كلام ذو شجون مع الوزير الخراسانى : الشعوب لا تختار جيرانها .. (2 من 4 )

1

الوزير الخراسانى .. السلام عليكم ورحمة الله

تعميم الأحكام ليس صحيحا . فالحكم يجب أن يقيد بظروفه وأشخاصه .

وذلك فى وصفك لحركة طالبان بأنهم كذا او كذا . ربما فى خبرتك الشخصية ، فى موقف أو أكثر ، صادفت من تصرف معك أو مع جماعتك بشكل سلبى ، فلا يعنى ذلك أن الجميع هم على نفس الشاكلة . وفى وقت الجهاد ضد السوفييت صادفنا الكثير من السلبيات مع الإخوه الأفغان ولكن مع الصبر وجدنا  أيضا من الأشخاص والمجموعات من يعجز الوصف عن إدراك حسن شمائلهم ، حتى ظنناهم من الملائكة . وقد تواجد هذا وذاك على مقربة من بعضهم البعض .

بعض العرب ممن أطلقوا الأحكام وعمموها ، تركوا ساحة الجهاد يائسين ، فضاع منهم خير عظيم .

تقول فى معرض إنتقاداتك لحركة طالبان أنهم يريدون إقامة علاقات حسنة مع الكفار والمرتدين والمشركين والروافض . وبصرف النظر إن كانت تلك الصفات صحيحة أم لا ،  فلا أدرى ما هو الضير فى إقامة علاقات حسنة مع الجوار على قواعد : لا ضرر ولا ضرار ، وتبادل المصالح ، والمعاملة بالتى هى أحسن .

ليس هذا فقط ، بل يمكن التعاون معهم فى مجالات شتى تحقق المنافع للجميع ، أو تدفع عنهم الشرور والأخطار ، سواء الطبيعية أو عدوان قوى أجنبية .

والأمثلة على ذلك ليست مقصورة فقط على تاريخ المسلمين من أوله إلى آخرة ، بل ثابت أيضا فى السنة النبوية الشريفة . حتى مجتمع المدينة حول رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه ، كان مجتمعا مختلطا أشد الإختلاط . ما بين المسلمين الصادقين ، والمنافقين ، والكفار واليهود ، وضعاف الإيمان الذين يعبدون الله على حرف . كان هناك عقد جامع يضم هؤلاء جميعا ضمن مجتمع المدينة الذى يحكمه رسول الإسلام . كما تحالف عليه الصلاة والسلام مع قبائل من المشركين حول مكة ، وعندما إعتدت عليهم قريش وحلفاؤها ، غزا رسول الله مكة وفتحها .

إذن كافة أنواع التعامل مع كافة أنواع البشر جائزة فى حالة السلم . أما حالة الحرب فلها أحكام أخرى وهى حالة عابرة ، يعقبها سلام وتعاون مع الجميع لصالح الجميع .

ولقد هاجر المسلمون الأوائل إلى حبشة مع عائلاتهم فرارا من قريش وأذاها . ولم يكن النجاشى ملك الحبشة مسلما ، ولكنه إهتدى على يد المهاجرين المسلمين ، ورفض إعادتهم إلى قريش عندما أرسلت وفدا لإستعادتهم .

ويصعب إحصاء الأمثلة عن التفاعل السلمى والتعاون مع غير المسلمين ، سواء داخل المجتمع المسلم أو إلى جواره . فأى مجتمع أو دولة لا يمكن أن تختار جيرانها ، وهى مرغمة على التعامل معهم ، بما هم عليه ، وبما يحقق مصالح مواطنيها وسلامة كيانها وحدودها مع تجنب الحروب ما أمكن ، والتعامل بالحسنى مع الجميع . فمعظم المسلمين الآن دخلت شعوبهم إلى الإسلام بالدعوة السلمية والقدوة الحسنة ، من خلال تعاملهم المباشر مع المسلمين .

والحروب والغزوات فى تاريخ المسلمين كان أكثرها ـ وليس كلها ـ نوعا من الحرب الوقائية ضد خطر داهم يتجمع على الحدود ، أو جيوش إعتدت على أطراف البلاد أو غدرت بالمسلمين العابرين المسالمين .

فلا يمكن لشعب أو دولة أن تختار جيرانها ، أو أن تحدد لهم عقائدهم وسلوكياتهم ، سوى بالدعوة والكلمة الطيبة والقدوة الحسنة وبالمثال الصالح فى الحكم ، وإقامة العدل بين الرعية والمساواه بينهم ، والتسامح مع المختلفين مع ديانة الدولة ومعتقداتها ، سواء كانوا من الرعية أو من الجيران القريبين أو البعدين .

فالغزوات الإسلامية التى تمت كانت لقهر جيوش الإمبراطوريات الظالمة وإزالتها من على كاهل الشعوب المستضعفة المغلوبة على أمرها . والعديد من تلك الشعوب قدمت معونات حاسمة لجيوش الفتح الاسلامى ، لذلك تمكنت من الإنتصار بعدد قليل من الجنود .

حدث ذلك فى فتح مصر كما فى فتح أسبانيا مثلا .

والفتح عملية مختلفة تماما عن دخول تلك الشعوب إلى الإسلام . فالكثير منهم تأخر إسلامه ، ربما لعدة قرون ، حتى تم لهم الإقتناع بالدين الجديد من واقع الإحتكاك مع المسلمين فى مجالات التعامل السلمى الكثيرة .

ـ فى عصرنا الراهن تعقدت الحياة البشرية عموما ، وكذلك العلاقات بين الدول . والأمة الإسلامية الآن فى أدنى المستويات من حيث المكانة ، وقد تسلطت عليها دول أقوى وأكثر مهارة وخبرة وتماسكا وثروة وعلما . ولا يمكن ردم تلك الهوة بالأحزمة الناسفة أو عمليات العنف الأخرى ، فهم أقدر منا بكثير فى كافة مجالات العنف ، فما العمل؟؟ .  هناك أجوبة وهناك حلول ، وليس هنا محل الخوض فيها ولكن الأهم ، هو كيف يدير المسلمون شئون علاقاتهم بالآخرين فى ظل الإختلال الرهيب فى موازين القوى ؟؟ .

ـ الحل عند الوهابية القتالية كان بسيطا وهو قتل إخوتهم المسلمين تحت دعاوى عقائدية ـ ثم التعاون مع أعداء الأمة تحت نفس الذرائع . والضرب فى البلاد الغربية ضد الأبرياء والمدنيين ليأتى المردود عكسيا تماما وفى غير صالح المسلمين ولصالح الأنظمة الغربية التى يعانى منها المسلمون كما يعانى منها معظم الغربيين ، وكل المستضعفين فى الأرض .

ـ نحن مشرذمون فى كيانات وطنية ضعيفة وتابعة للغرب ومتناحرة فيما بينها . والعمل التنظيمى الإسلامى تحت المستوى بكثير ، وغالبا ما يكون جزءا من الأزمة التى نحياها وليس حلا لها .

ورأينا فى السنوات الأخيرة أن القطاع الوهابى فى الحركة الجهادية كان هو الأزمة ذاتها أو محركها الأساسى .

 

بقلم  :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

نسخة PDFنسخة للطباعة

1 تعليق

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here