حوار معتدل مع مسيحى سورى مغترب (1من2)

2

ـ حوار معتدل مع مسيحى سورى مغترب ـ ( 1 من 2)
ــ  الفرق بين حربين : سوريا وأفغانستان .
ــ  روسيا وإيران وحزب الله لماذا هم فى سوريا ؟؟ .
ــ  الجهاد المعولم كيف تحول إلى جزء من إستعمار الشركات العظمى .

نص الرسالة:

أقتل أو تقتل أسئلة موجهة للمناضل ابو الوليد (مصطفي حامد) :
أستاذي الكريم ابو الوليد السلام عليكم
أتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية
لقد لفت انتباهي تاريخك النضالي و بدأت أتابع كل ما تكتب علي موقع مافا السياسي السابق. انا من المعجبين بحوارتك مع ليا فارال و شيعة أفغانستان.
أخوك الصغير سوري مسيحي معتدل أقيم في أروبا منذ طفولتي. أرى وطني سوريا غارقة في دماء الأبرياء حتي عنق الرئيس بشار و من يدعون حماية الشعب تحت شعارات طائفية سواء كانت اسلامية سنية / شيعية أو عرقية و أقلية.
الجميع يحمل السلاح و يقتلون بعضهم البعض في سبيل اللامعلوم (اقتل او تقتل) . كثرت الجماعات وانتشر التكفير و توسع دائرة انتشار الاسلحة و ازداد وباء الفتن. أين نحن و ماذا بعد؟!!
لي بعض الأسئلة أتمنى أن يتسع صدرك ووقتك لأجابة عنها  :
1-  ما الفرق بين الحرب السوفيتية في أفغانستان و الحرب الحالية في سوريا؟
2- هل الجماعات الجهادية و التكفيرية الحالية في سوريا تشبه التي كانت في بيشاور و أفغانستان ؟ و ما سبب تعدد الأحزاب الإسلامية الجهادية في أغلب الجبهات المشتعلة خاصة في سوريا !! يذكرني بكتاباتك عن كثرة الأحزاب السياسية المسلحة و الجهادية المتنازعة بعد سقوط السوفيت؟
3-  لماذا ازدادت حدة التكفير و القتل في المجموعات الجهادية ؟
4- هل توافقني الرأي ان نسبة الاقتتال و النزاع بين الجماعات المسلحة الاسلامية / الجهادية دائما ما يكون الأعلي نسبة في ساحات القتال.. لماذا؟
5- ماذا تري في القاعدة بعد تولي الظواهري ما بناه بن لادن ؟
6- ما علاقة طالبان بالقاعدة ؟ و هل تجديد بيعة القاعدة مع كل امير جديد لطالبان شكلية ام بيعة حقيقية ام مصلحة لضرب داعش؟
7-  بكل صراحة ! هل قطعت علاقتك بطالبان بعد سماعك خبر وفاة الملا عمر؟ .
8- بصفتك مناضل له خبره سياسية عسكرية طويلة أريد أن أسألك من هو عدوك ؟ .
9- بالمناسبة استاذي الكريم !. هل لك أن تشرح لي قصة هروبك من القاهرة و كيف تمكنت الفرار من قبضة الجهاز الامن الوطني المصري ؟ و هل تقيم الان في المكسيك ام جزر المالديف؟
لك مني خالص الود والتقدير والاحترام
مغترب عن الوطن

06/12/2016

******

الأخ المغترب منذ الصغر ، والذى كبر بعيدا عن وطن يصغر بإستمرار :

تحية لك فى الغربة التى جمعت ملايين العرب ، وخلقت بينهم نوعا من ” الأخوة ” النابعة من سراب إمكان العودة إلى الوطن مرة أخرى . حتى ولو بدا فى لحظة معينة أن ذلك الوطن يفتح ذراعيه لعودة ” أبنائه المغتربين” . ولكن من عاد منهم ، سريعا ما أكتشف أن ذلك الوطن تحول إلى وهم ، وأن ما ينتظره هناك هو غربة أبشع ، وشياطين أشد قسوة وأكثر ذكاءً . فيرجع مرة أخرى إلى ديار الهجرة ليعانى آلام الغربة ، ولكن مع مخاطر أقل من تلك التى فى الوطن .

الغربة لم تعد فقط خارج أوطاننا العربية ، بل وداخلها أيضا ، ولا ندرى كيف ساءت الأمور إلى هذا الحد ، ليست الأنظمة فقط هى الفاسدة إذن لهان الأمر ، لكن الناس أنفسهم فسدوا بنفس الدرجة ، حتى ليمكننا القول بأن ” أناسا على هذه الشاكلة يستحقون نظاما فاسدا وظالما إلى هذه الدرجة ” .

فى الخارج ملايين العرب الغرباء ، وفى الداخل عشرات الملايين منهم . ربما لو توحد هؤلاء الغرباء داخل الوطن وخارجه لاستطاعوا فعل الكثير . ولو تأملنا قليلا لوجدنا العالم كله يعانى من الغربة فى وجه مخاطر لا طاقة لأى فرد أن يتصدى لها ، أو حتى شعب واحد منفرد ، مخاطر فى أكل العيش وفى الحرية ، وفى الحقوق الأساسية للكائن البشرى .

لابد أن يتحد الغرباء من أجل تغيير العالم ــ ذلك حلم طوباوى ــ ولكن دعنا نقول ونحن فى حالة الحلم هذه : ياغرباء العالم إتحدوا .

 

لا أدرى كيف ستسير إجاباتى عن أسئلتك ، لكننى وجدت تسع أسئلة أزعم أن بإمكانى عبورها،

وهناك تساؤل واحد فى سياق رسالتك ، أشكرك أنك لم توجهه لى كسؤال ، لأننى كنت سأفشل حتما فى الإجابة عليه ، ذلك عندما قلت فى مقدمة أسئلتك :

” كثرت الجماعات وانتشر التكفير وتوسع إنتشار الأسلحة وزاد وباء الفتن ، أين نحن ؟؟ .. وماذا بعد ؟؟  ” ..

فمن يزعم أنه يمتلك الإجابة عن ذلك التساؤل الرهيب ؟؟ .

إذن أبدأ بالإجابة عن أسئلتك السهلة ، بالترتيب فيما يلى :

 

1ـ  ما الفرق بين الحرب السوفيتية فى أفغانستان والحرب الحالية فى سوريا ؟

بدأ الإضطراب فى أفغانستان بإنقلاب ” محمد داواد” رئيس الوزراء وابن عم الملك ورجل الدولة القوى ، فاستولى على الحكم بينما الملك ” ظاهر شاه ” فى رحلة خارجية .

داود كان قريبا جدا من المجموعات الشيوعية ، فأطلق يدهم فى أجهزة الدولة خاصة الأجهزة المسلحة من جيش وشرطة ومخابرات وجميعها مليئة بالكوادر الشيوعية الشابة المتطرفة . وأغرتهم قوتهم بالإنقلاب على دواد نفسه والإعلان عن نظام ماركسى صريح يقوده ضباط الجيش العقائديين ، الذين تولاهم الغرور ومارسوا البطش الدموى ضد الشعب كله مرة واحدة ، وفرضوا قوانين صدمت المجتمع الأفغانى المسلم المحافظ .

فبدأت المقاومة المسلحة بشعار “الجهاد الإسلامى” ضد “الإلحاد الشيوعى” . والهدف وقتها كان العودة إلى “نظام إسلامى” مشابه لنظام الملك ظاهر شاه . كانت تلك رؤية معظم رجال القبائل وقادتهم . ربما بعض علماء الدين كانوا يأملون فى تطبيق “شرائع الاسلام ” وهى فى الغالب قوانين العقوبات ( الحدود الشرعية ) ، لا أكثر .

فأخذوا يواجهون بقوة السلاح القوانين الماركسية التى فرضها نظام الإنقلاب ، خاصة فيما يتعلق بالمرأة وملكية الأرض ، ويتحدون الصلاحيات القمعية الواسعة التى أعطاها النظام لنفسه فى مجتمع قبلى حر يتنفس الحرية كما يتنفس الهواء { وهذا فارق جوهرى بين الأفغان والعرب خاصة شعوبنا الزراعية فى وديان الأنهار الخصبة ، الذين يشربون الإستبداد والظلم كما يشربون ماء الأنهار العذبة } . بعد عام ونصف تقريبا أوشك النظام على السقوط ، وبدأت الوحدات العسكرية تتمرد وتترك الخدمة ، والقليل من أفرادها إنضم إلى المجاهدين .

ــ فى 27 ديسمبر 1979 تدخل الاتحاد السوفيتى عسكريا واحتل البلد فى عملية عسكرية كبرى خاطفة وسيطر بسرعة على العاصمة وكل المدن الكبرى والمناطق الاستراتيجية . توقعت أمريكا والغرب أن مقاومة الأفغان سوف تنتهى فى مطلع ربيع 1980 ولكن النتائج جاءت بالعكس وصمد الأفغان بل وانتصروا فى مناطق عديدة مناسبة لحروب العصابات . وتطورت نظرة الأفغان إلى الحرب وأصبح هدفهم الأول هو طرد المحتلين السوفييت معتبرينهم الخطر الأساسى ثم التخلص من الشيوعيين المحليين الذين هم سبب الكارثة .

ــ ولكن قضية أفغانستان بدأت رحلة خطيرة نحو التدويل ، الذى يعنى فقدان الطرف المحلى (الأفغانى) مقدار كبير من السيطرة على مجريات الصراع فوق أرضه .

هذا هو ملخص قصة بدايات الجهاد على الجانب الأفغانى .

{سوف نقارن ذلك بالحالة السورية أنظر المقارنة رقم 1 }.

ــ بعد تدويل قضية الصراع فى أفغانستان تحولت إلى أهم قضايا الحرب الباردة بين الكتلتيين (الشرقيه والغربية) ، ونظر الطرفان إلى أفغانستان كميدان للحرب بالوكالة لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية فى ذلك الإقليم الحساس من آسيا والعالم ، بدون أدنى إعتبار لشعب أفغانستان ومطالبة أومستقبله . {سوف نقارن ذلك بالحالة السورية أنظر المقارنة رقم 2 } .

ـــ  من الطبيعى أن يتأثير الوضع الجهادى سلبا بحالة التدويل، فظهرت حالات الإرتزاق بشكل متزايد داخل أفغانستان . أما الأحزاب “الجهادية ” فى بيشاور الباكستانية حيث مقرات القيادات الأفغانية فالجميع بلا إستثناء إنخرطوا وظيفيا فى خدمة الرؤية الأمريكية ، ولكن عبر باكستان بالدرجة الأولى ثم السعودية بالدرجة الثانية .

ــ ثم دخل المتطوعون العرب بعد سنوات قليلة / حوالى عام 1984 / فأضافوا إلى المشكلة أبعادا جديدة . وبعد عام 2002 وطرد القاعدة من أفغانستان مالبث أن صارت “السلفية الجهادية” أو بمعنى أدق ” الوهابية القتالية” عنصرا أساسيا على الساحة الدولية فى مجال التوكيلات الحربية عبر طرف خليجى (السعودية أو قطر، فى تنافس مرير بينهما على قيادة ذلك التيار).

حاليا / بعلم أو بدون علم لا فرق/ يلعب تيار الوهابية القتالية دور كاسحة الألغام أمام تقدم الرأسمالية المتوحشة للسيطرة على ثروات ( وكبح حريات) شعوب العرب والمسلمين ، بل والعالم أجمع بما فيه الشعوب الغربية نفسها ـ وذلك حديث مشوق وطويل ليس هنا مجاله الآن .

ـ أهم  ركيزة للمعسكر الأمريكى فى وقت الحرب السوفيتية على أفغانستان كانت هى باكستان ، التى عملت كقاعدة خلفية وأرض صديقة للمجاهدين . و الملعب الآمن للأجهزة الأمريكية المعنية بتلك الحرب . وهو نفس الدور الذى التى ما زالت باكستان تلعبه حتى الآن فى خدمة الإحتلال الأمريكى لأفغانستان وضد المجاهدين الأفغان هذه المرة .

ويمكن ملاحظة ذلك التشابه الكبير بين الدور الباكستانى فى أفغانستان ودور تركيا فى سوريا حاليا ـ وكذلك التشابه الكبير بين دور السعودية وقطر وباقى دول الخليج فى المرحلة السوفيتية بدورهم الآن فى دعم “المجاهدين !!! ” السوريين والأجانب . مع ملاحظة التغير فى الموازين داخل المعسكر الخليجى نفسه ، بصعود نجم قطر ( بقيادتها الشابة ) فى مقابل دور السعودية بقيادتها منتهية الصلاحية ، الشبيهة بالقيادة السوفيتيه من كبار السن وقت الحرب الأفغانية الأولى ، وهى القيادة التى ساهمت بشكل كبير فى سقوط الإتحاد السوفيتى ” .

( مقارنة 1 ) :

دوافع الجهاد فى أفغانستان ضد النظام الشيوعى المحلى أولا ثم ضد الإحتلال السوفيتى تختلف جذريا عن دوافع الشعب السورى فى ثورته ضد نظام الأسد . بدأ تحرك الشعب السورى متماشيا مع موجة “الربيع !!” العربى . وهى موجة عربية ليبرالية رفعت شعار الديموقراطية فى الأساس ، ولم يكن لها أى برنامج آخر (إسلامى مثلا) . سوى شعارات مجهولة المصدر ظهرت فى المظاهرات المصرية تنادى ( بالخبز والحرية والعدالة الإجتماعية ) بدون معرفة الجهة السياسية التى تتبنى تلك المطالب. ولكنها مطالب إقتصادية / إجتماعية إستفزت الإخوان المسلمين والقوى السلفية الأخرى ، ويبدو أنهم إعتبروها شعارات يسارية أوعلمانية ، فتحدوها برفع شعار الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة ، فى محاولة للقفز على ظهر ثورة لم يخططوا لها ولم يعملوا لأجلها بل ترددوا فى الإنضمام إلى صفوفها حتى ظهر تصدع النظام ، ثم أرادوا تحميلها ببرنامجهم الخاص الذى لم يتحول يوما إلى مطلب شعبى . ثم أسرع التيار الإسلامى بقيادة الإخوان المسلمين بالتفاهم مع الجيش من وراء ظهر ثوار التحرير، الذين سرعان ما لحقوا بقافلة التفاهمات السرية والعلنية مع المجلس العسكرى الحاكم  فبدأت مسيرة الفشل المتصاعد منذ اليوم الأول لإستقالة حسنى مبارك . ثم إستضاف الجيش الإخوان المسلمين لحكم مصرحكما صوريا لمدة عام ، إلى أن أعاد ترتيب صفوف الأجهزة المسلحة ثم عاد إلى الحكم بشكل مباشر عنيف وإنقلابى المظهر والجوهر ، مقتلعا الإخوان المسلمين بكل قسوة . ثم واصل مسيرة بدأها السادات ومن بعده حسنى مبارك لبيع مصر  للشركات متعددة الجنسيات ، العاملة وفق الرؤية الأيدلوجية لمدرسة شيكاغو فى الإقتصاد الوحشى المنفلت ، المعادى لحرية الشعوب وحقها فى ثروات بلادها .  عاد الجيش هذه المرة ليتابع برنامج بيع مصر للإحتكارات الدولية بسرعة وثقة ، مؤيدا بالمال النفطى والضمانات الإسرائيلية.

ــ فى سوريا بدأت شعارات الثورة ليبرالية وديموقراطية ، حول موضوع الحريات الشخصية . ولكن تمت عسكرة الإنتفاضة السورية بشكل مفتعل وسريع ، والتيارت الوهابية المسلحة ، القادمة فى معظمها من خارج سوريا ، قفزت بشعار طائفى عنيف واستئصالى ، أكثر مما يحتمله حتى الوضع الطائفى المتوتر تاريخيا فى بلاد الشام كلها، بل والعراق أيضا . يعنى ذلك تحميل الشعب بتبعات حرب طائفية لم يتجهز لها ولم يطالب بها، بل ويخشى من تبعاتها أى شعب على سطح الأرض . ولم تنبت تلك الدعوة من بين صفوفة بل إنشقت الأرض فجأة بشعارات عنيفة وعصبية وغير منطقية ، ولا هى فى معظمها محل إتفاق بين المسلمين أنفسهم . كان واضحا أنها غزوة خارجية بكل المعانى ، ويراد فرضها على الجميع بقوة السلاح وهستريا التطبيق العنيف ، تماما كما فعل الشيوعيين الأفغان عندما ضربهم غرور السلاح واتكلوا علية لفرض عقائد مرفوضة إجتماعيا وانتهى بهم المطاف بالغرق فى بحر الدماء الذى بدأوه . فى سوريا أيضا بدأ طوفان الدم والعنف الأعمى فارضا نموذج الحكم الوهابى المرعب . وحتى هذه اللحظة فإن ما تم إنجازه بنجاح هو تدمير سوريا وتهجير نسبة كبيرة من سكانها إلى خارج البلاد.

ــ وذلك إنجاز وظيفى ممتاز قامت به الوهابية القتالية بأن فتحت الطريق واسعا أمام برنامج (إعادة إعمار سوريا) يتجهز له غيلان إعادة الإعمار الدوليون ، الذين يشعلون الحروب التى بنهايتها ينفتح الباب السحرى أمام مرحلة إعادة الإعمار ومحترفيها من الشركات العملاقة العابرة للقارات ، وينفتح الباب أمام القروض الإجبارية التى يقدمها  البنك والصندوق الدوليين وباقى الدول “المانحة” للقروض الربوية التى تضيع معها أى شبهة لإستقلال القرار السياسى الخارجى أو الداخلى ، وهو ما يطلق عليه عبيودية الديون الربوية . للحصول على القروض لابد وكشرط جوهرى يفرضه عصابات الذئاب ، لا بد أن تتم خصخصة ممتلكات الدولة ، فتباع بسعر التراب ثرواتها الطبيعية التى كانت ملكا للدولة (الشعب) . وبهذا تندمج سوريا / والعراق التى سبقتها منذ زمن/ فى المنظومة الدولية والإقليمية تحت القبضة التى لا ترحم للشركات متعددة الجنسيات ، فى ركام سياسى عربى تقوده إسرائيل من شواطئ محيطه “المتفرنس” ثقافيا والمتأمرك إقتصاديا/ إلى شاطئ خليجه النفطى السلفى عقائديا والعضو الجديد النشط فى النادى الإسرائيلى لدول العروبة ( النشطة فى مكافحة الإرهاب الإسلامى ، والتطرف الدينى الإسلامى أيضا !!).

ــ ودور الوهابية القتالية فى ذلك النظام الإستعمارى الحديث هو دور كاسحة الالغام أو “المدحلة” التى تزيل العوائق وتمهد الطريق ، فهى تفتت المجتمعات وتسقط الدول القديمة على فسادها ، وتستجلب الجيوش الخارجية وتشعل الصراعات المذهبية والدينية الداخلية ، إلى درجة الأزمة العالمية فتضيع مصالح الشعوب ويتبخر أملها فى الحرية فى خضم التدويل والحروب الأهلية أو الإنقلابات العسكرية (مصر مثالا) أو الغزو الأجنبى المباشر ( أفغانستان والعراق مثالا) . وفى حال فشل الجيوش الغربية أو الوطنية فى إتمام المهمة منفردة ، تجرى الإستعانة بقوات الوهابية القتالية لتقديم الدعم المعتاد . وهذا ما حدث فى العراق وسوريا ثم فى أفغانستان ، ومصر فى الطريق إلى حرب أهلية يديرها الجيش ، من بطولة الدواعش والجنرال تواضروس بابا الكنيسة القبطية .

ــ  لذلك ليس هناك أشد غباءً ممن يتصور جدية الإدعاء الغربى بالقضاء على  الظاهرة الإرهابية ، فالوهابية القتالية ضروة ومكمل عضوى لمهام مدرسة شيكاغو سالفة الذكر، وهى من المكونات الحيوية للإقتصاديات الكبرى فى العالم خاصة فى إسرائيل والولايات المتحدة / والأرقام حول ذلك متوفرة فى المصادر الإقتصادية المختصة/ .  لذلك فمن الأدق تسميتها “بمدرسة شيكاغو الجهادية “.

( المقارنة 2 ) :

أعتبرها المقارنة الأهم لأنها تتعلق بالطرفين الأساسيين فوق المسرح السورى أى روسيا والولايات المتحدة ، ولكل منهما مجموعة من الحلفاء الإقليميين يؤدون أدوارا مختلفة عن الأدوار التى كانت سائدة وقت الحرب الباردة قبل سقوط الإتحاد السوفيتى .

ــ الحرب فى سوريا ، فى أحد جوانبها الهامة ، هى جزء من حروب الطاقة وخطوط نقلها من أماكن إنتاجها ( العالم المتخلف) إلى أماكن الإحتياج إليها ( العالم المتقدم ) خاصة أوروبا .

ــ وحيث أن روسيا هى مصدر حيوى لإمداد أسواق أوروبا الغربية بالغاز الطبيعى ، وذلك يعطيها ميزة جيوساسية كبيرة إضافة الى دعم مواردها المالية .

وكان من المفترض أن يصل الغاز الطبيعى من قطر ( ثانى إحتياطى للغاز بعد روسيا ) إلى موانئ سورية على البحر المتوسط كخطوة أولى لنقله إلى أوروبا .

وهى ضربة خطيرة للإقتصاد الروسى ولمكانه تلك الدولة فى أوروبا والعالم . لهذا جاء رد فعلها متناسبا مع أهمية مصالحها المهددة ، وليس فقط إنتصارا لحليفها التاريخى والثابت فى سوريا.

( يذكرنا ذلك بالحصار الذى فرضته الولايات المتحدة على اليابان قبل الحرب العالمية الثانية فوصل الحصار إلى درجة منع وصول واردات النفط إلى اليابان بما يعنى إفلاس الدولة وإغلاق مصانعها والوقوع تحت السيطرة الأمريكية. فاختارت اليابان دخول الحرب ضد الولايات المتحدة ، فوجهت ضربتها الأولى وبدون إعلان مسبق ضد الأسطول الأمريكى فى ميناء بيرل هاربر).

ــ الضربة النفطية المتوجهة عبر سوريا إلى قلب المصالح الحيوية الروسية ، جاءت تاليا للضربة الكبرى التى تلقتها روسيا فى أوكرانيا . تفهم روسيا ما هو ليس سرا ، وهو أن أمريكا تستخدم حلف الناتو للزحف صوب الحدود الروسية ، فى محاولة لحصارها وتفتيتها من الداخل وضرب إمتداداتها الإقتصادية والإستراتيجية فى الخارج .كخطوة نحوة هدف نهائى هو تفتيت روسيا الإتحادية إلى دويلات صغيرة ثم وضع اليد على ثرواتها الطبيعية الهائلة خاصة فى النفط والغاز . ورغم أن روسيا يحكمها نظام رأسمالى متوحش ، كما هو الحال فى باقى دول الغرب ، بل أكثر منه وحشية لعدم وجود إرث ديموقراطى فى روسيا يعرقل حركة الرأسمالية المتوحشة الجديدة . ولكن المشكلة هى أن الشركات الغربية العابرة للقارات لم تستحوذ على الحصة التى كانت تتمناها من ميراث الدولة السوفيتية داخل روسيا الإتحادية ، إذ سقطت معظم ثروات الدولة وقطاعها العام فى يد الصفوة السياسية الروسية من بقايا العهد البائد .

فى أوكرانيا حافظت روسيا على حزام حدودى موال لها والأهم أنها إستولت على شبه جزيرة القرم محتفظة بموقع هام لأسطولها على المياه الدافته للبحرالأسود . وهى تحارب فى سورية للحفاظ على قواعد ذلك الأسطول على الشواطئ السورية . وبالطبع هى فى سوريا دفاعا عن نفسها ضد غزوة الغاز القطرى التي تقودها الإحتكارات النفطية الكبرى لضرب صادرات الغاز الروسة وتركيع تلك الدولة “المارقة”.

ــ شبيه بذلك يمكن قوله على إيران التى منذ نجاح ثورتها عام 1979  وهى تخضع لحصار مزمن وحروب متوالية باردة وساخنة بهدف إسقاط نظامها غير المنصاع لإمبراطورية مدرسة شيكاغو . والشركات العظمى متعددة الجنسيات متلهفة على كنوز النفط الإيرانى وثرواتها الكبيرة، وموقعها الفريد كقنطرة استراتيجية بين مياه الخليج ووسط آسيا ، وبحر قزوين وما حوله من جمهوريات إسلامية غنية بالنفط والمواد الخام مع هشاشة سياسية وخلخلة إجتماعية ، وهناك روسيا على نفس ذلك البحر الذى يمثل حلقة وصل مائية بين الحليفين الروسى والإيرانى اللذان يخوضان معركة متشابهة مع الغرب ، جمعتهما حاليا فى الميدان السورى الحيوى .

ــ فإيران ذات القدرات المتنامية وسط إقليم هش وضعيف ، يريد الغرب تقييدها خلف ستار حديدى وراء حدودها ، فى إنتظار الوهابية القتالية أن تزحف نحوها بعد أن تفرغ من مهامها فى العراق والشام ، وبعد أن يشتد عودها فى أفغانستان . وفضلت إيران أن يكون الصدام بعيدا عن أراضيها وحدودها وليس داخل مدنها وقراها .

ــ  تدرك إيران أن البحر الأبيض هو منتدى الحضارات ونافذة الدول العظمى فى العالم ، وترى أن من حقها أن تكون هناك ـ فى عبور سلمى آمن طبقا للمواثيق الدولية ـ وأن تصل إلى شوطئ ذلك البحر مثل باقى القوى من داخل الإقليم ، أو حتى القوى الغربية التى ركزت قواعدها العسكرية ونشرت أساطيلها الحربية حوله ، أو إحتلت شواطئه ونهبت ما به من ثروات الغاز كما تفعل إسرائيل .

وتتشارك إيران مع روسيا فى نفس الرؤية للبحرالأبيض . والغرب كله يعتنق نفس الرؤية ويطبقها سلما أو حربا إذا إستدعت الضرورة . كما تتشارك الدولتان فى خيار قتال معاركهما ــ بعيدا عن حدود دولتيهما ــ خاصة ضد التهديدات المدوية التى لا يتوقف عن إطلاقها تيار”الوهابية القتالية “.

ويلاحظ أن الضجة الدولية والعربية ضد ذلك التواجد العنيف للدولتين روسيا وإيران فى سوريا لمقابلة التهديدات فى مهدها ، لم يحدث وأن صدر مثله أو قريبا منه تجاه الحرب العدوانية التى تشنها أمريكا ضد أفغانستان بدعوى مكافحة طالبان وتنظيم القاعدة ” الإرهابى”، مدعومة بتحاف يقترب من الخمسين دولة بما فيها دولة الإمارات النفطية والأردن وتركيا عاصمة العمل العسكرى العابر للحدود السورية . أما المجازر التى يرتكبها الطيران السعودى ، فى حديقته الخلفية فى اليمن ، فهى تقابل بالترحيب الخليجى والوهابى على إعتبار أن الشعب اليمنى هو شعب شيعى تجب إبادته . فانتشرت المجاعة والأمراض فى اليمن نتيجة عدوان سعودى همجى جوى وبحرى وبرى . وكل عشر دقائق يموت طفل يمنى من الجوع والمرض لأن ذلك الطفل يتلقى الدعم من إيران !!.

ــ  ثم جاء تدخل أمريكى بريطانى أكثر جلافة وعدوانية ضد العراق ، ومازالت أمريكا وقواتها ومخابراتها هناك بدون أن تثير إمتعاض العقائديين الوهابيين ، الذين تركوا العراق مشاعا بين المستعمر الأمريكى والإسرائيلي وذئاب حلف الناتو وانشغلوا بحروب الإستئصال المذهبى ، وإقامة دولة خلافة إسلامية من فوق سيارات الدفع الرباعى .

ــ  باقى قوة أخرى هامة فى تلك الحرب ، هى قوة حزب الله صاحب أنجح تاريخ عسكرى فى مواجهة إسرائيل ، فهو الآن يخوض حربا فى سوريا دفاعا عن خطوط إمداده التى تمر من سوريا قادمة من منبعها فى إيران . وإذا حدث وتم إغلاق ذلك الممر فمعنى ذلك هزيمة حزب الله حتى بدون معركة مع إسرائيل . وذلك شبيه إلى حد ما بنجاح إسرائيل فى إعتراض مجرى النيل عند سد النهضة فى الحبشة ، وذلك يعنى هزيمة كبرى ونهائية ـ لكن بهدؤـ لمصر فى مقابل إسرائيل ـ وتمهيدا مؤكدا لتفكيك مصر وانحلالها .

مثل ذلك العنصر ـ حزب الله ـ لم يكن متواجد فى الحرب الأفغانية على أيا من الجانبين ، ويعتبر من خصوصيات الحرب العالمية الحالية فى سوريا وعليها.

بقلم :

مصطفي حامد – ابو الوليد المصري

المصدر:

مافا السياسي (ادب المطاريد)

www.mafa.world

 

 

 

نسخة PDFنسخة للطباعة

2 تعليقات

  1. تحية يا دكتور مصطفي
    افهم من ذلك ان افغانستان كانت عبارة عن مختبر لإنتاج الارهاب الوهابي الماسوني لتدمير المنطقة في الوقت الحالي.
    بداء تقلص دور داعش في العراق و سوريا ! هذا يعني اننا في صدد موجهة جديدة مع عينات اكثر تعقيدا من الارهاب الوهابي ضد ايران او ربما الدور القادم جمهورية مصر العربية!

    • للأسف فأنا لست دكتورا ، وما سوى ذلك فإن ما تقوله صحيح بشكل عام . قد تتقلص داعش أو تنتهى ، ولكن الإرهاب الوهابى مستمر لأنه يتعلق بصميم المصالح الإقتصادية والاستراتيجية لإسرائيل والغرب الإمبريالى .
      وسوف يتوجه ذلك الإرهاب إلى حيث تتجه تلك المصالح . فالسيف الوهابى مسلط على رقاب من يعارضون أو يطالبون بحقوق عادلة لشعوبهم .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here