أبو عبيدة البنشيرى ..(مضى الذين شغاف القلب يعشقهم )

1

رسالة الاخ نظمى الي ابو الوليد المصري

2017/06/17 

السلام عليكم

حياكم الله واصلح بالكم

لو تكرمت بالقاء مزيد من الضوء على اسباب وخلفيات قرار البنشيرى  بعدم التعاون مع ابى عبد الله رحمهما الله وهجرته لافريقيا

وماذا كان لابى عبيده من اعتراضات على ادارة التنظيم؟

وهل حدثت مناقشات فى هذا الخصوص وماذا كان رد الشيخ اسامه وماذا كان راى الظواهرى وباقى اعضاء مجلس الشورى؟

نامل مزيد بيان حول هذا الموضوع وحول شخصية ابى عبيده بصفة عامه -اذ رغم انك ذكرته فى عدة مواضع من كتبك وخاصة فى البدايه وانه كان من تلاميذك هو وابو حفص رحمهما الله وانك كنت لهما اخا كبيرا ..وكان حديثك عنه رحمه الله يدل على حبك له واعجابك به حتى بعد ان فارقك الى الشيخ اسامه- ورغم ذلك لم تكتب عنه ما يكفى

ربما لان السياق فى موضوعات الكتب لايناسبه الاستطراد فى الحديث عن الشخصيات والترجمه لها

لكن ارجو ان تتفضل بالكتابه اكثر عن البنشيرى رحمه الله وليكن موضوع مفارقته للشيخ مناسبة لذلك

اذ هو يستحق

والاجيال من حقها المعرفه

وشخصكم الكريم خير من يكتب

واثقل من عليه امانة البيان

رمضان كريم

 

إجابة ابو الوليد المصري :

 

(مضى الذين شغاف القلب يعشقهم ).. مع الأبطال فى زمن البراءة :

 أبو عبيدة البنشيرى ..

كان أبوعبيدة رحمه الله يشغل فى وقت واحد منصب المسئول العسكرى فى كل من تنظيم الجهاد المصرى وتنظيم القاعدة . السبب كان أداؤه البطولى فى معركة جاجى عام 1987 ، وكان قائدا ميدانيا لها مع نائبه أبو حفص المصرى الذى أكمل قيادة المعركة بعد إصابة أبو عبيدة فى الكمين الشهير الذى نصبوه لقوة كوماندوز سوفيتية فوق جبل المأسدة فى جاجى .

ــ عمليا تخلى أبو عبيدة عن الأمور العسكرية فى القاعدة كى يديرها أبوحفص . وكانت القاعدة قائمة فعليا على الركائز الثلاث : أسامة بن لادن ، أبوعبيدة ، أبو حفص . حتى أننى كتبت يوما أنه أذا غاب الثلاثة فلن تظل القاعدة على حالها ، بل ستتحول إلى شئ آخر، وهذا ما حدث.

ــ بعد إنتقال القاعدة إلى السودان بدأ تنظيم الجهاد حملة واسعة من العمليات داخل مصر . وكان الإتفاق مع بن لادن يقضى بأن يمولهم حتى وصول الحملة إلى مبتغاها . وكانوا يظنون أن وصولهم إلى الحكم قريب . ولم يكن صعبا أن تكتشف السلطات المصرية أن بن لادن المقيم فى السودان هو ممول تلك العمليات ، فمارسوا ضغوطا شديدة على حكومة الخرطوم معززين بدعم سعودى وأمريكى وأوروبى ، لمنع بن لادن وقيادات الجهاد المصرى من العمل إنطلاقا من السودان .

لم تستمر طويلا ممانعة الحكومة السودانية للضغوط المتوجهة نحوها . وبن لادن بدورة لم يستطع مجابهة الضغوط السودانية ، إذ لم تكن أمامه أى خيارات أخرى . فأضطر لوقف التمويل عن تنظيم الجهاد بينما عملياته فى ذروتها ومجموعاته فى مصر تستغيث طالبة المدد.

أغضب ذلك قيادة تنظيم الجهاد، وكان الفشل معلقا فى رقبة أبو عبيدة بصفته ضامنا لعهود بن لادن ، فهو القائد العسكرى على الجانبين ، وموضع ثقتهما .

إنفصل تنظيم الجهاد عن تنظيم القاعدة ، وقياداته والكثير من كوادره تركوا السودان ناقمين . أبوعبيدة أيضا كان غاضبا، فترك بن لادن وذهب للإستقرار فى شرق أفريقيا .

ــ زرت السودان فى أواخر عام 1995. وحدث أن حضرت جلسة ليلية موسعة فى فناء بيت بن لادن ، حضرها عدد لا بأس به من قيادات القاعدة ، وعدد قليل من قيادات تنظيم الجهاد الذين لم يغادروا السودان .  كان أبو عبيدة وأبو حفص ضمن من حضروا الجلسة . ولم يسبق لى أن رأيت أبو عبيدة على تلك الحالة من الوجوم والإنقباض ، على عكس طبيعته المنطلقة والمرحة . بعد نهاية الجلسة غادرنا نحن الثلاثة ، وكنا نسكن فى بيوت متقاربة . وكان آخر ما قاله أبو عبيدة موجها كلامه إلى أبوحفص : ( إننى لن أعمل مع أبى عبدالله بعد الآن أبدا).  ألقى كلمته بالفصحى وكان جادا ومتجهما ، فزادتنى هيئته وحديثه حزنا وانقباضا ، وشعرت أن الأمور تدهورت كثيرا بين الإخوة المتحابين منذ أن كنا فى أفغانستان .

لم أقابل أبو عبيدة بعد ذلك الموقف أبدا ، فقد غادر الخرطوم فى الصباح الباكر، متوجها صوب مستقره الجديد فى أفريقيا . وكما فهمت منه قبل نهاية اللقاء المذكور فإنه كان يريد قرضا من أسامة بن لادن حتى يبدأ مشروعاً خاصا به فى مستقره الجديد . وكان قد أسس لنفسه أسرة جديدة هناك وتهيأ لإقامة دائمة . وآخر مشاريعه الكبرى التى أفصح عنها فى ذلك اللقاء أنه سوف يسعى للحصول على قدرة نووية ، معربا أنه بدون ذلك لن تكون المواجهة مع أمريكا ممكنة .

ــ بعد أيام قليلة سمعنا عن غرق سفينه ركاب فى بحيرة أفريقية . ثم علمنا أن أبوعبيده كان على متنها ، وأنه لم يتمكن من النجاة . فى ذلك الوقت كنا فى مدينة جلال آباد فى أفغانستان ، بعد أن رافقنا أسامة بن لادن فى عودته الثانية الى أفغانستان على متن طائرة سودانية خاصة ،  (طائرة الرئاسة السودانية) ، وكنا عددا محدودا جدا من العرب الذين رافقوه فى رحلته التى إنتهت إلى حرب 2001 ، التى مازالت مستمرة فى أفغانستان حتى الآن .

– أبوعبيده ـ رحمه الله ـ كان الشخصية الإنسانية الأغنى من بين من عرفتهم خلال (التجربة الأفغانية ) . إنه العملاق الطيب ، بطل المصارعة الحرة ومدربها . كانت الإعتبارات الإنسانية لديه مقدمة على الإعتبارات العملية والتنظيمية ، على عكس توأمه العملى أبوحفص المصرى الذى كان يحاول ترميم تلك الثغرة باستمرار، فقد كان الأكثر عنادا من بين كل من عرفتهم .

أبو عبيده المرح المغرم بالنكتة ، وديع مثل طفل صغير ، ذكى ولماح ولا يمكن خداعه ، يعتمد كثيرا على الحدس ، متعارضا أحيانا مع عقله الراجح .

–  على العكس من قولك ، لم يكن لى تلاميذ فلست مدرسا ولا مرشدا ، ولكننى دافعت عن بعض (العلمانية!!) التى لا بد منها فى العمل الجهادى . مثل الدراسة والبحث والتفكير ، والإطلاع على كل من يمكن الإطلاع عليه من أجل المعرفة التى تفيدنا فى التخطيط وتخفيف الإعتماد على الحدس والإرتجال . وذلك فى وسط جهادى عجيب الشأن ، ونمط من التفكير المتفشى الذى يقود إلى التهلكة . فى ذلك الوقت هناك من إعتبر أنه من الماسونية التقيد بقوانين تنظيمية بسيطة فى بيوت الضيافة فى بيشاور. وهناك من إعتبر التدريب فى المعسكرات ، بدعة شيطانية لم ترد فى قرآن ولا سنة . وهناك من إعترض غاضبا وبعنف على مبدأ التدريب قائلا بفصاحة: (إن أفغانستان سوف تحررها الأيدى المتوضئة وليس الأيدى المتدربة). فكان سؤالى العلمانى ضعيف الإيمان هو : وهل التدريب ينقض الوضوء؟؟.

ــ عام 1985 إنتشرت إشاعة فى بيشاور تقول أن هناك بيتا سريا فى إسلام آباد يديره صحفى مشبوه(العبدلله) يحتوى كتبا علمانية ضد الجهاد . كان يقيم فى ذلك البيت وقتها كل من أبو حفص المصرى وأبو جهاد المصرى (أبو الخير لاحقا) ، وكنت أسكن فى بيت قريب منهما . من ضمن من قدموا إلى البيت السرى للتفتيش ( بدعوة من ساكنى البيت طبعا) كان أبو عبيدة البنشيرى. ولم يكن قد ذهب إلى بنشير بعد ، فكان إسمه هو أبو عبيدة المصرى . طالع صفحات الكتب فى مكتبتنا العسكرية التى تحوى على مراجع بالعربية والإنجليزية ، فإعجبته كثيرا وكان بها من المبهورين ، وأكد على أن الشباب العرب لا بد أن يدرسوها . وهذا تقريبا ما فعله وقاله أبو الحارث الأردنى فى زيارة أخرى مفاجئة للمكتبة المريبة العلمانية المضادة للجهاد والإيمان .

ــ أصبح أبوعبيدة واحدا من مجموعتنا القريبة ، والمقتنعين بضرورة الإطلاع والتدريب المتقدم . بعد ذلك أدت مجهودات القاعدة وتنظيم الجهاد/ برعاية الثنائى أبو حفص وأبو عبيدة/ إلى إحراز التقدم الأكبر فى مجال التدريب خلال حرب أفغانستان .

كانت أجمل أيامنا فى الجهاد هى تلك التى سبقت وصول التنظيمات العربية ، خاصة المصرية ، والتى هبطت علينا فجأة لتجمع الشباب المصرى الذين خاضوا تجربة قتالية فى الجبهات ، تمهيدا ” لفتح مصر”. لم أكن سعيدا ولا متفائلا بتلك الظاهرة وتوجست منها شرا . وأطلقت على هؤلاء القادة الذين يسعون لتجنيد الشباب لقب (مقاولى الأنفار) أو (مقاولى دودة القطن). مع الوقت أصبح هؤلاء هم التيار الغالب على الساحة العربية فى بيشاور . لقد إنتهى بوصولهم زمن البراءة .

ــ بقيت بعيدا وقريبا ، فى علاقة صداقة وتناقض معهم . وفى نفس الوقت كنت فى حرب مع المنظمات الأفغانية الكبيرة فى بيشاور ، ولم يكن ذلك وضعا مريحا ولا آمنا ولا مثاليا .

 فى نهاية الأمر لم يتبق معى من العرب سوى عبد الرحمن المصرى ، ذلك الشاب الإسكندرانى ، حافظ القرآن ، والمفعم بروح الفتونة والتحدى . وكان ضمن ما جمعنا من صفات أن كلانا مقترف لجريمة عدم الإنتماء إلى السلفية ، وكلانا يحب مدينة الإسكندرية حبا جما ، ومتشربا لأجوائها الشعبية المرحة ، التى تتلبسنا فى أوقات الملمات المهلكة . من عاصرنا فى شئ من ذلك أو سمع عنه إعتبره (قلة إلتزام). وكيف يكون مجاهدا ملتزما من إذا سقطت إلى جواره قنبلة ثقيلة وهو على بعد أمتار من العدو ، فيصيح مناديا : ( حلاوة يا ابو إسماعين حلاوة)؟؟ . أو إذا نجح فى إغلاق مطار حربى بهجوم صاروخى ، فيعود إلى قاعدته منشدا ، من الليلة الكبيرة ، ( قبة سيدنا الولى دول نوروها .. ما احلى المطارات لما يقفلوها).

ــ حضر معنا أبو حفص شيئا من ذلك ، فكان يكتم ضحكاته بصعوبة ثم يستغفر الله ، ثم توعدنا ذات مرة بإحضار أحد السلفيين المشهورين من بيشاور حتى ” يعلمنا الأدب” . فدعونا الله أن تقبض عليه الشرطة وهو فى الطريق . وقد إستجاب الله دعوتنا فى اليوم التالى حرفيا ، فحمدنا الله كثيرا ، وندمنا على أننا لم ندعوه فى نفس الوقت أن يرزقنا بمليون جنيه !! .

ــ أبو عبيده مع سلفيته التامة ـ إلا أن ميوله المصرية للنكتة والسخرية كانت كثيرا ما تتغلب على تزمته ، خاصة عندما نكون معا .

كنا يوما نتأهب لعبور وشيك للحدود ، وقد إستكملنا الأسلحة والمهمات وسادت الجدية والعبوس وشئ من التوتر فى أجواء المجموعة العربية الصغيرة .

فبدأت مع أبوعبيده فى مشاكسة أفراد المجموعة ، وإلقاء التعليقات الساخرة مستفزين باقى المتوترين ، حتى أضطروا إلى المشاركة دفاعاً عن أنفسهم وهجوما علينا . فتغير المزاج العام وتعالت الضحكات . فوجه أبوعبيده كلامه لى قائلا بتواضع مصطنع : (( أنا وأنت أطيب إثنين فى المجموعة !!)) . ضحك الجميع لأن كلامه كان عكس الحقيقة .

كنا فى رمضان من عام 1406 هـ ، الموافق 1986 ميلادى .

وأذكر عبد الرحمن وهو يشدو لنفسه هامسا بصوته العذب ، ونحن وحيدان نتسلل فى المنطقة المحرمة بيننا وبين العدو، فيقول : ( مضى الذين شغاف القلب يعشقهم ) . فنظرت إليه وفى قلبى غصة ، قائلا فى نفسى : هل يأتى يوم ونفترق ؟؟ .. وكيف ستكون الحياة بعدها ؟؟ .

لقد مضوا جميعا .. وبقيت أنا كى أكتب عنهم !! ..

وكم كنت أتمنى أن يحدث العكس .

ورمضان كريم .

 

بقلم :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

1 تعليق

  1. شكر الله لكم الاهتمام والرد
    تخيلت نفسى مكانك بعد كل هذه الرحله مع هؤلاء السابقين وانهم رحلوا وانا اكتب عنهم
    فقلت اعانك الله

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here