حوار الموقع الأفغاني نن تكى آسيا مع مصطفي حامد (الجزء الثاني)

حوار الموقع الأفغاني نن تكى آسيا مع مصطفي حامد (الجزء الثاني)

حول العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان

نقلا عن موقع نن تكي اسيا  (28/10/2017)

 

فشل الأمريكان في أفغانستان عسكريا وسياسيا وفكريا ولكنهم لا يقبلون فشلهم  ومازالوا مستمرين في إحتلالهم لأفغانستان .. كيف تنظرون إلى عنادهم هذا تجاه الشعب الأفغاني؟.

 

الأمريكان فشلوا فى أفغانستان ولن يستطيعوا إخضاعها عسكريا وهم يدركون ذلك تماما . واستراتيجيتهم الحالية هى الإنتظار .

ــ فهم منتظرون لتحسن الظروف فى المنطقة العربية وفقا لمنظورهم .

ــ ومنتظرون للعثورعلى حل للنهضة الأسيوية وحركة الترابط القائمة على أشدها بمشاريع طرق وتبادل تجارى ومشاريع إقتصادية . فلابد لأمريكا من إشغال الصين وإحاطتها بحدود بحرية وبرية ملتهبة ، وإشغال روسيا بسلسلة طويلة من المعضلات ، وتسخين الأجواء بين الهند والصين ، ووضع إيران بشكل دائم تحت التهديد العسكرى والأمنى والإقتصادى  .

ــ  ومنتظرون ليأس الشعب الأفغانى ، وتمكين داعش من تحويل أفغانستان إلى عراق أخرى ومجازر دامية بين الجميع ضد الجميع ، مستبدلين الإسلام بالوهابية ومستبدلين الجهاد بالداعشية .

ــ ومنتظرون ليأس المحيط الإقليمى من الغموض السياسى لحركة طالبان، فيختصرون الطريق بتفاهم إقليمى بتعاون أمريكى لإستبعاد الحركة وتسليم البلاد إلى (حل وسط) يضع بعض أصحاب اللحى فى الصدارة لخداع الشعب المسلم فى أفغانستان، مع بقاء كل شئ على ما هو عليه ، وتوزيع بعض المكافآت لهذه الدولة أو تلك . وذلك هو الإحتمال الأضعف لأسباب كثيرة .

ــ ومنتظرون لتبلور خارطة طريق جديدة لإستثمار كنز الأفيون الأفغانى بعد الإنسحاب  وإقرار استراتيجية جديدة للهيروين وإنتاجه فى أفغانستان ، وتوزيعه فى العالم تحت رقابة مركزية أمريكية . أى وضع الأفيون الأفغانى فى وضعية مشابهة للنفط العربى طبق آليات تقبض عليها اليد الأمريكية بكل قوة من نقطة الإستخراج وحتى أطراف المصب ، عبر شبكات نقل أمريكية أو تحت سيطرة أمريكية كاملة.

ــ ومنتظرون لضمانات مستقرة حول سلامة خطوط نقل الطاقة الحالية من آسيا الوسطى عبر أفغانستان ، وبنفس الشروط الذى وافق عليها نظام كابل ، وضمان موافقة أفغانستان الدائمة على بيع مياه نهر جيحون ونقلها عبر خط أنابيب يعبر أفغانستان إلى ميناء جوادر فى باكستان للتصدير . خطوط نقل الطاقة وخطوط نقل المياه تكون تحت الحماية الأمريكية وربما محاطة بإتفاقات دولية وداخله ضمن حدود كيان سياسى إنفصالى يجرى إقتطاعه من أفغانستان الحالية. وإلى جانبه كيان سياسى مماثل يتخصص فى إنتاج الأفيون. أى كيانين صغيرين وثريين من الطراز الخليجى، تابعين للولايات المتحدة كقوة ضامنة للوجود السياسى ومالكة للثروات الطبيعية.

ــ تلك أحلام تراود الشيطان الأمريكى ، وسوف تمحوها إشراقة صباح الحرية والإسلام على أرض أفغانستان ، بيد شعبها وقيادة حركة طالبان.

 

كثير من المحللين يرون مستقبل أفغانستان سيصبح ميدانا  لتنافس القوی الإقلیمية مع /الأمريكي / الروسي / الصيني ، كما هو الحال في سوريا ، فماذا تتوقعون أنتم لمستقبلها. هل يمكن أن تتدخل دول الجوار خاصة الصين وروسيا و إيران عسكريا في أفغانستان؟.

 

مبعث هذه الأسئلة هو عدم إدراك ما حدث فى سوريا على حقيقته ، وهو شئ يختلف كليا عن ظروف أفغانستان والمخاطر والتحديات التى تواجهها .

من أهم أهداف الحرب على سوريا وأسبابها كان الآتى :

1 ــ تفتيت الدولة السورية كجزء من برنامج (الشرق الأوسط الجديد ) الرامى إلى سيطرة إسرائيل بشكل كامل على كل دول الجوار ، بل وجميع محيطها العربى تمهيدا لإنطلاقها إلى المجال الأسيوى دخولا من إيران عبورا منها إلى أفغانستان (قلب آسيا) وصولا إلى آسيا الوسطى الإسلامية . من هنا يأتى الترابط الأمنى الوثيق بين إيران وأفغانستان ، فسقوط إحداهما يعنى حصارا وتهديدا وجوديا للأخرى .

2 ــ تمهيد الطريق لعبور الغاز القطرى إلى أوروبا ـ لتركيع روسيا إقتصاديا وسياسيا ـ كونها تعتمد على بيع الغاز لأوروبا، أكبر أسواقها فى العالم .

3 ــ حصار سوريا بإغلاق المنافذ البرية التى تجعلها ـ كما كانت فى العصور الوسطى البوابه الأولى لتجار أوروبا فى طريق الحرير الواصل إلى الصين والهند .

كما أن الطربق الحريرالجديد فى طريقه إلى الإنبعاث بدفع من قوة الإقتصاد الصينى ورغبة الصين فى الإنعتاق من التهديد البحرى الأمريكى . وهو نفس الحافز الموجود لدى إيران وروسيا . وهما البلدان المنخرطان بقوة فى حرب سوريا لنفس الأسباب الإقتصادية والاستراتيجية .

4 ــ إغلاق حدود سوريا البرية مع العراق ( وبالمثل مع تركيا والأردن) والمتواصلة مع طريق الحرير، هو مقدمة لإغلاق حدود العراق نفسه عندما تسنح الفرصة وتتحطم الدولة العراقية بفعل الصراعات العرقية والمذهبية ، عندها يمنعون تواصله مع العمق الأسيوى عبر البوابة الإيرانية والأفغانية.

طبقا لإستراتيجية بحرية عظمى تسيطر الولايات المتحدة على بحار العالم بأساطيها الحربية . وتواجهها الصين بإستراتيجية برية عملاقة هى “طريق الحرير” . و نظرتنا إلى مشكلة أفغانستان ومشاكل والشرق الأوسط يجب أن تتضمن إعتبارات ذلك الصراع (الجيو ستراتيجى) العالمى . فكلا المنطقتين(أفغانستان والمنطقة العربية) هما من المفاتيح الأساسية فى كلا الإستراتيجيتين.

تكلمنا هناعن الولايات المتحدة والصين فقط ، ولكن خلف كل منهما معسكرا من الحلفاء. وهناك دول هامة مثل الهند لم تحسم لنفسها قرارا نهائيا . لذا تضع قدما فى كل قارب، أو على الأصح تضع قدما فى الماء وقدما فى اليابسة . فلا هى تثق فى الصين ولا هى تطمئن بالكامل إلى الولايات المتحدة.

= الخطوتان السابقتان (3،4) يجرى التسويق لهما إقليميا ودوليا على أنهما تصدى للمد الشيعى والتوسع الإيرانى ، بما إستدعى تعاونا بين أهل السنة وإسرائيل ، للتصدى معا لمخاطر الإرهاب . وتحت تمويه التصدى لداعش إمتد تعريف الإرهاب ليشمل كل من يقاوم إسرائيل من سنة و شيعة (حزب الله وحماس) .

5 ــ ما سبق يتكامل مع ربط السعودية ودول الخليج بخط سكة حديد مع إسرائيل وشواطئها على البحر الأبيض المتوسط ، لتكريس التبعية الإقتصادية والسياسية، وإعلان العرب التنازل التام عن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى ، مع تسهيل تنفيذ المخطط الإسرائيلى بالوصول إلى المدينة المنورة والمطالبة بممتلكات اليهود القديمة قبل ظهور الإسلام الذى طردهم من جزيرة العرب ،(يوم كان فى جزيرة العرب إسلام ، وكان فيها عرب).

6 ــ طرد روسيا من شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، لتضييق حلقة الحصارعليها تمهيدا لإسقاطها وتقسيمها باستخدام ذلك النوع المسمى بحروب الجيل(الرابع والخامس.. إلخ ) التى هى مزيج من الفتن الداخلية والحصار الإقتصادى والحرب النفسية باستخدام الإعلام والمنابر الدولية مع الإعتداءات المحدودة عسكريا وحرب الإرهاب (الإسلامى غالبا) والتدخل الدولى بالتحالفات العدوانية أو بقوات الأمم المتحدة ، يضاف إليها فى حالة روسيا سباق التسلح الذى ينهك الإقتصاد الروسى الضعيف أصلا مقارنة بالإقتصاد الأمريكى.

وهذا هو النوع من الحروب الذى تعمل أمريكا الآن إلى إستخدمه فى أفغانستان بدلا من الحرب المباشرة التى خسرتها . لذلك أحضرت داعش الذى تهاوى فى المنطقة العربية ، فنقلته إلى باكستان وأفغانستان واليمن وحدود إيران وحتى إلى داخلها.

ويبقى سؤال : تحت أى ظروف يمكن أن تتدخل الدول عسكريا فى أفغانستان ؟ .

ذلك التدخل يمكن أن يحدث فى الحالات التالية :

1 ــ إذا تحولت حدود أفغانستان إلى مستوطنات داعشية تنفذ عمليات خطيرة عبر الحدود مع أحد الجيران الأقوياء ، كما حدث فى الرد الصاروخى لإيران على قيادات داعش فى سوريا فى أعقاب الإعتداء المزدوج على طهران .

وبالمثل يمكن أن تفعل الصين أو حتى روسيا والهند . ولكن الإجتياح الشامل مستبعد لخطورته على الوضع الدولى .

2 ــ إذا شكلت العمليات الإرهابية الداعشية تهديدا جديا لأحد مراحل أومحطات مشاريع الترابط البرى والتبادل التجارى فى التحرك الإستراتيجى الجديد فى آسيا . فقد يحفز ذلك عملا عسكريا مشتركا ضد افغانستان من جانب الدول المتضرره . وما زال هذا الإحتمال مستبعدا. ولكنه ممكن فى إطار الرد المحدود أو الحرب بالوكالة.

3 ــ إذا نفذت أى حكومة أفغانية ـ وبدون غطاء أمريكى ـ مشاريع تهدد مصالح الجيران المائية أو الأمنية. فإن التدخل العسكرى سيصبح خيارا مطروحا ، ولكن فى صورة رد محدود وليس إجتياحا .

4 ــ اذا وقعت أفغانستان فى حرب داخلية واسعة النطاق لأسباب عرقية ومذهبية ، فهذا يخلق بيئة مواتية لتدخلات جميع الدول المجاورة لحفظ مكان لمصالحها داخل البلد عبر المجموعات الأقرب لها . كما أن التمويل العربى بل والمتطوعون الوهابيون قد يتدفقون بكثافة على أفغانستان مع تقوية خطوطهم الخلفية فى وزيرستان . وقد يتطور الأمر إلى حرب مذهبية تعصف بكامل المنطقة ولن تقف عن الحدود الأفغانية . لذا كلما قمعت داعش مبكرا فى أفغانستان فسيكون ذلك فى صالح جميع شعوب المنطقة  وهذا يعطى ورقة قوية فى يد طالبان بصفتها القوة الوحيدة القادرة على صد الخطر الداعشى عن أفغانستان وجميع مسلمى المنطقة ، فتتحول نقمة داعش إلى ميزة لطالبان.

 

على المستوى الداخلي الأفغاني كيف يمكن القضاء على الحرب و إحلال الأمن في أفغانستان؟

لا يمكن أن يحل الأمن فى أفغانستان إلا بعد زوال الإحتلال، على أن يعقب ذلك عملية تطهير للبلد من الأدران التى زرعها فى حياة الناس ، والقصاص من القتلة والفاسدين واسترداد الحقوق منهم ، وتطهير الحياة الثقافية بعمليتين مترافقتين ” إزاحة وإحلال” إزاحة الثقافة الإستعمارية وإحلال الثقافة الإسلامية والقيم الأفغانية الأصلية محلها .

–  ثم إقامة نظام حكم عادل ، ونظام إقتصادى شفاف وفاعل، يحقق المساواة وتكافؤ الفرص ، ويمنع الإحتكار وسؤ إستغلال السلطة لجنى الثروة بدون وجه حق.

– وذلك يحتاج إلى إحياء شورى حقيقية تمارس فعليا أمرالتشريع القانونى والرقابة على مؤسسات الدولة.

 – نظام تعليمى يجمع العلوم الإسلامية مع العلوم الحديثة فى كافة المجالات، من الطب إلى الفضاء والذرة .

– وإطار ذلك كله جيش قوى قائم على دفاع شعبى متعدد المستويات وجهاز أمنى كفء  ونزيه وخاضع للرقابة الشعبية الدائمة .

ــ ومن المهم إقامة علاقات عادلة وشراكة بناءة مع جميع الجيران على أساس الإعتراف بالخصوصية والإحترام المتبادل ، والتعاون المشترك على أساس العدالة والتكافؤ لخير جميع سكان المنطقة والعالم .

وتلك أيضا معركة صعبة وطويلة لها تكاليف ولها شهداء .. وهكذا هو طريق الجنة مفروش بالمكاره ، بينما طريق جهنم / طريق الخضوع للإحتلال / مفروش بالمغريات والشهوات .. واسألوا حكام كابول .

 

أفغانستان تشتهر تاريخيا بمقبرة الإمبراطوريات ، هل تتوقع أن تقبر إمبراطورية أمريكا في أفغانستان ام تصبح أفغانستان مرتعا للأمريكان يلهون فيها كما يلهون في سائر البلاد؟ .

إذا إحتكمنا إلى سنن الله فى خلقه ، وإلى التجارب التاريخية للأمم بشكل عام ، ولشعب أفغانستان بشكل خاص، يمكن القول بإطمئنان كامل أن الولايات المتحدة ستخرج منهارة من أفغانستان . وحربها الظالمة على ذلك الشعب ، وجرائمها فى حق البشر أينما كانوا ، لن تنتهى بأى خير على تلك الدولة . وشعبها يجب أن يغير ذلك النظام المتوحش الذى يحكمة ، ويندمج مع باقى البشرية على قاعدة المساواة ، والإستفادة العادلة من خيرات الأرض ووقف الحروب واستعباد الآخرين والتعالى عليهم بل وإبادتهم كما حدث منهم مرارا . فالبشر جميعهم سواسية ، خالقهم واحد ، وبدايتهم مثل نهايتهم واحدة . والأرض خلقها الله ليعيش عليها البشر جميعا وينتفعوا بخيراتها بعدل ومساواة.

 

هل نرى يوما ما افغانستان بدون حرب؟.

حتما ستتوقف الحرب يوما فى أفغانستان . فالحرب سنة كونية لإصلاح مسيرة البشرية ، ثم يعود السلام مرة أخرى . لتعمير الأرض والقيام بواجب الخلافة فيها.

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)ــ ﴿251﴾البقرة

(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز)ــ ﴿40﴾ الحج .

ستتوقف الحرب فى أفغانستان حتما . وللأسف فإن شعب أفغانستان الشجاع والنبيل يتحمل ضريبة الدم الثقيلة لاصلاح مسيرة الإنسانية كلها على الأرض . من إسقاط السوفييت إلى إسقاط الأمريكيين ، ومن قبل إسقاط بريطانيا، التى غابت شمس عظمتها بهزيمتها فى أفغانستان . فأى فخر هذا للأفغان، لم يحرز مثله أى شعب على ظهر الأرض!! ، وشرف كفيل بأن يجعلهم سادة البشرية وحماتها .

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) ــ ﴿5﴾ القصص

نعم ستتوقف الحرب ويعم السلام لتأخذ أفغانستان دورها فى بناء مستقبل البشر وتساهم مرة أخرى فى العلوم والإعمار والثقافة ، وتلك مجالات أخرى للجهاد . ستتوقف الحرب يوما ولكن الجهاد لن يتوقف أبدا فى أفغانستان ، أرض الأمجاد والبطولة.. كما هى أرض العلم والعلماء والمدنية .

 

نقلا عن موقع نن تكي اسيا  (28/10/2017) :

www.nunn.asia

رابط الحوار باللغة البشتو:

https://goo.gl/Hbb1WC 

 

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world