شاهد على مآسى الشام

1

شاهد على مآسى الشام :

من أرض الشام نزف لك المآسي .

الأب الفاضل والشيخ المربي الأستاذ مصطفى حامد السلام عليكم ورحمة الله ..
لدي عدة اسئلة وتساؤلات ليتك تساعدني في الإجابة عنها ..
أنا اليوم في سوريا وكنت من أوائل الذين خرجوا بالثورة وتنقل بين فصائل عديدة واليوم أضعت الفصائل نظراً لفساد الفصائل العظيم ولا أعلم كيف أخدم الجهاد ولا الأمة فبماذا تشير علي ؟!
شيخنا الفاضل أرى منك حدة قوية على تنظيمات داعش وأخواتها فما السبب ؟
ما رأيكم بالتشكيل الجديد هيئة تحرير الشام وتخلي جبهة النصرة عن القاعدة ؟
شيخ إذا كنت أنكرت على الثورات فما الحل على التخلص من هذه الأنظمة الطاغوتية العميلة؟

::::::::::::::::::::::::::::::::::::

21/2/2017

رد مصطفى حامد على  :

شاهد على مآسى الشام

ما حدث فى سوريا أدمى قلوب المسلمين ، فهى حرب خسرها كل من شارك فيها . فالذين صمموا الحرب ورسموا اسراتيجيتها لم يكونوا هم من خاضوا غمارها وبذلوا فيها دماءهم . لذا تسببوا فى الكثير من الآلام والخسائر للشعب السورى . خسائر سوف تستمر لعشرات السنين ، وليس من المتوقع أن يتم تعويضها خلال الأجيال القليلة القادمة .

ــ لاشك أنك شاركت فى تجربة هامة جدا فى تاريخ المسلمين ، وقد إنتهت إلى ما تراه الآن. وليس هذا هو نهاية المطاف ، فالواقع يقول أن القادم أسوأ ، إلا أن يقدر الله لنا شيئا آخر ، ونصلح من أنفسنا ومن مسيرة جهادنا ، الذى وضح الخلل فى تركيبته الفكرية والحركية .

تسأل كيف تخدم الجهاد والأمة :

1ـ أنصحك / والله أعلم بالصواب/ أن تمسك ورقة وقلما وتكتب عن الأحداث التى رأيتها أو سمعت عنها ممن شاركوا فيها مباشرة .

2 ـ أن تجلس لتفكر مطولا وبعمق وتشارك أصحاب العقول ممن حولك ، فى البحث عن أسباب ما حدث وتحديد مواضع الخلل ، وتقدم مقترحات لصالح التجارب القادمة فى مسيرة الأمة . ثم تعرض هذا كله على الأمة ، لأن ذلك حقها عليكم . فالتسترعلى خطايا التنظيم هو خيانة للدين والأمة .

3 ـ تأمل بعمق فيما حدث فى المنطقة العربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة . وأقرأ عنه فى مصادر مختلفة ، سواء عند الأصدقاء أو عند الأعداء . وقارن ثم حدد لنفسك وجهة نظر مرنة قابلة للتعديل عند إكتشاف حقائق جديدة .

4 ـ هناك الكثير جدا من المعلومات التى ينبغى تحصيلها قبل دخول الحرب أو الثورة ــ ( هل يستوى الذين يعلمون والذين لايعلمون) ــ فالحرب تفكير وتدبير أكثر منها حماسة وإندفاعا .

والأهم هو تلك المعلومات المتعلقة مباشرة بموضوع الحرب ، فى جوانبها التاريخية والتقنية والسياسية والإقتصادية ، والموقف الدولى وتركيبة نظامه الفاعل ، لأنه موجود ومؤثر فى كل مشكلة تتعلق بشعوبنا ، صغيرة كانت أم كبيرة . والإنترنت أصبح مزدحم بالمعلومات الهامة ، حتى أن الصعوبة لم تعد فى الحصول على المعلومة بقدر ما تتعلق بفهمها وتحليلها .

لا أنكر فكرة الثورة الشعبية ، وربما هى الأنسب لمعظم بلادنا . وتكلفتها ليست قليلة ولكنها أقل كثيرا من تكلفة حروب العصابات ، وبالطبع ظروف كل بلد هى التى تملى الأسلوب الأمثل للتغيير . وللثورة قواعد وفنون ينبغى تحصيلها وفهمها بعمق ، ثم تعديلها وفقا لظروف البلد المعنى . فالنقل الحرفى للتجارب خطير جدا وغير ممكن ( وبالمثل نقل الفتاوى بلا علم أو تدبر) . والتنظيم الذى يعمل للثورة له مميزات وأيدلوجيةخاصة ، وتجهيز خاص للكوادر ، تختلف عن تلك المطلوبة لتنظيمات حرب العصابات . فليس أى تنظيم موجود على الساحة يصلح لخوض تجارب المواجهة والتغيير ، سواء كانت حربا أو ثورة . وذلك أحد مقاتل الحركة الإسلامية التى تستخدم نفس التنظيم فى جميع المجالات ، من دعوة إلى ثورة إلى حرب عصابات ، ولهذا تفشل فيها جميعا . فعلى سبيل المثال ليس هناك سيارة واحدة تصلح للسباق والحمل الثقيل معا ، وعلى مختلف الطرق فى المدينة والصحراء .

ــ السياسة تأتى فى المقدمة عند كل ثورة أو حرب ، وأثناءها وبعدها . ولابد أن تكون حاضرة فى جميع القرارات وحتى عند وضع الفتاوى . فالسياسة هى فن التعامل مع الواقع ، والفقه هو فن تطبيق الأحكام الشرعية على الواقع . فالواقع هو الأساس وليست التصورات النظرية التى ينبغى لها أن تنطلق قدما ولكن بعد إستيعاب الحاضر بعمق .

ــ الثورة ليست خفة يد وإستغلال إنتهازى لغضب الجماهير وتأزمها . فالتنظيم الذى يمهد للثورة (لسنوات طويلة وخطيرة) هو نفسة الذى يجب عليه قيادتها عند إندلاعها ، وهو الذى يتولى زمام الحكم بعد نجاحها . تلك قاعدة لم تطبق عند إندلاع (الربيع العربى) الذى كان مجرد  إنفجارات عفوية  بسبب القهر والمعاناة . ولم يكن هناك التنظيم الثورى المفترض ، لذا حفلت ميادين الغضب بمئات الإنتهازيين ، ولكن لم يوجد قائد واحد .

ــ التمويل يلعب دورا حاسما فى الحروب والثورات ، وحتى فى تحديد الأيدلوجيات ورسم السياسات . وتلك نقطة خطيرة تغيب عن أنظار المتحمسين الذين يقعون فى مصيدة الحرب بالوكالة ، والمسلمون هم أكثر من يقع فى تلك المصيدة ، نظرا لحماستهم الزائدة وقلة معرفتهم بأمور السياسية .

ــ الحرب عمل حاسم ومؤلم وتأثيراته ـ سلبا أو إيجابا ـ تستمر زمنا طويلا . لذا يجب عدم التعامل معها بخفة . كما أنها ليست نزهة ولا هواية ، ويجب عدم إتخاذها حرفة ، فهى عمل تطوعى إعتقادى رفيع المستوى ( الجهاد ذروة سنام الإسلام ) ، فيجب مراجعة النوايا الشخصية بكل دقة ، وطول الوقت .

أتكلم بحدة عن السلفية عندما تمسك السلاح . فسرعان ما تتحول إلى قتال من حولها من المسلمين تاركة الأعداء الأصليين . كما أن السلفية لا تمتلك مرجعية ثابتة ومحددة ، فيكون المجال منفتحا على أى إجتهاد ، فيكثر المفتيين ، حتى يصبح كل فرد مفتيا ومرجعية وزعيما أو قائدا لتنظيم إذا توفر لدية من يمول طموحة . كل تلك الإنحرافات تحدث بإسم الشريعة وإتباع السلف الصالح ، فيكثر الصراخ ويقل التفكير ، وإذا توافر السلاح فسريعا ما يستخدم كوسيلة للحوار، فتراق الدماء المسلمة تحت مظلة  التكفير .

ــ كما أن تنظيمات السلفية عموما / والمسلحة خصوصا / وقعت تحت سطوة التمويل السعودى والقطرى ، التى هى مستعمرات نفط أمريكية متحالفة مع إسرائيل ، ومنخرطة منذ سنوات فى برنامج لإبادة الشعب المصرى لصالح إسرائيل عن طريق منع ماء النيل عن مصر ببناء سد النهضة فى أثيوبيا . وسابقا تآمروا مع اليهود على الشعب الفلسطينى . ومؤخرا تآمروا على جميع محاولات الثورة (الربيع العربى) وتسببوا فى إفشالها جميعا ، وفى حرف مسارها إلى طريق الإنتحار الذاتى الجماعى .

ــ حركات السلفية الجهادية أصبحت خارج سيطرة قياداتها ، ناهيك عن المشاركين فيها . والقيادة الحقيقية هى بيد الممولين النفطيين وسادتهم الكبار . كما أن  الدول التى تقدم التسهيلات تمارس قدرا من الضغط يتناسب مع أهمية ما تقدمه . ونشير هنا إلى أن أى خلاف جدى بين الدول الممولة للفصائل “الجهادية” يتحول فورا إلى قتال بين تلك الفصائل . ولنفس السبب تتشقق التنظيمات وتتكاثر. والدولة الواحدة غالبا ما تفضل تمويل عدة تنظيمات حتى يسهل عليها السيطرة بالضغط على كل تنظيم بإستخدام التنظبم الآخر .

لا فائدة من تحالف التظيمات فى سوريا ، أو ظهور تكتلات جديدة ، للأسباب السابقة ، ولأن نتيجة المعركة أصبحت واضحة منذ زمن ، وأن القرار الأخير سوف تتخذه الجهات الخارجية والممولة عنما تتفق مع بعضها .

إختصارا : إنها بالكامل حربا بالوكالة ، والطرف المقاتل دوره الوحيد هو بذل الدماء ، ومع نهاية الحرب عليه إنتظار العقوبة والمطاردة وتشويه السمعة . أى تكرار ما حدث معنا فى أفغانستان . وسوف يظل هذا الأمر يتكرر إلى ما لا نهاية ، فهناك طلبات متزايدة لخدمات التيار الجهادى السلفى فى أماكن أخرى ، بإسم الإسلام ولكن لخدمة أعدائه .

ــ وما لم نعالج جذور المشكلة سيظل الجهاد المنحرف / تحت راية مزيفة تدعى السلفية/ سيفا مسلطا على رقاب الأمة وليس منقذا لها .

ــ  فالجهاد ليس مجرد فتوى ثم حماس هستيرى ثم الشهادة أو النكسة . فلا أمل فى نصر مع إنحرافات خطيرة بهذا القدر . وبعد إنكشاف الحقائق بهذا الوضوح القاطع ، تصبح الثورة من أجل إصلاح مسيرة الجهاد / كعبادة جماعية مفروضة على كل مسلم / تصبح أهم الثورات وذروة سنام العبادات .

ــ ولنتذكر دوما أن الفشل هو أعظم مدارس النجاح ، إذا تأملنا فيه بعمق واستفدنا من دروسه وتحملنا مسئوليتنا بشجاعة ، وكانت الأخوة فى الإسلام لدينا أهم من الأخوة فى الجماعة أو التنظيم .

حفظكم الله ورعاكم ونفع بكم .

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

1 تعليق

  1. السلام عليكم ورحمة الله
    كلام مفيد معى نصائح ذهبية
    بارك الله فيك شيخ ابوالوليد

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here