داعش .. وحديث آخر ذو شجون 2

17

حديث ذو شجون .. {2}

الأخ / محمد العبد الله .. السلام عليكم .

أعتبر رسالتك هذه وتعليقاتى التالية عليها هى تكملة (لحديث ذو شجون) بدأناه معا فى مرة سابقة . سأحاول تحديد محاور الحديث طبقا لرسالتك .. وهى من أقوالك :

1 ـ  أى مشاكل تلك التى ضاعف داعش من وجودها . هل تبحث عن جماعات تسير على خطى الصحابة وتعيش على أيامهم ؟؟ . يوم كان أعظم عدو هو مواجهة الروم والفرس . وجها لوجه بالسيف . وتنتهى المعركة بإنتصار أو هزيمة لأحد الطرفين .

2ـ  أننا نواجه أنفسنا فى البداية ، فنحن أجيال تربت على القومية والليبرالية .. وآخرها تربت على البحث عن لقمة العيش .

3 ـ  إننا نواجه أمريكا وروسيا وكل دول العالم بما فيها الأنظمة العربية (الإسلاميه) أنهم يتآمرون على أى حركة أو تطور جهادى .

4 ـ  جاء فى مقالى أن داعش قاومت التعايش المبنى على أساس تعدد المذاهب ، أى تعايش بيننا وبين الشيعة . ثم تعلق قائلا : على سبيل المثال لا الحصر فإنهم منذ الأزل وهم يقتلون علماء السنة ، وأكبر عالم قتلوه (عمر رضى الله عنه) وما قبلت الأمة فى يوم من الأيام التعايش مع الفاطميين .

سأترك السؤال الأول إلى نهاية الحديث . ثم أقول أنه فى السؤال الثانى والثالث نحن متفقان تماما حول هذا التوصيف . ولكننا قد نختلف حول تفاصيل تلك المشكلات وأساليب حلها .

وأود التأكيد على موافقتى على قولك { إننا نواجه أنفسنا فى البداية } . قد يبدو ذلك منطقيا وبسيطا ولكنه أعقد المشاكل وأخطرها . فإذا إنتصر الإنسان على نفسه ونوازعها سهل عليه التغلب على ماهم خارجها من أعداء ،( اللهم إنَّا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا) فهكذا كان يدعو رسولنا الكريم . فيجب علينا أن نبقى دوما متيقظين لتلك الشرور الظاهرة والخفية التى تأتى من داخلنا نحن . فمن أهم وصايا الحروب والصراعات الكبرى والصغرى شيئان هما (1ـ أعرف نفسك 2ـ أعرف عدوك ) . قال الحكيم واضع ذلك القانون بأن جهل العنصرين معا ، سوف يؤدى إلى خسرانك لأى مواجهة مع العدو . والجهل بعنصر واحد منهما سوف يؤدى إلى وقوع خسارة بك فى مقابل كل نصر تحرزه ـ أما اذا عرفت الأثنين معا .. فلا تخشى من نتيجة مئة حرب .

وطريق المعرفة عموما صعب ويحتاج إلى إجتهاد وتجرد من حظوظ النفس، وإلى صبر ودأب. وهو طريق فيه الصواب وفيه الخطأ ، خاصة مع تعقد الحياة المعاصرة إلى درجة تفوق الخيال ، وهو ما تشير إليه بقولك :{ هل تبحث عن جماعات تسير على خطى الصحابة وتعيش على أيامهم ؟؟ .. يوم كان أعظم عدو هو مواجهة الروم والفرس وجها لوجه بالسيف ، وتنتهى المعركة بإنتصار أو هزيمة لأحد الطرفين } ـ نعم ، الواقع أصبح أكثر تعقيدا بكثير، ولكن لنا هنا ملاحظتان :

الملاحظة الأولى :  أن الوسائل التى وقعت فى أيدينا للتعامل مع ذلك الواقع هى أيضا كثيرة ومتطورة وتتيح لنا ـ إذا تمتعنا بالإصرار والصبر ـ أن نفهمه ونتعامل معه على كافة المستويات المطلوبة ، من العسكرية إلى السياسية والثقافية والإعلامية. صحيح الفارق سيظل كبيرا جدا بيننا وبين الأعداء . ولكنه يكفى لنا لتحقيق النصر، إعتمادا على الفارق المعنوى والإيمانى . وهذا ما كان فى وقت الصحابة ، وفى كل العصور الماضية والقادمة بعون الله .

الملاحظة الثانية : هو القيمة الإيمانية والسلوكية العالية للجيل الأول من الصحابة كمثل أعلى وقدوة فى سلوكيات الحرب والسلم . وهذا ما نفتقده جميعا ـ بدرجات مختلفة ـ وتفتقر إليه داعش كلياً حتى يمكن أن نعزى إليه معظم أسباب فشلها حاليا ، بل والجزم بإستحالة إنتصارها فى أى مكان وأى معركة ، إذا إستمرت على هذا الحال .

بالطبع القرآن والسنة هما المصدران الأساسيان لتلك القيم ، ويأتى الصحابة كأمثلة تطبيقية بشرية يمكن لأى مخلص الإسترشاد بها .

ــ القدوة والمثل العليا لا يمكن لأى أمة الإستغناء عنها . والأمم التى لديها فقر فى ذلك الجانب تلجأ إلى إختلاقه ، بصناعة الأبطال والترويج لشمائلهم . أخلاق الصحابة هى أخلاق الإسلام ، فنرجو أن تقارن حركاتنا الجهادية نفسها بذلك المقياس . والصحابة ليسوا فقط شجعان فى الحروب ، ولكنهم أيضا نبلاء فى السلوك .

ــ وأظن أننا ركزنا على الشجاعة ، وقاومنا السلوكيات النبيلة وحاربناها . فأخلاق الصحابة والرسول الأكرم ، لا نكاد نلحظها عمليا ، خاصة بين المجاهدين السلفيين ومن تلاهم صعودا فى الوهابية . بينما سلوك المجاهد هو دعوة حقيقية للدين ، فالبندقية تحمى ولكنها لا تقنع . وأخشى أن المجاهدين السلفيين صاروا أسوأ صورة للإسلام .. وأن الداعشية أكبر هادم لسماحة الإسلام ورحمته . وبالتالى هى فى الحقيقة صد عن سبيل الله وحاجز يحول بين البشر والدين الذى جاء لهدايتهم .

وكلما أوغلت الداعشية فى العمل العسكرى تعاظم ضررها على الدين ، على عكس المتوقع . فالقتال بدون أخلاق نبيلة يصبح إجراماً صرفاً وليس جهاداً فى سبيل الله يحمى الرسالة التى يترجمها سلوك المجاهد ، شجاعةً ونبلاً .

ننتقل إلى المحور الرابع ـ حول (تعدد المذاهب والتعايش بيننا وبين الشيعة) حسب نص رسالتك .

ذلك هو الموضوع الأكثر حساسية فى وقتنا الراهن . وأكاد أزعم أنه الموضوع الأهم فى الساحات الجهادية والعربية والإسلامية . وبالتالى هو موضوع مؤثر على العالم كله بشكل ما .

جوهر الموضوع وعنوانه هو ” الفتنة “. وهى أشد ما عانى منه المسلمون منذ صدر الإسلام وحكم الخلفاء الراشدين الأربعة ـ رضوان الله عليهم ــ وهى إلى الآن ترتفع وتهبط ، تظهر وتخفت . وهى فى وقتنا الراهن السلاح الأول فى يد الأعداء لإخضاع المسلمين ، وتسليط اليهود فوق رقابهم ، فمن فلسطين توسعت سيطرة اليهود لتشمل كل بلاد العرب بدرجات متفاوتة ، من المحيط الأطلسى حيث “أمير المؤمنين” ، وصولا إلى الخليج” العربى” حيث “خادم الحرمين الشريفين” .

ــ وجذور المشكلة وأصلها بين السنة والشيعة ترجع إلى الخلاف حول تولى منصب القيادة العليا فى الأمة (الخلافة) بعد رحيل رسولها صلى الله عليه وسلم . وهل هذا المنصب بالإنتخاب والبيعة كما يقول السنة ، أم هو بالتعيين الإلهى ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم ،( يقول الشيعة بالوصية لإثنى عشر إماما أولهم علي رضى الله عنه وآخرهم المهدى)  . فى عصرنا الراهن إتفق الطرفان عمليا على أن الإنتخاب هو الوسلة العملية الوحيدة المتاحة ـ حيث لم يعد هناك أئمة معروفين ظاهرين تشملهم الوصية . والجميع سنة وشيعة فى إنتظار (المهدى) ـ الذى سيصلحه الله فى ليلة كما يقول السنة ـ أو أنه كما يقول الشيعة موجود ويؤدى بعض الوظائف للأمة ، ولكنه غير ظاهر.

إذن هناك إتفاق عملى على مبدأ إختيار الأمة لقائد لها تتوفر فيه شرائط وضعها العلماء . ولكن لا توجد وصية بحق شخص ظاهر نعرفه .

ــ مفروض أن تنتهى المشكلة هنا .. وتكون محسومة منذ قرون ولكن الصراع على السلطة ـ وبالتالى الثروة ـ والعصبيات القبلية والقومية . واصلت شرذمة المسلمين إلى فرقتين أساسيتين واحدة أُطلق عليها ( أهل السنة والجماعة ) والأخرى أُطلق عليها (الشيعة ، أى شيعة الإمام علي وباقى الأئمة الإثنى عشر) .

دارت صراعات وحروب بين الطرفين ، فأهل السنة تحولت الخلافة على أيديهم إلى إنقسام و(ملك عضوض) تطور مع الزمن إلى ما نراه اليوم مما لا يمكن وصفه من قبح وبشاعة .

والشيعة على مر العصور قاموا بإنتفاضات وثورات مع نجاحات محدودة فى إقامة كيانات سياسية مستقلة ( منها تجربة الدولة الفاطمية التى كانت هى أيضا ملكا عضوضا ).

فى ظل الصراع السياسى ترعرعت الفتنة المذهبية وتأصلت فى تراث فقهى وقصصى ، يدعم به كل طرف موقفه . وامتلأت كتب قديمة كثيرة بما يعمق الفتنة ويجعلها ليست فقط جزءا من صراع سياسى على الحكم وفلسفته ، بل جعلت منها صراعاً عقائديا وأحقادا شعوبية.

ومثل هذه الكتب إلى الآن تسعر أحقاد المسلمين على بعضهم ، وتمتلك فضائيات تلفزيونية ، ومليارات الدولارات وخبراء دين وسياسة وعلاقات عامة وحروب نفسية .

فى العصر الحديث تحولت الفتنة من عمل عفوى إلى صناعه متكاملة . وهذا أكبر مما وصفه “هيكل” فى تعريفه الشهيرعن هندسة الفتنة ـ وقد أوردته مرارا فى كتاباتى ـ وقال فيه : { فى الأزمنة الحديثة فإن صناعة الفتن ، إلى جانب عوامل الفتن ، لم تعد عود ثقاب يلقى بالمصادفة أو بالعمد على الحطب . بل أن صناعة الفتن تحولت إلى “هندسة” بمعنى الكلمة .. لقد كان زمن الحرب الباردة جامعة كبرى تعلمت فيها القوى”هندسة” الفتن . وأكثر من ذلك فإن البراعة فى الهندسة وصلت أحيانا إلى إعادة هندسة الماضى وتركيب التاريخ والمجتمعات بما يوافق سياسة الأقوياء } .

وما ذكرته فى كلامك ـ فى المحور الرابع ـ لأمثلة تاريخية عن رفض (الطرف الاخرــ الشيعة) لمبدأ التعايش ، هو نموذج لما جاء فى كلام هيكل عن ـ هندسة الماضى وتركيب التاريخ بما يوافق سياسة الأقوياء .

فقتل عمر بن الخطاب رضى الله عنه ـ هو جريمة عظمى تظل مدانة إلى يوم الدين ـ فمن قام بها ؟؟ . القاتل “أبو لؤلؤة ” وكان فارسيا ، ولكنه لم يكن شيعيا ، ولا حتى من أنصار علي بن أبى طالب، بل كان من موالى بنى أمية فى المدينة المنورة . كما لم يكن هناك مذهبا شيعيا قد ظهر بعد . فإذا أدَنَّا الشعب (الفارسى) بتلك الجريمة ، فليظل هذا المعيار ثابتا فى جرائم الإغتيال المماثلة التى وقعت بعد ذلك . مثل إغتيال الخليفة عثمان بن عفان ثم علي بن أبى طالب ــ رضي الله عنهما ــ وهى جرائم قام بها عرب . فما القول إذن؟؟ .هل نعامل العرب فى تلك الجرائم كما عاملنا الفرس فى الجريمة الأولى ؟؟ . ويمكن أن نسير قدما إلى إغتيال (عمر بن عبد العزيز) خامس الخلفاء الراشدين ، ألم يقتل مسموما على يد أفراد عائلته من الأمويين العرب الأقحاح ؟؟.

نحن إذاً نكيل بمكيالين . ونعيد هندسة الماضى وتركيب التاريخ بما يوافق سياسة الأقوياء طواغيت هذا العصر .. وعلى رأسهم إسرائيل التى تبنت علنا تلك السياسة منذ عقود ـ سياسة ضرب السنة والشيعة بعضهما ببعض ، وإشعال نيران الفتنة فى المنطقة وتقسيم دولها على أسس الدين والعرق حتى تكتمل السيادة المطلقة لإسرائيل .

تحقق أكثر ذلك بالفعل ـ ولداعش والسلفيات الجهادية والوهابية اليد العليا فى ذلك البرنامج . ولأجل هذا وصلهم السلاح والمال ، وعملت لهم شبكة التجنيد والدعاية الدولية .

والدفاع عن الفتنة لدى تلك التنظيمات أصبح دفاعا عن مصالح كبرى يصعب التنازل عنها . ناهيك عن أن شبكة المستفيدين منها أصبحت واسعة جدا ، ومن يتمرد على قوانين (صناعة الفتنة) ويتوقف عن العمل فى خدمتها ، فسوف يأتى غيره العشرات بل المئات . وإلا كيف وصل عدد التنظيمات القتالية فى سوريا وحدها إلى أكثر من ألف تنظيم !! .

ــ نعود إلى مسألة الفاطميين الذين تقول أن الأمة رفضت التعايش معهم فى يوم من الأيام.

لقد عاشت تلك الدولة لأكثر من قرنين ونصف ، وتمددت من مراكش إلى مصر وجميع بلاد الشام والحجاز وجزيرة صقلية. فكانت أكبر وأقوى مملكة تنفصل عن الخلافة العباسية . ولما ركنت تلك الدولة إلى الترف ، وتنافس الوزراء على الحكم . حتى ظهرت جيوش الصليبيين فى الشام ، فتسابق وزراء الدولة على التحالف معهم من أجل الوصول إلى الحكم (كما يحدث الآن) . فكان لابد لهذه الدولة أن تزول ، لأن ظروف الصراع المصيرى بين المسلمين والصلبيين لم تسمح لأن يمتد ذلك التفسخ لمدى زمنى أطول . وكانت قد ظهرت قبائل الأكراد بأمرائها ثم ملوكها ، وفى ذروتهم صلاح الدين الأيوبى ، الذى أدرك أن لا إنتصار للمسلمين بدون توحيد قواهم . وذهب إلى مصر محاولا إصلاح أمور الحكم ونصرة الجناح الموالى للأيوبين ، خوفا من أن يستولى الصليبيين على هذا البلد الحيوى . ولكنه رأى أن الوضع غير قابل للإصلاح ، فأجهز على الدولة الفاطمية وتولى الأيوبيون حكم مصر.

ــ إذن المسألة لم تكن أن الأمة رفضت التعايش مع الفاطميين بل لأن دولة الفاطميين هرمت وفسدت وكان لابد أن تسقط نظرا لمقتضيات الحرب المصيرية مع الصلبيين . وخيرا فعل صلاح الدين ، فلم يكن أمامه أى خيار آخر . وبحصوله على حكم مصر حصل على خزان الثروة والطعام الذى مكنه من هزيمة الصليبين وفتح القدس . ثم تطهر الشام من كل الوجود الصليبى على يد دولة المماليك التى خلفت الدولة الأيوبية التى لم تعمر طويلا . وقد كان المماليك أحنافاً صوفيين واستمر حكمهم ثلاثة قرون أو أقل . ثم خلفهم العثمانيون الذين حكموا لحوالى أربعة قرون إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف وصلت حتى أسوار فيينا عاصمة النمسا . وكانو أيضا أحنافا صوفيين من أهل السنة والجماعة . فكيف هى معايير الفتنة المعتمدة لدى السلفيين إزاء هذا التراث التاريخى والمذهبى !! .

لا شك أنها فى أشد الإضطراب ، وتتخبط على غير هدى ، ضمن مفاهيم هندسة الفتنة وصناعتها ، وتزييف الوعى بما يتناسب وسياسة الأقوياء الممسكين برقاب الأمة .

نعود إلى كلامى عن التعايش الذى رفضته داعش :

ــ بالطبع عنيت فى كلامى التعايش مع الشيعة . بل وأعنى أكثر من ذلك ، وهو توحيد جناحى الأمة من سنة وشيعة فى معركة واحدة ضد (اليهود والصليبيين) حسب تعبير بن لادن الشهير. ــ وأعنى قبل ذلك التعايش بين السلفية ومذاهب أهل السنة والجماعة . فقد ألغت السلفية مبدأ (التمذهب) أى إتباع المسلم لأحد المذاهب السنية الأربعة . فأحدث ذلك أضرارا بالأمة لا يعلم مداها إلا الله . ولعلها مصدر لكل الفتن التى نحياها الآن .

ــ فمبدأ عدم التمذهب عصف بالحياة الدينية للمسلمين السنة (أو معظمهم )، حيث إختفت تقريبا تلك المذاهب من الوجود . حتى فى حديثك هذا عندما تحدثت عن المذاهب الإسلامية لم يتبادر إلى ذهنك غير المذهب الشيعى . فى حين أن مشكلة السلفية أعمق مع المذاهب السنية نفسها.

بالطبع عمت الفوضى مجال الفتوى ، وتصدى لها كل جهول متكبر . والجماعات الإسلامية ـ خاصة الجهادية ـ وبالأسلحة التى بين أيديها ـ مارست الفتوى وتطبيق الأحكام التى يصدرها فتية غير مؤهلين لشئ . فسالت الدماء أنهارا والوحشيه صارت “جهادا” ، فخربت المدن ، وذابت الأوطان وانتشر الهرج والمرج أينما حلوا . حتى صار الناس يخشونهم أكثر من خشيتهم أعداء الأمة الأصليين . فترك الملايين بلاد الإسلام باحثين عن الأمن وفرص الحياة لدى (الكفار) . ثم تراهم يقولون عن ذلك جهادا ، وعن أحكامهم (شريعة) ، حتى صار إسم الشريعة الإسلامية مصدر رعب لأكثر عوام المسلمين . ولديهم الحق لأن تلك (الشرائع) لدى تلك التنظيمات مبنية على الجهل والأهواء والتعصب ورعونة الشعور بقوة السلاح والمتفجرات .

خصومة المسلمين مع دينهم زادت . ورعب غير المسلمين من الإسلام ينتشر يوما بعد يوم ، بفعل “جهاد” الوهابية ، مضافا إليها مبالغات إعلام الأعداء ونشره لمرض (فوبيا الإسلام ) .

ــ فى النهاية ترسخ فى الأذهان /كما فى أرض الواقع/ أن تنظيمات (الجهادية السلفية) هى أخطر الأعداء المباشرين على حياة المسلمين ودينهم وحقوقهم الطبيعية التى ضمنتها جميع شرائح السماء .

والآن أورد ذلك الحادث للبرهنة على أن عداء الوهابية الأساسى هو ضد المذاهب السنية الأربعة ، أكثر منه للتشيع أو التصوف . بل واستهدفت بالعداء فريضة الجهاد تحديدا، سعيا إلى تخريب مساره بالمزايدة الصاخبة حول الشريعة والجهاد والعقيدة .. الخ .

ــ فى صيف عام 1987 بعد معركة جاجى المظفرة التى خاضها الشباب العرب تحت قيادة (بن لادن) ، وكان قد شرع فى تكوين “تنظيم القاعدة” لتجميع طاقات الشباب العربى فى أفغانستان تحت قيادة واحدة وبرنامج واحد . فذهب إليه عدد من طلاب العلم الشرعى فى”المملكة” ، وعدد من المجاهدين العرب السلفيين فى أفغانستان . واجتمعوا معه ومع الشباب الذين حوله لإقناعهم بعدم جواز الجهاد مع الأفغان(لأنهم لن يقيموا دولة إسلامية) وأن (الأعاجم!!) غير قادرين على فهم الإسلام أو إقامة دولة إسلامية وأن (العرب!!) فقط هم القادرون على ذلك!! . ( لاحظ شعوبية الطرح ومناقضته للإسلام ومصلحة المسلمين ) .

لم يوافق بن لادن على هذا الكلام ، وتوزع الشباب الذين حوله إلى مواقف متباينة ، حتى أضطر إلى إرسال موفد إلى مدينة بيشاور لإستدعاء الدكتور أيمن الظواهرى والدكتور (فضل الله ، صاحب كتاب العمدة فى إعداد العدة) وكلاهما أيد بن لادن فى رفض هذا الكلام ، الذى زاد عليه أحد (طلاب العلم) الوهابيين قائلا (إن المذهب الحنفى يشبه الجدار المائل ، وتكفى رفسة واحدة لتقويضه!!)..ولنا أن نسأل عن سر هذا العداء المرير للمذهب الحنفى أوسع المذاهب السنية إنتشارا على طول التاريخ الإسلامى؟؟ . مع ملاحظة تلك الفتوى الشهيرة لأبو حنيفة النعمان (المؤسس الأول للفقه السنى) فى الإشادة بالخروج على الحاكم الظالم ، ودعمه لثورة أحد أحفاد “الحسين” على الخليفة العباسى . ذلك الموقف الفقهى الشجاع نادر فى الفقه السنى ، الذى إجمالا يشيد بالحكام الظلمة ويدعو إلى طاعتهم مهما كانت تجاوزاتهم .

ــ وما أشبه الليلة بالبارحة . إذ عادت الوهابية القتالية إلى أفغانستان لتخريب جهاد الشعب الأفغانى وكيل الإتهامات لحركة طالبان وقتالها. وسارع تنظيم داعش (لإنقاذ) الأفغان الذين قطعوا ثلاثة أرباع الطريق نحو الإنتصار الكامل ودحر الغزو الأمريكى ، ليفرض عليهم الفشل والخراب الذى فرض على الشعوب العربية التى إبتليت بداعش فى العراق والشام وليبيا واليمن وغيرها من بلاد المسلمين .

نرجع من هنا إلى المحور الأول فى رسالتك وهو السؤال عن تلك المشاكل التى ضاعف داعش من وجودها . ومن هم تحديدا الذين تضرروا .

والسؤال عجيب للغاية وله دلالات يصعب تصور وجودها . ولكى يصبح معقولا كان ينبغى عكس صياغتة ليكون : أى مشاكل تلك التى لم يتسبب فيها داعش ؟؟ وأى صنف من الناس لم يتضرر من وجوده ؟؟. لأن ما حدث للعراق وسوريا هو أكبر بكثير من كارثة الغزو المغولى لتلك البلاد التى عادت إلى الخلف مئات السنين . ويصعب جدا تصور عودة أمورها إلى نقطة الصفر حتى بعد عشرات السنين من إعادة البناء وإنفاق مئات المليارات من الدولارات . فمئات الآلاف من البشر قتلوا ، والملايين طردوا من ديارهم أو فروا خوفا من القتل .

ــ فالتنظيم الداعشى وأشقاؤه قاتلوا منذ البداية بطريقة عجيبة تمثل جريمة حرب مكتملة الأركان ، والهدف منها كان إبادة أكبر قدر من البشر وتخريب أكبر قدر من المدن ، التى إستحكم فيها ” المجاهدون” ، تاركين أمر تهديمها للنظام الذى سيقوم حتما بمهاجمتها بأسلحته المتوفرة . هنا تكون الفرصة للتشهير به دوليا ، وتوسيع قاعدة التجنيد ، وجلب المعونات وإعطاء الحرب صيغة طائفية ومذهبية ، تنتشر فى المنطقة مثل النار فى الهشيم ، تحقيقا لمشروع إسرائيلى مطروح منذ عدة عقود .

ــ فتترسخ بذلك الفتنة على أنها البرنامج الأول للمسلمين ، ويترسخ التفكير الطائفى فى عقول محرومة من التعليم الصحيح والإعلام الصحيح . ولا تمتلك من وسائل للمعرفة والثقافة غير قنوات الضخ الإعلامى التحريضى والسطحى للتنظيمات الوهابية . فى ظل نظام محلى قمعى ونظام إقليمى مجرم وخائن ، ونظام دولى يرى فى الإسلام عدوه الأول ، ويرى فى المسلمين هدفا مشروعا للإبادة .

ــ الجهاد هو الحل .. ولكن على قاعدة شرعية سليمة ، تستوعب الأمة كلها ، وتجعل للعلماء الصدارة فى القيادة والتوجيه ، وتجعل للعلم التخصصى إحترامه ودوره . وتجعل للفتوى أسس شرعية متينة ومستفيدة بعمق من العلوم المتخصصة ، نتيجة لتعقد الحياة الحديثة وتشابكها .

الجهاد الوهابى الداعشى أضر بالأمة ، ويمنع عودتها إلى الطريق الصحيح ، والخسارة الأكبر هى هدر طاقات الشباب المخلص فى متاهات العمل الدموى الذى يضر بالإسلام والمسلمين .

“الجهاد الوهابى” يضرب الجهاد الصحيح للأمة ، ويعرقل ظهوره مجددا ، مستبدلا إياه بجهاد زائف يديره ويموله ويغذيه ويستخدمه الأعداء ، سواء علم المنخرطون فيه بذلك أو لم يعلموا . النتيجه واحدة ولا عذر لأحد بعد كل تلك التجربة الدامية التى أعادت الأمة وقضية الإسلام إلى الخلف عشرات السنين ، وأهدرت طاقات الأمة وشبابها ، وأضعفت ثقتها فى دينها .

ــ إنتهى الحديث .. ولكن الشجون لم تنته . قد نواصل فى فرصة قادمة ، وشكرا على حديثكم المفيد .

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

17 5 تعليقات

  1. الذي لا يكفر الشيعة يعني انه يقرهم على شركهم وتكفيرهم الصحابة وامهات المؤمنين ومن تبعهم فهو إذن مثلهم

  2. كل من يحاول ان يطعن بمنهج دولة الخلافة اعزها الله فهو مشبوه او مدسوس وخصوصا والحرب في اوجها ثانيا . اليوم يوم العمل هاجر وجاهد ومن ثم تكلم والا فاصمت والصمت خير .

  3. تسبق الاحداث دائما سبحان الله
    لا استطيع تصور صلح بين السنة و الشيعة
    طالبان اول من طبق نظريتك يا شيخ ابوالوليد
    بارك الله في مجهودك الطيب

    • يسبق الاحداث في تضليل السنة
      مصطفي حامد انت رافضي تحب المجوس

  4. الموت لكم سوف ندمركم يا مجوس قريبا سوف تتوحد الامة السنية وتسقط الانظمة العميلة و ناتيكم الى عقر دياركم و لا ناصر لكم

  5. لعنة الله على كل كافر رافضي نجس خبيث فهم أعداء الاسلام والمسلمين

  6. اللهم أهلك الرافضة المجوس و أتباعهم البلهاء كلاب إيران ومن والاهم ولا تبق منهم أحدا..

  7. مولانا أمير المؤمنين أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي حفظه الله علي راسكم يا رافضة
    قبحكم الله واخزاكم يا اذناب ايران

    • يا ابو مولانا ما ضربتم طهران الا بعد موافقة اميركم سلمان .

  8. أبي الغالي أبو الوليد أبدأ معك نقاشي من ماذكرت في مقالك ( إذن هناك إتفاق عملى على مبدأ إختيار الأمة لقائد لها تتوفر فيه شرائط وضعها العلماء . ولكن لا توجد وصية بحق شخص ظاهر نعرفه .) نعم هناك إتفاق للأمة على قائد تتوافر فيه شروط القيادة… لكن أية شروط؟ وأي قائد؟؟ إن القيادة المطلوبة اليوم لن تكون محصورة بشخص واحد كما كانت فيما مضى فقد كان (الخليفة)مصدر في كل اﻷمور السياسية والعسكرية والدينية….الخ.
    هذا في عهد النبي والصحابة.. لكن في الفترات اللاحقة صرنا نرى أن الخليفة اقتصر على الشؤون السياسية والعسكرية وتصدر العلماء للشؤون الدينية…
    أما في عصرنا اقتصرت (الخلافة) على الشؤون السياسية وتصدر لكل شأن رجالاته إلا الشؤون الدينية تصدر لها آراذل القوم ممن ارتضوا من رجال السياسة والعسكر.. فشردت اﻷمة وضاعت اﻷجيال …
    فأين ذلك الشخص الذي سيكون مقبولا من( السنة) والشيعة وبينهما ماتعلم..
    هذا فضلا عن ان يكون مقبولا لدى السنة أنفسهم.. وإلى ان تتوافق ( اﻷمة) على هذا اﻹمام ماذا ستفعل الشعوب؟ وماذا سيحدث للجهاد؟
    ) فى ظل الصراع السياسى ترعرعت الفتنة المذهبية وتأصلت فى تراث فقهى وقصصى ،( هذا كلام جد خطير
    في نظري؛فوصفك هذا يدل على أن الصراع بين السنة والشيعة أسسه سياسية أكثر منها دينية والواقع عكس ذلك تماما وإن كنا في فترة من الفترات تعايشنا مع الشيعة فلبعدنا عن الدين. وانظر في كتب الفقه والحديث عن رأي العلماء في الشيعة.لم أرى عالما قد احسن بهم القول
    من عدمه)لا أريد ان ادخل في باب تكفيرهم
    وأما بالنسبة لكلامك عن الفاطميين واتساعهم وتمددهم
    هل كانوا حقا أمراء وخلفاء وتعايش الناس معهم وانتشر الدين وكثر العلماء وفتحوا البلاد؟ أم أنهم تسلطوا على رقاب الناس وحكموا بالسيف وبالقهر والظلم؟هذا سؤال برسم الإجابة عليه…
    أما بالنسبة ل حالة عدم التمذهب فإني أوافقك الرأي تماما بل ربما هذا هو السبب لم يدع مجالا لنا لنلاحظ (عداء) السلفية للمذاهبية… والسبب في أنه لم يخطر ببالي إلا مذهب الشيعة فهو شيء طبيعي ( فعدائنا معهم وإختلافنا في كثير من اﻷشياء معهم…الخ)
    يخطر ببالي ان أسألك عن اتهامك للحركات الجهادية بالحركات الوهابية؟
    لماذا تستخدم هذا المصطلح؟
    وانت ترى ان الوهابية سبب الدمار في سوريا والعراق هل نسيت أنها الحرب… وكأنك لم تقضي أكثر من عشرين عاما في افغانستان…
    وشكرا لك ولعلنا نكمل هذا الشجون
    اﻷبوي..من عدمه(

    • مشرف الموقع والله زنديق !. لماذا شوهت صورة الخليفة يا خبيث
      يا ابوالوليد عن اي توحيد تتحدث انت؟!!!
      الزمن اختلف و بن لادن استشهد و وجه الحقيقي للرافضة ظهرت بعد احتلال افغانستان و العراق بمساعدة خاتمي المجوسي!
      الا تري ماذا فعل رافضة العراق باهل السنة ؟ الا تري ان الرافضة وصلوا الي الحكم علي يد الصليبيين؟
      ان كنا نحن داعشيون لاننا نذبح الرافضة و نعدم الجاسوسي و نحرق من حرق اهل السنة ! ماذا عن داعشية الحشد الشعبي الشيعي الرافضي الايراني بحق اهل السنة ؟
      بالله عليك ابحث علي اليوتيوب و شاهد ماذا يحدث لنا من جرائم بشعة و ظلم .

    • حرب سوريا حرب بلا هدف واضح و صراع مناصب بين الجهاديين
      ابرز النماذج تقارن باهداف جبهة النصرة اول ما مسكت السلاح حتي ان اصبحت قوة لا يستهان بها الي ان فكت ارتباطها بالقاعدة الخ….

  9. مع تن يوجد اختلافات وتعدد الاتجاهات، ماشاءالله أسـلوب الحوار الـراقي.
    بارك الله فيكم و جزاك الله خير شيخ ابوالوليد علي مجهودك الطيب
    انتظر المزيد

  10. داعش و غير داعش …
    كافة الجماعات التي ظهرت على ساحة الاقتتال الدولي نبعت من اصل قد يقترب بعضهم منهم لصحة الوسيلة ولكن الغايات كانت مسمومه ، فكلهم نطقوا باسم الله تعالى واشاعوا انهم جاؤوا لنصرة عباد الله تعالى ولكن في نهاية المطاف وجدنا ان القاتل يقول الله اكبر و المقتول يقول الله اكبر ، وكل منهم ادعى انه على صواب .
    فالجماعات المسلحة والتي لم ترتقِ بعد لتكون جماعات جهاديه ارادت تحقيق مصالح تنافست عليها كافة الجماعات المسلحه فوجدوا انفسهم يتناحرون على الدنيا تاركين الدين الذي استتروا به وراء ظهورهم .

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here