها الأقل نفوذا داخل الساحة السلفيه الجهادية . لم يكن لدى مدرسة أبوالحارث معسكرا للتدريب خاصاً بها ، بل إعتمد أبو الحارث على معسكر صدى ومعسكر خلدن ، والمتطوعون غير المدربين كانوا لا يقبلون عنده . وفى هذين المعسكرين كان التدرب ممكنا بدون الوقوع تحت تأثير أى منظمة .

حصل أبو الحارث على جبهة مفتوحة مع سمعة ممتازة بين الشباب نتيجة النشاط القتالى . لم يكن لدى تلك المجموعة موقف أيدولوجى خاص بها ، ولا موقف سياسى أيضا ، فيما عدا تحرير أفغانستان إلى أن ينسحب السوفييت ، آخذين موقفا مساندا للأفغان ، وهو مافعله أبو الحارث بإمتياز ، خاصة بعمله مع حقانى .

وذلك هو السبب الأهم وراء نهاية جماعة أبو الحارث مع إنتهاء الحرب مع السوفييت ، فلم يكن هناك هدف لما بعد إنسحاب السوفييت . لم يربط أبو الحارث مجموعته  بأى برنامج مستقبلى أو دور خارج أفغانستان . المجاهدون السلفيون إعتبروا ذلك نقيصة وعجز فى أسلوب أبو الحارث . فى الحقيقة أحد مساعدى أبوالحارث متأثرا بتلك الرؤية السلفية نفذ إنقلابا داخليا من أجل الإستمرار فى القتال ، واصطف إلى جانب حكمتيار وخاض معه الحرب الأهلية حول كابول ولكنه قتل أثناء ذلك وتفرقت المجموعة .

لم يكن أبوالحارث محباً للسياسة وكل ما يحيط بها من موضوعات ، وركز فقط على تحرير أفغانستان . ولم يكن يحب الأحزاب الأفغانية باستثناء يونس خالص . ولم يكن يثق بالجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين مع أن والده كان أحد قيادات تلك الجماعات فى الأردن.  كانت جماعة أبوالحارث نشطة فى بعض أهم المعارك فى حرب أفغانستان والتى قررت مصير النظام الشيوعى فى كابول . لهذا كان لها نفوذ عظيم ولكنه محدود جغرافيا . أهم الأسماء التى إرتبطت بمجموعة أبوالحارث كان أبومصعب الزرقاوى ، ورغم أنه جاء إلى الحرب متأخرا ولم يكن عضوا رئيسيا ، وبعد ذلك تأثر بمدرسة جلال آباد تأثرا سلبياً للغاية .

يمكننا إستنتاج أن مدرسة جلال آباد كانت أهم مدارس العرب الأفغان . إنها طريقة عمل وموقف عقائدى أصبحا الأكثر شيوعا بين حركات السلفية الجهادية حول العالم . كثيرون ممن ذهبوا إلى جلال آباد لإنشاء معسكرات تدريبهم الخاصة كان قد سبق لهم التدريب فى معسكرات بن لادن  أو عزام والآن ذهبوا لإنشاء معسكراتهم وجبهاتهم القتالية فى جلال آباد بالتعاون مع مجموعات أفغانية وبتمويل ودعم دينى قادم من الخليج .

من بين أسماء مدرسة جلال آباد كان أسامة أزمراى الذى تلقى تشجيعا من سياف من أجل إنشاء مجموعة فى ذلك الإقليم . كان أزمراى سعوديا ، ومجموعته كانت من بين المجموعات الأولى التى أنخرطت فى عمليات مباشرة ضد الولايات المتحدة بعد إنتهاء الحرب فى أفغانستان . أحد المؤسسين لمدرسة جلال آباد وأكبر رموز المدرسة كان خطاب . وكان هو الآخر سعوديا ، بعد أفغانستان إنتقل إلى العمل فى طاجيكستان ثم الشيشان ، وحصل على شهرة واسعة جدا . عبد الهادى العراقى كان جزءا من مدرسة جلال آباد وتدرب هناك فى معسكر أنشأه العراقيون من تنظيم الإخوان المسلمين بعد عام 1990 . ومن تلك المدرسة كان رمزى يوسف وخالد الشيخ محمد وكلاهما حاز شهرة واسعة نتيجة عملياتهما ضد مركز التجارة العالمية فى أمريكا . رواد مدرسة جلال آباد هاجموا أمريكا وخططوا لعمليات 11سبتمبر مع بن لادن . الكتلة الأساسية من التخطيط ومعظم العمل جاء من تلك المدرسة ، ودورالقاعدة جاء متأخرا فى مجال التمويل والتدريب .

وبهذه الطريقة فإن عملية 11سبتمبر يمكن إعتبارها إختراقا للقاعدة من جانب مدرسة جلال آباد ، وتثبت تلك العملية مدى تأثير تلك المدرسة فى المجال الدولى وأنه أكبر بمراحل من تأثير القاعدة .

أبو زبيدة وابن الشيخ الليبى الذان أدارا معسكر خلدن ، كانا جزءا من تلك المدرسة . حصل معسكر خلدن على شهرته عندما تعذر وصول المتدربين إلى جلال آباد بعد أن ضيقت باكستان على مرورهم فى أعقاب مصرع موظف فى الأمم المتحدة ، على يد متدرب فى أحد تلك المعسكرات . فتحول المتدربون إلى معسكر خلدن بدلا عن معسكرات جلال آباد . وهناك تدرب كوادر من منظمات السلفية الجهادية من الجزائر والشيشان والبوسنة . بذل المعسكر مجهودا ضخما فى تلقين الأفكار الواردة فى كتابات الدكتور فضل ” سيد إمام” زعيم تنظيم الجهاد المصرى .

التيار الفكرى فى خلدن كان أكثر تطرفا من القاعدة ومن باقى الجماعات . وكان أقرب إلى السلفية الوهابية . فقد عمل خلدن تحت غطاء ومباركة علماء الوهابية ، الذين حظى العرب الأفغان مباركتهم أثناء الجهاد ضد السوفييت ، كما حظيت بها أيضا مدرسة جلال آباد . وأعطى هؤلاء العلماء مباركتهم للجهاد فى الشيشان والبوسنة فى أوائل التسعينات . ولكنهم لم يمنحوا ذلك التأييد للجهاد ضد الغزو الأمريكى لأفغانستان . هؤلاء العلماء يباركون الآن العمليات فى سوريا للسلفيين الجهاديين فى حربهم الطائفية . ومن قبلها عمليات العراق لنفس المجموعات عندما تحولت من القتال ضد الامريكيين إلى القتال ضد الشيعة .

على وجه العموم ، علماء السلفية الوهابية والتنظيمات التى يباركونها ، عملهم  موجهه للقتال على أسس دينية خالصة ضد غير المسلمين ، ثم القتال على أسس طائفية خالصة ضد الشيعة أوالصوفية . وصم الناس بالكفر خطوة ضرورية لتلك التنظيمات من أجل الحصول على مباركة شرعية من علماء الوهابية عندما يبدأ القتال ضد الفئة المستهدفة .

الدولة الإسلامية فى مفهومهم هى تلك التى يجب أن تحارب تأثير الإلحاد . والأعداء الأكثر أهمية بالنسبة لهم هم الصوفية والشيعة الذين ينبغى محاربتهم بشكل دائم . تلك الدولة التى هى فى حالة حرب دائمة تؤدى إلى الضعف وتستدعى التدخل الخارجى وذلك فى مصلحة أمريكا .

التصور الوهابى للدولة الإسلامية يخلو من أى سياق محلى سياسى أو إجتماعى . والنتيجة كانت أن المجموعات التى حاولت أن تقيم دولا أسلامية على هذا المنوال لم يستطيعوا الحصول على تأييد الشعوب فى تلك البلدان التى يعيشون فيها ، أو البلدان التى يقاتلون فيها ، لأن الناس لا تبالى بالتركيز فقط على الشريعة وقتال الأعداء ، إنهم يهتمون أكثر بالحصول على الطعام ، وأن يكونوا أحرارا ، يعيشون بكرامة فى ظل عدالة اجتماعية وأمان . إن للناس  إحتياجات عاجلة ، وهكذا تكون أولوياتهم مختلفة ، وكذلك تختلف نظرتهم إلى الهدف من الجهاد وإلى تصور الإسلام للدولة ، وحتى فهمهم للشريعة يختلف .

إستعداد السلفيين الجهاديين لقتل الناس فى تلك البلدان بدعوى إنتهاكهم للشريعة أو للإنكار عليهم فى شعائر أو ممارسات يعتبرها الناس معتقدات دينية أساسية ، يجعل الناس ينقلبون على تلك المجموعات . السلفيون الجهاديون متصلبون فى تلك النقاط ، إنهم لا يقبلون أو حتى لا يحاولون إدراك أن هناك ظروفا تمنع الناس من الحصول على فهم أفضل .

لأن السلفين الجهاديين يركزون على إهتماماتهم تلك ، فإنهم بسهولة يغيرون المسار نحو معارك ضد الناس أصحاب الأرض لعقابهم ، فتحدث الكوارث . حدث ذلك فى أفغانستان والشيشان والعراق . وفى الحقيقة فى كل بلد عملت فيه تلك المجموعات . حتى عندما عادوا إلى بلدانهم الأصلية التى حدثت بها ثورات شعبية ، لم تستطع تلك المجموعات قبول مطالب الناس الذين قاموا بالثورة ، لأنها لا تتوافق مع الأولويات السلفية الوهابية . والنتيجة هى أن تلك الجماعات لا تخسر فقط فى ميادين المعارك بل تخسر أيضا فى الشوارع العربية .

الإنتفاضات الشعبية فى الدول العربية أظهرت حقيقة مدهشة ، وهى أن لدى الناس القدرة على تغيير النظام بالحد الأدنى فى الخسائر والحد الأدنى من العنف ، وأن يعبروا عن مطالبهم الأساسية بوضوح . وذلك وضع علامة سؤال حول إدعاءات الجماعات السرية وأساليبهم التى تفرض عليهم العزلة عن الناس وعن “الجاهلية” كما وصفها سيد قطب . الربيع العربى وضع أساليب القاعدة فى موضع الإستفهام ، وكذلك إدعائها بأن التغيير السياسى يمكن تحقيقة فى العالم العربى بواسطة تفجيرات ضد أمريكا تقوم بها صفوة عسكرية منظمة .

فى مصر شارك فى الثورة بعض المجموعات السلفية مثل الإخوان المسلمين أو “السلفية السياسية ” ، وحتى بعض السلفيين الجهاديين . ولم تحدث تلك المشاركة إلا بعد تردد طويل ، وفجأة قفزوا إلى الصفوف الأولى وشكلوا أحزابا سلفية سياسية ، أو شكلوا تحالفا على قاعدة المقاولة من الباطن مع الإخوان المسلمين الذين حصلوا على موافقة أمريكية من أجل :

  1 ـ الوصول إلى الحكم .

  2 ـ  تكوين تحالف مع المجموعات التى صنفتها أمريكا سابقا على أنها إرهابية . قطر والسعودية  ساندتا ذلك الإتفاق ، وفتحتا خطوط التمويل بالدولارات النفطية .

وفى المقابل أعطى قادة التحالف الإخوانى السلفى تعهدات لأمريكا وإسرائيل وللبنوك الدولية بأنهم سيمنعون أى ثورة حقيقية تطالب بالعدالة الإجتماعية ، بمعنى عدالة توزيع الثروة الوطنية . فذلك النوع من الأهداف الثورية يثير الرعب فى الأنظمة النفطية فى الخليج أكثر مما يخيف أمريكا نفسها .

الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من السلفيين الجهاديين عبروا عن تلك الضمانات عبر سياسات وأقوال وأفعال عدوانية ، وباستخدام الفتاوى الدينية ضد أى شخص يحاول تحقيق الأهداف الحقيقية للعدالة الإجتماعية . فحولوا أى مشكلة سياسية إلى مشكلة دينية محاولين فرض أولوياتهم ورؤيتهم للدولة على الناس الثائرين .

بعد أن جاء الإخوان المسلمون إلى السلطة وجد الناس أن لا فرق كبير حدث فى أحوالهم التى واصلت الإنحدار . فى نفس الوقت فإن الإخوان المسلمين وحلفاءهم أقنعوا أنفسهم أنه بالصياح و بالشعارات الدينية  سيجعلون الناس ينسون إحتياجاتهم وبؤس حياتهم وأحولهم المتدهورة ، ولكن ذلك لم يحدث . فعندما تأكد الناس مما يجرى ، ولماذا لم تتحسن أحوالهم ، إنقلبوا عليهم  . ومع تزايد الإشتباكات الداخلية ظهرت مشكلات جديدة .

الإخوان المسلمون ، والسلفيون ، والسلفيون الجهاديون ، ذلك التحالف تسبب فى حدوث توترات جديدة بفعل رؤيتهم الدينية . فوقعت أحداث عنف ضد غير المسلمين ، والعلمانيين أضيفوا الى قائمة الملحدين ، ثم استداروا لمواجهة الشيعة والصوفيين .

ما توصل إليه الناس فى مصر وبلدان الربيع العربى أنه من المستحيل تحقيق الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للثورة مع تواجد السلفية الوهابية . وطالما أن أتباع السلفية الوهابية ممثلة بشقيها السياسى والجهادى منخرطون فى العمل ومتمتعون بمساندة فعالة وغطاء سياسى من دول النفط الخليجية ، وغطاء دولى وإقليمى ، فسوف يستمرون كعقبة . الثورة فى العالم العربى قامت من أجل تغيير حياة الناس بعيدا عن البؤس والتخلف والإذلال .

وبشكل قطعى فإن الشعوب العربية لن تتقدم بينما السلفية الوهابية تشكل عقبة أساسية تمنع وصول الشعوب إلى حقوقها الإنسانية الفطرية ، كما وصفتها الشعارات الأولى للثورة ضد نظام مبارك المدعوم من أمريكا وإسرائيل ، هذا الشعار هو ” عيش ، حرية ، عدالة إجتماعية ، وكرامة إنسانية ” .

بهذه الطريقة فإن أحداث الربيع العربى وما تلاها أعلنت فشل ذلك المشروع الإسلامى الذى نشأ جزئيا على أرض مصر على يد سيد قطب ، وفى أفغانستان على يد عزام وبن لادن ومدرسة جلال آباد .  ذلك الفشل يشاهد بوضوح بفقدان تعاطف الناس مع الإسلاميين . وفى مصر إستغرق ذلك عام واحد فقط  .

 

بقلم :      

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world