حوار معتدل مع مسيحى سورى مغترب ( 2 من 2 )

4

 ــ الخلافات بين الأحزاب الجهادية . { الجهاد فى عصر العولمة } .

  ــ القاعدة فى عهد الظواهرى .

 ــ مرة أخرى :  العلاقة بين طالبان والقاعدة .

 ــ هل قطعت علاقتك مع حركة طالبان . وكيف هربت من الأمن  المصرى؟؟.

السؤال الثانى :

هل الجماعات الجهادية والتكفيرية الحالية فى سوريا تشبه التى كانت فى بيشاور وأفغانستان ؟؟ وما سبب تعدد الأحزاب الإسلامية الجهادية فى أغلب الجبهات المشتعلة خاصة فى سوريا !! يذكرنى بكتابك عن كثرة الأحزاب السياسية المسلحة والجهادية المتنازعة بعد سقوط السوفييت؟؟.

 

التواجد العربى فى قضية أفغانستان بدأ يكون ملموساً إلى حد ما منذ عام 1984 . وأول بوادر التكفير التى سمعت عنها بين العرب كان بعد ذلك بعامين . ولكن نجاح التكفيريين كان محدودا جدا رغم توافر التمويل الخليجى ـ السبب هو أن ساحة العرب فى بيشاور ـ وهى محطة التجمع ومنطلق عمليات الإمداد إلى داخل أفغانستان ـ كانت تقريبا تحت سيطرة الشيخ عبد الله عزام . وهو سلفى معتدل وإخوانى سابق وفلسطينى الأصل ، كان قد  تدرب مع منظمة فتح فى الاردن ومكث معهم لفترة . كان جسده موزعا بين باكستان وأفغانستان ولكن روحه كانت معلقة فى فلسطين .

ظهرت فى بيشاور موجة تكفير ضد المجاهدين الأفغان (!!) ثم ضد الشعب الأفغانى نفسه متهمين عقائدة بالإنحراف (!!) ثم أضيف إلى لائحة التكفير حكام العرب جميعا بما فيهم حكام السعودية، ثم فى نقلة متأخرة قليلا وصلت موجة الكفير إلى جميع قادة الأحزاب الجهادية الأفغانية ( فيما عدا الزعيم السلفى جميل الرحمن ) . وفى النهاية وصلت موجة التكفير إلى الشيخ عبدالله عزام ثم أسامة بن لادن عندما شرع فى بناء تنظيم القاعدة فى أواخر عام 1987 .

وقف بن لادن ضد موجة التكفير إلى جانب عزام وزاد الضغط على التكفيريين بوقوف قيادات الجماعات المصرية (الجهاد والجماعة الإسلامية) ضد تيار التكفير الذى حاول فى نهاية المطاف تكفير المذهب الحنفى بأكمله ومعتقديه جميعا ، وهم معظم العالم الإسلامى بما فيهم الأفغان والباكستانيين .

ولكن بنهاية الحرب عام 1992 واختفاء جميع القيادات الكبيرة إما بالاغتيال ( مثل عبدالله عزام) أو بالرحيل إلى أماكن أخرى مثل السودان كما فعل بن لادن وجماعة الجهاد المصرية وآخرون.

من تبقى من تكفيريين فى بيشاور أعلنوا ” دولة الخلافة ” وعينوا خليفة ، وبدأ مسلسل الرعب التكفيرى المعتاد حتى لفظهم الجميع عربا وأفغانا ، حتى لم يتبق منهم أكثر من خمسة أفراد بما فيهم ” الخليفة ” الذى عاد سالما إلى قواعده فى لندن كمواطن بريطانى بدون أى مشاكل هناك .

ــ منذ عام 1992 وحتى ظهور حركة طالبان عام 1994 تولى أحد المعسكرات العربية فى أفغانستان تدريب الحركات الوهابية المتطرفة فى كل من الجزائر والصين ، وبعض البلدان الأخرى . ولكن حركة طالبان أغلقت ذلك المعسكر عام 1996 .

ــ التكفريين من دول الخليج وصلوا الى أفغانستان عام 1999 فى محاولة لإقناع بن لادن وحركة طالبان بقتال الشيعة الأفغان بصفتهم كفارا . لكن عرضهم قوبل بالرفض لعدم موافقة أصحاب القرارعلى ذلك التصنيف للشيعة . فرجعوا أدراجهم تاركين خلفهم مجموعة كتب تحريضية ضد الشيعة ، لم يظهر لها أثر بعد ذلك حسب مشاهداتى .

 

تعددت الأحزاب الأفغانية الجهادية فى بيشاور رغم أن مذهبهم الدينى واحد . وأول إنقسام بينهم ظهر على أنه إنشقاق بين العلماء التقليديين من جهة ، وبين التيار الإخوانى الذى كان يوصف عادة بأنه معسكر المتشددين . وفى الحقيقة أنه كان أكثر فسادا وتورطا فى القتال الداخلى فيما بينهم داخل الجبهات فى أفغانستان .

ــ وظهر أن السبب الرئيسى للقتال هو التدفق الغزير للمعونات الخارجية من أموال وأسلحة . وقع الصراع لحيازة أكبر قدر ممكن من تلك المعونات ، ولبناء الزعامة الشخصية واحتلال مرتبة متقدمة فى نظر الدول الخارجية ذات الوزن ، وأيضا للفوز بمرتبة متقدمة عن الآخرين عندما يحين وقت تقاسم السلطة داخل أفغانستان فى نهاية الحرب .
ــ  وفى العادة ينعكس التنافس بين الجهات الخارجية الممولة على صورة إقتتال داخلى بين  أتباعهم من المجموعات المسلحة التى تتلقى المعونات . وكذلك عمليات التعاون أو عرقلة وتخريب العمليات بين المجموعات المسلحة كثيرا ما تمت بإرشادات الممولين فى الخارج عبر قيادات الأحزاب فى بيشاور. وهذه خاصية ليست محصورة فى أفغانستان ، بل تظهر فى أى بلد آخر تتعدد فيه المجموعات المسلحة ويكثر فيه التدخل الخارجى خاصة إذا وصل إلى درجة التدويل كما فى سوريا والعراق حاليا .

ــ  والشعارات الدينية المقدسه كثيرا ما يساء إستخدامها لخدمة أهداف لا يقرها دين . لذلك لا ينبغى إعطاء قداسه لأفعال من يرفعون تلك الشعارات ، بل يجب فحص أعمالهم بدقة قبل قبولها أو الإعتراض عليها . ولكن للأسف فإن ذلك لا يحدث بل تقاومه الأحزاب الجهادية خاصة والإسلامية عامة لحماية إنحرافات كبرى ، بعضها يرتقى إلى درجة الخيانة العظمى .

لذلك فإن المبالغة فى تقديس الزعامات الأحياء منهم والأموات ، والصراخ الهيستيرى بأعلى صوت والإرهاب الفكرى بالإتهامات والتشكيك والتشهير والسباب ، والإرعاب بمناظر الذبح والتفجير ، هى أنواع من الستائر الكثيفة لتغطية جرائم كبرى ، لا يرغب القائمون عليها فى أن تظهر إلى العلن لأن فى ذلك نهايتهم .

وللأسف فإن معظم الناس ينساقون مع الخداع طوعا أو رعبا . والكثير جدا من الأنظمة العربية أو حول العالم يتبعون نفس الأسلوب باعتباره أقصر طريق لتحقيق أطماعهم وإخضاع شعوبهم

ــ سبب ظهور حركة طالبان عام 1994 كان تفشى العصابات المسلحة تحت إسم المجاهدين ، فقطعوا الطرقات ونهبوا قوافل الشاحنات واعتدوا على سكان القرى ، واعتدى بعضهم على النساء فى طرق السفر العامة . وكانت كل عصابة ترفع راية أحد الأحزاب المشاركة فى حكومة كابول مرفقة بصورة (زعيم التنظيم ) بمظهره الإسلامى المهيب . لذلك واصل طالبان زحفهم يدعمهم المجاهدون السابقون حتى أسقطوا حكومة قطاع الطرق فى كابول فى أكتوبر 1996 .

فطبقوا أحكام الشريعة ـ أو قانون العقوبات الشرعية ـ بطريقة مخالفة تماما لما تفعله التنظيمات الوهابية حاليا ، لذا حصلوا على نتائج إيجابية ، إذ وثق فيهم الناس وأيدوهم ودافعوا عن نظام أمارتهم التى كان يمكن أن تستمر ، حيث كانت قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على كامل التراب الأفغانى ، لولا أن عاجلها السلفيون الجهاديون بالضربة القاضية بأحداث سبتمبر التى جلبت لأفغانستان إستعمارا أمريكيا أكثر وحشية وأكثر صعوبة من الإحتلال السوفيتى .

 

3 ـ السؤال الثالث :

لماذا إزدادت حدة التكفير والقتل فى المجموعات الجهادية ؟ .

4 ـ السؤال الرابع :

هل توافقنى الرأى على أن نسبة الإقتتال والنزاع بين المجوعات المسلحة الإسلامية الجهادية ، دائما ما تكون الأعلى نسبه فى ساحات القتال .. لماذا ؟؟ .

 

السلفية تمنع التقليد ، أى تمنع إتباع مذهب معين بصفة دائمة ، وتطالب كل فرد أن يبحث بنفسه عن دليل لكل مسألة فقهية تعترضه ، بدون التقيد بغير صحة الدليل الشرعى على الحكم الذى يتوصل إليه .

معنى ذلك أن كل شخص سلفى هو مفتى نفسه وفقيه نفسه ، بلا مرجعية ثابتة من أى عالم مختص أو مذهب معتمد . النتيجة هى قابلية المجموعات السلفية للإنقسام والخلاف والتشرزم . كما أضافت السلفية شروطا فضفاضة للإتهامات الكبرى بالشرك والكفر وفساد العقيدة ، حتى فى مسائل تعتبر خلافية عند باقى المذاهب . بهذا فتحت أبواب التكفير على مصراعيها أمام أتباع السلفية. فالتشرزم والتكفير هى أخطر نتائج السلفية ، خاصة إذا طبقت فى المجال الجهادى حيث السلاح فى الأيدى ويمكن حسم الخلاف بطلقة واحدة أو حزام ناسف أو سيارة مفخخة ، فينتهى المخالفون مرة واحدة وإلى الأبد .

وتحظر السلفية الإجتهاد ، وتتمسك بظاهر النص الشرعى بدون تأويل ، أى بدون البحث فى السياق الذى ورد فيه النص أو معانيه المجازية الشائعة فى اللغة .

ــ إ القواعد الفقهية التى يستند إليها السلفيون ـ خاصة الأشد تطرفا وجمودا وعنفا ــ مثل الوهابيون الذين هم أغلبية المجاهدين السلفين فى الوقت الراهن ــ تلك القواعد الفقهية لها أثرها المدمر على تلك المجموعات نفسها ، وعلى الوسط الإجتماعى الذى تتحرك فيه ، سواء فى المجالات السلمية أو العسكرية ، حيث الطامة الكبرى التى نشاهدها الآن فى العديد من الدول العربية خاصة العراق والشام .

المجموعات السلفية لديها قابلية الإنشقاق إلى مالا نهاية من الأجزاء ـ ويصاحب ذلك إتهامات متبادلة لا تقل عن الإتهام بالابتداع ( أى إدخال أشياء ليست من الدين ) وصولا إلى التكفير الذى صار إتهاما سهلا ومتداولا ، حتى فقد رهبته فى النفوس ، لولا تأكيد تلك الرهبة بأساليب عنيفة مثل القتل ، ضد المتهمين بالكفر حتى لو كانوا إخوة سابقين ، أو شركاء فى معركة واحدة.

أسباب أخرى للإقتتال :

شاهدنا فى أفغانستان إقتتالا داخليا بسبب ثارات قبلية قديمة ، أو تنافس شخصى على الزعامة وما تجلبه من مساعدات خارجية لم يكن يتصورها أحد .

ــ واشتهر الإقتتال بسبب تسرب جواسيس الحكومة إلى صفوف المجموعات المقاتلة ، أو شراء قادة المجموعات بالمال والسلاح ، ثم دفعهم لقتال المجموعات الأخرى غير المتعاونة مع الحكومة ، مع بقائهم تحت نفس راياتهم الجهادية القديمة . وعندما ينفضح أمرهم كانوا ينحازون علنا الى الحكومة الشيوعية ويعملون كميلشيات عندها .

ــ وأشهر قادة الميليشيات الشيوعية وأكثرهم وحشية فى أفغانستان ويدعى عبد الرشيد دوستم كان “مجاهدا ” فيما سبق ، ولكن العروض التى وصلته من السوفييت كانت أفضل ، فقد ساعدوه فى بناء ما يشبه الجيش الخاص .

ثم قاتل دوستم لصالح المحتلين الأمريكيين فوضعوه فى منصب رئيس أركان الجيش الحكومى الذى بناه الإحتلال . وما زال دوستم إلى جانب ” قادة مجاهدين” بارزين آخرين يعملون فى خدمة الإحتلال الأمريكى الجديد بأنفسهم وبرجالهم السابقين ـ وأشهر هؤلاء ” عبد الرسول سياف”  أمير الجهاد فى أفغانستان ـ حسب الاصطلاح الإخوانى ـ حيث كان سياف أميرا لمنظمات المجاهدين المتحدين (شكلا) فى بيشاور .

كما قلنا فإن قدسية الشعار لا تعطى القدسية لأعمال من يرفعوه ، فينبغى وضعهم تحت الملاحظة الدائمة والمحاسبة من جانب الشعب والأمة . ولكن ذلك لم يحدث أبدا . ولا يبدوا أنه سيحدث فى المستقبل القابل للتخيل .

الدين سلعة ، والجهاد حرفة :

تأثرت سلبا جميع نواحى الحياة عند المسلمين ، نتيجة الإحتلال الغربى المباشر لبلادهم فى مرحلة الإستعمار العسكرى . ثم تلتها مرحلة الهيمنة الإقتصادية والسيطرة على الشعوب والحكومات بواسطة الإقتصاد ، وذلك فى أعقاب الحرب العالمية الثانية . كانت سيطرة رافقها عنف شديد فى بعض بلدان العالم الثالث ، ولكن مع إنتهاء الحرب الباردة ـ نتيجة لهزيمة السوفييت فى أفغانستان عام  1989 دخل الغرب مرحلة الرأسمالية المنفلته ( أو المتوحشة ) وأسموا تلك المرحلة بالعولمة واكتسحوا بها دول العالم بالحيلة والخديعة حتى وقوع حادث الحادى عشر من سبتمبر2001 ، فأطلقوا العنان للجيوش الأمريكية خارج إطار القانون الدولى والمنظمات الدولية لتكتسح أفغانستان ثم العراق ، وهدد الرئيس جورج بوش الدول الإسلامية بحرب غير محدودة بالزمان أو المكان .

والشرق الأوسط أصبح ساحة لرسم خرائط جديدة وتقسيمات للدول وتغيير للأنظمة ، لفتح الأبواب كاملة ، وبلا شروط ،  لعملية العولمة ، أى للنهب الإقتصادى الوحشى من جانب الشركات العظمى العابرة للقارات ـ التى تتحول بالتدريج إلى الحاكم الفعلى للعالم .

ــ الإسلام كدين لم يكن بعيدا عن ذلك كله ، والعمل الجهادى ـ وهو جزء من الدين ـ تعرض لتغيير شبه جذرى على يد ” الوهابية القتالية ” . فالسلفية التى هى المنبع الطبيعى للوهابية صارت هى المذهب الغالب على سطح الحياة الإسلامية ـ رغم أنها الأقل أتباعا من بين جميع مذاهب المسلمين . والسبب يعود إلى مليارات النفط  العربى التى ظلت تمول النشاط السلفى أينما كان ، فاشترت معظم النشاط الإسلامى الدعوى والحزبى ، ثم مؤخرا العمل الجهادى منذ حرب أفغانستان الأولى وحتى تاريخه .

ــ الدعوة الإسلامية / فى أغلب حالاتها / لم تعد وظيفة الدعاة إلى الله على طريق الأنبياء، كما يحلوا للبعض أن يقول  ، بل صارت وظيفة لدى الدولة ـ المحلية أو النفطية ـ للحصول على أعلى عائد مالى يعين على العيش الكريم .. أو الكريم جدا .

والداعية الجيد صاحب الأسلوب الجميل والجاذبية الشخصية (الكاريزما)  يفوز بأفضل عروض العمل ، وينال الشهرة والنجومية والمال ، وربما حاز على لقب (إمام) الذى يمكن إكتسابه عبر وسائل صنع النجومية . هكذا هى سلعة الدين فى مجتمع رأسمالى أو تابع لذلك النظام .

ــ  من الطبيعى فى هذا المجتمع مع تحول الدعاة إلى مروجين لسلعة الدين ذات المواصفات المطلوبة للسوق الرأسمالى ( متطلبات الحاكم أو الممول الخليجى أوالبنك الإستثمارى أو شركة إحتكارية عظمى خاصة فى المجال النفطى ) أن يتحول الجهاد إلى سلعة غالية ومطلوبة للغاية ، لأن الدماء التى تبذل فيها تسبب نتائج مربحة ماليا سواء نجحت فى مهمتها أو فشلت ، لأن المطلوب الأول هو الدمار وما يترتب عليه من نتائج مربحة لأصحاب الثروات الخرافية .

ــ من المفروض أن الجهاد هو فريضة دفاع جماعى تؤديها الأمة لحماية نفسها ومصالحها. ولكنه الآن فى هذه اللحظة ــ تحول فى جزء كبير منه ــ إلى ما يشبه الشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات ، يموله أفراد أو دول أو حتى شركات كبرى ، غير ظاهرة ولكن يكشفها بالطبع إتجاه العمل الجهادى واستهدافاته ـ فلم تعد “الأمة ” تمول الجهاد كما كانت تفعل فى السابق ، بل لا تكاد تعرف عن الجماعات الجهادية شيئا سوى إشارات من الحملات الدعائية مع أو ضد تلك الجماعات .

ــ  التمويل تقوم به أيضا دول ذات مصلحة ومشاريع سياسية / إقتصادية/ . وهى دول النفط التى غالبا ما تقوم بدور (الصراف الآلى) للقوة الامريكية .

الحروب فى المنطقة العربية أخذت طابع الصراع المذهبى أو الطائفى أو الدينى كستار دخان على حقيقة صراع شركات العولمه حول خطوط نقل الطاقه أو الاستحواذ على حقول النفط وباقى المصادر الطبيعية النادرة التى يشتد الصراع حولها.

وجمهور المقاتلين الجهاديين لا يعى سوى أنها حرب ضد الشرك والكفر ، ولتحطيم الأصنام وتهديم الأضرحة ونبش القبور . مقاتل بهذا الفهم المسطح جدير برتبة  مجاهد فى عصر العولمة ، يقوم بدور “المدحلة” أو “كاسحة الألغام” فى طليعة غزوالشركات العظمى لبلاد المسلمين وغير المسلمين .

ـ وتحول معظم مجاهدى عصر العولمة إلى محترفين ، غير قادرين على العودة إلى الحياة الطبيعية بسبب ” يقظة الأمن” الغاشم للأنظمة العربية تحديدا ـ التى ترعى أمن الشركات العظمى والدول العظمى ـ فتبقى قطاعاً واسعاً من المهمشين كاحتياطى للتجنيد إما كمخبرين ، أو عساكر أمن مركزى ، أو كأدوات تعذيب بدائية ، أو مجاهدين معولمين يبحثون عن مقابر لنبشها ، ويحولون الدول إلى أنقاض ومقابر جماعية ، فى إنتظار وصول بنوك الإقراض الدولية وغيلان “إعادة الإعمار” ، وعمالقة ” الخصخصة ” الدولية لتستولى على أنقاض الدول ، وتمتص ثروات الأرض بعيدا عن شعوب مزقتها الحروب وحطمت إرادتها فى الحياة .

ــ حذرت منذ سنوات من ظاهرة خصخصة الجهاد . وأشرت إلى أسامة بن لادن ذلك الشاب المليونير الذى أنشأ تنظيما جهاديا صار هو الأشهر فى العالم فى وقت ما . وقلت بأن بن لادن رجل صالح ومخلص لكن ظاهرة “جهاد قطاع خاص ” تنذر بتكوين جماعات جهادية على أيدى جهات خبيثة تمتلك الأموال وتوجه طاقة الشباب المثالى التواق إلى التضحية والجهاد صوب الدمار . وأن أول من سيعانى من ذلك هم المسلمون أنفسهم . وأخشى أن تلك النبؤة المتشائمة قد تحققت بالفعل . فأصبح لدينا جماعات جهادية قطاع خاص واحترافية ، أقرب إلى نموذج “بلاك ووتر الأمريكية” التى خصخصت الحرب . فلحقنا بهم بل ربما سبقناهم بخطوة حين خصخصنا الجهاد ، الذى هو ذروة سنام الإسلام .

 

السؤال الخامس :

ماذا ترى فى القاعدة بعد تولى الظواهرى ما بناه بن لادن ؟ .

 

إنهارت القاعدة مرتين فى حياة بن لادن ـ المرة الأولى عندما ذهب الى السودان للإستقرار فيها واستثمار ما تبقى له من أموال هناك . فانفض عنه معظم أعضاء التنظيم وتفرقوا فى جهات مختلفة لمواصلة ” الجهاد ” أو لبداية حياة مدنية جديدة .

وبعد إعادة بن لادن إلى أفغانستان مرة أخرى عام 1996 بدأ من جديد مرحلة بنيان لتنظيم القاعدة فى عملية طويلة وصلت أوجها عام 2001 . ولكنها لم تصل أبدا إلى ذروتها التى وصلت إليها إبان حرب أفغانستان عندما بدأ تشكيل القاعدة فى نهاية 1987 .

وبسقوط حكم طالبان ووقوع البلد تحت الإحتلال الأمريكى إنتهت عمليا القاعدة الجديدة وما تبقى كان عملية تصفية بطيئة لما تبقى لها من قدرات وكوادر، حتى إنتهت بشكل كامل واقعيا مع إختفاء بن لادن ( قتلا أو إختطافا ) عام 2011

ويمكن القول أن ماورثه الظواهرى كان حطاما لا يصلح لفعل شئ ذى قيمة .هذا إضافة إلى أن القاعدة بشكل عام ، وتحت زعامة الظواهرى خاصة ، تفتقر إلى رؤية واضحة لدورها الحالى والمستقبلى . وبالتالى ظلت كما هى دوما ، تفتقر إلى استراتيجية .

ما تبقى أمام الظواهرى هو الجهد الإعلامى ، والمناورة مع الأفرع الخارجية لتبادل المصالح ، إسم القاعدة وشهرتها فى مقابل إعلان الولاء الشكلى لها .

 

السؤال السادس :

ما علاقة طالبان بالقاعدة ؟ وهل تجديد بيعة القاعدة مع كل أمير جديد لطالبان شكلية أم بيعة حقيقية ، أم مصلحة لضرب داعش ؟ .

ليس عندى معلومات حديثة حول تطورات تلك العلاقة . ما أراه هو مجاملات رسمية لا قيمة لها  فالقاعدة تشعر بالعزلة لذا تحاول الإستقواء ” بالإمارة الإسلامية ” فى مقابلة داعش التى أصبحت ذات شأن كبير من المنطقة العربية وحتى فى بعض الشئون العالمية .

حركة طالبان بدورها تستقوى بالقاعدة فى مواجهة داعش التى تطعن فى إسلام طالبان بل وشعب أفغانستان كله ، وتمارس خبراتها فى العراق فى تفجير المدنيين وأماكن الإزدحام والعبادة . تحالف المصلحة هذا يبدو باردا حتى الآن ، ومقصورا على المنشورات الدعائية .

بيعة القاعدة مع كل أمير جديد لطالبان أمر طبيعى نتيجة لعزلة القاعدة وإحساسها بالضعف وعدم الإرتباط بأى قضية إسلامية بشكل جدى كما تفعل داعش مثلا .

أما بيعة القاعدة ـ كما هى البيعة فى كل السلفيات الجهادية ـ هى بيعة شكلية ولا تصمد إذا تعارضت المصالح . وقد سبق وأن بايعوا الملا عمر ولكنهم لم يتقيدوا بشروطه ، ولم يحيطوه علما بعملية الحادى عشر من سبتمبر أو أى عملية أخرى قاموا بها .

ويبدو أن علاقات القاعدة مع طالبان لم تبتعد كثيرا عن مجال الشكليات الدعائية .

 

السؤال السابع :

بكل صراحة !! هل قطعت علاقتك بطالبان بعد سماعك خبر وفاة الملا عمر ؟

              

لم أقطع علاقتى مع حركة طالبان ، ولكننى توقفت عن الكتابة فى مجلة الصمود . والسبب هو أننى رأيت عدة إشكالات لم أجد لها إجابة . ولم أستطع أن أتفهم الحكمة من إخفاء خبر الوفاة طول هذه المدة ، والدفاع بإستماته لمدة طويلة فى تكذيب الخبر الذى توارد من جهات عديدة أتهمت جميعا بالكذب !! . وكانت مفاجأة أن علمت أن مجلس شورى الحركة موجود فى باكستان وأنه هو الجهة التى إختارت الأمير الجديد .

وأظن أن معظم مؤيدى “ طالبان أفغانستان” لا يعلمون من هم أعضاء الشورى ـ بعد أن استشهد الكثيرون واعتقل آخرون ـ فلماذا تم إنكار وجود مجلس شورى للحركة فى باكستان طوال السنوات الماضية؟ . وكم عددهم؟  ومن هم؟ ، وكيف يعيشون هناك كمجلس شورى ، رغم صعوبة ذلك على شخص واحد منفرد ؟ .

وفى النهاية بأتى السؤال الخطير : ماهو دور باكستان فى كل ذلك ؟ .

كما هى عادة الحركات والأحزاب الإسلامية جميعا ـ لا أحد يشرح ، ولا أحد يناقش . والأسرار الهامة لا يعلمها أحد سوى العدو !! . فما جدوى السرية إذن ؟ ، ولحماية الحقيقة من الوصول إلى من ؟. لهذا توقفت إلى أن أفهم شيئا .

 

8 ــ بصفتك مناضل له خبرة سياسية وعسكرية طويلة أريد أن أسألك من هو عدوك ؟؟.

 

لا يحتاج الأمر أى خبرة كى ندرك أن الظلم هو العدو الأول للإنسانية جميعا . أو على الأقل الأغلبية الكاسحة من البشر .

ومن الظلم تتفرع كافة الموبقات ، من فقر وجهل ومرض . ومع تقدم الحضارة يزداد الظلم ، وتوضع مزيد من القوة فى أيدى القلة التى تغتصب حقوق الأغلبية فى كل شئ .

وينتشر الظلم مثل الوباء ، فهو يأتى أولا من الأقوى ضد الأضعف ، ثم ينتقل بين الضعفاء أنفسهم فيتظالمون ، ثم تنتقل عدوى الظلم حتى تصل إلى داخل العائلة الواحدة .

ولكن أقسى صور الظلم هو إنقسام العالم حاليا إلى أقلية تمتلك معظم أسباب القوى المادية على ظهر الأرض ، وهى فى طريقها للإستئثار بكل شئ ، بينما أغلبية البشر لا يمتلكون إلا البؤس والحرمان والتهديد الدائم بفقدان حتى القليل الذى بين أيديهم .

والصراعات السياسية والعسكرية التى يشهدها العالم ،هى فى معظمها لا تؤدى إلى إنكماش مساحة الظلم ، بل تؤدى غالبا إلى إستبدال ظلم بظلم آخر ، وإلى تغيير فى وجوه الظالمين وربما فى بعض أساليب بطشهم . ويبقى كابوس الظلم جاثما فوق الصدور .

الجميع يسعون للوصول إلى السلطة لممارسة طريقتهم الخاصة فى الظلم ، حتى أصبح تطبيق العدل عملا إنتحاريا ، فالمطالبون بالعدل أكثرية مبعثرة ، والظالمون أقوياء متحدون وبأيديهم كل أسباب القوة ماعدا قوة واحدة هى قوة الحق . أطمع فى أن أكون واحدا ممن يعادون الباطل  ويطالبون بالعدل ، حتى لو بدا ذلك العدل وهما بعيد المنال .

 

السؤال التاسع :

هل لك أن تشرح لى قصة هروبك من القاهرة ، وكيف تمكنت من الفرار من قبضة الأمن الوطنى المصرى ؟ وهل تقيم الآن فى المكسيك أم فى جزر المالديف؟ .

 

إنها قصة مثيرة حقا ، لأنها مجرد كذبة صحفية أجهل دوافعها حتى الآن . لقد غادرت من مطار برج العرب فى الإسكندرية ، ومعى جواز سفر حقيقى صادر من مصلحة الجوازات فى الإسكندرية ، ومعى تأشيرة زيارة لدولة قطر ـ هى أيضا صحيحة وصادرة من السلطات القطرية ـ ثم أتممت إجراءات السفر فى مطار برج العرب وحصلت على تأشيرة مغادرة مثل جميع المسافرين وغادرت بدون أن يسألنى أحد عن أى شئ .

وهكذا سار الأمر فى مطار الدوحة . حيث قضيت عدة أيام هناك فى زيارة لحفيدتى بدون أى إزعاج من أى نوع . ثم غادرت إلى طهران ، حيث يقيم أولادى مع أسرهم ، لأبدأ رحلة علاج من مشاكل مزعجة فى القلب ، ومازلت تحت العلاج .

طبعا لم أذهب حتى الآن إلى المكسيك أو جزر المالديف ، التى أتمنى أن أتمتع برحلة سياحية على شواطئها الساحرة .

هل رأيت كم كانت مغامرة خطيرة ومثيرة !! .

بقلم :
مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

نسخة PDFنسخة للطباعة

4 تعليقات

  1. شيخنا ابو الوليد السلام عليكم
    حوار موفق و مفيد والله
    شيخ ابو الوليد اخويا في سوريا قال لي ان المجاهدين هناك عندهم مشاكل و اختلافات لا يعلم بها الا الله . و محدش عارف يعمل ايه بعد الخسائر الاخيره .
    للاسف مفيش حد لا من القيادات و لا من الناس المهاجرة عارفين ايه اللي حايحصل في الفتره دي . ممكن تفسرلنا الوضع الجاي مع مجيء ترامب؟!!. يعني القاعدة و فتح الشام و الدولة الاسلامية و عشرات المجموعات التانية ايه اللي حايحصلهم ؟ و هل المعركة منتهية لصالح بشار ؟
    بارك الله فيك شيخنا الكريم
    سعد

    • الاخ سعد المصري
      ما قاله أخوك صحيح ـ نسأل الله له السلامة ـ التفاصل هناك مرعبة ، وحتى الآن لا يظهر أى مخرج لمعظم الموجودين هناك ، إلا أن تسمح لهم تركيا بالإنسحاب إلى أراضيها لتوفر هدر الدماء . ويمكن إنقاذ كثيرين عبر صفقة بين الدول الرئيسية فى الصراع .
      عن نتيجة معركة سوريا فهى لم تكن لصالح المجموعات المسلحة التى زحفت على سوريا بدعم من أعداء سوريا والعرب والإسلام . ولن تكون نتيجة المعركة لصالح النظام الذى لايمكن أن يعود إلى ما كان عليه لأن سوريا لن تعود كما كانت . لقد خسر الجميع المعركة ، والشعب السورى هو الخاسر الأكبر وسوف يعانى لأجيال كثيرة قادمة .
      ـ أما ترامب فهو ” عدو نفسه ” وكاره لكل شئ سوى ذاته وأقرانه من أصحاب المليارات ومصالحهم فى الولايات المتحدة والعالم . أى ضد جميع الشعوب بما فيهم الشعب الأمريكى نفسه . والمظاهرات التى إستقبلت حكمه فى 70 بلدا تشير إلى معرفة الكثيرين بالشر القادم مع ترامب .
      ـ من قاتلوا فى سوريا والعراق مستقبلهم مظلم ، ولكن لن يتم القضاء عليهم تماما . فما زال لهم أدوار قادمة فى المنطقة والعالم . وقد شرحت ذلك فى حوار سابق . إنها تجربة العرب الأفغان وتنظيم القاعدة بعد إنتهاء حرب أفغانستان تتكرر فى جوهرها ، مع إختلافات تمليها الظروف الجديدة .
      فلا أحد يتعظ بما حدث ويحدث ، وكل جيل فخور بنفسه مكتفيا بذاته ، منقطع عن تاريخه وعمن حوله .
      فالقيادات الإسلامية إما أن تكون جاهلة أو عديمة الكفاءة ..أو عميلة . وهكذا تفقد الأمة زهرة شبابها جيلا بعد جيل . ولا حول ولا قوة إلا بالله .

  2. “الدين سلعة ، والجهاد حرفة ”
    إن كانت الوهابية والسلفية مصدر فشل الجهاد! اين نستطيع أن نجاهد يا شيخ ابو الوليد؟
    اترك السلاح و اجلس في البيت اتفرج على مشايخ الدعوة وموقفهم المخزي من الظلم ؟ ام اسمع تسجيلات حكيم الأمة ايمن الظواهري الفاشلة و ابكي علي الشيخ بن لادن رحمة الله ؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here