1

داعش .. وحديث آخر ذو شجون

داعش .. وحديث آخر ذو شجون

سوال محمد العبدالله 2017-08-15 :

ألا تلاحظ يا أبا الوليد ان الكل يطعن ب (داعش) ؟ إننا نحن معشر الشباب قد ضعنا ولم نعد نعرف من هو على حق ومن هو على باطل .. وإني آخذ جميع آرائك على محمل الجد وتقع في نفسي موقع مؤثرا .. فهل داعش حقا عدو وليست خصما ام انها عدو وخصم في آن واحد.. ولماذا هي عدو أصلا ؟إن مايحدث معها شأنه شان كل الجماعات الاسلامية الحديثة التي ينطبق عليها ( بغال التحميل ) إننا مبتلون بالحكام الفاسدين وبأنظمة مخابرات من أعلى المستويات ولكن على شعوبها الذين يعانون من غربة في الدين ؟ فلماذا تلوم داعش وتضع عليها كل الحق فما هي إلا نتاج من نتائج الحركات السابقة
وشكرا …

 

إجابات مصطفي حامد ابوالوليد المصري:

داعش .. وحديث آخر ذو شجون

الأخ / محمد العبد لله .

الكل يطعن فى داعش لأن داعش أضر بالجميع . ولم يكن داعش حلا لأى مشكلة إدعى أنه جاء لحلها. والعكس هو الصحيح ، لقد ضاعف المشاكل وفاقمها . وأخطر ما فعله كان نقل إتجاه الصراع من مقاومة الغزو الصليبى اليهودى إلى حرب إستئصالية بين المسلمين أنفسهم . وجعل من إتباع المذاهب الاسلامية المختلفة هدفا للإبادة على أسس عقائدية ، وقاوم التعايش المبنى على أساس تعدد المذاهب ، الأمر الذى قبلته الأمة فى جميع فترات تاريخها تقريبا .

ــ صراع دموى من هذا النوع أتاح الفرصة للغزو الصليبى الجديد لأن يتمدد ويستحكم ، بل ويقدم نفسه كحليف لمقاومة الخطر الجديد (داعش ، أو الإرهاب الاسلامى ) . فتحول الغزاة إلى حلفاء . وحتى إسرائيل وجدت لنفسها مجالا قياديا ليس بين العرب فقط بل بين المسلمين (من أهل السنة والجماعة ) لمحاربة الشيعة وإيران ، وأيضا الإرهاب الداعشى (50 دولة إسلامية إجتمعت على ذلك البرنامج فى الرياض ، أمام البلورة السحرية ، وتحت راية الرئيس الأمريكى ترامب ، القائد الجديد للأمة الإسلامية!! ).

ــ وهكذا إختلطت جميع الأوراق وتاهت الأفكار ، وحدث ما تصفه فى رسالتك بقولك (نحن معشر الشباب قد ضعنا ، ولم نعد نعرف من هو على حق ومن هو على باطل). كلامك هذا صحيح وساعد عليه إختفاء العلماء ، وتحولهم إلى موظفين لدى الدولة ، والجامعات الدينية أصبحت فى قبضة جواسيس النظام . والعلم الدينى إختفى تقريبا مخلياً الساحة للوهابية لا شريك لها ، ولم يتبق لدى الناس سوى قشور من الدين ، وفقد المسجد تأثيره عليهم ، نتيجة لسقوط هيبة العلماء بل عدم وجودهم أصلا ، وانفتاح المجال أمام الإعلام السام والمحطات التلفزيونية المُدَمِرَة ، ومناهج التعليم الممسوخ ، و”الصفوة” من المفكرين السماسرة .

كل ذلك يخرب العقول ، ويأخذها فى مسارب الضياع والتيه ، ناهيك عن عجزها أمام معضلات الفكر والسياسة وأهوال الإقتصاد . فالعقول أصبحت مشوشة ومسطحة ، تضرب فى كل صوب على غير هدى ولا علم ولا كتاب منير .

ــ  هذا هو الضياع بعينه ـ والخروج منه ليس سهلا ـ كما أنه ليس بمجرد الحماس والسير فى أى طريق ، أو الإعتقاد بأن مجرد حمل السلاح خلف كل شخص مجهول الأصل هستيرى الصراخ يحل المشاكل ، مالم تتوفر شروط السير على الطريق الصحيح للحل ، وليس طريق الدمار من أجل الدمار أو القتل لمجرد القتل، ثم تسمية ذلك الخبال (جهادا فى سبيل الله)، فتلك “داعشية” إجرامية وليست جهادا . وذلك يعجل بسقوطنا ، ويساعد الأعداء علينا ، ويحقق لهم مآربهم ولكن بأيدينا نحن .

ــ لا أقول أن داعش هى المسئولة عن كل شئ . فنحن نسقط فى هاوية لا قاع لها منذ عدة عقود ، وداعش هى آخر الثمار المرة ، بل الأكثر مرارة حتى الآن ، إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولاً .

فالجماعات الإسلامية / كلها / ضاعفت الضياع بدلا من أن تحل المشكلة . وأكبر أسباب ضياعها كان بحثها عن القوة لنفسها ممثلة فى شيئين هما : المال والحكم .

فانحرف مسارها من هداية الناس وقيادتهم للخروج من الغمة ، إلى حيازة { المال والسلطة} ، بأى وسيلة وأى صفقة . فسيطر الممولون النفطيون على مسيرة الحركة الإسلامية ، فتحولت إلى حركة وهابية (وليست سنية على المذاهب الأربعة) ، وطبيعى أن تتحول فريضة الجهاد على أيديها إلى مجرد إرهاب داعشى .

ورأينا فى ” ثورات الربيع العربى” كيف أن الجماعات الإسلامية حركها المال الخليجى (قطرى ـ سعودى ، إماراتى). وكيف إندفعت الحركات الإسلامية نحو السلطة بكل جنون . وشكلت عشرات الأحزاب (الإسلامية) واندفعت إلى متاهات الإنتخابات والدساتير والبرلمانات، حيث المسارات الوهمية التى تمسك بخيوطها الأنظمة الحاكمة نفسها ، بأسوأ شرائحها العسكرية والإستخباراتية ، وبرجال الأعمال الذين هم مجرد سماسرة للرأسماليين اليهود فى إسرائيل تحديدا .

ــ الجماعات الاسلامية لم تعد قادرة على الخروج من هذا المأزق ، بل غاصت فيه أكثر بسبب الملاحقات الأمنية فى بلادها والمنطقة العربية عموما . فصارت أكثر خضوعا للممولين فى الخليج وتركيا . والمقاتلون فى جماعات الوهابية المسلحة ، مثل داعش وعشرات من أمثالها ، قد إنحشروا فى حصار مميت . فلا هم قادرون على الإنتصار ولا هم قادرون على العودة إلى نقطة الصفر لأن الدنيا قد تغيرت والحرب الدائرة قد غيرت الكثير من المعادلات .

لهذا فإن تحكم العدو فيهم أصبح أكثر سهولة . فنراه يحركهم فى أى إتجاه يريد ، وصوب المناطق التى يحتاج إلى خدماتهم فيها . ثم أنه فى حربه الصورية على الإرهاب يقتلع الزوائد البشرية الضارة من تلك الجماعات حسب وجهة نظره بالطبع ، معتمدا على أن منابع التجنيد تتولى تعويض الفاقد ، وهى موجودة دائما عبر منابر الوهابية ومؤسساتها الدعوية فى المنطقة العربية وعبرالعالم .

فأرسل العدو الدواعش حيث يريد لهم أن يكونوا، حتى وصلت شراذمهم إلى الفلبين ، وقبلها أفغانستان واليمن . وبالطبع هم موجودون بالمقدار المطلوب فى العراق والشام ومصر ودول المغرب “العربى” ، وفى غرب أفريقيا وشرقها . بإختصار يوجدون حيث توجد المشاريع العظمى للدول الإستعمارية والشركات الدولية متعددة الجنسيات .

ــ لا نلوم داعش .. بل نلوم أنفسنا .. فهم فى الأساس شباب مخلصون أرادوا الوصول إلى الحق فأخطأوا السبيل . بينما الأمة رأت الباطل فاستكانت له ، ثم هتفت وصفقت ، بل ورقصت له فى أحيان كثيرة .

وأنظمة الحكم عندنا .. هى الباطل عينه ، تدافع عنه وتفرضه بقوة السلاح .

ولا أظن أن ملامح طريق الخروج من تلك الغمة قد لاحت بشائرها بعد .

 

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

بقلم:

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

www.mafa.world