كلام ذو شجون ، مع الوزير الخراسانى :(4 من 4 ) مقتطفات من كتاب أفغانستان فى اليوم التالى

0

نستكمل حديثنا عن تعامل حركة طالبان مع من حولها من الدول . وذلك ينطبق أيضا على تعامل الأقليات الإسلامية فى آسيا مع الدول التى تعيش فيها ، بعيدا عن إستحداث حروب غير متكافئة لا تخدم المسلمين بقدر ما تخدم أعداءهم ، وتحقق مآرب أمريكا والغرب فى تفكيك المنطقة وإشعالها بالحروب تمهيدا لإبتلاعها بكافة مكوناتها العرقية والدينية بما فيهم المسلمين .

من المفروض أن هذه هى الحلقة الرابعة والأخيرة فى الحوار مع الأخ وزير الخراسانى ، وأرجو أن أتابع فى نفس الخط حول موضوع تعامل المسلمين فى آسيا مع دول المنطقة ، ونسوق مثالا عمليا على ذلك النهج من العمل الإقتصادى / السياسي / الإستراتيجى من خلال مشروع ميناء تشبهار فى إيران ومشاريع شبكة الطرق الحديدية المرتبطة به عبر قارة آسيا .

إستكمالا لما سبق من حوار ، وأيضا كمقدمة لما سيأتى بيانه من نموذج مشاريع ربط آسيا بحريا وبريا بمشاريع إستراتيجية مثل مشروع ميناء تشبهار الذى أشرنا إليه والذى يعتبر مقدمة لإنقلاب جيوسياسى فى القارة الأسيوية ، ولعلاقات المسلمين الداخلية فيما بينهم ، وعلاقاتهم بقوى آسيا الكبرى ، نعيد نشر ثلاث فقرات من كتاب ” أفغانستان فى صباح اليوم التالى الصادر فى عام 2014 ، والمنشور على هذا الموقع . هذه الفقرات هى :

1 ـ أفغانستان وأوراسيا ، وبرنامج الفتنة العظمى .

أفغانستان وجيرانها الستة ، تاريخ قديم وعداوات جديدة .

3ـ الأقليات المسلمة فى آسيا .

 

 

1 ــ  أفغانستان وأوراسيا ، فى برنامج الفتنة العظمى :

لأفغانستان أهمية كبرى فى برنامج الفتنه العظمى الذى تسعى إلى ترويجه الولايات المتحدة وإسرائيل . ولكل منهما حساباته الخاصة . تلك الفتنة لن تهدد أفغانستان فقط ، بل تهدد بشكل أكبر جميع الدول المحيطة بها. فتلك المنطقة زاخرة بالقوميات المجزأة بحدود سياسية . وجميع تلك الدول تعانى شكلاً من أشكال المعارضات الداخلية ، على أساس دينى أو عرقى ، وتقع أفغانستان فى مركز ذلك التعقيد البشرى . لأجل ذلك ينتاب دول المنطقة قلقاً ـ ربما كان مبرراً ـ من إتجاهات الحكم القادم إلى أفغانستان بعد تحريرها من إحتلال أمريكا وحلف الناتو.

تستهدف أمريكا من إشعال الفتنة الكبرى فى تلك المنطقة إستزاف ، أو حتى على المدى الطويل إستبدال ، عدد من أنظمة الدول الهامة . مستخدمين سلاح الفتن الداخلية خاصة “الورقة الإسلامية” ضد كل من الصين وروسيا ، وإستخدام الورقة الطائفية والعرقية ضد كل من إيران وأفغانستان نفسها. وترى مدارس إستراتيجية معتبرة فى الغرب أن السيطرة على العالم تستلزم السيطرة على / أو إحتلال/ منطقة “أوراسيا” الممتدة من حدود أوروبا الغربية إلى شواطئ بحر الصين . وذلك يفسر تماما ما يحدث فى تلك المنطقة من أحداث فى أوكرانيا وجورجيا والقوقاز والجمهوريات الإسلامية وأفغانستان ومنطقة سينكيانج الإسلامية فى الصين . فمعظم الإضطرابات والحروب والثورات فى تلك المنطقة تحت أيادى مهندسى الفتنة فى دول الغرب ، تندرج تحت تلك الإستراتيجية الإستعمارية ، التى عبرعنها بشكل كامل البلاغة والوضوح “زبجنيو بريجينسكى” مستشار الأمن القومى السابق فى الإدارة الأمريكية .

– ترغب أمريكا ودول الخليج فى إستخدام أفغانستان كركيزة لحرب عصابات “سنية” ضد إيران “الشيعية” ، بهدف إسقاط نظامها أو إضعافه بشدة بحيث يمكن إسقاطه بضربة يسيرة فى متناول أمريكا أو إسرائيل أو كلاهما. تلك الحرب الطائفية سوف تنهى إيران وأفغانستان معا ، فيخرجان تماما من خريطة العالم السياسية ونظامه الدولى القادم ، وكلاهما مرشح لدور كبير جدا فى ذلك النظام ، خاصة إذا ساد بينهما نوع من التفاهم والتناغم الإستراتيجى لخلق كتلة إسلامية حضارية ومتعاونة فى أسيا الوسطى وجنوب القارة خاصة فى باكستان والهند وبنجلادش ، وشرقها خاصة فى الصين . تتمنى الولايات المتحدة وعملاؤها الإقليميين إلهاء الشعب الأفغانى عن بناء دولة إسلامية حديثة وقوية بحرب إقليمية مع إيران ، فى مقابل مليارات تتدفق من أموال النفط العربى ، وملايين من أطنان الأسلحة الأمريكية ، وآلاف من المتطوعين العرب وغير العرب ، على نمط ما يحدث الآن فى سوريا وحدث سابقا فى أفغانستان وقت الغزو السوفيتى . حين أثبت الشباب المسلم جدارتهم فى تقويض الإمبراطوريات التى تنافس الولايات المتحدة على زعامة العالم ، بدون أن يعنى ذلك إطلاقا أى فائدة للمسلمين ، بل العكس هو الصحيح.

تلك الدول فى محيط أفغانستان هى محاور هامة فى نظام دولى قادم ستحتل الصين صدارته الإقتصادية . والصراع بين الهند وباكستان يشهد إستخداماً متبادلاً لأوراق الفتن الداخلية . فالهند تستخدم ضد باكستان ورقة القوميات وباكستان تستخدم ضد الهند “الورقة الإسلامية” وكلاهما – أى الهند وباكستان – ينظران إلى أفغانستان كساحة للصراع الإستراتيجى بينهما . فباكستان تريدها حديقة خلفية وعمقاً يعوض ضيق أراضيها مقابل الهند الشاسعة ، بينما الهند ترى فى أفغانستان المواليه لها قفلا يحصر باكستان ، مثل حبة جوز ، بين فكى كماشة .

ولكن أفغانستان القادمة فى صباح اليوم التالى بعد التحرير، ليس من مصلحتها حدوث أياً من الفتن كلها، لا العرقى منها ولا المذهبى ولا فتنة التزاحم الإستراتيجى بين أفيال أسيا .

وأعداء أفغانسان سوف يبذلون جهدهم لتفتيت قوة أفغانستان بتفتيت قوة شعبها وإشعال الفتن المذهبية والعرقية. وأمريكا سعت فى الماضى وسوف تسعى لاحقاً لإنشاء حلف كراهية من دول الجوار الأفغانى من أجل حصار أفغانستان وإحراقها بنيران الفتن ، وجعلها مجرد منطقة نفوذ لدول الجوار وفوقهم القوى الدولية الظالمة.

 

 

2 ــ  أفغانستان وجيرانها الستة ، تاريخ قديم وعداوات جديدة .

جميع جيران أفغانستان هم من المسلمين: باكستان ، إيران ، طاجكستان، أوزبكستان، تركمانستان – وحتى الجزء المجاور لها من أراضى الصين تسكنه قومية الإيجور المسلمين الذين كانت بلادهم تعرف بإسم تركستان الشرقية قبل أن تبتلعها الصين . النظرة العاجلة تقول أن تلك الحقيقة لم تفد كثيراً فى إرساء علاقات صحيحة بين شعوب المنطقة ، والسبب المباشر هو ثقل التدخلات الخارجية حيث تعرضت كل تلك الشعوب إلى محنة الإحتلال بدرجة أو بأخرى ، ومازالت المنطقة كلها أبعد ما تكون عن الإستقرار . كما أن العالم كله يعيش حالة قلق وتحولات ضخمة تجرى على كافة الأصعدة .

وهناك دور كبير قادم لأفغانستان للبحث عن صيغة تعايش مشترك بين البشر فوق هذا الكوكب الذى أنهكته حضارة الغرب الجشعة ، والتى أفرطت فى إستهلاك موارد الأرض ، فدمرت البيئة وغيرت المناخ وسممت الحياة والعلاقات البشرية كلها . وهنا بالتحديد دور الإسلام الذى لم يتصدر أحد كى يحمل رسالته كما ينبغى لها أن تكون . رسالة دين جاء رحمة للعاملين ، للإنسانية كلها، فضاع على أيدى من فهموا أنه إنتحار جماعى وعداوات وكراهية ودمار ووحشية وسؤ خلق .

ــ الكتلة الإسلامية العظيمة المنتشرة فوق تلك المساحة الجغرافية الشاسعة من آسيا ، يمكن أن يكون لها دور كبير فى قيادة البشرية على الطريق الصحيح ليس فقط بالإقناع النظرى ، بل الأهم هو التطبيق العملى الصحيح الذى لا يمكن إنكاره.

فمجال النظريات متخم بالكلمات المنمقة والرنانة ، بينما التطبيق العملى مازال مقفراً بل ومنفراً فى الكثير من جوانبه. لهذا فإن علاج مشكلات أفغانستان مع دائرة الجيران يجب أن تتحلى بالحكمة والصبر والنفس الطويل والرغبه الصادقة من الوصول إلى حلول لصالح شعوب المنطقة والدور العظيم الذى ينتظر الإسلام فيها ، وقد أصبحت المنطقة فى دورة الزمان الجديدة فى مركز العالم ونبض حركته لزمان طويل قادم .

فيجب ألا يغيب الإسلام عن ساحة وسط آسيا تحت أى سبب ، من أطماع سياسة ضيقة ، وحماقة قيادات مضت ، وظروف كانت قهرية وانقضى زمانها . ويجب أن تقاوم مخطط أعداء البشرية وأعداء الإسلام فى إغراق المسلمين فى صراعات حدودية دامية ، وجنون طائفى بغيض ، ونعرات عرقية جاهلية. ومن أجل ذلك فإن الوضوح والمصارحة ضروريان للغاية.

 

 

 

3 ــ الأقليات المسلمة فى آسيا :

ليس من مصلحة أفغانسان أن تكون فى محور ضد أى دولة . فمشاكل كل دولة هى شأن داخلى يتكفل بحلها الشعب ونظامه الحاكم . وحسب الخبرة الأفغانية والدولية فإن أى تدخل فى الشأن الداخلى لدولة أخرى يعقد المشاكل ويخلق أزمات جديدة وينتقل بالأوضاع الداخلية من أزمة صغرى إلى أزمة أكبر. ويسرى ذلك على أزمات المسلمين فى البلاد التى يعيشون فيها كأقليات ، فعليهم حل مشاكلهم بأنفسهم فى إطار مجتمعاتهم بدون الإعتماد على أى عون خارجى يجعلهم مجرد أدوات فى صراع دولى لا يبالى بهم بل يستخدمهم لخدمة مصالح الآخرين . وهذا يحدث مع مسلمى الهند وكشمير فى حال إعتمادهم على باكستان .

ـ  لا يعنى ذلك تخلى المسلمين عن قضاياهم ولكن عليهم النضال لأجلها فى ظروفها الواقعية وليس الإفتراضية . فاللجوء إلى السلاح يعقد مشاكل الأقليات كثيرا ولا يحلها . وعندها يكون العمل الجهادى عبارة عن )عملية إستشهادية كبرى) للأقلية المسلمة .

فمثلاً لا يمكن لمسلمى الإيجور أن يشنوا حرباً ضد الصين ، ومسلمى الشيشان حرباً على روسيا ومسلمى كشمير حرباً ضد الهند ، لأنها حروب ضد قوى هائلة بينما المسلمون أضعف عدداً وعدة ، وليس وراءهم أى قوة إسناد إسلامية يمكن الإطمئنان إليها أو الإعتماد عليها، سوى دول إسلامية ضعيفة تمدهم بإسناد متهافت يضر أكثر مما ينفع . فكل إسناد الأمة الإسلامية لأى “جهاد” لا يتعدى الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والعديد من الإستشهاديين الذىن إن أعجزهم الوصول إلى العدو فجروا أنفسهم فى إخوانهم المسلمين من أصحاب الأرض . كما حدث فى العراق وسوريا .

إن الوضع المذرى للدول الإسلامية وضعفها وتبعيتها للمستعمرين ، وإستبداد أنظمتها وفسادها ، يجعل موقف الأقليات المسلمة فى أرجاء العالم ضعيفا ، ويجعلهم عرضة لتجاوزات تبدأ بالإحتقار وقد تصل إلى القتل على الهوية كما حدث كثيراً فى الصين والهند وبورما فى أسيا ، إلى بورندى وأفريقيا الوسطى ودول أفريقية أخرى . إن الجسد الإسلامى ضعيف ومتآكل ، وتلك حقيقة يجب أن تستوعبها الأقليات المسلمة ، فحصول الأقليات على حقوقها ينبغى أن يتم داخل الأطر المحلية المتاحة والكفاح المدنى العام من أجل الحريات والحقوق . فليحاول المسلمون إصلاح أحوال دولهم بديلا عن الزج بالأقليات المسلمة فى حروب غير متكاقئة تؤدى إلى دمارهم وفقدان القليل الذى يمتلكونه . إن محترفى الحروب بالوكالة ، ومقاولى “الجهاد العالمى ” إنما يقدمون خدماتهم المدفوعة أو المجانية لشياطين لعبة الأمم وعلى رأسهم الولايات المتحدة وأدواتها الإقليمية النفطية. وعليهم إدراك خطورة ما يفعلونة ، فالتجارة بالدماء هى أخطر أنواع التجارة لأنها ترتد إلى صدور أصحابها ، أوعلى شكل طلقات رحمة بعد إنجاز المهمة . يحدث ذلك على الدوام منذ الحرب على السوفييت مرورا بالشيشان والبوسنة والعراق وسوريا ..إلخ .

هناك حلولاً أخرى لإدخال تحسينات جزئية ، والإعتصام بالصبر إلى أن يتحسن وضع الأقليات المسلمة فى تلك الدول ، ويتحسن وضع المسلمين فى دولهم بحيث يمكنهم ممارسة ضغوط  لصالح الأقليات المسلمة وحماية حقوقها.

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here